فتح المنان من التبيان .....
.. في آداب حامل القرآن
جارٍ تحميل الكتاب…
فتح المنان من التبيان .....
.. في آداب حامل القرآن
فتح المنان
من التبيان في آداب حملة القرآن
لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت676هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله منزل الفرقان وهادي الأنام، والصلاة والسلام على سيد العالمين، المبلغ لأي الذكر الحكيم، وعلى آله وصحبه أجمعين، حملة هذا القرآن العظيم، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين في الذَّبِّ عن دين ربِّ العالمين.
وبعد:
فأثناء تجهيزي لمساق علوم القرآن لبرنامج البكالوريوس والدبلوم المتوسط، وقد اختصرته من أبرز وأشهر كتب علوم هذا الفن، المسمى «مناهل العرفان في علوم القرآن» لمحمد عبد العظيم الزرقاني (ت1367هـ ـ 1948م)،
ولما لم يتعرض الزَّرقانيّ لآداب حامل القرآن، وكان الكتاب المنظور إليه في هذا الباب كتاب الإمام النووي «التبيان في آداب حامل القرآن»، فقد صرفتُ عنان اهتمامي إليه، في إعادة ترتيبه وتهذيبه وتوثيقه، فاستخرجت منه زبدة نافعة تشمل على عامة ما فيه مما يتعلق بآداب القرآن، ذكرتها في المبحث الأخير من الكتاب.
وسميته:
«فتح المنان من التبيان في آداب حملة القرآن»
لكنني حذفت منه المبحث المتعلق بآداب طالب العالم؛ لأن موضوعه غريب عن علوم القرآن، ورأيت هذا الأيام زيادة للنفع أن أضم إليه مبحث آداب طالب العلم، وأن أخرج هذا التهذيب للتبيان في طبعة مستقلة سعياً لنشره، وإشاعة لنفعه، سائلاً المولى أن يتقبله كما تقبّل أصله، وأن ينفع به ويشيع ذكره في البلاد وبين العباد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
في صويلح، عمان، الأردن ... الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
بتاريخ 8ـ 12ـ 2020م ... عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
المطلب الأول
آداب طالب العلم
أولاً: آداب معلم القرآن ومتعلمه:
أوّل ما ينبغي للمقرئ والقارئ أن يقصدا بذلك رضا الله تعالى، قال الله - عز وجل -: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة} [البينة:5]: أي الملة المستقيمة.
وعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (¬1)، وهذا الحديث من أصول الإسلام.
وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم - قال: «إنّما يُعطى الرجل على قدر نيته»، وعن غيره: «إنما يعطى الناس على قدر نياتهم».
وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري: الإخلاص إفراد الحق في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب الى الله تعالى دون شئ آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة أو مدح من
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 6، وصحيح مسلم3: 1515.
الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى، قال: ويصح أن
يقال: الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين.
وعن حذيفة المرعشي: الإخلاص استواء أفعال العبد في الظاهر والباطن.
وعن ذي النون: ثلاث من علامات الإخلاص: استواء المدح والذم من العامة، ونسيان رؤية العمل في الأعمال، واقتضاء ثواب الأعمال في الآخرة.
وعن الفضيل بن عياض: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
وعن سهل التستري: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص، فلم يجدوا غير هذا أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء، لا نفس، ولا هوى، ولا دنيا.
وعن السري: لا تعمل للنّاس شيئاً، ولا تترك لهم شيئاً، ولا تغط لهم شيئاً، ولا تكشف لهم شيئاً.
وعن القشيري: أفضل الصدق استواء الصدق والعلانية.
وعن الحارث المحاسبي: الصادق هو الذي لا يبالي، ولو خرج عن كلِّ قدر له في قلوب الخلائق من أجل صلاح قلبه، ولا يحب اطلاع النّاس على مثاقيل الذّر من حسن عمله، ولا يكره إطلاع الناس على
السيء من عمله، فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم، وليس هذا من أخلاق الصِّديقين.
وعن غيره: إذا طلبت الله تعالى بالصدق أعطاك الله مرآة تبصر فيها كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة.
وأقاويل السلف في هذا كثيرة أشرنا إلى هذه الأحرف منها تنبيهاً على المطلوب.
وينبغي أن لا يقصد به توصلاً إلى غرض من أغراض الدُّنيا من مال أو رئاسة أو وجاهة أو ارتفاع على أقرانه أو ثناء عند النّاس أو صرف وجوه الناس إليه أو نحو ذلك.
ولا يشوب المقرئ إقراءه بطمع في رفق يحصل له من بعض مَن يقرأ عليه سواء كان الرفق مالاً أو خدمة وإن قل، ولو كان على صورة الهدية التي لولا قراءته عليه لما أهداها إليه، قال - عز وجل -: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيب} [الشورى:20]، وقال - عز وجل -: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء:18].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلم علماً يبتغي به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (¬1).
¬
(¬1) في سنن أبي داود3: 323، وقال النووي: إسناده صحيح، والمستدرك1: 160، وصححه.
وعن أنس وحذيفة وكعب بن مالك - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن طلب العلم ليماري به السفهاء، أو يكاثر به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله - عز وجل - النار» (¬1).
ثانياً: إخلاص المعلم له:
وليحذر كلّ الحذر مَن قصده التكثر بكثرة المشتغلين عليه، والمختلفين إليه.
وليحذر من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذه مصيبة يُبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين، وهي دلالة بيّنة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته، بل هي حجّةٌ قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم، فإنه لو أراد الله - عز وجل - بتعليمه لما كَره ذلك بل قال لنفسه: أنا أردت الطاعة بتعليمه، وقد حصلت، وقد قصد بقراءته على غيري زيادة علم فلا عتب عليه.
فعن عليّ - رضي الله عنه - قال: يا حملة القرآن أو قال: «يا حملة العلم اعملوا به، فإنّما العلم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقاً يُباهي بعضهم بعضاً، حتى أنّ الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 32، وسنن ابن ماجة1: 93، وسنن الدارمي1: 378.
مجالسهم، تلك إلى الله تعالى» (¬1).
وقد صحّ عن الإمام الشافعي أنه قال: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم ـ يعني علمه وكتبه ـ على أن لا ينسب إلي حرف منه.
ثالثاً: مكارم الاخلاق:
وينبغي للمعلم أن يتخلّق بالمحاسن التي ورد الشرع بها، والخصال الحميدة والشيم المرضية التي أرشده الله إليها من الزهادة في الدنيا، والتقلل منها، وعدم المبالاة بها وبأهلها، والسخاء والجود، ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة، والحلم والصبر والتنزه عن دنئ المكاسب، وملازمة الورع والخشوع والسكينة والوقار والتواضع والخضوع، واجتناب الضحك، والإكثار من المزاح، وملازمة الوظائف الشرعية كالتنظيف وتقليم بإزالة الأوساخ، والشعور التي ورد الشرع بإزالتها: كقص الشارب وتقليم الظفر وتسريح اللحية وإزالة الروائح الكريهة والملابس المكروهة.
وليحذر كلّ الحذر من الحسد والرياء والعجب واحتقار غيره وإن كان دونه.
وينبغي أن يستعمل الأحاديث الواردة في التسبيح والتهليل ونحوهما من الأذكار والدعوات، وأن يراقب الله ... تعالى في سره
¬
(¬1) في سنن الدارمي1: 382.
وعلانيته، ويحافظ على ذلك، وأن يكون تعويله في جميع أموره على الله تعالى.
ثالثاً: الإحسان للمتعلم:
وينبغي له أن يرفق بمَن يقرأ عليه، وأن يرحب به، ويحسن إليه بحسب حاله، فعن أبي هرون العبدي قال: كنا نأتي أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - فيقول: مرحباً بوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الناس لكم تبع، وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً» (¬1).
رابعاً: إخلاص النصيحة له:
وينبغي أن يبذل لهم النصيحة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (¬2)، ومن النصيحة لله تعالى ولكتابه إكرام قارئه وطالبه، وإرشاده إلى مصلحته، والرفق به ومساعدته على طلبه بما أمكن، وتأليف قلب الطالب، وأن يكون سمحاً بتعليمه في رفق متلطفاً به، ومحرضاً له على التعلم.
وينبغي أن يذكره فضيلة ذلك ليكون سبباً في نشاطه، وزيادة في رغبته ويزهده في الدنيا، ويصرفه عن الركون إليها، والإغترار بها.
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 30، وسنن ابن ماجة1: 91.
(¬2) في صحيح مسلم1: 74.
ويذكره فضيلة الإشتغال بالقرآن، وسائر العلوم الشرعية، وهو طريق العارفين، وعباد الله الصالحين، وأن ذلك رتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وينبغي أن يشفق على الطالب، ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح ولده، ومصالح نفسه، ويجري المتعلم مجرى ولده في الشفقة عليه، والصبر على جفائه وسوء أدبه، ويعذره في قلّة أدبه في بعض الأحيان، فإن الإنسان معرض للنقائص لا سيما إن كان صغير السن.
وينبغي أن يحبّ له ما يحب لنفسه من الخير، وأن يكره له ما يكره لنفسه من النقص مطلقاً، فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (¬1)، وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - قال: «أكرم الناس علي جليسي، الذي يتخطى النّاس حتى يجلس إلي، لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت» (¬2)، وفي رواية: «إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني» (¬3).
وينبغي أن لا يتعاظم على المتعلمين، بل يلين لهم، ويتواضع معهم، فقد جاء في التواضع لآحاد الناس أشياء كثيرة معروفة، فكيف بهؤلاء
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 12.
(¬2) في شعب الإيمان12: 111.
(¬3) في المنتقى1: 149، ومكارم الأخلاق1: 235.
الذين هم بمنزلة أولاده مع ما هم عليه من الاشتغال بالقرآن، مع ما لهم عليه من حقّ الصحبة، وترددهم إليه، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لينوا لمن تعلمون، ولمن تتعلمون منه» (¬1).
وعن أبي أيوب السِّختيانيّ: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله - عز وجل - (¬2).
خامساً: تأليف المتعلم:
وينبغي أن يؤدب المتعلِّم على التدريج بالآداب السنية، والشيم المرضية، ورياضة نفسه بالدقائق الخفية، ويعوده الصيانة في جميع أموره الباطنة والجلية، ويحرضه بأقواله وأفعاله المتكررات على الإخلاص والصدق وحسن النيات، ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات، ويعرفه أن لذلك تتفتح عليه أنوار المعارف، وينشرح صدره، ويتفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف، ويُبارك له في علمه وحاله، ويوفق في أفعاله وأقواله.
سادساً: حكم التعليم:
تعليم المتعلمين فرض كفاية، فإن لم يكن مَن يصلح إلا واحد تعين، وإن كان هناك جماعةٌ يحصل التَّعليم ببعضهم، فإن امتنعوا كلّهم أثموا،
¬
(¬1) في الفوائد المنتقاة الحسان للخلعي2: 225.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة19: 495.
وإن قام به بعضُهم سقط الحرج عن الباقين، وإن طلب من أحدهم وامتنع فأظهر الوجهين أنه لا يأثم، لكن يكره له ذلك إن لم يكن عذر.
سابعاً: إخلاص المعلم:
يستحب للمعلم أن يكون حريصاً على تعليمهم مؤثراً ذلك على مصالح نفسه الدنيوية التي ليست بضرورية، وأن يفرغ قلبه في حال جلوسه لإقرائهم من الأسباب الشاغلة كلّها، وهي كثيرةٌ معروفةٌ.
وأن يكون حريصاً على تفهيمهم، وأن يعطي كلّ إنسان منهم ما يليق به، فلا يكثر على من لا يحتمل الإكثار، ولا يُقصر لمن يحتمل الزيادة، ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم، ويثني على مَن ظهرت نجابته ما لم يخش عليه فتنة بإعجاب أو غيره.
ومَن قصَّر عنَّفه تعنيفاً لطيفاً في ما لم يخش عليه تنفيره، ولا يحسد أحداً منه لبراعة تظهر منه، ولا يستكثر فيه ما أنعم الله به عليه، فإن الحسد للأجانب حرام شديد التحريم، فكيف للمتعلم الذي هو بمنزلة الولد، ويعود من فضيلته إلى معلمه في الآخرة الثواب الجزيل، وفي الدنيا الثناء الجميل.
ويُقدِّم في تعليمهم إذا ازدحموا الأول فالأول، فإن رضي الأول بتقديم غيره قدَّمه، وينبغي أن يظهر لهم البشر وطلاقة الوجه، ويتفقد أحوالهم، ويسأل عمَن غاب منهم.
قال العلماء: ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية، فقد قال سفيان وغيره: طلبهم للعلم نية، وقالوا: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله - عز وجل -، معناه كانت غايته أن صار لله تعالى.
ثامناً: أدب المعلم
ومن آدابه المتأكدة وما يعتنى به:
أن يصون يديه في حال الإقراء عن العبث، وعينيه عن تفريق نظرهما من غير حاجة، ويقعد على طهارة مستقبل القبلة، ويجلس بوقار، وتكون ثيابه بيضاً نظيفة، وإذا وصل إلى موضع جلوسه، صلى ركعتين قبل الجلوس، سواء كان الموضع مسجداً أو غيره، ويجلس متربعاً إن شاء أو غير متربع، وروى ابن أبي داود عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: كان يقرئ الناس في المسجد جاثيا على ركبتيه.
وأن لا يذل العلم، فيذهب إلى مكان ينسب إلى مَن يتعلم منه؛ ليتعلم منه فيه وإن كان المتعلم خليفة، فمن دونه، بل يصون العلم عن ذلك، كما صانه عنه السلف - رضي الله عنهم - وحكاياتهم في هذا كثيرة مشهورة.
وينبغي أن يكون مجلسه واسعاً؛ ليتمكن جلساؤه فيه، فعن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «خير المجالس أوسعها» (¬1).
¬
(¬1) في سنن أبي داود4: 257، وقال النووي: إسناده صحيح.
تاسعاً: آداب المتعلم:
وجميع ما ذكرناه من آداب المعلم في نفسه آداب للمتعلم.
ومن آدابه: أن يجتنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل إلا سببا لا بد منه للحاجة.
وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس؛ ليصلح لقبول القرآن وحفظه واستثماره فقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (¬1).
وقد أحسن القائل بقوله: يطيب القلب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة.
وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويتأدب معه وإن كان أصغر منه سناً وأقل شهرة ونسباً وصلاحاً وغير ذلك.
ويتواضع للعلم فبتواضعه يدركه، وقد قالوا نظماً:
العلم حرب للفتى المتعالي .... كالسيل حرب للمكان العالي
وينبغي أن ينقاد لمعلمه ويشاوره في أموره، ويقبل قوله، كالمريض العاقل يقبل قول الطبيب الناصح الحاذق وهذا أولى.
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 20، وصحيح مسلم3: 1219.
ولا يتعلم إلا ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحقَّقت معرفتُه، واشتهرت صيانته، فقد قال محمد بن سيرين ومالك بن أنس وغيرهما من السلف: هذا العلم دينٌ، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
وعليه أن ينظر معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته، ورجحانه على طبقته، فإنه أقرب إلى انتفاعه به، وكان بعضُ المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدَّق بشيء، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه مني، وقال الربيع صاحب الشافعي: ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له.
وعن عليّ - رضي الله عنه -: من حقّ المعلم عليك أن تُسلِّم على الناس عامة، وتخصّه دونهم بتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تغمزن بعينيك، ولا تقولن: قال فلان خلاف ما تقول، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا تشاور جليسك في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه إذا قام، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تعرض أي تشبع من طول صحبته.
وينبغي أن يتأدب بهذه الخصال التي أرشد إليها علي - رضي الله عنه -، وأن يرد غيبة شيخه إن قدر، فإن تعذَّر عليه ردّها فارق ذلك المجلس.
ويدخل على الشيخ كامل الخصال متصفاً بما ذكرناه في المعلم متطهراً مستعملاً للسواك، فارغ القلب من الأمور الشاغلة.
وأن لا يدخل بغير استئذان إذا كان الشيخ في مكان يحتاج فيه إلى استئذان، وأن يسلم على الحاضرين إذا دخل ويخصه دونهم بالتحية.
وأن يسلم عليه وعليهم إذا انصرف، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتى أحدكم المجلس فليسلم، فإذا قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الثانية» (¬1).
ولا يتخطى رقاب الناس، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس، إلا أن يأذن له الشيخ في التَّقدُّم أو يعلم من حالهم إيثار ذلك.
ولا يقيم أحداً من موضعه، فإن آثره غيره لم يقبل اقتداء بابن عمر - رضي الله عنهم - إلا أن يكون في تقديمه مصلحة للحاضرين أو أمره الشيخ بذلك.
ولا يجلس في وسط الحلقة إلا لضرورة.
ولا يجلس بين صاحبين بغير إذنهما وإن فسحا له قعد وضم نفسه.
عاشراً: أدبه مع رفاقه:
وينبغي أن يتأدب مع رفقته، وحاضري مجلس الشيخ، فإن ذلك تأدب مع الشيخ، وصيانة لمجلسه، ويقعد بين يدي الشَّيخ قعدة المتعلمين لا قعدة المعلمين، ولا يرفع صوته رفعاً بليغاً من غير حاجة، ولا يضحك، ولا يكثر الكلام من غير حاجة، ولا يعبث بيده ولا بغيرها،
¬
(¬1) في المعجم الصغير1: 230، وشعب الإيمان11: 231.
ولا يلتفت يميناً، ولا شمالا من غير حاجة، بل يكون متوجهاً إلى الشيخ، مصغياً إلى كلامه أدبه، مع شيخه.
ومما يتأكد الاعتناء به أن لا يقرأ على الشيخ في حال شغل قلب الشيخ، وملله واستيفازه سنة وروعه وغمه وفرحه وعطشه ونعاسه وقلقه ونحو ذلك مما يشقّ عليه أو يمنعه من كمال حضور القلب والنشاط، وأن يغتنم أوقات نشاطه.
ومن آدابه أن يتحمّل جفوةَ الشَّيخ وسوء خلقه، ولا يصده ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله، ويتأول لأفعاله وأقواله التي ظاهرها الفساد تأويلات صحيحة، فما يعجز عن ذلك إلا قليل التَّوفيق أو عديمه، وأنّ جفاه الشيخ ابتدأ هو بالاعتذار إلى الشيخ، وأظهر أنّ الذَّنب له والعتب عليه، فذلك أنفع له في الدُّنيا والآخرة، وأنقى لقلب الشَّيخ.
وقد قالوا: مَن لم يصبر على ذلِّ التعليم بقي عمره في عماية الجهالة، ومَن صبر عليه آل أمره إلى عزِّ الآخرة والدنيا، ومنه الأثر المشهور عن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «ذللت طالباً، فعززت مطلوباً» (¬1).
وقد أحسن من قال:
مَن لم يذق طعم المذلة ساعة .... قطع الزمان بأسره مذلولاً
¬
(¬1) في المجالسة وجواهر العلم4: 439.
الحادي عشر: حرصه على العلم:
ومن آدابه المتأكدة: أن يكون حريصاً على التَّعلم، مواظباً عليه في جميع الأوقات التي يتمكن منه فيها، ولا يقنع بالقليل مع تمكنه من الكثير، ولا يحمل نفسه ما لا يطيق مخافة من الملل، وضياع ما حصل، وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال.
وإذا جاء إلى مجلس الشيخ فلم يجده انتظر، ولازم بابه، ولا يفوت وظيفته، إلا أن يخاف كراهة الشيخ لذلك، بأن يعلم من حاله الإقراء في وقت بعينه، وأنّه لا يُقرئ في غيره.
وإذا وجد الشيخ نائماً أو مشتغلاً بمهم لم يستأذن عليه، بل يصبر إلى استيقاظه، أو فراغه، أو ينصرف والصبر أولى كما كان ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهم - وغيره يفعلون، وينبغي أن يأخذ نفسه بالاجتهاد في التَّحصيل في وقت الفراغ، والنشاط، وقوة البدن، ونباهة الخاطر، وقلَّة الشَّاغلات قبل عوارض البطالة، وارتفاع المنزلة، فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «تفقهوا قبل أن تسودوا» (¬1).
معناه اجتهدوا في كمال أهليتكم قبل وأنتم أتباع قبل أن تصيروا سادة، فإنكم إذا صرتم سادة متبوعين امتنعتم من التعلم لارتفاع منزلتكم، وكثرة شغلكم، وهذا معنى قول الإمام الشَّافعيّ: «تفقه قبل
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 25.
أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه» (¬1).
وينبغي أن يبكر بقراءته على الشيخ أول النهار؛ لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«اللهم بارك لأمتي في بكورها» (¬2).
وينبغي أن يحافظَ على قراءة محفوظه.
وينبغي أن لا يؤثر بنوبته غيره، فإن الإيثار مكروهٌ في القرب، بخلاف الإيثار بحظوظ النَّفس، فإنّه محبوبٌ، فإن رأى الشَّيخ المصلحة في الإيثار في بعض الأوقات لمعنى شرعي، فأشار عليه بذلك امتثل أمره، ومما يجب عليه ويتأكد الوصية به، ألا يحسد أحداً من رفقته أو غيرهم على فضيلة رزقه الله إياها، وأن لا يعجب بنفسه بما خصَّه الله، وقد قدمنا إيضاح هذا في آداب الشيخ وطريقه في نفي العُجب أن يذكر نفسه أنه لم يحصل ما حصله بحوله وقوته، وإنما هو فضل من الله.
ولا ينبغي أن يعجب بشيء لم يخترعه، بل أودعه الله تعالى فيه،
وطريقه في نفي الحسد: أن يعلم أن حكمةَ الله تعالى اقتضت جعل هذه الفضيلة في هذا.
فينبغي أن لا يعترض عليها، ولا يكره حكمة أرادها الله تعالى ولم يكرهها.
¬
(¬1) في المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي1: 266.
(¬2) في سنن أبي داود3: 35، وسنن الترمذي3: 509، وسنن النسائي الكبرى8: 120، وصحيح ابن حبان11: 62.
المطلب الثاني
آداب مع القرآن
ويتضمن النقاط الآتية:
* أولاً: فضيلة تلاوة القرآن وحملته:
ويظهر فيما يلي:
1.ارتفاع منزلة من تعلم القرآن:
فعن عثمان - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (¬1)، وعن الحميدي الجمالي قال سألت سفيان الثَّوري عن الرجل يغزو أحب إليك أو يقرأ القرآن، فقال: يقرأ القرآن؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خيركم ... ».
وعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه، وهو عليه شاق له أجران» (¬2).
¬
(¬1) في صحيح البخاري6: 162.
(¬2) في صحيح البخاري5: 166، وصحيح مسلم1: 549.
2.عظم آجر من يتلو القرآن:
قال الله - عز وجل -: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُور. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُور} [فاطر:30].
وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها، وطعمها طيب حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مرّ» (¬1).
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (¬2).
وعن ابن عمرو - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (¬3).
¬
(¬1) في صحيح البخاري7: 77، وصحيح مسلم1: 549.
(¬2) في سنن الترمذي5: 175، وقال: حسن صحيح غريب.
(¬3) في سنن أبي داود2: 73، وسنن الترمذي5: 177، وقال: حسن صحيح، وصحيح ابن حبان3: 43، ومسند أحمد11: 403.
3.شفاعة القرآن لمن يقرأه:
فعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه» (¬1).
4.قراءة القرآن تغني عن السؤال لله تعالى:
فعن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يقول - عز وجل -: مَن شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السَّائلين، وفضل كلام الله - عز وجل - عن سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» (¬2).
5.ينتفع الوالدان بقراءة القرآن والعمل به:
فعن أنس الجهني - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله
والديه تاجاً يوم القيامة، ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا، فما ظنكم بالذي عمل بهذا» (¬3).
6.القرآن حبل الله المتين وميزان الحق:
فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا القرآن مأدبة الله - عز وجل -، فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله - عز وجل -، والنور المبين،
¬
(¬1) في صحيح مسلم1: 533.
(¬2) في سنن الترمذي5: 184، قال: حسن صحيح.
(¬3) في سنن أبي داود2: 70، والمستدرك1: 756، وصححه.
والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد» (¬1).
وعن عمر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين» (¬2).
وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» (¬3).
7.لا تحاسد في تعلم القرآن:
فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (¬4).
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها، ويعلمها» (¬5).
¬
(¬1) في المستدرك 1: 741، وصححه، وأثبت لفظه من المستدرك لا من الدارمي كما في النووي.
(¬2) في صحيح مسلم1: 569.
(¬3) في سنن الترمذي5: 177، وقال: حسن صحيح، مسند أحمد3: 417، وسنن الدارمي4: 3083، والمستدرك1: 741، وصححه.
(¬4) في صحيح البخاري9: 164، وصحيح مسلم1: 558.
(¬5) في صحيح البخاري1: 25، وصحيح مسلم1: 559.
8.ترجيح القراءة والقارئ على غيرهما:
فعن أبي مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى» (¬1).
وعن ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم - قال: «كان القراء أصحاب مجلس عمر - رضي الله عنه - ومشاورته كهولاً وشباباً» (¬2).
10.أمر الله - عز وجل - بإكرام أهل القرآن والنهي عن أذاهم:
قال - عز وجل -: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب} [الحج:32].
وقال - عز وجل -: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج:30].
وقال - عز وجل -: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين} [الشعراء:215].
وقال - عز وجل -: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب:58].
¬
(¬1) في صحيح مسلم1: 465.
(¬2) في صحيح البخاري6: 60.
وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي
السلطان المقسط» (¬1).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن ننزل الناس منازلهم مع ما نطق به من القرآن» (¬2).
وعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن، فإن أشير إلى أحدهما قدَّمه في اللحد» (¬3).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله - عز وجل - قال: مَن عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب» (¬4)، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن لم يكن العلماء أولياء الله، فليس لله ولي (¬5).
* ثانياً: آداب حامل القرآن:
وهي كثيرة، ومنها:
¬
(¬1) في سنن أبي داود4: 361، وقال النووي: حديث حسن.
(¬2) في مقدمة صحيح مسلم1: 6، وقال النووي: رواه أبو داود في سننه، والبزار في مسنده، قال الحاكم في علوم الحديث: هو حديث صحيح.
(¬3) في صحيح البخاري3: 11.
(¬4) في صحيح البخاري8: 105.
(¬5) ينظر: التبيان ص29.
1.أن يكون على أكمل الأحوال، وأكرم الشمائل، وأن يرفع نفسه عن كلِّ ما نهى القرآن عنه إجلالاً للقرآن.
فعن ابن عمرو - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يوحى إليه، ومَن قرأ القرآن فرأى أن أحداً أعطي أفضل مما أعطي، فقد عظَّم ما صغَّر الله، وصَغَّر ما عظَّم الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يسفَه فيمن يسفه، أو يغضب فيمن يغضب، أو يحتدَّ فيمَن يحتدّ، ولكن يعفو ويصفح؛ لفضل القرآن» (¬1).
2.أن يكون مصوناً عن دنيء الاكتساب، شريف النفس، مرتفعاً على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا، متواضعاً للصَّالحين وأهل الخير والمساكين.
فعن الفضيل بن عياض: «ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له إلى الخلق حاجة لا إلى الخلفاء فمن دونهم، وينبغي أن يكون حوايج الخلق إليه» (¬2).
وعن الفضيل: «حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيماً لحقّ القرآن» (¬3).
¬
(¬1) في المعجم الكبير13: 649.
(¬2) في حلية الأولياء1: 139.
(¬3) في حلية الأولياء1: 139.
3.أن يكون متخشعاً ذا سكينة ووقار:
فعن عمر - رضي الله عنه -: «يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح لكم
الطَّريق، فاستبقوا الخيرات، لا تكونوا عيالاً على الناس» (¬1).
وعن حذيفة - رضي الله عنه -: «يا معشر القراء استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً، فإن أخذتم يميناً وشمالاً، لقد ضللتم ضلالا بعيدا» (¬2).
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصحته إذا الناس يخوضون، ويخسوعه إذا الناس يختالون» (¬3).
وعن الحسن بن علي - رضي الله عنه -: «إن مَن كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها في النهار».
4.بعده عن التكسب به، فمن أهم ما يؤمر به أن يحذر كلَّ الحذر من اتخاذ القرآن معيشةً يكتسب بها، بأن كان يقرؤه في بيوت العزاء
¬
(¬1) في مسند ابن الجعد1: 258.
(¬2) في صحيح البخاري9: 93.
(¬3) في حلية الأولياء1: 139، وشعب الإيمان3: 287، والهم والحزم لابن أبي الدنيا1: 86.
بأجرة، فعن عبد الرحمن بن شبيل - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه» (¬1).
وعن جابر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «اقرؤوا القرآن وابتغوا به الله - عز وجل -، من قبل
أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه» (¬2).
وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يتعجلون أجره ولا يتأجلونه» (¬3)، معناه: يتعجلون أجره إما بمال وإما سمعة ونحوها.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «سيجيء زمان يسأل فيه بالقرآن، فإذا سألوكم فلا تعطوهم» (¬4).
وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن فيجوز؛ لأنه في منعه إضاعة لتعليم القرآن ونشره، وهذا ما استقرّ عليه الفتوى في المذهب الحنفي.
5. المحافظة على تلاوته والإكثار منها:
ينبغي أن يحافظ على تلاوته ويكثر منها، وكان السَّلف - رضي الله عنهم - لهم عاداتٌ مختلفةٌ في قدر ما يختمون فيه.
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة5: 239.
(¬2) في مسند أحمد23: 144، وشعب الإيمان4: 205.
(¬3) في شعب الإيمان4: 205.
(¬4) في شعب الإيمان4: 199.
فروى ابن أبي داود عن بعض السَّلف - رضي الله عنهم -: أنهم كانوا يختمون في كلِّ شهرين ختمة واحدة.
وعن بعضهم: في كل شهر ختمة.
وعن بعضهم: في كلِّ عشر ليال ختمة.
وعن بعضهم: في كلِّ ثمان ليال.
وعن الأكثرين: في كل سبع ليال.
وعن بعضهم: في كلِّ ست.
وعن بعضهم: في كلِّ خمس.
وعن بعضهم: في كلِّ أربع.
وعن كثيرين في كل ثلاث.
وعن بعضهم: في كلِّ ليلتين.
وختم بعضهم في كلِّ يوم وليلة ختمة.
ومنهم مَن كان يختم في كلِّ يوم وليلة ختمتين.
ومنهم مَن كان يختم ثلاثاً.
وختم بعضُهم: ثمان ختمات أربعاً بالليل وأربعا بالنهار.
فمن الذين كانوا يختمون ختمة في الليل واليوم عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، وتميم الدَّاري وسعيدُ بنُ جبير ومجاهدُ والشَّافعيُّ وآخرون.
ومن الذين كانوا يختمون ثلاث ختمات سليم بن عمر - رضي الله عنه - قاضي مصر في خلافة معاوية - رضي الله عنه -، روى أبو بكر بن أبي داود: أنه كان يختم في اللَّيلة أربع ختمات، وروى أبو عمر الكندي في كتابه في «قضاة مصر»: أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات.
قال أبو عبد الرحمن السلمي سمعت أبا عثمان المغربي يقول: كان ابنُ الكاتب يختم بالنَّهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات، وهذا أكثر ما بلغنا من اليوم والليلة.
وروى الدَّورقيّ عن منصور بن زادان عن عبّاد التابعين - رضي الله عنهم -: أنه كان يختم القرآن فيما بين الظّهر والعصر، ويختمه أيضاً فيما بين المغرب والعشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل.
وروى أبو داود بإسناده الصحيح: أنّ مجاهداً كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء.
وعن منصور قال: كان عليّ الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كلّ ليلة من رمضان.
وعن إبراهيم بن سعد، قال: كان أبي يحتبي فما يحلّ حبوته حتى يختم القرآن.
وأمَّا الذي يختم في ركعة، فلا يحصون؛ لكثرتهم فمن المتقدمين عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير - رضي الله عنهم - ختمة في كل ركعة في الكعبة.
وأمّا الذين ختموا في الأسبوع مرّة فكثيرون، نُقل عن عثمان بن عفان وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب - رضي الله عنهم -، وعن جماعة من التابعين كعبد الرحمن بن يزيد وعلقمة وإبراهيم - رضي الله عنهم -.
والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمَن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرؤه، وكذا مَن كان مشغولاً بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين، فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حدّ الملل والهذرمة (¬1).
وقد كَره جماعةٌ من المتقدِّمين الختم في يوم وليلة، فعن بن عمرو - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يفقه مَن قرأ القرآن في أقل من ثلاث» (¬2).
6.المحافظة على القراءة بالليل:
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص154ـ 161.
(¬2) في سنن أبي داود2: 54، وصححه النووي، وصحيح ابن حبان3: 35، ومسند أحمد11: 389.
ينبغي أن يكون اعتناؤه بقراءة الليل أكثر، قال الله تعالى: {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُون. يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِين} [آل عمران:114].
فعن حفصة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يُصلي من الليل»، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً (¬1).
وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل» (¬2).
وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه -، قال جبريل - عليه السلام - للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا محمد، شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس» (¬3).
وعن أبي الأحوص الحبشي: «إن كان الرجل ليطرق الفسطاط ـ أي يأتيه ليلاً ـ فيسمع لأهله دوياً: كدوي النَّحل، قال: فما بال هؤلاء يأمنون ما كان أولئك يخافون» (¬4).
وعن إبراهيم النخعي: «اقرؤوا من الليل ولو حلب شاة».
وعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تدعن صلاة الليل، ولو حلب شاة» (¬5).
¬
(¬1) في صحيح البخاري3: 49.
(¬2) في صحيح البخاري2: 54.
(¬3) المستدرك4: 360، وصححه، والمعجم الأوسط4: 306.
(¬4) في مصنف ابن أبي شيبة19: 290، والزهد والرقائق لابن المبارك1: 32.
(¬5) في المعجم الأوسط4: 251، والمعجم الكبير1: 271، قال الهيثمي في مجمع الزوائد2: 252: «وفيه بقية بن الوليد، وفيه كلام كثير».
وعن يزيد الرقاشي قال: «إذا أنا نمت، ثم استيقظت، ثم نمت، فلا أنام الله - عز وجل - عيناي» (¬1).
قال النَّوويُّ (¬2): «وإنّما رَجَحَتْ صلاة الليل وقراءته؛ لكونها أجمع للقلب، وأبعد عن الشاغلات والملهيات، والتصرف في الحاجات، وأصون عن الرياء وغيره من المحبطات مع ما جاء الشرع به من إيجاد الخيرات في الليل، فإن الإسراء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ليلاً، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ينزل ربنا، تبارك وتعالى، كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له» (¬3).
وعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم، يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة» (¬4).
قال النوويُّ (¬5): «واعلم أنّ فضيلة القيام بالليل، والقراءة فيه تحصل بالقليل والكثير، وكلَّما كثر كان أفضل، إلا أن يستوعب الليل كلَّه، فإنّه يُكره الدوام عليه، وإلا أن يضرّ بنفسه».
¬
(¬1) في مختصر قيام الليل ص50، ومسند الجعد1: 211، وحلية الأولياء7: 328.
(¬2) في التبيان ص64.
(¬3) في الموطأ2: 298، وصحيح البخاري2: 53.
(¬4) في صحيح مسلم1: 521.
(¬5) في التبيان ص65.
فعن ابن عمرو - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومَن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومَن قام بألف آية كتب من المقنطين» (¬1).
وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم -: «مَن صلى بالليل ركعتين، فقد بات لله ساجداً وقائماً» (¬2).
7.تعهد القرآن والتَّحذير من تعريضه للنِّسيان:
فعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمَّد بيده لهو أشدّ تفلتاً من الإبل في عقلها» (¬3).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المُعَقَّلَة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» (¬4).
وعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «عُرضت عليّ أجور أُمتي، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعُرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثمّ نسيها» (¬5).
¬
(¬1) في سنن أبي داود1: 65، وصحيح ابن خزيمة2: 181، وصحيح ابن حبان6: 310.
(¬2) ينظر: التبيان ص66.
(¬3) في صحيح البخاري6: 192، وصحيح مسلم1: 545.
(¬4) في صحيح البخاري6: 193، وصحيح مسلم1: 543.
(¬5) في سنن أبي داود1: 136، وسنن الترمذي5: 178، وتكلم فيه.
وعن سعد بن عبادة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قرأ القرآن ثمّ نسيه لقي الله - عز وجل - يوم القيامة وهو أجذم» (¬1).
8.المحافظة على ورد القرآن اليومي:
فعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظُّهر كُتب له كأنّه قرأه من الليل» (¬2).
وعن سليمان بن يسار، قال أبو أسيد - رضي الله عنه -: «نمت البارحة عن وردي حتى أصبحت، فلما أصبحت استرجعت، وكان وردي سورة البقرة فرأيت في المنام كأن بقرة تنطحني» (¬3).
وعن بعض حفاظ القرآن أنه نام ليلةً عن حزبه فأري في منامه كأن قائلا يقول له:
عَجِبْتُ مِنْ جِسْمٍ وَمِنْ صِحَّةٍ ... وَمِنْ فَتًى نَامَ إِلَى الْفَجْرِ
فَالْمَوْتُ لَا تُؤْمَنْ ... خَطَفَاتُهُ ... فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي (¬4)
9.مراعاة المأثور في افتتاح القرآن وختمه:
¬
(¬1) في سنن أبي داود2: 175.
(¬2) في صحيح مسلم1: 515، ومسند البزار1: 428.
(¬3) في المنامات لابن أبي الدنيا ص98، والمجالسة وجواهر العلم7: 85، وقال النووي: رواه ابن أبي داود.
(¬4) ينظر: مختصرقيام الليل1: 105.
وقت الابتداء والختم لمن يختم في الأسبوع، فقد روى أبو داود أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: «كان يفتتح القرآن ليلة الجمعة ويختمه ليلة الخميس» (¬1).
قال الغَزَاليُّ (¬2): «والأحب أن يختم ختمةً باللَّيل، وأُخرى بالنَّهار، ويجعل ختمة النَّهار يوم الإثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما، ويجعل ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعتي المغرب» أو بعدهما؛ ليستقبل أول النهار وآخره».
وعن عمر بن مرّة: «كانوا يحبون أن يختم القرآن من أول الليل أو من أول النهار» (¬3).
وعن طلحة بن مصرف: «مَن ختم القرآن أية ساعة كانت من النهار، صلَّت عليه الملائكة حتى يُمسي، وأية ساعة كانت من الليل صلَّت عليه الملائكة حتى يصبح»، وعن مجاهد مثله (¬4).
وعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، قال: «إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وإذا وافق ختمه آخر الليل صلت عليه الملائكة حتى يمسي» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص62.
(¬2) في إحياء علوم الدين1: 276.
(¬3) ينظر: التبيان ص63.
(¬4) ينظر: التبيان ص63.
(¬5) في سنن الدارمي4: 2184، وحسنه.
وعن حبيب بن أبي ثابت: «كان يختم قبل الركوع»، وكذا قال أحمد بن حنبل (¬1).
* ثالثاً: آداب القرآن:
نقتصر منها على ما يلي:
1.استعماله السواك:
وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فاه بالسِّواك وغيره.
والاختيار في السِّواك أن يكون بعود من أراك، ويجوز بسائر العيدان، وبكلِّ ما يُنظِّف كالخرقة الخشنة والأشنان وغير ذلك.
ويستاك عرضاً مبتدئاً بالجانب الأيمن من فمه، وينوي به الإتيان بالسُّنة، قال بعض العلماء: يقول عند الاستياك: اللهم بارك لي فيه يا أرحم الراحمين.
وأمّا إذا كان فمه نجساً بدم أو غيره، فإنه يكره له قراءة القرآن قبل غسله.
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص63.
يستحب أن يقرأ، وهو على طهارة، فإن قرأ محدثاً جاز بإجماع المسلمين، والأحاديث فيه كثيرة معروفة، قال إمام الحرمين: ولا يُقال ارتكب مكروهاً، بل هو تارك للأفضل، فإن لم يجد الماء تيمَّم، والمستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر حكمها حكم المحدث.
وأمَّا الجنب والحائض، فإنه يحرم عليهما قراءة القرآن سواء كان آية أو أقل منها، ويجوز لهما إجراءُ القرآن على قلبهما من غير تلفظ به، ويجوز لهما النَّظر في المصحف وإمراره على القلب.
وأجمع المسلمون على جواز التَّسبيح والتَّهليل والتَّحميد والتَّكبير والصَّلاة على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
إن قالا لإنسان: {خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم:12]، وقصدا به غير القرآن فهو جائز، وكذا ما أشبهه، ويجوز لهما أن يقولا عند المصيبة: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون} [البقرة:156]، إذا لم يقصدا القرآن.
ويجوز أن يقولا عند ركوب الدابة: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له
مقرنين، وعند الدعاء: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار إذا لم يقصدا القرآن (¬1).
2.نظافة المكان:
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص74.
يستحبُّ أن تكون القراءةُ في مكان نظيف مختار، ولهذا استحب جماعةٌ من العلماء القراءة في المسجد؛ لكونه جامعاً للنَّظافة وشرف البقعة ومحصلاً لفضيلة أخرى، وهي الاعتكاف فإنه ينبغي لكلّ جالس في المسجد الاعتكاف سواء أكثر في جلوسه أو أقل، بل ينبغي أوّل دخوله المسجد أن ينوي الاعتكاف، وهذا الأدب ينبغي أن يعتنى به، ويُشاع ذكره، ويعرفه الصغار والعوام، فإنّه مما يغفل عنه (¬1).
3.استقبال القبلة:
يستحبُّ للقارئ في غير الصلاة أن يستقبل القبلة، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «خير المجالس ما استقبل به القبلة» (¬2)، ويجلس متخشعاً بسكينةٍ ووقار، مطرقاً رأسه، ويكون جلوسه وحده في تحسين أدبه وخضوعه كجلوسه بين يدي معلمه، فهذا هو الأكمل.
ولو قرأ قائماً أو مضطجعاً أو في فراشه أو على غير ذلك من الأحوال جاز، وله أجر، ولكن دون الأول (¬3)،قال - عز وجل -: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار} [آل عمران:191].
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص79.
(¬2) في تهذيب الآثار2: 538، وتاريخ الرقة1: 135.
(¬3) ينظر: التبيان ص80.
فعن عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتكئ في حجري، وأنا حائض ويقرأ القرآن» (¬1). وفي رواية: «يقرأ القرآن ورأسه في حجري» (¬2).
وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -: «إني أقرأ القرآن في صلاتي، وأقرأ على فراشي» (¬3).
وعن عائشة رضي الله عنها: «إني لأقرأ حزبي وأنا مضطجعة على السرير» (¬4).
4.الاستعاذة من الشيطان:
إن أراد الشروع في القراءة استعاذ، فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكان جماعة من السلف يقولون: أعوذ بالله السَّميع العليم من الشيطان الرجيم، ولا بأس بهذا، ولكن الاختيار هو الأول.
ثمّ إنّ التَّعوُّذ مستحبٌّ وليس بواجب، ويُسنُّ في ابتداء الصلاة بعد الاستفتاح للإمام والمنفرد.
وينبغي أن يحافظ على قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة سوى براءة.
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 67، وصحيح مسلم1: 246.
(¬2) في صحيح البخاري9: 159.
(¬3) ينظر: التبيان ص80.
(¬4) ينظر: التبيان ص80.
فإذا شرع في القراءة، فليكن شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر، وأشهر وأظهر من أن تذكر، فهو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، قال الله - عز وجل -: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء:82]، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص:29]، والأحاديثُ فيه كثيرةٌ، وأقاويلُ السَّلف فيه مشهورة، وقد بات جماعةٌ من السلف يتلون آية واحدة يتدبرونها، ويرددونها إلى الصباح، وقد صعق جماعة من السلف عند القراءة، ومات جماعات حال القراء.
فعن بهز بن حكيم: «أن زرارة بن أوفى التابعي الجليل - رضي الله عنه - أمّهم في صلاة الفجر فقرأ حتى بلغ: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُور. فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِير} [المدثر:9] خر ميتاً، قال بهز: وكنت فيمَن حمله.
وكان أحمد بن أبي الحواري - رضي الله عنه -، وهو ريحانةُ الشام، كما قال أبو القاسم الجنيد، إذا قرئ عنده القرآن يصيح ويصعق، قال ابن أبي داود: وكان القاسم بن عثمان الجوني ينكر على ابن الحواري، وكان الجوني فاضلاً من محدثي أهل دمشق تَقَدَّمَ في الفضل على ابن أبي الحواري.
وكذلك أنكره أبو الجوزاء وقيس بن جبير وغيرهم (¬1).
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص85.
قال النووي (¬1): «والصواب عدم الإنكار إلا على من اعترف أنه يفعله تصنعاً».
وقال السيد الجليل ذو المواهب والمعارف إبراهيم الخواص - رضي الله عنه -: دواء القلب خمسة أشياء:
أ. قراءة القرآن بالتدبر.
ب. خلاء البطن.
ج. قيام الليل.
د. التضرع عند السحر.
هـ. مجالسة الصالحين (¬2).
5.ترديد الآية للتدبر:
فعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: «قام النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أصبح بآية، والآية: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} [المائدة:118]» (¬3).
¬
(¬1) في التبيان ص84.
(¬2) ينظر: التبيان ص85.
(¬3) في سنن النسائي الكبرى2: 24، ومسند أحمد35: 256، وشرح السنة للبغوي4: 26.
وعن تميم الداري - رضي الله عنه -: «أنّه كرَّر هذه الآية حتى أصبح: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُون} [الجاثية:21]» (¬1).
وعن عبادة بن حمزة: «دخلت على أسماء رضي الله عنها، وهي تقرأ: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُوم} [الطور:27]، فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو، فطال عليّ ذلك، فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي، ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو» (¬2)، ورويت هذه القصة عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
عن القاسم بن معن، «إنَّ أبا حنيفة قام ليلةً بهذه الآية: {بَلِ السَّاعَةُ
مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَر} [القمر:46]، فلم يزل يُردّدها ويَبكي ويتضرّع» (¬3).
وردد ابن مسعود - رضي الله عنه -: {رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114].
وردد سعيد بن جبير: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ} [البقرة:281]، وردد أيضاً: {فَسَوْفَ يَعْلَمُون. إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ
¬
(¬1) في المعجم الكبير2: 50.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة4: 203، وحلية الأولياء2: 55.
(¬3) ينظر: مناقب أبي حنيفة للذهبي ص14، وأبو حنيفة طبقته توثيقه ص149، وغيرهما.
وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُون} [غافر:71]، وردد: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيم} [الانفطار:6].
وكان الضحاك إذا تلا قوله تعالى: {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر:16] ردَّدها إلى السحر (¬1).
6.البكاء عند قراءة القرآن:
البكاء في حال القراءة صفة العارفين، وشعار عباد الله الصالحين، قال الله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء:109]، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة وآثار السلف فمن ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اقرؤوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» (¬2).
وعن عمر - رضي الله عنه -: «أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف،
فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته» (¬3).
وعن أبي رجاء: «رأيت ابن عباس - رضي الله عنهم -، وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص86.
(¬2) في مسند سعد بن أبي وقاص ص214، مسند القضاعي2: 208.
(¬3) ينظر: التبيان ص86.
(¬4) فضائل الصحابة لابن حنبل2: 978.
وعن أبي صالح: «قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: هكذا كنا» (¬1).
وعن هشام: «ربما سمعت بكاء محمد بن سيرين في الليل، وهو في الصلاة» (¬2).
قال الغَزَاليُّ (¬3): «البكاء مستحبٌ مع القراءة وعندها، وطريقه في تحصيله أن يحضر قلبه الحزن، بأن يتأمّل ما فيه من التَّهديد والوعيد الشديد، والمواثيق والعهود، ثمّ يتأمل تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن وبكاء، كما يحضر الخواص، فليبك على فقد ذلك، فإنه من أعظم المصائب».
7.ترتيل القراءة:
ينبغي أن يرتل قراءته، وقد اتفق العلماء - رضي الله عنهم - على استحباب الترتيل، قال الله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل:4].
¬
(¬1) في المنتقى من سماعات محمد بن عبد الرحيم المقدسي1: 11.
(¬2) في شعب الإيمان4: 512.
(¬3) في إحياء علوم الدين 1: 277، باختصار.
فعن أم سلمة رضي الله عنها: «أنها نعتت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قراءة مفسّرةً حرفاً حرفاً» (¬1).
وعن عبد الله بن مغفل - رضي الله عنه -، قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح يرجع في قراءته» (¬2).
وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم - قال: «لأن أقرأ سورة أرتلها أحبُّ إليّ من أن أقرأ القرآن كلَّه» (¬3).
وعن مجاهد أنه سُئل عن رجلين قرأ أحدهما البقرة وآل عمران والآخر البقرة وحدها، وزمنهما وركوعهما وسجودهما وجلوسهما واحد سواء فقال: «الذي قرأ البقرة وحدها أفضل» (¬4).
وقد نهي عن الإفراط في الإسراع، ويسمى الهذرمة، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «إنّ رجلاً قال له: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: هذَّاً كهذِّ الشعر، إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع» (¬5).
والترتيل مستحبٌّ للتدبر ولغيره.
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 182، وقال: حسن صحيح، وسنن النسائي الكبرى2: 28.
(¬2) في صحيح البخاري5: 147، وصحيح مسلم1: 547.
(¬3) في شعب الإيمان3: 474، ومصنف عبد الرزاق2: 489.
(¬4) ينظر: التبيان ص89.
(¬5) في صحيح مسلم1: 562.
ويستحبُّ الترتيل للعجمي الذي لا يفهم معناه؛ لأنّ ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشدُّ تأثيراً في القلب الدعاء، لكل مناسبة.
ويُستحبُّ إذا مَرَّ بآية رحمةٍ أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مَرَّ بآية عذاب أن يستعيذ بالله من الشرّ ومن العذاب أو يقول: اللهم إني أسألك العافية، أو أسألك المعافاة من كلِّ مكروه أو نحو ذلك.
وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزه، فقال سبحانه وتعالى: أو تبارك وتعالى أو جلت عظمة ربنا (¬1)، فعن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -، قال: «صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -: ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة ثم مضى، فقلت: يُصلي بها في ركعة فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ ترسلاً، إذا مَرّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مَرَّ بسؤال سأل، وإذا مَرَّ بتعوذ تعوَّذ» (¬2)، وكانت سورة النساء في ذلك الوقت مقدمةً على آل عمران.
8.احترام القرآن:
ومما يعتنى به ويتأكد الأمر به احترام القرآن من أمور قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين مجتمعين، فمن ذلك:
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص91.
(¬2) في صحيح مسلم1: 536.
أ. اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة، إلا كلاماً يضطر إليه، وليمتثل قول الله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف:204]، وليقتد بابن عمر - رضي الله عنهم -: «أنه كان إذا قرأ القرآن لا يتكلَّم حتى يفرغ منه».
ب. العبث باليد وغيرها، فإنه يُناجي ربه سبحانه وتعالى، فلا يعبث بين يديه.
ج. النظر إلى ما يُلهي ويُبدد الذِّهن، وأقبح من هذا كلِّه النَّظر إلى ما لا يجوز النظر إليه كالأمرد وغيره، ولأنه في معنى المرأة، بل رُبّما كان بعضهم أو كثير منهم أحسن من كثير من النساء، ويتمكن من أسباب الريبة فيه، ويتسهل من طرق الشر في حقّه ما لا يتسهل في حق المرأة، فكان تحريمه أولى.
وأما النظر إليه في حال البيع والشراء والأخذ والإعطاء والتطبب والتعليم ونحوها من مواضع الحاجة فجائز للضرورة، لكن يقتصر الناظر على قدر الحاجة، ولا يديم النظر من غير ضرورة.
وكذا المعلم إنما يُباح له النظر الذي يحتاج إليه، ويحرم عليهم كلّهم في كلّ الأحوال النظرة بشهوة، ولا يختص هذا بالأمرد، بل يحرم على كلِّ مكلَّف النَّظر بشهوة إلى كلِّ أحد رجلاً كان أو امرأةً، محرماً كانت المرأة أو غيرها، إلا الزوجة.
وعلى الحاضرين مجلس القراءة إذا رأوا شيئاً من هذه المنكرات المذكورة أو غيرها، أن ينهوا عنه حسب الإمكان باليد لمن قدر، وباللسان لمن عجز عن اليد وقدر على اللسان، وإلا فلينكر بقلبه (¬1).
9.قراءته بالعربية والقراءة المعتمدة:
لا تجوز قراءة القرآن بالعجمية إلا للعاجز عن القراءة بالعربية.
وتجوز قراءة القرآن بالقراءات السَّبع المجمع عليها، ولا يجوز بغير السَّبع، ولا بالرِّوايات الشاذة المنقولة عن القراء السبعة، ونقل ابنُ عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ، وأنه لا يصلى خلف من يقرأ بها.
إذا ابتدأ بقراءة أحد القراء، فينبغي أن يستمر على القراءة بها ما دام الكلام مرتبطاً، فإذا انقضى ارتباطه، فله أن يقرأ بقراءة أحد من السبعة، والأولى دوامه على الأولى في هذا المجلس (¬2).
10.مراعاة ترتيب القرآن في القراءة:
الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقرأ الفاتحة، ثم البقرة، ثم آل عمران، ثمّ ما بعدها على الترتيب، وسواء قرأ في الصلاة أو في غيرها.
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص 93 ـ 96.
(¬2) ينظر: التبيان ص98.
ودليل هذا أن ترتيب المصحف، إنما جعل هكذا لحكمة، فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد المشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة، يقرأ في الأولى سورة السجدة، وفي الثانية: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ} [الإنسان:1]، وصلاة العيد في الأولى قاف، وفي الثانية: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [القمر:1]، وركعتين سنة الفجر في الأولى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون} [الكافرون:1]، وفي الثانية: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} [الإخلاص:1]، وركعات الوتر في الأولى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1]، وفي الثانية: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون}، وفي الثالثة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} والمعوذتين.
ولو خالف الموالاة فقرأ سورةً لا تلي الأولى، أو خالف الترتيب، فقرأ سورة ثم قرأ سورة قبلها جاز، فقد جاء بذلك آثار كثيرة، وقد قرأ عمر - رضي الله عنه - في الركعة الأولى من الصبح بالكهف، وفي الثانية بيوسف.
وقد كره جماعةٌ مخالفة ترتيب المصحف.
وعن الحسن: أنه كان يكره أن يقرأ القرآن إلا على تأليفه في المصحف.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «أنه قيل له: إن فلاناً يقرأ القرآن منكوساً، فقال ذلك منكوس القلب» (¬1).
¬
(¬1) المعجم الكبير342، وشعب إلإيمان4: 9، والمصاحف لابن أبي داود1: 342.
وأمّا قراءةُ السُّور من آخرها إلى أولها، فممنوع منعاً متأكداً، فإنّه يُذهب بعض ضروب الإعجاز، ويُزيل حكمة ترتيب الآيات، وقد روى ابن أبي داود عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي الجليل، والإمام مالك بن أنس أنهما كرها ذلك، وأن مالكاً كان يعيبه، ويقول: هذا عظيم.
وأمَّا تعليم الصِّبيان من آخر المصحف إلى أوله، فحسنٌ ليس هذا من هذا الباب، فإن ذلك قراءة متفاضلة في أيام متعددة مع ما فيه من تسهيل الحفظ عليهم (¬1).
11.القراءة من المصحف:
قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر القلب؛ لأنّ النظر في المصحف عبادة مطلوبة، فتجتمع القراءة والنظر، ونقل الغزالي (¬2): أنّ كثيرين من الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يقرؤون من المصحف، ويكرهون أن يخرج يوم، ولم ينظروا في المصحف.
وروى ابنُ أبي داود القراءة في المصحف عن كثيرين من السلف ولم
أر فيه خلافاً، ولو قيل: إنه يختلف باختلاف الأشخاص، فيختار القراءة في المصحف لمن استوى خشوعه وتدبره في حالتي القراءة في المصحف، وعن ظهر القلب ويختار القراءة عن ظهر القلب لمن لم يكمل بذلك
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص98 ـ 99.
(¬2) في إحياء علوم الدين1: 279.
خشوعه ويزيد على خشوعه وتدبره لو قرأ من المصحف لكان هذا قولاً حسناً، والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمولٌ على هذا التفصيل (¬1).
12.قراءة القرآن مجتمعين:
قال النووي (¬2): «اعلم أنّ قراءةَ الجماعة مجتمعين مستحبةٌ بالدَّلائل الظاهرة وأفعال السلف والخلف المتظاهرة»، فعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري - رضي الله عنهم - أنه قال: «ما من قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمَن عنده» (¬3).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكره الله فيمن عنده» (¬4).
وعن معاوية - رضي الله عنه -: «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خرج على حلقةٍ من أصحابه، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده لما هدانا للإسلام ومَن علينا به، فقال: أتاني جبريل - عليه السلام -، فأخبرني أنّ اللهَ تعالى يُباهي بكم الملائكة» (¬5)، والأحاديث في هذا كثيرة.
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص100.
(¬2) في التبيان ص101.
(¬3) في سنن الترمذي5: 459، وقال: حسن صحيح.
(¬4) في صحيح مسلم4: 2074.
(¬5) في سنن الترمذي5: 460، وحسنه، وصحيح ابن حبان3: 95.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: «مَن استمع إلى آية من كتاب الله كانت له نوراً» (¬1).
وروى ابن أبي داود: «أنّ أبا الدرداء - رضي الله عنه - كان يدرس القرآن معه نفرٌ يقرؤون جميعاً».
وروى ابن أبي داود فعل الدراسة مجتمعين عن جماعات من أفاضل السَّلف والخلف وقضاة المتقدمين.
وعن حسان بن عطية والأوزاعي أنهما قالا: أوَّل مَن أحدث الدراسة في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل في مَقْدمه على عبد الملك.
وأمَّا ما روى ابنُ أبي داود عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب أنه أنكر هذه الدراسة، وقال: ما رأيت ولا سمعت، وقد أدركت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يعني ما رأيت أحداً فعلها.
وعن وهب قال: قلت لمالك: أرأيت القوم يجتمعون فيقرؤون جميعاً سورةً واحدةً حتى يختموها، فأنكر ذلك وعابه، وقال: ليس هكذا تصنع الناس إنّما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضة.
فهذا الإنكار منهما مخالفٌ لما عليه السلف والخلف، ولما يقتضيه الدليل فهو متروك، والاعتماد على ما تقدَّم من استحبابها لكن القراءة في حال الاجتماع لها
¬
(¬1) في سنن الدارمي4: 2120.
شروط قدمناها، ينبغي أن يعتنى بها.
وأمَّا فضيلة مَن يجمعهم على القراءة، ففيها نصوصٌ كثيرةٌ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الدال على الخير كفاعله» (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يهدي الله بك رجلاًَ واحداً خير لك من حمر النِّعم» (¬2)، والأحاديثُ فيه كثيرةٌ مشهورةٌ، وقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2]، ولا شكَّ في عظم أَجر السَّاعي في ذلك.
والإدارة بالقرآن: وهو أن يجتمع جماعة يقرأ بعضهم عشراً أو جزءاً أو غير ذلك، ثم يسكت ويقرأ الآخر من حيث انتهى الأول، ثم يقرأ الآخر، وهذا جائز حسن، وقد سُئل مالك، فقال: لا بأس به (¬3).
13.رفع الصوت بالقراءة:
اعلم أنّه جاء أحاديثٌ كثيرةٌ في الصَّحيح وغيره دالّةٌ على استحباب رفع الصَّوت بالقراءة، وجاءت آثار دالّة على استحباب الإخفاء وخفض
الصَّوت، وسنذكر منها طرفاً يسيراً إشارة إلى أصلها إن شاء الله تعالى:
وطريق الجمع بين الأحاديث والآثار المختلفة في هذا: أنَّ الإسرار أبعد من الرِّياء، فهو أفضل في حقِّ مَن يَخاف ذلك، فإن لم يخف الرِّياء
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 41، ومسند أبي حنيفة ر22، ومسند أحمد37: 43، وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري5: 18، وصحيح مسلم4: 1872.
(¬3) ينظر: التبيان ص102 ـ 103.
فالجهر ورفع الصوت أفضل؛ لأنَّ العملَ فيه أكثر، ولأنّ فائدته تتعدَّى إلى غيره، والمتعدِّي أفضلُ من اللازم، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همّه إلى الفكر فيه، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النَّوم، ويزيد في النَّشاط ويوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه.
ومهما حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل، فإن اجتمعت هذه النيات تضاعف الأجر، فهذا حكم المسألة.
وأما الآثار المنقولة فكثيرة، وأنا أشير إلى أطراف من بعضها (¬1):
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي - صلى الله عليه وسلم -، حسن الصوت، يتغنى بالقرآن، يجهر به» (¬2)، ومعنى أذن استمع، وهو إشارة إلى الرضا والقبول.
وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود» (¬3)، وفي رواية: «لقد رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة» (¬4).
وعن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لله أشد إذناً إلى الرجل حسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص105.
(¬2) في صحيح البخاري6: 158، وصحيح مسلم1: 454.
(¬3) في صحيح البخاري6: 195، صحيح مسلم1: 546.
(¬4) في صحيح مسلم1: 546.
(¬5) في سنن ابن ماجة1: 425، وصحيح ابن حبان3: 31.
وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» (¬1).
وعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «زينوا القرآن بأصواتكم» (¬2).
وروى ابن أبي داود عن عليّ - رضي الله عنه - أنه سمع ضجةَ ناس في المسجد يقرؤون القرآن فقال: طوبى لهؤلاء كانوا أحبّ الناس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي إثبات الجهر أحاديث كثيرة.
وأمَّا الآثار عن الصَّحابة والتَّابعين من أقوالهم وأفعالهم، فأكثر من أن تحصر وأشهر من أن تُذكر، وهذا كلُّه فيمَن لا يخاف رياءً ولا إعجاباً ولا نحوهما من القبائح، ولا يؤذي جماعةً يُلبس عليهم صلاتهم، ويخلطها عليهم.
وقد نُقل عن جماعةِ السلف اختيار الإخفاء لخوفهم مما ذكرناه، فعن
الأعمش قال: دخلت على إبراهيم، وهو يقرأ بالمصحف، فاستأذن عليه رجلٌ فغطّاه، وقال: لا يرى هذا أني أقرأ كلَّ ساعة (¬3).
¬
(¬1) في صحيح البخاري5: 138، وصحيح مسلم4: 1944.
(¬2) في سنن أبي داود2: 74، وسنن النسائي الكبرى2: 26، وسنن ابن ماجه1: 426، وصحيح ابن خزيمة3: 24.
(¬3) ينظر: التبيان ص107.
وعن أبي العالية قال: «كنت جالساً مع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رجل منهم: قرأت الليلة كذا، فقالوا: هذا حظك منه» (¬1).
ويستدلّ لهؤلاء بحديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الجاهرُ بالقرآن كالجاهر بالصَّدقة، والمسرُّ بالقرآن كالمسرِّ بالصَّدقة» (¬2)، ومعناه أنّ الذي يُسرّ بقراءة القرآن أفضل من الذي يجهر بها؛ لأنّ صدقة السرّ أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية، قال: وإنّما معنى هذا الحديث عند أهل العلم، لكي يأمن الرجل من العجب؛ لأنّ الذي يُسرّ بالعمل لا يخاف عليه من العُجب، كما يخاف عليه من علانيته.
فكان الأولى التفصيل وهو إن خاف بسبب الجهر شيئاً مما يكره لم يجهر، وإن لم يخف استحبّ الجهر، فإن كانت القراءة من جماعة مجتمعين تأكدّ استحباب الجهر، ولما يحصل فيه من نفع غيرهم (¬3).
14.استحباب تحسين الصوت بالقراءة:
¬
(¬1) في الزهد لأبي داود ص342.
(¬2) في سنن أبي داود1: 140، وسنن الترمذي5: 180، وحسنه، وسنن النسائي الكبرى3: 63، وصحيح ابن خزيمة3: 8.
(¬3) ينظر: التبيان ص108.
أجمع العلماءُ من السَّلف والخلف من الصَّحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار أئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، وأقوالُهم وأفعالُهم مشهورة نهاية الشهرة، فنحن مستغنون عن نقل شيء من أفرادها، ودلائل هذا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستفيضة عند الخاصّة والعامة كحديث: «زينوا القرآن بأصواتكم»، وحديث: «لقد أوتي هذا مزماراً»، وحديث: «ما أذن الله»، وحديث: «لله أشد أَذَناً»، كما سبق.
وتقدَّم في فضل التَّرتيل حديث عبد الله بن مغفَّل في ترجيع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - القراءة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا مَن لم يتغن بالقرآن» (¬1)، قال جمهور العلماء: معنى لم يتغن لم يحسن صوته.
وعن البراء - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «قرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه» (¬2)، قال العلماء: فيستحبُّ تحسين الصوت بالقراءة ترتيبها ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتمطيط، فإن أفرط حتى زاد حرفاً أو أخفاه، فهو حرام.
وأما القراءة بالألحان، قال الماوردي (¬3): القراءة بالألحان الموضوعة
¬
(¬1) في صحيح البخاري9: 154، وسنن أبي داود2: 74.
(¬2) في صحيح البخاري1: 153، وصحيح مسلم1: 339:
(¬3) ينظر: الحاوي الكبير17: 197.
إن أخرجت لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركات فيه، أو إخراج حركات منه، أو قصر ممدود، أو مد مقصور، أو تمطيط يخفي به بعض اللفظ، ويتلبس المعنى، فهو حرام، يُفسق به القارئ، ويأثم به المستمع؛ لأنه عدل به عن نهجه القويم إلى الاعوجاج، والله تعالى يقول: {قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُون} [الزمر:28]، قال: وإن لم يخرجه اللحن عن لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحاً؛ لأنه زاد على ألحانه في تحسينه.
وهذا القسم الأول من القراءة بالألحان المحرمة مصيبةٌ ابتلي بها بعض الجهلة الطغام الغشمة الذين يقرؤون على الجنائز وبعض المحافل، وهذه بدعةٌ محرمةٌ ظاهرةٌ يأثم كلُّ مستمع لها، ويأثم كلُّ قادر على إزالتها أو على النَّهي عنها إذا لم يفعل ذلك، وقد بذلت فيها بعض قدرتي، وأرجو من فضل الله الكريم أن يوفق لإزالتها مَن هو أهل لذلك، وأن يجعله في عافية.
وحدرت بالقراءة إذا أدرجتها ولم تمططها، ويقال: فلان يقرأ بالتَّحزين إذا رقق صوته، وقد روى ابن أبي داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنه قرأ إذا الشَّمس كورت يحزنها شبه الرثاء (¬1).
وقيل: لابن أبي مليكة: «أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت، فقال: يحسنه ما استطاع» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص110ـ 112.
(¬2) في سنن أبي داود2: 74.
قال النَّوويُّ (¬1): «اعلم أنّ جماعات من السَّلف كانوا يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرؤوا، وهم يستمعون، وهذا متفقٌ على استحبابه، وهو عادة الأخيار والمتعبدين، وعباد الله الصالحين، وهى سُنّةٌ ثابتةٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... والآثارُ في هذا كثيرةٌ معروفةٌ».
فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «اقرأ عليّ القرآن، فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أُنزل، قال: إني أحبُّ أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا} [النساء:41]، قال: حسبك الآن، فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان» (¬2).
وعن عمر - رضي الله عنه - كان يقول لأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -: «ذكِّرنا رَبَّنا، فيقرأ عنده القرآن» (¬3).
15.استفتاح المجالس بقراءة القرآن:
استحبَّ العلماءُ أن يستفتحَ مجلس حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويختم بقراءة قارئ حسن الصوت ما تيسّر من القرآن، ثمّ إنّه ينبغي للقارئ في هذه المواطن أن يقرأ ما يليق بالمجلس ويُناسبه، وأن تكون قراءته في آيات
¬
(¬1) في التبيان ص113.
(¬2) في صحيح البخاري6: 196، و
(¬3) في صحيح ابن حبان16: 168، وسنن الدارمي4: 2190.
الرجاء والخوف والمواعظ، والتَّزهيد في الدُّنيا، والتَّرغيب في الآخرة، والتأهب لها، وقصر الأمل، ومكارم الأخلاق (¬1).
16.حسن الوقف:
ينبغي للقارئ إذا ابتدأ من وسط السُّورة، أو وقف على غير آخرها أن يبتدئ من أوَّل الكلام المرتبط بعضه ببعض، وأن يقفَ على الكلام المرتبط، ولا يتقيد بالأعشار والأجزاء، فإنها قد تكون في وسط الكلام المرتبط كالجزء الذي في قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي} [يوسف:53]، وفي قوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} [النمل:56]، وقوله تعالى: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [الأحزاب:31]، وفي قوله تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء} [يس:28]، وفي قوله تعالى: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ} [فصلت:47]، وفي قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ} [الجاثية:33]، وفي قوله: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُون} [الذاريات:31].
وكذلك الأحزاب كقوله تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة:203]،وقوله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ} [آل عمران:15].
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص114.
فكلُّ هذا وشبيهُه ينبغي أن يبتدأ به، ولا يوقف عليه، فإنّه متعلِّق بما قبله، ولا يغترن بكثرة الغافلين له من القراء الذين لا يراعون هذه الآداب، ولا يفكرون في هذه المعاني، وامتثل ما روى الحاكم أبو عبد الله بإسناده عن السيد الجليل الفضيل بن عياض قال: لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها، ولا تغترن
بكثرة الهالكين، ولا يضرك قلة السالكين (¬1).
ولهذا المعنى قالت العلماء: قراءة سورة قصيرة بكاملها أفضل من قراءة بعض سورة طويلة، بقدر القصيرة، فإنّه قد يخفى الارتباط على بعض النّاس في بعض الأحوال، فعن التَّابعي ابن أبي الهذيل: «كانوا يكرهون أن يقرؤوا بعض الآية، ويتركوا بعضها» (¬2).
17. الدعاء عند ختم القرآن:
يستحب الدعاء عقيب الختم، فعن حميد الأعرج، قال: «مَن قرأ القرآن ثمّ دعا أمن على دعائه أربعة آلاف ملك» (¬3).
وينبغي أن يلح في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة، وأن يكثر في ذلك في صلاح المسلمين، وصلاح سلطانهم، وسائر ولاة أمورهم، فعن
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص 115ـ 116.
(¬2) في شعب الإيمان3: 457، ومصنف ابن أبي شيبة15: 551.
(¬3) في سنن الدارمي4: 2184.
ابن المبارك: «كان إذا ختم القرآن أكثر دعائه للمسلمين والمؤمنين والمؤمنات» (¬1).
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده، فدعا لهم» (¬2).
ويختار الداعي الدعوات الجامعة كقوله:
اللهم أصلح قلوبنا، وأزل عيوبنا وتولنا بالحسنى، وزينا بالتَّقوى، واجمع لنا خير الآخرة والأولى، وارزقنا طاعتك ما أبقيتنا.
اللهم يسرنا لليسرى، وجنبنا العسرى، وأعذنا من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، وأعذنا من عذاب النّار، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقوى والعفاف والغنى.
اللهم إنا نستودعك أدياننا وأبداننا، وخواتيم أعمالنا وأنفسنا وأهلينا وأحبابنا وسائر المسلمين، وجميع ما أنعمت علينا وعليهم من أمور الآخرة والدنيا.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدِّين والدُّنيا والآخرة، واجمع بيننا وبين أحبابنا في دار كرامتك بفضلك ورحمتك.
¬
(¬1) في شعب الإيمان3/ 516,
(¬2) في المعجم الكبير1: 242، وشعب الإيمان3: 421.
اللهم أصلح ولاة المسلمين ووفقهم للعدل في رعاياهم، والإحسان إليهم والشفقة عليهم، والرفق بهم، والاعتناء بمصالحهم، وحببهم إلى الرعية، وحبِّب الرَّعية إليهم، ووفقهم لصراطك المستقيم، والعمل بوظائف دينك القويم.
اللهم أُلطف بعبدك سلطاننا، ووفقه لمصالح الدنيا والآخرة، وحببه إلى رعيته، وحبب الرَّعية إليه، ويقول باقي الدعوات المذكورة في جملة الولاة ويزيد.
اللهم ارحم نفسه وبلاده وصن أتباعه وأجناده، وانصره على أعداء الدين وسائر المخالفين، ووفقه لإزالة المنكرات، وإظهار المحاسن، وأنواع الخيرات، وزد الإسلام بسببه ظهوراً، وأعزّه ورعيته إعزازاً باهراً.
اللهم أصلح أحوال المسلمين وأرخص أسعارهم، وأمنهم في أوطانهم واقض ديونهم، وعاف مرضاهم، وانصر جيوشهم وسَلِّم غيابهم، وفك أسراهم، واشف صدورهم، وأذهب غيظ قلوبهم، وألف بينهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملّة رسولك - صلى الله عليه وسلم -، وأوزعهم من يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحقّ، واجعلنا منهم.
اللهم اجعلهم آمرين بالمعروف، فاعلين به، ناهين عن المنكر، مجتنبين له، محافظين على حدودك، قائمين على طاعتك، متناصفين متناصحين.
اللهم صنهم؛ لأنّ في أقوالهم وأفعالهم، وبارك لهم في جميع أحوالهم.
ويفتح دعاءه ويختمه بقوله: الحمد لله رب العالمين حمداً يُوافي نعمه، ويكافئ مزيده.
اللهم صلِّ وسَلِّم على سيدنا محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل ابراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد (¬1).
ويُستحبُّ إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أُخرى عقيب الختمة، فقد استحبه السَّلف، فعن أنس وابن عباس وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، أنّ رجلاً قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: «الحال المرتحل قال: يا رسول الله وما الحال المرتحل؟ قال: يضرب من أول القرآن إلى آخره، ومن آخره إلى أوله» (¬2).
18.مراعاة آداب عامة:
¬
(¬1) ينظر: التبيان ص162.
(¬2) في سنن الترمذي5: 197، وسنن الدارمي4: 2180، والمستدرك1: 757، والمعجم الكبير12: 168.
أ. تجنب قراءة القرآن في الأوقات المكروهة:
يقرأ القرآن على الإطلاق إلا في أحوال مخصوصة جاء الشَّرع بالنَّهي عن القراءة فيها، ومنها:
ـ القراءة في حالة الركوع والسجود والتشهد وغيرها من أحوال الصلاة سوى القيام.
ـ القراءة للمأموم في الصلاة مطلقاً.
ـ حالة القعود على الخلاء.
ـ حالة الخطبة مطلقاً.
ب. ما يفعله جهلة المصلين بالنَّاس في التَّراويح من قراءة سورة الأنعام في الركعة الأخيرة في الليلة السابعة معتقدين أنها مستحبة فيجمعون أمورا منكرة: منها: اعتقادها مستحبة. ومنها إيهام العوام ذلك. ومنها: تطويل الركعة الثانية على الأولى، وإنما السنة تطويل الأولى. ومنها: التطويل على المأمومين. ومنها: هذرمة القراءة.
ج. قراءة بعض جهلتهم في الصبح يوم الجمعة بسجدة غير سجدة ألم تنزيل قاصداً ذلك، وإنما السنة قراءة ألم تنزيل في الركعة الأولى، {هَلْ أَتَى} [الإنسان:1] في الثانية.
د. إذا كان يقرأ، فعرض له ريح، فينبغي أن يمسك عن القراءة حتى يتكامل خروجها، ثم يعود إلى القراءة، كذا رواه ابنُ أبي داود وغيرُه عن عطاء، وهو أدب حسن.
هـ. إذا تثاءب أمسك عن القراءة، حتى ينقضي التثاؤب ثم يقرأ، قال مجاهد، وهو حسن، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه، فإن الشيطان يدخل» (¬1).
و. أنّه إذا قرأ قول الله - عز وجل -: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ} [التوبة:30] {وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ} [التوبة:30] {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة:64] {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} [مريم:88] ونحو ذلك من الآيات، ينبغي أن يخفض بها صوته، كذا كان إبراهيم النَّخعيُّ - رضي الله عنه - يفعل.
ز. يستحبُّ له أن يقول ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قرأ: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون} [التين:1] فقال: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِين} [التين:8] فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشَّاهدين، ومَن قرأ: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة:1] فانتهى إلى {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ
¬
(¬1) في صحيح مسلم4: 2293.
الْمَوْتَى} [القيامة:40]، فليقل: بلى، ومَن قرأ: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون} [المرسلات:50]، فليقل: آمنت بالله» (¬1).
وعن ابن عبَّاس وابن الزبير وأبي موسى الأشعري - رضي الله عنهم -: «أنهم كانوا إذا قرأ أحدُهم: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1]، قال: سبحان ربي الأعلى» (¬2).
ح. إذا ورد على القارئ من فيه فضيلة من علم أو شرف أو سنّ مع صيانة أو له حرمة بولايةٍ أو ولادة أو غيرها فلا بأس بالقيام له على سبيل الاحترام والإكرام لا للرِّياء والإعظام، بل ذلك مستحب، وقد ثبت القيام للإكرام من فعل النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفعل أصحابه - رضي الله عنهم - بحضرته وبأمره، ومن فعل التابعين، ومَن بعدهم من العلماء الصالحين، وقد جمعت جزءاً في القيام، وذكرت فيه الأحاديث والآثار الواردة باستحبابه وبالنهي عنه، وبينتُ ضعف الضعيف منها، وصحّة الصحيح، والجواب عما يتوهم منه النهي وليس فيه نهي، وأوضحت ذلك كلّه بحمد الله تعالى.
ط. إذا كان يقرأ ماشياً، فمَرَّ على قوم يُستحبُّ أن يقطعَ القراءة، ويُسلِّم عليهم، ثم يرجع إلى القراءة، ولو أعاد التَّعوُّذ كان حسناً.
¬
(¬1) في سنن أبي داود1: 234، وسنن الترمذي5: 443، وضعفه.
(¬2) في سنن أبي داود1: 233.
ولو كان يقرأ جالساً فمَرَّ عليه غيرُه، فالأولى ترك السلام على القارئ لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلَّم عليه إنسان ردّ عليه السلام.
وأمَّا اذا عطس في حال القراءة، فإنه يستحبُّ أن يقول: الحمد لله.
ولو سمع المؤذن قطع القراءة، وأجابه بمتابعته في ألفاظ الأذان والإقامة، ثمّ يعود إلى قراءته.
وأما إذا طلبت منه حاجة في حال القراءة، وأمكنه جواب السائل بالإشارة المفهمة، وعلم أنه لا ينكسر قلبه، ولا يحصل عليه شيء من الأذى للأنس الذي بينهما ونحوه، فالأولى أن يجيبه بالإشارة ولا يقطع القراءة، فإن قطعها جاز.
ي. الجمع بين سورتين في ركعةٍ واحدةٍ، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لقد عرفت النَّظائرَ التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل كلّ سورتين في ركعة» (¬1).
ق. يجوز أن يقال: سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء وسورة المائدة وسورة الأنعام، وكذا الباقي لا كراهة في ذلك.
وكره بعضُ المتقدِّمين هذا، وقال: يُقال السورة التي يذكر فيها البقرة، والسورة التي يذكر فيها آل عمران، والسورة التي يذكر فيها النساء، وكذا البواقي.
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 155، وصحيح مسلم1: 565.
والصَّواب الأول، فقد عبّر النبي - صلى الله عليه وسلم - بسورة البقرة وسورة الكهف وغيرهما مما لا يحصى، فعن أبي مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الآيتان من آخر سورة البقرة، مَن قرأهما في ليلة كفتاه» (¬1)، وكذلك عن الصحابة - رضي الله عنهم -، قال ابن مسعود: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة» (¬2)، والأحاديث وأقوال السلف في هذا أكثر من أن تحصر (¬3).
ل. اتفق العلماء على استحباب كتابة المصاحف وتحسين كتابتها وتبيينها وإيضاحها، وتحقق الخطّ دون مشقة.
ويستحب نقط المصحف وشكله، فإنه صيانة من اللحن فيه وتصحيفه، وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط فإنما كرهاه في ذلك الزمان خوفاً من التغيير فيه، وقد أمن ذلك اليوم فلا منع ولا يمتنع من ذلك لكونه محدثاً، فإنه من المحدثات الحسنة، فلم يمنع منه كنظائره مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات وغير ذلك (¬4).
* رابعاً: آداب الناس كلهم مع القرآن:
¬
(¬1) في صحيح البخاري5: 84.
(¬2) في صحيح البخاري2: 178.
(¬3) ينظر: التبيان ص171.
(¬4) ينظر: التبيان ص189ـ190.
فعن تميم الداري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (¬1).
والنَّصيحة لكتاب الله تعالى هي الإيمان بأنه كلام الله تعالى، وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثلِه الخلق بأسرهم، ثم تعظيمه وتلاوته حقّ تلاوته، وتحسينها والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التِّلاوة، والذَّب عنه لتأويل المحرفين، وتعرض الطاغين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتناء بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتَّسليم بمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه، وإلى ما ذكرناه من نصيحته، ومنها:
1.تعظيم القرآن:
أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق وتنزيهه وصيانته.
وأجمعوا على أن مَن جحد منه حرفاً مما أجمع عليه أو زاد حرفاً لم يقرأ به أحد، وهو عالم بذلك فهو كافر.
قال القاضي عياض (¬2): «اعلم أنّ مَن استخفّ بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه أو سبّهما أو جحد حرفاً منه أو كذب بشيء مما صرَّح به فيه
¬
(¬1) في صحيح مسلم1: 74.
(¬2) في الشفا2: 648ـ649.
من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفي ما أثبته، وهو عالم بذلك، أو يشكّ في شيء من ذلك، فهو كافر بإجماع المسلمين.
وكذلك إذا جحد التوراة والإنجيل أو كتب الله المنزلة أو كفر بها أو سبها أو استخف بها، فهو كافر.
وأجمع المسلمون على أن القرآن المتلو في الأقطار، المكتوب في الصحف الذي بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان، من أول الحمد لله رب العالمين إلى آخر قل أعوذ برب الناس كلام الله، ووحيه المنزل على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن جميع ما فيه حقّ، وأن مَن نقص منه حرفاً قاصداً لذلك أو بدَّله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفاً مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع فيه الإجماع، وأجمع على أنه ليس بقرآن عامداً لكل هذا، فهو كافر.
قال أبو عثمان الحذاء: جميعُ أهل التَّوحيد متفقون على أنّ الجحدَ بحرف من القرآن كفر، وقد اتفق فقهاءُ بغداد على استتابة ابن شنبوذ المقرئ أحد أئمة المقرئين المتصدرين بها مع ابن مجاهد لقراءته وإقرائه بشواذ من الحروف مما ليس في المصحف، وعقدوا عليه للرجوع عنه والتوبة سجلاً أشهدوا فيه على نفسه في مجلس الوزير ابن مُقْلَة سنة (323هـ).
وأفتى الأبهري وابنُ أبي زيد فيمَن قال لصبي: لعن الله معلمك وما علَّمك، وقال أردت سوء الأدب، ولم أرد القرآن، قال: يؤدب القائل، قال: وأمَّا مَن لَعَنَ المصحف، فإنه يُقتل».
2. حرمة تفسيره بلا علم:
ويحرم تفسيره بغير علم، والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها، والأحاديث في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد عليه.
وأمّا تفسيره للعلماء فجائز حسن، والإجماع منعقدٌ عليه، فمَن كان أهلاً للتَّفسير جامعاً للأدوات حتى التي يعرف بها معناه وغلب على ظنِّه المراد فسَّره إن كان مما يدرك بالاجتهاد كالمعاني والأحكام الجلية والخفية والعموم والخصوص والإعراب وغير ذلك.
وإن كان مما لا يدرك بالاجتهاد كالأمور التي طريقها النَّقل وتفسير الألفاظ اللغوية، فلا يجوز الكلام فيه إلا بنقل صحيح من جهة المعتمدين من أهله.
وأما مَن كان ليس من أهله؛ لكونه غير جامع لأدواته، فحرام عليه التفسير، لكن له أن ينقل التفسير عن المعتمدين من أهله.
ثمَّ المفسرون برأيهم من غير دليل صحيح أقسام:
منهم: مَن يحتج بأنه على تصحيح مذهبه، وتقوية خاطره، مع أنه لا يغلب على ظنِّه أن ذلك هو المراد بالآية، وإنّما يقصد الظُّهور على خصمه.
ومنهم: مَن يقصد الدُّعاء إلى خير، ويحتجُّ بآية من غير أن تظهر له دلالة لما قاله.
ومنهم: مَن يفسر ألفاظه العربية من غير وقوف على معانيها عند أهلها، وهي مما لا يؤخذ إلا بالسَّماع من أهل العربية وأهل التفسير: كبيان معنى اللفظ، وإعرابها، وما فيها من الحذف والاختصار والإضمار، والحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والتقديم والتأخير، والإجمال والبيان، وغير ذلك مما هو خلاف الظاهر.
ولا يكفي مع ذلك معرفة العربية وحدها، بل لا بُدَّ معها من معرفة ما قاله أهل التفسير فيها، فقد يكونون مجتمعين على ترك الظاهر أو على إرادة الخصوص أو الإضمار وغير ذلك مما هو خلاف الظَّاهر وكما إذا كان اللفظ مشتركاً في معان، فعُلم في موضع أنّ المرادَ أحد المعاني، ثمّ فسَّر كلَّ ما جاء به، فهذا كلُّه تفسيرٌ بالرَّأي، وهو حرام، والله أعلم.
3. حرمة الرياء في القرآن:
يحرم المراء في القرآن، والجدال فيه بغير حق، فمن ذلك أن يظهر فيه دلالة الآية على شيء يخالف مذهبه، ويحتمل احتمالاً ضعيفاً موافقة مذهبه، فيحملها على مذهبه، ويُناظر على ذلك مع ظهورها في خلاف ما يقول.
وأمَّا مَن لا يظهر له ذلك، فهو معذور، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «المراء في القرآن كفر» (¬1)، قال الخطابي (¬2): «معنى المراء هنا الشك فيه: كقوله - عز وجل -: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} [هود:17]: أي في شكّ، ويُقال: بل المراء هو الجدال المشكك فيه، وقال بعضهم: إنّما جاء هذا في الجدال بالقرآن في الآي التي فيها ذكر القدر والوعيد وما كان في معناهما».
4. أدب السائل عنه:
وينبغي لمن أراد السؤال عن تقديم آية على آية في المصحف أو مناسبة هذه الآية في هذا الموضع ونحو ذلك أن يقول ما الحكمة في كذا؟
5. أدب الناس معه:
يكره أن يقول نسيت آية كذا، بل يقول أُنسيتها أو أُسقطتها، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقول أحدكم نسيت آية كذا وكذا، بل هو نُسي» (¬3)، وفي
رواية: «بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي» (¬4).
¬
(¬1) في سنن أبي داود4: 199، وسنن النسائي الكبرى7: 289، وصحيح ابن حبان1: 275.
(¬2) في معالم السنن4: 297.
(¬3) في سنن النسائي الكبرى9: 267، ومسند البزار5: 115.
(¬4) في صحيح البخاري6: 193، وصحيح مسلم1: 544.
وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقرأ فقال: «رحمه الله لقد ذكرني آية كنت أسقطتها» (¬1).
* خامساً: الآيات والسور المستحبة في أوقات وأحوال مخصوصة:
اعلم أنّ هذا البابَ واسعٌ جداً لا يُمكن حصره؛ لكثرة ما جاء فيه، ولكن نشير إلى أكثره أو كثير منه بعبارات وجيزة، فإنّ أكثر الذي نذكره فيه معروف للخاصّة والعامة، ولهذا لا أذكر الأدلّة في أكثره فمن ذلك كثرة الاعتناء بتلاوة القرآن في شهر رمضان، وفي العشر آكد، وليالي الوتر منه آكد، ومن ذلك العشر الأول من ذي الحجة، ويوم عرفة ويوم الجمعة، وبعد الصبح، وفي الليل، وينبغي أن يُحافظ على قراءة يس والواقعة، وتبارك الملك.
فالسنة أن يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة بعد الفاتحة في الركعة الأولى سورة {الم. تَنزِيلُ} [السجدة:2] بكمالها، وفي الثانية: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ} [الإنسان:1]، ولا يفعل ما يفعله كثير من أئمة المساجد من الاقتصار على آيات من كلِّ واحدة منهما مع تمطيط القراءة، بل ينبغي أن يقرأهما بكمالهما، ويدرج قراءته مع ترتيل.
¬
(¬1) في صحيح مسلم1: 543، ومسند أحمد41: 515.
والسنة أن يقرأ في صلاة الجمعة في الركعة الأولى سورة الجمعة بكمالها، وإن شاء {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1]، وفي الثانية: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة} [الغاشية:1] فكلاهما صحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليتجنب الاقتصار على البعض.
والسُّنةُ في صلاة العيد في الركعة الأولى سورة {ق} [ق:1]، وفي الثانية: سورة الساعة بكمالها، وإن شاء سبح، وهل أتاك فكلاهما صحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليجتنب الاقتصار على البعض.
ويقرأ في ركعتي سنة الفجر بعد الفاتحة الأولى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون} [الكافرون:1]، وفي الثانية: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} [الإخلاص:1]، وإن شاء قرأ في الأولى {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة:136] الآية، وفي الثانية: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران:64]، ويقرأ في سنة المغرب: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون} ... {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد}، ويقرأ بهما أيضاً في ركعتي الطواف وركعتي الاستخارة.
ويقرأ من أوتر بثلاث ركعات في الركعة الأولى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، وفي الثانية: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون}، وفي الثالثة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد}، والمعوذتين.
ويستحبُّ أن يقرأ سورة الكهف يوم الجمعة، فعن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (¬1)، وعن أبي سعيد - رضي الله عنه -: «مَن قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له النور فيما بينه وبين البيت العتيق» (¬2).
ويستحبُّ الإكثار من تلاوة آية الكرسي في جميع المواطن، وأن يقرأها كلَّ ليلة إذا أوى إلى فراشه، وأن يقرأ المعوذتين عَقِب كلِّ صلاة، فعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقرأ المعوذتين دبر كلِّ صلاة» (¬3).
ويُستحبُّ أن يقرأ عند النوم: آية الكرسي، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} والمعوذتين، وآخر سورة البقرة، فهذا مما يهتم له، ويتأكد الاعتناء به.
فعن أبي مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الآيتان من آخر سورة البقرة، مَن قرأهما في ليلة كفتاه» (¬4)، قال جماعة من أهل العلم: كفتاه عن قيام الليل، وقال آخرون: كفتاه المكروه في ليلته.
وعن عائشة رضي الله عنها: «أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوى إلى فراشه كلَّ ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} و {قُلْ
¬
(¬1) في المستدرك2: 399.
(¬2) في سنن الدارمي4: 2143.
(¬3) في سنن أبي داود2: 86، ومسند أحمد29: 330، وصححه النووي.
(¬4) في صحيح البخاري5: 84.