فتاوى يكثر ......
. السؤال عنها
جارٍ تحميل الكتاب…
فتاوى يكثر ......
. السؤال عنها
الطبعة الأولى
1441 هـ ـ 2020 م
فتاوى
يكثر السؤال عنها
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن سار على دربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
هذه مسائل سئلت عنها في أزمنة مختلفة قبل سنوات، وكنت فصلت الكلام فيها لكثرة النقاش فيها، وبقيت فتاوى متفرقة هنا وهناك، وكنت بين الحين الآخر إذا سئلت عن إحدها أرسلت الفتوى للطالب.
وفي هذه الأيام بعد أن تيسر الانطلاق المبارك لمشروع «ليتفقوا في الدين»، تكرر السُّؤال عن مسائلها كثيراً من السائلين، فرأيت الفرصة مناسبة لجمعها مع بعضها البعض في كتاب لتقديمها للطالبين ونشرها بين الراغبين.
وسميتها:
«فتاوى يكثر السؤال عنها»
وميزتها عموماً أنّها مُفصلة في ذكر المذاهب وسرد الأدلة من الكتاب السُّنة وذكر عبارات الفقهاء فيها من مظانها.
وهذه الفتاوى مختلفة عن الفتاوى المختصرة التي تم جمعها من سؤال السائلين من مجموعات «ليتفقهوا في الدين»؛ إذ يقتصر فيها الجواب باختصار من غير تدليل وتوثيق.
وهناك نوع ثالث من الفتاوى تم تجهيزها ستكون مفصلة على مذهب الحنفية مع التوثيق لها والتدليل.
ونسأل المولى - عز وجل - أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعنا به يوم المعاد، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
في صويلح، عمان/ الأردن
25 ـ 7 ـ 2020 م
المطلب الأول: العبادات:
فتوى (1)
حكم إفرازات النساء
من أكثر الأسئلة طرحاً لدى النساء السؤال عن الإفرازات الخارجة منهنّ، والتي تسمّى لدى الفقهاء بـ «رطوبة الفرج»، هل هي طاهرة أم نجسة، وهل تنقض الوضوء أم لا؟
فأقول وبالله التوفيق: إن هذه الإفرازات طاهرة عند الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ففي «الجوهرة النيرة» 1: 38: «رطوبة الفرج فهي طاهرة عند أبي حنيفة كسائر رطوبات البدن».
وبالتالي لا يتنجس اللباس الذي تلامسه؛ لأنها كسائر رطوبات البدن من عرق وغيره لا تنجس الملابس. ففي «رد المحتار» 1: 349: رطوبة الفرج طاهرة؛ ولذا نقل في «التتارخانية»: إن رطوبة الولد عند الولادة طاهرة، وكذا السخلة إذا خرجت من أمّها، وكذا البيضة فلا يتنجس بها الثوب، ولا الماء إذا وقعت فيه، لكن يكره التوضؤ به للاختلاف»: أي بين أبي حنيفة وصاحبيه - رضي الله عنهم - كما سيأتي.
وهذه الطهارة للإفرازات إذا كانت صافية نقية خالية عن لون، بخلاف ما إذا اختلطت بغيرها فتغير لونها فإنها تكون نجسة بالاتفاق، قال خاتمة المحققين ابن عابدين في «حاشيته على الدر المختار» 1: 349: «وهذا إذا لم يكن معه دم، ولم يخالط رطوبة الفرج مذي أو مني من الرجل أو المرأة».
وأما بالنسبة لنقضها للوضوء، فطالما أنها طاهرة إن لم يخالطها شيء عند الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فهي غير ناقضة للوضوء عنده، وقد صرَّح بذلك في الضياء المعنوي شرح مقدمة الغزنوي ق 112/ا، فقال: «إن أخرجت المرأة القطنة من فرجها بأن حشته بقطنة حتى غيَّبتها، ثم أخرجتها، وكانت القطنة مبلولة، وقيَّد بمبلولة؛ لأنه لو خرجت غير مبلولة لا ينتقض، وهذا التفصيل قول البعض، وقال بعضهم: لا تنقض الوضوء مطلقاً، وقال بعضهم: تنقض مطلقاً، وهي رواية محمد - رضي الله عنه -، وقال الصريفي - رضي الله عنه -: لا تنقض عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وتنقض عندهماـ أي أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -، وأصل الخلاف أن رطوبة الفرج عنده ـ أي أبي حنيفة - رضي الله عنه - ـ طاهرة كسائر رطوبات البدن كالريق والعرق، وعندهماـ أي أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم - ـ نجسة كالقيح؛ لأنها رطوبة متولدة في محل النجاسة».
وهذا ما أفتى به العلامة مصطفى الزرقا - رضي الله عنه - كما في فتاواه ص 95، فقال: «سئلت فيما مضى كثيراً عن هذا الموضوع، وكنت أبيِّن شفهياً للسائلين من رجال ونساء أن هذا السائل اللزج الذي يخرج من المرأة في الحالات العادية (لا في الحالات المرضية) ويسميه الناس ـ الطهر ـ ليس بنجس شرعاً،
ولا ينقض وضوء المرأة، كما يقرِّره الفقهاء، ومن السائلين من يستغرب هذا الجواب؛ لأنهم متصورون خلافه، ويتأكد منّي فأوكِّد لهم. كأنما كل ما فيه تيسير وتسامح ودفع للحرج والمشقة فيما يتصل بواقع الحياة الطبيعية، يراه أناس غريباً، حتى كأنّ معنى الشريعة لا يتحقق إلا في الإرهاق والمشقة، ومع أن هذه الشريعة الغرَّاء السمحة أساساً للتيسير ودفع الحرج».
لكن العلامة محمد الحامد - رضي الله عنه - في «ردود على أباطيل» ص82 - 88 أفتى بأنه ناقض للوضوء رغم أنه طاهر عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وما سبق أن نقلناه عن «الضياء المعنوي» يحقق المسألة بأنه إذا كان طاهراً فهو ليس بناقض، كما هو عند الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وإن كان نجساً كما هو عند الصاحبين - رضي الله عنهم - فهو ناقض، وعليه تحمل نصوص كتب المذهب، لا سيما أن المتون الفقهية لم تذكره ضمن نواقض الوضوء رغم كثرة وقوعه، وما ذلك إلا لكونه غير ناقض على قول الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
ومما شرح صدري لهذا ما سمعته من أخي الفاضل الشيخ فراز رباني - رضي الله عنه - أن حكيم الأمة أشرف التهانوي فقيه العصر أفتى في «إمداد الفتاوى» بعدم النقض بعد تحقيقه للمسألة.
واستدل الحافظ ابن حجر العسقلاني في تلخيص الحبير1: 51 لطهارة رطوبة فرج المرأة بما روى ابن خزيمة في صحيحه1: 142: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «تتخذ المرأة الخرقة، فإذا فرغ زوجها ناولته، فمسح عنه الأذى، ومسحت عنها، ثم صليا في ثوبيهما» موقوف، وفي لفظ سنن البيهقي
الكبير 2: 411: «ينبغي للمرأة إذا كانت عاقلة أن تتخذ خرقة، فإذا جامعها زوجها ناولته فيمسح عنه، ثم تمسح عنها فيصليان في ثوبهما ذلك ما لم تصبه جنابة».
وفي صحيح ابن خزيمة 1: 142: من طريق يحيى بن سعيد، عن القاسم: سئلت عائشة رضي الله عنها عن الرجل يأتي أهله، ثم يلبس الثوب فيعرق فيه؟ فقالت: كانت المرأة تعدّ خرقة، فإذا كان; مسح بها الرجل الأذى عنه، ولم ير أن ذلك ينجسه».
فحاصل ما سبق أن الإفرازات طاهرة عند الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - إن كانت صافية، وهي غير ناقضة للوضوء على المعتمد للفتوى، بخلاف الصاحبين - رضي الله عنهم - فإنها نجسة عندهما وناقضة للوضوء.
وعند غيرهم من الفقهاء كما في الموسوعة الفقهية 32: 85: «أنه ذهب جمهور الفقهاء إلى نجاسة رطوبة الفرج الخارجة من باطنه؛ لأنها حينئذ رطوبة داخلية، أما الخارجة من ظاهر الفرج، وهو ما يجب غسله في الغسل والاستنجاء فهي طاهرة. وذهب أبو حنيفة والحنابلة: إلى طهارة رطوبة الفرج مطلقاً». كما في الفتاوى الفقهية الكبرى1: 32 27 - 28، 32، وحاشيتا قليوبي وعميرة 1: 82، وأسنى المطالب1: 13، ومواهب الجليل1: 104، والتاج المكلل1: 151، والإنصاف1: 341، وغيرها.
ونقل العلامة محمد الحامد - رضي الله عنه - في «ردود على أباطيل» ص86 - 88: عن المالكية والشافعية والحنابلة أنها ناقضة للوضوء. لكن هذا النقل يحتاج إلى تحقيق من كتبهم، والمقام لا يتسع لذلك، والله أعلم وعلمه أحكم.
• • •
فتوى (2)
حكم دخول الحائض
المعلمة والمتعلمة المسجد
ما حكم دخول المرأة الحائض للمسجد؟
نص سادتنا الحنفية على عدم جواز دخول الحائض المسجد مطلقاً؛ لأن ما بها من الأذى فوق أذى الجنابة؛ لتمكنها من إزالة أذى الجنابة دون أذى الحيض، ثم الجنابة تمنعها عن دخول المسجد، فالحيض أولى، ويشمل هذا المنع العبور بلا مكث إلا في الضرورة كالخوف من السبع واللص والبرد والعطش، والأولى أن تتيمم ثم تدخل، كما في ذخر المتأهلين ومنهل الواردين (ص145)، والمحيط البرهاني (1: 403)، والوقاية (ص125).
ويدخل في حكم كلّ ما أُعدَّ للصلاة من بناء المسجد بخلاف ساحته وظلة بابه، فقد صرح ابن نُجيم في البحر الرائق (1: 205) أن المصلَّى لا يأخذ حكم المسجد: «فلهذا لا تمنع من دخول مصلَّى العيد والجنائز والمدرسة والرباط؛ ولهذا قال في «الخلاصة» المتخذ لصلاة الجنازة والعيد الأصح أنه
ليس له حكم المسج، واختار في «القنية» من «كتاب الوقف»: أن المدرسة إذا كان لا يمنع أهلها الناس من الصلاة في مسجدها فهي مسجد.
وفي «فتاوى قاضي خان»: «وفناء المسجد له حكم المسجد في حق جواز الاقتداء بالإمام، وإن لم تكن الصفوف متصلة ولا المسجد ملآن». وأما في جواز دخول الحائض فليس للفناء حكم المسجد فيه.
وظلة باب المسجد لها حكمه في حق جواز الاقتداء لا في حرمة الدخول للجنب والحائض كما لا يخفى».
ودليل ما سبق:
1.قال - صلى الله عليه وسلم -: «إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» في صحيح ابن خزيمة (2: 284)، وسنن أبي داود (1: 60)، ومسند إسحاق بن راهويه (3: 1032)، وسنن البيهقي الكبير (2: 442).
2.قال - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]، قال الجصاص في أحكام القرآن (2: 290): «روي عن علي وابن عباس - رضي الله عنهم - في تأويله أن المراد المسافر الذي لا يجد الماء فيتيمم، أولى من تأويل من تأوله على الاجتياز في المسجد وذلك لأن قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} نهي عن فعل الصلاة نفسها في هذه الحال لا عند المسجد؛ لأن
ذلك حقيقة اللفظ ومفهوم الخطاب، وحمله على المسجد عدول بالكلام عن حقيقته إلى المجاز بأن تجعل الصلاة عبارة عن موضعها ... ».
وذهب السادة المالكية إلى ما ذهب إليه الحنفية من حرمة دخول المسجد مطلقاً سواء للمكث أو العبور، وذهب الشافعية والحنابلة إلى حرمة مرورها في المسجد إن خافت تلويثه؛ لأن تلويثه بالنجاسة محرم، والوسائل لها حكم المقاصد. فإن أمنت تلويثه فذهب الشافعية إلى كراهة عبورها المسجد، ومحل الكراهة إذا عبرت لغير حاجة، ومن الحاجة المرور من المسجد، لبعد بيتها من طريق خارج المسجد وقربه من المسجد. وذهب الحنابلة إلى أنها لا تمنع من مرورها في المسجد حينئذٍ. كما في «الموسوعة الفقهية الكويتية» (18: 323).
وفي المجموع (2: 184): «مذاهب العلماء في مكث الجنب في المسجد وعبوره فيه بلا مكث، مذهبنا أنه يحرم عليه المكث في المسجد جالسا أو قائما أو متردداً أو على أي حال كان، متوضئاً كان أو غيره، ويجوز له العبور من غير لبث، سواء كان له حاجة أم لا، وحكى ابن المنذر مثل هذا عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وسعيد بن جبير وعمرو بن دينار ومالك. وحكي عن سفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه أنه لا يجوز له العبور إلا أن لا يجد بُداً منه فيتوضأ ثم يمر. وقال أحمد: يحرم المكث ويباح العبور لحاجة ولا يباح لغير حاجة ... ».
وفي المغني (1: 97): «ليس للحائض والجنب اللبث في المسجد»، وفي المغني (1: 98): «إذا توضأ الجنب فله الُلبث في المسجد في قول أصحابنا وإسحاق، وقال أكثر أهل العلم: لا يجوز؛ للآية والخبر، ... فأما الحائض إذا توضأت فلا يباح لها اللبث لأن وضوءها لا يصح». وينظر: دقائق أولي النهى (1: 82).
وشَذّ ابن حزم في المحلى (1: 400): «بجواز دخول المسجد للجنب والحائض»، ومن المعلوم عند أهل العلم والفضل عدم التعويل على شيء من شذوذاته، وعدم اعتبارها والتعويل عليها في الفتوى.
وسألت أستاذنا الدكتور أكرم عبد الوهاب هل من رخصة لجواز تدريس النساء ووعظهن في المسجد لصاحبة «الحيض» فأفتى بعدم الجواز مطلقاً وإن كانت المرأة تتقاضى الأجرة على تدريسها ووعظها، فلا حلية في هذا الكسب، وأخبر بالدخول في حكم المسجد لكل ما يتصل به وإن علا أو سفل طالما عُدَّ من المسجد، ويعتبر المسجد مسجداً وإن لم تصل فيه الصلوات الخمس، ولو هجر ما دام موقوفاً على أنه مسجد.
وسألت شيخنا العلامة الأستاذ الدكتور عبد الملك السعدي هل من رخصة للمرأة المعلمة أو المتعلمة في دخول المسجد للعلم فأجاب بعدم جواز دخولها كلّ ما أعدَّ من المسجد بأن يصلى فيه عادة وهو من ضمن المسجد إلا إذا كانت قاعات خارجية أو ساحات أو شابهها قد تصل الصفوف لها في حالات استثنائية.
وقال الشيخ النعسان في الفتاوى الشرعية (ص36): «لا يجوز دخول المرأة الحائض، وكذلك الجنب إلى المسجد، ولو كان بقصد التعلم أو التعليم».
فتوى (3)
حكم مس المصحف
لغير المتوضئ والجنب والحائض
يقع السؤال كثيراً عن حكم مسّ المصحف لغير المتوضئ أو الجنب أو الحائض والنفساء؟
فأقول وبالله التوفيق: إن حرمة مسّ المصحف لهؤلاء من المسائل التي أجمع عليها فقهاؤنا في مذاهبنا الفقهية المعتمدة، كما نص على ذلك كبار العلماء المحتج بقولهم، وإليك بعض أقولهم:
قال الحافظ ابن عبد البر المالكي في الاستذكار 2: 472: «أجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى، وعلى أصحابهم بأن المصحف لا يمسه إلا الطاهر، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وأبي عبيد وهؤلاء أئمة الرأي والحديث في أعصارهم، وروى ذلك عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وطاوس والحسن والشعبي والقاسم بن محمد وعطاء، وهؤلاء من أئمة التابعين بالمدينة ومكة واليمن والكوفة والبصرة».
وقال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني 1:168: «ولا يمس المصحف إلا طاهر: يعني طاهراً من الحدثين جميعاً، روي هذا عن ابن عمر والحسن وطاوس والشعبي والقاسم بن محمد وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم مخالفاً لهم إلا دواد».
وقال العلامة ابن تيمية الحنبلي في الفتاوى الكبرى 1: 282: «مسألة: هل يجوز مس المصحف بغير وضوء أم لا؟ الجواب: مذهب الأئمة الأربعة: أنه لا يمس إلا طاهر، كما قال في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم - رضي الله عنه -: «إنه لا يمس القرآن إلا طاهر»، قال الإمام أحمد: لا شك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتبه له، وهو أيضاً قول سلمان الفارسي وعبد الله بن عمر وغيرهما، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف».
وقال الإمام النووي الشافعي في المجموع 2: 86: «مس المصحف وحمله: مذهبنا تحريمهما، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء ... ».
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية 17: 127، 18: 323: «لا يجوز للمحدث مس المصحف كله أو بعضه عند فقهاء المذاهب الأربعة».
ومن مستند هذا الإجماع عند أئمتنا الأجلاء ما يلي:
1. قال - جل جلاله -: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزيلٌ مِنْ رَبِّ العَالمين} [الواقعة 77 - 80]، قال الإمام النووي الشافعي في
المجموع 2: 86: فوصفه بالتنزيل، وهذا ظاهر في المصحف الذي عندنا، فإن قالوا: المراد اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة المطهرون ... فالجواب: إن قوله تعالى: {تَنْزيلٌ} ظاهر في إرادة القرآن لا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح ... وهو قول علي وسعد ابن أبي وقاص وابن عمر - رضي الله عنه - ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة.
2. قال - جل جلاله -: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس:11 - 16].
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره 4: 156: «استنبط العلماء - رضي الله عنهم - من هاتين الآيتين ـ أي آيات الواقعة وعبس ـ أن المحدث لا يمس المصحف كما ورد به الحديث إن صح؛ لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القرآن في الملأ الأعلى فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى؛ لأنه نزل عليهم وخطابه متوجّه إليهم، فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم والانقياد له بالقبول والتسليم؛ لقوله - عز وجل -: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف:4]».
قال الإمام مالك - رضي الله عنه -: «أحسن ما سمعت في هذه الآية: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] إنما هي بمنزلة هذه الآية التي في عبس وتلى قول الله تبارك وتعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ} عبس:11 - 16»، ينظر: الموطأ1: 199، والدر المنثور 8: 27
3. قال - عز وجل -: {وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]، قال الإمام القرطبي في تفسيره 5: 199: «إذا كان لا يجوز له اللبث في المسجد، فأحرى ألا يجوز له مسّ المصحف ولا القراءة فيه إذ هو أعظم حرمة».
4.عن ابن عمر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يمس القرآن إلا طاهر) في سنن البيقهي الكبير1: 88، وسنن الدارقطني1: 121، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 276: «رواه الطبراني في الكبير والصغير ورجاله موثقون».
5.عن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: لما بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قال: (لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) [في المستدرك 3: 552، وقال: «حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، والمعجم الأوسط 3: 327، والمعجم الكبير: 205، 12: 313، والمعجم الصغير 2: 277، والمراسيل لأبي داود ص122، وسنن الدارمي 2: 214، والموطأ 1: 199، وفي رواية: (إلا على طهر) في مصنف عبد الرزاق 1: 341.
قال العلامة الدكتور نور الدين عتر في إعلام الأنام 1: 221: دل الحديث على أنه يحرم على من لم يكن طاهراً أن يمس المصحف وقد اتفق على ذلك جمهور العلماء من عهد الصحابة - رضي الله عنهم - فمَن بعدهم، وقال به الأئمة الأربعة وغيرهم. وذهب داود الظاهري وابن حزم إلى أنه يجوز للمحدث حدثاً أصغر أو أكبر أن يمس المصحف وأخذ بقوله هذا بعض من يزعم الاجتهاد ... وليس لهما من دليل في شذوذهما هذا إلا الاستناد إلى البراءة
الأصلية، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، فاستندا إلى ذلك واكتفيا بنقد أدلة أئمة الإسلام، ومعلوم أن البراءة الأصلية ليست قوية، بل إنه يصلح معارضتها بأي دليل صحيح، وهذا دليل أئمة العلم يعارضها، ودلالتها صحيحة قوية لا يرتقي إليها الطعن».
6. عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: قال عثمان بن أبي العاص ـ وكان شاباً ـ: وفدنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدوني أفضلهم أخذاً للقرآن وقد فضلتهم بسورة البقرة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (قد أمرتك على أصحابك وأنت أصغرهم ولا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) في المعجم الكبير 9: 44، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 277: «رواه الطبراني في الكبير في جملة فيما تجب فيه الزكاة وفيه إسماعيل بن رافع ضعفه يحيى بن معين والنسائي وقال البخاري: ثقة مقارب الحديث».
7. عن عبد الرحمن بن زيد - رضي الله عنه - قال: «كنا مع سلمان - رضي الله عنه - فانطلق إلى حاجة فتوارى عنا فخرج إلينا فقلنا: لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن، فقال: سلوني فإني لست أمسّه إنما يمسه المطهرون، ثم تلا: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ}». قال الحافظ السيوطي في الدر المنثور 8: 27: «أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر والحاكم وصححه».
8. قال ملك العلماء الكاساني في بدائع الصنائع 1: 33: «إن تعظيم القرآن واجب، وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلها حدث».
ومن أراد الإطلاع على تفصيل الكلام في الأحاديث والآثار الواردة في ذلك فليراجع نصب الراية 1: 281 - 282، والدر المنثور 8: 27، وإعلام المبيح الخائض بتحريم القرآن على الجنب والحائض 1: 73، وغيرها، فإن المقام هنا لا يتسع لذلك.
وبناءً على ما سبق فعند سادتنا الحنفية يحرم مسّ المصحف في الجنابة والحيض والنفاس والحدث الأصغر إلا بغلاف متجاف ـ أي منفصلٍ عنه ـ ويكره تحريماً اللَّمْسُ بالكُمّ على الصحيح؛ لأنه تابع للماس، فاللمس به لمس بيده، كما في فتح القدير 1: 149، والوقاية ص126، وغيرها.
وكذلك يكره لمس لوح أو درهم عليه آية من القرآن إلا إذا كان الدرهم في صرة: أي ما يجعل فيها الدراهم، وتكون من غير ثيابه التابعة له، كما في رد المحتار 1: 117، وشرح الوقاية ص126، وذخر المتأهلين ص143، وغيرها.
ويجوز له أن يقرأ القرآن عن ظهر أو عن مصحف إذا قلب أوراقه بقلم أو غيره، كما في عمدة الرعاية 1: 131.
وعند فقهائنا المالكية ففي التاج والإكليل 1: 442: لا يجوز مس مصحف وإن بقضيب وحمله وإن بعلاقة أو وسادة إلا بأمتعة قصدت وإن على كافر، قال مالك: لا يحمل المصحف غير متوضئ لا على وسادة ولا بعلاقة إلا أن يكون في تابوت أو خرج أو نحو ذلك فيجوز أن يحمله غير
متوضئ أو يهودي أو نصراني لأن الذي يحمل المصحف على وسادة أراد حملانه لا حملان ما سواه.
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية 16: 241: «اتفق الفقهاء على أنه يحرم بالحدث مس المصحف بلا حائل ... واختلفوا في مسه بحائل، كغلاف أو كمّ أو نحوهما.
فالمالكية والشافعية يقولون بالتحريم مطلقا ولو كان بحائل. وقال الشافعية: ولو كان الحائل ثخيناً، حيث يعد ماساً عرفا. وصرح المالكية بحرمة مس المصحف وإن مسه بقضيب ونحوه وكذلك مس جلد المصحف وحمله وإن بعلاقة أو وسادة إلا بأمتعة قصد حملها.
والصحيح عند الحنابلة جواز مس المصحف للمحدث بحائل مما لا يتبعه في البيع ككيس وكم؛ لأن النهي إنما ورد عن مسه، ومع الحائل إنما يكون المس للحائل دون المصحف. ومثله ما عند الحنفية حيث فرقوا بين الحائل المنفصل والمتصل فقالوا: يحرم مس المصحف للمحدث إلا بغلاف متجاف ـ أي غير مخيط ـ أو بصرة. والمراد بالغلاف ما كان منفصلا كالخريطة ونحوها؛ لأن المتصل بالمصحف منه، وعلى ذلك الفتوى».
• • •
فتوى (4)
حكم قراءة القرآن
للحائض والنفساء والجنب
يكثر السؤال عن قراءة القرآن للحائض، فما حكمه؟
فأقول وبالله التوفيق: كثر القيل والقال في هذه المسألة بترويج غير المعتمد فيها؛ إذ أن جمهور مذاهب السادة الفقهاء على تحريم قراءة القرآن للحائض والنفساء والجنب مطلقاً سواء أكانت حافظة للقرآن أو معلِّمة أو متعلِّمة أو غيرها على تفصيل سيأتي، وهذا هو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.
فقد نصَّ الحنفية أنه لا تقرأ الحائض والنفساء والجنب شيئاً من القرآن، والآية وما دونها سواء في التحريم على الأصحّ، إلا أن لا يقصد بما دون الآية القراءة مثل: أن يقول: الحمد لله؛ يريد الشكر، أو بسم الله عند الأكل، أو غيره فإنه لا بأس به، كما في الفتاوى الهندية (1: 38).
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في شرح منتهى الإرادات (1: 111): «ويمنع قراءة القرآن مطلقاً».
وقال الإمام النووي الشافعي في المجموع (2: 388): «مذهبنا المشهور تحريمهما».
وما ذهب إليه الجمهور من الحرمة تؤيِّدُه الأدلة المتظافرة، ومنها:
1.عن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن» في سنن الترمذي (1: 236)، وسنن البيهقي الكبير (1: 309)، وقال: ليس هذا بالقوي، وصحّ عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب وساقه عنه في الخلافيات بإسناد صحيح. كما في السنن الصغرى (1: 564)، وإعلاء السنن (1: 349 - 350)، وغيرها. وقال الترمذي في سننه (1: 236): «وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين ومَن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئاً، إلا طرف الآية والحرف ونحو ذلك، ورخَّصوا للجنب والحائض في التسبيح والتهليل».
2.عن علي - رضي الله عنه - قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحجبه عن قراءة القرآن ما خلا الجنابة» في صحيح ابن حبان (1: 510)، وسنن الترمذي (1: 273)، وقال: حسن صحيح، ومصنف ابن أبي شيبة (1: 99)، ومسند أحمد (1: 83)، ومسند أبي يعلى (1: 459) وغيرها، وقال ابن حجر في فتح الباري (1: 281): «الحق أنه حسن يصلح للحجية»، كما في فقه سعيد بن المسيب (1: 146)، قال الدكتور نور الدين عتر في إعلام الأنام (1: 270 - 271): «دلَّ الحديث على تحريم قراءة القرآن على الجنب، ومثله الحائض والنفساء لا سيما
على الرواية المشهورة «لم يكن يحجبه أو قال: يحجزه» التي حكم لها بالصحة؛ لأنه جعل الجنابة حاجباً أو حاجزاً أي مانعاً، والمنع يقتضي التحريم».
3.عن عليّ - رضي الله عنه - قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فقرأ آياً من القرآن، ثم قال هكذا لمَن ليس بجنب، فأمّا الجنب فلا، ولا آية» في مسند أبي يعلى (1: 300، وقال المقدسي في الأحاديث المختارة (2: 244): «إسناده صحيح»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1: 276: «رجاله موثقون»، وما ينطبق على الجنب ينطبق على الحائض والنفساء، بل حدثها هي أشد منه، فالجنابة من احتلام لا تفسد الصوم بخلاف الحيض.
3.عن عبد الله بن رواحة - رضي الله عنهم -: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب» في سنن الدارقطني (1: 120)، وقال: «إسناده صالح».
4.عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتكئ في حجري، فيقرأ القرآن وأنا حائض» في صحيح مسلم (1: 246)، ومسند أحمد (6: 117)، ومسند ابن راهويه (3: 676)، قال الإمام ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (1: 160): «وفيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قولها: «فيقرأ القرآن»، إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه، ولو كانت قراءة القرآن للحائض جائزة لكان هذا الوهم منتفيا، أعني توهم امتناع قراءة القرآن في حجر الحائض».
وهذا الحكم بحرمة قراءتها خاص باللسان؛ فأما إجراء القراءة على القلب من غير تحريك اللسان، والنظر في المصحف وإمرار ما فيه في القلب
فجائز بلا خلاف، وقد أجمع العلماء على جواز التسبيح والتهليل وسائر الأذكار غير القرآن للحائض والنفساء، كما في المجموع (2: 388).
وهذه الحرمة سواء أكانت القراءة لآية أو ما دونها كما عند الإمام الكَرْخي، وهو المختار عند الحنفية، اختاره صاحب الدر المختار (1: 116)، والملتقى (ص4)، والمراقي (ص178)، والاختيار (1: 21)، والكنز (ص7)، وغيرها، والشافعية، كما في الموسوعة الفقهية الكويتية (18: 321).
وعند الإمام الطَّحَاوِيّ: يحل ما دون الآية، وهو رواية ابن سماعة عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ووجهه: إنه إن قرأ ما دون الآية لا يعد بها قارئاً، ورجحه ابن الهمام في فتح القدير (1: 148)، هذا إذا قصدت القراءة، فإن لم تقصدْها نحو أن تقول شكراً للنَّعمة: الحمدُ لله ربِّ العالمين، فلا بأس به، قال الطحاوي في مختصره (ص18)، وشرح معاني الآثار (1: 90): «ولا يقرأ الجنب ولا الحائض الآية التامة».
وقال الحنابلة: «يحرم عليها قراءة آية فصاعداً، ولا يحرم عليها قراءة بعض آية؛ لأنه لا إعجاز فيه، وذلك ما لم تكن طويلة، كما لا يحرم عليها تكرير بعض آية ما لم تتحيل على القراءة فتحرم عليها، ولها تهجية آي القرآن لأنه ليس بقراءة له»، كما في الموسوعة الفقهية الكويتية (18: 321).
وأما في التعليم فجوَّز الحنفية لها التَّهجِّي بالقرآن والتَّعليم، وقال الإمامُ الكَرْخيُّ: المعلمةُ إذا حاضتْ تُعلِّمُ كلمةً كلمة، وتقطعُ بين الكلمتي،
وصُحِّحَ في الدر المختار (1: 116)، وقال الإمام الطَّحَاوِيّ: نصف آيةٍ وتقطع، ثم تُعَلِّمُ النِّصفَ الآخر.
وخالف الإمام مالك - رضي الله عنه - الجمهور، وجوَّزَ قراءة للحائض مطلقاً، كما في الشرح الكبير (1: 173)، وحاشية الصاوي (1: 216)، والشرح الصغير (1: 215)، وفيه: «ولا يحرم عليها قراءة القرآن إلا بعد انقطاعه وقبل غسلها، سواء كانت جنبا حال حيضها أم لا، فلا تقرأ بعد انقطاعه مطلقا حتى تغتسل»؛ لأن زمنه طويل ويخاف نسيانها، وأجاب عنه الإمام النووي في المجموع (2: 388): «إن خوفَ النسيان نادر؛ لأن مدة الحيض غالباً ستة أيام أو سبعة، ولا ينسى غالباً في هذا القدر؛ ولأن خوف النسيان ينتفي بإمرار القرآن على القلب».
وبهذا يتبيّن أن ما يشاع من جواز قراءة القرآن للحائض والنفساء على الإطلاق ليس في محلّه لمخالفه قول جمهور العلماء بحرمة المؤيدة بالأدلة البيّنة الصحيحة عليه، والإفتاء بمذهب الإمام مالك - رضي الله عنه - لغير المالكية في البلاد التي لم ينتشر فيها مذهب الإمام مالك - رضي الله عنه - لا يجوز إلا في الضرورة وعموم البلوى التي يقدرها أهل العلم والفضل، كما نصّوا عليه في رسم المفتي. والله أعلم وعلمه أحكم.
• • •
فتوى (5)
المسحُ على الجوربين الثَّخينين
هل يجوز المسح على الجورب الخفيف؟
لا يجوز المسح على الجورب الخفيف بالاتفاق في مذاهبنا الأربعة، ولم يعتمدوا على حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين» في صحيح ابن خزيمة 1: 99، وصحيح ابن حبان 4: 167، وجامع الترمذي1: 167، وصححه، وسنن أبي داود 1: 41، وسنن النسائي الكبرى 1: 92، وسنن ابن ماجة 1: 185؛ لأمور منها:
1. أن القرآن أمرنا بغسل الأرجل، ولا يجوز لنا أن نترك أمراً في القرآن بحديث آحاد.
2.أن المسح على الخفين ثبت بحديث متواتر أو مشهور، كما قال السيوطي في تدريب الراوي2: 179، والأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة فقد رواه سبعون صحابياً، وقد أخرج العيني في كتابه البناية 1: 554، وشرح شرح معاني الآثار عن سبعة وستين صحابياً، ومثله يزاد به على القرآن، وقال أبو حنيفة: «ما قلت بالمسح على الخفين حتى وردت فيه آثار
أضوءُ من الشمس»، وقال أيضا: «أخاف الكفر على من لم يرَ المسح على الخفين»؛ لأنّ الآثارَ التي جاءت فيه كانت في حيِّز التواتر: أي المعنوي، وإن كانت من الآحاد اللفظي، كما في فتح باب العناية 1: 183.
3.أن المسح على الخف استحسان؛ لأن القياس غسل الرجلين، والاستحسان لا يجوز القياس عليه، وإنما يدخل تحته ما يعتبر من أفراده، فالجورب الثخين يجوز المسح عليه إن توفرت فيه شروط المسح على الخف. والخفُّ ما يستر الكعب، كما في شرح الوقاية ص114.
والجورب الثخين ما لبس كما يلبس الخفّ من كتان أو قطن أو صوف، أو شعر، أو جوخ، أو غيرها مما تتوفر فيه شروط جواز المسح عليه، كما في شرح الوقاية ص114، وهذا حاصل ما يفهم من كلام ابن عابدين في رد المحتار 1: 179، والنابلسي في نهاية المراد ص388.
وشروط المسح على الجوربين:
1) شروط المسح على الخفين من لبسهما على طهارة وستر الكعبين وإمكان متابعة المشي المعتاد عليهما أكثر من فرسخ، واستمساكهما على الرجلين من غير شد، ومنعهما وصول الماء إلى الجسد وغيرها.
2) أن يكون منعلاً أو مجلداً؛ لأنه يمكن مواظبة المشي عليه، والرخصة لأجله فصار كالخفّ، كما في تبيين الحقائق 1: 52.
والمنعل: هو الذي وضع الجلد على أسفله كالنعل للقدم في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن: يكون إلى الكعب. ينظر: الإيضاح ق7/ب، والتبيين 1: 52، ونهاية المراد ص389.
والمجلد: هوالذي وضع الجلد على أعلاه وأسفله، كما في الإيضاح ق7/ب، والتبيين 1: 52، ونهاية المراد ص389
3) أن يكون ثخيناً إن لم يكن مجلداً أو منعلاً، كما في رد المحتار 1: 179، وحدّ الثخانة ما يلي:
أ. أن لا يرى ما تحتهما منهما للناظر.
ب. أن لا يكون شفافاً لا يحجب ما وراءه، فلا ينفد الماء منهما، كما في الهدية العلائية ص39، وبدائع الصنائع 1: 10.
ج. أن يستمسك على الساق من غير ربط، كما في الدر المختار 1: 179، ونهاية المراد ص388، والتبيين1: 52.
قال الكاساني في بدائع الصنائع 1: 10: «أما المسح على الجوربين، فإن كانا مجلدين أو منعلين يجزئه بلا خلاف عند أصحابنا وإن لم يكونا مجلدين ولا منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء لا يجوز المسح عليهما بالإجماع، وإن كانا ثخينين لا يجوز عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعند أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -: يجوز. وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه رجع إلى قولهما في آخر عمره، وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه، ثم قال لعواده: «فعلت ما كنت أمنع الناس عنه».
فاستدلوا به على رجوعه»، وعلى قولهما يُفتى كما في شرح الوقاية ص115، والاختيار 1: 36، وقال إسماعيل النابلسي: والأصح رجوعه كما في المجمع، ودرر البحار، وفي الخلاصة: وعنه أنه رجع، وعليه الفتوى، وفي التبيين1: 52: ويروى رجوع أبي حنيفة إلى قولهما قبل موته بسبعة أيام، وفي النوادر: بثلاثة أيام، وقيل: بسبعة، وعليه الفتوى، ومثله في الذخيرة، وقال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ. كما في نهاية المراد ص388.
قال نور الدين عتر في إعلام الأنام شرح بلوغ المرام 1: 187 - 188: «منع المالكية والشافعية المسح على الجوربين أخذاً بظاهر آية الوضوء، وهو قول الإمام أبي حنيفة أيضاً، ولم يعملوا بحديث المغيرة - رضي الله عنه - هذا في المسح على الجوربين وقد ظهر عذرهم في ذلك واضحاً.
إلا أننا نرى إمكان العمل بالحديث إذا رددناه إلى الأصل في المسألة وهو المسح على الخفين، فإذا استوفى الجورب صفات الخف أجزنا المسح عليه، وإلا فليس بجائز، وهذا هو مسلك الإمام أحمد وصاحبي أبي حنيفة أبي يوسف ومحمد وعليه الفتوى في مذهب الحنفية».
4.إن المسح على النعلين لم يقل بجوازه أحد من الأئمة، كما في معارف السنن 1: 347، وأولوا المراد بهذه اللفظة منها ما قاله الطحاوي في شرح معاني الآثار 1: 97: «أنه قد يجوز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح على نعلين تحتهما جوربان وكان قاصداً بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه وجورباه مما لو كانا عليه بلا نعلين جاز له أن يمسح عليهما، فكان مسحه ذلك مسحاً أراد
به الجوربين، فأتي ذلك على الجوربين والنعلين، فكان مسحه على الجوربين هو الذي تطهر به، ومسحه على النعلين فضل». فهذا يدل على أن ظاهر الحديث غير معمول به.
5. إن هذا الحديث رده كبار الحفّاظ:
قال أبو داود في سننه 1: 41: «كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين».
وقال البيهقي: «إنه حديث منكر ضعفه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، ويروى عن جماعة أنهم فعلوه».
وقال النووي: «كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي، مع أن الجرح مقدم على التعديل»، وقال: «واتفق الحفّاظ على تضعيفه، ولا يقبل قول الترمذي: «إنه حسن صحيح».» وتمامه في نصب الراية 1: 184، ومعارف السنن 1: 349، وتحفة الأحوذي 1: 278.
6.أنّه مخالف لظاهر القرآن من وجوب غسل الرجلين، فإن مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر، وقال: «أبو قيس الأودي وهذيل بن شرحبيل لا يحتملان وخصوصاً مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس
وهذيل»، كما في نصب الراية 1: 184، ومعارف السنن 1: 349، بخلاف المسح على الخفين فإن الأمة تلقته بالقبول لتواتر الرواية به، كما في معارف السنن 1: 350.
وقال البنوري في معارف السنن 1: 350 - 351: «وبالجملة لم يعملوا بإطلاق الحديث، بل كأنهم عملوا بتنقيح المناط في الخف، فأدخلوا فيه ما ذكرنا، وعلى كل حال إن صح حديث الجوربين لم يمكن أن يعمل على إطلاقه الشامل للثخينين والرقيقين لمعارضة القرآن المتلو، نعم عملوا بجزء منه، إما تمسكاً به أو بتنقيح الخف الوارد في المتواتر».
7. أن المسح على الجورب ورد بطريقة واحد عن المغيرة - رضي الله عنه -، وروي عنه بستين طريقاً بالمسح على الخفين، فيكون شذوذاً وخطأً من الراوي، قال البنوري في معارف السنن 1: 350 - 351: «الحديث يروى عن المغيرة بنحو ستين طريقاً، ولم يذكر لفظ حديث الباب إلا في هذه الطريقة، فكيف يطمئن به القلب، ثم إن عمل قوم من المتساهلين بالمسح على الجوارب الرقيقة ليس له أصل في الشريعة يعتمد عليه، إن كان بهذا الحديث فقد عرفت ما فيه وما قال الأئمة، وإن كان بقول الفقهاء فهم اشترطوا إما التجليد وإما التنعيل، وعلى الأقل الثخانة».
8.الحديث لم يظهر أي صفة للخُفّ، حتى نقول: أنه يفيد المسح على الخفيف؛ لذلك يفسّر بغيره من الأحاديث القائلة بجواز المسح على الخفّ، فيشترط في الجورب ما يشترط في الخف حتى يجوز المسح عليه.
قال نور الدين عتر في إعلام الأنام شرح بلوغ المرام 1: 187 - 188: «تعلق بهذا الحديث بعض أهل العلم وأباح المسح على الجوربين أيا كان حالهما، وأنت إذا تأملت الحديث وجدته يحكي واقعة فعلية لا يوضح لنا تفاصيل صفة ذلك الجورب الذي مسح عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ما سمكه؟ ومتانته؟ ولعله أن يكون فوق الخف أو يكون له نعل، ولعله ليس كذلك، ومن المعلوم في أصول الفقه أن الاستدلال بالوقائع الفعلية على معرفة ظروفها وملابساتها.
فالحقيقة أن لا يصح الاستدلال بهذا الحديث لما ذهبوا إليه، وإنه لتفريط منهم وتساهل في حق الشريعة، وقد تبين أن المسح على الخفين إنما ثبت بالسنة المتواترة وبانعقاد الإجماع على جوازه ... وأنه لا يصح الاستدلال ... على جواز المسح على الجوربين جوازاً مطلقاً لا قيد فيه».
• • •
فتوى (6)
حكم تارك الصلاة
هل يكفر تارك الصلاة؟
أقول وبالله التوفيق: تارك الصلاة على حالين:
الأول: أن يكون الترك للصلاة جحوداً، فإنه يكفر؛ لثبوتها بدليل قطعي.
الثاني: أن يكون الترك للصلاة عمداً ومجوناً وتكاسلاً فإنّه فاسق، ويحبس حتى يُصلي؛ لأنه يحبس لحق العبد، فحقُّ الله - عز وجل - أحق، كما في تنوير الأبصار والدر المختار 1: 235، وهذا عند الحنفية.
وذهب المالكية والشافعية فيمن ترك الصلاة تهاوناً وكسلاً لا جحوداً إلى أنه يُقتل حدّاً، أي أن حكمه بعد الموت حكم المسلم فيُغسل، ويُصلى عليه، ويُدفن مع المسلمين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة» في صحيح البخاري1: 153، وصحيح مسلم1: 52؛ ولأنه تعالى أمر بقتل المشركين.
وذهب الحنابلة: إلى أن تارك الصلاة تكاسلاً يدعى إلى فعلها ويُقال له: إن صليت وإلا قتلناك، فإن صلى وإلا وجب قتله، ولا يقتل حتى يحبس ثلاثاً ويدعى في وقت كلّ صلاة، فإن صلى وإلا قتل حداً، وقيل كفراً: أي لا
يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، الموسوعة الفقهية الكويتية 27: 54 - 55، وشرح منهج الطلاب 2: 132، والأم 1: 291، والمغني 2: 158، ومواهب خليل 1: 411، وهذا إن وضع السيف فوقه ولم يقم للصلاة، وهذا يدل على أنه جاحد إن وصل لهذه الدرجة.
وهذا يدلّ على عدم كفر تارك الصلاة بالاتفاق في المذاهب الفقهية الأربعة، ومما يستدل به على هذا:
1.عن عبادة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمَن جاء بهن وقد أكملهن ولم ينتقصهن استخفافاً بحقِّهنّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنّة، ومَن جاء بهنّ وقد انتقصهن استخفافاً بحقهنّ لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء رحمه» في صحيح ابن حبان 5: 23، والأحاديث المختارة 8: 365، وسنن أبي داود 2: 62، وسنن النسائي الكبرى 1: 142، والمجتبى 1: 230، وسنن ابن ماجة 1: 449، والموطأ 1: 123، وفي رواية: «فمَن لقيه بهن لم يضيع منهنّ شيئاً لقيه وله عنده عهد يدخله به الجنّة، ومَن لقيه وقد انتقص منهنّ شيئاً استخفافاً بحقهنّ لقيه ولا عهد له، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له» في مسند أحمد 5: 322، ومشكل الآثار 4: 194.
2.عن كعب بن عجرة الأنصاري - رضي الله عنه - قال: «خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في المسجد، سبعة منا، ثلاثة من عربنا، وأربعة من موالينا، فقال: ما يجلسكم هنا؟ قلنا: الصلاة. قال: فنكت بأصبعه في الأرض، ثم نكس ساعة،
ثم رفع إلينا رأسه، فقال: تدرون ما يقول ربكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: إنه يقول مَن صلى الصلاة لوقتها وأقام حدها كان له به على الله عهد إذا جاءه الجنة، ومَن لم يقم الصلاة لوقتها ولم يقم حدها لم يكن له به عندي عهد إن شئت أدخلته النار وإن شئت أدخلته الجنة» في مشكل الآثار 4: 200، وسنن الدارمي 1: 303، ومسند عبد بن حميد 1: 145.
قال الطحاوي في مشكل الآثار 4: 201: «وفي حديثيهما جميعاً: وإن شاء أدخله الجنة، فكان في ذلك ما قد دلّ أنه لم يخرجه بذلك من الإسلام فيجعله مرتداً مشركاً؛ لأن الله - جل جلاله - لا يدخل الجنة من أشرك به؛ لقوله - جل جلاله -: {مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ} [المائدة:72]، ولا يغفر له؛ لقوله - عز وجل -: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48]».
3.أن هذا القول أولى بالقياس؛ لأن فرائض الله على عباده في أوقات خاصة، منها الصَّلوات الخمس، ومنها صيام شهر رمضان، وكان مَن ترك صوم شهر رمضان متعمداً بغير جحود لفرضه عليه لا يكون بذلك كافراً، ولا عن الإسلام مرتداً، فكان مثله تارك الصلاة حتى يخرج وقتها إن لم يكن جاحداً بها، فلا يكون بذلك مرتدّاً، ولا عن الإسلام خارجاً، كما في مشكل الآثار 4: 206.
ولا يعمل الفقهاء بظاهر حديث جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» في صحيح مسلم 1: 88، وسنن الترمدي
5: 13، وفي رواية: «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة» في مسند أبي عوانة 1: 63، ومسند الشهاب 1: 181؛ لأن له وجوه متعددة حملوه عليها، ومنها:
1.أنّها محمولة على التهويل والتعظيم لمكانة الصلاة؛ قال اللكنوي في نفع المفتي ص177: «والأحاديث الدالة على كفر التارك محمولة على الزَّجر والتَّوبيخ».
2.أنّها محمولة على معنى الكفر لغة، قال الطحاوي: «إن الكفر المذكور في هذا الحديث خلاف الكفر بالله، وإنما هو عند أهل اللغة أنه يغطي إيمان تارك الصلاة، ويغيبه حتى يصير غالباً عليه مغطياً له، ومن ذلك ... قول الله - جل جلاله -: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد:20]، يعني الزراع الذين يغيّبون ما يزرعون في الأرض لا الكفار بالله - عز وجل -.
ومن ذلك ما قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث كسوف الشمس: «وأريت النار ورأيت أكثر أهلها النساء قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: أيكفرن بالله - عز وجل -؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، ـ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط ـ» في صحيح مسلم 2: 626، وصحيح البخاري 1: 357، فسمّى ما يكون منهنّ مما يغطين به الإحسان كفراً، ومن ذلك ما قد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» في صحيح مسلم 1: 61، وصحيح البخاري 1: 27، ولم يكن ذلك على الكفر بالله - عز وجل -، ولكنه
ما قد ركب إيمانه وغطاه من قبيح فعله ... والله أعلم حتى تصح هذه الآثار ولا تختلف».
• • •
الفتوى (7)
حكم الجمع بين الصلوات
يقع السؤال كثيراً عن حكم الجمع الذي يحصل في فصل الشتاء في المساجد؟
فأقول وبالله التوفيق: إن ابتعاد المسلمين عن تعلم أحكام دينهم أوقعهم في الورطة الظلماء، فإن تعلم ما لا بدّ للمسلم منه من أحكام الطهارة والصلاة وغيرها فرض عين، لا يعذر المسلم بجهله، فكثير من هذا الجمع الواقع في مساجدنا لا يجوِّزه أحد من مجتهدينا المعتبرين؛ إذ لا يجوز الجمع بغير عذر، قال ابن قدامة الحنبلي في المغني 2: 59: «قد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر».
وحديث ابن عباس - رضي الله عنهم -: (صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعاً بالمدينة بلا خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته) في صحيح مسلم 1: 490، فهذا الحديث الذي يحتج به كثير من العامة غير معمول بظاهره عند سادتنا الفقهاء المعتد بهم؛ لعموم أخبار التوقيت، قال الحافظ الترمذي في علله 1: 323: «جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين: حديث ابن عباس
- رضي الله عنه - إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر بالمدينة ... ». ولذلك رأينا العلماء أولوه على وجوه منها:
1.أنه لا يكون ذلك إلا في الجمع الصوري بين الصلوات بأن يصلى الظهر في آخر وقته، والعصر في أول وقته، وكذا فعل بالمغرب والعشاء، فيصير جامعا فعلاً لا وقتاً، وهذا مذهب السادة الحنفية، وأولوا ما جاء في بعض الآثار من الجمع إن صحت على ذلك.
قال العلامة الزيلعي في تبيين الحقائق1: 89: «ويحمل تصريح الراوي بخروج وقت الأولى على أنه تجوز لقربه منه كقوله - جل جلاله -: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} [الطلاق: 3]: أي قاربن بلوغ الأجل؛ إذ لا يقدر على الإمساك بعد بلوغ الأجل، أو يحمل على أن الراوي ظن ذلك، أو ظنّ الراوي أنهما وقعا في وقت واحد، والدليل على صحة هذا التأويل ما سبق ذكره عن ابن عمر وعلي ومثله عن جابر وأبي عثمان وغيرهم - رضي الله عنهم -».
2.أنه يحمل على الجمع لأجل المرض، وهو قول عطاء، ومالك والحنابلة كما في المغني 2: 59.
إذا تبين لك ذلك فاعلم أن للفقهاء في الجمع مذاهب، إذ ذهب الحنفية إلى عدم جواز الجمع بين صلاتين في وقت واحد بسبب العذر من سفر أو مطر أو برد أو مرض أو غيرها إلا في عرفة ومزدلفة، ويجوز الجمع بينهما فعلاً بأن يصلى كل واحدة منهما في وقتها، فيصلي الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، فإنه جمع في حق الفعل، وإن لم يكن جمعاً في الوقت، بدليل:
أ. النصوص القرآنية والحديثية الواردة بتعيين الأوقات فلا يجوز تركها إلا بدليل مثلها، ومنها: قال - جل جلاله -: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، وقال - عز وجل -: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء: 103]، وقال - جل جلاله -: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238]، وعن أبي ذر قال - صلى الله عليه وسلم -: (صلِّ الصلاة لوقتها) في صحيح مسلم 1: 448، وغيرها.
ب. عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها) في صحيح مسلم 2: 938، وصحيح البخاري 2: 604.
ج. عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصلاة لوقتها إلا بجمع وعرفات) في سنن النسائي الكبرى 2: 423، والمجتبى 5: 254، وإسناده صحيح، كما في إعلاء السنن 2: 84.
د. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر يؤخر الظهر ويقدم العصر ويؤخر المغرب ويقدم العشاء) في شرح معاني الآثار 1: 164، ومسند أحمد 6: 135، وإسناده حسن، كما في إعلاء السنن 2: 85.
هـ. عن نافع وعبد الله بن واقد إن مؤذن ابن عمر - رضي الله عنه -، قال: (الصلاة. قال: سر سر حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق وصلى العشاء، ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عجل به أمر صنع مثل الذي صنعت) في سنن أبي داود 2: 6، وسنن البيهقي الكبير
1: 114، وسنن الدارقطني 1: 393، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 2: 85.
و. عن علي - رضي الله عنه -: (إنه كان إذا سافر سار بعدما تغرب الشمس حتى تكاد أن تظلم، ثم ينزل فيصلي المغرب، ثم يدعو بعشائه فيتعشى، ثم يصلي العشاء، ثم يرتحل ويقول هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع) في سنن أبي داود 2: 10، والأحاديث المختارة 2: 312، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 2: 86.
ز. عن نافع - رضي الله عنه - قال: (خرجت مع عبد الله بن عمر في سفر ... وغابت الشمس ... فلما أبطأ قلت: الصلاة يرحمك الله، فالتفت إلي ومضى حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق فصلى بنا، ثم أقبل علينا فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عجل به السير صنع هكذا) في سنن النسائي 1: 490، والمجتبى 1: 287، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 2: 88، والتبيين 1: 88. قال عبد الحق: «وهذا نص على أنه صلَّى كل واحدة منهما في وقتها» كما في تبيين الحقائق 1: 88.
ح. إن التأخير حتى يخرج وقت الأولى ويدخل الثانية تفريط فعن أبي قتادة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على مَن لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى) في صحيح مسلم 1: 473، وصحيح ابن خزيمة 2: 95.
وما ذهب إليه الحنفية هو الأسلم والأحوط لصراحة النصوص القرآنية والحديثية في أن لكل صلاة وقتها، وقد أنكر الإمام البخاري جمع التقديم، كما في معارف السنن 2: 161؛ لعدم ثبوته ومعارضته للنصوص.
ومع ذلك فإن أصحاب المذاهب الأخرى الذين أجازوا الجمع جعلوا له شروطاً لا يصح بدونها، فعند الشافعية كما في المهذب 4: 253 - 254: «يجوز الجمع بين الصلاتين في المطر في وقت الأولى منهما، فإذا دخل في الظهر من غير مطر، ثم جاء المطر لم يجز له الجمع؛ لأن سبب الرخصة حدث بعد الدخول فلم يتعلق به.
فإن أحرم بالأولى مع المطر ثم انقطع في أثنائها ثم عاد قبل أن يسلم ودام حتى أحرم بالثانية جاز الجمع؛ لأن العذر موجود في حال الجمع، وإن عدم فيما سواها من الأحوال لم يضر؛ لأنه ليس بحال الدخول، ولا بحال الجمع، ولا يجوز الجمع إلا في مطر يبل الثياب، وأما المطر الذي لا يبل الثياب فلا يجوز الجمع لأجله؛ لأنه لا يتأذى به، وأما الثلج فإن كان يبل الثياب فهو كالمطر، وإن لم يبل الثياب لم يجز الجمع لأجله، فأما الوحل والريح والظلمة والمرض فلا يجوز الجمع لأجلها فإنها قد كانت في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينقل أنه جمع لأجلها.
ويشترط في الجمع: أن ينوي الجمع، وأن يقدم الأولى ثم يصلي الثاني، وأن لا يفرق بينهما، فإن فصل بينهما بفصل طويل بطل الجمع، وإن فصل بينهما بفصل يسير لم يضر».
وعند المالكية كما في شرح الخرشي2: 70: «إنه يجمع بين المغرب والعشاء فقط؛ لأجل المطر الغزير، وهو الذي يحمل الناس على تغطية الرأس، أو الطين الذي يمنع المشي بالمداس مع ظلمة الشهر لا الغيم، ومثل المطر الثلج والبرد ولا يجوز الجمع المذكور لأجل طين فقط ولا لأجل ظلمة ولو مع ريح شديد».
وعند الحنابلة كما في كشاف القناع 2: 7: «ويجوز الجمع بين العشاءين لا الظهرين لمطر يبل الثياب أو يبل النعل أو البدن، وتوجد معه مشقة، ولا يباح الجمع لأجل الظل، ولا لمطر خفيف لا يبل الثياب على المذهب؛ لعدم المشقة، و يجوز الجمع بين العشاءين دون الظهرين (لثلج وبرد؛ لأنهما في حكم المطر، ويجوز الجمع بين العشاءين لجليد؛ لأنه من شدة البرد ووحل وريح شديدة باردة، وزاد في «المذهب» و «المستوعب» و «الكافي»: مع ظلمة».
وحاصل المقام أنه ينبغي للمسلم أن يحترز لدينه فإن كثيراً من الجمع الذي يقع في مساجدنا اليوم لا يصح على مذهب من المذاهب، وبالتالي تكون الصلاة باطلة، وعليه قضاؤها، فالجمع بين الظهر والعصر لا يصح إلا عند السادة الشافعية وعندهم لا يكون الجمع إلا في المطر، أما في المغرب والعشاء فيصح عند الشافعية والمالكية والحنابلة بالشروط السابقة عند كلٍّ منهم، أما عند السادة الأحناف فلا يصح الجمع، وهو الأحوط والأسلم لا سيما أن الناس لا يقفون عند الحدود والشروط التي اشترطها الفقهاء، فيقع المحذور وتبطل الصلاة، وقد وقفت فيما سبق على قوة دليلهم. والله أعلم.
فتوى (8)
حكم صلاة المرأة بالبنطال
سئلت عن حكم صلاة المرأة بالبنطال؟
فأقول وبالله التوفيق: إن من شروط الصلاة ستر العورة: وسميت عند أهل اللغة عورةً؛ لقبح ظهورها، وغض الأبصار عنها، وهي مأخوذة من العور، وهو النقص والعيب والقبح.
والمتتبع لعبارات فقهائنا الحنفية الكرام يجد أنهم لا يعتبرون الثياب الضيقة ساترة للعورة بحيث تحلّ الصلاة فيها، أو يحل النظر إليها وإن كان من المحارم كما سيأتي في فتوى حكم لبس المرأة الثياب الضيقة أمام محارمها؛ إذ أنهم حددوا ستر العورة فقال العلامة الشُّرُنْبُلاليّ في حاشيته على الدرر 1: 60: «الستر بأن لا يرى ما تحت الساتر، حتى لو كان يصفه لا يجوز، حتى يلزمه الستر».
وأوضح ذلك المحقق ابن نجيم في البحر الرائق 1: 283: «لو ستر العورة بثوب رقيق يصف ما تحته لا يجوز، وشمل ما إذا كان بحضرته أحد أو لم يكن حتى لو صلى في بيت مظلم عريانا وله ثوب طاهر لا يجوز إجماعا؛ لأن الستر مشتمل على حق الله وحق العباد وإن كان مراعى في الجملة بسبب استتاره عنهم، فحق الله تعالى ليس كذلك، فإن قيل الستر لا يحجب عن الله تعالى؛ لأنه سبحانه يرى المستور كما يرى المكشوف أجيب بأنه يرى
المكشوف تاركاً للأدب، والمستور متأدباً، وهذا الأدب واجب مراعاته عند القدرة عليه».
فهذه نصوص صريحة في عدم جواز الصلاة في البنطال الضيق الذي يصف ما تحته من العورة للمرأة، وقد ذكروا أن المستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب مبالغة في ستر نفسها، قال العلامة الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق 1: 164: «ويستحب له أن يلبس من أحسن ثيابه وصالحها عند الصلاة ويتعمم، وكذا عند قراءة القرآن وليستقبل بها القبلة وفي التحفة وغيرها اللبس في الصلاة أنواع ثلاثة: مستحب، وجائز، ومكروه.
فالمستحب: ثلاثة أثواب قميص وإزار ورداء وعمامة هكذا حكاه أبو جعفر الهندواني عن أصحابنا وعن محمد المستحب ثوبان إزار ورداء.
والجائز من غير كراهة أن يصلي في ثوب واحد متوشحاً به أو قميص ضيق لوجود ستر العورة وأصل الزينة.
والمكروه أن يصلي في سراويل أو إزار لا غير.
وفي حق المرأة المستحب ثلاثة أثواب في الروايات كلها وهي إزار ودرع وخمار. والدليل على كراهية الصلاة في السراويل وحدها وعنده قميص حديث عبد الله بن يزيد عن أبيه - رضي الله عنهم - قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي في لحاف لا يتوشح به، والآخر أن يصلي في سراويل ليس عليه رداء)» في سنن
أبي داود 1: 228، والمستدرك 379، وصححه، سنن البيهقي الكبير 2: 236.
وأما عند سادتنا الشافعية فقد كرهوا صلاة المرأة بالبنطال وإن جازت، قال الإمام النووي في المجموع 3: 176: «لو ستر اللون ووصف حجم البشرة كالركبة والألية ونحوهما صحت الصلاة فيه لوجود الستر، وحكى الدارمي وصاحب البيان وجها أنه لا يصح إذا وصف الحجم، وهو غلط ظاهر ويكفي الستر بجميع أنواع الثياب والجلود والورق والحشيش المنسوج وغير ذلك مما يستر لون البشرة، وهذا لا خلاف فيه».
وفي حاشيتي قليوبي وعميرة 1: 202: «أما ما يصف الحجم دون اللون كالسراويل الضيقة فيكره للمرأة، وهو خلاف الأولى للرجل وفيه وجه ببطلان الصلاة»، ومثله في حاشية البجيرمي 1: 452.
• • •
فتوى (9)
حكم لبس المرأة
الثياب الضيقة أمام محارمها
يكثر السؤال عن لبس الفتاة البنطال وغيره من الملابس الضيقة بين المحارم من الأخوة وغيرهم، فما حكمها؟
فأقول وبالله التوفيق: إن من رحمة الله - جل جلاله - علينا أنه لم تكن العلاقة بين الرجال والنساء مبنية على رغبة كل منهما بالآخر فحسب، بل استثنى بعضاً منها، وجعل العلاقة فيما بينهما مرتكزة على المودة والرحمة والشفقة، ولولا ذلك لاستحالت الحياة وانعدم الاطمئنان فيها؛ لذلك حرم الشارع الكريم قسماً من النساء كما في قوله - جل جلاله -: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} [النساء:23].
وهذه المحرمات أبيح للنظر منها ما لم يبح من النظر للأجنبية فأباح - جل جلاله - رؤية رأسها ووجهها وصدرها وساقها وعضدها؛ لقوله - عز وجل -: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ ... } [النور: من الآية31]؛ إذ أنه أباح النظر إلى موضع الزينة الظاهرة والباطنة، ولم يرد به عين الزينة، فإنها تباع في الأسواق، ويراها الأجانب. ولكن هذه الإباحة مقيدة بالأمن من الشهوة، وإلا لم يجز النظر إلى هذه المواضع بشهوة، أما ما عداها من الظهر والبطن والفخذ فلا
يجوز رؤيتها بشهوة أو غيرها؛ لأنها عورة عليهم، ولو لم يُبْح النظر إلى ما سبق عند أمن الشهوة لوقع الناس في حرج كبير؛ لأن المحارم يدخلون على بعضهم البعض من غير استئذان ولا حشمة، والمرأة في بيتها تكون في ثياب مهنتها عادة، ولا تكون مستترة، فلو أمرها بالتستر من ذوي المحارم لأدى إلى حرج عظيم، كما في المبسوط 10: 150، وذخيرة العقبى ص578، والهداية 10: 33، والبحر الرائق 8: 220.
وهذه الثياب البيتية ساترة لعورة المرأة أمام محارمها إن كانت صفيقةـ أي ثخينةـ لا تلتزق ببدها فلا بأس بها؛ لأن المنظور إليه الثوب دون البدن ما لم يكن النظر بشهوة، أما إن كانت ثوبها رقيقاً يصف ما تحته ويشف أو كان صفيقاً لكنه ملتزق ببدنها حتى يستبين له جسدها، فلا يحل لبسها أمام المحارم ولا النظر إليها؛ لأنها إذا استبان جسدها كانت كاسية صورة عارية حقيقة؛ لأن هذا الثوب من حيث أنه لا يسترها بمنزلة شبكة عليها، بخلاف ما يسترها فإنه نظره إليها كالنظر إلى خيمة فيها امرأة، ومتى كان يصف يكون ناظراً إلى أعضائها [كما في البدائع 5: 123، ورد المحتار 6: 372، والفتاوى الهندية 5: 329، والتبيين 6: 17]. ومن الأدلة على ذلك:
1.قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنّة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) في صحيح مسلم 3: 1680.
2.عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهم كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات) في المستدرك 4: 483، وصححه، والمعجم الصغير 9: 131، ومسند أحمد 2: 223، والمعجم الصغير 2: 257، وموارد الظمآن 1: 351، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 5: 137: رجال أحمد رجال الصحيح.
3.عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: (كساني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبطية كثيفة كانت ممّا أهداها دحية الكلبي فكسوتها امرأتي، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مالك لم تلبس القبطية، قلت يا رسول الله: كسوتها امرأتي، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مرها فلتجعل تحتها غلالة إنى أخاف أن تصف حجم عظامها) في مسند أحمد 5: 205، ومسند البزار 7: 30، والطبقات الكبرى 4: 65، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 5: 137: «فيه عبد الله بن محمد بن عقيل وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات».
4.عن عائشة رضي الله عنها: (أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: يا أسماء إن المرأة إذ بلغت المحيض لم تصلح أن يري منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه) في سنن أبي داود 4: 62، وقال: «هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة».
قال خاتمة المحققين ابن عابدين في رد المحتار 6: 366: إن رؤية الثوب بحيث يصف حجم العضو ممنوعة ولو كثيفاً لا ترى البشرة منه. وعلى هذا لا يحل النظر إلى عورة غيره فوق ثوب ملتزق بها يصف حجمها، فيحمل ما مر على ما إذا لم يصف حجمها، وهذه أدلة جلية على حرمة ارتداء المرأة البنطال أو الملابس المجسمة لأعضائها وهيئتها أمام الأجانب، فإنها تصف جسدها ومفاتنها، وتثير الفتنة، فهي حقيقة كاسية ولكنها عارية؛ ولبشاعة صنعها وفعلها، فإنها تحرم من الجنة وريحها كما هو مصرح في الحديث، والله المستعان.
أما بالنسبة للمحارم فإن ما كان منها عورة لا يجوز لها إظهاره أمام محارمها، والثياب الضيقة لا تعتبر ساترة للعورة، قال حافظ الدين البَزَّازيّ في الفتاوى البزازية 6: 370: ولباسها إن كان ملتزقاً ببدنها أو رقيقاً، فالنظر من ورائها كالنظر إلى بدنها، والنظر إلى العورة لا يجوز إلا للضرورة.
ولا فرق في النظر للعورة بين المحارم والأجانب؛ لأنها مثيرة للشهوة، جالبة للفتنة قال الإمام فخر الدين قاضي خان عند كلامه على النظر إلى عورة المرأة عند مداواتها: ولا فرق في هذا بين ذوات المحارم وغيرهن؛ لأن النظر إلى العورة لا يحل بسبب المحرمية، كما في الفتاوى العالمكرية 5: 330، وغيرها.
وهذا الحكم يغفل عنه كثيرة من الناس في زمان انتشر فيه الفساد والفحشاء، وسيطرت الشهوات على القلوب أمام هذه الفضائيات، قال
العلامة محمد شفيع العثماني في أحكام القرآن 3: 483 (ت1396هـ): وقد عمت البلوى في بلادنا من لبس الثياب الملتزقة ببدنها والرقيقة، وهي لا تجوز عند المحارم أيضاً غير الزوج، فكيف بالأجانب، والناس عنه غافلون.
• • •
فتوى (10)
جواز دفع القيمة
في صدقة الفطر
يجوز دفع القيمة مطلقاً عند الحنفية في الزكاة وصدقة الفطر والنذور وغيرها إلا في الهدي والأضحية؛ لأنه لا بُدّ من إراقة الدم.
والمشهور عن المذاهب الثلاثة: عدم جواز دفع القيمة، تمسكاً بظواهر الأحاديث الواردة في إخراج العين لا القيمة، ومنها:
1.عن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كلّ حرّ أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين» في صحيح مسلم2: 677.
2.عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم -: «إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض صدقة رمضان نصف صاع من بُرّ، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر على العبد والحرّ، والذكر والأنثى» في مسند أحمد 1: 351، وسنن الدارقطني 2: 152.
3.عن أبي صعير - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أدوا زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو نصف صاع من بر أو قال قمح عن كل إنسان صغيرأو كبير ذكر أو أنثى حر أو مملوك غني» في شرح معاني الآثار 2: 45.
فصراحة هذه الأحاديث وغيرها في إخراج العين في زكاة الفطر جعلت بعض المعاصرين يُشدد في هذه المسألة مع أنها من المسائل الفقهية المختلف فيها بين الفقهاء، وقد أقرّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخذ القيمة في الزكاة، وكان عمل الخلفاء الراشدين كعمر - رضي الله عنه - وعلي - رضي الله عنه - وغيرهما من كبار الصحابة على ذلك، ومشى العمل على ذلك في زمن الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -.
وكانت الفتوى على ذلك في الخلافة العباسية وغيرها حتى في أيام السلطة العثمانية التي حكمت المسلمين أكثر من خمس قرون متوالية؛ لأن الإفتاء والقضاء في غالب هذه الدول كان على المذهب الحنفي، وإخراج القيمة جائز عندهم، وقد نصر هذا القول السيد أحمد الصديق الغماري المالكي في «تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال».
وقال العَيْني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري9: 8: «واعلم أنّ دفع القيمة في الزَّكاة جائزٌعندنا، وكذا في الكفّارة وصدقة الفطر والعشر والخراج والنذر، وهو قول عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وابن عبّاس ومعاذ وطاوس - رضي الله عنهم -، وقال الثَّوري: يجوز إخراج العروض في الزَّكاة إذا كانت بقيمتها، وهو مذهب البخاري، وإحدى الروايتين عن أحمد، ولو أعطى عرضاً عن ذهب وفضة، قال أشهب: يجوز، وقال الطرطوشي: هذا قول بيِّن في جواز إخراج القيم في الزكاة، قال وأجمع أصحابنا ـ من المالكية ـ على أنه لو أعطى فضة عن ذهب أجزأه، وكذلك إذا أعطى درهماً عن فضة عند
مالك - رضي الله عنه - ... وهو وجه للشافعية، وأجاز ابن حبيب دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين».
ومن الأدلة الدالة على جواز إخراج القيمة في صدقة الفطر:
1.عن أبي إسحاق السبيعي ـ وهو من مشاهير التابعين، وقد أدرك علياً - رضي الله عنه - وجماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - ـ يقول: «أدركتهم ـ أي الصحابة ـ وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام» في مصنف ابن أبي شيبة2: 398.
2. «بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذاً - رضي الله عنه - إلى اليمن فأمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير، فأخذ العروض والثياب من الحنطة والشعير» في مصنف ابن أبي شية2: 404، وأخذه العروض والثياب هو أخذ بالقيمة؛ إذ قدَّروا كم تكون الزكاة في الحنطة والشعير، وأخذوا بقيمتها من العروض والثياب.
3.أن «عمر - رضي الله عنه - كان يأخذ العروض في الصدقة من الورق وغيرها» في مصنف ابن أبي شيبة 2: 404، والورق: أي الفضّة؛ إذ كان - رضي الله عنه - يأخذ قيمة صدقة الفضة عروضاً.
4.أن علياً - رضي الله عنه -: «كان يأخذ العروض في الجزية من أهل الإبر الإبر، ومن أهل المال المال، ومن أهل الحبال الحبال» في مصنف ابن أبي شيبة 2: 404؛ إذ أنه - رضي الله عنه - كان يأخذ قيمة الجزية من كلِّ قوم بما يُناسبهم.
قال أبو عبيد في كتاب الأموال ص510 بعد ذكر الروايات السابقة: «قد رخصا ـ أي عمر وعلي - رضي الله عنهم - ـ في أخذ العروض والحيوان مكان الجزية،
وإنّما أصلها الدراهم والدنانير والطعام، وكذلك كان رأيهما - رضي الله عنهم - في الديات من الذهب والورق والإبل والبقر والغنم والخيل، وإنما أرادا التسهيل على الناس فجعلا على أهل كل ما يمكنهم»، فهذان الصحابيان المبشران بالجنة، والوارد في فضلهما أحاديث كثيرة قبلا من المسلمين دفع القيمة في كلّ صدقة وزكاة ودية وغيرها، أفلا يرضى المسلمون بما رضيا لهما.
5.أن على إخراج القيمة عمل الأئمة من فضلاء التابعين الذين شهد لهم باتباع هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهدي الخلفاء الراشدين هو الأمر بإخراج المال بدل الطعام في صدقة الفطر، فها هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يأمر ولاته في دولته بأخذ المال في صدقة الفطر، فروى وكيع عن قرة قال: «جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - في صدقة الفطر نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم» في مصنف ابن أبي شيبة 2: 298، وروى عن ابن عون قال: «سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يقرأ إلى عدى بالبصرة يُؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم عن كلّ إنسان نصف درهم» في مصنف ابن أبي شيبة 2: 298، يعني في زكاة الفطر.
6.إن إجزاء القيمة عن المال هو قول كبار التابعين؛ كالحسن البصري العالم الزاهد المشهور؛ إذ روي عنه أنه قال: «لا بأس أن تعطى الدرهم في صدقة الفطر» في مصنف ابن أبي شيبة 2: 298.
7. إن الأصل في الصدقة المال، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة103]، قال ابن الأثير: «المال في الأصل ما يملك من الذهب
والفضّة، ثم أطلق على كل ما يُقتنى ويُملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم»، كما في لسان العرب 6: 4300.
وبيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصدقة بالتمر، أو الشعير، أوالأقط، أو الزبيب؛ إنما هو للتيسير ورفع الحرج، لا لتقييد الواجب وحصر المقصود فيه؛ لأن أهل البادية وأرباب المواشي تعزّ فيهم النقود، وهم أكثر مَن تجب عليه الزكاة، فكان الإخراج ممَّا عندهم أيسرعليهم؛ فلذلك فرض على أهل المواشي أن يتصدّقوا من ماشيتهم، وعلى أهل الحبّ أن يتصدّقوا من حبّهم، وعلى أهل الثمار من ثمارهم، وعلى أهل النقد من نقدهم، تيسيراً على الجميع؛ ولئلا يُكَلَّفَ أحدٌ استحضارَ ما ليس عنده مع اتحاد المقصد في الجميع وهو مواساة الفقراء.
8. إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ القيمة في صدقة الزكاة، من ذلك أنه قال لمعاذ - رضي الله عنه - عند بعثه إلى اليمن: «خذ الحب من الحب والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر» في المستدرك1: 546، وصححه، وسنن أبي داود 2: 109، وسنن ابن ماجة 1: 508، ومع هذا التَّعيين الصَّريح منه - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنّ معاذاً - رضي الله عنه - قال لأهل اليمن: «ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير» في صحيح البخاري 2: 525، لعلمه - رضي الله عنه - أن المرادَ سدّ حاجة الفقراء لا خصوص هذه الأعيان، ولذلك قال - رضي الله عنه -: «فإنّه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة» في سنن الدارقطني 2: 100، وأقره النبي
- صلى الله عليه وسلم - على ذلك، ولو كان خلاف الشرع المفترض لما أقرّه، ولأمره برد ذلك إلى أهله ونهاه عنه.
9.إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «في خمس من الإبل شاة» في المستدرك 1: 549، والترمذي 3: 17، وأبو داود 2: 98، وكلمة في حقيقة للظرف، وعين الشاة لا توجد في الإبل، فلما أجاز - صلى الله عليه وسلم - إخراجها من الإبل، وليست الشَّاة من الإبل، دلّ ذلك على المراد قدرها من المال، كما في تحقيق الآمال ص48 - 59.
10.إن ثبت جواز أخذ القيمة في الزكاة المفروضة في الأعيان كالمواشي، فمن باب أولى جواز أخذ القيمة في صدقة الفطر المفروضة على رقاب المسلمين الكبير والصغير، وقد اقتضت حكمة الشرع أمر الناس بإخراج الطعام؛ ليتمكن جميعهم من أداء ما فرض عليهم، ولا يحصل ذلك في زمن الصحابة في النقود؛ لأنها كانت نادرة لا سيما في البوادي، فلو كان الأمر بإعطاء النقود لتعذر الأمر في إخراجها بالكلية على الفقراء، ولتعسر على كثير من الأغنياء الذي كان غناهم بالمواشي، وهذا على عكس ما في زماننا من تيسر النقود في أيدي الناس، وتعسر توفر القمح والشعير إلا عند خواص المؤمنين.
11.إن النبي - صلى الله عليه وسلم - غاير بين القدر الواجب من الأعيان المنصوص عليها، مع تساويها في كفاية الحاجة، فأوجب من التمر والشعير صاعاً، ومن البرّ نصف صاع، وذلك لكونه أعلى ثمناً لقلته بالمدينة في عصره، فدل أنه اعتبر القيمة، ولم يعتبر الأعيان، ولو اعتبرها لسوّى بينها في المقدار.
ويؤيد هذا الفهم ما رواه ابن عمر - رضي الله عنه - قال: «كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعاً من شعير أو تمر ... ، فلما كان عمر - رضي الله عنه - وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء» في سنن أبي داود 2: 122، وأن علياً - رضي الله عنه - «لما قدم المدينة ورأى رخص السعر، قال: قد أوسع الله عليكم، فلو جعلتموه صاعاً من كل شيء» في سنن أبي داود 2: 114.
فدلَّ ذلك على أنّ العبرة هي التيسير على الناس، وإخراج ما فيه مصلحة للفقراء، وأي مصلحة هذه الأيام في القمح والشعير، وقد تغير الزمان، وصار اعتماد الناس على المخابز الآلية، وأصبح وجود القمح نادراً بين الناس؛ لأنهم لا يستعملونه، فإخراج هذه الأعيان ذاتها أصبح فيه عسر، ولا مصلحة فيه إلا للتجار؛ لأنهم سيبيعونه بثمن غال، ويشترونه من الفقراء بثمن بخس.
12.إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أغنوهم عن الطواف هذا اليوم» في طبقات ابن سعد1: 248، ومعرفة علوم الحديث ص131، وسنن الدارقطني 2: 152، فصرَّح النبي - صلى الله عليه وسلم - بعلّة وجوب الصدقة، وهي إغناء الفقراء يوم العيد، وأفضل شيء في إغناء الفقراء هو توفير النقد لهم في زماننا؛ لأنه الأصل الذي يتوصّل به إلى كلّ شيء من ضروريات الحياة، بخلاف عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان الطعام أفضل في إغناء الفقراء عن الطواف، وكانوا يتبادلون السِّلع بعضها ببعض، أضف إلى ذلك الإغناء بيوم العيد؛ ليعم السرور جميع المسلمين.
وهذا المعنى لا يحصل اليوم بإخراج الحبِّ الذي ليس هو طعام الفقراء والنَّاس كافة، ولا في إمكانهم الانتفاع به ذلك اليوم، وإنّما يحصل المقصود بإخراج المال الذي ينتفع به الفقير في الحال، فكان إخراجه هو الأولى والأفضل.
وأيضاً: إن الفقراء يحتاجون إلى الملابس، فلا يحصل لهم الإغناء بإخراج الطعام؛ لانعدام المبادلة في زماننا، وإنما يحصل الإغناء بالنقود؛ إذ يمكنهم شراء ما يحتاجون.
13.أنه - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر طعمة للمساكين، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين مَن أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومَن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» في سنن أبي داود 2: 111، وسنن ابن ماجة1: 585، والمستدرك1: 598، وصححه الحاكم.
ومعلوم أنّ الطعمة لا تحصل للمسلمين في زماننا بإخراج البُر والشعير والتمر والزبيب، كما تحصل لهم بإخراج النقد؛ لأنه يمكن أن يطعم ما يريد من أصناف المأكولات؛ لانتشار المال، واعتماد الناس عليه في التبادل، بخلاف الزمان الأول.
14.إنّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - عيَّن الطَّعام في زكاة الفطر لنُدْرَته بالأسواق في تلك الأيام، وشدة احتياج الفقراء إليه، فإن غالب المتصدّقين في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كانوا يتصدّقون إلا بالطعام، فكان - صلى الله عليه وسلم - كلما حثّ الناس على الصدقة بمناسبة
قدوم فقراء أو ضيوف بادروا إلى الإتيان بالطعام لمسجده - صلى الله عليه وسلم -، قال - جل جلاله -: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان:8]، وقال - جل جلاله -: {وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين} [الماعون:3]، ولم ينقل أنهم كانوا يتصدقون بالمال إلا على سبيل الندرة؛ لحاجة الفقراء إلى الطعام واللباس لا إلى المال، أما الآن فحاجة الفقراء إلى المال؛ لحصول الكفاية لهم به.
15.إنه - جل جلاله - قال: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92]، والمال هو المحبوب اليوم، فكثير من الناس يهون عليهم إطعام الطعام، وعمل الولائم، ويصعب عليه ثمن ذلك للفقراء، والحال في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على خلاف ذلك؛ لذلك كان إخراج الطعام في عصرهم أفضل.
16.إنّ الزَّكاة وجبت على كل أحد من ماله الذي عنده، لا يكلف استحضار غيره، والذي عند الناس اليوم هو النقد، فالواجب عليهم الإخراج مما عندهم، ولا يكلفون استحضار الحب الذي ليس عندهم.
17.إنّ المنصوص عليه في صدقة الفطر هو بيان لقدر الواجب لا لعينه؛ إذ لو كان بياناً لعين الواجب لما خالفه الصحابة والتابعون والأئمة والفقهاء، فذكروا من الأعيان ما لم يرد به نص من الشارع، وإذا ثبت ذلك جاز إخراج المال؛ علماً أنه لا فارق بين زكاة الفطر وزكاة المال، فإما أن تجوز القيمة فيهما أو تمنع فيهما.
18.إن القاعدة الشرعية تقول: المشقة تجلب التيسير؛ ومعلوم أن إخراج الطعام فيه مشقة على المعطي في تحصيله، وعلى الفقير في الانتفاع منه
وبيعه خصوصاً يوم العيد، وعلى فرض انتفاء المشقة فالحاجة قد تقوم مقام المشقة.
19.إن مراعاة المصالح من أعظم أصول الشريعة، وعلل أحكامها التي تنبني عليها، وإخراج المال في هذا العصر يجتمع في جلب المصلحة ودفع المفسدة؛ لأن إخراج الحب الذي فيه مصلحة مقرونة بمفسدة إضاعة المال؛ أن الفقراء سيبيعونه بأبخس الأثمان، فيضيع بذلك مال كثير يمكن للفقراء الاستفادة منه.
• • •
فتوى (11)
حكم صرف الزكاة لبني هاشم
سئلت عن حكم إعطاء الزكاة لآل النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
فأقول وبالله التوفيق: اتفقت الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة على أنه لا يجوز صرف الزكاة لبني هاشم، وهم آل علي، وآل عبّاس، وجعفر، والحارث بن عبد المطلب؛ لصريح الأدلة فيها، ومنها:
1.قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تحل الصدقة لآل محمد إنما هي أوساخ الناس) في الموطأ 2: 1000، وصحيح مسلم 2: 756، ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم وأنفسهم كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، فهي كغسالة الأوساخ.
2.عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال: (أخذ الحسن بن علي - رضي الله عنهم - تمرةً من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كخ كخ. ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة) في صحيح البخاري 2: 542، وصحيح مسلم 2: 756.
قال الإمام النووي: «هذه اللفظة تقال في الشيء الواضح التحريم ونحوه، وإن لم يكن المخاطب عالماً به، وتقديره: عجبت كيف خفي عليك هذا مع ظهور تحريمه» كما في شرح النوي لمسلم 7: 175، وشرح السيوطي لمسلم 3: 170.
وهذه بعض عبارات فقهاء المذاهب الصريحة في ذلك:
قال شمس الأئمة السرخسي الحنفي في المبسوط 3: 2: «لو صرفها إلى هاشمي أو مولى هاشمي وهو يعلم بحاله لا يجوز .... وهذا في الواجبات، فأما في التطوعات والأوقاف فيجوز الصرف إليهم، وذلك مروي عن أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم - في النوادر؛ لأن في الواجب المؤدى يطهر نفسه بإسقاط الفرض، فيتدنس المؤدى بمنزلة الماء المستعمل، وفي النفل يتبرّع بما ليس عليه، فلا يتدنس به المؤدى كمن تبرد بالماء».
وفي اللباب 1: 78: «إن الله تعالى حرم عليهم أوساخ الناس، وعوضهم بخمس خمس الغنيمة».
وقال الإمام الشيرازي الشافعي في المهذب 1: 308: «ولا يجوز دفع الزكاة إلى هاشمي»، وكذا في كفاية الأخيار 1: 277.
وقال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني 2: 517: «لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة ... ».
هذا هو المعتمد في المذاهب إلا أننا نجد أن بعض فقهاء المذاهب أجاز إعطاءهم الزكاة عند منعهم من حقّهم في الخمس:
قال أبو سعيد الاصطخري الشافعي: «إن منعوا حقّهم من الخمس جاز الدفع إليهم؛ لأنهم إنما حرموا الزكاة لحقهم في خمس الخمس، فإذا منعوا الخمس وجب أن يدفع إليهم»، لكن الإمام الشيرازي بيَّن أن المعتمد عدم إعطائهم وإن منعوا من الخمس، فقال في المهذب 1: 308: «والمذهب
الأول؛ لأن الزكاة حرمت عليهم لشرفهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا المعنى لا يزول بمنع الخمس».
وعن الإمام القاضي أبي يوسف - رضي الله عنه -: إنه يجوز دفع بعضهم لبعضه، وهو أيضاً رواية عن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
وروى أبو عصمة عن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - إنه يجوز الدفع إلى بني هاشم في زمانه؛ لأن عوضها الخمس، وهو خمس الخمس لم يصل إليهم لإهمال الناس أمر الغنائم، وإيصالها إلى غير مستحقيها، فإذا لم يصل إليهم العوض عادوا إلى المعوض، وأقرَّه القُهُستاني. كذا في شرح الملتقى. ينظر حاشية الطحطاوي على المراقي 2: 719.
وفي الموسوعة الفقهية 1: 102: «والمشهور عند المالكية أن محل عدم إعطاء بني هاشم من الزكاة إذا أعطوا ما يستحقونه من بيت المال، فإن لم يعطوا، وأضر بهم الفقر أعطوا منها، وإعطاؤهم حينئذ أفضل من إعطاء غيرهم.
وقيده الباجي بما إذا وصلوا إلى حالة يباح لهم فيها أكل الميتة، لا مجرد الضرر، والظاهر خلافه، وأنهم يعطون عند الاحتياج ولو لم يصلوا إلى حالة إباحة أكل الميتة؛ إذ إعطاؤهم أفضل من خدمتهم لذمي أو ظالم ...
والظاهر من إطلاق المنع عند الحنابلة أنه تحرم على الآل الصدقة وإن منعوا حقهم في الخمس».
فحاصل ما سبق إن المذاهب الأربعة اتفقت على عدم جواز صرف الزكاة إلى بني هاشم لصريح النهي النبوي من أنها أوساخ أموال الناس، وهذا عام عند الشافعية والحنابلة سواء أعطوا من الخمس أو لم يعطوا إلا ما قاله الاصطخري من الشافعية، ولكن المالكية قيَّدوا النهي بعد الإعطاء إذا أعطوا الخمس، وإذا لم يأخذوا الخمس فيجوز لهم أخذ الزكاة، وعند الحنفية ورد عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - جواز إعطائهم الزكاة إن لم يصرف لهم الخمس، وعنه أيضاً وعن أبي يوسف - رضي الله عنهم - يجوز إعطاء بعضهم لبعض الزكاة. والله أعلم وعلمه أحكم.
• • •
فتوى (12)
حكم الأكل والشرب
أثناء أذان الفجر قبل أذان المغرب
يكثر السؤال في رمضان عن الأكل أو الشرب أثناء أذان الفجر وقبل أذان المغرب، فما حكمه؟
فأقول وبالله التوفيق: إن وقت الصوم من حين يطلع الفجر المستطير المنتشر في الأفق إلى غروب الشمس بالاتفاق، كما في «الفتاوى الهندية» (1: 194)؛ لثبوت ذلك في القرآن الكريم، كما في قوله - جل جلاله -: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} البقرة: 187.
ومعنى الخيط الأبيض والأسود بيَّنه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حديث عَدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: «لَمَّا نزلت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}، قال له عَدي بن حاتم: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالاً أبيض وعقالاً أسود أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن وسادتك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار» في صحيح البخاري (2: 676)، وصحيح مسلم (2: 766).
فالفجر فجران: كاذب تسميه العرب ذنب السرحان، وهو البياض الذي يبدو في السماء طولاً ويعقبه ظلام، والفجر الصادق: وهو البياض المنتشر في الأفق، فبطلوع الفجر الكاذب لا يحرم الأكل على الصائم ما لم يطلع الفجر الصادق؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا وحكاه حماد بيديه قال: يعني معترضاً» في صحيح مسلم (2: 770).
وفي رواية: «لا يمنعن أذان بلال أحداً منكم من سحوره، فإنه ينادي أو يؤذن لينتبه نائمكم ويرجع قائمكم، قال: وليس أن يقول يعني الصبح: هكذا، أو قال: هكذا ولكن حتى يقول: هكذا وهكذا، يعني طولاً، ولكن هكذا يعني عرضاً» في صحيح ابن خزيمة (3: 210)، كما في المبسوط (1: 141).
ولظهور معنى الآية، وكثرة الأحاديث في الباب فقد أجمع الفقهاء على اعتبار الفجر الثاني هو المراد في الصيام وحرمة الأكل، قال الإمام النَّوويّ في المجموع (6: 323): «الدخول في الصوم بطلوع الفجر وتحريم الطعام والشراب والجماع به هو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم».
وقال أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح الموطأ (1: 168): «أباح الأكل والشرب في وقت يؤذن فيه بلال، ولا خلاف أنه لا يجوز الأكل بعد طلوع الفجر».
وأما الفجر الأول فلا يتعلّق به شيء من الأحكام الشرعية بالاتفاق، قال الإمام النَّوويّ: «إن الأحكام المتعلّقة بالفجر تتعلق كلها بالفجر الثاني، ولا يتعلَّق بالفجر الأول الكاذب شيء من الأحكام بإجماع المسلمين».
ومعلوم أن الأذانين في وقت الفجر هنَّ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالأذان الأول قبل دخول الوقت للتنبيه على قرب دخوله لا غير، ولا يتعلّق به شيء من الأحكام من أكل وشراب وصيام وصلاة وغيرها، بخلاف الأذان الثاني فإن يكون عند طلوع الفجر الصادق، وهو إعلام للناس بدخول وقت الفجر؛ ليصوموا ويصلوا وغيرهما.
فكون الأذان علامة طلوع الفجر هو ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يكلف كلّ واحد من الناس بمراقبة الفجر، وإنما اكتف بفعل واحد ليبلغ الآخرين بالدخول، وهو ما فهمه الصحابة - رضي الله عنهم - منه - صلى الله عليه وسلم -، حيث اعتبروا الأذان في الصيام والصلاة، كما يبيِّنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير».
وما تفعله الجهات المختصّة بتكوين لجان شرعية وفلكية لحساب أوقات الصلوات، وتقديمها للمسلمين؛ ليسهل عليهم تعرف أوقات الأذان؛ لهو خدمة جليلة لدين الله - جل جلاله -، وتيسير التزام أحكامه على المؤمين بعدما تطور المدنية العصرية، وكثرة العمارات وتزاحمها، وكبر المدن، وانتشار الكهرباء، بما يمنع مراقبة أوقات الأذان، كما هو الحال لمن يعيش في البادية.
وهذه التقاويم «الرزنامات»، وإن جاز إطلق البدعة عليها، فهي بدعة حسنة لا محالة، كتأليف الكتب، وبناء المدارس، وغيرها من المحاسن التي فعلت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخدمة دين الله - جل جلاله - وحفظه.
ونحن مكلَّفون في تحديد الفجر بغلبة الظنّ، وهذا ما في وسعنا، وغلبة الظن الواقعة من لجان متخصصة في المواقيت أدق وأفضل من الغلبة الواقعة من شخص واحد لا خبرة له في هذا.
فالمعتمد عند الفقهاء أن يكون الصوم بأول دخول الفجر، ويكون بمجرد بدء المؤذِّن بالأذان، قال الإمام النَّووي في المجموع (6: 323): «ويصير متلبساً بالصوم بأول طلوع الفجر، والمرادُ الطلوع الذي يظهر لنا لا الذي في نفس الأمر».
وبهذا يتبيَّن الأكل والشرب عند الأذان الثاني بالإجماع بين الفقهاء المعتبرين في المذاهب الأربعة، ومَن أكل أو شرب أثناء الأذان بأن بلع لقمة في فمه ولم يخرجها فإنه يجب عليه القضاء والكفارة، ومَن راجع كتب الفقهاء وحد عشرات الفروع المبنية على ذلك، بما يحتم اعتبار بدء الصيام بمجرد الطلوع والأذان، قال الإمام النووي في المجموع (6: 333): «مَن طلع الفجر، وفي فيه طعام فليلفظه ويتمّ صومه، فإن ابتلعه بعد علمه بالفجر بطل صومه، وهذا لا خلاف فيه».
وفي الهدية العلائية (ص163): «لو نزع المجامع ذكره في الحال عند طلوع الفجر وإن أمنى بعد النزع فلا يفسد صومه، أما لو مكث من غير نزع ولم يتحرك قضى، وإن حرّك نفسه قضى وكفَّر».
ولو رمى اللقمة من فيه عند طلوع الفجر، فإنه لا يفسد صومه، أما لو ابتلع اللقمة فإن كان ابتلاع اللقمة قبل أن يخرج اللقمة من فمه يقضي ويكفر، كما في المبسوط (3: 141)، والدر المختار (2: 99)، وبدائع الصنائع (2: 95).
قال الشيخ النعاس في الفتاوى الشرعية (ص120): «من أراد الصوم فرضاً أو نفلاً عليه أن يمتنع عن الطعام والشراب قبل أذان الفجر، فإذا أكل وشرب ومؤذن الفجر قال: الله أكبر عند طلوع الفجر فقد أفطر، وإذا لفظ ما في فمه ولم يبتلعه فصيامه صحيح إن شاء الله تعالى.
أما إذا ابتلع الطعام أو الشراب بعد سماع التكبير وكان ذلك عند طلوع الفجر فقد أفطر، فإن كان صومه فريضة فعليه إمساك بقية اليوم ثم قضاء هذا اليوم ثم الكفارة، وهي صيام شهرين متتابعين هذا عند السادة الحنفية، وعند السادة الشافعية عليه القضاء دون كفارة.
وأما إذا كان صومه قضاء فلا يمسك بقية يومه ولكن عليه القضاء دون الكفارة، وإذا كان يريد صيام نافلة فأكل أو شرب عند بداية الأذان فلا شيء عليه، ولا يعتبر صائماً».
وأما اغترار بعضهم بظاهر حديث: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» في المستدرك (1: 320، 323، 588)، وقال: صحيح على شرط مسلم، وسنن البيهقي الكبير (4: 218)، وسنن الدارقطني (2: 165)، وسنن أبي داود (2: 302)، ومسند أحمد (2: 510) بجواز الأكل والشرب وإن طلع الفجر وأذن، فليس في محلّه لمخالفته إجماع الفقهاء كما سبق.
ولذلك ورد في فتاوى قطاع الإفتاء بالكويت (ر1/ 32/83) (121): «لم يأخذ أحد من العلماء بظاهر هذا الحديث فيما نعلم، وهو محمولٌ عند الجمهور على أن المراد بالأذان في هذا الحديث إن صح هو الأذان الأول، أو يحمل على حالة مَن لم يتأكّد من طلوع الفجر، أما إذا تأكد من طلوع الفجر فليس له أن يأكل أو يشرب؛ لقوله - جل جلاله -: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} البقرة: 187».
وإجمال ما أجاب به السادة الفقهاء على هذا الحديث يتلخص فيما يلي:
1.أن كبار الحفاظ صرحوا بعدم صحته بطريقيه، قال الحافظ أبو حاتم الرازي: «هذان الحديثان ليسا بصحيحين، أما حديث عمار فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - موقوف، وعمار ثقة، والحديث الآخر ليس بصحيح»، كما في علل ابن أبي حاتم (1: 123، 1: 256).
2.أنّه في ظاهره مخالف للقرآن في قوله - جل جلاله -: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} البقرة: 187.
3.أن المراد بالنداء نداء بلال، قال العلامة العلقمي: «قيل: المراد بالنداء أذان بلال الأول؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) ... »، كما في السراج المنير (1: 144).
قال الحافظ البيقهي في «سننه الكبير» (4: 218): «وهذا إن صح فهو محمول عند عوام أهل العلم على أنه - صلى الله عليه وسلم - علم أن المنادي كان ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر ... ليكون موافقاً ... لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمنعن أحداً منكم أذان بلال من سحوره فإنّما ينادي؛ ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم»».
4.أنّ المراد تيقُّن عدم طلوع الفجر أو الشَّكّ، قال العلامة العزيزي في «السراج المنير» (1: 144): «والمعنى أنه يُباح له أن يأكلَ ويشربَ حتى يتبيَّنَ له دخول الفجر الصادق باليقين، والظاهر أن الظنَّ به الغالب ملحق باليقين هنا، أما الشاك في طلوع الفجر وبقاء الليل إذا تردد فيهما، فقال أصحابنا: يجوز له الأكل؛ لأن الأصل بقاء الليل، قال النووي وغيره: إن الأصحاب اتفقوا على ذلك، وممَّن صرَّحَ به الدارمي والبندنيجي وخلائق لا يحصون».
وقال العلامة ابن مفلح في الفروع (3: 70): «فإن صحّ فمعناه أنه لم يتحقَّق طلوع الفجر».
وقال الإمام القاري: «وهذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع»، وقال ابن ملك: «وهذا إذا لم يعلم طلوع الصبح، أما إذا عَلِمَ أنه قد طلع أو شَكَّ فيه فلا»، كما في بذل المجهود بشرح سنن أبي داود (11: 152).
5.أن المرادَ بالنداء نداء المغرب، قال الإمامُ المناوي: «والمرادُ إذا سَمِع الصائمُ الأذان للمغرب»، كما في «السراج المنير شرج الجامع الصغير» (1: 144)، وقال العلامة محمد يحيى: إن كان المرادُ بالنداء نداء المغرب فالمعنى ظاهر، وهو أنه لا ينبغي له أن ينتظرَ بعد الغروب شيئاً من تمام النداء أو غيره، بل يجب له المسارعة في الإفطار، كما في بذل المجهود (11: 152).
6.أن الأكل متعلق بالفجر لا بالأذان، قال العلامة السهارنفوري في بذل المجهود (11: 152): والأولى في تأويل هذا الحديث أن يقال: إن هذا القول أشار به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن تحريم الأكل متعلّق بالفجر لا بالأذان، فإن المؤذن قد يبادر بالأذان قبل الفجر فلا عبرة بالأذان إذا لم يعلم طلوع الفجر، وهذا الحكم للعارفين بالفجر، وأما العوام الذين لا يعرفون فعليهم بالاحتياط، والله تعالى أعلم.
وقال العلامة محمد يحيى: إن أريد بها نداء صلاة الفجر، فالمعنى أن النداء لا يعتد به، وإنما المناط هو الفجر، فلو أذن المؤذن والصائم يعلم أن الفجر لم ينبلج بعد، فليس له أن يضعه من يده حتى يقضي حاجته، هذا وقد ذهب به وبما يشير إليه قوله - جل جلاله -: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} البقرة: 187 إلى أن المرادَ هو التبيّن دون نفس انبلاج الفجر، وهو
أولى بحال العوام نظراً إلى تيسير الشرع، فإن أكثر الخواص أيضاً عاجزون عن درك حقيقته، فكيف لغير الخواص، فإباطة الأمر بنفس الانبلاج لا يخلو عن إحراج وتكليف، كما في بذل المجهود (11: 152).
7.أنه محمول على غير الصوم، قال العلامة محمد يحيى: لك أن تحمل الرواية على غير حالة الصوم، فلا تتعلق هي بالفجر ولا بالمغرب، بل هي واردة على أمر الصلاة كورود قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حضرت العشاء وأقيمت العشاء فابدءوا بالعشاء»، كما في مسند إسحاق بن راهويه (2: 120)، وينظر: التمهيد (6: 320)، وتهذيب الكمال (14: 302)، فإنهما سيقا على نمط واحد، والمرعي فيهما قطع بال المصلي عن الاشتغال بغير أمر الصلاة، فكما أنها واردة بقضاء حاجته، فكذلك هي واردة بقضاء حاجته من الشراب فلا يلزم ما لزم، والله تعالى أعلم، كما في فتح الباري (2: 42).
ومما يتعلَّق بهذه المسألة الأكل والشرب قبل أذان المغرب لعدم اعتبار التقاويم العصرية، والاعتماد على النظر من أي شخص في أي مكان سواء أكان على جبل أو في وادي، وهكذا. قال الحافظ ابن حجر: سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أن محلَّه ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرائي حائل: أي من جبل أو عمران أو غيرهما، وهذا إنما يتم في الصحراء لا في العمران، كما في نيل الأوطار (2: 5 - 6).
وبهذا يتبين أن معرفة طلوع الفجر ومغيب الشمس يدركه الخواص ممن تمرسوا ذلك وتعلموه، كما أنه يحتاج إلى صحراء لا جبل ولا عمران فيها
أو إلى بحر حتى يكون الأفق غير محجوب أمام الرائي، وهذا الأمر غير متيسر لعامة المسلمين؛ لذلك قامت الجهات المختصة بتكوين لجان من أهل الاختصاص في ضبط الأوقات وإخراج التقاويم (الروزنامات) في تحديد أوقات الصلاة والعبادة، وينبغي للمؤمنين الاعتماد عليها؛ لأنه الأسلم لهم في عدم حصول فوضى وإرباك لدى العوام في عبادتهم وتشكيكهم في أحكام دينهم.
وهذا لأن المقصود بالغروب أي الحسي وهو زمان غيبوبة تمام حمرة الشمس بحيث تظهر الظلمة في جهة الشرق لا الحقيقي؛ لأنه لا يمكن تحقيقه إلا للأفراد، كما في مجمع الأنهر (1: 230)، والدر المنتقى (2: 230)، والأدلة متظافرة على هذا، ومنها:
1.عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» في صحيح البخاري (2: 691)، واللفظ له، وصحيح مسلم (2: 772)، قال العلامة الحصكفي في الدر المنتقى (2: 230): أي إذا وجد الظلمة حساً في جهته فقد دخل وقت الفطر أو صار مفطراً.
2.قوله - جل جلاله -: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} البقرة: 187؛ إذ جعل الليل غاية الصيام بأن يكون إلى بداية الليل، ولم يدخل الصيام في الليل، كما في أحكام القرآن للجصاص 1: 320.
3.عن سلمة - رضي الله عنه -: «كنا نُصلِّي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب إذا توارت بالحجاب» في صحيح البخاري (1: 205)، ومسند أبي عوانة (1: 301)، وسنن ابن ماجة (1: 225)، قال العلامة الزَّبيدي في تاج العروس شرح القاموس (2: 240): الحجاب هنا الأفق، يريد غابت الشمس في الأفق واستترت به، ومنه قوله - جل جلاله -: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَاب} ص: 32.
4.عن أبي بصرة الغفاري - رضي الله عنه - قال: «صلَّى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر بالمخمص، فقال: إن هذه الصلاة عرضت على مَن كان قبلكم فضيعوها فمَن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد والشاهد النجم» في صحيح مسلم (1: 568)، والمسند المستخرج (2: 423)، ومسند أبي عوانة (1: 300)، قال العلامة السندي في حاشية السندي (1: 259): حتى يطلع الشاهد: كناية عن غروب الشمس؛ لأن بغروبها يظهر الشاهد.
وإن تعجيل الإفطار قبل الغروب يبطل الصوم، وينال فاعله الوعيد الشديد كما أخبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا لي: اصعد حتى إذا كنت في سواء الجبل، فإذا أنا بصوت شديد فقلت: ما هذه الأصوات قال: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً فقلت: من هؤلاء فقيل: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم» في صحيح ابن حبان (16: 536)، والمستدرك (1: 595)، وسنن النسائي (2: 246)، قال
الإمام المُنذري في الترغيب والترهيب (2: 22): معناه يفطرون قبل وقت الإفطار.
وتحصّل بما سبق أن يحرم الأكل والشرب أثناء أذان الفجر، وقبل أذان المغرب، وأنه ينبغي التعويل على التقاويم العصرية؛ لوقوع الظنّ الغالب بها أكثر من الأفراد لا سيما غير المختصين بهذا الشأن، ولما فيه من التيسر والتسهيل على المسلمين، ورفع الفوضى والاضطراب في معرفة أوقات الأذان، ودفع النزاع بين العوام والخواص.
وأن حديث: «إذا سمع أحدكم النداء ... » غير محمول على ظاهره إن صحّ، فلا ينبغي للخواص والعوام الإفتاء بظاهره لمخالفته إجماع الفقهاء كما سبق. وأنه لا يتحصل تحقق معرفة غروب الشمس إلا لمَن كان في صحراء أو شاطئ بحر، بحيث لا يحول بينه وبينها حائل. والله الموفق.
• • •
فتوى (13)
حكم صيام يوم السبت
أو الجمعة يوم عرفة أو عاشوراء
يقع الجدال والنقاش كثيراً حول حكم صيام إفراد يوم السبت أو الجمعة بالصيام لا سيما عند وقوعه في يوم عرفة أو عاشوراء، فما هو حكمه؟
فأقول وبالله التوفيق: إنه لا كراهة مطلقاً بصيام يوم السبت أو يوم الجمعة في يوم عرفة أو عاشوراء عند فقهائنا المعتبرين ومذاهبنا الفقهية المعتمدة، كما دلَّت عليه عباراتهم، وكلمات ثقاتهم، ومن ذلك:
أولاً: إن صيام يوم السبت أو يوم الجمعة إن وافق صياماً يعتاده فلا كراهة فيه في المذاهب الفقهية المعتمدة، كما نصَّ عليه أكابر العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، كما في الموسوعة الفقهية الكويتية (28: 14 - 15)، الفروع (3: 125).
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في أسنى المطالب (1: 432) والعلامة الشربيني الشافعي في مغني المحتاج (2: 185): «محل كراهة إفراد ما ذكر ـ أي من الجمعة والسبت ـ إذا لم يوافق عادة له، فإن كان له عادة كأن اعتاد صوم يوم وفطر يوم فوافق صومه يوماً منها لم يكره».