غاية المطلوب في أمراض ....
. القلوب ومقاماتها وأحوالها
جارٍ تحميل الكتاب…
غاية المطلوب في أمراض ....
. القلوب ومقاماتها وأحوالها
الطبعة الأولى
1443 هـ ـ 2022 م
غاية المطلوب
في أمراض القلوب ومقاماتها وأحوالها
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أَجمعين، ومَن سار على دَربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
إن الارتقاء بالسلوك الإنساني لها مناهج متعددة، وطرق مختلفة، تسابق فيها المتسابقون من أجل السمو الأخلاقي والتربوي لدى البشر، وليس المقام يتسع لتفصيل ذلك، وإنما نقتصر على ذكر نموذج أخلاقي شاع الاهتمام به استئناساً بالكتاب والسنة، من ذلك ما ذكره الراغب الأصفهاني، فقال (¬1): «الخيرات يترقى فيها فيبلغ إلى أشرف المنازل بأربع درجات، وينحدر عنها فيبلغ إلى أرذل المنازل بأربع درجات.
فأما درجات الارتقاء:
فأولاها: أن يرتدع الإنسان عن المآثم ويهجرها، ويندم عليها، ويعزم على ترك معاودتها، وذلك أول درجة التائبين المطعين لله ورسوله.
¬
(¬1) ينظر: مكارم الأخلاق 11: 127.
وثانيها: أن يقوم بالعبادات الموظفة عليه، ويسارع فيها بقدر وسعه، وذلك درجة الصالحين.
وثالثها: أن يتحرى بعلمه الحقيقي تعاطي الحسنات من غير تلفتٍ منه إلى المحظورات بمجاهدة هواه، وإماتة شهواته، وذلك منزلة الشهداء.
ورابعها: أن يكون مع هذه الأحوال المتقدمة يرضى ظاهرًا وباطنًا بقضاء اللَّه وقدره فلا يتزعزع تحت حكمه، ولا يتسخط شيئًا من أمره، ويعلم أن اللًه تعالى أولى به من نفسه، وذلك درجة الصديقين.
وهذه المنازل الأربع هي المراد بقوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}.
وأما درجات الانحدار والارتداد عنها:
فأولاها: الكسل عن تحري الخيرات، ويورثه ذلك الزيغ المعني بقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}.
وثانيها: الغباوة: وهي ترك النظر، وبغض العمل، فيورثه ذلك رينًا على قلبه، وهو المعني بقوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
وثالثها: الوقاحة: وهي أن يرتكب الباطل ويراه في صورة الحق ويذب عنه، فيورثه ذلك قساوة القلب، كما قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}.
ورابعها: الانهماك في الباطل وهو أن يستحسنه فيحبه، ويُحسِّنه ويحببه إلى غيره فيورثه ذلك ختمًا على قلبه، وإقفالًا عليه، كما قال تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}.
فالكسل سبب الغباوة، والغباوة سبب الوقاحة، والوقاحة سبب الانهماك في الباطل، كما أن الزيغ يوجب الرين، والرين يوجب القساوة، والقساوة توجب الختم والإقفال».
ذكرت هذا الطرح الأخلاقي؛ ليعلم أن هذا التوصيف العام مشابه لما شاع في زماننا عند الكلام عن الأخلاق والسلوكيات والرقي البشري.
وإن أمثال هذه الطروح الأخلاقية آثارها محدود على البشرية بحيث لا ترتقي بالإنسان إلى الكمال الإنساني، وإنما تصحح سلوكه بقدر يتميز به عن الآخرين لكنه لا يزيد عن أعشار بالمئة حقيقة.
وإن النموذج السني المتبع في ذلك هو التزكية الكاملة للإنسان من خلال علم التصوف بطرقه المختلفة، فإنه يخوص في الحقيقة الإنسانية، ويصل إلى أساس الانحرافات البشرية، ويقف مع عللها؛ ليعالجها من أصلها.
وقد سارت الأمة عبر تاريخها في كافة طبقاتها بهذا الطريق العلمي لمواجهة الانحدار السلوكي للأفراد، فنجد أن عامة علمائنا كانوا يتبعون طرقاً صوفية لتربية أنفسهم.
وهذا الاتجاه التزكوي العلمي يتميَّز بأمرين:
1.الجانب النظري، وهو التعمق في معرفة حقيقة الإنسان، والبحث في سبب سلوكه الخاطئ، بالاعتماد على الوحي من كتاب وسنة، واستفادة من تجربة علماء الأمة في كافة طبقاتها، بحيث تراكمت حصيلة علمية وتجربة وخبرة لا مثيل لها في معرفة العيوب وكيفية علاجها.
2.الجانب العملي، وهو الأخذ بيد المريد من خلال شيخ مربي، يتدرج معه من مرتبة إلى أُخرى، فيخلصه من كلِّ أَمراضه الباطنية، ويُحليه بكل المقامات القلبية بتؤدة وصبر يستمر لسنوات عمره، فلا تنتهي الصحبة إلا بالموت.
وهذه المنهجية أثبتت صدقها بحيث كوَّنت علماً تربوياً يرتقي ويرتفع بصاحبه إلا أعلى الكمالات الإنسانية.
وإن الحديث عن القلب وما يتعلق به، هو حديث عن أساس كلِّ السلوكيات والأخلاقيات البشرية؛ لأنها مردها في قبحها إلى أمراض قلبية، وفي حسنها إلى مقامات وأحوال قلبية.
فتغيير السلوك البشري إلى الأحسن يكون بمعالجة آفات القلوب واستبدالها بالمقامات المحمودة له.
وبالتالي يكون بحثنا في غاية الدقة في معالجة السلوك البشري والارتقاء به؛ لأننا نظرنا إلى علل هذه الأخلاق وأسبابها وعالجناها من خلالها.
فكان المنهج المتبع في جمع مادة هذا الكتاب هو الاعتماد على كتب أهل الفنّ من أعلام أهل التزكية، وأبرز من خاض بحار أمراض القلوب وفصَّل
الكلام فيها هو الإمام الغزالي، فكانت عامّة الأبحاث معتمدة على كلامه بعد أن تمّ اختصاره وتهذيب وترتيبه، وأُضيف إليه كلام البركلي والخادمي والطوسي وابن عجيبة والسهروردي والقشيري وغيرهم من الأعلام، فإن أمثالهم هؤلاء العظام أحقّ من يقرأ كلامهم ويقتفى أثرهم.
قال الغزالي (¬1): «والمحاسبي حبر الأمة في علم المعاملة وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الأعمال وأغوار العبادات وكلامه جدير بأن يحكى على وجهه».
فكان عملي فيها الجمع والترتيب والتهذيب وحسن العرض لجمع مادة علمية متكاملة في الموضوع يَسهل على القارئ فهمها والانتفاع بها، فقسمته على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: مقدمات قلبية، ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: في معنى القلب ومكانته.
والمبحث الثاني: في أصول القلب وصفاته ووظائفه.
والمبحث الثالث: في تقلب القلب وطرق الشيطان إليه.
والمبحث الرابع: في المراتب والأحكام والموانع القلبية.
والمبحث الخامس: في علامات الأمراض وطرق معرفتها ومعالجتها.
والفصل الثاني: في أمراض القلوب، ويشتمل على المباحث الآتية:
¬
(¬1) في الإحياء 3: 264.
المبحث الأول: في حب الدنيا وإخوانه.
والمبحث الثاني: في الكبر وإخوانه.
والمبحث الثالث في الغضب وإخوانه.
والمبحث الرابع: في الهوى وإخوانه.
والفصل الثالث: في مقامات وأحوال القلب، ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: في معنى الحال والمقام.
والمبحث الثاني: في التوبة والورع.
والمبحث الثالث: في الرجاء والخوف.
والمبحث الرابع: في الزهد والفقر.
والمبحث الخامس: في الصبر والشكر.
والمبحث السادس: في التوكل والرضا.
والمبحث السابع: في المراقبة والمحاسبة والمحبة.
وسميت هذا الكتاب:
«غاية المطلوب في أمراض القلوب ومقاماتها وأحولها»
مع اعترافي بالتقصير في كلِّ عملي؛ لأنّ لأهل هذا العلم رجاله الأحق بتحريره وتنقيحه، ولكن الحاجة الماسة لجمع مادة تنفع الطلبة في كليتنا
جرأني على دخول هذا الأمر؛ لأنه لم يكن سبيل لغيره، فأرجو من الله تعالى أن يعفو عنا، وأن يفتح علينا فتوح العارفين، وأن يعلمنا ما جهلنا.
وإن طعمي بأن يرزقنا الله تعالى علم هؤلاء الأكابر جعلنا أشتغل أيام عديدة وأسابيع مديدة في جمع فصول ومباحث هذا السفر، فينعكس علمهم ومعرفتهم حالاً علينا توصلنا إلى عمل وصلاح في الدين.
والله تعالى أسال أن يتقبل منا هذا العمل، وأن يجعله خالصاً لوجه الكريم، وأن يرزقنا القبول، وأن يغفر لنا خطايانا، وأن يرحم أهلنا ويتجاوز عنهم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية، الأردن
بتاريخ2ـ 3ـ 2022م
في عمان، صويلح
الفصل الأول
مقدمات قلبية
ويشتمل على المباحث الآتية:
المبحث الأول: معنى القلب ومكانته.
المبحث الثاني: أصول القلب وصفاته ووظائفه.
المبحث الثالث: تقلب القلب وطرق الشيطان إليه.
المبحث الرابع: المراتب والأحكام والموانع القلبية.
المبحث الخامس: علامات الأمراض وطرق معرفتها ومعالجتها.
تمهيد:
إن الكلام في القلب له تشعبات وتفرعات لا يمكن حصرها ولا إداركها، وفي هذا المقام نركز على ما لا بدّ منه فيها، بحيث يظهر لنا حقيقة هذا القلب والمكانة التي عليها، والأهمية البالغة له؛ لأن الكلام عن القلب كلام عن أهمٍّ شيء لدى الإنسان؛ لأنه يتفرع عنه سائر السلوكيات والتصرفات والأخلاقيات الإنسانية، وبصلاحه سيكون صلاح للإنسان، وصلاح للبشرية.
لذلك نجد علماء الإسلام الكبار ركزوا واهتموا بالقلب، وأعطوه حقه من العناية، فكتبوا ما لا يحصى من الصفحات فيه، وألفوا آلاف الكتب فيه، كلّ هذا لوظيفته ودوره التي هي سبب وجود الإنسان في الدنيا، وطريقه لتحصيل الآخرة.
فالأعمال الظاهر هي آثار لأمراض القلوب وأحواله، وعلاج هذه التصرّفات الظاهرة باقتلاع سببها النابع من القلب، وإن كان يحتاج إلى جهد وصبر؛ لأنه الوسيلة الوحيدة لتحصيل السلامة في سلوكياتنا، والتخلص من رذائل أعمالنا.
قال الغزالي: «وعلماء الآخرة لا يشيرون إلا بتطهير الباطن وقطع مواد الشرّ بإفساد منابتها وقلع مغارسها من القلب، وإنما فزع الأكثرون إلى الأعمال الظاهرة عن تطهير القلوب؛ لسهولة أعمال الجوارح واستصعاب أعمال القلوب كما يفزع إلى طلاء الظاهر من يستصعب شرب الأدوية المرة، فلا يزال يتعب في الطلاء، ويزيد في المواد وتتضاعف به الأمراض، فإن كنت مريداً للآخرة وطالباً للنجاة وهارباً من الهلاك الأبدي فاشتغل بعلم العلل الباطنة، وعلاجها على ما فصلناه في ربع المهلكات ـ أي من «إحياء علم الدين»، ثم ينجر بك ذلك إلى المقامات المحمودة المذكورة في ربع المنجيات لا محالة، فإن القلب إذا فرغ من المذموم امتلأ بالمحمود» (¬1).
وقد وقع الناس في غفلةٍ كبيرةٍ في هذا الزمان في الإعراض عن العناية بالقلوب وأحوالها ومقاماتها، ولم يعد يعرفه إلا خاصّة الخاصة، مع فرضية الحاجة لها وعدم الغنى عنه، فأصبحوا يعيشون في تيه شديدٍ، وضياع لا نهاية، بدون الوصول إلى أسباب تعاستهم وطرق علاجها، فكانت الضرورة للالتفات لهذا العلم الشريف.
¬
(¬1) ينظر: الإحياء 1: 39.
قال الغزالي: «العناية بمقامات القلب وأحواله دأب علماء الآخرة؛ لأنّ القلب هو الساعي إلى قرب الله تعالى، وقد صار هذا الفن غريباً مندرساً وإذا تعرض العالم لشيء منه استغرب واستبعد، وقيل: هذا تزويق المذكرين فأين التحقيق، ويرون أنَّ التَّحقيق في دقائق المجادلات» (¬1).
ووقوفاً بنا على ما يتعلق بمعنى القلب ومكانته وأصوله وأعماله ووظائفه ومراتبه الإيمان فيه ومداخل الشيطان له وحكم أعماله وأصناف الوساوس له وتقلبات القلب وعلامات أمراضه وطرق معرفة عيوبه وطرق معالجته وغيرها فإنه يحسن بنا بمقدمات فيما يتعلق للقلب في هذا الفصل، قبل الولوج في الفصل الثاني المتعلق بالأمرض للقلب، والفصل الثالث المتعلق بمقامات وأحوال القلوب؛ ليتحقق لنا الفهم الصحيح في التعامل القلب؛ حتى يقومه بوظيفته وعمله على أكمل ما يكون مما يكون سبب في سعادتنا الدنيوية والأخروية وليس في شقاوتنا.
فإن المعرفة الصحيحة هي الأساس في العمل والحال، فلا يتيسر العمل بلا علم سليم، ولا يظهر الحال بلا تصور واضح للعلم، وهذا ما نبَّه عليه الغزالي في مواضع عديدة من «إحيائه».
فقال في بداية كلامه عن الصبر: «الصبر مقام من مقامات الدين ومنزل من منازل السالكين وجميع مقامات الدين إنما تنتظم من ثلاثة أمور معارف
¬
(¬1) ينظر: الإحياء 1: 78.
وأحوال وأعمال، فالمعارف هي الأصول، وهي تورث الأحوال، والأحوال تثمر الأعمال» (¬1).
وقال في بداية الزهد: «الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين وينتظم هذا المقام من علم وحال وعمل كسائر المقامات؛ لأن
أبواب الإيمان كلها كما قال السلف ترجع إلى عقد وقول وعمل» (¬2).
وقال في بداية الشكر: «الشكر من جملة مقامات السالكين وهو أيضا ينتظم من علم وحال وعمل، فالعلم هو الأصل فيورث الحال، والحال يورث العمل، فأما العلم فهو معرفة النعمة من المنعم، والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه، والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه، ويتعلق ذلك العمل بالقلب وبالجوارح وباللسان» (¬3).
فالمعرفة الصحيحة هي الأساس لما بعدها من عمل وحال، وهما متفرعان عنها، وكلَّما اجتهدنا في تحصيل العلم السُّني الطَّاهر كلما تيسر لنا العمل به، فظهر حاله علينا؛ لأنه الثمرةُ اليانعة لكلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فنسأل تعالى أن يفتح علينا في هذا الكتاب بالفهم السَّليم والعلم الصافي؛ ليتحقَّق النفع به للمسلمين.
¬
(¬1) ينظر: الإحياء4: 62.
(¬2) ينظر: الإحياء4: 216.
(¬3) ينظر: الإحياء4: 81.
قال الغزالي (¬1): «أنوار العلوم لم تحتجب عن القلوب لبخل ومنع من جهة المنعم تعالى عن البخل والمنع علواً كبيراً، ولكن حجبت لخبث وكدورة وشغل من جهة القلوب، فإن القلوب كالأواني فما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء، فالقلوب المشغولة بغير الله تعالى لا تدخلها المعرفة بحلال الله تعالى».
المبحث الأول
معنى القلب ومكانته
نعرض في هذا المبحث لمعنى القلب ومكانته في مطلبين على النحو الآتي:
المطلب الأول: معنى القلب:
لكلِّ منا حال حقيقية، وهي متمثلةٌ بالجسدِ وجوارحه المعروفة، وهذا ظاهرةٌ بيِّنة للعيان يُمكن إدراكُها لكلٍّ أحدٍ، وحالٌ معنويةٌ خفيّةٌ لا يُدركُ حقيقتَها ولا يقفُ على أحوالها إلا أصحاب البصيرة من العلماء الشرعيين؛ لعدم مشاهدتها بالعيان وخفائها.
وهي في الحقيقةِ الأحقُّ بالاهتمام؛ لأنها المالكةُ والمتحكمةُ بالجسد
¬
(¬1) ينظر: في الإحياء 3: 9.
وتصرفاته، فمن الرُّوح مثلاً يكون بها الحياة، وبدونها يُصبح الإنسان ميتاً وإن وجدت كلُّ أعضائه، فلم يَعُد لها قيمةٌ بلا روح، ومن القلب المعنوي توجد سائر الرغبات من الحبِّ والكره والغضب والحلم وغيرها التي تظهر آثارها على الجوارح، ومن النفس تكمون سائر الشهوات التي يحققها سائر الأطراف من النَّظر والسَّمع والشَّم والأكل والشرب والجماع وغيرها.
فالجسدُ الظاهرُ لكلٍّ منا ما هو إلا أداةٌ وآلةٌ للحال الباطن، وهذا ما نبَّه عليه علماء الإسلام بالعناية بالروح والقلب والنفس والعقل، وهي أمورٌ معنوية لا حقيقة تمثل الجانب الباطن لكلِّ منا، ويُطلق كلٌّ منها على الآخر إجمالاً، ويُمكن أن يُعبَّر بما يوافقه من نسبة الشهوات للنفس، والأخلاق للقلب، والروحانيات للروح والتعقل للعقل.
والمهم في ذلك هو إدراك جانب باطن لكلٍّ منا، علينا الاعتناءُ به ومعرفة أحواله وكيفية علاج أمراضه، بحيث يصبح لنا لا علينا، لا سيما أنه هو الأساس، وهو الحقيقة الصادقة للإنسان بغض النظر عن التسميات له من روح وقلب وعقل ونفس.
قال الغزالي (¬1): «إني لما واظبت على العزلة والخلوة قريباً من عشر سنين، وبان لي في أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها، مرة بالذوق، ومرة بالعلم البرهاني، ومرة بالقبول الإيماني: أن للإنسان بدناً وقلباً، وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله، دون اللحم والدم الذي
¬
(¬1) في المنقذ من الضلال ص189.
يشارك فيه الميت والبهيمة، وأن البدن له صحة بها سعادته ومرض فيه هلاكه، وأن القلب كذلك له صحة وسلامة، ولا ينجو: {إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم} [الشعراء:89]، وله مرض فيه هلاكه الأبدي الأخروي، كما قال تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [الأحزاب:12]، وأن الجهل بالله سم مهلك، وأن معصية الله بمتابعة الهوى، داؤه الممرض، وأن معرفة الله تعالى ترياقه المحيي، وطاعته بمخالفة الهوى دواؤه الشافي، وأنه لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك.
وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها، فكذلك بان لي، على الضرورة بأن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة، لا ببضاعة العقل.
وكما أن الأدوية تركب من أخلاط مختلفة النوع والمقدار وبعضها ضعف البعض في الوزن والمقدار، فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سرّ هو من قبيل الخواص، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب، مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار، حتى أن السجود ضعف الركوع، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار، ولا يخلو عن سر إلهي فيها، يقتضيها بطريق الخاصية.
وكما أنّ في الأدوية أصولاً هي أركانها وزوائد هي متمماتها، لكل واحد منها خصوص تأثير في أعمال أصولها، كذلك النوافل والسنن متممات لتكميل آثار أركان العبادات، وعلى الجملة: فالأنبياء عليهم السلام أطباء
أمراض القلوب».
فعلى العقلاء أن يلتفتوا لمعالجة باطنهم؛ لأنها السبب الأقوى في عامة مشاكلهم الظاهره، لا أن يهتموا بمعالجة ظواهرهم، مع بقاء علل أمراضهم الباطنة، قال الغَزاليُّ (¬1): «الأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد، وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد، ومهما اشتدت عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان، وليس في مرضها إلا فوت الحياة الفانية، فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب، وفي مرضها فوت حياة باقية أولى.
وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب؛ إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت، فيحتاج العبد إلى تأنق في معرفة علمها وأسبابها، ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها، فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس:9]، وإهمالها هو المراد بقوله: {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس:10]».
أولاً: المعنى اللغوي والاصلاحي للقلب:
ولا بدّ أن نقف بإيجاز معنى القلب ومتعلَّقاته؛ ليتضح المقال فيه، وقد بيَّنها الدكتور معاذ حوى، فقال:
¬
(¬1) في الإحياء3: 499.
«ولما كان الفؤاد اسماً للقلب، يرادفه أو يختلف عنه قليلاً أو يتقاطعان، فإنا نبين تعريفه معه لغة.
القَلْبُ: الفُؤاد، وهو لَحْمَة صنوبرية الشكل في الجانب الأيسر من الصدر متصلة بالجسد بشرايين يسري فيها الدَّم الذي يضخه القلب إلى سائر الجسم وهذا القلب الحسي، ويطلق القلب لغة على القلب المعنوي.
ويرى بعض اللغويين أن القلب والفؤاد بمعنى واحد، ويرى بعضهم أن أحدهما أخص من الآخر، «قال الأَزهري: ورأَيت بعضَ العرب يُسَمِّي لحمةَ القَلْبِ كُلها، شَحْمَها وحِجابَها: قَلْباً وفُؤَاداً، قال: ولم أَرهم يَفْرِقُونَ بينهما؛ قال: ولا أُنْكِر أَن يكون القَلْبُ هي العَلَقة السوداءُ في جوفه».
وقال ابن منظور: «وَرُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنه قال: «أَتاكم أَهل اليَمن، هم أَرَقُّ قلوباً، وأَلْيَنُ أَفئدةً»، فوَصَفَ القلوبَ بالرِّقة، والأَفْئِدَة باللِّين، وكأَنَّ القَلْبَ أَخَصُّ من الفؤَاد في الاستعمال، ولذلك قالوا: أَصَبْتُ حَبَّةَ قلبه، وسُوَيْداءَ قلبه».
وربما يكون القلب بمعنى الفؤاد تماماً، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزع الأوصاف إليهما، على سبيل الترادف والتنويع في الكلام، لا على سبيل الافتراق، وقال بعض العلماء: «الفؤاد كالقلب، لكن يُقال له فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفؤد أي: التوقد يقال: فأدت اللحم: شويته ولحم فئيد: مشوي».
وأصل القَلْبِ في اللغة: تَحْويلُ الشيءِ عن وجهه، قَلَبه يَقْلِبُه قَلْباً، قال تعالى: {وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ} [التوبة:48]، والجمع: قُلوب وأَقْلُب، وقلب
الشيء: تصريفه وصرفه عن وجه إلى وجه، كقلب الثوب وقلب الإنسان أي: صرفه عن طريقته، قال تعالى: {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُون} [العنكبوت:21]، والانقلاب: الانصراف، قال: {انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا} [آل عمران:144]، وقيل: سمي القلب قلباً لكثرة تقلبه.
وتقليب الشيء: تغييره من حال إلى حال نحو: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} [الأحزاب:66] وتقليب الأمور: تدبيرها والنظر فيها قال: {وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ} [التوبة:48]، وتقليب الله القلوب والبصائر: صرفها من رأي إلى رأي قال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} [الأنعام:110].
والقلب اصطلاحاً: يأتي بمعانيه اللغوية، فيطلق على تلك المضغة المعروفة، ويطلق على ما يحصل من إدراك وتعقل في تلك المضغة، ومن تعاريفه:
ـ «لطيفة ربانية لها بهذا القلب الجسماني الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر تعلق وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، وهي المدرِك والعالِم من الإنسان والمخاطَب والمطالَب والمعاتَب» (¬1).
ـ «لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلّقٌ، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، وهو المدرك العالم العارف من الإنسان، وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب، ولها علاقة مع القلب الجسماني.
¬
(¬1) انتهى النقل من التزكية على منهاج النبوة للدكتور معاذ باختصار.
وقد تحيَّرت عقولُ أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته، فإنّ تعلَّقه به يُضاهي تعلُّق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات أو تعلُّق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان، والغرض ذكر أوصافها وأحوالها لا ذكر حقيقتها في ذاتها» (¬1).
قال الدكتور معاذ حوى: «وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإن في الجسد مضغة ... القلب» يدل على أن القلب المعنوي هو في القلب المادي الجسمي المسمى بالمضغة.
ومن خلال استعراض النصوص الكتاب والسنة الواردة في القلب؛ لا يَبْعُدُ أن يكون القلب قد أطلق على أمرين:
أ. القلب المتعلق بالقلب الحسي.
ب. الأمور المعنوية غير الحسية التي تكون في باطن الإنسان، ولا تظهر، فيكون القلب شاملاً للخواطر والانفعالات النفسية والرغبات والإرادة والنية، وشاملاً للعقل وأعماله من تعقل وتفكر وتذكر وتدبر، وشاملاً للروح، يشمل كل ذلك حقيقة لا مجازاً، على هذا المعنى.
أما ما يُظهِر هذه الأمور من أقوال وأعمال فهو غير القلب، فالأقوال والأعمال تدخل في الحس والظاهر، بالإضافة إلى ما يُرى من الإنسان من جسمه الظاهر.
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 3.
وهذا الفهم ليس بعيداً عن معاني اللغة، فقلب الشيء يطلق على داخله الذي يخفى وراء ظاهره، فيكون بمعنى الباطن، لكن القلب الذي نتكلم عنه مختص بالأمور المعنوية» (¬1).
ثانياً: ألفاظ ذات صلة:
نحتاج لمعرفة معنى النفس والعقل لاشتراك هذه الأسماء وكثر استخدامها وتداخل شيء من معانيها مع معنى القلب، قال الغزالي (¬2): «اعلم أن هذه الأسماء تستعمل في هذه الأبواب، ويقل في فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامي واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها، وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي واشتراكها بين مسميات مختلفة».
وبيان معاني هذه الأسماء ومتعلقاتها على النحو الآتي:
1.النفس:
وهي المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان (¬3).
قال الغزالي (¬4): وهذا المعنى «هو الغالبُ على أهل التصوف؛ لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان، فيقولون لا بُدّ من مجاهدة النفس وكسرها».
¬
(¬1) انتهى من التزكية على منهاج النبوة.
(¬2) في الإحياء3: 3.
(¬3) ينظر: الإحياء3: 4.
(¬4) في الإحياء3: 4.
وقال الدكتور معاذ حوى: «يطلق القلب على ما يحصل فيه التعقل والخواطر والميل والعاطفة والرغبة والهوى والحب والإرادة، وغالباً ما يطلق في علم التزكية على هذا المعنى، لكننا نلاحظ أن كثيراً من علماء التزكية ينسبون هذه العواطف والرغبات والميول إلى القلب إذا كانت متجهة نحو الخير والحق، وينسبونها إلى النفس إذا كانت متجهة نحو الشر والباطل، والنفس هنا ما هي إلا القلب.
ولكنه اصطلاح جرى التعامل به عند كثير من علماء التزكية، وليس ذلك بعيداً عن مصطلح الشرع فقد استعملت لفظة النفس للقلب فيه أحياناً، كقوله تعالى: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ} [البقرة:284]، لكن لا ينبغي أن يُظَنَّ أن هذا الاصطلاح مُلزِم ومُضطرِد، بل يمكن أن تُنسب معاني الخير والشر إلى النفس، كما يمكن أن تُنسب إلى القلب أيضاً» (¬1).
وتوصف النَّفس بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها:
أ. إذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة، قال الله تعالى في مثلها: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة} [الفجر:28].
¬
(¬1) انتهى من التزكية على منهاج النبوة.
ب. إذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة؛ لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه، قال تعالى: {وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة} [القيامة:2].
ج. إن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء، قال الله تعالى إخباراً عن يوسف - عليه السلام - أو امرأة العزيز: {وَمَا أُبَرِّاءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف:53] (¬1).
2.العقل:
ويُعبَّر بالقَلْب عن العَقْل، كما في قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق:37]؛ أَي عَقْلٌ، وقيل معناه: تَفَهُّمٌ وتَدَبُّرٌ.
فيكون المدرك للعلوم، ويكون هو القلب: أي تلك اللطيفة.
وقد يُطلق العقل ويراد به محلُّ الإدارك، وهو المدرك.
ويُقال: هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان (¬2).
قال سهل بن عبد الله: للقلب تجويفان:
1.باطن، وفيه السمع والبصر، وهو قلب القلب وسويداؤه.
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 4.
(¬2) ينظر: الإحياء3: 4.
2.ظاهر القلب، وفيه العقل، ومثل العقل في القلب مثل النظر في العين، وهو صقال لموضع مخصوص فيه بمنزلة الصقال الذي في سواد العين، ومنه تنبعث الأشعة المحيطة بالمرئيات، فهكذا تنبعث من نظر العقل أشعة العلوم المحيطة بالمعلومات. (¬1)
المطلب الثاني: مكانة القلب:
ويمكن الوقوف على مكانة القلب الرفيعة من خلال النقاط الآتية:
1.أن الإنسان يتميز عن سائر المخلوقات بالقلب؛ لأنه المعرفة الإلهية
حاصلة به، قال الغزالي (¬2): «شرف الإنسان وفضيلته التي فاق بها جملة من أصناف الخلق باستعداده لمعرفة الله سبحانه التي هي في الدنيا جماله وكماله وفخره، وفي الآخرة عدته وذخره، وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه، فالقلب هو العالم بالله تعالى، وهو المتقرب إلى الله تعالى، وهو العامل لله تعالى، وهو الساعي إلى الله تعالى، وهو المكاشف بما عند الله تعالى ولديه».
2.أن الجوارح عاملة بأمر القلب، فهو السيد والملك والأمير لسائر الجوارح، بحيث يعمل الجسد بأوامره، قال الغزالي (¬3): «وإنما الجوارح أتباع
¬
(¬1) ينظر: عوارف العوارف ص265.
(¬2) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 2.
(¬3) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 2.
وخدم وآلات يستخدمها القلب، ويستعملها استعمال المالك للعبد، واستخدام الراعي للرعية، والصانع للآلة».
3.أنّ صلاح الإنسان بصلاح قلبه، فهو الذي إذا صَلُح صَلح سائر الجسد، فعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (¬1).
4.أن القبول والرّدِّ عند الله تعالى يكون للقلب؛ لأنه غيره تبع له، فكان هو المخاطب والمعاتب. قال الغَزالي (¬2): «القلب هو المقبول عند الله تعالى إذا سَلِم من غير الله تعالى، وهو المحجوب عن الله تعالى إذا صار مستغرقاً بغير الله تعالى، وهو المطالب، وهو المخاطب، وهو المعاتب.
وهو الذي يسعد بالقرب من الله تعالى، فيفلح إذا زكاه، وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنَّسه ودسَّاه، وهو المطيعُ بالحقيقة لله تعالى، وهو المنتشرُ على الجوارح من العبادات أنواره، وهو العاصي المتمردُ على الله تعالى، وهو الساري إلى الأعضاء من الفواحش آثاره، وبإظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه؛ إذ كل إناء ينضح بما فيه».
5. أن معرفة النفس ترجع لمعرفة القلب، وبجهله يجهل نفسه، قال الغزالي (¬3): «وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 20.
(¬2) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 2.
(¬3) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 2.
فقد عرف ربه، وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه.
ومن جهل قلبه فهو بغيره أجهل؛ إذ أكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم، وقد حيل بينهم وبين أنفسهم، فإن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه،
وحيلولته بأن يمنعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته، وكيفية تقلبه بين إصبعين مع أصابع الرحمن، وأنه كيف يهوى مرّةً إلى أسفل السافلين، وينخفض إلى أفق الشياطين، وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين، ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين.
ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ويترصد لما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه، فهو ممن قال الله تعالى فيه: {نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [الحشر:19]، فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه أصل الدين وأساس طريق السالكين».
6.أن إدارك المعاني الحقيقية للعلوم في القلب، قال الغزالي (¬1): «أنوار العلوم لم تحتجب عن القلوب لبخل ومنع من جهة المنعم تعالى عن البخل والمنع علواً كبيراً، ولكن حجبت لخبث وكدورة وشغل من جهة القلوب، فإن القلوب كالأواني فما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء، فالقلوب المشغولة بغير الله تعالى لا تدخلها المعرفة بحلال الله تعالى».
¬
(¬1) ينظر: في الإحياء3: 9.
• • •
المبحث الثاني
أصول القلوب وصفاته ووظائفه
يشتمل هذا المبحث على بيان أصول القلوب وصفات القلوب في القرآن ووظائف القلب في الكتاب والسنة في ثلاثة مطالب على النحو الآتي:
المطلب الأول: أصول القلوب:
نظر علماء التزكية إلى الصفات الصادرة من الإنسان فأرجعوها إلى أربعة أصول رئيسية؛ لأنها منها ما يشبه صفات السِّباع، ومنها ما يشبه صفات
البهائم، ومنها ما يشبه صفات الربِّ سبحانه وتعالى، ومنها ما يُشبه صفات الشيطان، فكان الإنسانُ في تصرفاته لا يخرج عنها، وهي تمثل أصولاً ومرتكزات في القلب تخرج منها الصفات.
قال الغزاليّ (¬1): «يجتمع في القلب أصول أربعةٌ، وهي:
السبعية والبهيمية والربانية والشيطانية، وكلُّ إنسان فيه شوب منها.
أ. السبعية؛ فمن حيث سلط عليه الغضب يتعاطى أفعال السباع من
العداوة والبغضاء والتهجم على الناس بالضرب والشتم.
ب. البهيمية؛ فمن حيث سلطت عليه الشهوة يتعاطى أفعال البهائم من الشره والحرص والشبق وغيره.
ج. الربانية؛ فمن حيث أنه في نفسه أمر رباني، كما قال الله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:85]، فإنه يدعى لنفسه الربوبية، ويحب الاستيلاء والاستعلاء والتخصص والاستبداد بالأمور كلها، والتفرد بالرياسة، والإنسلال عن ربقة العبودية والتواضع، ويشتهي الاطلاع على العلوم كلها، بل يدعي لنفسه العلم والمعرفة والإحاطة بحقائق الأمور، ويفرح إذا نسب إلى العلم ويحزن إذا نُسب إلى الجهل، والإحاطة بجميع الحقائق والاستيلاء بالقهر على جميع الخلائق من أوصاف الربوبية، وفي الإنسان حرص على ذلك.
¬
(¬1) في الإحياء 3: 10.
د. الشيطانية؛ فمن حيث يختص من البهائم بالتمييز مع مشاركته لها في الغضب والشهوة حصلت فيه شيطانية، فصار شريراً يستعمل التمييز في استنباط وجوه الشر، ويتوصل إلى الأغراض بالمكر والحيلة والخداع ويظهر الشر في معرض الخير وهذه أخلاق الشياطين».
المطلب الثاني: صفات القلوب في القرآن:
القلب في سبيل إصلاحه يترقى درجات، فيتحول من صفة مذمومة إلى صفة محمودة، ويكون على حال ويصير إلى حال أعلى وأجمل وأزكى، وقد نبهت الآيات إلى أنواع القلوب الفاسدة التي يجب أن يتطهر القلب من أمراضها ويتزكى، حتى يصل إلى القلب السليم، ومن الأنواع المذكورة:
1. القلب الشيطاني: وهو الذي يكون مع كفره وفساده وانحرافه يكون حريصاً على إفساد الآخرين وإضلالهم وإدخالهم في الكفر.
وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا القلب في حديث تكلم فيه عن الشر والخير في هذه الأمة، فذكر مرحلة يكون فيها دَخَنٌ (¬1) مع الخير، وسئل عن الشر الذي يكون بعد الخير، فعن حذيفة - رضي الله عنه -، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» (¬2).
وأصحاب هذه القلوب سماهم الله تعالى شياطين الإنس، فقال:
¬
(¬1) أي اختلاط الشر مع الخير.
(¬2) أخرجه مسلم رقم 1847.
{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} [الأنعام: 112].
وتزكية هذا القلب بتحويل صاحبه وجهته من حب الباطل والشر والأذى والإفساد إلى حب الحق والخير والإحسان والإصلاح.
2.القلب المختوم: وهو من أغلق الهداية عنه: قال تعالى: {ختم الله على قلوبهم} [البقرة: 7]، والقلب المقفَّل عليه: قال تعالى: {أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24]، والقلب المطبوع عليه: قال تعالى: {طبع الله على قلوبهم} [محمد: 16] (¬1).
قال الغزالي (¬2): «ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلوب، وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق وصلاح الدين، ويستهين بأمر الآخرة، ويستعظم أمر الدنيا، ويصير مقصور الهم عليها، فإذا قرع سمعه أمر الآخرة، وما فيها من الأخطار دخل من أذن وخرج من أذن ولم يستقر في القلب، ولم يحركه إلى التوبة والتدارك، أولئك يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور، وهذا هو معنى اسوداد القلب بالذنوب».
وتزكية هذه القلوب تكون بمعالجة السبب الذي كان سبب الختم والطبع والقفل، والتوبة منه، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لينتهين أقوام عن
¬
(¬1) ينظر: التزكية على منهاج النبوة.
(¬2) في الإحياء3: 12.
وَدْعِهِم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين» (¬1).
3.القلب الميت: وهو الذي لا يستجيب للحق ولا يبحث عنه، قال تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} [الأنعام: 36]، فقوله: {والموتى}: أي أصحاب القلوب الميتة، وقد ذكرهم في مقابل الذين يسمعون الحق فيستجيبون له.
قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} [ق: 37]، والآية تشعر أن بعض الناس لا قلب له، ولكن هذا غير مقصود، إذ كل إنسان له قلب (¬2)، لكن الآية تنبه إلى أن القلب يكون ميتاً حينما لا يستعمله صاحبه استعمالاً صحيحاً، فلا يوجهه نحو الحق، ولا يميل به نحو الحق والخير، فهو والذي لا قلب له سواء، فالنتيجة واحدة.
وتزكية هذا القلب تكون باستعمال القلب والانتباه إلى وجوده، وتوجيه القلب الوجهة الصحيحة نحو الإيمان والحق والخير، وإصلاح خواطره.
4.القلب المريض: قال تعالى: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليهم بما كانوا يكذبون} [البقرة:10]، وقال تعالى: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرروا} [الأحزاب: 12]، وحيثما ذكر الذين في قلوبهم مرض في القرآن فالمقصود بهم أصحاب الأمراض القلبية التي تخرج الإنسان عن الإيمان، لا الأمراض
¬
(¬1) أخرجه مسلم رقم 865.
(¬2) فقد وُصِفَت قلوبهم بأوصاف مختلفة كما في هذا المطلب، فالقلوب موجودة.
التي قد تجتمع مع الإيمان أو الإسلام، فتكون سبباً في نقص الإيمان لا في نفيه كله.
وتزكية هذا القلب بمعالجة المرض الذي فيه، كالكبر على الله وأحكامه، وكحب غير الله أكثر من حب الله، وكالرياء والعمل لأجل الخلق لا لله، وكالتعلق بالدنيا وجعلِ شهواتها هي المقصود والهدف في الحياة، فكل مرض له علاجه كما سيأتي.
5. القلب المتقلب: قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 110]، وتقلب القلب ينشأ عنه التردد في الحقائق كما بينت الآية: {كما لم يؤمنوا به أول مرة} فلما كذبوا وتشككوا بالحق تقلب القلب والفؤاد.
وتزكية هذا القلب تكون بإزالة التردد من خلال التحقق من الحقائق والرجوع إلى الأدلة والبراهين، والوقوف عند الحق إذا وصل إليه، والبناء على الحقائق التي عرفها القلب لا على الشهوات والنزغات والميول، وكان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (¬1).
6.القلب الغافل: قال تعالى: {لاهية قلوبهم} [الأنبياء: 3]، وقال سبحانه: {بل قلوبهم في غمرة من هذا} [المؤمنون: 63]، والقلب إذا كان
¬
(¬1) أخرجه أحمد رقم 12128 والبخاري في الأدب المفرد رقم 683 والترمذي رقم 2140 وحسنه وابن حبان رقم 943 والحاكم رقم 1926 وصححه، وانظر مجمع الزوائد للهيثمي ج10، ص 176.
عارفاً بالحقائق عالماً بها، ثم تجاهلها بالانشغال عنها يكون غافلاً.
وتزكية هذا القلب بتذكر الحقائق التي يعلَمُها، سواء تذكرها صاحب القلب من خلال القرآن أو التفكر أو الذكر، أو ذكره بها غيره بالتذكير والموعظة (¬1).
فعن أم سلمة رضي الله عنها: «إذا أراد الله بعبده خيراً جعل له واعظاً من قلبه» (¬2).
قال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}، قال الغزالي (¬3): «فأخبر أنّ جلاءَ القلب وإبصاره يحصل بالذكر، وأنه لا يتمكَّن منه إلا الذين اتقوا، فالتقوى باب الذِّكر، والذِّكرُ باب الكشف، والكشفُ باب الفوز الأكبر، وهو الفوز بلقاء الله تعالى».
7. القلب القاسي: قال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 16]، وقال تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فيه كالحجارة أو أشدة قسوة} [البقرة: 74].
وأصحاب القلوب القاسية والمريضة يجد الشيطان إلى قلوبهم منفذاً
¬
(¬1) ينظر: التزكية على منهاج النبوة
(¬2) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، وإسناده جيد، كما في المغني3: 12.
(¬3) في الإحياء 3: 12.
ليزيدهم بعداً وضلالاً وفتنة، قال تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} [الحج: 53].
وتزكية هذا القلب بالتذكير والمواعظ والتفكر والاعتبار، ولقسوته قد يسمع المواعظ فلا يتعظ؛ فيحتاج إلى التخويف والترهيب وإلى تَذَكُّرِ ما يثير في نفسه الخوف من الله وعذابه وعقابه، وقد لا يَخْرُج من قسوته إلا بما يفاجئه من بلاء شديد أو مرض أو من شيء خارج عن إرادته يخرجه عن شهواته ودنياه وعاداته قهراً.
وإذا كانت القسوة ناتجة عن الذنوب؛ فلا بد من الاستغفار وصدق التوبة من الذنب الذي سبب القسوة.
فإذا تخلص الإنسان من هذه الأوصاف في قلبه ومن الأعمال التي تسببها، يصير طاهراً من الكفر مؤهلاً لأوصاف السلامة، فأول أوصاف السلامة الإيمان وانتفاء ما ينقضه، ثم ينبني على ذلك أوصاف كثيرة كالإخلاص لله والتوكل عليه والشكر له والخوف منه، وغير ذلك.
8. القلب السليم: قال تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 88 - 89]، والآية تشعر أنه لا بد حتى ينجو الإنسان أن يكون قد حصل درجة السلامة، فهي أدنى ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان والمسلم.
فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «أنه قيل يا رسول الله من خير الناس، فقال: كل
مؤمن مخموم القلب، فقيل: وما مخموم القلب، فقال: هو التقي النقي الذي لا غش فيه، ولا بغي ولا غدر ولا غل ولا حسد» (¬1).
وتزكية هذا القلب: بالثبات على سلامته والعمل وفق وجهته، وبترقيته بالتعمق في التحقق بدقائق أوصاف القلوب السليمة ومقاماته العالية وأعماله وآدابه الدقيقة.
9.القلب المخبت: قال تعالى: {وليعلم الذين أتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذي أمنوا إلى صراط مستقيم} [الحج: 54].
10.القلب المطمئن: قال تعالى: {الذي أمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28]، وقال تعالى ذاكراً قول إبراهيم في سبب طلبِه رؤيةَ إحياء الموتى: {ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] (¬2).
وأشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى شيء من هذه الأنواع للقلوب في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «القلوب أربعةٌ؛ قلبٌ أجْرَدُ (¬3) فيه مثل السراج يزهرُ، وقلبٌ أغلفُ (¬4) مربوطٌ على غلافه، وقلبٌ منكوسٌ (¬5)، وقلبٌ مُصَفَّحٌ (¬6)،
¬
(¬1) أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، كمافي المغني3: 15.
(¬2) ينظر: التزكية على منهاج النبوة
(¬3) أي لم تعلق فيه شوائب، فليس فيه فساد ولا حقد ولا غش، باق على أصل الفطرة.
(¬4) أي الذي عليه غلاف وغطاء.
(¬5) أي مقلوب، فهو كالإناء المقلوب لا يبقى فيه شيء ولا خير.
(¬6) أي ذو صفيحتين أي وجهين، فله وجه إلى الإيمان، ووجه إلى المعصية أو النفاق أو الكفر.
فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلفُ فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق، عرفَ ثم أنكرَ، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، فمَثَل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدّها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القُرحةِ يمدها القيح والدمُ، فأي المدتين غلبتْ على الأخرى غلبتْ عليه» (¬1).
المطلب الثالث: وظائف القلب في الكتاب والسنة:
وردت عشرات النصوص في الكتاب والسنة التي تتحدث عن القلب والفؤاد وصفاته وأحواله وأعماله وما ينبغي أن يكون عليه وما ينبغي أن يتطهر منه، وفيما يأتي نذكر عدداً من نصوص الكتاب والسنة التي ذكرت القلب، لنعرف قدر الأهمية الكبرى التي أولاها الله تعالى للقلب، وما رتب عليه من أعمال، وما أوجب علينا أن يتصف به القلب، وما حذرنا من أن يتصف به القلب، نذكر هذه النصوص لتكون دافعاً لنا إلى الاهتمام بتزكية القلب تطهيراً وإصلاحاً:
1.محلُّ الإيمان: قال تعالى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} [المجادلة:
¬
(¬1) أخرجه أحمد رقم 11145، ونحوه عند ابن أبي شيبة رقم 37395، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1، ص 63: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح»، وقال ابن كثير عن إسناد أحمد: إسناد جيد حسن، والحديث قد صح موقوفاً عن حذيفة - رضي الله عنه -، ومثل هذا الحديث إنما يلتقط من مشكاة النبوة، فهو في حكم المرفوع.
22]، وقال سبحانه: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 14].
2.محلُّ الهداية: قال تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن: 11].
3.محلُّ العاطفة نحو الحق والميل والحب والزينة: قال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} [الحجرات: 7].
4.محلُّ الضلال والزيع والانحراف والميل نحو الباطل: قال تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} [آل عمران: 7] أي انحراف عن الهداية، وقال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] أي زادهم انحرافاً، وقال تعالى ذاكراً دعاء المؤمنين: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} [آل عمران: 8].
5.محلُّ التعقل والفهم: قال تعالى: {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} [الحج: 46]، وقال سبحانه: {لهم قلوب لا يفقهون بها} [الأعراف: 179].
6.محلُّ التذكر: قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} [ق: 37].
7.محلُّ نظر الله تعالى: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (¬1).
8.محلُّ الخواطر: فعن أبي حذيفة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «تعرض الفتن على
¬
(¬1) أخرجه مسلم رقم 2564.
القلوب عوداً عوداً كالحصير» (¬1).
9.محلُّ الهوى والشهوات: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كل ابن آدم كتب عليه حظه من الزنا ... والنفس تَمَنَّى وتشتهي» (¬2)، وفي رواية: «والقلب يتمنى ويشتهي» (¬3)، وفي رواية: «والقلب زناه التمني» (¬4)، فالنفس في الرواية الأولى بمعنى القلب، فهو محل الشهوة والهوى والأمانيّ.
10.محلُّ العزيمة والإرادة: قال تعالى: {ادعوهم لأبائهم هو أقسط عند الله فإن لم يتعلموا أباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً} [الأحزاب: 5] أي قصدت وأرادت.
11.محلُّ لوساوس الشيطان: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءاً» (¬5).
12.محلُّ لحظ الشيطان: دليله ما روي في السيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شق
¬
(¬1) أخرجه مسلم رقم 144.
(¬2) أخرجه البخاري رقم 6238 ومسلم رقم 2657.
(¬3) أخرجه الحاكم في المستدرك رقم 3752 وصححه على شرط مسلم.
(¬4) أخرجه ابن حبان في صحيحه رقم 4421 وبين معناه إذ عنون له بقوله: «ذكر إطلاق اسم الزنى على القلب إذا تمنى وقوع ما حرم عليه».
(¬5) أخرجه البخاري 3107، ومسلم رقم 2175، عن صفية بنت حيي رضي الله عنها، وقال مسلم: «شراً» بدل «سوءاً».
صدره في طفولته ثم نزع حظ الشيطان من قلبه - صلى الله عليه وسلم - (¬1).
13.محلُّ المحاسبة على الأعمال المكلف بها، قال تعالى: {لا يؤخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم}
[البقرة: 225].
13.محلُّ الإخلاص: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه أو نفسه» (¬2)، وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة» (¬3).
14.محلُّ الإنابة إلى الله والرجوع والتوبة: قال تعالى: {من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} [ق: 33].
15.محلُّ الحب والألفة: قال تعالى: {فألف بين قلوبكم} [آل عمران: 103]، والألفة ميل في القلب إلى الآخر.
¬
(¬1) ونص الحديث في صحيح مسلم رقم 162 «عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه جبريل - صلى الله عليه وسلم - وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب، بماء زمزم، ثم لَأَمَه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره [أي مرضعته]، فقالوا: إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره».
(¬2) أخرجه البخاري في صحيحه رقم 99.
(¬3) أخرجه ابن حبان رقم 200، ونحوه عند أحمد في المسند رقم 22113.
16.محلُّ اللين والرقة: {ثم تلين جلودهم وقلوبكم إلى ذكر الله} [الزمر: 23].
17. محلُّ الحزن: فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا ـ وأشار إلى لسانه ـ أو يرحم» (¬1).
18. محلُّ الرعب والخوف: قال تعالى: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} [آل عمران: 151].
19. محلُّ النفور والكُره والاشمئزاز: قال تعالى: {اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} [الزمر: 45].
20.الرأفة والرحمة: قال تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} [الحديد: 27].
21. محلُّ القسوة والجفاء والغلظة في القلب: قال تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159]، وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «غلظ القلوب والجفاء: في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز» (¬2).
22. محلُّ الكرم والبخل: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يجتمع
¬
(¬1) أخرجه البخاري رقم 1242 ومسلم رقم 924.
(¬2) أخرجه مسلم رقم 53.
الشح والإيمان في قلب عبد أبداً» (¬1).
23. محلُّ الثبات على الدين رغم كثرة تقلب: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (¬2)، فالقلب يتقلب من حال إلى آخر بين لحظة وأخرى؛ من خاطر إلى خاطر، ومن شعور إلى شعور، ومن صفة إلى صفة، ومن رغبة إلى رغبة.
ومن خلال ما سبق نجد أن القلب هو محل التعقل، فهو الذي يميز بين الحق والباطل، وهو محل الإيمان والكفر أو النفاق، وهو محل العواطف والشعور بها، ففيه الميل والرغبة إلى الحق أو إلى الشر، إلى المصلحة الحقيقة أو إلى الشهوة، وهو محل القرار والإرادة (¬3).
• • •
¬
(¬1) حديث صحيح، أخرجه النسائي رقم 4318 وابن حبان رقم 3251، ونحوه عند أحمد رقم 9691.
(¬2) أخرجه أحمد رقم 12128 والبخاري في الأدب المفرد رقم 683 والترمذي رقم 2140 وحسنه وابن حبان رقم 943 والحاكم رقم 1926 وصححه، وانظر مجمع الزوائد للهيثمي ج10، ص 176.
(¬3) ينظر: التزكية على منهاج النبوة
المبحث الثالث
تقلب القلب وطرق الشيطان إليه
نعرض في هذا المبحث لمداخل الشيطان إلى القلب وأصناف الوساوس وتقلب والقلب في ثلاثة مطالب على النحو الآتي:
المطلب الأول: مداخل الشيطان إلى القلب:
لما كان القلب هو الكنز الثمين للمسلم، فعليه أن يحرس كنزه حتى لا يتسلل إليه عدوه ويأخذه، ومعلوم أن العدو اللدود الذي يحرص على سرقت هذا الكنز هو الشيطان.
«وإن مثال القلب مثال حصن والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن فيملكه ويستولي عليه، ولا يقدر على حفظ الحصن من العدو إلا بحراسة أبواب الحصن ومداخله ومواضع ثلمه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يدري أبوابه، فحماية القلب عن وسواس الشيطان واجبة، وهو فرض عين على كل عبد مكلف، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو أيضاً واجب، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، فصارت معرفة مداخله واجبة، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهي كثيرة.
ولكنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان، ومنها:
1.الغضب والشهوة، فإن الغضب هو غول العقل وإذا ضعف جند العقل هجم جند الشيطان، ومهما غضب الإنسان لعب الشيطان به، كما يلعب الصبي بالكرة.
2.الحسد والحرص، فمهما كان العبد حريصاً على كلِّ شيء أعماه حرصه وأصمه، فعن أبي الدرداء - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «حبك للشيء يعمي ويصم» (¬1).
¬
(¬1) أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف، كما في المغني3: 32.
ونور البصيرة هو الذي يعرف مداخل الشيطان، فإذا غطاء الحسد والحرص لم يبصر، فحينئذٍ يجد الشيطان فرصة، فيحسن عند الحريص كلّ ما يوصله إلى شهوته، وإن كان منكراً وفاحشاً.
3.الشبع من الطعام وإن كان حلالاً صافياً، فإن الشبع يقوي الشهوات، والشهوات أسلحة الشيطان.
4.حب التزين من الأثاث والثياب والدار، فإن الشيطان إذا رأى ذلك غالباً على قلب الإنسان باض فيه وفرخ، فلا يزال يدعوه إلى عمارة الدار، وتزيين سقوفها وحيطانها وتوسيع أبنيتها، ويدعوه إلى التزين بالثياب والدواب، ويستسخره فيها طول عمره، وإذا أوقعه في ذلك فقد استغنى أن يعود إليه ثانية، فإن بعض ذلك يجره إلى البعض فلا يزال يؤديه من شيء إلى شيء إلى أن يساق إليه أجله فيموت، وهو في سبيل الشيطان واتباع الهوى ويخشى من ذلك سوء العاقبة بالكفر نعوذ بالله منه.
5.الطمع في الناس؛ لأنه إذا غلب الطمع على القلب لم يزل الشيطان يحبب إليه التصنع والتزين لمن طمع فيه بأنواع الرياء والتلبيس حتى المطموع فيه كأنه معبوده، فلا يزال يتفكر في حيلة التودد والتحبب إليه، ويدخل كلّ مدخل للوصول إلى ذلك، وأقل أحواله الثناء عليه بما ليس فيه والمداهنة له بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
6.العجلة وترك التثبت في الأمور، فعن سهل بن سعد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «العجلة من الشيطان والأناة من الله تعالى» (¬1)، وقال تعالى: {خلق الإنسان من عجل}، وقال تعالى: {وكان الإنسان عجولا}، وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه}.
وهذا لأن الأعمال ينبغي أن تكون بعد التبصرة والمعرفة، والتبصرة تحتاج إلى تأمل وتمهل، والعجلة تمنع من ذلك وعند الاستعجال يروج الشيطان شرّه على الإنسان من حيث لا يدري.
7.الدراهم والدنانير وسائر أصناف الأموال من العروض والدَّواب والعقار، فإن كل ما يزيد على قدر القوت والحاجة، فهو مستقرّ الشيطان، فإن من معه قوته، فهو فارغ القلب، فلو وجد مائة دينار مثلاً على طريق انبعث من قلبه شهوات تحتاج كلّ شهوة منها إلى مائة دينار أُخرى، فلا يكفيه ما وَجَد، بل يحتاج إلى تسعمائة أُخرى، وقد كان قبل وجود المائة مستغنياً، فالآن لما وجد مائة ظنّ أنه صار بها غنياً، وقد صار محتاجاً إلى تسعمائة؛ ليشتري داراً يعمرها، وليشتري أثاث البيت ويشتري الثياب الفاخرة، وكل شيء من ذلك يستدعي شيئا آخر يليق به، وذلك لا آخر له فيقع في هاوية آخرها عمق جهنم، فلا آخر لها سواه.
¬
(¬1) أخرجه الترمذي وحسنه، كما في المغني3: 33.
8.البخل وخوف الفقر؛ فإن ذلك هو الذي يمنع الإنفاق والتصدق ويدعو إلى الإدخار والكنز والعذاب الأليم، وهو الموعود للمكاثرين، كما نطق به القرآن العزيز.
قال خيثمة بن عبد الرحمن: إن الشيطان يقول: ما غلبني ابن غلبة، فلن يغلبني على ثلاث: أن آمره أن يأخذ المال من غير حقّه، وإنفاقه في غير حقِّه ومنعه، من حقه.
وقال سفيان: ليس للشيطان سلاحٌ مثل خوف الفقر، فإذا قبل ذلك منه أخذ في الباطل، ومنع من الحق، وتكلم بالهوى، وظن بربِّه ظن السوء.
ومن آفات البخل الحرص على ملازمة الأسواق لجمع المال، والأسواق هي معشش الشياطين.
9.التوصل التعصب للمذاهب والأهواء والحقد على الخصوم والنظر إليهم بعين الازدراء والاستحقار، وذلك مما يُهلك العباد والفساق جميعاً، فإن الطعن في النَّاس والاشتغال بذكر نقصهم صفة مجبولة في الطبع من الصفات السبعية، فإذا خيّل إليه الشيطان أن ذلك هو الحق، وكان موافقاً لطبعه غلبت حلاوته على قلبه، فاشتغل به بكل همته، وهو بذلك فرحان مسرور يظنُّ أنه يسعى في الدين، وهو ساع في اتباع الشياطين.
فمن تعصب لأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة، فكلُّ مَن ادعى مذهب إمام وهو ليس يسير بسيرته، فذلك الإمام هو خصمه يوم القيامة؛ إذ يقول له: كان مذهبي العمل دون الحديث باللسان، وكان
الحديث باللسان لأجل العمل لا لأجل الهذيان، فما بالك خالفتني في العمل والسيرة التي هي مذهبي ومسلكي الذي سلكته، وذهبت فيه إلى الله تعالى، ثم ادعيت مذهبي كاذباً، وهذا مدخل عظيم من مداخل الشيطان، قد أهلك به أكثر العالم.
10.سوء الظن بالمسلمين؛ قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم}، فمن يحكم بشرٍّ على غيره بالظنِّ بعثه الشيطان على أن يطول فيه اللسان بالغيبة، فيهلك أو يقصر في القيام بحقوقه، أو يتوانى في إكرامه، وينظر إليه بعين الاحتقار، ويرى نفسه خيراً منه، وكلُّ ذلك من المهلكات، ولأجل ذلك منع الشرع من التعرَّض للتهم.
فعن صفية بنت حيى رضي الله عنها: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معتكفاً في المسجد، قالت: فأتيته فتحدَّثت عنده، فلما أَمسيت انصرفت، فقام يمشي معي، فمرَّ به رجلان من الأنصار، فسلَّما ثم انصرفا فناداهما، وقال: إنها صفة بنت حيى، فقالا: يا رسول الله ما نظنُّ بك إلا خيراً، فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من الجسد، وإني خشيت أن يدخل عليكما» (¬1).
فيجب الاحتراز عن ظن السوء، وعن تهمة الأشرار، فإن الأشرار لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر، فمهما رأيت إنساناً يسيء الظَّنَّ بالنَّاس طالباً للعيوب، فاعلم أنه خبيثٌ الباطن وأن ذلك خبثه يترشَّح منه، وإنّما رأى غيره
¬
(¬1) متفق عليه، كما في المغني3: 36.
من حيث هو، فإن المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب العيوب، والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق.
فهذه بعض مداخل الشيطان إلى القلب، ولو أردت استقصاء جميعها لم أقدر عليه، وفي هذا القدر ما ينبه على غيره، فليس في الآدمي صفة مذمومة إلا وهي سلاح الشيطان، ومدخل من مداخله.
وعلاج القلب في ذلك سدُّ هذه المداخل بتطهير القلب من هذه الصفات المذمومة، وإذا قطعت من القلب أصول هذه الصفات كان للشيطان بالقلب اجتيازات وخطرات، ولم يكن له استقرار، ويمنعه من الاجتياز ذكر الله تعالى؛ لأنّ حقيقة الذكر لا تتمكَّن من القلب إلا بعد عمارة القلب بالتَّقوى، وتطهيره من الصفات المذمومة، وإلا فيكون الذِّكر حديث نفس، لا سلطان له على القلب، فلا يدفع سلطان الشيطان، ولذلك قال الله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} خصص بذلك المتقي.
فالقلب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنه بمجرد الذكر، فأما الشهوة إذا غلبت على القلب دفعت حقيقة الذكر إلى حواشي القلب، فلم يتمكن من سويدائه، فيستقر الشيطان في سويداء القلب.
وأمّا قلوب المتقين الخالية من الهوى والصفات المذمومة، فإنه يطرقها الشيطان لا للشهوات، بل لخلوها بالغفلة عن الذكر، فإذا عاد إلى الذكر
خنس الشيطان، ودليل ذلك قوله تعالى: {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} وسائر الأخبار والآيات الواردة في الذكر.
وإذا نزل الذكر قلباً فارغاً عن غير الذكر اندفع الشيطان، كما تندفع العلة بنزول الدواء في المعدة الخالية عن الأطعمة، قال الله تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب}، وقال تعالى {كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير}.
وتأمل أن منتهى ذكرك وعبادتك الصلاة، فراقب قلبك إذا كنت في صلاتك كيف يجاذبه الشيطان إلى الأسواق وحساب العالمين، وجواب المعاندين، وكيف يمر بك في أودية الدنيا ومهالكها، حتى إنك لا تذكر ما قد نسيته من فضول الدنيا إلا في صلاتك، ولا يزدحم الشيطان على قلبك إلا إذا صليت، فالصلاة محكُّ القلوب، فبها يظهر محاسنها ومساويها، فالصلاة لا تقبل من القلوب المشحونة بشهوات الدنيا، فلا جرم لا ينطرد عنك الشيطان، بل ربما يزيد عليك الوسواس، كما أن الدواء قبل الاحتماء ربما يزيد عليك الضرر.
فإن أردت الخلاص من الشيطان فقدم الاحتماء بالتقوى، ثم أردفه بدواء الذكر يفرّ الشيطان منك، ولذلك قال وهب بن منبه: اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر أي أنت لا له» (¬1).
المطلب الثاني: أصناف الوساوس:
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 32ـ 38.
لا شكّ أنّ للشيطان طرقاً متعددةً يُوسوس بها علينا، بحيث يُلبس علينا الحقَّ بها ويُزخف لنا الأمور، فيُوقعنا في شباكه ويُبعدنا عن الحقّ، وفي هذه السُّطور عرض لشيء من صور وسوسته مع شيء من طرق ردها ودفعها حتى لا نقع فيها، فمن ذلك:
1. «أن يكون من جهة التلبيس بالحق، فإن الشيطان قد يلبس بالحقّ فيقول للإنسان: تترك التنعم باللذات، فإن العمر طويل والصَّبر عن الشهوات طول العمر ألمه عظيم، فعند هذا إذا ذكر العبد عظيم حقّ الله تعالى وعظيم ثوابه وعقابه، وقال لنفسه: الصبر عن الشهوات شديد، ولكن الصبر على النار أشدُّ منه، ولا بُدّ من أحدهما، فإذا ذكر العبد وعد الله تعالى ووعيده وجدد إيمانه ويقينه خنس الشيطان وهرب؛ إذ لا يستطيع أن يقول له: النار أيسر من الصَّبر على المعاصي، ولا يُمكنه أن يقول: المعصية لا تفضي إلى النار، فإن إيمانه بكتاب الله تعالى يدفعه عن ذلك، فينقطع وسواسه.
2. أن تكون وسواسه من جهة العجب بعمله، فيقول: أي عبد يعرف الله تعالى كما تعرفه، ويعبده كما تعبده، فما أعظم مكانك عند الله تعالى، فيتذكر العبد حينئذٍ أن معرفته وقلبه وأعضاءه التي بها عمله وعلمه كلُّ ذلك من خلق الله تعالى، فمن أين يعجب به، فيخنس الشيطان؛ إذ لا يمكنه أن يقول: ليس هذا من الله تعالى، فإن المعرفة والإيمان يدفعه، فهذا نوعٌ من الوسواس ينقطع بالكلية عن العارفين المستبصرين بنور الإيمان والمعرفة.
3.أن يكون وسواسه بتحريك الشهوة وهيجانها، وهذا ينقسم إلى ما يعلم العبد يقيناً أنه معصية، وإلى ما يظنه بغالب الظنّ، فإن علمه يقيناً خنس
الشيطان عن تهييج يؤثر في تحريك الشهوة، ولم يخنس عن التهييج وإن كان مظنوناً، فربما يبقى مؤثراً بحيث يحتاج إلى مجاهدة في دفعه، فتكون الوسوسة موجودةً، ولكنها مدفوعة غير غالبة.
4.أن تكون وسوسة بمجرد الخواطر، وتذكر الأحوال الغالبة، والتفكر في غير الصلاة مثلاً، فإذا أقبل على الذكر تصوّر أن يندفع ساعة ويعود ويندفع ويعود، فيتعاقب الذكر والوسوسة، ويتصور أن يتساوقا جميعاً حتى يكون الفهم مشتملاً على فهم معنى القراءة، وعلى تلك الخواطر كأنهما في موضعين من القلب، وبعيد جداً أن يندفع هذا الخنس بالكلية بحيث لا يخطر، ولكنه ليس محالاً، فعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» (¬1).
فلولا أنه متصور لما ذكره - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنه لا يتصور ذلك إلا في قلب استولى عليه الحبُّ حتى صار كالمستهتر، فإنا قد نرى المستوعب القلب بعدو تأذى به قد يتفكر بمقدار ركعتين وركعات في مجادلة عدوه، بحيث لا يخطر بباله غير حديث عدوه، وكذلك المستغرق في الحب قد يتفكر في محادثة محبوبه بقلبه ويغوص في فكره بحيث لا يخطر بباله غير حديث محبوبه، ولو كلمه غيره لم يسمع ولو اجتاز بين يد أحد لكان كأن لا يراه.
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 43.
وإذا تصور هذا في خوف من عدو وعند الحرص على مال وجاه، فكيف لا يتصور من خوف النار والحرص على الجنة، ولكن ذلك عزيز لضعف الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وإذا تأملت جملة هذه الأقسام وأصناف الوسواس علمت أن لكلِّ مذهب من المذاهب وجهاً في محلٍّ مخصوص.
وبالجملة فالخلاص من الشيطان في لحظة أو ساعة غير بعيد، ولكن الخلاص منه عمراً طويلاً بعيدٌ جداً، ومحال في الوجود، ولو تخلص أحد من وساوس الشيطان بالخواطر وتهييج الرغبة لتخلص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
5.أن يكون وسواسه بالتفكر بماله أثناء عبادته، فما دام يملك شيئاً وراء حاجته ولو ديناراً واحداً لا يدعه الشيطان في صلاته من الوسوسة في الفكر في ديناره، وأنه كيف يحفظه؟ وفيماذا ينفقه؟ وكيف يخفيه حتى لا يعلم به أحد؟ وكيف يظهره حتى يتباهى به إلى غير ذلك من الوساوس؟ فمن أنشب مخالبه في الدنيا وطمع في أن يتخلص من الشطيان كان كمَن انغمس في العسل وظن أن الذباب لا يقع عليه، فهو محالٌ، فالدنيا باب عظيم لوسوسة الشيطان وليس له باب واحد، بل أبواب كثيرة.
قال حكيم: الشيطان يأتي ابن آدم من قبل المعاصي، فإن امتنع أتاه من وجه النصيحة حتى يلقيه في بدعة، فإن أبى أمره بالتحرج والشدة حتى يحرم ما ليس بحرام، فإن أبى شككه في وضوئه وصلاته حتى يخرجه عن العلم، فإن أبى خفف عليه أعمال البر حتى يراه الناس صابراً عفيفاً، فتميل قلوبهم
إليه، فيعجب نفسه وبه يهلكه، وعند ذلك يشتد إلحاحه، فإنها آخر درجة، ويعلم أنه لو جاوزها أفلت منه إلى الجنة» (¬1).
المطلب الثالث: تقلب القلب:
سمي القلب قلباً لشدة تقلبه، ووردت كثيرٌ من الأحاديث في السنة المطهرة تبين سرعة تقلب القلب وانقسام القلوب في التغير والثبات، ومنها:
فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «كثيراً مما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحلف: لا ومقلب القلوب» (¬2)، أقسم به - صلى الله عليه وسلم - عليه للتنبيه أن أمر القلب بيد الله فعلينا اللجوء له سبحانه في تثبيت قلوبنا على الحقّ.
وعن أنس وجابر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك» (¬3)، وهذا تعليم لنا بكثرة الدعاء بثبات القلب؛ لشدة تقلبه وتغيره، فلا طريق لنا إلا الاعتماد على الله تعالى بذلك.
وعن ابن عمرو - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» (¬4)، فإن كان القلب متقلب فليكن تقلبه على العبادة والإقبال عليه سبحانه بأخذ الأسباب المؤدية له.
¬
(¬1) ينظر: الإحياء3: 43ـ 45.
(¬2) في صحيح البخاري8: 126.
(¬3) أخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم، وقال ابن أبي الدنيا: صحيح على شرط مسلم، كما في المغني 3: 46.
(¬4) أخرجه النسائي في الكبرى وابن ماجه والحاكم وصححه على شرط البخاري، كما في المغني 3: 46.
وعن النواس بن سمعان - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه» (¬1)، لما كان الكون بين يدي الرحمن سبحانه يقلبه كيف شاء، فمَن باب أولى أن تكون قلوبنا بين يديه سبحانه، فعلينا تعليق القلوب بالله تعالى، حتى يثبتها على الحقّ والخير.
وعن أبي عبيدة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مثل القلب مثل العصفور يتقلب في كل ساعة» (¬2)، وهذا تنبيهٌ على سرعة تقلب القلب، حتى شبّه - صلى الله عليه وسلم - تقلبه بحركة العصفور، فعلينا الحذر من هذا التقلب على غير الحق.
وعن المقداد بن الأسود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مثل القلب في تقلبه كالقدر إذا استجمعت غلياناً» (¬3)، وهذا بيانٌ منه - صلى الله عليه وسلم - لشدّة التقلب للقلب وكثرته، وأنه في تقلب مستمر، فعلينا مراعاة ذلك ومتابعته حتى لا نسقط في مزالق الشيطان.
«وهذه التقلبات وعجائب صنع الله تعالى في تقلبها من حيث لا تهدى إليه المعرفة ولا يعرفها إلا المراقبون والمراعون لأحوالهم مع الله تعالى، والقلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة:
¬
(¬1) في صحيح مسلم، كما في المغني 3: 46.
(¬2) أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم والبيهقي في الشعب، كما في المغني 3: 46.
(¬3) أخرجه أحمد والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري. 3: 46، كما في المغني 3: 46.
1.قلب عمر بالتقوى وزكا بالرياضة، وطهر عن خبائث الأخلاق تنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب، ومداخل الملكوت، فينصرف العقل إلى التفكر فيما خطر له ليعرف دقائق الخير فيه، ويطلع على أسرار فوائده، فينكشف له بنور البصيرة وجهه، فيحكم بأنه لا بُدّ من فعله، فيستحثه عليه، ويدعوه إلى العمل به، وينظر الملك إلى القلب فيجده طيباً في جوهره طاهراً بتقواه مستنيراً بضياء العقل معموراً بأنوار المعرفة، فيراه صالحاً لأن يكون له مستقراً ومهبطاً، فعند ذلك يمده بجنود لا ترى، ويهديه إلى خيرات أخرى حتى ينجر الخير إلى الخير.
وكذلك على الدوام ولا يتناهى إمداده بالترغيب بالخير وتيسير الأمر عليه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى}، وفي مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية، حتى لا يخفي فيه الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء، فلا يخفى على هذا النور خافية، ولا يروج عليه شيء من مكايد الشيطان، بل يقف الشيطان ويوحي زخرف القول غروراً، فلا يلتفت إليه، وهذا القلب بعد طهارته من المهلكات يصير على القرب معموراً بالمنجيات من الشكر والصبر والخوف والرجاء والفقر والزهد والمحبة والرضا والشوق والتوكل والتفكر والمحاسبة وغير ذلك.
وهو القلب الذي أقبل الله تعالى بوجهه عليه، وهو القلب المطمئن المراد بقوله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، وبقوله تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة}.
2.القلب المخذول المشحون بالهوى المدنس بالأخلاق المذمومة والخبائث المفتوح فيه أبواب الشياطين المسدود عنه أبواب الملائكة، ومبدأ الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويهجس فيه، فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتي منه، ويستكشف وجه الصواب فيه، فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى وأنس به، واستمر على استنباط الحيل له، وعلى مساعدة الهوى.
فتستولي النفس وتساعد عليه، فينشرح الصدر بالهوى، وتنبسط فيه ظلماته لانحباس جند العقل عن مدافعته، فيقوى سلطان الشيطان لاتساع مكانه بسبب انتشار الهوى، فيقبل عليه بالتزيين والغرور والأماني ويوحي بذلك زخرفاً من القول غروراً، فيضعف سلطان الإيمان بالوعد والوعيد ويخبو نور اليقين لخوف الآخرة؛ إذ يتصاعد عن الهوى دخان مظلم إلى القلب يملأ جوانبه حتى تنطفيء أنواره، فيصير العقل كالعين التي ملأ الدخان أجفانها، فلا يقدر على أن ينظر.
وهكذا تفعل غلبة الشهوة بالقلب حتى لا يبقى للقلب إمكان التوقف والاستبصار، ولو بصره واعظ وأسمعه ما هو الحق فيه عمى عن الفهم وصم عن السمع، وهاجت الشهوة فيه وسطا الشيطان، وتحركت الجوارح على وفق الهوى، فظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من عالم الغيب بقضاء من الله تعالى وقدره.
وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا}، وبقوله تعالى: {لقد حق القول على أكثرهم
فهم لا يؤمنون}، وبقوله تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}.
ورب قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات كالذي يتورَّع عن بعض الأشياء، ولكنه إذا رأى وجهاً حسناً لم يملك عينه وقلبه وطاش عقله وسقط مساك قلبه، أو كالذي لا يملك نفسه فيما فيه الجاه والرياسة والكبر ولا يبقى معه مسكة للتثبت عند ظهور أسبابه، أو كالذي لا يملك نفسه عند الغضب مهما استحقر وذكر عيب من عيوبه، أو كالذي لا يملك نفسه عند القدرة على أخذ درهم أو دينار، بل يتهالك عليه تهالك الواله المستهتر، فينسى فيه المروءة والتقوى، فكلُّ ذلك لتصاعد دخان الهوى إلى القلب حتى يظلم وتنطفيء منه أنواره، فينطفيء نور الحياء والمروءة والإيمان، ويسعى في تحصيل مراد الشيطان.
3.قلب تبدو فيه خواطر الهوى فتدعوه إلى الشرّ، فيلحقه خاطر الإيمان، فيدعوه إلى الخير، فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر، فتقوى الشهوة، وتحسن التمتع والتنعم، فينبعث العقل إلى خاطر الخير، ويدفع في وجه الشهوة، ويقبح فعلها وينسبها إلى الجهل.
فتميل النفس إلى نصح العقل، فيُحمل الشيطان حملةً على العقل، فيقوي داعي الهوى، ويقول: ما هذا التَّحرُّج البارد ولم تمتنع عن هواك، فتؤذي نفسك، وهل ترى أحداً من أهل عصرك يخالف هواه، أو يترك غرضه، أفتترك لهم ملاذ الدنيا يتمتعون بها وتحجر على نفسك حتى تبقى محروماً شقياً
متعوباً يضحك عليك أهل الزمان، أفتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان، وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يمتنعوا.
فلا يزال يتردد بين الجندين متجاذباً بين الحزبين إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى به، فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية غلب الشيطان، ومال القلب إلى جنسه من أحزاب الشيطان معرضاً عن حزب الله تعالى وأوليائه ومساعداً لحزب الشيطان وأعدائه، وجرى على جوارحه بسابق القدر ما هو سبب بعده عن الله تعالى.
وإن كان الأغلب على القلب الصفات الملكية لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان، وتحريضه إياه على العاجلة وتهوينه أمر الآخرة، بل مال إلى حزب الله تعالى، وظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه، فقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن أي بين تجاذب هذين الجندين، وهو الغالب أعني التقليب، والانتقال من حزب إلى حزب.
أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو مع حزب الشيطان، فنادر من الجانبين، وهذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب، فإنه من خزائن الملكوت، وهي أيضاً إذا ظهرت كانت علامات تعرف أرباب القلوب سابق القضاء، فمن خلق للجنة يسرت له أسباب الطاعات، ومن خلق للنار يُسرت له أسباب المعاصي وسلط عليه أقران السوء وألقي في قلبه حكم الشيطان» (¬1).
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 45ـ 48.
• • •
المبحث الرابع
المراتب والأحكام والموانع القلبية
نعرض في هذا المبحث لمراتب الإيمان وموانع هداية القلب وحكم أعمال القلوب في ثلاثة مطالب على النحو الآتي:
المطلب الأول: مراتب الإيمان:
إن تحقُّقَ اليقين بالله تعالى بين الناس متفاوتٌ، وكلُّ مَن كان مُسلماً عنده شيءٌ من هذا اليقين، وهو أصل الإيمان بالله تعالى، وقوَّةُ اليقين وضعفُه هي العاملُ الأكبرُ في تَغيُّر سلوك الإنسان وإصلاحه وترقيته.
وهذا الأمر جانبان: تقوية اليقين بالله تعالى من جهة، وصلاح المسلم بقدر يقينه بالله تعالى من جهةٍ أُخرى، فكلّما قوي اليقين زاد الصّلاح والخير.
وأبرز طرق اليقين بالله تعالى هي كثرةُ الذّكر لله تعالى وعبادته، قال الغزالي (¬1): «إنّ مرادَ الطَّاعات وأعمال الجوارح كلُّها تصفية القلب وتزكيته وجلاؤه: {قد أفلح من زكاها}، ومراد تزكيته حصول أنوار الإيمان فيه أَعني إشراق نور المعرفة، وهو المراد بقوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام}، أفمن شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه».
فكلّما زاد ذكره وطاعته لله تعالى زاد يقينه بالله تعالى؛ لتحقق المشاهدة لله سبحانه في كل شيء، فيزيد يقينه به سبحانه، وزيادة اليقين بالله تعالى تزيد من
¬
(¬1) في إحياء 3: 15.
صلاحه وعبادته وإقباله، فالقرب من الله تعالى يزيد اليقين، واليقين يزيد من القرب لله تعالى، فيكون الصلاح للعبد، فكلُّ منهما يُقوي الآخر.
فيكون الناس في الإيمان بالله على ثلاث مراتب:
1. «إيمان العوام، وهو إيمان التقليد المحض، فإنهم لما بلغوا سن التمييز سمعوا من آبائهم وأمهاتهم وجود الله تعالى وعلمه وإرادته وقدرته وسائر صفاته وبعثة الرسل وصدقهم وما جاءوا به، وكما سمعوا به قبلوه وثبتوا عليه واطمأنوا إليه ولم يخطر ببالهم خلاف ما قالوه لهم لحسن ظنهم بآبائهم وأمهاتهم ومعلميهم، وهذا الإيمان سبب النجاة في الآخرة، وأهله من أوائل رتب أصحاب اليمين، وليسوا من المقربين؛ لأنه ليس فيه كشف وبصيرة وانشراح صدر بنور اليقين» (¬1).
وهذا الإيمان متفاوتٌ بين العوام بقدر إقبالهم على الله تعالى، والقيام بواجباتهم، والنظر والمشاهدة لآيات الله تعالى، وبالتالي كان الواجب عليهم زيادة هذا اليقين بالله تعالى.
ب. «إيمان المتكلمين، وهو ممزوج بنوع استدلال، ودرجته قريبة من درجة إيمان العوام» (¬2).
والمتكملون هو المشتغلون بعلم العقائد وإقامة البراهين على وجود الله تعالى، وأمثال هذا البراهين ليس كافية في تقوية اليقين بالله تعالى، كما يحصل
¬
(¬1) ينظر: الإحياء3: 15.
(¬2) ينظر: الإحياء3: 15.
من كثرة العبادة والذكر له سبحانه؛ لذلك كان إيمانهم أقوى من إيمان العوام لكن لا يصل لرتبة إن العارفين.
ج. «إيمان العارفين، وهو المشاهد بنور اليقين؛ لأنهم يؤمنون عن مشاهدة، فينطوي في إيمانهم إيمان العوام والمتكلمين، ويتميزون بمزية بيِّنة يستحيل معها إمكان الخطأ، وهم يتفاوتون بمقادير العلوم وبدرجات الكشف» (¬1).
فهذا المراتبُ عن قوة الإيمان بالله تعالى وزيادته ونقصه بعد أن نؤمن بالله تعالى، فكانت زيادة الإيمان راجعة للعبادة؛ لتحقَّق المشاهدة لله تعالى بها، فكلُّ شيء يشهد بأنّ الله تعالى هوالفاعل، وهذا يتحقق بكثرة ذكره تعالى، فيزاد اليقين به سبحانه.
والخلق للدنيا لتحقيق اليقين بالله تعالى، فكانت كلُّ الأكوان دلائل على الله تعالى وآيات على وجود سبحانه، وأفعاله في الكون سواء في أنفسنا أو كل ما حولنا أو في السموات، وإدراك هذه الحقيقة يكون بذكر الله تعالى، فهو المفتاح لفهم حقيقة الحياة وحقيقة الكون وتصحيح النظر لكلِّ الأشياء، فيزداد الإيمان حينئذٍ بالله تعالى؛ لأنه يصبح كل شيء شاهد على وجوده سبحانه وقدرته وفعله.
المطلب الثاني: موانع هداية القلب:
¬
(¬1) ينظر: الإحياء3: 15.
إن من صدق بالإسلام وآمن بالآخرة زهد بالدنيا وما فيها لحقارتها مقارنة بالآخرة، لكن لما كانت الدنيا مملوكة والآخرة مفقودة، كانت التمسك بها أكبر، والسَّعي فيها أكثر.
قال الغزالي (¬1): «إن مَن شاهد الآخرة بقلبه مشاهدة يقين أَصبح بالضرورة مريداً حرث الآخرة مشتاقاً إليها سالكاً سبلها مستهيناً بنعيم الدنيا ولذّاتها، فإن مَن كانت عنده خرزة فرأى جوهرة نفيسة لم يبق له رغبة في الخرزة وقويت إرادته في بيعها بالجوهرة، ومَن ليس مريداً حرث الآخرة، ولا طالباً للقاء الله تعالى، فلا يكون متحققاً إيمانه بالله واليوم الآخرة.
ولست أعني بالإيمان حركة اللسان بكلمتي الشهادة من غير صدق وإخلاص، فإن ذلك يضاهي قول مَن صدّق بأنّ الجوهرةَ خيرٌ من الخرزة، إلا أنه لا يدري من الجوهرة إلا لفظها، وأما حقيقتها فلا، ومثل هذا المصدق إذا ألف الخرزة قد لا يتركها ولا يعظم اشتياقه إلى الجوهرة».
ومن موانع الهداية:
1. فقد المذكر من سماعة المواعظ وصحبة الشيوخ، «فإذن المانع من الوصول عدم السلوك، والمانع من السلوك عدم الإرادة، والمانع من الإرادة عدم الإيمان، وسبب عدم الإيمان عدم الهداية والمذكرين والعلماء بالله تعالى
¬
(¬1) ينظر: الإحياء3: 74.
الهادين إلى طريقه والمنبهين على حقارة الدنيا وانقراضها، وعظم أمر الآخرة ودوامها.
فالخلقُ غافلون قد انهمكوا في شهواتهم وغاصوا في رقدتهم، وليس في علماء الدين مَن ينبههم، فإن تنبَّه منهم متنبِّهٌ عجز عن سلوك الطريق لجهله، فإن طلب الطريق من العلماء وجدهم مائلين إلى الهوى عادلين عن نهج الطريق، فصار ضعف الإرادة والجهل بالطريق، ونطق العلماء بالهوى سبباً لغلق طريق الله تعالى عن السَّالكين فيه.
ومهما كان المطلوب محجوباً، والدليل مفقوداً، والهوى غالباً، والطالب غافلاً امتنع الوصول، وتعطلت الطرق لا محالة، فإن تنبَّه متنبِّهٌ من نفسِه أو من تنبيه غيره، وانبعث له إرادةٌ في حرث الآخرة وتجارتها، فينبغي أن يَعلم له شروطاً لا بُدَّ من تقديمها في بداية الإرادة.
وله معتصم لا بُدّ من التَّمسك به، وله حصن لا بُدّ من التَّحصن به؛ ليأمن من الأعداء القُطّاع لطريقه، وعليه وظائف لا بُدَّ من ملازمتها في وقت سلوك الطريق.
أمّا الشروط التي لا بُدّ من تقديمها في الإرادة، فهي رفعُ السَّدِّ والحجاب الذي بينه وبين الحقِّ، فإن حرمان الخلق عن الحقِّ سببه تراكم الحجب، ووقوع السَّدِّ على الطريق، قال تعالى: {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون}، والسَّدُّ بين المريد وبين الحقِّ أربعة: المال والجاه والتَّقليد والمعصية.
2.حجاب المال بخروجه عن ملكِه، حتى لا يَبْقَى له إلا قدر الضَّرورة، فما دام يبقى له درهم يلتفت إليه، فهو مُقيَّد به محجوب عن الله تعالى.
3.حجاب الجاه بالبعد عن موضع الجاه بالتواضع، وإيثار الخمول والهرب من أسباب الذكر، وتعاطي أعمال تنفر قلوب الخلق عنه.
4.حجاب التقليد بأن يترك التَّعصب للمذاهب، وأن يصدق بمعنى قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله تصديق إيمان، ويحرص في تحقيق صدقه بأن يرفع كلَّ معبود له سوى الله تعالى، وأعظم معبود له الهوى، حتى إذا فعل ذلك انكشف له حقيقة الأمر في معنى اعتقاده الذي تلقفه تقليداً.
فينبغي أن يطلب كشف ذلك من المجاهدة لا من المجادلة، فإن غلب عليه التعصب لمعتقده، ولم يبق في نفسه متسع لغيره، صار ذلك قيداً له وحجاباً؛ إذ ليس من شرط المريد الانتماء إلى مذهب معيّن أصلاً.
5.حجاب المعصية ولا يرفعها إلا التوبة، والخروج من المظالم وتصميم العزم على ترك العود، وتحقيق الندم على ما مضى، ورد المظالم وإرضاء الخصوم، فإن من لم يصحِّح التوبة، ولم يهجر المعاصي الظاهرة، وأراد أن يقف على أسرار الدين بالمكاشفة، كان كمَن يريد أن يقف على أسرار القرآن وتفسيره، وهو بعد لم يتعلم لغة العرب، فإن ترجمة عربية القرآن لا بد من تقديمها أولاً ثمّ الترقي منها إلى أسرار معانيه، فكذلك لا بُدّ من تصحيح الشريعة أولاً وآخراً، ثم الترقي إلى أغوارها وأسرارها.
فإذا قدَّم هذه الشروط الأربعة، وتجرد عن المال والجاه كان كمَن تطهر وتوضأ ورفع الحدث وصار صالحاً للصلاة، فيحتاج إلى إمام يَقتدي به، فكذلك المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدى به لا محالة؛ ليهديه إلى سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة، فمن لم يكن له شيخ يهديه، قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة.
فمعتصم المريد بعد تقديم الشروط المذكورة شيخه، فليتمسك به تمسك الأعمى على شاطيءالنهر بالقائد، بحيث يُفوِّض أمره إليه بالكلية، ولا يخالفه في ورده ولا صدره، ولا يبقى في متابعته شيئاً ولا يذر، وليعلم أن نفعه في خطأ شيخه لو أخطأ أكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب.
فإذا وجد مثل هذا المعتصم وجب على معتصمه أن يحميه ويعصمه بحصن حصين يدفع عنه قواطع الطريق، وهو أربعة أمور:
أ. الخلوة.
ب. الصمت.
ج. الجوع.
د. السهر.
وهذه تحصن من القواطع، فإن مقصود المريد إصلاح قلبه؛ ليشاهد به ربه ويصلح لقربه.
قال سهل التستري: ما صار الأبدال أبدالاً إلا بأربع خصال: بإخماص البطون والسهر والصمت والاعتزال عن الناس.
ففائدة الجوع في تنوير القلب أمر ظاهر يشهد له التجربة.
والقلب في حكم حوض تنصب إليه مياه كريهة كدرة قذرة من أنهار الحواس، ومقصود الرياضة تفريغ الحوض من تلك المياه ومن الطين الحاصل منها؛ ليتفجر أصل الحوض، فيخرج منه الماء النظيف الطاهر، وكيف يصح له أن ينزح الماء من الحوض والأنهار مفتوحة إليه، فيتجدد في كل حال أكثر مما ينقص، فلا بد من ضبط الحواس، إلا عن قدر الضرورة وليس يتم ذلك إلا بالخلوة في بيت مظلم، وإن لم يكن له مكان مظلم فليلف رأسه في جيبه أو يتدثر بكساء أو إزار، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحقّ ويشاهد جلال الحضرة الربوبية.
فهذه الأربعة جنة وحصن بها تدفع عنه القواطع وتمنع العوارض القاطعة للطريق، فإذا فعل ذلك اشتغل بعده بسلوك الطريق، وإنما سلوكه بقطع العقبات ولا عقبة على طريق الله تعالى، إلا صفات القلب التي سببها الالتفات إلى الدنيا، وبعض تلك العقبات أعظم من بعض، والترتيب في قطعها أن يشتغل بالأسهل فالأسهل، وهي تلك الصفات أعني أسرار العلائق التي قطعها في أول الإرادة وآثارها أعني المال والجاه وحب الدنيا والالتفات إلى الخلق والتشوف إلى المعاصي.
فلا بُدّ أن يخلِّي الباطن عن آثارها كما أُخلي الظاهر عن أسبابها الظاهرة، وفيه تطول المجاهدة، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال، فرُبَّ شخص قد كفى أكثر الصفات، فلا تطول عليه المجاهدة.
والغافلون موتى القلوب، والوعاظ هم المنبهون والمحيون لهم، ففي كثرتهم استرواح وتناصر، فينبغي أن يعظم الفرح بذلك، وهذا عزيز على الوجود جداً، فينبغي أن يكون المريد على حذر منه، فإنه أعظم حبائل الشيطان في قطع الطريق على من انفتحت له أوائل الطريق، فإن إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، ولذلك قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا}، ثم بين أن الشر قديم في الطباع، وأن ذلك مذكور في الكتب السالفة فقال تعالى: {إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى}.
فإن أغلب الصفات على الإنسان بطنه وفرجه ولسانه، أعني به الشهوات المتعلقة بها، ثم الغضب الذي هو كالجند لحماية الشهوات، ثم مهما أحب الإنسان شهوة البطن والفرج وأنس بهما أحب الدنيا، ولم يتمكن منها إلا بالمال والجاه، وإذا طلب المال والجاه حدث فيه الكبر والعجب والرئاسة، وإذا ظهر ذلك لم تسمح نفسه بترك الدنيا رأساً، وتمسك من الدين بما فيه الرئاسة وغلب عليه الغرور» (¬1).
المطلب الثالث: حكم أعمال القلوب:
¬
(¬1) ينظر: الإحياء3: 74ـ 79.
إنّ هذا أمرٌ غامض وقد وردت فيه آيات وأخبار متعارضة يلتبس طريق الجمع بينها إلا على سماسرة العلماء بالشرع:
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت بها أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم» (¬1).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى يقول للحفظة إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا همّ بحسنة لم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشراً» (¬2).
وهو دليل على العفو عن عمل القلب وهمه بالسيئة.
فأما ما يدل على المؤاخذة فقوله سبحانه: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء}، وقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}، فدل على أن عمل الفؤاد كعمل السمع والبصر فلا يعفى عنه.
وقوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه}، وقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}.
¬
(¬1) في صحيح البخاري8: 135، وصحيح مسلم1: 116.
(¬2) متفق عليه، كما في المغني3: 41.
فلا يوقف عليه ما لم تقع الإحاطة بتفصيل أعمال القلوب من مبدأ ظهورها إلى أن يظهر العمل على الجوارح.
وأعمال القلوب أربعة:
أ. الخاطر، وهذا يُسمّى حديث النفس، كما لو خطر له مثلاً صورة امرأة، وأنها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها لرآها.
ب. ميل الطبع؛ وهو هيجان الرغبة إلى النظر مثلاً، وهو حركة الشهوة في الطبع، وهذا يتولد من الخاطر الأول.
ج. الاعتقاد؛ وهو حكم القلب بأن هذا ينبغي أن يفعل: أي ينبغي أن ينظر إليها، فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمّة والنية ما لم تندفع الصوارف، فإنّه قد يمنعه حياء أو خوف من الالتفات، وعدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمل، وهو على كلِّ حال حكم من جهة العقل، وهو يتبع الخاطر والميل.
د. الهم؛ وهو تصميم العزم على الالتفات وجزم النية فيه، وهذا نُسميه هماً بالفعل ونيةً وقصداً.
وهذا الهم قد يكون له مبدأ ضعيف، ولكن إذا أصغى القلب إلى الخاطر الأول حتى طالت مجاذبته للنفس تأكد هذا الهم وصار إرادة مجزومة، فإذا انجزمت الإرادة فربّما يندم بعد الجزم فيترك العمل، وربما يغفل بعارض فلا يعمل به ولا يلتفت إليه، وربما يعوقه عائق، فيتعذر عليه العمل.
فهاهنا أربع أحوال للقلب قبل العمل بالجارحة: الخاطر، وهو حديث النفس، ثم الميل، ثم الاعتقاد، ثم الهم.
فالخاطر لا يؤاخذ به؛ لأنه لا يدخل تحت الاختيار، وكذلك الميل وهيجان الشهوة؛ لأنهما لا يدخلان أيضا تحت الاختيار، وهما المرادان بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت بها أنفسها ... » (¬1)، فحديث النفس عبارة عن الخواطر التي تهجس في النفس، ولا يتبعها عزم على الفعل.
وأما الاعتقاد، وحكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل، فهذا تردد بين أن يكون اضطراراً أو اختياراً، والأحوال تختلف فيه، فالاختياري منه يؤاخذ به، والاضطراري لا يؤاخذ به.
وأما الهمُّ بالفعل، فإنّه مؤاخذ به إلا أنه إن لم يفعل نظر فإن كان قد تركه خوفاً من الله تعالى وندماً على همه كتبت له حسنة؛ لأنّ همّه سيئة، وامتناعه ومجاهدته نفسه حسنة، والهمُّ على وفق الطبع مما يدل على تمام الغفلة عن الله تعالى، والامتناع بالمجاهدة على خلاف الطبع يحتاج إلى قوة عظيمة، فجدُّه في مخالفة الطبع هو العمل لله تعالى، والعمل لله تعالى أشدُّ من جدِّه في موافقة الشيطان بموافقة الطبع، فكتب له حسنة؛ لأنه رجح جدَّه في الامتناع.
وهمُّه به على همِّه بالفعل وإن تعوق الفعل بعائق أو تركه بعذر لا خوفاً من الله تعالى كتبت عليه سيئة، فإن همه فعل من القلب اختياري.
والدليل على هذا التفصيل ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «قالت الملائكة عليهم السلام: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة، وهو أبصر به،
¬
(¬1) في صحيح البخاري8: 135، وصحيح مسلم1: 116.
فقال: ارقبوه، فإن هو عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنةً، إنما تركها من جرائي» (¬1).
وحيث قال: فإن لم يعملها أراد به تركها لله تعالى، فأما إذا عزم على فاحشة، فتعذرت عليه بسبب أو غفلة، فكيف تكتب له حسنة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما يبعث الناس على نياتهم» (¬2)، وعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يبعثهم الله تعالى على نياتهم» (¬3).
فيحشر الناس على نياتهم، وقد همَّ بسيئةٍ ولم يعملها، فعن أبي بكر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول، قال: لأنه أراد قتل صاحبه» (¬4).
وهذا نصٌّ في أنه صار بمجرد الإرادة من أهل النار مع أنه قتل مظلوماً، فكيف يظنُّ أن الله تعالى لا يؤاخذ بالنية والهم، بل كلُّ همٍّ دخل تحت اختيار العبد، فهو مؤاخذ به إلا أن يكفره بحسنة، ونقض العزم بالندم حسنة، فلذلك كُتِبَت له حسنةٌ، فأما فوت المراد بعائق فليس بحسنة (¬5).
• • •
¬
(¬1) أخرجه في صحيح مسلم، كما في المغني3: 42.
(¬2) أخرجه سنن ابن ماجة، وإسناده حسن، كما في المغني3: 42.
(¬3) في صحيح مسلم، كما في المغني3: 42.
(¬4) متفق عليه، كما المغني3: 44.
(¬5) ينظر: إحياء علوم الدين3: 41ـ 43.
المبحث الخامس
علامات الأمراض وطرق معرفتها ومعالجتها
نعرض في هذا المبحث لعلامات أمراض القلوب وشفائها وطريق معرفة العيوب ومعالجة الأمراض بالمجاهدة في ثلاثة مطالب على النحو الآتي:
المطلب الأول: علامات أمراض القلوب وشفائها:
لما كان اليقين بالله تعالى أساس الخير والصلاح، ويَكمل اليقين بامتلاء القلب به سبحانه وخلوه من غيره، ووجود سوى الله تعالى في القلب يكون على حساب قوة اليقين به، فلو كان كاملاً لما بقي في القلب لغيره متسعٌ، ولخرج ما سواه من القلب.
وبهذا اليقين الكامل تكون المحبّة الكاملة لله تعالى، بحيث تملأ القلب والحياة، وتُشع أَنوارها في كلِّ الأطراف، وعلى كلِّ مَن حولك، وكلَّما زادت المحبّة ازداد الشِّفاء من أَمراض القلب؛ لأنّ أَمراض القلب بوجود غير الله تعالى في القلب، ونقصان المحبة لله تعالى.
فكانة علامة الشِّفاء زيادةُ المحبّة لله تعالى، وعلامة المرض نقصانُ المحبّة؛ لأنّ القلبَ محلٌّ لله تعالى لا لغيره، فإن وُجِدَ سبحانه فيه كان قائماً بوظيفتِه، وإن شاركَه غيرُه اختلت وظيفتُه ودخله المرض.
قال الغزالي: «إن كلَّ عضو من أعضاء البدن خُلِق لفعل خاص به، وإنّما مرضُه أن يتعذَّر عليه فعله الذي خلق له، حتى لا يصدر منه أصلاً أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب، فمرض اليد أن يتعذَّر عليها البطشُ، ومرضُ العين أن يتعذَّر عليها الإبصارُ، وكذلك مرض القلب أن يتعذَّرَ عليه فعله الخاصّ به الذي خُلِق لأجله، وهو العلمُ والحكمةُ والمعرفةُ وحبُّ الله تعالى وعبادتُه والتَّلذُّذُ بذكره وإيثارُه ذلك على كلِّ شهوةٍ سواه والاستعانةُ بجميع الشَّهوات والأعضاء عليه، قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.
ففي كلّ عضو فائدة، وفائدة القلب الحكمة والمعرفة وخاصة النفس التي للآدمي ما يتميز بها عن البهائم، فإنه لم يتميز عنها بالقوة على الأكل والوقاع والإبصار أو غيرها، بل بمعرفة الأشياء على ما هي عليه وأصل الأشياء وموجدها ومخترعها هو الله عز وجل الذي جعلها أشياء، فلو عرف كلَّ شيء ولم يعرف الله تعالى، فكأنه لم يعرف شيئاً.
وعلامة المعرفة المحبة، فمَن عرف الله تعالى أَحبَّه، وعلامة المحبة أن لا يؤثر عليه الدنيا، ولا غيرها من المحبوبات، كما قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ... } إلى قوله: {أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره}، فمَن عنده شيء
أحبُّ إليه من الله تعالى فقلبُه مريضٌ، كما أنّ كلَّ معدة صار الطين أحبُّ إليها من الخبز والماء أو سقطت شهوتها عن الخبز والماء، فهي مريضة، فهذه علامات المرض.
وبهذا يعرف أن القلوبَ كلَّها مريضة إلا ما شاء الله، إلا أن من الأمراض ما لا يعرفها صاحبها، ومرض القلب مما لا يعرفه صاحبه، فلذلك يغفل عنه، وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه، فإن دواءه مخالفة الشهوات، وهو نزع الروح، فإن وجد من نفسه قوة الصبر عليه لم يجد طبيباً حاذقاً يُعالجه.
فإن الأطباء هم العلماء، وقد استولى عليهم المرض، فالطبيب المريض قلَّما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الدَّاء عضالاً، والمرضُ مزمناً، واندرس هذا العلم، وأنكر بالكلية طبُّ القلوب وأُنكر مرضها، وأقبل الخلق على حبِّ الدنيا، وعلى أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات ومراءات، فهذه علامات أصول الأمراض.
وأمَّا علامات عودها إلى الصحة بعد المعالجة، فهو أن ينظر في العلة التي يعالجها، فإن كان يعالج داء البخل، فهو المهلك المبعد عن الله تعالى، وإنّما علاجه ببذل المال وإنفاقه، ولكنه قد يبذل المال إلى حدِّ يصير به مبذراً، فيكون التبذير أيضاً داء، فكان كمَن يُعالج البرودةَ بالحرارة حتى تغلب الحرارة، فهو أيضاً داء، بل المطلوب الاعتدال بين الحرارة والبرودة، وكذلك المطلوب الاعتدال بين التبذير والتقتير حتى يكون على الوسط، وفي غاية من البعد عن الطرفين.
وإن أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخلق المحذور، فإن كان أسهل عليك وألذ من الذي يُضاده، فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له، مثل: أن يكون إمساك المال وجمعه ألذُّ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه، فاعلم أن الغالب عليك خلق البُخل فزد في المواظبة على البذل، فإن صار البذل على غير المستحقّ ألذ عندك وأخفُّ عليك من الإمساك بالحقِّ، فقد غلب عليك التبذير، فارجع إلى المواظبة على الإمساك.
فلا تَزال تُراقب نفسك، وتستدلُّ على خلقك بتيسير الأفعال وتعسيرها حتى تنقطعَ علاقةُ قلبك عن الالتفات إلى المال، فلا تميل إلى بذله، ولا إلى إمساكِه، بل يصير عندك كالماء فلا تطلب فيه إلا إمساكه لحاجة محتاج أو بذله لحاجة محتاج، ولا يترجَّح عندك البذل على الإمساك، فكلُّ قلب صار كذلك، فقد أتى الله تعالى سليماً عن هذا المقام خاصّة، ويجب أن يكون سليماً عن سائر الأخلاق حتى لا يكون له علاقة بشيءٍ مما يتعلَّق بالدُّنيا حتى ترتحل النَّفس عن الدُّنيا منقطعة العلائق منها، غير ملتفتة إليها ولا متشوقة إلى أسبابها، فعند ذلك ترجع إلى ربها رجوع النفس المطمئنة راضية مرضية داخلة في زمرة عباد الله المقرَّبين من النَّبيين والصِّديقين والشُّهداء والصَّالحين وحسن أولئك رفيقاً» (¬1).
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 62ـ 63.
المطلب الثاني: طريق معرفة العيوب:
إذا أراد بعبد خيراً بصرَّه بعيوب نفسه، فمَن كانت بصيرته نافذةً لم تخف عليه عيوبه، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج، ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم، يرى أحدهم القذى في عين أَخيه، ولا يرى الجذع في عين نفسه، فمَن أراد أن يعرف عيوب نفسه، فله أربعة طرق:
1.أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطلع على خفايا الآفات، ويحكمه في نفسه، ويتبع إشارته في مجاهدته، وهذا شأن المريد مع شيخه، والتلميذ مع أستاذه، فيعرفه أُستاذه وشيخه عيوب نفسه، ويعرفه طريق علاجه، وهذا قد عزَّ في الزمان وجوده.
2.أن يطلب صديقاً صدوقاً بصيراً متديناً، فينصبه رقيباً على نفسه ليلاحظ أحواله وأفعاله، فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبهه عليه، فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر من أئمة الدين،
كان عمر - رضي الله عنه - يقول: رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي، وكان يَسأل سلمان عن عيوبه، فلما قدم عليه، قال له: ما الذي بلغك عني مما تكرهه، فاستعفى فألح عليه، فقال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة، وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل، قال: وهل بلغك غير هذا، قال: لا، فقال: أمّا هذان فقد كفيتهما.