غاية التحقيق ونهاية التدقيق ...
..... في الاقتداء بالشافعية
جارٍ تحميل الكتاب…
غاية التحقيق ونهاية التدقيق ...
..... في الاقتداء بالشافعية
الطبعة الأولى
1441 هـ ـ 2020 م
غاية التحقيق ونهاية التدقيق
في الاقتداء بالشافعية
للعلامة رحمة الله بن عبد الله السندي الحنفي
توفي سنة (993 هـ)
دراسة وتحقيق وتعليق
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، المصطفى الأمين، وعلى آله وصحابته الغرّ الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
قمت قبل سنوات عن النُّسخة الأزهرية بتحقيق هذه الرِّسالة المباركة للعلامة رحمة الله السندي، المتوفى سنة (993 هـ)، صاحب كتاب «لباب المناسب»، الذي يعتبر العمدة فيما يتعلق بالمناسك؛ لما امتاز به من التحقيق والتدقيق.
وترجمتُ لمؤلّفها الفاضل ترجمة موجزة تظهر حاله وترفع اللثام عن مقامه، وطبعتها باسم: «الروض الندي في أخبار رحمة الله السندي»، وأوردها هاهنا قبل تحقيق هذه الرسالة.
وفي هذه الأيام يسر الله تعالى نسخة دار الكتب القومية فقابلتها، وكان الاختلاف بينهما كبيرٌ جداً بما يُعادل الثُّلث زيادة من نسخة دار الكتب عن النسخة الأزهرية، وكذلك عدة مواضع من الأزهرية تزيد
عن دار الكتب، وفيهما تقديم وتأخير واختلاف في العبارات، ولذلك يمكن لمن يتسَّر له النسخ الأخرى أن يعيد المقابلة عليها.
وإن نسخ الرسالة منتشرة، ومنها:
1.نسخة الخديوية، مصر، رقم الحفظ: 7/ 386.
2.نسخة الكويت، رقم الحفظ: 976 عن الظاهريه 3624.
3. نسخة المكتبة الأزهرية، مصر، رقم الحفظ: [756 مجاميع] 34803, [2288] حليم 33169، ورقم الحفظ: [2712] 42959.
4.نسخة مكتبه الظاهريه، سوريا، رقم الحفظ: 7338.
5. نسخة المكتبه المحموديه، المدينه المنوره، رقم الحفظ: 9/ 2601.
6.نسخة أسعد أفندي/ إستانبول برقم (3613).
7.نسخ دار الكتب/ القاهرة برقم (38)، ورقم (329)، ورقم (1660)، ورقم (232).
8. نسخة رضا/ رامبور برقم (2516) 3848.
9. نسخة فاتح/ إستانبول برقم (1661)
10. نسختان في مكتبة أب دياربل القدس، برقم مجموع (36).
وقد اخُتلف في تسميةِ هذا الرسالة اختلاف كبيراً جداً، ذكرته عند الكلام عن مؤلفاته عند ذكر اسم هذه الرسالة، فليراجع، وما أَثبته من تسميته للرسالة ليست ترجيح مني لهذا الاسم على غيره؛ لأني لم أقف مرجحات لواحد منها على الآخر، وإنما اختيار لأحد الأسماء التي ذكرت بها.
وذكرت قبل الرسالة حكم تعدد الجماعات في المذاهب الأربعة من بحثي «حكم الاقتداء بالمخالف في المذهب الحنفي»، زيادة في توضيح المسألة.
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، وأن يزرقنا الصدق في القول والعمل، وأن يرشدنا سبيلَه وطريقه، وأن يعفو عنا وعن مشايخنا وآبائنا، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
صويلح، عمان، الأردن بتاريخ 9 ـ 7 ـ 2020 م
دراسة موجزة
في تعدد الجماعات
لاختلاف المذاهب الفقهية
إن عرض هذه المسألة على أنها من التعصّب والهوى، ولا يمكن أن يكون لها وجه من الدين البتة، وتصوير العصور السابقة بعلمائها وأئمتها بأنهم متبعين لأهوائهم، جامدين في قرائحهم، منغلقين على أنفسهم، ليس له في الحقّ من سبيل، بل هو محض تجنٍّ عليها؛ لذلك آثرت تحقيق رسالتين في الموضوع لأكبار العلماء، وهما علي القاري ورحمة الله السندي، ليكون القارئ الكريم بهما على بصيرة، أن المسألة لا محلّ للهوى فيها، وأحببت هاهنا أن أذكر خطوطاً عريضة في التنبيه على ذلك، ومنها:
الأولى: إن هذه مسألة علمية، والخلاف فيها خلاف علميّ فقهيّ، ولا دخلَ للهوى والمزاج فيها، فبعد أن قعِّدت القواعد، بُنيت عليها فروعها المتنوعة، التي اقتضت اعتبار الاختلاف بين المذاهب الفقهية،
فمثلاً لمس المرأة ومسّ الذكر ناقض للوضوء عند الشافعية، غير ناقض عند الحنفية، وهكذا، وعليه فمَن لمس زوجته ولم يعد الوضوء فصلاته باطلة عند سادتنا الشافعية، وغير باطلة عند السادة الحنفية. وبناءً على هذه الاختلاف في الفروع الفقهية المؤسس على القواعد المرضية من كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - حصل الاختلاف في الصلاة خلف المخالف للمذهب ممن وقع منه اختلال في شروط الصلاة وأركانها للمقتدي خلفه.
الثانية: إن هذه مسألة ورع وتقوى، والباحث فيها حريص على إرضاء الله - جل جلاله -، لا السير خلف نفسه وهواه، فهو حريص كلَّ الحرص على أن تكون عبادة صحيحة سليمة لا يعتريها أدنى شبهة وشكّ؛ لذلك اهتمّ بالصلاة خلف الموافق له في المذهب؛ لئلا يكون قد صدر من المخالف ما هو ناقض للصلاة عنده، لا عند للإمام، فيعتري صلاته الشكّ والنقصان. وهذا معنى عبارة القاري عند الكلام تعدد الجماعة: إنه الأولى من جهة الآخرة.
الثالثة: إن تعدد الجماعات لم تكن منتشرة في كل البلاد وبين جميع العباد، وإنما كانت واقعة في عدّة مساجد يأتيها المسلمون من حدب وصوب؛ ليؤدوا شعائر الله - جل جلاله -، وكلٌّ منهم ضبط مذهباً ومنهجاً في الأحكام الفقهية لا يحسن غيره، ويقع في قلبه شكّ إن لم يفعل مثله،
ويخشى من الغلط والارتباك إن تركه وفعله كغيره، كما يحصل في هذه الأيام ممّن يحجّون بيت الله الحرام، فهذه المساجد التي يحصل فيها هذا التعدد محدودة محصورة، في حين أن الملايين من مساجد المسلمون يصلى فيها جماعة واحدة على حسب المذهب المنتشر والشائع هنالك، فترك هذا الانتظام للصلاة الحاصل للملايين، والمحاسبة على أفراد من المساجد يحصل بها هذا الجمع، لهو الظلم والافتراء بعينه، فأي عقل هذا، وأي فهم هذا، الذي يترك كل هذا الخير العظيم الذي عمّ بسبب انتشار المذاهب، وخلو المساجد عن الفتن والمصائب، ويبقى يتكلّم عن آحاد هذه المساجد ليعيب على هذه المذاهب، فما بالك إن علمت أن هذا أيضاً ليس بعيب.
الرابعة: إن تعدد هذه الجماعات أنكره بعض العلماء، وأجازوه أخرون، فالمسألة خلافية لا اتفاقية، قال ابن عابدين (¬1): «وقد ألف جماعة من العلماء رسائل في كراهة ما يفعل في الحرمين الشريفين وغيرهما من تعداد الأئمة والجماعات, وصرَّحوا بأن الصلاة مع أول إمام أفضل, ومنهم صاحب المنسك المشهور العلامة الشيخ رحمه الله السندي تلميذ المحقق ابن الهُمام. فقد نقل عنه العلامة الخير الرملي في (باب الإمامة) أن بعضَ مشايخنا سنة إحدى وخمسين وخمسمائة أنكر ذلك، منهم: الشريف
¬
(¬1) في رد المحتار (1: 377).
الغزنوي، وأن بعضَ المالكية في سنة خمسين وخمسمئة أفتى بمنع ذلك على المذاهب الأربعة، ونقل عن جماعة من علماء المذاهب إنكار ذلك أيضاً. اهـ.
لكن ألَّفَ العلامةُ الشيخُ إبراهيمُ البيري شارح «الأشباه» رسالة سمّاها «الأقوال المرضية» أثبت فيها الجواز وكراهة الاقتداء بالمخالف؛ لأنه وإن راعى مواضع الخلاف لا يترك ما يلزم من تركه مكروه مذهبه: كالجهر بالبسملة والتأمين ورفع اليدين وجلسة الاستراحة والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في القعدة الأولى ورؤيته السلام الثاني سنة، وغير ذلك مما تجب فيه الإعادة عندنا أو تستحبّ.
وكذا ألف العلامة الشيخ علي القاري رسالةً سماها «الاهتداء في الاقتداء» أثبت فيها الجواز, لكن نفى فيها كراهة الاقتداء بالمخالف إذا راعى في الشروط والأركان فقط ... ».
وإن ألقيت سمعاً لما سبق عرفت أن قذف المذاهب الفقهية بهذه التهمة الردية ليس من الانصاف، وإنما محلُّه الاعتساف والانحراف، وايفاءً للموضوعة حقّه من الموضوعية، فإنني سأعرض هذه المسألة في نقاط جلية تدفع الغمة، وترفع الهمّة لالتزام طريق هذه المذاهب العلية، ولتكون تمهيداً وتيسيراً لفهم رسالة القاري والسندي لمن أراد مطالعتهما:
أولاً: إن تعدد الجماعات في المسجد الواحد لم ترد في أصل المذهب، ولم يتكلم بها الأئمة صريحاً، وإنما فهمت من مسائل وردت عن هؤلاء المجتهدين، وهي:
1.إن قنت الإمام في الفجر، فإن المؤتم لا يتبعه في القنوت عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -؛ لأنه منسوخ ولا اتباع في المنسوخ، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - يتابعه؛ لأن الأصل المتابعة والقنوت مجتهد فيه فلا يترك الأصل بالشكّ.
2.إن الذين تحروا في الليلة المظلمة وصلى كلّ إلى جهة مقتدين بأحدهم, فإن مَن علم منهم بحال إمامه فسدت لاعتقاد إمامه على الخطأ.
3.إن العبرةَ في جواز الصلاة وعدمه لرأي المقتدي في حقِّ نفسه لا لرأي إمامه، فلو عَلِمَ المقتدي من الإمام ما يُفسدُ الصلاةَ على زعم الإمام كمسِّ المرأةِ وغيره يجوز الاقتداء؛ لأنه يرى جوازها، والمعتبر في حقِّه رأيه لا غير فوجب القول بجوازها. ولو عَلِمَ منه ما يفسد الصلاة عنده لا عند الإمام لا يجوز الاقتداء به.
ثانياً: اختلف في تعدد الجماعات على أقوال:
الأول: يجوز الاقتداء بشافعيٍّ مطلقاً، قياساً على قول الرازي من صحّة الاقتداء بمن رعف، كما في «خلاصة التحقيق» (¬1). قال اللكنوي (¬2): «والحق الصّراح هو الجواز مطلقاً، كما حقَّقه مؤلّف «الإتمام بمقلّد كلّ إمام»». ونصره ابن فروخ المكي في «القول السديد»؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يقتدي بعضهم ببعض، وكذا التابعون وفيهم المجتهدون بلا نكير منهم في ذلك.
وردّه النابلسيّ (¬3)، فقال: «والحاصل أن الاحتجاج بقول الرازي لا يكاد يصح لمرجوحيته».
الثاني: لا يجوز الاقتداء بشافعيٍّ من غير أن يطعن في دينهم، قاله أبو اليسر؛ لما روى مكحول النسفي في كتاب سماه «الشعاع» عن أبي حنيفة أن مَن رفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه تفسد صلاته وجعل ذلك عملاً كثيراً، فصلاتهم فاسدة عندنا فلا يصح الاقتداء بهم.
¬
(¬1) (ص 5).
(¬2) في عمدة الرعاية (2: 392).
(¬3) في الخلاصة (ص 5).
ووجه رد هذا القول:
1. إن هذه رواية شاذة كما صرّح بها صاحب «النهاية»، وتابعه ابن الهمام (¬1)، وقال ابن نجيم (¬2): «وليست بصحيحة رواية ودراية».
2. إن المختار في العمل الكثير ما لو رآه شخص من بعيد ظنه ليس في الصلاة، وهذا غير واقع هنا.
3. إن فساد الصلاة عند رفع الرأس من الركوع برفع اليدين لا يمنع صحة الاقتداء في الابتداء لجواز صلاة الإمام إذ ذاك.
الثالث: يجوز اقتداء الحنفي بالشافعي إذا كان الإمام يحتاط في موضع الخلاف، وهذا الذي اختاره شيخي زاده (¬3)، والزيلعي (¬4).
ثالثاً: حكم فساد الصلاة الراجع إلى زعم المقتدي؛ بأن فعل الإمام ما يبطل الصلاة عند المقتدي، ولا يبلطها عند الإمام، فله الصور التالية:
1.إن تيقَّنَ مراعاة الإمام للخلاف في الفرائض من شروط وأركان في تلك الصلاة وإن لم يراع الواجبات والسنن، فلا تكره الصلاة خلفه.
¬
(¬1) في فتح القدير (1: 437).
(¬2) في البحر (2: 49).
(¬3) في مجمع الأنهر (1: 130).
(¬4) في التبيين (1: 171).
قال القاري (¬1): «الصحيح جواز اقتداء الحنفي بالشافعي وغيره إذا لم يتيقن بالمفسد».
2.إن تيقَّنَ عدم مراعاة الإمام للخلاف فلا تصحّ صلاته خلفه؛ لأن العبرة في جواز الصلاة وعدمه لرأي المقتدي في حق نفسه، لا لرأي إمامه، قال المرغيناني (¬2): «إذا علم المقتدي منه ما يزعم به فساد صلاته كالفصد وغيره لا يجزئه الاقتداء به».
3.إن شَكَّ في مراعاة الإمام للخلاف فتكره الصلاة خلفه. كما في عامة الكتب (¬3).
رابعاً: حكم فساد الصلاة الراجع إلى زعم الإمام، وهذا فيما لو علم المقتدي من الإمام ما يفسد الصلاة على مذهب الإمام كمس المرأة، والإمام لا يدري بذلك:
1. أنه تجوز صلاته، وذكر التمرتاشي أن أكثر مشايخنا جوزوه، قال الزيلعي (¬4): «وهو الأصح»؛ لأن المقتدي يرى جواز صلاة إمامه، والمعتبر في حقّه رأي نفسه فوجب القول بجوازها.
¬
(¬1) في فتح باب العناية (1: 388).
(¬2) في الهداية (1: 437).
(¬3) كما في الدر المختار، ورد المحتار (1: 563)، والعناية (1: 438)، والشرنبلالية (1: 86)، والبحر الرائق (2: 50)، ومنحة الخالق (2: 50 - 51)، وحلبي صغير (ص 140).
(¬4) في التبيين (1: 171).
2. أنه لا تجوز صلاته عند بعضهم، ومنهم الهندواني، ورجحه في «النهاية»؛ لأن الإمام يرى بطلان هذه الصلاة فتبطل صلاة المقتدي تبعاً له (¬1).
خامساً: مواضع الخلاف التي ينبغي مراعاتها هي:
1.أن يكون من الشروط والأركان فيجب مراعاتها بأن يتوضأ من الفصد والحجامة والقيء والرعاف، وألا يتوضأ في الماء الراكد القليل, وأن يغسل ثوبه من المني إن كان رطبا أو يفرك اليابس منه، ويراعي الترتيب في الفوائت، وأن يمسح ربع رأسه، ونحو ذلك.
2.أن يكون من السنن والواجبات والمكروهات فلا يجب مراعاتها، مثل أن يكون سنة عنده مكروه عندنا; كرفع اليدين في الانتقالات, وجهر البسملة وإخفائها, فهذا وأمثاله لا يمكن فيه الخروج عن عهدة الخلاف , فكلهم يتبع مذهبه ولا يمنع مشربه كما في «الاهتداء»، وفصل الخير الرملي وإبراهيم البيري أنه يكره الاقتداء بمن لا يراعي الواجبات كراهة تحريم، وبمن لا يراعي السنن كراهة تنزيه (¬2).
وخلص ابن عابدين (¬3): «أن الاقتداء بالمخالف المراعى في الفرائض
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق (1: 171)، والعناية (1: 438).
(¬2) ينظر: رد المحتار (1: 563).
(¬3) في رد المحتار (1: 564).
أفضل من الانفراد إذ لم يجد غيره، وإلا فالاقتداء بالموافق أفضل».
سادساً: إذا تعددت الجماعات في المسجد وسبقت جماعة الشافعية، اختلفوا إلى ما يلي:
1. أن الأفضل الاقتداء بالشافعي، بل يكره التأخير؛ لأن تكرار الجماعة في مسجد واحد مكروه عندنا على المعتمد, إلا إذا كانت الجماعة الأولى غير أهل ذلك المسجد, أو أديت الجماعة على وجه مكروه؛ لأنه لا يخلو الحنفي حالة صلاة الشافعي, إما أن يشتغل بالرواتب لينتظر الحنفي وذلك منهي عنه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وإما أن يجلس وهو مكروه أيضاً لإعراضه عن الجماعة من غير كراهة في جماعتهم على المختار، كما قال ابن نجيم ونحوه قال الشيخ محمد أكرم ومحمد أمين ميزباد شاه وإسماعيل الشرواني, فإنهم رجحوا أن الصلاة مع أول جماعة أفضل.
وقال الشيخ عبد الله العفيف في «فتاواه العفيفية» عن الشيخ عبد الرحمن المرشدي: وقد كان شيخنا شيخ الإسلام مفتي بلد الله الحرام الشيخ علي بن جار الله ابن ظهيرة الحنفي لا يزال يصلي مع الشافعية عند تقدم جماعتهم وكنت أقتدي به في الاقتداء بهم.
2. أن الأفضل عدم الاقتداء بالشافعي وإن كان مراعياً للخلاف، وهذا ما ذهب إليه البيري والسندي والقاري، وقال القاري في
«الاهتداء»: «ولو كان لكل مذهب إمام كما في زماننا فالأفضل الاقتداء بالموافق سواء تقدم أو تأخر, على ما استحسنه عامة المسلمين وعمل به جمهور المؤمنين من أهل الحرمين والقدس ومصر والشام, ولا عبرة بمن شذ منهم» (¬1).
وقال ابن عابدين (¬2): «والذي يميل إليه القلب عدم كراهة الاقتداء بالمخالف ما لم يكن غير مراع في الفرائض؛ لأن كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا أئمة مجتهدين وهم يصلون خلف إمام واحد مع تباين مذاهبهم, وأنه لو انتظر إمام مذهبه بعيداً عن الصفوف لم يكن إعراضاً عن الجماعة للعلم بأنه يريد جماعة أكمل من هذه الجماعة».
سابعاً: إن صلى الحنفي خلف الشافعي الوتر، ففيه الخلاف الآتي:
1.أنه يُصلِّي خلفه إن لم يكن يسلم على رأس الركعتين، وصححه الزيلعي (¬3).
2.أنه يُصلِّي خلفه وإن كان يسلم على رأس الركعتين ويصلي معه بقية الوتر، وهذا قول أبي بكر الرازي. وقيل: إذا سلم الإمام على رأس
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار (1: 564).
(¬2) في رد المحتار (1: 564)
(¬3) في التبيين (1: 171).
الركعتين قام المقتدي وأتم الوتر وحده. قال ابن الهمام (¬1): «وكان شيخنا سراج الدين يعتقد قول الرازي، وأنكر مرة أن يكون فساد الصلاة بذلك مرويا عن المتقدمين حتى ذكرته بمسألة «الجامع» في الذين تحروا في الليلة المظلمة وصلى كل إلى جهة مقتدين بأحدهم, فإن جواب المسألة أن من علم منهم بحال إمامه فسدت لاعتقاد إمامه على الخطأ».
3.أنه لا يقتدي بالشافعي في الوتر مطلقاً؛ لأنه اقتداء المفترض بالمتنفل كما في «الإرشاد». ورده الزيلعي (¬2): «بأن اعتقاد الوجوب ليس بواجب على الحنفي».
وفيما ذكر كفاية للمتبصِّرين، وتجلية لطريق الحقّ المبين، وإنارة لسبيل المؤمنين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
* * *
¬
(¬1) في فتح القدير (1: 437).
(¬2) في التبيين (1: 171).
ترجمة موجزة
لمؤلف الرسالة رحمة الله السندي
إليك هذه العجالة اللطيفة في التعريف برحمة الله السندي متسلسلة في المطالب الآتية:
المطلب الأول: اسمه ونسبه ونسبته ومذهبه:
أولاً: اسمه ونسبه:
اتفق مَن ترجم له (¬1) على أن اسمه رحمة الله بن عبد الله، وزاد الحُسيني (¬2) والزركلي (¬3) وكحالة (¬4) أن اسم جدّه هو إبراهيم.
¬
(¬1) ينظر: الكواكب السائرة (1: 430)، والنور السافر (ص 392)، ونزهة الخواطر (4: 112)، وطرب الأماثل (ص 475)، والأعلام (3: 44)، ومعجم المؤلفين (3: 712)، وهدية العارفين (1: 192)، وإيضاح المكنون (4: 400)، وغيرها.
(¬2) في نزهة الخواطر (4: 112).
(¬3) في الأعلام (3: 44).
(¬4) في معجم المؤلفين (3: 712).
ثانياً: نسبته:
اتفق المؤرخون له (¬1) بنسبته بالسندي؛ لأنه من أهل السند.
وذكر الحسيني (¬2) والسامرائي (¬3) نسبته أيضاً بالعمري؛ لأنه من ذرية
سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
وعليه فيكون اسمه ونسبه: رحمة الله بن عبد الله بن إبراهيم العمري السندي.
ثالثاً: مذهبه الفقهي:
فمحل اتفاق عند كل مَن ذكره أنه حنفيّ المذهب (¬4)؛ إذ نسب إليه، وكذلك نقل عن كتبه في المناسك كبار أئمة الحنفية كابن عابدين وغيره.
* * *
¬
(¬1) ينظر: كتب ترجمته السابق ذكرها.
(¬2) في نزهة الخواطر (4: 112).
(¬3) في علماء العرب في شبه القارة الهندية (ص 274).
(¬4) ينظر: كتب ترجمته السابق ذكرها، وغيرها.
المطلب الثاني: ولادته ورحلته وطلبه للعلم وشيوخه:
أولاً: ولادته ورحلته وطلبه للعلم:
لم أقف على تاريخ ولادته فيما بين يدي من مصادر تاريخية، ولكنه ولد بدربيله من أعمال السند، ونشأ بها على فضل عظيم.
ورحل إلى كجرات مع أبيه، ثم سافر إلى الحرمين الشريفين.
وأخذ الحديث عن الشيخ علي بن محمد بن غريق الخطيب المدني صاحب «تنزيه الشريعة»، وعن غيره من أئمة الحديث.
ثم عاد إلى الهند ومعه الشيخ عبد الله بن سعد الله السندي، فأقام بكجرات، وكانت له كالوطن لطول اللبث وامتداد الإقامة بها قبل الرحلة إلى المشعر الحرام، فدرَّسَ بها أعواماً وأخذ عنه خلق لا يحصون بحد وعد.
وهاجر إلى الحرمين فنزل في المدينة المنورة وأقام بها، وعاد إلى مكة المباركة في آخر عمره (¬1).
ثانياً: أسرته العلمية وشيوخه:
وصف بعض مَن ترجم له (¬2) والده بالقاضي عبد الله، مما يبيِّن أن
¬
(¬1) ينظر: نزهة الخواطر (4: 112)، والأعلام (3: 44)، وغيرها.
(¬2) ينظر: الكواكب السائر (1: 430)، وكشف الظنون (2: 1831)، وإيضاح المكنون (4: 400)، وغيرها.
لوالده نوع اشتغال بالعلم الشرعي لوظيفته بالقضاء، ولهذا انعكاس طيب على ابنه رحمة الله في العناية بالعلوم الشرعية واتقانها والتمرس بها لتوفر البيئة العلمية المناسبة لذلك في كنف والده.
وقد كان له أخ أيضاً من أهل العلم يسمّى حميد، ذكره العيدروسي (¬1) فقال: «وكان من أهل العلم والصلاح، حسن الأخلاق كثير التواضع، وافر العقل، ظاهر الفضل، جليل القدر، وحصل له في آخر الأمر جاه عظيم، جاور بمكة المشرفة تسع سنين، ومات بها سنة تسع بعد الألف، وقبر عند أخيه صاحب رحمة الله وعمره نحو تسعين سنة. وبالجملة فإنه كان بقية السلف الصالح رحمه الله».
ومن شيوخه:
1.نور الدين علي بن محمَّد بن عليّ بن عبد الرحمن بن عِرَاق الخطيب الكناني، مؤلف: «تنزيه الشَّريعة عن الأخبار الشَّنيعة الموضوعة»، و «نشر اللطائف في الطائف»، المولود سنة (907) هـ، والمتوفّي سنة (963) هـ (¬2)، وقد ذكره من شيوخه القَنوجي (¬3) والحُسيني (¬4).
¬
(¬1) في النور السافر (ص 392).
(¬2) ينظر ترجمته: المستطرفة (ص 113)، والأعلام (5: 165).
(¬3) في أبجد العلوم (3: 163).
(¬4) في نزهة الخواطر (4: 113).
2.كمال الدين، الشهير بابن الهمام، محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السَّكَنْدَرِيّ السِّيوَاسِيّ الأصل القَاهِريّ الحَنَفِي، له: «فتح القدير على الهداية»، و «تحرير الأصول»، و «المسايرة في العقائد»، و «زاد الفقير»، ولد سنة (790) هـ، وتوفِّي سنة (861 هـ) (¬1)، ذكره ابنُ عابدين (¬2) من شيوخ السندي، وقد وصف رحمة الله السندي في عدّة مواضع من «غاية التحقيق» في نسخة الأزهرية ابنَ الهمام بشيخنا.
لكن هذا يشكل بالنسبة لتاريخ وفاته على ما ذكره بعضهم فيما سيأتي سنة (993) هـ، وبين تاريخ وفاة ابن الهمام (861) هـ؛ إذ لا بدّ أن يكون من المعمرين بأن بلغ عمره أكثر من (132) سنة. وأما على ما ذكره آخرون من أن وفاته سنة (978) هـ؛ فلا بد أيضاً يبلغ عمره أكثر من (115) سنة، وهكذا.
أضف إلى ذلك بلوغه سنّ طلب العلم؛ لا سيما أنه وُلِدَ ونشأ في بلاد السند ثم رحل إلى الحرمين مع أبيه، في حين أن ابنَ الهُمام كان في القاهرة، فاللقاء بسبب هذا التفاوت في البلاد والسنوات متعسرٌ جداً؛ لا
¬
(¬1) ينظر ترجمته: الضوء اللامع (6: 127). والفوائد (ص 296 - 298)، والكشف (1: 358)، وغيرها.
(¬2) في رد المحتار (2: 507 - 508).
سيما إذا علمت أن الزركلي (¬1) ذكر أن السندي توفي عن نيف وستين سنة، فإن صحّ فقطعاً لم يحصل اجتماع وتلقي.
ولعلّ عبارة السندي عن ابن الهمام: شيخنا، محلها أنّ له اتصال سند في العلوم والفنون منه، فقالها على سبيل المجاز لا الحقيقة، مما أوهم بعضهم ممّن اطلعوا عليها أن شيخنا لنا على الحقيقة نسبوه إلى ابن الهمام بقوله: تلميذ المحقق ابن الهمام، ولم يدققوا النظر في اختلاف الأماكن وتفاوت السنين بينهما، والله أعلم وعلمه أحكم.
المطلب الثالث: مؤلفاته:
له ثلاثة كتب في مناسك الحج: كبير، ومتوسط، وصغير، قال ابن عابدين (¬2): «لباب المناسك للشيخ رحمة الله السندي ... اختصره من «منسكه الكبير»، واختصره أيضاً بـ «منسك أصغر» منه فافهم».
الأول: «مجمع المناسك ونفع الناسك» (¬3)، المشهور بالمنسك الكبير (¬4)، أولها: الحمدلله الذى هدانا إلى الاسلام ... الخ، فرغَ منها سنة
¬
(¬1) في الأعلام (3: 44).
(¬2) في رد المحتار (2: 507 - 508).
(¬3) ينظر: هدية العارفين (1: 192)، وإيضاح المكنون (2: 436)، ومعجم المؤلفين (3: 712)، وفي الأعلام (3: 44) باسم مجامع المناسك ونفع السالك.
(¬4) ذكره به ابن عابدين في رد المحتار (2: 492، 489، 461)، ومنحة الخالق (3: 66).
(950) هـ (¬1)، ولعله هو نفسه «جمع المناسك تسهيلاً للناسك» وإن جعله كحالة (¬2)، والزركلي (¬3)، تأليفاً مستقلاً؛ لما مرَّ عن ابن عابدين أن للسندي ثلاثة تصانيف في المناسك، ولعلهم أخذوا هذا الاسم من ظاهر عبارة حاجي خليفة (¬4): «مناسك رحمة الله السندي هو رحمة الله ابن القاضي عبد الله المتوفى بعد سنة (962) جمع المناسك تسهيلاً للناسك أولها: الحمد لله ... »، ولكن مَن يدقِّق النظر فيها يجد أنها وصفاً لمناسك رحمة الله، وليست اسماً لتصنيف له، والله أعلم وعلمه أحكم.
الثاني: «لباب المناسك وعباب المسالك» (¬5)، المعروف بالمنسك المتوسط (¬6)، أوله: الحمد لله أكمل الحمد على ما هدانا للإسلام ... الخ، فرغ منها في شوال من سنة (962) هـ (¬7)، ووصفه حاجي خليفة (¬8) بأنه مختصر جامع، ولعلّه هو نفسه «المناسك» وإن جعله كحالة (¬9)، تأليفاً
¬
(¬1) كما قال إسماعيل باشا في إيضاح المكنون (2: 436).
(¬2) في هدية العارفين (1: 192).
(¬3) في الأعلام (3: 44).
(¬4) في الكشف (2: 1831).
(¬5) ينظر: هدية العارفين (1: 192)، وإيضاح المكنون (2: 400)، والأعلام (3: 44)، ومعجم المؤلفين (3: 712)، والكشف (2: 1545)، وغيرها.
(¬6) كما قال ابن عابدين في منحة الخالق (2: 331)، ورد المحتار (6: 547).
(¬7) كما قال إسماعيل باشا في إيضاح المكنون (2: 400).
(¬8) في كشف الظنون (2: 1545).
(¬9) في معجم المؤلفين (3: 712).
مستقلاً؛ لأن حاجي خليفة (¬1) والحسيني (¬2) ذكروه باسم «المناسك»، وأن له شرحاً للقاري يسمى «المسلك المتوسط في المنسك المتوسط»، ومعلوم أن هذا هو «لباب المناسك»، ومن شروح «اللباب»:
1. «المسلك المقتسط في المنسك المتوسط»، وهو شرح ممزوج؛ لعلي القاري الهروي سنة، فرغ منه سنة (1012) هـ (¬3).
2. «خلاصة الناسك على لباب المناسك» للقاضي محمد عيد اختصره من شرحه الكبير «عباب المسالك» (¬4).
3. «شرح المناسك الوسيط» لحنيف الدين بن عبد الرحمن بن عيسى العمري الحنفي المكي، مفتي بالديار الحجازية والمدينة، توفي سنة (1067 هـ)، لكن نسب المحبي (¬5) المنسك الوسيط لملا علي القاري، ولعلّ الصواب أنه لرحمة الله السندي فليحرر.
الثالث: «بداية السالك في نهاية المسالك»، المشهور بالمنسك الصغير، وهو في كراسين، ومن شروحه:
¬
(¬1) في الكشف (2: 1832).
(¬2) في نزهة الخواطر (4: 112 - 113).
(¬3) ينظر: كشف الظنون (2: 1545)، ونزهة الخواطر (4: 113).
(¬4) ذكره ابن عابدين في منحة الخالق (2: 340).
(¬5) في خلاصة الأثر (2: 126 - 128).
1. «هداية السالك في نهاية المسالك» لعلي القاري حرره سنة (1010) هـ (¬1).
2. «شرح المنسك الصغير» لإبراهيم بن حسين بن أحمد ابن بيري، مفتي مكة، وأحد أكابر الحنفية، وعلمائهم المشهورين، ومَن تبحر في العلوم وتحرى في نقل الأحكام وحرر المسائل وانفرد في الحرمين بعلم الفتوى، توفي سنة (1099) هـ (¬2).
3. «شرح المنسك الصغير» لحنيف الدين العمري. لكن نسب المحبي (¬3) المنسك الصغير لملا علي القاري، ولعلّ الصواب أنه لرحمة الله السندي كما سبق فليحرر.
4. «نظم المنسك الصغير» يوسف بن عبد الكريم الأنصاري المدني الحنفي في «منظومة في المناسك»، توفي سنة (1077 هـ)، وشرحها الزين مصطفى الأيوبي الرحمتي شرحاً لطيفاً (¬4).
الرابع: «تلخيص تنزيه الشريعة ... عن الأحاديث الموضوعة» (¬5)
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون (2: 1831)، ونزهة الخواطر (4: 113)، وإيضاح المكنون (1: 167)، وغيرها.
(¬2) ينظر: خلاصة الأثر (1: 19 - 20).
(¬3) في خلاصة الأثر (2: 126 - 128).
(¬4) ينظر: سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر (4: 257).
(¬5) ونسبه له القنوجي في أبجد العلوم (3: 163).
لشيخه الكناني، قال الحسيني (¬1): «وهو في غاية اللطف من الاختصار».
الخامس: «غاية التحقيق ونهاية التدقيق»، ذكرها إسماعيل باشا (¬2) باسم «غاية التحقيق ونهاية التدقيق في الاقتداء بالشافعية»، والزركلي (¬3) باسم «غاية التحقيق»، ونجم الدين الغزي (¬4) وابن العماد (¬5) وكحالة (¬6) باسم «غاية التحقيق ونهاية التدقيق في مسائل ابتلي بها أهل الحرمين»، وابن عابدين (¬7) باسم «رسالة السندي»، والحافظ (¬8) باسم «غاية التحقيق ونهاية التدقيق في مسائل الاقتداء بالمخالف في المذهب»، وعلى غلاف نسخة مخطوطة الأزهر باسم «رسالة في بيان الاقتداء بالشافعية والخلاف في ذلك»، وفي «خزانة التراث» (¬9): «غاية التحقيق ونهاية التدقيق في حكم الاقتداء بالمخالف في المذهب»
¬
(¬1) في نزهة الخواطر (4: 113).
(¬2) في هدية العارفين (1: 192).
(¬3) في الأعلام (3: 44).
(¬4) في الكواكب السائرة (1: 430).
(¬5) في في شذرات الذهب (10: 565).
(¬6) في معجم المؤلفين (3: 712).
(¬7) في رد المحتار (1: 552 - 553)، ومنحة الخالق (1: 366).
(¬8) في فهرس مخطوطات الظاهرية (1: 511).
(¬9) في خزانة التراث (48: 133).
وذكر الحافظ (¬1) أنها مشتملة على ستة فصول:
1. في بيان الاقتاء بالمخالف في المذهب.
2. في تكرار الجماعة.
3. في وقت العصر.
4. في القراءة خلف الإمام.
5. في الأربع بعد الجمعة.
6. في الصلاة على الميت في المسجد.
المطلب الرابع: ثناء العلماء عليه وتقواه ووفاته:
أولاً: ثناء العلماء عليه:
قال العيدروسي (¬2): الشيخ الفاضل العالم المحدث الفقيه ... وكان من العلماء العاملين وعباد الله الصالحين رحمه الله تعالى ... وبالجملة فإنه كان بقية السلف الصالح رحمه الله.
قال الحسيني (¬3): الشيخ العالم الكبير المحدث ... .
¬
(¬1) في فهرس مخطوطات الظاهرية (1: 511).
(¬2) في النور السافر (ص 392).
(¬3) في نزهة الخواطر (4: 112).
وقال نجم الدين الغزي (¬1): كان عالماً فاضلاً ... .
ثانياً: تقواه وورعه:
كان صاحب تقوى وعزيمة، ومن ذلك أنه كان لا يقبل النذور عند إقامته في الحجاز لنوع شبهة فيها، وكان السلطان العثماني يبعث بها إلى الشيخ علي بن حسام الدين المتقي لقسمتها على المحاويج والعلماء (¬2).
ثالثاً: وفاته:
اختلف في تاريخ سنة وفاته فذكر العيدروسي (¬3) والزركلي (¬4) سنة (993) هـ، والحسيني (¬5) سنة (994) هـ، وابن العماد (¬6) وكحالة (¬7) وإسماعيل باشا (¬8) سنة (978) هـ، واكتفى اللكنوي بالقول مات بعد (990 هـ) هـ، وقال نجم الدين الغزي (¬9): كان موجوداً بالحرمين سنة
¬
(¬1) في الكواكب السائرة (1: 430).
(¬2) ينظر: نزهة الخواطر (4: 112).
(¬3) في النور السافر (ص 392).
(¬4) في الأعلام (3: 44).
(¬5) في نزهو الخواطر (4: 113).
(¬6) في شذرات الذهب (8: 386).
(¬7) في معجم المؤلفين (3: 712).
(¬8) في هدية العارفين (1: 192).
(¬9) في الكواكب السائرة (1: 430).
(977 هـ)، وذكر حاجي خليفة (¬1) أنه توفي بعد سنة (962) هـ.
وذكر العيدروسي (¬2) أن وفاته كانت في ثاني عشر المحرم، وذكر الحسيني (¬3) أنها كانت لثمان خلون من محرم.
وقال الزركلي (¬4) أنها توفي عن (60) عاماً ونيف.
وقد توفي بمكة ودفن بها، وطبق بعضُ الفضلاء في تاريخ موته بحساب الجمل فجاء رحمة الله قد نال مراده وزاد في العدد اثنين، وذلك مسامح فيه عند أهل هذا الفن خصوصاً إذا كان التاريخ مناسباً للحال، وأشار الشيخ محمد بن عبد اللطيف الجامي المكي الشهير بمخدوم زاده في القصيدة التي رثاه بها فقال:
رحمة الله لا تفارق مثوى ... رحمة الله بالحيا والغمام (¬5).
* * *
¬
(¬1) في كشف الظنون (2: 1831).
(¬2) في النور السافر (ص 392).
(¬3) في نزهة الخواطر (4: 113).
(¬4) في الأعلام (3: 44).
(¬5) ينظر: النور السافر (ص 392)، وطرب الأماثل (ص 475)، ونزهة الخواطر (4: 113).
غلاف النسخة الأزهرية (أ)
الورقة الأولى من النسخة الأزهرية (أ):
الصفحة الأخيرة من النسخة الأزهرية (أ)
الورقة الأولى من نسخة دار الكتب القومية (ب)
الورقة الأخيرة من نسخة دار الكتب القومية (ب)
النص المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي يفتح بحمده كلِّ رسالةٍ ومقالةٍ، والصَّلاة والسَّلام على سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - صاحب النُّبوة والرِّسالة، [وعلى آله وأصحابه الهاديين من الضَّلالة ما جرى القلم بالكتابة.
فهذه رسالة مسماة بـ «غاية التحقيق ونهاية التدقيق في مسائل ابتلي بها أهل الحرمين الشريفين»، وهي مشتملة على فصول في بيان الاقتداء بالصلاة للمخالف في المذهب] (¬1).
إخواني رحمكم الله وأبقاكم، ونصركم وبصّركم وأواكم سألتموني أن أجمع لكم أقوال العلماء السادة الحنفية في بيان الاقتداء بالشافعية (¬2)، وعن الصَّحيح المنقول في ذلك، فأقول وبالله التوفيق:
¬
(¬1) زيادة من ب.
(¬2) في أ: الشفعوية، وهذا خطأ من حيث اللغة، والصحيح الشافعية؛ لما عرف من وجوب حذف ياء النسب إذا نسب إلى ما هي فيه، ووضع الياء الثانية مكانها حتى تتحد الصورة قبل النسبة الثانية وبعدها والتمييز حينئذ من خارج فالياء المشددة فيه ياء النسبة لا آخر الكلمة ككرسي. ينظر: العناية (1: 437)، وفتح القدير (1: 437)، والبحر (2: 49)؛ لهذا صححتها في المواضع التي وردت فيها في الرسالة بالشافعية.
اعلم أنه قد اختلف علماؤنا - رضي الله عنهم - قديماً وحديثاً في جوازه على أربعة أقوال:
القول الأول
أنّه يجوز الاقتداء إذا كان يحتاطُ
في مواضع الخلاف، وإلا فلا
وعلى هذا أكثر المشايخ - رضي الله عنهم - منهم الإمام شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ (¬1)،
وصدر الإسلام (¬2)، .................................................
¬
(¬1) وهو محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، أبو بكر، شمس الأئمة، قال الكفوي: كان إماماً علامة حجَّة متكلماً مناظراً أصولياً مجتهداً، عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، ومن مؤلَّفاته: «شرح السير الكبير»، و «أصول السرخسي»، و «شرح مختصر الطحاوي»، توفي في حدود (500)، ينظر: تاج التراجم (ص 234)، والجواهر المضية (3: 78).
(¬2) وهو محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البَزْدَويّ، أبو اليسر، قال عمر النسفي: كان شيخ أصحابنا بما وراء النهر، وكان إمام الأئمة على الإطلاق، والموفود إليه من الآفاق، (ت 493 هـ). ينظر: الجواهر (4: 98 - 99)، وطبقات ابن الحنائي (ص 86).
والمعروف بصدر الإسلام هو طاهر بن محمود بن أحمد بن برهان الدين الكبير، صاحب «المحيط»، عبد العزيز بن عمر بن مازه البُخَارِيّ الحَنَفِي، صدر الإسلام، له: «الفوائد»، و «الفتاوى البخارية»، (ت 504 هـ). ينظر: الفوائد (ص 147)، تاج التراجم (ص 175). وإنما ذكرت البزدوي لأن المؤلف فيما بعد يقول: قال صدر الإسلام أبو اليسر.
وركن الإسلام (¬1)، والفقيه أبو الليث (¬2)، وصاحب (¬3) «الهداية»، وصاحب (¬4) «الكافي»، وقاضي خان (¬5)، .............................................
¬
(¬1) وهو علي بن الحسين بن محمد السُّغْدِيّ، أبو الحسن، شيخ الإسلام، قال الكفوي: كان إماماً فاضلاً فقيهاً مناظراانتهت إليه رئاسة الحنفية، ورحل إليه في النوازل والواقعات، من مؤلفاته: النتف في الفتاوى، وشرح الجامع الكبير، (ت 461 هـ). ينظر: الجواهر (2: 567)، طبقات ابن الحنائي (ص 73)، الفوائد (1 ص 203).
(¬2) وهو نصر بن محمد بن أحمد السَّمَرْقَنْدِيّ الحنفي، أَبو الليث الفقيه، إمام الهدى، قال الداودي: هو الإمام الكبير صاحب الأقوال المفيدة، والتصانيف المشهورة. ومن مؤلفاته: مختارات النوازل، وخزانة الفقه، وعيون المسائل، (ت 375 هـ). ينظر: تاج التراجم (ص 310)، طبقات المفسرين (2: 345)، الفوائد (ص 362).
(¬3) وهو علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغَانِيّ المَرْغِينَانِيّ، أبو الحسن، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فقيهاً حافظاً مفسِّراَ جامعاً للعلوم ضابطاً للفنون، متقناً محقِّقاً نظاراً مدققاً زاهداً ورعاً بارعاً فاضلاً ماهراً أصولياً أديباً شاعراً لم تر العيون مثله في العلم والأدب، وله اليد الباسطة في الخلاف والباع الممتد في المذهب، ومن مؤلفاته: «الهداية»، و «التجنيس»، و «مختارات النوازل»، (ت 593 هـ). الجواهر المضية (2: 627 - 629)، تاج التراجم (ص 206 - 207).
(¬4) وهو عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، أبو البركات، حافظ الدين، من مؤلفاته: «الكافي شرح الوافي»، «الوافي»، و «الكنْز»، قال اللكنوي: وكل تصانيفه نافعةٌ مُعتبرةٌ عند الفقهاءِ مطروحةٌ لأنظار العلماءِ، (ت 710 هـ).ينظر: الجواهر المضية (2: 294)، الفوائد (ص 102).
(¬5) وهو حسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز الأُوزْجَنْدِي الفَرْغَانِي الحَنَفِي، أبو القاسم، فخر الدين، المشهور بقاضي خان، من مؤلفاته: «الخانية»، و «شرح الجامع الصغير»، و «شرح الزيادات»، قال الحصيري: هو القاضي الإمام، والأستاذ فخر الملَّة ركن الإسلام، بقيَّة السلف، مفتي الشرق، (ت 592 هـ). ينظر: الجواهر (2: 94). تاج التراجم (ص 151 - 152).
والتُّمُرْتاشي (¬1)، وصاحب (¬2) «التاتارخانية»، والصَّدرُ الشُّهيدُ (¬3)، وتاجُ الشريعة (¬4)، وصاحب (¬5) «المضمرات»، وصاحب (¬6) «النّهاية»، وقوام
¬
(¬1) وهو أحمد بن إسماعيل التُّمُرْتَاشِيّ الخَوَارَزْمِيّ، أبو العبَّاس، ظهير الدين، قال الكفوي: إمام جليل القدر، عالي الإسناد، مطَّلع على حقائق الشريعة، من مؤلفاته: شرح الجامع الصغير، وكتاب التراويح. ينظر: الجواهر (1: 147 - 148)، الفوائد (ص 35).
(¬2) وهو عالم بن علاء الحنفي الأندريتي، فريد الدين، قال الحسني عنه: الشيخ الإمام العالم الكبير، أحد العلماء المبرزين في الفقه والأصول والعربية. صنَّف الفتاوى التَّاتارخانيَّة بإشارة الخان الأعظم القهرمان المعظم تاتارخان، وسمَّاه باسمه، (ت 786 هـ). ينظر: نزهة الخواطر (2: 64 - 65)، الكشف (1: 268)، معجم المؤلفين (2: 26).
(¬3) وهو عمر بن عبد العزيز بن مازه المعروف بالصدر الشهيد، أبو محمد، برهان الأئمة، حسام الدين، من مؤلفاته: «شرح الجامع الصغير»، و «الفتاوى الصغرى»، و «الفتاوى الكبرى»، (483 - 536 هـ). ينظر: الجواهر (2: 649 - 650). الفوائد (ص 242).
(¬4) وهو عمر بن أحمد بن عبيد الله المحبوبي الحنفي، تاج الشريعة، قال طاشكبرى زاده: عالم فاضل حبر كامل، من مؤلفاته: نهاية الكفاية في دراية الهداية، (ت بعد 673 هـ). ينظر: مفتاح السعادة (2: 240 - 241)، ودفع الغواية (1: 2 - 6)، وهدية العارفين (1: 787)، ومقدمة منتهى النقاية (1: 37).
(¬5) وهو يوسف بن عمر بن يوسف الصُّوفِيّ الكادوري البَزَّار الحنفي، قال الكفوي: شيخ كبير وعالم نحرير جمع علمي الحقيقة والشريعة، من مؤلفاته: جامع المُضْمَرات والمشكلات شرح مختصر القُدُوريّ قال الإمام اللكنوي: وهو شرح جامع للتفاريع الكثير، وحاوٍ على المسائل الغزيرة، (ت 832 هـ). ينظر: الكشف (2: 1632). الفوائد (ص 380). الأعلام (9: 321).
(¬6) وهو حسين بن علي بن حجاج بن علي السِّغْنَاقي أو الصِّغْنَاقِيّ، حسام الدين، قال السيوطي: كان عالماً فقيهاً نحوياً جدلياً، ومن مؤلفاته: «شرح التمهيد في قواعد التواحيد» لأبي المعين المكحولي، و «الكافي شرح أصول البزدوي»، توفِّي بعد سنة (710 هـ). ينظر: تاج التراجم (ص 160)، الكشف (2: 2032).
الدين (¬1) شارح «الهداية»، وفخر الدين (¬2) شارح «الكنز»، وشيخنا المحقِّق كمال الدين ابن الهُمام (¬3) شارح «الهداية» المسمّى بـ «فتح القدير»، وغيرهم من المشايخ رحمة الله عليهم أجمعين.
والأصلُ في هذا أن المذهبَ الصحيحَ الذي عليه المشايخ سَلَفاً وخَلَفاً أنّ العبرةَ في جَواز الصَّلاةِ وعدمِه لرأي المقتدي في حقِّ نفسِهِ لا لرأي إمامِهِ، فلو عَلِمَ المقتدي من الإمام ما يُفسدُ الصَّلاةَ على زَعم الإمام
¬
(¬1) وهو أمير كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي الإَِتْقَانيّ الفَارَابي الحَنَفي، أبي حنيفة، قوام الدين، قال الكفوي: كان رأساً في الحنفية بارعاً في الفقه واللغة، كثير الإعجاب بنفسه شديد التعصّب على مَن خالفه، من مؤلفاته: غاية البيان ونادرة الأقران شرح الهداية، وشرح البزدوي، والتبيين شرح المنتخب الحسامي) (685 - 758 هـ). ينظر: النجوم الزاهرة (10: 325 - 326)، والكشف (2: 2033)، والفوائد (ص 87 - 90).
(¬2) وهو عثمانُ بنُ عليّ بن محجن بن موسِر الزَّيْلَعيّ الصُّوفِيّ البَارِعيّ، أبو عمرو، فخر الدِّين، قال الكفوي: كان مشهوراً بمعرفة الفقه والنحو والفرائض، من مؤلفاته: «شرح الجامع الكبير»، و «بركة الكلام على أحاديث الأحكام»، و «تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق»، (ت 743 هـ). ينظر: تاج التراجم (ص 204)، الفوائد (194 - 195).
(¬3) وهو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السَّكَنْدَرِيّ السِّيوَاسِيّ الأصل القَاهِريّ الحَنَفِي، كمال الدين، من مؤلفاته: «فتح القدير على الهداية»، و «تحرير الأصول»، و «المسايرة في العقائد»، قال اللكنوي: كلها مشتملة على فوائد قلما توجد في غيرها، (790 - 861 هـ). ينظر: الضوء اللامع (6: 127). الفوائد (ص 296 - 298).
كمسِّ المرأةِ وغيره لا على زعم المقتدي يجوز له الاقتداء؛ لأنّه يرى جوازها، والمعتبرُ في حقِّه رأيه لا غير، فوجب القول بجوازها.
ولو عَلِمَ منه ما يُفسدُ الصَّلاة عنده لا عند الإمام لا يجوز له الاقتداء به؛ لما قُلنا إن العبرةَ لرأي المقتدي، وأنّه لم يرَ الاقتداء به جائزاً، فوجبَ القولُ بعدم الجواز، فإن صلى معه يُعيدُ، صرَّح به الصَّدرُ الشَّهيدُ - رضي الله عنه -.
وهذا هو الأصل الذي لا محيد عنه للحنفي، فإنّه إما أن يُسَلِّمَ هذا الأصلَ أو لا، فإن كان الثَّاني فلا خطاب معه؛ لتركه المذهب، وإن كان الأَوَّل فلا محيص عنه، أو يُسَلِّمَ في مسائل دون أُخرى، فيحتاج إلى الفرق.
فإن قيل: قد ذَكَرَ بعضُهم ما يُوجبُ أنّ المعتبرَ رأيُ الإمام عند جماعةٍ من المشايخ كما سيأتي.
أجيب: بأن المرادَ من قولهم ذلك أنّه يُعتبرُ عند تلك الجماعة رأي الإمام أَيضاً كما يُعتبرُ رأيُ المأموم لا أن المعتبر عندهم رأي الإمام فقط، بل في اعتبار رأي المأموم الاتفاق، وفي رأي الإمام الاختلاف (¬1).
¬
(¬1) وهذا ما ذكره العلامة نوح أفندي في «حواشي الدرر» أن من قال إن المعتبر في جواز الاقتداء بالمخالف رأي الإمام عند جماعة منهم الهندواني أراد به رأي الإمام والمأموم معا لا رأي الإمام فقط كما فهمه بعض الناس فإن الاختلاف في اعتبار رأي الإمام لا في اعتبار رأي المأموم فإن اعتبار رأيه في الجواز وعدمه متفق عليه ثم قال فالحنفي المقتدي إذا رأى في ثوب الشافعي الإمام منيا لا يجوز له الاقتداء به اتفاقا لأن المني نجس على رأي الحنفي وإذا رأى في ثوبه نجاسة قليلة يجوز له الاقتداء عند الجمهور ولا يجوز عند البعض لأن النجاسة القليلة مانعة على رأي الإمام والمعتبر رأيهم. ينظر: منحة الخالق (2: 52).
ومنشأ هذا السُّؤال قولهم فيما إذا شاهد من الإمام ما يُفسدُ الصَّلاة عنده أو ينقض الوضوء كالنَّجاسة القليلة، ومسّ الذَّكَر والمرأة، فالأكثرُ على أنّه يجوز، وهو الأصحُّ، ومختارُ الهِنْدُوَانيّ (¬1) وجماعةٌ على أنّه لا يجوز؛ لأن اعتقاد الإمام أنه ليس في الصلاة، ولا بناء على المعدوم.
ولا يخفى أنه لا دلالة في هذا على أن الهِندوانيُّ ومَن معه يقولوا بعدم اعتبار رأي المقتدي، فطاح السُّؤال من أصله، ويرده أيضاً مسألة «الجامع» وإن سَلَّمنا فهو أيضا خلاف في الأصحّ فلا يضر.
وأن أصل هذا الأصل مسألة «الجامع الصغير»، أن الذين تحروا في الليلة المظلمة، وصلّى كل إلى جهة مقتدين بأحدهم لا تجوز صلاة من علم بحال الإمام؛ لأن عنده إمامه يصلي إلى غير قبلة، ومن اعتقد فساد صلاة الإمام لا تجوز صلاته.
¬
(¬1) وهو محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمَّدِ البَلْخي الهِنْدُوَانيّ، أبو جعفر، قال الكفوي: شيخ كبير، وإمام جليل القدر، كان على جانب عظيم من الفقه والذكاء والزهد والورع، ويقال له: أبا حنيفة الصغير لفقهه، حدث ببلخ وأفتى بالمشكلات وأوضح المعضلات، (ت 362 هـ). ينظر: العبر (2: 328)، الجواهر (1: 192).
فهذه المسألة تعين قول الجمهور وتَرُدُّ ما عداه من مواضع الخلاف التي تمنع جواز الاقتداء، فمنها:
عدم الوضوء من الفصد والحجامة، وخروج الخارج من غير السَّبيلين كالقيء والرعاف، والقهقهة في الصلاة، والوضوء من القلتين، ورفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وعدم غسل المني أو فركه، وقطع الوتر على ركعتين وتركه، ومسح الرأس أقل من الرُّبع، وترك المضمضمة والاستنشاق في غسل الجنابة، وتكرار الفرض في الوقت، وعدم رعاية الترتيب بين الفوائت، والصَّلاة عند الطلوع، والصَّلاة مع نجاسة هي ظاهرة عندهم، كلحم ما لم يذكر اسم الله عليه، وسؤر السِّباع ونحو ذلك.
والاكتفاء بالرَّش على النَّجاسة، والصَّلاة مع محاذاةِ المرأة، وبالإيماء، وكشف الركبة فيها، وبسط اليدين في القنوت، والانحراف عن القبلة انحرافاً فاحشاً، والشَّك في الإيمان (¬1)، والقول بزيادته ونقصه، وبأن العمل من الإيمان، وبنفي المعرفة والتعصب (¬2)، وأكل لحم الضَّبّ والثَّعلب.
¬
(¬1) سيأتي الكلام عليها بعد صفحات.
(¬2) سيأتي الكلام عليها بعد صفحات.
فهذه الشرائط التي صرح بها غير واحد من أكابر المشايخ، واشترط الفقيه السمرقندي أن لا يعمل بخلاف المذهب الحنفي.
ثم بعض هذه الشرائط يوجب فساد الصلاة، وهي التي قبل بسط اليدين، وبعضها يوجب الكراهة وهي التي بعده.
أما الانحراف فليس مذهبهم.
وأما الشك على يوجب الفساد، فينكرونه.
وأما القول بالزيادة والنقصان وأن العمل من الإيمان وبعدم العرفان، فإنهم يقولون ذلك مؤولين، فانعدم الفساد، وبقيت الكراهة، لما فيها من الإبهام.
وأمَّا التَّعصب فإنه يوجب الفسق، وهو ليس بمانع من الجواز إلا أنه يوجب الكراهة.
ثم لنورد شيئاً من نصوص المشايخ على ذلك:
صاحب «الهداية» يقول: «إذا علم المقتدي منه ما يزعم به فساد صلاته كالفصد وغيره، لا يجزيه الاقتداء به».
وصاحب «الكافي» يقول: «إذا علم المقتدي من الشافعي ما يفسد صلاته كالفصد والحجامة ونحوهما لم يجز الاقتداء به».
وصاحبُ «النهاية» يقول: «اقتداءُ الحنفيِّ بالشافعيِّ غيرُ جائز؛ لوجود المفسد فيها عنده، فكأنه يقتدي بمَن هو خارج الصلاة».
وقال صاحبُ «الخانية» أيضا: «إذا قال شافعي المذهب إلهي ما عرفناك حقّ معرفتك، أو يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو يقول العمل من الإيمان يزيد وينقص (¬1)، ............................................
¬
(¬1) فصَّل ابن نجيم الكلام في مسألة الاستثناء وأجابه عنه وقال ما حاصله في البحر الرائق (2: 50): إن عباراتهم قد اختلفت في هذه المسألة:
فذهب طائفةٌ من الحنفية إلى تكفير مَن قال: أنا مؤمن إن شاء الله ولم يقيدوه بأن يكون شاكاً في إيمانه، ومنهم الأتقاني ...
وذهب طائفة إلى تكفير مَن شكّ منهم في إيمانه بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله على وجه الشكّ لا مطلقاً، وهو الحقّ؛ لأنه لا مسلم يشكّ في إيمانه.
وقول الطائفة الأولى: أنه يكفر غلط؛ لأنه لا خلافَ بين العلماء في أنه لا يقال: أنا مؤمن إن شاء الله للشكّ في ثبوته للحال، بل ثبوته في الحال مجزوم به كما نقله المحقق ابن الهُمام في المسايرة، وإنما محلّ الاختلاف في جوازه لقصد إيمان الموافاة، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منعه وعليه الأكثرون، وأجاز كثير من العلماء منهم الشافعي وأصحابه؛ لأن بقاءه إلى الوفاة عليه، وهو المسمّى بإيمان الموافاة غير معلوم، ولما كان ذلك هو المعتبر في النجاة كان هو الملحوظ عند المتكلّم في ربطه بالمشيئة، وهو أمر مستقبل، فالاستثناء فيه اتباع؛ لقوله تعالى {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الله} [الكهف:23].
وقال أئمة الحنفية: لما كان ظاهر التركيب الإخبار بقيام الإيمان به في الحال مع اقتران كلمة الاستثناء به كان تركه أبعد عن التهمة، فكان تركه واجباً، وأما مَن علم قصده فربما تعتاد النفس التردد لكثرة إشعارها بترددها في ثبوت الإيمان واستمراره، وهذه مفسدة؛ إذ قد يجر إلى وجوده آخر الحياة الاعتياد خصوصاً، والشيطان منقطع مجرد نفسه لسبيل لا شغل له سواك، فيجب ترك المؤدي إلى هذه المفسدة اهـ.
فالحاصل أنه لا فائدة في هذا الشرط، وهو قول الطائفة الثانية أن لا يكون شاكاً في إيمانه؛ إذ لا مسلم يشكّ فيه، وأما التكفير بمطلق الاستثناء فقد علمت غلطه.
أو يتوضّأ من القلتين (¬1)، أو جرح دم من عضده، أو ترك المضمضة والاستنشاق في غُسل الجنابة، أو مسح رأسه أقلّ من الربع في الوضوء فلا تجوز الصلاة خلفه».
وقال صاحبُ «التَّاتارخانية»: «لو عَلِمَ المقتدي من الإمام ما يمنعُ جواز الصلاة عنده لا يجوز الاقتداء به؛ لأنّ العبرةَ في حقِّ جوازه الصلاة وعدم الجواز لرأي المقتدي، لا لرأي الإمام»، اهـ.
وما ذكر أن العبرة لرأي المقتدي هو قول الأكثر، وهو الأصحُّ على ما صرَّح به في «الفتح» (¬2) وغيره.
وقال تاجُ الشَّريعة - رضي الله عنه -: «إذا كان الشّافعيّ يُصلِّي عند الطلوع، أو يُصلِّي الوتر أكثر من ثلاث ركعات، أو يبسط يديه في دعاء القنوت، أو يرفع يديه في تكبيرات الرُّكوع لا يجوز الاقتداء به» (¬3).
¬
(¬1) مسألة التوضّؤ من القلتين ليست على إطلاقها بل تحتاج تقييد كما قال ابن نجيم في البحرالرائق (2: 49): التوضؤ من القلتين صحيح عندنا إذا لم يقع في الماء نجاسة ولم يختلط بمستعمل مساو له أو أكثر، فلا بد أن يقيد قولهم بالقلتين المتنجس ماؤهما أو المستعمل بالشرط المذكور لا مطلقاً ..
(¬2) في فتح القدير (1: 437).
(¬3) سبق تحرير أن الرفع غير ناقض مطلقاً، وإنما هذا قول شاذ، وقد خصها جمال الدين
القونوي (ت 770 هـ) برسالة خاصة سمّاها مقدمة في رفع اليدين، بيَّن فيها عدم فساد الصلاة برفع اليدين، وشذوذ رواية مكحول كما قال اللكنوي في الفوائد (ص 339).
وقال الصَّدرُ الشَّهيدُ - رضي الله عنه -: «المقتدي إذا رأى بثوب الإمام نجاسة، وهو يرى أنه لا يجوز الصَّلاة معها، والإمام يرى الجواز، فالمقتدي يعيد الصَّلاة؛ لأنه لم ير الاقتداء به جائزاً، فإن رأى الإمامُ الصلاةَ فاسدةً والمقتدي يراها جائزة لا يعيد». انتهى.
وهذا أيضاً في قول الأكثر، وهو الأصحّ.
وأما ما اختارَه الهِنْدُوانيّ - رضي الله عنه - ومَن معه من أنه يعيد؛ لأنه اعتقاد الإمام أنه ليس في الصلاة، ولا بناء على المعدوم، فالجواب عنه ما مرَّ من أن المعتبرَ في حقِّ المقتدي رأي نفسه لا رأي الإمام على الأصحّ.
وشمسُ الأئمة الحلواني يقول: «لا يصح للحنفي الاقتداء بشفعويِّ المذهب إذا كان يعلم أنه لا يرى الوضوء من الحجامة، ولا يرى الوتر ثلاثة بتسليمة واحدة».
وقال السَّرَخْسِيُّ - رضي الله عنه -: «إذا قال شافعيّ المذهب: أنا مؤمن إن شاء الله لا يجوز للحنفي الذي يقول: أنا مؤمن حقّاً أن يقتدي به».
والفقيه السمرقندي - رضي الله عنه - يقول: «إذا رأي الحنفي رجلاً يأكل لحم الثَّعلب أو الضَّبِّ، ويعمل بخلاف المذهب الحنفيّ لا يجوز الاقتداء به».
وقال في «المبسوط»: «الصَّلاة خلف الشافعيّ جائزة إذا كان يحتاط جميع مواضع الخلاف إن كان لا يميل عن القبلة (¬1)، ويجدد الوضوء عند الفصد والحجامة، ويغسلُ ثوبه من المني، ولا يقطع وتره ونحو ذلك، ولم يكن مُتعصِّباً (¬2)، ولا شاكّاً في إيمانه».
وذكر الإمام التُّمُرْتَاشيّ عن شيخ الإسلام المعروف بخُوَاهَرْ زَادَه (¬3) - رضي الله عنه -: إذا لم تعلم منه هذه الأشياء بيقين يجوز الاقتداء به ويُكره.
وقال في «النِّهاية شرح الهداية» في (باب الإمامة): وتكره الصلاة خلفَ الشافعي إن احتاط مواضع الخلاف وإلا ففاسدة. ومثلُه في «شرح المجمع» لابن فرشته (¬4)، وهذا النقل كاف في بابه.
¬
(¬1) إن الانحراف المانع عندنا أن يجاوز المشارق إلى المغارب كما نقله في فتح القدير في استقبال القبلة، والشافعية لا ينحرفون هذا الانحراف. ينظر: البحر الرائق (2: 50).
(¬2) إن التعصب على تقدير وجوده منهم إنما يوجب الفسق لا الكفر، والفسق لا يمنع صحّة الاقتداء، والظاهر من الشارطين لعدمه أنه يوجب الكفر؛ لكونه في الدين، وهو بعيد كما لا يخفى. قاله ابن نجيم في البحر الرائق (2: 50).
(¬3) وهو محمد بن الحسين بن محمد البُخاري القُدَيْدي الحنفي، المعروف ببكر خُوَاهَرْ زَادَه، قال الذهبي: شيخ الطائفة بما وراء النهر، برع في المذهب، وفاق الأقران، وطريقته أبسط طريقة الأصحاب، وكان يحفظها. من مؤلفاته: «المختصر»، و «التجنيس»، و «المبسوط»، (ت 483 هـ). ينظر: العبر (3: 302)، الجواهر المضية (3: 141).
(¬4) وهو عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين بن فرشتا الكِرْمَانِيّ، المعروفِ بابن مَلَك، وفرشتا: الملك، قال الكفوي: كان أحد المشهورين بالحفظ الوافر من أكثر العوم، وأحد المبرزين في عويصات العلوم، من مؤلفاته: شرح المجمع، وشرح المنار، ومبارق الأزهار فِي شرح مشارق الأنوار، (ت 801 هـ). ينظر: الضوء اللامع (4: 329). الفوائد (ص 181). الشقائق (30).
وقال صاحبُ (¬1) «مجمع الفتاوى»: الاقتداء بالشافعي يجوز إذا لم يكن متعصّباً ولا شاكّاً في إيمانه ولا يميل عن القبلة ميلاً فاحشاً بأن جاوز المغارب، ولا يتوضّأ من الماء الذي وقع فيه نجاسة، وهو قدر القلتين، وقولنا: ولا شاكاً في إيمانه بأن قال: أنا مؤمن إن شاء الله، أما لو قال: أموت مؤمناً إن شاء الله فإنه يُصلَّى خلفَه.
وقال صاحبُ «المضمرات»: اقتداء الحنفي بالشَّافعيِّ جائز إذا لم [يكن] متعصّباً ولا شاكاً في إيمانه، ويحتاط مواضع الخلاف بأن لا يُصلِّي الوتر ركعة، ولا يُصلِّي بعد الافتصاد قبل الوضوء، ولا يتوضّأ بماء مستعمل ونحو ذلك.
وقال الإمام صدر الإسلام أبو اليسر: اقتداءُ الحنفيّ بالشافعيّ غير جائز من غير أن يُطعن في دينهم؛ لما رَوَى مكحولُ النَّسفيِّ (¬2) - رضي الله عنه - في كتاب له سمّاه «الشعاع» عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: إن رفعَ اليدين عند الركوع والرفع
¬
(¬1) وهو أحمد بن محمد بن أبي بكر الحنفي، من مؤلفاته: «مجمع الفتاوى» وقد اختصر وسمَّاه «خزانة الفتاوى»، و «غرائب المسائل»، (ت 522). ينظر: الكشف (2: 1603). معجم المؤلفين (1: 254).
(¬2) وهو مكحول بن الفضل النَّسَفيّ، أبو مطيع، من مؤلفاته: «اللؤلؤيات»، والد أبي معين محمد، وجد أحمد أبي البديع. ينظر: الجواهر المضية (3: 489).
منه مفسدٌ بناءً على أنه عملٌ كثيرٌ حيث أقيم باليدين، وجُعِلَ ذلك عملٌ كثيرٌ فصلاتُه فاسدة عندنا فلا يصحّ الاقتداء به لهذا.
وقال الإمامُ حسامُ الدين الشهيد شارح «الجامع الصغير» في مسألة جواز الاقتداء بمَن يقنت في الفجر، قال بعضُ مشايخنا: دلَّت المسألةُ على أنّ الاقتداءَ بشافعيِّ المذهب جائز إذا كان يحتاط في مواضع الخلاف، وأنكر آخرون ذلك؛ لما روى مكحول النَّسفيّ - رضي الله عنه - صاحب الكتاب المسمّى بـ «اللؤلؤيات» عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنّ مَن رفع يديه عند الرُّكوع وعند الرفع منه تفسد صلاته؛ لأنه عملٌ كثيرٌ فصلاتُهم فاسدةٌ عنده، فلا يصحّ هذا الاقتداء.
وقال القاضي الصَّدر الشُّهيد - رضي الله عنه -: وظنّ بعضُ العلماء أن المسألة تدلّ على أن اقتداء الحنفي بالشافعي جائز، ولكن هذا ظنّ فاسد، فإن الشافعي لم يكن يومئذٍ من جملة المجتهدين، ولا كان يقول بقنوت الفجر، فإنه اشتغل بتعلم الفقه بعدما صنَّفَ أبو يوسف - رضي الله عنه - «الجامع الصغير» (¬1)، ولم يكن مجتهداً في زمن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وأما اقتداءُ الحنفيّ بالشافعيّ فغيرُ جائز؛ لما روى مكحول النَّسفيّ. انتهى.
فعلى هذا تحمل مسألة جواز الاقتداء بمَن يقنت على غير مذهب الشَّافعيّ.
¬
(¬1) الجامع الصغير من تصانيف محمد بن الحسن بإشارة من أبي يوسف - رضي الله عنهم -.
فمَن لا يرى رفع اليدين عند الركوع، ويحتاط مواضع الخلاف كمالك - رضي الله عنه -، فإنه لا يرى رفع اليدين في الأصحّ عنه، بل كرهه؛ ولأنه كان مجتهداً في زمن أصحابنا، فظهر أنّ الحمل على هذا أولى من خلافه، ولكن هذا أيضاً مقيّدٌ بشروطِ الاختلاف كما صَرَّحَ به الإمامُ حسامُ الدِّين الشَّهيد في القانت، فتأمّل.
ثم بهذا الحمل أيدفع ما قيل: إن رواية مكحول - رضي الله عنه - عارضها رواية صحّة الاقتداء بمَن يقنت؛ لأنَها سَلِمت عن التَّعارض بما ذكرنا.
وقال المحقِّقُ شيخنا كمال الدين ابن الهُمام: «ويجوزُ الاقتداء بالشافعيّ بشروط نذكرها»، فذكرها كغيره.
وفي بعض الكتب كـ «الإرشاد»: والصلاة منفرداً أفضل من الصلاة خلف الشَّافعي، والصلاةُ مع الجمِّ الكثير أفضل من الصلاة منفرداً ما لم يكن الإمام شافعياً أو مبتدعاً.
ثمّ هؤلاء العلماء كلّ واحد منهم قطب من الأقطاب، ينبوع العلم والزهد والتقى والفتوى، بل بحر محيط بالشريعة، مشهور في أقطار البلدان بالاجتهاد، فلم يرو عن واحد منهم جواز الاقتداء به بلا شرط فكيف يصحّ مخالفة هذا الجمّ الغفير، والجمع الكثير مع أنه معهم ما يساعدهم من الرِّواية والدِّراية والاحتياط.
فإن قيل: إن الرفع ليس بمفسد على ما صحَّحه بعضهم كصاحب «الذَّخيرة»، و «الكافي»؛ لشذوذ رواية مكحول، وصرح بشذوذها صاحب «النِّهاية».
أجيب: بأنه كما قال بعضٌ بعدم الفساد فقد قال بالفساد طائفةٌ من الفقهاء منهم الإمامُ أبو اليسر وصاحبُ «المبسوط»، وقاضي خان، وشمسُ الأئمة الكردري (¬1)، والإمام حميد الذين الضرير (¬2)، وصاحب (¬3) «البدائع»، وتاج الشريعة، والقاضي الصدر الشهيد، وقوام الدين الاتقاني، وغيرهم، حتى قال قوام الدين على ذلك أدركت مشايخي بما وراء النهر وغيرهم، وعدّ منهم عشرة وأكثر، ولم أر أحداً منهم يرى رفع الأيدي، بل كلهم كانوا ينكرون ذلك أشدّ الإنكار ويفتون بفساد صلاة
¬
(¬1) وهو عبد الغفور بن لقمان بن محمد الكَرْدَرِي، أبو المفاخر، تاج الدين، شمس الأئمة، وصفه ابن أبي الوفاء بأنه إمام الحنفية، من مؤلفاته: شرح الجامع الصغير، وشرح الجامع الكبير، وشرح الزيادات، (ت 562 هـ). الجواهر (2: 443 - 444)، الفوائد (ص 167 - 168).
(¬2) وهو علي بن محمد بن علي الرَّامُشِيّ البُخَارِيّ، الضرير، نجم العلماء، حميد الدين، من مؤلفاته: الفوائد في شرح الهداية، وشرح المنظومة النسفية، وشرح النافع، وشرح الجامع الكبير، (ت 666 هـ). ينظر: الجواهر (2: 598). تاج التراجم (ص 215)، الكشف (2: 2032).
(¬3) وهو أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، علاء الدين، ملك العلماء، من مؤلفاته: «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع»، و «الكتاب الجليل»، و «السلطان المبين»، (ت 587 هـ). ينظر: طبقات ابن الحنائي (ص 101 - 102). تاج التراجم (ص 328).
مَن يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه قال: وأنا شاهد على فتاويهم. انتهى.
وقد صنَّفَ رسالةً مستقلّةً في ذلك.
واعلم أنه إذا احتاط جميع مواضع الخلاف دون الوتر بأن قطعه أو تركه، هل يصح الاقتداء به في بعض الصلاة أم لا؟
أجيب: أنه يصح الاقتداء به في أربع صلوات من كل عشرة، بناء على ما ذكر في «التجنيس».
رجلاً لم يصل صلاة الغداة شهراً، وصلى سائرها، فالجواب: أنّ كلَّ عشرة صلوات ستّ فيها فاسدة، وأربع منها يجوز؛ لأنّه حين ترك الغداة في اليوم الأول، ثم صلى بعدها الظهر والعصر والمغرب والعشاء لا يجوز المؤديات.
ثم إذا ترك الفجر يسقط الترتيب، فإذا صلى بعدها الظهر والعصر والمغرب والعشاء يجوز.
ثم إذا لم يصل الفجر في اليوم الثالث، وصلى بعدها خمس صلوات، فعليه ستّ صلوات، فعلى هذا يُخَرَّجُ، اهـ.
فقاطع الوتر إذا احتاط سائر مواضع الخلاف دونه يجوز خلفه أربع صلوات من كل عشر، ولا تصحّ الستّ؛ لأن هذا والذي ترك الفجر
سواء في وجوب الترتيب، فتأمّل.
لكن لا يخفى أن جواز ذلك موقوف على علم الصحيحة من الفاسدة، وهو متعذر فيما نحن فيه، فتدبر.
وأيضاً ما ذكر في «التَّجنيس» لا يخلو عن شيء؛ لأن المذهب في المؤدَّيات أن تفسد فسادا موقوفا، فإذا بلغت حدّ الكثرة عادت إلى الجواز فيما نحن فيه.
ومثيله «التجنيس» يجب أن يكون كذلك؛ لأن الستّ المؤدَّيات تعود إلى الجواز في آخر الأمر، فصار فسادها كلا فساد إن بلغت الكثرة، فلا يصح هذا القياس.
فظهر من هذا أن تارك الوتر فقط يصح الاقتداء به؛ لعود ما صلى خلفه إلى الجواز.
نعم يصح القول بالفساد إن مات قبل بلوغها حدّ الكثرة.
ثم اعلم أنّه إذا احتاط جميع مواضع الخلاف، ولم يعلم منه مفسد، هل يجوز الاقتداء به بلا كراهة أو بها، وهل عليه إساءة أم لا؟
ففي «الكفاية شرح الهداية»، و «شرح المجمع»، و «مفتاح السَّعادة»: أنه مع الكراهة.
وفي «فتاوى قاضي خان»: ومع هذا لو صلَّى الحنفيّ خلف الشَّافعيّ كان مسيئاً.
وفي بعض كتب أُخر: وتُكره خلفَ الشافعيّ المحترز عمّا يبطلها عندنا، وهو المختار.
وفي «الفتاوى الغياثية»: «من مشايخنا من قال: الأولى أن لا يصلي خلفَه» (¬1)، وقال في «الغياثية» أيضاً: «الأولى أن لا يُصلِّي خلفَ مَن يقنت في الفجر» (¬2).
* * *
¬
(¬1) انتهى من الفتاوى الغياثية (ص 31).
(¬2) انتهى من الفتاوى الغياثية (ص 31).
القول الثاني
أنه يجوز الاقتداء بالشافعي
إذا لم (¬1) يعلم منه المخالفة
فيما تقدم من الشروط
وهذا القول مختار ركن الإسلام علي السُّغْدي، وذكره التُّمُرتاشيّ، وصحَّحه شيخُ الإسلام خُوَاهَرْ زَادَه.
قال شيخ الإسلام: ولو شاهد احتجامه ولم يتوضأ، وغسل موضع الحجامة، الصحيح أنه لا يجوز الاقتداء به، ولو شاهد ذلك وغاب عنه، ثم رآه يصلي، الصحيح أنه يجوز الاقتداء به.
هذا وأما القول الأول فيفيد أنه لا يصح الاقتداء به إذا عرف من حاله أنه لم يحتط مواضع الخلاف، سواء علم حاله في خصوص ما يقتدى به فيه أو لا، كذا أفاده الإمامُ ابنُ الهُمام - رضي الله عنه -.
ثم على هذا القول إذا لم يعلم منه مفسداً، هل يبقى الجواز بلا كراهة أو بها، صرَّح في «الكفاية شرح الهداية»، وكذا في «مفتاح السعادة» و «شرح المجمع» أنه مع الكراهة.
¬
(¬1) غير موجودة في أ، ب، ومذكورة في خلاصة التحقيق (ص 5).
وفي «العناية»: من مشايخنا من قال: الأولى أن لا يصلي [خلف] مَن يقنت في الفجر إذا كان لا يميل عن قبلتنا، ويتوضأ من فصد وحجامة، والمختار أنه إذا لم يعلم منه شيء من هذه الأشياء أنه يجوز الاقتداء به من غير كراهة؛ لأن الأصل عدمه.
* * *
القول الثالث
أنه لا يجوز الاقتداء به مطلقاً
على ما ذكرَه في «التجنيس» لصاحب «الهداية» من أنّ الفرض لا يتأدّى بنيّة النَّفل، فهذا يقتضي أنّه لا يجوز الاقتداء بمَن كان في اعتقاده نفليّة الفرض، فإنّه وإن راعى مواضع الخلاف، لكن لا يؤدّي ذلك بنيّة الفرض، بل بنيّة النَّفل والاستحباب، فإنّه إذا لم يقطع الوتر وأدّاه ثلاثاً بتسليمةٍ واحدةٍ، فإنّه إنّما يؤدّيه بنيّة النَّفل، فلم يصحّ اقتداء الحنفيّ به.
وبناءً على ما نصَّ عليه الإمام الإسْبِيجَابيّ (¬1) - رضي الله عنه - وصاحب «البدائع» (¬2) أن الصلاة إذا دارت بين الجواز والفَساد، فالحكم بالفَساد أولى، وإن كان للجواز وجوهٌ وللفسادِ وجهٌ واحدٌ؛ لأنّ الوجوبَ كان ثابتاً بيقين، فلا يَسقطُ بالشَّكِّ؛ ولأنّ الاحتياطَ فيما قُلنا؛ لأنّ إعادةَ ما ليس عليه أولى من تركِ ما عليه.
¬
(¬1) وهو عليُّ بن محمد بن إسماعيل الإسْبِيجَابِيّ السَّمَرْقَنْدِيّ، أبو الحسن، المعروف بشيخ الإسلام، قال الكفوي: لم يكن أحد يحفظ مذهب أبي حنيفة ويعرف مثله في عصره، عمَّر العمر الطويل في نشرالعلم، من مؤلفاته: شرح مختصر الكرخي، والمبسوط، (454 - 535 هـ). ينظر: الجواهر (2: 591)، هدية العارفين (1: 697)، الفوائد (ص 209).
(¬2) البدائع (1: 118).
القول الرابع
أنه يجوز الاقتداء به مطلقاً
قياساً على قول أبي بكر الرَّازيّ، فإنّه قال: إن اقتداءَ الحنفيِّ بمَن يُسَلِّم على رأس الرَّكعتين في الوتر يجوز أي الاقتداءُ به، ويُصلِّي معه بقيَّته؛ لأنّ إمامَه لم يخرجْه بسلامه عنده؛ لأنّه مجتهدٌ فيه كما لو اقتدى بمَن رعف، فهذا يقتضي صحّة الاقتداء به وإن عَلِمَ منه ما يَزعم به فسادَ صلاته بعد كون الفعل مجتهداً فيه، قاله في «الفتح» (¬1).
ثمّ اعلم أنّ هذا القول انفردَ به الرَّازي - رضي الله عنه -، وخالفَ فيه جمهورَ العلماءِ لما مَرَّ؛ فلهذا قال صاحبُ «الإرشاد»: لا يجوز الاقتداء به في الوتر بإجماع أصحابنا؛ لأنّ اقتداءَ المفترض بالمتنفل غيرُ صحيح.
قال الزَّيْلَعِيُّ في «شرح الكنز»: «وهو الصَّحيح» (¬2). ولم يعتبر قول الرازي - رضي الله عنه -؛ لمخالفته الأكثر حتى قال صاحبُ «الدرر»: وخلافُ الواحد في مسألةٍ واحدةٍ لا يكون مُعتبراً ويكون ردّاً عليه.
قال الشيخ كمال الدين شارح «الهداية»: «وكان شيخنا سراج
¬
(¬1) فتح القدير (1: 437).
(¬2) انتهى من تبيين الحقائق (1: 171).
الدين (¬1) قارئ «الهداية» يعتقد قول الرازي - رضي الله عنه -، وأنكر مرّة بأن يكون فساد الصلاة بذلك مَروياً عن المتقدِّمين حتى ذكرته بمسألة «الجامع الصَّغير» المتفق عليها في الذين تحروا في الليلة المظلمة، وصلى كلٌّ إلى جهةٍ مُقتدين بأحدهم، فإن جواب المسألة أن مَن عَلِمَ منهم بحال إمامه فسدت صلاته؛ لاعتقاده أنّ إمامَه على الخطأ»، انتهى (¬2).
والحاصلُ أن الاحتجاجَ بقول الرَّازيّ - رضي الله عنه - لا يكاد يصحّ لمرجوحيَّته، وقد قالوا: المرجوحُ بمقابلة الرَّاجح بمنزلة المعدوم، فاعلم هذا.
ثمّ اعلم أنّ القولَ الثالثَ لا يبلغ مبلغ ما قبله في القوّة غير أنّه أحوط الأقوال، فمَن تمسَّكَ به وعمل عليه، فقد خَرَجَ عن الإشكال بالإجماع بلا نزاع، وأمّا القولان الأَوَّلان فقويّان، والأَوَّلُ أولى؛ لأنّه أحوطُ من الثَّاني.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن جوازَ الاقتداء على القول الأوّل متعذِّرٌ
¬
(¬1) وهو عمر بن عليّ بن فارس علي الكنانيّ، الشهير بقارئ «الهداية»، سراج الدين، شيخ الإسلام، وأحد الأعلام، انتهت إليه رئاسة مذهب أبي حنيفة في زمانه، وكان بارعاً متقناً في الفقِه وأصوله وفروعه، إماماً في العربيّة والنحو، وله مشاركةٌ في فنون كثيرة، (ت 829 هـ)، ينظر: طبقات ابن الحنائي ر 243.
(¬2) من فتح القدير (1: 437).
أو متعسِّرٌ؛ لعدمه أو لقلّة رعايته مواضع الخلاف؛ لفساد الزَّمان وتغيير الأحوال.
وأمّا على القول الثَّاني فأيضاً كذلك؛ لأنّه لم يشاهد بعضاً فقد شاهد بعضاً البتة، لأنّ بعضَ ما يوجب الفساد عندنا هو سُنّةٌ عندهم كقطع الوتر ورفع اليدين عند الركوع، فأنّى يتركه، فإنّ تركَ فلا كلام، وإن لم يترك فقد انعدمَ الشَّرطُ، فينعدم المشروط.
فبقي أن يُقال عن الفساد بالرَّفع قول البعض دون البعض.
وأجيب: بأنّه صار فيه اختلاف، وقد قالوا إن أقلَّ درجات الاختلاف إيراث الشُّبهة والكراهة، بل الكراهةُ ثابتةٌ وإن لم يشاهد شيئاً على الصَّحيح، فكيف لم يشاهد مع وجود قولهم: إن الصَّلاةَ إذا فسدت من وجهٍ واحدٍ يُحكمُ بفسادِها، وإن كان للجواز وجوهٌ.
فظهر أن الاحتياطَ عدمُ الاقتداءِ بالشافعيِّ مطلقاً بلا خلاف؛ إذ ما من صورةٍ إلا وفيها الاختلافُ في الصِّحّةِ أو الفسادِ أو الكراهة، والاجتنابُ عن الكراهةِ واحتمالِ الفساد أولى وأوجب، والأخذ بالأحوط أحرى وأحقّ، والله سبحانه وتعالى وليّ الحقّ، ولا ريب فيما قُلنا إلا مَن لم يهتد إلى ما ذكرنا (¬1).
¬
(¬1) تعقَّب القاري في الاهتداء رحمة الله السندي في كلامه هذا فقال: وأمّا قوله رحمة الله: إن الإنفراد أفضل من هذه الجماعة المكروهة، فما أبعده عن التحقيق، فإنه كيف يترك السنة المؤكدة، بل الواجبة، بل فرض الكفاية، بل فرض العين على الأعيان؛ لكونه من شعائر أهل الأيمان؛ لوقوع تكرار جماعة من أهل العلم والإتقان.
وأي محذور في ذلك، وأي محظور ترتب على ما هنالك حتى يكون الانفراد المحرم الذي أقوى المنكرات، ومن شعائر أهل البدع والنفاق، وأرباب البطالات أفضل من تكثير الطاعات وتعدد الجماعات لا سيما إذا اقتدى كلّ طائفة خلفَ مَن اختار من الأئمة، والله وليّ دينه، وناصر سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
والمنكرُ مكابرٌ فعلُه؛ لقلّة إنصافهِ وفرطِ جَوْره واعتسافه، يطعنُ في علماء المذهب بالتَّعصُّب لاشتراطهم الشُّروط بجواز الاقتداء، وكفى لبطلان مُكابرته وفساد زعمه طعنه في مثلِهم.
أفلا ينظر إلى ما رفع إليه قدرهم، ونشره لهم علمهم في الآفاق، وبلغهم مبلغ الاجتهاد، وأقام الدين بهم في سائر البلاد، فكيف يصحّ الطعن فيهم، وأنّى يسوغ له مخالفتهم مع أنّه لم يؤتَ معشارَ ما أوتوا من العلم والتقوى.
ولو كان للطَّعن فيهم مجال أو وجهٍ لنبَّه عليه أحدٌ من المتأخِّرين المحقِّقين، بل كلُّهم أذعنوا لأقوالهم، ولم يسعهم إلا اتباعهم [علم أنّهم براءٌ] (¬1) عمّا لا يَليق بهم، فلا جَرَمَ أن ما يُنكره هذه المسألة عنهم، مع ما فيها من الاحتياط والخروج من الخلاف، إلا المائلُ إلى الهوى، قليلُ الوَرع، عديمُ المبالاة بالشَّرع.
¬
(¬1) في أ: لعلّهم يراؤن، والمثبت من ب.
وأمَّا مَن يكون من أهل العلم والتقوى والورع تابعاً للشرع، فيحسن هذه الاحتياطات غاية التحسين، بل يرى اتباعه واجباً، بل فرض عين، ومن ذلك ما قاله بعض فضلاءُ المالكية في «رسالته» عند نقل الشُّروط التي ذكرها الأصحاُب في جواز الاقتداء بالمخالف في المذهب: هذا الكلام في غاية الحسن، مؤسَّساً على قواعد مذهب إمامهم، متحافظين فيه عمّا يدخل الفساد عليهم في عبادتهم، وهذا الواجب الذي لا يحيد عنه، ومَن لم يعتقد ذلك ويفعله فليس بتابع لإمامة، انتهى.
فهذا طريقُ علماء الحقّ والصِّدق، ثمّ إن لم يرجع عن اعتقاده الفاسد، ولم يقبل قول علماء مذهبه، فالينظر رغماً لأنفه مقالةَ علماء الشَّافعيّة وساداتهم فقد قال حجةُ الإسلام الغَزالي - رضي الله عنه - (¬1): مَن اعتقد حقيقة إمام ولم يبلغ درجة الاجتهاد لا يجوز له العمل بمذهب غيره لا سيما في العبادات؛ لأنَّ التَّقليدَ في حقِّه كالاجتهاد في حقِّ المجتهد، حيث لا يجوز له العمل، بخلاف اجتهاده، فكذلك المقلّد في المذهب.
وقال الرافعيّ - رضي الله عنه - (¬2): المذهبُ أن لا يصحّ اقتداء أحد بمَن يعتقد
¬
(¬1) وهو محمد بن محمد بن محمد الطُّوسيّ الغَزالي، أبو حامد، زين الدين، من مؤلفاته: «الإحياء»، و «كيمياء السعادة»، و «بداية الهداية»، (450 - 505هـ). ينظر: وفيات (4: 216 - 219، 1: 98). طبقات الأسنوي2: 111 - 113).
(¬2) وهو عبد الكريم بن محمد بن الفضل الرَّافِعِيّ الشافعي، أبو القاسم، قال النووي: كان من الصالحين المتمكنين، وكانت له كرامات كثيرة ظاهرة، من مؤلفاته: الشرح الكبير للوجيز، وشرح مسند الشافعي. (ت623هـ). ينظر: طبقات الأسنوي (1: 281 - 282). تهذيب الأسماء (2: 264). مرآة الجنان (4: 56).
بطلان صلاته.
وقال الشيخ عز الدين (¬1) ابن عبد السَّلام - رضي الله عنه -: إذا تشوَّشَ قلبُ المقتدي فانتفى خشوعه بواسطة اقتدائه بمَن لا يوافقه في المذهب، فالانفرادُ له أولى من ذلك الاجتماع.
والقاضي حسين - رضي الله عنه - (¬2)، يقول: لا يصحّ اقتداء أحد بمن يعتقد وجوب قضاء صلاته، وإن لم يعتقد بطلانه، كما لو اقتدى بمقيم متيمم؛ لفقد الماء.
وقال أبو إسحاق (¬3) الشَّافعيّ الاسفراينيّ - رضي الله عنه -: [الصَّلاة منفرداً
¬
(¬1) وهو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي المغربي الدمشقي المصري، عز الدين، الملقب بسلطان العلماء، قال النووي: الإمام المجمع على إمامته وجلالته، وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته، من مؤلفاته: «التفسير الكبير»، و «مسائل الطريقة»، و «الفرق بين الإيمان والإسلام» (578 - 660هـ). ينظر: تهذيب اللغات (ص22)، طبقات الأسنوي (2: 84 - 85).
(¬2) وهو الحسين بن محمد بن أحمد المَرْورُّوزي، المشهور بالقاضي حسين، قال الرافعي: كان
كبيراً، غواصاً في الدقائق من الأصحاب الغرّ الميامين، وكان يلقّب بحبر الأمة. من مؤلفاته: «شرح فروع ابن الحداد»، و «التعليق الكبير»، (ت462هـ). ينظر: طبقات الإسنوي (1: 196 - 167).
(¬3) وهو إبراهيم بن محمد الإسفرايني، أبو إسحاق، ركن الدين، الأستاذ، قال الإسنوي: سبح في بحار العلوم معانداً أمواجها، وسرى في ليالي الفهوم مكابداً إدلاجها، صاحب العلوم الشرعية والعقلية واللغوية والاجتهاد في العبادة والورع. من مؤلفاته: «شرح فروع ابن الحداد»، (ت418هـ). ينظر: طبقات الإسنوي (1: 40).
أفضل من الصَّلاة خلف الحنفي] (¬1).
وقال النَّوويُّ - رضي الله عنه - (¬2): وهذا تفريع على صحة الصلاة خلف الحنفي.
وقال صاحبُ «الأنوار»: ولو عَلِمَ الشافعيُّ أن الحنفيَّ حافظ على جميع ما يعتقد الشافعي وجوبه ولم يعلم منه الوقوع في الخلاف والاختلاف وحسن الظن به فيما بينه وبين الله تعالى صحّ اقتداؤه به، وإلا فلا.
وصاحب (¬3) «التَّنبيه» وصاحب (¬4) «ينابيع الأحكام» والشيخ جلال الدين (¬5) شارح «المنهاج» يقولون: لا يصحّ اقتداء أحد بأحد، حتى يرى أن صلاته مغنية عن القضاء؛ لأن الربط بما لا لا يعتد به كالعدم.
¬
(¬1) في ب: لا يصح اقتداء الشافعي بالحنفي ولو حافظ على جميع الواجبات؛ لأنه لم يؤدها على اعتقاد الوجوب.
(¬2) وهو يحيى بن شرف بنِ حسنِ الحزامي الحورَّاني النَّوَوِيّ الشَّافِعِيّ، أبو زكريا، محيي الدين، وهو محرر المذهب الشافعي ومذهبه وملقحه ومرتبه. من مؤلفاته: «الأذكار»، و «منهاج الطالبين»، و «رياض الصالحين»، (631 - 676هـ). ينظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3: 9 - 13). طبقات الأسنوي (2: 266 - 267).
(¬3) وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروزآبادي الشافعي، أبو إسحاق، قال الأسنوي: شيخ الإسلام علماً وعملاً، وورعاً وزهداً وتصنيفاً وإملاءاً وتلاميذاً واشتغالاً، كانت الطلبة ترحل من الشرق والغرب إليه، والفتاوى تحمل من البر والبحر إلى بين يديه، من مؤلفاته: «المهذب»، و «التنبيه»، و «اللمع»، (393 - 446هـ). ينظر: وفيات (1:29 - 31). طبقات الأسنوي (2: 7 - 9).
(¬4) وهو محمد بن محمد بن زنكي الإسفرايني الشعيبي العراقي الشافعي، أبو عبد الله، صدر الدين، من مؤلفاته: «ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام على المذاهب الأربعة»، و «دقائق النحو»، و «أنوار المصباح»، (677 - 747هـ). ينظر: الكشف (2: 2050)، ومعجم المؤلفين (3: 662).
(¬5) وهو محمد بن أحمد بن محمد المَحَلِّي المصري الشافعي، جلال الدين، من مؤلفاته: «كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين»، و «مختصر التنبيه»، و «شرح جمع الجوامع»، (791 - 864هـ)، ينظر: كشف الظنون (2: 1873)، ومعجم المؤلفين (3: 93).
والشيخ كمال الدين (¬1) الزاهد الواصل بـ «النجم الوهاج» يقول: ظنّ المقتدي ببطلان صلاة الإمام وتردده في صحتها في موانع الاقتداء.
فهذه أقوال علماء المذهبين ومشايخ الفريقين، والله الموفق، وهو
يهدي السبيل، ولا هادي لمَن أضل، ولو تليت عليه التوراه والإنجيل.
ثمّ إذا ثبتَ هذا يعني الفساد أو الكراهة على كلِّ حال، إذاً لا يخلو الحال عن أحدهما بلا مَقال، فلو صَلَّى خلفَه فعليه إعادتها بلا كراهة؛ لما قالوا: كل صلاة أُدِّيت على وجه الكراهة تُعادُ على غير وجهِ الكراهة،
¬
(¬1) وهو محمد بن موسى بن عيسى الدميري المصري الشافعي، أبو البقاء، كمال الدين، من مؤلفاته: «النجم الوهاج شرح المنهاج» ابتدأ من المساقاة بناء على قطعة شيخه الإسنوي، و «الجوهر الفريد في علم التوحيد»، و «حياة الحيوان»، (742 - 808هـ). ينظر: كشف الظنون (2: 1875)، وهدية العارفين (2:40).
فإن كانت كراهة تحريم فحَتماً، وأمّا على القول بالتَّنزيه فندباً (¬1)، وأمّا على القول بالفساد فلا إشكال.
ومما يتصل بهذا ما تفعلُه العوامُّ من الاقتداء بالمخالف أولاً وبالموافق ثانياً، وهو على وجوه:
الأول: أن يقتديَ بالأول مفترضاً وبالثَّاني كذلك، فهذا غيرُ مشروع قصداً؛ لأنّه تكرارُ الفرض، وهو منهيٌّ عنه، ومكروهٌ بلا عذر.
فإن قيل: هذا عذرٌ، وهو الشَّكُّ في الأَوَّلِ.
أُجيب عنه: بأن الشَّروعَ في الصَّلاة مع الاحتمال للفساد أو الكراهة قبيحٌ ومكروهٌ؛ لما فيه من تعرض العمل على البطلان أو النُّقصان، فتعيّن الاحترازُ عنه.
الثَّاني: أن يقتدي بالأَوَّل بنيّة السُنّة، وبالثَّاني بنيّة الفرض، وهو أيضاً لا يخلو عن الفَساد أو الكراهة (¬2)؛ لعدم سقوط النيّةِ؛ لما قال في
¬
(¬1) قال ابن عابدين في منحة الخالق (2: 50): إن هذه الكراهة تنزيهية ... إذا وجد جماعة للحنفية غير جماعة الشافعية؛ لأنه إذا كان شافعي تقي يحتاط لم توجد فيه علة الكراهة المذكورة هنا، وإذا كانت الجماعة أفضل خلف فاسق مع أنه غير مأمون على الدين فما بالك بشافعي تقي، والحاصل أن الظاهرَ ما قاله الرملي ويدل عليه أيضاً نفي المؤلف الكراهة، والظاهر أن المراد بها التنزيهية الثابتة في غيره.
(¬2) تعقَّبَ القاري في الاهتداء السندي في هذه المسألة فقال: وأما ما ذَكَرَه رحمة الله - رضي الله عنه - من أنه لا يخلو عن الفساد أو الكراهة، فغيرُ مطابق للرواية ولا موافق للدراية ... ؛ لأن النوافل أمرها أوسع من جهة الرواية والدراية، ولم أر مَن صرَّحَ بالمنع أو الكراهة، بل في المتون المصححه وردت العبارات المصرّحه بأنه يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض، والنفلُ يشمل السنن المؤكدة والمستحبّة كما تدلّ عليه المقابلة، وقد سمعت شيخنا بدر الدين الشهاوي الحنفي المفتي بالحرم المكي: إن الاقتداء نفلاً لا يكره أصلاً.
«منهاج المصلِّين»: إذا صَلَّى التَّراويحَ مُقتدياً بمَن يُصلِّي المكتوبة، أو بمَن يُصلِّي نافلةً غير التَّراويح اختلفوا فيه، والصَّحيحُ أنّه لا يجوز قال: فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز أداء السُنة خلفَ مَن يُصلي المكتوبة.
الثَّالثُ: أن يقتدي بالأَوَّل متنفلاً وبالثَّاني مفترضاً، وهو أيضاً لا يخلو عن الكراهة.
فكان الاحترازُ عن جميع ذلك أولى وأفضل كما لا يخفى، إلا على مَن غَلَبَ عليه الهوى، خصوصاً إذا فعل ذلك في أوقات الكراهة وتحريم التَّنفل بثلاثٍ في المغرب على ما صرَّح به قاضي خان في «شرح الجامع الصَّغير»، وكذا يحرمُ مخالفة الإمام إن ضمَّ رابعةً.
فإن قلت: كان الحَسَنُ - رضي الله عنه - يُشارك الإمامَ - رضي الله عنه - ويُصلِّي بعد فراغه الرَّابعة كما رُوي عن أبي يوسف - رضي الله عنه -.
قلنا: لا يحسن ذلك؛ لأن فيه مخالفة الإمام.
فإن قلت: هذه مخالفة بعد الفراغ، فلا بأس بها: كمقيم إذا اقتدى بمسافر يُصلِّي ركعتين بعد فراغ الإمام.
قلنا: صلاة المسافر والمقيم كانت واحدة بالنَّظر إلى الأصل، وهنا ليس كذلك، كذا في «العناية شرح الهداية» (¬1).
فإن قيل: إذا كانت الصَّلاةُ مع الجماعة الأولى مكروهةٌ أو فاسدةٌ، ومخالفةُ الجماعة أيضاً مكروهةٌ، والتَّأخّر عنها كذلك فما المخلص؟
أجيب: بأن مخالفةَ المخالف في المذهب ليس بمكروه، فلا يُصلِّي لاحتمال الفساد أو الكراهة، بل الصَّلاةُ خلفَ الموافق الثَّاني أولى وأفضل من الأول؛ لأنّه لا خلاف في صحّة الاقتداء به بخلافِ الأول، وإنّما تكره المخالفة إذا أقيمت الصلاة الأولى على وجه السُنّة في حقِّه، أمّا إذا لم تقم كذلك لا تكره؛ لأنّ جماعةَ المخالف لم تقم على وجه السُنّة والفريضة في حقّ الحنفيّ؛ لأنّها فرادى.
وأما تأخيرُ المغرب إنّما يكره إلى اشتباك النُّجوم، والذي ذكرناه هنا أولى بذلك من ذلك؛ لأن عذرَه في الثَّاني أعظم من الأَوَّل؛ لعدم صلاحية الاقتداء بالمخالف من جهة الفساد أو الكراهة، وكلّ ذلك مانع، وهنا عذر ظاهر لا يُنكره عالمٌ ماهرٌ، بل جاهلٌ فاجرٌ، والضروراتُ
¬
(¬1) العناية (1: 474).
تبيح المحظورات، ولا عيب على المعذور، والله أعلم بذار الصدور، والحمدُ الله وحده، وصلَّى اللهُ وسَلَّمَ على مَن لا نَبِيَّ بعده (¬1).
* * *
¬
(¬1) وقع في آخر نسخة الرسالة: ووافق الفراغ من نسخ هذه الرسالة وقت عصر يوم الأربعاء المبارك رابع عشر محرم الحرام افتتاح سنة تسع وتسعين وألف أحسن الله ختامها، [و] غفر الله لكاتبها ومالكها وقارئها وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنّك سميع قريب مجيب الدعوات، أمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد النبيّ الأميّ وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريّته وعترته وأهل بيته الطيبين الطاهرين، [و] على من والهم إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
المراجع:
1. أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم: لصديق حسن خان القنوجي (1248 - 1307هـ)، تحقيق: عبد الجبار زكار، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978هـ.
2. إحكام القنطرة في أحكام البسملة: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، مطبع جشمة فيض، لكنو، 1305هـ، وأيضاً: بتحقيق: الدكتور صلاح محمد سالم أبو الحاج، مؤسسة الرسالة، 2001مـ.
3. الأعلام: لخير الدين الزَّركلي، ط15، دار العلم للملايين. 2002م.
4. إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون: لإسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم (ت1339هـ)، دار الفكر،1410هـ.
5. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
6. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط2، 1402هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
7. تاج التراجم: لأبي الفداء قاسم بن قُطْلُوبُغَا (ت879هـ)، تحقيق: محمد خير رمضان، دار القلم، دمشق، ط1، 1992مـ.
8. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت743هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط1، 1313هـ.
9. تهذيب الأسماء واللغات: لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النَّوَوِيّ الشَّافِعِيّ (631 - 676هـ)، المطبعة المنيرية.
10. الجواهر المضية في طبقات الحنفية: لعبد القادر بن محمد بن أبي الوفاء القرشي (ت775هـ)، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1413هـ.
11. حلبي صغير: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبوع في اسطنبول، 1303هـ.
12. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر: لمحمد أمين المحبي (ت1699م)، دار صادر.
13. خلاصة التحقيق في بيان حكم التقليد والتلفيق: لعبد الغني بن إسماعيل النابلسي الحنفي (ت1143هـ)، تحقيق: محمد نبهان الهيتي، رسالة ماجستير في كلية العلوم الإسلامية، جامعة بغداد، 1420هـ.
14. خلاصة الدلائل شرح القدوري للرازي، ت: د. صلاح أبو الحاج، دار الفتح، عمان، ط1، 2016م.
15. دفع الغواية الملقبة بـ (مقدمة السعاية): لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، باكستان، 1976م.
16. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
17. الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة: لمحمد بن جعفر الكتاني، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة.
18. سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر: لأبي الفضل محمد خليل مراد الحسيني (ت1206هـ)، دار البشائر الإسلامية، دار ابن حزم، ط3، 1408هـ - 1988م.
19. شذرات الذهب في أخبار من ذهب: لعبد الحي بن أحمد العكري (ت1089هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
20. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: لمحمد بن عبد الرحمن السَّخَاوِيّ القاهريّ الشَّافِعِيّ شمس الدِّين (831 - 902هـ)، دار الكتب العلمية، بدون تاريخ طبع.
21. طبقات الحنفية: لعلي بن أمر الله قنالي زاده المشهور بـ (ابن الحنائي) (ت979هـ)، مطبعة الزهراء الحديثة، الموصل، ط2، 1380هـ.
22. طبقات الشافعية: لأبي بكر أحمد بن محمد بن عمر تقي الدين ابن القاضي شهبة الدمشقي (779 - 851هـ)، تحقيق: الدكتور الحافظ عبد العليم خان، دار الندوة الجديدة، بيروت، 1408هـ.
23. طبقات المفسرين: لمحمد بن علي الداودي (ت945هـ)، تحقيق: علي محمد، مكتبة وهبة، مصر، ط1، 1392هـ.
24. طرب الأماثل بتراجم الأفاضل: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، تحقيق: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ط1، 1998م، وأيضاً: طبعة مطبع دبدبة أحمدي، لكنو، 1303هـ.
25. العبر في خبر من غبر: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، تحقيق: الدكتور صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت، 1963مـ.
26. علماء العرب في شبه القارة الهندية: ليونس الشيخ إبراهيم السامرائي، وزارة الأوقاف العراقية، 1986هـ.
27. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، المطبع المجتبائي، دهلي، 1340هـ.
28. العناية على الهداية: لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
29. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
30. الفتاوى الغياثية: لداود بن يوسف الخطيب، المطبعة الأميرية ببولاق مصر، ط1، 1322هـ.
31. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
32. فتح باب العناية بشرح النقاية: لأبي الحسن علي بن سلطان محمد القاري الهروي (930 - 114هـ)، تحقيق: محمد نزار وهيثم نزار، دار الأرقم، ط1، 1418هـ.
33. فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية: لمحمد مطيع الحافظ، من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1401هـ.
34. الفوائد البهية في تراجم الحنفية: لعبد الحي الكنوي (1264 - 2304هـ)، تحقيق: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ط1، 1998م، وأيضاً: طبعة السعادة، مصر، ط1، 1324هـ.
35. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي (1017 - 1067)، دار الفكر.
36. الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة: لنجم الدين الغزي، تحقيق: الدكتور جبريل جبور، الناشر: محمد أمين وشركاه، 1945م.
37. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316.
38. مرآة الجنان وعبر اليقظان في ما يعتبر من حوادث الزمان: لعبد الله بن أسعد اليافعي (ت768هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1970م.
39. معجم المؤلفين: لعمر كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1414هـ.
40. مفتاح السعادة ومصباح السيادة: لأحمد بن مصطفى طاشكبرى زاده (ت968هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405.
41. منحة الخالق على البحر الرائق: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، ط2، دار المعرفة.
42. النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، عالم الكتب، ط1، 1406هـ.
43. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: ليوسف بن تغرة بردة الأتابكي (813 - 874)، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة.
44. نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر: لعبد الحي بن فخر الدين الحسني (ت1341هـ)، دائرة المعارف العثمانية، الهند، راجعه أَبُو الحسن الندوي، ط1، 1972م.
45. النور السافر عن أخبار القرن العاشر: لعبد القادر بن شيخ بن عبد الله العَيدروسي محيي الدين (1570 - 1628م)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ.
46. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.
47. هدية العارفين: لإسماعيل باشا البغدادي (ت1339هـ)، دار الفكر، 1402هـ.
48. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: لأبي العباس أحمد بن محمد ابن خَلكان (608 - 681هـ)، تحقيق: الدكتور إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت.
* * *