عقود رسم المفتي ............
............ لابن عابدين
جارٍ تحميل الكتاب…
عقود رسم المفتي ............
............ لابن عابدين
الطبعة الأولى
1441 هـ ـ 2020 م
عقود رسم المفتي
لخاتمة المحققين ابن عابدين (ت 1252 هـ)
دراسة وتحقيق
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة العلوم الشرعية في جامعة القصيم.
ملخص البحث:
عقود رسم المفتي لخاتمة المحققين ابن عابدين (1252 هـ) هي المنظومة الوحيدة في علم رسم المفتي عند الحنفية، وهي أوسع ما جُمِع من مسائل وقواعد علم أصول الإفتاء؛ لذلك كانت أبرز ما يرجع إليه في هذا العلم، وهي مشهورةٌ جداً، ويكثر ذكر الباحثين لها، لكنَّها مع شهرتها لم تنل تحقيقاً علمياً بمفردها، وإنَّما وجدت ضمن شرحها للمصنِّف الذي طُبع ضمن رسائل ابن عابدين قبل أكثر من (100) سنة، وعدم إفرادها بالخدمة أتعب الدارسين في الاستفادة منها، فرأيتُ أهمية العناية بها وتحقيقها لتتضح صورتها للباحثين، ويزاد الانتفاع بها، وقدّمت قبلها بدارسة موجزةٍ عن المؤلّف، ودراسة عن المنظومة، وتوسَّعت بالتَّعليقات بتوضيح أبياتها وبيان مسائلها وتحقيق قضاياها والاستدلاك لها.
* * *
Oqood Rasem Almofti
Ibn Abidin (d. 1252 AH)
Study and investigation
Research Summary:
This is the only poetry in the science of Rasem Almofti for the Hanfi scholars written by the latest investigator Ibn Abidin (1252 AH). It is considered to be the most dilated collection of issues and rules of Usul Alifta. Because of this it was the most important reference in this science, and the most famous one. The contents of its information is frequently confer among researchers , but with fame has not received a scientifically study alone, but found included with its explanation for Ibn Abidin , which was printed in the Ibn Abidin messages before more than 100 years. But not having a special duty tired the
students to take advantage of it. I saw the importance of taking care of it and studying it to clear its image for the researchers. I presented before it a brief study about the author, a study of the poetry. Then I expanded in the comments by clarifying its statements, studying its issues and giving evidence for them.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإنَّ عقود رسم المفتي لابن عابدين هي المنظومة الوحيدة التي تتكلّم عن علم رسم المفتي عند الحنفية، وتُعَدُّ من أوسع ما جُمِع وكُتِب في هذا العلم من قواعدَ وأُصولٍ للإفتاء.
وعلم الرسم: هو علم تطبيق الفقه، وهو أحد مكونات الملكة الفقهيّة التي يقدر بها المرء على فهم الفقه ومعايشته وتعليمه والإفتاء به، فهذه الملكة تحتاج ثلاثة أمور:
الأول: دراسة الفروع الفقهيّة المختلفة من الأبواب المتعدّدة.
والثاني: دراسة علم الأصول الذي يتعرّف به كيف استخرج الفقه من الأدّلة الشرعيّة.
والثالث: دراسة رسم المفتي، وهو العلم الذي يبحث في كيفيّة تطبيق الفقه والعمل به.
وبدون ضبط العلوم الثلاثة لا يُمكن أن يُستفاد من الفقهِ على الوجهِ المعتبر، والأوّلان علمان مشهوران، وفيهما من المؤلِّفات ما لا يُحصى، وتدرسان في المدارس الدِّينيّة وفي المؤسّسات الأكاديميّة المختلفة بصورة عامة.
أما العلم الثالث، فهو منسيٌّ في الدراسات الأكاديميّة، مما أثر سلباً على الدراسة الفقهية، للجهل بالأداة التي يطبق بها الفقه، إلا من رحم الله من أهل الفضل ممن هم قدوة لغيرهم.
وسبب الإهمال لهذا العلم مع أنَّه روح الفقه والجانب التطبيقيّ والعمليّ له، أنَّه كان عند سلفنا الصالح يتلقّاه الطالبُ من أستاذِه بالمصاحبةِ بدون أن يقرأ فيه شيئاً، فيحصل له بالتجربة والملازمة للشيخ كيف يفهم العبارة؟ وكيف يميّيز بين المسائل صحيحها من سقيمها؟ وكيف يعرف الراجح؟ وكيف يتعرّف على مناهج الكتب والمؤلفين؟ ومتى يتغيّر الحكم بالضرورة والبلوى؟ وكيف يفهم العرف وتغيّر الزمان؟ وكيف يضبط أصول الأبواب ومباني المسائل؟
وتاريخ الرّسم يرجع لأوّل التّشريع: إذ الكلام في هذا العلم مؤسس في القرآن من اعتبار الضرورة: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:
119]، والتيسير: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، ورفع الحرج: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
والسُّنةُ النبويّةُ طافحةٌ بتطبيقاته من حديث طهارة سؤر الهرة: «إنَّها ليست بنجس، إنَّما هي من الطوّافين عليكم أو الطوّافات» (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يسّروا ولا تعسّروا» (¬2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الدين يسر» (¬3)، وقول السيدة عائشة رضي الله عنها: «ما خيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً» (¬4)، وغيرها.
وكلام أئمّتنا في ترجيح المفتى به يرجع إليه كثيراً من اعتبار قواعده المعروفة: الضرورة، والعرف، والمصلحة، وتغيّر الزمان، والحاجة، وعموم البلوى، ولكنَّهم يعبّرون عنها عادة بالاستحسان، فيتركون القياس لهذه الأسباب التي هي مبادئ هذا العلم؛ لأنَّه لا يمكن تطبيق الفقه بدون مراعاة هذه القواعد، ويختلف اصطلاح العلماء في التعبير عنها.
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 153، وقال: حسن صحيح، وسنن أبي داود 1: 67، وموطأ مالك 1: 22.
(¬2) في صحيح البخاري 5: 2269، وصحيح مسلم 3: 1359، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 23.
(¬4) في صحيح البخاري 7: 101، وصحيح مسلم 4: 1813، وغيرها.
وهذه القواعد لرسم المفتي هي الأصول التي يرجع إليها المجتهد في المذهب في التخريج والترجيح والإفتاء، فهي تمثل قواعده التي يُعتمد عليها في التعامل مع الأحكام كما يتعامل المجتهد المطلق مع قواعد الأصول من القرآن والسنة والإجماع والقياس.
وما بين أيدينا من هذا هو عبارة عن شذرات متفرّقة وفوائد مذكورة هنا وهناك في كتب علماء الطبقات السابقة، وأوسعها عند المتقدِّمين كلام قاضي خان في مقدمة «فتاواه» المشهورة، وهي في أسطر معدودة.
واهتمّ علماء هذه الطبقة بتقييد هذه الفوائد، بسبب توسّع العلوم، وكثرة الاختلاف مقارنة بما عند المتقدمين، وصاروا يصرّحون بها كثيراً في مؤلفاتهم، مثل: الكادوري (ت 832 هـ) في مقدمة «جامع المضمرات شرح القدوري» (¬1)، وابن قُطْلُوبُغا (879 هـ) في مقدمة «التصحيح» (¬2)، وابن نُجيم (ت 970 هـ) في «الأشباه» و «البحر الرائق»، والشرنبلاليّ (1069 هـ) في «المراقي» و «الشرنبلالية»، ولكن بقيت فوائد متفرّقة يخبر عنها عند الحاجة.
¬
(¬1) ينظر: الفوائد البهية ص 380.
(¬2) ينظر: التصحيح و الترجيح ص 121 - 134.
وذكر قدراً منها المرجاني (ت 1285 هـ) في «ناظورة الحقّ» (¬1)، واهتمّ بجمعها اللكنوي (ت 1304 هـ) في «مقدمة عمدة الرعاية» (¬2) و «النافع الكبير» (¬3).
وأهمية تحقيق المنظومة:
تكمن في الأهمية الكبيرة للموضوع الذي تبحث فيه، وأنَّه لم يتسنّ لأحدٍ أن يجمع مسائل علم الرسم ويرتّبها كما فعل خاتمة المحققين ابن عابدين، حيث جمعها في هذه المنظومة وشرحها، فهي أوسع ما كتب في هذا العلم إلى يومنا هذا، وفيها أرسى أسسه وقواعده، وجمع ما تفرّق في الكتب من أسس هذا العلم.
فهي المجموع الوحيد في هذا العلم عن علمائنا السابقين، وأنَّه لخاتمة المحققين ابن عابدين، شمس الفقه عند المتأخّرين.
فيكون في تحقيقها ونشرها إثراء للمكتبة الإسلامية، وبيان فضل علماء الأمة المتقدِّمين وما قدَّموه لها من جهدٍ يعظّم الأمانة على اللاحقين وأدائها بما يتناسب مع ذلك الجهد.
¬
(¬1) ينظر: ناظور الحق ص 167 - 214.
(¬2) ينظر: مقدمة عمدة الرعاية ص 28 - 78.
(¬3) ينظر: النافع الكبير ص 7 - 31.
والدِّراسات السَّابقة:
ففي حدود علم الباحث لم يسبق لهذه المنظومة أن حُقِّقت وخُدِمت وطُبِعت رغم كلِّ الشُّهرة الكبيرة لها، إلا ما كان ضمن شرحها المطبوع مع مجموعة رسائل ابن عابدين قبل أكثر من (100) سنة، وأُعيد تصويرها في دار إحياء التراث العربي، ومعلومٌ أنَّ مثل هذه الطَّبعات القديمة تعامل معاملةَ المخطوطات في المقابلة والتَّصحيح، كما هو متبعٌ في مناهج بعض الجامعات، وبالتالي ظهرت الحاجة جليةً لتحقيق هذا المنظومة.
ومنهجية البحث: هي المنهجُ الاسترداديّ التّاريخي بكتابة حياة هذا المؤلّف وجهوده العلمية وتحقيق نصّ المنظومة.
والمنهج المتبع في التحقيق:
1.نسخ المنظومة، وضبطُها، ومُقابلتها على عددٍ من النّسخ، واستخراجها من شرحها.
2.اعتماد منهج النّسخة الصواب في المتن وليس النّسخة الأم، بإثبات ما هو الصواب في المتن عند المقارنة بين النّسخ؛ لأنه الطريقة الأفضل لتصحيح النصّ، وإثبات ما هو الصواب في الأعلى، فيسهل على القارئ فهم النصّ، والله أعلم.
3.الالتزام في كتابة الكلمات بالرسم الإملائي الحديث، وإن خالف رسم المخطوط.
4.اعتماد طريق التحشية في خدمة الكتاب: ببيان معاني المفردات والجمل التي تحتاج توضيحاً، والترجمة لما ورد فيه من الأعلام، والتعليق على المسائل بقدر الحاجة، وأفدت كثيراً من شرح ابن عابدين على المنظومة.
5.تتبعت المسائل التي أوردها المؤلف في الكتاب مع غيره من الكتب المتخصصة، فوضحتها واستدركت على المؤلف في بعض مسائل المنظومة وبيَّنت الصَّواب فيها.
وكان همّي في كلِّ ذلك، أن تخرج المنظومة مصحّحةً وموضحةً ومنقحةً المسائل، وميسورةً للباحثين والدارسين؛ لينهلوا من عبقها، وأن تكون المرحلة الأولى في دراسة هذا العلم، هي هذه المنظومة مفردةً، مع التوضيح اليسير لما فيها من فوائد بإيجاز، قبل أن يغرق الدارس في بحار شرحها للمؤلّف، فالأَولى في دراسته أن يكون في مرحلة ثانية بعد أن يضبط مسائل المنظومة، والله أعلم.
وتحقيقاً لهذا المقصود، قسمت البحث إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في ترجمة موجزة للنّاظم ابن عابدين، ويتضمن ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اسمه ونشأته وشيوخه.
المطلب الثاني: تلاميذه ومؤلفاته.
المطلب الثالث: تزكيته وأخلاقه وأحواله وثناء العلماء عليه ووفاته.
المبحث الثاني: دراسة عن المنظومة، وتتضمن المطالب الآتية:
المطلب الأول: موضوع المنظومة «رسم المفتي».
المطلب الثاني: صحة نسبة المنظومة لابن عابدين.
المطلب الثالث: اسم المنظومة.
المطلب الرابع: وصف نسخ المخطوطات المعتمدة في التحقيق.
المطلب الخامس: صور النسخ المخطوطة.
المبحث الثالث: النص المحقق للمنظومة.
سائلاً المولى - عز وجل - التوفيق والسداد.
* * *
المبحث الأول
في ترجمة موجزة للنّاظم
ابن عابدين
قبل الولوج في منظومة رسم المفتي علينا أن نترجم لمَن جمع أشتات هذا العلم في هذه المنظومة، وهو من أشهر العلماء البارزين الذين رزقهم الله قبولاً عجيباً، واشتهر ذكرُهم في البلادِ وبين العباد، فلم يَعُد مُنتسبٌ للعلوم الشَّرعيّة لا يُعرفُه، حتى توافق العلماء على وصفِه بخاتمةِ المحقِّقين؛ لما كان له من الفضلِ الكبيرِ في تحقيقِ مسائل العلم وتحريرها، فكان مَن جاء بعده عالةً عليه فيها، وذلك في التميهد والمطالب الآتية:
التمهيد: في عصره السياسي:
عاش ابن عابدين رحمه الله في القرن الثالث عشر من الهجرة، في الفترة ما بين (1198 - 1252 هـ)، في ظل الدولة العثمانية، وقد كانت الدولة في مرحلة ضعف شديد، وهزائم متوالية مع أعدائها، واضطرابات شديدة في حكمها، فتولى في عصره السلطة عدد من السلاطين، وهم:
الأول: السلطان سليم الثالث (1203 - 1222 هـ/1788 - 1807 م): تولى السلطة بعد وفاة عمه عبد الحميد الأول عام (1203 هـ/1788 م)، وبدأت في عصره مرحلة جديدة من مراحل الحرب بين الدولة العثمانية وأعدائها، فشرع في إحياء الروح المعنوية في نفوس جنده، واعتمد على تاريخ الدولة العثمانية وما قامت به من أعمال بطولية، فقام بإلقاء خطبة حماسية أمام قادة الدولة في مراسيم تولية عرش الدولة، أشاد فيها بما حقتته الجيوش العثمانية من انتصارات في الماضي على أعدائها، وتكلم عن سبب هزائمهم المتأخرة أمام أعدائهم، وهو ابتعادهم عن دينهم، وَحَثهم على ضرورة التضحية والجهاد ضد أعدائهم.
وتوالت الأحداث واستمرت الهزائم، وضعفت الدولة العثمانية، ورأت الدول الأوروبية ضرورة التوصل الى معاهدة مع الدولة العثمانية
لجمع الشمل الأوروبي أمام الحركة النابليونية التوسعية، ونجحت الدول الأوروبية في وساطتها، وضاعت آمال الدولة العثمانية وضاعت معها تلك المناطق التي كانت تحت نفوذها، حتى أصبح البحر الأسود تحت رحمة العلم الروسي.
وانتهز أعداء الإسلام تدهور الدولة العثمانية، فاستغلت فرنسا ذلك الضعف وأرسلت حملتها المشهورة بقيادة القائد المشهور نابليون بونابرت سنة (1213 هـ/1798 م)، فأعلن السطان سليم الثالث الجهاد ضد فرنسا، واستجاب لدعوته المسلمون في الحجاز، والشام، وشمال أفريقيا (¬1).
الثاني: السلطان الغازي مصطفى خان الرابع: ولد سنة (1193 هـ - 1779 م)، ابن السلطان عبد الحميد الأول، كلف المفتي بتبليغ السلطان سليم خبر عزله، ولم يكن السلطان مصطفى إلا كآلة يديرها مبغضو النظام الجديد كيف شاؤا تبعاً لاهوائهم، فثبت الوزراء الذي لم يقتلوا في الثورة في وظائفهم، واعتمد تعيين قباقجي اوغلي حاكماً لجميع قلاع البوسفور، فأعاد الانكشارية قدورهم إلى ثكناتهم دلالة على ارتياحهم مما حصل وخلودهم إلى الراحة والسكينة، ولما وصلت أنباء
¬
(¬1) الدولة العثمانية ص 320 وما بعدها.
هذه الثورة إلى الجيوش العثمانية المشتغلة بمحاربة الروس عند نهر الطونة شمل الانكشارية السرور لإبطال النظام الجديد (¬1).
الثالث: السلطان محمود خان الثاني (1223 - 1255 هـ/1808 - 1839 م): ابن السلطان عبد الحميد الأول، تولى الحكم وعمره أربع وعشرون سنة، وأرغم في البداية على الانحناء أمام رغبات الانكشارية، فأمر بإلغاء كل الإصلاحات حتى يرضيهم الى أن تحين الفرصة لتطبيق وتنفيذ خطط الإصلاح، وكان محمود يتذرع بالصبر انتظاراً لساعة الخلاص من الانكشارية الذين هددوا كيان الدولة العثمانية.
واشتعلت نار الحرب مع الرّوس، وهُزم العثمانيون واستولى الرّوس على بعض المواقع، وعُزل الصَّدر الأعظم ضياء يوسف باشا وتولى مكانه أحمد باشا الذي انتصر على الروس وأجلاهم عن المواقع التي دخلوها (¬2).
¬
(¬1) تاريخ الدولة العلية العثمانية ص 394.
(¬2) الدولة العثمانية ص 339.
المطلب الأول: اسمه ونشأته وشيوخه:
أولاً: اسمه ونسبه:
هو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم بن نجم الدين بن محمد صالح الدين الشهير بـ «عابدين» ... ابن إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق بن محمد الباقر ابن زين العابدين بن حسين ابن فاطمة بنت الرسول - صلى الله عليه وسلم - (¬1).
ثانياً: ولادته ونشأته ودراسته وشيوخه:
ولد في سنة ثمان وتسعين بعد المئة والألف (1198 هـ)، في دمشق الشام، ونشأ في حِجر والده.
وحفظ القرآن العظيم عن ظهر قلب وهو صغير جداً، وذهب للشيخ سعيد الحموي (¬2) وطلب منه أن يُعلّمه أحكام القراءة بالتجويد، وكان وقتئذٍ لم يبلغ الحلم، فحفظ «الميدانيّة» و «الجزريّة» و «الشاطبيّة»، وقرأها عليه قراءة إتقان وإمعان حتى أتقن فنَّ القراءات بطرقها وأوجُهها.
¬
(¬1) ينظر: قرة عين الأخيار 7: 419، والأعلام 6: 267 - 268، ومعجم المؤلفين 3: 145.
(¬2) وهو محمد سعيد بن إبراهيم الحموي الدمشقي الشافعي، قال الشطي: كان عالماً جليلاً شيخ القراء بدمشق، له اليد الطولى في علم القراءات وأوجهها وطرقها، انتفع به جماعة من أهل عصره، (1168 - 1236 هـ). ينظر: أعيان دمشق ص 131.
ثمّ اشتغل عليه بقراءة النحو والصرف وفقه الإمام الشافعيّ، وحفظ «متن الزبد»، وبعض المتون من النحو والصرف والفقه وغير ذلك.
ثمّ حضر على شيخه علاّمة زمانه وفقيه عصره وأوانه السيد محمد شاكر السالمي العمري (¬1)، وقرأ عليه علم المعقول والحديث والتَّفسير، ثمّ ألزمه بالتحوّل لمذهب سيدنا أبي حنيفة النعمان، الإمام الأعظم عليه الرحمة الرضوان، وقرأ عليه كتب الفقه وأُصوله حتى برع.
وأتمَّ دراسته على علامة زمانه، وفقيه عصره وأوانه، فقيه النفس الشيخ محمد سعيد الحلبي الشامي (¬2).
وقد أخذ عن مشايخ كثيرين يطول ذكرهم هنا من شاميين ومصريين وحجازيين وعراقيين وروميين، منهم: الشيخ الأمير الكبير المصريّ، وأجازه إجازة عامّة (¬3).
¬
(¬1) وهو محمد شاكر بن علي بن سعد بن علي العمري، الدمشقي الخلوتي الحنفي، الشهير والده بـ (العقّاد الحنفي)، قال ابن عابدين: من انتهت إليه الرئاسة في العلوم، وصار المرجع فيها من منطوق ومفهوم، كان من أفراد عصره وبركة أهل مصره، (ت1222هـ). ينظر: أعيان دمشق ص143.
(¬2) ينظر: قرة عين الأخيار7: 419 - 420.
(¬3) ينظر: قرة عين الأخيار7: 724.
المطلب الثاني: تلاميذه ومؤلفاته:
أولاً: تلاميذه:
قال علاء الدين ابن عابدين (¬1): «غالب مَن أخذ عنه وقرأ عليه أكابرُ النّاس وأشرافُهم وأجلاؤهم من الموالي والعلماء الكبار والمفتين والمدرسين وأصحاب التآليف والمشاهير، وقصده النَّاس من الأقطار الشاسعة للقراءة عليه والأخذ عنه».
فدرس عليه مَن يطول ذكرهم ولا يحصى عددُهم من أفاضل وأعيان، فإنَّهم انتفعوا به وأخذوا عنه وعليه تخرّجوا، ومنهم:
1. الشيخ السيد أحمد أفندي (¬2).
2. الشيخ عبد الغني الغنيميّ الميدانيّ (¬3).
¬
(¬1) في قرة عين الأخيار 7: 424.
(¬2) أمين الفتوى بدمشق، وهو ابن شقيقه العلامة السيد عبد الغني، وكان يعتنى ويتفرّس الخير به، وكان ابن عابدين يقول لوالده: دع لي من ولدك السيد أحمد وأنا أُربيه وأعلمه، فعلَّمه القرآن العظيم، وأجازه إجازةً عامةً حتى صار من أفاضل عصره، وله تأليفات عديدة، منها: «شرح مولد ابن حجر»، و «شرح على الحال» لجندي زاده أمين أفندي العباسي. ينظر: قرة عين الأخيار 7: 424.
(¬3) هو عبد الغني بن طالب بن حمادة بن إبراهيم الغنيمي الدمشقيّ الميداني الحنفي، قال في حلية البشر: «ولديه من المعلومات ما يشق على القلم حشره، ويتعسر على الألسنة نشره، وتأليفاته التي يحق لرائيها أن ينافس بها ويفاخر»، من مؤلفاته: اللباب في شرح القدوري، وكشف الإلتباس في شرح البخاري، و شرح العقيدة الطحاوية، (1222 - 1298 هـ). ينظر: الأعلام 4: 33، ومعجم المؤلفين 5: 274، وحلية البشر 1: 868.
3. الشيخ حسن البيطار (¬1)، فإنَّه قرأ عليه «العقود الدرّيّة».
4. العالم العلاّمة: أحمد أفندي الاسلامبوليّ (¬2)، فإنَّه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرّج (¬3).
ثانياً: مؤلفاته:
نالت مصنفات ابن عابدين شهرةً كبيرةً جداً، ولا يمكننا هاهنا الوقوف عليها كاملة، وإنَّما نقتصر على إشارة إليها، فمن كتبه:
1. «رد المحتار على الدر المختار»، قال الشطي (¬4): «طبع كثير من مؤلفاته، وعمّ نفعها، واشتهر فضلها، وكان أعظمها نفعاً وأكثرها شهرة حاشيته على الدرّ المختار ... »، وقال أيضاً: «قال الشطي: إنَّه علامة فقيه
¬
(¬1) هو حسن بن إبراهيم بن حسن بن محمد بن عبد الله الشافعي، الأشعري، النقشبندي، الميداني، الشهير بالبيطار، عالم مشارك في العلوم العقلية والنقلية، من مؤلفاته: إرشاد العباد في فضل الجهاد، توفي بدمشق في غرة رمضان سنة (1272 هـ) ودفن في تربة باب الله بالميدان. ينظر: الأعلام 3: 194.
(¬2) هو أحمد بن عمر بن أحمد الاسلامبولي، الدمشقي، الحنفي، فقيه ولد بدمشق وتوفي بها، من مؤلفاته: حواش على الدرر، وتحفة الناسك في بيان المناسك، وكفاية الناسك السالك لزيارة حضرة المصطفى وأداء المناسك، (1220 - 1281 هـ). ينظر: معجم المؤلفين 2: 82.
(¬3) ينظر: قرة عين الأخيار7: 424.
(¬4) في أعيان دمشق ص254 - 255.
فهامة نبيه، عذب التقرير متفنن في التحرير، لم ينسج عصر على منواله، ولو لم يكن له من الفضل سوى «الحاشية» التي سارت بها الركبان، وتنافست فيها الناس زماناً بعد زمان لكفته فضيلة تذكر، ومزِّية تشكر».
2. «العقود الدرّيّة في تنقيح الفتاوى الحامديّة»، قال الشطي (¬1): «فإنَّه كالحاشية مطبوع مشهور، يرجع إليه ويعتمد عليه».
3. «منحة الخالق على البحر الرائق شرح كنز الدقائق» لابن نجيم المصري (ت970هـ).
4. «نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار شرح المنار» للحَصْكَفي (ت1088هـ).
5. «مجموع جمع فيه من نفائس الفوائد النثرية والشعرية»، وعرائس النكات والملح الأدبية، والألغاز والمعميات، وما يروق النّاظر، ويسرّ الخاطر (¬2).
¬
(¬1) في أعيان دمشق ص254.
(¬2) ومعلوم أنها أحد الطرق التربوية، فكل ما كان فيها موافقاً للشريعة الظاهرة المطابقة لكلام أئمة الاجتهاد من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة المستفادة من القرآن الكريم والسنة المطهرة وآثار الصحابة، فهو مقبول، وما صدر من بعض شيوخها مخالف للشريعة فغير مقبول، والله أعلم.
6. «مجموع رسائل ابن عابدين»، قال علاء الدين ابن عابدين (¬1): «وله رسائل عديدة ناهزت الثلاثين في جملة فنون». قال البيطار (¬2): «وله من الرسائل في تحرير المسائل نيف وثلاثون رسالة معلومة في ثبته فمن أرادها فليراجعها»، ومنها:
1. «نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف».
2. «تنبيه الولاة والحكام في حكم شاتم خير الأنام أو أحد أصاحبه الكرام».
3. «شرح عقود رسم المفتي».
4. «الرحيق المختوم شرح قلائد المنظوم في الفرائض».
5. «منهل الواردين من بحار الفيض على ذخر المتأهلين لمسائل الحيض» للبركوي.
6. «تحرير النقول في نفقة الفروع والأصول».
7. «العقود اللآلي في الأسانيد العوالي».
¬
(¬1) في قرة عين الأخيار7: 420.
(¬2) ينظر: حلية البشر 1: 1230.
8. «الفوائد العجبية في إعراب الكلمات الغربية» (¬1).
المطلب الثالث: تزكيته وأخلاقه وأحواله وثناء العلماء عليه ووفاته:
أولاً: تزكيته وأخلاقه:
أَخَذَ طريق السَّادة القادرية (¬2) عن شيخه العقاد ذي الفضل والمزية.
وكان حسن الأخلاق والسِّمات، لا يتكلَّم بكلمةٍ يغيظ بها أحداً من النَّاس أجمعين، اللهم إلا أن رأى منكراً فيغيّره من ساعته على مقتضى الشَّريعة المطهَّرة العادلة.
وكان حريصاً على إفادةِ النَّاس وجبر خواطرهم، مكرماً للعلماء والأشراف وطلبة العلم، ويواسيهم بماله، كثير التصدُّق على ذوي الهيئات من الفقراء الذين لا يسألون النَّاس إلحافاً، بارّاً بوالديه، كثير البرّ والصَّلة لأرحامه، يواسيهم بأفعاله وماله.
¬
(¬1) ينظر: أعيان دمشق ص 254، وحلية البشر 1: 1231، والأعلام 6: 267 - 268، ومعجم المؤلفين 3: 145.
(¬2) ينظر: أعيان دمشق ص 254، وحلية البشر 1: 1231، والأعلام 6: 267 - 268، ومعجم المؤلفين 3: 145.
وكان في رمضان يختمّ كلّ ليلة ختماً كاملاً مع تدبّر معانيه، وكثيراً ما يستغرق ليله بالبكاء والقراءة، ولا يدع وقتاً من الأوقات إلا وهو على طهارة، ويُثابر الوضوء. وكان ورعاً دَيّناً عفيفاً (¬1).
ثانياً: أحواله:
بالجملة كان شغلُه من الدُّنيا التَّعلُّم والتَّعليم، والتَّفهم والتَّفهيم، والإقبال على مولاه، والسَّعي في اكتساب رضاه، مقسّماً زمنه على أنواع الطاعات والعبادات والإفادات، من صيام وقيام، وتدريس وإفتاءٍ وتأليفٍ على الدوام (¬2).
وكانت ترد إليه الأسئلة من غالب البلاد، وقلَّ أن تقع واقعةٌ مهمةٌ أو مشكلةٌ مدلهمةٌ في سائر البلاد أو بقيةُ المدن الإسلامية أو قراها إلا ويُستفتى فيها مع كثرة العلماء الأكابر والمفتين في كلِّ مدينة.
وكانت كلمتُه نافذةٌ وشفاعتُه مقبولةٌ وكتاباته ميمونة، ما كتب لأحد شيئاً إلا وانتفع به؛ لصدق نيّتِه وحسن سريرته، وقوّة يقينه، وشدّة دينه، وصلابتة فيه.
وكان مهاباً مطاعاً، نافذ الكلمة عند الحُكّام وأعيان النّاس، يأكل من مال تجارته بمباشرة شريكه مدّة حياته.
¬
(¬1) ينظر: قرة عين الأخيار7: 422.
(¬2) ينظر: قرة عين الأخيار7: 420.
وكان غيوراً على أهل العلم والشرف، ناصراً لهم، دافعاً عنهم ما استطاع (¬1).
ثالثاً: ثناء العلماء عليه:
قال البيطار (¬2): «الشيخ الإمام العالم العلامة، والجهبذ الفهامة، قطب الديار الدمشقية، وعمدة البلاد الشامية والمصرية، المفسر المحدث الفقيه النحوي اللغوي البياني العروضي الذكي النبيه، الدمشقي الأصل والمولد، الحسيب النسيب الشريف الذات والمحتد ... ».
قال ابنُه علاء الدين ابن عابدين (¬3): «علاّمةُ زمانه على الإطلاق، مَن انتهت إليه الرئاسة باستحقاق، الإمام المتقن، والعلامة المتفنن، العلامة الثاني، مَن لا يوجد له ثاني (¬4)، الحسيب النَّسيب، الفاضل الأديب، الجامع بين شرفي العلم والنَّسب، والمستمسك بمولاه بأقوى سبب، والجامع بين الشَّريعة والحقيقة، وعلوم المعقول والمنقول، والتصوّف والطريقة، أعلم العلماء العاملين، أفضل الفضلاء الفاضلين، سيدي وعمدتي علامة الأنام، مرجع الخاصّ والعامّ».
¬
(¬1) ينظر: قرة عين الأخيار7: 421.
(¬2) في حلية البشر1: 1230.
(¬3) في قرة عين الأخيار7: 419.
(¬4) أي من ليس شبيه في مقدار ما بلغ من الفضل والعلم في أهل زمانه ....
وقال الشطي (¬1): «الشيخ الإمام العالم العلامة، المحقق المدقّق، الفقيه النحوي الفرضي الحيسوبي، الأديب الشاعر المتفنّن، حلاّل المشكلات، وكشّاف المعضلات، فقيه البلاد الشامية، وبدر العصابة الحسينية».
وقال أيضاً (¬2): «وجملة القول في صاحب الترجمة: أنَّه علامة فقيه فهامة نبيه، عذب التقرير، متفنن في التحرير، لم ينسج عصره على منواله ... ».
رابعاً: وفاته:
مات رحمه الله تعالى ضحوة يوم الأربعاء الحادي والعشرين من ربيع الثاني سنة (1252هـ)، وكانت مدّة حياته قريباً من أربع وخمسين سنة، ودُفِن بمقبرة في باب الصَّغير في التربة الفوقانية، وكان قبل موته بعشرين يوماً قد اتخذ لنفسه القبر الذي دفن فيه، وكان فيه بوصية منه لمجاورته لقبر العلامتين: الشيخ العلائيّ شارح «التنوير»، والشيخ صالح الجينينيّ إمام الحديث.
وصُلَّي عليه غائبة في أكثر البلاد (¬3).
¬
(¬1) في أعيان دمشق ص252.
(¬2) في أعيان دمشق ص255.
(¬3) ينظر: قرة عين الأخيار7: 425.
المبحث الثاني
دراسة عن المنظومة
وتتضمن المطالب الآتية:
المطلب الأول: موضوع المنظومة «رسم المفتي»:
والمقصود بقواعد رسم المفتي هو قواعد الإفتاء، فهو علم يبحث في كيفيّة تطبيق الفقه في الواقع، وأصوله هي: الضرورة، والحاجة، ورفع الحرج، والتّيسير، وتغيّر الزّمان، والعرف، والمصلحة، وعامّة الأحكام الفقهيّة متعلّقة بهذه الأمور، فكان لها تأثيرها البالغ في اختلافها من مجتهد إلى مجتهد، بسبب اختلاف بيئات الفقهاء وعصورهم، فقد كان لذلك أثر كبير في اختلافهم في كثير من الأحكام والفروع، حتى إنَّ الفقيه الواحدَ كان يرجع عن كثيرٍ من أقوالِه إلى أقوال أُخرى إذا تعرّض لبيئةٍ جديدةٍ تُخالف البيئة التي كان فيها.
قال ابن عابدين (¬1): «وكثيرٌ منها ما يُبَيِّنُه المجتهدُ على ما كان في عرفِ زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً؛ ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: أنَّه لا بُدّ فيه من معرفةِ عادات الناس.
فكثيرٌ من الأحكام تختلفُ باختلافِ الزَّمان؛ لتغيّر عرف أهله، أو لحدوثِ ضرورةٍ، أو فساد أهلِ الزّمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أَوّلاً للزم منه المشقّة والضرر بالناس، ولخالف الشَّريعة المبنيّةَ على التّخفيف والتَّيسير ودفع الضرر والفساد؛ لبقاء العالم على أتمّ نظام وأحسن إحكام».
ومثاله (79): التّزكية في العدالة: إنَّ الحكم أنَّه لا تقبل إلا شهادة العدل، كما شهد القرآن؛ قال - جل جلاله -: {ممن ترضون من الشهداء} البقرة: 282، والعرف يُساعدنا في معرفةِ العدل، ففي زمن أبي حنيفة: لم يَحتج للتّزكية في العدالة؛ لأنَّ النّاس عدول، أما في زمن الصَّاحبين فقد تغيّرت أحوال النّاس، فنحتاج لتحقُّق علّة الحكم من العدالة بالتَّزكية، فمَن لم يكن عدلاً لا تُقبل شهادته، هذا هو الحكم، ولكن كيف نتعرَّف على العدالة، حيث أمكن ذلك بالعرف.
ومثال آخر (80): تحقق المقصود من المبيع في خيار الرؤية: إنَّه يثبت خيار الرُّؤية لمَن لم يرَ المقصود من المبيع حتى يتحقَّق تمام الرِّضا، ففي
¬
(¬1) في نشر العَرف 2: 123.
عرف أبي حنيفة: يُمكن معرفة الدَّار بالنَّظر إليها من ساحتِها بدون الدُّخول في غرفِها؛ لأنَّ الدُّورَ في زمنه متشابهة، وفي زمن زُفر: لم تعد الدُّور متشابهة، فلا يُمكن الوقوف على المقصودِ منها إلا بالدُّخول في غرفِ الدَّار، فالحكمُ ثابتٌ ـ وهو ثبوتُ الخيار ـ حتى يقفَ على المقصودِ من المبيع، والعلّة هي التحقَّق من المقصود من المبيع، والعرف عرَّفنا أنَّ العلّة في زمن أبي حنيفة: تتحقَّق بالنَّظر من السَّاحة، وفي زمن زُفر: بدخول الغرف.
وهذا العلم ينبغي أن يَنال اهتماماً كبيراً من المشتغلين في الفقه، فلا سبيل لنا للتّرجيح بين الأقوال الفقهيّة إلا به، ولا فهم الخلاف الحاصل بين علماء المذهب إلا من خلاله، ولا إعمال الفقه في الواقع بدونه، فهو أقربُ ما يكون بالرّوح للفقه؛ إذ بدونه لا حياة له.
وفي ظنِّي أنَّ هذا التّراجعَ الذي حَصَلَ لعلم الفقه في هذا الزّمان حتى أصبح علماً نظريّاً في حياتنا الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة والقضائيّة لهو عائد لأمرين:
1.ترك الدراسة المتعمّقة المتمكّنة في الفقه.
2.إهمال علم رسم المفتي، فمَن لم يضبطه ويُدركه لن يتمكَّن من تطبيقِ الفقه واختيارِ الأنسب للواقع وفهم كيفيةِ التعاملِ معه.
لذلك أقول: إنَّ دراسةَ الفروع كما مَرَّ تُكوِّن (50) % من علم الفقيه، و (50) % هي قواعدُ رسم الإفتاء، وهي على قسمين: جانب نظري لقواعد الإفتاء يمثل (25) % من علم الفقه كما هو في المنظومة التي بين أيدينا، وجانب عمليّ: وهو المعرفة الحقيقية المتبصّرة بالواقع الذي يريد الإفتاء به وتنظيمه وترتيبه على أجمل طريقة وأحسنِ سلوك تمثل (25) % من علم الفقه؛ لذلك كَثُرَ قولُهم: «مَن لم يكن عالماً بأهلِ زمانه فهو جاهل» (¬1).
وهذا العلم يُمثِّلُ الحلقة ما بين المسائل الفقهيّة المدوّنة في الكتب وما بين الواقع المعاش للنّاس في كافّة مناحي الحياة، فمَن فقده فهو فاقدٌ للعلم حكماً؛ إذ لا خير في علمٍ بلا عمل، وفاقدُه فاقدٌ للعمل به لنفسه ولغيره.
وأحوج ما نحتاج إليه في هذه الأيّام هو إظهارُ رسم المفتي في علمٍ مستقلٍّ له قواعدُه وأسسُه ومبادئه، متيسِّرُ الدراسة لكلِّ المتفقهة، ويكون أحد البرامج المقرَّرة في المدارس الشرعيّة وكليّات الشريعة، وبدون ذلك سنبقى في دراستنا الشرعيّة أقرب إلى النّظرية من التّطبيق.
وهذا العلمُ هو الأصولُ التي يعتمدُ عليها المجتهدُ في المذهبِ في التّرجيح والتّفريع والتّطبيق والإفتاء، كما يعتمد المجتهدُ المستقلّ على
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار2: 47.
أصولِ الفقه لاستخراج الأحكام من الكتاب والسّنّة والآثار والتّرجيح بينها، فكما لا غنى للمجتهد المطلق عن أصول الفقه ـ فهي القواعد التي تُمَكّنه من القيامِ بعلمه واستفراغ جهده في استنباط الأحكام، وهي آلته في ذلك ـ فكذلك العالم في المذهب، فإنَّ رسمَ المفتي هي الأداة التي يتمكَّن بها من القيام بعمله، وبذل جهده في إنزال الفقه على الواقع، والخروج من دائرة الخلاف، وتلبية حاجات مجتمعه، فهي الوسيلة لذلك.
وكما أنَّ أُصولَ المجتهد المطلق تدور في محاور رئيسيّة فيها العديد من القواعد الأصوليّة وهي: الكتاب والسّنّة والإجماع والقياس، فكذلك فإنَّ أصولَ المجتهد في المذهب لها محاور رئيسيّةٌ مليئةٌ بقواعدِ الإفتاء، وهذه المحاور: هي الضرورة والعرف والتيسير، فهذه هي الأُصول الكبرى في رسم المفتي التي يرتكز عليها المفتي في فهمه وضبطِهِ وتطبيقِهِ للفقه.
المطلب الثاني: صحة نسبة المنظومة لابن عابدين:
يُقطع بصحّة نسبة المنظومة لابن عابدين لأسباب عديدة، منها:
1.نسبها ابن عابدين لنفسه في مقدمة المنظومة، حيث ذكر اسمه بقوله: «وبعد: فالعبد الفقير المذنب محمد بن عابدين .... ». وهذه أقوى الطرق في صحة نسبة الكتاب لمؤلّفه.
2.نسبها ابن عابدين لنفسه في مواضع عديدةٍ من كتبِهِ الأُخرى، مثل: «رد المحتار» (¬1) و «نشر العَرف» (¬2)، وغيرها.
3.نسبها لابن عابدين عامّة مَن ترجم له: كابنِه علاء الدين ابن عابدين (¬3) والشَّطيّ (¬4) وغيرهم.
المطلب الثالث: اسم المنظومة:
الاسم الحرفي الكامل لها هو: «عقود رسم المفتي»، هكذا سمّاها به ابنُ عابدين في مقدمة النظم، حيث قال: «سميته عقود رسم المفتي»،
¬
(¬1) رد المحتار 1: 7، 3: 52، 4: 434، 4: 362، 5: 361.
(¬2) نشر العَرف ص 1.
(¬3) في قرة عين الأخيار 7: 420.
(¬4) في أعيان دمشق ص 255.
وكذا في «نشر العَرف»، فقال (¬1): «شرحت أرجوزتي التي سميتها عقود رسم المفتي»، والشطي، فقال (¬2): «وشرح منظومته المسمّاة بعقود رسم المفتي».
والأكثر شيوعاً، هو ذكر الاسم بالمعنى والوصف، وهو «منظومة رسم المفتي»، وذكرها بهذا الاسم ابن عابدين في أكثر المواضع من «رد المحتار» (¬3).
المطلب الرابع: وصف نسخ المخطوطات المعتمدة في التحقيق:
لم أقف على نسخة مخطوطة منفردة للمنظومة بدون شرحها لابن عابدين، فأخرجتُ المنظومة من النسخ المخطوطة لشرحها، وأفردتُها لوحدها، واعتمدتُ في المقابلة للمنظومة والتَّصحيح على نسخ الشَّرح الآتية:
¬
(¬1) نشر العَرف ص 1.
(¬2) في أعيان دمشق ص 255.
(¬3) في رد المحتار 3: 52، 4: 434، 4: 362، 5: 361، وغيرها.
النسخة (أ):
وهي نسخة لشرح عقود رسم المفتي من مخطوطات الأزهر الشريف، برقم (326185)، وتقع في (30) ورقة، وتحتوي كل صفحة (25) سطراً، وهي بخط مقروء.
النسخة (ب):
وهي نسخة لشرح عقود رسم المفتي ضمن مخطوطات مكتبة الملك عبد العزيز العامة، برقم (2919)، وتقع في (27) ورقة، وتحتوي كل صفحة (33) سطراً، وهي نسخة تامة، كتبت المنظومة بالأحمر والشرح بالأسود مؤطرة بماء الذهب، وعليها تملك باسم أمين رسلان وختمة، وعليها تصويبات وتعاليق وفيها تعقيبات.
النسخة (جـ):
وهي نسخة لشرح عقود رسم المفتي مع شفاء العليل وبل الغليل لابن عابدين، من مخطوطات الألوكة، برقم (944)، وتقع (80) ورقة، وتحتوي كل صفحة (18) سطراً، وهي بخط جيد معتاد.
الصفحة الأولى والأخيرة من النسخة (أ) النسخة الأزهرية
المبحث الثالث
النص المحقق للمنظومة
باسم الإله شارع الأحكام ... مع حمده أبدأُ في نظامي
ثمّ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَرمداً ... على نبيّ قد أتانا بالهدى
وآله وصحبه الكرام ... على ممرِّ الدهر والأعوام
وبعد فالعبدُ الفقيرُ المذنبُ ... محمّدُ بنُ عابدين يطلب
توفيق ربِّه الكريمِ الواحد ... والفوز بالقبول في المقاصد
وفي نظامِ جوهر نضيد ... وعقد درّ باهرٍ فريد
سميته عقود رسم المفتي (¬1) ... يحتاجُه العامل أو مَن يفتي
وها أنا أشرعُ في المقصود ... مُستمنحاً مِنْ فيضِ بحرِ الجُود
اعلم بأنَّ الواجب اتباع ما ... ترجيحُه عن أهلِه قد عُلما
أو كان ظاهر الرواية ولم ... يرجحوا خلاف ذاك فاعلم (¬2)
¬
(¬1) أي: العلامة التي تدل المفتي على ما يفتي به، ينظر: رد المحتار1: 69.
(¬2) ومعناه: لا يجوز العمل بغير الراجح في المذهب، والمرجوح في مقابل الراجح لا عبرة به ولا يعتمد عليه إجمالاً، قال ابن عابدين في الشرح ص 249: «الواجبَ على مَن أرادَ أن يعملَ لنفسِهِ، أو يُفتي غيرَه، أن يتَّبعَ القولَ الذي رجَّحُه علماءُ مذهبه، فلا يجوز له العملُ أو الإفتاءُ بالمرجوحِ، إلاّ في بعضِ المواضع»، وقال ابن الصلاح في أدب المفتي والمستفتي ص125: «واعلم مَن يكتفي بأن يكون فتواه أو عمله موافقاً لقولٍ أو وجهٍ في المسألة ويعمل بما شاء مِنَ الأقوال أو الوجوه مِنْ غير نظر في الترجيح، فقد جهل وخرق الإجماع»، وقال ابن قُطْلوبُغا في التصحيح ق1/أ: «اتباع الهوى حرامٌ، والمرجوحُ في مقابلةِ الرّاجح بمنزلة العدم، والترجيحُ بغير مرجِّح في المتقابلات ممنوعٌ».
ودليل هذه المسألة: أنَّ الحقَّ عند الله - جل جلاله - واحدٌ، وهو قول أهل السنة؛ فعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» في صحيح مسلم1: 134، فالقائلون بعدم الأخذ بالقول الراجح والاختيار كما يريدون واقعون في مذهب المعتزلة في تعدد الحقّ، وهذا مهلكةٌ.
وَذُكِرَ طريقان لمعرفة الرَّاجح، وهما:
1.أن يكون التَّرجيحُ صادراً مِنْ أهل الاجتهاد في المذهب، فلا يعتدّ بترجيح مَنْ ليس من أهل الترجيح، وهذا صريحٌ بيِّنٌ مِنْ خاتمةِ المحقِّقين ابنِ عابدين بأنَّه لا يجوز الخوض في التَّرجيحِ بين الأقوال في المذهبِ الواحدِ إلاّ لمَن له أهليّة النَّظر في ذلك، بأن بلغ مرتبةً مِنَ الاجتهادِ تُمَكِّنه منه؛ لأنَّه ضربُ اجتهاد، فكيف بمَن يُرجِّحُ بين المذاهب وهو ليس من أهلها، قال ابنُ الهُمام: «والتَّحقيقُ أنَّ المفتي في الوقائع لا بد له مِنْ ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس»، ينظر: رد المحتار2: 398.
وهذا يوقعنا في قول المعتزلة: أنَّ الحقَّ عند الله متعدد، وهو ما يغفل عنه، حيث يختار من الأقوال ما يشاء من غير ترجيح، فالله المستعان.
2.أن يكون مذكوراً في كتب ظاهر الرواية، فهذا ترجيحٌ له مِنْ محمد بن الحسن بذكر القول في ظاهر الرِّواية، إلا إذا وجدناهم رجَّحوا غير ما في ظاهر الّرواية، فإننا نعمل بترجيحهم؛ لأنَّهم لم يَعدلوا عنه إلا لأسباب: كتغيّر العرف والحرج والضَّرورة، واللازمُ في حقّ المفتي والمُدرِّس قول المجتهد في المذهب لا قول المجتهد المطلق.
قال ابن عابدين في رد المحتار1: 192: «ولا يخفى أنَّ المتأخرين ... كصاحب «الهداية» وقاضي خان وغيرهما مِنْ أهل التَّرجيح هم أعلمُ بالمذهب منّا، فعلينا اتباع ما رجَّحوه وما صحَّحوه كما لو أَفتونا في حياتهم».
وكتب ظاهر الرواية أتت ... ستّاً وبالأصول أَيضاً سميت
صنَّفَها مُحمّدٌ الشيبانيّ ... حَرَّرَ فيها المذهب النعماني
الجامع الصغير والكبير ... والسير الكبير والصغير
ثُمَّ الزيادات مع المبسوط ... تواترت بالسند المضبوط (¬1)
¬
(¬1) معناه: أنَّ كتب ظاهر الرواية يطلق عليها أيضاً: رواية الأصول، وظاهر المذهب: وهي مسائل رُويت عن أصحاب المذهب، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وقد يلحق بهم زفر والحسن وغيرهما ممَّن أخذ الفقه عن أبي حنيفة، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة أو قول بعضهم، وسُمّيت بظاهر الرواية؛ لأنَّها رويت عن محمد برواية الثقات، فهي ثابتة عنه إمّا متواترة أو مشهورة. ينظر: شرح رسم المفتي ص16، وغيره.
وكلام محقِّق «الأصل» الدكتور محمد بوينوكالن في مقدمة الأصل 1: 113يشير إلى عدم ذكر الحسن في ظاهر الرواية، حيث قال: «يَذكر الإمام محمد في الكتاب أراء أستاذيه أبي حنيفة وأبي يوسف ورأيه في مواضع كثيرة جداً من الكتاب، وَيَذكر نادراً آراء غيرهم مثل: زفر وابن أبي ليلى وسفيان، ويذكر نادراً قول أهل المدينة».
واختلفوا في تحديد كتب ظاهر الرواية على أقوال:
1.أنَّها ستة كتب: «الجامع الصغير» و «الجامع الكبير» و «السير الصغير» و «السير الكبير» و «المبسوط» و «الزيادات»، واختاره اللكنوي في عمدة الرعاية 1: 29، والنحلاوي في الدرر المباحة ص232، والكشميري في فيض الباري2: 266، وعلي حيدر في درر الحكام شرح مجلة الأحكام4: 607، والعثماني في أصول الإفتاء ص23، والمجددي في أدب المفتي ص570، وابن عابدين في رد المحتار 1: 47، وشرح رسم المفتي ص16، والعقود الدرية1: 170، وفي موضع آخر2: 310، قال: «المراد بالمذهب ما يذكر في كتب ظاهر الرواية الخمسة التي هي: المبسوط، والسير الكبير، والسير الصغير، والجامع الكبير، والجامع الصغير من كتب الإمام محمد بن الحسن»، حيث جعلها خمسة وأخرج الزيادات، فلعله سبق قلم منه، لتعارضه مع ما ذكره في مواضع أخرى
2.أنَّها أربعة كتب، فلم يَعدّ «االسير» بقسميه منها، واختاره البابرتي في العناية 8: 371 وقاضي زاده في نتائج الأفكار 8: 371،9: 104، إذ قالا: «المرادُ بظاهر الرواية عند الفقهاء: رواية «الجامعين» و «المبسوط» و «الزيادات»، ويعبَّر عنها بظاهر الرواية، والمراد بغير ظاهر الرواية: رواية غيرها».
3.أنَّها خمسة كتب، فلم يعدّ «السير الصغير» منها، واختار ابن مازه في المحيط البرهاني1: 29، وطاشكبرى زاده في مفتاح السعادة 2: 237، وحاجي خليفة في كشف الظنون 2: 1283، والحموي في غمز عيون البصائر4: 322.
والقول الثالث هو الرّاجح؛ لأننا عند مقابلة كتاب «السِّير الصغير» المطبوع (طبعة السير الصغير بتحقيق: مجيد خدوري، الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1975م، ط1) مع «كتاب السير» من كتاب «الأصل» 1: 421 ـ538، (طبعة قطر) لمحمد بن الحسن الشيباني نجد أنَّهما لا يختلفان عن بعضهما أبداً، فلعله سُمِّي بالصغير؛ تمييزاً له عن «السِّير الكبير» الذي ألفه محمد بن الحسن مستقلاً، وشرحه السَّرَخْسيّ وغيره.
واختلفوا في تحديد ظاهر الرواية والأصول:
1.ذهب الجمهور: أنَّه لا فرق بينهما، وانتصر لهم ابن عابدين في شرح رسم المفتي ص16 - 18.
2.ذهب بعضهم: كالبابرتي في العناية1: 136وابن كمال باشا، كما شرح رسم المفتي ص17 - 18، وطاشكبرى زاده إلى الفرق بينهما، فقال طاشكبرى في مفتاح السعادة 2: 237: «إنَّهم يُعبّرون عن «المبسوط» و «الزيادات» و «الجامعين» برواية الأصول، وعن «المبسوط» و «الجامع الصغير» و «السير الكبير» بظاهر الرواية، ومشهور الرواية».
والراجح ما ذهب له الجمهور؛ لأنَّ الاستخدام الشائع في عامة الكتب استعمال رواية الأصول مرادفة لظاهر الرواية، ينظر: شرح السير الكبير1: 1871، والنكت للسرخسي ص36، والهداية3: 184، والبدائع1: 63، وغيرها.
كذا له مسائل النوادر ... إسنادُها في الكتب غيرُ ظاهر (¬1)
وبعدها مسائل النوازل ... خَرَّجَها الأشياخُ بالدلائل (¬2)
¬
(¬1) معناه: أنَّ كتب غير ظاهر الرواية: هي المسائل التي رويت عن الأئمّة، لكن في غير كتب ظاهر الرواية، وهي على أقسام:
أولاً: كتب لم تشتهر عن مُحمّد، ولم تروَ عنه بطرق كطرق الكتب الأُول، وهي:
1. «الكيانيات»: وهي مسائل جمعها محمد لرجل يسمى كيان، وقد يوجد في بعض الكتب «الكيسانيات»، وقالوا: جمعها كيسان، وهي بلدة، قال طاشكبرى في مفتاح السعادة 2: 237: «لكن هذا غير صحيح، والصحيح الأول»، وقال الكوثريّ في بلوغ الأماني ص66: «هي مسائل رواها سليمانُ بن شعيب عن أبيه عن محمد، ويقال لها الأمالي».
2. «الرقيَّات»: وهي مسائل جمعها محمد حين كان قاضياً بالرقّة، قال الكوثريّ في بلوغ الأماني ص66: «رواها عنه محمد سماعة وكان معه طول بقاء محمد بن الحسن بها».
3. «الجُرجانيّات»: وهي مسائل جمعها محمد بجرجان، قال الكوثري في بلوغ الأماني ص66: «ويرويها علي بن صالح الجرجاني».
4. «الهارونيّات»: وهي مسائل جمعها محمد لرجل مسمَّى بهارون، وفي المظاهري ص68: مسائل جمعها محمد في زمن هارون الرشيد.
5. «الكسب» يقال: إنَّه مات قبل أن يتمه، وكانوا سألوه أن يؤلف كتاباً في الورع، فجاوبهم بأني ألفت كتاباً في البيوع، يريد أنَّ المرء إذا طاب مكسبه حسن عمله، فلما أصروا على الطلب بدأ في تأليف هذا الكتاب ...
ثانياً: كتب محمد التي يغلب فيها الحديث، فَبَين أيدينا:
1. «موطأ محمد» بروايته عن مالك، وفيه ما يزيد على ألف حديث وأثر من مرفوع وموقوف مما رواه عن مالك، وفيه نحو مئة وخمسة وسبعون حديثاً عن نحو أربعين شيخاً سوى مالك ... ، وعليه شروح عديدة، منها: «شرح القاري»، و «شرح البيري»، و «شرح عثمان الكماخي»، وشرح اللكنوي المسمى «التعليق الممجد» ...
2. «الحجة»، المعروفة بالحجج في الاحتجاج على أهل المدينة.
3. «الآثار»، يروي فيه عن أبي حنيفة أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة، ويكثر جداً عن إبراهيم النخعي شيخ الطريقة العراقية، ويروي فيه قليلاً عن نحو عشرين شيخاً سوى أبي حنيفة، وهو كتاب نافع للغاية، وللمشايخ عناية خاصة بروايته في أثباتهم، وقد ألَّف ابن حجر «الإيثار بمعرفة رواة الآثار» في رجالة باقتراح صاحبه العلامة قاسم الحافظ، ثم ألَّف هو أيضاً كتاباً آخر في رجاله، ينظر: بلوغ الأماني ص65 - 66.
قال العثمانيّ في أصول الإفتاء ص139: «والظاهر أنَّها وإن كانت بمثابة كتب ظاهر الرواية في صحة نسبتها إلى الإمام محمد، واشتهارها فيما بين أهل العلم، ولكنَّها ليست موضوعة لبيان المذهب وفروعه، ... وكتب ظاهر الرواية فإنَّها وضعت لبيان المذهب أصلاً، فصارت هي المعتمدةُ لمعرفة المذهب الحنفي، ولعلّ من أجل هذا لم يذكر الفقهاء الحنفيّة هذه الكتب لا في ظاهر الرواية ولا في النّوادر؛ لأنّها ليست من النّوادر لشهرتها عن الإمام محمّد، وليست من ظاهر الرواية؛ لأنَّها لم توضع لبيان المذهب، ولكن الظَّاهر أن رتبتها فوق النَّوادر ويؤخذ بما جاء فيها إلا ما عارض الكتب الستّة».
ثالثاً: الرِّوايات المُتفرّقة:
وهي المشهورة بالنوادر: وهي عن محمد بن الحسن من غير ظاهر الرواية، وهي ثمان: «نوادر هشام»، و «نوادر ابن سماعه»، و «نوادر ابن رستم»، و «نوادر داود بن رشيد»، و «نوادر المعلى»، و «نوادر بشر»، و «نوادر ابن شجاع البلخي أبى نصر»، و «نوادر أبي سليمان»، ينظر: مقدمة منتهى النقاية على شرح الوقاية ص56 - 58، وغيره.
رابعاً: كتب غير محمّد: كـ «المجرَّد» للحسن بن زياد، ومنها: كتب «الأمالي»، ويقال: أنَّ الأمالي في ثلاثمئة جزء،
والإملاء: أن يقعد العالم وحوله تلامذة بالمحابر والقراطيس، فيتكلّم العالم بما فتح الله عليه من العلم، وتكتب التلامذة ما تكلّم مجلساً مجلساً، ثم يجمعون ما كتبوا، فيصير كتاباً، ويسمّى بـ «الأمالي»، وكان هذا عادة المتقدّمين. ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص 17.
(¬2) معناه: أنَّ كتب النوازل والواقعات: هي مسائل استنبطها المتأخرون مِنْ أصحاب محمد وأصحاب أصحابه ونحوهم فَمَن بعدهم ... وأوّل كتاب جمع في النوازل ممَّا عُلِم «النوازل» لأبي الليث السَّمَرقنديّ (ت375هـ)، وجمع فيه فتاوى المتأخرين من المجتهدين من مشايخه، وشيوخ مشايخه: كمحمد بن مقاتل ومحمد بن سلمة ونصير بن يحيى، وذكر فيها اختياراته أيضاً.
ثمّ جمع المشايخ فيه كتبً: كـ «مجموع النوازل» و «الواقعات» للناطفي والصدر الشهيد، ثم جمع من بعدهم من المشايخ الفتاوى لكنهم خلطوا فيها مسائل ظاهر الرواية والنوادر والنوازل مع بعضها كما في «جامع قاضي خان» و «الخلاصة»، وغيرها من الفتاوى، ومنهم من ميّز بينها كما في «محيط رضي الدين السَّرَخْسيّ»، فإنَّه ذكر أوّلاً مسائل الأُصول، ثمّ النوادر، ثم الفتاوى. ينظر: النافع الكبير ص18 - 19، وغيره.
وآخر الستّة تصنيفاً وَرَد ... السير الكبير فهو المعتمد (¬1)
¬
(¬1) يسمّى «المبسوط» لمحمد بن الحسن بـ «الأصل»؛ لأنَّه ألف قبله، فهو كالأساس لمن بعده.
قال الدكتور محمد بوينوكالن في مقدمة «الأصل» ص44 - 46: «سبب التسمية بالأصل يرجع إلى أنَّه كتاب شامل للمسائل والقواعد الأساسية التي وضعها أبو حنيفة ومن بعده أبو يوسف ومحمد، فهذا الكتاب هو الأصل والأساس والقاعدة التي بني عليها الفقه الحنفي فيما بعد، وقد كانت هذه المسائل تعرف بمسائل الأصول، وكانت أراء الإمام أبي حنيفة تدون من قبل تلاميذه، ويناقشون المسألة في مجلسه فإذا استقر رأيهم على أمر دونوه في الأصول، ولعل المقصود بالأصول هنا كتب وأبواب الفقه الأساسية، فموضوع الصلاة مثلاً أصل، وموضوع الزكاة أصل ... أي موضوع أساسي تدور حوله مسائل ذلك الكتاب، ثم آلت تلك الأصول على تلاميذ الإمام ... ووسعا هذه الأصول بمسائل جديدة، فكان هذه الآراء مجتمعة هي امتداداً لذلك الأصل الذي دون في عهد الإمام .. وكونت هذه المجموعة الأصل والأساس للمذهب الحنفي، حيث بنى على هذا الأصل جميع مَنْ جاء مِنْ بعدهم مِنَ الحنفية وغيرهم ....
وهناك احتمال آخر، وهو أنَّ اسم الأصل لم يكن في البداية اسماً لكتاب معين، وإنَّما هو بمعنى الكتاب أو المرجع الأساسي أو المصدر الذي يتحاكم إليه للضبط والتثبت، كما كان المحدثون يستعملون هذه اللفظة بكثرة في هذه المعاني أو قريباً منها، لكن لكثرة استعمال هذه اللفظة للتعبير عن تلك الكتب صارت علماً لهذه الكتب عند الحنفية ...
ويظهر أنَّ سبب تسميته بالمبسوط: أنَّه مبسوط واسع كبير مسترسل في العبارة وشامل لجميع أبواب الفقه، وهو مخالف في ذلك للجامع الصغير وأمثاله من كتب محمد التي هي أصغر حجماً، ولا نستطيع أن نجزم إن كان الإمام محمد سمّى كتابه هذا بهذه الاسم أيضاً، ومع ذلك فإنَّ تسمية الكتب بالمبسوط كانت شائعة في العصور الأولى، فترى العديد مِنَ الكتب المسمّاة بهذا الاسم في مختلف علوم المسلمين».
وإذا اختلفت الروايات في كتب ظاهر الرواية، فحينئذ يؤخذ بالكتاب الذي تأخَّر تأليفه، فيصير خلافه كالمرجوع عنه، وترتيب كتب ظاهر الرّواية في التّرتيب في التأليف كالآتي: «المبسوط» ثمّ «الجامع الصغير» ثم «الجامع الكبير» ثم «الزيادات» ثم «السير الكبير»، فإن وقع التعارض مثلاً فيما بين «المبسوط» و «الزيادات» يختار ما في الزيادات؛ لكونه متأخراً، ينظر: كشف الظنون 2: 1387، ومقدمة العمدة 1: 17، وأصول الإفتاء 38، وغيرها.
واشتهر المبسوط بالأصل وذا ... لسبقه الستّة تصنيفاً كذا
الجامع الصغير بعده فما ... فيه على (¬1) الأصل لذا تقدّما
¬
(¬1) في ب: «علي».
وَيَجمع الست كتاب الكافي ... للحاكم الشهيد فهو الكافي
أقوى شروحه الذي كالشمس ... مبسوط شمس الأئمة السرخسي
معتمد النقول (¬1) ليس يُعمل ... بخُلْفِه وليس عنه يُعْدَل (¬2)
واعلم بأنَّ عن أبي حنيفة ... جاءت (¬3) روايات غدت منيفة
اختار منها بعضها والباقي ... يختار منه سائر الرفاق
¬
(¬1) في جـ: «النفوس».
(¬2) جمع الحاكم الشهيد (ت334هـ) كتب ظاهر الرواية مع إسقاط المتكرر منها في كتابه «الكافي» فكان التعويل عليه في المذهب.
قال حاجي خليفة في كشف الظنون 2: 1378: «وهو كتاب معتمد في نقل المذهب».
وشرحه جمع من العلماء: كالإسبيجابي (ت480هـ) وإسماعيل بن يعقوب الأنباريّ (ت331هـ). ينظر: كشف الظنون 2: 1378.
وأبرز شراحه وأشهرهم: شمس الأئمة السَّرَخْسيّ (ت نحو500هـ)، قال الطرسوسي: ««مبسوط السَّرَخْسيّ» لا يعمل بما يخالفه، ولا يركن إلا إليه، ولا يفتى ولا يعوّل إلا عليه». ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص 20، وغيره.
قال الدكتور محمد بوينوكالن في مقدمة «الأصل» ص119 - 120: «والذي لاحظنا مِنَ الإطلاع على كتاب «الكافي» للحاكم أنَّه يختصر لفظ كتاب الأصل، ويتخذه أساساً ثم يضيف إليه ما يراه مناسباً من كتب الإمام محمد الأخرى وأحياناً من كتب أبي يوسف، لكن الأساس هو كتاب «الأصل»، والعبارة هي كتاب «الأصل» في معظمها ... والحاكم قد قام بعمل مهم جداً في هذا الكتاب، وهو أنَّه قد قارن بين نسخ كتاب الأصل، وأثبت الفروق بينها في مواضع كثيرة من «الكافي»، وأكثر ما اعتمد عليه نسخة أبي سليمان وأبي حفص، ولكن توجد فيه إشارات إلى بعض النسخ الأخرى في مواضع قليلة ... ».
(¬3) في أ و ب: «جات».
فلم يكن لغيره جواب ... كما عليه أقسم الأصحاب (¬1)
وحيث لم يوجد له اختيار ... فقول يعقوب هو المختار
¬
(¬1) ومعناها: وردت عن أبي حنيفة عدة أقوال واضحة بينة في المسألة، فاختار منها أبو حنيفة رواية، واختار أصحابه الروايات الباقية، فكلُّ ما ورد من أقوال عن أصحابه هي أقوال لأبي حنيفة هم اختاروها، وهذا تفسير القسم الوارد عن أبي يوسف وغيره من أنَّ كلَّ أقوالهم هي عبارة عن أقوال لأبي حنيفة، وهذا يخالف حقّق في بلوغهم درجة المجتهد المطلق، وإنَّما آثروا الانتساب لشيخهم أدباً وإجلالاً له، فقولهم بما قال إنَّما هو لموافقة رأيهم لرأيه في الاجتهاد، فإنَّ مجلس أبي حنيفة مجلس تفقيه، وَمِنَ الطبيعي أن تعرض فيه كلّ الوجوه للمسألة، ومَن ثَمّ يَختار كلُّ واحدٍ منهم وجهاً اعتماداً على أصوله التي قرَّرها.
وأيضاً: هذا الكلام منهم بعدم خروجهم عن أقوال أبي حنيفة من باب الأدب والتواضع أمام مَن يقول لهم: لِمَ لم تستقلوا باجتهاد في مذهب منفرد، للشهرة العظيمة التي نالوها بعد الإمام، فكان كلامهم ردّاً على هذا، وإن لم يكن في الواقع تماماً، والله أعلم.
قال العثمانيّ في أصول الإفتاء ص169: «ومعناه على ما حقّقه العلامة الكوثري: أنَّ الإمام أبا حنيفة كان يبدي أمام تلامذته احتمالات مختلفة في مسألة واحدة، وكان أصحابه يأخذون بأحد هذه الاحتمالات بأدلتها».
ونحكي هنا كلام الكوثريّ في حسن التقاضي ص60 بلفظه؛ لما فيه من الفوائد: «ومنشأ الخلاف ادعاء أنَّ تلك الأقوال كلها أقوال أبي حنيفة، هو ما كان يجري عليه أبو حنيفة في تفقيه أصحابه من احتجاجه لأحد الأحكام المحتملة في مسألة وانتصاره له بأدلة، ثم كرّروه بالرد عليه بنقض أدلّته، تدريباً لأصحابه على التّفقه على خطواتٍ ومراحل إلى أن يستقرّ الحكم المتعيّن في نهاية التّمحيص، ويُدوّن في الدّيوان في عداد المسائل الممحّصة، فمنهم مَن ترجّح عنده غير ما استقرّ عليه الأمر من تلك الأقوال باجتهاده الخاصّ، فيكون هذا المترجح عنده قولَه من وجهٍ، وقولَ أبي حنيفة من وجهٍ آخر، مِنْ حيث إنَّه هو الذي آثار هذا الاحتمال ودلَّل عليه أوّلاً وإن عدل عنه آخيراً .... ».
والحاصل: أنَّ أصحاب أبي حنيفة إنَّما اختاروا في كل مسألة مِنْ أحد الاحتمالات التي أثارها الإمام، ثمّ ما استقر عليه رأي الإمام صار مذهباً له، وما استقرّ عليه رأي أحد أصحابه نسب إليه».
ثمَّ مُحمّد فقوله الحَسَن ... ثمَّ زفر وابن زياد الحسن (¬1)
وقيل: بالتخيير في فتواه ... إن خالف الإمام صاحباه (¬2)
¬
(¬1) ومعناه: إن لم نجد قولاً لأبي حنيفة في مسألة فنأخذ بقول أبي يوسف إن وجد، وإن لم يوجد نأخذ بقول محمد بن الحسن، فإن لم يوجد نأخذ بقول زفر أو الحسن بن زياد، فهذا يدلَّ على أنَّ الترجيح عندهم يعتمد على مكانة المجتهد، فمَن ارتفعت مكانته قُدِّم ترجيحه.
وهذا الترتيب الموجود للترجيح على حسب المكانة في الاجتهاد، فمَن كانت أصوله أحكم وأقوى كان ترجيحه أفضل، فالترجيح بين الاجتهادات مبنيٌّ على قوّة الاجتهاد المعتمد على أحكم الأصول، ولم يرجِّحوا بينهم بظاهر الحديث مثلاً كما يفعل الآن؛ لعدم انتباههم لهذه الفائدة الدقيقة؛ لذلك نجد المؤلفين لا يقدمون على قول أبي حنيفة قول أحد من أصحابه من جهة الاستدلال، فدائماً يرجّحون قوله أبي حنيفة مِنْ جهة الاستنباط، ولكن يرجّحون قول أصحابه من جهة التّطبيق، فبعد أن يفصلوا في الاستدلال لقول أبي حنيفة يقولون: والفتوى على قول محمد؛ للضرورة مثلاً، وانظر إلى فعل صاحب «الاختيار» و «الهداية» تجد مصداق هذا.
(¬2) فالحاصلُ: أنَّه إذا اتفق أبو حنيفة وصاحباه على جواب لم يجز العدول عنه إلا لضرورة، وكذا إذا وافقه أحدُهما، قال قاضي خان في «فتاواه» 1:1: «وإن كانت المسألة مختلفاً فيها بين أصحابنا: فإن كان مع أبي حنيفة أحد صاحبيه يأخذ بقولهما ـ أي بقول الإمام ومَن وافقه ـ؛ لوفور الشَّرائط، واستجماع أدلّة الصواب فيها.
وإن خالفه صاحباه في ذلك: فإن كان اختلافهم اختلاف عصر وزمان: كالقضاء بظاهر العدالة، يأخذ بقولِ صاحبيه؛ لتغيير أحوال النّاس، وفي المزارعة والمعاملة ونحوها يختار قولهما؛ لإجماع المتأخرين على ذلك، وفيما سوى ذلك يخيّر المفتي المجتهد، ويعمل بما أَفضى إليه رأيه، وقال عبد الله بنُ المبارك: يأخذ بقول أبي حنيفة».
وأمّا إذا انفرد عنهما بجواب وخالفاه فيه، فإن انفرد كلٌّ منهما بجواب أيضاً بأن لم يتفقا على شيءٍ واحدٍ، فالظاهرُ ترجيح قوله أيضاً، ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص 26.
وهذا تأكيدٌ على الفكرةِ السّابقة في التّرجيح بقوّة الاجتهاد، فجعل بعضُهم اجتماع اجتهاد الصاحبين مساوٍ لاجتهاد أبي حنيفة بحيث يتخيّر المفتي بينهما، ولكن هذا شرطٌ للمفتي المجتهد كما قال قاضي خان، وإن لم يكن مجتهداً يلتزم العمل بقول أبي حنيفة.
وقيل: مَن دليله أَقوى رجح ... وذا لمفتٍ ذي اجتهاد الأصحّ (¬1)
فالآن لا ترجيح بالدليل ... فليس إلا القول بالتفصيل (¬2)
¬
(¬1) ومعناه: الترجيح بينهم بقوّة الدليل، وهو على معنين:
1.إن قصدنا به أصول الاستنباط، فتكون هذه وظيفةُ المجتهد المنتسب، حيث لهم بعض الأُصول التي خالفوا فيها، فيكون ترجيحٌ بين قول أبي حنيفة وصاحبيه بالنّسبة للأُصول التي اختارها المجتهد المنتسب، وإلا لن يكون قول أبي حنيفة مرجوحاً بالنّظر إلى أُصوله، ولن يكون قول الصّاحبين مرجوحاً بالنّظر إلى أُصولهم؛ لأنَّ التّرجيح لا يكون إلا بالأصول كما سبق.
2.إن قصدنا به أُصول البناء وأُصول التّطبيق، فتكون هذه وظيفة المجتهد المنتسب والمجتهد في المذهب، فهما يرجّحان بين الأقوال بالنّظر إلى هذين الأَصلين، والله أعلم.
(¬2) في جـ: «الترجيح».
ومعناه: قد علمت أنَّ الأصحَّ تخيير المفتي المجتهد، فيُفتي بما يكون دليلُه أَقوى، ولا يلزمه المشي على التفصيل السابق مِن اعتبار قول أبي حنيفة أولاً ثم أبي يوسف، وهكذا.
ولكن لَمَّا انقطع المجتهد المنتسب بعد القرن الرابع، ولم يبقَ إلاّ الترجيح بالاعتماد على أصول البناء وأصول التطبيق مِنْ قِبَلِ المجتهد في المذهب، ومن لم يقدر على الاجتهاد مِنَ المفتين، وهو حال عامة المفتين، فعليه التزام التفصيل السابق مِنَ الإفتاء أَوّلاً بقولِ أبي حنيفة وهكذا.
ما لم يكن خلافه المصححا ... فنأخذ الذي لهم قد وضحا (¬1)
فإننا (¬2) نراهمو قد رجّحوا ... مقال بعض صحبه وصحّحوا
مِنْ ذاك ما قد رجحوا لزفر ... مقاله في (¬3) سبعة وعشر (¬4)
ثمّ إذا لم توجد الرّواية ... عن علمائنا ذوي الدراية
واختلف الذين قد تأخروا ... يُرَجَّحُ الذي عليه الأَكثر
مثل: الطحاويّ وأبي (¬5) حفص الكبير ... وأبوي (¬6) جعفر والليث الشهير (¬7)
¬
(¬1) ومعناه: أننا نلتزم بما صحَّح المجتهدون في المذهب مِنْ أقوال، فأقوال المجتهدين في المذهب هي الحجة في حقّ المفتي، كما أنَّ قول المجتهد المطلق حجة في حق المجتهد في المذهب، وقول المفتي حجة في حق العامي، فهي مراتب يسير فيها الحكم حتى يصل إلى العامي، فيبدأ بالقرآن والسنة ثم المجتهد المطلق ثم المجتهد في المذهب ثم المفتي ثم العامي، فلا يصل إلى العامي إلا بعد مروره بعدة مراحل في الفحص والتمحيص.
فإن لم يرَ المفتي تصحيحاً للمجتهد في المذهب يعلم أنَّ الرّاجح ظاهر عبارات الكتب من ذكر ظاهر الرواية، فيلتزم العمل به.
(¬2) في جـ: «فلنا».
(¬3) في جـ: «من».
(¬4) ومعناه: أننا نرى أنَّ المجتهدين في المذهب رجّحوا كثيراً مِنْ أقوال أصحاب أبي حنيفة؛ لأنَّ المذهب ليس خاصّ بأبي حنيفة، وإنَّما هو أكبر المجتهدين في المذهب، وفي المذهب مجتهدون كثر، ورجَّح المجتهدون في المذهب من بين أقوالهم ما هو الأنسب للواقع، ومن ذلك أنَّهم رجحوا لزفر سبعة عشرة مسألة، لكن حرَّر ابن عابدين في رد المحتار 3: 607 أنَّها عشرين مسألة.
(¬5) في أ: «ابن».
(¬6) في أ و جـ: «وأبو».
(¬7) ومعناه: إن لم يوجد حكم في المسألة عن المجتهدين المستقلين أبي حنيفة وتلامذته، فيؤخذ بالحكم بطبقة المجتهد المنتسب، قال المقدسي في الحاوي القدسي ق 180/ أ: «إذا لم يوجد في الحادثة عن واحدٍ منهم جوابٌ ظاهر، وتَكَلَّم فيه المشايخُ المتأخرون قولاً واحداً يؤخذ به، فإن اختلفوا، يؤخذ بقولِ الأكثرين ممّا اعتمد عليه الكبار المعروفون: كأبي حفص، وأبي جعفر، وأبي الليث، والطحاوي وغيرهم، فيعتمد عليه».
وحيث لم توجد لهؤلاءِ ... مقالةً واحتيج للإفتاء
فلينظر المفتي بجدٍّ واجتهاد ... وليخش بطش رَبِّه يوم المعاد
فليس يجسر على الأحكام ... سوى شقي خاسر المرام (¬1)
وهاهنا ضوابط محرَّره ... غدت لدى أهل النهى مقرَّره
في كلِّ أبواب العبادات رجّح ... قول الإمام مطلقاً ما لم تصح
عنه رواية بها الغير أخذ ... مثل تيمم لمَن تمراً نبذ (¬2)
¬
(¬1) ومعناه: إن لم يكن في المسألة حكمٌ عن أبي حنيفة وأصحابه ولا مَن جاء بعدهم مِنَ العلماء، ونحتاج للفتوى فيها، فإن كان المفتي مجتهداً فعليه بعد بحثه الشَّديد أن يجتهد في المسألة ويستخرج بالقياس على نظائرها من المسائل المنقولة عن أئمة المذهب، ولا يعتمد على القواعد الفقهيّة، وليتق الله تعالى فيما يفتي؛ لأنَّه يُبيّن حكم الله تعالى، فإن تساهل أو لم يكن أهلاّ لذلك فهو جرئٌ على الله، وهو شقيٌّ خاسر عند الله تعالى.
قال المقدسيّ في الحاوي القدسي ق 180/ أ: «وإن لم يوجد منهم جوابٌ البتة نصّاً، ينظر المفتي فيها نظر تأمّل وتَدَبُّر واجتهاد؛ ليجد فيها ما يَقْرُبُ إلى الخروجِ عن العهدة، ولا يَتَكَلَّمُ فيها جُزافاً لمنصبه وحرمتِه، وليخش الله تعالى ويُراقبه، فإنَّه أَمرٌ عظيمٌ لا يَتَجاسرُ عليه إلاّ كلُّ جاهل شقيٍّ».
(¬2) ومعناه: سنذكر ضوابط منقحة وثابتة عند أهل العقول، وهم العلماء، وهي:
1.الرّاجح قول أبي حنيفة في جميع أبواب العبادات مِنَ الطهارة والصلاة والزكاة والصّيام والحجّ، إلا في مسائل قليلة صرّحوا بترجيح قول غيره: كترجيحهم لقول الصّاحبين في جواز التّيمّم مع وجودِ نبيذ التّمر، مع أنَّ قول أبي حنيفة التّوضؤ بالنّبيذ؛ لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - في ليلةِ الجنّ: «سألني النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ما في إداوتك؟ فقلت: نبيذ. فقال: تمرةٌ طيبةٌ وماء طهورٌ، قال: فتوضّأ منه» في سنن الترمذي 1: 147، وسنن البيهقي الكبير 1: 9، وسنن الدارقطني 1: 77، وسنن أبي داود 1: 21، وسنن ابن ماجه 1: 135، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 32، وشرح معاني الآثار 1: 95، ومسند الشاشي 2: 248، ومسند أحمد 1: 402، ومسند أبي يعلى 9: 203، والمعجم الكبير 1: 147، وغيرها، وحسنه في إعلاء السنن 1: 284. إلا أنَّه رجع عنه، ينظر: البحر 1: 144، واختاره صاحب التنوير 1: 152، وكنز الدقائق ص5، وصححه في الدر المختار 1: 152، والملتقى ص6: وبه يفتى. وفي رمز الحقائق 1: 16: والفتوى على رأي أبي يوسف. وعند محمد يتوضأ ويتيمم. ينظر: الوقاية ص104، وغيرها.
قال ابن عابدين في رد المحتار 1: 71: «قد جعل العلماء الفتوى على قول الإمام الأعظم في العبادات مطلقاً، وهو الواقع بالاستقراء, ما لم يكن عنه رواية كقول المخالف، كما في طهارة الماء المستعمل والتيمم فقط عند عدم غير نبيذ التمر».
وكلُّ فرع بالقضا تَعلَّقا ... قول أبي يوسف فيه ينتقى (¬1)
¬
(¬1) 2.الرّاجح قول أبي يوسف في أبواب القضاء المختلفة؛ لتجربته الطويلة فيه، وهذا يؤكد ما سبق مِنْ أنَّ التّرجيح بين المجتهدين برسم المفتي، فلمّا كانت تجربة لأبي يوسف في القضاء كانت أقواله متوافقة مع الواقع وملائمة له، فجعلوا الفتوى على قوله؛ لما فيه من التيسير ورفع الحرج عن المكلفين، ولأنَّ الفقه وسيلةٌ لتنظيم الحياة وليست غايةً في نفسِه، وإنّما الغاية مرضاة الله بالتّقوى، فما كان مِنْ أقوال الأئمة أنسب للحياة فهو أولى بالفتوى والعمل، كما رأينا من تطبيقهم، والله أعلم.
قال ابن عابدين في رد المحتار 1: 71: «الفتوى على قول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء، كما في «القنية» و «البزازية»: أي لحصول زيادة العلم له به بالتجربة؛ ولذا رجع أبو حنيفة عن القول بأنَّ الصدقة أفضل من حج التطوع لما حج وعرف مشقته، وفي «شرح البيري»: أنَّ الفتوى على قول أبي يوسف أيضاً في الشهادات».
وفي مسائل ذوي الأرحام قد ... أفتوا بما يقوله محمّد (¬1)
ورجّحوا استحسانهم على القياس ... إلاّ مسائل وما فيها التباس (¬2)
وظاهر المروي ليس يعدل ... عنه إلى خلافه إذ ينقل (¬3)
لا ينبغي العدول عن دراية ... إذا أتى بوفقها رواية (¬4)
¬
(¬1) 3.الرّاجح قول محمّد في جميع مسائل الأرحام مِنْ باب الفرائض.
(¬2) 4.الراجح هو الاستحسان على القياس إلا مسائل قليلة جداً جعلها الناطفي أحد عشر، وجعلها عمر النسفي اثنتين وعشرين مسألة. ينظر: فتح الغفار بشرح المنار ص388.
وهذه المسائل ملتبس فيها ما هو القياس وما هو الاستحسان.
وهذا يؤكد أنَّ الاستحسان بمعنييه: القياس الخفي والاستثناء، هو بيان الراجح في المسألة، حيث معناه الظاهر رجحنا هذه العلة الخفية أو رجحنا الاستثناء هنا بسبب النص أو الإجماع أو الضرورة.
وأكثر هذا الاستحسان يرجع لرسم المفتي، ويُعدُّ ترجيحاً لما هو أنسب للواقع من أقوال الفقهاء، والأولى عدّه من الجانب التطبيقي للفقه، فيكون ذكره ترجيحاً.
(¬3) معناه: لا يجوز ترك ظاهر الرّواية والأخذ بالرّوايات في غير ظاهر الرواية؛ لأنَّ ظاهر الرّواية هو الثّابت عن المجتهد، قال ابنُ نُجيم في البحر 6: 294: «ما خَرَجَ عن ظاهرِ الرّوايةِ فهو مرجوعٌ عنه، والمرجوعُ عنه لم يبقَ قولاً للمجتهد كما ذكروه». وهذا مُقيّدٌ بما إذا لم يكن غير ظاهر الرِّواية مصحَّح مِنْ قِبَلِ المجتهدين في المذهب حتى لا يتعارض مع ما سبق.
(¬4) هذه القاعدة ظهرت عند مدرسة محدثي الفقهاء مِنَ المتأخرين، قال ابن الهمام في فتح القدير 1: 302: «ولا ينبغي أن يعدلَ عن الدراية إذا وافقتها رواية»، وفسَّر ابن عابدين في رد المحتار2: 82 الدراية: «بالدليل».
وأصل هذه القاعدة مأخوذ مِنْ علماء الحديث فهي قاعدة شائعة في كتب علوم الحديث ينظر: أصول الحديث ص10، فنقلها المتأخرون من محدثي الفقهاء إلى المذهب الحنفي وعملوا على تطبيقها على مسائله، فيقصدون بالدراية: الدليل النقلي، وبالرواية: وجود نقل في المسألة عن أئمته ولو كان النقل في غير ظاهر الرواية، والمعنى المقصود: أنَّ المسائل المنقولة عن أئمة المذهب بأي طريق كان وتشهد لها ظواهر الأحاديث النبوية هي المعتبرة، فلا يجوز العدول عنها.
وهذا محلُّ نظر كبير؛ لأنَّ الاستدلال لا يكتفى به بظواهر الأحاديث ما لم يمرّ على قواعد الأصول في تصحيح الأحاديث، وقواعد الأصول في التوفيق بين الأدلة، وقواعد الأصول في الاستنباط، فيما يفعل بهذه المنهجية العلمية الصحيحة التي بني عليها المذهب.
وبسبب ذلك رأينا مدرسة محدثي الفقهاء تطبق هذه القاعدة كثيراً، وترجّح الروايات الضعيفة في المذهب إن كانت موافقة لحديثٍ؛ لأنَّ فيه تركٌ للقول المعتبرُ عن المجتهدين العظام وذهاب إلى ما دونه مِنَ الأقوال، وفيه تلميحٌ بتوهين وتضعيف ما نُقِل عن الأئمةِ إن كان الحديثُ مُخالفاً له، وكأنَّ قولهم لم يُبن على دليل، وهذا بعيد جداً، والله أعلم.
لذلك إن أردنا التزام هذه القاعدة وتطبيقها، فيكون معنى الرّواية هو النقلُ المعتمد في المذهب في ظاهر الرواية، والدراية هي الأصول سواء كانت أصول بناء المسائل أو أصول تطبيقها على الواقع، فيكون المعنى إن صحّت الرّواية ووافقتها الدّراية بالأُصول فلا يجوز العدول عنها، والله أعلم.
وكلُّ قول جاء ينفي الكفرا ... عن مسلم ولو ضعيفاً أَحْرَى (¬1)
¬
(¬1) في أ: «أحري».
معناه: كما قال ابن نجيم في البحر 5: 135: «والذي تَحَرَّر أنَّه لا يُفتى بكفرِ مسلمٍ أَمْكَن حَمْلُ كلامه على مَحْمَلٍ حسن، أو كان في كفرِه اختلافٌ ولو رواية ضعيفة».
وقال ابن عابدين في شرح رسم المفتي 1: 50: «ما مرَّ مِنْ أنَّه ليس للمفتي العمل بالضعيف والإفتاء به محمول على غير موضع الضرورة ... وينبغي أن يلحق بالضرورة مِنْ أنَّه لا يفتى بكفر مسلم في كفره اختلاف، ولو رواية ضعيفة، فقد عَدَلوا عن الإفتاء بالصحيح؛ لأنَّ الكفر شيء عظيم».
فهذه قاعدة عظمية عند الفقهاء لا ينبغي الغفلة عنها عند المسلمين، قال الطحاوي في العقيدة الطحاوية ص20 - 21: «ونسمِّي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - معترفين وله بكلِّ ما قاله وأخبر مصدِّقين ... ولا نكفِّر أحداً من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحلِّه».
ويشهد لذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن صلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمّة الله وذمة رسوله، فلا تحقروا الله - جل جلاله - في ذمته» في صحيح البخاري1: 153، وصحيح مسلم3: 1552، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابهم على الله - جل جلاله -» في صحيح البخاري1: 153.
وقال محمد سجاد الحنفي: «وذاع عن الأئمة المجتهدين أن لا نكفر أحداً من أهل القبلة» ينظر: إكفار الملحدين ص163 - 164.
فلا يحكم بالكفر على أحد إلا لإنكار شيء معلوم من الدين بالضرورة، ومعنى الضرورة كما فسّرها الكشميري في إكفار الملحدين ص2 - 3: «ما علم كونه من دين محمد - صلى الله عليه وسلم - بالضرورة، بأن تواتر عنه واستفاض، وعلمته العامة: كالوحدانية، والنبوة ... ، والبعث والجزاء، ووجوب الصلاة والزكاة، وحرمة الخمر ونحوها، سمّي ضرورياً؛ لأنَّ كلّ أحد يعلم أنَّ هذا الأمر مثلاً من دين النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بُدّ، فكونها من الدين ضروري، وتدخل في الإيمان ... ».
وكلُّ ما رَجَعَ عنه المجتهد ... صار كمنسوخ فغيره اعتمد (¬1)
¬
(¬1) معناه: إن صحَّ رجوع المجتهد عن قول، فإننا نعامله معاملة المنسوخ، فلا يجوز الإفتاء به، قال ابن أمير حاج في التقرير والتحبير 1: 4: «إن عُلِمَ المتأخرُ فهو مذهبُه، ويكون الأوّل منسوخاً، وإلاّ حُكِي عنه القولان من غيرِ أن يحكمَ على أحدِهما بالرُّجوع».
واستخدام مصطلح رجع عنه أبو حنيفة شائعٌ في المذهب في عشرات المسائل، ويُعدُّ أحد ألفاظ التّرجيح، فهو كنايةٌ على أنَّ ما رجع عنه صار مرجوحاً لا يعمل به، وما رجع إليه راجحٌ يُعمل به، ويُصرّح بالرُّجوع عندما يقوى العمل بهذا القول.
وكلُّ قولٍ في المتون أُثبتا ... فذاك ترجيحٌ له ضمناً أَتى (¬1)
فرجِّحت على (¬2) الشروحِ والشروحُ ... على الفتاوى القُدْم من ذاتِ الرُّجوح
¬
(¬1) ومعناه: التزم أصحاب المتون بذكر ظاهر الرواية عادة، وهذا مِنَ الترجيح الالتزامي، فذكر القول في المتن يدلّ على الترجيح له.
والمقصود بالمتون: المتقدمة والمتأخرة، والمتقدمة: المراد بها متون كبار مشايخنا، وأجلة فقهائنا: كتصانيف الطحاوي والكرخي والجصاص والخصاف والحاكم وغيرهم. ينظر: التعليقات السنية ص180، وغيره.
والمتأخرة هي: «مختصر القدوريّ» (ت428هـ)، و «البداية» للمَرغينانيّ (ت593هـ)، و «مختار الفتوى» للموصليّ (ت683هـ)، و «وقاية الرواية» لبرهان الشريعة (ت نحو 683هـ)، و «كنز الدقائق» للنَّسَفيّ (ت701هـ)، و «النُّقاية» لصدر الشريعة (ت747هـ)، و «ملتقى الأبحر» للحلبي (ت961هـ)، فإنَّها الموضوعة لنقل المذهب مما هو ظاهر الرواية. ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص37، وغيره.
فأصحاب هذه المتون متفقون على الالتزام بذكر قول الإمام أبي حنيفة، والراجح في المذهب في كل ما يوردون، ويهتمون كثيراً جداً بجمع مسائل كثيرة في متونهم، مع اختصار شديد في العبارة، ويختلفون في أنَّ بعضهم يذكر بعض المسائل وبعضهم لا يذكرها، وكذا فيما هو الصحيح أو الأصح أو ما عليه الفتوى في المذهب، كلٌّ على حسب اجتهاده، وعلى حسب الشائع في البلاد التي يعيش فيها، وأيضاً في ترتيب الكتب تقديماً وتأخيراً. وهذه الميِّزاتُ انفردوا فيها عن أصحاب المتون من المتقدِّمين، إذ قد يخرج صاحب المتن عن رأي المذهب في بعض المسائل، كما يقع ذلك من الطحاوي في «مختصره».
(¬2) في أ: «علي».
ما لم يكن سواه لفظاً صُحِّحا] (¬1) ... فالأرجحُ الذي به قد صُرْحا (¬2)
¬
(¬1) في أ: «لفظاً سواه صححا»، وفي جـ: «لفظاً سواه اثبتا».
(¬2) ومعناه: ما في المتون مُقدَّمٌ على ما في الشروح، وما في الشُّروح مقدَّمٌ على ما في الفتاوي، إلا إذا وُجد ما يدلُّ على الفتوى في الشُّروح والفتاوى، فحينئذٍ يقدَّمُ ما فيهما على ما في المتون؛ لأنَّ التَّصحيح الصَّريح أولى من التَّصحيح الالتزامي، ولم يريدوا بالمتون كلّ المتون، بل المتون التي مصنفوها مُميّزون بين الراجح والمقبول والمردود والقوي والضعيف، فلا يوردون في متونهم إلا الراجح والمقبول والقوي وأصحاب هذه المتون كذلك. ينظر: التعليقات السنية ص180، وغيره.
«وإنَّ المتأخرين قد اعتمدوا على المتون الثلاثة: «الوقاية»، و «مختصر القدوري»، و «الكنز»، ومنهم من اعتمد على الأربعة: «الوقاية»، و «الكنز»، و «المختار»، و «مجمع البحرين». وقالوا: العبرة لما فيها عند تعارض ما فيها وما في غيرها؛ لما عرفوا من جلالة قدر مؤلفيها، والتزامهم إيراد مسائل ظاهر الرواية، والمسائل التي اعتمد عليها المشايخ». ينظر: النافع الكبير ص23، وغيره.
وقال ابن نُجيم في البحر 6: 310: «العمل على ما هو في المتون؛ لأنَّه إذا تعارض ما في المتون والفتاوى، فالمعتمد ما في المتون، وكذا يقدّم ما في الشروح على ما في الفتاوى».
وهذا لا يخالف أن تكون الشروح والفتاوى معمولاً بما فيها لكن بشرطين:
1.أن لا تعارض ما في المتون، قال الشرنبلالي في الشرنبلالية 1: 195: «العمل بما عليه الشروح والمتون».
2.أن يكون مصرحاً بتصحيح ما فيها، قال اللكنوي في النافع الكبير ص25 - 26: «إذا تعارض ما في المتون وما في غيرها من الشروح والفتاوى فالعبرة لما في المتون، ثم للشروح المعتبرة، ثم للفتاوى؛ إلا إذا وجد التصحيح ونحو ذلك فيما في الشروح والفتاوى، ولم يوجد ذلك في المتون، فحينئذٍ يقدم ما في الطبقة الأدنى على ما في الطبقة الأعلى».
وسابق الأقوال في (¬1) «الخانية» ... و «ملتقى الأبحر» ذو مزيه (¬2)
وفي سواهما اعتمد ما أخّروا ... دليلَه لأنَّه المحرّر
كما هو العادة في «الهداية» ... ونحوها لراجح الدراية (¬3)
كذا إذا ما واحداً قد علّلوا ... له وتعليل سواه أهملوا (¬4)
وحيثما وَجَدت قولين وقد ... صُحِّح واحدٌ فذاك المعتمد
¬
(¬1) في جـ: «من».
(¬2) بدأ بذكر صور للترجيح الالتزامي؛ ويكون بمعرفة مناهج علماء مذهبه في تأليف كتبهم؛ إذ أنَّ لكل مؤلِّف طريقة في الترجيح بين الأقوال، يتعرفها المفتي بكثرة مطالعة الكتب وشروحها وحواشيها، بالإضافة للنظر فيما أُلِّفَ في رسم المفتي، وَمِنْ هذه الصور:
1.تقديم القول الراجح؛ قد التزم بعض المؤلِّفين بأنَّهم يقدمون القول الراجح عندهم في الذكر على الأقوال المرجوحة، ومثال ذلك:
أ. قاضي خان (ت592هـ)، إذ قال في «فتاواه» 1: 2: «وبينما كثرت فيه الأقاويل من المتأخرين اقتصرت على قول أو قولين وقدمت ما هو الأظهر، وافتتحت بما هو الأشهر؛ إجابة للطالبين، وتيسيراً على الراغبين».
ب. إبراهيم الحلبي (ت961هـ) في «ملتقى الأبحر» ص2 إذ قال: «وصرحت بذكر الخلاف بين أئمتنا، وقدمت من أقاويلهم ما هو الأرجح، وأخرت غيره ... ».
(¬3) 2.تأخير دليل القول الراجح؛ فإنَّ عامة الكتب التي التزمت ذكر الدلائل: كـ «الهداية» و «المبسوط» وغيرهما، فعادتهم المعروفة أنَّهم يذكرون دليل القول الراجح في الأخير، ويجيبون عن دلائل أقوال أُخر، فالدليل المذكور في الأخير يدلّ على رجحان مدلوله عند المؤلّف.
(¬4) 3.ذكر دليل القول الراجح؛ وهذا إذا ذكر دليل قول واحد فقط وأهمل دليل الآخر، فالراجح ما ذكر دليله.
والظَّاهر أنَّ الكتب التي تهتمّ بذكر الاستدلال لا تُرجِّح مِنْ جهة الدليل إلاّ قول الإمام، وإن كانت الفتوى على خلاف قوله، فيرجحون القول الآخر من جهة أصول التطبيق من ضرورة وعرف وغيرها. قال الشّلبي: «الأصلُ أنَّ العملَ على قول أبي حنيفة؛ ولذا تُرجِّح المشايخُ دليلَه في الأغلب على دليل مَن خالفه من أصحابه، ويجيبون عَمّا استدلّ به مخالفه، وهذا أمارة العمل بقوله، وإن لم يُصرّحوا بالفتوى عليه؛ إذ الترجيح كصريح التصحيح». ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص 37.
بنحو ذا الفتوى عليه الأشبه (¬1) ... والأظهر المختار ذا والأوجه (¬2) (¬3)
أو الصحيح والأصح آكد ... منه وقيل: عكسه المؤكد (¬4)
¬
(¬1) ومعنى الأشبه: الأشبه بالنصوص رواية، والراجحُ دراية ـ دليلاً ـ، فيكون عليه الفتوى. ينظر: رد المحتار 1: 49، وغيره.
(¬2) ومعنى الأوجه: أي وجهاً من حيث إن دلالة الدليل عليه متجهةٌ ظاهرةٌ أكثر من غيره. ينظر: رد المحتار1: 72.
(¬3) ومعناه: إن وجد المفتي في مسألةٍ أقوالاً، وصُحِّح أحدُهما بأي لفظ من ألفاظ الترجيح، فإنَّه يعمل به؛ لأنَّه ترجيحٌ صريح.
وَمِنْ ألفاظ الترجيح: به نأخذ، أو عليه فتوى مشايخنا، أو هو المعتمد، أو هو الأشبه، أو هو الأوجه، أو به يعتمد، أو عليه الاعتماد، أو عليه العمل اليوم، أو هو الظاهر، أو هو الأظهر، أو هو المختار، أو به جرى العرف اليوم، أو هو المتعارف، أو به أَخذ علماؤنا، وغيرها، فجميع هذه الألفاظ متساوية.
(¬4) واختلفوا في الصحيح والأصح أيهما أقوى، فقيل: الأصح آكد مِنَ الصحيح؛ لأنَّه باسم التفضيل، وقيل: الصحيح آكد من الأصح؛ لأنَّ خلاف الصحيح خطأ، فلا يجوز العمل به، وخلاف الأصح صحيح، فيمكن العمل به.
والأَولى: أنَّ الأصحّ أرجح مِنَ الصّحيح إن صدر القولان مِنْ شخصين، فيكون ذكره للأصح ترجيحاً على الصّحيح، وإن كان مِنْ شخصين فأكثر، فالأَولى عدم التّرجيح باللَّفظ، وإنَّما النّظر للكتاب الذي ذُكِرَت فيه والعالم القائل له، فيرجح بهما لا باللفظ؛ لأنَّهم يريدون الترجيح ولا يهتمون للفظ الذي استخدم في الترجيح.
كذا به يفتى عليه الفتوى ... وذان من جميع تلك أقوى (¬1)
وإن تجد تصحيح قولين ورد ... فاختر لما شئت فكلّ معتمد
إلا إذا كانا صحيحاً وأصح ... أو قيل: ذا يفتى به فقد رجح
أو كان في المتون أو قول الإمام ... أو ظاهر المروي أو جل العظام
قال به أو كان الاستحسانا ... أو زاد للأوقاف نفعاً بانا
أو كان ذا أوفق للزمان ... أو كان ذا أوضح في البرهان (¬2)
¬
(¬1) معناه أنَّ لفظ: به يفتى، وعليه الفتوى، أقوى مِنْ غيرها مِنْ ألفاظ الترجيح؛ لأنَّها تضمن الترجيح والعمل.
والأَولى عدم الترجيح بالألفاظ، وإنَّما يرجح بالقائل والكتاب المذكور فيه لفظ التّرجيح، فكلّما ارتفعت درجة القائل في الاجتهاد كان قوله أقوى من غيره، وكذلك كلّما كان الكتاب أكثر اعتماداً كان ما فيه من التّرجيح مُقدَّمٌ على ترجيح غيره، قال ابن قُطْلُوبُغا في التصحيح ص134: «ما يصحِّحه قاضي خان مُقدم على تصحيح غيره؛ لأنَّهُ فقيه النَّفس».
وهذا هو الظاهر من استخدام ألفاظ الترجيح في الكتب، حيث تجد أنَّ المفتي لو اهتم باللفظ ولم ينتبه للقائل والكتاب لن يستطيع التوصل للراجح؛ لوجود التساهل في إطلاق ألفاظ الترجيح المتنوعة على ما يرجحون، وأنَّهم لا يقصدون التفضيل بين الألفاظ، وإنَّما يُعبّر كلٌّ منهم برجحان ما اختار من قول بأي بلفظ مِنْ ألفاظ الترجيح، والله أعلم.
(¬2) معناه: إن وجد في مسألة أكثر من قول مصحّح، ولم يظهر للمفتي شيءٌ من المرجِّحات، فهو بالخيار، ويأخذ أحدهما بشهادة قلبه مجتنباً عن التشهي وطالباً للصواب مِنَ الله تعالى، وإن وجد أحد المرجحات الآتية لأحد القولين فيعمل بما رجح على النحو الآتي:
1.إذا كان الترجيحان من رجل واحد، عمل بالمتأخر منهما إن عرف التاريخ، وإن لم يعرف التاريخ رجح المفتي أحدهما بمرجحات سيأتي ذكرها.
2.إذا كان الترجيحان من رجلين مُختلفين، رَجَّحَ المفتي أَحدَهما بمرجِّحات، وهي:
أ. إذا كان أحد التصحيحين صريحاً والآخر التزاماً، عمل بالصريح.
ب. إذا كان أحد التصحيحين بلفظ أقوى بالنسبة إلى تصحيح آخر، رجَّح ما لفظه أقوى.
ج. إذا كان أحدهما مذكوراً في المتون والآخر مذكوراً في غيرها، فالراجح ما في المتون.
د. إذا كان أحدهما ظاهر الرواية والآخر غيره، فالراجح ما هو ظاهر الرواية.
هـ. إذا كان أَحدُهما قول الإمام والآخر قول صاحبيه، فالراجح قول الإمام.
و. إذا كان أحدهما مختار أكثر المشايخ والآخر مختار قليل منهم، فالراجح ما اختاره الأكثر.
س. إذا كان أحدهما قياساً والآخر استحساناً، فالراجح الاستحسان.
ح. إذا كان أحدهما أوفق بالزّمان كان راجحاً على غيره.
ط. إذا كان أحد القولين أقوى في الدليل عند مفتٍ أهل للنظر في الدليل، فهو أولى من غيره.
ي. إذا كان أحد القولين أنفع للفقراء فهو أولى من غيره في باب الزكاة.
ق. إذا كان أحد القولين أنفع للوقف فهو أولى من غيره.
ل. إذا كان أحد القولين أدرأ للحدّ فهو أولى من غيره.
ن. إذا كان التعارض بين الحل والحرمة فالراجحُ هو المحرم، ينظر: أصول الإفتاء ص36 - 37، وغيرهما.
هذا إذا تعارض التصحيح ... أو لم يكن [أصلاً به] (¬1) تصريح
فتأخذ الذي له مُرجِّح ... ممّا علمته فهذا الأوضح (¬2)
¬
(¬1) في جـ: «به أصلاً».
(¬2) معناه: هذا كلُّه إذا تعارض التَّصحيح؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من القولين مساوٍ للآخر في الصحّة، فإذا كان في أحدِهما زيادةُ قوّة مِنْ جهةِ أُخرى، يكون العملُ به أَولى مِنَ العمل بالآخر.
وكذا إذا لم يُصرَّح بتصحيح واحد مِنَ القولين، فيُقَدَّم ما فيه مرجِّح من هذه المرجِّحات: ككونه في المتون، أو قول الإمام، أو ظاهر الرّواية ... الخ. ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص 40.
واعمل بمفهوم روايات أَتى ... ما لم يُخالف لصريح ثبتا (¬1)
والعرفُ في الشرع له اعتبار ... لذا عليه الحُكم قد يدار (¬2)
ولا يجوز بالضعيف العمل ... ولا به يجاب مَن جا يسأل
¬
(¬1) معناه: يعمل بمفهوم المخالفة في عبارات الكتب الفقهيّة إن لم تكن مخالفة لما ثبت صريحاً؛ قال عمر ابن نجيم في النهر الفائق 1: 37: «مفاهيم الكتب حجّة بخلاف أكثر مفاهيم النصوص»: أي مِنَ القرآن والسنة، فمفهوم المخالفة معتبر عند الشافعية، وغير معتبر عند الحنفية، بمعنى أنَّ النصّ لا يدل على نقيض الحكم لغير المنطوق فيبقى المفهوم مسكوتاً عنه، فإن دلَّ دليل على أنَّ حكمه حكم المنطوق عمل به، وإن دلَّ دليل على أنَّ حكمه مناقض لحكم المنطوق عمل به.
وجه الفرق بين النصوص الشرعية والعبارات الفقهية: أنَّ نصوص القرآن والسنة تحتوي على عبارات بليغة حكيمة، فربّما تذكر فيها ألفاظ للتأكيد والتوبيخ والتشنيع والوعظ والتذكير ولا تكون قيداً لما سبق: كقوله - جل جلاله -: {وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 41]، فإنَّما أضيف لفظ القليل للتشنيع على العمل، ولا يدلّ على أن الاشتراء بالثمن الكثير جائز، وكذلك قوله - جل جلاله -: {لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، فإنَّه يدلّ على أنَّ الربا جائز إذا لم يكن ضعفاً للأصل.
أما كتب الفقه، فإنَّ مقصودها تدوين الأحكام على طريقة قانونية وليس فيها شيء مِنَ التأكيد والتشنيع وغير ذلك، فلا بُدَّ مِنْ اعتبار مفهوم المخالفة فيها. ينظر: أصول الإفتاء ص 42 - 43، وغيره.
(¬2) معناه: كما قال ابن عابدين في شرح عقود رسم المفتي ص 45: «إنَّ كثيراً مِنَ الأَحكام التي نصَّ عليها المجتهدُ صاحبُ المذهب بناءً على ما كان في عرفه وزمانه قد تغيَّرت بتغير الأزمان بسبب فساد أهل الزمان أو عموم الضرورة ...
وكلُّ ذلك غيرُ خارج عن المذهب؛ لأنَّ صاحبَ المذهب لو كان في هذا الزمان لقال بها، ولو حدث هذا التغيُّر في زمانه لم ينصّ على خلافها.
وهذا الذي جَرّأ المجتهدين في المذهب وأهل النظر الصحيح مِنَ المتأخرين على مخالفةِ المنصوصِ عليه مِنْ صاحب المذهب في كتب ظاهر الرواية، بناءً على ما كان في زمنه ...
فللمفتي اتّباعُ عرفه الحادث في الألفاظ العرفية، وكذا في الأحكام التي بناها المجتهد على ما كان في عُرْف زَمانِه، وتغيّر عُرْفه إلى عُرْفٍ آخر اقتداءً بهم، لكن بعد أن يكون المفتي ممَّن له رأيٌ ونظرٌ صحيحٌ ومعرفةٌ بقواعدِ الشرع، حتى يميزَ بين العُرْف الذي يجوز بناء الأحكام عليه وبين غيره ...
و جمودَ المفتي أو القاضي على ظاهرِ المنقول مع تركِ العرفِ والقرائنِ الواضحةِ والجهلِ بأحوال النّاس، يلزم منه تضييع حقوق كثيرة وظلم خلق كثيرين».
وهذا الكلام مِنْ ابن عابدين في غاية الدّقة والروعة؛ لأنَّ هذا الجمود على النُّصوص الفقهيّة بدون فهم عللها ومراعاة الواقع أقصت الفقه عن حياة المسلمين في كثيرين من مناحي الحياه، والله المستعان.
وينتبه أنَّ ابن عابدين أطلق مصطلح العرف ولم يقصد به العرف فحسب، بل قصد قواعد رسم المفتي من الضرورة والتيسير والمصلحة وتغير الزمان، ويظهر هذا جلياً لمَن يطالع رسالته: «نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف».
وإنَّ أكثر قاعدة مِنَ الرسم تُراعى في الفتوى والتَّطبيق هي: النَّظرُ إلى عرف المجتمع، فيختلف الحكم من مكانٍ إلى مكانٍ وزمانٍ إلى زمانٍ على ما حسب ما يقتضيه عرف النّاس، قال الجوينيّ في نهاية المطلب 11: 382: «ومَن لم يمزج العرف في المعاملات بفقهها، لم يكن على حظٍّ كاملٍ فيها»، وقال أيضاً 11: 416: «والتّعويل في التّفاصيل على العرف، وأعرف النّاس به أعرفهم بفقه المعاملات»؛ لأنَّ العرف من الجانب التَّطبيقيّ للفقه، وليس من الجانب الاستنباطيّ للحكم، ومَرَدُّه إلى أمرين:
1.فهمُ مراد المتكلِّم من كلامِه، فنحن نستخدم ألفاظاً ونريد بها معاني معيّنة تعارفنا في إطلاقها عليها، وإن كان اللّفظ عامّاً يشمل غيرها، مثل: اللحم يشمل لحم سائر الحيوانات من الطّيور والبقر والغنم وغيرها، ولكن تعارفنا عند إطلاقها على إرادة لحم البقر والغنم لا الطيور مثلاً، فإذا قال شخص: والله لا آكل لحماً، ثمّ أكل دجاجاً لا يحنث؛ لأنَّه لا يعتبر لحماً عرفاً، فاستفدنا من العرف معرفة مقصود المتكلّم من كلامه، وقس عليه.
2.معرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم، فالحكم في نفسه ثابت من الشّارع الحكيم، والعرف لا يغيّر الحكم، لكن الحكم مبنيّ على علّة، وهذه العلّة تحتاج إلى محلّ في تطبيقها، فالعرف يساعدنا على تطبيق ذلك، مثاله: أنَّ الحكم عدم قبول إلا شهادة العدل، كما شهد القرآن: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282]، والعرف يُساعدنا في معرفةِ العدل، ففي زمن أبي حنيفة - رضي الله عنه - لم يَحتج للتّزكية في العدالة؛ لأنَّ النّاس عدول، وفي زمن الصَّاحبين تغيّرت أحوال النّاس، فنحتاج لتحقُّق علّة الحكم من العدالة بالتَّزكية، فمَن لم يكن عدلاً لا تُقبل شهادته، هذا هو الحكم، ولكن كيف نتعرَّف على العدالة، حيث أمكن ذلك بالعرف.
وبالتالي لا يخرج العرف عن هذين المعنيين البتّة، فلا يكون مغيّراً للحكم الشرعيّ أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً، وإنَّما هو معرّف للحكم ببيان مقصود المتكلّم من كلامه، ومعرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم.
وتَبيُّن أنَّ المحلّ صالح للحكم أمر مهم جداً؛ إذ نحتاج قبل تطبيق كلِّ حكم أن نتعرّف على علّته أوَّلاً ثمّ ننظر هل المحلّ مناسب لها أم لا؟ فإن لم يكن مناسباً لها فإنَّ الحكم لا يطبق هنا.
إلا لعامل له ضرورة ... أو مَن له معرفةٌ مشهورة (¬1)
لكنما ... القاضي ... به ... لا ... يقضي ... وإن ... قضى ... فحكمُه ... لا يمضي
¬
(¬1) معناه: إن ما يوجد في كتب الفقه من أقوال وروايات ضعيفة صرَّح أصحاب الترجيح بضعفها أو عُلِمَ ضعفها بعباراتهم ضمناً والتزاماً، فلا يجوز العمل عليها والإفتاء بها، قال ابن قُطُلوبُغا: «إن الحكم والفتيا بما هو مرجوح خلاف الإجماع». ينظر: رد المحتار 5: 408، وغيره.
ولكن صرَّح عدة من الفقهاء بأنَّه قد يجوز العمل أو الإفتاء برواية ضعيفة أو قول مرجوح لضرورة اقتضت ذلك، قال العثماني في أصول الإفتاء ص42: «وحاصل كلامهم أنَّه لا يجوز الأخذ بأقواله الضعيفة بالتشهي ولكن إذا ابتلي الرجل بضرورة ملحّة وسع له أن يعمل لنفسه بقول ضعيف أو رواية مرجوحة».
وكذلك يستثنى مِنْ عدم جواز العمل بالضعيف، مَن كان فقيهاً مجتهداً، وهو أهلٌ للترجيح بين الأقوال في المذهب، فيتمكن أن يرجح القول الضعيف لما اتفق له من مصلحةٍ أو عرفٍ أو حاجةٍ أو تيسيرٍ أو ضرورةٍ.
ويجوز العمل بقول المذهب المخالف إن حصلت حاجة وضرورة لذلك، وقد نصَّ علماء المذهب على ذلك في بعض المسائل. ينظر: أصول الإفتاء ص52.
فقد صرَّح جمعٌ من الحنفية كالقُهُستاني في جامعِ الرّموز 2: 217 والحصكفي في الدرِّ المنتقى 1: 713 - 714 وابن عابدين وغيرهم: «بأنَّه لو أفتى حنفيٌّ في هذه المسألة بقول مالك - رضي الله عنه - عند الضرورة لا بأس به».
قال العثماني في أصول الإفتاء ص52 - 53: «وقد تعقدت في عصرنا المعاملات وكثرت فيها حاجات الناس، ولا سيما بعد حدوث الصناعات الكبيرة وشيوع التجارة فيما بين البلدان والأقاليم، فينبغي للمفتي أن يسهل على الناس في الأخذ بما هو أرفق فيما تعم به البلوى، سواء كان في غير مذهبه من المذاهب الأربعة، وقد أوصى بذلك شيخ مشايخنا العلامة رشيد أحمد الكنكوهي صاحبه الشيخ العلامة أشرف علي التهانوي وقد عمل بذلك التهانوي في كثير من المسائل في «إمداد الفتاوى».
ولكن يجب لجواز الإفتاء بمذهب الغير بسبب الحاجة أو عموم البلوى أن تتحقق الشروط الآتية:
1.أن تكون الحاجة شديدة والبلوى عامة في نفس الأمر لا مجرد الوهم بذلك.
2.أن يتأكد المفتي بآراء غيره مِنْ أصحاب الفتوى بمسيس الحاجة، والأحسن أن لا يبادر بالإفتاء منفرداً عن غيره، بل يجتهد أن يضمّ معه فتوى غيره من العلماء؛ لتكون الفتوى جماعياً لا انفرادياً.
3.أن يتأكد ويتثبت في تحقيق المذهب الذي يريد أن يفتي به تحقيقاً بالغاً، والأحسن أن يراجع في ذلك علماء ذلك المذهب ولا يكتفي برؤية مسألة في كتاب أو كتابين؛ لأنَّ كل مذهب له مصطلحات تخصه وأساليب ينفرد بها، وربّما لا يصل إلى مرادها الحقيقي إلا مَن مارس هذه المصطلحات والأساليب.
4.أن يؤخذ ذلك المذهب بجميع شروطه المعتبرة عنده؛ لئلا يؤدي ذلك إلى التلفيق في مسألة واحدة».
لا سيما قضاتنا إذ قيدوا ... براجح المذهب حين قلدوا (¬1)
وتمّ ما نظمته في سلك ... والحمد لله ختام مسك (¬2)
¬
(¬1) معناه: أنَّ القاضي لا يحكم بالقول الضَّعيف، ولو قضى به لا ينفذ قضاؤه، لا سيما القضاة في العصور المتأخرة، حيث يُقَيَّدون عند توليتهم القضاء أن يلتزموا براجح المذهب.
ونصَّ الفقهاء على أنَّ القاضي لا يقضي إلا بالراجح في مذهب إمامه ولا يجوز له أن يحكم برواية ضعيفة أو بما خالف المذهب، فإن قضى برواية ضعيفة أو بقول غير الإمام لم ينفذ قضاؤه، ولكن هذا مختص بالقاضي الذي قلَّده الإمام بشرط أن يحكم بمذهب أبي حنيفة؛ لأنَّه معزول في القضاء بغير مذهبه، فأما إذا لم يقيده الإمام المقلّد بمذهب بعينه فقضى بما خالف المذهب نفذ قضاؤه ما دامت المسألة مجتهداً فيها.
قال ابن قُطُلوبُغا: «وليس للقاضي المقلِّد أن يحكم بالضعيف; لأنَّه ليس من أهل الترجيح فلا يعدل عن الصحيح إلا لقصد غير جميل ولو حكم لا ينفذ; لأنَّ قضاءه قضاء بغير الحق; لأنَّ الحق هو الصحيح وما وقع مِنْ أنَّ القول الضعيف يتقوى بالقضاء، المراد به: قضاء المجتهد كما بين في موضعه». ينظر: رد المحتار 5: 408، وشرح عقود رسم المفتي ص 52، وغيرهما.
وقال ابن الغرس: «وأما المقلِّد المحض فلا يقضي إلا بما عليه العمل والفتوى».
وقال ابن نجيم: «أما القاضي المقلِّد فليس له الحكم إلا بالصحيح المفتى به في مذهبه ولا ينفذ قضاؤه بالقول الضعيف». ينظر: رد المحتار 5: 408، وغيره.
(¬2) تمَّ ما جمعه ابن عابدين مِنْ فوائد في أُصول الإفتاء، وهي أوسع ما كُتُب مجموعاً في رسم المفتي، ولكنَّها عبارةٌ عن جزءٍ يسير مِنْ علم الرَّسم، فعمله فيها كما يلاحظ مِنْ شرحه أنَّه جمع فيه فوائد متناثرة، ونظمها هاهنا، فدراستُها هي البدايةُ في معرفةِ هذا العلم لا النِّهاية.
الخاتمة:
وفي نهاية البحث توصلت لهذه النتائج ولخصتها في النقاط الآتية:
1.عقود رسم المفتي لخاتمة المحققين ابن عابدين هي المنظومة الوحيدة في علم رسم المفتي عند الحنفية، وهي أوسع ما جُمِع من مسائل وقواعد علم أصول الإفتاء، ولم يتسنّ لأحدٍ أن يجمع مسائل علم الرسم ويرتّبها كما فعل ابن عابدين، حيث جمعها في هذه المنظومة وشرحها، وجمع ما تفرّق في الكتب من أسس هذا العلم.
2.صحة ثبوت المنظومة لابن عابدين، واسمها هو: «عقود رسم المفتي».
3.علم الرسم: هو علم تطبيق الفقه، وهو أحد مكونات الملكة الفقهيّة التي يقدر بها المرء على فهم الفقه ومعايشته وتعليمه والإفتاء به، وهو يُمثِّلُ الحلقة ما بين المسائل الفقهيّة المدوّنة في الكتب وما بين الواقع المعاش للنّاس في كافّة مناحي الحياة، وقواعده هي الأصول التي يرجع إليها المجتهد في المذهب في التخريج والترجيح والإفتاء.
4.قلة الكتابة في علم الرسم أنَّه كان عند سلفنا الصالح يتلقّاه الطالبُ من أستاذِه بالمصاحبةِ بدون أن يقرأ فيه شيئاً، فيحصل له بالتجربة والملازمة للشيخ، أما بعد توسّع العلوم، وكثرة الاختلاف أكثر مما كان عليه المتقدمين، صار المتأخرين يصرّحون به كثيراً في مؤلفاتهم.
5.إنَّ هذا التّراجعَ الذي حَصَلَ لعلم الفقه في هذا الزّمان حتى أصبح علماً نظريّاً في حياتنا الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة والقضائيّة عائد لأمور منها إهمال علم رسم المفتي.
6.رسم المفتي ينبغي أن يَنال اهتماماً كبيراً من المشتغلين في الفقه، فلا سبيل لنا للتّرجيح بين الأقوال الفقهيّة إلا به، ولا فهم الخلاف الحاصل بين علماء المذهب إلا من خلاله، ولا إعمال الفقه في الواقع بدونه.
* * *
المراجع:
1. أدب المفتي والمستفتي: لابن الصلاح (ت 643 هـ)، ت: د. موفق عبد الله عبد القادر، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط 2، 1423 هـ-2002 م.
2. أدب المفتي: لمحمد عميم الإحسان المجددي البركتي، مطبوعات لجنة النقابة والنشر والتأليف، باكستان، دكه، ط 1، 1381 هـ.
3. الأصل: لمحمد بن الحسن الشياني (ت 189 هـ)، ت: د. محمد بوينوكالن، وزارة الأوقاف القطرية، ط 1: 2012 م.
4. أصول الإفتاء وآدابه: لمحمد تقي الدين العثماني، طبعة مكتبة معارف القرآن، كراتشي، باكستان، 1432 هـ.
5. أصول الحديث عند الإمام أبي حنيفة: لأحمد يوسف أبو حلبية، كلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية، غزة.
6. إعلاء السنن: لظفر أحمد العثماني التهانوي (1310 - 1394 هـ)، ت: حازم القاضي، دار الكتب العلمية، ط 1، 1997 م.
7. الأعلام: لخير الدين الزَّركلي، دار العلم للملايين، ط 15، 2002 م.
8. أعيان دمشق في القرن الثالث عشر ونصف القرن الرابع عشر: لمحمد جميل الشطي، دار البشائر، ط1، 1414هـ.
9. إكفار الملحدين في ضروريات الدِّين: لمحمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري الهندي (ت1353هـ)، المجلس العلمي، باكستان، ط3، 1424 هـ - 2004م.
10. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
11. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط2، 1402هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
12. بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني: لمحمد زاهد بن الحسن الكوثري (1296 - 1371هـ)، المكتبة الأزهرية للتراث، 1998مـ.
13. تاريخ الدولة العلية العثمانية: لمحمد فريد (بك) ابن أحمد فريد (باشا)، ت: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت – لبنان، ط1، 1401 هـ– 1981م.
14. التصحيح والترجيح شرح القدوري: لقاسم بن قطلوبغا الحنفي (879هـ)، مسودة مصفوفة عن المخطوط، مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات، الإصدار: 1.
15. التقرير والتحبير شرح التحرير: لمحمد بن محمد الحَلَبِيّ المعروف بـ (ابن أمير الحاج) (825 - 879هـ)، دار الفكر، بيروت، ط1، 1996مـ.
16. تنوير الأبصار وجامع البحار: لمحمد بن عبد الله الخطيب التُّمُرْتاشي الغَزَّي الحَنَفي (ت1004هـ)، مطبعة الترقي بحارة الكفارة، 1332هـ.
17. جامع الرموز في شرح النقاية: لمحمد القهستاني شمس الدين (ت نحو: 950هـ)، المطبعة المعصومية، استانبول، 1291هـ.
18. حاشية على شرح عقود رسم المفتي: لمظفر حسين المظاهري، ناظم آباد، كراتشي، ط2، 2005م.
19. الحاوي القدسي: لأحمد بن محمد بن نوح القابسيّ الغَزْنَوِيّ المقدسي الحَنَفِيّ جمال الدين (ت593هـ)، من مخطوطات جامعة أم القرى، مكتبة الملك عبد الله بن عبد العزيز الجامعية، برقم (4230).
20. حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي: لمحمد بن زاهد الكوثري (ت1378هـ)، دار الأنوار للطباعة والنشر، مصر، 1368هـ.
21. حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر: لعبد الرزاق البيطار الميداني الدمشقي (ت: 1335هـ)، ت: محمد بهجة البيطار، دار صادر، بيروت، ط2، 1413 هـ - 1993م.
22. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لعلاء الدين محمد بن علي الحَصْكَفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
23. الدر المنتقى في شرح الملتقى: لعلاء الدين محمد بن علي الحَصْكَفي (ت1088هـ)، بهامش مجمع الأنهر، دار الطباعة العامرة، 1316هـ.
24. درر الحكام شرح مجلة الأحكام: لعلي حيدر، تعريب: المحامي فهمي الحسيني، دار عالم الكتب، الرياض، طبعة خاصة، 1423هـ - 2003م.
25. الدرر المباحة في الحظر والإباحة: لخليل بن عبد القادر النحلاوي، المطبعة العلمية، دمشق، ط3، 1407هـ.
26. الدولة العُثمانية عَوَامل النهُوض وأسباب السُّقوط: لعَلي محمد محمد الصَّلاَّبي، دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، ط1، 1421 هـ - 2001 م.
27. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
28. رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، مطبعة وادي النيل، مصر، 1299هـ، وأيضاً: مطبعة الصفدي في المنبئ، 1307هـ.
29. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
30. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
31. سنن البيهقي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، ت: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
32. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
33. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385هـ)، ت: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ.
34. شرح السير الكبير: لمحمد بن أحمد السرخسي (ت 590هـ)، ت: الدكتور صلاح المنجد، مطبعة شركة الإعلانات الشرقية، 1971هـ.
35. شرح رسم المفتي لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ضمن رسائله.
36. شرح معاني الآثار: لأحمد بن محمد بن سلامة الطَّحَاوي (229 - 321هـ)، ت: محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1399هـ.
37. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، ت: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
38. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
39. العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، المطبعة الميرية ببولاق، مصر، 1300هـ.
40. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، ت: د. صلاح أبو الحاج، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1، 2009م.
41. العناية على الهداية: لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
42. غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر: لأحمد بن محمد الحموي (ت1098هـ)، دار الطباعة العامرة، مصر، 1290هـ.
43. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
44. الفتاوى الخانية: لحسَن بن مَنْصُور بن مَحْمُود الأُوزْجَنْدِيّ (ت592هـ)، مطبوعة بهامش الفتاوي الهندية، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، 1310هـ.
45. فتح الغفار بشرح المنار: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط1، 1355هـ.
46. فتح القدير: لمحمد بن عبد الواحد الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
47. الفوائد البهية في تراجم الحنفية: لعبد الحي الكنوي (1264 - 2304هـ)، ت: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ط1، 1998م، وأيضاً: طبعة السعادة، مصر، ط1، 1324هـ.
48. فيض الباري شرح صحيح البخاري: لمحمد أنور شاه الكشميري، مطبعة حجازي، 1357هـ.
49. قرة عين الأخيار لتكملة رد المحتار على «الدر المختار شرح تنوير الأبصار»: لعلاء الدين محمد بن (محمد أمين المعروف بابن عابدين) (ت: 1306هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان.
50. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي (ت1067هـ)، دار الفكر.
51. كنْز الدقائق: لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، اعتنى به: إبراهيم الحنفي الأزهري، طبع بالمطبعة الحميدية المصرية بالمناصرة بمصر، 1328هـ.
52. المحيط البرهاني: لأبي المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن مَازَةَ البخاري الحنفي (ت: 616هـ)، ت: عبد الكريم سامي الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1424 هـ - 2004 م.
53. مسند أبي يعلى: لأحمد بن علي أبي يعلى الموصلي (ت307هـ)، ت: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط1، 1404هـ.
54. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
55. مسند الشاشي: للهيثم بن كليب الشاشي (ت335هـ)، ت: د. محمود الرحمن، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط1، 1410هـ.
56. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، ت: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
57. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، ت: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، 1404هـ.
58. معجم المؤلفين: لعمر كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1414هـ.
59. مفتاح السعادة ومصباح السيادة: لأحمد بن مصطفى طاشكبرى زاده (ت968هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ.
60. مقدِّمة عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، المطبع المجتبائي، دهلي، 1340هـ.
61. ملتقى الأبحر: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبعة علي بك، 1291هـ، وأيضاً: بتحقيق: وهبي سليمان غاوجي الألباني، مؤسسة الرسالة، ط1، 1409هـ.
62. موطأ مالك: لمالك بن أنس الأصبحي (93 - 179هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.
63. ناظور الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق لشهاب الدين المرجاني (ت 1306 هـ)، ت: أورخان أنجقار، وعبد القادر يلماز، دارالفتح، ط 1، 2012.
64. النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304 هـ)، عالم الكتب، ط 1، 1406 هـ.
65. نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار تكملة فتح القدير على الهداية: لأحمد بن محمود الأدَرْنوي شمس الدين المعروف بـ (قاضي زاده) (ت 988 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
66. نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف: لمحمد أمين ابن عابدين الحنفي، مسودة مصفوفة ومصححة ومعلق عليها عن المطبوعة القديمة (دار الفكر).
67. النكت: لمحمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي (ت: 483 هـ)، ت: أبو الوفا الأفغاني، عالم الكتب - بيروت، ط 1، 1406 هـ.
68. نهاية المطلب في دراية المذهب: لعبد الملك بن محمد الجويني (ت: 478 هـ)، ت: أ. د. عبد العظيم محمود الدّيب، دار المنهاج.
69. النهر الفائق شرح كنْز الدقائق: لعمر بن إبراهيم ابن نجيم الحنفي (ت 1005 هـ)، ت: أحمد عزو عناية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1422 هـ.
70. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.
71. الوقاية لبرهان الشريعة، وشرح الوقاية لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي (ت747هـ) ومنتهى النقاية للدكتور صلاح محمد أبو الحاج، ت: الدكتور صلاح أبو الحاج، دار الوراق، عمان، الأردن، 2005م.
* * *