طبقات مسائل ....
.... كتب الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
طبقات مسائل ....
.... كتب الحنفية
الطبعة الأولى
1445 هـ ـ 2024 م
طبقات مسائل
كتب الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
ملخص البحث:
اهتممتُ في هذا البحث ببيان طبقات لمسائل على حسب الطبقات للمجتهدين، حيث ذكرت ثلاث طبقات: طبقة مسائل الأصحاب: مسائل أبي حنيفة، ثم مسائل الصاحبين، ثم مسائل زفر والحسن، ثم مسائل سائر الأصحاب، وطبقة مسائل المشايخ: 1) التخريجات وهي أنواع: معتبرة وضعيفة ومردودة، و 2) المستنطبات، وهي نوعان: معتبرة وضعيفة، وطبقة مسائل الفقهاء: 1) التخريجات، وهي أنواع: معتبرة وضعيفة ومردودة، و 2) المستنبطات.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإن للحنفية تقسيماً للمسائل مشهور جداً من ظاهر رواية وغير ظاهر رواية ونوادر، فالأول والثاني خاص بالأصحاب، والثالث بالشيوخ.
وهذا التقسيم يحتاج إلى زيادة تفصيل وبيان، بحيث يُبَيَّن ما هي طبقات مسائل ظاهر الرواية وطبقات مسائل غير ظاهر الرواية، ويُبيِّنُ ما هي طبقات مسائل الشيوخ، ويُفَصِّلُ كذلك المسائل المُخَرَّجة عن علماء القرن الخامس فما بعده.
فهذا كلُّه مسكوت عنه، ومعرفتُه في غاية الأهمية للترجيح ومعرفة المعتمد وتقديم بعض المسائل على بعض عند التعارض.
لذلك سعيت أن أبين تفصيلاً معمولاً به في الواقع في كتب الحنيفة وإن كان مسكوتاً عن تفصيلة، فلا يعرف إلا من يشتغل لسنوات عديدة في كتبهم في التدريس والبحث والتأليف والفتوى.
وكلُّ ما فصّلته من تقسيم مستفاد من عباراتهم وتطبيقهم وعملهم، ولكن يحتاج إلى إمعان نظر، وتدقيق فكر.
وأهمية البحث: تكمن في معرفة طبقات المسائل مفصَّلة، بحيث يتميَّز مسائل الأصحاب فيما بينهم؛ لأنهم ليسوا في درجةٍ واحدةٍ، فنعرفُ ماذا نُقَدِّمُ وما نُؤخِّرُ منها، ونَتعرَّف طبقات المشايخ والفقهاء، فيتميَّز المعتمدة منها من المردود من الخطأ، ويُفَرَّقُ بين التَّخريجات من المستنبطات، فتُعتبر المستنبطات من الشيوخ؛ لوجود الأهلية، وتردُّ من الفقهاء؛ لعدم الأهلية لهم.
ومشكلة البحث: تكمن في الإجابة عن: ما من طبقات للمسائل مفصلة في عمل فقهاء الحنفية؟ وما هي طبقات المسائل لدى الأصحاب؟ وما هي طبقات المسائل للشيوخ والفقهاء؟ وما هي المسائل المستخرجات والمستنبطات للشيوخ والفقهاء؟
ولم أقف على دراسةٍ سابقةٍ اهتمّت ببيان طبقات المسائل على حسب طبقات المجتهدين من مطلق ومنتسب ومذهب.
والمنهج المتبع هو المنهج الاستقرائي في دراسة أحوال مسائل فقهاء الحنفية على حسب طبقاتهم الاجتهادية ومدى الاعتبار لها والردّ في الكتب الفقهية، ثمّ المنهج التّحليلي للتعرّف على طبقة المسائل لكل طبقة اجتهادية للفقهاء من حيث القوّة والضَّعف والقبول والردّ.
وتحقيقاً للمقصود فقد قسمتُ البحث إلى تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة:
فالتمهيد في التقسيم المشهور لطبقات المسائل.
والفصل الأول: في مسائل الأصحاب، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في أقسام مسائل الأصحاب.
والمبحث الثاني: في كتب ظاهر الرواية غير ظاهر الرواية.
والفصل الثاني: في مسائل المشايخ، وفيه مباحث:
المبحث الأول: أنواع مسائل المشايخ.
والمبحث الثاني: مناهج الفتاوى.
والمبحث الثالث: أطوار المشايخ.
والفصل الثالث: في مسائل الفقهاء.
والخاتمة: في أهمّ نتائج البحث.
سائلاً المولى - عز وجل - التّوفيق والسَّداد إلى المراد.
تمهيد: في التقسيم المشهور لطبقات المسائل:
معلوم أن مسائل الحنفية على ثلاث طبقات: منها مسائل ظاهر الرِّواية، ومنها مسائل غير ظاهر الرِّواية، ومنها مسائل النَّوازل، وهي متفاوتةٌ في درجتها واعتبارِها، فما كان من مسائل ظاهر الرِّواية، فهي راجحةٌ بترجيح محمّدِ بن الحسن لها؛ لأنّ ما ذكره من المسائل في كتب ظاهر الرِّواية كان ترجيحاً له، وما كان في غير ظاهر الرِّواية كان مرجوحاً يُعمل فيه لضرورةٍ أو عرف.
وأمّا مسائلُ الواقعات والنَّوازل، فهي تخريجاتٌ وفتاوى المشايخ بعد أصحاب أبي حنيفة إلى يومنا، ودرجتُها أقلّ مما نُقِل عن الإمام أبي حنيفة وأصحابه سواء في ظاهر الرِّواية أو في غير ظاهر الرِّواية؛ لأن المشايخ أقل درجة في الاجتهاد من أبي حنيفة وأصحابه، فكان مسائلهم أقلّ رتبةً منه،
ويُستفاد منها فيما لم يُنصّ عليه من أئمة المذهب، وفيما كان فيه ضرورة وعرف، وهذا التقسيم الثلاثي هو المشهور في عامة الكتب.
وهذا التقسيم وإن كان نافعاً جداً في فهم المسائل إلا الحاجة لتقسيمة مفصلاً لأمور:
1.المساعدة على الفهم والضبط للمسائل بصورة أدق وأفضل.
2.المساعدة على الترجيح بين المسائل عند التعارض بصورة أحسن.
3.استيعاب جميع صور المسائل المعروضة في الكتب التي لم تذكر هاهنا، فمثلاً: هناك أقوال خاطئة لم يشملها التقسيم المشهور.
4.تقسيم أنواع المسائل لكل طبقة من المجتهدين، ففي التقسيم المشهور قسم المسائل في طبقة مجتهد مطلق، ولم يقسمها لمن بعدهم.
5.معرفة طبقات مسائل كل طبقة من المجتهدين، ففي التقسيم المشهور لم يفصل في مسائل طبقة المجتهد المنتسب والمجتهد في المذهب.
* * *
الفصل الأول
مسائل الأصحاب
المبحث الأول
أقسام مسائل الاصحاب
وهم أبو حنيفة ومَن دَرَسَ عليه، وهي أربعة مطالب:
المطلب الأول: مسائل صاحب المذهب أبو حنيفة، وهي على صورتين:
الصورة الأولى: ظاهر الرواية:
فيُعمل بقوله فيها مُطلقاً، ويُفتى به ويُقدَّم على غيره دائماً؛ لكمال الاجتهاد المطلق عنده، وتوفُّر شروطه بأعلى درجاتها لديه، فكان الأقدر للوصول للحقّ عند الله تعالى.
ففي «فتاوى العلامة ابن الشِّلبي»: «ليس للقاضي ولا للمفتي العدول عن قولِ الإمامِ، إلاّ إذا صَرَّحَ أحدٌ من المشايخ بأنَّ الفتوى على قولِ غيرِه، فليس للقاضي أن يحكم بقول غير أبي حنيفة في مسألةٍ لم يُرَجَّح فيها قول غيره ورجَّحوا فيها دليل أبي حنيفة على دليله، فإن حَكَمَ فيها، فحكمُه غير ماض، ليس له غير الانتقاض» (¬1).
فقواعد التأصيل والبناء في المذهب راجعةٌ لفهمه وتقريره؛ لذلك رُجِّح قولُه واقتصرت المتون المعتمدة على قوله، قال ابنُ عابدين (¬2): «إذا اختلف التصحيح لقولين وكان أحدُهما قول الإمام أو في المتون أخذ بما هو قول الإمام؛ لأنَّه صاحب المذهب، وبما في المتون؛ لأنَّها موضوعةٌ لنقل المذهب»، وقال (¬3): «المتون ... تمشي غالباً على ظاهر الرواية».
وفي «الفتاوى الهندية» (¬4): «ثم الفتوى مطلقاً بقول الإمام، ثم ... ».
¬
(¬1) ينظر: شرح العقود ص408.
(¬2) في رد المحتار4: 33.
(¬3) في منحة الخالق7: 76.
(¬4) 3: 310.
وقال الدِّهلوي (¬1): «قسم تقرر في ظاهر المذهب، وحكمه: أنهم يقبلونه في كل حال وافقت الأصول أو خالفت»
الصورة الثانية: غير ظاهر الرواية:
فلا يعمل بها إلا إذا وافقت الأصول أو كانت موافقةً لقواعد رسم المفتي.
قال الدِّهلوي (¬2): «قسم هو رواية شاذة عن أبي حنيفة وصاحبيه، وحكمه: أنهم لا يقبلونه إلا إذا وافق الأصول».
وهذا لأنها وجوهٌ أُخرى قالها أبو حنيفة، فلم تكن موافقةً لما اعتمده الإمامُ، وبالتالي كان نقلها بطريق الآحاد من أمثال النوادر، فلم يكن بها ثقةٌ ابتداءً إلا إذا تأيَّدت بما سَبَق.
وبهذا يظهر أنّ المذهب بُني على أقوال أبي حنيفة في تأصيله وبنائه، فأسست الأبواب عليها وخُرِّجت الفروع منها، وهذا ما نقل في الظاهر، وأُخذ من أقوال الإمام في غير الظاهر بما يتوافق مع هذا التأسيس أو كان موافقاً لأصول رُوعيت في الأبواب أو ساعده رسم المفتي بما يُناسب الناس.
المطلب الثاني: مسائل الصاحبين: أبي يوسف ومحمد:
¬
(¬1) في عقد الجيد ص 19.
(¬2) في عقد الجيد ص 19.
وأبو يوسف هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، صاحب أبي حنيفةَ، قال الذهبي: أبو يوسف قاضي القضاة، وهو أول من دعي بذلك، وكان مع سعة علمه أحد الأجواد الأسخياء. وقال: ابن سماعة: كان أبو يوسف يصلي بعدما ولي القضاء في كل يوم مئتي ركعة، من مؤلفاته: «الأمالي»، و «النَّوادر»، و «الآثار»، و «الخراج»، (113 - 182هـ) (¬1).
ومُحَمَّد هو ابن الحَسَن بن فرقد الشَّيْبَانِيّ، أبو عبد الله، صاحب أبي حنيفة، قال الذَّهَبِيّ: كان من أذكياء العالم، وقال الطحاوي: كان حزبه في كل يوم وليلة ثلث القرآن. (132 - 189هـ) (¬2).
فالمذهب يتكوَّن من أقوال الأئمة الثلاثة، فأقوالهما وإن تأَخَّرت عن قول الإمام، إلا أنّ المذهبَ في كتب ظاهر الرواية كان من أقوالهم الثلاثة، حتى نَصَّ محمدٌ: «قد بينتُ لكم قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولي، وما لم يكن فيه اختلاف فهو قولنا جميعاً» (¬3)، فيكون أساس المذهب لأبي حنيفة وكمالها بأقوالهما؛ لذلك كان تكوين المذهب بهم جميعاً.
ومسائلهما على صورتين:
¬
(¬1) ينظر: النجوم الزاهرة 2: 107 - 708، العبر 1: 284، الفوائد ص372. الجواهر المضية 3: 315 - 317. تاج التراجم ص613.
(¬2) ينظر: بلوغ الأماني ص4، مقدِّمة الهداية 14:3. والنافع الكبير ص34 - 38، مقدمة السعاية ص37. تهذيب الأسماء 1: 80 - 83. مقدمة التعليق الممجد 1: 114 - 117.
(¬3) ينظر: مقدمة الأصل ص113.
الصورة الأولى: ظاهر الرواية:
فلا يعمل بها ابتداءً؛ لأنّ العمل ابتداء بقول أبي حنيفة، لكنها محلّ للعمل؛ لثبوتها في ظاهر الرواية، فإمكانية الانتقال لها كبيرة بسبب وجود حاجة لذلك؛ لعدم وجود قول للإمام في المسألة مثلاً، ولكن فعل الفقهاء المتوارث هو المعتبر في الأخذ والردّ لها، وبالتالي العمل بها يقتضي النصّ على ذلك من الفقهاء أو أن رسم المفتي يُساعد في ذلك.
قال القابسي (¬1): «ومتى لم يوجد في المسألة عن أبي حنيفة رواية، يؤخذ بظاهر قولِ أبي يوسف، ثمّ بظاهرِ قولِ مُحمّد، ثمّ بظاهرِ قول زُفر والحَسَن وغيرهم، الأكبر فالأكبر، هكذا إلى آخر مَن كان من كبار الأصحاب».
الصورة الثانية: غير ظاهر الرواية:
فكما أنه يوجد قدر كبير من فقه أبي حنيفة في غير ظاهر الرواية، فكذا الأمر في قول الصاحبين، ولا يُعمل بها إلا إذا وافقت الأصول أو رسم المفتي، فهي ليس للعمل ابتداء.
¬
(¬1) في الحاوي القدسي ق 180/ أ.
واختلف الحال فيها عن ظاهر الرواية من قول الصاحبين أن التفات الفقهاء للعمل بظاهر الرواية أكبر بكثير، فيُمكن اختياره لمجرد وجود حاجة، فيختار لذلك، وأما غير ظاهر الرواية، فهي أقوال ضعيفة، فما لم تظهر ضرورة لا يُعمل به.
وعلى كلِّ حال غير ظاهر الرواية عند الصاحبين لا يختلف عن غير ظاهر الرواية عند أبي حنيفة في الجملة، فلا يعمل بهما إلا بموافقة التأصيل أو الرسم، إلا أن قول أبي حنيفة أقوى حالاً، فيكون مُقدَّماً على قولهما من غير ظاهر الرواية.
المطلب الثالث: مسائل زُفر والحَسَن:
وزُفر هو ابن الهُذَيْل بن قيس العَنْبَرِيّ البصري صاحب أبي حنيفة، كان يفضِّلُه، ويقول: هو أقيس أصحابي، قال الذهبي: كان ثقة في الحديث، موصوفاً بالعبادة، (110 - 158 هـ) (¬1).
والحَسَن هو ابن زياد اللُّؤْلُؤي الكوفي، أبو عليّ، صاحب الإمام، قال الذهبي: قاضي الكوفة، وكان رأساً في الفقه، وعدَّ من المجددين لهذه الأمة دينها، ومن مؤلَّفاته: «المقالات»، (ت 204 هـ) (¬2).
¬
(¬1) ينظر: طبقات الفقهاء ص 18، العبر 1: 229، الفوائد ص 132. وفيات الأعيان 2: 317 - 319.
(¬2) ينظر: الجواهر 2: 56 - 57. العبر 1: 345. طبقات طاشكبرى ص 18 - 19.مقدمة عمدة الرعاية 1: 40.
وأقوالهما ضعيفة ابتدءاً بالنظر لأقوال أبي حنيفة وصاحبيه، فهي في رتبة متأخرة عنها، وليس بحث ظاهر الرواية ظاهراً هاهنا؛ لأنها لم تنقل في ظاهر الرواية إجمالاً، فالحَسَن يذكرون له ثلاثة مسائل لا غير، وينازع فيها، وزُفر يُذكر له بمعدل ثلاثين مسألة، فكتب ظاهر الرواية لم تعتن بذكر قولهما.
ومن علامات معرفة أنّ القولَ ضعيفٌ أن يكون منسوباً للحسن أو مروياً بطريق الحسن، وبالتالي لا يجوز العمل بقولهما ما لم يُنصّ عليه من الفقهاء أو يساعده الرسم.
والملاحظ أنّ مسائل عديدة ذكر الفقهاء أنّ الفتوى فيها على قول الحَسَن، قال ابن عابدين (¬1): «هذا بناء على رواية الحسن المصححة»، وأمّا قول زُفر فقد حقَّق ابنُ عابدين أنه يُفتى بقوله في عشرين مسألة، قال ابن عابدين (¬2): «فصارت جملة المسائل عشرين، وقد نظمتها كذلك».
المطلب الرابع: مسائل سائر مَن دَرَس على أبي حنيفة سوى الأربعة المذكورين:
ققد نُقلت عنهم بعض الاجتهادات أو نَقلوا بعض الأقوال لأبي حنيفة.
ونقولاتهم واجتهاداتهم درجتها أقلُّ مما يُنقل عن الخمسة الكبار، فلا تُعَدّ أقوالهم ونقولاتهم من ظاهر الرواية، وإنما بدرجة النوادر التي لا تُعتبر إلا إذا وافقت الأصول أو ساعدها رسم المفتي للعمل، فهي ليست بمعتمدة
¬
(¬1) في رد المحتار 4: 255.
(¬2) في رد المحتار 3: 607.
في نفسها ما لم يساعدها غيرها، بخلاف ظاهر الرواية فهو معتمدٌ بنفسه؛ لأنه يُمثِّل أُسس ومبادئ المذهب وقواعد التفكير والتأصيل فيه.
فهي أقلُّ رتبةً من أقوال زُفَر والحَسَن؛ لذلك كان ذكرها نادراً في الكتب، فالمسائل المنقولة عن كلِّ واحدٍ منهم معدودةٌ محصورةٌ، بخلاف مسائل زُفر والحَسَن، فلا تُحصى المسائل المنقولة عنهما بسبب مكانتهم الاجتهادية؛ لذلك اعتنى الفقهاء بذكر خلافهم وتتبع أقوالهم؛ ليستفاد منها عند وجود الحاجة من الرسم.
ومن هؤلاء الأفاضل في هذه الطبقة ممن ذكرت لهم مسائل في كتب المذهب:
1.نوح بن يزيد أبي مريم بن جَعْوَنَة، أبو عصمة، أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ولقب بالجامع؛ لأنه أوَّل مَن جمع فقه أبي حنيفة، وقيل: لأنه كان جامعاً بين العلوم، (ت173هـ) (¬1).
2.شريك بن عبد الله الكوفي، أبو عبد الله، القاضي، من أصحاب أبي حنيفة، وكان يقول: أبو حنيفة كثير العقل، ولي قضاء واسط والكوفة، (ت178هـ) (¬2).
3.يوسف بن خالد السِّمتيّ، من أصحاب أبي حنيفة، قال الشافعي: رجل من الخيار، (ت179هـ) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الجواهر 2: 7 - 8، وطبقات ابن الحنائي ص21.
(¬2) ينظر: طبقات ابن الحنائي ص113.
(¬3) ينظر: طبقات ابن الحنائي ص114.
4.أسد بن عمرو بن عامر القشيري البجلي، أبو المنذر، قاض من أهل الكوفة، من أصحاب الكمام أبي حنيفة، وهو أول من كتب كتب أبي حنيفة، (ت188هـ) (¬1).
5.الحكم بن عبد الله بن مسلم بن عبد الرحمن البَلْخي، أبو مطيع، القاضي الفقيه، صاحب الإمام، راوي كتاب الفقه الأكبر عنه، وكان ابن المبارك يعظمه ويحبه لدينه وعلمه، وكان قاضياً ببلخ، قال الكفوي: كان بصيراً علامة كبيراً، ومن تفرداته أنه كان يقول بفرضية التسبيح ثلاث مرّات في الركوع والسجود، (ت199هـ) (¬2).
* * *
¬
(¬1) ينظر: الأعلام1: 298، وطبقات ابن الحنائي ص61.
(¬2) ينظر: طبقات ابن الحنائي ص21. الفوائد ص117 - 118.
المبحث الثاني
كتب ظاهر الرواية وغير ظاهر الرواية
الكتب المؤلفة من الأصحاب أو منقولة عنهم، فهي مرويةً بطريقة ظاهرة الرواية أو بغير ظاهر الرواية، فهي على نوعين، وتدرس في مطلبين:
المطلب الأوّل: مسائل ظاهر الرواية:
وهذا المطلب يتعلَّق به مسائل متعددة تبحث فيما يتعلَّق بظاهر الرواية، ومنها:
أولاً: سبب التسمية:
وهي ما كان مروياً في كتب ظاهر الرواية لمحمد، وهي «الأصل» و «الجامع الصغير» و «الجامع الكبير» و «الزيادات» و «السير الكبير».
وريت بطرقٍ متواترةٍ أو مشهورةٍ، فكانت ظاهرةً وثابتةً بروايةِ كبار الأئمةِ كأبي سليمان الجُوزجانيّ وأبي حفص الكبير وغيرهما.
قال ابن عابدين (¬1): «ويُطلق عليها أيضاً: رواية الأصول، وظاهر المذهب ... وسُمّيت بظاهر الرِّواية؛ لأنَّها رُويت عن مُحمّد برواية الثِّقات، فهي ثابتةٌ عنه إمّا متواترة أو مشهورة».
وهذه الكتب كلها من تأليف محمد، فقد فاقت كتاباته لمسائل المذهب سائر الأصحاب الذين دونوا فقه أبي حنيفة حيث بلغ عددهم الأربعين، وقُدِّمت عليها، وصارت هي المعوَّل عليها من بينهما، فنُقِلت عنه بطرق ظاهرةٍ.
وقال أسدُ بنُ الفرات: «كان أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا الكتب أربعين رجلاً، وكان في العشرة المتقدمين أبو يوسف وزفر وداود الطائي وأسد بن عمرو ويوسف بن خالد السِّمتي ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو الذي كان يكتبها لهم ثلاثين سنة» (¬2).
ثانياً: ذكر الاختلاف:
¬
(¬1) في شرح رسم المفتي ص16.
(¬2) ينظر: مقدمة الأصل ص47.
الأصل في كتب ظاهر الرواية ذكر قول أبي حنيفة، لكن محمّد اهتمّ بذكر خلافه وخلاف أبي يوسف فيها، ولم يهتمً بذكر خلاف غيرهما إجمالاً.
قال ابن عابدين (¬1): «وهي مسائل رُويت عن أصحاب المذهب، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد، وقد يُلحق بهم زُفرُ والحَسنُ وغيرُهما ممَّن أخذ الفقه عن أبي حنيفة، لكنَّ الغالب الشَّائع في ظاهر الرِّواية أن يكون قول الثَّلاثة أو قول بعضهم».
ولكن كلام محقِّق «الأصل» يشير إلى عدم ذكر الحسن في ظاهر الرواية، حيث قال (¬2): «يذكر الإمام محمّد في الكتاب آراء أستاذيه أبي حنيفة وأبي يوسف ورأيه في مواضع كثيرة جداً مِنَ الكتاب، ويذكر نادراً آراء غيرهم مثل: زفر وابن أبي ليلى وسفيان، ويذكر نادراً قول أهل المدينة».
فذكر الاختلاف في «الأصل» على النحو الآتي:
1.ذكر الاختلاف خارج المذهب:
ـ ذُكر (¬3) قول سفيان الثوري مرة واحدة.
ـ ذُكر قول ابن أبي ليلى بمعدل (15) مرة.
¬
(¬1) في شرح رسم المفتي ص16.
(¬2) محمد بوينوكالن، مقدمة الأصل 1: 113.
(¬3) في الأصل1: 33.
ويظهر من ذلك أن ذكر محمد في «الأصل» لم يكن يهتم بذكر الخلاف خارج أصحاب أبي حنيفة، إلا ما ذكر من خلاف ابن أبي ليلى؛ لكونه من أقران أبي حنيفة وشيخ لأبي يوسف، ومع ذلك ذكره خلافه في هذه المواضع المحدودة.
2.ذكر اختلاف الحسن وزفر:
ـ ذُكر قول الحسن بن زياد (3) مرات، وهي:
* «مسألة في القيء من كتاب المجرد: الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في صائم ذرعه القيء، فخرج منه قليل أو كثير أو استقاء فقاء أقل من ملء الفم وهو في ذلك ذاكر أو ناس لصيامه لم يفسد صومه، وكان على صيامه، وإن تقيأ ملء فيه أو أكثر، وهو ذاكر لصومه فعليه القضاء، قال أبو عبد الله: يعني إذا تكلف للقيء وإن كان ناسياً فلا شيء عليه، وإن خرج من جوفه إلى حلقه ثم ردّه» (¬1).
* «الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: وإذا كان بين أسنانه لحم فتلمظه فدخل حلقه أو اجتمع من ريقه على لسانه فدخل حلقه، فهو على صيامه، من «المجرد»» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الأصل2: 202، وبين المحقق أن أبا عبد الله المقصود به تلميد الحسن بن زياد، وهو مُحمد بن شجاع الثلجي.
(¬2) ينظر: الأصل2: 203.
* «ثم يقسم الثمن على ذلك، فيأخذها الشفيع بما أصابها من الثمن. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى والحسن بن زياد: الأولى أن يأخذ الشفيع عرصة الدار بما أصابها من الثمن» (¬1).
فيُمكن أن يكون نقلاً من محمد بن الحسن عن «المجرد» عندما لم يجد رواية عن أبي حنيفة فيهما، لكن مُحقِّق «الأصل» (¬2) قال: «فوضعنا المسائل المنقولة من «المجرد» بين معقوفتين؛ لأنها ليست من أصل الكتاب. لكنّها مذكورة فىِ جميع النسخ، فيظهر أنّ أحد رواة الكتاب أدخلها في الأصل قديماً، وقد يكون ذلك من صنع الجوزجاني أو من بعده».
فيظهر أن محمد لم يعتن بخلاف الحسن؛ لكونه أقلّ رتبة علمية منه، فلا يأخذ الأعلى من الأدنى، ولا يهتم بخلاف عادة.
ـ ذكر (¬3) قول زُفر (31) مرة.
وأمّا خلاف زفر فعناية محمد به قليلة جداً؛ لكون زفر سافر للبصرة فلم يبق فقه حاضراً في الكوفة.
3. ذكر الاختلاف بين الأئمة الثلاث:
لو عُرِف عدد مسائل «الأصل» أمكن إخراج نتائج بنسبة الاختلاف بين الأئمة الثلاث؛ لأن الأصل في مسائل «الأصل» أن تكون أقوال أبي
¬
(¬1) ينظر: الأصل 9: 232.
(¬2) 2: 202.
(¬3) أي في مثل:1: 34، 135.
حنيفة إجمالاً، لكن من هذه الأرقام يظهر أن نسبة الاختلاف بين أئمة المذهب كبيرة جداً، فالمتفق بينهم المصرح به في الأصل قليل جداً، حيث ذكر قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد معاً بمعدل (300) مرة.
والاتفاق بين قول أبي حنيفة مع أحد صاحبيه قليل جداً، حيث ذكر قول أبي حنيفة وأبي يوسف بمعدل: (100) مرة، وذكر قول أبي حنيفة ومحمد بمعدل (200) مرة. --
والاتفاق بين الصاحبين أكبر بكثير من اتفاقهم مع أبي حنيفة، حيث ذكر قول أبي يوسف ومحمد بمعدل: (1300) مرة.
أما انفراد كل واحد من الصاحبين بقوله في الأكثر، حيث ذكر قول محمد بمعدل (2000) مرة، وذكر قول أبي يوسف بمعدل (2000) مرة.
وهذا يعني أنّ الاختلاف بين الأصحاب أكبر بكثير من الاتفاق.
ثالثاً: ذكر القياس والاستحسان والتخريج:
1. الاختلاف في القياس والاستحسان:
نصّ محمّد في «الأصل» على القياس بمعدل القياس بمعدل (900) مرة، وعلى الاستحسان بمعدل: (500) مرة.
وهذا يظهر أن الفقه قياس واستحسان: أي قاعدة واستثناء، وأن باب الاستحسان واسع جداً، لا يمكن فهم الفقه بإهماله.
2. التخريج لقول أبي حنيفة وأبي يوسف:
خرّج محمّد في «الأصل» بمعدل (450) مسألة على قول أبي حنيفة، وبعضها على قول أبي يوسف، وهي مسائل لم يُصرِّحوا بحكمها، فذكر محمّد قواعدهم تقتضي أن يكون قولهم كذا، واستخدم عبارة: «وعلى قياس قول أبي حنيفة» ... كذا أو «في قياس» ....
رابعاً: كتب ظاهر الرواية خمسة:
الراجح أن كتب ظاهر خمسة كتب، فلم يعدّ «السير الصغير» منها، واختار ابن مازه (¬1)، وطاشكبرى زاده (¬2)، وحاجي خليفة (¬3)، والحمواحي (¬4)، ولأننا عند مقابلة كتاب «السِّير الصغير» المطبوع (¬5) مع «كتاب السير» من كتاب «الأصل» (¬6) لمحمد بن الحسن الشَّيبانيّ، نجد أنَّهما لا يختلفان عن بعضهما أبداً، فلعلَّه سمي بالصَّغير؛ تمييزاً له عن «السِّير الكبير» الذي ألفه محمّد بن الحَسَن مستقلاً، وشرحه السَّرَخْسيّ وغيره.
¬
(¬1) في المحيط البرهاني1: 29.
(¬2) في مفتاح السعادة 2: 237.
(¬3) في كشف الظنون 2: 1283.
(¬4) في غمز عيون البصائر4: 322.
(¬5) ينظر: طبعة السير الصغير، ت: مجيد خدوري، الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1975م، ط1.
(¬6) في الأصل 1: 421 ـ538، طبعة قطر.
خامساً: «الكافي» جمع كتب ظاهر الرواية:
جمع الحاكمُ الشَّهيد (ت 344 هـ) كتب ظاهر الرِّواية مع إسقاط المتكرِّر منها في كتابه «الكافي»، فكان التعويل عليه في المذهب وشرحه جمع من العلماء: كالإسبيجابي (ت 480 هـ) وإسماعيل بن يعقوب الأنباريّ (ت 331 هـ) (¬1)، وأبرز شراحه وأشهرهم شمس الأئمة السَّرَخْسيّ (ت نحو 500 هـ).
قال محقّق «الأصل» (¬2): «والذي لاحظنا مِنَ الإطلاع على كتاب «الكافي» للحاكم أنَّه يختصر لفظ كتاب الأصل، ويتخذه أساساً ثم يضيف إليه ما يراه مناسباً من كتب الإمام محمد الأخرى وأحياناً من كتب أبي يوسف، لكن الأساس هو كتاب «الأصل»، والعبارة هي كتاب «الأصل» في معظمها ... والحاكم قد قام بعمل مهم جداً في هذا الكتاب، وهو أنَّه قد قارن بين نسخ كتاب الأصل، وأثبت الفروق بينها في مواضع كثيرة من «الكافي»، وأكثر ما اعتمد عليه نسخة أبي سليمان وأبي حفص، ولكن توجد فيه إشارات إلى بعض النسخ الأخرى في مواضع قليلة ... ».
المطلب الثاني: مسائل غير ظاهر الرواية:
وهي المسائل التي رُويت عن الأئمّة الثلاثة في غير كتب ظاهر الرواية، على النحو الآتي:
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون 2: 1378.
(¬2) أي الدكتور محمد بوينوكالن في مقدمة الأصل ص 119 - 120.
أولاً: مسائل «الكيانيات» و «الرقيات» و «الجُرجانيات» و «الهارونيات»، و «الكسب»:
1. «الكيانيات»:
وهي مسائل جمعها محمّد لرجل يُسمى كيان، وقد يوجد في بعض الكتب «الكيسانيات»، وقالوا: جمعها كيسان، وهي بلدة، قال طاشكبرى (¬1): «لكن هذا غير صحيح، والصحيح الأول»، وقال الكوثريّ (¬2): «هي مسائل رواها سليمانُ بن شعيب عن أبيه عن محمد، ويقال لها «الأمالي»»، لكن في ترجمة سليمان أن له: «النوادر» عن محمّد، (ت278هـ) (¬3)، فلعله نفسه.
ونقل عنها في «المبسوط» (¬4) في أربعة مواضع باسم «الكيسانيات»، وفي أحدها (¬5): «إملاء الكيسانيات»، وطبع في الهند سنة 1360هـ باسم «جزء من الأمالي» في (70) صفحة بالقطع الصغير.
2. «الرقيَّات»:
وهي مسائل جمعها محمّد حين كان قاضياً بالرقّة، قال الكوثريّ (¬6): «رواها عنه محمد سماعة وكان معه طول بقاء محمد بن الحسن بها».
¬
(¬1) في مفتاح السعادة 2: 237.
(¬2) في بلوغ الأماني ص66.
(¬3) ينظر: الجواهر المضية2: 234 - 235، طبقات ابن الحنائي ص140.
(¬4) 6: 227، 7: 133، 9: 86.
(¬5) ينظر: المبسوط11: 87
(¬6) في بلوغ الأماني ص66
ونقل عنها في «المبسوط» (¬1) في أربع مواضع، وفي «المحيط البرهاني» (¬2) عشرات المواضع.
3. «الجُرجانيّات»:
وهي مسائل جمعها محمد بجرجان، قال الكوثري (¬3): «ويرويها علي بن صالح الجرجاني».
4. «الهارونيّات»:
وهي مسائل جمعها محمد لرجل مسمَّى بهارون.
ونقل عنها في «المبسوط» (¬4) في موضعين، ونقل عنها في «البناية» (¬5) في عشرة مواضع.
5. «الكسب»:
¬
(¬1) 4: 46، 128، 6: 16، 129.
(¬2) 9: 186، 82.
(¬3) في بلوغ الأماني ص66.
(¬4) 1: 250، و8: 142.
(¬5) 1: 553، 3: 206، 5: 10.
يُقال: إنَّه مات قبل أن يتمه، وكان سألوه أن يؤلف كتاباً في الورع، فجاوبهم بأني ألفت كتاباً في البيوع، يريد أنَّ المرء إذا طاب مكسبه حسن عمله، فلما أصروا على الطلب بدأ في تأليف هذا الكتاب ...
وهذا الكتاب ليس من كتب ظاهر الرواية، فهو من رواية ابن سَماعة، وليس من رواية أبي حفص الكبير وأبي سليمان الجوزجاني، لكن السَّرَخْسي شرحه وجعله في نهاية شرحه «المبسوط» لمختصر الحاكم المسمى بـ «الكافي»؛ لأهميته وضرورة تعلُّم ما فيه.
قال السَّرَخْسيُّ (¬1): «إذ قد أجبتكم إلى ما سألتموني من إملاء شرح المختصر على حسب الطاقة، وقدر الفاقة بالآثار المشهورة والإشارات المذكورة، في تصنيفات محمد بن الحسن؛ لإظهار وجه التأثير، وبيان طريق التقرير، رأيت أن ألحق به إملاء شرح الكسب الذي يرويه محمد بن سَماعة عن محمد بن الحسن، وهو من أجل تصنيفاته إلا أنه لم يشتهر؛ لأنه لم يسمع منه ذلك أبو حفص ولا أبو سليمان، ولهذا لم يذكره الحاكم في «المختصر»، وفيه من العلوم ما لا يسع جهلها ولا التخلف عن علمها، ولو لم يكن فيه إلا حثّ المفلسين على مشاركة المكتسبين في الكسب لأنفسهم والتناول من كَدِّ يَدهم، لكان يحق على كلِّ أحدٍ إظهار هذا النوع من العلم».
وطبع هذا الكتاب مفرداً عدّة مرّات مع شرحه للإمام السَّرَخْسيّ، ومنها طبعة بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.
¬
(¬1) في شرح الكسب ص68ـ 69.
ثانياً: مسائل النوادر «الروايات المتفرقة»:
وهي المشهورة بالنوادر: وهي عن محمد بن الحسن من غير ظاهر الرواية، قال حاجي خليفة (¬1): «وإنما قيل لها غير ظاهر الرواية: لأنها لم ترو عن محمد بروايات ظاهرة صحيحة ثابتة»
وقال اللكنوي (¬2): «روايات ابن سَماعة وغيره من أصحاب محمد وغيره من مسائل مخالفة للأصول، فإنها غير ظاهر الرواية وتُعَدُّ من النوادر كما يقال: نوادر ابن سماعة ... ».
وذكر في ترجمة أبي يوسف (¬3) أنه ألف في «النوادر»، فيكون نُقِل عنه في النوادر كذلك، لذلك قيل في ترجمة المعلى بن منصور: «روى الكتب والأمالي والنوادر عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن» (¬4)، ومثله في ترجمة ابن سماعة (¬5)، قال في «المبسوط» (¬6): «فقد ذكر هشام في نوادره أن على قول أبي يوسف ... روى ابن سماعة عن أبي يوسف ... »، فهذا أن يدلّ أنهم نقلوا في كتب النوادر روايات عن أبي يوسف.
¬
(¬1) في كشف الظنون2: 1282.
(¬2) في النافع الكبير ص7.
(¬3) ينظر: النجوم الزاهرة 2: 107 - 708، العبر 1: 284، الفوائد ص372. الجواهر المضية 3: 315 - 317. تاج التراجم ص613.
(¬4) ينظر: مقدمة الأصل ص20.
(¬5) ينظر: مقدمة الأصل ص23.
(¬6) المبسوط2: 163.
وينقل في «المبسوط» (¬1) عن النوادر في (130) موضعاً، فهذا يدل أنها كانت محل اهتمام كبير في النقل عنها في كتب المذهب.
وذكر حاجي خليفة (¬2) أنها ثمانية: «نوادر هشام»، و «نوادر ابن سماعه»، و «نوادر ابن رستم»، و «نوادر داود ابن رشيد»، و «نوادر المعلى»، و «نوادر بشر»، و «نوادر ابن شجاع»، و «نوادر أبى سليمان».
لكن نجد النقل في «المحيط» وغيره عن «نوادر عيسى ابن أبان» وغيره، فينبغي أن تزاد على النوادر المروية عن الأصحاب؛ لأن عيسى من تلاميذ محمد، وبالتالي القول أنها ثمانية ليس بصواب.
1. «نوادر ابن سَماعة»:
لمحمد بن سَماعة بن عبيد الله التَّميميّ، أبي عبد الله، وكان سبب كَتْبِ ابن سماعة النوادر عن محمد أنه رآه في النوم كأنه يثقب الإبر، فاستعبر ذلك، فقيل: هذا رجل ينطق بالحكمة، فاجهد أن لا يفوتك منه لفظة، فبدأ حينئذ، فكتب عنه النوادر. من مؤلفاته: «أدب القضاء»، و «المحاضر والسجلات»، (ت233هـ) (¬3).
¬
(¬1) مثل: 10: 190، 28: 95.
(¬2) ينظر: كشف الظنون2: 1283.
(¬3) ينظر: التقريب ص417، و الجواهر: 168 - 170.
2. «نوادر هشام»:
لهشام بن عبيد الله الرَّازِيّ، مات محمد بن الحسن في منزله بالرَّيِّ، ودفن في مَقْبَرِتِهم، من مؤلفاته: «النوادر»، و «صلاة الأثر»، قال: لقيت ألفاً وسبعمئة شيخ، وأنفقت في العلم سبعمئة ألف درهم، (ت221هـ) (¬1).
3. «نوادر ابن رستم»:
لإبراهيم بن رستم المَرْوزيّ، أبوبكر، تفقه على محمد، وروى عن نوح الجامع، وسمع مالك، من مؤلفاته: «النوادر»، (ت211هـ) (¬2).
4. «نوادر داود ابن رشيد»:
لأبي الفضل الهاشمي مولاهم، أصله خوارزمي من أهل خراسان، وهو من أصحاب محمد بن الحسن، وهو محدث ثقة مشهور نبيل كثير الحديث، وكان صاحب عبادة وتهجد، وله جزء في الحديث يعرف باسمه، راوي كتاب العشر عن محمد، (159ـ 239هـ) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الجواهر 3: 569 - 570. طبقات ابن الحنائي ص28. الفوائد ص367، ومقدمة الأصل ص180.
(¬2) ينظر: الفوائد ص27.
(¬3) ينظر: مقدمة الأصل ص86، والعبر1: 337، والوافي13: 294.
5. «نوادر المعلى»:
لمُعَلَّى بن منصور الرَّازِيّ، روى عن أبي يوسف ومحمد الكتب والأمالي، أبو يعلى، من مؤلفاته: «النوادر»، (ت211هـ) (¬1).
6. «نوادر بشر»:
لبشر بن الوليد الكنديّ القاضي، أحد الأعلام وأحد المشاهير، وهو من أصحاب أبي يوسف خاصّة، وعنه أخذ الفقه، كان متحاملاً عن محمد بن الحسن مُنْحرِفاً عنه، وكان الحسن بن مالك ينهاه عن ذلك، ويقول له: قد عمل محمّد هذه الكتب، فاعمل أنت مسألة واحدة، وكان جميل المذهب، حسن الطريقة، صالحاً ديناً عابداً واسع الفقه، حسناً في باب الحكم، وحملَ الناس عنه من الفقه والنوادر والمسائل ما لا يمكنُ جمعُها كثرة، وكان متقدِّماً عند أبي يوسف، وروى كتبَه وأماليه. (ت238هـ) (¬2).
ونقل عنه في «المحيط البرهاني» مئات المرات.
7. «نوادر ابن شجاع»:
¬
(¬1) ينظر: تهذيب الكمال 28: 291 - 296. الجواهر 3: 492 - 493. طبقات الفقهاء ص26.
(¬2) ينظر: طبقات ابن الحنائي ر18، والوافي10: 98.
لمحمد بن شجاع الثَّلْجِيّ، أبي عبد الله، ويقال له: ابن الثَّلْجِي، كان فقيه العراق في وقته، والمقدم في الفقه والحديث مع ورع وعبادة، من مؤلفاته: «تصحيح الآثار»، و «النوادر»، و «المضاربة»، و «الرد على المشهبة»، و «المناسك» في نيف وستين جزءاً، (ت266هـ) (¬1).
8. «نوادر أبى سليمان»:
لموسى بن سليمان الجُوزَجانيّ، أبو سليمان، أخذ الفقه عن محمّد، من مؤلفاته: «السير الصغير»، و «كتاب الصلاة»، و «كتاب الرهن»، و «النوادر»، (ت بعد 200هـ) (¬2).
9. «نوادر عيسى بن أبان»:
وهو ابن صَدَقة، أبو موسى، قال القرشي: الإمام الكبير تفقَّه على محمد بن الحسن، قال هلال بن يحيى: ما في الإسلام قاضٍ أفقه منه في وقته، قال أبو حازم: ما رأيت أحد مثله فتمنَّيت أن أكون مثله إلا محمد بن سماعة، وما رأيت قطت فقيهين متواضعين كل واحد منهما يوجب لصاحبه كايجابه لنفسه، من مؤلفاته: كتاب «الحجج»، (ت221هـ) (¬3).
وينقل عنها في «المحيط» (¬4) في مواضع عديدة.
¬
(¬1) ينظر: الفوائد ص281 - 282. والعبر 2: 33. والتاج ص242 - 243.
(¬2) ينظر: الجواهر 3: 518 - 519. الفوائد ص354.
(¬3) ينظر: الجواهر 2: 678 - 680. طبقات ابن الحنائي ص32.
(¬4) مثل: 9: 164، 206.
10. «نوادر سليمان بن شعيب»:
وهو ابن سليمان الكسائي، من أصحاب محمّد، من طبقة محمّد بن مقاتل الرَّازيّ وموسى بن نصر، وله: «النوادر»، وروى عنه الطَّحاويّ والجصاص عن أبيه في «نوادره»، (ت278هـ) (¬1)، وسبق التنبيه أنه ممكن أن نفس «الكيسانيات».
وذكروا عن الحاكم الشَّهيد (ت 334هـ)، أنه ألف «المنتقى» جمع فيه كتب غير ظاهر الرواية، ولا يوجد «المنتقى» في هذه الأعصار، كذا قال بعض العلماء، وقال الحاكم: نظرت في ثلاثمئة جزء مثل: «الأمالي»، و «النوادر»، حتى انتقيت كتاب «المنتقى» (¬2).
لكن برهان الدين ابن مازه (ت616هـ) في «المحيط البرهاني» (¬3) نَقل عن «المنتقى» في مئات المواضع، وهذا يدلّ على أنه كان موجود في زمانه، والله أعلم.
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية2: 234 - 235، طبقات ابن الحنائي ص140.
(¬2) ينظر: الجواهر 3: 313 - 315، طبقات طاشكبرى ص75، الكشف 2: 1851، الفوائد ص305 - 306.
(¬3) مثل: 6: 392، 493,
ونسب التأليف في «النوادر» لعبد العزيز بن أحمد بن نصر الحَلْوَانِيّ، قال ابن ماكولا: إمام أهل الرأي في وقته ببخارى، من مؤلفاته: «المبسوط»، و «النوادر»، و «الفتاوي». (ت456هـ) (¬1).
ثالثاً: مسائل «المجرد» و «النوادر»:
1. «المجرد»:
للحسن بن زياد اللُّؤْلُؤي، صاحب الإمام، (ت204هـ)، سبق ترجمته.
وكثر النقل عنه في عامة كتب الفقه كـ «العناية» و «البدائع» و «المحيط» و «درر الحكام» و «فتح القدير»، و «البناية»، وغيرها في عشرات المواضع في كل منها.
4. «الأمالي»:
لأبي يوسف، يعقوب بن إبراهيم، (ت182هـ)، كما سبق.
ونقلت عامّة الكتب الفقهية مثل «المبسوط» و «البدائع» و «المحيط البرهاني» و «فتح القدير» و «البحر الرائق» وغيرها عشرات المسائل عن أبي يوسف في «الأمالي».
ويُقال: أنَّ الأمالي في ثلاثمئة جزء (¬2).
¬
(¬1) ينظر: مقدمة الهداية 2: 13، ومقدمة السعاية 1: 32. الجواهر المضية 2: 429 - 430. سير أعلام النبلاء 18: 177 - 178. الإكمال في أسماء الرجال 3: 111.
(¬2) في بلوغ الأماني ص47.
والإملاء: أن يقعد العالم وحوله تلامذة بالمحابر والقراطيس، فيتكلّم العالم بما فتح الله عليه من العلم، وتكتب التلامذة ما تكلّم مجلساً مجلساً، ثم يجمعون ما كتبوا، فيصير كتاباً، ويُسمّى بـ «الأمالي»، وكان هذا عادةُ المتقدِّمين (¬1).
ونسبت تأليفات في «الأمالي» لبعض الفقهاء منهم:
ـ فخر الدين قاضي خان الأُوزْجَنْدِي، قال الحصيري: القاضي الإمام، والأستاذ فخر الملَّة ركن الإسلام، بقيَّة السلف (ت592هـ) (¬2).
ـ سراج الدين علي بن عثمان الأُوشي، ومن مؤلفاته: «الفتاوى السراجية»، ووصفه ابن أبي الوفاء: بالإمام العلامة المحقق (¬3).
رابعاً: كتب محمد الحديثية:
أُدرجت تحت كتب غير ظاهر الرواية؛ لأنها ليس في رتبة كتب ظاهر الرواية من جهة التأصيل والثبوت.
1. «موطأ محمد» بروايته عن مالك:
وفيه ما يزيد ألف حديث وأثر من مرفوع وموقوف مما رواه عن مالك، وفيه نحو مئة وخمسة وسبعون حديثاً عن نحو أربعين شيخاً سوى مالك ... ،
¬
(¬1) في شرح عقود رسم المفتي ص321.
(¬2) ينظر: الجواهر 2: 94. تاج التراجم ص151 - 152. الفوائد ص111. الأعلام 2: 238.
(¬3) ينظر: الجواهر 2: 583 - 584. الكشف 2: 1224.
وعليه شروح عديدة، منها: «شرح القاري»، و «شرح البيري»، و «شرح عثمان الكماخي»، وشرح اللكنوي المسمى «التعليق الممجد» ...
2. «الحجة»، المعروفة بـ «الحجج في الاحتجاج على أهل المدينة»:
وهو مطبوع في أربع مجلدات، وفيها ما يقارب (1000) حديث وأثر.
3. «الآثار»:
فيه يُقارب (1000) من الآثار.
قال الكوثري (¬1): «يروي فيه محمد عن أبي حنيفة أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة، ويكثر جداً عن إبراهيم النخعي شيخ الطريقة العراقية، ويَروي فيه قليلاً عن نحو عشرين شيخاً سوى أبي حنيفة، وهو كتابٌ نافعٌ للغاية، وللمشايخ عناية خاصة بروايته في أثباتهم، وقد ألف ابن حجر «الإيثار بمعرفة رواة الآثار» في رجاله باقتراح صاحبه العلامة قاسم الحافظ، ثم ألَّف هو أيضاً كتاباً آخر في رجاله».
وقال العثمانيّ (¬2): «والظاهر أنَّها وإن كانت بمثابة كتب ظاهر الرواية في صحة نسبتها إلى الإمام محمد، واشتهارها فيما بين أهل العلم، ولكنَّها ليست موضوعة لبيان المذهب وفروعه، ... وكتب ظاهر الرواية فإنَّها وضعت لبيان المذهب أصلاً، فصارت هي المعتمدة لمعرفة المذهب الحنفي، ولعلّ من أجل
¬
(¬1) ينظر: بلوغ الأماني ص65 - 66.
(¬2) في أصول الإفتاء ص139.
هذا لم يذكر الفقهاء الحنفيّة هذه الكتب لا في ظاهر الرواية ولا في النّوادر؛ لأنَّها ليست من النّوادر لشهرتها عن الإمام محمّد، وليست من ظاهر الرواية؛ لأنَّها لم توضع لبيان المذهب، ولكنَّ الظَّاهر أنَّ رُتبتها فوق النَّوادر ويؤخذ بما جاء فيها إلا ما عارض الكتب الستّة».
لما كانت كتب ظاهر الرواية تمثل أُسس ومبادئ البناء للمذهب، فكان الشرط للأخذ مما عداها أن يوافق أصول بنائها أو يوافق الرسم، وهذا شرط الأخذ من النوادر، فلا تكون هذا الكتب أعلى منها درجة؛ لأنّ الفقهاء أعرضوا عنها من جهة المسائل الفقهية، وكان اهتمامهم بمسائل غير ظاهر الرواية أكثر منها، فتكون من كتب ظاهر الرواية.
خامساً: كتب أبي يوسف الحديثية:
1. الخراج:
يُعَدّ من أعظم الكتب فيما يتعلَّق بالخراج، وألفه أبو يوسف بطلبٍ من الخليفة هارون الرشيد فيما يتعلق بأحكام الخراج (¬1)، والفقهاء ينقلون عنه في كتبهم، فهو محلّ اهتمام لهم.
2. الآثار:
فيه العديد من الآثار التي تشهد لمسائل المذهب من طريق أبي يوسف، وقد نافت الآثار فيه عن (1000) أثر.
¬
(¬1) ينظر: حسن التقاضي ص31.
3.الردُّ على سير الأوزاعي:
يُبيِّن الخلاف بين الأوزاعي وأبي حنيفة، وينتصر في الاستدلال لأبي حنيفة، فيغلب عليه الاستدلال.
واللطيف أنّ أبا يوسف ألفا كتباً خاصّة في الردِّ على كبار أقران أبي حنيفة وانتصروا لمذهبه ولمدرسة أهل الكوفة، وفي هذا دلالة واضحة على قوّة الاستدلال الحديثي وغيره في مدرسة الحنفية، فلا يُقبل من غيرهم أن يُسَلِّم بأدلة المخالفين في مقابل أدلة المذهب، كما سيأتي صريحاً عن الكرخي وقاضي خان.
* * *
الفصل الثاني
مسائل المشايخ
وهم مَن لم يُدركوا الإمام ودَرَسوا على أصحابه، ومَن جاء بعدهم من فقهاء القرن الثَّالث والرَّابع.
ويُطلق عليهم المتأخرين، قال ابن عابدين (¬1): «المجتهدون المتأخرون ... وهم أصحابُ أبي يوسف ومحمّد وأصحاب أصحابهما، وهلمّ جرّا، وهم كثيرون، موضع معرفتهم كُتُب الطَّبقات لأصحابنا وكُتب التواريخ».
قال ابنُ المنير (¬2): «والمختار أنَّهم مجتهدون ملتزمون أن لا يحدثوا مذهباً، أمّا كونهم مجتهدين؛ فلأنَّ الأوصافَ قائمةٌ بهم، وأمّا كونهم ملتزمين أن لا
¬
(¬1) في شرح عقود رسم المفتي ص 50.
(¬2) هو أحمد بن محمد بن منصور الجروي الإسكندري المالكي، ناصر الدين، أبو العباس، المعروف بـ (ابن المنير)، وكان الشيخ العز بن عبد السلام يقول: الديار المصرية تفتخر برجلين في طرفيها: ابن دقيق العيد في قوص، وابن المنير في الاسكندرية، (620 - 683 هـ). ينظر: العبر في خبر من غبر 3: 352، والنجوم الزاهرة 7: 361، ومعجم المؤلفين 2: 161، والأعلام 1: 220.
يُحدثوا مذهباً؛ فلأنَّ إحداث مذهب زائد بحيث يكون لفروعه أصولٌ وقواعد مباينة لسائر قواعد المُتَقَدِّمين، فمتعذِّرُ الوجود؛ لاستيعاب المُتَقَدِّمين سائر الأساليب (¬1)» (¬2).
وهؤلاء هم المجتهدون المنتسبون في المذهب، فهم يَلتزمون طريق الأصحاب، ولا يَكادون يَخرجون عنها، فيَستخرجون المسائل المستجدة على مسائل وأصول الأصحاب، وهذا هو الاجتهاد في المذهب، وأحياناً يَستنبطون الفروع من القرآن والسُّنة والآثار؛ لقدرتهم على الاجتهاد المطلق، قال ابن عابدين (¬3): «وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب؛ لدلائل وأسباب ظهرت لهم».
لذلك كان أصحاب هذه الطبقة يقومون بالتَّخريج، وهو المعتادُ من عملهم، ونادراً يَستنبطون؛ لأهليتهم.
وفي هذا الفصل ثلاثة مباحث:
¬
(¬1) ما قرّر هاهنا ابن المنير هو الحقّ المبين الذي عليه سائر مذاهب المجتهدين، وإن ظهر كلام مخالف له فلا عبرة به أمام هذه النصوص المتواترة والعمل المتوارث، والله أعلم.
(¬2) ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص399.
(¬3) في شرح العقود ص327.
الأول: أنواع مسائل المشايخ، حيث يعرض فيه أنّ مسائلهم على نوعين: التخريجات من القرآن والسنة والآثار، والمستنبطات من القرآن والسنة والآثار.
والثاني: مناهج كتب الفتاوى، فهي بدأت من هؤلاء المشايخ، ثمّ تطوَّرت، وكانت العناية في عامّتها نقل مسائل المشايخ، فكان لزاماً أن نفهمها حتى نعلم أين أقوال المشايخ فيها، ومدى الاعتماد الذي حصل لها.
والثالث: أطوار المشايخ، فيذكر فيه مشاهير مشايخ هذا الطبقة ممن خُلِّدَت أقوالُهم في كتب مَن جاء بعدهم، وهم على أطوار ممن صحبوا الأئمة أو تأخروا عنهم.
* * *
المبحث الأول
أنواع مسائل المشايخ
ومسائل هذه الطبقة على نوعين في مطلبين:
المطلب الأوّل: التخريجات:
وهي مسائلٌ استخرجها المجتهدون المتأخرون لَمّا سئلوا عن ذلك ولم يجدوا فيها روايةً عن أهلِ المذهبِ المُتقدِّمين (¬1).
قال أبو عبد الله البَلخي: لا تستخفُّوا بكلام هؤلاء ـ أي الأئمة الثلاثة ـ، فإني رُبَّما أتيت بمسألةٍ ولولا ما حَفِظت من أقاويلهم ما دَرَيت كيف أَضع قدمي.
¬
(¬1) ينظر: الدر المختار 1: 69 ..
وقال شداد بن حكيم: لولا أنّ منّ الله علينا بأبي حنيفة وأصحابه لم نكن نعرف من العلم شيئاً كثيراً، وكُنّا نتحيَّر فيه، ولكنهم شرحوه وبيَّنوه (¬1).
وبالتالي فإن هذه التخريجات مبنيةٌ على مسائل الأصحاب، ولكن مسائلهم لا تَكفي لحوادث الزَّمان، ومستجدات الأوان، فاحتيج للإفتاء فيها بناء على قَعّده الأكابر.
قال أبو الليث (¬2): «ولو جمع الإنسان أو قارن من الكتب وحفظ جميع أقاويل الفقهاء من المتقدمين ـ أي الأصحاب ـ والمتأخرين ـ أي المشايخ ـ رُبَّما يقع له من الحوادث ما لا يجد في جميع ما كتبه، ولا في جميع ما حفظه، ويحتاج إلى الاجتهاد في الحوادث.
ولو أنّ اللهَ تعالى سهل الأمر على المسلمين لما جاز لأحدٍ أن يقول في الاجتهاد، وروري عن الحسن البصري: أنه تلا قوله تعالى: {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِين، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78ـ 79]، ثم قال: لولا هذه الآية ما تجرأ أحدٌ على الفتوى، فنسأل الله التوفيق؛ لما يحبُّ ويرضى».
وهذه التخريجات على ثلاثة درجات:
أولاً: التخريجات المعتبرة:
¬
(¬1) ينظر: كتاب النوازل ص9ـ 10.
(¬2) في كتاب النوازل ص9ـ 10.
وهي التخريجاتُ المبنيةُ على أُصول معتبرةٍ في المذهب للفروع المستجدة.
وعلامة ذلك: أن يتوافق أكثرُ المشايخ على التخريج على هذا الأصل، فيأخذ بهذا التخريج مَن جاء بعدهم.
قال القابسي (¬1): «وإذا لم يوجد في الحادثة عن واحدٍ من الأصحاب جوابٌ ظاهر، وتَكَلَّم فيه المشايخُ المتأخرون قولاً واحداً يؤخذ به، فإن اختلفوا، يؤخذ بقولِ الأكثرين ممّا اعتمد عليه الكبار المعروفون: كأبي حفص، وأبي جعفر، وأبي الليث، والطحاوي وغيرهم، فيعتمد عليه».
وهذا لأنّ أصول البناء في المذهب متعدِّدةٌ جداً، فيَحصل اختلافٌ في إلحاق الفرع المستحدث بأَي أَصل منها، وأَي أصل أَحقّ، وتختلف أنظار المشايخ في هذا الإلحاق، فما اختاره الأكثر من وجوه الإلحاق للفروع بالأصل يكون هو المعتبر، كما هو المقرّر.
قال الدِّهلوي (¬2): «قسم هو تخريج المتأخرين اتفق عليه جمهور الأصحاب، وحكمه: أنه يفتون به على كلِّ حال.
وقسم هو تخريج منهم لم يتفق عليه جمهور الأصحاب، وحكمه: أن يعرض المفتي على الأصول ... ، فإن وجده موافقاً لها أخذ به، وإلا تركه».
¬
(¬1) في الحاوي القدسي ق 180/ أ.
(¬2) في عقد الجيد ص19.
فمثلاً:
ـ الإمام إذا كان في الركوع فسمع خفق النعل ممن دخل المسجد، إن كان الإمام قد عرف الجائي فإنَّه لا ينتظره؛ لأنَّه يشبه الميل، وإن لم يعرفه فلا بأس به؛ لأنَّ في ذلك إعانة على الطاعة، وهو قول الفقيه أبي الليث السمرقندي (¬1)، واختاره في «تحفة الملوك» (¬2)، وقال ابن نجيم (¬3): وهو حسن.
ثانياً: التخريجات الضعيفة:
وهي التخريجات المبنية على وجوه غير معتبرة للفروع المستجدة.
وعلامتها: إعراض عامة العلماء عن مثل هذا التخريج، وإنما يبقى قولاً لبعضهم؛ لكون الفرع أحقّ أن يُلحق بأصل آخر أحقّ به من هذا الأصل، ولكن يبقى هذا التخريج وجهاً في المذهب، بحيث يُعَدّ من الأقوال الضَّعيفة التي يُستفاد بها عند الضرورة؛ لكونه صدر من مشايخ معتبرين، لهم مكانتُهم واجتهادُهم.
¬
(¬1) وقال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة وابن أبي ليلى عن ذلك فكرهاه، وقال أبو حنيفة: أخشى عليه أمراً عظيماً: يعني الشرك، وروى هشام عن محمد أنَّه كره ذلك، وعن أبي مطيع أنَّه كان لا يرى بأساً، وقال أبو القاسم الصفار: إن كان الرجل غنياً لا يجوز له الانتظار، وإن كان فقيراً يجوز، ينظر: بدائع الصنائع 1: 209، والمرقاة ص154.
(¬2) ص 147.
(¬3) في البحر الرائق1: 355.
فمثلاً:
ـ المذهب على عدم حل الذبيحة إلا بالذبح بين الحلق واللِّبة، لكن خرّج الرُّسْتُغْفُني الجواز على فهم لبعض الروايات، فكان قوله محلاً للعمل في الجملة، قال العَيْنيّ (¬1): «وصرح في «الذخيرة»: أن الذبح إذا وقع أعلى من الحلقوم قبل العقدة لا يحل، كذا ذكره في «فتاوي أهل سمرقند»، وبه قالت الثلاثة، ولكن ذكر الإمام الرُّسْتُغفنيّ في «فوائده»: يحلّ؛ لأنّ المعتبر قطع أكثر الأوداج، وقد وُجد سواء كان فوق العقدة أو تحته، وفي «الخلاصة»: هذا خلاف قول عامة المشايخ، وقال صاحب «النهاية»: كان شيخي يفتي به، وكان يقول: الإمام الرستغفني معتمد في القول والعمل، ولو أخذنا يوم القيامة للعمل بروايته نأخذه كما أخذنا».
قال ابنُ عابدين (¬2): «بل رواية «الجامع» تساعد رواية الرُّسْتُغْفُني أيضاً, ولا تخالف رواية «المبسوط» بناء على ما في القُهُستانيّ من إطلاق الحلق على العنق، وقد شنع الأتقاني في «غاية البيان» على من خالف تلك الرواية غاية التشنيع .... ».
ثالثاً: التخريجات الخاطئة:
وهي التخريجات المبنية على وجوهٍ بعيدة جداً، بحيث أصبح هذا الفهم شاذاً، نتيجة لسبق ذهن حصل من الفقيه، فقَدَّم وجهاً غريباً في بناء المسألة.
¬
(¬1) في البناية11: 550.
(¬2) في رد المحتار6: 294.
ومثل هذا لا يُعدّ مذهباً، ولا يجوز التعويل عليه لخطئه الظاهر في إلحاق فرع بهذا الأصل.
فمثلاً:
انكشاف قدر الدرهم في السوأتين مانع من صحة الصلاة، وفيما عدا ذلك الربع، وهذا قول الكرخي، وإنّما قال ذلك؛ لأن العورة نوعان غليظة وخفيفة كالنجاسة، ثم في النَّجاسة الغليظة يعتبر الدرهم، وفي الخفيفة الربع، فكذا في العورة.
وقال البابرتي (¬1): «ما ذهب إليه الكرخيّ وهمٌ؛ لأنه قصد به التَّغليظ في العورة الغليظة فخفف؛ لأنه اعتبر في الدبر قدر الدرهم، وهو لا يكون أكثر من قدر الدرهم، فهذا يقتضي جواز الصلاة وإن كان جميع الدُّبر مكشوفاً، وهو تناقض».
المطلب الثاني: المستنبطات:
وهي مسائل استنبطها المجتهدون المنتسبون من الكتاب والسُّنة والآثار بأُصول استنباط استخرجوها واعتمدوا عليها في الفهم للأدلة؛ لقدرتهم على الاجتهاد المطلق.
فهم من طبقةٍ يقدرون فيها على النظر في الأدلة من جديد؛ لتوفُّر ملكة الاجتهاد المطلق لديهم وإن كان فيها ضعفٌ ظاهر عندهم، فلا يُقارن
¬
(¬1) في العناية 1: 262.
اجتهادُهم باجتهاد طبقة الأصحاب، لكن توجد الأهلية عموماً عندهم في القدرة على هذه الوظيفة.
وهذا الاجتهاد المطلق من هذه الطبقة نتيجة قدرتهم على تكوين بعض الأصول المخالفة لأصول الأصحاب، فما كان من الأصول مشتركاً ستكون فيه الفروع مشتركة، وإن اختلفت الأصول اختلفت الفروع، لكن الاختلاف الأصولي عندهم بقدر قليل جداً نَتَجَ عنه اختلافٌ في بعض الفروع؛ لأنه لا يكون اختلافٌ في الفروع إلا بالاختلافِ في الأصول سواء كانت في الاستنباط أو البناء أو التطبيق، والنقاش هاهنا في الخلاف الناتج عن المخالفة في أصول الفقه لا غير.
فمثلاً: انفرد الكَرخيُّ عن أبي حنيفة وغيره في: أنَّ العام بعد التَّخصيص لا يبقى حجّةً أصلاً، وأنَّ خبرَ الواحد الوارد في حادثة تعمّ بها البلوى، ومتروك المحاجة عند الحاجة ليس بحجّة قط، وانفرد أبو بكر الرازي في: أنَّ العام المخصوص حقيقةٌ إن كان الباقي جمعاً وإلا فمجاز (¬1).
وهذه المخالفة للأصول والفروع كانت نادرة بالنسبة للموافقة عمّا ورد عن أئمة المذهب، قال الكرخي (¬2): «إنَّ كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا، فإنَّه يحمل على النسخ أو على أنَّه معارض بمثله، ثم صار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه بما يحتجّ به أصحابنا من وجوه الترجيح أو يحمل على التوفيق،
¬
(¬1) نور الأنوار 1: 89.
(¬2) في أصول الكرخي ص84.
وإنَّما يفعل ذلك على حسب قيام الدليل، فإن قامت دلالة النسخ يحمل عليه، وإن قامت الدلالة على غيره صرنا إليه».
فهو يدلُّ على التأييد الكامل لكل ما ورد عن أئمة المذهب من وجوه الاستدلال، والثقة الكبيرة وإحسان الظنّ فيهم، إلا أننا في الواقع نجد حصول نوع مخالفة في الأصول والفروع.
ومن أمثلة اجتهاداتهم:
ـ لا يقام الحدّ على من يدخل الحرم مطلقاً؛ قال الطحاوي (¬1): «معنى هذه {مَن دخله منكم كان آمناً} عندنا أنه من أصاب حداً لله - عز وجل - أو لعباده، ثم دخل الحرم أمن من ذلك الحد، فلم يقم عليه ما كان مقيماً في الحرم، إلى أن يخرج من الحرم، فيقام عليه ذلك الحد في الحلّ.
وهكذا كان أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد يقولونه في ذلك، غير أنهم كانوا يجعلون ذلك أماناً في كل حد يأتي على النفس من حدود الله - عز وجل -، ومن حدود عباده مثل أن يزني وهو محصن، فيجب عليه الرجم، فيلجأ إلى الحرم فيدخله ... ولا يجعلون ذلك على الحدود التي لا تأتي على النفس من حدود الله - عز وجل - كالقطع في السرقات، ولا من الحقوق التي للعباد مثل قطع الأيدي، أو ما سواها من الأعضاء قوداً، ولا مثل التعزير بالأقوال الموجبة بالعقوبات، ولا بما يشبه كل واحد من هذين المعنيين من حقوق الله - عز وجل -، ومن حقوق عباده ...
¬
(¬1) في أحكام القرآن، 2: 310، وما بعدها، ملخصاً.
وأما ما رويناه عن أبي حنيفة وزفر ومحمد وأبي يوسف من رواية محمد في التفرقة بين الحدود التي لا تأتي عليها في ذلك، فلا وجه لذلك عندنا (¬1)؛ لأن الحرم إن كان دخوله يؤمن من العقوبات في الأنفس فهو يؤمن من العقوبات فيما دون الأنفس، وإن كان لا يؤمن من العقوبات فيما دون الأنفس، فإنه لا يؤمن من العقوبات في الأنفس».
ـ لا تجب المتعة للمرأة بحال، قال الطّحاويّ (¬2): «أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد، فكانوا يجعلون للمطلقات جميعاً المتعة اختياراً، لا وجوباً يحكمون به غير المطلقة قبل الدخول، ولم يسم لها صداق، فإنهم كانوا يوجبون لها المتعة، ويحكمون بها لها على مطلقها.
وسئل مالك عن الرجل يطلق المرأة قبل أن يدخل بها، ولم يفرض لها، أيقضى عليه بالمتعة؟ فقال: لا يقضى بها ...
فثبت بذلك أن لا متعة واجبة على أحد بعد طلاق قبله دخول، أو لا دخول قبله، كما قال مالك فيما حكيناه عنه في هذا الباب (¬3)».
¬
(¬1) هذا اختيار للطحاوي؛ لما ظهر له من النظر.
(¬2) في أحكام القرآن، 2: 366، وما بعدها ملخصاً.
(¬3) هذا ترجيح من الطحاوي لمذهب مالك، وهذا الترجيح لاختيارات أصولية للطحاوي بني عليها اختيارات في الفروع مخالفة لمذهب الحنفية، وهي نادرة، ولا يقدر على هذه المخالفة إلا من وصل لهذه الدرجة من الاجتهاد، والطحاوي من طبقة المجتهد المنتسب، وهو قادر على ذلك، فلا ينكر عليه، وإن اجتهاد أبي حنيفة وأصحابه مقدم عليه لعلو مقامهم في الاجتهاد.
ـ وقت الاصفرار ليس وقتاً للعصر، قال الطحاوي (¬1): «ففي هذه الآثار أن وقت اصفرار الشمس لا يصلى فيه، فخرج بذلك أن يكون وقت العصر؛ لأن سائر أوقات الصلوات سواء تقضى فيه الصلوات الفائتات، ولا تقضى صلاة فائتة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد عند اصفرار الشمس، فثبت بذلك أنه غير وقت لصلاة العصر، وهذا هو القول الصحيح عندنا في هذا الباب (¬2)، لا ما قاله أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد فيه».
وهذا الاستنباط الصادر منهم كان على درجتين:
أولاً: الاستنباطات المعتبرة:
وهي الاستنباطات التي وُفِّق الفقيه في استنباطها من الكتاب والسنة والآثار، بحيث اعتبرها مَن جاء بعدهم، وصارت قولاً له اعتبار أو تصحيح في المذهب.
والاجتهاداتُ في هذه الطبقةِ أقلُّ حالاً من الاجتهادات الصَّادرة في طبقةِ الاجتهاد المطلق؛ لتفاوت القدرة على الاجتهاد بين الطَّبقتين، ففي طبقةِ المجتهدين المُطلقين الوظيفةُ الرئيسيةُ والأكبرُ لهم هي الاستنباط؛ لا سيما عند أئمة المذهب، فشَتان بين الاجتهادين.
¬
(¬1) في أحكام القرآن،1: 166، وما بعدها، ملخصاً.
(¬2) هذا ترجيح من الطحاوي مخالف للمذهب لما ظهر له من النظر، وإن كانت أدلته أظهر وأقوى.
فمثلاً:
ـ اعتبار أن يصير ظلّ كلّ شيء مثله في دخول وقت العصر، وهو اختيار الطحاوي (¬1)، وقول الصاحبين واستظهره الشرنبلالي (¬2)، واختاره صاحب «الدر المختار» (¬3)، وقال: «وفي «غرر الأذكار»: وهو المأخوذ به، وفي «البرهان»: وهو الأظهر؛ لبيان جبريل، وهو نص في الباب، وفي «الفيض»: وعليه عمل الناس اليوم، وبه يفتى»، علماً أنّ القولَ باعتبار مثليه أكثر اعتماداً.
ثانياً: الاستنباطات الضعيفة:
وهي الاجتهاداتُ التي لم يُوفق الفقيه فيها، بحيث لم يوافقه أحدٌ من الفقهاء عليها، فلم يأخذوا بها، ولم يُصحِّحوها، فتكون قولاً ضَعيفاً في المذهب، يُمكن العملُ به للضَّرورة؛ لكونها صادرةً من مجتهدٍ له أهلية الاستنباط؛ لكونها في طبقة تتوفر لهم شروط الاستنباط من تقعيد الأصول وشيوع الرواية وغيرها.
¬
(¬1) في مختصره ص23.
(¬2) في حاشيته على الدرر1: 51.
(¬3) في حاشيته على الدرر1: 51.
فمثلاً:
ـ يعتبر الحساب الفلكي، قال محمد بن مقاتل: يعتبر قول المنجمين فكان يسألهم ويعتمد على قولهم بعد أن يتفق على ذلك جماعة منهم، ورَدَّه الإمام السرخسي (¬1).
ومعلوم أنّ المذهبَ هو اعتبار الرُّؤية (¬2)، لكن في هذا الزَّمان يُمكن اعتماد قول ابن مقاتل؛ للضرورة الظاهرة على اعتماد الحساب الفلكي؛ لتطور علم الفلك، والحاجة للتنظيم لدى الدُّول والمؤسسات، وكثرة الهوى والتلاعب، وتوحيد المسلمين بعد أن أصبح العالم يُراقب كلّ حدث، والخروج من الفتنة بسبب هذه المسألة بين عوام المسلمين.
ويلاحظ أنه لا يوجد مسائل مستنبطة خاطئة؛ لأن الحق لا يعلمه إلا الله تعالى، فما نحكم به يكون في دائرة الظنّ، فلا يُمكن الجزم بها أنها غير الحقّ عند الله تعالى، فطالما أنها صادرةٌ من مجتهدٍ له أهليةُ اجتهاد يكون قوله محلاً للعمل؛ لصدوره باجتهاد من أهله.
* * *
¬
(¬1) ينظ: الأشباه: 66.
(¬2) ينظر: تنبيه الغافل والوسنان ص99.
المبحث الثاني
مناهج الفتاوى
تعدد المناهج المتبعة في تأليف كتب الفتاوى على حسب هدف مؤلفها وغايته، فمنها: ما كان جامعاً لأقوال المشايخ، ومنها: ما كانت النوازل مختلطة مع مسائل ظاهر الرواية والنوادر، ومنها: ما ميز مؤلفوها بين درجات المسائل، ومنها: ما قصد مؤلفه حسن عرض للمسائل بما يحتاج إليه على اختلاف طبقاتها، ومنها: ما جمع أصحابها المسائل التي أفتوا بها، وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: الفتاوى الجامعة لمسائل المشايخ:
وهي الفتاوى التي اعتنى أصحابها بجمع مسائل فتاوى المشايخ بلا ذكر لظاهر الرواية.
1. «كتاب النوازل» للفقيه أبي الليث السمرقندي (ت 375 هـ):
يُعَدُّ أَوَّل كتاب جمع مسائل المشايخ «كتاب النوازل» لأبي الليث، قال ابن عابدين (¬1): «وأَوّل كتاب جمع في فتواهم فيما بلغنا: كتاب «النوازل» للفقيه أبي الليث السمرقنديّ (ت375هـ)».
قال أبو الليث في مقدمة «كتاب النوازل» (¬2): «إن لما رأيت الأئمة في الدين وعلماءنا المتقدِّمين أبا حنيفة النعمان بن ثابت وأبا يوسف يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن الحسن الشيباني، قد قدّموا جدَّهم وعنايتهم في تمهيد الأصول في الأحكام، وبالغوا في تفريع الحوادث والرِّوايات، وصنَّفوا هذه الكتب المبسوطة والجامعين والزيادات، وسهَّلوا سبيل الفقه على الناس ...
ثم كل واحدٍ منهم ومَن بعدهم من السلف الصالح وفقهاء المسلمين إلى يومنا هذا مثل أبي عبد الله محمد بن شجاع الثلجي، وأبي عبد الله محمد بن مقاتل الرازي، وأبي عبد الله محمد بن سلمة، ونصير بن يحيى، وأبي نصر محمد بن محمد بن سلام، وأبي القاسم أحمد بن حَمْ، وأبي بكر محمد بن أحمد الإسكاف، وعلي بن أحمد، والفقيه أبي جعفر، دقَّقوا النظر في اجتهادهم على ما رأوا من اختلاف الأحوال، وعادات الناس في عهدهم وزمانهم فيما وقع لهم من النوازل.
وكلُّ ذلك مما تمسُّ إليه الحاجة وتزيد قوَّة وبصيرةً لمن جلس للدرس، وتصدّى للفتوى.
¬
(¬1) في رد المحتار1: 69.
(¬2) كتاب النوازل ص9ـ 10.
صنفت كتابيّ من أقاويلهم، وسَميت أحدهما: «عيون المسائل»، والآخر: «كتاب النوازل».
وأورد في «عيون المسائل» من أصحابنا ما ليست عنهم رواية في هذه الكتب من المسائل، وفي «كتاب النوازل» من الفتاوى من أقاويل المشايخ وشيئاً من أقاويل أصحابنا ما لا رواية عنهم في الكتب؛ ليسهل على الناظر فيها طريق الاجتهاد، ويعرف مذاهبهم في الفتوى، فإذا الحوادث لا تنقطع، والنوازل لا تتناها».
فيكون كتابه «عيون المسائل» مخصصة لمسائل غير ظاهر الرواية عن الأصحاب.
ويكون «كتاب النوازل» مخصَّص لمسائل المشايخ عادة، وأحياناً نقل مسائل غير ظاهر الرواية عن الأصحاب.
ومن المشايخ الذين نقل الفتاوى عنهم: 1) أبو القاسم أحمد بن حَمْ، 2) وأبو سليمان الجوزجاني، 3) ونصير بن يحيى، 4) وأبو بكر محمد بن أحمد، 5) والفقيه أبو جعفر الهندواني، 6) وأبو بكر الإسكاف، 7) وليث بن مساور 8) وخلف بن أيوب، 9) ومحمد بن شجاع الثلجي، 10) وإبراهيم بن يوسف، 11) ومحمد بن مقاتل، 12) وأبو نصر منصور بن جعفر، 13) ومحمد بن سلمة، 14) وبشر بن الوليد، 15) ومحمد بن الفضل البُخاري، 16) وشداد بن حكيم، 17) وأبو نصر محمد بن سلام، 18) ومحمد بن
الأزهر، 19) والحسن بن مطيع، 20) وأبو أحمد العياضي، 21) وأبو بكر بن أبي سعيد، وغيرهم.
ومن الأصحاب الذي نقل عنهم: 1) يوسف السِّمتي، 2) وابن المبارك، 3) والحسن بن زياد، 4) وأسد بن عمرو، 5) وأبو مطيع البلخي
ونقل نادراً عن سفيان الثوري.
2. «الواقعات»:
لأحمد بن محمد بن عمر النَّاطِفِيّ، أبي العبّاس، نسبة إلى عمل الناطِف وبيعه، والناطف نوع من الحلوى، قال ابن أبي الوفاء: أحد الفقهاء الكبار، وأحد أصحاب النوازل، من مؤلفاته: «الأجناس والفروق»، (ت446هـ) (¬1).
قال ابن عابدين (¬2): «ثم جمع المشايخ بعده كتباً أخر: كـ «مجموع النوازل والواقعات» للناطفي، و «الواقعات» للصَّدر الشهيد».
3. «الفتاوى الكبرى»، و «الفتاوى الصغرى»، و «الواقعات»، و «عمدة المفتي والمستفتي»:
لعمر بن عبد العزيز بن مازه، المعروف بالصدر الشهيد، أبي محمد برهان الأئمة، حسام الدين، (483 - 536هـ) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الجواهر 1: 297 - 298. الفوائد ص65 - 66.
(¬2) في رد المحتار1: 69.
(¬3) ينظر: الجواهر 2: 649 - 650. الفوائد ص242. النجوم الزاهرة 5: 268 - 269. إيضاح المكنون 4: 124. الأعلام 5: 210.
قال الصدر الشهيد (¬1): «لما سُئلت عن الفتاوى عن أمور لا تدخل الغاية، وطلبت لأجوبتها عدة الكفاية، حملني حسن الأحدوثة بين العالمين ولسان صدق في الآخرين على تصنيف جامع بين ما أودعه الفقيه أبي الليث في «نوازله» و «عيونه» وبين ما أودعه أبو العباس الناطفي في «واقعاته»، وبين «فتاوى الإمام أبي بكر محمد بن الفضل» و «فتاوى أهل سمرقند».
وبدأت بمسائل «النَّوازل» معلَّمة بعلامة النّون، ومسائل «العيون» بعلامة العين، و «الواقعات» بعلامة الواو، ومسائل الشيخ الإمام أبي بكر ابن الفضل بعلامة الباء، ومسائل «فتاوى أهل سمرقند» بعلامة السين».
وكلام الصدر الشهيد في مقدمة «الواقعات» (¬2) يشبه كلامه في مقدمة «الفتاوى الكبرى» في المنهجية التي سار عليها.
4. «مجموع النوازل والحوادث والواقعات»:
لأحمد بن موسى بن عيسى بن مأمون الكَشَّني، قال الكفوي: كان فقيهاً مناظراً، قال اللكنوي: هو مجموع لطيف في فروع الحنفية. (ت نحو550هـ) (¬3).
¬
(¬1) في الفتاوى الكبرى ص34ـ 35.
(¬2) واقعات الصدر الشهيد ص41.
(¬3) ينظر: الكشف 2: 1606، الفوائد ص75،11 2.
5. «الملتقط في الفتاوى الحنفية»:
لمحمد بن يوسف بن محمد العَلَويّ الحَسَنِيّ السَّمَرْقَنْديّ، أبي القاسم، ناصر الدين، إمام فاضل، عالم بالتفسير والحديث والفقه والوعظ، من مؤلفاته: «جامع الفتاوى»، و «خلاصة المفتي»، و «المبسوط»، و «النافع»، (ت556هـ) (¬1).
6. «مختارات النوازل» و «التجنيس والمزيد»:
لعلي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغَانِيّ المَرْغِينَانِيّ، أبي الحسن، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فقيهاً حافظاً مفسِّراَ جامعاً للعلوم ضابطاً للفنون، متقناً محقِّقاً نظاراً مدققاً زاهداً ورعاً بارعاً فاضلاً ماهراً أصولياً أديباً شاعراً لم تر العيون مثله في العلم والأدب، وله اليد الباسطة في الخلاف والباع الممتد في المذهب، من مؤلفاته: «الهداية»، قال اللكنوي: كل تَصانيفه مَقبولةٌ مُعتمدةٌ، ولا سيما «الهداية»، فإنه لم يزل مرجعاً للفضلاء، ومنظراً للعلماء، (ت593هـ) (¬2).
قال المرغيناني (¬3): «هذا الكتاب لبيان ما استنبطه المتأخرون، ولم ينصّ عليه المتقدمون، إلا ما شذّ عنهم في الرواية، ولكانت العيون دون الدراية،
¬
(¬1) ينظر: الجواهر 3: 409. والكشف 1: 565، 717، 2: 1580، 1697، 1813، 1921.
(¬2) ينظر: الجواهر المضية 2: 627 - 629. تاج التراجم ص206 - 207. الفوائد ص230. مقدِّمة الهداية 3: 2 - 4.
(¬3) في التجنيس والمزيد 1: 91ـ 92.
وقد حوتها كتب متفرّقة وتصانيف مختلفة، ورُبّما كثر في بعضها الأقوال، فيقتصر دون حفظها الآمال.
وأنّ الصدر الإمام الأجل الأستاذ، الشهيد حسام الدين أوردها مهذبة في تصنيف، وجمعها مؤلفة بأحسن تأليف، فرَمَى بالأقوال الزائدة، واكتفى بالمختار من الفائدة، وذكر لها الدلائل، ورتَّب الكتب دون المسائل غير أنه سبقت إليه المنية ومنع الحِمام المرام، لم يتيسَّر له الاختتام، ونال قسمة الشهادة، ولم يزد على القسمة زيادة.
وها أنا عازم على إتمامه، شارع في تحسين نظامه لما رأيت النفوس بذلك مشغوفة، وعلمت أن الهمم إليه مصروفة، وأترك ذِكر ما ذُكر من الأبواب إلى حروف مجردة عن الألقاب؛ ليعرف الناظر في كل باب أن مسائله من أي كتاب.
فالنون: «النوازل» للفقيه أبي الليث، والعين: «عيون المسائل»، والواو: «واقعات أبي العباس الناطفي»، والتاء: «فتاوى الإمام أبي بكر بن الفضل»، والسين: «فتاوى أئمة سمرقند»، وما هو معلم بعلامة الزاي في كل باب في الانتهاء، فهو من الزوائد وغير ما جمعه من الفوائد، والألف مع الجيم بعدها: «أجناس الناطفي»، والغين مع الراء: «غريب الرواية للسيد الإمام أبي شجاع»، والنون مع السين: «فتاوى الشيخ الإمام الأجل نجم الدين عمر النَّسفي»، والشين مع الراء والواو: من شرح الكتب المبسوطة، والفاء مع التاء: «الفتاوى الصغرى» للصدر الشهيد، والميم من المتفرقات، وسميته: «كتاب التجنيس والمزيد»، وهو لأهل الفتوى خير عتيد».
المطلب الثاني: الفتاوى المختلطة:
وهي الفتاوى التي ذكر أصحابها مسائل الفتاوى للمشايخ مختلطةً مع مسائل ظاهر الرواية وغير ظاهر الرواية.
1. «الفتاوى الولوالجية»:
لعبد الرشيد بن أبي حنيفة بن عبد الرزاق أبي الفتح، ظهير الدين الوَلْوَالِجي، قال الكفوي: إمام فاضل نظار كامل، (467 ـ بعد 540 هـ) (¬1).
قال الولوالجي (¬2): «كان الشيخ الإمام الأجل السعيد الشهيد حسام الدين، صدر صدور الأئمة في العالمين أشدّ الناس اهتماماً بتحريره وأكثرهم عناية لإيضاحه وتقرير؛ لما آتاه الله تعالى من لطائف برّه وكرمه وآثره من خلال مواهبه ونعمه، فقصر مسافة الطالبين إلى علم الدين بما لخص من حقائقه وشرح من دقائقه، لا سيما كتاب الجامع لنوازل الأحكام التي تعمّ به بلوى الأنام.
فاتفق لخادمه المربوب في برِّه وإنعامه أن يفصل ما أورده في كتابه تفصيلاً، ويُسهِّل في حفظه وفهمه سبيلاً، ويضم إليه ما اتفق سواه من الواقعات المهمة القريبة دون ما يَندر وقوعه من النوائب الغريبة.
¬
(¬1) ينظر: طبقات الفقهاء ص 96، الفوائد ص 160، الجواهر المضية 2: 417.
(¬2) في الفتاوى الولوالجية 1: 26 ـ 27.
وأن يضمَّ إليه ما اشتملت عليه كتب الإمام محمد بن الحسن، مما لا بُدّ من معرفته لأهل الفتوى من قضايا الدين وأحكام الهدي ليكون كتاباً جامعة لأصول الفقه وقواعده، مقيداً لأوابده وشوارده، ... ».
2. «خلاصة الفتاوي» و «كتاب النصاب»، و «خزانة الواقعات»:
لطاهرِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الرشيد البُخَاريّ، افتخار الدِّين، قال: الكفوي: كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر شيخ الحنفية بما وراء النحر، من أعلام المجتهدين في المسائل، ومن مؤلفاته: قال اللكنوي: وهو كتاب معتبر عند العلماء معتمد عند الفقهاء. (482ـ 542هـ) (¬1).
قال افتخار الدين البخاري (¬2): «وقد كتبت في هذا الفن نسختين: أحدهما: تسمى «خزانة الواقعات»، والثانية: تسمى «كتاب النصاب»، فسألني بعض ذلك بعض إخواني أن أكتب نسخة قصيرة، يُمكن ضبطها، ويتيسر حفظها، فكتبت هذه النسخة جامعة للرواية خالية عن الدراية، مع بيان مواضع المسائل دفعاً لطعن الطاعن، غنية للمقيم والظاعن، وكتبتُ فهرست الفصول والأجناس على رأس كلِّ كتاب؛ ليكون عوناً لمن أُبتلي بالفتوى، وسميتها «كتاب الخلاصة»».
¬
(¬1) ينظر: الفوائد ص146. الجواهر 2: 276. التاج ص172.
(¬2) في خلاصة الفتاوى 1: 2.
3. «الفتاوى الخانية:»:
لحسن بن منصور بن محمود الأُوزْجَنْدِي الفَرْغَانِي الحَنَفِي، أبي القاسم، فخر الدين، المشهور بقاضي خان، من مؤلفاته: «شرح الجامع الصغير»، و «شرح الزيادات»، و «الأمالي»، و «المحاضر»، و «شرح أدب القضاء»، قال الحصيري: هو القاضي الإمام، والأستاذ فخر الملَّة ركن الإسلام، بقيَّة السلف، مفتي الشرق، قال الإمام اللكنوي: انتفعت بـ «فتاواه» وهي في أربعة أسفار معتمدة عند أجلَّة الفقهاء، (ت 592 هـ) (¬1).
قال ابن عابدين (¬2): «ثمّ ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطةً غيرَ متميزة: كما في «فتاوى قاضي خان»، و «الخلاصة» لافتخار الدين البخاري، وغيرهما».
المطلب الثالث: الفتاوى المميِّزة:
وهي الكتب الي ذكرها مؤلفها مسائل المشايخ وظاهر الرواية وغير ظاهر الرواية مميَّزة عن بعضها، بحيث بدأوا بمسائل الظاهر ثم بغير الظاهر، ثم بالنوازل.
قال ابن عابدين (¬3): «ومَيَّزَ بعضُهم: كما في كتاب «المحيط» لرضي الدين السَّرَخسيّ، فإنَّه ذكر أَوّلاً مسائل الأصول، ثم النّوادر، ثم الفتاوى، ونِعمَ ما فعل».
¬
(¬1) ينظر: الجواهر 2: 94. تاج التراجم ص 151 - 152. الفوائد ص 111. الأعلام 2: 238.
(¬2) في رد المحتار 1: 69.
(¬3) ينظر: شرح العقود ص 322 ـ 327.
1. «المحيط الرضوي»:
لمحمد بن محمد بن محمد السَّرَخْسيّ، رضي الدين، برهان الإسلام، قال الكفوي: كان إماماً كبيراً جامع العلوم العقلية والنقلية، (ت571هـ) (¬1).
2. «المحيط البرهاني»، و «ذخيرة الفتاوي» المشهورة بـ «الذخيرة البرهانية» مختصرة من «المحيط»:
لمحمد بن أحمد ابن مازه البخاري، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فارساً في البحث عديم النظير، له مشاركة في العلوم وتعليق في الخلاف، قال اللكنوي: قد طالعت «الذخيرة» وهو مجموع نفيس مُعتبرٌ، وطالعت أيضاً المجلد الأول من «محيطه»، (ت616هـ) (¬2).
قال محقِّقُ «الأصل» (¬3): «يذكر الرضي السرخسي في مقدمته: أنَّه جمع في عامة مسائل الفقه ورتبه على أنَّه بدأ كل باب بمسائل «المبسوط» لما أنها أصول مبنية، وأردفها بمسائل النوادر لما أنَّها من أصول المسائل منزوعة، ثم أعقبها بمسائل الجامع لما أنَّها من زبدة الفقه مجموعة، ثم ختمها بمسائل الزيادات لما أنَّها على فروع الجامع مزيدة. لكنه عند فحص الكتاب يتبين أنه جمع فيه تلك المسائل من حيث المعنى ولم يلتزم بلفظ «المبسوط»: أي الأصل.
¬
(¬1) ينظر: تاج ص248 - 249، طبقات طاشكبرى زاده ص104، الفوائد ص310 - 314.
(¬2) ينظر: الجواهر 3: 233 - 234. الفوائد ص291 - 292. الكشف 2: 1619.
(¬3) في مقدمة الأصل ص124 - 125.
و «المحيط» لبرهان الدين البخاري ذكره في مقدمته: أنَّه جمع فيه مسائل «المبسوط» و «الجامعين» و «الزِّيادات» و «السِّير» و «النَّوادر» و «الفتاوى والواقعات»، ولكنَّه عند فحص الكتاب يتبيّن أنَّه جمع فيه تلك المسائل من حيث المعنى أيضاً، ولم يلتزم باللفظ».
قال البَرهانيُّ (¬1): «وجمعتُ مسائل: «المبسوط»، و «الجامعين»، و «السير»، و «الزيادات»، وألحقتُ بها مسائل «النوادر»، والفتاوى والواقعات، وضممتُ إليها من الفوائد التي استفدتها من سيدي ومولاي والدي، والدقائق التي حفظتها من مشايخ زماني، وفصلتُ الكتاب تفصيلاً، وحللت المسائل تحليلاً، وأيدت بدلائل عول عليها المتقدمون واعتمد عليها المتأخرون، وعملت فيه عمل مَن طب لمن حَب، ووسمت الكتاب بـ «المحيط»».
3. «الفتاوى الهندية»: المشهورة بـ «العالمكرية»:
أمر بتأليفها محي الدين محمد أورنك زيب عالمكير، الذي افتتح كثيراً مِنَ البلاد الهندية في عهده وجعلها تحت سيطرته (ت 1118هـ) من قِبَلِ مجموعة من كبار علماء الهند زادوا على الأربعين، منهم: الشيخ نظام الدين البرهانفوري، والقاضي محمد حسين الجونفوري، والشيخ عليّ أكبر الحسيني، والشيخ حامد بن أبي الحامد الجونفوري، وغيرهم (¬2).
¬
(¬1) في المحيط البرهاني1: 29.
(¬2) ينظر: نزهة الخواطر 9: 211 - 212، وغيره.
ففي «الفتاوى الهندية» (¬1): «أن يؤلفوا كتاباً حاوياً لظاهر الروايات التي اتفق عليها، وأَفتى بها الفحول، ويجمعوا فيه من النوادر ما تلقتها العلماء بالقبول كي لا يَفوت الاحتياط في العمل، والاجتناب عن الخطل والزلل ...
واختاروا في ترتيب كتبها ترتيب «الهداية» وسلكوا في توضيحها أو تنقيحها أقصى النهاية تاركين لما تكرر في الكتب من الروايات والزوائد معرضين عن الدلائل والشواهد إلا دليل مسألة يوضحها، أو يتضمن مسألة أخرى، واقتصروا في الأكثر على ظاهر الروايات ولم يلتفتوا إلا نادراً إلى النوادر والدرايات، وذلك فيما لم يجدوا جواب المسألة في ظاهر الروايات أو وجدوا جواب النوادر موسوماً بعلامة الفتوى، ونقلوا كل رواية من المعتبرات بعبارتها مع انتماء الحوالة إليها، ولم يغيروا العبارة إلا لداعي ضرورة عن وجهها، ولإشعار الفرق بينهما أشاروا إلى الأول بكذا وإلى الثاني بهكذا.
وإذا وجدوا في المسألة جوابين مختلفين كل منهما موسوم بعلامة الفتوى وسمة الرجحان أو لم يكن واحد منهما معلماً بما يعلم به قوّة الدليل والبرهان أثبتوهما في هذا الكتاب».
المطلب الرابع: فتاوى حُسْن التأليف:
أرادوا أصحاب هذه الفتاوى أن يعرضوا مسائل الفقه بأحسن حلة، فيما يرون حاجة العالم والمفتي والطالب له، سواء كان في ظاهر الرواية أو غير
¬
(¬1) 1: 3.
ظاهر الرواية أو النوازل، فيعرضوا المسائل مرتبة منظمة مختصرة فيما يفيد القارئ.
1. «النتف في الفتاوى»:
لعلي بن الحسين بن محمد السُّغْدِيّ، أبي الحسن، شيخ الإسلام، قال الكفوي: كان إماماً فاضلاً فقيهاً مناظراانتهت إليه رئاسة الحنفية، ورحل إليه في النوازل والواقعات، من مؤلفاته: «شرح الجامع الكبير»، (ت461هـ) (¬1).
2. «الفتاوى السراجية»:
لعليّ بن عثمان بن محمَّدٍ الأُوشِيّ، سراج الدين، من مؤلفاته:، قال اللكنوي: أَتَمَّها كما في نسخةٍ منها يوم الاثنين من محرمٍ سنة تسعٍ وستينَ وخمسُمئةٍ، وهو مؤلِّفُ القصيدة المعروفة بـ «بدء الأمالي»، ووصفه ابن أبي الوفاء: بالإمام العلامة المحقق (¬2).
قال الأُوشي (¬3): «هذا ما اختصرته من كتاب سَبَق مني جمعه وتصنيفه ونظمه وتأليف في نفائس أجناس الواقعات الملتقطة من الجامعين والزّيادات، المنتخبة من فوائد أئمة الأمصار ... من نسخ يكثر عدُّها واحصاؤها واستقصاؤها على حسب كفاية المتصدين لأمر الفتوى في حوادث أهل البلوى، وإنه كتاب صغير الحجم كثير الغُنم ... »
¬
(¬1) ينظر: الجواهر 2: 567. طبقات ابن الحنائي ص73. الفوائد ص203.
(¬2) ينظر: الجواهر 2: 583 - 584. الكشف 2: 1224.
(¬3) في الفتاوى السراجية ص24.
المطلب الخامس: الفتاوى الخاصة:
وهي الفتاوى التي جمع فيها أصحابها فتاويهم، بحيث يستفيد منها الآخرون، ويكون العرض فيها عادة بهيئة سؤال وجواب، وشاع مثلها في العصور المتأخرة.
1. «فتاوى ابن الشّلبي»:
لأحمد بن يونس بن محمد السعودي، الشهير بابن الشلبي، (ت 947 هـ)، جمعها فيده علي بن محمد (ت 947 هـ).
2. «الفتاوى العمادية الحامدية» وسمَّاها: «مغني المفتي عن جواب المستفتي»:
لحامد أفندي بن علي إبراهيم العمادي الحنفي الدمشقي، كان عالماً محققاً فقيهاً أديباً شاعراً نبيهاً كاملاً مهذباً، (1103 - 1171 هـ) (¬1).
ونقحها ابن عابدين في «العقود الدرية بتنقيح الفتاوي الحامدية» (¬2).
3. «فتاوى ابن نجيم»:
لإبراهيم بن محمد ابن نُجَيْم المِصْريّ، زين العابدين، من مؤلفاته: «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»، «الرسائل الزينية»، و «الأشباه والنظائر»،
¬
(¬1) ينظر: إيضاح المكنون 2: 156.
(¬2) ينظر: أعيان دمشق ص 252 - 255،الأعلام 6: 267 - 268.
و «فتح الغفار شرح المنار»، قال اللكنوي عن مؤلفاته: كلُّها حسنةٌ جداً، (926 - 970هـ) (¬1).
4. «فتاوى التُّمرتاشي»:
لمحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمد التُّمُرْتَاشِي الغزِّي، شمس الدِّين، وهو من تلامذة صاحب «البحر الرَّائق»، قال محب الدين: كان إماماً كبيراً حسن السمت قوي الحافظة كثير الاطلاع، ولم يبق من يساويه في الرتبة، وألف التآليف العجيبة المتقنة، من مؤلفاته: «تنوير الأبصار»، وشرحه سمَّاه «منح الغفار»، (ت1004هـ) (¬2).
قال التُّمُرتاشيُّ (¬3): «لما ابتليتُ من عنفوان شبابي بالإفتاء بغزّة هاشم ونواحيها، فتارة كنت أثبت السؤال وجوابه في مواضع متفرقة، وتارة لا أعتني بذلك، وهذا كان هو الغالب في مدّة إفتائي، ثم لما دعت الحاجة؛ لسلوك طريق سهلة في ذلك؛ لكبر سِنّي وضعف حالي، أَحببت أن أَجمع ما قيَّدته من ذلك سالكاً في ترتيب ذلك على منوال ترتيب الهداية أحسن المسالك».
* * *
¬
(¬1) ينظر: التعليقات السنية ص221 - 222. الكشف 1: 385، 2: 1515. الرسائل الزينية ص7.
(¬2) ينظر: خلاصة الأثر 4: 18 - 20. طرب الأماثل 562 - 563، دفع الغواية ص11.
(¬3) في فتاوى التمرتاشي 1: 83.
المبحث الثالث
أطوار المشايخ
وأعداد المشايخ لا تحصى، فيقتصر على ذكر المشاهير منهم، ممن تذكر أقوالهم في الكتب المتأخرة، ويرجع الفقهاء إلى أقوالهم، ويحتجم بكلامهم.
وغالب مَن ينقل عنهم المسائل أصحاب أبي يوسف ومُحمّد، ودرجات:
الطور الأول: أصحاب الأصحاب:
والمقصود بهم مَن صحبوا أحد أصحاب إمام المذهب أبي حنيفة، ممن صحبوا أبا يوسف ومحمداً والحَسن وزفر، وتلقوا عنهم المسائل، ونقلوا عنهم المسائل والكتب، ومن مشاهيرهم:
1.أبو سليمان الجوزجاني، صاحب محمّد، (ت بعد 200هـ)، كما سبق.
2.الحسن بن أبي مالك، أخذَ عن أبي يوسف، وتفَّقه عليه محمَّد بن شجاع، وقال: لم يكن أبو يوسف يدقِّق هذا التدقيق الشديد عند القراءة عليه
كما يدقق محمد بن الحسن، قال الصَّيْمريّ: ثقةٌ في روايته، غزير العلم، كثيرُ الرواية، (ت204هـ) (¬1).
3.خلف بن أيوب العامري البلخي، أبو سعيد، كان من أصاحب زفر، وقد تفقه على أبي يوسف، وكان من أصحاب محمد، وصحب إبراهيم بن أدهم مدَّة وأخذ عنه الزهد، وعن الصيمري: لو جمع علم خلف لكان في زنة علم علي الرازي إلا أن خلفاً أظهر علمه بصلاحه وزهده، (ت205هـ) (¬2).
4.عصام بن يوسف بن مَيْمون بن قدامة البلخي، أبو عصمة، صاحب أبي يوسف، وهو أخو إبراهيم بن يوسف، وقد كانا شيخي بلخ في زمانهما بغير مدافع لهما، من مؤلفاته: «المختصر»، (ت210هـ) (¬3).
5.معلى بن منصور الرازي، صاحب الصاحبين، (ت211هـ)، كما سبق.
6.إبراهيم بن رستم المَرْوزيّ، صاحب محمد، (ت211هـ)، كما سبق.
7.إسماعيل بن حماد بن ابي حنيفة، تفقه على أبيه وعلى الحسن بن زياد ولم يدرك جدّه، ولي القضاء ببغداد وقضاء البصرة والرقة، وكان بصيراً وبالقضاء عارفاً بالأحكام والوقائع والنوازل صالحاً ديناً عابداً زاهداً، من
¬
(¬1) ينظر: طبقات ابن الحنائي ص133، الفوائد ص103.
(¬2) ينظر: الجواهر 2: 170 - 172. العبر 1: 367. الفوائد ص122 - 123.
(¬3) ينظر: الجواهر المضية2: 527 - 528، والفوائد البهية ص195.
مؤلفاته: «الجامع في الفقه»، و «الرد على القدرية»، و «كتاب الإرجاء»، مات شاباً سنة (212هـ) (¬1).
8.إبراهيم بن الجَرَّاح الكوفيّ، أخذَ عن أبي يوسف، وسمعَ منه الحديث، وهو آخر مَن رَوَى عن أبي يوسف، قال: أتيتُه أعودُه، فوجدتُه مُغْمَىً عليه، فلمّا أفاقَ قال لي: يا إبراهيم، أيُّما أفضلُ في رمي الجِمار أن يرميَها الرجلُ راجلاً أو راكباً، فقلت: راكباً، فقال لي: أخطأت، ثمّ قال: أمّا مَن كان يُتَوقَّفُ للدعاءِ فالأفضل أن يرميَه راجلاً، وأمّا مَن كان لا يُتوقَّفُ عنده للدّعاء فالأفضل أن يرميَه راكباً، ثمّ قمتُ من عندِه فلمَّا بلغتُ بابَ دارِهِ سمعتُ الصُّراخَ عليه، و إذا هو قد مات، (ت217هـ) (¬2).
9.أحمد بن حفص البخاري، أبو حفص الكبير. أخذ عن محمد بن الحسن، الإمام المشهور، (ت217هـ) (¬3).
10.أبو بكر بن حامد البخاري، من أقران أبي حفص الكبير، الإمام الزاهد، من مؤلفاته: «الزيادات» (¬4).
11.عيسى بن أبان، صاحب محمد، (ت221هـ)، كما سبق.
12.هشام بن عبيد الله الرَّازِيّ، صاحب محمد (ت221هـ)، كما سبق.
¬
(¬1) ينظر: الفوائد ص81. مرآة الجنان 2: 53.
(¬2) ينظر: طبقات ابن الحنائي ص131، الطبقات السنية1: 189 - 191.
(¬3) ينظر: الجواهر 1: 166 - 167. تاج التراجم ص94. الفوائد ص39، مقدمة الأصل ص295.
(¬4) ينظر: الجواهر 4: 17. الفوائد ص91.
13.بشر بن الوليد الكندي، صاحب أبي يوسف، (ت238هـ)، كما سبق.
14.داود بن رشيد، صاحب محمد، (ت239هـ)، كما سبق.
15.شداد بن حكيم البلخي القاضي، صاحب زفر، (ت220هـ) (¬1).
16.هلال بن يحيى بن مسلم البصري، لقب بالرأي لسعة علمه، وكثرة فقهه، أخذ عن أبي يوسف وزفر، قال حاجي خليفة: أول من ألف في الشروط والسجلات، ومن مؤلفاته: «الشروط»، و «أحكام الوقف»، ولعبد الله بن الحسين الناصحي كتاب «الجمع بين وقفي هلال والخصاف»، اختصر به كتابيهما وأضاف إليهما زيادات، (ت245هـ) (¬2).
17.محمد بن مقاتل الرَّازِيّ، من أصحاب محمد، قاضي الرَّي، (ت248هـ) (¬3).
18.محمد بن شجاع الثلجي، صاحب الحسن، (ت266هـ)، كما سبق.
19.سليمان بن شعيب بن سليمان الكسائي، من أصحاب محمّد، من طبقة محمّد بن مقاتل الرَّازيّ وموسى بن نصر، وروى عنه الطَّحاويّ، وله:
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية 2: 247 الفوائد ص143 تاج ص171.
(¬2) ينظر: الجواهر1: 571 - 572. الأعلام8: 92.
(¬3) ينظر: الجواهر3: 372، والفوائد ص329، والتقريب ص442.
«النوادر» عن محمّد، (ت278هـ) (¬1)، والظاهر أن الصحبة كانت لوالده لا له؛ لأنهم ينقلون عنه عن والده، قال الطحاوي (¬2): «وممن ذهب إلى هذا القول محمد بن الحسن فيما حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه»، وهو مكرر في مواضع عديدة في أحكام القرآن للطحاوي.
20.موسى بن نصر الرازي، أبو سهل، من أصحاب محمّد بن الحسن، وقال في «الحاوي»: عن أبي سهل بن أبي نصر الرازيّ: مَن واظب على ترك الأربع قبل الظُّهرِ لم تقبلْ شهادته، وله كتاب «المخارج»، وهو البديع في بابه (¬3).
فهذا الطور انتهى بمعدل (260هـ).
الطور الثاني: أصحاب أصحاب الأصحاب:
1.أحمد بن عمرو الشَّيْبَانيّ الخَصَّاف، أبو بكر. قال الحلواني: الخصَّاف رجل كبيرٌ في العلم، وهو ممَّن يصحُّ الاقتداء به، من مؤلفاته: «الحيل»، و «الوصايا»، و «الشروط الكبير»، و «الشروط الصغير»، و «الرضاع»، و «المحاضر والسجلات»، و «أدب القاضي»، و «النفقات على الأقارب»، و «إقرار الورثة بعضهم لبعض»، و «أحكام الوقف»، و «النَّفقات»، و «العصير
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية2: 234 - 235، طبقات ابن الحنائي ص140.
(¬2) في أحكام القرآن1: 123.
(¬3) ينظر: طبقات ابن الحنائي ص138، تاج التراجم ص297.
وأحكامه»، و «ذرع الكعبة والمسجد الحرام والقبر»، و «القصر وأحكامه»، (ت261هـ)، وقد قارب الثمانين (¬1).
2.علي بن مقاتل ا لرازي، الإمام، قال الصَّيْمَريُّ: كان من أقرانِ محمّد بن شجاع، وكان عارفاً بمذهب أصحابنا، وطعن على مسائل من «الجامع الكبير» ومن الأصول، مع ورعٍ وزهدٍ وسخاء وإفضال، له: «كتاب السجلات» (¬2).
3.نصير بن يحيى البَلْخيّ، أخذ الفقه عن أبي سليمان الجُوزَجانيّ عن محمد، (ت268هـ) (¬3).
3.بَكَّار بن قتيبة بن أسد الثَّقفي الحَنَفيّ، أبو بكرة، من مؤلفاته: «الوثائق والعهود»، و «الشروط»، و «المحاضر والسجلا»، (182 - 270هـ) (¬4).
4.أحمّد بن سلمة البَلْخِيّ، أبو عبد الله، تفقه على أبي سليمان الجُوزَجاني، وشدَّاد بن حكيم، (192 - 278هـ) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الجواهر 1: 230 - 232. طبقات ابن الحنائي ص44 - 45. الفوائد ص56. سير أعلام النبلاء 13: 123.
(¬2) ينظر: طبقات ابن الحنائي ص136، تاج التراجم ص215 - 216.
(¬3) ينظر: الجواهر المضية3: 546، 326، والفوائد ص363.
(¬4) ينظر: الجواهر 1: 458 - 461. مرآة الجنان 2: 185 - 186. وفيات 1: 279 - 280. الفوائد ص95 - 96. الأعلام 2: 34.
(¬5) ينظر: الجواهر3: 162 - 163، والفوائد ص279.
5.عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي، أبو خازم، أخذ العلم عن بكر العَمِّي، ولي القضاء بالشام والكفوة والكرخ، وتفقه عليه أبو جعفر الطحاوي، قال القرشي: كان رجلاً ديناً ورعاً عالماً بمذهب أبي حنيفة وأصحابه، (ت292هـ) (¬1).
6.محمد بن سلام، أبو نصر، من أهل بَلْخ، (ت305هـ) (¬2).
7.علي الدَّقَّاق الرَّازيّ، أبو علي، تفقه على موسى بن نصر الرازي، وتفقَّه عليه أبو عيسى البردعي (¬3).
وهذا الطور انتهى بمعدل (300هـ).
الطور الثالث: طور مشايخ القرن الرابع:
فالظاهر أن أصحاب هذا الطور لم يتتلمذوا على أصحاب الأصحاب؛ لبعد الزمان، لكنهم كانوا من فحول الفقهاء، فهذا المئة أُلِّفت فيها المتون المتقدِّمة للحاكم الشهيد والطحاويّ والكرخيّ، ووُجِد فيها كبارُ أئمة المذهب، ومنهم:
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية 2: 366 - 368.
(¬2) قد ذكر صاحبُ «الجواهر»: أنَّ محمد بن سلام، ونصر بن سلام، وأبي نصر بن سلام واحدٌ، واسمه الصحيح كما ذكرنا. ينظر: الجواهر4: 92 - 93، والفوائد ص276.
(¬3) ينظر: تاج ص337، الجواهر المضية 4: 69، الفوائد 237.
1.مكحول بن الفضل النَّسَفيّ، أبو مطيع، من مؤلفاته: «اللؤلؤيات»، والد أبي معين محمد، وجد أحمد أبي البديع، (ت308هـ) (¬1).
2.أحمد بن الحسين البِرْدَعِي، أبو سعيد، قال ابن أبي الوفاء: أحد الفقهاء الكبار، وأحد المتقدِّمين من مشايخنا ببغداد، (ت317هـ) (¬2).
3.أحمد بن محمد بن سلامة الأَزْدِي الحَجْريّ الطَّحَاوِيّ المِصْريّ، أبو جعفر، قال أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، من مؤلَّفاته: «شرح معاني الآثار»، و «مختصر الطحاوي»، (229 - 321هـ) (¬3).
4.محمد بن إبراهيم الضرير المَيْدانيّ، أبو بكر، قال الذهبي: من أئمة الحنفية، حدث عن أبي محمد المُزَني، وعنه ميمون بن علي المَيْموني، قال اللكنوي: شيخ كبير عارف بالمذهب، قل ما يوجد مثله في الأعصار من أقران أبي أحمد العياضي (¬4).
5.أحمد بن العباس بن الحسين الأنصاري الخَزْرَجيّ السَّمَرْقَنْدِيّ العِياضي، أبو نصر، تفقه بأبي بكر الجوزجاني، وتخرّج به أبو منصور
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية 3: 489، ومقدمة الأصل ص104.
(¬2) ينظر: الجواهر 1: 163 - 166. الفوائد ص41 - 42.
(¬3) ينظر: وفيات 1: 71 - 72. العبر 2: 186. روضة المناظر ص171. الفوائد البهية ص59 - 63. والتعليقات السنية ص59.
(¬4) ينظر: الفوائد البهية ص254، والجواهر المضية 3: 16.