ضوء الدراري في أخبار ...
شمس الدين الفناري
جارٍ تحميل الكتاب…
ضوء الدراري في أخبار ...
شمس الدين الفناري
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
ضوء الدراري
في أخبار شمس الدين الفناري
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا بأنبيائه، وجعل العلماء الأتقياء ورثتهم، وحملة دينهم، وأرشدنا إلى تقواه باتباع المجتهدين المتبعين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
بعد أن حققت وعلقت على «مقدمة الصلاة» المشهورة بـ «الكيدانية»، وقد اختلف في نسبتها لمؤلفها، فممن نسبت لهم شمس الأئمة الفناري، فرغبت أن أفرده بترجمته حافلة نتعرف به على حاله، وننظر فيها إلى مقامه.
فهو من أبرز علماء هذه الأمة، وأول شيخ للإسلام في الدولة العثمانية، وله مؤلفات اشتهرت في البلاد وبين العباد، وطار عبق نسيمها في الآفاق.
فمثل هؤلاء الأعلام حريٌّ بنا أن نقف على أحوالهم، ونقتف آثارهم، ونجلعهم لنا قدوات.
وأسأل الله - عز وجل - أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقني الصدق في القول والعمل، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم نلقاه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
وكتبه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
18/تموز/2005م
11 /جمادى الآخرة/1426هـ
الأردن/عمان/صويلح
* * *
تمهيد:
إنَّ الحديث عن أي شخصية يتطلّب التعريج على العصر الذي عاشت فيه، لما في ذلك من عظيم الفائدة، والتي تظهر في أمور، منها:
الأول: تصور هذا العصر ولو بصورة مبسطة، يمكن فيها فهم هذه الشخصية، فإنَّ البيئة التي يعيش فيها المرء يكون لها مردودها الكبير على شخصيته وسلوكه وتصوراته، وعلى تحليل كثير من أفعاله.
الثاني: أنَّ هناك الكثير من الأحداث والمساجلات التي تمرَّ أثناء الحديث عن الشخصية، فإن لم يكن هناك تعريف لزمانها، لا يمكن فهم هذه الأحداث والمساجلات، بل يمكن أن يقف الإنسان منها موقف المتحيّر أو المتعجب، بدل أن يكون موقفه موقف المستسهل المتفكّر المتدبِّر المتعظ.
المطلب الأول: في عصره:
في كلامنا عن عصر الفناري سنخص الدولة العثمانية بحصة الأسد؛ لأنَّ غالبية مجريات أحداث حياته كانت فيها، ولا سيما مع
السلطان بايزيد الأول، ونفرد كلاً من بلاد قرامان التي يرجع إليها أصله، وفيها كان بداية طلبه العلم، ومصر التي أتمَّ طلبه للعلم فيها، وسافر إليها عدّة مرات، بشيء يسير من الكلام يكشف الغطاء عن حالهما في ذلك العصر.
أولاً: الدولة العثمانية:
الكلام عن هذه الخلافة العظيمة له شجون؛ إذ أعادت للأمة ولكل من نظر في تاريخها سيرة سلف الأمة الصالح، الذين لم يكن لهم همٌّ سوى فتح البلاد ونشر الإسلام، حتى أنَّه لما دخل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على أبي عبيدة - رضي الله عنه -، وكان قائد الجيوش الإسلامية في بلاد الشام، ولم يجد في بيته سوى السيف والترس والراحلة، فقال له: لو اتخذت شيئاً من المتاع: أي الأثاث، فأجابه أبو عبيدة - رضي الله عنه -: إنَّ هذا يكفينا لحياتنا الدنيا (¬1)، ومعنى كلامه: أنَّه ليس لي هدف في الدنيا إلا فتح البلاد ونشر الإسلام وهذا لا يتطلب شيئاً من المتاع، وإنَّما يحتاج إلى هذه الثلاثة فحسب.
هذا الإيمان والقناعة التي كانت تسيطر على ذواتهم، وتسيِّرهم في مرضاة الله عزَّ وجلَّ مكَّنتهم من بلوغ المكانة العالية بين الأمم، وعند الله عزوجل، والتي لم يبلغها من جاء بعدهم؛ إذ أنَّهم استطاعوا في مدّة
¬
(¬1) ينظر: مختصر حياة الصحابة (ص274) عن أبي نعيم وصفوة الصفوة (1: 143)، والإصابة (2: 253).
يسيرة فتح بلاد كثيرة ونشر الإسلام فيها، في الوقت الذي لم يستطع غيرهم فعله في أزمان طويلة.
فكان اهتمام سلاطين آل عثمان ولا سيما الأوائل منهم في فتح البلاد، ونشر الإسلام، فتجد أحدهم يسير من فتح إلى فتح، ومن معركة إلى معركة حتى أدخلوا الإسلام في أوروبا، وفي بلاد كثيرة لم يدخلها الإسلام قبلهم، وأعادوا للخلافة الإسلامية عزتها التي جعلت كل عروش أوروبا تقف موقف المسالم والمهادن لها، بل كثير منهم دفع الجزية لها وهم صاغرون، أحيوا الجهاد وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه بالتخيير بين الإسلام أو الجزية أو السيف.
ويكفي شرفاً لهذه الخلافة أنَّها فازت بثناء الرسول - صلى الله عليه وسلم - على فاتحها وجيشها الذي استطاع أن يفتح القسطنطينية (اسطنبول) التي استعصت على كلِّ من قبلهم.
ويرجع سبب التسمية إلى عثمان بن طغرل المؤسس الحقيقي، وإن كان والده مهَّد لها؛ إذ قاتل مع السلاجقة ضد الخوارزميين، فأقطعه سلطان السلاجقة بعض الأراضي الخصبة قرب أنقرة، واستطاع بغزواته المستمرة ضد البيزنطيين أن يوسع أراضيه (¬1)، وَرَفْع ابنه عثمان (699 - 726هـ) (1299 - 1326م) مِن بعده لراية الجهاد في سبيل الله جذبَ
¬
(¬1) ينظر: العثمانيون (ص16 - 18).
إليه عدداً غير قليل من المجاهدين المتطوعين، ممَّا ساعده في فتح كثير من الأقاليم البيزنطية وإدخالها ضمن الأراضي الإسلامية (¬1).
وأوصى لابنه أورخان (726 - 761هـ) (1326 - 1360م) بالملك مِن بعده، واكتفى شقيقُه الأكبرُ علاءُ الدين بالوزارة وإدارة الشؤون الداخلية، فهو أول وزير في الدولة العثمانية، والخط الجهادي الذي كانت تسلكه الدولة جعل أورخان يفكّر جدّياً بإنشاء جيش نظامي، ممّا جعله يوظف الأسرى الذي يكونون صغار السن لذلك، فاهتمَّ بهم اهتماماً كبيراً، وربَّاهم تربية جهادية، ورسَّخَ مبادئ الإسلام في قلوبهم، ومتى بلغوا السنَّ اللائقَ للخدمة العسكرية أدخلهم فرق الإنكشارية التي شكلت قوة دائمة وجاهزة للسلطان الحاكم، وكان لهذا الجيش الإنكشاري الدور الكبير في توسيع رقعة الدولة العثمانية (¬2)، وقد أسس أورخان التكايا وأنشأ المدارس وبنى المساجد، فبنى في مدينة إزنيق أوّل مدرسة في الدولة وأقامَ الشيخ داود القيصري القراماني (¬3) مدرساً فيها (¬4)،
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق (ص20 - 23).
(¬2) ينظر: العثمانيون (ص24 - 29).
(¬3) له شرح فصوص ابن العربي، ووضع لشرحه مقدمة بيّن فيها أصول علم التصوّف، ويفهم من كلامه في تلك المقدمة مهارته في العلوم النقلية أيضاً، وكان عابداً زاهداً متورعاً، صاحب أخلاق حميدة. ينظر: الشقائق (ص8).
(¬4) ينظر: الشقائق (ص8)، العثمانيون (ص36).
وبنى الأمير شاهين لالا مدرسة في مدينة بروسة (¬1).
وتولَّى من بعده ابنه مراد الأول (761 - 791هـ) (1360 - 1389م) الذي استطاع أن يؤدِّب الإمارات التركمانية ويضمَّ كثيراً من أراضيها لدولته، واستطاع فتح مدينة أدرنه الاستراتيجية، وجعلها عاصمة له بعد بروسة التي عادت بعيدة عن الفتوحات في أوروبا، ولمَّا عَظُمَ شأن الدولة راح جيرانها يرسلون لها رسلاً تعرض على مراد عقد معاهدة تجارية بينهما مقابل دفع جزية سنويّة.
وقد تابع مراد فتوحاته في أوروبا الشرقية فنجح في الوصول إلى نهر الدانوب، وانتصر على الجيوش الصربية البلغارية المشتركة التي حاولت إيقاف تقدمه، كما سيطر على مقدونيا وساحل دلماسيا وأجبر أمراء الصرب والبلغار على الدخول في طاعته، واضطر هؤلاء إلى عقد الصلح لقاء دفع خراج سنوي وعلى أن يتزوَّجَ مراد بنت أمير البلغار، ووصل إلى جهات البوسنة في عمق أوروبا، فتوسعت الدول في عهده إلى خمس مرات ما كانت عليه (¬2).
وتولَّى بايزيد (791 - 816هـ) (1389 - 1413م) الحكمَ بعد مقتل والده مراد في معركة كوسوفو أثناء تجواله بين صفوف المحاربين ليتفقدَ
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص9).
(¬2) ينظر: العثمانيون (38 - 46).
القتلى والجرحى بعد انتصاره فيها، إذ انقض عليه جندي صربيٌّ وطعنَه بخنجره، فبايعَه الجندُ والوزراء في ميدان الحرب، وعاد إلى بروسة ومعه والده ودفنه فيها، وكان على جانب كبير من الشجاعة والإقدام وأحرز لقب يلدرم: أي الصاعقة؛ نظراً لسرعته في وضع وتنفيذ الخطط الحربية (¬1).
وقد استطاع بايزيد خان فتح باقي الولايات السلجوقية: كقرمان وسيواس وتوقات وقسطموني وضمّها إليها، وجعل مواليه ولاة عليها، وتوجه بجيش لمحاصرة القسطنطينية وأجبر الإمبراطور على الخضوع لشروطه لإحلال السلام بينهما، وذلك بزيادة الضريبة التي يدفعها، وتأسيس حي خاص للمسلمين في القسطنطينية، وإنشاء مسجد ومحكمة شرعية، وتمركز قوة عسكرية عثمانية مؤلفة من ستة آلاف جندي على طول الشاطئ الشمالي للقرن الذهبي (¬2).
وعلى الجبهة البلقانية استطاع أن يكسب تأييد الصرب وتمكّن من هزيمة الأفلاق والألبان، ولم تبق أمامه غير الجبهة البلغارية التي مثَّلَث مركز المقاومة للتقدم العثماني في شرقي أوروبا.
¬
(¬1) ينظر: العثمانيون (ص47)، وتاريخ الدولة العثمانية (ص61).
(¬2) ينظر: العثمانيون (ص50).
وكانت بلغاريا بين بايزيد وسيجسموند ملك المجر الذي تقع مملكته في طريق التوسع العثماني، وقد أدرك مدى التهديد الخطير الذي فرضه العثمانيون على مملكته؛ لذلك بادر إلى مدِّ يد المساعدة لبلغاريا، وهجم البلغار على مدينة نيقوبوليس ونجحوا في الاستيلاء عليها بعد حصار طويل، ولكنَّهم اضطروا للجلاء عنها عندما علموا بتقدم الجيش العثماني بقيادة السلطان، وقد كان السلطان حينها محاصراً للقسطنطينية ففك الحصار عنها على الشروط السابق ذكرها لمواجهة البلغاريين، واستطاع أن يتغلَّب عليهم، وأضحت بلغاريا ولاية عثمانية كباقي الولايات بعد أن قتل أميرها سيسمان، واستسلم ابنه، فعينه بايزيد حاكماً على سامسون.
وأدرك سيجسموند من التقدم الذي أحرزه بايزيد وخشي أن يحل ببلاده ما حلَّ ببلغاريا، وعلم أن لا طاقة له على مقابلة العثمانيين ووقف تقدمهم في البلقان، فاستنجد بأوروبا، وأدرك البابا بونيفاس وملوك أوروبا أنَّ الطريق أمام العثمانيين إلى قلب أوروبا يصبح مفتوحاً فيما لو نزلت بالمجر هزيمة كبرى، وخشي البنادقة من التقارب العثماني البيزنطي، ورأوا في استيلاء العثمانيين على المضائق والقسطنطينية خطراً كبيراً يهدد مصالحهم التجارية مع الشمال، وتحمل الجميع عبء حملة صليبية للقضاء على الوجود العثماني في الأفلاق والأراضي البلغارية،
وتتولى فيه بَحرية البنادقة كسر الخطوط البَحرية العثمانية المتواجدة في مضيقي البوسفور والدردنيل.
فتحرك الجيش الأوروبي الذي بلغ عدده مئة وعشرين ألف مقاتل بقيادة سيجمسوند ملك المجر، وفي الوقت نفسه تقدم البنادقة باتجاه المضائق ونجحوا في اختراق خطوط الدفاع العثمانية، وانتظروا أن تقوم القوات البرية بنصيبها من جهة الغرب، ويبدو أن سيجسموند لم ينجح في الوصول إلى المراكز الأمامية لخطوط الجبهة العثمانية، وآثر انتظار بايزيد في البلقان، فعسكر حول مدينة نيقوبوليس بهدف محاصرتها بعد أن اجتاز نهر الدانوب، ولما علم بايزيد بتحرك القوات الأوروبية تحرك بجيش كثيف، وقد انضم إليه أسطفان ملك الصرب وغيره من الأمراء المسيحيين الخاضعين للحكم العثماني، ودارت بين الطرفين معركة عنيفة نتج عنها انتصار العثمانيين.
وبعد هذا الانتصار لم يعد بايزيد يطمئن إلى الحكام المحليين المحيطين به، خاصّة حكّام المروة؛ نظراً لتحالفهم مع الصليبيبن؛ لذلك اتّجه إلى بلاد اليونان واصطدم بحاكم المروة في ليونتاريون، وتغلب عليه وأجبره على الدخول في طاعته.
ثُمَّ حاصر القسطنطينية لفتحها عنوَّة، ولكن تقدم تيمورلنك بجيش في بلاده جعله يفك حصاره مع تجديد الصلح وشروطه، لمواجهته.
ولكن ما كان من اختيار تيمورلنك لمكان المعركة وعسكرته، وردم الآبار ودس السم في بعضها، وبقاء الجيوش العثمانية تسير مسرعة ثمانية أيام تحت أشعة الشمس المحرقة حتى أضحى الجيش العثماني كالموتى من التعب، وانسحبت بعض القوات التابعة للإمارات التركية الخاضعة حديثاً لسلطة بايزيد إلى صفوف تيمورلنك، ورغم هذه الظروف استمر بايزيد في الحرب ولم يعر التفاتة إلى طلب كل من الصدر الأعظم علي باشا وابنه سليمان، لذلك انسحب الاثنان بقواتهما باتجاه بروسة، وهزم العثمانيون في المعركة، ووقع بايزيد أسيراً وفرَّ أولاده بكل اتجاه، وعامله تيمورلنك بكل احترام وتقدير وأجلسه بجواره، ولكنَّه مرض فدعا له أفضل الأطباء وأرسل مَن يسهر على رعايته ومواساته، ومات بعد عام من هذه الهزيمة (¬1).
وعقب هذه الهزيمة تجزأت هذه الدولة العثمانية إلى عدّة إمارات صغيرة، إذ أعاد تيمورلنك إحياء الإمارات التركية التي كان العثمانيون قد قضوا على استقلالها، فأطلق من سجون العثمانيين من كان فيها من
¬
(¬1) ينظر: العثمانيون (ص48 - 63).
أمراء وحكام هذه الولايات، وأعادهم إلى مناصبهم السابقة، وترك بايزيد بعده خمسة أولاد تفرقوا.
ولكن استطاع ابنه محمّد (816 - 825هـ) (1413 - 1421م) أن يبسط سيطرته على الدولة، فأعاد الإمارات التركية التي انفصلت، ووضع حداً للفوضى التي أعقبت وفاة والده، ولا سيما التي أثارها أخوته طلباً منهم للسلطنة، وقضى سنين حكمه الثمان في إعادة بناء الدولة وتوطيد أركانها (¬1).
وتولَّى بعده ابنه مراد الثاني (825 - 855هـ) (1421 - 1451م) الذي سار على نهج والده في توطيد دعائم الدولة، وبسط النفوذ على بعض البلاد التي خسروها في معركة تيمورلنك، فاسترد ولايات آيدين وصاروخان ومنتشا والقرمان وغيرها، وبذلك يكون مراد الثاني قد استرد جميع ما كان فصله تيمورلنك من أقاليم عن الدولة العثمانية، وأضحى بإمكانه التفرغ لمشاكله الأوروبية (¬2)، فهزم القوات المجرية بقيادة يوحنا هونيادي أمير ترانسلفانيا، وفتح مدينة كرتشيفو وأجبره على توقيع معاهدة تقضي بالتخلي عن البلاد الواقعة على الشاطئ الأيمن لنهر الدانوب.
¬
(¬1) ينظر: العثمانيون (ص64 - 72).
(¬2) ينظر: المصدر السابق (ص73 - 75).
وأذعن ملك الصرب بعد أن أدرك أنَّه لا قِبَلَ له بمواجهة الجيش العثماني، وَقَبِلَ أن يدفع الجزية، ثُمَّ توجَّه إلى سالونيك وفتحها، وتوجه إلى بلاد ألبانيا واكتسحها، ودخل مدينة يانيا، كما خضع له أمير الأفلاق الذي رضي بدفع جزية سنوية.
واتحدت القوى الأوروبية فيما بينها؛ لدفع هذا الخطر الذي يهددها، فخاضت معارك مع السلطان أسفرت عن جنوحه للسلم معها ضمن شروط، ثُمَّ آثر مراد الثاني أن يتنازل عن العرش لابنه محمد البالغ من العمر أربع عشر سنة، فاستغل البابا هذه الفرصة وأخذ يحرض المجر على نقض المعاهدة، فاتحد المجر وبولونيا وألمانا وفرنسا وانجلترا والبندقية والدولة البيزنطية البابوية وبورغنديا ضد العثمانيين، ونتيجة لذلك ذهب وفد لمراد الثاني في عزلته وطلبوا منه أن يعود إلى الحكم؛ انقاذاً للخطر المحدق بالدولة، ولبَّى الدعوة، وتولى زمام الأمور، وجهّز جيشاً ضخماً زحف به باتجاه العدو، واستطاع أن يوقع بهم هزيمة نكراء (¬1).
¬
(¬1) ينظر: المصدر نفسه (ص81 - 83).
ثانياً: قرامان:
كانت قرامان تابعة لدولة السلاجقة التي كان أول مَن حكمَ فيها سليمان بن قطلمش (470هـ)، وآخر مَن حَكَمَ فيها علاء الدين كيقباذ (700هـ) (¬1)، وبعد زوال دولة السلاجقة تجزأت أملاكها في الأناضول إلى عشر إمارات صغيرة كانت قرامان إحداها وهي أقواها، إذا اتخذت من قونية عاصمة لها، وتوغَّل القرمانيون بعيداً في الأناضول ووصلوا إلى ما وراء أنقرة، وجميع أمراء الأناضول الغربي الآخرين كانوا يدفعون لها الجزية (¬2).
وبعد توسع الإمارة العثمانية، وقد كانت تابعة لدولة السلاجقة، أخذت إمارة قرمان التركمانية تنظر بعين الخوف الشديد لها، مما حمل أميرها علاء الدين على استغلال فرصة انتقال السلطة إلى مراد بن أورخان لتحريض الأمراء الآخريين على قتال العثمانيين، ولكن استطاع مراد أن يوجه إليه ضربات قاسية نتج عنها سيطرته على مدينة أنقرة عاصمة القرمانيين، بالإضافة إلى بعض القلاع والحصون، مما دفع علاء
¬
(¬1) ينظر: العالم الإسلامي (2: 200).
(¬2) ينظر: العثمانيون من قيام الدولة إلى الإنقلاب على الخلافة (ص15).
الدين إلى طلب الصلح؛ ليحفظ ما تبقّى له من إمارته، كما زوجه ابنته لتمتين عرى الاتحاد بينهما (¬1).
وفي عهد بايزيد تنازل علاء الدين عن جزء واسع من أراضيه حتى يكسب رضاه، غير أنَّه استغل بعد ذلك انهماك بايزيد في بلاد الأفلاق ليسترد ما تنازل عنه للعثمانيين، فجهّز جيشاً وقصد مدينة أنقرة، واصطدم بالقائد العثماني تيمورتاش وتغلب عليه وأسره، إلا أن بايزيد خرج بنفسه لتأديب هذا الثائر واصطدم به في آق جاي وهزمه وأسره مع ولديه محمد وعلي وضم ما بقي من أملاكه خاصة مدينتي قونية ولارندا، وبذلك زالت إمارة القرمانيين وأضحت ولاية عثمانية (¬2).
وبعد انهزام بايزيد مع تيمورلنك رجع إليها استقلالها (¬3)، الذي لم يطل؛ إذ قاتل محمدُ بن يايزيد محمدَ بك بن قَرَمان في وقعة عظمية انهزم فهيا ابن قَرَمان، ونجا بنفسه (¬4)، وأرجعها إلى حضيرة الدولة العثمانية مراد الثاني بن محمد وقتل أميرها محمد بك، وعيَّن ابنه إبراهيم والياً عليها مقابل تنازله للسلطان على إمارة الحميد (¬5).
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق (ص38).
(¬2) ينظر: نفس المصدر (ص49).
(¬3) ينظر: المصدر نفسه (ص64).
(¬4) ينظر: النجوم الزاهرة (14: 25).
(¬5) ينظر: العثمانيون (ص75).
ثالثاً: مصر:
كانت في عصره تحت حكم سلاطنة المماليك الذين ابتدأ حكمهم عليها في سنة (648هـ) على يد عزّ الدين أيبك، وانتهى في سنة (923هـ) على يد طومان باي؛ إذ استولى على حكمها بعدهم العثمانيون.
وكان أبرز سلاطين المماليك في عصره سيف الدين برقوق الذي تولى السلطنة في سنة (784هـ) إلى سنة (801هـ)، وكان عصره مشهوداً له بكثرة العلماء فيه، وابنه الناصر فرج الذكي حكم من سنة (801 إلى 815هـ)، وكان عظيماً شجاعاً، كثر في عصره العلماء والأدباء، والأشرف برسباي الدقماقي الظاهري الذي حكم من سنة (825 إلى 841هـ)، وقد بنى المدارس، وغزا قبرص، وهزم ملكها وأسر جنوده (¬1).
والملك المؤيد شيخ بن عبد الله المحمودي الظاهري الجركسي، أبو النصر، حكم من سنة (815 - 824هـ) بعد خلعه للعباس بن محمد، قال ابن حجر عنه: كان شهماً شجاعاً عالي الهمة كثير الرجوع إلى الحقّ، محباً في العدل، متواضعاً يعظم العلماء ويكرمهم، ويحسن إلى أصحابه ويصفح عن جرائمهم، وقد حدث بصحيح البخاري عن السراج البلقيني بإجازة معينة أخرجها بخطه، وذكر أنَّها كانت معه في أسفاره لا يفارقها، وحضرنا عنده عدة مجالس، وكان يحب العلماء ويجالسهم
¬
(¬1) ينظر: الكمال ابن الهمام (ص12 - 13).
ويكرمهم ويعظم الشرع وحملته، وكان مفرطاً في الشجاعة محباً في الصلاة لا يقطعها، وإن عرض له عارض بادر إلى قضائها، وافتتح حصوناً، وخطب له بقيسارية، ثم جَهَّزَ ولده إبراهيم فظفر بابن قرمان وأحضروه أسيراً (¬1).
المطلب الثاني: في اسمه ونسبه:
اتفق مَن ذكره من العلماء (¬2) على أنَّ اسمه: محمد.
أما بخصوص نسبه: فقد وقف طاشكبرى زاده في «الشقائق» (¬3) وحاجي خليفة (¬4) عند ذكر أبيه، فقالا: محمد بن حمزة.
في حين ذكر طاشكبرى زاده في «مفتاح السعادة» (¬5)، والسخاويّ (¬6)
¬
(¬1) ينظر تمام ترجمته في: الضوء اللامع (3: 308 - 311)، والأعلام (3: 265 - 266).
(¬2) ينظر: الضوء اللامع (1: 218)، والشقائق (ص17)، ومفتاح السعادة (2: 109)، والبدر الطالع (2: 268)، والفوائد (ص275)، وهدية العارفين (2: 188)، والأعلام (6: 243)، ومعجم المؤلفين (3: 269).
(¬3) الشقائق النعمانية (ص17).
(¬4) في كشف الظنون (1: 207 - 208،455،472،2: 1063).
(¬5) مفتاح السعادة (2: 109).
(¬6) في الضوء اللامع (11: 218).
واللكنويّ (¬1) وإسماعيل باشا (¬2) والزركليّ (¬3) وكحالة (¬4) جدَّه، فقالوا: محمد بن حمزة بن محمد.
أما الشوكاني فذكر أنَّ أبيه هو: محمّد، وجدُّه: حمزة، فقال (¬5): محمد بن محمد ابن حمزة، وقد ذكر ذلك كحالة (¬6) في رواية، وأما الشوكاني (¬7) فجعل في رواية: محمد ابن حمزة بن محمد.
وإسماعيل باشا عند ذكر ابنه محمّد شاه (¬8) جعل اسم جدهّ: خليل، وهذا لم يعهد عن غيره، وانفرد بأنَّ اسم جد أبيه: عيسى، فقال: محمد شاه بن محمد بن حمزة ابن خليل بن عيسى.
¬
(¬1) في الفوائد البهية (ص275).
(¬2) في هدية العارفين (2: 188).
(¬3) في الأعلام (6: 243).
(¬4) في معجم المؤلفين (3: 269).
(¬5) في البدر الطالع (2: 266).
(¬6) في معجم المؤلفين (3: 269)
(¬7) في البدر الطالع (2: 266).
(¬8) في هدية العارفين (2: 190).
المطلب الثالث: في نسبته ولقبه وولادته:
أولاً: نسبته:
زيادة في التمييز والتفريق بين المرء وغيره، فإنَّه ينسب إلى ما يمكن به أن يعرف عن غيره، من نسبة إلى بلدٍ أو حرفة أو فعلٍ أو غير ذلك، ولمترجمنا نسبة عرف بها واشتهر، وأحياناً يضاف إليها نسبٌ أخرى عند ذكره، فها أنا أذكرها أولاً ثم أتبعها تلك النسب، فأقول:
الأول: الفناري: ذكره بها طاشكبرى زاده (¬1) وحاجي خليفة (¬2) واللكنوي (¬3) وإسماعيل باشا (¬4) والزركلي (¬5) وكحالة (¬6).
أو الفَنَري: ... ذكره ... بها السخاوي (¬7) ... والسيوطي (¬8) وابن العماد (¬9)
¬
(¬1) في الشقائق (ص17).
(¬2) في كشف الظنون (1: 207 - 208،455،472،2: 1063).
(¬3) في الفوائد (ص275).
(¬4) في هدية العارفين (2: 188).
(¬5) في الأعلام (6: 243).
(¬6) البدر الطالع (2: 266) وفيه: الفنادي، ويقال الفناري بالراء مكان الدال المهملة نسبة إلى قرية مسمّاة كما قال الأسيوطي حاكياً لذلك عن جد صاحب الترجمة. وفي الضوء اللامع بواسطة البدر الطالع (2: 268): الشهير بابن الفناري.
(¬7) في الضوء اللامع (11: 218).
(¬8) في بغية الوعاة (ص39).
(¬9) في شذرات الذهب (7: 209).
والزركلي (¬1) وكحالة (¬2).
أو الفنادي: وانفرد بها الشوكاني (¬3)، فقال: الفنادي، ويقال: الفناري بالراء مكان الدال المهملة.
أو ابن الفناري: ذكره بها الشوكاني (¬4).
واختلفوا في سبب هذه التسمية على أقوال:
1. نسبة إلى صنعة، قال السُّيُوطيّ: سمعتُ من شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي أنَّ الفَنَري نسبةً إلى صنعة الفنار (¬5).
2. نسبة إلى قرية، قال طاشكبرى زاده (¬6): سمعتُ من والدي يحكي عن جدِّي أنَّ نسبتَه إلى قريةٍ مسمَّاة بفنار (¬7)، والله أعلم.
وبناءً على ... ما سمعه طاشكبرى زاده من جدِّه فإنَّه قال (¬8) عن ما قاله
¬
(¬1) في الأعلام (6: 243).
(¬2) في معجم المؤلفين (3: 270).
(¬3) في البدر الطالع (2: 266)
(¬4) في البدر الطالع (2: 268) نقلاً عن الضوء اللامع.
(¬5) ينظر: الضوء اللامع (11: 218)، ومفتاح السعادة (2: 109)، والشقائق (ص17)، والفوائد (ص275).
(¬6) في الشقائق (ص17).
(¬7) ينظر: الكتائب (ق346/أ).
(¬8) في مفتاح السعادة (2: 109).
السيوطي: غير صحيح، وصحح ما سمعه من جده.
3. نسبة إلى ما جرى بينه وبين ملك الروم، قال السخاوي (¬1): لأنَّه لما قدم على ملك الروم أهدى له فنياراً، فكان إذا سأل عنه يقول: أين الفنري؟ فعُرِفَ بذلك (¬2).
والمقصود بملك الروم هنا هو السلطان العثماني بايزيد الأول، والله أعلم.
الثانية: الرومي: ذكره بها طاشكبرى زاده (¬3) واللكنويّ (¬4) والزركليّ (¬5) وكحالة (¬6). والرومي نسبة إلى بلاد الروم، فكثيراً ما يطلق العلماء على علماء الدولة العثمانية: الرومي.
الثالثة: العثماني: ذكره به الشوكاني (¬7) والعثماني، نسبة إلى الدولة العثمانية؛ لأنَّه كان من أبرز علمائها.
¬
(¬1) في الضوء اللامع (3: 128).
(¬2) ينظر: الفوائد (ص110).
(¬3) في مفتاح السعادة (2: 109).
(¬4) في الفوائد (ص275).
(¬5) في الأعلام (6: 243).
(¬6) في معجم المؤلفين (3: 270).
(¬7) في البدر الطالع (2: 268) عن الضوء اللامع.
ثانياً: لقبه:
أما لقبه فكان شمس الدين كما ذكره طاشكبرى زاده (¬1) واللكنويّ (¬2) وإسماعيل باشا (¬3) والزَّركليّ (¬4) وكحالة (¬5) وغيرهم.
ثالثاً: ولادته:
اتفقت كلمة من ترجم له (¬6) على أنَّه وُلِدَ في صفر سنة (751هـ).
المطلب الرابع: في أسرته العلمية:
وفي حديثنا عن أسرته سنتكلم عن جانبين: من أين، وإلى أين في حياته: أي من أين له هذه العلوم، وهذه الصفات الحميدة، وهذا الإخلاص وغير ذلك مما هو عليه، وإلى أين أوصله هذه العلم وهذه الصفات والإخلاص، فهذان الجانبان سنعرض لهما في كثير من الوقفات
¬
(¬1) في الشقائق (ص17).
(¬2) في الفوائد (ص274).
(¬3) في هدية العارفين (2: 188).
(¬4) في الأعلام (6: 243).
(¬5) في معجم المؤلفين (3: 270).
(¬6) ينظر: الشقائق (ص17)، ومفتاح السعادة (2: 109)، والكتائب (ق345/أ)، والبدر الطالع (2: 266)، وهدية العارفين (2: 188)، والأعلام (6: 243)، ومعجم المؤلفين (3: 269).
التي سنقفها للكشف عن هذه الشخصية العظيمة، والله الموفق لذلك.
أولاً: والده:
أما الجانب الأول في أسرته، فإننا نجد أنَّ مصادر ترجمته تبخل علينا فيه، فليس بين أيدينا المعلومات الكافية التي توضح المكانة العلمية للبيت الذي عاش فيه، إلا ما ذكر من أنَّ اسم والده حمزة، ويكنَّى أبا محمد (¬1)، وكان من تلامذة الشيخ صدر الدين القونوي (¬2)، وقرأ عليه من تصانيفه «مفتاح الغيب» (¬3)، وأقرأه لابنه.
إلا أننا يمكن أن نستشف من هذه المعلومة التي لا تتجاوز السطرين أمور، يمكن أن تصوِّرَ لنا جانباً كبيراً من النشأة التي نشأها والبيت الذي عاش فيه، من ذلك:
¬
(¬1) ينظر: الفوائد (ص274).
(¬2) هو محمد بن إسحاق الرومي الشافعي، كان من كبار تلاميذ الشيخ محيي الدين ابن العربي، تزوج ابن العربي أمّه، وربَّاه، واهتم به، قال طاشكبرى زاده: الشيخ الزاهد، صاحب التصانيف في التصوف، جمع بين العلوم الشرعية وعلوم التصوف، فصار مجمعاً للبحرين، وملتقى للبدرين، وقصده الأفاضل من كل الآفاق، من مؤلفاته: «النصوص في تحقيق الطور المخصوص»، و «اللمعة النوراينة في مشكلات الشجرة النعمانية» لابن العربي، و «إعجاز البيان في كشف بعض أسرار أم القرآن»، وغيرها كثير، (ت673هـ).
(¬3) روى هذا الخبر طاشكبرى زاده في الشقائق (18): سمعت من بعض الثقات أنَّ مولانا حمزة والد المولى الفناري. وينظر: الكتائب (ق344/ب).
1. إنَّ والده كان من أهل العلم، وليس من عوام الناس، وهذا ينعكس على ابنه في أنَّه ينشأ في بيت علم، يتدارس ويناقش فيه مسائله ولا سيما دقيقاتها، وأنَّه يجد مَن يتابعه في طلبه للعلم أول بأول، بل كان من المتقدمين في العلم، يدلُّ على ذلك أنَّه وصل في مرحلة الطلب للأخذ عن أشهر علماء زمانه، وقرأ عليه أعلى الكتب.
2. إنَّه كان من العلماء المعلمين المقرئين للكتب، بل إنَّه علم ابنه وأقرأه؛ إذ أنَّه أقرأه كتاب «مفتاح الغيب»، ومما يدل على أنَّه كان على درجة رفيعة في الإقراء والتعليم توجُّه ابنه لشرح «مفتاح الغيب»؛ ليجمع فيه فوائد ونكات أبيه في درسه له.
3. إنَّه حرص على أن يتلقى ابنه علوم التصوف مع باقي العلوم؛ لأنَّه العلم الذي ينمي مكارم الأخلاق الحميدة لدى المسلم، ويطلعه على عيوب نفسه؛ لكي يتفادها، ويبتعد عنها.
ثانياً: أبناؤه وأحفاده:
أما الجانب الثاني، فهو يمثل أحد جوانب فضله، وامتداد العلم الذي بثه بين المسلمين، إذ ترك أبناء فضلاء أخذوا عنه العلوم، وبذلوا وسعهم في نشرها لأهل زمانهم، ومن بعدهم خلفهم أحفاده الذين نهلوا من علم آبائهم وعلماء زمانهم، ومضوا يسيرون على هذه الطريقة الطيبة
في حفظ دينهم، والقيام على واجبهم نحوه، حتى كان المولى الكوراني (¬1) ـ وهو معلِّم ومربِّي السلطان محمد الفاتح ـ يقول للسلطان محمد الفاتح: لا تتمُّ سلطنتُك إلا بأن يكون عندك واحد من أولاد المولى الفناري.
وفيما يلي من الصفحات سنطلع على شيءٍ من سير هؤلاء الأبناء والأحفاد، تقرُّ به الأعين وتطرب له الآذان في المسؤولية العظمية التي حملتها هذه الأسرة العريقة في نشرهم لأوامر الله ونواهيه وتطبيق أحكامه بتولي القضاء وغير ذلك، وقد خلف مترجمنا وراءه ابنان عالمان صالحان ورثوا ما كان عليه من العلوم، وهما تركا وراءهما أبناء كذلك ورثوهما ما ورثا، ففيما يلي موجز لحياة كلٍّ منهم، يبيِّن درجته ومكانته العلمية التي بلغَها، مرتبيين فيه على أجيال:
الجيل الأول: أبناؤه:
1. المولى محمد شاه ابن المولى شمس الدين الفَنَاريّ، المعروف بـ (نَزيني جلبي) (¬2).
¬
(¬1) وهو الشيخ العارف العالم العامل والفاضل الكامل شمس الدين، أحمد بن إسماعيل الكوراني، كان عارفاً بعلم الأصول، فقيهاً حنفياً، قرأ القراءات العشر بطريق الإتقان والإحكام، وقرأ الحديث والتفسير وأجازه علماء عصره وأجازه ابن حجر، من مؤلفاته: «غاية الأماني في تفسير السبع المثاني»، و «الكوثر الجاري على رياض البخاري»، و «حواشي على شرح الجعبري على الشاطبية»، (ت983هـ). ينظر: الشقائق (ص51 - 55).
(¬2) ينظر: الكشف (1: 841).
أبو البركات، فخر الدين (¬1)، ومعنى جلبي: سيدي (¬2).
قال طاشبرى زاده (¬3): كان عالماً فاضلاً ذكيّاً، وكان مطّلعاً على ما يتحقَّقُ عليه والده من العلوم، وكان زائداً عليه في الذكاء.
فوض إليه السلطان أن يدرِّس في أعظم مدارس الدولة في المدرسة السلطانية الكائنة في عاصمة الدولة بروسة حينئذٍ، وعمرُهُ لا يتجاوز ثماني عشرة سنة، وتتلمذ عليه كثير من الفضلاء، منهم: فخر الدين العجمي (¬4)، وسنان العجمي (¬5)، ومن مؤلفاته: «رسالة في أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم -» ذكر فيها أنَّهما بل جميع أبوي الأنبياء - عليه السلام - ماتوا على الإيمان (¬6)، و «تلخيص الفصول وترخيص الأصول في مختصر أصول البدائع» لوالده، و «حواشي على أوائل أنوار التنْزيل»، و «شرح أساس الصرف» لوالده، و «سلاح المريد» في التصوف (¬7)، (ت839هـ).
¬
(¬1) ينظر: هدية العارفين (2: 190).
(¬2) ينظر: الضوء اللامع (3: 127)، والفوائد (ص110).
(¬3) في الشقائق (ص23 - 24).
(¬4) هو المولى فخر الدين العجمي، كان ممن قرأ أيضاً على السيد الشريف، وصار مفتياً في زمن السلطان مراد خان، قال طاشكبرى زاده: وكان عالماً متورعاً صادعاً بالحق لا يأخذه في الحق لومة لائم. ينظر: الشقائق (ص38).
(¬5) ينظر: الشقائق (ص95).
(¬6) ينظر: الكشف (1: 841 - 842).
(¬7) ينظر: هدية العارفين (2: 190).
2. المولى يوسف بالي ابن المولى شمس الدين الفناري.
قال طاشكبرى في «الشقائق»: كان عالماً فاضلاً، وقال في «مفتاح السعادة» (¬1): يحكى أنَّه كان من الفضلاء لكن لم نر تصنيفَه.
ولمِا كان عليه من العلم الغزيز، فإنَّ السلطان فوَّضَ إليه التدريس في المدرسة السلطانية بعد وفاة أخيه، ثُمَّ ولاَّه القضاء في مدينة بروسة، وممن تتلمذَ على يديه المولى خير الدين خليل بن قاسم (¬2)، ومحيي الدين محمد بن إبراهيم النكساري (¬3)، مات قاضياً في بروسة سنة (846هـ) (¬4).
3. بنته، فقد ذكر طاشكبرى زاده (¬5) في ترجمة تلميذه يكان، أنَّه له ابنة وأراد أن يزوِّجها من هذا التلميذ.
¬
(¬1) في مفتاح السعادة (2: 110).
(¬2) درس في مدرسة مظفر الدين الواقعة في بلدة طاشكبري من نواحي قسطموني مدّة أربعين سنة، وكان مشتهراً بعلمي البلاغة، وكان له معرفة تامة بالأصولين، والفقه والتفسير والحديث، وكان متورعاً طاهر الظاهر والباطن، متحرزاً عن اللغو وفضول الكلام، وكان يكثر الاعتكاف في المسجد وتلاوة القرآن وصوم التطوع، ونوافل الصلاة، (ت879هـ). وتمام ترجمته في الشقائق (ص72 - 74).
(¬3) بنى الأمير إسماعيل بك ببلدة قسطموني مدرسة لأجله، وكان عالماً بالعلوم العربية والعلوم الشرعية والعقلية، وكان عارفاً بالعلوم الرياضية، وحافظاً للقرآن، وعارفاً بعلوم القراءات، وكان ماهراً في علم التفسير غاية المهارة، من مؤلفاته: «حواشي على تفسير البيضاوي»، و «حواشي على شرح الوقاية»، (ت901هـ). ينظر: الشقائق (ص165).
(¬4) ينظر: الشقائق (ص24).
(¬5) في الشقائق (ص49).
الجيل الثاني: أبناء أبنائه:
1. المولى علاء الدين علي بن يوسف بالي ابن المولى شمس الدين الفَنَاري (¬1).
قال طاشكبرى زاده (¬2): كان عالماً فاضلاً، متقناً متفنناً، محققاً مدققاً، حريصاً على الاشتغال بالعلوم، وكان ماهراً في أقسام العلوم الرياضية كلها، وفي علم الكلام، وعلم الأصول، وعلم الفقه، وعلم البلاغة، وكان رجلاً عاقلاً صاحب أدب ووقار.
كان من شدّة حرصه على العلم، وإخلاصه فيه، وتفانيه من أجله، لا ينام على فراش، وإذا غَلَبَ عليه النومَ يستندُ على الجدار والكتب بين يديه، فإذا استيقظ ينظر في الكتب، ولكنَّه مع هذا الاشتغال، ومع ما له من التحقيقات والتدقيقات، لم يكن له اهتمام كبير بالتصنيف والتأليف، لذلك لم يصنِّف شيئاً إلا «شرح الكافية» في النحو، و «شرح قسم التجنيس» في علم الحساب (¬3)، وممن تتلمذَ عليه: عبد العزيز بن يوسف بن حسين الشهير بـ (عابد جلبي) (¬4)، وتوفي رحمه الله سنة (901هـ) (¬5).
¬
(¬1) ترجمته في: الشقائق (ص111 - 114)، وهدية العارفين (1: 739)، والفوائد (ص228 - 230).
(¬2) في الشقائق (ص111 - 112).
(¬3) ينظر: الشقائق (ص29)، والفوائد (ص229 - 230).
(¬4) ترجمته في: الشقائق (ص235).
(¬5) في معجم المؤلفين (2: 545): توفي سنة (903هـ).
2. المولى حَسَن جَلَبي ابن محمّد شاه الفَنَاري (¬1).
أخذ العلم عن والده، وأشهر علماء عصره: كملا فخر الدين (¬2)، وملا عليّ الطوسي (¬3)، وملا خسرو (¬4) حتى برع في الكلام والمعاني والعربيّة والمعقولات وأصول الفقه، ولكن كان جلُّ انتفاعه بأبيه (¬5)، وممن تتلمذ عليه: محيي الدين محمد بن محمد القوجوي (¬6)، والشمس
¬
(¬1) ترجمته في: الضوء اللامع (3: 127 - 128)، والشقائق (ص114 - 115)، والبدر الطالع (1: 208 - 209)، والكشف (2: 1891)، والفوائد (ص110 - 111).
(¬2) وهو فخر الدين العجمي، تلميذ ومعيد درس محمد شاه والده، وقد سبقت ترجمته.
(¬3) وهو علامة زمانه، وأستاذ أوانه علاء الدين علي الطوسي، من مؤلفاته: حواش على شرح الموقف للسيد الشريف، وحواشي على حاشية شرح العضد للسيد الشريف، وحواش على التلويح، وحواش على حاشية الكشاف للسيد الشريف، وحواش على شرح المطالع للسيد الشريف، قال طاشكبرى زاده: كل تصانيفه مستحسنة مقبولة عند العلماء والفضلاء. ينظر: الشقائق (ص61 - 62).
(¬4) وهو محمد بن فرامُوز بن علي، محيي الدين، المعروف بمُلا خسرو، قال الكفوي: كان بحراً زاخراً عالماً بالمعقول والمنقول، وحبراً فاخراً جامعاً للفروع والأصول، من مؤلفاته: غرر الأحكام، وشرحه درر الحكام، وحواشي التلويح، وحاشية شرح الوقاية، ومتناً في الأصول مسمَّى بمرقاة الأصول، وشرحه مرآة الأصول، (ت885هـ). ينظر: الضوء اللامع (8: 279)، والفوائد (ص302 - 303).
(¬5) ينظر: الضوء اللامع (3: 128).
(¬6) كان عالماً بعلوم العربية كلها وعالماً بالتفسير والحديث والأصول والفروع والعلوم العقلية، وكان صاحب بيان، فصيح اللسان واسع التقرير، كامل التحرير، تولى التدريس ثم قضاء القسطنطينية ثم قضاء العسكر بولاية أناطولي، ثم قضاء مصر، وتمام ترجمته في: الشقائق (ص182).
الوزيري الخطيب (¬1)، قال طاشكبرى زاده: كان عالماً فاضلاً صالحاً، قسَّمَ أيّامَه بين العلم والعبادة، وكان يلبس الثياب الخشنة، ولا يركبُ دابّةً للتواضع، وكان يحبُّ الفقراء والمساكين، ويعاشرُ مشايخ الصوفية، من مؤلفاته: «حواش على الشرح المطول للتلخيص» كبرى، و «حواش على شرح المواقف» للسيد الشريف (¬2)، وغيرها، (840 - 886) (¬3).
الجيل الثالث: أبناء أبناء أبنائه:
1. المولى محيي الدين محمد شاه ابن المولى عليّ ابن المولى يوسف بالي ابن المولى شمس الدين الفناري الإسلامبولي الحنفي (¬4).
أخذ العلم عن والده، وبعد وفاته عن المولى خطيب زاده، والمولى معرف زاده، اشتغل في التدريس والقضاء، قال طاشكبرى زاده (¬5): كان صاحب أخلاق حميدة، وطبع زكي، ووجه بهي، وكرم وفي، وكان ذا عشرة حسنة، ووقار عظيم، من مؤلفاته: «حواش على شرح المواقف
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع (ص128).
(¬2) ينظر: الكشف (2: 1891).
(¬3) ينظر: الضوء اللامع (3: 128)، والبدر الطالع (1: 209).
(¬4) ترجمته في: الشقائق (ص228 - 229)، ومعجم المؤلفين (3: 270)، والكشف (1: 893، 2: 1717)، والفوائد البهية (ص301)، وهدية العارفين (2: 230).
(¬5) في الشقائق (ص229).
للسيد الشريف»، و «حواش على أوائل شرح الوقاية لصدر الشريعة» (¬1)، ومات وهو شاب (¬2).
2. المولى محيي الدين (¬3) محمد بن عليّ بن يوسف بالي ابن المولى شمس الدين الفناري (¬4).
أخذ العلم في سنِّ الشباب على والده، وبعد وفاته على المولى خطيب زاده، والمولى أفضل زاده، واشتغل بالتدريس والإفتاء وإقراء التفسير والتصنيف فيه، قال طاشكبرى زاده (¬5): كان عالماً فاضلاً، تقياً نقياً محترزاً عن حقوق العباد غاية الاحتراز، ولذلك كان محتاطاً في معاملاته مع الناس حتى أنَّه لغاية احتياطه ربما ينتهي إلى حدِّ الوسوسة، ومن مؤلفاته: «حواش على شرح المفتاح للسيد الشريف»، وبعض رسائل تتعلق بـ «شرح الوقاية» لصدر الشريعة (¬6)، و «تعليقات على الهداية» (¬7)، (ت954هـ).
¬
(¬1) في هدية العارفين (2: 230): حاشية على أوائل شرح الوجيز شرح الوقاية لصدر الشريعة.
(¬2) ينظر: الشقائق (ص228 - 229).
(¬3) في الفوائد (ص301): محيي الدين جلبي.
(¬4) ترجمته في: الشقائق (ص22 - 230)، والفوائد (ص301)، ومعجم المؤلفين (3: 555).
(¬5) في الشقائق (ص229).
(¬6) في الفوائد (ص301): حاشية على أوائل شرح الوقاية.
(¬7) ينظر: الشقائق (ص22 - 230).
الجيل الرابع: أبناء أبناء أبناء أبنائه:
المولى زين الدين محمد بن محمد شاه الفناري (¬1).
أخذ العلم على علماء عصره، منهم: ابن عمه المولى علاء الدين علي الفناري، ثُمَّ على المولى ابن المعرف معلم السلطان بايزيد المطلوب، وعمل متولياً للأوقاف وفي القضاء، قال طاشكبرى زاده (¬2): كان عالماً فاضلاً ذكياً، صاحب طبع وقَّاد، وذهن نقّاد، وكان قوي الجنان، طليق اللسان، صاحب مروءة تامّة، وفتوة كاملة، محباً للفقراء والمساكين .... (ت926هـ).
الجيل الخامس: أبناء أبناء أبناء أبناء أبنائه ومن بعدهم:
1. المولى محيي الدين بير محمد ابن المولى علاء الدين علي الفَنَاري (¬3) [ابن محمد بن عليّ بن يوسف بالي ابن المولى شمس الدين الفناري] (¬4).
أخذ العلم على علماء عصره، ثُمَّ ارتحل إلى بلاد العجم، وقرأ هناك على علماء سَمَرْقَنْد وبُخارا، عمل في التدريس.
¬
(¬1) ترجمته في: الشقائق (ص238 - 239).
(¬2) في الشقائق (ص238 - 239).
(¬3) ترجمته في: الشقائق (ص290 - 291).
(¬4) هذه الزيادة في نسبه لم تذكر في الشقائق في ترجمته، وإنَّما استنتجتها من ترجمة زين الدين محمد بن محمد شاه الفناري، حين ذكر في ترجمته أنه أخذ عن ابن عمه عليّ الفناري، وسبق ذكر عمّ واحد له، وهو محمد، والمترجم هنا اسمه: محمد بن علي.
قال طاشكبرى زاده (¬1): كان عالماً فاضلاً عابداً زاهداً محبّاً للخيرات والصلاح، وكان صاحب أخلاق حميدة، وكان صحيح العقيدة حسن السمت، من مؤلفاته: «حاشية على شرح هداية الحكمة» لمولانا زاده، (ت955هـ).
2. المولى حيدر ابن بنت محمد بن محمد شاه الفناري (¬2)، وهو ابن أخي المولى الخيالي (¬3).
أخذ العلم على علماء عصره، ومنهم: المولى محمود القوجوي، عمل متولياً للأوقاف، قال طاشكبرى زده (¬4): كان جميل الصورة، محمود الطريقة، لذيذ الصحبة حسن النادرة، لطيف المحاورة، جيد المحاضرة، مقبول المناظرة، وبالجملة كان زين المجالس والمحافل .....
¬
(¬1) في الشقائق (ص291).
(¬2) ترجمته في: الشقائق (ص255).
(¬3) وهو الإمام العلامة المتكلم الفقيه أحمد بن موسى، شمس الدين، الشهير بالخيالي، قال طاشكبرى: كان عالماً عاملاً فاضلاً تقياً نقياً زاهداً متورعاً، من مؤلفاته: حاشية شرح الوقاية، وحواشي شرح العقائد النسفية، وحواشٍ على أوائل حاشية التجريد، وشرح نظم العقائد لأستاذه خضر بك. ينظر: الشقائق (ص85 - 87)، وكشف الظنون (2: 2023).
(¬4) في الشقائق (ص255).
3. العالم الفاضل الكامل عبيد (¬1) الله جلبي بن يعقوب الفناري (¬2) من جهة الأم.
واشتغل بالعلم الشريف غاية الاشتغال فأخذ العلم عن علماء عصره، منهم المولى الفاضل مصلح الدين اليارحصاري، ثُمَّ المولى الشيخ محمود القاضي بالعسكر المنصور بولاية اناطولي، تولى القضاء، قال طاشكبرى زاده (¬3): كان فاضلاً ذكياً، وكان له مشاركة في العلوم، ومعرفة تامّة بعلم القراءة، وكان قوي الحفظ حفظ القرآن العظيم في ستة أشهر ... ، من مؤلفاته: «شرح القصيدة المنفرجة» لابن النحوي، و «إغاثة اللهفان شرح البردة»، (ت936هـ).
وبعد هذه الصفحات التي قضيناها في الحديث عن الأسرة النسبية لمترجمنا، ولاحظنا أنَّ ما عليه من الفضل والعلم امتدَّ إلى أجيال من بعده، كلها تفتخر بالنسبة إلى هذا الإمام العظيم، وتجد قبولاً واحتراماً وتقديراً من الآخرين لنسبتها إليها، فإننا نودُّ أن ننتقل من أسرته النسبية إلى الكلام عن أسرته العلمية، والتي تتمثل بشيوخه وتلاميذه، ولا تقل
¬
(¬1) في هدية العارفين (1: 472): عبد.
(¬2) ترجمته في: الشقائق (ص277 - 278)، والكشف (2: 1335،1346 - 1347)، وهدية العارفين (1: 472)، ومعجم المؤلفين (2: 355).
(¬3) في الشقائق (ص277 - 278).
أهميتها وعلاقتها به عن أسرته النسبيه إن لم تزد عليها؛ لكون شيوخه أكبر مورد لعلمه، وتلاميذه أكثر من استفاد من علمه.
المطلب الخامس: في شيوخه:
يمثل شيوخه المنهل الصافي الذي نهل منه هذا العلم الغزير، وهم الأساس في تكوين شخصيته العلمية، وتحديد تطلعاته واهتماماته، فصفات كلِّ واحد منهم تنعكس على شخصيته، ويكون لها تأثيرها فيه، وللوقوف على جوانب عظمة هذه الشخصية، وفهم ما يصدر عنها من تصرفات، يحسن بنا الاطلاع على الشخصيات التي كان لها الأثر البالغ في تكوينها المتجسدة في شيوخها:
1. والده، وقد أخذ عنه علم التصوف؛ إذ قرأ عليه «مفتاح الغيب» (¬1)، وقد سبقت ترجمته والكلام عنه عند الحديث عن أسرته.
2. المولى ... علاء ... الدين ... الأسود (¬2)، ... شارح ... «المغني» (¬3)،
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص17)، والكتائب (ق345/أ)، والفوائد (ص274).
(¬2) ترجمته في: الشقائق (ص9)، والكشف (2: 1749).
(¬3) المغني في أصول الفقه للعلامة الأصولي الفقيه عمر بن محمد بن عمر الخَبَّازِيّ الخُجَنْدِيّ الحَنَفِيّ، أبي محمد جلال الدين، أصله من بلاد ما وراء النهر من بلدٍ يقال لها: خُجَنْدَة، وله: حواشٍ على الهداية، (ت691هـ). ينظر: تاج التراجم (ص220)، والفوائد (ص245 - 246)، ومعجم المؤلفين (2: 576 - 577)، والكشف (2: 1749).
و «الوقاية» (¬1) (¬2)، اشتهر عند الروم بـ (قره خواجه) (¬3).
3. الجمال محمّد بن محمّد بن محمّد الأَقْسَرَائي (¬4)، وهو من نسل الفخر الرازيّ (¬5).
4. أكمل الدين محمد بن شمس الدين بن محمود جمال الدين البَابرْتِيّ،
¬
(¬1) وقاية الرواية في مسائل الهداية للإمام العلامة الفقيه محمود بن أحمد بن عبيد الله بن إبراهيم المَحْبُوبيّ البُخَارِيّ، برهانُ الشَّريعة، قال الكفوي: عالمٌ فاضل، نحريرٌ كامل، بحرٌ زاخر، حبرٌ فاخر، صاحب التصانيف الجليلة، ومن مؤلفاته: الواقعات، والفتاوى توفِّي بحدود سنة (673هـ). ينظر: طبقات ابن الحنائي (ق25/أ)، ومقدمة العمدة (1: 18 - 20)، ومعجم المطبوعات (1: 1199 - 1200)، ودفع الغواية (1: 2 - 6).
(¬2) ينظر: الشقائق (ص17)، ومفتاح السعادة (2: 109)، والكتائب (ق345/أ)، والبدر الطالع (2: 266)، والفوائد (ص274).
(¬3) قال طاشكبرى زاده في الشقائق (ص9): سمعت من بعض الثقات أنَّ المولى شمس الدين الفناري قرأ عليه، لكن وقع بينهما مخالفة ومنافرة؛ ولهذا تركه وذهب إلى رحمة المولى جمال الدين الأَقْسَرَائي.
(¬4) قال طاشكبرى زاده: وكان الأَقْسَرَائي عالماً فاضلاً كاملاً تقياً نقياً عارفاً بالعلوم العربية والشرعية والعقلية، من مؤلفاته: «حواشي على الكشاف»، و «شرح الإيضاح» في المعاني، و «حل الموجز» في الطب، وغيرها، مات في نيف وسبعين وسبعمئة. ينظر ترجمته في: الشقائق (ص15)، والفوائد (ص315 - 319)، والكشف (1: 210 - 211)، وهدية العارفين (2: 165).
(¬5) أخذ الشمس الفَنَاري عنه العلم ببلاده قرامان، ولازمه بطلب العلم عليه. ينظر: الشقائق (ص17)، ومفتاح السعادة (2: 109)، والكتائب (ق345/أ)، والبدر الطالع (2: 266)، والفوائد (ص274).
أبو عبد الله (¬1) (¬2)
5. العارف بالله عبد الرحمن بن عليّ الأنطاكي الحنفي، زين الدين (¬3) (¬4).
6. العارف بالله الشيخ حامد بن موسى القيصري (¬5) (¬6).
¬
(¬1) قال ابن قُطْلوبُغا: علامة المتأخرين، وخاتمة المحقِّقين، برع، وساد، وأفتى، ودرَّس، وأفاد، وصنَّف، وأجاد، من مؤلفاته: «العناية على الهداية»، و «حواشي الكشاف»، و «تحفة الأبرار في شرح مشارق الأنوار»، وغيرها (714 - 786هـ). ينظر ترجمته في: النجوم الزاهرة (11: 302 - 303)، وتاج التراجم (ص276)، والفوائد البهية (ص320 - 324)، والأعلام (7:271). وغيرها.
(¬2) رحل الفناري إلى مصر لأجل طلب العلم؛ فأخذ عنه وعن غيره. ينظر: الشقائق (ص17)، ومفتاح السعادة (2: 109)، والبدر الطالع (2: 266)، والفوائد (ص274).
(¬3) قال طاشكبرى زاده: كان عالماً بالحديث والتفسير والفقه، عارفاً بخواص الحروف، وعلم الوفق والتكسير، وله يدٌ طولى في معرفة الجفر والجامة والوقوف على التواريخ. له تصانيف في علم الجفر، وعلم الوفق، وخواص أسماء الله تعالى، وفي علم التواريخ، لا يمكن تعدادها، وأجلُّ مصنّفاته كتاب: «الفوائح المسكية في الفواتح المكية» أدرج فيه ما يفوق مئة علم، وكتاب «شمس الآفاق في علم الحروف والأوفاق»، وغيرها، (ت858هـ). ينظر: الشقائق (ص31)، والكشف (1: 50)، وهدية العارفين (1: 531 - 532).
(¬4) اجتمع معه المولى الفناري، واستفادَ منه كثيراً من العلوم الغريبة، كما في الشقائق (ص31).
(¬5) قال طاشكبرى زاده: وكان من كبار المشايخ المتأخرين، وكان جامعاً للعلوم الظاهرية والباطنية، وكان صاحب الكرامات العليّة والمقامات السنية. ينظر ترجمته في: الشقائق (ص35).
(¬6) كان يبيع الخبز، ويحمله على ظهره، وكان الناس يسارعون إلى اشتراء الخبز منه تبركاً به، وكان الشيخ شمس الدين الفناري يصاحبه ويستفيد منه ويعترف بفضله ينظر: الكتائب (ق345/أ).
7. الشيخ العارف بالله الشيخ حميد شيخ الحاج بيرام (¬1).
8. السيد الشريف علي بن محمد الزين الحسيني الجُرْجَانِيّ الحنفي، أبو الحسن (¬2) (¬3).
المطلب السادس: في سنده الفقهي:
كان للعلماء عناية خاصة بأسانيد العلوم التي يأخذونها، فالتلميذ إذا أكمل دراسة كتاب معين أو علم معين على شيخٍ أجازه في إقرائه وتعليمه لغيره، وكان في هذه الإجازات سند الشيخ في هذا الكتاب أو هذا العلم الذي يتضح فيه عمّن أخذ هذا العلم، وهذه الإجازات والأسانيد الشهادة التي ينالها الطلبة عند إكمال مرحلة دراسية معينة في زماننا، إلا أنَّها أرفع وأدق منها بكثير، وكان لمترجمنا سنداً في العلوم التي درسها على مشايخ زمانه، أكتفي هنا بذكر سنده في علم الفقه الذي ذكره
¬
(¬1) قال طاشكبرى في الشقائق (ص19): صحبه وأخذ عنه التصوف.
(¬2) قال السخاوي: تصدى للإقراء والتصنيف والفتيا، وتخرّج به أئمة نحارير، وكثرت أتباعه وطلبته، واشتهر ذكره، وبعد صيته، من مؤلفاته: «تفسير الزهراويين»، و «شرح السراجية» في الفرائض، و «شرح الوقاية»، وغيرها، (740 - 816هـ). ينظر ترجمته في: الضوء اللامع (5: 328 - 330)، والفوائد (ص212 - 224)، والأعلام (5: 15 9).
(¬3) قال الكفوي في الكتائب (ق345/أ): رَحَلَ إلى مصر وكان السيد الشريف رفيقه فطلبا العلم في مصر، وأخذا عن الشيخ أكمل الدين.
الكفوي (¬1)، مترجماً لكل واحد من رجاله ترجمة قصيرة تعرف القارئ الكريم على أئمة هذا العلم الكبار، وهم:
1. عن الشيخ أكمل الدين البَابرتِيّ الحنفيّ، وقد سبقت ترجمته.
2. عن الفقيه الأصولي قوام الدين محمد بن محمد بن أحمد السنجاري البُخَارِيّ الكاكي الحنفي (¬2).
3. عن الفقيه الأصولي المتكلم حسام الدين حسين بن علي بن حجاج بن علي السِّغْنَاقي أو الصِّغْنَاقِيّ الحنفي (¬3).
4. عن الفقيه المحدث المحقق حافظ الدين الكبير محمد بن محمد بن نصر البخاري، أبي الفضل (¬4).
¬
(¬1) في الكتائب (ق345/أ).
(¬2) من مؤلفاته: «معراج الدراية إلى شرح الهداية»، و «عيون المذاهب»، قال اللكنوي: وهو مختصر نافع، (ت749هـ). ينظر ترجمته في: الجواهر (4: 294 - 295)، والفوائد (ص306)، والكشف (2: 2033). وغيرها.
(¬3) نسبةً إلى سِغْنَاق بلدة في تركستان، قال السيوطي: كان عالماً فقيهاً نحوياً جدلياً، ومن مؤلفاته: «شرح التمهيد في قواعد التواحيد» لأبي المعين المكحولي، و «الكافي شرح أصول البزدوي»، و «النهاية شرح الهداية»، (ت710هـ)، ينظر ترجمته في: تاج التراجم (ص160)، والكشف (2: 2032)، والفوائد (ص106). وغيرها.
(¬4) قال أبو العلاء البخاري: كان إماماً عالماً ربانياً صمدانياً زاهداً عابداً مفتياً مدرِّساً نحريراً فقيهاً قاضياً محقِّقاً مدقِّقاً محدِّثاً جامعاً لأنواع العلوم، (ت693هـ)، ينظر ترجمته في: الجواهر المضية (3: 337)، والفوائد البهية (ص325 - 326)، وغيرهما.
5. عن الفقيه الأصولي شمس الأئمة مُحَمَّد بن عَبْد الستَّار بن محمد العِمَادِيّ الكَرْدَرِيّ البَرَاتَقِينِي الحنفي، أبي الواجد (¬1).
6. عن الفقيه الأصولي المحدث المحقق الأديب برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغَانِيّ المَرْغِينَانِيّ، أبي الحسن (¬2).
7. عن الفقيه المحقق برهان الأئمة الصدر الشهيد حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازه، أبي محمد (¬3).
8. عن الفقيه الصدر الكبير برهان الأئمة والدين عبد العزيز بن عمر بن مازه، أبي محمد، برهان الأئمة، أخذ العلم عن السَّرَخْسِيّ (¬4).
¬
(¬1) انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمانه، من مؤلفاته: «مناقب أبي حنيفة»، و «رسالة رد فيها على منخول الغزالي»، (599 - 642هـ)، ينظر ترجمته في: الجواهر المضية (3: 228 - 230)، وتاج التراجم (ص267 - 268)، والنجوم الزاهرة (6: 351)، والأعلام (7: 255).
(¬2) قال الكفوي: كان إماماً فقيهاً حافظاً مفسِّراَ جامعاً للعلوم ضابطاً للفنون، متقناً محقِّقاً نظاراً مدققاً زاهداً ورعاً بارعاً فاضلاً ماهراً أصولياً أديباً شاعراً لم تر العيون مثله في العلم والأدب، وله اليد الباسطة في الخلاف والباع الممتد في المذهب، ومن مؤلفاته: «الهداية»، و «التجنيس»، و «مختارات النوازل»، (ت593هـ)، ينظر ترجمته في: الجواهر المضية (2: 627 - 629)، وتاج التراجم (ص206 - 207).
(¬3) ومن مؤلفاته: «شرح الجامع الصغير»، و «الفتاوى الصغرى»، و «الفتاوى الكبرى»، وغيرها، ينظر ترجمته في: الجواهر (2: 649 - 650)، والفوائد (ص242)، والنجوم الزاهرة (5: 268 - 269).
(¬4) ترجمته في: الجواهر المضية (2: 437)، وطبقات ابن الحنائي (ص82)، والفوائد البهية (ص166).
9. عن الفقيه الأصولي المجتهد المتكلم شمس الأئمة محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، أبي بكر (¬1).
10. عن الفقيه الأصولي المحقق شمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحَلْوَانِيّ (¬2).
11. عن الفقيه القاضي الحسن بن عبد الملك النَّسَفِيّ، أبي علي (¬3)، من شيوخ أبي العبَّاس المُسْتَغْفِرِيّ (¬4).
12. عن الفقيه المحقق محمد بن الفضل الكَمَاريّ الفَضْليّ البُخَاريّ، أبي بكر (¬5).
¬
(¬1) قال الكفوي: كان إماماً علامة حجَّة متكلماً مناظراً أصولياً مجتهداً، وقد أملى «المبسوط» من غير مراجعة شيء من الكتب، وهو في الجبّ محبوس بسبب كلمة نصح بها الأمراء، وكان تلامذته يجتمعون على أعلى الجبّ يكتبون، ومن مؤلَّفاته: «شرح السير الكبير»، و «أصول السرخسي»، وغيرها، توفي في حدود (500)، ينظر ترجمته في: تاج التراجم (ص234)، والجواهر المضية (3: 78)، والفوائد (ص261).
(¬2) قال ابن ماكولا: إمام أهل الرأي في وقته ببخارى، ومن مؤلفاته: «المبسوط»، و «النوادر»، و «الفتاوي»، (ت456هـ)، ينظر ترجمته في: مقدمة الهداية (2: 13)، ومقدمة السعاية (1: 32).
(¬3) ترجمته في: الجواهر المضية (2: 68).
(¬4) وهو الإمام المؤرخ الفقيه جعفر بن محمد بن المعتز النسفي المُسْتَغْفِري، من مؤلفاته «الدلائل ومعرفة الصحابة الأوائل»، و «المسلسلات»، و «تاريخ نسف»، (350 - 432هـ). ينظر: الرسالة المستطرفة (ص39)، الأعلام (2: 123).
(¬5) قال الكفوي: كان إماماً كبيراً وشيخاً جليلاً، معتمداً في الرواية مقلداً في الدراية رحل إليه أئمة البلاد، ومشاهير كتب الفتاوى مشحونة بفتاواه ورواياته، (ت371هـ)، ينظر ترجمته في: الجواهر (3: 300 - 302)، وطبقات ابن الحنائي (ص62)، والفوائد البهية (ص303 - 304)، ومقدمة العمدة (1: 16).
13. عن الفقيه الأستاذ عبد الله بن محمد الحارثيّ البُخاري السُّبَذْمُوني (¬1).
14. عن الفقيه أبي حفص الصغير محمد بن أحمد بن حفص، أبي عبد الله (¬2)، فقيه بخارى.
15. عن أبيه الإمام المشهور العلامة الفقيه أحمد بن حفص، أبي حفص الكبير (¬3).
16. عن الفقيه المحدث اللغوي المفسر محمَّد بن الحَسَن بن فرقد الشَّيْبَانِيّ، أبي عبد الله (¬4).
¬
(¬1) قال الذهبي: شيخ الحنفية بما وراء النهر، وكان محدِّثاً جوَّالاً، رأساً في الفقه، ومن مؤلفاته: «كشف الآثار الشريفة في مناقب أبي حنيفة»، و «مسند أبي حنيفة»، (ت340هـ)، ينظر ترجمته في: العبر (2: 253)، والميزان (4: 191)، والجواهر (2: 344 - 345)، وغيرها.
(¬2) ترجمته في: الجواهر المضية (3: 29).
(¬3) ترجمته في: الجواهر المضية (1: 166 - 167)، وتاج التراجم (ص94)، والفوائد البهية (ص39).
(¬4) قال الذَّهَبِيّ: كان من أذكياء العالم، وقال الشافعي: ما رأيت أعقل ولا أفقه ولا أزهد ولا أروع ولا أحسن نطقاً وإيراداً من محمد بن الحسن، وقال الطحاوي: كان حزبه في كل يوم وليلة ثلث القرآن، ومن مؤلفاته: «المبسوط»، و «الجامع الصغير»، و» الجامع الكبير»، (132 - 189هـ)، ينظر ترجمته في: بلوغ الأماني (ص4)، والكشف (1: 561)، والعبر (1: 302)، ومقدِّمة الهداية (14:3)، والنافع الكبير (ص34 - 38)، وغيرها.
17. عن التابعي إمام المجتهدين، وفقيه هذه الأمة، الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن المرزبان بن زُوطا بن ماه (¬1)، صاحب المذهب الحنفي، المتبع في أكثر البلاد الإسلامية.
المطلب السابع: في تلاميذه:
بعد الإطلاع على حال بعض شيوخ الفناري، تبيَّن لنا أنَّهم أئمة عصره، وعلماء دهره، فمَن صحبهم اهتدى بهديهم وسار على دربهم، بلغ الأعالي، وذلت له العلوم، وابتعدت عنه الهموم، واستحوذ على قلوب العوام، وأقبل عليه الطلبة من كل حدبٍ يلتمسون جواره وعلمه؛ لينالوا من فضله العميم، ويرضوا ربّ العالمين، وإن كانوا من أهل الشأن العظيم والفضل الكبير، فها هو ابن حجر حافظ هذه الأمة وخاتم محقِّقيها، يتقدم إليه وينال من فضله وعلمه.
وكان مترجمنا مشغولاً بالقضاء، ولم يكن متفرِّغاً للتعليم كما سيأتي معنا، إلا أنَّ هذا لم يمنعه من أداء واجب العلم الذي في عنقه، بل كان
¬
(¬1) قال الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، وقال الذهبي: تواترت النصوص في كثرة تعبده، (80 - 150هـ)، ينظر ترجمته في: الخيرات الحسان (ص74 - 75)، ومناقب الإمام أبي حنيفة (30 - 31)، والعبر (1: 214 - 215).
يجلس لتدريس الطلبة حتى أنَّه أقرأ المختصر للعضد (¬1) نحو عشرين مرة (¬2)، وتلقى عليه العلم تلاميذ لا يحصون، قال الشوكاني (¬3): وقد انتفع بعلمه الطلبة في بلاد الروم مع اشتغاله بالقضاء.
إلا أننا في هذه العجالة من ترجمته، سنشير إلى مشاهير هؤلاء التلاميذ؛ لنلقي الضوء على جانب آخر من جوانب حياته يتبيَّن لنا فيه عظيم هذه الشخصية العلمية الإسلامية، وشأنها في المحافظة على هذا الدين، ومن هؤلاء الطلبة:
1. ولده المولى محمد شاه (¬4)، وقد سبقت ترجمته عند الكلام عن أسرته.
2. ولده المولى يوسف بالي (¬5)، وقد سبقت ترجمته أيضاً.
¬
(¬1) وهو المتكلم الأصولي اللغوي عَضُد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإِيجِي الشِّيرَازِيّ الشَّافِعِيّ، أبو الفضل، من مؤلفاته: «العقائد العضدية»، و «شرح مختصر ابن الحاجب»، و «الفوائد الغياثية»، وغيرها (ت756هـ). ينظر: الدرر الكامنة (2: 322 - 323)، والتعليقات السنية (ص514)، وغيرها.
(¬2) ينظر: الفوائد (ص276)، ومفتاح السعادة (2: 110).
(¬3) في البدر الطالع (2: 267).
(¬4) ينظر: الكتائب (ق345/أ).
(¬5) الكتائب (ق345/أ).
3. الحافظ المحدّث المحقق شهاب الدين أحمد بن علي الكِنَاني العَسْقَلانِيّ المِصْريّ القَاهِريّ الشّافِعِي، أبو الفضل (¬1)، المعروف بـ (ابن حجر) (¬2).
4. الشيخ الزاهد شمس الدين محمد بن علي الحُسَيْنِيّ البُخاري (¬3).
5. النحوي الأصولي المتكلم المنطقي، محيي الدين (¬4) محمد بن سليمان
¬
(¬1) وشهرته تغني عن ذكر كلمات ثناء العلماء في الإطراء عليه، من مؤلفاته: «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، و «هدي الساري مقدمة فتح الباري»، و «إنباء الغمر بأبناء العمر»، و «الإصابة في تمييز الصحابة»، (773 - 852هـ). ينظر ترجمته في: الضوء اللامع (2: 36 - 40)، والبدر الطالع (1: 87 - 92)، والتعليقات (ص36)، وقد خصَّه تلميذه السَّخاويّ بكتاب خاص بترجمته، وسمَّاه: الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر.
(¬2) قال ابن حجر: كتب لي شمس الدين الفناري بخطّه الإجازة لَمَّا قَدِمَ القاهرة، ينظر: مفتاح السعادة (2: 110).
(¬3) قال طاشكبرى زاده: كان عالماً بالكتاب والسنة، عارفاً بالله تعالى وصفاته، وكان زاهداً متورِّعاً، صاحب جذبة عظيمة، وله قدمٌ راسخٌ في التصوُّف، وظهرت له كرامات في حال صباه، وعاشر المشايخ العظام، ونال منهم ما نال من المقامات والأحوال. ينظر ترجمته في: الشقائق (ص35 - 36).
(¬4) لقب بذلك؛ لكثرة اشتغاله بكتاب «الكافية» في النحو، قال السيوطي: كان إماماً كبيراً في المعقولات كلها: الكلام، وأصول الفقه، والنحو، والتصريف، والإعراب، والمعاني، والبيان، والجدل، والمنطق، والفلسفة، والهيئة، بحيث لا يشق أحد غباره بشيء من هذه العلوم، وله اليد الحسنة في الفقه والتفسير والنظر في علوم الحديث وألف فيه، من مؤلفاته: «شرح قواعد الإعراب»، و «شرح كلمتي الشهادة»، و «مختصر في علوم الحديث»، وغيرها، (788 - 879هـ). ينظر ترجمته في: الشقائق (ص40 - 41)، والضوء اللامع (7: 259 - 261)، والبدر الطالع (2: 171 - 173)، ومعجم المؤلفين (2: 332 - 333)، وغيرها.
ابن سعد بن مسعود الرومي البرغمي الكافيجي (¬1).
6. المولى محمد بن أرمغان الشهير بيكان (¬2).
7. المولى محمد بن قطب الدين الازنيقي الرومي (¬3).
8. المولى عبد الواحد بن محمد بن محمد المَشْهَديّ الكوتاهيه الحنفي (¬4).
¬
(¬1) قال السيوطي: لازمَ المولى الفناري شيخُنا العلامةُ محيي الدين الكافيجي، وكان يبالغ في الثناء عليه جداً. ينظر: مفتاح السعادة (2: 110).
(¬2) انتهت إليه رئاسة الدرس والفتوى ومنصب القضاء بعد المولى شمس الدين الفناري، قال طاشكبرى زاده: كان فاضلاً ذكياً صاحب طبع قوي، إلا أنَّه كان قليل الحفظ، وكان يحب العشرة مع أصحابه، ويهيء لهم الأطعمة النفيسة، وكان معَظَّماً ومكرَّماً عند السلطان، مرضيّاً ومقبولاً عند الخواصّ والعوامّ، وقد أرادَ المولى الفناري لما رأى عليه من الحال والصفات والعلم أن يزوِّجَه بنتَه، فلم يقبل؛ لأنَّه كان قد عَهِدَ مع أستاذه السابق بأن يتزوَّج بنتَه فلم ترض نفسه بنقض العهد. ينظر ترجمته في: الشقائق (ص48 - 49)، قال طاشكبرى زاده: قرأ على المولى شمس الدين الفناري.
(¬3) قرأ على المولى الفناري العلوم الشرعيّة والعقلية وتمهَّرَ فيها وفاق أقرانه، ثُمَّ سلك مسلك التصوف وحصل طريقة الصوفية وجمع بين الشريعة والطريقة والحقيقة، من مؤلفاته: «شرح مفتاح الغيب»، و «تنوير الأوراد»، وغيرها، (ت885هـ). ينظر ترجمته في: الشقائق (ص65)، والفوائد البهية (ص304 - 305)، وغيرها.
(¬4) من مؤلفاته: «معالم الأوقات» أرجوزة في الإسطرلاب نظمَها؛ تعليماً لمحمد شاه ابن أستاذه الفناري، (ت838هـ). ترجمته في: هدية العارفين (1: 632)، ومعجم المؤلفين (2: 331).
المطلب الثامن: في مؤلفاته:
مؤلفات العالم هي التي تشهد لنا بالعلم الذي عنده، فبها يمكن أن يتبيَّن ما هو عليه من الحال، دون حاجة ثناء مثني، ومدح مادح، أو إساءة مسيء وذم ذام، فعند الرجوع إليها يمكن دفع مقولة كلِّ قائل، وإثبات الحقِّ المبين، كما يتبيّن من خلالها طول باعه في العلوم، ورسوخ قدمه في الفهوم.
ومترجمنا له شواهد كثيرة دالة على ما كان عليه من غزارة العلم، خلَّدها له إخلاصه وعمق علمه وكثرة فهمه، لم يصلنا منها إلا القليل؛ لاشتغاله بالمناصب والمهام الكثيرة الملقاة على عاتقه: كتدريس الطلاب، وإفتاء المسلمين في أمور دينهم، والقضاء بين الناس بحكم الله تعالى، حتى بقي العديد منها في مسوداته دون تبييض، قال طاشكبرى زاده (¬1): وله كثير من الرسائل والحواشي في المسوَّدة، ومنع الإفتاء والتدريس والقضاء من تبييضها (¬2).
¬
(¬1) في الشقائق (ص18)، ومثله في مفتاح السعادة (2: 110).
(¬2) ينظر: الكتائب (ق345/أ).
وهذه التصانيف لم تكن قاصرة على علم دون علم، بل شملت علوم وفنون زمانه، وكان مشتهراً رحمه الله تعالى بإطلاعه على العلوم الغريبة، التي لم يكن يعرفها أحدٌ من أقرانه علاوة على أن ينازعوه فيها، وسيطلع القارئ الكريم على شيء من هذا عند ذكرنا لهذه المؤلفات، قال طاشكبرى زاده (¬1) في وصف العلامة خضر بك: حصَّل من الفُنُون ما لا يحصى حتى أنَّه كان يقال لم يكن بعد المولى الفناري مَن يتحقَّق على العلوم الغريبة مثله.
وقد آن الأوان للحديث عن تصانيفه التي سارت في الخافقين، فمنها (¬2):
أولاً: في علم التفسير:
1. «تفسير الفاتحة» (¬3) المسمَّى بـ «عين الأعيان في تفسير القرآن» (¬4)، قال طاشكبرى زاده (¬5): مزج فيه بين العلوم الشرعية وعلوم التصوف، وهو من أحسن المصنفات، وأولاها بالاهتمام والاعتناء بشأنه.
¬
(¬1) في الشقائق (ص56).
(¬2) ينظر: الكتائب (ق345/أ).
(¬3) نسبه إليه صاحب الشقائق (ص17)، ومفتاح السعادة (2: 110)، والكتائب (ق345/أ)، وغمز عيون البصائر (3: 14)، والبدر الطالع (2: 266)، والأعلام (6: 243)، ومعجم المؤلفين (3: 270)، وفيه: تفسير سورة الفاتحة. وغيرهم.
(¬4) سمّاه بذلك صاحب الكشف (2: 1181)، وهدية العارفين (2: 188).
(¬5) في مفتاح السعادة (2: 109).
ثانياً: في علم القراءات:
2. «حاشية على كنْز المعاني شرح حرز الأماني (¬1) ووجه التهاني في القراءات السبع» (¬2).
ثالثاً: في علم الحديث:
3. «رسالة في علم تأويلات أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -» (¬3)، وفيها قد استخرج للأحاديث تأويلات موافقة للشرع بحيث يقول من رآها: لله دره وعلى الله أجره (¬4).
رابعاً: في علم الفقه:
4. «شرح تلخيص الجامع الكبير (¬5)» (¬6) في فروع الفقه الحنفي.
¬
(¬1) «حرز الأماني»: هي القصيدة المشهورة بالشاطبية للشيخ أبي محمد القاسم بن فيره الشاطبي الضرير (ت590هـ)، نظم فيه «التيسير»، أبدع فيه كلَّ الإبداع فصار عمدة الفن، وله شروح كثيرة، أحسنُها وأدقُّها شرحُ الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري (732تهـ)، سمّاه «كنز المعاني». ينظر: الكشف (1: 646 - 647).
(¬2) نسبه إليه صاحب الكشف (1: 646 - 647).
(¬3) نسبها إليه صاحب الكشف (1: 335)، وأبجد العلوم (2: 142).
(¬4) ينظر: الكشف (1: 335)، وأبجد العلوم (2: 142).
(¬5) ((الجامع الكبير)): لمحمّد بن الحسن الشيباني (ت189هـ) تلميذ الإمام أبي حنيفة، وهو أحد كتب ظاهر الرواية في المذهب الحنفي. ينظر: الكشف (1: 472).
(¬6) نسبه إليه صاحب الكشف (1: 472)، وهدية العارفين (2: 188).
5. «مرشد المصلى» (¬1)، قال طاشكبرى زاده (¬2): ذكر فيه تجويز صلاة الرغائب وليلة القدر، بل ترغيب لهما، فهجره جماعة.
خامساً: في علم أصول الفقه:
6. «فصول البدائع في أصول الشرائع» (¬3)، جمعَ فيه «المنار»، و «أصول البَزْدَوِيّ»، و «المحصول» للرزاي، و «مختصر ابن الحاجب»، وغير ذلك، وأقام في عمله ثلاثينَ سنة (¬4)، قال العطار (¬5): جامع لكثير من كتب هذا الفن المعتبرة. وقال (¬6): جمع فيه ما تفرق في كتب كثيرة مع مزيد التحرير وكثرة الفوائد.
7. «شرح أصول البَزْدَويّ (¬7)» (¬8)، لكنَّه لم يتم، فهو على ديباجته فقط.
¬
(¬1) نسبه إليه صاحب الكشف (2: 1655).
(¬2) في الكشف (2: 1655).
(¬3) ينظر: الكشف (2: 1267)، والفوائد (ص274،276)، وهدية العارفين (2: 188).
(¬4) نسبه إليه صاحب الشقائق (ص17)، ومفتاح السعادة (2: 110)، والكتائب (ق345/أ)، والبدر الطالع (2: 266)، وأنوار الفروق (3: 89)، وغمز عيون البصائر (1: 136)، وغيرهم.
(¬5) في حاشيته (2: 212).
(¬6) في حاشيته (2: 531).
(¬7) «أصول البزدوي»: لفخر الإسلام علي بن محمد البَزْدَوِيّ الحنفي (ت482هـ)، وهو كتابٌ عظيم الشأن، جليل البرهان، محتو على لطائف الاعتبارات بأوجز العبارات، تأبى على الطلبة مرامه، واستعصى على العلماء زمامه، قد انغلقت ألفاظه وخفيت رموزه وألحاظه، فقام جمعٌ من الفحولِ بأعباء توضيحه، وكشف خباياه، منهم: حسام الدين حسين بن علي الصغناقي (ت710هـ)، وعلاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري (ت730هـ). ينظر: الكشف (1: 112).
(¬8) نسبه إليه صاحب الكشف (1: 112)، وهدية العارفين (2: 188).
سادساً: في علم المواريث:
8. «شرح الفرائض السراجية (¬1)» (¬2)، وهو أبرز الشروح عليها، حتى قال طاشكبرى زاده (¬3) فيه: وهو شرحٌ لطيف، وهو من أحسن شروحها (¬4).
سابعاً: في علم التصوف والتربية:
¬
(¬1) الفرائض السراجية أو السجاوندية: للإمام الفقيه الفرضي المفسّر سراج الدين، محمد بن محمد بن عبد الرشيد السجاوندى الحنفي (ت596هـ)، وهي من أكبر وأشهر وأكثر المتون قبولاً وتداولاً في المواريث؛ ولذلك اشتغل بشرحها جمٌ غفير من العلماء، منهم الشيخ أكمل الدين البابرتى (ت786هـ)، وابن كمال باشا (ت940هـ). ينظر: الكشف (2: 1247).
(¬2) نسبه إليه صاحب الشقائق (ص18)، والكتائب (ق345/أ)، والبدر الطالع (2: 267)، وهدية العارفين (2: 188)، والأعلام (6: 243)، ومعجم المؤلفين (3: 270)، وغيرهم.
(¬3) في الشقائق (ص18).
(¬4) ومثله في الفوائد (ص274).
9. «شرح مفتاح الغيب (¬1)» (¬2) المسمَّى: «مصباح الإنس بين المعقول والمشهود في شرح مفتاح غيب الجمع والوجود» (¬3)، وسبب شرحه له: أنَّه قرأه على والده، وقرأه والده على مؤلِّفه، فاجتمع له كثير من اللطائف والنكات على عبارات هذا الكتاب، فقيَّدها بشرح له فكان غاية في الإبداع، لكنه ليس للمبتدئين في هذا العلم، وإنَّما لمن أنهى منه شوطاً كبيراً، قال طاشكبرى زاده (¬4) في وصفه: شرحَه شرحاً وافياً وضمَّنَه من معارف الصوفيّة ما لم تسمعه الآذان، وتقصر عن فهمه الأذهان (¬5).
10. «تعليق على اصطلاحات الصوفية (¬6)» (¬7).
11. «رسالة في رجال الغيب» (¬8).
¬
(¬1) ((مفتاح الغيب)): للشيخ العلامة صدر الدين محمد بن إسحاق القونوي (ت673هـ)، شرحَه أيضاً: محمد بن قطب الدين الأزنيقي (ت885هـ)، وأحمد عبد الله الإلهي (ت بعد 880هـ). ينظر: الكشف (2: 1768).
(¬2) نسبه إليه صاحب الشقائق (ص18)، والكتائب (ق345/أ)، والكشف (2: 1768)، وهدية العارفين (2: 188 - 189)، وغيرهم.
(¬3) ذكر هذا الاسم صاحب الكشف (2: 1768)، وهدية العارفين (2: 188 - 189).
(¬4) في الشقائق (ص18).
(¬5) ينظر: الكتائب (ق345/أ).
(¬6) ((اصطلاحات الصوفية)): للعلامة الشيخ كمال الدين أبي الغنايم عبد الرزاق بن جمال الدين الكاشي (ت730هـ)، وهو مختصرٌ مرتب على قسمين: الأول في المصطلحات على الحروف المعجمة، والثاني في التفاريع. ينظر: الكشف (1: 107).
(¬7) نسبه إليه صاحب الكشف (1: 107).
(¬8) نسبها إليه صاحب الكشف (1: 867)، وهدية العارفين (2: 188).
12. «رسالة في مناقب الشيخ بهاء الدين محمّد بن محمّد النقشبندي» (¬1).
ثامناً: في علم العقيدة والكلام:
13. «تعليقات على شرح المواقف (¬2)» للسيد (¬3).
14. «شرح المواقف» (¬4).
15. «شرح الجواهر (¬5)» (¬6)، وصفه حاجي خليفة (¬7): بأنَّه شرح مفيد.
¬
(¬1) نسبها إليه صاحب الكشف (1: 882)، وهدية العارفين (2: 188).
(¬2) «المواقف»: للإمام العلامة عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (ت756)، وهو كتاب عظيم القدر رفيع الشأن، ومن أوسع وأعلى وأشهر الكتب المؤلفة في علم الكلام، وقد اعتنى بشرحه عددٌ من الفضلاء، أبرزُهم السيدُ الشريفُ الجُرْجَانِيّ (ت816هـ).
(¬3) نسبه إليه صاحب الشقائق (ص18)، والبدر الطالع (2: 267).
(¬4) نسبه إليه صاحب هدية العارفين (2: 188).
(¬5) «جواهر الكلام»: لعضد الدين عبد الرحمن الإيجي (ت756هـ) اختصرَه من «المواقف» له، وممَّن شرحه: عليّ بن محمّد البُخاري المعروف بعلاء التنبيهي. ينظر: الكشف (1: 616،2: 1894).
(¬6) نسبه إليه حاجي خليفة في الكشف (2: 1894) نقلاً عن حفيدِه حسن جلبي الفناري في حاشية شرح المواقف.
(¬7) في الكشف (2: 1894).
تاسعاً: في علم النحو:
16. «شرح المصباح (¬1)» (¬2).
17. «حاشية ضوء المفتاح (¬3) شرح المصباح» (¬4).
عاشراً: في علم الصرف والبلاغة:
18. «أساس التصريف» (¬5)، وهو مختصر على مقدمة وأبواب وخاتمة، أوله: أحمد الله على تصاريف آلائه ... الخ، وشرحه ولده محمد شاه (¬6).
19. «حاشية على شرحي السيد والسعد للمفتاح (¬7)» (¬8).
¬
(¬1) «المصباح»: للإمام ناصر بن عبد السيد المُطَرِّزيّ الحنفي (ت610هـ)، مشتمل على خمسة أبواب: الأول: في الاصطلاحات النحوية، الثاني: في العوامل اللفظية القياسية، الثالث: في العوامل اللفظية السماعية، الرابع: في العوامل المعنوية، الخامس: في فصول من العربية. ينظر: الكشف (2: 1708).
(¬2) انفرد بنسبته له صاحب هدية العارفين (2: 188). والله أعلم بحقيقة الحال.
(¬3) «الضوء»: شرح ملخص للعلامة تاج الدين محمد بن محمد الاسفرايني من «المفتاح» له أيضاً، حشَّى عليه عدد من العلماء، منهم: عبد اللطيف بن جلال الدين محمد القزويني. ينظر: الكشف (2: 1709).
(¬4) نسبها له صاحب الكشف (2: 1709). هدية العارفين (2: 188).
(¬5) نسبه إليه صاحب الكشف (1: 74)، وهدية العارفين (2: 188).
(¬6) ينظر: الكشف (1: 74).
(¬7) «مفتاح العلوم»: لسراج الدين أبي يعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي (ت626هـ)، جمعه على ثلاثة أقسام: الأول: في علم الصرف، الثاني: في علم النحو، الثالث في علم المعاني والبيان، وقد اعتنى به الفضلاء والعلماء بالشرح والتلخيص، فمنهم مَن شرح القسم الثالث، وأشهرهم سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني المتوفى سنة (793هـ)، والسيد الشريف على بن محمد الجرجاني المتوفى سنة (816هـ)، وهو الموسوم بـ ((المصباح))، وقد ألف عليها العديد من الحواشي.
(¬8) نسبه إليه صاحب الكشف (2: 1766)، وهدية العارفين (2: 188).
20. «شرح تلخيص المفتاح (¬1)» (¬2) في المعاني.
21. «شرح الفوائد الغياثية (¬3)» (¬4) في المعاني والبيان.
22. «بحث المولى الفناري وعلماء مصر في الإنشاء والخبر في جملة الحمد لله» (¬5) في علم البلاغة، جرى ذلك بمصر لما دخلها سنة (823هـ)،
¬
(¬1) انفرد بنسبته له صاحب هدية العارفين (2: 188). والله أعلم بحقيقة الحال.
(¬2) «تلخيص المفتاح»: لجلال الدين محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني الشافعي، (ت739هـ) لخص فيه القسم الثالث من «مفتاح العلوم» للسكاكي (ت626هـ)، فأقبل عليه معشر الأفاضل والفحول، فمن شرحه: محمد بن مظفر الخلخالي (ت745هـ)، ومحمد ابن عثمان الزوزني (ت792هـ)، وسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (ت793هـ)، وهو أشهرها.
(¬3) «الفوائد الغياثية»: للقاضي عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (ت756هـ)، لخصَها من القسم الثالث من «مفتاح العلوم»، وهو كتاب مفيد معتبر شرحه نفرٌ من العلماء كشمس الدين محمد بن يوسف الكرماني (ت786هـ)، ومحمد بن السيد الشريف علي الجرجاني (ت838هـ)، وأحمد بن مصطفى الشهير بطاشكبرى زاده (ت968هـ). ينظر: الكشف (2: 1299).
(¬4) نسبه إليه صاحب الكشف (2: 1299) عن المجد في ترجمة الشقائق، وهدية العارفين (2: 188)، ومعجم المؤلفين (3: 270).
(¬5) نسبها إليه صاحب الكشف (1: 223، 2: 1949).
فذهب الفناري إلى أنَّها إنشائية ووافقه ابن الهُمام (¬1) وجمع، وخالفه الشيخ علاء الدين البخاري (¬2)، وكتبَ رسالة سمّاها: «نُزهة النظر في الفرق بين
الإنشاء والخبر»، وتبعه آخرون.
الحادي عشر: في علم المنطق والميزان:
23. «شرح الرسالة الأثيرية (¬3)» (¬4)، وهو من أبرز شروحها، ولرسوخ قدم الفناري في العلوم، وتمكنه من الفنون، فإنَّه لم يتجاوز معه تأليف هذا الشرح العظيم النفع أكثر من نهار يوم، إذ قال في خطبته:
¬
(¬1) وهو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السِّيوَاسِيّ الأصل القَاهِريّ الحَنَفِي، كمال الدين، من مؤلفاته: «فتح القدير على الهداية»، و «تحرير الأصول»، و «المسايرة في العقائد»، قال الإمام اللكنوي: كلها مشتملة على فوائد قلما توجد في غيرها، (790 - 861هـ). ينظر: الضوء اللامع (6: 127)، والفوائد (ص296 - 298)، والكشف (1: 358).
(¬2) وهو علي بن محمد البخاري، (ت بعد 823هـ).ينظر: الكشف (2: 1949)، ومعجم المؤلفين (2: 496).
(¬3) الرسالة الأثيرية مشهورة بإيساغوجي بين الطلبة وغيرهم من الأوساط العلمية، وهي للعلامة أثير الدين مفضل بن عمر الأبهري المتوفّى بحدود سنة (700هـ)، وهو مشتمل على ما يجب استحضاره من المنطق، ويعدّ من أشهر كتب المنطق للمبتدئين، وأكثرها تداولاً، وقد أقبل على شرحه مئات العلماء، منهم: حسام الدين حسن الكاتي (ت760هـ)، ونور الدين الشيرازي (ت862هـ)، وزكريا الأنصاري (ت910هـ). ينظر: الكشف (1: 206 - 208).
(¬4) نسبه إليه بهذا الاسم صاحب الشقائق (ص18)، ومفتاح السعادة (2: 110)، والكتائب (ق345/أ)، والبدر الطالع (2: 267)، والفوائد البهية (ص275)، والتعليقات السنية (ص275)، وباسم شرح ايساغوجي في المنطق صاحب هدية العارفين (2: 188)، والأعلام (6: 243)، ومعجم المؤلفين (3: 270).
شرعتُ فيه غدوة يوم من أقصر الأيّام، وختمتُ مع أذان مغربه بعون الملك العلاّم (¬1).
24. «حاشية على شرح الشمسية (¬2)» للسيد الشريف (¬3).
25. «الفوائد الفنارية» (¬4).
الثاني عشر: في العلوم العقلية المختلفة:
26. «أنموذج العلوم» (¬5)، وهو رسالة أتى فيها بمسائل مشكلة من مئة فنّ وأورد عليها إشكالات، وممن نسب إليه هذه الرسالة تلميذه ابن حجر العسقلاني (¬6).
¬
(¬1) ينظر: التعليقات السنية (ص274).
(¬2) «الشمسية»: لنجم الدين عمر بن عليّ القزويني، المعروف بالكاتبي، (ت675هـ)، وهي من أشهر الكتب المؤلفة والمتداولة في المنطق، اهتمَّ بها العلماء كثيراً بين شرح وتدريس، فألفت عليها العديد من الشروح، منها لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (ت793هـ)، وقطب الدين محمد بن محمد التحتاني (ت766هـ)، والسيد الشريف الجرجاني (ت816هـ)، وهو من أبرزها وأشهرها؛ لذلك كتبت عليه حواشي كثيرة جداً. ينظر: الكشف (2: 1063).
(¬3) نسبه إليه صاحب الكشف (2: 1063)، وهدية العارفين (2: 188).
(¬4) ينظر: معجم المؤلفين (3: 270)
(¬5) نسبه إليه بهذا الاسم صاحب الشقائق (ص17)، ومفتاح السعادة (2: 110)، والكتائب (ق345/أ)، والبدر الطالع (2: 266)، والفوائد (ص274)، والأعلام (6: 243). وسمّاه صاحب الكشف (1: 184): أنموذج العلوم في مئة مسألة في مئة فن، وصاحب هدية العارفين (2: 188): أسئلة أنموذج الفنون مئة مسألة في مئة فن. وفي معجم المؤلفين (3: 270)، ذكره مرتين، مرّة باسم أنموذج العلوم، والأخرى: باسم أنموذج العلوم في مسألة من مئة فن.
(¬6) ينظر: الشقائق (ص17).
وقد ذكر طاشكبري زاده في «الشقائق» (¬1): أنَّه سمع من بعض أحفاده أنَّ الرسالة التي من مئة فنّ إنّما هي لابنه محمّد شاه. وقال في «مفتاح السعادة» (¬2): وقيل: لابنه محمّد شاه.
27. «رسالة في عشرين قطعة منظومة» (¬3).
قال طاشكبرى زاده (¬4): ورأيت للفناري عشرين قطعة كلّ منها في فنّ، وعبَّرَ عن أسماء تلك الفنون بطريق الألغاز امتحاناً لفضلاء عصره، ولم يقدروا على تعيين فنونها فضلاً عن حلِّ مسائلها، على أنَّه قال في خطبته: وذلك عجالة يوم، وشرح هذه الرسالة ابنه محمد شاه، وعيَّن أسامي الفنون، وبيَّن المناسبة فيما ذكره من الألغاز، وحلّ مشكلات مسائلها، ونظم عقيبَ كلِّ قطعة منها قطعة أخرى، قال في بعضها: قلت مؤكّداً، وفي بعضِها: قلت مجيباً، وأتى بأحسن الأجوبة (¬5).
¬
(¬1) في الشقائق (ص17).
(¬2) في مفتاح السعادة (2: 110).
(¬3) نسبها له صاحب الشقائق (ص18)، ومفتاح السعادة (2: 110)، وفي الكشف (1: 92) سماها: أسئلة العلامة، وقال: وهي عجالة يوم بعشرين قطعة في عشرين علماً، كتبها لتشحيذ الخواطر، وأجاب عنها ولدها محمد شاه في مجلد ... . وفي البدر الطالع (2: 266) سمَّاها: منظومة في عشرين فناً.
(¬4) في الشقائق (ص18).
(¬5) ينظر: الكتائب (ق345/أ).
28. «عويصات الأفكار في اختيار أولي الأبصار» (¬1)، وهي رسالة مختصرة في ورقتين، أولها: إن تستخدم الكوامن والبوادى، وهى أسئلة مشكلةٌ من الفنون العقلية، قد أوجز في تحريره ليمتحن به الطلاب (¬2).
29. «أسامي الفنون» (¬3) منظومة.
30. «شرح أسامي الفنون» (¬4)، وهو شرح لمنظومته المسمّاة: «أسامي الفنون»، وكان سبب شرحها؛ تعليماً لولده محمد شاه (¬5).
المطلب التاسع: في وظائفه:
برز المولى شمس الدين الفناري في بداية تأسيس وظهور الدولة العثمانية في عصر السلطان بايزيد خان الذي يعدّ من المؤسسين لهذه الدولة، وكان سلاطين العثمانيين محبون للعلماء، ويقربونهم منهم، وينزلونهم منزلتهم، ويكرمونهم غاية الإكرام، وهذا من الأسباب التي
¬
(¬1) نسبها له صاحب الكشف (1: 185، 2: 1180)، وهدية العارفين (2: 188)، والأعلام (6: 243).
(¬2) ينظر: الكشف (2: 1180).
(¬3) نسبها له صاحب الكشف (1: 75)، وهدية العارفين (2: 188).
(¬4) نسبها له صاحب الكشف (1: 75).
(¬5) ينظر: الكشف (1: 75).
قوَّت دولتهم، وجعلت حكمها يمتدُّ قروناً كثير، قال الكفوي (¬1): عاش مكرماً معظّماً في دولة السلاطين الثلاثة العثمانية: السلطان يلدرم بايزيدخان وابنه السلطان محمد وابن ابنه السلطان مراد خان بن السلطان محمد بن السلطان بايزيد خان، فكان مقبولاً عند الخاص والعام إلى أن استأثر الله تعالى بروحه.
والشمس الفناري من أوائل العلماء الكبار الذين استظلوا في الدولة العثمانية إن لم يكن أولهم، فحقيقة إنَّ من يرجع إلى كتاب: «الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية» الذي جمع فيه مؤلفه علماء هذه الدولة، يجد أنَّ المولى الفناري أبرز وأكبر عالم ظهر واشتهر في منشأ هذه الدولة الفتية؛ إذ أنَّه قد سبق بعلماء فيها، إلا أنَّهم لم يبلغوا شأنه، ولم ينزلوا منزلته.
فقد تولَّى التدريس في مدرسة مناستر في مدينة بروسة التي كانت عاصمة الدولة في زمن والد وأجداد السلطان بايزيد، والمدرسة في ذلك الزمان كانت بمثابة الجامعات في زماننا، بل أعلى وأرفع بكثير؛ إذ كان بإمكانها أن تخرج علماء قد هضموا العلوم وتمكنوا فيها على اختلاف أنواعها، فهي ليست مقتصرة على علوم الشريعة فحسب، وإن كانت
¬
(¬1) في الكتائب (ق346/أ).
هي أبرز ما يهتم فيه ويدرس فيها، فقد كانت تدرس الطب، والهندسة، والرياضيات، والفلك، وغيرها.
وكان بالإضافة إلى تدريسه متولي للقضاء في هذه المدينة.
وأيضاً جمع معهما أن يكون مفتياً لهذه الدولة العظيمة (¬1).
وليس هذا فحسب، بل صار فيها بمنزلة الوزير، حتى قال الكفوي عنه (¬2): ارتفع قدره عند ابن عثمان جداً، وحلَّ عنده المحلَّ الأعلى، وصار في معنى الوزير، واشتهر ذكره وشاع فضلُه، وكان حسن السمت كثير الفضل والإفضال.
فكان رحمه الله حصّل بذلك جاهاً واسعاً وأبهة وشوكةً، ومع ذلك كان العوام يحبونه ويقبلون عليه، حتى أنَّه إذا خرج إلى الجامع يوم الجمعة يزدحم الناس على بابه بحيث يمتلىء من الناس ما بين بيته وبين الجامع الشريف (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص19)، والكتائب (ق345/أ)، والبدر الطالع (2: 268).
(¬2) في الكتائب (ق345/أ).
(¬3) روى هذا الخبر طاشكبرى زاده في الشقائق (ص18) بصيغة: وسمعت من والدي رحمه الله يحكي عن جدِّي أن المولى الفناري.
وقد عده المؤرخون العثمانيون أول شيخ للإسلام في الدولة العثمانية، وبه يبدأ تاريخ هذه المشيخة (¬1).
المطلب العاشر: في رحلاته وحجّه:
بعد أن تلقَّى الفناري على يد والده شيئاً من العلوم انتقل إلى المولى داود القيصري القراماني المدرس في المدرسة الكائنة في مدينة أزنيق، وهي أول مدرسة بنيت في الدولة العثمانية، ولكن لم يطل أمد الشمس الفناري في الدراسة فيها؛ إذ اختلف مع شيخه المولى داود، فتركها.
ثم رحل إلى بلاد قرامان وأخذ في الدراسة على المولى جمال الدين الأقسرائي في المدرسة التي سبق ذكرها في ترجمته، فاستفاد منه كثيراً وحصَّلَ لديه كثيراً من العلوم والفنون، ولكن المنية وافت الشيخ الأقسرائي، فكان عليه البحث عن شيخ يتمَّ عليه طلبه للعلم، وفي هذه الأثناء قدم السيد الشريف لطلب العلم على المولى الأقسرائي، وفوجئ بموته فالتقى بالمولى الفناري، واتفقا على السفر إلى مصر.
فرحلا إلى مصر وطلبا العلم على العلامة أكمل الدين البابرتي، ولا بدَّ أن المولى الفناري قد استفاد من صحبة السيد الشريف؛ لكونه أكبر
¬
(¬1) ينظر تاريخ مؤسسة شيوخ الإسلام في العهد العثماني (1: 304).
منه بإحدى عشرة سنة، بالإضافة للشهرة التي له، وقَدَمِهِ الراسخ في العلوم، مما يدركه من له اطلاع؛ لذلك فإنني أدرجته في شيوخه، واستطاع المولى الفناري في رحلته هذه إلى مصر أخذ العلم الغزير عن البابرتي وغيره، لتتمَّ له مرحلة الطلب.
فرحل عائداً إلى بلاده وأحبابه، ووصل إلى السلطان بايزيد الذي أنْزله مَنْزلته، وأقام مقامه العالي، فأغدق عليه بأعلى المناصب في دولته، وقرَّبه منه غاية التقريب، إلا أنَّه حصل بينهم أمر، جعل المولى الفناري يتخلّى عن هذه المناصب (¬1)، ويترك المكانة الرفيعة التي هو فيها ويسافر.
فرحل إلى بلاد قرامان، وكان صيته ذاع في البلاد وانتشر بين العباد، فرحب به علاء الدين والي قرامان، وأكرمه وأفاض عليه بما لديه من الخيرات؛ احتفالاً به، وإنزالاً له في مكانه، فعيّن له كلَّ يوم ألف درهم، ولطلبته كلّ يوم خمسمئة درهم، وقرأ عليه هناك المولى يعقوب الأصفر (¬2) والمولى يعقوب الأسود، وكان المولى الفناري يفتخر بذلك، ويقول: إن يعقوبين قرأا عليَّ (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص19)، والكتائب (ق345/أ).
(¬2) في الكتائب (ق345/أ): الأصغر.
(¬3) ينظر: الشقائق (ص19)، الكتائب (ق345/أ).
ونَدِمَ السلطان بايزيد خان على ما فعلَه في حقِّ المولى الفناري، فأرسل إلى صاحب قرامان يستدعيه ويعتذر على ما بدر منه، فقبل الشمس الفناري ذلك، وأجابه إليه، ورحل عائداً إلى بلاده وأهله، فاستقبله السلطان وبجَّله وعظَّمه وأرجعه إلى ما كان عليه من المناصب (¬1).
ورحل في سنة (822هـ) بعدما عزم أمره على حجِّ بيت الله الحرام عن طريق مصر، فدخل القاهرة واجتمعَ به فضلاءُ العصر وذاكروه وباحثوه وشهدوا له بالفضيلة (¬2)، ثم استمر في مسيره، فرحل إلى بلاد الحجاز، وأدى فريضة الحج، ورجع، وكان قد طلب الاجتماع به المؤيدُ السلطان بمصر، وكان محبّاً للعلماء كثير الإكرام لهم، فرحل إلى مصر ودخل القاهرة، والتقى به وبكثير من فضلائها أيضاً، وأقام فيها مدة من الزمن يناظر ويباحث علماءها، ويدرس طلابها ويجيزهم، ثم رجع.
فرحل إلى القدس لزيارتها كما كانت عليه العادة قديماً في أنَّ من يحجَّ يذهب إلى زيارة بيت المقدس، ثم عاد.
فرحل إلى بلاد قرامان وكان فيها في سنة (824هـ)، وأنكر بعض فضلائها ما هو عليه من الفضل والعلم، فألف رسالة في عشرين فنٍ
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص19)، والكتائب (ق345/أ)، والبدر الطالع (2: 268).
(¬2) ينظر: الأعلام (6: 243).
وعبَّرَ عن أسماء تلك الفنون بطريق الألغاز؛ امتحاناً لهم، فلم يقدروا على تعيين فنونها فضلاً عن حلِّ مسائلها، فاعترفوا بما هو عليه من الفضل والمنزلة والعلم، واستقرّ به المقام في بلاده.
ثم إنَّه قد أصابه رمد وأشرف على العمى، بل يقال: إنَّه عمي فشافاه الله وعافاه، فعزم على الحجّ؛ شكراً لله تعالى على فضله، فرحل في سنة (833هـ) عن طريق أنطاكية (¬1) ودمشق وحجَّ وعاد إلى بلاده (¬2).
المطلب الحادي عشر: في ثناء العلماء عليه:
قال - جل جلاله -: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11]، فالعلم يصون صاحبه ويكرمه، ويجعل الآخرين يبوئونه مكانه، ويلقي على صاحبه بسحائب من الاحترام والتقدير والفضل، ومترجمنا كان من أولئك الذين حصّلوا ونالوا أعلى المراتب والدرجات بسعيهم الدؤوب في الحصول على العلم، واتقائهم لله فيه.
فإنَّه كما جرت العادة في كتب التراجم أن يؤتى بكلمات للعلماء دالة على فضل ومكانة المترجم له، إذ أهل كلّ فنٍّ أدرى بحال أهله، والاستئناس بكلمات الكبار في معرفة الرجال وحالهم له الأثر الكبير في
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص17)، ومفتاح السعادة (2: 110)، والفوائد (ص274)، والأعلام (6: 243).
(¬2) ينظر: الكتائب (ق345/أ).
القلب والوجدان، فهم حملة هذه الدين وناقلوه لنا، وهذا الدين لا يؤخذ عن أي أحد، بل لا بدّ لمن يحمله ويؤتمن عليه أن يكون صالحاً لذلك في ورعه وتقواه وعلمه، ولا يمكن معرفة ذلك لشخص من أصحاب القرون السابقة إلا بالرجوع إلى من عايشه وعاصره أو تتبع حاله من أهل الفضل والعدل والإحسان؛ لذلك أوردنا كلمات في حال مترجمنا من أئمة عصره ودهره ممن التقوا به وعرفوه وممن لحقوه.
- قال ابن حَجَر العسقلاني: كان المولى الفناري عارفاً بالعلوم العربيّة، وعلمي المعاني والبيان، وعلم القراءات، كثير المشاركة في الفنون (¬1).
- وقال السُّيُوطيّ: لازمَه شيخُنا العلامةُ محيي الدين الكافيجي، وكان يبالغُ في الثناء عليه جداً (¬2).
- وقال الكفوي (¬3): المولى الفاضل الأستاذ على الإطلاق، والعالم الكامل المشار إليه بلا شقاق، شمس الأئمة الأعلام، وبدر الأجلة، شيخ الإسلام، له الباع الواسع واللسان الجاري، إمام كبير، علامة نحرير، عظيم القدر، جليل المحل، جامع بين العلم والعمل، أوحد زمانه في العلوم النقلية أصولاً وفروعاً، وأغلب أقرانه في العلوم العقلية، وكان
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص17)، والفوائد (ص275)، ومفتاح السعادة (2: 109).
(¬2) ينظر: الشقائق (ص17).
(¬3) في الكتائب (ق344/ب).
يجمعها جموعاً، شيخ دهره في العلم والأدب، ومجتهد عصره في الخلاف والمذهب (¬1)، وكان كثير المشاركة في الفنون الأدبية العربية، وله اطّلاع على كل العلوم الغريبة من الإلهي والرياضي وأنواع الحكمة، وأفضل الرؤساء الذي انفردوا كلّ منهم بفضل فاق فيه أقرانه على رأس القرن الثامن. وقال (¬2): له الاسم المشهور والذكر الموفور في بطون الأوراق وظهور الآفاق.
وذكر طاشكبرى زاده (¬3) والكفوي (¬4) واللكنوي (¬5) وغيره: أنَّ الرؤساء الذين انفرد كلّ منهم بفنٍّ فاق فيه أقرانه على رأس القرن الثامن، وهم الشيخ سراج الدين البلقيني في الفقه على مذهب الشافعي، والشيخ زين الدين العراقي في الحديث، والشيخ سراج الدين بن الملقن في كثرة التصانيف في فن الفقه، والشيخ شمس الدين الفناري في الاطّلاع على كلّ العلوم العقلية والنقلية، وأبو عبدالله بن عرفة في فقه المالكية وفي سائر العلوم بالمغرب، والشيخ مجد الدين الشيرازي في اللغة.
¬
(¬1) ينظر: الفوائد (ص274).
(¬2) في الكتائب (ق345/أ).
(¬3) في الشقائق (ص22)، ومفتاح السعادة (1: 120).
(¬4) في الكتائب (ق344/ب).
(¬5) في الفوائد (ص274).
وأي شهادة أكبر من أن يكون من رؤساء العلم، وليس هذا فحسب بل إنَّ اللكنوي جعله أعلاهم ورئيسهم؛ لإحاطته بكل العلوم والفنون العقلية والنقلية بخلافهم؛ إذ كلّ منهم ترأس بسبب تقدمه بفن أو علم أو عدة علوم.
المطلب الثاني عشر: في مواقف وشواهد متنوعة من حياته وعن حاله:
أحببت أن يكون لنا وقفة مع مواقف مختلفة في حياة مترجمنا، تبيِّن لنا جوانب من شخصيته وصفاته وأخلاقه وورعه وتقواه، وكما قيل: الرجل موقف، أي أنَّه يمكن أن يتبين معدن المرء من موقف واحد ويعرف به حاله، ولقد كان للمولى الفناري مواقف كلٌّ منها يدلّ على عظم هذا الشخصية العالمة العارفة بالله عز وجل، ومنها:
الأول: رده لشهادة السلطان:
من تصلبه في الدين وتثبته في القضاء أنَّه شهدَ السلطان بايزيد خان عنده يوماً بقضيّة فردَّ شهادتَه، فسأله عن سببِ ردِّه، فقال: إنّك تارك للجماعة، فبنى السلطان قدّام قصره جامعاً، وعيَّنَ لنفسه فيه موضعاً، ولم يترك الجماعة بعد ذلك (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص19)، والكتائب (ق345/أ)، والبدر الطالع (2: 267).
قال الشوكاني (¬1) معلقاً عن هذا الموقف: فلله درّ هذا العالم الصادع بالحقّ مع ما هو فيه من التقلُّب في نعمة سلطانه، وربّ عالم لا يقدر على الكلمة الواحدة في الحق لمن له عليه أدنى نعمة مخافة من زوالها، بل رب عالم يمنعه رجاء العطية، ونيل الرتبة السنية عن التكلّم بالحقّ، ولم يكن بيده إلا مجرد الأماني الأشعبية، ورحم الله هذا السلطان الذي سمع الحق فاتبع ولم تصده سورة الملك وما هو فيه من سلطان الذي كاد يطبق عن قبول ذلك.
من الدروس والعبر من هذا الموقف:
1. أنَّه كان لا تأخذه في الله لومة لائم، وهذا يكون لشدة الورع والتقوى والدين، والتصلب فيه، فلا يخاف ولا يخشى إلا الله تعالى، فها هو سلطان زمانه وولي أمره يقف بين يديه ليدلي بشهادته فلا يقبلها منه ويردها؛ لما رأى من المخالفة الشرعية في أنَّ الشاهد إذ لم يعهد عنه الصلاة في الجماعة يخشى فسقه فترد شهادته كما نص الفقهاء على ذلك.
2. أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ولو كان مع السلطان، وهذا أفضل الجهاد في سبيل الله كما أخبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر» (¬2).
¬
(¬1) في البدر الطالع (2: 267 - 268).
(¬2) في السنن الكبرى للنسائي 7: 193، ومسند أحمد 31: 126.
3. تواضع سلاطين بني عثمان وخضوعهم للحقّ وامتثالهم لأمر العلماء والقضاة، فالسلطان بايزيد وهو من أعظمهم، وأكثرهم فتوحات حتى دانت له كثير من البلاد، واعترفت بفضل الإسلام والمسلمين على أهل الكفر والإلحاد، مع كل هذا لم يمتنع عن الخضوع لأمر القاضي وإن كان جارحاً له، فهذا لم يكن لها ولسلاطينها ما كان من المجد إلا بتمسكهم بالعلم والدين والجهاد في سبيل الله تعالى.
الثاني: غناه وزهده:
كان صاحب ثروة عظيمة (¬1)، وجاه واسع وصاحب أبهة وشوكة، وكان له مع ذلك اثنا عشر من العبيد يلبسون الثياب الفاخرة، والفراء النفيسة، وكان له في بيته جوار لا يحصين كثرة، أربعون منهنَّ يلبسن القلانس الذهبية.
إلا أنَّه مع هذه الأبهة والجلالة كان يُلْبِسُ نفسه النفيسة ثياباً دنيئة، وكان على رأسه عمامة صغيرة، على زي مشايخ الصوفية، وكان يتعلَّل في ذلك ويقول: إنَّ ثيابي وطعامي من كسب يدي، ولا يفي كسبي بأحسن
¬
(¬1) ينظر: الكتائب (ق345/أ).
من ذلك (¬1)، وكان يعمل صنعة القزازية، وكان بيته بين المدرسة وبين قصر السلطان بايزيد خان (¬2).
قال ابن حجر: كان قد أثرى إلى الغاية حتى يقال: إنَّ عنده من النقد خاصّة (بمئة وخمسين ألف دينار) (¬3).
من الدروس والعبر من هذا الموقف:
1. أنَّ الزهد في الدنيا لا يمنع من جمع المال والثروة، بل هو يكون غاية الزهد؛ إذ المال بين يديه وتحت تصرفه ومع ذلك يعرض عنه ويقبل على الله تعالى، وكما قال عبد القادر الجيلاني: أن يملك المال في يده لا في قلبه، ومعنى ذلك كثرة المال لا تطعن في الرجل طالما لم تتمكن من قلبه وتتحكم، وإنَّما كان يتحكم فيه هو بما يمليه عليه دينه. والشاهد لذلك من هذا الموقف كيف كان الشمس الفناري رغم هذه الثروة العظيمة التي حَصَّلها مُعْرضاً عنها، ويلبس الثياب الدنيئة، ويأكل أبسط الطعام.
2. كرمه وسخاؤه النظير فيما رزقه الله، فلم يكن يبخل على من حوله بماله، بل كانوا يتنعمون ويتقلبون في ثروته حتى عبيده وجواريه، فها هم
¬
(¬1) ينظر: البدر الطالع (2: 267).
(¬2) ينظر: الشقائق (ص18 - 19)، والكتائب (ق345/أ).
(¬3) ينظر: الشقائق (ص17)، والكتائب (ق345/أ).
عبيده يلبسون الثياب الفاخرة، والفراء النفيسة، وجواريه يلبسن القلانس الذهبية.
3. شدة ورعه وتقواه، وحرصه على أن نيته في تدريسه وقضائه وافتائه خالصة لوجه الله تعالى، لا سعياً وراء مغنم دنيوي، فإنَّه لم يكن يحل لنفسه اللبس والأكل من هذه الأموال التي يحصلها بسبب ذلك أو عن طريق الأعطيات من الأمراء والسلاطين، وإنَّما كان يعمل في القز، ويأكل من عمل يده.
الثالث: حرصه على طلاب العلم:
إنَّ الطلبةَ إلى زمانه يعطِّلون يومَ الجمعةِ ويومَ الثلاثاء، فأضاف المولى الفناري إليهما يوم الاثنين، والسبب في ذلك: أنَّه اشتهر في زمانه تصانيف العلامة التفتازاني (¬1)، ورغب الطلبةُ في قراءتها، ولم توجد تلك
¬
(¬1) ومن القصص الطريفة التي تقال عن انتشار كتب التفتازاني في البلاد وبين طلاب العلم: أن الأمير تيمور خان أرسل بريداً لمصلحة، وقال له: إن احتجت إلى فرس خذ فرس كل من لقيته وإن كان ابني شاهرخ، فتوجه البريد إلى ما أمر به، فلقي المولى سعد الدين التفتازاني، وهو نازل في موضع قاعد في خيمته وأفراسه مربوطة قدامه، فأخذ البريد منها فرساً، فأخبر المولى بذلك، فضرب البريد ضرباً شديداً، فرجع هو إلى الأمير تيمور، وأخبره ما فعله المولى التفتازاني، فغضب الأمير تيمور خان غضباً شديداً، ثم قال: ولو كان هو ابني شاهرخ لقتلته، ولكني كيف أقتل رجلاً ما دخلت في بلدة إلا وقد دخله تصنيفه قبل دخول سيفي، ثم قال المولى: إن تصانيفي تقرأ الآن بمكة الشريفة ولم يبلغ إليها سيفك. ينظر: الشقائق (ص54).
الكتب سيما لعدم انتشار نُسَخِها؛ لأنَّ زمان تداولها كان قريباً، فاحتاجوا إلى كتابتها، ولَمَّا ضاقَ وقتُهم عن كتابتها ومن ثمّ التحضير لقراءتها على الشيوخ، لمس المولى الفناري ذلك منهم فرئف بحالهم، وزاد في عطلتهم يوماً وهو يوم الإثنين ليتمكنوا من ذلك (¬1).
من الدروس والعبر من هذا الموقف:
1. اهتمامه وعنايته بطلاب العلم، ومراعاته احتياجهم وحالهم، فمعلوم أنَّ طلاب العلم في ذلك الزمان كانوا يعتمدون على أنفسهم في تجهيز متطلبات الدرس من كتب وحبر، فهم يصنعون حبرهم، وينسخون الكتب التي يريدون قراءتها على الشيخ.
2. سلطانه ونفوذه الكبير الذي مكّنه أن يضيف للطلاب عطلة لم تكن معتادة من قبل، وهذه العطلة التي كانوا عليها معهودة ومعروفة عند طلاب العلم منذ زمن أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة رضي الله عنهما، منحت للطلاب ليس للترفيه عن أنفسهم كما يفعل في زماننا، وإنَّما للاستعداد والتحضير للدراسة لباقي أيام الأسبوع؛ لأنَّ المسلم لا يعرف الفراغ، وإنَّما هو في عمل دائم وقيام على فرض الله عليه من الواجبات،
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص20)، والكتائب (ق345/أ)، وأبجد العلوم (1: 196).
وسمعت من بعض مشايخي أنَّ اختيار يوم الثلاثاء دون غيره كان لمناسبة وفاة الإمام أبي حنيفة فيه.
الرابع: دعاؤه المستجاب:
كان للسلطان بايزيد وزيرٌ مسمَّى بعوض باشا، وكان يبغض المولى الفناري، ولمَّا عمي المولى الفناري في أواخر عمره، قال الوزير المذكور يوماً: أرجو من الله تعالى أن أصلِّي على هذا الشيخ الأعمى فسمعَه المولى الفناري، وقال: إنّه جاهل لا يُحْسِنُ الصلاة على الميت، وأرجو من الله تعالى أن يشفيني ويعميه، وأُصَلِّي عليه، فشفى الله تعالى المولى الفناري، وكحلَّ السلطان عين الوزير بحديدة محمّاة فعمي، ثم مات وصلَّى عليه المولى الفناري (¬1).
من الدروس والعبر والمستفادة من هذا الموقف:
1. أنَّ الشمس الفناري كان من العلماء الصادقين المستجابين الدعوى عند الله تعالى؛ لإخلاصه في إعطاء العلم وكسبه الحلال كما مرّ وشدة ورعه وتقواه.
2. إن كون الإنسان عالماً ومخلصاً في حياته لا يمنع أن يكون له بعض المبغضين الحساد؛ الذي ملأ حبُّ الدنيا قلوبهم.
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص20)، والبدر الطالع (2: 268).
الخامس: ظهور علامات النبوغ عليه مبكراً:
إنَّ المولى الفناري والمولى أحمدي ناظم (¬1) «تاريخ اسكندر» والمولى حاجي باشا مصنِّف كتاب: «الشفاء في الطب»، كانوا شركاء الدرس عند الشيخ أكمل الدين، فزاروا يوماً رجلاً من أولياء الله تعالى فنظرَ إليهم ذلك الرجل، فقال لمولانا أحمدي: إنّك ستضيع وقتك في الشعر.
وقال للمولى حاجي باشا: إنّك ستضيع عمرك في الطب.
وقال للمولى الفناري: إنَّك ستجمع بين رئاستي الدين والدنيا، والعلم والتقوى.
وكان كما قال؛ لأنَّ المولى أحمدي صحب الأمير ابن كرميان، واشتغل لأجله بالنظم، والمولى حاجي باشا عرض له مرض فاضطره إلى الاشتغال بالطب (¬2).
من العبر والدروس المستفادة من هذا الموقف:
1. أنَّ حرصه على العلم كان ظاهراً من وقت الطلب، وشدة ورعه وتقواه ومخافته لله تعالى بادية على شخصه من وقتها، كيف لا؟ وقد تربَّى على يدي ذلك الوالد الذي قرأ «مفاتيح الغيب» على القونوي تلميذ ابن
¬
(¬1) ترجمته في: الشقائق (ص32 - 33).
(¬2) ينظر: الشقائق (ص21).
العربي، وهذا الحرص وهذه التقوى هي التي جعل من ينظر إليه يلمس في وجمعه الجمع بين هاتين المرتبتين العاليتين، اللذان لا يحصل إحداهما لأحد إلا بشق الأنفس، وكيف وقد جمع الرئاسة فيهما، فيا لها من درجة عالية لا يصلها إلا أفراد الرجال.
2. أنَّ كرامات الأولياء الصادقين مع الله تعالى حقّ، وهذه واحدة من هذا الكرامات لأحد هؤلاء الأولياء الصالحين صدقت ووقعت كما أخبر.
السادس: مرضه:
روي أنَّه كان سبب عماه: أنَّه لَمَّا سمع أنَّ الأرض لا تأكل لحوم العلماء العاملين، نبشَ قبرَ أستاذه المولى علاء الدين الأسود ليتحقق عنده الرواية المذكورة، فوجدَه كما وضع مع أنَّه مرَّ عليه زمانٌ مديد، فعند ذلك سمع صوتاً من هاتف والتفت إليه، فإذا هو يقول هل صدَّقت، أعمى الله بصرك (¬1).
من العبر والدروس المستفادة من هذا الموقف:
¬
(¬1) ينظر: الشقائق (ص20 - 21)، والبدر الطالع (2: 268)، والفوائد (ص274).