المقضابط الغيبة ..........
... وبوعثها وعلاجها
جارٍ تحميل الكتاب…
المقضابط الغيبة ..........
... وبوعثها وعلاجها
ضابط الغيبة
وبواعثها وعلاجها
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
فقد رغبت قبل سنوات بجمع ما قيل في الغيبة نفعاً لنفسي ولغيري لما في هذا الباب، ولكن حالت الشواغل عن إتمام المرام وتحقيق المقصود.
وفي هذه الأيام في أثناء جمع الأعمال القديمة من أجل طبعها ونشرها رأيت من المناسب إتمام هذا العمل وإكمال وشره طلبا للأجر والثواب.
وأصل هذا العمل كلامُ إمام الفن، علامةُ الدهر، وحجةُ الإسلام، الإمامُ الكبير محمد بن محمد الغزالي، المتوفى سنة (505 هـ)، فكتابه «إحياء علوم الدين»، هو العمدة في الباب، وهو الأُم لكتب هذا العلم.
فعمدته إلى ما فيه فهذَّبتُه ورتبتُه وخرجتُ أحاديثه وأضفتُ إليه بعض فوائد وقفت عليها.
وسميته:
«ضابط الغيبة وبواعثها وعلاجها»
راجياً من الله تعالى أن يتقبل هذا العمل، وسائلاً المولى - عز وجل - أن يجعله عملنا خالصا لوجه الكريم، وصلى الله على سيدنا محمد.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، صويلح
بتاريخ 28 ـ 7 ـ 2020 م
تمهيد في معنى الغيبة:
الغيبة: أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرته بنقص في بدنه، أو نسبه، أو في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه، حتى في ثوبه، وداره، ودابته.
وكلُّ هذا وإن كان صادقاً فيه، فهو به مغتاب عاص لربِّه وآكل لحم أخيه (¬1)، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: فرأيت إن كان في أخي ما أقول. قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» (¬2).
• • •
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 143.
(¬2) في صحيح مسلم 4: 2001، وصحيح ابن حبان 13: 71، وجامع الترمذي 4: 329، وسنن الدارمي 2: 387، وغيرها.
المطلب الأولى
صور الغيبة وعمومها وسماها
* أولاً: صور الغيبة:
1. أن تكون في البدن:
كذكرك: العمش، والحول، والقرع، والقصر، والطول، والسواد، والصفرة وجميع ما يتصور أن يوصف به ممَّا يكرهه كيفما كان (¬1)، فعن عائشة رضي الله عنها، (إنها ذكرت امرأة وقالت ... : امرأة: إنها قصيرة، فقال: اغتبتها ما أحب إني حكيت أحداً وإن لي كذا وكذا) (¬2)، وفي لفظ: (يا رسول الله إن صفيه امرأة، وقالت: بيدها هكذا كأنها تعني قصيرة. فقال: لقد مزجت بكلمة لو مزجت بها ماء البحر لمزج) (¬3)، وفي لفظ: (جاءت امرأة قصيرة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا جالسة عنده فقلت بإبهامي
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 143.
(¬2) في مسند أحمد 6: 206،
(¬3) في جامع الترمذي 4: 660، ومسند أحمد 6: 189، وغيرها.
هكذا، فأشرت بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أي أنها مثل الإبهام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد اغتبتيها) (¬1).
2. أن تتكون في النسب:
بأن تقول: أبوه نبطي، أو هندي، أو فاسق، أو خسيس، أو اسكاف، أو زبال، أو شيء مما يكرهه كيفما كان.
3. أن تكون في الخلق:
بأن تقول: هو سيئ الخلق، بخيل، متكبر، مراء، شديد الغضب، عاجز، ضعيف القلب، متهور، وما يجري مجراه (¬2)، فعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: (كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكروا رجلاً عنده، فقالوا: ما أعجزه. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اغتبتم أخاكم. قالوا: يا رسول الله قلنا ما فيه، قال: إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه) (¬3).
4. أن تكون في الأفعال المتعلقة بالدِّين:
بأن تقول: سارق، أو كذاب، أو شارب خمر، أو خائن، أو ظالم، أو متهاون بالصلاة، أو الزكاة، أو لا يحسن الركوع، أو السجود، أو لا
¬
(¬1) في مسند إسحاق بن راهويه 3: 921، واللفظ له، وشعب الإيمان 5: 313، وغيرها.
(¬2) ينظر: إحياء علوم الدين3: 143.
(¬3) في المعجم الكبير 20: 39، وشعب الإيمان 5: 304، وقال العراقي في المغني 3: 153، والهيثمي في مجمع الزوائد 8: 94: إسناده ضعيف.
يحترز من النَّجاسات، أو ليس باراً بوالديه، أو لا يضع الزكاة موضعها، أو لا يحسن قسمها، أو لا يحرس صومه عن الرفث والغيبة، والتعرض لأعراض النَّاس.
5. أن تكون في الأفعال المتعلقة بالدنيا:
بأن تقول: إنه قليل الأدب، متهاون بالناس، أو لا يرى لأحدٍ على نفسه حقّاً، أو يرى لنفسه الحقّ على النّاس، أو أنه كثير الكلام، كثير الأكل، يَنام في غير وقت النوم، ويجلس في غير موضعه.
6. أن تكون في الثوب:
بأن تقول: إنه واسع الكم، طويل الذيل، وسخ الثياب (¬1)، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (قلت لامرأة مرة وأنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إن هذه لطويلة الذيل، فقال: أسهرت (¬2) أسهرت، فلفظت
بضعة (¬3) من لحم) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 143.
(¬2) أسهرت: معناه ارمي ما في فمك. ينظر: الترغيب 3: 327، وغيره.
(¬3) البضعة: القطعة. ينظر: الترغيب 3: 327، وغيره,
(¬4) رواه ابن أبي الدنيا وابن مردويه في التفسير، وسكت عنه المنذري في الترغيب 3: 327، وقال العراقي في المغني 3: 154: في إسناده امرأة لا أعرفها.
* ثانياً: شمول الغيبة لغير اللسان:
الذِّكرُ باللسان إنما حَرُمَ؛ لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يَكرهه، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، لذلك كانت الغيبة تشمل كل ما يفهم المقصود فيكون داخلاً في الغيبة، ومنها:
1.الإشارة.
2.الإيماء.
3.الغمز.
4.الهمز.
5.الحركة.
6.المحاكاة يمشى متعارجاً، أو كما يمشي فهو غيبة، بل هو أشد من الغيبة؛ لأنه أعظم في التصوير والتفهيم.
7.الكتابة؛ لأن القلم أحد اللسانين، وذكر المصنف شخصاً معيناً وتهجين كلامه في الكتاب غيبة، إلا أن يقترن به شيء من الأعذار المحوجة إلى ذكره (¬1).
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 144.
7.الإفهام بتعيين شخص، كمن يقول: بعض من مر بنا اليوم أو بعض مَن رأيناه إذا كان المخاطب يفهم شيخاً معيناً؛ لأن المحذور تفهيمه دون ما به التفهيم، وأما إذا لم يفهم عينه جاز (¬1).
وأما عدم التعيين ليس بغيبة، فإذا لم يفهم عينه جاز؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كره من إنسان شيئاً قال: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، فكان لا يعين، فأما إن كان معه قرينة تفهم عين الشخص فهي غيبة (¬2)، ومن ذلك:
1.قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا، لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) (¬3).
2.قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم) (¬4).
3.عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل ما بال فلان يقول، ولكن يقول: ما بال أقوام
¬
(¬1) ينظر التنوير والدر المختار6: 410.
(¬2) ينظر: إحياء علوم الدين3: 145.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 1020، وغيره.
(¬4) في صحيح البخاري 1: 261، وغيره.
يقولون كذا وكذا) (¬1).
* ثالثاً: سماع الغيبة:
الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب يزيد نشاط المغتاب في الغيبة، فيندفع فيها، وكأنه بتعجبه يستخرج الغيبة منه، فيقول: ما علمت أنه كذلك! ما عرفته إلى الآن إلا بالخير! وكنت أحسب فيه غير هذا! عافانا الله من بلائه! فإن كل ذلك تصديق للمغتاب والتصديق بالغيبة غيبة، بل الساكت شريك المغتاب (¬2)، بدليل:
1.عن ابن عمر - رضي الله عنه - (أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة) (¬3).
2.عن سهل بن حنيف - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (من أذل عنده مؤمن ولم ينصره وهو يقدر على أن ينصره أذله الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة) (¬4).
¬
(¬1) في سنن أبي داود 4: 250، وقال العراقي في المغني 3: 154: رجاله رجال الصحيح.
(¬2) ينظر: إحياء علوم الدين3: 145.
(¬3) رواه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط، قال الهيثمي في المجمع 8: 91: فيه فرات بن السائب وهو متروك، وقال العراقي في المغني 3: 155: ضعيف. وينظر: كشف الخفاء 2: 280، وغيره.
(¬4) في مسند أحمد 3: 487، والمعجم الكبير 6: 73، قال الهيثمي في المجمع 4: 267: فيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث، وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.
3.عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار) (¬1).
4.عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة) (¬2).
• • •
¬
(¬1) في مسند إسحاق بن راهويه 1: 184، والمعجم الكبير 24: 176، قال الهثيمي في المجمع 8: 95: رواه أحمد بإسناد حسن.
(¬2) في جامع الترمذي 4: 327، وحسنه، وسنن البيهقي الكبير8: 168، ومسند أحمد 6: 449، ومسند الحارث 2: 836، ومسند عبد بن حميد 1: 100، وشعب الإيمان 6: 111، وغيرها.
المطلب الثاني
الأسباب الباعثة على الغيبة
للغيبة أسباب تحمل عليها وتدفع إليها، ومنها:
أولاً: أن يشفي الغيظ:
وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه، فإنه إذا هاج غضبه يشتفي بذكر مساويه، فيسبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن ثم دين وازع، وقد يمتنع تشفي الغيظ عند الغضب، فيحتقن الغضب في الباطن فيصير حقداً ثابتاً، فيكون سبباً دائماً لذكر المساوي، فالحقد والغضب من البواعث العظيمة على الغيبة.
ثانياً: موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام:
فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه، فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة، ويظن أنه مجاملة في الصحبة، وقد يغضب رفقاؤه، فيحتاج إلى
أن يغضب لغضبهم إظهاراً للمساهمة في السراء والضراء، فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوي.
ثالثاً: أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده بالسوء:
بأن يطول لسانه عليه أو يقبح حاله عند محتشم أو يشهد عليه بشهادة؛ فيبادره إلى تقبيح حاله، ويطعن فيه؛ ليسقط أثر شهادته
رابعاً: أن ينسب إلى شيء، فيريد أن يتبرأ منه:
فيذكر الذي فعله، وكان من حقه أن يبرئ نفسه ولا يذكر الذي فعل، فلا ينسب غيره إليه أو يذكر غيره بأنه كان مشاركاً له في الفعل؛ ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله.
خامساً: إرادة التصنع والمباهاة:
وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره، فيقول: فلان جاهل وفهمه ركيك، وكلامه ضعيف، وغرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه، ويريهم أنه أعلم منه، أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه، فيقدح فيه لذلك.
سادساً: الحسد:
وهو أنه ربما يحسد مَن يثني الناس عليه، ويحبونه، ويكرمونه، فيريد زوال تلك النعمة عنه، فلا يجد سبيلاً إليه إلا بالقدح فيه، فيريد أن يسقط
ماء وجهه عند الناس حتى يكفوا عن كرامته والثناء عليه؛ لأنه يثقل عليه أن يسمع كلام الناس وثناءهم عليه وإكرامهم له.
والفرق بين الحسد والغضب والحقد:
1.إن الغضب والحقد يستدعي جناية من المغضوب عليه.
2.إن الحسد قد يكون مع الصديق المحسن والرفيق الموافق.
سابعاً: اللعب والهزل والمطايبة وتزجية الوقت بالضحك:
فيذكر عيوب غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة، ومنشؤه التكبر والعجب.
ثامناً: السخرية والاستهزاء استحقاراً له:
فإن ذلك قد يجري في الحضور، ويجري أيضاً في الغيبة، ومنشؤه التكبر واستصغار المستهزأ به.
فعن عامر بن واثلة - رضي الله عنه - إن رجلاً مرّ على قوم فردوا عليه السلام، فلما جاوزهم قال رجل منهم: والله إني لأبغض هذا في الله. فقال أهل المجلس: بئس والله ما قلت، أما والله لتنبئنه قم يا فلان رجلاً منهم فأخبره، قال فأدركه رسولهم أفأخبره بما قال، فانصرف الرجل وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدعاه - صلى الله عليه وسلم - فسأله عما أخبره الرجل فاعترف بذلك، وقال: أنا جاره وأنا به خابر، والله ما رأيته يصلي صلاة قط إلا هذه الصلاة
المكتوبة التي يصليها البر والفاجر، قال الرجل: سله يا رسول الله هل رآني قط أخرتها عن وقتها، أو أسأت الوضوء لها أو أسأت الركوع والسجود فيها، فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: لا ... فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قم إن أدرى لعله خير منك) (¬1).
تاسعاً: التعجب في إنكار المنكر تديناً، والخطأ في الدين:
فيقول: ما أعجب ما رأيت من فلان، فإنه قد يكون به صادقاً، ويكون تعجبه من المنكر، ولكن كان حقّه أن يتعجب، ولا يذكر اسمه، فيسهل الشيطان عليه ذكر اسمه في إظهار تعجبه، فصار به مغتاباً وآثماً من حيث لا يدري، ومن ذلك قول الرجل: تعجبت من فلان كيف يحب زوجته، وهي قبيحة، وكيف يجلس بين يدي فلان، وهو جاهل.
عاشراً: الرحمة:
وهو أن يغتم بسبب ما يُبتلى به، فيقول: مسكين فلان قد غمني أمره، وما ابتلي به، فيكون صادقاً في دعوى الاغتمام، ويلهيه الغم عن الحذر من ذكر اسمه، فيذكره فيصير به مغتاباً، فيكون غمه ورحمته خيراً، وكذا تعجبه، ولكن ساقه الشيطان إلى شرٍّ من حيث لا يدري.
والترحم والاغتمام ممكن دون ذكر اسمه فيهيجه الشيطان على ذكر
¬
(¬1) في مسند أحمد 5: 455، وقال العراقي في المغني 3: 157: إسناده صحيح.
اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه وترحمه.
الحادي عشر: الغضب لله تعالى:
فإنّه قد يغضب على منكر قارفه إنسان إذا رآه، أو سمعه، فيظهر غضبه، ويذكر اسمه، وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يظهره على غيره، أو يستر اسمه، ولا يذكره بالسوء (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: إحياء العلوم الدين3: 153 وما قبلها.
المطلب الثالث
علاج اللسان عن الغيبة
اعلم أن مساويء الأخلاق كلها إنّما تعالج بمعجون العلم والعمل، وإنّما علاج كلّ علّة بمضادة سببها، فلنفحص عن سببها.
والعلاج على وجهين:
أولاً: العلاج العام:
علاج كف اللسان عن الغيبة أن يعلم تعرضه لسخط الله تعالى بغيبته بهذه الآثار الواردة فيه، وأن يعلم أنّها محبطة لحسناته يوم القيامة، فإنها تنقل حسناته يوم القيامة إلى مَن اغتابه بدلاً عما استباحه من عرضه، فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئات خصمه.
وهو مع ذلك متعرض لمقت الله - عز وجل - ومشبه عنده بآكل الميتة، بل العبد يدخل النار بأن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته، وربما تنقل إليه سيئة واحدة ممن اغتابه، فيحصل بها الرجحان ويدخل بها النار،
وإنّما أقل الدّرجات أن تنقص من ثواب أعماله، وذلك بعد المخاصمة والمطالبة والسؤال والجواب والحساب.
وروي أنّ رجلاً قال للحسن - رضي الله عنه -: «بلغني أنك تغتابني، فقال: ما بلغ من قدرك عندي أني أحكمك في حسناتي».
فإن آمن العبد بما ورد من الآثار في الغيبة لم يطلق لسانه بها خوفاً من ذلك.
وينفعه أيضاً أن يتدبر في نفسِه، فإن وَجَدَ فيها عيباً اشتغل بعيب نفسه، فعن أنس - رضي الله عنه -، قال: «خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقته العضباء، فقال: يا أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب، وكأنما نشيع من الموتى سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم كأنكم مخلدون بعدهم، قد نسيتم كلّ واعظة وأمنتم كل جائحة، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتواضع لله في غير منقصة، وأنفق من مال جمعه في غير معصية، وخالط أهل الفقه وجانب أهل الشك والبدعة، وصلحت علانيته وعزل الناس من شره» (¬1).
¬
(¬1) في مسند البزار12: 348، ومسند الشهاب1: 358، وشعب الإيمان13: 142، وحلية الأولياء3: 203، وسنده ضعيف، كما في المغني3: 148.
ومهما وجد عيباً، فينبغي أن يستحي من أن يترك ذم نفسه، ويذم غيره، بل ينبغي أن يتحقَّق أن عجز غيره عن نفسِه في التنزه عن ذلك العيب كعجزه.
وهذا إن كان ذلك عيباً يتعلق بفعله واختياره، وإن كان أمراً خلقياً، فالذم له ذم للخالق، فإن من ذمّ صنعة فقد ذمّ صانعها، قال رجل لحكيم: يا قبيح الوجه، قال: ما كان خلق وجهي إلي فأحسنه، وإذا لم يجد العبد عيباً في نفسه، فليشكر الله تعالى، ولا يلوثن نفسه بأعظم العيوب، فإن ثلب الناس، وأكل لحم الميتة من أعظم العيوب، بل لو أنصف لعلم أنّ ظنَّه بنفسه أنه بريء من كل عيب جهل بنفسه، وهو من أعظم العيوب.
وينفعه أن يعلم أن تألم غيره بغيبته كتألمه بغيبة غيره له، فإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب، فينبغي أن لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه، فهذه معالجات للغيبة جملة.
ثانياً: العلاج الخاص:
وأما التفصيل: فهو أن ينظر في السَّبب الباعث له على الغيبة، فإن علاج العلّة بقطع سببها، وهي على النحو الآتي:
1.الغضب:
فيعالجه بأن يقول: إني إذا أمضيت غضبي عليه، فلعل الله تعالى يمضي غضبه علي بسبب الغيبة؛ إذ نهاني عنها، فاجترأت على نهيه، واستخففت بزجره، فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كظم غيظاً، وهو يقدر على أن يُنفذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء» (¬1).
2.تنزيه النفس بنسبة الغير إلى الخيانة:
فتعالجه بأن تعرف أن التعرض لمقت الخالق أشدُّ من التَّعرض لمقت المخلوقين، وأنت بالغيبة متعرضٌ لسخط الله يقيناً، ولا تدري أنك تتخلص من سخط الناس أم لا، فتخلص نفسك في الدنيا بالتوهم، وتهلك في الآخرة، وتخسر حسناتك بالحقيقةِ، ويحصل لك ذمٌّ الله تعالى نقداً، وتنتظر دفع ذمّ الخلق نسيئة، وهذا غاية الجهل والخذلان.
¬
(¬1) في سنن الترمذي4: 656، وحسنه، والمعجم الكبير20: 188.
وأمّا عذرك كقولك: إن أكلت الحرام ففلان يأكله، وإن قبلت مال السلطان ففلان يقبله، فهذا جهل؛ لأنك تعتذر بالاقتداء بمَن لا يجوز الاقتداء به، فإن مَن خالف أمر الله تعالى لا يقتدي به كائناً من كان ولو دخل غيرك النّار وأنت تقدر على أن لا تدخلها لم توافقه، ولو وافقته لسفه عقلك، ففيما ذكرته غيبة وزيادة معصية أضفتها إلى ما اعتذرت عنه، وسجلت مع الجمع بين المعصيتين على جهلك وغباوتك، وكنت كالشاة تنظر إلى المعزى تردي نفسها من تلة الجبل فهي أيضاً تردي نفسها.
3.قصدك المباهاة وتزكية النفس بزيادة الفضل بأن تقدح في غيرك:
فيعالج بمعرفتك أنك إذا ذكرته بما يكرهه أبطلت فضلك عند الله، وأنت من اعتقاد الناس فضلك على خطر، وربما نقص اعتقادهم فيك إذا عرفوك بثلب الناس، فتكون قد بعت ما عند الخالق يقيناً بما عند المخلوقين، وهما ولو حصل لك من المخلوقين اعتقاد الفضل، لكانوا: لا يغنون عنك من الله شيئاً.
4.الحسد:
فيعالج بأن تعلم أنه جمع بين عذابين؛ لأنك حسدته على نعمة الدنيا، وكنت في الدنيا معذباً بالحسد، فما قنعت بذلك حتى أضفت إليه عذاب الآخرة، فكنت خاسراً نفسك في الدنيا، فصرت أيضاً خاسراً في
الآخرة لتجمع بين النكالين، فقد قصدت محسودك، فأصبت نفسك وأهديت إليه حسناتك، فإذا أنت صديقه وعدو نفسك؛ إذ لا تضره غيبتك وتضرك، وتنفعه إذ تنقل إليه حسناتك أو تنقل إليك سيئاته، ولا تنفعك.
وقد جمعت إلى خبث الحسد جهل الحماقة، وربما يكون حسدك وقدحك سبب انتشار فضل محسودك، كما قيل: وإذا أراد الله نشر فضيله طويت أتاح لها لسان حسود.
5.الاستهزاء:
فيعالج أن تعلم أن مقصودك منه إخزاء غيرك عند الناس بإخزاء نفسك عند الله تعالى وعند الملائكة والنبيين عليهم الصلاة والسلام، فلو تفكرت في حسرتك وجنايتك وخجلتك وخزيك يوم القيامة، يوم تحمل سيئات مَن استهزأت به، وتُساق إلى النار لأدهشك ذلك عن إخزاء صاحبك.
ولو عرفت حالك لكنت أولى أن تضحك منك، فإنك سخرت به عند نفر قليل، وعرضت نفسك لأن يأخذ يوم القيامة بيدك على ملأ من الناس، ويسوقك تحت سيئاته كما يساق الحمار إلى النار، مستهزئاً بك وفرحا بخزيك، ومسرورا بنصرة الله تعالى إياه عليك، وتسلطه على الانتقام منك.
6.الرحمة له على إثمه، فهو حسنٌ:
فيعالج بأن تعلم بأن حسدك إبليس فأضلك، واستنطقك بما ينقل من حسناتك إليه ما هو أكثر من رحمتك، فيكون جبراً لإثم المرحوم، فيخرج عن كونه مرحوماً، وتنقلب أنت مستحقاً لأن تكون مرجوماً؛ إذ حبط أجرك، ونقصت من حسناتك.
7.الغضب لله تعالى:
فيعالج بأن تعلم أنه لا يوجب الغيبة، وإنما الشيطان حبب إليك الغيبة؛ ليحبط أجر غضبك وتصير معرضاً لمقت الله - عز وجل - بالغيبة.
8.التعجب:
فيعاجل بأن تعجب من نفسك أنت كيف أهلكت نفسك ودينك بدين غيرك أو بدنياه، وأنت مع ذلك لا تأمن عقوبة الدنيا، وهو أن يهتك الله سترك، كما هتكت بالتعجب ستر أخيك، فإذن علاج جميع ذلك المعرفة فقط.
والتحقق بهذه الأمور التي هي من أبواب الإيمان، فمَن قوى إيمانه بجميع ذلك أنكف لسانه عن الغيبة لا محالة (¬1).
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 145ـ 150 ..
المطلب الرابع
تحريم الغيبة بالقلب
اعلم أن سوء الظَنِّ حرامٌ مثل سوء القول، فكما يحرمُ عليك أن تُحدِّثَ غيرك بلسانك بمساوئ الغير، فليس لك أن تُحَدِّثَ نفسك، وتُسيء الظَّنَّ بأخيك، ولست أَعني به إلا عقد القلب، وحكمه على غيره بالسوء، فأمّا الخواطر وحديث النفس، فهو معفو عنه، بل الشَّك أيضاً معفو عنه، ولكن المنهي عنه أن يَظنَّ، والظن عبارةٌ عما تركنُ إليه النفس، ويميل إليه القلب فقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12].
وسبب تحريمه: أنّ أسرارَ القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءاً، إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل، فعند ذلك لا يُمكنك إلا أن تعتقد ما علمته وشاهدته وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بأذنك، ثم وقع في قلبك، فإنّما الشيطان يُلقيه إليك.
فينبغي أن تكذبه فإنّه أفسق الفُسَّاق، وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين} [الحجرات:6].
فلا يجوز تصديق إبليس، وإن كان ثم مخيلة تدل على فساد، واحتمل خلافه لم يجز أن تصدِّقَ به؛ لأنّ الفاسقَ يُتصَوَّرُ أن يصدق في خيره، ولكن لا يجوز لك أن تصدق به، حتى إن مَن استنكه، فوجد منه رائحة الخمر لا يجوز أن يُحدّ؛ إذ يُقال: يمكن أن يكون قد تمضمض بالخمر ومجها وما شربها، أو حمل عليه قهراً، فكلُّ ذلك لا محالة دلالة محتملة، فلا يجوز تصديقها بالقلب، وإساءة الظن بالمسلم بها.
فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مرحباً بك من بيت ما أعظمك وأعظم حرمتك، وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك، إن الله حرم منك واحدة وحرم من المؤمن ثلاثاً: دمه، وماله، وأن يظن به ظن السوء» (¬1).
فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال، وهو نفس مشاهدته أو بينة عادلة، فإذا لم يكن كذلك، وخطر لك وسواس سوء الظّنِّ، فينبغي أن تدفعه عن نفسك.
¬
(¬1) في شعب الإيمان9: 75، وحلية الأولياء9: 291، وفي المغني3 151: سند ضعيف، ولابن ماجه نحوه من حديث ابن عمر - رضي الله عنهم -.
وتقرر عليها أن حاله عندك مستور، كما كان، وأن ما رأيته منه يحتمل الخير والشر، فإن قلت: فبماذا يعرف عقد الظّنِّ، والشكوك تختلج والنفس تُحَدِّثُ فنقول: أمارة عقد سوء الظّنِّ أن يتغيّرَ القلب معه عما كان، فيَنفر عنه نفوراً ما، ويستثقله ويفتر عن مراعاته، وتفقده وإكرامه والاغتمام بسببه، فهذه أمارات عقد الظن وتحقيقه.
أما في القلب فبتغيره إلى النفرة والكراهة.
وأما في الجوارح فبالعمل بموجبه، والشيطان قد يقرر على القلب بأدنى مخيلة مساءة+ الناس، ويلقى إليه أن هذا من فطنتك وسرعة فهمك وذكائك، وأنّ المؤمن ينظر بنور الله تعالى وهو على التحقيق ناظرٌ بغرور الشيطان وظلمته.
وأمّا إذا أخبرك به عدل، فمال ظنّك إلى تصديقه كنت معذوراً؛ لأنك لو كذّبته لكنت جانياً على هذا العدل؛ إذ ظننت به الكذب، وذلك أيضاً من سوء الظّنِّ، فلا ينبغي أن تحسن الظنّ بواحدٍ وتسيء بالآخر، نعم ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة ومحاسدة وتعنت، فتتطرق التُّهمة بسببه، فقد ردّ الشرع شهادة الأب العدل للولد للتهمة، ورد شهادة العدو حديث رد الشرع شهادة الوالد العدل وشهادة العدو، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - رضي الله عنه -، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد شهادة الخائن، والخائنة وذي الغمر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها
لغيرهم»، قال أبو داود: الغمر: الحنة، والشحناء، والقانع: الأجير التابع مثل الأجير الخاص» (¬1).
فلك عند ذلك أن تتوقف وإن كان عدلاً، فلا تصدقه ولا تكذبه، ولكن تقول في نفسك المذكور حاله: كان عندي في ستر الله تعالى، وكان أمره محجوباً عني، وقد بقي كما كان لم ينكشف لي شيء من أمره، وقد يكون الرجل ظاهره العدالة، ولا محاسدة بينه وبين المذكور، ولكن قد يكون من عادته التَّعرُّض للناس، وذكر مساويهم، فهذا قد يُظَنُّ أنّه عدل وليس بعدل، فإن المغتاب فاسق.
وإن كان ذلك من عادته رُدَّت شهادته إلا أنّ الناس لكثرة الاعتياد تساهلوا في أمر الغيبة، ولم يكترثوا بتناول أعراض الخلق، ومهما خَطَرَ لك خاطر بسوءٍ على مسلم، فينبغي أن تزيد في مراعاته وتدعو له بالخير، فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك، فلا يلقى إليك الخاطر السوء خيفة من اشتغالك بالدعاء والمراعاة.
ومهما عرفت هفوة مسلم بحجةٍ فانصحه في السِّرّ، ولا يخدعنك الشيطان، فيدعوك إلى اغتيابه، وإذا وعظته، فلا تعظه وأنت مسرورٌ باطلاعك على نقصِه، لينظر إليك بعين التَّعظيم، وتنظر إليه بعين الاستحقار، وتترفع عليه بإيذاء الوعظ، وليكن قصدُك تخليصه من
¬
(¬1) في سنن أبي داود3: 306، ومسند أحمد11: 671، وإسناده جيد، كما في المغني3: 151.
الإثم، وأنت حزينٌ، كما تحزن على نفسك إذا دخل عليلاً نقصان في دينك.
وينبغي أن يكون تركه لذلك من غير نصحك أحبُّ إليك من تركه بالنصيحة، فإذا أنت فعلت ذلك كنت قد جمعت بين أجر الوعظ، وأجر الغم بمصيبته، وأجر الإعانة له على دينة.
ومن ثمرات سوء الظن التَّجسس، فإن القلب لا يقنع بالظَّنِّ، ويطلب التَّحقيق، فيَشتغل بالتجسس، وهو أيضا منهي عنه، قال الله تعالى: {وَلاَ تَجَسَّسُوا} [الحجرات:12]، فالغيبةُ وسوءُ الظنِّ والتَّجسس منهي عنه في آية واحدة.
ومعنى التَّجسس أن لا يترك عباد الله تحت ستر الله، فيتوصل إلى الإطلاع وهتك الستر، حتى ينكشف له ما لو كان مستوراً عنه (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 150ـ 153.
المطلب الخامس
الأعذار المرخصة في الغيبة
اعلم أنّ المرخص في ذكر مساوئ الغير هو غرض صحيح في الشَّرع لا يُمكن التوصل إليه إلا به، فيدفع ذلك إثم الغيبة، ونظم ابن عابدين ما تباح فيه الغيبة (¬1)، فقال:
بِمَا يكْرَهُ الإِنْسَانُ يَحْرُمُ ذِكْرُهُ ... سِوَى عَشْرَةٍ حَلَّتْ أَتَتْ تِلْوَ وَاحِد
تَظَلَّمْ وَشِرْ ... وَاجْرَحْ وَبَيِّنْ مُجَاهِرًا ... بِفِسْقٍ ... وَمَجْهُولا ... وَغِشًّا لِقَاصِد
وَعَرِّفْ كَذَا اسْتَفْتِ اسْتَعِنْ عِنْدَ زَاجِرٍ ... كَذَاكَ اهْتَمِمْ حَذِّرْ ... فُجُورَ مُعَانِد
ومن هذه الأعذار:
أولاً: التّظلُّم:
فإن مَن ذَكَرَ قاضياً بالظُّلم والخيانة وأخذ الرَّشوة كان مغتاباً عاصياً إن لم يكن مظلوماً، أمّا المظلومُ من جهة القاضي، فله أن يتظلَّم إلى السُّلطان، وينسبه إلى الظلم؛ إذ لا يمكنه استيفاء حقّه إلا به، فعن أبي
¬
(¬1) في رد المحتار 8: 409.
هريرة - رضي الله عنه -: أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يتقاضاه، فأغلظ فهم به أصحابه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا» (¬1).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مطل الغني ظلم» (¬2).
ثانياً: الاستعانة:
بأن يسعى إلى تغيير المنكر ورد العاصي إلى منهج الصلاح، كما روي أن عمر - رضي الله عنه - مرّ على عثمان - رضي الله عنه -، وقيل: على طلحة - رضي الله عنه -، فسلم عليه فلم يرد السلام، فذهب إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فذكر له ذلك، فجاء أبو بكر - رضي الله عنه - إليه ليصلح لك، ولم يكن ذلك غيبة عندهم.
وهذا إذا كان قصده أن ينكر عليه ذلك، فينفعه نصحه ما لا ينفعه نصح غيره، وإنّما إباحة هذا بالقصد الصحيح، فإن لم يكن ذلك هو المقصود كان حراماً.
ثالثاً: الاستفتاء:
كما يقول للمفتي: ظلمني أبي أو زوجتي أو أخي، فكيف طريقي في الخلاص، والأسلم التعريض بأن يقول ما قولك: في رجل ظلمه أبوه أو أخوه أو زوجته، ولكن التعيين مباح بهذا القدر؛ لما روي عن عائشة
¬
(¬1) في صحيح البخاري3: 99، وصحيح مسلم3: 1225.
(¬2) في صحيح البخاري3: 94، وصحيح مسلم3: 1197.
رضي الله عنها: قالت هند أم معاوية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرا؟ قال: «خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف» (¬1).
فذكرت الشحّ والظُّلم لها ولولدها ولم يزجرها - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ كان قصدها الاستفتاء.
قال ابن عابدين (¬2): «التصريح مباح بهذا القدر؛ لأنَّ المفتي قد يدرك مع تعيينه ما لا يدرك مع إبهامه».
رابعاً: تحذير المسلم من الشَّرّ:
فإذا رأيت فقيهاً يتردَّدُ إلى مبتدع أو فاسق، وخفت أن تتعدَّى إليه بدعته وفسقه، فلك أن تكشف له بدعته وفسقه مهما كان الباعث لك الخوف عليه من سراية البدعة والفسق لا غيره.
وذلك موضع الغرور؛ إذ قد يكون الحسد هو الباعث، ويلبس الشيطان ذلك بإظهار الشفقة على الخلق.
وكذلك المزكي إذا سئل عن الشَّاهد، فله الطَّعن فيه إن علم مطعناً.
¬
(¬1) في صحيح البخاري3: 79، وصحيح مسلم3: 1338.
(¬2) في رد المحتار 6: 409.
قال ابن عابدين (¬1): «جرحُ المجروحين من الرُّواة والشُّهود والمُصنفين، فهو جائزٌ، بل واجب؛ صوناً للشَّريعة».
خامساً: أن يكون الإنسانُ معروفاً بلقب يُعرب عن عيبه:
كالأعرج والأعمش، فلا إثم على مَن يقول: روى أبو الزناد عن الأعرج، وسلمان عن الأعمش، وما يجري مجراه، فقد فعل العلماء ذلك؛ لضرورة التعريف، ولأن ذلك قد صار بحيث لا يَكرهه صاحبه لو علمه بعد أن قد صار مشهوراً به، نعم إن وجد عنه معدلاً، وأمكنه التعريف بعبارة أخرى فهو أولى، ولذلك يقال للأعمى: البصير عدولاً عن اسم النقص.
سادساً: أن يكون مجاهراً بالفسق:
كالمخنث والمجاهر بشرب الخمر ومصادرة الناس، وكان ممن يتظاهر به بحيث لا يستنكف من أن يذكر له، ولا يَكره أن يذكر به، فإذا ذكرت فيه ما يَتظاهر به، فلا إثم عليك.
قال ابن عابدين (¬2): «المجاهر بالفسق: وهو الذي لا يستتر عنه ولا يؤثر عنده إذا قيل عنه إنَّه يفعل كذا، فيجوز ذكره بما يجاهر به لا غيره،
¬
(¬1) في رد المحتار 2: 409.
(¬2) في رد المحتار 6: 408.
وأما إذا كان مستتراً فلا تجوز غيبته»، فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من ألقى جلباب الحياء عن وجهه، فلا غيبة له» (¬1).
وقال عمر - رضي الله عنه -: «ليس لفاجر حرمة»، وأراد به المجاهر بفسقه دون المستتر؛ إذ المستتر لا بد من مراعاة حرمته.
وقال الصلت بن طريف قلت للحسن - رضي الله عنه -: الرجل الفاسق المعلن بفجوره ذكري له بما فيه غيبة له، قال: لا، ولا كرامة.
وقال الحسن - رضي الله عنه -: ثلاثة لا غيبة لهم صاحب الهوى والفاسق المعلن بفسقه والإمام الجائر.
فهؤلاء الثَّلاثةُ يجمعهم أنّهم يتظاهرون به، ورُبَّما يتفاخرون به، فكيف يكرهون ذلك، وهم يقصدون إظهاره، نعم لو ذكره بغير ما يَتظاهر به أثم، قال عوف: دخلت على ابن سيرين، فتناولت عنده الحجاج، فقال: إن اللهَ تعالى حكمٌ عدلٌ ينتقم للحجاج ممن اغتابه، كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه، وإنك إذا لقيت الله تعالى غداً كان أصغر ذنب أصبته، أشد عليك من أعظم ذنب أصابه الحجاج (¬2).
¬
(¬1) أخرجه ابن عدي وأبو الشيخ في كتاب ثواب الأعمال بسند ضعيف، كما في المغني3: 153.
(¬2) ينظر: إحياء علوم الدين3: 153، وما قبلها.
سابعاً: المجهول:
فلا غيبة إلا لمعلوم فاغتياب أهل قرية ليس بغيبة؛ لأنه يريد به جميع أهل القرية، وكان المراد هو البعض، وهو مجهول فصار كالقذف (¬1).
قال الحصكفي (¬2): «تباح غيبة مجهول».
ثامناً: الاهتمام:
فلو رجل يذكر مساوئ أخيه المسلم على وجه الاهتمام لا يكون غيبة، إنما الغيبة أن تذكر على وجه الغضب يريد السب (¬3).
تاسعاً: الغش لقاصده:
أي بيان العيب لمن أراد أن يشتري شيئاً فيذكره للمشتري، وكذا لو رأى المشتري يعطي البائع دراهم مغشوشة فيقول: احترز منه بكذا (¬4).
فمَن اشترى سيارة وقد عرفت أن في السيارة عيباً، فلك أن تذكر ذلك، فإن سكوتك ضرر للمشتري، والمشتري أولى بمراعاة جانبه (¬5).
¬
(¬1) ينظر: مجمع الأنهر 2: 553.
(¬2) في الدر المختار 6: 408.
(¬3) ينظر: مجمع الأنهر 2: 553.
(¬4) ينظر: رد المحتار 6: 409.
(¬5) ينظر: إحياء علوم الدين3: 152.
عاشراً: المشورة في التَّزويج وإيداع الأمانة:
فله أن يذكر ما يَعرفه على قصد النُّصح للمستشير لا على قصد الوقيعة، فإن علم أنّه يترك التزويج بمجرد قوله: لا تصلح لك، فهو الواجب، وفيه الكفاية، وإن علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه، فله أن يُصرِّح به، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أترعوون عن ذكر الفاجر؟ اذكروه بما فيه كي يعرفه الناس ويحذره الناس» (¬1).
قال ابن عابدين (¬2): «المشورة في نكاح وسفر وشركة ومجاورة وإيداع أمانة ونحوها، فله أن يذكر ما يعرفه على قصد النصح».
• • •
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير10: 354.
(¬2) في رد المحتار6: 409.
المطلب السادس
كفارة الغيبة
اعلم أنّ الواجبَ على المغتاب أن يندمَ ويتوبَ ويتأسفَ على ما فعله؛ ليخرج به من حق الله سبحانه، ثمّ يستحلّ المغتاب ليحله، فيخرج من مظلمتِه.
وينبغي أن يستحلَّه، وهو حزينٌ متأسفٌ نادمٌ على فعلِهِ؛ إذ المرائي قد يستحلُّ ليظهر من نفسه الورع، وفي الباطن لا يكون نادماً، فيكون قد قارف معصية أُخرى.
وقال الحسن - رضي الله عنه -: يكفيه الاستغفار دون الاستحلال، فعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة من اغتبته أن تستغفر له» (¬1).
وقال مجاهد - رضي الله عنه -: كفارة أكلك لحم أخيك أن تُثني عليه، وتدعو له بخير.
¬
(¬1) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والحارث بن أبي أسامة في مسنده بسند ضعيف، كما في المغني 3: 153.
وسئل عطاء بن أبي رباح عن التوبة من الغيبة، قال: أن تمشي إلى صاحبك، فتقول له: كذبت فيما قلت، وظلمتك وأسأت، فإن شئت أخذت بحقك، وإن شئت عفوت، وهذا هو الأصح، وقول القائل العرض لا عوض له فلا يجب الاستحلال منه، بخلاف المال كلام ضعيف إذ قد وجب في العرض حد القذف وتثبت المطالبة به، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه» (¬1).
وقالت عائشة رضي الله عنها عند النبي - صلى الله عليه وسلم - لامرأة قالت: «إنها طويلة الذيل، فقال - صلى الله عليه وسلم -: الفظي» (¬2).
فإذن لا بُدّ من الاستحلال إن قدر عليه، فإن كان غائباً أو ميتاً، فينبغي أن يكثر له الاستغفار والدُّعاء ويكثر من الحسنات.
فإن قلت: فالتَّحليل هل يجب؟ فأقول: لا؛ لأنّه تبرع، والتبرع فضلٌ، وليس بواجب، ولكنه مستحسنٌ، وسبيل المعتذر أن يبالغ في
¬
(¬1) في صحيح البخاري8: 111.
(¬2) في الصمت لابن أبي الدنيا3: 154، وذم الغيبة والنميمة لابن أبي الدنيا ص24، ومساوئ الأخلاق للخرائطي 1: 100.
الثَّناء عليه، والتودد إليه، ويلازم ذلك حتى يطيب قلبه، فإن لم يطب قلبه كان اعتذاره وتودده حسنة محسوبة له يقابل بها سيئة الغيبة في القيامة.
وكان بعضُ السَّلف لا يُحلِّل، قال سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -: «لا أحلل من ظلمني»، وقال ابن سيرين - رضي الله عنه -: «إني لم أحرمها عليه، فأحللها له، إن الله حرم الغيبة عليه، وما كنت لأحلل ما حرم الله أبداً».
وعلى الجملة فالعفو أفضل، قال الحسن - رضي الله عنه -: «إذا جثت الأمم بين يدي الله - عز وجل - يوم القيامة نودوا ليقم مَن كان له أجر على الله، فلا يقوم إلا العافون عن الناس في الدنيا، وقد قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين} [الأعراف:199]
وعن الحسن - رضي الله عنه - أن رجلاً قال له: «إن فلاناً قد اغتابك، فعبث إليه رطباً على طبق، وقال قد بلغني أنك أهديت إلي من حسناتك، فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني، فإني لا أقدر أن أكافئك» (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 154 وما قبلها.
المراجع:
1. إحياء علوم الدين: لأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي (450 - 505 هـ)، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.
2. بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث: الحارث بن أبي أسامة (186 - 282 هـ): للحافظ نور الدين الهيثمي، تحقيق: الدكتور حسين أحمد الباكري، مركز خدمة السنة والسيرة النبوية، المدينة المنورة، ط 1، 1413 هـ.
3. الترغيب والترهيب: لعبد العظيم المنذري (ت 656 هـ)، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1417 هـ.
4. تنوير الأبصار وجامع البحار: لمحمد بن عبد الله الخطيب التُّمُرْتاشي الغَزَّي الحَنَفي (ت 1004 هـ)، مطبعة الترقي بحارة الكفارة، 1332 هـ.
5. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت 430 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1403 هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، ط 4، 1405 هـ.
6. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
7. ذم الغيبة والنميمة: لعبد الله بن محمد البغدادي الأموي القرشي، المعروف بابن أبي الدنيا (ت281هـ)،ت: بشير محمد عيون، مكتبة دار البيان، دمشق، ط1، 1413 هـ.
8. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
9. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
10. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
11. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
12. سنن الدارمي: لعبد الله بن عبد الرحمن أبي محمد الدارمي (ت255هـ)، تحقيق: فواز أحمد وخالد العلمي، ط1، 1407هـ، دار التراث العربي، بيروت.
13. شعب الإيمان: لأبي بكر أحمد بن الحسن البيهقي (384 - 458هـ)، تحقيق: محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1410هـ.
14. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
15. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، تحقيق: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
16. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
17. الصمت: لعبد الله بن محمد البغدادي الأموي القرشي، المعروف بابن أبي الدنيا (ت281هـ)، ت: أبو إسحاق الحويني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1410هـ.
18. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316.
19. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: لعلي بن أبي بكر الهيثمي (ت807هـ)، دار الريان للتراث، 1407هـ، ودار الكتاب العربي، بيروت.
20. مساوئ الأخلاق ومذمومها: لمحمد بن جعفر الخرائطي السامري (ت327هـ)، ت: مصطفى بن أبو النصر الشلبي، مكتبة السوادي للتوزيع، جدة، ط1، 1413 هـ.
21. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
22. مسند إسحاق بن راهويه: لإسحاق بن إبراهيم الحنظلي (ت238هـ)، تحقيق: عبد الغفور عبد الحق، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، ط1، 1995م.
23. مسند البَزَّار (البحر الزخار): لأبي بكر أحمد بن عمرو البَزَّار (215 - 292هـ)، تحقيق: الدكتور محفوظ الرحمن، مؤسسة علوم القرآن، مكتبة العلوم والحكم، بيروت، ط1، 1409هـ.
24. مسند الشهاب: لأبي عبد الله محمد بن سلامة القُضَاعي (ت454هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1407هـ.
25. مسند عبد بن حميد: لعبد بن حميد بن نصر الكسي (ت249هـ)، تحقيق: صبحي السامرائي ومحمود الصعيدي، مكتبة السنة، القاهرة، ط1، 1408هـ.
26. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، 1404هـ.
27. المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار: لعبد الرحمن بن الحسين العراقي زين الدين (ت806هـ)، دار إحياء الكتب العربية، بهامش الإحياء.
• • •