شمول مفهوم السنة ..................
..... لتصرفات الصحابة عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
شمول مفهوم السنة ..................
..... لتصرفات الصحابة عند الحنفية
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
شمول مفهوم السنة
لتصرفات الصحابة عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة الأصول في جامعة صاقريا.
ملخص البحث:
يتناول هذا البحث مسألة شمول مفهوم السنة لتصرفات الصحابة - رضي الله عنهم - التي تعتبرُ من أَهم الركائز في بناء المذهب الحنفي الذي اعتمد على هدي الصحابة - رضي الله عنهم -، وتمثلُ وجهاً من وجوهِ الاستدلال عندهم في اعتبارهم لأفعالِ الصحابة - رضي الله عنهم - وأقوالِهم سنةً يُحتجُّ بها، فبدأت ببيان حجيّة قولِ الصحابيّ - رضي الله عنه - عند الحنفية، مع ذكر أمثلة عليه؛ لتعلقه بمفهومِ السنّةِ، ثُمَّ تكلمت عن شمول مفهوم السنة لتصرفات الصحابة - رضي الله عنهم - عند السلف، وأَوضحت أنَّ هذا المنهج اعتمده الصحابة والتابعون - رضي الله عنهم -، وهو سبيلٌ فريدٌ في عدمِ تضييعِ شيءٍ من هدي النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفةِ الناسخِ من المنسوخ، والمعمولِ به من المتروك، والترجيح بين الرِّوايات، ثُمَّ تكلمت عن اتساع مفهوم السنة لتصرفات الصحابة - رضي الله عنهم - عند الحنفية، فعرفت السنة، ووضحت كيف كان الصحابة - رضي الله عنهم - يكتفون بفتواهم في الدلالة على السنة، وختمت بذكر أدلة الحنفية في اعتبارِ أَقوال الصحابة - رضي الله عنهم - وأفعالهم سنةً.
* * *
The Inclusion of Sunna's Concept for the companions' actions at Hanafi school
Abstract
This research deals with the issue of the inclusion of the Sunna`s concept for the companions' actions which are one of the most important pillars in the construction of the Hanafi school that depended on the guidance of the Companions, the companions' actions represent cogency and evidence at them. The research shows the companion's cogency at Hanafi school with examples about that. Then the researcher talks about the Inclusion of Sunna's Concept for the companions' actions at Sallaf. Also the researcher explains the approach is adopted by the companions and followers which is considered the Prophet approach, then the researcher talked
widening about the Sunna's Concept for the companions' actions at Hanafi school by Sunna definition, and showing how sayings of the Companions are evidence in the Sunni. Finally, the research concluded by mentioning the Hanafi evidence in considering the Companions' sayings and actions are Sunna.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته أجمعين إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ السنةُ النبويّةُ الشريفةُ تعد المصدرُ الثاني من مصادرِ التشريع الإسلامي، فيجب العمل بالسنة كما يجب العمل بالكتاب؛ لقوله - جل جلاله -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} النساء: 59،وقوله - جل جلاله -: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} النحل: 44، وغيرهما من الأدلة الظاهرة في ذلك.
وتحرير محلّ النزاع عموماً في موضوع بحثنا: أنَّ الأمة اتفقت على الاحتجاج بالسنةَ بعد كتاب الله - جل جلاله - فيما إذا لم تجد فيه حكماً، كما في حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عندما أوفده - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن ليكون قاضياً هناك، قال له - صلى الله عليه وسلم -: «بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنَّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهدُ فيه برأيي، فقال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: الحمدُ لله الذي وَفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسولُه» (¬1).
واتفقوا على العمل بالسنةِ والأخذِ بها ولم يختلف فيه عند المذاهب الفقهية المعتبرة.
وإنَّما النِّزاع في قضايا متعلِّقة بفهم السنة ونقلها وتحريرها، مثل: اعتبار طرق ورود السنة إلينا من متواتر ومشهور وآحاد، وضابطٌ كلّ منها وشروطه وحكمه، واعتبار الرواة الذي يكون خبرهم حجّة للعمل وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى تحريرٍ وتمحيص بما لا يتسع البحث لها.
قال الكيلاني (¬2): «وكان من جراء هذا التنازع ما أشاعه المحدّثون
¬
(¬1) أبو داود، السنن،3: 313، والترمذي، السنن،3: 616، وأشار إلى ضعفه وله شواهد موقوفة عن عمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس أخرجهما البيهقي، السنن الكبير،10: 114 عقيب تخريج هذا الحديث تقوية له، كذا في مرقاة الصعود شرح سنن أبي داود للسُّيوطي. وقال الخطيب في الفقيه والمتفقه1: 188: إنَّ أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وصية لوارث»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الدية على العاقلة»، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لما تلقتها الكافّة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها فكذلك حديث معاذ - رضي الله عنه - لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له. وتمامه في هامش علي بن مجد، الحدود والأحكام الفقهية، ص82 - 83، والكوثري، فقه أهل العراق وحديثهم، ص290.
(¬2) الكيلاني، منهج الحنفية في نقد الحديث، http://www.neelwafurat
من أنَّ مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - يخالف الحديث في كثير من آرائه الفقهية، وقد أوضحنا ... أنَّ أغلب الأخبار التي لم يَعمل بها الأحناف لم تصح من خلال منهجهم النقدي في قَبول الأخبار أو في كيفية فهم الحديث وتأويله، وما كان هذا شأنه لا يحكم فيه على أحد بمخالفة الحديث، ولعل عبارة الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - التي يقول فيها: «إذا جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم» لتعد أنموذجاً فريداً لنقد الحنفية للحديث الشريف وطريقة منهجهم في التطبيق الفعلي للسنة».
وتحرير محل النزاع خصوصاً لبحثنا: في أحدِ هذه القضايا المهمة، وهو اتساعُ مفهومِ السنّةِ عند السادة الحنفيةِ بحيث يشمل أَقوالَ الصحابةِ - رضي الله عنهم - وأَفعالَهم، وقد كان لهذا الأمر أثرٌ ظاهرٌ في مسألةِ حجيّةِ قولِ الصحابي - رضي الله عنه -، التي بُنِيَ عليها من المسائل ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَى، فقد خالفهم بعض الفقهاء ـ كما سيأتي ـ في عدم اعتباره حجّة، وبالتالي لا يشمل مفهوم السنة تصرفات الصحابة عندهم.
قال الدُّبوسيُّ: «ذَكَرَ أَصحابُ الشافعيِّ أنَّ السنةَ المطلقةَ عند صاحبنا تنصرف إلى سنةِ الرُّسول - صلى الله عليه وسلم - , وأنَّه على مذهبِهِ صحيحٌ; لأنَّه لا يَرَى اتّباع الصحابيّ - رضي الله عنه - إلا بحجّة, كما لا يُتَّبَع مَن بعده إلا بحجّة, ويحتمل لأنَّه لم يبلغه استعمال السلف إطلاق السنة على طرائق العمرين
والصحابة - رضي الله عنهم -» (¬1)، فهذا النصُّ يفيد أنَّ بينَ شمول مفهوم السنة وحجيةِ قول الصحابيّ ارتباطٌ بُنِيَ عليه الخلاف المشهور في مسألة حجيّة قول الصحابي - رضي الله عنه - ـ كما سيأتي ـ، مما دفعني إلى أن أخص هذا الموضوع بالبحث والدراسة.
وأهميةُ البحث: تظهر بتسليط النّظر على حرص السّادة الحنفيّة في استيعابِ السّنة وعدم تفويت شيءٍ منها بإدخال أقوال الصَّحابة وأفعالهم فيها، والكشف عن أحدِ أُسس بناء المذهب الحنفي.
ومشكلةُ الدراسة: تظهر في إجابة الباحث عن سؤال رئيسي: هل تعتبر مسألة شمول مفهوم السنة لتصرفات الصحابة - رضي الله عنهم - من أَهم الركائز في بناء المذهب الحنفي، ويتفرع عليه أسئلة:
هل يمثل الطريق الذي سلكه الحنفية في إدراج تصرفات الصحابة - رضي الله عنهم - في السنة طريق السلف الصالح، وهل صرَّحت كتبُ أصول الحنفية باعتبار أقوال وأفعال الصحابة من السنة؟
وما هو سبب اعتماد مدرسة الحنفية في فقهها على المأثور عن الصحابة؟
وما هو سبب قلّة الرواية عن كبار الصحابة - رضي الله عنهم - من المجتهدين؟
¬
(¬1) ينظر: الزركشي، البحر المحيط، 3: 6.
ومن الدراسات السابقة:
1. بحث حجيّة قول الصَّحابي لأبي حازم الكاتب، منشور على منتدى أصول الفقه في ملتقى أهل الحديث (¬1)، أطال الكلام فيه عن فضل الصحابة، وبين الاختلاف في حجيته بين المذاهب الأربعة وأفاض في الأدلة، فيختلف عنه بحثنا في تأصيل فكرة استيعاب السنة لأفعال الصحابة عند الحنفية.
2. بحث حجية قول الصحابي عند السَّلف للدكتور ترحيب الدوسريّ، في الجامعة الإسلامية بالمدينة، وتوصل إلى اتفاق الصحابة التابعين والأئمة الأربعة إلى حجية قول الصحابي، ومن قال غير ذلك فلم يحرر المسألة (¬2)، ويختلف عنه بحثنا بأنَّ الحجية هي جزء يسير من البحث.
والأبحاث المتعلقة بهذا الموضوع كثيرة جداً منها: العلائي في كتابه إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، والدكتور عبد الرحمن بن عبدالله الدرويش في كتابه الصحابي وموقف العلماء من الاحتجاج بقوله، وبا بكرمحمد الشيخ الفاني في كتابه قول الصحابي وأثره في الأحكام الشرعية، وعبد الرحمن حللي في كتابه حجية مذهب الصحابي دراسة
¬
(¬1) ينظر: http://www.ahlalhdeeth.com ، 6/ 1/2015 م.
(¬2) ينظر: http://uqu.edu.sa/majalat ، 25/ 1/2015 م.
أصولية، وفضل الله الأمين فضل الله في رسالته حجيّة قول الصَّحابي (¬1)، وكلُّها كما ترى تركز على الحجية بخلاف دراستنا، فإنَّ هذا الموضوع وقع تبعاً لا أصلاً، والله أعلم.
هذا وقد خلص البحث ـ بتوفيق الله - عز وجل - ـ إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حجيّة قولِ الصحابيّ - رضي الله عنه - عند الحنفية، ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الخلاف بين الفقهاء في حجية قول الصحابي - رضي الله عنهم -.
المطلب الثاني: الخلاف بين الحنفية في حجية قول الصحابي - رضي الله عنه -.
المطلب الثالث: أمثلة على حجية قول الصحابي - رضي الله عنه - عند الحنفية.
المبحث الثاني: شمول مفهوم السنة لتصرفات الصحابة - رضي الله عنهم - عند السلف، ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: أقوال الصحابة - رضي الله عنهم - في شمول مفهوم السنة لتصرفاتهم.
المطلب الثاني: عمل الصحابة - رضي الله عنهم - يمثل ما استقر عليه الشرع.
¬
(¬1) ينظر: الدوسري، حجية قول الصحابي عند السلف، http://uqu.edu.sa/majalat، 12/ 2/2015 م.
المبحث الثالث: اتساع مفهوم السنة لتصرفات الصحابة - رضي الله عنهم - عند الحنفية، ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف السنة لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثاني: اكتفاء الصحابة - رضي الله عنهم - بفتواهم في الدلالة على السنة.
المطلب الثالث: أدلة اعتبارِ أَقوال الصحابة - رضي الله عنهم - وأفعالهم سنةً.
* * *
المبحث الأول
حجية قول الصحابي - رضي الله عنه -
عند الحنفية
بحث الأصوليون ما يتعلّقُ بسنّةِ الصحابيّ - رضي الله عنه - تحت مبحث قول الصحابيّ - رضي الله عنه - (¬1).
والمقصود بالصحابيّ - رضي الله عنه - عند المحدثين: مسلمٌ رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
وعند الأُصوليين: مَن طالت مجالسته للنبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2).
ولكلٍّ وجهٍ فيما ذهب إليه لا يتسع له المقام، وإنَّما نعرض للخلاف في حجية قول الصحابي - رضي الله عنه - بين الفقهاء عامة وبين الحنفية خاصة مع ذكر أمثلة عند الحنفية على ذلك في المطالبالآتية:
¬
(¬1) أي الصحابي المجتهد، فإنَّ رواية الصحابي غير المجتهد قد تترك إذا خالفت القياس من كل وجه، ينظر: التفتازاني، التلويح، 2: 32، واللكنوي، قمر الأقمار، 2: 100.
(¬2) ينظر: الجرجاني، المختصر، ص528، وتفصيل الاختلاف في تعريفه يطلب في كتب المصطلح لاسيما من اللكنوي، ظفر الأماني، ص528 وما بعدها.
المطلب الأول: الخلاف بين الفقهاء في حجية قول الصحابي - رضي الله عنه -:
ليس بحثنا فيما يتعلَّقُ بما شاع من قول الصحابيّ - رضي الله عنه - وسكتوا عنه، فإنَّه يعتبرُ نوعاً من أنواع الإجماع، وهذا متفق على تقليد (¬1) الصحابيّ - رضي الله عنه - به (¬2)، وإنَّما الخلاف في غيره، قال الزركشي (¬3): «إنَّما الخلاف المشهور في أنَّه هل هو حجّة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين؟ وفيه أقوال:
الأول: أنَّه ليس بحجة مطلقاً كغيره من المجتهدين، وهو قول الشافعيّ في الجديد, وإليه ذهب جمهور الأصوليين من أَصحابنا والمعتزلة، ويومئ إليه الإمام أحمد, واختاره أبو الخطاب من أصحابه، وزعم عبدُ الوهاب أنَّه الصحيحُ الذي يقتضيه مذهب مالك؛ لأنَّه نصَّ على وجوب الاجتهاد واتباع ما يؤدي إليه صحيح النظر، فقال: وليس في اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - سعة, إنَّما هو خطأ أو صواب.
الثاني: أنَّه حجةٌ شرعية مقدمة على القياس, وهو قوله في القديم، ونقل عن مالك وأكثر الحنفية».
¬
(¬1) التقليد اتباع الرجل غيره فيما سمعه يقول أو في فعله على زعم أنَّه محقّ بلا نظر في الدليل، فكأن المقلد جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه. ينظر: اللكنوي، قمر الأقمار، 2: 100.
(¬2) ينظر: صدر الشريعة، التنقيح والتوضيح، 2: 33، والتركماني، دراسات في أصول الحديث، ص444.
(¬3) في الزركشي، البحر المحيط، 4: 58.
وظاهر مذهب مالك أنَّه معتبر عنده كأبي حنيفة؛ لبناء فقهه على الفقه المتوارث عن الصحابة في المدينة، قال الشاطبي (¬1): «شدةُ متابعتهم له - صلى الله عليه وسلم - وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته مع حميته ونصرته، ومَن كان بهذه المثابة حقيقٌ أن يتخذ قدوةً وتُجعل سيرتُه قبلةً، ولَمّا بالغ مالك في هذا المعنى بالنسبة إلى الصحابة أو مَن اهتدى بهديهم واستنّ بسنَّتِهم جعله الله تعالى قدوةً لغيره في ذلك، فقد كان المعاصرون لمالك يتبعون آثارَه ويقتدون بأفعالِه؛ ببركةِ اتباعه لمَن أَثْنَى اللهُ ورسولُه عليهم، وجعلَهم قدوةً أو مَن اتبعهم، {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون} المجادلة: 22».
المطلب الثاني: الخلاف بين الحنفية في حجية قول الصحابي - رضي الله عنه -:
طالما أنَّ بحثنا متعلِّق بمذهب الحنفية، فإنَّه حصل لديهم خلاف في تخريج ما رُوِي عن أئمتهم من فروعٍ في تقليدِ الصحابيّ - رضي الله عنه - على أقوالٍ، أبرزُها اثنان، وهما كالآتي:
الأول: أنَّ تقليد الصحابي - رضي الله عنه - واجب يترك بقوله القياس، وهو قول أبي سعيد البردعي وأبي بكر الرازي وهو مختار الشيخين وأبي اليسر، قال
¬
(¬1) في الموافقات،4: 80.
السَّمرقندي (¬1): «وعليه أكثر مشايخنا»، وقال البزدوي (¬2): «وعلى هذا أدركنا مشايخنا»، وحجَّتُه:
1.قال - جل جلاله -: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} التوبة: 100، مدح الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين لهم بإحسان، وإنَّما استحق التابعون لهم المدح؛ لاتباعهم بالإحسان من حيث الرجوع إلى رأيهم دون الرجوع إلى الكتاب والسنة إلا باتباع الصحابة - رضي الله عنهم -.
2.وإنَّ القياس عمل بغالب الرأي والظن لا بطريق التيقن، ولا شك في خفاء طريق الاجتهاد، ولا شك في تفاضل الناس في باب الاجتهاد، فكان العمل باجتهاد من هو أبصر لوجه الحق أولى، وإنَّ اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - فوق اجتهاد التابعي؛ لزيادة جهدهم وحرصهم في بذل مجهودهم في طلب الحق والقيام بما هو سبب قوام الدين؛ ولأنَّهم شهدوا الأسباب والحوادث التي نزلت الأحكام لأجلها، والقياس يبتنى على معرفة معانٍ وأسباب نزلت النصوص مع الأحكام لأجلها، حتى إذا وجد في غير المنصوص عليه مثل تلك المعاني يقضي فيها بمثل تلك الأحكام؛ ولأنَّه يحتمل أن يكون عند الصحابيّ - رضي الله عنه - خبرٌ في ذلك فيحكم ويفتي به، وهو الظاهر والغالب من حاله أنَّه يفتي بالخبر أولاً، وإنَّما يفتي
¬
(¬1) في ميزان الأصول،2: 698.
(¬2) في أصول البزدوي،3: 217.
بالرأي عند الضرورة ويتشاور مع القرناء؛ لاحتمال أن يكون عندهم خبر.
الثاني: أنَّه لا يجوز تقليد الصحابي - رضي الله عنه - إلا فيما لا يدرك بالقياس، وهو قول أبي الحسن الكرخي - رضي الله عنه -؛ لأنَّ الظاهر أنَّ الصحابيَّ الفقيه لم يَقُل بقولٍ مخالفٍ للقياس إلا عن حديث ثابت عنده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيجب حمله عليه (¬1). (¬2)
وبذلك يكون قد اختلف الحنفية في تقليد الصحابيّ وتقديم قوله على القياس، واتفقوا على تقليده فيما لا يعقل بالقياس (¬3).
¬
(¬1) وهناك أقوال أخرى منها: قال بعضهم: إنَّ تقليد الصحابي - رضي الله عنه - واجب إذا كان من أهل الفتوى ولم يوجد من أقرانه خلاف ذلك، أما إذا خالفه غيره من الصحابة - رضي الله عنهم - يجب تقليد البعض، ولكن يجب ترجيح قول البعض بالدليل، وقال السمرقندي: هو الصحيح، وقال بعضهم: لا يجب تقليد الصحابي إلا أن يكون قوله موافقاً للقياس، وقال بعضهم: يجب تقليد الخلفاء الراشدين وتقليد أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم -. ينظر: السمرقندي، ميزان الأصول، 2: 697 - 298.
(¬2) ينظر: السمرقندي، ميزان الأصول، 2: 697 - 705، والجصاص، الفصول في الأصول،3: 358 - 366، والبزدوي، البخاري، الأصول وشرحه كشف الأسرار، 3: 217 - 218.
(¬3) ينظر: النسفي، وملا جيون، المنار ونور الأنوار، 2: 100 - 102، والتركماني، دراسات في أصول الحديث، 451 - 454.
المطلب الثالث: أمثلة على حجية قول الصحابي - رضي الله عنه - من كتب الحنفية:
إنَّ أمثلة حجية قول الصحابي - رضي الله عنه - عند السادة الحنفية لا تُعدُّ ولا تُحصى، وإنَّما نقتصر على ثلاثة أمثلة تدلّ على ما سواها، وهي:
1. إنَّ القياسَ فيمَن أُغمي عليه وقت صلاة: أن لا قضاء عليه، إلا أنَّهم تركوا القياس؛ لأنَّ عماراً بن ياسر - رضي الله عنهم -: «أُغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأفاق نصف الليل فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء» (¬1)، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «أنَّه أغمي عليه يوماً وليلة فلم يقض»، وعنه: «أنَّه أغمي عليه أكثر من يومين فلم يقضه»، وعنه: «أغمي عليه ثلاثة أيام ولياليهن فلم يقض» (¬2)، فتركوا القياسَ لفعلِ عمار وابن عمر - رضي الله عنهم -، وجعلوا مَن أُغمي عليه أَكثر من يومٍ وليلةٍ لا قضاء عليه، وإن كان أقل قضى.
2. تقدير أقلّ الحيض وأكثره، فإنَّ العقل قاصر عن دركه، فعلمناه بما روي عن أُمامة وواثلة بن الأسقع وعائشة - رضي الله عنهم -: «أَقلُّ الحيضِ ثلاث وأكثره عشرة» (¬3)، وعن عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه -، قال: «الحائض إذا
¬
(¬1) الدارقطني، السنن، 2: 81.
(¬2) الدارقطني، السنن، 2: 82.
(¬3) روي موقوفاً ومرفوعاً: الطبراني، المعجم الكبير، 8: 126، واللفظ له، والطبراني، المعجم الأوسط، 1: 190، والدارقطني، السنن، 1: 218، وابن الجوزي، العلل المتناهية،1: 383، وابن عدي، الكامل، 2: 373، وابن الجوزي، التحقيق، 1: 260، وطرقه يعضد بعضها بعضاً، وقد روي فتاوى عن كثير من الصحابة توافقه. ينظر: الزيلعي، نصب الراية، 1: 191، وابن حجر، الدراية، 1: 84.
جاوزت عشرة أيّام فهي بمنزلة المستحاضة، تغتسل وتصلي» (¬1)، وعن أنس - رضي الله عنه -، قال: «أدنى الحيض ثلاثة أيام» (¬2).
3. شراء ما باع بأقلّ ممّا باع قبل نقد الثمن الأول، فإنَّ القياس يقتضي جوازه، ولكنَّهم قالوا بحرمته؛ عملاً بما روي: «أنَّ أم محبة أتت لعائشة ل فقالتلها: يا أم المؤمنين، أكنت تعرفين زيد بن أرقم، قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية إلى عطائه بثمانمئة نسيئة، وإنَّه أراد بيعها فاشتريتها منه بستمئة نقداً، فقالت: لها بئس ما اشتريت، وبئس ما اشترى، أبلغي زيداً أنَّه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم يتب» (¬3).
¬
(¬1) البيهقي، السنن الكبير، 1: 86، والدارقطني، السنن، 1: 210، وقال البيهقي: لا بأس بإسناده، كما في التهانوي، إعلاء السنن، 1: 326.
(¬2) الدارمي، السنن، 1: 231، قال التهانوي في إعلاء السنن،1: 327: «رجاله رجال مسلم، وسفيان هو الثوري، وهو من كبار أتباع التابعين ... فهذا الأثر منقطع، والانقطاع غير مضر عندنا لاسيما إذا صدر عن إمام كالثوري، والموقوفات في مثل هذا مما لا يدرك بالرأي كالمرفوعات».
(¬3) البيهقي، السنن الكبير، 5: 330، والدارقطني، السنن، 3: 52، وغيرهما، قال ابن عبد الهادي: إسناده جيد، وينظر: ابن الهمام، فتح القدير، 6: 435، وابن الجوزي، التحقيق في أحاديث الخلاف، 2: 184، وغيره.
وتأثير أقوال الصحابة - رضي الله عنهم - في المذهب الحنفي لا يُمكن حصرها؛ لأنَّها تُمَثِّلُ الاستدلال الأكثر والأقوى، وبناءُ المذهب واعتماده عليها في تأصيله وتقعيده وتفريعه، وفيما سبق إشارة إلى هذه الحقيقة الكبرى.
* * *
المبحث الثاني
شمول مفهوم السنة
لتصرفات الصحابة - رضي الله عنهم -
عند السلف
المطلب الأول: أقوال الصَّحابة - رضي الله عنهم - في شمول مفهوم السنة لتصرفاتهم:
إنَّ هذا الأصل الكبير عند الحنفيّة في إدراج تَصرُّفات الصَّحابة - رضي الله عنهم - في السُّنة ورثوه عن سَلَفِهم من الصَّحابة والتَّابعين - رضي الله عنهم -، لاسيما مؤسس مدرسة الكوفة الأوّل من الصحابة - رضي الله عنهم - وهو عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ إذ يؤكِّدُ هذا المنهج ويرسمُه لتلامذتِهِويُطالبهم باتباعه، فيقول: «مَن كان منكم مُتأسياً فليتأسَ بأَصحاب مُحمّد - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّهم كانوا أَبَرَّ هذه الأَمة قلوباً وأَعمقها علماً، وأقلّها تكلّفاً، وأقومها هدياً، وأَحسنها حالاً، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في
آثارهم، فإنَّهم كانوا على الهدي المستقيم» (¬1).
ويوضح ابن مسعود - رضي الله عنه - هذا المنهج في الفتوى ـ بأنَّه بعد كتاب الله - عز وجل - وسنّته علينا اتباع المجتهدين الصالحين من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكلُّ هذا قبل اجتهاد المجتهدفيقول - رضي الله عنه -: «إنَّه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثُمَّ إنَّ الله - جل جلاله - قدَّر علينا أن بلغنا ما ترون، فمَن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله - جل جلاله -، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فليقض بما قَضَى به الصالحون، فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه ... » (¬2).
ولم يكن هذا الطريق خاصاً به - رضي الله عنه -، بل هو منهجٌ عامٌّ متبعٌ في هدي الصحابة - رضي الله عنهم - بين بعضهم البعض ولمَن جاء بعدهم؛ فعن حذيفة - رضي الله عنه - أنَّه كان يقول: «اتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا طريق مَن كان قبلكم، فلعمري لئن اتبعتموه لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن تركتموه يميناً أو شمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً» (¬3)، فيَجْعَل اتباعَ الصحابة - رضي الله عنهم - بطريقهم
¬
(¬1) ينظر: عليش، فتح العلي المالك،1: 89 - 101، والشاطبي، الموافقات،4: 78.
(¬2) النسائي، السنن الكبرى، 3: 469، وقال: هذا الحديث جيد جيد، والنسائي، المجتبى، 8: 230.
(¬3) ينظر: الشاطبي، الاعتصام،1: 531.
في القول والفعل هو الهدي الحقّ، واجتنابه الضلال المبين.
وإنَّ عمر - رضي الله عنه - كان يمتنع عن الفتوى في أمرٍ أَفتى به أبو بكر - رضي الله عنه -؛ لشدّة تقليده لمَن سبقَه، وليرسخ هذا المفهوم في أَذهان المسلمين في اتباع طريق مَن كان أَقربُ إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لطول صحبته وكثرةِ علمِه وتقواه، إذ لَمَّا سُئل أبو بكر - رضي الله عنه - عن الكلالة قال: «إنّي سأقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمِن الله، وإن كان خَطأً فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد، فلَمَّا استخلف عمر - رضي الله عنه -، قال: إنّي لأستحيي اللهَ أَنّ أردّ شيئاً قاله أبو بكر» (¬1).
وبهذا كان يأمر عمر - رضي الله عنه - قضاته في الأمصارـ بأنَّه عليهم اتّباع ما عَمِل وأخذ به الصحابة - رضي الله عنهم - ـ، فعن الشعبي: أنَّ عمر - رضي الله عنه - كتب إلى شريح: «إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يغلبنك عليه الرجال، وإذا جاءك ما ليس في كتاب الله - جل جلاله - فانظر في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بها، فإن كان أمر ليس في كتاب الله - جل جلاله - ولم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانظر ما أجمع عليه الناس فخذ به، فإن كان ممَّا ليس في كتاب الله - جل جلاله - ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتكلم فيه قبلك أحد فاختر أي الأمرين شئت، إن
¬
(¬1) الدارمي، السنن،2: 462، والبيهقي، السنن الكبير، 6: 223، والربيع، المسند، 1: 305، وغيرها.
شئت أن تجتهد رأيك وتقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخّر، ألا وإنَّ التأخير خير لك» (¬1).
وإنَّ ابن عبّاس - رضي الله عنهم - لم يكن يُجاوز في طريقه للفتوى مسلك كبار الصحابة - رضي الله عنهم - الذين سبقوه، فإنَّه «كان إذا سُئِل عن شيءٍ هو في كتاب الله - جل جلاله - قال به، وإذا لم يكن في كتاب الله - جل جلاله - وقاله رسول - صلى الله عليه وسلم - قال به، وإن لم يكن في كتاب الله - جل جلاله - ولم يقله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقاله أبو بكر وعمر - رضي الله عنهم - قال به، وإلاّ اجتهد رأيه» (¬2).
والنصوصُ المرشدةُ لظهور هذا المسلك وشيوعه في عهد الصحابة - رضي الله عنهم - كثيرةٌ جداً، وفيما ذُكِر كفايةٌ للمُتَبَصِّر.
المطلب الثاني: عمل الصحابة - رضي الله عنهم - يمثل ما استقر عليه الشرع:
إنَّ عدم اقتصار السّادة الحنفية في إطلاقِ السنة على ما وَرَدَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بحيث شمل ما جاء عن الصحابة - رضي الله عنهم -، أَمْرٌ له أَهميةٌ كبيرةٌ، فأقوالُ الصحابةِ - رضي الله عنهم - معتبرة في بناء الأحكام عليها، بل اعتبروها تُمَثِّلُ الأَمر الذي استقرَّ عليه الشرع للمكانة العالية التي تبوؤهاـ كما هو مُقَرَّرٌ
¬
(¬1) المقدسي، الأحاديث المختارة،1: 239، وقال: إسناده صحيح، والدارمي، السنن، 1: 71، وابن شيبة، المصنف،4: 543، والبيهقي، السنن الكبير، 10: 110، وغيرها.
(¬2) البيهقي، السنن الكبير،10: 115.
في مبحث قول الصحابيّ - رضي الله عنه - في كتب الأصول وإن عامّةَ مسائل المذهب مرتكزةٌ على أقوالِ الصحابة - رضي الله عنهم - لاسيما عليّ وابن مسعود - رضي الله عنهم - شيخا مدرسة الكوفة ومؤسساها، فهي امتدادٌ لتراثهما العلميّ الذي ورثاه عن سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم -.
وسرُّ اعتماد هذا المنهج؛ حتى لا يُتعامل مع القرآن والسنة كنصوص جامدة كلٌّ يؤلُها كيفما يريدُ ويفهمُها على أي طريقٍ شاء فيَضِلَّ ويُضِلَّ، وإنَّما في فعلِهم وقولهم - رضي الله عنهم - تطبيقٌ لنصوصِ القرآنِ والسنةِ وتفسيرٍ لهما على الصورةِ الصحيحةِ المرادةِ من الشارعِ الحكيم، ففي تطبيقهم يَتَبَيَّن لنا مقصود المُشَرِّع؛ لمعايشتهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
فكما أنَّ أفعال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأقواله هي تفسير للقرآن، وهذا ما شَهِدَت به أمُّ المؤمنين في الأثر عن سعد بن هشام قال: «أتيت عائشة رضي الله عنها، فقلت: يا أم المؤمنين، أخبريني بخلق رسول الله؟ قالت: كان خلقه القرآن، أَما تَقْرَأَ: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} القلم: 4» (¬1)، فأفعال الصحابة - رضي الله عنهم - هي التفسير والبيان لسنّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قال الشافعيُّ: «جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميعُ السنة شرح للقرآن» (¬2)، وقال الشاطبي (¬3):
¬
(¬1) أحمد، المسند، 6: 91، وصححه الأرنؤوط، والبُخاري، الأدب المفرد، ص115.
(¬2) ينظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1: 6.
(¬3) في الموافقات، 4: 10.
«إنًّ المعبّر به في السنة هو المراد في الكتاب، فكأنَّ السنة بمنزلةِ التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب، ودلَّ على ذلك قوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} النحل: 44».
ولا شكَّ أنَّالمقصودَبالأُمّةِ علماؤها، ورأسُ علمائها الصحابة - رضي الله عنهم -، فيكون فعلُهم شرحاً للسنة، وتوضيحاً لما يعمل فيه منها، وتنبيهاً على ما لا يعمل فيه منها، وهذا ما كان يأمر به الفاروق - رضي الله عنه - الصحابةَ والتابعين، فيقول وهو على المنبر: «أُحَرِّج بالله على رجلٍ رَوَى حديثاً العملُ على خلافه (¬1)» (¬2).
وهو الظاهرُ من عملِ مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنَّهم كانوا يميِّزون ما يؤخذ به ممَّا وَرَدَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما يُترك، وفي هذا يقول ابن أبي حازم: «كان أبو الدرداء - رضي الله عنه - يسأل فيجيب، فيُقال: إنَّه بلغنا كذا وكذا ـ بخلاف ما قال ـ فيقول: وأنا قد سمعته، ولكنّي أدركت العمل على غير ذلك» (¬3).
¬
(¬1) قال أبو شامة المقدسي: «فكم في السنَّة من حديثٍ صحيحٍ العمل على خلافه، إما إجماعاً، وإما اختياراً لمانعٍ منع، نحو: «صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً في غير خوف ولا مطر» مسلم، الصحيح،1: 490، و «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» مسلم، الصحيح، 2: 580، فالأمر في ذلك ليس بالسَّهل، قال ابن عيينة: الحديث مَضِلَّة إلا للفقهاء»، كما في السبكي، معنى قول الامام المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ص136 - 139.
(¬2) ينظر: عوامة، أثر الحديث الشريف، ص64.
(¬3) ينظر: عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك،1: 11.
وهذا التمييزُ من كبارِ الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لمعرفتهم الناسخ من المنسوخ، فيتَّبعون آخر ما استقرَّ عليه أَمرُ الشرع، ويوضح ذلك الحافظ المشهور ابن شهابالزهري بقوله: «كان الصحابة - رضي الله عنهم - يتَّبعون الأحدثَ فالأَحدث من أَمره - صلى الله عليه وسلم - ويَرَوْنَ الناسخَ المحكم» (¬1)، ومثله روي عن ابنِ عَبَّاس - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صام عام الفتح حتى بلغ الكديد، ثُمَّ أفطر وأفطر أصحابه، فهم يَتَّبعون الأحدثَ فالأحدثَ من أمرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،وإنَّ ذلك هو الناسخ المحكم» (¬2).
وهذا هو فعلُ الفقيه المجتهد، قال ابنُ أبي ليلى: «لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذَ منه ويدَع» (¬3)، فيكون ما يَرِدُ عن هؤلاء المجتهدين من الصحابة - رضي الله عنهم - بيانٌ للسنة المعمول بها في الدين، والأمرُ الذي انتهى إليه الشرع، فما ورد عنهم فيه توضيح لما رَجح عندهم من أمر الدين مما يُعمل فيه وممّا يُترك، قال يحيى بن آدم: «لا يحتاج مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قول أحد، وإنَّما يُقال: سنةُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ليعلم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مات وهو عليها» (¬4).
¬
(¬1) مسلم، الصحيح،2: 785.
(¬2) الطبراني، المعجم الأوسط، 1: 175، واللفظ له، وابن أبي شيبة، المصنف، 20: 488.
(¬3) ينظر: ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ر1182.
(¬4) البيهقي، السنن الكبير، ر16، والخطيب، الفقيه والمتفقه، ر571، والشاطبي، الاعتصام،1: 68.
فاعتماد مدرسة الحنفية في فقهها على المأثور عن الصحابة - رضي الله عنهم - سببُه: تقديمُهم لاجتهادهم وعلمُهم فيما عليه العمل من هدي المصطفى - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه تيسّرت لهم من الأسباب التي تُمكنهم من ذلك ما لم يَتَيسّر لغيرهم؛ إذ شهدوا الوحي، واطلعوا على أسبابه وأسراره بما لم يطلع عليه غيرهم، قال ابن رجب: «أمّا الأئمةُ وفقهاءُ أهل الحديث فإنَّهم يتَّبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولاً به عند الصحابة - رضي الله عنهم - ومَن بعدهم أو عند طائفة منهم، فأمّا ما اتفق على تركه فلا يجوز العمل به؛ لأنَّهم ما تَركوه إلا على علمٍ أنَّهم لا يعمَل به، قال عمر بن عبد العزيز: خذوا من الرأي ما كان يُوافق مَن كان قبلكم، فإنَّهم كانوا أعلم منكم» (¬1).
ويُصَوِّرُ أحدُ كبار التابعين وهو إبراهيم النخعيّ ـ وقد كان فقيه أهل زمانه ـ شدّة التمسّك بهدي الصحابة - رضي الله عنهم - فيما نقلوه من الدين وتقديم رأيهم وفهمهم على كلِّ شيء، حتى لو عارض صريحَ القرآن؛ لأنَّهم مؤتمنين فيما يَنقلونه من أَمر الشرعِ الأَخير، فيقول: «لو رأيت الصحابة - رضي الله عنهم - يتوضؤون إلى الكوعين ـ أي الرسغين ـ لتوضّأت كذلك وأنا أقرأها إلى المرافق؛ وذلك لأنَّهم لا يتهمون في تركِ السنن، وهم
¬
(¬1) ينظر: عوامة، أثر الحديث الشريف، ص70.
أربابُ العلم وأَحرص خلقِ الله - جل جلاله - على اتّباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يظنّ ذلك بهم أحدٌ إلا ذو ريبة في دينه» (¬1).
ولا نَغفل أنَّ أبرزَ شخصيةٍ بعد ابن مسعود - رضي الله عنه - في بناء مدرسة الكوفة هو إبراهيم النخعي، فهذا الطريقُ في اعتمادِ هدي الصحابة - رضي الله عنهم - وفهمهم مُتَّبعٌ منذ بدأت المدرسة إلى أن وصلت إلى أبي حنيفة - رضي الله عنه - الذي سار على طريق سلفه فيها، فكان بنيان مذهبه على فقه هؤلاء العظام، فقد «دخل أبو حنيفة على أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور وعنده عيسى بن موسى، فقال للمنصور: يا أمير المؤمنين، هذا عالم الدنيا اليوم! فقال المنصور: يا نعمان، عمَّن أخذت العلم؟ فقال: عن أصحاب عمر - رضي الله عنه - عنه، وعن أصحاب عليّ - رضي الله عنه - عنه، وعن أصحاب عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عنه، وعن أصحاب عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - عنه، وما كان في وقت ابن عباس على وجه الأرض أعلم منه، فقال له المنصور: بخ بخ؟ لقد استوثقت لنفسك ما شئت» (¬2).
وينبغي أن يكون اعتمادُ هذا المسلك في فهمِ الشرع ممَّا لا يُنازع فيه؛ لدقَّتِه ورفعتِه في الوصول بالمجتهد للحقّ عند الله تعالى، وقد وَرَدَ ثناءٌ كبيرٌ على هذا الطريق بأنَّه سبيل الإسلام، وفي ذلك يقول ابن أبي زيد:
¬
(¬1) ينظر: ابن الحاج، المدخل،1: 129، وعليش، فتح العلي المالك، 1: 90.
(¬2) ينظر: الصالحي، عقود الجمان، ص183.
«والتسليم للسنن لا تُعارَضُ برأي، ولا تُدافع بقياس، وما تأوَّله منها السلف الصالح تأوّلناه، وما عَمِلوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويَسَعنا أن نمسك عَمَّا أمسكوا، ونتبعهم فيما بيّنوا ... » (¬1).
ولم يكن هذا المسلك خاصّاً بالحنفية، بل كانت طريقُ نقل العلم في تلك المدّة هي هذه؛ لذا نجد مالك يقول: «والعمل أثبت من الأحاديث، قال مَن اقتدي به: يصعب أن يُقال في مثل ذلك: حدثني فلان عن فلان، وكان رجالٌ من التابعين تبلغهم عن غيرهم الأحاديث فيقولون: ما نجهل هذا، ولكن مضى العمل على خلافه، وكان محمد بن أبي بكر بن حَزْم رُبّما قال له أخوه: لِمَ لَم تقضِ بحديث كذا؟ فيقول: لم أجد الناس عليه» (¬2).
وتحصَّل مما سبق أنَّ الحثَّ على اتباع طريق الصحابة - رضي الله عنهم - المتمثل في أقوالهم وأفعالهم هوالهدي الذي كان من كبار الصحابة - رضي الله عنهم - ومجتهديهم، وأنَّهم أقدر من في الأمة على معرفة المعمول به من السنة، وأنَّ تصرُّفاتهم تمثل الأمر الذي استقرَّ عليه الشرع، وأنَّ تقليدهم واتباعهم هو طريق السلف من كبار التابعين، وبسبب ذلك وجدنا الحنفية جعلوا هديهم سنة تتبع، وهذا ما سنلاحظه في المبحث التالي:
¬
(¬1) ينظر: عوامة، أثر الحديث الشريف، ص62 عن الجامع ص117.
(¬2) ينظر: عوامة، أثر الحديث الشريف، ص63.
المبحث الثالث
اتساع مفهوم السنة
لتصرفات الصحابة
ونهتم هنا بتحقيق أنَّ الحنفية أدرجوا أقوال الصحابة - رضي الله عنهم - وأفعالهم في تعريفهم للسنة؛ لشدّة تعظيمهم لأمرهم وشأنهم وسلوكهم، وبيان ذلك في ثلاثة مطالب، وهي:
المطلب الأول: في تعريف السنة:
أولاً: لغةً: الطريقة، ومنها الحديث في مجوس هجر: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (¬1): أي اسلكوا بهم طريقهم، يعني عاملوهم معاملة هؤلاء
¬
(¬1) مالك، الموطأ،1: 278، والشافعي، المسند، ص209، والبزار، المسند، 3: 264، وابن أبي شيبة، المصنف،6: 430، والبيهقي، السنن الكبير، 7: 172، وغيرها.
في إعطاء الأمان بأخذ الجزية منهم (¬1)، وفي الحديث: «مَن سَنَّ في الإسلام سنةً حسنة فعمل بها بعده كَتَبَ له مثل أجر مَن عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومَن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كَتَبَ عليه مثل وزر مَن عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء» (¬2): أي مَن وضع طريقة حسنة أو سيئة (¬3).
والسُّنّة أيضاً: الطريقة المحمودة المستقيمة؛ ولذلك قيل: فلان من أَهل السنة، معناه من أَهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأْخوذة من السَّنَن، وهو الطريق (¬4).
ثانياً: اصطلاحاً:
عند الفقهاء: هي ما واظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الترك أحياناً بلا عذر (¬5).
¬
(¬1) ينظر: المطرزي، المغرب، ص236، والفيومي، المصباح المنير، ص292، والقونوي، أنيس الفقهاء، 1: 105، والبعلي، المطلع،1: 334.
(¬2) مسلم، الصحيح،4: 2058.
(¬3) ينظر: السمرقندي، الميزان،1: 126.
(¬4) ينظر: ابن منظور، لسان العرب،13: 220، والزبيدي، تاج العروس، ص8075.
(¬5) ينظر: ابن نجيم، فتح الغفار،2: 75، والسمرقندي، الميزان، 1: 153، وفي التحرير لابن الهمام 2: 20: «ما واظب - صلى الله عليه وسلم - على فعله مع ترك ما بلا عذر»، قال أمير بادشاه في تيسر التحرير 2: 20 في شرح كلام ابن الهمام: «لم يقل مع تركه أحياناً كما هو المشهور عندهم لدلالة المواظبة على ندرة الترك، وذكر بلا عذر؛ لأنَّ الترك مع العذر متحقق في الواجب». وقال أبو سعيد الخادمي في منافع الدقائق ص191 في بيان قسمي السنة: «في الأفعال ما واظب عليه - صلى الله عليه وسلم - غير واجب، وما هو من قبيل العبادات فسُنن الهدى، وإن كان من العادات فسُنن الزوائد»، وقال البخاري في كشف الأسرار 2: 309 في حكم قسمي السنة: «السنة: فكل نفل واظب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل التشهد في الصلوات والسنن الرواتب، وحكمها: أنَّه يندب إلى تحصيلها ويلام على تركها مع لحوق إثم يسير، وكلّ نفل لم يواظب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل تركه في حالة: كالطهارة لكل صلاة، وتكرار الغسل في أعضاء الوضوء والترتيب في الوضوء، فإنَّه يندب إلى تحصيله، ولكن لا يلام على تركه، ولا يلحق بتركه وزر».
وعند الأصوليين ـ وهو التعريف الذي يهمنا ـ: عرَفَّها بعضُهم بأنَّها: ما صدر عنه - صلى الله عليه وسلم - قولاً أو فعلاً أو تقريراً (¬1)، أو قوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله وتقريره (¬2)، أو ما صدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن من قول وفعل وتقرير (¬3).
قال عبد الغني عبد الخالق في حجية السنة (¬4): «واعلم أنَّ المؤلفين من الحنفية قد ذكروا ـ عقب تعريفهم هذا ـ مسألة اختلف فيها الشافعية مع بعضهم، وهي أنَّ مطلق لفظ السّنة في كلام الراوي أينصرف إلى سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أم يكون محتملاًَ لسنته وسنة غيره من الصحابة فيحتاج إلى قرينة تعين المراد، فذهب إلى الأول الشافعي ـ لأنَّه لا يرى تقليد
¬
(¬1) ينظر: الخادمي، مجامع الحقائق، ص191، وابن قطلوبغا، خلاصة الأفكار، ص40، وملا خسرو، مرقاة الوصول، 2: 2.
(¬2) ينظر: ابن الهمام، التحرير، 2: 19.
(¬3) ينظر: البهاري، مسلم الثبوت،2: 97.
(¬4) عبد الخالق، حجية السنة، ص 56 - 57.
الصحابي ـ ووافقه أصحابه وكثير من أصحاب أبي حنيفة ـ بل عامة متقدمي الحنفية ـ وجمهور أهل الحديث وهو اختيار صاحب الميزان، وذهب إلى الثاني جمع من متأخري الحنفية، وهو اختيار فخر الإسلام، ونسبه صاحب التقرير إلى الكرخي والقاضي أبي زيد والسرخسي من الحنفية وإلى الصيرفي من الشافعية».
قال التركماني (¬1): «نسب غير واحد من أئمة المذاهب الأخرى إلى الحنفية بأنَّ معظمهم لا يجعلونها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو خطأ منهم في النقل، والصحيح أنَّ أكثر الحنفية يجعلونها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ».
فإنَّ عدم إدراجهم فعل الصحابة - رضي الله عنهم - وأقوالهم في تعريف السنة، خلافُ المعتمد من كلامِ الأصوليين والفقهاء المحقِّقين من الحنفية؛ إذ جعلوا قول الصحابيّ - رضي الله عنه - وفعلَه منها، وإليك بعض نصوصَهم في تعريفها:
قال شمس الأئمة السَّرَخسي (¬2): «ما سَنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بعده».
وقال العلامة ابن ملك (¬3): «تطلق على قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفعله
¬
(¬1) التركماني، دراسات في أصول الحديث، ص456.
(¬2) في أصول السرخسي،1: 113.
(¬3) في شرح ابن ملك على المنار، 2: 614.
وسكوته عند أمر يعاينه، وطريقة الصحابة - رضي الله عنهم -».
وقال العلامة ملا جيون (¬1): «تطلق على قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفعله وسكوته وعلى أقوال الصحابة وأفعالهم».
وقال العلامة ابن العيني (¬2): «تطلق على قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفعله وسكوته عند أمر يعاينه وطريقة الصحابة - رضي الله عنهم -».
وقال العلامة حسين الأولوي (¬3): «السنة تطلق على قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفعله وسكوته عند عدم معاينته، وطريقة الصحابة - رضي الله عنهم -».
وقال المحقِّق ابن نجيم (¬4): «قوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله وتقريره (¬5)، وهو سكوته عند أمر يعاينه من مسلم، وطريقة الصحابة - رضي الله عنهم -».
وقال بحر العلوم عبد العليّ اللكنوي (¬6): «ما صدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - غير القرآن من قول وفعل وتقرير».
¬
(¬1) في نور الأنوار، 2: 2.
(¬2) في شرح ابن العيني على المنار، ص205.
(¬3) في ضوء الأنوار، ص211.
(¬4) فيفتح الغفار، 2: 75.
(¬5) أما الحديث والخبر فيختصّان بالقول، كما في ابن نجيم، فتح الغفار، 2: 75، وابن العيني، شرح المنار، ص205، والكراماستي، الوجيز، ص144.
(¬6) في فواتح الرحموت،2: 97.
وتوجيه ما سبق: أنَّه لا يوجد خلافٌ مُعتدّ به عند الحنفيةِ في اعتبار فعلِ الصحابة - رضي الله عنهم - وأقوالهم من السنّة، وإنَّما أَطلق هؤلاء المصنِّفين هذه العبارة ههنا لا على سبيل إخراج الصحابة - رضي الله عنهم -، وإنَّما للاعتماد على تقييدها وإدخال الصحابة - رضي الله عنهم - في مواضع أُخرى، بدليل:
1. إنَّ مَن لم يصرِّح ههنا بذكر الصحابة - رضي الله عنهم - صَرَّح به في مواضع أُخرى، كما فعله ابن الهُمام مثلاً في موضع آخر (¬1)، فقال: «وسنة: الطريقة الدينية منه - صلى الله عليه وسلم - أو الخلفاء الراشدين أو بعضُهم»، وملا خسرو في موضع آخر (¬2)، فقال: «سنة إن كان ذلك الفعل طريقة مسلوكة في الدين، سلكها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وغيره ممَّن هو علم في الدين، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (¬3) ... ».
2. إنَّه نقل الاتفاق على اعتبارِ فعل الصحابة - رضي الله عنهم - وأقوالهم من السنة، قال الإمام اللكنوي بعد أن حرَّر هذا المبحث (¬4): «وقد علم أنَّ كثيراً من أصحابنا كصاحب «البناية»، وصاحب «التحرير»، وبحر العلوم، وصاحب «الكشف»، و «التحقيق»، وصاحب «التبيين»، وصاحب «الإصلاح والإيضاح»، وصاحب «مرقاة الأصول»، وصاحب
¬
(¬1) ابن الهمام، التحرير، 2: 148 - 149.
(¬2) في مرآة الأصول، 2: 171.
(¬3) سيأتي تخريجه.
(¬4) في تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار، ص84.
«المحيط»، وصاحب «الخلاصة»، وصاحب «النهر»، وأبي اليسر البَزْدَوي، والطحطاوي، وغيرهم، عمَّموا تعريف السنة بحيث يشمل سنة الخلفاء أيضاً، وجعلوه مما يُلام تاركه، بل جعله صاحب «البناية» مما يعاقب، وصرح ابن الهمام في «التحرير» بأنَّ سنة بعض الخلفاء أيضاً كذلك».
وصرَّح بحر العلوم في «شرحه» بأنَّ الطريقة الدينية التي أمر بها الخلفاء وإن لم يباشروها أيضاً منها، وبمثله أشار القُهُستاني، حيث قال في «شرح خلاصة الكيدانيّ»: «قد تنقسم السنة إلى سنةِ الرُّسول - صلى الله عليه وسلم - وإلى سنةِ الخُلفاء - رضي الله عنهم -»، ومثله ابن عابدين في «رد المحتار»، وإليه يميل كلام صاحب «الهداية» حيث يستدل على سنية التراويح بمواظبة الخلفاء الراشدين، بل كلام جميع الفقهاء في ذلك المبحث».
وبهذا يظهر اتفاق الحنفية على إدخال تصرّفات الصحابة - رضي الله عنهم - في السنة، بخلاف ما عليه الشافعية والحنابلة إذ لم يدخلوها في تعريفهم للسنة، فقد عرفوا السنة بأنَّها: أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقواله وتقريراته (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الجلال المحلي، شرح جمع الجوامع،1: 129، وابن النجار، شرح الكوكب المنير، ص211.
ومن خلال التعاريف السابقة تبيّن أنَّ هيئةَ السنة لها صور أربع:
1.سنة قولية: وهي الأحاديث التي قالها النبي - صلى الله عليه وسلم - في مختلف الأغراض والمناسبات، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الأعمال بالنيات» (¬1).
2.سنّة فعلية: وهي الأعمال التي قام بها النبي - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التشريع ولم يكن من خصائصه، مثل توضيح هيئة الصلاة ومناسك الحجّ حيث أمر بإتباع فعله فيهما بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (¬2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لتأخذوا مناسككم» (¬3).
3.سنّة تقريرية: بأن يرى - صلى الله عليه وسلم - من أمّته فعلاً أو قولاً فلم ينكره - صلى الله عليه وسلم - وسكت عنه، فهذا تقريرٌ منه - صلى الله عليه وسلم -، لكن يشترط أن لا يكون سهواً، ولا طبعاً، ولا خاصاً (¬4)، مثل: إقراره - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه - طريقة القضاء والاستدلال (¬5).
4.سنّة الصحابة - رضي الله عنهم -: بأن لم يواظب عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل واظب عليها الصحابة - رضي الله عنهم -، وهذا مما يُندب إلى تحصيلِهِ ويُلام على تركه، ولكنَّه دون ما واظب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّ سنةَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أقوى من سنةِ
¬
(¬1) البخاري، الصحيح، 1: 1، وأبو داود، السنن، 1: 670.
(¬2) البخاري، الصحيح،1: 226.
(¬3) مسلم، الصحيح، 2: 942.
(¬4) ينظر: الخادمي، منافع الدقائق، ص191.
(¬5) ينظر: البدخشي، أصول الفقه للمبتدئين، ص150، والزحيلي، أصول الفقه، 1: 450.
الصحابة - رضي الله عنهم -، وأقوالٌ الصحابة - رضي الله عنهم - حجة فتكون أفعالهم سنة، كما في التراويح في رمضان (¬1).
المطلب الثاني: في اكتفاء الصحابة - رضي الله عنهم - بفتواهم في الدلالة على السنة:
يقصد بسنّة الصحابيّ - رضي الله عنه - فتواه ومذهبه ورأيه في أمر من أُمور الدين، سواء أكان قولاً أو عملاً، وسواء أكان نقلاً عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أو اجتهاداً منه ابتداءً، وهذا الاجتهادُ هو من أَعلى المراتب؛ لأنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - عاصروا نزول الوحي وعايشوا الوقائع مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد تعلموا كيفية الاجتهاد والاستنباط والفتوى؛ لملازمتهم للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وحرصهم الشديدِ للتطبيق الدقيق والفهم العميق لما يتضمنه الشرعمن مقاصد، قال الكوثري (¬2): «وقد دَرَّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحابة على الرأي والاستنباط في أحكام النوازل غير المنصوص عليها من النصوص، بإرجاع النظير إلى النظير، وكان المجتهدون من أَصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقولون بالرأي».
¬
(¬1) ينظر: البخاري، كشف الأسرار،2: 309.
(¬2) ينظر: الكوثري، تأنيب الخطيب، ص168.
فأَقلُّ الأحوال فيما يصدرُ عن الصحابيّ - رضي الله عنه - أن يكون اجتهاداً منه، ودرجةُ هذا الاجتهاد أَعلى الدرجات ـ كما مَرّ ـ، واحتمالٌ كبيرٌ جدّاً أن يكون هذا القولُ للصحابي - رضي الله عنه - نقلاً عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ الحجيّةَ التي اكتسبوها كان سببُها هذا الاحتمال، فهم بأنفسِهم ليسوا بمُشَرِّعين مُطلقاً، وإنَّما التشريع حَقّ اللهِ - جل جلاله -: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} الأنعام: 57.
ويرشدنا إلى أنَّ أقوالَهم وأفعالَهم - رضي الله عنهم - طريقٌ لنا في التعرُّفِ على سنة النبيّ القولية والفعلية أنَّهم كانوا يعتمدونها في نقلِ الإسلام دون الإكثار في الرواية عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فالمشهورُ من حالهم الإقلال من الرواية؛ لأنَّهم يعتبرون سلوكهم وتطبيقهم للإسلام يُمَثِّلُ ما تَعلَّموه وعرفوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال علقمة: «صحبتُ ابنَ مسعود - رضي الله عنه - عشرَ سنين فلم يَقُل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا قليلاً، وكان إذا حَدَّث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَخذته رعد، ثُمَّ قال بعد ذلك نحو هذا أو قريباً من هذا» (¬1)، وقال قيس بن عبد: «لقد جالست ابن مسعود - رضي الله عنه - سنةً فما سمعته يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثاً قط غير مرة واحدة فلقد رأيته ينتفض انتفاض السعفة، ثُمَّ قال قريب من هذا أو نحو هذا» (¬2).
وقال الشعبي: «صحبت ابنَ عمر - رضي الله عنهم - فما رأيته يحدث عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -
¬
(¬1) الطبراني، المعجم الكبير، 9: 123.
(¬2) الطبراني، المعجم الكبير، 9: 125.
إلا حديثاً واحداً»، وقال مسروق: «كان عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - يأتي عليه الحول قبل أن يُحدِّثنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحديث»، وقال ابن أبى ليلى: «كنا إذا أتينا زيد بن أرقم - رضي الله عنه - فقلنا له حدثنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنّا قد كبرنا ونَسينا» (¬1).
وهذا الفعلُ منهم - رضي الله عنهم - لشدّةِ وَرِعهم وخوفهم من الله - عز وجل - وتورُّعاً أن يقع عليهم النهي الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (¬2).
وسبب قلّة الرواية عن كبار الصحابة - رضي الله عنهم - من المجتهدين: أنَّهم كانوا يُرجِّحون فيما استقرَّ عليه الشرع وما هو الناسخ من المنسوخ وما يعمل به وما لا يعمل به، ويكتفون ببيان ذلك في سلوكهم وفتاويهم دون الحاجة إلى رواية الحديث، ولا يرون حاجة إلى رواية كلّ ما سمعوه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا مسلك المجتهدين فيما بعد كأبي حنيفة ومالك؛ لذلك اقتصر مالك إجمالاً في موطئه على المعمول به عنده (¬3)، بخلاف
¬
(¬1) ينظر هذه النصوص وغيرها في ابن الجوزي، الموضوعات،1: 93 في استدلاله على الاحتياط في الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وشدتها.
(¬2) مسلم، الصحيح، 4: 2298.
(¬3) وهذا ما قرَّره السيد أحمد الغُماري، فقال: الموطأ هو كتاب الإمام الذي ألفه بيده، وخرج فيه لنفسه ما رآه واختار العلم به من الأحاديث وآثار الصحابة والتابعين، وترجم لذلك بما أداه إليه اجتهاده، وقصد بالكتاب أن يكون أصلاً لمذهبه ومرجعاً لدلائله، ولم يقصد أن يجعله ديواناً عاماً يجمع ما ورد من السنن والآثار، ما أخذ به منها وما لم يؤخذ به، إذا لو فعل ذلك لكتب فيه آلافاً مؤلفة من الأخبار والآثار على سعة حفظه وامتداد باعه، ولجاء في عدة مجلدات ككتب غيره من الأئمة والحفاظ الذي قصدوا استيعاب السنن والآثار على حسب ما بلغهم، فلمّا لم يفعل ذلك ومكث في تنقيحه وتهذيبه نحو أربعين سنة، إلى أن ترك فيه من الأحاديث المرفوعة ما لا يبلغ السبعمئة، دلَّ على أنَّه ما ذكر فيه إلا اختياره ومذهبه، كما أنَّه يترجم للمسألة وفيها الحديث الصحيح باتفاق، فلا يورده لكونه غير عامل به لدليل أوجب له ذلك، ويذكر في مقابله أثر موقوفاً أو مقطوعاً، وهو أدل دليل على أنَّه لم يقصد بتدوينه إلا ذكر ما هو اختياره ومذهبه ... ينظر: ممدوح، التعريف بأوهام مَن قسم السنن إلى صحيح وضعيف،1: 50ـ52 عن المثنوي والبتار1: 74، 75.
غيرهم من المُحدِّثين الذين يهتمون في نقل كلِّ ما وَرَد عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فشابه فعلُهم فعلُ الصحابي الجليل أبي هريرة - رضي الله عنه - الذي كان يُكثر الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع قصر زمان صحبته بالنسبة لكبار الصحابة - رضي الله عنهم -.
وهذه الحقيقة اللطيفة يوضحها لنا تقي الدين التميمي، فيقول (¬1): «إنَّ صاحبَ المقالة والمذهب إذا انتهى إليه الخبر أخذ حكمه المشتمل عليه فدونه، وأثبته عنده، وجعله أَصلاً ليقيس عليه نظائره، فمَرّة يُفتي بحكمِه ولا يروي الخبر، فيخرجُه على وجه الفتوى، فيَقِفُ لفظُ الخبر وينقطعُ عنده، وكذا فعلُ أَكثر فقهاء الصحابة: كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وزيد، وغيرهما من فقهاء الصحابة - رضي الله عنهم -.
ويدلُّك على هذا أنَّ الخلفاء الأربعة صحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مبعثه إلى وفاته، وكانوا لا يَكادون يُفارقونه في سفر ولا حضر، وكذلك
¬
(¬1) في الطبقات السنية في تراجم الحنفية،1: 117ـ118.
عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر - رضي الله عنهم -.
وأبو هريرة - رضي الله عنه - أكثرُ روايةً منهم، وإنَّما صَحِب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نحو سنتين؛ لأنَّه تأخر إسلامُه، أفتراه سَمِع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر ممَّا سمع هؤلاء، أو شاهد أَكثرَ ممّا شاهد هؤلاء!! وقد رَوَى الناسُ عنه أكثر مما رَوَوْا عنهم!! وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - كانوا فقهاءُ الصحابة، وكانوا أصحاب مقالات ومذاهب، وكذلك عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وكانوا يُفتون بكلِّ علم صدرَعن قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أو عن فعلِه، فيُخرجونه على وجه الفتوى، ولا يَرْوُونه، ورُبَّما رواه البعضُ منهم عند احتياجه إلى الاحتجاج به على غيرِهِ ممَّن خالفَه من نُظَرائه.
وهذا هو المَعْنيُّ في قلّة روايةِ ذي المقالة والمذهب عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - للنّاس، وقلّةِ رِوايتهم عنه.
وأمّا هو ـ أي أبو هريرة - رضي الله عنه - ـ فقد سَمِع من الأخبار، وجَمَعَ ما لم يُحِط به غيرُه، فإنّ الأَخبارَ منها ناسخٌ ومنسوخ، ومثبتٌ وناف، وحاظرٌ ومبيح، ونحو ذلك، فإذا وَرَدَ جميع ذلك إلى صاحب المقالّة نَظَرَ فيها، وأَخَذَ بالناسخ منها، وهو المتأخر، فإن لم يعلم المتأخرَ، أَخَذَ بأرجحهما عنده وتركَ الآخر، فإذا أَخَذَ المتأخر أو ما رَجَحَ عنده، فرُبَّما رواه، ورُبَّما أَفَتَى بحكمِه ولم يروه، وأَسْقَط ما نافاه، ولم يُلتفت إليه، وأصحاب
الحديث يرون الجميع؛ فلهذا قلَّت رواية الخلفاء الأربعة ومَن بعدهم من الفقهاء.
وقد يَرِد أيضاً الخبر من طرق كثيرة، فيقتصر صاحبُ المذهب منه على أَصحِّ الطرق فيرويه منها، ورُبّما أَفتى بحكمه ولم يروه، وأَصحابُ الحديث يَرْوُونه من جميعِ طرقِه، فلهذا قلَّت الرِّواية عن الفقهاءِ أُولي المقالات».
وفي كلامِ التميميّ تفسيرٌ وتوضيحٌ بديعٌ لسببقلّة الرواية وكثرتها بين الفقهاءِ والمُحَدِّثين، وبيانٌ لسببِ اعتمادِ الفقهاءِ على تصرّفاتِ الصحابة - رضي الله عنه -؛ لأنَّها صورة من صور نقل سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقرب عهد أبي حنيفة ومالك من الصحابة - رضي الله عنهم - أَمكنهم من الوقوفِ بطرقٍ مشهورةٍ ومتواترةٍ على أقوالِهم وأفعالِهم في مدارسِهم الفقهيّة، فجعلوهم ركيزةً لهم في معرفةِ ما انتهى إليه العمل على عهدِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، واعتمادها طريقاً دقيقاً للتثُّبت في النقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والترجيح بين الرِّوايات المتعددة للأحاديث، وأنعم به من طريقٍ موثوقٍ به ممَّن رَبّاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم ربُّ العزّة.
المطلب الثالث: في أدلة اعتبارِ أَقوال الصحابة - رضي الله عنهم - وأفعالهم سنةً:
هناك دلائل كثيرة استفاض السادة الحنفية في إيرادها في إثباتِ حجيّةِ قول الصحابة - رضي الله عنهم - نقتصر هاهنا على أبرزها، وهي كالآتي:
1. عن العِرْباض بن سارية - رضي الله عنه -: قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومُحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة» (¬1)، وهذا صريح من النبي - صلى الله عليه وسلم - في اعتبار تصرّفات الخلفاء سنة يقتدى بها، وهم كبار مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم -.
2. وعن حذيفة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (¬2)، وفي لفظ: «كنا جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر،
¬
(¬1) أبو داود، السنن، 2: 610، والترمذي، السنن، 5: 44، وصححه، وابن ماجة، السنن،1: 15، وأحمد، المسند، 4: 126، والدارمي، السنن، 1: 57، وابن حبان، الصحيح، 1: 178، والطبراني، المعجم الكبير، 18: 245.
(¬2) الترمذي، السنن، 5: 609، وحسنه، وابن ماجة، السنن، 1: 37، وأحمد، المسند، 5: 382، وغيرها.
واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه» (¬1)، وهذا صريح في اتباع هديهم، وفي اعتباره سنة يلزم ذلك.
3. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (¬2)، قال ابن حجر (¬3): ذكر عن البيهقي أنَّه قال: إنَّ حديث مسلم يؤدي بعض معناه، يعني قوله - صلى الله عليه وسلم -: «النجوم أمنة (¬4) للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون،
¬
(¬1) الترمذي، السنن، 5: 668، وحسنه، وابن حبان، الصحيح، 15: 327، والحاكم، المستدرك،3: 79، وغيرها.
(¬2) في عبد بن حميد، المسند، 1: 250، والشهاب، المسند، 2: 275، وابن مندة، الفوائد، 1: 29، قال ابن قطلوبغا في خلاصة الأفكار ص58: «رواه الدارقطني وابن عبد البر من حديث ابن عمر - رضي الله عنهم -، وقد رُوي معناه من حديث عمر - رضي الله عنه -، ومن حديث ابن عباس - رضي الله عنه -، ومن حديث أنس - رضي الله عنه -، وفي أسانيدهما مقال، لكن يشدّ بعضها بعضاً»، وحسنه الصغاني والطيبي، قال اللكنوي في تحفة الأخيار ص53: «روي ذلك بألفاظ مختلفة، وقد طالب كلامهم على هذا الحديث تضعيفاً وجرحاً، حتى ظنَّ بعضهم أنَّه حديث موضوع، وليس كذلك، نعم طرق روايته ضعيفة، ولا يلزم منه وضعها».
(¬3) في تلخيص الحبير، 4: 4: 191، وينظر: اللكنوي، تحفة الأخيار، ص56.
(¬4) الأَمَنة: الأمن والأمان، والمراد بما تُوعَدُ: التكدُّرُ والتناثر، والمراد بما يوعدون: الأول: ما ظهر بعده - صلى الله عليه وسلم - من الفتن والحوادث وارتداد العرب، والمراد بالثاني: ما ظهر بعد انقراض الصحابة - رضي الله عنهم - من طمس السنن وظهور البدع والحوادث في الدين، كذا قال النووي. ينظر: اللكنوي، نخبة الأنظار، ص59.
وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» (¬1)، ودلالته واضحة على الالتزام بهديهم وسلوكه وأنَّه فيه الفلاح والنجاح للأمة.
4. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «إنَّ الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثُمَّ نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيء» (¬2)، قال اللكنوي (¬3): «يدل على أنَّ ما رآه الصحابة - رضي الله عنهم - لاسيما الوزراء الأربعة حسناً فهو عند الله حسن، فيكون اختياره أمراً حسناً ومندوباً لا محالة».
5. وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: «مَن كان مستناً فليستنّ بمَن قد مات، أولئك أصحاب مُحمّد - صلى الله عليه وسلم - كانوا خيرُ هذه الأمّة، أَبرُّها قلوباً، وأَعمقُها
¬
(¬1) مسلم، الصحيح، 4: 1961، وابن حبان، الصحيح، 16: 234، وأحمد، المسند، 4: 398، وغيرها.
(¬2) أحمد، المسند، 1: 379، والحاكم، المستدرك،3: 83، وصححه، والطبراني، المعجم الأوسط، 4: 58، والطبراني، المعجم الكبير، 9: 112، والطيالسي، المسند، 1: 33، وغيرهم.
(¬3) في تحفة الأخيار، ص48.
علماً، وأَقلّها تكلّفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم -» (¬1)، وهذا أمر صريح باتباع سلوكيات الصحابة - رضي الله عنهم -.
6. وعن علي - رضي الله عنه -، قال: «جلد النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعين، وجلد أبو بكر - رضي الله عنه - أربعين، وعمر - رضي الله عنه - ثمانين، وكلٌّ سنة» (¬2)، وهذه شهادة واضحة أنَّ سلوك هؤلاء الأئمة سنة يقتدى بها.
7. وإنَّ السنة تطلقُ على العملِ والتطبيقِ المُتَّبعِ في زمنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله عنهم - بدون اختلاف بينهم في اصطلاح السلف؛ فعن الزُّهري - رضي الله عنه -، قال: «مضت السنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخليفتين من بعده ألا تجوز شهادة النِّساء في الحدود» (¬3)، وعن الزُّهْرِيِّ - رضي الله عنه -: «مضتِ السنّة أن تجوزَ شهادةُ النساءِ فيما لا يطَّلع عليه غيرهنّ من ولاداتِ النساءِ وعيوبهنّ» (¬4).
¬
(¬1) أبي نعيم، حلية الأولياء،1: 305، ومثله مروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - كما في التهانوي، كشاف الاصطلاحات، 1: 983.
(¬2) مسلم، الصحيح،3: 1131، ومالك، الموطأ، 3: 80، وأبو داود، السنن، 2: 568، وغيرها.
(¬3) ابن أبي شيبة، المصنف، 5: 533، ويؤيده: عن حذيفة - رضي الله عنه -: «أجازَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادةُ القابلةِ على الولادة» البيهقي، السنن الكبير،10: 151، والدارقطني، السنن، 4: 232، والطبراني، المعجم الأوسط، 1: 189.
(¬4) عبد الرزاق، المصنف، 8: 333،وعن عليّ - رضي الله عنه -: «أنَّه كان يجيز شهادة القابلة» البيهقي، السنن الكبير، 10: 152، والدارقطني، السنن، 4: 233.
ففي هذ الاستدلال تصريحٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - والتابعين على لزوم سلوك طريق الصحابة - رضي الله عنهم - وأنَّها سنةٌ يُقتدى بها، ولا ننسى ما سبق ذكره في التمهيد من نصوص عديدة مرشدة إليه، وسبق في مبحث حجيّة قول الصحابة - رضي الله عنهم - إفاضات في الاستدلال على هذا الطريق القويم بما يثلج الصدر على حسنه، وأنَّ فيه نصرة عظيمة لهدي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يضيع منه شيء، فكان قولُهم وعملُهم حجّةً.
* * *
الخاتمة:
ونخلص في هذا البحث إلى ما يلي:
1. اختلف الحنفية في حجية قول الصحابي - رضي الله عنه - على رأيين، فمنهم مَن اعتبره حجةً مطلقاً، وعليه عامّة علماء المذهب، وذهب الكرخي إلى أنَّه حجة فيما لا يدرك بالقياس.
2. إنَّ تأثير أقوال الصحابة - رضي الله عنهم - في المذهب الحنفي لا يُمكن حصرها؛ لأنَّها تُمَثِّلُ الاستدلال الأكثر والأقوى، وبناءُ المذهب واعتماده عليها في تأصيله وتقعيده وتفريعه.
3. إنَّ كافة كتب الأصول عند الحنفية مطبقة على إدراج قول الصحابي - رضي الله عنه - في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
4. إنَّ هذا الطريقُ الذي سلكه الحنفية في إدراج تصرفات الصحابة - رضي الله عنهم - في السنة هو طريقالسلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الدين - رضي الله عنهم -، لاسيما مؤسس مدرسة الكوفة الأوّل من الصحابة - رضي الله عنهم - وهو عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه -، فجزاهم الله خير الجزاء على هذه النصرة لسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
5. إنَّ اعتماد مدرسة الحنفية في فقهها على المأثور عن الصحابة - رضي الله عنهم - سببُه: تقديمُهم لاجتهادهم وعلمُهم فيما عليه العمل من هدي المصطفى - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه تيسّرت لهم من الأسباب التي تُمكنهم من ذلك ما لم يَتَيسّر لغيرهم.
6. إنَّ سبب قلّة الرواية عن كبار الصحابة - رضي الله عنهم - من المجتهدين: أنَّهم كانوا يُرجِّحون فيما استقرَّ عليه الشرع وما هو الناسخ من المنسوخ وما يعمل به وما لا يعمل به، ويكتفون ببيان ذلك في سلوكهم وفتاويهم دون الحاجة إلى رواية الحديث، ولا يرون حاجة إلى رواية كلّ ما سمعوه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
7. استطاع الحنفية أن يسلكوا طريقاً قوياً ودقيقاً في تحريرِ ما وَرَد عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بفهمِ وترجيحِ واجتهادِ عِلْيَةِ القومِ وهم أصحابه - صلى الله عليه وسلم -.
8. إنَّ السادةَ الحنفيةَبسلوكهم هذا المسلك حافظوا على عدم ضياع شيء من سنة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ الصحابةيمثلون آخر ما استقر عليه الشرع الحكيم.
* * *
المراجع:
1. ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد (1409هـ)، المصنف في الآحاديث والآثار، ط1، مكتبة الرشيد، الرياض.
2. ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، التحقيق في أحاديث الخلاف، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
3. ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، العلل المتناهية، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
4. ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، الموضوعات، ط1،المكتبة السلفية، مكة المكرمة.
5. ابن الحاج، محمد العبدري المالكي الفاسي، المدخل، دار التراث.
6. ابن العيني، عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد (1316هـ)، شرح العيني على المنار، المطبعة العثمانية، دارالخلافة.
7. ابن النجار، محمد الحنبلي، شرح الكوكب المنير، مطبعة السنة المحمدية.
8. ابن الهمام، محمد بن عبد الواحد (1351هـ)، التحريرفي أصول الفقه، مطبعة الحلبي.
9. ابن الهمام، محمد بن عبد الواحد (1351هـ)، فتح القدير للعاجزالفقيرعلى الهداية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
10. ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، مصر.
11. ابن عبد البر، يوسف (1398هـ) جامع بيان العلم، دار الكتب العلمية، بيروت.
12. ابن قطلوبغا، قاسم، خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار، بعناية د. صلاح أبو الحاج، مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات، الإصدار 1.
13. ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجة، دار الفكر، بيروت.
14. ابن ملك، محمد بن ابراهيم الحلبي (1315هـ)، أنوار الحلك على شرح المنار، مطبعة عثمانية، در سعادت.
15. ابن منده، عبد الوهاب بن محمد (1412هـ) الفوائد، ط1، دار الصحابة للتراث، طنطا.
16. ابن منظور، محمد الأفريقي المصري، لسان العرب، دار المعارف.
17. ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم (1355هـ)، فتح الغفار بشرح المنار، ط1، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.
18. الأزدي، الربيع بن حبيب بن عمر (1415هـ)،مسند الربيع، ط1، دارالحكمة، مكتبة الاستقامة، بيروت.
19. الأصبحي، مالك بن أنس، موطأ مالك، دارإحياء التراث العربي، مصر.
20. الأصبهاني، أبي نعيم أحمد بن عبدالله (1403هـ)، حلية الأولياءوطبقات الأصفياء، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
21. أمير بادشاه، محمد أمين الحسيني، تيسير التحرير، دار الفكر.
22. الأنصاري، عبد العلي محمد بن نظام الدين، فواتح الرحموت بشرح مُسَلَّم الثُّبُوت، دار العلوم الحديثية، بيروت.
23. الأولوي، حسين بن إبراهيم بن حمة (2005م)، ضوء الأنوار في شرح مختصر المنار، ط1، المكتبة الأزهرية، القاهرة.
24. البخاري، عبد العزيز بن أحمد، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي.
25. البخاري، محمد بن إسماعيل الجعفي، (1407هـ)، صحيح البخاري، ط3، دار ابن كثيرواليمامة، بيروت.
26. البخاري، محمدبن إسماعيل، (1409هـ)، الأدب المفرد، ط3،دار البشائر الإسلامية، بيروت.
27. بدخشي، محمد أنور، (1420ه) أصول الفقه للمبتدئين، ط1،مكتبة الإيمان، كراتشي.
28. البزّار، أحمد بن عمرو، (1409هـ)، البحر الزخار، ط1،مكتبة العلوم والحكم، بيروت.
29. البزدوي، علي بن محمد بن محمد، أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي.
30. البعلي، محمد بن أبي الفتح، (1981م)، المطلع على أبواب الفقه، المكتب الإسلامي، بيروت.
31. البهاري، محب الله بن عبد الشكور، (1326هـ)، مسلم الثبوت، المطبعة الحسينية المصرية.
32. البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي، (1414هـ)، سنن البيهقي الكبير، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة.
33. التركماني، عبد المجيد، (2009م)، دراسات في أصول الحديث على منهج الحنفية، ط1، من منشورات مدرسة النعمان.
34. الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي بيروت.
35. التفتازاني، سعد الدين، (1324هـ)، التلويح في حل غوامض التنقيح، ط1، المطبعة الخيرية، مصر، وأيضاً: مطبعة صبيح، مصر.
36. التميمي، تقي الدين بن عبد القادر، (1403هـ)، الطبقات السنية في تراجم الحنفية، دار الرفاعي، الرياض.
37. التميمي، محمد بن حبّان، (1414هـ)، صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت.
38. التهانوي، ظفرأحمد، (1418هـ)، إعلاء السنن، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
39. التهانوي، محمد علي، (1996م)، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ط1، مكتبة لبنان.
40. الجرجاني، الشريف، (1416هـ)، مختصر الشريف الجرجاني، ط3، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.
41. الجرجاني، عبد الله بن عدي، (1409هـ)، الكامل في ضعفاء الرجال، ط3، دار الفكر، بيروت.
42. الجصاص، أحمد بن علي، الفصول في الأصول، ط2، وزارة الأوقاف الكويتية.
43. الخادمي، أبو سعيد، (1308هـ)، مجامع الحقائق، دار الطباعة العامرة.
44. الخادمي، أبو سعيد، (1308هـ)، منافع الدقائق شرح مجامع الحقائق، دار الطباعة العامرة.
45. الخطيب، أحمد بن علي (1395هـ)، الفقيه والمتفقه، دار الكتب العلمية، بيروت.
46. الدارقطني، علي بن عمر، (1386هـ)، سنن الدارقطني، دار المعرفة، بيروت.
47. الدرامي، عبدالله بن عبد الرحمن، (1407هـ)، سنن الدارمي، ط1، دار التراث العربي، بيروت.
48. الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، طبعة الكويت.
49. الزحيلي، وهبة، (1986هـ)، أصول الفقه الإسلامي، ط1، دار الفكر.
50. الزركشي، محمد بن بهادر، (1391هـ)، البرهان في علوم القرآن، دار المعرفة، بيروت.
51. الزركشي، محمد بن بهادر، البحر المحيط في أصول الفقه، دار الكتبي.
52. الزيلعي، عبدالله بن يوسف، (1357هـ)، نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، دار الحديث، مصر.
53. السجستاني، سليمان بن أشعث، سنن أبي داود، دار الفكر، بيروت.
54. السرخسي، محمد بن أحمد، (1342هـ)، أصول السرخسي، دار المعرفة، بيروت.
55. السلمي، محمد بن خزيمة، (1390هـ)، صحيح ابن خزيمة، المكتب الإسلامي، بيروت.
56. السمرقندي، محمد بن أحمد، (1407هـ)، ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه، ت: د. عبد الملك السعدي، ط1، طباعة وزارة الأوقاف العراقية.
57. الشاطبي، إبراهيم بن موسى اللخمي، الاعتصام، المكتبة الشاملة.
58. الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات في أصول الشريعة، دار المعرفة، بيروت.
59. الشافعي، محمد بن إدريس، مسند الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت.
60. الصالحي، محمد بن يوسف، عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة.
61. صدر الشريعة، عبيد الله بن مسعود، (1327هـ)، التنقيح، دار الكتب العربية الكبرى.
62. صدر الشريعة، عبيد الله بن مسعود، (1327هـ)، التوضيح شرح التنقيح، دار الكتب العربية الكبرى.
63. الصنعاني، عبد الرزاق بن همام، (1403هـ)، المصنف، ط2،المكتب الإسلامي، بيروت.
64. الطبراني، سليمان بن أحمد، (1404هـ)، المعجم الكبير، ط2،مكتبة العلوم والحكم، الموصل.
65. الطبراني، سليمان بن أحمد، (1415هـ)، المعجم الأوسط، دار الحرمين، القاهرة.
66. الطيالسي، سليمان بن داوود، مسند أبي داوود الطيالسي، دار المعرفة، بيروت.
67. عبد الخالق، عبد الغني، (1981م)، حجية السنة، الدار العالمية للكتاب الإسلامي والمعهد العالمي للفكر الإسلامي.
68. العسقلاني، أحمد بن علي، (1384هـ)، تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرَّافِعِي الكبير، المدينة المنورة.
69. العسقلاني، أحمد بن علي، الدراية في تخريج أحاديث الهداية، دارالمعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
70. علي بن مجد الدين، (1411هـ)، الحدود والأحكام الفقهية، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
71. عليش، محمد بن أحمد، فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، دار المعرفة.
72. عوامة، محمد، (1987م)، أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء، ط2، دارالسلام، القاهرة.
73. الفيومي، أحمد بن علي، (1909م)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، ط2، المطبعة الأميرية.
74. القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك، موقع الوراق.
75. القُضاعي، محمد بن سلامة، (1407هـ)،مسند الشهاب، ط2، مسند الشهاب، مؤسسة الرسالة، بيروت.
76. القونوي، قاسم بن عبد الله، (1406هـ)، أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، ط1، دار الوفاء، جدة.
77. الكراماستي، يوسف بن حسين، (1984م)، الوجيز في أصول الفقه، دار الهدى، القاهرة.
78. الكسي، عبد بن حميد بن نصر، (1408هـ)، مسند عبد بن حميد، ط1، مكتبة السنة، القاهرة.
79. الكوثري، محمد زاهد، (1419هـ)، تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب، ط1، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة.
80. الكوثري، محمد زاهد، (1997م)، فقه أهل العراق وحديثهم، ط1، دار الثريا، دمشق.
81. الكيلاني، محمد خليفة، منهج الحنفية في نقد الحديث بين النظرية والتطبيق، http://www.neelwafurat.com/itempage
82. اللكنوي، عبد الحي، (1992م)، نخبة الأنظار على تحفة الأخيار، ط1، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.
83. اللكنوي، محمدعبدالحليم، (1316هـ)، قمر الأقمار على كشف الأسرار على المنار، المطبعة الأميرية، بولاق.
84. اللكنوي، عبد الحي، (1416هـ)، ظفر الأماني بشرح مختصر الشريف الجرجاني، ط3، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.
85. اللكنوي، عبد الحي، (1992م)، تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار، ط1، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.
86. المحلي، شرح المحلي على جمع الجوامع، دار الكتب العلمية.
87. مسلم، مسلم بن الحجاج القشيٍريّ، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
88. المطرّزي، ناصر بن عبد السيد، المغرب في ترتيب المعرب، دار الكتاب العربي.
89. المقدسي، محمد بن عبد الواحد، (1410هـ)، الأحاديث المختارة، ط1،مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة.
90. ملا خسرو، محمد بن فرامُوز بن علي، (1291هـ)، مرآة الأصول في شرح مرقاة الوصول، مطبعة الحاج محرم أفندي البوسني.
91. ملاخسرو، محمد بن فراموز بن علي، (1291هـ) مرقاة الوصول، مطبعة الحاج محرم أفندي البوسنوي، مع مرآة الأصول.
92. ممدوح، محمود سعيد، (2000م)، التعريف بأوهام من قسم السنن إلى صحيح وضعيف، ط1، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث.
93. الميهوي، أحمد بن أبي سعيد الصديقي (1316هـ)، نور الأنوار شرح المنار، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر.
94. النسائي، أحمد بن شعيب، (1406هـ)، المجتبى من السنن، ط2، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.
95. النسائي، أحمد بن شعيب، (1411هـ)، سنن النسائي الكبرى، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
96. النسفي، عبدالله بن أحمد، (1326هـ)، المنار في أصول الفقه، در سعادات.
* * *