الجزء 1 · صفحة 5
Qمقدمة بين يدي الكتاب
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى، وعلى آله وصحبه أهل الصدق والوفا.
وبعد:
فإن النشأة الأولى لعلم المنطق كانت في أحضان مدارس فلاسفة وحكماء اليونان كارستطاليس وأرسطو، ولم يكن إلاّ ممزوجاً بمسائل فلسفية كافرة، وبقي في تلك المدارس قروناً عديدة مكتوباً باللغة اليونانية، ولم تكن العرب في جاهليتها تعرف منطق الفلاسفة، وإنما كانت فطرتهم السليمة، وسليقتهم، ومحاوراتهم تشتمل على بعض قواعدهم المنطقية التي لا تصطدم مع شرع من الشرائع ودين من الأديان.
وعندما نُقِلَ المنطق اليوناني في عصر الدولة العباسية إلى اللغة العربية، رأى العلماء أن هذا العلم خطير على عقائد المسلمين، وذلك بسبب خلط الفلسفة الكافرة به فأفتى جمع من الفقهاء بحرمة تعلمه كالإمام النووي وابن الصلاح وأضرابهما. وقال من كان لا يرى بأساً بالاشتغال به ـ إذا كان له ملكة تمنعه من التأثر بآرائهم ـ:
(يحسن تعلمه)، وهم الشيخ الرئيس ابن سينا، والمعلم الثاني أبو نصر الفارابي، والقاضي الفيلسوف ابن رشد، وقال غيرهم غير ذلك، فعُلِمَ من هذا أن كلام المتقدمين إنما كان في المنطق اليوناني فحسب، أما المنطق الذي ... بأيدي أهل العلم اليوم فإنه علم إسلامي لم يتكلم فيه العلماء، بل كان أكثرهم مشتغلاً به تعليماً وتصنيفاً.
ولما صعب تمييزه عن المسائل الفلسفية قام الإمام الفقيه حجة الإسلام
أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى بتجريده عنها، وترتيب أبوابه وتهذيب أبحاثه، فأصبح علماً موافقاً للشرع واللغة والعقل السليم، ومشى على خطا الإمام الغزالي في
الجزء 1 · صفحة 6
التهذيب والتحرير والترتيب الإمام المفسر فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى لكنه ضم إلى جهد الإمام الغزالي جهداً آخر ألا وهو زيادة قواعده، وتغيير أبوابه، فكساه ثوباً جميلاً آخر. ثم جاء بعده من نشط لتوسيع أبحاثه، والإسهاب في بيان قواعده، ثم جاء من صنف فيه المطولات والمختصرات، حتى تكاملت حلقات جهود أئمة المسلمين في خدمة هذا العلم الذي يُحتاج إليه في كل العلوم الإسلامية، لاسيما الأصول والكلام.
ومن درس العلوم الإسلامية ودرّسها علِم شدة الاحتياج إليه، إذ هو قواعد عقلية تحفظ ذهن صاحبها ـ إذا روعيت ـ عن الخطأ، فترى المناظر عند مناقشته لأرباب البدع يحتاج إليه، وترى الأصولي عند بيان القواعد الأصولية يضطر إلى تقديمه، إذ تلك القواعد عقلية أيضاً ـ وإن كانت فقهية ـ لذا ترى الإمام الغزالي يكثر في كتابه «معيار العلوم»، من الأمثلة الفقهية لغرض توضيح القواعد المنطقية، بل ترى المحدث في التعاريف لا يستغني عن اصطلاحاته فيقول عند شرح مفردات التعريف: هذا جنس، وهذا فصل وهكذا درج الأئمة في مصنفاتهم، ولا يمكن للطالب أن يفهم كتب أهل العلم جيداً إلاّ بأن تكون له معرفة به. وانظر فيما كتبته في حكم تعلم المنطق في رسالة مستقلة.
والعلماء المتأخرون لم تقصر هممهم على كتب المتقدمين كالغزالي وأضرابه بل سلكوا مسلكاً جديداً في التصنيف إضافة لما استفادوه من الكتب المتقدمة، فإنهم ناقشوا مَن قبلهم في مسائل كثيرة، وفصّلوا ما أُجمل، وأوضحوا ما أُبهم، وقيّدوا ما أُطلق، واستثاروا الأبحاث النادرة، ودفعوا الشكوك والأوهام بالبراهين، واستدركوا ما لابد منه، فصارت مصنفاتهم محط أنظار العلماء الجهابذة لكونها محررة غاية التحرير، ومهذبة أيما تهذيب، ومنقحة جدَّ التنقيح، وبعد هذا الجهد الكبير وضعوا متوناً كثيرة، منها ما استوعبت قواعد الفن، ومنها ما ذكر فيها بعضها، كمتن الإيساغوجي للإمام العلاّمة المتفنن الشيخ أثير الدين مفضّل بن عمر الأبهري
الجزء 1 · صفحة 7
المتوفى في حدود سنة 700 هـ وهذا المتن المتين قد لقي في صفوف أهل العلم قَبولاً ورِواجاً ببركة نيّة مؤلفه وإخلاصه، فكثرت كتابة الشروح والحواشي عليه، حتى لا يمكن عدّها لكن نذكر بعض الشروح تبياناً وتبصرة.
فمن أوائل الشروح عليه شرح العلاّمة المحقق حسام الدين حسن الكاتي المتوفى سنة 760 هـ توخّى شارحه الإيضاح الموجز، وسهولة التعبير، مع رصانة الأسلوب، وكُتِبَ عليه حواشٍ رائقة، تكفّلت بإتمام بعض أبحاثه، ودفعِ بعض إيراداته، وتقييد شوارده، وإبراز فرائده. ومن أنفعها حاشية المولى المحقق خاتمة المحققين الفقيه الأصولي المتكلم عبد الحكيم السيالكوتي الهندي المتوفى سنة 1067 هـ، وحاشية العلاّمة المحقق محي الدين، وحاشية المولوي المطبوعة بهامش الشرح الشهيرة بالقول المعقول، وقد وفقني الله تعالى لكتابة حاشية جامعة ماتعة قبل سنين على شرح الكاتي أرجو الله أن ينفع بها.
ومن الشروح عليه شرح الإمام العلاّمة الفقيه الأصولي المفسر الشيخ شمس الدين محمد بن حمزة الفناري المتوفى سنة 834 هـ، وكاد هذا الشرح يكون لغزاً لإيجازه ومتانة أسلوبه. ومنها شرح العلاّمة الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الشهير بالأبدي، ومنها شرح الشريف نور الدين علي بن إبراهيم الشيرازي المتوفى سنة 862 هـ تلميذ العلاّمة الشريف الجرجاني، ومنها شرح الإمام الفقيه المحدّث المقرئ شيخ الإسلام زكريّا الأنصاري المتوفى سنة 910 هـ، ومنها شرح العلاّمة المحقق محمود المغنيسي الذي سمّى شرحه بمغني الطّلاّب، والحق يقال: إن شرحه هذا مِن أدقّ الشروح، وأنفعها، وأكثرها فائدة، والمدرّسون المحققون عندما يرونه يندهشون من يراع شارحه العلاّمة، كم أجاد في تحقيق مسائِل مشكِلة بلا تكلّف، واستثار أبحاثاً نادرة في غاية الدّقة، ودفع شكوكاً كانت تترآى لبعض الشارحين بلا مؤونة، وأنا الفقير قد درّسته مراراً فأضمن لمن فهمه جيداً أن يكون مستعداً للولوج في دراسة كتب المنطق الصعبة الطويلة بشرط وجود مدرّس خبير بطرق التعليم
الجزء 1 · صفحة 8
محققٍ متقنٍ صالح، ووجود طالب مستعد راغب في التحقيق. ومنها شرح أكمل المدققين العلاّمة الشيخ إسماعيل الكلنبوي المتوفى سنة 1205 هـ وهذا الشرح صعب على طلاّب اليوم، لما فيه من مباحث معضلة، وعبارات دقيقة، ومسائل لطيفة. وقد اعتاص تعليمه على كثيرين، حتى اضطر بعض المدرّسين إلى تركَ إقراءه للطلاّب. وهناك شروح وحواشٍ كثيرة، طويتُ صفحة ذكرها خوف الإطالة في هذه المقدمة.
ونضع اليوم بين أيدي أهل العلم شرح العلاّمة حسام الدين حسن الكاتي لمتن أثير الدين الأبهري المشهور بإيساغوجي، مصححاً ومطبوعاً بأحسن صورة، وقد كان قديماً مطبوعاً في مطابع حجرية هندية، ولم يطبع بعدها على ما نعلم فنشكر الله تعالى على توفيقه لطبع هذا الشرح الشريف الموسوم بقال أقول، ونشكر من قام بطبعه وتصحيحه من طلاّب العلم الأمجاد حفظنا وحفظهم مولانا من أهوال يوم التناد، وتقبل منا هذا العمل إنه مجيب الدعاء هذا وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وصلى الله على سيدنا محمد كلما ذكرك وذكره الذاكرون وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه بقلمه
خادم العلم وأهله
قاسم بن نعيم الطائي الحنفي
الإمام والمدرّس في مسجد ومدرسة السليمانية
ببغداد المحمية
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء 1 · صفحة 9
اللفظُ الدالُّ على تَمامِ ما وُضِعَ له بالمُطابقةِ وعلى جُزئِهِ بالتضمُّنِ إن كان له جزءٌ وعلى ما يُلازمه في الذهنِ بالالتزامِ كالإنسان فإنه يدُلُّ على الحَيوان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواجب وجوده الممتنع نظيره الممكن سواه وغيره الصادر باختياره شره وخيره والصلاة والسلام على رسوله محمد الذي انتشر به نهيه وأمره.
أمّا بعد:
فإن كتاب الشيخ الإمام قدوة الحكماء الراسخين أثير الدين الأبهري طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه المشهور بايساغوجي لما كان على بعض الإخوان متعسراً وعلى بعضهم متيسراً أردت أن أكتب بالتماسهم أوراقاً لتزيل تعسره وتعمم تيسره والله خير الميسرين والموفقين
قال ايساغوجي: (اللفظُ الدالُّ على تَمامِ ما وُضِعَ له بالمُطابقةِ وعلى جُزئِهِ بالتضمُّنِ إن كان له جزءٌ وعلى ما يُلازمه في الذهنِ بالالتزامِ كالإنسان فإنه يدُلُّ على الحَيوان الناطق بالمُطابقةِ وعلى أحدهِما بالتضمُّنِ وعلى قابلِ العِلم وصَنعةِ الكتابة بالالتزام).
أقول: إن للمنطقيين اصطلاحات يجب استحضارها على المبتدئ إذا أراد أن يشرع في شيء من العلوم ومنها ايساغوجي: وهو لفظ يوناني يراد به الكليات
الناطق بالمُطابقةِ وعلى أحدهِما بالتضمُّنِ وعلى قابلِ العِلم وصَنعةِ الكتابة بالالتزام ثمَّ اللفظُ إمَّا مفردٌ وهو الذي لا يُرَادُ بالجُزءِ مِنهُ دِلالةٌ على جُزءِ
الخمس وهي: الجنس والنوع والفصل و الخاصة والعرض العام، وهذه يتوقف معرفتها على بيان الدلالات الثلاث وهي: المطابقة، والتضمن، والالتزام، وأقسام اللفظ والدلالة هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، الأول هو الدال،
الجزء 1 · صفحة 10
والثاني هو المدلول، فمن هذا عرفت أن الدليل هو الذي يلزم من العلم به العلم بشيء آخر وكذا عرفت أن المدلول هو الذي يلزم من العلم بشيء آخر العلم به، والدلالة تنقسم إلى أقسام ثلاثة: طبعية، وعقلية، ووضعية، فالدلالة الطبعية أن تكون بحسب اقتضاء الطبع كدلالة أُح أُح على وجع الصدر فإن طبع اللافظ يقتضي التلفظ به عند عروض الوجع، والدلالة العقلية أن تكون بحسب اقتضاء العقل كدلالة لفظ ديز المسموع من وراء الجدار على وجود اللافظ والمراد من الدلالة هاهنا الدلالة اللفظية الوضعية التي تكون بحسب وضع اللفظ الدال على المعنى وهي ثلاثة أقسام لأن اللفظ الدال على المعنى لا يخلو من أن يدل على تمام ما وضع له، أو يدل على جزء ما وضع له، أو يدل على ما يلازمه في الذهن، فإن كان الأول فالدلالة دلالة بالمطابقة وإن كان الثاني فالدلالة دلالة بالتضمن، وإن كان الثالث فالدلالة دلالة بالالتزام، مثال الدلالة بالمطابقة كالإنسان فإنه يدل على الحيوان الناطق بالمطابقة لكونه تمام ما وضع له الإنسان، وإنما سميت هذه الدلالة مطابقة لأن اللفظ موافق لتمام ما وضع له، وذلك مأخوذ من قولهم طابق النعل بالنعل إذا توافقتا، مثال الدلالة بالتضمن كالإنسان إذا دل على أحدهما أي على الحيوان أو على الناطق، وإنما سميت هذه الدلالة تضمناً لأنه يدل على الجزء الذي في ضمنه، ومثال الدلالة بالالتزام كالإنسان إذا دل على قابل العلم وصنعة الكتابة، وإنما سميت هذه الدلالة بالالتزام لأن اللفظ لا يدل
مَعناه، كالإنسان وإمّا مُؤَلَّفٌ وهو الذي لا يكونُ كذلك كرامي الحِجارَةِ والمفرد إما كليٌ وهو الذي لا يَمنعُ نَفسُ تَصَوُّرِ مَفهومِهِ عَن وُقُوعِ الشِّركَةِ فيه كالإنسان، وإمَّا جزئيُّ وهو الذي يَمنَعُ نفس تصورِ مَفهومِهِ
على كل أمر خارج عنه بل يدل على الخارج اللازم له في الذهن وإنما قيد قوله على ما يلازمه بقوله في الذهن لأن الملازمة الخارجية لو جُعلت شرطاً لم يتحقق دلالة
الجزء 1 · صفحة 11
الالتزام بدونها لامتناع تحقق المشروط بدون تحقق الشرط واللازم باطل فكذا الملزوم لأن العدم كالعمى يدل على الملكة كالبصر التزاماً لأن العمى عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيراً مع أن بينهما معاندة في الخارج، لا يقال هذه الدلالة تضمنية لأنا نقول العمى عبارة عن عدم مضاف إلى البصر فيكون البصر خارجاً عنه فيمتنع أن يكون دلالة تضمنية.
قال: (ثمَّ اللفظُ إمَّا مفردٌ وهو الذي لا يُرَادُ بالجُزءِ مِنهُ دِلالةٌ على جُزءِ مَعناه، كالإنسان وإمّا مُؤَلَّفٌ وهو الذي لا يكونُ كذلك كرامي الحِجارَةِ).
أقول: لما فرغ عن بيان الدلالات الثلاث شرع في تقسيم اللفظ، فنقول: اللفظ ينقسم إلى قسمين: مفرد ومؤلف لأنه إما أن لا يراد بالجزء منه أي من اللفظ الدلالة على جزء معناه كالإنسان فإنه لفظ لا يراد بالجزء منه دلالة على جزء معناه، أو يراد ذلك كقولك رامي الحجارة: فإنه لفظ يدل جزؤه على جزء معناه لأن الرامي يدل على ذات من له الرمي، والحجارة يدل على جسم معين، فإن كان الأول فهو مفرد وإن كان الثاني فهو مؤلف، وقوله لا يراد بالجزء منه دلالة على جزء معناه صادق على أربعة أقسام الأول أن لا يكون له جزء أصلاً نحو: قٍ عَلَمَاً، والثاني أن يكون له جزء ولا معنى له نحو زيد علماً والثالث أن يكون له جزء ذو معنى لكن لا يدل عليه نحو عبد الله علماً لأن معناه شخص معين،
عن ذلك كزيدٍ والكليُّ إما ذاتيٌّ وهو الذي يَدخُلُ تَحت حقيقةِ جزئياتِهِ كالحَيوانِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ والفَرَسِ، وإما عرضيٌّ وهو الذي بخلافِهِ كالضاحكِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ والذاتيُّ إمّا مَقولٌ في جوابِ ما هوَ
والرابع أن يكون له جزء ذو معنى دال عليه لكن لا يكون دلالته مرادا نحو الحيوان الناطق علماً لأن معناه حينذٍ الماهية الإنسانية مع التشخص.
الجزء 1 · صفحة 12
قال: (والمفرد إما كليٌ وهو الذي لا يَمنعُ نَفسُ تَصَوُّرِ مَفهومِهِ عَن وُقُوعِ الشِّركَةِ فيه كالإنسان، وإمَّا جزئيُّ وهو الذي يَمنَعُ نفس تصورِ مَفهومِهِ عن ذلك كزيدٍ).
أقول: المفرد ينقسم إلى: كلي وجزئي، لأنه إما أن يكون نفس تصور مفهومه أي من حيث أنه متصور مانعاً من وقوع الشركة فيه أي من الاشتراك بين كثيرين، أو لا يكون فإن منع نفس تصور مفهومه عن اشتراكه بين كثيرين فهو جزئي كزيد علماً فإنه إذا تصور مفهومه يمتنع عند العقل صدقه على كثيرين وإن لم يمنع نفس تصور مفهومه عن اشتراكه بين كثيرين فهو كلي كالإنسان فإن مفهومه عند العقل لم يمتنع عن صدقه على كثيرين وإنما قيد بنفس تصور مفهومه في الكلي و الجزئي لأن من الكليات ما يمنع الاشتراك بين أمور متعددة بالنظر إلى الخارج كواجب الوجود فإن الدليل الخارجي يقطع عرق الشركة عنه لكن عند العقل لم يمنع عن صدقه على كثيرين وإلا لم يفتقر إلى دليل إثبات الوحدانية.
قال: (والكليُّ إما ذاتيٌّ وهو الذي يَدخُلُ تَحت حقيقةِ جزئياتِهِ كالحَيوانِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ والفَرَسِ، وإما عرضيٌّ وهو الذي بخلافِهِ كالضاحكِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ).
أقول: الكلي ينقسم إلى ذاتي وعرضي، لأنه إما أن يكون داخلاً تحت حقيقة جزئياته أو لا يكون، فإن كان داخلاً تحت حقيقة جزئياته فهو ذاتي كالحيوان بِحَسبِ الشِّركَة المحضةِ كالحيوانِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ والفَرَسِ وهُوَ الجِنسُ ويرسَمُ بِأنَّهُ كُلِّيٌّ مَقولٌ على كثيرينَ مختلفينَ بالحقائقِ في جوابِ ما هوَ قولاً ذاتياً وأمّا مَقولٌ في جَوَابِ ما هوَ بِحَسبِ الشِّركَةِ والخُصُوصيَّةِ
بالنسبة إلى الإنسان فإنه تمام حقيقة زيد و عمرو و بكر و الحيوان داخل فيه لكونه مركباً من الحيوان والناطق وكذا بالنسبة إلى الفرس وإن لم يكن داخلاً في حقيقة
الجزء 1 · صفحة 13
جزئياته بل كان خارجاً عن تلك الحقيقة فهو عرضي كالضاحك بالنسبة إلى الإنسان فإنه عرضي لم يدخل في حقيقة زيد و عمرو و بكر التي هي الإنسان لما مر من أنه مركب من الحيوان والناطق فقط فتعين أنه خارج عنه وعلى هذا لا يكون نفس الماهية ذاتية بل تكون من العرضيات لأنها تخالف الذاتي بذلك التفسير وكل ما يخالفه فهو عرضي وقد يقال الذاتي ما ليس بعرضي أي ليس بخارج فحينئذٍ تكون نفس الماهية ذاتية لا يقال أن الذاتي هو المنتسب إلى الذات فلا يجوز أن يكون الماهية ذاتية وإلا لزم انتساب الشيء إلى نفسه وهو محال لأنا نقول هذه التسمية أي تسمية الماهية ذاتية ليست بلغوية حتى يلزم ذلك المحذور بل إنما هي اصطلاحية فلا يرد ذلك.
قال: (والذاتيُّ إمّا مَقولٌ في جوابِ ما هوَ بِحَسبِ الشِّركَة المحضةِ كالحيوانِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ والفَرَسِ وهُوَ الجِنسُ ويرسَمُ بِأنَّهُ كُلِّيٌّ مَقولٌ على كثيرينَ مختلفينَ بالحقائقِ في جوابِ ما هوَ قولاً ذاتياً وأمّا مَقولٌ في جَوَابِ ما هوَ بِحَسبِ الشِّركَةِ والخُصُوصيَّةِ معاً كالإنسانِ بالنسبةِ إلى عمروٍ و زيدٍ وهو النَّوعُ ويُرسَمُ بِأنّهُ كُلِّيٌّ مقولٌ على كَثيرينَ مُختَلِفِينَ بالعَدَدِ دُونَ الحَقِيقَةِ في جَوابِ ما هوَ وإمّا غيرُ مَقولٍ في جَوابِ ما هوَ بل هوَ مقُولٌ في جوابِ أيُّ شيءٍ هوَ في ذاتِهِ وهُوَ الذي يُمَيِّزُ
معاً كالإنسانِ بالنسبةِ إلى عمروٍ و زيدٍ وهو النَّوعُ ويُرسَمُ بِأنّهُ كُلِّيٌّ مقولٌ على كَثيرينَ مُختَلِفِينَ بالعَدَدِ دُونَ الحَقِيقَةِ في جَوابِ ما هوَ وإمّا غيرُ مَقولٍ في جَوابِ ما هوَ بل هوَ مقُولٌ في جوابِ أيُّ شيءٍ هوَ في ذاتِهِ وهُوَ الذي
الجزء 1 · صفحة 14
الشَيءَ عمّا يُشَارِكُهُ في الجِنسِ كالناطقِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ وهوَ الفَصلُ ويُرسَمُ بِأنّهُ كُلّيٌِّ، يُقالُ على الشَيءِ في جوابِ أيُّ شيءٍ هوَ في ذاتِهِ).
أقول: هذا شروع في بيان الكليات الخمس، اعلم أن الذاتي إما جنس، أو نوع، أو فصل، لأنه إن كان مقولاً في جواب ما هو بحسب الشركة المحضة أي لا بالخصوصية أصلاً فهو الجنس كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرس، فإنه إذا سئل عن الإنسان والفرس بما هما كان الجواب حيواناً عنهما لأنه تمام ماهية مشتركة بينهما، وإن سئل عن كل واحد من الإنسان و الفرس بالانفراد لم يصح أن يقع جواباً عن كل واحد منهما لأنه ليس تمام ماهية كل واحد منهما لأنك إذا أفردت الإنسان بالسؤال فتقول الإنسان ما هو فجوابه حيوان ناطق لكونه تمام ماهيته وكذا إذا أفردت الفرس بالسؤال فجوابه الحيوان الصاهل لكونه تمام ماهيته ويرسم الجنس بأنه كلي مقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو قولاً ذاتياً قوله كلي زائد لا طائل تحته، وقوله مقول جنس متناول للجزئيات والكليات الخمس، وقوله على كثيرين يخرج الجزئيات كلها لما مر من أن الجزئي إنما يقال على واحد، وقوله مختلفين بالحقائق يخرج النوع لكونه مقولاً على كثيرين متّفقين بالحقائق، وقوله في جواب ما هو يخرج الكليات الباقية أعني الفصل والخاصة والعرض العام وإن كان الذاتي مقولاً في جواب ما هو بحسب الشركة والخصوصية معاً فهو النوع كالإنسان بالنسبة إلى إفراده أعني زيداً وعمراً وبكراً وغير ذلك؛ لأنه إذا سئل عن زيد وعمرو وبكر وغيرهم بما هم كان
يُمَيِّزُ الشَيءَ عمّا يُشَارِكُهُ في الجِنسِ كالناطقِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ وهوَ الفَصلُ ويُرسَمُ بِأنّهُ كُلّيِّ، يُقالُ على الشَيءِ في جوابِ أيُّ شيءٍ هوَ في ذاتِهِ وأما العَرَضِي فإما أن يَمتنعَ انفكاكُهُ عن الماهيةِ وهوَ العرضُ اللازمُ،
الجزء 1 · صفحة 15
الجواب إنساناً لأنه تمام ماهيتهم المشتركة فيما بينهم وإذا سئل عن زيد فقط كان الجواب الإنسان أيضاً لأنه تمام ماهيته المختصة به فتعين أنه أعني النوع ما يكون مقولاً في جواب ما هو بحسب الشركة و الخصوصية معاً و يرسم بأنه كلي مقول على كثيرين مختلفين بالعدد دون الحقيقة في جواب ما هو قوله كلي زائد كما مر و قوله مقول جنس شامل للكلي والجزئي وقوله على كثيرين يخرج الجزئي وقوله مختلفين بالعدد دون الحقيقة يخرج الجنس لأن النوع إنما هو مقول على كثيرين متفقين بالحقيقة ومختلفين بالعدد أي بعوارض و تشخصات بخلاف الجنس فإنه مقول على كثيرين مختلفين بالحقائق والعدد وإنما قال مختلفين بالعدد لكون أفراده مختلفة بالعوارض و التشخصات، وقوله في جواب ما هو يخرج الثلاثة الباقية المذكورة وإن كان الذاتي غير مقول في جواب ما هو بل هو مقول في جواب أي شيء هو في ذاته وهو، أعني المقول في جواب أي شيء هو في ذاته الذي يميز الشيء عما يشاركه في الجنس كالناطق بالنسبة إلى الإنسان فهو الفصل ولو قال في التعريف أو في الوجود أيضاً لكان أشمل ليدخل فصول الماهية المركبة من أمرين متساويين وأمور متساويات اللهم إلاّ أن يقال اكتفى بالجنس بناءً على بطلان تركب الماهية عن أمرين متساويين أو أمور متساويات، ولقائل أن يقول: فعلى هذا كان اللازم عليه أن لا يذكر الجنس في تعريف الفصل لأنه حينذٍ لا طائل تحت ذكر الجنس في تعريف الفصل أصلاً لأنه لا يفيد شيئاً من الشمول والاحتراز فكان ذكره لغواً قلنا ذكر الجنس هاهنا ليدل على المقصود بالمطابقة ولذلك أورد لفظ الجنس في التعريف وذلك، أعني ما يميز الشيء عما يشاركه في
أو لا يمتنعَ انفكاكُهُ وهوَ العرضُ المفارقُ. وكلُّ واحِدٍ منهما أما أن يَختَصَّ بِحَقِيقَةٍ واحدةٍ وهو الخاصةُ، كالضاحك بالقُوَّةِ أو الفعلِ للإنسانِ وترسَمُ بأنها كُلِّيَّةٌ تُقالُ على ما تحت حقيقة واحدةٍ فقط قولاً عرضياً وأما أن يَعُمَّ
الجزء 1 · صفحة 16
الجنس كالناطق بالنسبة إلى الإنسان فإنه يميز الإنسان عما يشاركه في الجنس، أعني الحيوان كالفرس والبغل والبقر وغيرها، لأنه إذا سئل عن الإنسان بأي شيء هو في ذاته كان الجواب أنه ناطق لأن السؤال بأي شيء هو في ذاته إنما يطلب به ما يميز الشيء عن غيره وكل ما يميز الشيء عن غيره يصلح للجواب فالناطق يميز الإنسان به عن غيره فيصلح أن يكون جواباً ويرسم الفصل بأنه كلي، يقال على الشيء في جواب أي شيء هو في ذاته، قوله كلي مستدرك، وقوله يقال على الشيء جنس شامل للكليات الخمس، وقوله في جواب أي شيء هو يخرج النوع والجنس والعرض العام، أما الجنس والنوع فهو ظاهر لأنهما مقولان في جواب ما هو، لا في جواب أي شيء، وأما العرض العام فلا يقال في الجواب أصلاً، وقوله هو في ذاته أي في جوهره يخرج الخاصة لأنها و إن كانت تميز الشيء لكن لا في جوهره وذاته بل في عرضه.
قال: (وأما العَرَضِي فإما أن يَمتنعَ انفكاكُهُ عن الماهيةِ وهوَ العرضُ اللازمُ، أو لا يمتنعَ انفكاكُهُ وهوَ العرضُ المفارقُ. وكلُّ واحِدٍ منهما أما أن يَختَصَّ بِحَقِيقَةٍ واحدةٍ وهو الخاصةُ، كالضاحك بالقُوَّةِ أو الفعلِ للإنسانِ وترسَمُ بأنها كُلِّيَّةٌ تُقالُ على ما تحت حقيقة واحدةٍ فقط قولاً عرضياً وأما أن يَعُمَّ حقائقَ فوقَ واحدةٍ وهوَ العَرَضُ العامُّ كالتَنَفُسِ بِالقُوَّةِ أو الفعلِ للإنسانِ وغيرِهِ ويُرسَمُ بِأنّهُ كُلِّيٌّ يُقالُ على ما تَحتَ حَقائِقَ مُختلفةٍ قولاً عرضياً).
حقائقَ فوقَ واحدةٍ وهوَ العَرَضُ العامُّ كالتَنَفُسِ بِالقُوَّةِ أو الفعلِ للإنسانِ وغيرِهِ ويُرسَمُ بِأنّهُ كُلِّيٌّ يُقالُ على ما تَحتَ حَقائِقَ مُختلفةٍ قولاً عرضياً القولُ الشارحُ الحدُ قولٌ دالٌّ على ماهيةِ الشيءِ وَهُوَ الذي يتركبُ من
الجزء 1 · صفحة 17
أقول: العرضي إما لازم أو مفارق، لأنه إما أن يمتنع انفكاكه عن الماهية أو لا يمتنع انفكاكه منها، والأول هو العرض اللازم كالكتابة بالقوة بالنسبة إلى الإنسان، والثاني هو العرض المفارق كالكتابة بالفعل بالنسبة إلى الإنسان وكل واحد منهما إما خاصة أو عرض عام لأنه إن اختص بحقيقة واحدة فقط فهو الخاصة كالضاحك بالقوة أو بالفعل بالنسبة إلى الإنسان فإن الضاحك بالقوة عرض لازم له لأنه لا ينفك عن ماهية الإنسان مختص بحقيقة واحدة وهي ماهية الإنسان والضاحك بالفعل عرض مفارق لأنه ينفك عن ماهية الإنسان مختص بها وترسم أي الخاصة بأنها كلية تقال على ما تحت حقيقة واحدة فقط قولاً عرضياً، قوله كلية مستدرك كما مرَّ غير مرَّة، وقوله تقال على ما تحت حقيقة واحدة جنس شامل للكليات الخمس، وقوله فقط يخرج الجنس والعرض العام لكونهما مقولين على ما تحت حقائق مختلفة، وقوله قولاً عرضياً يُخرِج النوع والفصل لأنهما مقولان على ما تحت حقيقة واحدة قولاً ذاتياً لا عرضياً وإن لم يختص كل واحد من اللازم والمفارق بحقيقة واحدة بل يعم حقائق فوق واحدة فهو العرض العام كالمتنفس بالقوة والفعل للإنسان وغيره من الحيوانات فإن المتنفس بالقوة عرض لازم غير منفك عن ماهية الإنسان وغيره من الحيوانات غير مختص بحقيقة واحدة والمتنفس بالفعل عرض مفارق ينفك عن ماهيتها غير مختص بماهية واحدة ويرسم العرض العام بأنه كلي يقال على ما تحت حقائق مختلفة قولاً عرضياً قوله كلي زائد كما مرَّ وقوله يقال جنس شامل للكليات، وقوله على ما تحت حقائق مختلفة يُخرج النوع والفصل والخاصّة لأنها لا تقال إلاّ على ما تحت حقيقة
جنسِ الشيءِ وفصلهِ القريبينِ كالحَيوانِ الناطقِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ وهو الحدُ التامُّ، والحدُ الناقصُ وهو الذي يَتركَّبُ عن جنسِ بعيدِ وفصلهِ القريبِ كالجسم الناطقِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ والرَّسمُ التامُّ وهُوَ الذي
الجزء 1 · صفحة 18
واحدة، وقوله قولاً عرضياً يُخرج الجنس لأنه قول ذاتي لا عرضي وكون هذه التعريفات للكليات رسوماً بناء على إمكان أن يكون لها ماهيات وراء تلك المفهومات التي ذكرناها ملزومات متساوية لها إلاّ أن المناسب هاهنا ذكر التعريف الذي هم أعم لأن عدم العلم بأنها حدودٌ لا يوجب العلم بأنها رسوم.
قال: (القولُ الشارحُ الحدُ قولٌ دالٌّ على ماهيةِ الشيءِ وَهُوَ الذي يتركبُ من جنسِ الشيءِ وفصلهِ القريبينِ كالحَيوانِ الناطقِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ وهو الحدُ التامُّ، والحدُ الناقصُ وهو الذي يَتركَّبُ عن جنسِ بعيدِ وفصلهِ القريبِ كالجسم الناطقِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ والرَّسمُ التامُّ وهُوَ الذي يترَكبُ من جنسِ الشيءِ القريبِ وخاصّتِهِ اللازمةِ كالحيوانِ الضاحكِ في تعريفِ الإنسانِ، والرسمُ الناقصُ وهو الذي يَترَكَّبُ من عرضياتٍ تختَصُّ جملتُها بحقيقةٍ واحدةٍ كَقَولِنا في تعريفِ الإنسانِ إنّهُ ماشٍ على قَدَمَيهِ عريضُ الأظفارِ بادي البشرةِ مُستقيمُ القامةِ ضَحَّاكٌ بالطَّبعِ).
أقول: العلم على نوعين: أحدهما القول الشارح، والآخر الحجّة، لأنه إن كان تصوّراً مع عدم اعتبار الحكم فيه موصلاً إلى المطلوب التصوري فهو القول الشارح وإن كان تصوراً مع اعتبار الحكم فيه موصلاً إلى المطلوب التصديقي فهو الحجة وإذا عرفت هذا فنقول من تلك الاصطلاحات المنطقية المذكورة القول الشارح وهو التعريف أعم من أن يكون حدّاً أو رسماً والحد قول دالّ على ماهية
يترَكبُ من جنسِ الشيءِ القريبِ وخاصّتِهِ اللازمةِ كالحيوانِ الضاحكِ في تعريفِ الإنسانِ، والرسمُ الناقصُ وهو الذي يَترَكَّبُ من عرضياتٍ تختَصُّ جملتُها بحقيقةٍ واحدةٍ كَقَولِنا في تعريفِ الإنسانِ إنّهُ ماشٍ على قَدَمَيهِ
الجزء 1 · صفحة 19
الشيء فقوله قول دالّ جنس شامل للحد والرسم وقوله على ماهية الشيء يخرج الرسم كما سنبينه هذا هو تعريف الحد وقيل لم يجز تعريفه لِئَلاّ يلزم التسلسل قلنا لا نسلم لزوم التسلسل لأن حد الحد نفس الحد كما أن وجود الوجود نفس الوجود والحد ينقسم إلى قسمين: تام وناقص، والحد التام هو الذي يتركب من جنس الشيء وفصله القريبين كالحيوان الناطق بالنسبة إلى الإنسان، فإنك إذا قلت ما الإنسان فيقال الحيوان الناطق ومثل هذا هو الحد التام أما كونه حدا فلان الحد في اللغة المنع وهذا لكونه مشتملاً على الذاتيات مانع عن دخول الغير فيه، وأما كونه تامّاً فلكون الذاتيات مذكورة بتمامها فيه، والحد الناقص هو الذي يتركب من الجنس البعيد وفصله القريب كالجسم الناطق بالنسبة إلى الإنسان فإنه إذا سئل عن الإنسان بما هو وأجيب بأنه جسم ناطق كان الحد ناقصاً أما كونه حداً فلما مرَّ، وأما كونه ناقصاً فلعدم ذكر بعض الذاتيات فيه والرسم أيضاً ينقسم إلى قسمين: تام وناقص أما الرسم التام فهو الذي يتركب من جنس الشيء القريب والخاصّة اللازمة له كالحيوان الضاحك في تعريف الإنسان أما كونه رسماً فلان رسم الدار أثرها ولمّا كان هذا التعريف بالخاصّة اللازمة التي هي من أثر الشيء كان تعريفاً بالأثر وأما كونه تامّاً فلتحقق المشابهة بينه وبين الحد التام من جهة أنه وضع فيه الجنس القريب وقُيِّدَ بأمر يختص بالشيء وأما الرسم الناقص فهو الذي يتركب من العرضيات التي تختصُّ جملتها لا كل واحد منها بحقيقة واحدة كقولنا في تعريف الإنسان أنه ماشٍ على قدميه عريض الأظفار بادي البشرة مستقيم القامة ضحاك بالطبع فإن جملة هذه الأمور العرضية مختصة بالإنسان لا
عريضُ الأظفارِ بادي البشرةِ مُستقيمُ القامةِ ضَحَّاكٌ بالطَّبعِ القضايا، القضيةُ: قولٌ يَصِحُّ أن يُقالَ لقائلِهِ إنّه صادقٌ فيه أو كاذبٌ فيه وهي حمليةٌ كقولنا زيدٌ كاتبٌ، وإمّا شَرطِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ كَقولِنا إن كانت الشمسُ طالعةً
الجزء 1 · صفحة 20
غير بخلاف كل واحد منها لوجود بعض منها في غيره أيضاً، أما كونه رسماً فلما مر من أن الخاصّة اللازمة من آثار الشيء فيكون تعريفاً بالأثر الذي هو الرسم، وأما كونه ناقصاً فلعدم ذكر بعض أجزاء الرسم التام فيه حتى يتحقق المشابهة بينه وبين الحد الناقص كتحققها بين الرسم التام والحد التام.
قال: (القضايا، القضيةُ: قولٌ يَصِحُّ أن يُقالَ لقائلِهِ إنّه صادقٌ فيه أو كاذبٌ فيه وهي حمليةٌ كقولنا زيدٌ كاتبٌ، وإمّا شَرطِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ كَقولِنا إن كانت الشمسُ طالعةً فالنهارُ موجودٌ، وإمّا شرطيةٌ مُنفَصِلَةٌ كَقَولِنا العددُ إما أن يكونَ زوجاً أو فرداً).
أقول: لمّا فرغ المصنف عن القول الشارح شرع في الحجة: وهي القضايا المرتبة الموصلة إلى المطلوب التصديقي، والقضيّة قول يصح أن يقال لقائله أنه صادق فيه أو كاذب فيه، وهو الذي يسميه بعضهم خبرا و القول هو المركب سواء كان لفظاً مركباً كما في القضية الملفوظة أو مفهوماً عقليّاً مركباً كما في القضيّة المعقولة وهو أي القول جنس يتناول الأقوال التامّة والناقصة والإنشائية، وقوله يصح أن يقال لقائله أنه صادق فيه أو كاذب فيه. فصلٌ يحترز عن الأقوال الناقصة والإنشاءات من الأمر والنهي والاستفهام وغيرها وهي أي القضيّة تنقسم إلى قسمين: أحدهما حملية والآخر شرطية، فإن المحكوم عليه وبه في القضية إن كانا مفردين فالقضيّة حملية كقولنا زيدٌ كاتب، وإلاّ فشرطية وفيه نظر لأن المحكوم عليه وبه لا يلزم أن يكونا مفردين في الحملية بل قد يكون أحدهما جملة نحو زيدٌ أبوهُ منطلق، والشرطية أما متصلة: وهي التي يحكم فيها بصدق قضية أو لا
فالنهارُ موجودٌ، وإمّا شرطيةٌ مُنفَصِلَةٌ كَقَولِنا العددُ إما أن يكونَ زوجاً أو فرداً والجزءُ الأولُ من الحمليةِ يُسمّى مَوضُوعاً والثاني محمولاً والجزءُ الأولُ مِنَ الشرطيةِ يُسَمَّى مُقَدّماً والثاني تالياً والقضيةُ إمّا مُوجِبَةٌ كقولِنا
الجزء 1 · صفحة 21
صدقها على تقدير صدق قضية أُخرى وهي موجبة أن حَكَمَ فيها بإيجاب صدق قضية على تقدير صدق قضية أُخرى كقولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وسالبة إن حكم فيها بسلب صدق قضية على تقدير صدق قضية أُخرى كقولنا ليس إن كانت الشمس طالعة فالليل موجود، وأما شرطية منفصلة: وهي التي يحكم فيها بالتنافي بين القضيّتين فإن حكم فيها بالتنافي إيجاباً فالقضية منفصلة موجبة كقولنا العدد إما أن يكون زوجاً أو فرداً وإن حكم فيها بالتنافي سلباً فالقضية منفصلة سالبة كقولنا ليس إما أن يكون الإنسان أسود أو كاتباً.
قال: (والجزءُ الأولُ من الحمليةِ يُسمّى مَوضُوعاً والثاني محمولاً والجزءُ الأولُ مِنَ الشرطيةِ يُسَمَّى مُقَدّماً والثاني تالياً).
أقول: الجزء الأول أي المحكوم عليه من القضية الحملية يسمى موضوعاً، لأنه إنما وضع لأن يحكم عليه بشيء والجزء الثاني أي المحكوم به منها يسمى محمولاً، لأنه إنما وضع لأن يحمل على شيء والنسبة التي يرتبط بها المحمول بالموضوع تسمى نسبة حكمية ولم يذكر المصنف الجزء الأخير مع أنه لا بد منه في القضية لكونه جزأً أخيراً منها، والجزء الأول من الشرطية يسمى: مقدماً لتقدمه في الذكر والجزء الثاني: تالياً لكونه تابعاً له وهو من التُّلُوِّ بمعنى التبع.
قال: (والقضيةُ إمّا مُوجِبَةٌ كقولِنا زيدٌ كاتبٌ وإمّا سالِبَةٌ كقولِنا زيدٌ ليسَ بكاتبٍ).
أقول: القضية تنقسم ثانياً إلى: موجبة، وسالبة لأن تلك النسبة التي ذكرناها إن كانت حكماً بأن يقال الموضوع محمول فالقضية موجبة كقولنا زيد كاتب وإن
زيدٌ كاتبٌ وإمّا سالِبَةٌ كقولِنا زيدٌ ليسَ بكاتبٍ وكلُ واحدٍ منهما إمّا مَخصوصةٌ كما ذَكَرنا وإمّا كُلِّيَّةٌ مُسَوَّرَةٌ كقولِنا كلُّ إنسانٍ كاتبٌ ولا شيءَ منَ الإنسانِ بِكاتبٍ وإمّا جُزئيَّةٌ مُسَوَّرَةٌ كَقولِنا بَعضُ الإنسانِ كاتبٌ
الجزء 1 · صفحة 22
كانت حكماً بأن يقال الموضوع ليس بمحمول فالقضية سالبة كقولنا زيد ليس بكاتب.
(1) قال: (وكلُ واحدٍ منهما إمّا مَخصوصةٌ كما ذَكَرنا وإمّا كُلِّيَّةٌ مُسَوَّرَةٌ كقولِنا كلُّ إنسانٍ كاتبٌ ولا شيءَ منَ الإنسانِ بِكاتبٍ وإمّا جُزئيَّةٌ مُسَوَّرَةٌ كَقولِنا بَعضُ الإنسانِ كاتبٌ وبعضُ الإنسانِ ليسَ بِكاتبٍ، وإمّا أن لا تكونَ كذلك وتُسَمَّى مُهمَلَةً كقولِنا الإنسانُ كاتبٌ والإنسانُ ليسَ بكاتبٍ).
أقول: كل واحد من القضية الموجبة والسالبة إما أن تكون مخصوصة، أو محصورة سواء كانت كلية أو جزئية أو مهملة لأنه إن كان الموضوع في القضية شخصاً معيناً جزئياً فالقضية مخصوصة كما ذكرنا في مثال الموجبة والسالبة نحو زيد كاتب و زيد ليس بكاتب وأما تسميتها مخصوصة فلخصوص موضوعها وقد يقال لها شخصية لكون موضوعها شخصاً معيناً جزئياً وإن لم يكن موضوعها أي موضوع القضية شخصاً معيناً جزئياً بل يكون غير معين كلياً فإن بُيِّنَ فيها كمية أفراد الموضوع من الكلية والجزئية فالقضية محصورة ومسورة أما كونها محصورة فلحصر أفراد موضوعها، وأما كونها مسورة فلاشتمالها على السور الذي هو اللفظ الدال على كمية أفراد الموضوع حاصراً لها ومحيطاً بها، والسور مأخوذ من سور البلد فكما أنه يحصر البلد كذلك ما يدل على كمية الأفراد يحصر أفراد الموضوع، وهذه المحصورة إما أن يحكم فيها على كل الأفراد، أو على بعضها وعلى التقديرين، فالحكم إما بالإيجاب أو بالسلب، فان كان الأول، فالقضية
وبعضُ الإنسانِ ليسَ بِكاتبٍ، وإمّا أن لا تكونَ كذلك وتُسَمَّى مُهمَلَةً كقولِنا الإنسانُ كاتبٌ والإنسانُ ليسَ بكاتبٍ والمتصلةُ إما لزوميةٌ كقولِنا إن كانت الشمسُ طالعةً فالنهارُ موجودٌ، وإما اتفاقيةٌ كقولِنا إن كان
الجزء 1 · صفحة 23
كلية مسورة موجبة كقولنا كل إنسان كاتب، أو سالبة كقولنا لا شيء من الإنسان بكاتب والسور في الموجبة الكلية نحو كل وفي السالبة الكلية نحو لا شيء ولا واحد كما ذكرنا، وان كان الثاني أي إن كان الحكم في القضية على بعض الأفراد فالقضية جزئية مسورة موجبة كقولنا بعض الإنسان كاتب، أو سالبة كقولنا بعض الإنسان ليس بكاتب والسور في القضية الجزئية الموجبة نحو بعض وواحد فقط، وفي الجزئية السالبة نحو ليس كل وليس بعض وبعض ليس وان لم يكن كذلك: أي وان لم يكن الموضوع في القضية شخصاً معيناً ولم يكن الحكم فيها على كل الأفراد أو على بعضها فالقضية تسمى مهملة كقولنا الإنسان كاتب والإنسان ليس بكاتب لإهمال بيان كمية الأفراد التي حكم عليها فإذن كانت القسمة مثلثة كما ثلث الشيخ في الشفاء لا يقال إن القضية الطبعية خارجة عنها فلا يصدق الحصر لأنا نقول الكلام في القضايا المعتبرة في العلوم والقضية الطبعية ليست بمعتبرة في العلوم لعدم إنتاجها فخروجها عن التقسيم لا يخل بالانحصار.
قال: (والمتصلةُ إما لزوميةٌ كقولِنا إن كانت الشمسُ طالعةً فالنهارُ موجودٌ، وإما اتفاقيةٌ كقولِنا إن كان الإنسانُ ناطقاً فالحِمارُ ناهِقٌ، والمنفصلةُ إما حقيقيةٌ كقولنا العددُ إما زَوجٌ أو فَردٌ، وإما مانعةُ الجمعِ فقط كقولِنا هذا الشيءُ إما شجرٌ وإما حجرٌ، وإما مانعةُ الخلوِّ فقط كقولِنا زَيدٌ إما أن يكونَ في البحرِ أو لا يَغرقَ).
الإنسانُ ناطقاً فالحِمارُ ناهِقٌ، والمنفصلةُ إما حقيقيةٌ كقولنا العددُ إما زَوجٌ أو فَردٌ، وإما مانعةُ الجمعِ فقط كقولِنا هذا الشيءُ إما شجرٌ وإما حجرٌ، وإما مانعةُ الخلوِّ فقط كقولِنا زَيدٌ إما أن يكونَ في البحرِ أو لا يَغرقَ
الجزء 1 · صفحة 24
أقول: لمّا فرغ عن تقسيم الحملية شرع في تقسيم الشرطية سواء كانت متصلة أو منفصلة، أما الشرطية المتصلة فتنقسم إلى قسمين: أحدهما لزومية والآخر اتفاقية، لأنه إن كان صدق التالي فيها على تقدير وقوع صدق المقدم لعلاقة بينهما توجب ذلك، فالقضية متصلة لزومية والمراد بالعلاقة ههنا شيء بسببه يستلزم المقدم التالي كالعلية والمعلولية والتضايف، أما العلية فكقولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود فإن طلوع الشمس علة لوجود النهار، وأما المعلولية فكقولنا كلما كان النهار موجوداً فالشمس طالعة فإن وجود النهار معلول لطلوع الشمس، وأما التضايف فكقولنا إن كان زيدٌ أباً لبكر فبكرٌ ابنه، وإن كان صدق التالي في المتصلة على تقدير وقوع صدق المقدم لا لعلاقة مذكورة بل على سبيل الاتفاق فالقضية متصلة اتفاقية كقولنا إن كان الإنسان ناطقاً فالحمار ناهق فإنه لا علاقة بين ناطقية الإنسان وناهقية الحمار حتى يجوز العقل استلزم ناطقية الإنسان ناهقية الحمار بها بل توافق الطرفان على سبيل الصدق بينهما ههنا، وأما الشرطية المنفصلة فتنقسم على ثلاثة أقسام: حقيقية، ومانعة الجمع، ومانعة الخلو؛ لأنه إن حكم فيها بالتنافي بين جزئيها في الصدق والكذب معاً فالقضية منفصلة حقيقية كقولنا العدد إما زوج أو فرد فإنه حكم في هذه القضية بامتناع اجتماع الزوج والفرد على عدد واحد وبامتناع ارتفاعهما عنه وإنما سميت حقيقية؛ لأن التنافي بين جزئيها أشد من التنافي بين جزئين في القسمين الآخرين لأنه يوجد التنافي بين جزئيها في الصدق والكذب معاً وهذا ليس إلاّ حقيقة الانفصال، وإن حكم في القضية بالتنافي بين جزئيها في الصدق فقط
وقد يكونُ المُنفَصِلاتُ ذاتَ أجزاءٍ كقولِنا العددُ إما زائدٌ أو ناقصٌ أو مساوٍ التَّناقُضُ هو اختلافُ القضيتينِ بالإيجابِ والسَّلبِ بحيثُ يَقتضِي
الجزء 1 · صفحة 25
فالقضية منفصلة مانعة الجمع كقولنا هذا الشيء إما شجر أو حجر فإنه حكم في هذه القضية بالتنافي بين الشجر والحجر في الصدق فقط لا في الكذب لجواز أن يكون الشيء الواحد لا شجراً ولا حجراً وإنما سميت هذه مانعة الجمع لاشتمالها على منع الجمع بين جزئيها في الصدق وإن حكم في القضية بالتنافي بين جزئيها في الكذب فقط أي لا في الصدق فالقضية مانعة الخلو كقولنا زيدٌ إما أن يكون في البحر وإما أن لا يغرق فإنه حكم في هذه القضية بالتنافي بين أن لا يكون في البحر وأن يغرق لا بين أن يكون في البحر وأن لا يغرق لجواز أن يكون في البحر وأن لا يغرق وإنما سميت هذه القضية مانعة الخلو لاشتمالها على منع الخلو بين جزئيها في الكذب.
قال: (وقد يكونُ المُنفَصِلاتُ ذاتَ أجزاءٍ كقولِنا العددُ إما زائدٌ أو ناقصٌ أو مساوٍ).
أقول: المنفصلات المذكورة يتركب كل واحدة منها عن جزئين غالباً كما مرّ وقد تتركب عن أكثر من جزئين، أما المنفصلة الحقيقية فكقولنا العدد إما زائد أو ناقص أو مساوٍ فإنه حكم فيها بأن هذا الجميع لا يجتمع على عدد واحد ولا يخلو العدد عن واحد منها وفيه نظر لأن عين أحد أجزاء الحقيقية يستلزم نقيض الآخر لامتناع الجمع وبالعكس لامتناع الخلو فلو تركب الحقيقية من ثلاثة أجزاء فصاعداً يلزم جواز الجمع والخلو وهذا خلف لأنه في المثال المذكور وهو قولنا العدد إما زائد أو ناقص أو مساوٍ يلزم أن يستلزم كونه زائداً كونه غير ناقص ويستلزم كونه غير ناقص كونه مساوياً وينتج من هذا أن يستلزم كونه زائداً كونه مساوياً، وقد كان بينهما منع الجمع لكون المنفصلة حقيقية هذا خلفٌ
الجزء 1 · صفحة 26
لذاتِهِ أن تكونَ إحداهُما صادقةً والأخرى كاذِبةً كقولِنا زيدٌ كاتبٌ و زيدٌ ليس بكاتبٍ ولا يتحقق ُذلكَ في المخصوصتينِ إلاّ بَعدَ اتفاقهمَا في المَوضُوعِ والمَحمولِ والزمانِ والمكانِ والإضافةِ والقوةِ والفعلِ والجزءِ
وأيضاً يلزم أن يستلزم كونه غير زائد كونه ناقصاً ويستلزم كونه ناقصاً كونه غير مساوٍ فينتج من هذا أن يستلزم كونه غير زائد كونه غير مساوٍ وقد كان بينهما منع الخلو أيضاً لكون المنفصلة حقيقية هذا خلف بل الحق أن الحقيقية قد تتركب من حملية ومنفصلة كقولنا العدد إما أن يكون مساوياً لذلك العدد أو زائداً عليه أو ناقصاً عنه والجزء الثاني أعني قوله أو زائداً عليه أو ناقصاً عنه منفصلة، والجزء الأول حملية وأصله هذا العدد إما أن يكون مساوياً لذلك العدد أو غير مساوٍ له لكن إذا لم يكن مساوياً له كان زائداً عليه أو ناقصاً عنه فلما كانت هذه المنفصلة في قوة تلك الحملية أقيمت مقامها فيظن أنها مركبة من ثلاثة أجزاء ولكنها بالحقيقة مركبة من الحملية والمنفصلة، كما عرفت فلا يتركب الحقيقية إلاّ من جزئين وكذا مانعة الخلو بخلاف مانعة الجمع فإنها قد تتركب من ثلاثة أجزاء فصاعداً ولبيانها طولٌ لا يليق بهذا المختصر فليطلب في المطولات.
قال: (التَّناقُضُ هو اختلافُ القضيتينِ بالإيجابِ والسَّلبِ بحيثُ يَقتضِي لذاتِهِ أن تكونَ إحداهُما صادقةً والأخرى كاذِبةً كقولِنا زيدٌ كاتبٌ و زيدٌ ليس بكاتبٍ).
أقول: من الاصطلاحات المنطقية المذكورة التناقض وهو اختلاف القضيتين بالإيجاب والسلب بحيث يقتضي لذاته أن يكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة كقولنا زيد كاتب و زيد ليس بكاتب، فإن هاتين القضيتين اختلفتا بالإيجاب والسلب اختلافاً يقتضي لذاته أن يكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة على حسب الواقع، وقوله اختلاف جنس شامل للاختلاف الواقع بين قضيتين
الجزء 1 · صفحة 27
والكلِ والشرطِ ونقيضُ الموجبةِ الكليةِ إنما هيَ السالبةُ الجزئيةُ كقولِنا كلُ إنسانٍ حيوانٌ وبعضُ الإنسانِ ليس بحيوانٍ ونقيضُ السالبةِ الكليةِ إنما هيَ الموجبةُ الجزئيةُ كقولِنا لا شيءَ منَ الإنسانِ بحيوانٍ وبعضُ الإنسانِ حيوان
ومفردين ومفرد وقضية، وقوله قضيتين يخرج الاختلاف الواقع بين غير قضيتين وقوله بالإيجاب والسلب يخرج الاختلاف الواقع بالاتصال والانفصال والاختلاف بالكلية والجزئية والاختلاف بالحصر والإهمال والاختلاف بالعدول والتحصيل وغير ذلك، وقوله: بحيث يقتضي ... الخ يخرج الاختلاف بالإيجاب والسلب لكن لا بحيث يقتضي صدق إحداهما كذب الأخرى نحو زيد ساكن و زيد ليس بمتحرك لأنهما صادقتان، وقوله لذاته يخرج الاختلاف بالإيجاب والسلب بحيث يقتضي صدق إحداهما كذب الأخرى لكن لا لذات ذلك الاختلاف نحو زيد إنسان و زيد ليس بناطق فإن الاختلاف بين هاتين القضيتين إنما يقتضي أن يكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة لكن لا لذاته بل بواسطة أن قولنا زيد ليس بناطق في قوة قولنا زيد ليس بإنسان، أو لأن قولنا زيد إنسان في قوة قولنا زيد ناطق فيكون ذلك بواسطة لا لذاته.
قال: (ولا يتحقق ُذلكَ في المخصوصتينِ إلاّ بَعدَ اتفاقهمَا في المَوضُوعِ والمَحمولِ والزمانِ والمكانِ والإضافةِ والقوةِ والفعلِ والجزءِ والكلِ والشرطِ ونقيضُ الموجبةِ الكليةِ إنما هيَ السالبةُ الجزئيةُ كقولِنا كلُ إنسانٍ حيوانٌ وبعضُ الإنسانِ ليس بحيوانٍ ونقيضُ السالبةِ الكليةِ إنما هيَ الموجبةُ الجزئيةُ كقولِنا لا شيءَ منَ الإنسانِ بحيوانٍ وبعضُ الإنسانِ حيوان).
أقول: القضيتان اللتان بينهما يقع التناقض لا يخلو من أن تكونا مخصوصتين أو محصورتين أو مهملتين فإن كانتا مخصوصتين فلا يتحقق التناقض بينهما إلاّ بعد
الجزء 1 · صفحة 28
المَحصورتانِ لا يَتَحَقَّقُ التناقُضُ بَينَهُما إلاّ بعدَ اختِلافِهِما في الكُلِّيَّةِ والجُزئيَّةِ لأنَّ الكُليَّتَينِ قد تَكذبانِ كقولِنا كلُ إنسانٍ كاتبٌ ولا شيءَ منَ
اتفاقهما في ثماني وحدات، الأولى وحدة الموضوع لأنهما لو اختلفتا في هذه الوحدة لم تتناقضا نحو زيد قائم وعمرو ليس بقائم، والثانية وحدة المحمول إذ لو اختلفتا فيها لم تتناقضا نحو زيد كاتب وزيد ليس بشاعر، والثالثة وحدة الزمان إذ لو اختلفتا فيها لم تتناقضا نحو زيد قائم ليلاً وزيد ليس بقائم نهاراً، والرابعة وحدة المكان لأنهما عند اختلافهما فيها لم تتناقضا نحو زيد قائم في الدار وزيد ليس بقائم في السوق، والخامسة وحدة الإضافة لأنهما لو اختلفتا فيها لم تتناقضا نحو زيد أبٌ لعمر وزيد ليس بِأبٍ لبكر، والسادسة وحدة القوة والفعل لأنهما لو اختلفتا فيها بأن يكون النسبة في إحداهما بالقوة وفي الأخرى بالفعل لم تتناقضا نحو الخمر في الدّنّ مسكر أي بالقوة والخمر في الدن ليس بمسكر أي بالفعل، والسابعة وحدة الكل والجزء لأنهما لو اختلفتا في الكل والجزء لم يتحقق التناقض نحو الزنجي أسود أي بعضه والزنجي ليس بِأسود أي كله، والثامنة وحدة الشرط لعدم تحقق التناقض بين القضيتين عند اختلاف الشرط كقولنا الجسم مفرق للبصر بشرط كونه أبيض والجسم ليس بمفرق للبصر أي بشرط كونه أسود وإذا عرفت هذا فنقول إن القضيتين إذا كانت إحداهما موجبة كلية ينبغي أن تكون الأخرى سالبة جزئية وإذا كانت سالبة كلية ينبغي أن تكون الأخرى موجبة جزئية فنقيض الموجبة الكلية إنما هي السالبة الجزئية كقولنا كل إنسان حيوان وبعض الإنسان ليس بحيوان ونقيض السالبة الكلية إنما هي الموجبة الجزئية كقولنا لا شيء من الإنسان بحيوان وبعض الإنسان حيوان وبقية هذا وكيفيته سيأتي في المحصورات والحق أنّ إيراد المصنف هذا أي قوله ونقيض الموجبة الكلية. الخ ههنا ليس في موضعه وإنما موضعه بعد تحقيق المحصورات.
الجزء 1 · صفحة 29
الإنسانِ بكاتبٍ والجُزئيتينِ قد تَصدُقانِ كقولِنا بَعضُ الإنسانِ كاتبٌ وبَعضُ الإنسانِ ليسَ بكاتبٍ العَكسُ هو أن يُصَيَّرَ المَوضوعُ مَحمولاً والمَحمولُ مَوضوعاً مَعَ بَقاءِ السَّلبِ والإيجابِ والتَّصديقِ والتَّكذيبِ بحالِهِ المُوجَبَةُ
قال: (المَحصورتانِ لا يَتَحَقَّقُ التناقُضُ بَينَهُما إلاّ بعدَ اختِلافِهِما في الكُلِّيَّةِ والجُزئيَّةِ لأنَّ الكُليَّتَينِ قد تَكذبانِ كقولِنا كلُ إنسانٍ كاتبٌ ولا شيءَ منَ الإنسانِ بكاتبٍ والجُزئيتينِ قد تَصدُقانِ كقولِنا بَعضُ الإنسانِ كاتبٌ وبَعضُ الإنسانِ ليسَ بكاتبٍ).
أقول: إن كانت القضيتان المتناقضتان محصورتين لا يتحقق التناقض بينهما إلاّ بعد اختلافهما في الكلية والجزئية بأن تكون إحداهما كلية والأخرى جزئية وهذا إنما يكون بعد اتفاقهما في الوحدات المذكورة ولو قيّد بعد قوله في الكلية والجزئية قوله أيضاً لكان أولى ليكون إشارة إليه أعني بعد اتفاقهما في الوحدة المذكورة وإنما قلنا إنه لم يتحقق التناقض في المحصورتين إلاّ بعد اختلافهما في الكلية والجزئية لأن الكليتين قد تكذبان نحو كل إنسان كاتب ولا شيء من الإنسان بكاتب والجزئيتين قد تصدقان كقولنا بعض الإنسان كاتب وبعض الإنسان ليس بكاتب فنقيض الكلية الجزئية لا الكلية وبالعكس أعني نقيض الجزئية الكلية لا الجزئية وإن كانت القضيتان مهملتين فحكمهما حكم المحصورتين لأن المهملات من المحصورات في الحقيقة من حيث إنها في قوة الجزئيات.
قال: (العَكسُ هو أن يُصَيَّرَ المَوضوعُ مَحمولاً والمَحمولُ مَوضوعاً مَعَ بَقاءِ السَّلبِ والإيجابِ والتَّصديقِ والتَّكذيبِ بحالِهِ).
أقول: من تلك الاصطلاحات المنطقية المذكورة العكس وهو عبارة عن أن يُصَيَّر الموضوع في القضية محمولاً والمحمول موضوعاً مع بقاء الكيف أي الإيجاب
الجزء 1 · صفحة 30
الكُلِّيَّةُ لا تَنعكسُ كليةً إذ تصدُقُ كُلُّ إنسانٍ حيوانٌ ولا يصدقُ كلُّ حَيوانٍ إنسانٌ بل تَنعَكِسُ جُزئيةً لأنا إذا قلنا: كلُّ إنسانٍ حيوانٌ يصدُقُ قولنا: بعضُ الحيوانِ إنسانٌ فإنَّا نَجِدُ الموضوعَ شيئاً موصوفاً بالإنسانِ
والسلب أي إن كان الأصل موجباً كان العكس موجباً وإن كان سالباً كان العكس أيضاً كذلك ومع بقاء الصدق والكذب إن كان الأصل صادقاً بأيّ وجه كان العكس أيضاً كذلك وإن كان كاذباً كان العكس أيضاً كذلك كما إذا أردنا أن نعكس قولنا كل إنسان حيوان جعلنا الجزء الأول ثانياً والثاني أولاً وقلنا بعض الحيوان إنسان وإذا أردنا أن نعكس قولنا لا شيء من الحجر بإنسان قلنا لا شيء من الإنسان بحجر ولو قال المصنف العكس هو جعل الجزء الأول من القضية ثانياً والجزء الثاني أولاً لكان أصوب لأن ما هو الموضوع لا يصير محمولاً وما هو المحمول لا يصير موضوعاً أصلاً ولئن سلمنا ذلك لكن يخرج عن التعريف عكس الشرطيات وإنما اعتبر بقاء السلب والإيجاب لأنهم تتبعوا القضايا فلم يجدوها في الأكثر بعد الجعل المذكور صادقة لازمة للأصل إلاّ موافقة لها في السلب والإيجاب وإنما اعتبر بقاء الصدق لأن العكس لازم للقضية فلو فرض صدقها بدون صدق العكس لزم صدق الملزوم بدون صدق اللازم وصدق الملزوم بدون صدق اللازم مستحيل ولم يعتبر بقاء الكذب لأنه لا يلزم من كذب الملزوم كذب اللازم فإن قولنا كل حيوان إنسان كاذب مع صدق عكسه وهو قولنا بعض الإنسان حيوان فعلى هذا قول المصنف والتكذيب لا يكون إلاّ خطأً فاحشاً.
قال: (المُوجَبَةُ الكُلِّيَّةُ لا تَنعكسُ كليةً إذ تصدُقُ كُلُّ إنسانٍ حيوانٌ ولا يصدقُ كلُّ حَيوانٍ إنسانٌ بل تَنعَكِسُ جُزئيةً لأنا إذا قلنا: كلُّ إنسانٍ حيوانٌ يصدُقُ قولنا: بعضُ الحيوانِ إنسانٌ فإنَّا
الجزء 1 · صفحة 31
والحيوانِ فيكونُ بعضُ الحيوانِ إنساناً والموجِبَةُ الجزئيةُ تَنعَكِسُ جزئيةً بهذهِ الحجَّةِ أيضاً والسالبةُ الكُلِّيَّةُ تنعكسُ كليةً وذلكَ بَيِّنٌ بنفسهِ فإنهُ إذا صدقَ
نَجِدُ الموضوعَ شيئاً موصوفاً بالإنسانِ والحيوانِ فيكونُ بعضُ الحيوانِ إنساناً).
أقول: القضية التي تكون موجبة كلية لا يلزم أن تنعكس كلية بل يلزم أن تنعكس جزئية أما عدم انعكاسها كليةً فلئلا ينتقض بمادة يكون المحمول فيها أعم من الموضوع وعند الانعكاس يلزم صدق الأخص على كل أفراد الأعم وهو محال، مثلاً يصدق قولنا كل إنسان حيوان ولا يصدق قولنا كل حيوان إنسان وألاّيلزم أن يصدق الإنسان الذي هو الأخص على كل من الحيوان الذي هو الأعم وهو محال وأما انعكاسها جزئية فلأنا إذا قلنا كل إنسان حيوان نجد شيئاً موصوفاً بالإنسان والحيوان وهو ذات الإنسان فيكون بعض الحيوان إنساناً هذا ما ذكره المصنف في تعليل انعكاسها جزئية والأولى أن يقال فيه إذا صدق كل إنسان حيوان لزم أن يصدق بعض الحيوان إنسان وألاّ يصدق نقيضه وهو لا شيء من الحيوان بإنسان فيلزم المنافاة بين الحيوان والإنسان فيصدق لا شيء من الإنسان بحيوان وقد كان الأصل كل إنسان حيوان هذا خلف، أو يضم ذلك النقيض إلى الأصل لينتج سلب الشيء عن نفسه وهو محال هكذا كل إنسان حيوان ولا شيء من الحيوان بإنسان ينتج من الشكل الأول لا شيء من الإنسان بإنسان وهو محال.
قال: (والموجِبَةُ الجزئيةُ تَنعَكِسُ جزئيةً بهذهِ الحجَّةِ أيضاً).
أقول: القضية الموجبة الجزئية أيضاً تنعكس موجبة جزئية كما أن القضية الموجبة الكلية تنعكس إليها والحجة ههنا كالحجة التي ذكرناها فيها فإنه إذا صدق بعض الحيوان إنسان يلزم أن يصدق بعض الإنسان حيوان لأنا نجد ههنا شيئاً موصوفاً
الجزء 1 · صفحة 32
لا شيءَ منَ الإنسانِ بِحَجَرٍ يصدُقُ لا شيءَ منَ الحَجَرِ بإنسانٍ والسالبةُ الجزئيةُ لا عكسَ لها لزوماً لأنهُ يصدقُ بعضُ الحيوانِ ليسَ بإنسانٍ ولا
بالحيوان والإنسان فيكون بعض الحيوان إنساناً أو نقول على تقدير صدق قولنا بعض الحيوان إنسان يلزم أن يصدق بعض الإنسان حيوان وإلاّ لصدق نقيضه وهو لا شيء من الإنسان بحيوان ويلزمه عكسه وهو لا شيء من الحيوان بإنسان وقد كان الأصل بعض الحيوان إنسان هذا خلف، أو نضم هذا اللازم إلى الأصل حتى يلزم سلب الشيء عن نفسه كما مرّ.
قال: (والسالبةُ الكُلِّيَّةُ تنعكسُ كليةً وذلكَ بَيِّنٌ بنفسهِ فإنهُ إذا صدقَ لا شيءَ منَ الإنسانِ بِحَجَرٍ يصدُقُ لا شيءَ منَ الحَجَرِ بإنسانٍ).
أقول: السالبة الكلية يلزم أن تنعكس سالبة كلية وذلك أي انعكاسها إلى السالبة الكلية بين بنفسه لأنه إذا صدق لا شيء من الحجر بإنسان يلزم أن يصدق لا شيء من الإنسان بحجر وإلاّ لصدق نقيضه وهو بعض الإنسان حجر وتنعكس إلى قولنا بعض الحجر إنسان وقد كان الأصل لا شيء من الحجر بإنسان هذا خلف، أو نضمه أعني النقيض وهو بعض الإنسان حجر إلى الأصل لينتج سلب الشيء عن نفسه هكذا بعض الإنسان حجر ولا شيء من الحجر بإنسان ينتج من الشكل الأول بعض الإنسان ليس بإنسان وهو مستحيل لصدق قولنا كل ما هو إنسان فهو إنسان بالضرورة وكل ما هو حجر فهو حجر دائماً.
قال: (والسالبةُ الجزئيةُ لا عكسَ لها لزوماً لأنهُ يصدقُ بعضُ الحيوانِ ليسَ بإنسانٍ ولا يصدقُ عكسُهُ).
أقول: السالبة الجزئية لا يلزم أن تنعكس لزوماً كلّياً وإلاّ انتقض بمادة يكون الموضوع فيها أعمّ من المحمول فيصدق سلب الأخص عن بعض الأعم ولا
الجزء 1 · صفحة 33
يصدقُ عكسُهُ القياسُ هو قَولٌ مُؤلَّفٌ منَ أقوالِ متى سَلِمَت لَزِمَ عنها لذاتِهَا قولٌ آخرُ وهوَ إمَّا اقترانيٌ مثلاً كلُّ جسمٍ مؤلفٌ وكلُّ مؤلفٍ
يصدق سلب الأعم عن بعض الأخص لأن كل أخص يستلزم الأعم فإن قولنا مثل بعض الحيوان ليس بإنسان كالفرس وغيره يصدق ولا يصدق عكسه وهو بعض الإنسان ليس بحيوان لصدق نقيضه وهو كل إنسان حيوان بالضرورة وإلاّ يوجد الكل بدون الجزء وهو محال وإنما قيد بقوله لزوماً كلياً لأنه قد يصدق العكس في بعض المواد مثلاً يصدق بعض الإنسان ليس بحجر ويصدق عكساً أيضاً وهو بعض الحجر ليس بإنسان.
قال: (القياسُ هو قَولٌ مُؤلَّفٌ منَ أقوالِ (¬1) متى سَلِمَت لَزِمَ عنها لذاتِهَا قولٌ آخرُ).
أقول: المطلب الأعلى والمقصد الأقصى من الاصطلاحات المنطقية القياس ورسموه بأنه قول مؤلف من أقوال متى سلمت لزم عنها أي عن تلك الأقوال لذاتها قول آخر كقولنا العالم متغير وكل متغير حادث فإنه مركب من قولين إذا سلمتا لزم عنهما لذاتهما العالم حادث والمراد من القول أعم من أن يكون معقولاً أو ملفوظاً والمراد من الأقوال ما فوق الواحد ليتناول القياس المؤلف من القولين والقياس المؤلف من أقوال فوق الاثنين فالقول الواحد لا يسمى قياساً وإن لزم عنه لذاته قول آخر كعكس المستوى وعكس النقيض وقوله متى سلمت يشير إلى أن تلك الأقوال لا يلزم أن تكون مسلمة في نفسها بل يلزم أن تكون بحيث لو سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر ليدخل في التعريف القياس الذي مقدماته صادقة والذي مقدماته كاذبة كقولنا كل إنسان جماد وكل جماد حمار فإن هذين القولين وإن
¬
(¬1) وقع في الأصل: الأقوال.
الجزء 1 · صفحة 34
مُحدَثٌ ينتُجُ كلُّ جِسمٍ مُحدَثٌ، وإمَّا استثنائيٌ كقولِنا إن كانت الشمسُ طالعةً فالنهارُ موجودٌ لكن الشمسَ طالعةٌ فالنهارُ موجودٌ لكنَّ النهارَ ليسَ بموجودٍ فالشمسُ ليست بطالعةٍ والمُكَرَّرُ بينَ مقدمتَي القياسِ فصاعداً
كذبا في نفسهما إلاّ أنهما بحيث لو سلمتا لزم عنهما كل إنسان حمار، وقوله لزم عنها احترز به عن الاستقراء والتمثيل لأنهما وإن سلم مقدماتهما لكن لا يلزم عنهما شيء آخر لإمكان التخلف في مدلوليهما عنهما، وقوله لذاتها يحترز به عن القياس الذي يلزم عنه بعد التسليم قول آخر لا لذاته بل بواسطة مقدمة أجنبية كما في قياس المساواة وهو ما يتركب من قولين بحيث يكون متعلق محمول أولهما موضوع الآخر كقولنا أ مساوٍ لب و ب مساوٍ لج فإن هذين القولين يستلزمان أمساوٍ لج لكن لا لذاتهما بل بواسطة مقدمة أجنبية وهي أن كل مساوٍ لمساوي الشيء مساوٍ لذلك الشيء وإنما قال من أقوال ولم يقل من مقدمات لئلاّ يلزم الدور لأن المقدمة قد عرّفوها بأنها ما جعلت جزء القياس فاُخِذَ القياس في تعريفها ولو أخذت هي أيضاً في تعريف القياس لزم الدور.
قال: (وهوَ إمَّا اقترانيٌ مثلاً كلُّ جسمٍ مؤلفٌ وكلُّ مؤلفٍ مُحدَثٌ ينتُجُ كلُّ جِسمٍ مُحدَثٌ، وإمَّا استثنائيٌ كقولِنا إن كانت الشمسُ طالعةً فالنهارُ موجودٌ لكن الشمسَ طالعةٌ فالنهارُ موجودٌ لكنَّ النهارَ ليسَ بموجودٍ فالشمسُ ليست بطالعةٍ).
أقول: القياس ينقسم إلى قسمين اقتراني واستثنائي لأنه إذا لم يكن عين النتيجة أو نقيضها مذكوراً فيه بالفعل فهو اقتراني كقولنا كل جسم مؤلف وكل مؤلف محدث فكل جسم محدث، وإن كان عين النتيجة أو نقيضها مذكوراً فيه بالفعل فهو استثنائي كقولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن الشمس طالعة يُسمّى حدّاً أوسَطَ وموضوعُ المطلوبِ يسَمَّى حداً أصغرَ ومَحمولُ المطلوبِ
الجزء 1 · صفحة 35
يسمَّى حداً أكبرَ والمقدمةُ التي فيها الأصغرُ تسمَّى الصغرى والتي فيها الأكبرُ تسمّى الكبرى وهيئةُ التأليفِ من الصُغرَى والكُبرى
ينتج فالنهار موجود لكن النهار ليس بموجود فالشمس ليست بطالعة وإنما سمّى الأول اقترانياً لكون الحدود فيه مقترنة غير مستثناة وإنما سمّى الثاني استثنائياً لاشتماله على أداة الاستثناء وهو لكن والمراد من كون عين النتيجة أو نقيضها مذكوراً بالفعل في القياس هو أن يكون طرفاها أو طرفا نقيضها مذكورين بالترتيب الذي في النتيجة.
قال: (والمُكَرَّرُ بينَ مقدمتَي القياسِ فصاعداً يُسمّى حدّاً أوسَطَ وموضوعُ المطلوبِ يسَمَّى حداً أصغرَ ومَحمولُ المطلوبِ يسمَّى حداً أكبرَ والمقدمةُ التي فيها الأصغرُ تسمَّى الصغرى والتي فيها الأكبرُ تسمّى الكبرى).
أقول: اعلم أن المشترك المكرر بين مقدمتي القياس فصاعداً يسمى حداً أوسط لتوسطه بين طرفي المطلوب سواء كان موضوعاً أو محمولاً أو مقدماً أو تالياً وقد مرّ مثالهما آنفاً وموضوع المطلوب يسمى حدّاً أصغر لأنه أخص في الأغلب والأخص أقل أفراداً فيكون أصغر ومحمول المطلوب يسمى حداً أكبر لأنه أعم في الأغلب والأعم أكثر أفراداً فيكون أكبر والمقدمة من مقدمات القياس التي فيها الأصغر تسمى الصغرى لاشتمالها على الأصغر فتكون ذات الأصغر وهذا ليس إلاّ معنى الصغرى والمقدمة التي فيها الأكبر تسمى الكبرى لاشتمالها على الأكبر فتكون ذات الأكبر وهذا ليس إلاّ معنى الكبرى واقتران الصغرى بالكبرى في الإيجاب والسلب والكلية والجزئية يسمى قرينة وضرباً ولم يذكر المصنف هذا.
الجزء 1 · صفحة 36
يسمَّى شكلاً والأشكالُ أربعةٌ لأنَّ الحدَّ الأوسَطَ إن كانَ محمولاً في الصُغرى ومَوضوعاً في الكُبرى فهوَ الشَّكلُ الأولُ وإن كانَ بالعَكسِ فهوَ الشكلُ الرابعُ وإن كانَ موضوعاً فيهِما فهوَ الثالثُ وإن كانَ مَحمولاً فيهِما فهوَ الثاني فهذِهِ الأشكالُ الأربعةُ مذكورةٌ في المنطقِ والشكلُ الرابِعُ منها
قال: (وهيئةُ التأليفِ من الصُغرَى والكُبرى يسمَّى شكلاً والأشكالُ أربعةٌ لأنَّ الحدَّ الأوسَطَ إن كانَ محمولاً في الصُغرى ومَوضوعاً في الكُبرى فهوَ الشَّكلُ الأولُ وإن كانَ بالعَكسِ فهوَ الشكلُ الرابعُ وإن كانَ موضوعاً فيهِما فهوَ الثالثُ وإن كانَ مَحمولاً فيهِما فهوَ الثاني فهذِهِ الأشكالُ الأربعةُ مذكورةٌ في المنطقِ).
أقول: الهيأة الحاصلة من اقتران الصغرى والكبرى تسمى شكلاً والأشكال أربعة لأن الحد الأوسط إن كان محمولاً في الصغرى وموضوعاً في الكبرى فهو الشكل الأول كقولنا كل ج ب وكل ب أ فكل ج أ وإن كان بالعكس أي إن كان موضوعاً في الصغرى ومحمولاً في الكبرى فهو الشكل الرابع نحو كل ب ج وكل أ ب فبعض ج أ وإن كان الحد الأوسط موضوعاً فيهما أي في الصغرى والكبرى نحو كل ب ج وكل ب أ فبعض ج أ فهو الشكل الثالث وإن كان محمولاً في الصغرى والكبرى نحو كل ج د ولا شيء من ب د فلا شيء من ج ب فهو الشكل الثاني فهذه هي الأشكال الأربعة المذكورة في المنطق.
قال: (والشكلُ الرابِعُ منها بعيدٌ عنِ الطبعِ جداً ومَن لَهُ عقلٌ سليمٌ وطبعٌ مستقيمٌ لا يحتاجُ إلى رَدِّ الثاني إلى الأولِ وإنَّما ينتُجُ الثاني عند اختلافِ مقدمتَيهِ بالإيجابِ والسلبِ).
الجزء 1 · صفحة 37
بعيدٌ عنِ الطبعِ جداً ومَن لَهُ عقلٌ سليمٌ وطبعٌ مستقيمٌ لا يحتاجُ إلى رَدِّ الثاني إلى الأولِ وإنَّما ينتُجُ الثاني عند اختلافِ مقدمتَيهِ بالإيجابِ والسلبِ والشكلُ الأولُ هو الذي جُعِلَ مِعياراً للعُلومِ فنُورِدُهُ ههُنا لِيُجعَلَ دُستوراً
أقول: من هذه الأشكال الأربعة المذكورة الشكل الرابع وهو بعيد عن الطبع جداً لأنه لا يستحصل المطلوب منه إلاّ بالتعسر وإنما يستحصل بالأشكال الباقية بالتيسر ومن هذه الباقية ما هو أقرب إلى الطبع هو الشكل الأول والباقية أعني الثاني والثالث والرابع ترتد عند الإنتاج إلى الأول ومن له طبع سليم وعقل مستقيم لا يحتاج إلى رد الشكل الثاني إلى الأول لأنه أقرب الباقيين إليه لمشاركته إياه في الصغرى وهي أشرف المقدمتين لاشتمالها على موضوع المطلوب الذي هو أشرف من المحمول لأن المحمول إنما يطلب لأجله،، واعلم أن الشكل الثاني إنما ينتج إذا كانت مقدمتاه أي الصغرى والكبرى فيه مختلفتين بالإيجاب والسلب أي إذا كانت إحداهما موجبة فالأخرى سالبة وإلاّ لكانتا إما موجبتين أو سالبتين وأيّاًمّا كان يتحقق الاختلاف في النتيجة أما إذا كانتا موجبتين فلأنه يصدق كل إنسان حيوان وكل ناطق حيوان والإيجاب فإذا بدلنا الكبرى بقولنا وكل فرس حيوان كان الحق السلب وأما إذا كانتا سالبتين فلأنه يصدق لا شيء من الإنسان بحجر ولا شيء من الفرس بحجر كان الحق السلب ولو بدلنا الكبرى بقولنا لا شيء من الناطق بحجر كان الحق الإيجاب بخلاف ما إذا وجد الاختلاف بين المقدمتين بالإيجاب والسلب ومع هذا الشرط يلزم كلية الكبرى في هذا الشكل وإلاّ لاختلف النتيجة كقولنا لا شيء من الإنسان بفرس وبعض الحيوان فرس والحق الإيجاب ولو قلنا بعض الصاهل فرس كان الحق السلب هذا على تقدير إيجاب الكبرى وأما على تقدير سلبها فلأنه يصدق قولنا كل إنسان حيوان وبعض الجسم ليس بحيوان والحق الإيجاب وإذا قلنا بعض الحجر ليس بحيوان كان الحق السلب ولم يذكر المصنف رحمه الله هذا الشرط.
الجزء 1 · صفحة 38
وميزاناً يَنتُجُ منه المطالبُ كُلُّها وضروبُهُ المنتِجَةُ أربعَةٌ الضربُ الأولُ كلُّ جسمٍ مؤلفٌ وكلُّ مؤلفٍ محدثٌ فكلُّ جسمٍ محدثٌ، الثاني كلُّ جسمٍ مؤلفٌ ولا شيءَ منَ المؤلفِ بقديمٍ فلا شيءَ منَ الجسمِ بقديمٍ، الثالثُ بَعضُ الجسمِ مؤلفٌ وكلُّ مؤلفٍ حادثٌ فبعضُ الجسمِ حادثٌ، والرابعُ بعضُ الجسمِ
قال: (والشكلُ الأولُ هو الذي جُعِلَ مِعياراً للعُلومِ فنُورِدُهُ ههُنا لِيُجعَلَ دُستوراً وميزاناً يَنتُجُ منه المطالبُ كُلُّها وضروبُهُ المنتِجَةُ أربعَةٌ الضربُ الأولُ كلُّ جسمٍ مؤلفٌ وكلُّ مؤلفٍ محدثٌ فكلُّ جسمٍ محدثٌ، الثاني كلُّ جسمٍ مؤلفٌ ولا شيءَ منَ المؤلفِ بقديمٍ فلا شيءَ منَ الجسمِ بقديمٍ، الثالثُ بَعضُ الجسمِ مؤلفٌ وكلُّ مؤلفٍ حادثٌ فبعضُ الجسمِ حادثٌ، والرابعُ بعضُ الجسمِ مؤلفٌ ولا شيءَ منَ المؤلفِ بقديمٍ فبعضُ الجسمِ ليسَ بقديمٍ).
أقول: لما كان الشكل الأول من الأشكال الأربعة أصلاً والباقية مرتدة إليه ولهذا ما جعل معياراً للعلوم إلا ذاك أورده المصنِّف ههنا مع ضروبه المنتجة دون غيره ليجعل دستوراً أي قانوناً وينتج منه المطلوب وتوطية ليفهم منه المقصود، وضروبه المنتجة أربعة لأن القسمة العقلية تقتضي أن تكون ستة عشر فسقط منها اثنا عشر كما بين في المطولات وبقي أربعة أضرب: الضرب الأول هو أن يكون من موجبتين كليتين والنتيجة موجبة كلية، كقولنا كل جسم مؤلف وكل مؤلف محدث ينتج كل جسم محدث، والضرب الثاني هو أن يكون من كليتين والكبرى سالبة كلية والنتيجة سالبة كلية كقولنا كل جسم مؤلف ولا شيء من المؤلف بقديم ينتج لا شيء من الجسم بقديم، والضرب الثالث هو أن يكون من موجبتين والصغرى موجبة جزئية والكبرى موجبة كلية والنتيجة موجبة جزئية كقولنا
الجزء 1 · صفحة 39
مؤلفٌ ولا شيءَ منَ المؤلفِ بقديمٍ فبعضُ الجسمِ ليسَ بقديمٍ والقياسُ الاقترانيُّ أمَّا منَ الحمليتينِ كما مَرَّ، وإمَّا منَ المتصلتينِ كقولِنا إن كانت الشمسُ طالعةً فالنهارُ موجودٌ وإن كانَ النهارُ موجوداً فالأرضُ مضيئةٌ ينتجُ إن كانت الشمسُ طالعةً فالأرضُ مضيئةٌ، وإمَّا منَ المنفصلتينِ كقولِنا
بعض الجسم مؤلف وكل مؤلف حادث ينتج بعض الجسم حادث، والضرب الرابع أن يكون من موجبة جزئية صغرى وسالبة كلية كبرى والنتيجة سالبة جزئية كقولنا بعض الجسم مؤلف ولا شيء من المؤلف بقديم ينتج بعض الجسم ليس بقديم ومن هذا يعرف أن إيجاب الصغرى وكلية الكبرى شرط في الشكل الأول وإلاّ لاختلفت النتيجة أما الأول فلأنه يصدق لا شيء من الإنسان بفرس وكل فرس حيوان والحق الإيجاب وإذا بدلنا الكبرى بقولنا كل فرس صهّال كان الحق السلب، أما الثاني فلأنه يصدق كل إنسان حيوان وبعض الحيوان فرس والحق السلب وإذا بدلنا الكبرى بقولنا بعض الحيوان ضاحك كان الحق الإيجاب.
قال: (والقياسُ الاقترانيُّ أمَّا منَ الحمليتينِ كما مَرَّ، وإمَّا منَ المتصلتينِ كقولِنا إن كانت الشمسُ طالعةً فالنهارُ موجودٌ وإن كانَ النهارُ موجوداً فالأرضُ مضيئةٌ ينتجُ إن كانت الشمسُ طالعةً فالأرضُ مضيئةٌ، وإمَّا منَ المنفصلتينِ كقولِنا كلُّ عددِ إما فردٌ أو زوجٌ وكلُّ زوجٍ فهوَ إمَّا زوجُ الزوجِ أو زوجُ الفردِ ينتجُ كلُّ عددٍ إمَّا فَردٌ أو زوجُ الزوجِ أو زوجُ الفردِ وإمَّا منَ الحمليةِ والمتصلةِ كقولِنا كلَّما كانَ هذا إنساناً فهوَ حيوانٌ وكلُّ حيوانٍ فهوَ جسمٌ ينتجُ كلَّما كانَ هذا إنساناً فهوَ جسمٌ وإمَّا من حمليةٍ ومنفصلةٍ كقولِنا كلُّ عددٍ إمَّا زوجٌ أو فردٌ وكلُّ زوجٍ فهوَ منقسمٌ بمتساويينِ ينتُجُ كلُّ عددٍ فهوَ إمَّا فردٌ أو
الجزء 1 · صفحة 40
كلُّ عددِ إما فردٌ أو زوجٌ وكلُّ زوجٍ فهوَ إمَّا زوجُ الزوجِ أو زوجُ الفردِ ينتجُ كلُّ عددٍ إمَّا فَردٌ أو زوجُ الزوجِ أو زوجُ الفردِ وإمَّا منَ الحمليةِ والمتصلةِ كقولِنا كلَّما كانَ هذا إنساناً فهوَ حيوانٌ وكلُّ حيوانٍ فهوَ جسمٌ ينتجُ كلَّما كانَ هذا إنساناً فهوَ جسمٌ وإمَّا من حمليةٍ ومنفصلةٍ كقولِنا كلُّ
منقسمٌ بمتساويينِ أو من متصلةٍ ومنفصلةٍ كقولِنا إن كانَ هذا إنساناً فهوَ حيوانٌ وكلُّ حيوانٍ فهوَ إمَّا أبيضُ أو أسودُ يَنتُجُ إن كانَ هذا إنساناً فهوَ إمَّا أبيضُ أو أسودُ).
أقول: لما قسم المصنف القياس من قبل إلى اقتراني واستثنائي أراد أن يبين أن كل واحد منهما من أي شيء يتركب فقال القياس الاقتراني إما أن يتركب من مقدمتين حمليتين كما مرّ من قولنا كل جسم مؤلف وكل مؤلف محدث فإنَّ كلاً من هاتين المقدمتين حملية، وأما أن يتركب من مقدمتين شرطيتين متصلتين كقولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود وإن كان النهار موجود فالأرض مضيئة ينتج من اقتران هاتين الشرطيتين المتصلتين إن كانت الشمس طالعة فالأرض مضيئة والمراد من المتصلتين اللزوميتان لا الإتفاقيتان كما ذكر في المطولات، وأما أن يتركب من مقدمتين شرطيتين منفصلتين نحو كل عدد إما زوج أو فرد وكل زوج إما زوج الزوج أو زوج الفرد ينتج من هاتين المنفصلتين العدد إما فرد أو زوج الزوج أو زوج الفرد، وإما أن يتركب القياس المذكور من مقدمة حملية ومقدمة متصلة سواء كانت الحملية صغرى والمتصلة كبرى أو بالعكس كقولنا كلما كان هذا الشيء إنساناً فهو حيوان وكل حيوان جسم ينتج من هاتين المقدمتين اللتين أولاهما متصلة والأخرى حملية كلما كان هذا الشيء إنساناً فهو جسم وإما أن يتركب من مقدمة حملية ومقدمة منفصلة سواء كانت الحملية صغرى والمنفصلة كبرى أو بالعكس كقولنا كل عدد إما فرد أو زوج وكل زوج
الجزء 1 · صفحة 41
عددٍ إمَّا زوجٌ أو فردٌ وكلُّ زوجٍ فهوَ منقسمٌ بمتساويينِ ينتُجُ كلُّ عددٍ فهوَ إمَّا فردٌ أو منقسمٌ بمتساويينِ أو من متصلةٍ ومنفصلةٍ كقولِنا إن كانَ هذا إنساناً فهوَ حيوانٌ وكلُّ حيوانٍ فهوَ إمَّا أبيضُ أو أسودُ يَنتُجُ إن كانَ هذا إنساناً فهوَ إمَّا أبيضُ أو أسودُ وأمَّا القياسُ الاستثنائيُّ فالشرطيةُ
منقسم إلى متساويين ينتج من هاتين المقدمتين الّلتين أولاهما منفصلة والأخرى حملية كل عدد إما فرد أو منقسم بمتساويين، وإما أن يتركب من مقدمة منفصلة ومقدمة متصلة سواء كانت المنفصلة صغرى والمتصلة كبرى أو بالعكس كقولنا كلما كان هذا الشيء إنساناً فهو حيوان وكل حيوان فهو إما أبيض أو أسود ينتج من هاتين المقدمتين الّلتين أولاهما متصلة والأخرى منفصلة كلما كان هذا الشيء إنساناً فهو إما أبيض أو اسود.
قال: (وأمَّا القياسُ الاستثنائيُّ فالشرطيةُ الموضوعةُ فيه إن كانت متصلةً موجِبَةً لُزُوميَّةً فاستثناءُ عينُ المُقَدِّمِ ينتُجُ عينَ التالي كقولِنا إن كانَ هذا إنساناً فهوَ حيوانٌ لكنَّهُ إنسانٌ فهوَ حيوانٌ واستثناءُ نقيضِ التالي يُنتِجُ نقيضَ المُقَدِّمِ كقولِنا إن كانت الشمسُ طالعةً فالنَّهارُ موجودٌ لكنَّ النَّهارَ ليسَ بموجودٍ فالشمسُ ليست بطالعةٍ وإن كانت منفصلةً حقيقيةً فاستثناءُ عينِ أحدِ الجزئينِ يُنتِجُ نقيضَ الآخرِ واستثناءُ نقيضِ أحدِهِما يُنتِجُ عينَ الآخرِ).
أقول: لما فرغ عن بيان القياس الاقتراني شرع في بيان القياس الاستثنائي فنقول القياس الاستثنائي مركب دائماً من مقدمتين إحداهما شرطية والأخرى وضع أحد جزئيها أي إثباته أو رفعه ليلزم وضع الجزء الأخرى إثباته أو رفعه سواء كانت متصلة أو منفصلة، أما إن كانت متصلة فكقولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار
الجزء 1 · صفحة 42
الموضوعةُ فيه إن كانت متصلةً موجِبَةً لُزُوميَّةً فاستثناءُ عينُ المُقَدِّمِ ينتُجُ عينَ التالي كقولِنا إن كانَ هذا إنساناً فهوَ حيوانٌ لكنَّهُ إنسانٌ فهوَ حيوانٌ واستثناءُ نقيضِ التالي يُنتِجُ نقيضَ المُقَدِّمِ كقولِنا إن كانت الشمسُ طالعةً فالنَّهارُ موجودٌ لكنَّ النَّهارَ ليسَ بموجودٍ فالشمسُ ليست بطالعةٍ وإن
موجود لكن الشمس طالعة ينتج أن النهار موجود ولو قلنا لكن النهار ليس بموجود ينتج أن الشمس ليست بطالعة، وإن كانت منفصلة فكقولنا دائماً إما أن يكون العدد زوجاً أو فرداً لكن هذا العدد زوج ينتج أنه ليس بفرد ولو قلنا لكنه ليس بزوج ينتج أنه فرد وإذا عرفت هذا فنقول الشرطية الموضوعة في القياس الاستثنائي إن كانت متصلة فاستثناء عين المقدم ينتج عين التالي وإلاّ لزم انفكاك اللازم عن الملزوم فيبطل الملازمة واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم وإلاّ لزم وجود الملزوم بدون اللازم فيبطل الملازمة أيضاً كما رأيته في المثال الأول، وإن كانت الشرطية الموضوعة في القياس الاستثنائي منفصلة فاستثناء عين أحد الجزئين سواء كان مقدماً أو تالياً ينتج نقيض الآخر لامتناع الجمع بينهما واستثناء نقيض أحدهما أي أحد الجزئين كذلك ينتج عين الآخر لامتناع الخلو بينهما كما رأيته في المثال الثاني فعليك بالتأمل في المثالين المذكورين هذا إذا كانت المنفصلة حقيقية وإن شئت أن تدرك البحث بكماله في المنفصلات فارجع إلى الرسائل المطولة.
قال: (البُرهانُ وهوَ قياسٌ مؤلَّفٌ مِن مُقدِّماتٍ يقينيةٍ لإنتاجِ اليقينِ أمَّا اليقينياتُ فأقسامٌ أحَدُها أوَّليَّاتٌ كقولِنا الواحدُ نصفُ الاثنينِ والكلُّ أعظمُ مِنَ الجُزءِ، ومشاهداتٌ كقولِنا الشمسُ مشرِقَةٌ والنَّارُ محرِقَةٌ، ومُجَرَّباتٌ كقولِنا السُّقمونيا مُسهِلٌ للصفراءِ، وحَدَسِيَّاتٌ كقولِنا نورُ القَمَرِ مُستفادٌ من نورِ الشمسِ ومُتَوَاتِرَاتٌ كقولِنا مُحَمَّدٌ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إدَّعَى
الجزء 1 · صفحة 43
كانت منفصلةً حقيقيةً فاستثناءُ عينِ أحدِ الجزئينِ يُنتِجُ نقيضَ الآخرِ واستثناءُ نقيضِ أحدِهِما يُنتِجُ عينَ الآخرِ البُرهانُ وهوَ قياسٌ مؤلَّفٌ مِن مُقدِّماتٍ يقينيةٍ لإنتاجِ اليقينِ أمَّا اليقينياتُ فأقسامٌ أحَدُها أوَّليَّاتٌ كقولِنا الواحدُ نصفُ الاثنينِ والكلُّ أعظمُ مِنَ الجُزءِ، ومشاهداتٌ كقولِنا الشمسُ
النُّبُوَّةَ وأظهَرَ المُعجِزَاتِ على يَدِهِ وقضايا قياساتُها معها كقولِنا الأربعةُ زوجٌ بسببِ وَسَطٍ حاضرٍ في الذِّهنِ هوَ الانقسامُ بمتساويينِ).
أقول: من الاصطلاحات المنطقية المذكورة التي يجب استحضارها عند الخوض في شيء من العلوم البرهان وهو يرسم بأنه قياس مؤلف من مقدمات يقينية لإنتاج اليقين كما مرَّ من الأمثلة واليقين هو اعتقاد الشيء بأنه لا يمكن إلاّ أن يكون كذا اعتقادا مطابقاَ للواقع غير ممكن الزوال وقوله لا يمكن إلاّ أن يكون كذا يخرج الظن وهو اعتقاد الراجح وقوله مطابقاً للواقع يخرج الجهل المركب فإنه وإن كان اعتقاداً بأنه لا يمكن إلاّ أن يكون كذا لكن ليس مطابقاً للواقع في نفس الأمر وقوله غير ممكن الزوال يخرج اعتقاد المقلد لأن الاعتقاد فيه لا عن دليل فيمكن زواله وأما اليقينيات فأقسام منها أوليات وهي ما يحكم العقل فيه بمجرد تصور الطرفين كقولنا الواحد نصف الاثنين والكل أعظم من الجزء ومنها مشاهدات وهي ما يحكم العقل فيه بالحس سواء كان من الحواس الظاهرة أو الباطنة كقولنا النار محرقة والشمس مشرقة وقولنا إن لنا غضباً وخوفاً ومنها مجربات وهي ما يحتاج العقل في جزم الحكم فيه إلى تكرار المشاهدة مرة بعد أخرى كقولنا شرب السقمونيا مسهل للصفراء وهذا الحكم إنما يحصل بواسطة المشاهدات الكثيرة ومنها حدسيات وهي ما لا يحتاج العقل في جزم الحكم فيه إلى واسطة تكرار المشاهدة كقولنا نور القمر مستفاد من نور الشمس لاختلاف
الجزء 1 · صفحة 44
مشرِقَةٌ والنَّارُ محرِقَةٌ، ومُجَرَّباتٌ كقولِنا السُّقمونيا مُسهِلٌ للصفراءِ، وحَدَسِيَّاتٌ كقولِنا نورُ القَمَرِ مُستفادٌ من نورِ الشمسِ ومُتَوَاتِرَاتٌ كقولِنا مُحَمَّدٌ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إدَّعَى النُّبُوَّةَ وأظهَرَ المُعجِزَاتِ على يَدِهِ وقضايا قياساتُها معها كقولِنا الأربعةُ زوجٌ بسببِ وَسَطٍ حاضرٍ في الذِّهنِ هوَ الانقسامُ بمتساويينِ والجَدَلُ قِياسٌ مُؤَلَّفٌ مِن مُقدماتٍ مشهورةٍ،
تشكلاته النورية بحسب اختلاف أوضاعه من الشمس قرباً وبعداً ومنها متواترات وهي ما يحكم العقل فيه بجزم الحكم بواسطة السماع من جمع كثير استحال العقل توافقهم على الكذب كالحكم بأن النبي عليه الصلاة والسلام ادعى النبوة وأظهر المعجزة على يده ومنها قضايا قياساتها معها وهي ما يحكم العقل فيه بواسطة أمر حاضر لا يغيب عن الذهن عند تصور الطرفين كقولنا الأربعة زوج بسبب وسط حاضر في الذهن وهو الانقسام بمتساويين والوسط ما يقترن بقولنا لأنه حين يقال لأنه كذا وكذا.
قال: (والجَدَلُ قِياسٌ مُؤَلَّفٌ مِن مُقدماتٍ مشهورةٍ، والخِطابةُ قِياسٌ مُؤَلّفٌ مِن مقدِماتٍ مَقبولَةٍ مِن شَخصٍ مُعتَقِدٍ فِيهِ، أو مَظنُونَةٍ، والشِّعرُ قِياسٌ مُؤَلَّفٌ مِن مُقَدِّمَاتٍ مُتخَيَّلَةٍ تَنبَسِطُ مِنها النَّفسُ نَحوُ الخَمرُ ياقوتَةٌ سيّالةٌ، أو تَنقَبِضُ نَحوُ العَسَلُ مُرَّةٌ مُهَوِّعَةٌ، والمُغالَطَةُ قِياسٌ مُؤَلَّفٌ مِن مُقَدِّماتٍ كاذبةٍ شبيهةٍ بالحقِّ، أو مُقَدِّماتٍ وهميَّةٍ كاذِبَةٍ، والعُمدَةُ هُوَ البُرهانُ لا غَيرُ وليكن هذا آخرَ الرِّسالةِ).
أقول: من الاصطلاحات المنطقية المذكورة الجدل وهو قياس مؤلف من مقدمات مشهورة كالمقدمات التي ذكرناها في اليقينيات والغرض من ترتيبها إلزام الخصم وهو ظاهر، ومنها الخطابة وهو قياس مؤلف من مقدمات مقبولة من