سبيل الوصول ......
.. إلى علم الأصول
جارٍ تحميل الكتاب…
سبيل الوصول ......
.. إلى علم الأصول
بسم الله الرحمن الرحيم
سبيل الوصول
إلى علم الأصول
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله الذي علمنا ما لم نعلم، وخصنا بكتابه وسنّة نبيه - صلى الله عليه وسلم - على العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحابته ومَن سار على دربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن من المعلوم أنه حصلت مفارقة بين طريقة المعاصرين في التأليف في علم الأصول وعلم الفقه وبين ما كان عليه سادتنا السابقون من سلف هذه الأمة وخلفها؛ إذ كان يصنف كلّ منهم على مذهبه ومدرسته التي درس وتعلم فيها، حتى شاعت هناك طرق في التأليف في أصول الفقه أبرزها طريقة الفقهاء وطريقة المتكلمين، وليس هنا محلّ تفصيل ذلك؛ لأنه سيأتينا بيانه بين طيات هذا الكتاب.
وإنما المراد التنبيه على ما خالف فيه المعاصرون من التصنيف والتأليف لطريقة علمائنا السابقين؛ إذ حاولوا الجمع بين المذاهب الأصولية المختلفة بعرض أشهر مسائلهم بطريقة سهلة ميسورة للطالب، فانتقل علم أصول
الفقه من العلمية إلى الثقافية، ولم تكن هذه الطريقة ناجحة في تفهيم الطلبة الأصول التي بنيت عليها المذاهب الفقهية المشهورة، وإنما اقتصرت فائدتها إجمالاً في إعطاء صورة عامة عن أصول الفقه، مع التشتيت والخلط الذي وقع فيه الدارس بسبب الخلط بين المذاهب والطرق المختلفة، مما يجعل الكلام متناقضاً في أحيان كثيرة.
وإنني لما كلفت بتدريس مادة أصول الفقه لأحبابي وأبنائي الطلبة، هممت أن أجمع لهم كتاباً في الأصول يتناسب مع مستواهم، ويراعي حالهم، بعبارة سهلة، في نقاط وفقرات متسلسلة؛ ليكون لهم عوناً على فهم هذا المقرر الذي يشتكي الطلاب منه كثيراً، وسميته:
سبيل الوصول إلى علم الأصول
راجياً من الله - جل جلاله - أن يكون الاسم مطابقاً للمسمّى؛ إذ عكفت فيه على مؤلفات علمائنا السابقين، وبذلت جهدي في عرضها بما ييسر للطالب فهمها، وسرت فيه على طريقة سادتنا الفقهاء؛ لشدة اهتمام أصحابها بربط المسائل بالأصول، وبنائها عليها، فهي طريقة بديعة في تكوين الملكة الفقهية والأصولية لدى الدارس، وتمكينه من ضبط المسائل.
وإن هذا الكتاب هو جهد المقلّ، فضيق الأوقات وكثرة الأشغال والمعوقات، لا تعين المرء على تحقيق المسائل وتنقيح الدلائل، فلعل الله - عز وجل - ييسر الأمر لنا في المستقبل بإعادة وتحقيق المراد.
وفي الختام فإن هذا العمل لبنة أولى لمَن أراد أن يسير على طريق سلفنا وخلفنا الصالح في الدارسة والتدريس، سائلاً المولى - عز وجل - أن ينفع به، ويرزقه القبول بين العباد وفي البلاد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
يوم الاثنين 25/شعبان/1427 هـ
الموافق 18/أيلول/2006 م
الباب الأول
مقدمات في أصول الفقه:
المبحثُ الأوّل
تعريف علم الأصول
والتفريق بينه وبين علم الفقه
المطلب الأول: تعريف علم أصول الفقه:
أولاً: من حيث إنه مركبٌ إضافيّ:
إن لفظَ أصول الفقه قبل جعله لقباً: أي علماً على الفن المخصوص لفظ مركب من مضاف، وهو أصول، ومضاف إليه: وهو الفقه، وتعريف المركب يحتاج إلى تعريف أجزائه، وتعريفهما يغني عن تعريف الإضافة التي بينهما وهي اختصاص الأصل بالفقه باعتبار كونه أصلاً له لوضوحه (¬1)، وقبل ذلك نقف على معنى العلم؛ لأن أصول الفقهمضافة إليه.
¬
(¬1) ينظر: تسهيل الوصول ص 3.
الأول: علم:
العلم: نقيض الجهل، قال ابن جني: «لمَّا كان العلم قد يكون الوصف به بعد المزاولة له وطول الملابسة صار كأنه غريزة ... ثم حملوا عليه ضدّه، فقالوا: جُهلاء كعُلماء، وصار عُلماء كحُلماء؛ لأن العلم مَحْلمة لصاحبه ... »، وعلاّم علامة إذا بالغت في وصفه بالعلم: أي عالم جداً، والهاء للمبالغة (¬1).
والعلم: معرفة الشيء على ما هو به ... ، والمعنى الحقيقي للعلم: هو الإدراك، ولهذا المعنى متعلق وهو المعلوم، وله تابع في الحصول يكون وسيلة إليه في البقاء وهو الملكة، فأطلق لفظ العلم على كل منها إما حقيقة عرفية، أو اصطلاحية، أو مجازاً مشهوراً (¬2).
ويطلق العلم على أسماء العلوم المدونة: كالنحو والفقه فيطلق كأسماء العلوم تارة على المسائل المخصوصة كما يقال: فلان يعلم النحو، وتارة على التصديقات بتلك المسائل عن دليلها، وتارة على الملكة الحاصلة من تكرر تلك التصديقات: أي ملكة استحضارها، وقد يطلق الملكة على التهيؤ التام وهو أن يكون عنده ما يكفيه لاستعلام ما يراد (¬3).
وما يقال: فلان يعلم النحو مثلاً لا يراد به أن جميع مسائله حاضرة في ذهنه، بل يراد به أن له حالة بسيطة إجمالية هي مبدأٌ لتفاصيل مسائله، بها
¬
(¬1) ينظر: لسان العرب 4: 3038.
(¬2) ينظر: الكليات ص 611.
(¬3) ينظر: كشف الظنون 1: 6.
يتمكن من استحضارها، فالمراد بالعلم المتعلق بالنحو هاهنا هو الملكة وإن كان النحو عبارة عن المسائل (¬1).
والعلم المأخوذ في تعريف الفقه كما سيأتي ليس الاعتقاد الجازم عن دليل؛ لأن مسائل الفقه مظنونة لكونه مبنياً على أخبار الآحاد والأقيسة وغيرها من المظنونات؛ إذ العلم يطلق على الظنيّات كما يطلق على القطعيّات كالطب ونحوه؛ ولأنّ الشارعَ لما اعتبر غلبة الظنّ في الأحكام صار كأنّه قال: كلما غلب ظنّ المجتهد بالحكم يثبت الحكم؛ ولأنّ المظنون يجب العمل به في الفروع صار كالمقطوع (¬2).
الثاني: أصول:
لغة: جمع أصل، وهو أسفلُ كلُّ شيء (¬3)، وأساسه (¬4)، فأساسُ الحائط أَصله، ثمّ كَثُر حتى قيل: أَصل كلِّ شيء ما يستند وجود ذلك الشيء إليه، فالأب أصل للولد، والنهر أصل للجدول، وأَصَّلْتُه جعلت له أَصلاً ثابتاً يُبنى عليه (¬5).
فمدارُ معنى الأصل لغةً فيما يبتني عليه غيره من حيث إنه يبتني عليه
¬
(¬1) ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون 1: 3.
(¬2) ينظر: الوصول إلى قواعد الأصول ص121.
(¬3) ينظر: لسان العرب 1: 89.
(¬4) ينظر: معجم مقاييس اللغة 1: 109.
(¬5) ينظر: المصباح المنير ص16.
سواء كان الابتناء حسياً كابتناء السقف على الجدار أو عقلياً كابتناء الحكم على الدليل، والأصل قد يكون مُبتنياً على غيره (¬1)، وأَمّا الفرع فما يكون مبنياً على غيره (¬2) دائماً.
واصطلاحاً: وله معان، وهي:
1.الدليل: وهو المراد هنا يقال: أصل هذه المسألة الكتاب: أي دليلها، ويقال: أصول الفقه: أي أدلته (¬3)، فلفظ الأصل إذا أضيف إلى العلم فالمراد دليله (¬4)؛ لأن الدليل هو مبنى العلم.
قال التهانوي (¬5): «الأصول هي الأدلة؛ إذ الأصل في اصطلاح يُطلق على الدليل أيضاً، وإذا أُضيف إلى العلم يتبادر منه هذا المعنى، وقيد المراد بالمعنى اللغوي، وهو ما يبتني عليه الشيء فإن الابتناء يشتمل الحسي، وهو كون الشيئين حسيين كابتناء السقف على الجدران، والعقلي كابتناء الحكم على دليله، فلما أضيف الأصول إلى الفقه الذي هو معنى عقلي، يعلم أن الابتناء
¬
(¬1) ينظر: قمر الأقمار 1: 7، وتسهيل الوصول ص3، ومرآة الأصول ص22، وكشف الأسرار 1: 6، وفواتح الرحموت 1: 8.
(¬2) ينظر: الوافي في شرح الاخسيكثي 1: 167.
(¬3) ينظر: تسهيل الوصول ص3.
(¬4) ينظر: مسلم الثبوت 1: 8.
(¬5) كشاف اصطلاحات الفنون 1: 37.
هاهنا عقلي، فيكون أصول الفقه ما يبتني هو عليه ويستند إليه، ولا معنى لمستند العلم ومبتناه إلا دليله».
2.الراجح: كما يقال: الكتاب أصل بالنسبة إلى القياس: أي راجح.
3.المستصحب: كما يقال: طهارة الماء أصل.
4.القاعدة: كما يقال: الفاعل مرفوع أصل من أصول النحو.
فلفظ الأصل مشترك اصطلاحي في الأربعة (¬1).
الثالث: الفقه:
لغة: هو الفهم مطلقاً، وهو ما يدلُّ على إدراكِ الشيء، والعلم به، والفهمِ له، والعلم بغرض المخاطب من خطابه، أي فهم غرض المتكلم من كلامه، فيقال: فلا يفقه الخير أو الشر: أي يفهمه (¬2).
قال - جل جلاله -: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (¬3): أي ليفهموا الدين فهماً دقيقاً عميقاً. وقال - عز وجل -: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي} (¬4): أي يفهموا
¬
(¬1) ينظر: فواتح الرحموت 1: 8، ومرآة الأصول ص22.
(¬2) ينظر: المصباح، ص479، والعين 2: 70، ومفردات القرآن ص398، معجم مقاييس اللغة 4: 442، ولسان العرب، 5: 3450، والكليات ص67، وردّ المحتار 1: 25 - 26.
(¬3) التوبة: 122.
(¬4) طه: 28.
قولي. وقال: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} (¬1): أي لا نفهم.
وأما تخصيصُه بفهم الأشياء الدقيقة كما ذهب إليه أبو إسحاق الشيرازي - رضي الله عنه - في ((شرح اللمع))، فخلاف الصواب كما صرَّح به الأسنوي - رضي الله عنه - (¬2)، ويؤيِّده ما سبق نقله من معاجم اللغة.
وقد تطور المعنى الدلالي لكلمة «فقه»، إذ نقلت من المعنى اللغوي: وهو الفهم مطلقاً إلى معنى اصطلاحي.
وهذا المعنى الاصطلاحي اعتراه التطور؛ إذ كانت في صدر الإسلام تحمل معنى شمولي لمفردات الدين من عقائد وفروع وتصوف وغيرها (¬3)، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن يرد الله به خيراً يفقه في الدين) (¬4).
وبعد توسّع رقعة الإسلام، ودخول أفواجٍ من غير أقوام العرب في الإسلام، ظهرت في الأمة أفكارٌ جديدة، فاحتاجت الأمة إلى فرز العلوم بعضها عن بعض وإطلاق الأسماء المتنوعة على تلك المسميات، وخصصت
¬
(¬1) هود:91.
(¬2) ينظر: نهاية السول في شرح منهاج الأصول للبيضاوي 1: 8.
(¬3) ينظر: موسوعة الفقه الإسلامي المصرية 1: 9.
(¬4) في صحيح البخاري 1: 37، وصحيح مسلم 2: 718، وسنن ابن ماجة 1: 80.
كلمة: ((فقه)) على العلم بفروع الدين، فأصبح خاصاً بهذا المعنى بعد أن كان شاملاً للمفردات كلَّها (¬1).
واصطلاحاً:
إن أصحاب كل علم ينظرون إلى المعنى اللغوي والشرعي من الجانب الذي يخدم علمهم؛ لذلك وجدنا الأصوليين والفقهاء اختلفوا في تعريف الفقه اصطلاحاً، فالأصوليون اتجهتْ عنايتهم إلى بيانِ مفهومِ الفقه في اصطلاحهم بالمعنى الوصفي: أي الحالُ التي إذا وجِدَ عليها المرءُ سمِّي فقيهاً، ولم يعرضوا لمعناه الاسمي: أي المسائل والأحكام التي يُطلقُ عليها اسم الفقه (¬2)، كما سيأتي في المطلب الثاني من هذا المبحث.
وقد عرَّف الأصوليون الفقه بتعاريف منها:
1.معرفةُ النَّفسِ ما لها وما عليها عملاً.
وهذا التعريف منقول عن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - بلا لفظ: عملاً زاده الذي زاده أصحابه - رضي الله عنهم -؛ لتخرجَ الاعتقادات والوجدانيات، فيخرج الكلام والتَّصوف.
والمعرفة: إدراكُ الجزئياتِ عن دليل.
ومعنى ما لها وما عليها: ما يجوز لها، وما يحرم عليها، فيشملان جميع
¬
(¬1) ينظر: المدخل إلى دارسة الفقه الإسلامي ص 13.
(¬2) ينظر: الموسوعة الفقهية المصرية 1: 10.
الأصناف (¬1): أي الحل والحرمة والكراهة والسنة وغيرها.
2.العلم بالأحكام الشَّرعيَّة العملية المكتسب من أدلتها التَّفصيليَّة (¬2).
وهو منقول عن أصحاب الإمام الشافعي - رضي الله عنه -.
فالأدلة التفصيلية: هي الأدلة الجزئية التي يتعلّق كلّ دليل منها بمسألة معيّنة وينص على حكم خاص بها (¬3): كقوله - جل جلاله -: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]، فهي دليل جزئي يتعلّق بحكم قتل النفس بغير حق.
وخرج بالأحكام: العلم بالذوات والصفات والأفعال، وبالشرعية: العقلية، والمراد بها ما يتوقف معرفتها على الشرع، وبالعملية: عن العلمية: ككون الإجماع وخبر الواحد حجّة (¬4).
والأحكام الشرعية العملية: هي التي تتعلّق بأفعال المكلفين في العبادات
¬
(¬1) ينظر: مرآة الأصول ص22، والتوضيح شرح التنقيح 1: 10 - 11، ونسمات الأسحار ص10.
(¬2) ينظر: نهاية السول 1: 22، وقمر الأقمار على كشف الأسرار 1: 2، والتعريفات ص147، والمستصفى 1: 4، والدر المختار 1: 26 - 27، ومسلم الثبوت 1: 12، والكليات، ص690، والميزان الكبرى 1: 107.
(¬3) ينظر: المدخل إلى دارسة الشريعة الإسلامية، ص55.
(¬4) ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه 1: 34، والتقرير والتحبير شرح التحرير 1: 19، وشرح الكوكب المنير ص11، وحاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع 1: 52.
والمعاملات وغيرهما من الفرض والواجب والسنة والكراهة التحريمية والتنزيهية والإباحة، كما سيأتي بيانها.
وبهذا التفصيل يتحصَّل أن معنى أصول الفقه من حيث الإضافة: أدلة الفقه وجهات دلالتها وحال المستدل بها على وجه كلي (¬1).
ثانياً: من حيث إنه لقب لهذا الفن:
بعد العرض السابق تبين أن أصل المسألة: أي دليل المسألة باعتبار كونه دليلاً عليها، فأصول الفقه ما يختص به من حيث إنه مبنى له ومسندٌ إليه، ثم نقل إلى المعنى العرفي اللقبي الآتي ليتناول الترجيح والاجتهاد أيضاً (¬2)، وقد عرَّفه الأصولييون من هذه الحيثية بتعاريف منها:
1.علم يعرف به أحوال الأدلة والأحكام الشرعيين من حيث إن لها دخلاً في إثبات الثانية بالأولى.
¬
(¬1) ينظر: بديع النظام 1: 9، وكشاف اصطلحات الفنون 1: 38.
(¬2) وقيل: لا ضرورة إلى جعل أصول الفقه بمعنى أدلته ثم النقل إلى المعنى اللقبي أي العلم بالقواعد المخصوصة، بل يحمل على معناه اللغوي: أي ما يبتنى الفقه عليه ويستند إليه ويكون شاملاً لجميع معلوماته من الأدلة والاجتهاد والترجيح لاشتراكها في ابتناء الفقه عليها، فيعبر عن معلوماته بلفظه وهو أصول الفقه، وعنه بإضافة العلم إليه، فيقال: علم أصول الفقه. ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون 1: 37 - 38، وحاشية الطرطوسي ص12 - 13.
فالعلم: ملكة يقتدر بها إدراك جزئية حاصلة من إدراك القواعد مرّة بعد أخرى، فيتعرف بها على انتساب الأدلة بمعنى كونها منصوبة فيها للدلالة على الأحكام، وانتساب الأحكام بمعنى استفادتها من تلك الأدلة.
والمراد بالأدلة الشرعية: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
والمراد بأحوالهما: أعراضهما الذاتية اللاحقة بهما باعتبار دلالة الأدلة على الأحكام مطلقاً، وعند التعارض أو باعتبار استنباط الأحكام منها.
والمراد بالأحكام: ما ثبت بخطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد كالفرضية والوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة والصحة والفساد والبطلان والانعقاد وعدمه والنفاذ وعدمه واللزوم وعدمه، وأنواع الخطاب الوضعي كالركنية والشرطية والعلية والسببية والمانعية (¬1).
2.أدلة إجمالية للفقه يحتاج إليها عند تطبيق الأدلة التفصيلية على أحكامها.
فمثلاً: الزكاة واجبة؛ لقوله - جل جلاله -: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} (¬2)؛ لأن الأمر للوجوب (¬3). فالحكم وجوب الزكاة، والدليل التفصيلي الآية، والدليل الإجمال القاعدة الأصولية الأمر للوجوب.
¬
(¬1) ينظر: مرقاة الوصول مع شرح مرآة الأصول ص13 - 15.
(¬2) سورة البقرة: 43.
(¬3) ينظر: مسلم الثبوت 1: 9.
3.إدراك القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الفقه (¬1).
وجه التوصل أن الأدلة التفصيلية تدل على الأحكام الفقهية بواسطة كيفيات فيها متنوّعة، وكل قاعدة من الأصول تبين نوعاً من تلك الكيفيات، وعند الاستنباط تقع الحاجة إلى معرفة تلك الكيفيات وإلى معرفة القواعد المبينة لها؛ لأن معرفة تلك الكيفيات بدون القواعد لا تخلص عن الشبهة، ولا يرد عليه قواعد العربية والمنطقية؛ لأن التوصل بها بعيد، والمتبادر منه القريب (¬2).
والمراد بالقواعد هنا القضايا الكلية المنطبقة على جزئياتها عند تعرف أحكامها (¬3).
4.العلمُ بالقواعدِ التي يتوصَّل بها إلى استنباطِ الأحكام الشرعيّة الفرعيّة من أدلتها التفصيلية (¬4).
وفي هذا التعريف ثلاثة أمور: الحكم الفرعي، والقاعدة، والدليل، فالحكم الفرعي مثل: وجوب الصلاة، والقاعدة هي أن {أَقِيمُوا} أمر، والقاعدةُ الأصولية هي: أن الأمر للوجوب، والدليل التفصيلي هو قوله - جل جلاله -:
¬
(¬1) ينظر: التحرير في أصول الفقه ص5، وفتح الغفار 1: 8.
(¬2) ينظر: تيسير التحرير 1: 14.
(¬3) ينظر: التقرير والتحبير 1: 26.
(¬4) ينظر: بديع النظام 1: 9، وكشاف اصطلاحات الفنون 1: 38.
{أَقِيمُوا الصَّلاةَ} (¬1) ففي ضوء هاتين القاعدتين يتوصل المجتهد إلى الحكم الفرعي، وهو وجوب الصلاة من دليله التفصيلي، وهو قوله - جل جلاله -: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} (¬2).
وعليه فإن علم أصول الفقه: هو العلم الذي يبين المناهج التي انتهجها الأئمة المجتهدون في استنباطهم وتعرفهم للأحكام من النصوص والبناء عليها باستخراج العلل التي تبنى عليها الأحكام، وتلتمس المصالح التي قصد إليها الشرع الحكيم، وأشار إليها القرآن الكريم وصرحت بها أو أومأت إليه السنة النبوية.
فعلم أصول الفقه على هذا مجموعة القواعد التي تُبيّن للفقيه طرق استخراج الأحكام من الأدلة التفصيلية، سواء أكانت تلك الطرق لفظية كمعرفة دلالات الألفاظ الشرعية على معانيها، واستنباطها منها، وطرق التوفيق بينها عند تعارض ظواهرها، أو اختلاف تاريخها، أم كانت معنوية كاستخراج العلل من النصوص وتعميمها، وبيان طرق استخراجها، وأسلم المناهج لتعرفها ....
وهكذا يبين أصل الشريعة في التكليفات العملية، ويرسم المناهج لتعرفها، ويحد الحدود للفقيه المجتهد، فيسير على منهاج قويم في
¬
(¬1) الأنعام: من الآية72.
(¬2) ينظر: أصول الفقه للمبتدئين ص26 - 27، وتسهيل أصول الشاشي ص6 - 7.
استنباطه .... وهو بهذا يعطي طالبه المناهج التي سلكها المجتهدون في استنباطاتهم الفقهية التي توارثناها.
فمثلاً: علم الأصول أن الأمر يقتضي الوجوب، وأن النهي يقتضي التحريم، فإذا أراد الفقيه أن يستخرج حكم الصلاة، أهي واجبة أم غير واجبة تلا قوله - جل جلاله -: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} (¬1)، وكذلك الزكاة: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} (¬2)، وحكم الخمر من قوله: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوه} (¬3) (¬4).
والتحقيق في هذا المقام أن الإنسان لم يخلق عبثاً ولم يترك سدى، بل تعلّق بكل من أَعماله حكم من قبل الشارع منوط بدليل يختصه ليستنبط منه عند الحاجة، ويقاس على ذلك الحكم ما يناسبه لتعذر الإحاطة بجميع الجزئيات، فحصلت قضايا موضوعاتها أفعال المكلفين، ومحمولاتها أحكام الشارع على التفصيل، فسموا العلم بها الحاصل من تلك الأدلة فقهاً.
ثم نظروا في تفصيل الأدلة والأحكام فوجدوا الأدلة راجعة إلى الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأحكام راجعة إلى الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة، وتأملوا في كيفية الاستدلال بتلك الأدلة على تلك
¬
(¬1) الأنعام: 72.
(¬2) البقرة: 43.
(¬3) المائدة: 90.
(¬4) ينظر: أصول الفقه لأبي زهرة ص3 - 6.
الأحكام إجمالاً من غير نظر إلى تفاصيلها، إلا على طريق ضرب المثل، فحصل لهم قضايا كلية متعلقة بكيفية الاستدلال بتلك الأدلة على تلك الأحكام إجمالاً، وبيان طرقه وشرائطه، يتوصل بكل من تلك القضايا إلى استنباط كثير من تلك الأحكام الجزئية من أدلتها، فضبطوها ودونها وأضافوا إليها من اللواحق والمتممات وبيان الاختلافات وما يليق بها، وسموا العلم بها أصول الفقه، فصار عبارة عن العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى الفقه (¬1).
المطلب الثاني: الفرق بين علم الفقه وعلم أصول الفقه:
سبق أن تحدثنا عن تعريف الفقه عند الأصوليين، وسنعرض هنا لتعريفه عند الفقهاء؛ لأن كلاً منهم نظرَ إليه من جهة العلم القائم؛ لأنه لما كانت نظرة الأصوليين إلى الدليل واستنباط المسائل من النصوص عرَّفوا الفقه بما يناسب ذلك من العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية.
ولما كانت نظرة الفقهاء إلى بيان حكم فعل المكلف من الحلّ والحرمة بغض النظر عن الدليل اهتموا بتعريف الفقه من هذه الحيثية، ومن ذلك:
¬
(¬1) ينظر: كشاف مصطلحات الفنون 1: 38.
تعريف ابن خلدون (¬1): معرفة أحكام الله - جل جلاله - في أفعال المكلّفين بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة.
وتعريف أبي سعيد الخادمي (¬2): بأنه علم يبحث فيه عن أحوالِ الأعمالِ من حيث الحلِّ، والحرمةِ، والفساد، والصِحة.
وأطلقه بعضُهم الفقه على: حِفظ جملة من الفروع (¬3).
ويطلق عليه آخرون: مجموعة من الفروع (¬4).
فمن خلال هذه التعاريف للفقهاء، وبعد الاطلاع السابق للفقه عند الأصوليين تظهر الفروق التالية بين علم الفقه وعلم الأصول، ومنها:
1. إن الأصول مستمدة من علم الكلام واللغة والأحكام كما سيأتي، بخلاف علم الفقه فإنه مباحثه مستمدة من الأدلة الشرعية كالكتاب والسنة والقياس وأفعال المكلفين وما يصدر عنهم من تصرفات، باعتبارها المادة التي يبحث لها عن أحكام.
2. إن الغاية من الأصول إجمالاً هي معرفة الأحكام من أدلتها التفصيلية
¬
(¬1) في المقدمةص312.
(¬2) في حاشيته على الدرر ص3.
(¬3) ينظر: الدر المختار 1: 26 - 27، وفيه: وعند أَهل الحقيقة الجمع بين العلمِ والعمل، لِقول الحسن البصريّ: إنَّما الفقيه المعرض عن الدنيا الزاهد في الآخرة، البصير بعيوب نفسه.
(¬4) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 55.
كما سيأتي، أما الفقه فغايته الفوز بسعادة الدارين باتباع الأوامر واجتناب النواهي، والفوز برضا الله - جل جلاله - بالامتثال والعلم.
3. إن موضوع الأصول الأدلة والأحكام كما سيأتي، بينما موضوع الفقه أَفعال العباد من حيث ما ثبت لها من أحكام شرعية (¬1).
4. إن الفقهاء اعتنوا في الفقه من حيث بيان حكم فعل المكلف، لا من حيث دليل حكم الفعل كما هو حال اعتناء الأصوليبن؛ إذ أن وظيفة الفقيه بيان الحكم بغض النظر عن دليله، ووظيفة الأصولي بيان دليل كلِّ مسألة فقهية، وهذه التفرقة بين الفقيه والأصولي يغفل عنها كثيرٌ من الناس.
5. إن الفقه في علم الأصول: علم الأحكام من دلائلها ... ، فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم، وإطلاقه على المُقلِّد الحافظ للمسائل مجاز، لكن صرَّح الأصوليون بأن الحقيقة تترك بدلالة العادة، وحينئذٍ فينصرف كلام الواقف الموصي للفقهاء إلى ما هو المتعارف في زمنه؛ لأنه حقيقة كلامه العرفية، فتترك به الحقيقة الأصلية، ويكون حقيقة في عرف الفقهاء.
وتكلّموا في المقدار الأدنى الذي يجب أن يحفظه الشخص حتى يطلق عليه لقب: الفقيه؛ وانتهوا إلى أن هذا متروك للعرف، ونستطيع أن نقرّر أن عرفنا الآن لا يطلق لقب: فقيه إلا على من يعرف موطن الحكم من أبواب الفقه المتناثرة بحيث يسهل عليه الرجوع إليه (¬2).
¬
(¬1) ينظر: أصول الفقه لأبي العينين ص40 - 41.
(¬2) ينظر: رد المحتار 1: 26، وحاشية الخادمي ص3، والموسوعة الفقهية الكويتية 1: 14، والمنهج الفقهي للإمام اللكنوي ص20 - 21.
6. إن الفقه يتعلّق بالأحكام العملية المتعلقة بالعبادات والمعاملات والمناكحات والهبات والشركات وغيرها، بخلاف علم الأصول فإنه يتعلق ببيان القواعد الأصولية الكلية التي يستند إليها المجتهد في استخراج الأحكام من الأدلة التفصيلية.
7. إن الأصول هي المناهج التي تحدد وتبيِّن الطريق الذي يلتزمه الفقيه في استخراج الأحكام من أدلتها، وترتيب الأدلة من حيث قوتها، فيقدم القرآن على السنة، والسنة على القياس وهكذا، أما الفقه فهو استخراج الأحكام مع التقيّد بهذه المناهج (¬1).
وبعبارة أخرى فإن علم الأصول هو الخطوط العريضة التي يسلكها المجتهد في اجتهاده، مثل: الأمر للوجوب، وأما علم الفقه للمجتهد المستقل فهو استخراج الأحكام من الأدلة التفصيلية، مثل وجوب الصلاة من قوله - جل جلاله -: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} (¬2)، مع مراعاته للقاعدة الأصولية الأمر للوجوب.
8. إن علم الأصول يطلق على القواعد الأصولية الكلية التي مشى عليها المجتهد المستقل في استخراج الفروع فحسب، بخلاف الفقه فإنه يطلق على الفروع التي استخرج المجتهد المستقل من الأدلة التفصيلية، ويطلق على المسائل التي استخرجها المجتهد في المذهب من فروع وقواعد المجتهد
¬
(¬1) ينظر: أصول الفقه لأبي زهرة ص7.
(¬2) الأنعام: 72.
المستقل في المذهب، وهذه هي الطريقة التي سار عليها المتأخرون في معرفة الأحكام.
وبيان ذلك أن المجتهدين في المذهب كما يصفهم الإمام الدِّهلوي - رضي الله عنه - (¬1): ((قومٌ توجهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلمين أو بين جمهورهم إلى التَّخريج على أَصل رجلٍ من المتقدمين، وكان أكثر أمرهم حمل النظير على النظير، والرد إلى أصلٍ من الأصولِ دون تتبع الأحاديثِ والآثارِ)).
ومصدر الاجتهاد الوحيد عندهم هو: ((ما نقل إليهم من كلامِ أئمةِ المذهبِ الذِين يقلِّدون أهله)) (¬2)،قال الإمام النووي الشافعي (¬3) والإمام المرادي الحنبلي (ت885هـ) (¬4): ((يتخذ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها كفعل المستقلّ بنصوص الشرع)).
وإن اعترض عليهم بأن أقوال الأئمة غير معصومة فكيف تُنَزل مَنْزلة الوحيين المعصومين؛ لأن ما روي عن الإمام صاحِب المذهب ليس قرآناً، ولا أحاديث صحيحة، فكيف تستَنبَطُ الأحكام منه؟ فيجاب بما يلي:
1) ((إنه كلام أئمةٍ مجتهدين عالمين بقواعدِ الشرِيعةِ والعربيةِ، مبينين للأحكامِ الشرعية، فمدلول كلامهم حجَّة على من قلدهم، منطوقاً كان أو
¬
(¬1) في الإنصاف ص93.
(¬2) ينظر: الموسوعة المصرية 1: 38، وغيره.
(¬3) في المجموع 1: 76.
(¬4) ينظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 12: 260، وغيره.
مفهوماً، صريحاً كان أو إشارة، فكلامهم بالنسبة له كالقرآن والحديث بالنسبة لجميع المجتهدين. وله فضل عظيم لا يستطيع أحد إنكاره، وهو أنه فتح باباً واسِعاً لِتطورِ الفقه، ومسايرته لأحداث الحياة)) (¬1).
2) إنه لا يكون اجتهاد مجتهد إلا بأن يكون له قواعد يحتكم إليها في استخراج الأحكام الفقهية، سواء كان هو واضعها أو قلَّد فيها غيره؛ لأن استنباط الأحكام الفقهية من الكتاب والسنة يحتاج إلى أصول وقواعد، فمثلاً: إذا تعارضت الأحاديث في الدلالة على حكم من الأحكام يستطيع بالقواعد التي يمشي عليها أن يستخرجه.
إذا تقرَّر هذا فإنه يمكن القول بأن كلام المجتهد في المسائل الفقهية هو تطبيق لقواعده وأصوله التي اعتمدها في استخراج الأحكام، ففي اعتماد حكمه قطع لمرحلة طويلة وصعبة جداً من استنباط للحكم من الأدلة التفصيلية.
فالأمر أمر مرحلية وتدرج، وليس إهمالاً وتركاً للأدلة الشرعية؛ لأن أحكام المجتهد مأخوذة من الأدلة، فهي تمثِّلها، ولكنها قطعت مرحلة للمجتهد في المذهب لاستخراج الأحكام التي لم يبينها المجتهد.
وتأكيد هذا ما يلاحظ في القواعد الفقهية التي استخرجت من مجموعة الأحكام الفقهية المتناثرة المتفقة فيما بينهما، ومن ثم يمكن الاعتماد على القاعدة في معرفة الأحكام غير المبيِّنة كما هو معلوم (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 12: 260، وغيره.
(¬2) ينظر: المنهج الفقهي ص148 - 149.
قال الإمام المرادي الحنبلي - رضي الله عنه - (¬1): ((فالمجتهد في مذهب الإمام أحمد - رضي الله عنه - مثلاً: إذا أحاط بقواعد مذهبه، وتدرب في مقاييسه وتصرفاته: ينزل من الإلحاق بمنصوصاته وقواعد مذهبه منْزلة المجتهد المستقل في إلحاقه ما لم ينصّ عليه الشارع بما نص عليه، وهذا أقدر على ذا من ذاك على ذاك، فإنه يجد في مذهب إمامه قواعد ممهدة، وضوابط مهذبة، ما لا يجده المستقلّ في أصول الشارع ونصوصه)).
وقال الفقيه ابن عابدين الحنفي - رضي الله عنه - (¬2):هو مَن استخرج الأحكام من ((مذهب مجتهد تخريجاً على أصوله، لا نقل عينه إن كان مطلعاً على مبانية: أي مأخذ أحكام المجتهد، أهلاً للنظر فيها، قادراً على التفريع على قواعده، متمكناً من الفرق والجمع والمناظرة في ذلك بأن يكون له ملكة الاقتدار على استنباط أحكام الفروع المتجددة التي لا نقل فيها عن صاحب المذهب من الأصول التي مهدها صاحب المذهب))، إذن فهذا الاتجاه صحيح ومعتبر في حياة الأمة إذ سار عليه علماؤها.
• • •
¬
(¬1) في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 12: 262.
(¬2) في شرح عقود رسم المفتي 1: 31.
المبحث الثاني
تاريخ علم الأصول وتطوره
وأهم المؤلفات فيه وطرق التأليف
تمهيد:
بعد العرض المستفيض في المبحث السابق لمعنى أصول الفقه فإنه يمكننا القول: إنه عبارة عن القواعد والأسس الكلية المرتكزة في الذهن والتي يحتكم إليها المجتهد في استخراج الأحكام من الأدلة الجزئية.
وهي تمثل المناهج التي سار عليها المجتهدون من الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين والأئمة المجتهدين في اجتهادهم: أي القواعد التي احتكموا إليها في أذهانهم عند استخراجهم للأحكام من أدلتها (¬1).
فأصول المجتهد هي المنهج والخطّة التي اتبعها فقيه ما في مجال استنباطه للأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ...
¬
(¬1) ينظر: المنهج الفقهي للإمام اللكنوي ص 17، ومنهج النقد التاريخي والمنهج الغربي ص 14 - 15.
ومن ثم ينبغي أن يفهم أنه ليس معنى عدم تسجيل الفقهاء لخططهم تفصيلاً أنه لم يكن لهم خطط أصولية أصلاً؛ لأن أحكامهم لم تكن قائمة على مجرد الهوى، وإنما قامت على أصول وقواعد قيدوا بها أنفسهم فلم يخرجوا عن حدودها، بدليل اتحاد أحكام المسائل عند تساويها في المناط أو الحكمة، وليس يلزم عدم نقل تلك الأصول والقواعد أنها لم تكن مستقرة في نفوسهم ملحوظة عند استنباطهم ... ؛ لأنه لا يتصور جهوداً عقلية بدون منهج في التفكير (¬1)، فحينئذ نقول: إن منهج أو أصول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تعني الخطّة التي مشى عليها في استخراج الأحكام.
ففي هذا المبحث سنعرض لنشأة علم الأصول والمراحل التي مَرَّ بها حتى نضج ووصل إلى ما وصل إليه الآن، مع أبرز الكتب فيه ومناهج أصحابها فيها، وذلك من خلال المطالب التالية.
المطلب الأوّل: أصول الفقه في العهد النبوي:
إن النشأة التاريخيّة لعلم الأصول تخفى على كثير من الناس، فيظنون أنه وجد في نهاية القرن الثاني على يد الإمام الشافعي - رضي الله عنه -، ولكن مَن يدقق النظر في ضوء سبق أن ذكرناه من المراد بأصول الفقه يلاحظ أن نواته تكونت في عهد النبوة، وأن بعض أسسه بيَّنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يكون اجتهاد إلا بأصول، والاجتهاد حاصل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ومن بعدهم، وتفصيل ذلك فيما يلي:
¬
(¬1) ينظر: مناهج التشريع الإسلامي في القرن الثاني الهجري ص 6 - 13.
إن الاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - له صورتان، وهما:
الأول: اجتهاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
من المقرّر في محلِّه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مجتهداً، وهذا ما ذهب إليه عامة الأصوليين ومالك والشافعي وأحمد وعامة أهل الحديث، ومنقول عن أبي يوسف أنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور بالاجتهاد مطلقاً في الأحكام الشرعية والحروب والأمور الدينية من غير تقييد بشيء منها أو من غير تقييد بانتظار الوحي (¬1).
والمختار عند الحنفية المتأخرين أنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور في حادثة لا وحي فيها بانتظار الوحي أولاً ما كان راجي الوحي إلى خوف فوت الحادثة بلا حكم، ثم بالاجتهاد ثانياً إذا مضى وقت الانتظار على حسب الحادثة، ولم يوح إليه؛ لأن عدم الوحي إليه فيها إذن في الاجتهاد.
فإن أقر - صلى الله عليه وسلم - على ما أدى إليه اجتهاده عند خوف الحادثة أوجب إقراره عليه القطع بصحة ما أدّى إليه اجتهاده؛ لأنه لا يقرّ على الخطأ، فلم يجز مخالفته كالنص بخلاف غيره من المجتهدين فإنه يجوز مخالفته إلى اجتهاد مجتهد آخر لاحتمال الخطأ.
والاجتهاد في حقّه - صلى الله عليه وسلم - يختصُّ بالقياس بخلاف غيره من المجتهدين فيكون في دلالات الألفاظ على ما هو المراد منها لعروض خفاء واشتباه فيها وفي البحث عن مخصص العام وبيان المراد من المشترك وباقي الأقسام التي في
¬
(¬1) ذهب الأشاعرة وأكثر المعتزلة والمتكلمين إلى أنه لا يكون الاجتهاد في الأحكام الشرعية حظه - صلى الله عليه وسلم -. ينظر: المدخل ص37.
دلالتها على المراد خفاء من المجمل والمشكل والخفي والمتشابه وفي الترجيح لأحد الدليلين عند التعارض بينهما؛ لعدم علم المتأخر.
وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا غير متأت في حقّه لانتفاء تحقق التعارض بالنسبة إليه وانتفاء عزوب تأخر المتأخر على المتقدم عن علمه على تقدير وجود صورة التعارض (¬1).
ومن اجتهادته - صلى الله عليه وسلم - إذنه بالتخلف عن غزة تبوك لمن ظهر نفاقه، فعوتب من الله - جل جلاله - بقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} (¬2)، وكذلك اجتهاده بعدم قتل أسارى بدر وأخذه الفداء منهم بعد مشاورته لأبي بكر وعمر - رضي الله عنهم - وميله لرأي أبي بكر - رضي الله عنه - فنزل قوله - جل جلاله -: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ... لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (¬3)،وأيضاً: عن أم سلمة رضي الله عنها قالت (جاء رجلان من الأنصار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواريث بينهما قد درست فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي وإنما أقضي برأيي فيما لم يَنْزل علي فيه فمَن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعةً من النار يأتي بها يوم القيامة على عنقه) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: المدخل لدراسة الفقه الإسلامي ص23 - 27.
(¬2) التوبة: من الآية43.
(¬3) الأنفال:67 - 68.
(¬4) في سنن البيهقي الكبير 6: 66، 10: 260، وسنن الدارقطني 4: 238، قال ابن أمير حاج في التقرير والتحبير3: 298: «وهو حديث حسن أخرجه أبو داود ورواته رواة الصحيح إلا أسامة بن زيد، وهو مدني صدوق في حفظه شيء وأخرج له مسلم استشهاداً». وفي صحيح البخاري 2: 952، وصحيح مسلم 3: 1337، وغيرهما بلفظ: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها).
فهذه بعض الحوادث التي وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتهاد فيها مما جعل جمهور العلماء يقولون: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مجتهداً؛ إذ أن الاجتهاد منصب شريف فلا يحرمه أفضل الخلق وتناله أمته، وأكثرية الثواب؛ لأكثرية المشقة.
وطالما ثبت اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - فلا بدَّ أن يكون له أصول اعتمد عليها في ذلك، قال الدكتور شعبان محمد إسماعيل (¬1): «وأمّا علم أُصول الفقه من حيث القواعد واستنباط الأحكام من الأدلة بوجه عام فإنه كان مصاحباً للفقه لأنه حيث يكون فقه، يكون لا محالة منها لاستنباط الأحكام، وقواعد تضبط هذه المناهج»، وليس هنا محل تحريرها، وإنما نكتفي بالإشارة إليها فحسب؛ إذ سبق أن اجتهاد خاص بالقياس بخلاف غيره من المجتهدين، فوجود العلّة في فرع لم يرد فيه وحي إلهي على فرع ورد فيه نص لاتحاد العلة بينهما، وفي حديث معاذ - رضي الله عنه - الآتي دلالة على ذلك، قال الزركشي (¬2): «وقد أشار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في جوامع كلمه إليه ـ أي إلى علم الأصول ـ ونبه أرباب اللسان عليه ... ».
¬
(¬1) في أصوله الفقه تاريخه ورجاله ص21.
(¬2) في البحر المحيط 1: 4.
وفي أصول أصحاب المذاهب المختلفة بيان لأصول النبي - صلى الله عليه وسلم - إجمالاً في اجتهاده؛ إذ أنّ كلاً منهم باذلٌ أَقصى جهده للوصولِ للعلّة والقاعدةِ والأساسِ الذي مَشَى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخذهم بالإجماع لما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم -: (إن اللهَ - جل جلاله - لا يجمع أمَّتي على ضلالة) (¬1) مثلاً، وأَخذهم للقياس لحديث معاذ - رضي الله عنه - وغيره، وهكذا.
فالإجماع أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الأخذ به واعتماده كما سيأتي عند الكلام على حجيته، والقياس طبقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كثيرة من الحوادث، وقد مرَّ أن اجتهاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متعلّق بالقياس، ومن استعمال النبي - صلى الله عليه وسلم - له ما يلي:
أ عن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: (أتى رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: إن أُختي نذرت أن تحج وإنها ماتت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقض الله فهو أحق بالقضاء) (¬2)، فقد قاس - صلى الله عليه وسلم - دين الله على دين الإنسان في الإجزاء بجامع أن كلاً منهما تفريغ للذمة.
ب عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (هششت فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً قبلت وأنا صائم. قال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به. قال:
¬
(¬1) في سنن الترمذي4: 466، ومسند أحمد 6: 396، والمستدرك1: 201، ومعجم الطبراني2: 280 وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري 5: 2464، وصحيح مسلم 2: 804.
فمه) (¬1)، فقد قاس - صلى الله عليه وسلم - القبلة من غير إنزال على المضمضة من غير ابتلاع، وأن حكم إحداهما كحكم الأخرى (¬2).
الثاني: اجتهاد الصحابة في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -:
إنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قام بإعدادِ عددٍ من الصحابة - رضي الله عنهم - للاجتهاد، وبيَّن لهم طريقه، امتثالاً لأمر الله - جل جلاله -: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (¬3)، إذ الآية صريحة في تميّز بعض الناس بالعلم والاجتهاد والذكر، وقيام بقية المسلمين بالاسترشاد برأيهم وقولهم في أمر دينهم، وتطبيقاً لهذا قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعث أصحابه - رضي الله عنهم - إلى خارج المدينة وأرشدهم إلى الاجتهاد فبعث معاذاً وعلياً - رضي الله عنهم - إلى اليمن، وبَيّن لهم الأصل في استنباط الأحكام، فقال لمعاذ - رضي الله عنه -: (بماذا تقضي إذا عرض لك القضاء؟ قال: أَقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: فبسنّة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فإن لم تجد، قال: أَجتهد رأيي لا آلو ـ أي لا أُقصر ـ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: الحمدُ لله الذي وَفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسوله) (¬4).
¬
(¬1) في سنن أبي داود 1: 725، ومسند أحمد 1: 21، وصححه الأرنؤوط، وسنن الدارمي 2: 22.
(¬2) ينظر: الوصول إلى قواعد الأصول ص14.
(¬3) النحل: من الآية43.
(¬4) أخرجه أبو داود في سننه 3: 313 والترمذي في جامعه 3: 616 وأشار إلى ضعفه وله شواهد موقوفة عن عمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس أخرجهما البيهقي في سننه الكبير10: 114 عقيب تخريج هذا الحديث تقوية له. كذا في مرقاة الصعود شرح سنن أبي داود للسُّيوطي. وقال الخطيب في الفقيه والمتفقه1: 188: إن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا وصية لوارث)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الدية على العاقل)، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له. وتمامه في هامش: الحدود والأحكام الفقهية ص82 - 83، وفقه أهل العراق وحديثهم ص290.
وفي هذا الحديث بيان لمراتب الأدلة في استخراج الأحكام، وكذلك على اعتماد القياس من الأدلة الشرعية، وهذا هو الأساس في أصول الفقه؛ لأن علم الأصول يدور في مسائله حول ذلك، وبذلك يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرف الأدلة الإجمالية التي يجب ألا يتعداها المجتهد، وهي مصادر الأحكام الشرعية كالكتاب الشريف والسنة المطهرة والإجماع والقياس.
وهنا ينبغي الانتباه أنّ هذه الأصول كان راسخةً في نفوسِ الصحابةِ المجتهدين - رضي الله عنهم - بتعليم وإرشاد من رسولِ الخلق - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنّ معاذ - رضي الله عنه - ذكرها وفصَّلها بمجرد سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - له، بما أرضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه؛ لأنه لم يخالف النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رسمه وعلمه لهم، قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬1): «وقد درَّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحابة - رضي الله عنهم - على الرأي والاستنباطِ في أحكامِ النوازلِ غيرِ المنصوص عليها من النصوص، بإرجاع النظير إلى النظير، وكان
¬
(¬1) في تأنيب الخطيب ص168.
المجتهدون من أَصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون بالرأي وكذلك الفقهاء من التابعين».
وقد طبقت هذه الأصول من الصحابة - رضي الله عنهم - بمحضر النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي زمنه؛ لأن مجموعة من الصحابة - رضي الله عنهم - كانت تفتي في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة وخارجها، قال سهل بن أبي حثمة - رضي الله عنه -: «كان الذي يفتون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت» (¬1).
ولو أردنا استعراض الحوادث التي اجتهد فيها الصحابة - رضي الله عنهم - في زمنه - صلى الله عليه وسلم - لطال بنا المقام (¬2)، لكننا نمثل بفعل عمرو بن العاص - رضي الله عنه - حين قدم عموم القرآن واحتج به عندما أجنب، فإنه (كان على سرية وأصابهم برد شديد لم يروا مثله، فخرج لصلاة الصبح قال: والله لقد احتلمت البارحة فغسل مغابته وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم فلما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فقال: كيف وجدتم عمراً وأصحابه فأثنوا عليه خيراً وقالوا يا رسول الله صلى بنا وهو جنب فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرو فسأله فأخبره بذلك وبالذي لقي من البرد وقال يا رسول الله: إن الله قال: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (¬3)، ولو اغتسلت مت فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص20، وغيره.
(¬2) من أراد التوسع في اجتهادات الصحابة فليرجع إلى الفصول 4: 37 وما بعدها.
(¬3) النساء: من الآية29.
(¬4) في صحيح ابن حبان 4: 143، والمستدرك 1: 285، وسنن البيهقي الكبير 1: 226.
المطلب الثاني: أصول الفقه في عصر الصحابة - رضي الله عنه -:
استمرّ الصحابة - رضي الله عنهم - بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما بيَّنه ووضحه لهم من طريق الاجتهاد واستخراج الأحكام، وقارب عدد الصحابة - رضي الله عنهم - الذين بلغوا درجة الاجتهاد العشرين، قال الإمام ابن الهُمام - رضي الله عنه - (¬1): ((لا تبلغ عدة المجتهدين الفقهاء منهم أكثر من عشرين كالخلفاء والعبادلة (¬2) وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأنس وأبي هريرة - رضي الله عنهم - وقليل والباقون يرجعون إليهم ويستفتون منهم)).
وأيّده الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬3) فقال: ((ومن أحاط خبراً بأدلة الجمهور من الكتاب والسنة وأقوال السلف وبأحوال الصحابة - رضي الله عنهم -، يدرك مبلغ قوة كلام ابن الهمام في عدّة المجتهدين من الصحابة، وإن سعى ابن حزم في تكثير عددهم جداً في ((أحكامه)) بأن حشر في عدادهم كلّ مَن روي عنه مسألة أو مسألتين في الفقه لا إجلالاً لمنْزلة الصحابة في العلم، بل ليتمكَّن من معاكسة الجمهور في مسائل الإجماع باشتراط النقل عن كلٍّ منهم، وأنى لمن لم يرو عنه إلا مسألة أو مسألتان في الفقه، أو حديث أو حديثان في السنة أن يعدّ في المجتهدين كائناً من كان، وإن كانت مَنْزلة الصحابة - رضي الله عنهم - في الصحبة عظيمة
القدر جداً)).
¬
(¬1) في فتح القدير 3: 469.
(¬2) وهم: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم -. ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص32، وغيرها.
(¬3) في الإشفاق ص33.
هذه المبالغة من ابن حزم - رضي الله عنه - في تضخيم عدد المجتهدين من الصحابة كان محلّ انتقاد من العلماء، قال العلامة ابن القيم - رضي الله عنه -: ((وما أدري بأي طريق عدّ ابن حزم معهم الغامدية وماعزاً)) أي من المجتهدين، وقال العلامة الحجوي - رضي الله عنه - (¬1): ((وفي ذكر مَن تروى عنهم إلا المسألة والمسألتان نظر)).
وهذا موافق لما نقل عن مسروق - رضي الله عنه - قال: «شافهت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت علمهم انتهى إلى هؤلاءِ الستة: عمرُ وعليّ وعبدُ الله وأُبيّ وأَبي الدرداء وزيدُ بن ثابت - رضي الله عنهم -» (¬2).
فهؤلاء المجتهدون من الصحابة - رضي الله عنهم - كانت لهم مناهج واضحة في الاجتهاد، وهي المسمّاة بأصول الفقه؛ لأن من المعروف أن قواعد علم أصول الفقه ومناهجه مستقرَّة في نفس كلِّ مجتهد وإن لم يصرحوا بها ويدونونها، وكانوا يعملون بالأصول وإن لم يعلنوا ذلك، ومن الأمثلة على الأصول التي استندوا لها في اجتهاداتهم:
- مراتب الأدلة في استخراج الأحكام، فيقدم الكتاب على السنة، والسنة على اجتهاد العلماء، واجتهاد العلماء على اجتهاد نفسه، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثم إن الله - جل جلاله - قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمَن عَرَضَ له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيُّه - صلى الله عليه وسلم -، فإن جاء أمرٌ
¬
(¬1) في الفكر السامي 1: 341 - 342.
(¬2) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص26، وغيرها.
ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيُّه - صلى الله عليه وسلم -، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه ولا يقول: إنّي أخاف وإنّي أخاف، فإن الحلالَ بيِّن والحرامَ بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك (¬1).
- التعارض والترجيح، فيعملون بالدليل الأقوى عند تعارض الأدلة، إذ كانوا يتحرون في قبول السنة، فليس كل من نسب شيئاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذون به دون أن ينظروا موافقته لغيره من نصوص الشرع العظيم، فمثلاً: قالت فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فردّ عمر - رضي الله عنه -: لا نترك كتاب الله وسُنّة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة، قال الله - جل جلاله -: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} (¬2)) (¬3).
- النسخ، فإن المتأخر من النصوص ناسخ للمتقدِّم منها، كما فعل ابن مسعود - رضي الله عنه - في قوله - جل جلاله -: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (¬4)، فقال: «مَن شاء باهلته أن آية النساء القصرى نزلت بعد آية عدة الوفاة» (¬5).
¬
(¬1) في سنن النسائي 3: 469، وقال النسائي: هذا الحديث جيد جيد، والمجتبى 8: 230.
(¬2) الطلاق: من الآية1.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 1118، وصحيح ابن حبان 10: 63، وجامع الترمذي 3: 484.
(¬4) الطلاق: 4.
(¬5) ينظر: تفسير القرطبي 3: 173، وتفسير الطبري 12: 132، وغيرهما.
- الإجماع، فعن الشعبيِّ - رضي الله عنه - أنّ عمر - رضي الله عنه - كتب إلى شريح - رضي الله عنه - إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يغلبنك عليه الرجال، وإذا جاءك ما ليس في كتاب الله - جل جلاله - فانظر في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بها، فإن كان أمر ليس في كتاب الله - جل جلاله - ولم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانظر ما أَجمع عليه الناس فخذ به، فإن كان ممَّا ليس في كتاب الله - جل جلاله - ولا في سنةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتكلم فيه قبلك أحد فاختر أي الأمرين شئت إن شئت أن تجتهد رأيك وتقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخّر ألا وإن التأخير خير لك (¬1)، وهذا الأصل برز وظهر في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - بعد أن أرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سبق، حتى عدَّ بعض الكتاب (¬2) أن مصادر التشريع زادت مصدراً في زمن الصحابة - رضي الله عنه - وهو الإجماع.
- القياس، كما في قول عمر - رضي الله عنه - في رسالته إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -: «الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآنِ والسنة فتعرّف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك واعمد إلى أحبّها إلى الله وأشبهها فيما ترى» (¬3)، وكذلك في اجتهاد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في الوصول إلى حكم عقوبة شارب الخمر، حيث قضى بجلد شارب الخمر ثمانين جلدة قياساً على عقوبة القذف، قال: «إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري
¬
(¬1) في الأحاديث المختارة 1: 239، وقال المقدسي: إسناده صحيح، وسنن الدارمي 1: 71، ومصنف ابن أبي شيبة 4: 543، وسنن البيهقي الكبير 10: 110، وغيرها.
(¬2) ينظر: أصول الفقه تاريخه ورجاله ص21.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 10: 115، وسنن الدارقطني 4: 206، 207.
ثمانين جلدة» (¬1)، وليس هذا إلاّ عملاً بالقياس الذي هو طريق الاجتهاد، حيث قاس شارب الخمر على القاذف.
- دوران الحكم مع علّته، كما في اجتهاد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في تعيين العلة عند أراد أن يطبق النص المتعلق بمصارف الزكاة: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ... } (¬2)، إذ لاحظ ضرورة التعرّف على العلة التي لأجلها شرع الحكم، وجعل الحكم يتبع العلّة وجوداً وعدماً ويرتبه عليها، فقال: «إنّ اللهَ أَعَزَّ الإسلام» (¬3) فلم يعط للمؤلفة قلوبهم؛ لعدم توفّر شرط التأليف، كما لا أنه إذا لم يتوفر شرط الفقر في إنسان فلا يستحق الزكاة، ومتى توفر شرط التأليف أو الفقر فيمن يستحقّ أخذ من الزكاة، وهكذا.
قال الدكتور بلتاجي (¬4): «إن أحكامَ الصحابة - رضي الله عنهم - لم تكن قائمة على مجرد الهوى، وإنما قامت على أصول وقواعد قيَّدوا بها أنفسهم فلم يخرجوا عن حدودها، بدليل اتحاد أَحكام المسائل عند تساويها في المناط أو الحكمة، وليس يلزم من عدم نقل تلك الأصول والقواعد أنها لم تكن مستقرة في نفوسهم ملحوظة عند استنباطهم».
¬
(¬1) في سنن الدارقطني 3: 157، وتاريخ دمشق 51: 68.
(¬2) التوبة: 60.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 7: 20.
(¬4) في مناهج التشريع في القرن الثاني الإسلامي في القرن الثاني الهجري 1: 12.
المطلب الثالث: أصول الفقه في عصر التابعين - رضي الله عنهم -:
إن ما تلقاه الصحابة - رضي الله عنهم - من مشكاة النبوة من فقه وحديث وأصول وغيرها نقلوه إلى التابعين، فاستمر صرح الفقه وأصوله بالاكتمال والظهور حتى صار إلى ما صار إليه، وما ذاك إلا لأن القاعدة المتينة فيه أسسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقواه أصحابه - رضي الله عنهم - وشيدها التابعون وأكمل بناءها مَن جاء بعدهم من أئمة الدين، فما بين أيدينا من علم للدين نقله خلفنا عن سلفنا عن رسولنا - صلى الله عليه وسلم -، والعلماء فيه أهل اتباع لمَن سبقهم، لا أهل ابتداع، وإنما إبداع في إظهار علم النبوة ونقله.
قال الدِّهلوي - رضي الله عنه - (¬1): «سَمِعَ التابعون قضاءَ الصحابة وفتاويهم، وسألوهم عن المسائل، واجتهدوا في ذلك كلّه، ثم صاروا كبار قوم، ووسِّد إليهم الأمر، فنسجوا على منوال شيوخهم، ولم يألوا في تتبع الإيماءات والاقتضاءات، فقضوا، وأفتوا، ورووا، وعلموا، وكان صنيعهم في هذه الطبقة متشابهاً، وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمرسل جميعاً، ويستدل بأقوال الصحابة والتابعين علماً منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلوها موقوفة».
فصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتحوا البلاد شرقاً وغرباً وحلوا فيها معلمين لأهلها ما ورثوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصارت الأمصار الرئيسية يدور فقهها على فقه من سكنها من كبار مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم -، فالكوفة حلَّ فيها ابن مسعود
¬
(¬1) في حجة الله البالغة 1: 268 - 269.
- رضي الله عنه - يعلم أهلها، وتلقى على يديه كبار التابعين فيها مثل علقمة، وهكذا الحال في مكة والبصرة والشام والمدينة وغيرها.
وما يهمنا هنا من ذلك أن هذه المدن صُبِغَت فقهاً وأصولاً بفقه مَن حلَّ فيها من الصحابة - رضي الله عنهم - ومَن تلقى على يديهم من التابعين، فتميز فقه كل مصر؛ لتميز أصوله التي بنى عليها فقهه كما هو معلوم، فلاحظنا أن أهل كل بلده يفتخرون بعلمائهم وعلمهم ولا يجاوزونه إلى غيره إلا نادراً، قال ولي الله الدِّهلوي (¬1): «إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - في مسألة، فالمختار عند كلّ عالم مذهب أهل بلده وشيوخه؛ لأنه أعرف بصحيح أقاويله من السقيم، وأوعى للأصول المناسبة لها، وقلبه أَميلُ إلى فضلهم وتبحرهم»، فمثلاً أهلُ المدينة اعتمدوا من أُصولهم إجماع أَهل المدينة، وهو ما توارثه علماء المدينة جيلاً بعد جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قدَّموه على حديث الآحاد، فعن فقيه المدينة ربيعة الرأي - رضي الله عنه -: «ألف عن ألف خير من واحد عن واحد» (¬2).
ومثل ما حصل في المدينة كان حاصلاً في الكوفة وهما يومئذ حاضرة الإسلام، فأهل الكوفة كانوا يعتدون ويعتمدون على فقه الصحابة - رضي الله عنهم - الذي سكنوا الكوفة، ويقدمونه على غيره، قال الإمامُ السَّرَخسيُّ - رضي الله عنه - (¬3) في مسألة
¬
(¬1) في حجة الله البالغة 1: 269.
(¬2) ينظر: مالك - رضي الله عنه - لأبي زهرة ص280، وغيره.
(¬3) في المبسوط 11: 2.
استدل فيها الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - بقول إبراهيم النخعي - رضي الله عنه -: «وما ذكر هذا على سبيل الاحتجاج بقول إبراهيم؛ لأن أبا حنيفة - رضي الله عنه - كان لا يرى تقليد التابعين، وكان يقول هم رجال ونحن رجال، ولكن ظهر عنده أن إبراهيم فيما كان يفتي به يعتمد قول علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، فإن فقه أهل الكوفة دار عليهما، وكان إبراهيم أعرف الناس بقولهما، فما صح عنه فهو كالمنقول عنهما، فلهذا حشا الكتاب من أقاويل إبراهيم».
فحاصل ما سبق أن أبرز مدرستين فقهيتين تكونتا في عصر التابعين في المدينة والكوفة كان من أصولهما: الاعتماد على الفقه الموروث عن مشايخهم من كتاب التابعين والصحابة - رضي الله عنهم -، وهذا الأصل كان له التأثير الكبير في الفقه الحنفي والمالكي فيما بعد، قال الدِّهلوي (¬1): «كان أبو حنيفة - رضي الله عنه - ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه لا يجاوزه إلا ما شاء الله، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه دقيق النظر في وجوه التخريجات مقبلاً على الفروع أتم إقبال، وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلنا فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه من كتاب الآثار لمحمد - رضي الله عنه - وجامع عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة، ثم قايسه بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة، وهو في تلك اليسيرة أيضاً لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة».
ومن الأصول التي عوِّل عليها في عصر التابعين الاعتماد على الحديث المرسل، إذ قبلوا الخبر المرسل إذا كان مرسله ثقة: كالخبر المسند، وعليه
¬
(¬1) في حجة الله البالغة 1: 271.
جرت جمهرة فقهاء الأمة، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، إلى رأس المئتين؛ قال العلامة ظفر أحمد التهانوي - رضي الله عنه - (¬1): ((لأن من أسند فقد أحال على غيره، ومن أرسل فقد تكفل لصحة الخبر؛ لأن العدل الثقة إذا قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كذا جازماً بذلك، فالظَّاهرُ من حاله أنه لا يستجيز ذلك إلا وهو عالم أو ظان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله، فإنه لو كان ظاناً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقله أو كان شاكاً فيه لما استجاز في دينه النقل الجازم عنه؛ لما فيه من الكذب والتدليس على المستعمرين، وذلك يستلزم تعديل من روى عنه)).
((ولا شكّ أن إغفال الأخذ بالمرسل ـ ولا سيما مرسل كبار التابعين ـ تَرْكٌ لشطر السُّنَّة.
قال الإمام أبو داود - رضي الله عنه - في رسالته إلى أهل مكّة المتداولة بين أهل العلم بالحديث: ((وأما المراسيل، فقد كان يحتج بها العلماء، فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي - رضي الله عنهم - حتى جاء الشافعي - رضي الله عنه -، فتكلم فيه)).
وقال الإمام الطبري - رضي الله عنه -: ((لم يزل الناس على العمل بالمرسل، وقبوله، حتى حدث بعد المئتين القول برده)). وفي كلام ابن عبد البر ما يقتضي أن ذلك إجماع (¬2).
¬
(¬1) في إعلاء السنن 20: 284.
(¬2) ينظر: مقدمة نصب الراية ص297 - 298، وغيرها.
وبهذا يتبيّن لنا أن عصر التابعين ظهر فيه الفقه المدرسي، فكل أهل بلدة بينهم اتفاق كبير في المسائل الفقهية التي تلقوها عن مشايخهم من كبار التابعين والصحابة - رضي الله عنهم - مما جعل اشتراكاً بينهم في بعض الأصول كأخذهم بالمرسل وتلقيهم لفقه الصحابة وكبار التابعين - رضي الله عنهم - بالقبول، وهذا لا ينافي اختصاص كل واحد منهم بأصول خاصة به تتوافق مع نظرته واجتهاده في الأحكام.
المطلب الرّابع: أصول الفقه في عصر الأئمة المجتهدين المستقلين:
لا بُدَّ أن ينشأ مع الفقه أصول وضوابط وقواعد له، وهي مقدمات علم الأصول وقواعده الأساسية، ولا يوجد الفقه إلا بعلم الأصول، وقد دون الفقه الإسلامي وهذِّبت أبوابه قبل أن يدوَّن علم الأصول (¬1).
والأئمةُ المجتهدون أصحاب المذاهب المعتبرة كان لهم أصولهم وقواعدهم التي استندوا لها في استنباط المسائل الفرعية؛ إذ أن ما عهِد عنهم من مسائل تنتظم في سلك واحد لأصول معيّنة لا تخرج عنها، فكلّ الفروع المتشابهة ترجع لقاعدة واحدة، الأمر الذي جعل مَن بعدهم يقرّ لهم بالأحقية في التقليد والاتباع.
ويوضّح هذا ما رُوِيَ عن زفر - رضي الله عنه - تلميذ أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه عندما قَدِمَ البصرة، وكان شيخها وقتئذٍ عثمان البَتِّي، فإن زفر كان يأتي حلقته ويسمع
¬
(¬1) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي للخضري، ص226 - 227.
مسائله، فإذا وقف على الأصل الذي بنى عليه مسائله تتبع فروعه التي فرعها على ذلك الأصل، فإذا وقف على تركهم الأصل طالب البَتِّي حتى يلزمه قوله ويبيّن له خروجه عن أصله، فيعود أصحابه شهوداً عليه بذلك، فإذا وقف أصحاب البتي على ذلك واستحسنوا ما كان منه قال لهم: ففي هذا الباب أحسن من هذا الأصل، ويذكره لهم ويقيم الحجة عليهم فيه، ويأتيهم بالدلائل عليه ويطالب البتي بالرجوع إليه ويشهد أصحابه عليه بذلك، ثم قال لهم: هذا قول أبي حنيفة، فما مضت الأيام حتى تحولت الحلقة إلى زفر وبقي البَتِّي وحده (¬1).
فها هو عثمان البَتِّي رغم أنه كان مشهوراً في عصره بالفقه وكان شيخ البصرة، إلا أنه لَمَّا لم تكن أصوله التي يرجع إليها في استخراج المسائل دقيقة ومنتظمة كان حال مذهبه الفناء لا البقاء.
إذ أنه لا بدّ لكلّ مَن يدَّعي الاجتهاد من أصول يعتمد عليها في استخراج الأحكام، فبين هذه الكثرة من نصوص القرآن والأحاديث النبوية وآثار الصحابة وما اتفق عليه من الفقهاء فإنه يحتاج في استنباط أي حكم شرعي إلى قواعد يوفق فيها بين عمومات وخصوصات هذه النصوص، وبين ما ظاهره التعارض منها وهلم جرّا، فمَن كانت أصوله أقوى من غيره كانت فروعه منسجمة ومنتظمة فيما بينها وأدعى للقبول والبناء عليها كما حصل مع زفر - رضي الله عنه -.
¬
(¬1) ينظر: لمحات النظر في سير الإمام زفر ص18.
قال إمام الحرمين: ((أجمع المحققون على أن العوامَ ليس لهم أن يتعلَّقوا بمذاهب الصحابة - رضي الله عنهم - بل عليهم أن يتَّبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يعتنوا بتهذيب المسائل والاجتهاد وإيضاح طرق النظر بخلاف مَن بعدهم)) (¬1).
قال الدكتور مصطفى الخن (¬2): «ونعني بالقواعد الأصولية تلك الأسس والخطط والمناهج التي يضعها المجتهد نصب عينيه عند البدء والشروع بالاستنباط، يضعها ليشيد صرح مذهبه، ويكون ما يتوصل إليه ثمرة ونتيجة لها».
فهؤلاء الأئمة لا شكّ في اعتمادهم في استنباطهم على أصول وقواعد وإن لم تدون في زمنهم، وقد نسب أول تدوين في أصول الفقه إلى أبي يوسف - رضي الله عنه -؛ إذ ألف في أصول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعيسى بن أبان - رضي الله عنه - يكثر في كتبه من نقل نتف في الأصول عن محمد بن الحسن - رضي الله عنه -، وأبو بكر الرازي - رضي الله عنه - كثير النقل من كتب عيسى في كتابه ((الفصول في الأصول)) (¬3).
ويرجع السبب في تأخُّر تدوين علم أصول الفقه إلى أنه لم يكن قد ابتدأ بَعْدُ عصر تقعيد قواعد العلوم الشرعية، وتأصيل أصول منهجية لها، وتدوينها بطريقة علمية منظمة، بل إن مجرد تدوين العلوم العربية كلها نشأ في
¬
(¬1) ينظر: مواهب الجليل 1: 30، وغيره.
(¬2) في أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص117.
(¬3) ينظر: بلوغ الأماني ص50.
القرن الثاني، ولم يزدهر ويأخذ صورة جماعية إلا في النصف الثاني منه، فأول كتاب مستقل في الأصول يصل إلينا هو كتاب الشافعي المسمَّى بـ «الرسالة»؛ لأن تدوين وتأصيل العلوم كلها قد ظهر على عهده، فالنحو ابتدأ تأصيل قواعده، والعروض قد وضع أصوله الخليل بن أحمد، وكان معاصراً للشافعي، والجاحظ قد ابتدأ يتكلم ويكتب في موازين النقد الأدبي، وهكذا نجد ذلك العصر قد ابتدأت فيه مناهج العلوم.
ولا غرابة في تأخير تدوين الأصول عن تدوين الفقه؛ لأن الذي دفع إلى إعلان أحكام الفروع الفقهية هو السؤال عنها، والحاجة إلى إعلانها؛ ليعرف الناس أحكام دينهم، وما كان العامة الذي يستفتون في حاجة إلى تعرف مناهج الاستنباط، وإنما كانوا في حاجة إلى معرفة حكم الدين فيما يقع لهم من حوادث، وما يبتلون به من أمور تحتاج إلى أحكام تكون على وفق أحكام الإسلام.
ومن الطبعي إذن في تاريخ العلوم كلِّها أن يكون وضعُ القواعد والأصول متأخراً في النشأة ولاحقاً لوجود موضوع هذه العلوم ذاتها (¬1).
فحاصلُ الكلام في هذه المرحلة أن الأئمة المجتهدين المستقلين أحكموا الأصول وسبروا النصوص ودققوا في وضع القواعد وأكثروا من التفريع عليها بعد أن استفادوا ممَّن سبقهم حتى تكوَّنت لديهم مذاهب فقهيّة مستقلّة.
¬
(¬1) مناهج التشريع، ص14 - 15.
وفي عصرِهم ظهرت حركة تدوين العلوم المختلفة فابتدؤوا بتدوين الفقه، وبرزت الموسوعات الفقهية الضخمة على يد محمد بن الحسن الشيباني - رضي الله عنه - ككتابه المبسوط، ونقل عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه دوَّن في علم الأصول، ولكن أقدم كتاب بين أيدينا في علم الأصول هو الرسالة للإمام الشافعي - رضي الله عنه -
المطلب الخامس: أصول الفقه في عصر الأئمة
المجتهدين في المذاهب:
في هذا العصر ظهر علم الأصول في كتب مستقلة، وحققت مسائله، ودققت قواعده، وفصلت أصوله، ودلل عليها، بعد أن كانت هذه الأصول مرتكزة في الأذهان والعقول إلا ما كان من التدوين الذي قام بها الشافعي - رضي الله عنه - لها، وسلك العلماء في التأليف في الأصول مسالك، وألفت في كلِّ منهما المئات من الكتب الأصولية، نقتصر هاهنا على بيان خمسة اتجاهات مع ذكر أبرز الكتب فيها فيما يلي:
الاتجاه الأول: طريقة الفقهاء:
وامتازت هذه الطريقة بأن علماء الحنفية وجهوا عنايتهم إلى تقرير القواعد الأصولية وتحقيقها على ضوء ما نقل عن أئمتهم من الفروع الفقهية، ومعنى ذلك أنهم استمدوا أصول فقههم من الفروع والمسائل الفقهية المنقولة عن أئمة المذهب الحنفي؛ لذلك كثرت الفروع الفقهية في كتب أصول الحنفية، وإن كانوا يذكرونها على سبيل التفريع على القواعد، وممكن تلخيص صفات هذه الطريقة فيما يلي:
1) القواعد الأصولية مستخرجة من الفروع الفقهية، فإذا تعارضت القاعدة الأصولية مع الفرع الفقهي عدلت القاعدة بما يتفق مع الفرع الفقهي.
2) الإكثار من ذكر الفروع الفقهية.
3) الابتعاد عن الخوض في القضايا الكلامية.
4) تقسيمهم للألفاظ كالتالي:
أ من حيث الوضوح إلى: الظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم.
ب من حيث الإبهام إلى: الخفي، والمشكل، والمجمل، والمتشابه.
ت من حيث الدلالة على المعنى إلى: دلالة العبارة، ودلالة النص، ودلالة الإشارة، ودلالة الاقتضاء.
5) من القواعد الأصولية التي اعتمدوها:
أ عدمُ الاحتجاج بمفهوم المخالفة.
ب دلالةُ العام على أفراده قطعية.
ت عدمُ حمل المطلق على المقيد إذا اتحدا في سبب الحكم والموضوع.
ث الاحتجاج بالحديث المرسل.
ج عدم الأخذ بخبر الواحد فيما تعم به البلوى (¬1).
قال ابنُ خلدون (¬2): «إن كتابةَ الفقهاء فيها أمس بالفقه وأليق بالفروع لكثرة الأمثلة منها والشواهد وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية، والمتكلِّمون يجردون صورة تلك المسائل على الفقه ويَميلون إلى الاستدلالِ العقلي ما أَمكن؛ لأنه غالبُ فنونهم ومقتضى طريقتهم، فكان لفقهاء الحنفيةِ فيها اليدُ الطولى من الغوصِ على النكت الفقهيّة والتقاط هذه القوانين من مسائل الفقه ما أمكن.
وجاء أبو زيد الدبوسيّ من أئمة الحنفية فكتب في القياس بأوسع من جميعهم وتممَّ الأبحاث والشروط التي يُحتاج إليها فيه، وكَمُلَت صناعة أُصوله الفقه بكمالِه وتهذيب مسائله وتمهدت قواعدُه ...
وأما طريقة الحنفية فكتبوا فيها كثيراً وكان أحسن كتابة فيها للمتقدمين تأليف أبي زيد الدبوسي، وأحسن كتابة المتأخرين فيها تأليف فخر الإسلام البزدوي من أئمتهم وهو مستوعب».
¬
(¬1) ينظر: الوصول إلى قواعد الأصول ص32 - 35، وأصول الفقه لأبي العينين ص15 - 17، والواضح في أصول الفقه ص32، والوجيز في أصول الفقه ص16 - 17، والوجيز في أصول التشريع ص13 - 14، وأصول الفقه للخضري ص8، وأصول الفقه لخلاف ص18، وغيرها.
(¬2) في مقدمته ص319 - 320.
وأبرز المؤلفات على هذه الطريقة هي:
1. الأصول لأبي الحسن عبيد الله بن الحسن الكرخي، وقد انتهت إليه رئاسة الحنفية، (ت340هـ)، وهي رسالة صغيرة في الأصول التي عليها مدار مسائل الحنفية، وممن شرحها أبو حفص عمر النسفي (¬1).
2. أصول الشاشي لأبي علي حمد بن محمد بن إسحاق الشاشي (ت344هـ) (¬2)، والكتاب مشهور متداول، وفيه نسبته للشاشي نظر، وعليه شروحه عديدة منها: فصول الحواشي لأصول الشاشي، وتسهيل أصول الشاشي لمحمد أنور البدخشاني، وحسن الحواشي لمحمد بركة الله.
3. الفصول في الأصول لأحمد بن علي، أبي بكر الرازي، المعروف بالجصاص، وقد انتهت إليه رئاسة الحنفية، (ت370هـ) (¬3).
4. تقويم الأدلة والأسرار في الأصول والفروع لعبيد الله بن عمر بن عيسى، أبي زيد الدبوسي، وهو أول من وضع علم الخلاف، وكان ممن يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج، وهو من كبار الفقهاء الحنفية،
¬
(¬1) ينظر: تاج التراجم ص200، والفوائد البهية ص183، والجواهر المضية 2: 493 - 494.
(¬2) ينظر: الوصول إلى قواعد الأصول ص35.
(¬3) ينظر: كشف الظنون 1: 81، ومفتاح السعادة 2: 164، والجواهر المضية 1: 220 - 224، والفوائد البهية ص3 - 54، وطبقات المفسرين للداودي 1: 55.
(ت430هـ)، وشرح التقويم: فخر الإسلام البزدوي الحنفي، وهو شرح حسن اعتبره العلماء الحنفية، واختصره: أبو جعفر محمد بن الحسين الحنفي (¬1).
5. أصول البزدويّ (كنز الوصول إلى معرفة الأصول) لعلي بن محمد بن الحسين، أبي الحسن، فخر الإسلام البزدوي، قال الكفوي: «الإمام الكبير الجامع بين أشتات العلوم إمام الدنيا في الفروع والأصول له تصانيف كثيرة معتبرة»، (ت482هـ)، وهو كتاب عظيم الشان جليل البرهان محتو على لطائف الاعتبارات بأوجز العبارات تأبى على الطلبة مرامه واستعصى على العلماء زمامه قد انغلقت ألفاظه وخفيت رموزه وألحاظه فقام جمع من الفحول بأعباء توضيحه وكشف خباياه وتلميحه، ومن شروحه، كشف الأسرار لعبد العزيز بن أحمد البخاري، وهو أحسنها وأشهرها، والكافي لحسين بن علي الصغناقي، والتقرير لأكمل الدين البابرتي، والتحرير لمصنفك، وشرح أحمد بن حسن الجاربردي، وشرح قوام الدين الأتراري، وشرح محمد بن أحمد بن الضياء المكي، وشرح عمر بن عبد المحسن
¬
(¬1) ينظر: مفتاح السعادة 2: 164، وكشف الظنون 1: 467، ووفيات الأعيان 3: 48، والفوائد البهية ص184، والعبر 3: 171، والجواهر المضية 2: 499 - 500، وتاج التراجم ص192 - 193، والنجوم الزاهرة 5: 76 - 77، وهدية العارفين 5: 648.
الأرزنجاني وشرح حميد الدين علي بن محمد الضرير وشرح ملا خسرو، وغيرها من الشروح (¬1).
6. أصول السرخسي لمحمد بن أحمد، أبي بكر السرخسي، شمس الأئمة، قال الكفوي: «كان إماماً علامة حجَّة متكلماً مناظراً أصولياً مجتهداً، وقد أملى «المبسوط» من غير مراجعة شيء من الكتب، وهو في الجبّ محبوس بسبب كلمة نصح بها الأمراء، وكان تلامذته يجتمعون على أعلا الجبّ يكتبون»، (ت نحو 500هـ) (¬2).
7. كفاية الفحول في علم الأصول لأبي محمد عبد العزيز بن عثمان العقيلي الحنفي، المعروف بالقاضي النسفي، (ت533هـ) (¬3).
8. ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه لعلاء الدين أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي (ت539هـ).
9. بذل النظر في الأصول لمحمد بن عبد الحميد الأسمندي (ت552هـ).
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون1: 81، ومفتاح السعادة 2: 165، والجواهر المضية 2: 594 - 595، وتاج التراجم ص205، ومقدمة الهداية 3: 14، والفوائد البهية ص209 - 211، وكتائب أعلام الأخيار ق156/ب-157/ب، والأعلام 5: 148.
(¬2) ينظر: مفتاح السعادة 2: 165 - 166، وكشف الظنون 1: 81، وتاج التراجم ص234، والجواهر المضية 3: 78، والفوائد البهية ص261.
(¬3) ينظر: كشف الظنون 2: 1497، وأصول الفقه للمبتدئين ص17، وفيه: (ت563هـ).
10. الفصول في علم الأصول لأبي المؤيد موفق بن محمد الخاصي الخوارزمي الحنفي، (ت634هـ) (¬1).
11. المنتخب في أصول المذهب لمحمد بن محمد بن عمر الاخسيكثي، حسام الدين، قال الكفوي: «كان شيخاً فاضلاً إماماً في الفروع والأصول» (ت644هـ)، وهو محذوف الفضول، ومبين الفصول، متداخل النقوض والنظائر، منسرد اللآلئ والجواهر، فتهالك الناس في تعلّمه وتعليمه، مكبين في تحديثه وتنقيره، ومن شروحه: التحقيق لعبد العزيز البخاري، والوافي للصغناقي، والتبيين لقوام الدين أمير كتاب بن أمير عمر الإتقاني، وشرح حافظ الدين النسفي، والنظامي لمحمد نظام الدين الكيرانوي وغيرها من الشروح (¬2).
12. المجتبى في أصول الفقه لأبي الرجا مختار بن محمود الزاهدي القزويني الحنفي، نجم الدين، (ت658هـ) (¬3).
13. المغني لعمر بن محمد بن عمر الخبازي، جلال الدين، (ت691هـ)، ومن شروحه: شرح منصور القاآني، وشرح سراج الدين الهندي (¬4).
¬
(¬1) ينظر: أصول الفقه للمبتدئين ص17، وكشف الظنون 2: 1271.
(¬2) ينظر: كشف الظنون 2: 1848، ومفتاح السعادة 2: 170.
(¬3) ينظر: أصول الفقه للمبتدئين ص17، وكشف الظنون 2: 1592.
(¬4) ينظر: مفتاح السعادة 2: 169، وهدية العارفين 1: 420.
14. منار الأنوار لعبد الله بن أحمد بن محمد النسفي، حافظ الدين، قال اللكنوي: «وكل تصانيفه نافعةٌ مُعتبرةٌ عند الفقهاءِ مطروحةٌ لأنظار العلماء» (ت701هـ)، وهو متن متين جامع مختصر نافع، ومن أكثر كتب الأصول تداولا وأقربها تناولاً مع صغر حجمه ووجازة نظمه، بحرٌ محيطٌ بدرر الحقائق، وكنزٌ أودع فيه نقود الدقائق، ومن شروحه: كشف الأسرار للمؤلف، وجامع الأسرار للكاكي، ونور الأنوار لملا جيون، وإفاضة الأنوار في إضاءة أصول المنار لسعد الدين محمود الدهلوي، وشرح ابن ملك، وشرح ابن العيني، وشرح ناصر الدين ابن الربوة، و تبصرة الأسرار لهبة الله ابن أحمد التركستاني، والأنوار للبابرتي، واقتباس الأنوار ليوسف بن قوماري العنقري، وفتح الغفار لابن نجيم المصري، ونتائج الأفكار لعزمي زاده، وغيرها من الشروح التي لا تحصى (¬1).
15. مجامع الحقائق لأبي سعيد محمد بن محمد بن مصطفى الخادمي (ت بعد 1168هـ)، وقد شرحه في منافع الدقائق (¬2).
16. تسهيل الوصول إلى علم الأصول لمحمد عبد الرحمن عيد المحلاوي الحنفي.
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون 2: 1823، ومفتاح السعادة 2: 167 - 168، والجواهر المضية 2: 294، والفوائد ص102، وتاج التراجم ص174، والأعلام 4: 192.
(¬2) ينظر: معجم المؤلفين 3: 692.
الاتجاه الثاني: طريقة المتكلمين:
وتميزت هذه الطريقة بتحقيق المسائل تحقيقاً منطقياً نظرياً، وتمحيص الخلافات مع الميل إلى الاستدلال العقلي وعدم التعقيد في الجدل، فهم يثبتون ما أثبته الدليل، وينفون ما نفاه الدليل، وكل هدفهم الوصول إلى أقوى القواعد وأضبطها، فلم يجعلوا همهم أخذ القواعد من الفروع الفقهية، ولم يربطوها ببعضها بل كانوا بعد تقريرهم القاعدة الأصولية يثبتونها وإن خالفت الأصول التي دوَّنها أئمتهم.
وقد كان يميل إلى هذه الطريقة علماء المالكية والشافعية وعلماء الكلام، ولم تقتصر هذه الطريقة على قواعد استنباط الأحكام الفقهية، بل بحثت في بعض المسائل الكلامية العقلية، فقد تكلموا عن عصمة الأنبياء قبل النبوة، وعن التحسين والتقبيح العقليين، وبعض المباحث المنطقية الفلسفية؛ لذلك سميت هذه الطريقة بطريقة المتكلمين، وعلى الجملة فالأصول عندهم فنّ مستقل يبنى عليه الفقه، فلا حاجة للمزج بين الفنين، والجمع بين العلمين، ويمكن تلخيص صفات هذه الطريقة فيما يلي:
1) الفصل بين الأصول والفقه، بمعنى أن الأصول فن مستقل عن الفقه.
2) أسلوبهم في معالجة القضايا الأصولية فيه صعوبة بسبب المنهج الذي اتبعوه في استخراج القواعد.
3) الإكثار من الجدل والمناظرة، فهم يستعملون أسلوب الفنقلة: أي فإن قيل: كذا قلنا كذا.
4) الخوض في مسائل لا صلة لها بأصول الفقه، كعصمة الأنبياء قبل النبوة، وأصل اللغات، وتكليف المعدوم.
5) تقسيمهم للألفاظ كالآتي:
أ من حيث الوضوح إلى: نص وظاهر.
ب من حيث الخفاء إلى: مجمل ومتشابه.
ت من حيث الدلالة على الحكم إلى: دلالة منطوق ودلالة مفهوم.
6) من القواعد الأصولية التي اعتمدوها:
أ الأخذ بمفهوم المخالفة.
ب دلالة العام على أفراده دلالة ظنية.
ت قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى (¬1).
قال ابن خلدون (¬2): «وعُني الناس بطريقة المتكلمين فيه، وكان من أحسن ما كتب فيه المتكلمون كتاب «البرهان» لإمام الحرمين
¬
(¬1) ينظر: الوصول إلى قواعد الأصول ص32 - 35، وأصول الفقه لأبي العينين ص15 - 17، والواضح في أصول الفقه ص32، والوجيز في أصول الفقه ص16 - 17، والوجيز في أصول التشريع ص13 - 14، وأصول الفقه للخضري ص8، وأصول الفقه لخلاف ص18.
(¬2) في مقدمته ص319 - 320.
و «المستصفى» للغزالي، وهما من الأشعرية، وكتاب «العمد» لعبد الجبار و «المعتمد» لأبي الحسين البصري، وهما من المعتزلة، وكانت الأربعة قواعد هذا الفن، وأركانه، ثم لخص هذه الكتب الأربعة فحلان من المتكلمين المتأخرين، وهما الإمام فخر الدين بن الخطيب في كتاب «المحصول» وسيف الدين الآمدي في كتاب «الإحكام»، واختلفت طرائقهما في الفنّ بين التحقيق والحجاج، فابن الخطيب أميل إلى الاستكثار من الأدلة والاحتجاج، والآمدي مولع بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل.
وأما كتاب المحصول فاختصره تلميذه الإمام سراج الدين الأموري في كتاب «التحصيل»، وتاج الدين الأموري في كتاب «الحاصل»، واقتطف شهاب الدين القرافي منهما مقدمات وقواعد في كتاب صغير سمّاه «التنقيحات»، وكذلك فعل البيضاوي في كتاب «المنهاج»، وعني المتبدؤون بهذين الكتابين، وشرحهما كثير من الناس.
وأما كتاب «الإحكام» للآمدي وهو أكثرها تحقيقاً في المسائل فلخصه أبو عمر بن الحاجب في كتابه المعروف بـ «المختصر الكبير»، ثم اختصره في كتاب آخر تدواله طلبة العلم وعني أهل المشرق والمغرب به وبمطالعته وشرحه وحصلت زبدة طريقة المتكلمين في هذا الفن في هذه المختصرات».
وأبرز المؤلفات على هذه الطريقة هي:
1. الرسالة للإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت204هـ)، ومن شروحها: شرح لأبي بكر محمد الصيرفي (ت330هـ)، وشرح أبي الوليد
حسام بن محمد النيسابوري (ت349هـ)، وشرح أبي محمد القفال الشاشي (ت365هـ)، وشرح أبي بكر محمد بن عبد الله الشيباني (ت388هـ)، وشرح عبد الله بن يوسف الجويني (ت438هـ) (¬1).
2. التعريف والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد للقاضي أبي بكر الباقلاني المالكي (ت403هـ)، وقد اختصره في كتب الإرشاد المتوسط، والإرشاد الصغير: قال السبكي: ((وهو من أجل كتب الأصول، والذي بين أيدينا منه هو المختصر الصغير، ويبلغ أربعة مجلدات، ويحكى أن أصله كان في اثني عشر مجلداً، ولم نطلع عليه، وكذلك اختصره إمام الحرمين وسمّاه التلخيص (¬2).
3. العمد للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني المعتزلي (ت415هـ) (¬3).
4. الفصل في أصول الفقه، والتحصيل في أصول الفقه لأبي منصور عبد القادر بن طاهر البغدادي (ت429هـ) (¬4).
5. العدة والكفاية للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي (ت458هـ) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الوجيز في أصول التشريع ص15، والواضح في أصول الفقه ص29.
(¬2) ينظر: الواضح في أصول الفقه ص35، والوجيز في أصول التشريع ص17 - 18.
(¬3) ينظر: الوجيز في أصول التشريع ص18.
(¬4) ينظر: المصدر السابق ص18.
(¬5) ينظر: نفس المصدر ص19.
6. المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري المعتزلي (ت463هـ) (¬1).
7. إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت474هـ) (¬2).
8. اللمع وشرح اللمع والتبصرة لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (ت476هـ) (¬3).
9. البرهان والورقات لإمام الحرمين عبد الملك الجويني (ت478هـ)، ومن شروح البرهان: إيضاح المحصول من برهان الأصول لأبي عبد الله المازري المالكي (ت536هـ)، وشرح أبي يحيى زكريا الحسني المغربي، وشرح لأبي الحسن بن الأبياري المالكي (ت614هـ)، وأما شروح الورقات فلا تعد ولا تحصى لكثرتها، وهي مشهورة متداولة إلى يومنا هذا (¬4).
10. القواطع في أصول الفقه لأبي المظفر منصور بن محمد السمعاني (ت489هـ) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الواضح ص34، والوجيز ص18، والوصول إلى قواعد الأصول ص32.
(¬2) ينظر: الوجيز في أصول الفقه ص19.
(¬3) ينظر: الواضح في أصول الفقه ص35، والوجيز في أصول التشريع ص19، والوصول إلى قواعد الأصول ص33.
(¬4) ينظر: أصول الفقه تاريخه ورجاله ص36، والواضح في أصول الفقه ص34، والوجيز في أصول التشريع ص19.
(¬5) ينظر: الوجيز في أصول التشريع ص20.
11. المستصفى في أصول الفقه والمنخول من تعليقات علم الأصول لحجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت 505هـ)، ورتب المستصفى على مقدمة وأربعة أقطاب: المقدمة: للتوطئة والتمهيد، والأقطاب: هي المشتملة على لباب المقصود، القطب الأول: في الأحكام، والثاني: في الأدلة، والثالث: في طريق الاستثمار، والرابع: في المستثمر. وقد اعتنى به العلماء عناية كبيرة فاختصره أحمد بن محمد الإشبيلي، والسهوردي الحكيم، وعبد الكريم المدرس، وشرحه: حسين بن عبد العزيز الفهري البلنسي، وعليه تعاليق: لسليمان بن محمد الغرناطي (¬1).
12. إحكام الأحكام في أصول الأحكام لسيف الدين علي بن محمد الآمدي، قال الأسنوي: «صاحب التصانيف النافعة، والعلوم الكثيرة الممحقَّقة» (ت631هـ)، رتب على أربع قواعد: في مفهوم أصول الفقه، وفي الأدلة السمعية، وفي أحكام المجتهدين، وفي الترجيح، نقل عن الشيرازي: أن ابن الحاجب اختصر منه كتابه، المسمّى: بالمنتهى (¬2).
13. منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل لعثمان بن عمر، المعروف بابن الحاجب المالكي (ت646هـ)، وهو مشهور متداول بمختصر
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون 2: 1673، وفيات الأعيان 4: 216 - 219، وطبقات الأسنوي 2: 111 - 113، وطبقات ابن هداية الله ص192 - 195، والتعليقات السنية ص243، والأعلام 7: 247.
(¬2) ينظر: كشف الظنون1: 17،وطبقات الأسنوي1: 73،ومعجم المؤلفين2: 479،ومرآة الجنان4: 73
المنتهى، ومختصر ابن الحاجب، وهو مختصر غريب في صنعه بديع في فنه لغاية إيجازه يضاهي الألغاز، وبحسن إيراده يحاكي الإعجاز، واعتنى بشأنه الفضلاء، فمن شروحه شرح الشيرازي، وشرح ركن الدين الموصلي، وشرح جمال الدين الحلي، وشرح المولى زين الدين الخنجي، وشرح شمس الدين الأصبهاني، وشرح بدر الدين التستري، وشرح شمس الدين الخطيبي، وشرح عضد الملة والدين، وهو أشهر شروحه لحسن اختصاره مع اشتماله على تدقيقات وتحقيقات لا توجد في غيره، ولهذا كتبوا على ذلك حواشي شريفة، مثال حاشية سيف الدين الأبهري، وحاشية شمس الدين الكرماني، وحاشية المولى سعد الدين التفتازاني، وحاشية المولى السيد الشريف الجرجاني (¬1).
14. المحصول في أصول الفقه لفخر الدين محمد بن عمر الرازي (ت606هـ)، ومن شروحه: شرح شمس الدين الأصبهاني، وشرح أحمد بن إدريس القرافي المالكي (¬2).
15. التحصيل لسراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي (ت682هـ)، وهو مختصر من المحصول للرازي، ومشهور متداول، ومن شروحه: الحاصل لمحمد بن محمد الجزري (¬3).
¬
(¬1) ينظر: مفتاح السعادة 2: 166 - 164، وكشف الظنون2: 1853 - 1855.
(¬2) ينظر: كشف الظنون 2: 1615.
(¬3) ينظر: المصدر السابق 2: 1615.
16. منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي عبد الله بن عمر البيضاوي (ت685هـ)، وهو كتاب نفيس على مذهب الشافعي مرتب على مقدمة وسبعة كتب، وعليه شروح: شرح السيد العبري، وهو أحسنها، والسراج الوهاج للتبريزي، وشرح محمود بن عبد الرحمن الأصفهاني، ونهاية السول لعبد الرحيم بن حسن الأسنوي، وشرح غياث الدين محمد بن محمد الواسطي، وشرح تاج الدين السبكي، ونهاية السول لفرج بن محمد الأردبيلي، وشرح أحمد بن حسين الرملي، وشرح زكريا الأنصاري، وسراج العقول لمحمد بن طاهر القزويني، والأسرار للخنجي، والتحرير لأبي زرعة العراقي، ومعراج الوصول لمجد الدين الأيكي، وغيرها من الشروح (¬1).
17. البحر المحيط في أصول الفقه لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي (ت794هـ)، أراد المؤلف لكتابه أن يكون مؤلفاً موسوعياً في مدونة واحدة يجمع فيه أقوال علماء الأصول الذين عاصروه، أو سبقوه، فعرض في كل مسألة أقوال أهل العلم، وذكر المذاهب فيها، وحقق ووازن بين الأقوال، وذكر الأدلة وانتقدها، وذكر أسباب الاختلاف (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الطبقات الأسنوي 1: 136، وكشف الظنون 2: 1879، والأعلام 4: 248، ومعجم المؤلفين 2: 266 - 267.
(¬2) ينظر: كشف الظنون 1: 226، والوجيز في أصول الفقه ص20.
الاتجاه الثالث: طريقة المتأخرين:
تقوم هذه الطريقة على الجمع بين طريقة المتكلمين التي تقوم على تحقيق القواعد الأصولية تحقيقاً نظرياً منفصلاً عن الفقه، وعلى طريقة الفقهاء التي تقوم على تحقيق القواعد الأصولية تحقيقاً مرتبطاً بالفقه ومعتمداً عليه، وقد سار على هذه الطريقة علماء من مختلف المذاهب الفقهية، وسميت هذه الطريقة بطريقة المتأخرين؛ لأنها ظهرت في وقت متأخر عن طريقة الفقهاء والمتكلمين (¬1).
وصفة هذه الطريقة أنها تحقق القواعد الأصولية تحقيقاً نظرياً، وتقيم البراهين عليها مع العناية بتطبيق هذه القواعد على الفروع الفقهية وربطها بها.
قال ابن خلدون (¬2): «وجاء ابن الساعاتي من فقهاء الحنفية فجمع بين «كتاب الأحكام» و «كتاب البزدوي» في الطريقتين، وسمى كتابه بـ «البدائع» فجاء من أحسن الأوضاع وأبدعها، وأئمة العلماء لهذا العهد يتداولونها قراءة وبحثاً، وولع كثير من علماء العجم بشرحه».
وأبرز المؤلفات على هذه الطريقة هي:
1. بدائع النظام الجامع بين كتابي البزدوي والإحكام لأحمد بن علي بن ثعلب البغدادي البعلبكي الحنفي، مظفر الدين، المعروف بابن الساعاتي، قال
¬
(¬1) ينظر: الوصول إلى قواعد الأصول ص32 - 35.
(¬2) في مقدمته ص320.
الكفوي: «كان إمام العصر في العلوم الشرعية، كان ثقة حافظاً متقناً، أقرّ له شيوخ زمانه بأنه فارس جواد في ميدانه»، (ت694هـ)، ولاشتراك ذلك الكتاب بين الأصوليين تصدى لشرحه جماعة من الحنفية والشافعية منهم: ابن أمير الحاج التبريزي في الرفيع في شرح البديع، وعثمان بن عبد الملك الكردي المصري، ومحمود بن عبد الرحمن الأصفهاني في بيان معاني البديع، وابن الشيخ عونية الموصلي، وسراج الدين عمر بن إسحاق الهندي في كاشف معاني البديع وبيان مشكلة المنيع، وكمال الدين محمد بن عبد الواحد بن الهمام، وابن خطيب جربن الحلبي، غيرهم من الشراح (¬1).
2. تنقيح الأصول لعبيد الله بن مسعود المحبوبي الحنفي، صدر الشريعة، وهو عالم محقق، وحبر مدقق، له تصانيف مفيدة، (ت747هـ)، جمع فيه بين كلام البَزْدَويّ وكلام ابن الحاجب، ورتَّبه ترتيباً حسناً، ومن شروحه: التوضيح للمصنف، وشرح عبد الله بن محمد الحسيني، وقد لقي شرحه التوضيح عناية فائقة من العلماء حفظاً وتدريساً وشرحاً وتحشيةً وتعليقاً، قال المرجاني (¬2): «إن كتاب «التنقيح» وشرحه «التوضيح» هو المعوّل عند الطلبة عليه والرجوع في تحصيل الأصول إليه. انتهى. لذا أقبل الطلاب على متنه بالحفظ، والعلماء على شرحه بالتدريس والتوضيح لما أشكل من عباراته وغمض من ألفاظه» (¬3)، ومن الحواشي والشروح عليه: حاشية عبد القادر
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون 1: 235، والنافع الكبير ص25، ومرآة الجنان 4: 227.
(¬2) ينظر: حزامة الحواشي لإزاحة الغواشي على التوضيح 1: 2.
(¬3) ينظر: مفتاح السعادة 2: 171، وكشف الظنون 1: 499.
الأنصاري، وحزامة الحواشي لإزاحة الغواشي للمرجاني، والتلويح في كشف حقائق التنقيح، والترجيح لبرهان الدين أحمد السيواسي، وحاشية العلامة السيد الشريف الجرجاني، وحاشية مصنفك، وحاشية حسن بن محمد شاه الفناري، وغيرها (¬1).
3. جمع الجوامع لتاج الدين عبد الوهاب بن علي بن السبكي الشافعي، (ت771هـ)، وهو مختصر مشهور، جمعه من زهاء مئة مصنف مشتمل على زبدة ما في شرحيه على مختصر ابن الحاجب والمنهاج مع زيادات وبلاغة في الاختصار، ورتب على مقدمات وسبعة كتب، ومن شروح: منع الموانع للمصنف، والدرر اللوامع في تحرير الجامع لابن أبي الشريف المقدسي، وتشنيف المسامع لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، وتشنيف المسامع أيضاً للأسدي الغزي، وشرح أبي زرعة العراقي، وشرح ابن جماعة، وشرح ابن رسلان الرملي، وشرح برهان الدين القبقابي، وشرح عبد الوهاب الشعراني، وشرح البقاعي، وشرح جلال الدين المحلي، وهو أحسن في غاية التحرير والتنقيح؛ ولذلك اعتنى العلماء بتدريسه وتشحيته، ومن حواشيه: حاشية محمد بن داود البازلي، وحاشية ناصر الدين القاني، وحاشية بدر الدين محمد بن محمد بن خطيب، وحاشية زكريا الأنصاري، وحاشية قطب الدين الصفوي الإيجي (¬2).
¬
(¬1) ينظر: منتهى النقاية 1: 48 - 51، ومفتاح السعادة 2: 171، وكشف الظنون 1: 499، وتاج التراجم ص203، والأعلام 4: 354، ومعجم المؤلفين2: 355.
(¬2) ينظر: الدرر الكامنة 2: 425 - 428، وكشف الظنون 1: 576، والنجوم الزاهر 11: 108 - 109، والأعلام 4: 335.
4. فصول البدائع في أصول الشرائع لمحمد بن حمزة الفناري الحنفي، شمس الدين، قال الكفوي: «إمام كبير، علامة نحرير، أوحد زمانه في العلوم النقلية وأغلب أقرانه في العلوم العقلية، شيخ دهره في العلم والأدب» (ت834هـ)، رتبه على فاتحة والمطلب فيه: مقدمتان ومقصدان وخاتمة، والخاتمة: في الاجتهاد وما يتبعه جمع فيها: المنار، وأصول البزدوي، ومحصول الرازي، ومختصر ابن الحاجب، وغير ذلك، وأقام في تأليفه ثلاثين سنة، قال الشوكاني (¬1): «وهو من أجل الكتب الأصولية وأنفعها وأكثرها فوائد»، وكتب ابنه محمد شاه: حاشية عليه، وسماها: تلخيص الفصول وترصيص الأصول، واختصره الشيخ يوسف بن إبراهيم المغربي الدانوعي الحنبلي في غاية التحرير الجامع، ثم شرحه وسمَّاه كشف الشوارد والموانع (¬2).
5. مرقاة الوصول إلى علم الأصول لمحمد بن فراموز الحنفي، المشهور بملا خسرو، قال الكفوي: «كان بحراً زاخراً عالماً بالمعقول والمنقول، وحبراً فاخراً جامعاً للفروع والأصول» (ت885هـ)، ومن شروحه: المرآة للمصنف، وهو شرح لطيف جامع للفوائد المنقولة عن المتقدمين مع زوائد أبدعها خاطره الشريف؛ لذلك أقبل عليه العلماء تدريساً وتحشية وتعليقاً ومن الحواشي عليه: حاشية حامد أفندي، وحاشية مصطفى أفندي، وحاشية
¬
(¬1) ينظر: البدر الطالع 2: 266.
(¬2) ينظر: كشف الظنون 2: 1268، ومفتاح السعادة 2: 171، والشقائق ص16 - 21، والفوائد ص274 - 276، وضوء الدراري في أخبار شمس الدين الفناري ص80 - 81.
الطرطوسي، وحاشية سليمان الإزميري، وغيرها (¬1).
6. تحرير الأصول لكمال الدين محمد بن عبد الواحد الحنفي، الشهير بابن همام (ت861هـ)، جمع فيه علماً جماً بعبارات منقحة وبالغ في الإيجاز حتى كاد يعد من الألغاز، ومن شروحه: التقرير والتحبير لمحمد بن محمد بن أمير الحاج، وتيسير التحرير لأمير بادشاه البخاري، واختصر التحرير ابن نجيم في لب الأصول (¬2).
7. مُسَلَّمُ الثبوت لمحبّ الدين بن عبد الشكور الحنفي (ت1119هـ)، وهو أشهر كتب الأصول المتداولة، ومن شروحه: فواتح الرحموت لعبد العلي اللكنوي، وكشف المبهم لمحمد بشير الدين العثماني القنوجي، وشرح غلام رسول رضوي، ومفاتح البيوت لمحمد فيض الحسن اللكنوي (¬3).
الاتجاه الرابع: طريقة تخريج الفروع على الأصول:
إن التأليف على هذه الطريقة لا يعتبر تأليفاً في الأصول المحضة، ولا في الفروع المحضة، وإنما هو مزيج من الأصول والفروع لبيان أثر الأصول في الفروع، وتمتاز هذه الطريقة بما فيها من ربط الصلة بين الأصول والفروع
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون2: 1657، ومفتاح السعادة 2: 171، والضوء اللامع 8: 279، والفوائد ص302 - 303، والأعلام 7: 219.
(¬2) ينظر: كشف الظنون 1: 358، والضوء اللامع 6: 127، والفوائد ص296 - 298.
(¬3) ينظر: أصول الفقه لأبي العينين، ص19، وأصول الفقه تاريخه ورجاله ص507 - 508، ومعجم المؤلفين3: 17.
المختلفة، وتوضيح أن الخلاف بين العلماء في الفروع الفقهية كان قائماً على اختلافهم في الأصول، وليس اتباعاً للهوى، وبيان لجهد العلماء السابقين في وضع هذه القواعد الأصولية التي بنيت عليها الفروع، وتنمية للملكة الفقيه للطلبة، وطريق للعلماء ليلحقوا ما جد من المسائل بناء على هذه القواعد (¬1).
وأبرز المؤلفات على هذه الطريقة هي:
1. تأسيس الأدلة في اختلاف الأئمة لأبي زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي الحنفي (ت430هـ)، ويعتبر أول كتاب أشار إلى جمل يسيرة من القواعد الأصولية التي يرجع إليها في الخلاف بين أئمة المذهب الحنفي فيما بينهم، وبينهم وبين الإمام الشافعي - رضي الله عنه -، وبينهم وبين الإمام مالك - رضي الله عنه -.
2. تخريج الفروع على الأصول لشهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني الشافعي (ت656هـ)، وبين فيه العلاقة بين الأصول والفروع في المذهبين الشافعي والحنفي، وبيان أن الاختلاف في الفروع قائم على الأسس التي بنيت عليها هذه الفروع.
3. مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول لأبي عبد الله محمد بن أحمد التلمساني (ت771هـ)، وقد بيَّن فيه أثر الأصول في الفروع على المذاهب الثلاثة المالكي والحنفي والشافعي.
4. التمهيد في تخريج الفروع على الأصول لعبد الرحيم بن الحسن
¬
(¬1) ينظر: الوصول إلى قواعد الأصول ص38 - 44.
الإسنوي الشافعي (ت727هـ)، وقد اقتصر فيه على تخريج الفروع على أصول مذهب الشافعي.
5. القواعد والفوائد الأصولية لعلي بن محمد الحنبلي، المشهور بابن اللحام، (ت803هـ)، واقتصر فيه على تخريج الفروع على أصول المذهب الحنبلي.
6. الوصول إلى قواعد الأصول لمحمد بن عبد الله بن الخطيب التمرتاشي الحنفي، (1004هـ)، ذكر فيه تخريج الفروع على أصول المذهب الحنفي مع الإشارة إلى مذهب الشافعي أحياناً.
7. أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء للدكتور مصطفى سعيد الخن، وقد جعل أسباب الخلاف بين الفقهاء ثمانية أسباب، ومثل لكل منها، ولم يستوعب كل القواعد الأصولية، ويذكر خلاف العلماء في القاعدة الأصولية وحججهم وردهم على بعضهم البعض ويكثر من الأمثلة من مختلف الأبواب الفقهية (¬1).
الاتجاه الخامس: طريقة المعاصرين:
وهذه الطريقة ظهرت نتيجة ظهور المدرسة الإصلاحية في مصر فتأثر فيها كثير من المعاصرين، وتقوم على الجمع والتلفيق في الأصول والفروع بين جميع المذاهب الفقهيّة دون اتباع منهج صحيح واضح؛ إذ نقلت علم الأصول من العلميّة إلى الثقافية.
¬
(¬1) ينظر: الوصول إلى قواعد الأصول ص45 - 91.
فالدارس على هذه الطريقة لا يتمكن من ضبطِ الأُصول ودركها، وإنّما يصبح لديه ثقافةٌ عامّةٌ عنها، ويلاحظ الناظر في مؤلَّفات المعاصرين التخبط الشديد في تشييد الأُصول وبيان علاقةِ الفروع بها، فتراهم في كثير من الأحيان يجمعون بين المتناقضات؛ لذكرهم أُصولاً متناقضة بين المذاهب وفروعاً متعارضة، مما يربك الدارس لها كثيراً، ومعلومٌ أنّ للعلماء مناهج ومدارس في العلم والتأليف والتدريس.
فعسى هؤلاء المعاصرين أن يعودوا إلى منهج سادتنا العلماء في كتابة الأصول وتدريسه؛ لأن أثر هذه الطريقة انعكس سلبياً على الدارسين في الجرأة على الفتوى، والاضطراب في المسائل، وعدم ربط الفروع بالأصول، والاستخفاف بالأئمة والفقهاء، وغيرها ذلك مما يطول ذكره.
ومن المؤلفات على هذه الطريقة:
1. علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف.
2. أصول الفقه لمحمد الخضري بك.
3. أصول الفقه لمحمد أبو زهرة.
4. الواضح في أصول الفقه لمحمد حسين عبد الله.
5. أصول الفقه الإسلامي لبدران أبو العينين.
6. الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان.
7. تيسير الأصول لحافظ ثناء الله الزاهدي.
8. الواضح في أصول الفقه للمبتدئين للدكتور محمد الأشقر.
9. أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي، وهو من أوسعها، ويشتمل على علم كثير.
10. أصول الفقه للمبتدئين لمحمد أنور بدخشاني، وهو نافع سهل للطلبة.
11. أصول الفقه الإسلامي لشاكر بك الحنبلي، وهو من أنفع كتب المعاصرين.
• • •
المبحث الثالث
موضوع علم الأصول واستمداده
وفائدته وغايته ومصادره
بعد أن تعرفنا في المبحثين السابقين على معنى أصول الفقه في اللغة والاصطلاح والفرق بينه وبين الفقه والنشأة التاريخية التي مر بها وطرق التأليف فيه وأهم المؤلفات فيه فإننا في هذه الوحدة سنتعرف على موضوعه واستمداده وفائدته وغايته ومصادره في المطالب التالية:
المطلب الأول: موضوع علم أصول الفقه:
الدليل السمعي الكلي من حيث يوصل العلم بأحواله إلى قدرة إثبات الأحكام لأفعال المكلفين أخذاً من مشخصاته (¬1)؛ إذ يبحث في الكتاب والسنة والإجماع والقياس من حيث استناد الأحكام الشرعية إليها، واستنباطها منها (¬2)، وبيان ذلك أن موضوعه:
¬
(¬1) ينظر: فتح الغفار 1: 9.
(¬2) ينظر: الوجيز للكراماستي ص 3.
1. الأدلة الشرعية من حيث ذاتها: أي حيث كونها حجة قطعاً أو ظناً، وغير حجة.
2. ما يثبت من الأدلة الشرعية من الأحكام: كالوجوب والتحريم والندب والكراهة وغيرها.
3. طرق الاستنباط من الأدلة الشرعية: كالبحث عن دلالة العام، والأمر، والنهي، وغيرها.
4. المستنبط من الأدلة الشرعية: أي المجتهد (¬1).
وبذلك يتبيَّن أن موضوعه هو الأدلة الشرعية والأحكام (¬2)، وتوضيح ذلك: أن كل دليل من الأدلة الشرعية إنما يثبت به الحكم إذا كان مشتملاً على
¬
(¬1) ينظر: تيسير الأصول ص21.
(¬2) ذهب الآمدي وجماعة من الأصوليين إلى أن موضوع أصول الفقه الأدلة وحدها، فلا يبحث في هذا الفن قصداً عن الأحكام، وإنما يبحث عنها ويحتاج إلى تصورها لإمكان إثباتها أو نفيها، وذلك لأن الأدلة الشرعية الكلية هي المقصودة من حيث إثباتها للأحكام، أما البحث في الأحكام وكونها تكليفية أو وضعية، والبحث عن متعلقاتها وهي الحاكم والمحكوم عليه وهو المكلف، والمحكوم فيه: وهو فعل المكلف فيكون من باب الاستطراد، ويكون ذكرها على أنها توابع لمسائل العلم لا أنها من موضوعه، ذلك لأن الأحكام هي ثمرة الدليل، وثمرة الشيء تكون تابعة له، وتابع الشيء لا يكون له من الأصالة مثل المتبوع.
وذهب صدر الشريعة وغيره إلى أن موضوع أصول الفقه: الأدلة ومتعلقاتها كالاستصحاب والاستحسان، والأحكام وما يتعلق بها: كالحاكم والمحكوم عليه والمحكوم فيه، وعلى هذا تكون الأحكام ليست تابعة ولا لاحقة؛ إذ أن البحث في هذا العلم شامل للبحث في الأدلة من حيث إثباتها للأحكام، والبحث عن الأحكام من حيث ثبوتها بالأدلة، ولا مرجح لأحدهما على الآخر، حتى نحكم بأن أحدهما له أصالة وأن للآخر تابع. ينظر: أصول الفقه لأبي العينين ص36.
شرائط وقيود مخصوصة، فالقضية الكلية المذكورة إنما تصدق كلية إذا اشتملت على هذه الشرائط والقيود، فالعلم بالمباحث المتعلقة بهذه الشرائط والقيود يكون علماً بتلك القضية الكلية، فتكون تلك المباحث من مسائل أصول الفقه، هذا بالنظر إلى الدليل، وأما بالنظر إلى المدلول وهو الحكم، فإن القضية المذكورة إنما يمكن إثباتها كلية إذا عرف أنواع الحكم، وأن أي نوع من الأحكام يثبت بأي نوع من الأدلة بخصوصية ثابتة من الحكم، ككون هذا الشيء علة لذلك الشيء، فإن هذا الحكم يمكن إثباته بالقياس.
ثم المباحث المتعلقة بالمحكوم به، وهو فعل المكلف ككونه عبادة أو عقوبة ونحو ذلك مما يندرج في كلية تلك القضية، فإن الأحكام مختلفة باختلاف أفعال المكلّفين، فإن العقوبات لا يمكن إيجابها بالقياس.
ثم المباحث المتعلقة بالمحكوم عليه وهو المكلّف كمعرفة الأهلية ونحوها مندرجة تحت تلك القضية الكلية أيضاً، لاختلاف الأحكام باختلاف المحكوم عليه، وبالنظر إلى وجود العوارض وعدمها، فيكون تركيب الدليل على إثبات مسائل الفقه بالشكل الأول هكذا: هذا الحكم ثابت؛ لأنه حكم هذا شأنه، متعلق بفعل هذا شأنه، وهذا الفعل صادر من مكلّف هذا شأنه، ولم توجد العوارض المانعة من ثبوت هذا الحكم، ويدلّ
على ثبوت هذا الحكم قياس هذا شأنه، هذا هو الصغرى، ثم الكبرى وهو قولنا: وكل حكم موصوف بالصفات المذكورة ويدل عليه ثبوته القياس الموصوف فهو ثابت، فهذه القضية الأخيرة من مسائل أصول الفقه، وبطريق الملازمة هكذا كلما وجد قياس موصوف بهذه الصفات دال على حكم موصوف بهذه الصفات يثبت ذلك الحكم، لكنه وجد القياس الموصوف ... الخ، فعلم أن جميع المباحث المتقدمة مندرجة تحت تلك القضية الكلية المذكورة، فهذا معنى التوصل القريب المذكور.
وإذا علم أن جميع مسائل الأصول راجعة إلى قولنا: كل حكم كذا يدل على ثبوته دليل كذا فهو ثابت، أو كلما وجد دليل كذا دالّ على حكم كذا يثبت ذلك الحكم، علم أنه يبحث في هذا العلم عن الأدلة الشرعية والأحكام الكليتين من حيث أن الأولى مثبتة للثانية، والثانية ثابتة بالأولى، والمباحث التي ترجع إلى أن الأولى مثبتة للثانية بعضها ناشئة عن الأدلة وبعضها عن الأحكام، فموضوع هذا العلم هو الأدلة الشرعية والأحكام إذ يبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة الشرعية، وهي إثباتها للحكم، وعن العوارض الذاتية للأحكام، وهي ثبوتها بتلك الأدلة (¬1).
¬
(¬1) ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم 1: 39 - 40.
المطلب الثاني: استمداد علم أصول الفقه ومصادره:
يستمد علم الأصول من الكلام والعربية والأحكام الشرعية من جهة تصورها لا من جهة العلم بثبوتها (¬1)، وبيان ذلك أن مصدره:
1. علم الكلام: وهو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، ووجه استمداد الأصول منه كون معرفة الباري تعالى، وصدق المبلغ عنه متوقفاً عليه، وهما مبينان في علم الكلام، وغالب مباحث الحاكم مستمد من هذا العلم.
2. علوم اللغة: لأن فهم الكتاب والسنة متوقف على معرفتها؛ إذ هما عربيان، ووجوه الاستدلال من غالبها تعتمد على علوم اللغة من العموم والخصوص والتباين والترادف والحقيقة والمجاز (¬2).
3. الأحكام الشرعية: كالوجوب والتحريم من حيث تصورها؛ لأن مقصود الأصولي من الأصول إثبات الأحكام أو نفيها من حيث أنها مدلولة للأدلة الشرعية، ومستفادة منها كما أن مقصود الفقيه من الفقه إثباتها أو نفيها من حيث تعلقها بفعل المكلف (¬3)، فالفقه يذكر في الأصول من حيث الجملة،
¬
(¬1) ينظر: فتح الغفار 1: 9.
(¬2) ينظر: تسهيل الوصول ص20، وتيسير الأصول ص20، وأصول الفقه تاريخه ورجاله ص16.
(¬3) ينظر: تسهيل الوصول ص20.
فيذكر الواجب بما هو واجب، والمندوب بما هو مندوب؛ لأن هذا القدر مبين حقيقة الأصول (¬1).
أما بالنسبة لقول السبكي: «إن علم الأصول ليس علماً برأسه بل هو أبعاض علوم جمعت من الكلام والفقه واللغة والحديث والجدل» ليس بحق، وذكر تفاصيل مباحث السنة كالأحوال الراجعة إلى متن الحديث أو طريقه وعدالة الراوي وجرحه في علم الأصول كما في علم الحديث لا يوجب استمداده إياها من علم الحديث، بل هي من مباحثه بالأصالة أيضاً، والجدال المذكور فيه أعني كيفية الإيراد على الأقيسة الفقهية ذوات العلل الجعلية حادث بحدوثه فإن أفرد هذا الجدل فكالفرائض بالنسبة إلى الفقه.
ومباحث الإجماع والقياس ظاهر كونها مختصة به ولا يعلم علم من العلوم المدونة كفيل بها سواه، وأما الكلام فليس في الأصول منه إلا مسألة
¬
(¬1) ينظر: البحر المحيط 1: 47، وفي تيسير الأصول ص20 - 21 أضاف أنه يستمد أيضاً من: النصوص الشرعية: لأن بعضها يفيد معنىً ـ علاوة عن الحكم المقصود بسَوْق النص ـ يسوغ اعتباره في جزئيات كثيرة كقوله - جل جلاله - بعد ذكر المحرّمات: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، فإنه يستفاد منه قوة تأثير الضرورة في إسقاط الأحكام عن الذمة مؤقتاً، وقوله - جل جلاله -: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219]، يدل على أن دفع المفاسد أولى من جلب المصالح، وأكثر قواعد الفقه الكلية تستمد من النصوص، وهي نتيجة للنظرة الأصولية حقيقة. وأيضاً: من الفروع الفقهية: وهي مصدر لأكثر قواعد الحنفية وحاكمة عليها خلافاً لقواعد غيرهم فإن الفروع عندهم تابعة للأصول.
الحاكم، فإنها من العقائد الدينية وما يتعلق بها من مباحث الحسن والقبح لكون ذلك وسيلة إلى ما هو من العقائد الدينية فتلحق بها لأنها من المقدمات لهذا العلم لا منه، وأما الفقه فليس في الأصول منه إلا ما هو إيضاح لقواعده في صورة جزئية، فظهر أن هذا العلم مستقل برأسه غير مستمد من علم مدون قبله (¬1).
المطلب الثالث: فائدة علم أصول الفقه وغايته:
1. القدرة على معرفة الأحكام الشرعية التي يترتب عليها الفوز بالسعادة الدنيوية والأخروية من أدلتها، فالمجتهد بهذا الفن يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها، والعالم الذي يبلغ درجة الاجتهاد يلزمه معرفة مأخذ المجتهدين حتى إذا عرضت عليه حادثة لم ينص عليها إمامه أمكنه معرفة حكمها تخريجاً على القواعد التي دوّنت في علم الأصول، وإذا روي عن الإمام رأيان أمكنه اختيار الرأي الذي ينطبق على قواعده فكل عالم ومفت محتاج إلى هذا الفن (¬2)، قال البابرتي: «بأن التحقيق أن غايتَه معرفة استنباط الأحكام» (¬3).
فلا بُدّ من علم الأصول لنستفيد الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي؛ لأن الدليل التفصيلي وحده لا يفيد، فلا بد من الدليل الإجمال لنصل إلى
¬
(¬1) ينظر: التقرير والتحبير 1: 67 - 68، وتيسير الأصول ص20 - 21.
(¬2) ينظر: تسهيل الوصول ص20، وتيسير الأصول ص21، والوجيز للكراماستي ص3، والمرآة ص28، وفتح الغفار 1: 9، وغيرها.
(¬3) ينظر: فتح الغفار 1: 9.