الجزء 1 · صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا من غير لا حول ولا قوّة لنا، والشكر الجزيل بما أنعم به علينا بأن جعلنا من أهل السنة طريقاً ومشرباً وعقيدة، والصلاة والسلام على رسول الله، خير البرية، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن ما آل إليه حال المسلمين من التقهقر إلى الورى بين الأمم، والضعف والهزالة إلى أن جعل العالم يتكالب عليهم، كما تتكالب الأكلة على قصعتها، والتشرذم والتفتت بما يصير الحليم حيرانا.ً
وإن كلَّ مَن لديه أدنى غيرة على دينه وعرضه ونفسه وحضارته يتقطع قلبه ألماً على هذا الواقع المرير الذي انحدر إليه المسلمون، ويعتقد في قرارته أنه لا سبيل لنا للنهوض بهذه الأمة من كبوتها إلا بالرجوع إلى دين الله - جل جلاله -، والتمسك بهدي نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا أمرٌ في غاية الصدق والصحة، وكلّنا نردده في ليلنا ونهارنا، ولكن خفي على كثير من أهل زماننا أن آيات القرآن الكريم محدودة، وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - معدودة، والوقائع البشرية غير متناهية، فلا يمكن للآيات والأحاديث إيفاء جميع حاجاتنا إلا بالفهم والاستنباط والاجتهاد، فالسؤال الذي يطرح نفسه على أي فهم واجتهاد نسير؟ أيجوز لكلّ واحد منّا أن يفهم القرآن والسنة كما يشاء؟
ولو كان هذا الكلام صحيحاً لما احتاج الله - جل جلاله - إلى بعثِّ الأنبياء، وإنّما اكتفى بإرسال كتبه في موضع، ثم أمر الناس بالأخذ منها وفهمها كما يريدون، وهذا لم يحصل، فدلّ أن هناك جانب نظري يتمثّل فيما أنزل إلينا بالوحي، وجانب عملي يتمثّل في تطبيق ما أنزل برقابة وإشراف نبويّ مؤيّد من الله - جل جلاله -، حتى لا يختلطَ الفهم، ويحمل على غير المقصود.
الجزء 1 · صفحة 2
فالشرعُ الصحيحُ يتجسَّد في هاذين الجانبين، بحيث يعمل بالآيات والأحاديث مع فهمها الفهم الصحيح المنضبط المتزن بالميزان النبوي الكريم، وما خالفه مما لا يندرج ضمن القواعد والضوابط المحرّرة في ذلك فلا يعبأ به، ولا يلتفت إليه.
ولا يكون هذا التصوّر الصحيح للدين إلا بما كان عليه الفهم السليم للصحابة - رضي الله عنهم -، فهم الذين عايشوا التنزيل، وعاينوا الترتيل، وبهم كان التنجيم للقرآن العظيم.
وقد علمهم وربَّاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مقتضى شرعه الكريم، ودرَّبهم على استخراج الأحكام فيما لم يكن به وحي على وفق ما أراده ربّ العالمين، ولم يتركهم حتى أكمل فيه أمره، واستتبَّ بهم دينه، كما في قوله - جل جلاله -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً}(1)، فهؤلاء هم أحقّ مَن يُقتدى بهم في فهم الأحكام واستنباطها، كما علل علاء الدين البُخاري - رضي الله عنه -(2): ((لكونهم أعلم وأفضل من غيرهم لمشاهدتهم التنزيل، وسماعهم التأويل، ووقوفهم على أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومراده من كلامه على ما لم يقف عليه غيرهم)).
ولم يندثر عصر الصحابة - رضي الله عنهم - حتى أورثوا الدين بفهمه المستقيم على سَنَن النبيين لمَن بعدهم من التابعين، فانحازّ كلّ منهم في مصر يُعلِّمُ الناسَ ما تَعلَّمَه من نبيّ الخلق، ويُربيهم بما تربَّى عليه، فتخرَّج ما لايعدّ ولا يحصى من العلماء الأفذاذ من تحت أيديهم من التابعين الذين حملوا لواء الدين، رغم الفتن والمحن، وظهور الفرق المنحرفة والتيارات المنجرفة.
(1) المائدة: الآية3.
(2) في ((كشف الأسرار))(3: 211).
الجزء 1 · صفحة 3
وبقي هذا الفهم القويم الذي تلقته الأمة كابراً عن كابر حافظاً لها من الانحراف والانجراف بكفالة ربّها - عز وجل - بحفظ شرعه ودينه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(1)، وشهادة نبيها - صلى الله عليه وسلم - كما في الأحاديث العديدة.
فاستقامة أهل السنة على منهاج النبوة والصحابة - رضي الله عنهم - هو الذي حفظ لهذه الأمة دينها على مدى القرون وتوالي السنين، فبقي السواد الأعظم من أهل الإسلام على الطريق الصحيح والفهم المستقيم لهذا الدين، ولم يؤثّر فيها زيغُ الزائغين من المنحرفين ممَّن تنكّبوا طريقَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابه وأتباعه في الفهم الصحيح، فضلوا وأضلوا، وأكثرهم اندثروا، وصاروا تاريخاً يقرأ، وبه يعتبر ويتعظ من حال أهل الضلال.
فحاصل الكلام أن الإسلامَ الصحيحَ الصافي يتمثّل بأهل السنة والجماعة كما يشهد العقل والنقل من خلال الالتزام التامّ بكلّ ما جاء عن الشرع الكريم، وحفظه للدين في القرون الماضية والدول المتعاقبة؛ إذ علماؤهم نقلة الدين وحفظته، وعوامّهم هم عامّة المسلمين في الأقطار والأمصار.
وبتمسّكهم بمنهاجهم القويم استطعوا ردّ كيد الكائدين، وغلو المغالين، من أهل الفتن والضلال، وحفظوا الإسلام من كلّ إخلال، وأبقوه سدّاً منيعاً في وجه كلّ متعال.
(1) الحجر:9.
الجزء 1 · صفحة 4
فإن أردنا للإسلام عودة مجدّه وعزّته، فلا سبيلَ لنا إلا بالرجوع للقرآن والسنة، ولكن مع الفهم الصحيح لها المتمثّل بفهم الصحابة والتابعين وأئمة الدين، المسمّى بمنهاج أهل السنة والجماعة؛ لأنه الصورة الحقيقية للدين الوسط السمح المعتدل، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما بعثت بالحنيفية السمحة))(1)، وقال - جل جلاله -:{وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً}(2): أي مائلاً إلى الدين المستقيم(3).
وإن هذا الانحراف السلوكي والعقدي والفكري والفقهي الذي نعيشه حكومات وشعوباً، وجامعات ومدارس، وجماعات وأفراد، بسبب إغفالنا لمنهج أمتنا المستقيم في فهم هذا الدين، واستبداله بأفهام ومناهج أجنبية.
فهذه الفوضى العجيبة والاضطراب العظيم راجع إلى عدم فهم الدين الفهم القويم، فكلٌّ يقول ما يشاء، ويفعلُ ما يريد، وينسبُه إلى دين الله - جل جلاله - بلا مراء، حتى عادَ الدين ملعبة عند كثيرين، وصارَ كلٌّ يتكلَّمُ بلسان الشرع العظيم مهما كان حالُه أو تخصُّصُه أو معرفتُه بالأحكام ودراسته لها، واضطلاعه عليها.
(1) في ((مسند الروياني))(3: 461)، و((مسند أحمد))(5: 266)، و((المعجم الكبير))(8: 222)، وغيرها.
(2) يونس: 105.
(3) ينظر: ((المصباح المنير))(ص154).
الجزء 1 · صفحة 5
ومعلومٌ عند كلِّ العقلاء والفضلاء أن هذا الدين له علومه العديدة المتشعبة عنه بقواعدها وضوابطها وكتبها وعلمائها كباقي العلوم، فلا يصحّ لأحد أن يتجرّأ على الكلام في جانب منها إلا بعد دراستها ومعرفتها وضبطها وتحقيقها، وإلا فهو متقوّل على الله - جل جلاله - وعلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - كذباً وزوراً وبُهتاناً، وقد تواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: ((مَن كذبَ عليَّ متعمّداً فليتبوأ مقعده في من النار))(1)، فأي عقوبة أشدّ من هذه، وأي مقت أعظم من هذا، والناس عنه غافلون، وفي الدينا لاهون.
ومن هذه المعاناة التي يعيشها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ما ظهر من تيارات مغالية في الدين ومكفرة للمسلين، فعاثوا في البلاد فساداً، وللدين كساداً، وأباحوا دماء المسلمين وأعراضهم لأدنى مخالفة لهم في قول أو رأي أو منهج، وتأثر بهم كثير من الشباب الملتزم المتدين، وظنّوا أنهم هم الإسلام لا غير، بسبب الضعف الثقافي الشرعي لدى المسلمين، حتى صاروا يتأثّرون بكلّ مَن رفعَ راية وقال شعاراً لموافقته هوى في أنفسهم، واغتروا بظاهر لباس وهيئة، وخطاب ونبرة، ولم يعرفوا حقيقة الحال، والعاقبة في المآل لمثل هذه الأقوال والأفعال.
وما يجري في العراق من الأحداث المدمية التي لا تصدق لولا روايتها بالتواتر، وأشباه ذلك في كثير من البلاد مما يسمع في الإذاعات، لهو من أعظم الدلائل على مدى الانحراف الذي تسلل للمسلمين في منهاجهم وحياتهم.
(1) في ((صحيح البخاري))(1: 52)، و((صحيح مسلم))(1: 10)، وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 6
والأدهى من ذلك أن كثيراً من هذه الجماعات تدَّعي أنها هي أهل السنة لا غير، وتصدر النشرات والكتيبات في ذلك، وتهاجم غيرها وتكفّرها وتضلّلها، حتى اختلطَ مفهوم أهل السنة على العوام وبعض المتخصّصين، والتبس عليهم حالهم ومنهاجهم، ممّا دفعني إلى جمع هذا الكتاب، وعرض ما تيسَّر لي من المسائل التي اضطرب فيها الفهم، وحملت على غير مرادها ومقصدها.
فما يفعله هؤلاء من التكفير والقتل والمعاداة للمسلمين والمسؤلين، والتكبّر والتعالي على غيرهم، والتجرؤ على الإفتاء بلا علم ولا بصيرة، وتكفير الحكام، والتشهير بالمسلمين، وغيرها من الأعمال المشينية فإنها لا تمثّل منهاج أهل السنة البتة.
بل إن قوامَ منهاج أهل السنة يدور على التربية والتعليم المنضبط بالقواعد المؤسّسة على طريق النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين وأئمة الدين - رضي الله عنهم -، ضمن مدارس فقهية وعقدية وسلوكية معروفة مشهورة بكتبها وعلمائها، تسعى إلى تهذيب النفوس والوصول بها إلى أعلى مستويات الكمال البشري في العمل والفكر والسلوك القرآني النبوي، دون الاهتمام بالتهجم والطعن والتكفير والتبديع والقتل والسفك.
فهو فكرٌ تحتاجه الشعوبات والحكومات للخروج من هذه الورطات التي يعايشها الناس بالابتعاد عن هذا المنهاج، وسيطرة غيره من الأفكار والسلوكيات؛ إذ هو السبيلُ في خلاص المسلمين من هذا الفهم المعوَّج للدين، وانتشار التكفير، وخروج الجماعات المنحرفة، وترك تكفير المسؤولين؛ لأنه فكرّ غير معادٍ لأولي الأمر ولا ثوري، ويهتم في التغير من خلال التربية القويمة، والتعليم المنضبط الواضح على سَنَن السلف والخلف من أعيان هذه الأمة وأكابرها؛ لذلك كان رسم هذا الكتاب موافقاً لاسمه، وهو:
سبيل السُّنيين في النهوض بالمسلمين
الجزء 1 · صفحة 7
وممّا يثلج الصدر أن هذه الصحوة الحقيقية لمعرفة أهل السنة بدأت تظهر بصورة ملحوظة بين بعض الشباب المثقفين، بعد أن عاينوا ورأوا كثيراً من المشارب لفهم هذه الدين، وما اعتراها من التحريف والتبديل، وما آل الأمر بها وبأصحابها، فكثرت المطبوعات لكتب أهل السنة في مختلف فنوننهم وعلومه، وأقبل عليها كثير الخاصّة وبعض العامة لما وجدوا بها من النفع العميم.
وإن هذا الكتاب لهو لبنةٌ أيضاً في تأييد حقيّة هذا الطريق، وضرورة العودة إليه، يضاف إلى كثير من الكتب التي بدأت تظهر لتيقظ العامّة والمسؤولين من غفلتهم، وتنبههم على الخير العظيم في هذه الدين من خلال هذا المنهاج المستقيم لأهل السنة والجماعة، وأنه أولى السبل للنهوض بالمسلمين من كبوتهم، وإخراجهم من ورطتهم.
وذلك من خلال العلم والعمل بمنهاجهم، فلا يكون العمل صحيحاً إن لم يكن مبنياً على علم صحيح، فالمعاناة الحقيقية للسنة هي بضياع هويتهم واختلاط صورتهم بسبب التحريف والتبديل لكثير من مفاهيمهم من قبل البعض لأهداف ومآرب مكشوفة معروفة، فالطريق الأفضل قبل الدعوة للعمل بسبيلهم هو رفع الالتباس وكشفه، وعرض الصورة النضرة لهم ولمفاهيمهم حتى يكون المسلم فيها على بصيرة.
ففي هذا السفر عرض لأهم مفاهيم أهل السنة التي حرِّفت عن معناها الحقيقي ببيان مَن هم أهل السنة من حيث الفقه والاعتقاد والسلوك، وذكر الأسباب التي دعت إلى تقليد المذاهب الأربعة عند السنة دون سواها، وأهمية ذلك، وتفصيل لقاعدة تمذهب ولا تتعصّب بعرض المعنى السني الحقيقي للتمذهب، ودفع ما يعترض به من التعصب بعرض الدلائل والنقول المبيّنة له، والوصول إلى نكتة لطيفة من أن المتعصبة في زماننا هم مَن يلمزون أصحاب المذاهب بالتعصّب.
الجزء 1 · صفحة 8
وعرض لأهم مسألتين ادعي على أرباب المذاهب أنهم تعصبوا فيهما، وهما: عدم الزواج من بعضهم البعض، وتعدد الجماعات في الحرم وغيره، وعرض الأدلة والبراهين على عدم صحّة الأولى، وتوضيح أن الثانية كانت محدودة محصورة في مساجد معدودة، وهي مبنية على الورع والتقوى، والقواعد والضوابط العلمية المحرّرة في كلّ مذهب، فهو خلاف علمي فقهي لا غير، وأن هذه المسألة حصل فيها خلاف طويل الذيل، وألفت فيها العديد من الكتب.
وتوضيح لمعنى المقولة المشهور: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي، وآلية العمل بها عند أفذاذ العلماء كالنووي والسبكي وأبي شامة وابن عابدين وغيرهم، وتوجيه للنهي الوارد من أئمة أصحاب المذاهب عن تقليدهم.
ووقوف مع معنى صحّة أحاديث الصحيحين والعمل بهما، ورفع الاشكالات التي يعترض بها على الصحية لعدم الفائدة العملية بها عند السنة بعد أن قُعِّدت القواعد وفرِّعت عليها المسائل، ودفع التشويش الكثير على عدالة الصحابة - رضي الله عنهم - ببيان معنى العدالة، والمقصود منها، وعرض أقوال العلماء السنيين في تعديلهم مع الآيات والأحاديث الدالة على ذلك.
وحلَّ أعقد المشكلات التي نعاني منها بالجرأة على الفتوى والتهجم على المسلمين بالتكفير، وعرض السبل العملية للخروج من هذه الورطة الظلماء التي عمّ بها البلاء، وبيان مَن هو العالم الفقيه الذي ينبغي أن يتوجه إلى في الدرس والفتوى، وما هي الضوابط التي يمكن أن نتحاكم إليها لمعرفته، في خضم هذا الغلط العظيم الذي اختلط بها الحابل بالنابل.
ومناقشة الجماعات الإسلامية في سبيهلها وطريقها ومدى خروجها عن منهاج أهل السنة في القول والعمل، ووضع اليد على الداء الذي أصابها وفرَّقها وجعلها شيعاً، يكفر بعضهم بعضاً وينبزه ويلزمه، ودعوة القائمين على هذه الجماعات بالتمسك بما عليه أهل السنة للخروج مما همّ فيه؛ لأنه من أهل السنة، فلا بُدّ أن يوافق الاسمُ العملَ، والظاهرُ والجوهرَ.
الجزء 1 · صفحة 9
وفي خاتمةِ الكتاب عرض لطريقة عملية تطبيقية لإحياء منهج أهل السنة من خلال مراكز ومعاهد متخصصة في ذلك، تهتمّ بطبع كتبهم وجمع مخطوطاتهم، وتدريس مناهجهم، وفتح مواقع على الانترنت لنشر ثقافتهم، والاستفادة من كلّ وسيلة وتقنية عصرية في بثِّ علمهم ومعارفهم.
ونسأل المولى - عز وجل - أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وإحياءً لسنّة نبيه المصطفى الأمين، وأن ينفع به العباد، ويعمَّ غيره في البلاد، وأن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلم أجمعين.
المفهوم الأول:
مَن هم أهل السنة والجماعة
شاع في الآونة الأخيرة مصطلح ((سني)) بمقابلة مصطلح ((شيعي)) بسبب الفتنة العظيمة التي نشبت بينهم في العراق، وقتل فيها مئات الآلاف من المسلمين، نسأل أن يلطف بهم، ويرفع البلاء والنقم عنهم.
ولفظ ((سني)) مأخوذ من ((أهل السنة والجماعة))، وهذه التسمية وإن لم ترد في القرآن ولا في السنة إلا في حديث موضوع: وهو حديث افتراق الأمة وفيه: ((الناجي منهم واحدة. قالوا: ومَن هم؟ قال: أهل السنة والجماعة. فقيل : ومن أهل السنة والجماعة؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)). فقد ذكر السبكي(1) حديث: ((ومَن الفرقة الناجية قال: أهل السنة والجماعة)) ضمن الأحاديث التي لم يجد لها إسناداً.
وذكر الحافظ العراقي(2): إن الذي أخرجه التِّرمِذِيّ من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه: ((تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملّة كلّهم في النار إلا ملّة واحدة، فقالوا: مَن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي))، ولأبي داود من حديث معاوية - رضي الله عنه -، وابن ماجة من حديث أنس وعوف بن مالك - رضي الله عنهم -، وهي الجماعة، وأسانيدها جياد)).
(1) في ((طبقات الشافعية الكبرى))(6: 345).
(2) في ((تخريج أحاديث الإحياء))(7: 296).
الجزء 1 · صفحة 10
ومن الروايات المذكور فيها لفظ: ((الجماعة))، فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمّتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلّها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة))(1).
فمصطلح ((أهل السنة والجماعة)) وإن كان غير وارد بهذا اللفظ؛ لكن معناه وارد، ويستأنس له بالروايات السابقة، من ذكر ((الجماعة))، و((ما أنا عليه وأصحابي))؛ إذ معنى ((أهل السنة والجماعة)) هم الذين طريقتهم طريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - دون أهل البدع. كذا قال صدر الشريعة(2) (3).
وأوضح هذا العلامة البركوي(4)، فقال: ((أهل السنة: أي أصحاب سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي التمسك بها. والجماعة: أي جماعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهم الأصحاب والتابعون - رضي الله عنهم -، وهم الفرقة الناجية المشار إليها في قوله - صلى الله عليه وسلم -:...((ما أنا عليه وأصحابي)).)).
(1) في ((سنن ابن ماجة))(2: 1322)، واللفظ له، و((سنن أبي داود))(2: 608).
(2) وبيَّن صدر الشريعة أن المراد بالأمة المطلقة أهل السنة والجماعة، وعلّق عليه التفتازاني في ((التلويح))(3: 39): ((أن صاحب البدعة الذي يدعو الناس إليها ليس من الأمة على الإطلاق؛ لأنه وإن كان من أهل القبلة فهو من أمة الدعوة دون المتابعة كالكفار، ومطلق الاسم لأمة المتابعة المشهود لها بالعصمة)). وهذا التفريق بين أمة الدعوة والمتابعة وأمة الدعوة فقط سمّاه القاري في ((المرقاة))(18: 137): ((الطائفة الجامعة بين الإجابة والمتابعة المعبر عنهم بالفرقة الناجية)).
(3) في ((التوضيح))(3: 38).
(4) في ((بريقة محمدية))(1: 388).
الجزء 1 · صفحة 11
وفصَّله أيضاً العلامة المَيداني(1)، فقال: ((أهل السنة: السيرة والطريقة المحمدية. وأهل الجماعة: من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، من المتبعين للنبي - صلى الله عليه وسلم -، قال النجم الغزي: والمراد بطريقة أهل السنة والجماعة ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام، وهو ما دلّ عليه السواد الأعظم من المسلمين في كلّ زمان، وهم الجماعة والطائفة الظاهرون على الحقّ، والفرقة الناجية من ثلاث وسبعين...)).
فحاصل ما سبق أن أهلَ السُنة والجماعة تطلق على السواد الأعظم للمسلمين المتمسكين بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأتباعهم - رضي الله عنهم -، وهذا هو معنى حديث: ((ما أنا عليه وأصحابي)).
ومن المعلوم أن الإنسان له عقل وجوارح وقلب، فالعقل يكون تفكيره صحيحاً إن كان اعتقاده سليماً، والجوارح تعمل بصورة صحيحة إن عرفت الأحكام الشرعية المتعلّقة بها، والقلب يكون سوياً إن تعرف على السلوك القويم ووجد التربية الأخلاقية المناسبة، وهذه الحاجيات الثلاث التي يحتاجها كلّ إنسان جاءت بها الشريعة الإسلامية، واشتملت تعاليمها العقائد والأعمال والسلوك، وكلّ هذا ظاهر في سُنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ومَن تبعهم - رضي الله عنهم -.
وأحقّ المسلمين بحديث: ((ما أنا عليه وأصحابي))، مَن كان تمسّكه بجميع هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الجوانب الثلاثة، لا في جانب دون جانب، فبقدر ما يكون التزامه بالأحكام الفقهية، واعتقاده بالمسائل العقدية، وتخلقه بالسلوك المستقيم، فإنه يكون على الخير النبوي؛ لأن هذه المحاورة الثلاثة تمثّل الإسلام، وانعكاسها على الفرد يعطي صورة المسلم المتمسِّك بمنهج أهل السُنة والجماعة.
(1) في ((شرح العقيدة الطحاوية))(ص44).
الجزء 1 · صفحة 12
وتفصيل هذه الجوانب الثلاثة عند أهل السنة والجماعة أن كلَّ واحد منها اختصّ بها أئمة وعلماء أفنوا أعمارهم في تحقيق وتنقيح مسائله وفروعه على ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأتباعهم، فاختصّ بكل جانب مذاهب تسمَّت بأشهر مَن قعَّد وأسَّسَ وبَرهن ودلَّلَ على الطريقة المحمَّدية في ذاك الجانب؛ للتمييز بين هذه المذاهب السُّنية، وإلا فالكلّ سائرٌ ومغترفٌ ومعتمدٌ على المشكاة النبوية فيما ذهب إليه؛ إلا أنه وضع قواعد كلية في تحرير ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأتباعهم - رضي الله عنهم - من الهدي؛ إذ النصوص الواردة متعارضة في الظاهر، فلا بُد من التحقيق والتنقيح ضمن ضوابط وقواعد يضعها أهل الاجتهاد.
فمثلاً نجدَ أن المذهبَ الحنفي سُمِّي باسم مؤسِّسه الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وهذا لا يعني أنه أتى به من تلقاء نفسه، وإنما هو مذهب الصحابة والتابعين لا سيما مَن توطن منهم في الكوفة وعلى رأسهم ابن مسعود وعلي - رضي الله عنهم -، ومَن تلقى علومهم من التابعين كعلقمة وإبراهيم النخعي وحماد بن سليمان - رضي الله عنهم - لكن أبا حنيفة - رضي الله عنه - أصّلَ وقعّدَ ما وَرَدَ عنهم، وفرَّع عليه غيره، فكان مُظهراً ومُبيِّناً ومُفرِّعاً ومُقعِّداً لمذهبهم الفقهي المنقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونسبة المذهب إليه نسبة إشهار وإظهار وبرهان لا نسبة ابتداع، وتفصيل ذلك فيما كتبته في ((إمام الأئمة الفقهاء أبو حنيفة النعمان)).
الجزء 1 · صفحة 13
ومثلاً نجد أن المذهب الأشعري سُمّي باسم مؤسِّسه أبي الحَسَن الأشعري - رضي الله عنه - (ت324هـ)، ونجد أن المذهب الماتريدي سُمِّي باسم مؤسِّسه أبي منصور الماتريدي - رضي الله عنه - (ت333هـ)، وهما في الحقيقة ناصران ومظهران ومدلالان ومبرهنان على مذهب أهل السُّنة في مقابل المعتزلة وأمثالهم، فالأشعريُّ نصرَ مذهب أهل السُّنة في بلاد المشرق الإسلامي، والماتريدي نصره في بلاد ما وراء النهر.
ومن الدلائل الظاهرة على أنهما لم يبتدعا مذهباً جديداً، وإنما أيّدا وقعّدا مذهب أهل السنة أنهما كانا متعاصرين ولم يلتقيا، ومع ذلك اتفقا في مذهبيهما إلا في مسائل فرعيّة يقتضيها الاجتهاد ممّن بلغ رتبته، ومع ذلك أُرجع الخلافُ فيها بينهما إلى أنه خلاف لفظي لا حقيقي، فلو كانا مبتدعين ـ وحاشاهما ـ لأتى كلّ منهما بمذهب يختلف في أصوله وفروعه عن الآخر، واتفقا أيضاً مع ما قاله معاصرهما أبو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة، فعُلِمَ أنهم جميعاً لمذهب أهل السنة ناصرون، وعلى طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - سائرون.
قال الإمام الزبيدي(1): ((وليعلم أن كلاً من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور رضي الله عنهما وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً، ولم يشتقا مذهباً إنّما هما مقرّران لمذهب السلف، مناضلان عمّا كانت عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأحدهما قام بنصرة نصوص مذهب الشافعي - رضي الله عنه - وما دلَّت عليه، والثاني قام بنصرة نصوص مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - وما دلَّت عليه وناظر كلّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين.
(1) في ((إتحاف السادة المتقين))(2: 7).
الجزء 1 · صفحة 14
وهذا في الحقيقية هو أصل الجهاد الحقيقي... فالانتساب إليهما إنما هو باعتبار أن كلاً منهما عقد على طريق السلف نطاقاً وتمسّك وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدى به في تلك المسالك والدلائل يسمّى أشعرياً وماتريدياً.
وذكر العز بن عبد السلام - رضي الله عنه - أن عقيدة الأشعري أجمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو ابن الحاجب، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصري، وأقرّه على ذلك التقي السبكي فيما نقله عنه ولده التاج.
وفي كلام عبد الله الميورفي ما نصّه: أهل السنة من المالكية والشافعية وأكثر الحنفية بلسان أبي الحسن الأشعري يناضلون وبحجّته يحتجون، ثمّ قال: ولم يكن أبو الحسن أوّل متكلِّم بلسان أهل السُّنة، إنّما جرى على سَنَن غيره أو على نصرة مذهب معروف، فزاد المذهب حجّة وبياناً ولم يبتدع مقالة اخترعها، ولا مذهباً انفرد به.
ألا ترى أن مذهب أهل المدينة نُسِبَ إلى مالك ومَن كان على مذهب أهل المدينة يقال له: مالكي، ومالك إنما جرى على سَنَن مَن كان قبله، وكان كثير الاتباع لهم إلا أنه لما زاد المذهب بياناً وبسطاً عُزي إليه، كذلك أبو الحسن الأشعري لا فرق، ليس له في مذهب السلف أكثر من بسطه وشرحه وتواليفه في نصرته، ثم عدد خلقاً من أئمة المالكية كانوا يناضلون عن مذهب الأشعري ويُبدِّعون مَن خالفه)).
الجزء 1 · صفحة 15
وقال الحافظ أبو بكر البَيْهقي: ((أبو الحسن الأشعري - رضي الله عنه - لم يحدث في دين الله حدثاً، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصرها بزيادة شرح وتبيين، وأن ما قالوا في الأصول وجاء به الشرع صحيح في العقول خلاف ما زعم أهل الأهواء من أن بعضَه لا يستقيم في الآراء فكان في بيانه تقوية ما لم يدلّ عليه من أهل السنة والجماعة، ونصرة أقاويل مَن مضى من الأئمة كأبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، ومالك والشافعي من أهل الحرمين، ومَن نجا نحوهما من الحجاز وغيرها من سائر البلاد، وكأحمد ابن حنبل وغيره من أهل الحديث، والليث بن سعد وغيره وأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البُخاري وأبي الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري إمامي أهل الآثار وحفاظ السنن التي عليها مدار الشرع رضي الله عنهم أجمعين))(1).
وقال الحافظ ابن عساكر - رضي الله عنه -(2): ((ولسنا نُسَلِّمُ أن أبا الحسن اخترعَ مذهباً خامساً، وإنّما أقامَ من مذاهب أهل السُنة ما صار عند المبتدعة دارساً وأوضح من أقوال مَن تقدَّمه من الأربعة وغيرهم ما غدا ملتبساً، وجدَّد من معالم الشريعة ما أصبح بتكذيب مَن اعتدى منطمساً.
ولسنا ننتسب بمذهبنا في التوحيد إليه على معنى أنا نقلّده فيه، ونعتمد عليه، ولكنّا نوافقه على ما صار إليه من التوحيد لقيام الأدلة على صحّته لا لمجرد التقليد، وإنما ينتسب منّا مَن انتسب إلى مذهبه ليتميز عن المبتدعة الذين لا يقولون به من أصناف المعتزلة والجهمية المعطلة والمجسمة والكرامية والمشبهة السالمية وغيرهم من سائر طوائف المبتدعة، وأصحاب المقالات الفاسدة المخترعة؛ لأن الأشعري هو الذي انتدب للردّ عليهم حتى قمعهم وأظهرَ لمَن لم يعرف البدع بدعهم.
(1) ينظر: ((تبيين كذب المفتري))(ص103).
(2) في ((تبيين كذب المفتري))(ص360-398).
الجزء 1 · صفحة 16
ولسنا نرى الأئمة الأربعة الذين عنيتم في أصول الدين مختلفين، بل نراهم في القول بتوحيد الله وتنزيهه في ذاته مؤتلفين، وعلى نفي التشبيه عن القديم سبحانه وتعالى مجتمعين، والأشعري رحمه الله في الأصول على منهاجهم أجمعين، فما على مَن انتسب إليه على هذا الوجه جناح، ولا يرجى لمَن تبرأ من عقيدته الصحيحة فلاح، فإن عددتهم القول بالتنزيه وترك التشبيه تمشعراً، فالموحدون بأسرهم أشعرية، ولا يضرّ عصابة انتمت إلى موحد مجرد التشنيع عليها بما هي منه بَرِيّة...
والأشاعرة هم المتمسكون بالكتاب والسنة، التاركون للأسباب الجالبة للفتنة، الصابرون على دينهم عند الاختبار والمحنة، الظاهرون على عدوهم مع إطراح الانتصار والأحنة، لا يتركون التمسك بالقرآن والحجج الأثرية، ولا يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهين العقول، ويتجنبون إفراط المعتزلة، ويتنكبون طرق المعطلة، ويطرحون تفريط المجسمة المشبهة، ويفضحون بالبراهين عقائد الفرق المموهة، وينكرون مذاهب الجهمية، وينفرون عن الكرامية والسالمية، ويبطلون مقالات القدرية، ويرذلون شبه الجبرية، ويتبرؤن من الروافض والخوارج... فمذهبهم أوسط المذاهب ومشربهم أعذب المشارب، ومنصبهم أكرم المناصب، ورتبتهم أعظم المراتب، فلا يؤثر فيهم قدح قادح، ولا يظهر فيهم جرح جارح)).
الجزء 1 · صفحة 17
وفي كتاب ((أهل السنة الأشاعرة))(1): ((لفظ الأشاعرة يطلق على من سلك مسلك الإمام أبي الحسن الأشعري في الاعتقاد، لا تقليداً، بل اهتداء، فمثل الإمام أبي الحسن كمَن عقد على طريق السلف لواء ليهتدي به مَن يراه، فالانتساب إليه بمنزلة الانتساب إلى الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رضي الله عنهم - في الفروع الفقهية، إذ مع كونهم مختلفين في طرق الاستنباط واستخراج الأحكام، إلا أهم متفقون على المصادر التي يصدرون عنها، والموارد التي يردونها، وكذلك الإمام أبو الحسن الأشعري في أبواب أصول الدين، إنما هو آخذ من القرآن الكريم والسنة الشريفة، وسائر على طريق السلف، والانتساب إليه إنما هو من حيث كونه أضاء تلك الطريق، ونصب عليها نطاقاً وشهرها في الأمة بعد أن حالو طمسها أصحاب البدع والأهواء)).
وقال الدكتور البوطي(2): ((إن الإمام أبا الحسن علياً بن إسماعيل الأشعري (260ـ330هـ) واحد من عيون رجال السلف، ومن أبرزهم علماً واستقامة على نهج كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
فمن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيّ لكلّ ذي عينين.
وإن الإمام الأشعري لم يبتدع رأياً، ولم ينشئ مذهباً، وإنما كان مقرراً لمذهب السلف، مناضلاً عن الحق الذي ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه أصحابه، شهد له بذلك كلّ أئمة التفسير والحديث والفقه الذين كانوا في عصره)).
(1) ص34).
(2) في تقديمه لكتاب ((أهل السنة الأشاعرة))(ص12).
الجزء 1 · صفحة 18
وقال الشيخ نوح القضاة(1): ((إن أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية اعتمدوا في عقيدتهم على الكتاب والسنة، وفهموا ما فيهما بما تقتضيه قواعد العقل السليم...وقد أوضح منهجهم واشتهر بالدفاع عن وجهة نظرهم أبو الحسن الأشعري، وأبو منصور الماتريدي، فقد اعتمدا نصوص الكتاب والسنة وفَهْمَ السلف لهما، ثم دافعا عن ذلك بحجج عقلية ورفضا كلّ ما يخالف الكتاب والسنة. ثم جاء بعدهما علماء كبار في التفسير والحديث والفقه والمنطق فساروا على منهجهما وردّوا بقوّة ووضوح على تلاميذ الفلسفة اليونانية...)).
وهذا يظهر أن اشتغال أهل السنة بعلم الكلام لم يكن غاية ولكن وسيلة لدفع حجج أعدائهم كالمعتزلة بعد أن ظهروا في الإسلام، قال التقي السبكي: ((ولهذا كان الشافعي - رضي الله عنه - ينهى الناس عن الاشتغال بعلم الكلام ويأمر بالاشتغال في الفقه، وهو طريق السلامة ولو بقي الناس على ما كانوا عليه في زمن الصحابة - رضي الله عنهم - كان الأولى للعلماء تجنب النظر في علم الكلام جملة.
لكن حدثت بدع أوجبت للعلماء النظر فيه لمقاومة المبتدعين ودفع شبههم عن أن تزيغ بها قلوب المهتدين، والفرقة الأشعرية هم المتوسّطون في ذلك، وهم الغالبون من الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة وسائر الناس.
(1) في ((المختصر المفيد))(ص8).
الجزء 1 · صفحة 19
وأما المعتزلة فكانت لهم دولة في أوائل المئة الثالثة ساعدهم بعض الخلفاء، ثم انخذلوا وكفى الله تعالى شرّهم، وهاتان الطائفتان الأشعرية والمعتزلة هما المتقاومتان، وهما فحولة المتكلمين من أهل الإسلام، والأشعرية أعدلهما؛ لأنها بنت أصولها على الكتاب والسنة والعقل الصحيح...(1) ))(2).
إذا اتضح لك هذا أمكن القول إن هذه الجوانب الثلاثة: الفقهي، والعقدي، والسلوكي، التي تتكون منها شخصية الفرد اختصّت مذاهب أهل السنة ببيانها وتوضيحها على النحو الآتي:
أولاً: الجانب العقدي؛ إذ تولى شرحه وتفصيله مذهب الأشاعرة ومذهب الماتريدية، وعبارات العلماء لا تعدّ ولا تحصى في تأكيد هذه الحقيقة الساطعة عند أهل العلم، وهي من المعلوم عندهم من الدين بالضرورة، ولكن لَمّا عمَّ الجهل وانتشر، وادّعى بعضُهم أن الأشاعرة غير أهل السنة.
(1) وهناك فرقة ثالثة ذكرها السبكي وهي الحشوية فقال: ((فهي طائفة رذيلة جهال ينتسبونه إلى أحمد، وأحمد مبرأ منهم، وسبب نسبتهم إليه أنه قام في دفع المعتزلة، وثبت في المحنة - رضي الله عنه - ونقلت عنه كلمات ما فهمها هؤلاء الجهال، فاعتقدوا هذا الاعتقاد السيء وصار المتأخر منهم يتبع المتقدم إلا مَن عصمه الله تعالى، وما زالوا من حيث نبغوا مستذلين ليس لهم رأس ولا مَن يناظر، وإنما في كل وقت لهم ثورات، ويتعلقون ببعض أتباع الدول، ويكفي الله تعالى شرهم، وما تعلقوا بأحد إلا وكانت عاقبته إلى سوء، وأفسدوا اعتقاد جماعة شذوذ من الشافعية وغيرهم، ولا سيما من بعض المحدثين الذي نقصت عقولهم أو غلب من أضلهم فاعتقدوا أنهم يقولون بالحديث، ولقد كانت أفضل المحدثين بزمانه بدمشق ابن عساكر يمتنع من تحديثهم ولا يمكنهم يحضرون بمجلسه...)). كما في ((إتحاف السادة المتقين))(2: 11).
(2) الإتحاف))(2: 11).
الجزء 1 · صفحة 20
((فأصبح مذهب أهل السنة الأشاعرة تهمة وسُبّة يتبرَّؤ منها مَن نسبت إليه أو نسب إليها! رغم أن هذا المذهب ما فتئ رافعاً لواء أهل السنة والجماعة، منافحاً عن ثوابت الأمة وعقائدها، واقفاً في وجه طوفان البدع والزيغ وأهله، وهو في حقيقة الأمر امتداد لما كان عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أهل السنة، وهذا المذهب يدين به تسعة أعشار أمة الإسلام وسوادها))(1).
لذلك اضطررت إلى ذكر شيء من عبارات الأئمة في أن الأشاعرة والماتريدية هم الذين يمثِّلون أهل السنة من الناحية العقدية:
قال خاتمة المحققين ابن عابدين(2): ((أهل السنة والجماعة: وهم الأشاعرة والماتريدية، وهم متوافقون إلا في مسائل يسيرة أرجعها بعضُهم إلى الخلاف اللفظي كما بُيِّن في محلِّه)).
وقال العلامة البركوي(3): ((وهي أهل السنة والجماعة من الماتريدية والأشاعرة.
فإن قيل: كلّ فرقة تدعي أنها أهل السنة والجماعة.
قلنا: ذلك لا يكون بالدعوى، بل بتطبيق القول والفعل وذلك بالنسبة إلى زماننا إنما يمكن بمطابقة صحاح الأحاديث ككتب الشيخين وغيرهما من الكتب التي أجمع على وثاقتها كما في المناوي.
فإن قيل: فما حال الاختلاف بين الأشاعرة والماتريدية.
قلنا: لاتحاد أصولهما لم يعد مخالفة معتدة؛ إذ خلاف كلّ فرقة لا يوجب تضليل الأخرى ولا تفسيقها فعدتا مِلّة واحدة .
وأما الخلاف في الفرعيات وإن كان كثرة اختلاف صورة لكن مجتمعة في عدم مخالفة الكلّ كتاباً نصّاً، ولا سنة قائمة، ولا إجماعاً، ولا قياساً صحيحاً عنده، وأن الكلَّ صارف غاية جهده، وكمال وسعه في إصابة السنة، وإن أخطأ بعض لقوّة خفاء الدليل، ولهذا يعذر ويعفى، بل يؤجر)).
(1) من ((أهل السنة الأشاعرة))(ص30-31) بتصرف.
(2) في ((رد المحتار))(1: 52).
(3) في ((بريقة محمدية))(1: 200).
الجزء 1 · صفحة 21
قال الإمام الزبيدي - رضي الله عنه -(1): ((إذا أطلق السنة والجماعة، فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية.
قال الخيالي في ((حاشيته على شرح العقائد)): الأشاعرة: هم أهل السنة والجماعة، هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار، وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور...
وقال الكستلي في ((حاشيته عليه)) : المشهور من أهل السنة في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري أول مَن خالف أبا علي الجبائي ورجع عن مذهبه إلى السنة: أي طريق النبي - صلى الله عليه وسلم - والجماعة: أي طريق الصحابة - رضي الله عنهم -، وفي ديار ما وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي تلميذ أبي نصر العياضي تلميذ أبي بكر الجوزجاني صاحب أبي سليمان الجوزجاني صاحب محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة - رضي الله عنهم -... والمحققون من الفريقين لا ينسب أحدهما الآخر إلى البدعة والضلالة...)).
وقال العلامة العضد الإيجي: ((الفرقة الناجية: وهم الأشاعرة لعل مراده إما تغليب أو عموم مجاز أو ادعاء اتحادهم مع الماتريدية الذين تابعوا في الأصول كالحنفية إلى علم الهدى الشيخ أبي منصور الماتريدي، وجه كونهم فرقة ناجية التزامهم كمال متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - في معتقداتهم بلا تجاوز عن ظاهر نصّ بلا ضرورة ولا استرسال إلى عقل خلافاً لمخالفيهم. كما ذكره العلامة الدواني))(2).
وقال العارف ابن عجيبة - رضي الله عنه -: ((أما أهل السنة فهم الأشاعرة ومَن تبعهم في اعتقادهم الصحيح، كما هو مقرّر في كتب أهل السنة))(3).
(1) في ((إتحاف السادة المتقين))(2: 6).
(2) بريقة محمدية))(1: 388).
(3) ينظر: ((أهل السنة الأشاعرة))(ص83) عن ((البحر المديد))(ص607).
الجزء 1 · صفحة 22
وقال العلامة محمد عبده(1): ((جاء الشيخ أبو الحسن الأشعرى في أوائل القرن الرابع ... ونصره جماعة من أكابر العلماء كأبى بكر الباقلانى وإمام الحرمين والإسفراينى وغيرهم وسمّوا رأيه بمذهب أهل السنة والجماعة، فانهزم من بين أيدى هؤلاء الأفاضل قوتان عظيمتان قوة الواقفين عند الظواهر وقوة الغالين في الجرى خلف ما تزينه الخواطر، ولم يبق من أولئك وهؤلاء بعد نحو من قرنين إلا فئات قليلة في أطراف البلاد الإسلامية...)).
ولم تقتصر العبارات على حصر المذهب العقدي عند أهل السنة والجماعة بالأشاعرة والماتريدية فحسب، بل ذكروا أن إماما أهل السنة هما الأشعري والماتريدي، ومن ذلك:
ما ذكره الفقيه ابن حجر الهيتمي(2) من الكبائر: ((ترك السنة.... والمراد بالسنة ما عليه إماما أهل السنة والجماعة الشيخ أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي، والبدعة ما عليه فرقة من فرق المبتدعة المخالفة لاعتقاد هذين الإمامين وجميع أتباعهما...)). وقال أيضاً(3): ((الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة والجماعة)).
وقال خاتمة المحققين ابن عابدين(4): ((الإمام الأشعري إمام أهل السنة والجماعة)).
وذكر الإمام السبكي في ((طبقاته)) الشيخ أبا الحسن الأشعري إمام أهل السنة والجماعة(5).
وقال الفقيه أبو إسحاق الشيرازي: ((وأبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة، وعامة أصحاب الشافعي على مذهبه، ومذهبه مذهب أهل الحق))(6).
وقال العلامة الغزي(7): ((الأشعري... إمام أهل السنة والجماعة)).
(1) في ((رسالة التوحيد))(ص10).
(2) في ((الزواجر عن اقتراف الكبائر))(1: 254).
(3) في ((الزواجر))(2: 359).
(4) في ((رد المحتار))(4: 151).
(5) ينظر: ((الإنصاف في أسباب الخلاف))(ص46).
(6) ينظر: ((أهل السنة الأشاعرة))(ص86) عن ((طبقات الشافعية)) للشيرازي(3: 376).
(7) في ((ديوان الإسلام))(ص10).
الجزء 1 · صفحة 23
وقال الجلال السيوطي(1): ((إمام أهل السنة والجماعة الشيخ أبو الحسن الأشعري)).
وقال العلامة طاشكبرى زاده(2): ((اعلم أن رئيس أهل السنة والجماعة في علم الكلام رجلان: أحدهما: حنفي، والآخر: شافعي، أما الحنفي فهو أبو منصور محمد بن محمود الماتريدي، إمام الهدى... وأما الآخر الشافعي فهو شيخ السنة ورئيس الجماعة إمام المتكلمين وناصر سنة سيد المرسلين والذاب عن الدين، والساعي في حفظ عقائد المسلمين، أبو الحسن الأشعري البصري... حامي جناب الشرع الشريف من الحديث المفترى، الذي قام في نصرة ملّة الإسلام فنصرها نصراً مؤزراً)).
وقال الشيخ سعيد حوى: ((إن للمسلمين خلال العصور أئمتهم في الاعتقاد، وأئمتهم في الفقه، وأئمتهم في التصوف والسلوك إلى الله - عز وجل -، وفأئمتهم في الاعتقاد كأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي... وهؤلاء وأمثالهم كلٌّ في اختصاصه حيث ثبت النقل عنهم قدَّم أصفى فهم للكتاب والسنة، ومن ثم أجمعت الأمة على اعتماد أقوالهم وقبولها في خضم اتجاهات لا تعد ولا تحصى من الاتجاهات الباطلة الزائفة، منها الذي مات ومنها الذي لا زال حياً))(3).
ولعلي عبد الفتاح المغربي كتاباً سمَّاه: ((إمام أهل السنة والجماعة أبو منصور الماتريدي وآراؤه الكلامية)).
وطالما أنهما إماما هذا العلم فهما واضعاه، قال شيخنا الأستاذ الدكتور عبد الملك السعدي(4): ((واضعه الشيخ أبو الحسن الأشعري، والشيخ أبو منصور الماتريدي؛ لأنهما أشهر مَن دوّن في هذا العلم وأقام الأدلة والبراهين على المخالفين)). وفيما ذكر كفاية في تقرير هذه الحقيقة.
(1) في ((الحاوي))(3: 295).
(2) في ((مفتاح السعادة))(2: 133-134).
(3) ينظر: ((أهل السنة الأشاعرة))(ص98-99) عن ((جولات في الفقهين الكبير والأكبر))(ص22).
(4) في ((شرح النسفية))(ص6).
الجزء 1 · صفحة 24
ثانياً: الجانب الفقهي؛ ويُبيِّنُ أحكامَ أعمال الجوارح من يد ورجل ولسان وفرج وعين وغيرها، وقد أجمع أهل السنة على اقتصار بيان أحكامها في المذاهب الأربعة المشهورة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي؛ لما في فتح الباب على مصراعيه من التلاعب في الدين، وعموم الفوضى التي تعمّ في البلاد، وضياع المناهج القويمة المؤسَّسة للطلبة على أحد هذه المذاهب، فكلّ مَن أرادَ الظهور والبروز والتزلُّف لغيره ادعى اجتهاداً لم يسبق إليه، كما سيأتي.
وفعل الأمّة بعد الأئمة الأربعة في التزامهم مذاهبهم والسير على طريق في الفتوى والاجتهاد من أقوى الحجج على صحّة هذا الأمر، ولا تجد عالماً إلا أن يكون متبعاً لأحد هذه المذاهب؛ لا سيما أن الأمّة لا تجتمع على ضلالة كما هو مبيّن في محلّه، ومن عباراتهم الدالّة على هذا الإجماع:
قال إمام الحرمين: ((أجمع المحققون على أن العوامَّ ليس لهم أن يتعلَّقوا بمذاهب الصحابة - رضي الله عنهم -، بل عليهم أن يتَّبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا; لأن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يعتنوا بتهذيب المسائل والاجتهاد وإيضاح طرق النظر بخلاف مَن بعدهم))(1).
وقال العلامة القرافي - رضي الله عنه -: ((رأيت لابن الصلاح - رضي الله عنه - ما معناه: أن التقليد يتعيَّن لهذه الأئمة الأربعة دون غيرهم; لأن مذاهبَهم انتشرت وانبسطت حتى ظهرَ فيها تقييد مطلقها وتخصيص عامها وشروط فروعها، فإذا أطلقوا حكماً في موضع وجد مكملاً في موضع آخر، وأما غيرهم فتنقل عنه الفتاوى مجردة، فلعل لها مكملاً أو مقيداً أو مخصّصاً، لو انضبط كلام قائله لظهر، فيصير في تقليده على غير ثقة بخلاف هؤلاء الأربعة))(2).
(1) ينظر: ((مواهب الجليل))(1: 30)..
(2) ينظر: ((مواهب الجليل))(1: 30).
الجزء 1 · صفحة 25
وقال العلامة العلوي الشافعي(1): ((صرّح جمعٌ من أصحابنا بأنه لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة، وعلَّلوا ذلك بعدم الثقة بنسبتها إلى أربابها لعدم الأسانيد المانعة من التحريف والتبديل، بخلاف المذاهب الأربعة، فإن أئمتها بذلوا أنفسهم في تحرير الأقوال، وبيان ما ثبت عن قائله وما لم يثبت، فأمن أهلها من كل تغيير وتحريف، وعلموا الصحيح من الضعيف…)).
وقال الحافظ ابن رجب - رضي الله عنه -(2): ((قد نبَّهنا على علة المنع من ذلك ـ أي من تقليد غير الأئمة الأربعة ـ وهو أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم مَن يذبّ عنها وينبِّه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة)).
وقال الفقيه ابن حجر وغيره: ((إنه يشترط في تقليد الغير أن يكون مذهبه مدوّناً محفوظ الشُّروط والمعتبرات؛ فقول الإمام السُّبكيّ - رضي الله عنه -: إن مخالف الأربعة كمخالف الإجماع محمول على ما لم يحفظ، ولم تعرف شروطه، وسائر معتبراته من المذاهب التي انقطع حملتها، وفقدت كتبها: كمذهب الثوريّ والأوزاعيّ وابن أبي ليلى، وغيرهم))(3).
وقال العلامة عبد الغني النابلسي - رضي الله عنه -(4): ((وأما تقليد مذهب من مذاهبهم الآن غير المذاهب الأربعة فلا يجوز؛ لا لنقصان في مذاهبهم ورجحان المذاهب الأربعة عليهم؛ لأن فيهم الخلفاء المفضلين على جميع الأمة، بل لعدم تدوين مذاهبهم، وعدم معرفتنا الآن بشروطها وقيودها، وعدم وصول ذلك إلينا بطريق التواتر، حتى لو وصل إلينا شيء من ذلك كذلك جاز لنا تقليده لكنه لم يصل)).
(1) في ((الفوائد المكية))(ص50).
(2) في ((الرد على مَن اتبع غير المذاهب الأربعة))(ص34).
(3) ينظر: ((بلوغ السول))(ص18).
(4) في ((خلاصة التحقيق))(ص68-69).
الجزء 1 · صفحة 26
وما ذكرت من اتفاق أهل السنة على التزام هذه المذاهب الأربعة أمرٌ مشهورٌ معروفٌ عند الخاصّة والعامّة، لكن لما ظهر مَن يشكك الناس في المسلّمات احتاج الأمر إلى البيان والتوضيح، فإذا تقرر لديك ما مرَّ علمت أن هذه المذاهب الأربعة تمثّل الجانب العملي عند أهل السنة، ومَن يدعي أنه سُنيّ فعليه الأخذ بواحد منها.
أما دعوى بعضهم إذا سُئِلَ عن مذهبه الفقهي قال: أنا من أهل الحديث! فعجيبة غريبة، وهل المذاهب الأربعة مبنية على غير حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو المصدر الرئيسي في استقاء الأحكام فيها، فيكفي لردّ هذه الدعوى أنه لا يوجد كتاب فقهي واحد قديم لمذهب يسمّى أهل الحديث، وإنما كل كتب الفقه على المذاهب الأربعة، وكذا كل حفّاظ الأمة المحدثين الكبار كانوا أتباع هذه المذاهب كالبيقهي والدارقطني والطحاوي وابن حجر والذهبي والمزي وغيرهم، أفلا يسعك ما وسعهم.
وأما ما ورد في كتب الفقه من القول: وعند أهل الحديث كذا، فإنما هذا مصطلح كان يطلق على الشافعية، كما أن مصطلح أهل الرأي كان يطلق على الحنفية، كما بيَّن ذلك ابن حجر المكي(1)، والطوفي الحنبلي في ((شرح مختصر الروضة))(2).
ولمّا كانت هذه المذاهب الأربعة ممثلة لأهل السنة لم نحتج لنقل النصوص الدالّة على ذلك؛ إذ عبارات كتب هذه المذاهب مشحونة بمئات الكلمات الدالة على انتسابهم لمذهب أهل السنة والجماعة، قال بدر الدين العيني(3): ((مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل السنة والجماعة))، وقال الإمام القاري(4): ((ومذهب الحنفية من جملة أهل السنة والجماعة)).
(1) في ((الخيرات الحسان))(ص3).
(2) ينظر: ((مقدمة نصب الراية))(ص286-287)..
(3) في ((عمدة القاري))(2: 237).
(4) في ((مرقاة المفاتيح))(15: 321).
الجزء 1 · صفحة 27
ثالثاً: الجانبي التربوي؛ ويهتمّ بتزكية النفس وتهذيبها وتحليتها بالأخلاق الفضيلة، وتنقيتها من الأفعال الرذيلة، وتنمية الإخلاص لله - جل جلاله - فيها، وسُمَّي العلم المختص بها التصوّف، وقد ظهرت فيها طرق عديدة تستقي من مشكاة النبوة تحقيق هذا المقصد.
فالتصوف بذلك عبادة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيد العابدين، وابتداء حقيقة التصوف والزهد من بعثته - صلى الله عليه وسلم -، وقد تبعه أصحابه من بعده، واختصّ منهم جماعة سمّوا بأهل الصفة، بمزيد من الاهتمام والاعتناء بأمور المجاهدة النفسية، وخلفه الصحابة الكرام التابعون وتابعوهم، فأخذ بعضُهم عن بعض حتى برزَ جماعةٌ منهم: الجنيد البغدادي، وإبراهيم بن أدهم، والسري السقطي، وأبو يزيد البسطامي، والحَسَن البصري، وأمثالهم كثيرٌ ممَّن يرجع إليهم في شؤون التربية وتزكية النفوس.
ثم تبع هؤلاء أفاضل أجلّة ألَّفوا في التصوف، وقعَّدوا قواعده، منهم أبو بكر الكلاباذي في كتابه ((التعرف بمذهب أهل التصوف))، وأبو طالب المكي في كتابه ((قوت القلوب))، والإمام حجة الإسلام الغزالي في كتابه ((إحياء علوم الدين))، الذي كان اللبنة الكبرى في اعتماد مَن أتى بعده عليه حتى قالوا: ((لولا الإحياء لَمَا كُنّا من الأحياء))، ثم توالت المؤلفات والمصنفات بعده حتى أصبحت عدداً لا يحصى(1).
ومن الدلائل الظاهرة على أن التصوفَ يمثِّل الجانب السلوكي عند أهل السنة أنك تجد كبار الأئمة وعلماء الأمّة كانوا يأخذون به ويسيرون فيه كالنووي والسبكي والغَزالي والسُّيوطي وابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيتمي والقاري والزبيدي وابن عابدين واللكنوي وغيرهم.
(1) ينظر: ((عوارف المعارف))(5: 55)، و((الحكم العطائية شرح وتحليل))(1: 7)، و((تأييد الحقيقة العلية))(ص15).
الجزء 1 · صفحة 28
وإن أردت استيضاح ذلك فراجع كتب التراجم المفصّلة لأحوالهم، فإنك سترى عياناً اهتمامهم بالجانب السلوكي مع اهتمامهم بالجانب الفقهي والعقدي؛ لأن هذه مكونات الشخصية المتكاملة، ولا يغب عن بالك أن ابنَ تيمية من أهل التصوف وكذا تلميذه ابن القيم، وكتابه ((مدارج السالكين)) يعدّ من كتب التزكية والتصوف.
قال الدكتور البوطي(1) عن والده الفقيه المشهور: ((كان أبي رحمه الله يجزم بأن التصوف النقي هو جوهر الإسلام ولبابه.
وكان يؤكد أن المسلم إذا لم يكن قد تشرب حقيقة التصوف، فقد حبس نفسه في معاني الإسلام، ولم يرق صعداً إلى حقيقة الإيمان.
وكان يلحّ على أن التصوفَ ليس كلمات تورث أو تنقل ولا معارف تحفظ، ولكنه حال يتلبس بكيان المسلم يرقى به إلى مستوى شهود الله - عز وجل -، وإذا لم يرتفع المسلم إلى مستوى هذا الشهود، فهيهات أن تكون نصوص الأحكام وحدها، بكل ما يحف بها من مؤيدات الجزاء، حافزاً كافياً للانضباط الحقيقي بمدلولاتها وأوامرها.
إن الالتزام الحقيقي بأوامر الله - جل جلاله - يأتي نتيجة ازدهار ثمرات الإيمان بالله - جل جلاله - في القلب، وليس لهذا الإيمان من ثمرات إلا حب الله - عز وجل - وتعظيمه والخوف منه والرضا عنه والثقة به والاتكال عليه والفناء في ذلك كله عن الأغيار، ومن ازدهار مجموع هذه الثمرات الإيمان يتحقق معنى شهود العبد للرب.
وهذا هو الذي يحجزه عن المحرمات ويضبطه عن منهج الآداب والواجبات، إذا هو في كل أحواله وتقلباته، مع الله - عز وجل - في مراقبته له وذكره إياه وانسياقه في مشاعر الخوف منه، والحب له والرضا عنه والثقة به.
وليس للتصوف النقي من معنى إلا أن يأخذ المسلم نفسه بما يوصله إلى مستوى هذا الشهود.. أو أن يأخذ نفسه بما يوصله إلى ثمرات الإيمان، أو يوصله إلى حقيقة معنى التوحيد، فهي ألفاظ شتى ولكنها جميعاً ذات دلالة واحدة.
(1) في كتابه النافع الماتع ((هذا والدي))(ص98-99).
الجزء 1 · صفحة 29
وكان يرى رحمه الله في الرسالة القشيرية ما يبرز هذا التصوف النقي، وما يكشف عن عميق ارتباطه بنصوص القرآن والسنة...)).
وهنا كلمة لطيفة للعلامة محمد علوي المالكي في إرجاع الأمور إلى نصابها الصحيح في النظرة الصحيحة للتصوّف وأهله؛ إذ قال(1): ((التصوف ذلك المظلوم المتّهم، قليل مَن ينصفه، بل بلغت الجراءة والوقاحة ببعضهم أنه جعله من صفات الذمّ والقدح التي تسقط بها الشهادة وتزول بها العدالة، فيقول: فلان ليس بثقة ولا يقبل خبره لماذا؟ لأنه صوفي.
والعجيبُ الغريبُ أننا نرى بعض هؤلاء الذين يذمّون التصوّف ويحاربون أهله ويناصبونهم، نرى بعض هؤلاء المنكرين يفعل ما يفعل، ويقول ما يقول عن التصوف، ثم لا يستحي على وجهه حينما ينقل كلام هؤلاء الأئمة من الصوفية في خطبه وكلامه على منابر الجمعة وكراسي الدروس، فيقول بكل بجاحة ووقاحة: قال الفضيل بن عياض، وقال الجنيد، وقال الحسن البصري، وقال سهل التستري، وقال المحاسبي، وقال بشر الحافي.
وهؤلاء هم أئمةُ التصوف وأقطابه وأركانه وقواعده وبنيانه، وكتب التوصف مشحونة بأقوالهم وأخبارهم ومناقبهم وشمائلهم، فلا أدري أهو جهل أم تجاهل؟ وعمى أو تعام؟)).
وإذا وصل بنا الكلام إلى هاهنا فلينتبه إلى أنه لَمَّا كانت الجماهير الغالبة من أهل السنة والجماعة في العقيدة أشاعرة وماتريدية أُهْمِلَ بعضُ مَن يسمّوه بأهل الحديث في العقائد وهم قلَّة قليلة من أهل السنة تمسّكوا بظواهر الحديث في إثبات العقائد، قال الإمام الرازي(2): ((وأما الظاهريون من أهل السنة والجماعة)).
(1) في كتابه النافع ((مفاهيم يجب أن تصحح))(ص98).
(2) في ((تفسيره)) (9: 223).
الجزء 1 · صفحة 30
وقال السفاريني الحنبلي وابن الشطي الحنبلي: ((أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية، وإمامهم أحمد بن حنبل - رضي الله عنه -. والأشعرية، وإمامهم أبو الحسن الأشعري - رضي الله عنه -. والماتريدي، وإمامهم أبو منصور الماتريدي - رضي الله عنه -))، وبين ذلك الدحيان فقال: ((إن الثلاث فرق هي فرقة واحدة؛ لأنهم كلهم أهل الحديث، فإن الأشاعرة والماتريدية لم يردوا الأحاديث ولا أهملوها، فأما فوضوها وإما أوّلوها، وكل منهم أهل حديث، وحينئذ، بخلاف باقي الفرق فإنهم حكّموا العقول وخالفوا المنقول فهم أهل بدعة وضلالة ومخالفة وجهالة، والله تعالى أعلم))(1).
وقال العلامة ابنُ السبكي في ((شرح عقيدة ابن الحاجب)): ((اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك، أو في كمية ما هنالك، وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف:
الأول: أهل الحديث، ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية أعني: الكتاب والنسة والإجماع.
(1) ينظر: ((أهل السنة الأشاعرة))(ص87-94) عن ((لوامع الأنوار البهية))(1: 73)، و((تبصير القانع))(ص73).
الجزء 1 · صفحة 31
الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم: الأشعرية، والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي، وهم متفقون في المبادئ العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه، وفي المبادئ السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط، والعقلية والسمعية في غيرها، واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسألة التكوين(1)، ومسألة التقليد.
الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومبادئهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية))(2).
والتقسيم الذي ذكرته راجع إلى الجوانب الثلاثة للفرد، وأما تقسيم ابن السبكي فراجع إلى كيفية الأخذ في العقائد، وهناك تقسيم راجع إلى كيفية أخذهم الأحكام الفقهية كما في ((نزهة الخواطر))(3): ((في أصول السماع أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الفقهاء، والمحدثون، والصوفية.
(1) حاصل الخلاف على ما ذكره الهاشمي في ((العقائدة الدرية شرح متن السنوسية))(ص15): ((إن صفات المعاني عند الأشاعرة سبع، وأما عند الماتريدية فزادوا صفة ثامنة، وسموها التكوين، فهي عندهم صفة قديمة قائمة بذاته تعالى، بها الإيجاد والإعدام زائدة عن القدرة وغيرها من بقية الصفات، فإن تعلقت بالحياة تسمّى إحياء، أو بالموت تسمّى إماتة، أو بالرزق تسمى رزقاً، وهكذا، فوظيفتها عندهم إبراز الممكنات، ووظيفة القدرة تهيئة الممكن وجعله قابلاً للتأثير فيه، وأما الأشاعرة فلا يعدّونها من الصفات القديمة، بل من صفات الأفعال الحادثة وليس لها تأثير أصلاً، بل التأثير للقدرة)).
(2) ينظر: ((إتحاف السادة المتقين))(2: 6-7).
(3) 2: 103).
الجزء 1 · صفحة 32
فالفقهاء سمَّوا المحدثين أصحاب الظواهر؛ لأنهم يعتمدون على مجرد الخبر، ويطلبون الإسناد الصحيح، وسمَّوا أنفسهم أهل الرأي؛ لأنهم يعلمون بالرأي ويتركون خبر الواحد، والصوفية أجود الفرق وأصفاهم؛ لأنهم يتوجّهون إلى الله - جل جلاله - بترك الالتفات إلى ما سواه، فهم يعملون بالمذهب الأحوط ولا يقبلون المذهب المعين كما قال بعضهم: الصوفي لا مذهب له، ويتمسَّكون بحديث: اختلاف أمتي سعة في الدين، فإذا كان الاختلاف توسيعاً، فاختيار المذهب المعين تضييق))(1).
وقال الإمام الاسفراييني(2): ((الفرقة الثالثة والسبعون: هي الناجية: وهم أهل السنة والجماعة من أصحاب الحديث والرأي، وجملة فرق الفقهاء الذين اختلفوا في فروع الشريعة التي لا يجري فيها التبري والتكفير...)).
وقال العلامة البغدادي(3): ((أهل السنة والجماعة من فريقى الرأي والحديث دون من يشترى لهو الحديث، وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو أسمائه وصفاته...إنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق، وهم الفرقة الناجية...وقد دخل في هذه الجملة جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك والشافعي وأبى حنيفة والأوزاعى والثوري وأهل الظاهر)).
وحاصلُ الكلام ممَّا سبق أنّ أهل السنة والجماعة من حيث حاجيات الفرد لهم ثلاثة جوانب:
الأول: الفقهي، ويمثله أربعة مذاهب معتمدة عندهم وهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، فلا بُد لأهل الفتوى منهم أن يسير على طريق واحد منهم ويلتزمه، ويعدّ من مذاهبهم المذهب الظاهري، ووجوده نظري لا حقيقي؛ إذ ليس لهم كتب سوى ((المحلى)) لابن حزم، وكثيراً ما يذكر أهل المذهب رأيه لردّه وبيان ضعفه.
(1) ينظر: ((الأعلام))(5: 137).
(2) في ((التبصير في الدين))(ص26).
(3) في ((الفرق بين الفرق))(ص12-13).
الجزء 1 · صفحة 33
ولا يوجد عند أهل السنة مذهب فقهي يسمّى أهل الحديث، فلو كان هناك مذهب لوجدنا له كتباً وطالما لم يوجد أي كتب فهذا دالّ على عدم وجود مذهب أصلاً، وإنّما شاع إطلاق مذهب أهل الحديث كمصطلح يطلق على الشافعية بمقابل مصطلح أهل الرأي الذي يطلق على الحنفية، ولا مشاحة في الاصطلاح.
الثاني: الجانب السلوكي، ويمثّله طرق عديدة كالرفاعية والقادرية والنقشبندية والشاذلية والتيجانية، وكلّها تسلك سُبُلاً تعين على تزكية النفس وتخليصها من رذائلها، وتعمق الأدب والإخلاص لله - جل جلاله -، معتمدة في ذلك على الهدي القرآني والنبوي وما أثر عن الصحابة والتابعين وأئمة الدين في تطهير النفس وتنقيتها، وهذا طريق سار عليه كبار الفقهاء والمحدثين والمفسرين وغيرهم من علماء وأئمة الدين.
الثالث: الجانب العقدي، ويمثلُه مذهبان عظيمان هما الأشاعرة والماتريدية اللذان أسّسا على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وتابعيهم مؤيديين ذلك بالحجج العقلية والنقلية في وجه خصومهم، وفي بعض الأحيان يطلق الأشاعرة ويقصد بهذا الأشاعرة والماتريدية لاتفاقهم في الاعتقاد، وإنما خلافهم لفظي كما قالوا.
ولا نغفل أنه كان هناك مذهب عقدي ثالث مع الأشاعرة والماتريدية، وهم أهل الحديث الذي يعتمدون على ظواهر النصوص، وهم أقل من القليل؛ إذ أن المالكية والشافعية وبعض الحنابلة كانوا أشاعرة، والحنفية كانوا ماتريدية، فلم يبق إلا بعض الحنابلة وشواذّ من الشافعية على مذهب أهل الحديث.
ومعلوم أن الحنابلةَ عددهم قليل جداً في مقابل أصحاب المذاهب الأخرى، فوجودهم كان في بعض مدن فلسطين، ولما جاء الصليبيون سنة (492هـ) هاجر كثير منهم إلى الصالحية بدمشق وتوطنوا فيها، وكان بعضهم يعيش أيضاً في بغداد، بخلاف المالكية في افريقيا، والأحناف في الشام والعراق ومصر وبلاد ما وراء النهر، والشافعية في الشام ومصر والعراق ودول شرق أسيا وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 34
فإذا علمت هذا عجبت كل العجب ممن يُبَدِّعون أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة وأتباعهم، فهم بذلك يبدِّعون أهل السُّنة قاطبة، وممَّن يُكفرون أهل التصوف؛ إذ أنهم يكفرون الجماهير العظمية من علماء وعوامّ أهل السنة، وممَّن يضللون الأشاعرة ويعدونهم غير أهل السنة، وقد رأيت أن كلّ كلمات العلماء وكتبهم وأحوالهم تدلّ على خلاف هذا.
فمَن يضلل ويكفر ويبدع كل هؤلاء فمن بقي إذن من أهل الإسلام، فإني أظن مَن يسير على هذا الطريق يصل بهم الأمر إلى تكفير وتبديع وتضليل المسلمين جميعاً، ويقف شاكاً في أمر نفسه أهو من المسلمين أم لا، فنسأل الله العفو والعافية.
ونستأنس هنا بذكر كلام العلامة محمد علوي المالكي في إيضاح هذه الحقيقة المرّة فيقول(1): ((يجهل كثير من أبناء المسلمين مذهب الأشاعرة، ولا يعرفون مَن هم الأشاعرة ولا طريقتهم في أمر العقيدة.. ولا يتورَّع البعض أن ينسبَهم إلى الضلال أو يرميهم من الدين والإلحاد في صفات الله - عز وجل -.
وهذا الجهل بمذهب الأشاعرة سبب تمزّق وحدة أهل السنة، وشتَّت شملهم، حتى غدا البعض يسلك الأشاعرة ضمن طوائف أهل الضلال، ولست أدري كيف يقرن بين أهل الإيمان وأهل الضلال؟ وكيف يساوى بين أهل السنة وبين غلاة المعتزلة، وهم الجهمية؟ {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ}(2).
الأشاعرة: هم أئمة الهدى من علماء المسلمين.. الذي ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها، وأطبق الناس على فضلهم وعلمهم ودينهم، هم جهابذة علماء أهل السنة، وأعلام علمائها الأفاضل الذي وقفوا في طغيان المعتزلة...
(1) في ((مفاهيم يجب أن تصحح))(ص101-102).
(2) القلم:35.
الجزء 1 · صفحة 35
إنهم طوائف المحدثين والفقهاء والمفسرين من الأئمة الأعلام كشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني شيخ المحدثين بلا مراء... وشيخ علماء أهل السنة الإمام النووي... وشيخ المفسرين الإمام القرطبي... وشيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي.. وشيخ الفقه والحديث الإمام الحجة الثبت زكريا الأنصاري...والإمام أبو بكر الباقلاني، والإمام العسقلاني، والإمام النسفي، والإمام الشربيني، وأبو حيان النحوي، والإمام ابن جزي... الخ... كل هؤلاء من أئمة الأشاعرة...
وأي خير يرجى فينا إن رمينا علماءنا الأعلام وأسلافنا الصالحين بالزيغ والضلال؟ وكيف يفتح الله علينا لنستفيد من علومهم إذا كنا نعتقد فيهم الإنحراف والزيغ عن طريق الإسلام...)).
وعلينا أن نتذكر دائماً أن مسائل الأشعري والماتريدي لم تكن مبتدعة وإنّما مبنية على ما في القرآن والسنة وآثار الصحابة، وما فهمه أئمة الدين الذين سبقوهم، قال الإمام الزَّبيدي(1): ((هذه المسائل التي تلقاها الإمامان الأشعري والماتريدي هي أصول الأئمة - رضي الله عنهم -، فالأشعري بنى كتبه على مسائل من مذهب الإمامين مالك والشافعي أخذ ذلك بوسائط فأيدها وهذبها، والماتريدي كذلك أخذها من نصوص أبي حنيفة، وهي في خسمة كتب: ((الفقه الأكبر))، و((الرسالة))، و((الفقه الأبسط))، و((كتاب العالم والمتعلم))، و((الوصية))...)).
ويؤيد ذلك ما ذكره علي القاري عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -(2): ((إن إمامنا هو الإمام الأعظم والهُمام الأقدم من أهل السنة والجماعة... رئيس الفرقة الناجية، وأكثر أهل الإسلام تبع له في الأصول العلمية والفروع العملية المستفادة من القاعدة الشرعية والقواعد المرعية)).
(1) في ((الإتحاف))(2: 13).
(2) في ((شرح مسند الإمام))(ص443).
الجزء 1 · صفحة 36
وأختم الكلام في هذا المفهوم بكلمة لطيفة في بيانه للدكتور محمد حسن هيتو، إذ قال(1): ((فإن أغرب سؤال وجه إلي في حياتي العلمية هو هل يعتبر الأشاعرة من أهل السنة والجماعة؟
لقد استوقفتني صيغة هذا السؤال طويلاً، إذ وجدتها فارغة من معنى السؤال العلمي الصحيح، مما يدل على سذاجة السائل وجهله بتاريخ هذه الأمة وعقيدتها.
وذلك أن ما يعرفه كل مَن شمّ للعلم رائحة، على مدى تاريخ أمتنا الطويل هو أن الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة.
وأنه إذا أطلقت كلمة أهل السنة في كتب العلم على اختلاف أنواعها فإنهم هم الذين يرادون.
وهم الذي تردد الخلافات بينهم وبين المعتزلة، أو غيرهم من الفرق الإسلامية في كتب العقيدة، والفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، بل في كتب اللغة، وغير ذلك من كتب العلم التي تعرض للخلاف في العقيدة.
وذلك أن الأشاعرة هم الذين وقفوا في وجه المعتزلة، فزيفوا أقوالهم، وأبطلوا شبههم، وأعادوا الحقّ إلى نصابه على طريق سلف هذه الأمة ومنهجهم.
والإمام أبو الحسن الأشعري لم يؤسس في الإسلام مذهباً جديداً في العقيدة، يخالف مذهب سلف هذه الأمة، وإنما هداه الله - جل جلاله - لالتزام مذهب أهل السنة بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكَّنه من الردّ عليهم، وإبطال شبههم.
فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم.
وعقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري التي سار عليها هي عقيدة الإمام أحمد بن حنبل، والشافعي ومالك، وأبي حنيفة وأصحابه، وهي عقيدة السلف الصالح، كما نصّ على ذلك أئمة أهل العلم ممن سرا على هذه العقيدة، على كرّ العصور ومرّ الدهور.
(1) في تقديمه لكتاب ((أهل السنة الأشاعرة))(ص5-7).
الجزء 1 · صفحة 37
ولذلك كان الصواب في السؤال أن يقول السائل: مَن يدخل مع الأشاعرة في أهل السنة والجماعة؟
والجواب على هذا: أنه يدخل معهم كل مَن سار على نهجهم، وسلك سبيلهم، وإن وقع شيء من الخلاف في بعض المسائل بينهم.
فالماتريدية من أهل السنة، والأثريون من أهل السنة، إلا أن الذي ظهر من أهل السنة ومَثَّلَهم في كتب العلم هم الأشاعرة؛ ولذلك كانت كلمة أهل السنة إذا أطلقت انصرفت في الغالب إليهم...)).
وبعد هذا الإسهاب في تفصيل الجوانب الثلاثة لأهل السنة، لا سيما الجانب العقدي؛ لأنه سيكون الاهتمام في المفاهيم الآتية عن الجانب الفقهي وما يتعلَّق بها من قضايا.
وأول هذه القضايا هي قضية المذاهب الأربعة لأهل السنة وأهميتها والأسباب التي دعت لتقليدها، واتباع أئمتها من بين آلاف الأئمة والعلماء لهذه الأمة، وهذا هو موضوع المفهوم التالي:
المفهوم الثاني:
المذاهب الأربعة
أهميتها وأسباب تقليدها
اقتضت حكمة الله - عز وجل - أن يكون حفظ الأحكام الفقهية في هذه المذاهب التي بين أيدينا، قال - جل جلاله -: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } (1)، ومن هذه الحكمة ما ذكرَه الحافظ ابنُ رجب - رضي الله عنه -(2): ((فإن قال أحمق متكلّف: كيف يحصر الناس في أقوال علماء متعينين ويمنع من الاجتهاد أو من تقليد غير أولئك من أئمة الدين.
قيل له: كما جمع الصحابة - رضي الله عنهم - الناس على حرف واحد من حروف القرآن ومنعوا الناس من القراءة بغيره في سائر البلدان؛ لما رأوا أن المصلحة لا تتمّ إلا بذلك، وأن الناسَ إذا تركوا يقرؤون على حروف شتى وقعوا في أعظم المهالك.
(1) الحجر: 9.
(2) في ((الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة))(ص30-31).
الجزء 1 · صفحة 38
فكذلك مسائل الأحكام وفتاوى الحلال والحرام، لو لم تضبط الناس فيها بأقوال أئمة معدودين؛ لأدّى ذلك إلى فساد الدين، وأن يعدَّ كلّ أحمق متكلِّف طلبت الرياسةَ نفسه من زُمرة المجتهدين، وأن يبتدع مقالة ينسبها إلى بعض مَن سلف من المتقدّمين، فربّما كان بتحريف يُحرِّفه عليهم، كما وقع ذلك كثيراً من بعض الظاهريين، ورُبّما كانت تلك المقالة زلّة من بعض مَن سَلَف قد اجتمع على تركها جماعة من المسلمين، فلا تقتضي المصلحة غير ما قدَّره الله وقضاه من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورة - رضي الله عنه -)).
وقال الإمام السيوطي - رضي الله عنه -: ((اعلم أن اختلافَ المذاهب في هذه الملّة نعمةٌ كبيرةٌ وفضيلة عظيمة، وله سرٌّ لطيفٌ أدركَه العالِمون، وعَمِي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعضَ الجُهَّال يقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة)) (1)، فمن الأسباب الموجبة لهذا التقليد وأهمية ذلك ما يلي:
أولاً: إن أصولَهم التي اعتمدوا عليها أمكن وأدّق من أصول غيرهم: إذ أنه لا بُدّ لكلّ مَن يدَّعي الاجتهاد من أصول يعتمد عليها في استخراج الأحكام، إذ أنه بين هذه الكثرة من نصوص القرآن والأحاديث النبوية وآثار الصحابة - رضي الله عنهم - وما اتفق عليه من الفقهاء يحتاج في استنباط أي حكم شرعي إلى قواعد يوفق فيها بين عمومات وخصوصات هذه النصوص، وبين ما ظاهره التعارض منها وهلم جرّا، فمَن كانت أصوله أقوى من غيره كانت فروعه منسجمة ومنتظمة فيما بينها وأدعى للقبول والبناء عليها.
وما عهد عنهم من مسائل تنتظم في سلك واحد لأصول معيّنة لا تخرج عنها، فكل الفروع المتشابهة ترجع لقاعدة واحدة، الأمر الذي جعل مَن بعدهم يقرّ لهم بالأحقية في التقليد والاتباع.
(1) ينظر: ((أدب الاختلاف))(ص25).
الجزء 1 · صفحة 39
ويوضّح هذا ما روى عن زفر - رضي الله عنه - تلميذ أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه عندما قدم البصرة، وكان شيخها وقتئذٍ عثمان البتي - رضي الله عنه -، فإن زفر - رضي الله عنه - كان يأتي حلقته ويسمع مسائله، فإذا وقف على الأصل الذي بنى عليه مسائله تتبع فروعه التي فرعها على ذلك الأصل، فإذا وقف على تركهم الأصل طالب البَتِّي - رضي الله عنه - حتى يلزمه قوله ويبيِّن له خروجه عن أصله، فيعود أصحابه شهوداً عليه بذلك، فإذا وقف أصحاب البَتِّي - رضي الله عنه - على ذلك واستحسنوا ما كان منه قال لهم: ففي هذا الباب أحسن من هذا الأصل، ويذكره لهم ويقيم الحجّة عليهم فيه، ويأتيهم بالدلائل عليه ويطالب البَتِّي - رضي الله عنه - بالرجوع إليه ويشهد أصحابه عليه بذلك، ثم قال لهم: هذا قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فما مضت الأيام حتى تحولت الحلقة إلى زفر - رضي الله عنه - وبقي البَتِّي - رضي الله عنه - وحده(1).
فها هو عثمان البَتِّي - رضي الله عنه - رغم أنه كان مشهوراً في عصره بالفقه وكان شيخ البصرة، إلا أنه لَمَّا لم تكن أصوله التي يرجع إليها في استخراج المسائل دقيقة ومنتظمة كان حال مذهبه الفناء لا البقاء.
(1) ينظر: ((لمحات النظر في سيرة زفر))(ص18)، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 40
ثانياً: كثرة الفروع التي وردت عنهم: فإن أبا حنيفة - رضي الله عنه - وضع ثلاث وثمانين ألف مسألة، وإن مسائل أبي حنيفة - رضي الله عنه - التي دونها محمّد بن الحسن - رضي الله عنه - سمعها منه أسد بن الفرات - رضي الله عنه - فسأل ابن القاسم - رضي الله عنه - من أصحاب مالك - رضي الله عنه - عن قول مالك - رضي الله عنه - في هذه المسائل، وألَّف بذلك ((المدونة)) المشهورة(1)، وأما الشافعي فأملى كتابه ((الأم)) على تلاميذه في مصر، وأما أحمد - رضي الله عنه - فإن أبا بكر الخلال - رضي الله عنه - رحل في جمع المسائل التي أفتى فيها فبلغت أربعين مجلداً. قال ابن برهان - رضي الله عنه - في سبب منع تقليد الصحابة - رضي الله عنهم -: ((لأن مذاهب الصحابة - رضي الله عنهم - لم تكثر فروعها حتى يمكن لمقلّد الاكتفاء بها طول عمره))(2).
ثالثاً: كثرة تلاميذهم الذين تلقّوا عنهم وآثروا الانتساب إليهم ونقلوا فتاويهم: فعن الشافعي - رضي الله عنه -: ((الليث - رضي الله عنه - أفقه من مالك - رضي الله عنه - إلا أن أصحابه لم يقوموا به))؛ إذ لا يكون مذهب لعالم إلا بالتلاميذ الذين يقومون بنقل مسائله ونشرها بين الناس، فبدون التلاميذ يضيع فقه الإمام كائناً مَن كان، فهم حلقة نقله إلى الآخرين.
(1) ينظر: ((منهج كتابة الفقه المالكي))(ص61-66).
(2) ينظر: ((مواهب الجليل))(1: 31).
الجزء 1 · صفحة 41
رابعاً: توفّر الجهابذة من الحفَّاظ الذين كرَّسوا أوقاتهم في الاحتجاج لمسائل هؤلاء الأئمة: فمثلاً في مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - نجد أن أبا يوسف - رضي الله عنه - رد على الأوزاعي - رضي الله عنه - وعلى ابن أبي ليلى - رضي الله عنه - انتصاراً لأبي حنيفة - رضي الله عنه -، ومحمد بن الحسن - رضي الله عنه - بعد تلقيه ((الموطأ)) على مالك - رضي الله عنه - يردّ عليه في مسائله التي خالف فيها أبا حنيفة - رضي الله عنه -، ويؤلِّف أيضاً ((الحجّة على أهل المدينة)) في تأييد ما ذهب إليه أبو حنيفة - رضي الله عنه -. وعيسى بن أبان - رضي الله عنه - ألف ((الحجج الصغير)) في الردّ على ما ادّعاه عيسى بن هارون الهاشمي رفيق المأمون في عهد طلبه للحديث من مخالفة أبي حنيفة - رضي الله عنه - لأحاديث صحيحة دوَّنها الهاشمي في كتاب، أعجب المأمون غاية الإعجاب كتاب عيسى بن أبان - رضي الله عنه -، واعتبره قاضياً على كتاب الهاشمي.
ولعيسى - رضي الله عنه - أيضاً ((الحجج الكبير)) في الرد على قديم الشافعي - رضي الله عنه -، وهو سبب انصرافه من العراق في رحلته الأخيرة من غير أن يمكث بها إلا أشهراً يسيرة، حيث لم يجد متسعاً لنشر قديمه بالعراق بعد كتاب عيسى بن أبان - رضي الله عنه -(1)، وللحافظ الطحاوي (ت310هـ) كتب عديدة في نصر المذهب كـ((معاني الآثار))، و((مشكل الحديث))، و((اختلاف العلماء))، و((أحكام القرآن))، وغيرها(2)، والمقام لا يتسع في الاستفاضة بذكر الحفاظ الذين نصروا مسائله هذا المذهب، وأيدوها بالدلائل علاوة حفاظ المذاهب الأخرى.
(1) ينظر: ((بلوغ الأماني))(ص50).
(2) ينظر: ((الحاوي))(ص32-39).
الجزء 1 · صفحة 42
خامساً: خدمة مذاهبهم من قبل العلماء تأصيلاً وتفريعاً وتقعيداً: فإن اللهَ - جل جلاله - سخَّرَ لمذاهب هؤلاء الأئمة مَن كَرَّسَ حياتَه في خدمتها من حيث الأصول، فأبو بكر الرازي - رضي الله عنه - ألَّفَ ((الفصول)) على مذهب الحنفية وتبعه في التأليف البَزْدَويّ والسَّرَخْسي وابن الساعاتي في ((البديع))، والفناري في ((البدائع))، وصدر الشريعة في ((التوضيح))، وابن الهُمام في ((التحرير))، وملا خسرو في ((المرآة))، وابنُ كمال في ((التنقيح))، والنَّسفي في ((المنار))، وغيرهم.
وعليها شروح لا تحصى عدداً، فتجد في كلٍّ منها تحريراً للأصول التي اعتمد عليها أبو حنيفة - رضي الله عنه - وأصحابه في استنباط الفروع من أدلتها، ومثل هذه العناية كانت في المذاهب الأخرى المتبوعة، قال ابنُ رجب - رضي الله عنه -(1): ((أقام الله - عز وجل - مَن يضبط مذاهبهم ويحرِّرَ قواعدهم حتى ضُبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله، حتى ترد إلى ذلك الأحكام ويُضبط الكلامُ في مسائل الحلال والحرام...)).
سادساً: نقل مذاهبهم بطرق متواترة أو مشهورة، فمثلاً في مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - المعوّل عليه في نقل أقواله هي كتب ظاهر الرواية التي ألفها تلميذه محمّد بن الحسن - رضي الله عنه -، وهي مروية عنه بطرق مشهورة أو متواترة، أما غيرها من كتب غير ظاهر الرواية التي رويت عنه بطرق آحاد، فإنها غير معتمدة في نقل أقوال صاحب المذهب وأصحابه، وهكذا في غيره من المذاهب الأربعة.
قال الإمام الخطابي - رضي الله عنه -: ((لو حكي لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم وزعماء نحلهم قول يقوله باجتهاد من قبل نفسه طلبوا فيه الثقة واستبرؤوا له العهدة.
(1) في ((الرد))(ص28-29).
الجزء 1 · صفحة 43
فنجد أصحاب مالك - رضي الله عنه - لا يعتمدون من مذهبه إلا ما كان من رواية ابن القاسم وأشهب وأضرابهما من تلاميذ أصحابه ـ أي قدمائهم ـ فإذا جاءت رواية عبد الله بن عبد الحكم وأضرابه لم تكن عندهم طائلاً.
وترى أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنه - لا يقبلون من الرواية عنه إلا ما حكاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن - رضي الله عنهم - والعِلْية من أصحابه والأجلة من تلامذته، فإن جاءت عن الحسن بن زياد اللؤلؤي - رضي الله عنه - وذويه رواية قول بخلافه لم يقبلوه ولم يعتمدوه.
وكذلك تجد أصحاب الشافعي - رضي الله عنه - إنما يعولون في مذهبه على رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي - رضي الله عنهم -، فإذا جاءت رواية حَرْمَلة والجِيْزِي - رضي الله عنهم - وأمثالهما، لم يلتفتوا إليها، ولم يعتدوا بها في أقاويله، وعلى هذا عادة كل فرقة من العلماء في أحكام مذاهب أئمتهم وأساتذتهم))(1).
أما غير مذاهب هؤلاء الأئمة فإننا نجد هذا معدوم لديهم، فأقوى ما يقال في بعض أقوالهم أنها رويت بطرق آحاد صحيحة، دون تفصيل لضوابط هذا القول وشروطه، مما يجعله كالعدم؛ لأننا لا نعرف هل كلامه مقيّد بشيء معين أو مشروط بشرط أو غير ذلك.
سابعاً: تدوين مسائلهم: فإن من تمام حال المذاهب الأربعة أنها دوِّنت بأيدي أصحابها أو تحت أعينهم أو بأيدي تلاميذهم، فحفظت عن الضياع والتحريف والتبديل، بخلاف غيرهم فلم تحظى بذلك، فما دوِّن منها دوَّنه أرباب هذه المذاهب الأربعة.
(1) ينظر: ((الإنصاف في أسباب الاختلاف))(ص65-66) عن ((معالم السنن)).
الجزء 1 · صفحة 44
ومعلوم أننا لا نأخذ رأي مالك - رضي الله عنه - من كتب الحنفية وبالعكس، فكيف يكون لنا أخذ قول غير هؤلاء الأئمة من كتبهم، فعلماء هذه المذاهب لم يعتنوا بتحرير وضبط غير أقوال أئمة مذاهبهم؛ لذلك كثيراً ما يخطئون في نقل قول أحد المذاهب المدوّنة في كتبهم. وقد دقَّق أصحابُ المذاهب المشهورة في النقل عن أئمتهم فهم لا يقبلون قولهم من أي كتاب وإن كان صاحبه من أهل المذهب ما لم يثبت هذا الكتاب ويصل إلينا بطريق مشهور أو متواتر.
وقال ابن حجر الهيتمي - رضي الله عنه -(1) في سبب عدم تقليد الصحابة - رضي الله عنهم -: ((نقل إمام الحرمين عن المحققين امتناعه على العوام؛ لارتفاع الثقة بمذاهبهم؛ إذ لم تدوَّن وتحرر وجزم به ابن الصلاح، وألحق بالصحابة - رضي الله عنهم - التابعين - رضي الله عنهم - وغيرهما ممَّن لم يدون مذهبه)).
وقال ابنُ رجب - رضي الله عنه -(2): ((قد نبَّهنا على علّة المنع من ذلك ـ أي من تقليد غير الأئمة الأربعة ـ وهو أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم مَن يذبّ عنها وينبِّه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة)).
ثامناً: كثرة الورع والتقوى والعبادة التي كانوا عليها: قال ابن سيرين - رضي الله عنه -: ((إن هذا العلم دين فانظروا عمَّن تأخذون دينكم)) (3)، وروي مثله عن مالك - رضي الله عنه - وخلائق من السلف(4)، وتواتر عن أئمة هذه المذاهب الورع والتقوى، وقد نقل ذلك الذَّهبيّ(5) التواتر في كثرة تعبّد أبي حنيفة - رضي الله عنه - وقيامه الليل وتهجده.
(1) في ((الفتاوى الفقهية الكبرى))(4: 307).
(2) في ((الرد))(ص34).
(3) في ((صحيح مسلم))(1: 14).
(4) في ((المجموع))(1: 75).
(5) في ((مناقب أبي حنيفة ))(ص13).
الجزء 1 · صفحة 45
تاسعاً: تطبيق مذاهبهم في القضاء وتبني بعض الدول الإسلامية لمذاهبهم كمذهب رسمي للدولة: فإن هذا الأمر جعلها حيّة تعيش مع الناس حياتهم، وأثراها بكثرة الدول التي طبقتها، والقضاء الذي أُلقي على عاتقها، فها هو أبو يوسف - رضي الله عنه - تلميذ أبي حنيفة - رضي الله عنه - يدّعى أوّل قاضي قضاة في الإسلام، فيعيِّن أربابَ مذهبه في القضاء في دولة العباسيين، ويستمرّ الحال على ذلك.
وكذلك فإن الدولة العثمانية التي حكمت ما يقرب من سبع قرون، وكانت أعظم دولة على وجه الأرض، وكان مذهبها الرسميّ هو المذهب الحنفي، وما زالت غالبية الدول الإسلامية مستمدّة لأحكام الأحوال الشخصية من المذهب الحنفي. وأما المذهب المالكي فمنذ القديم ودول المغرب العربي تحكم به، وهلم جرّا.
عاشراً: قَبول الأمّة لها دون سواها: فرغم كثرة المجتهدين من علماء الإسلام إلا أنها لم تذعن لتقليد غير الأئمة الأربعة، قال الدِّهلوي(1): ((إن هذه المذاهب الأربعة المدونة قد اجتمعت الأمة أو من يُعتدّ به منها، على جواز تقليدها، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى، لا سيما في هذه الأيام التي قصرت الهمم، وأشرِبَت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأي برأيه)).
ومعلوم أن هذا القبول لم يحصل لغير هذه الأئمة وقد مضى عليه قرون، وفي هذا المعنى يقول بحر العلوم اللكنوي: ((لم يوجد بعد الأربعة مجتهد اتفق الجمهور على اجتهاده وسلَّموا استقلاله كاتفاقهم على اجتهادهم، فهو مسلَّمٌ، وإلا فقد وجد بعدهم أيضاً أرباب الاجتهاد المستقل: كأبي ثور البغدادي، وداود الظاهري، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وغيرهم على ما لا يخفى على من طالع كتب الطبقات))(2).
(1) في ((الإنصاف))(ص97).
(2) ينظر: ((النافع الكبير))(ص16).
الجزء 1 · صفحة 46
وقال الشعراني: ((قد نقل الجلال السيوطي - رضي الله عنه - أن الاجتهاد المطلق على قسمين: مطلق غير منتسب كما عليه الأئمة الأربعة. ومطلق منتسب كما عليه أكابر أصحابهم. قال: ولم يدع الاجتهاد المطلق غير المنتسب بعد الأئمة الأربعة إلا الإمام محمد بن جرير الطبري، ولم يُسَلَّم له ذلك))(1).
الحادي عشر: الخروج من الفوضى الفقهية: فإن المذاهب انتشرت في البلاد، وأهل كلّ مصر يقلّدون مذهباً منها، وأحكامه شائعة بين أهله، وهي أشبه ما تكون بقوانين تنظم علاقة الفرد مع خالقه والناس فيما بينهم، فإن ترك التقليد عمّت الفوضى والاضطراب في معرفة الأحكام الشرعية بين الناس، وشاع الجهل، فلا تجد خاصتهم يميِّزون بين السنن والأركان والواجبات في الطهارة والصلاة وغيرها، فأصبح الناس سكارى وما هم بسكارى، لا يعرفون حكم الله - جل جلاله - في أفعالهم وأقوالهم، وما يعرض لهم من وقائع.
وقال العلامة محمد الحامد: ((لبعض الناس أن يشاغبوا على المذاهب المُتبعة، التي استنفذ أصحابها وسعهم في استنباط الأحكام من منابعها الأصلية، في تركيز القواعد الشَّرعيَّة العامة ، التي تنبني عليها جُزئيات الأحكام، وفرعيات التَّكاليف، وبهذا عظمت النِّعمة الإلهية علينا بكثرة الثَّروة العلميَّة، ووفرة المعرفة الدَّينية، فأصبح صرحُ التَّشريع الإسلامي مشيدَ البناء، شامخاً إلى العلاء، بعيداً عن الفوضى التي شاعت في الأمم قبلنا: { مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } )) (2).(3)
(1) ينظر: ((النافع الكبير))(ص14).
(2) الروم: 32.
(3) الاجتهاد))(ص91).
الجزء 1 · صفحة 47
ثانياً: عدم التلاعب بأحكام الدين: فإن المسلمين رضوا بما ارتضاه لهم علماؤهم الأتقياء، وبقوا طوال التَّاريخ الإسلامي يتعبدون الله تعالى على ما قُيِّدَ لهم من أحكام، فيعرفون حكم الله - جل جلاله - في كلِّ مسألة، فكلُّ شيء مدوَّن ومعلوم وواضح، فلم يَعد للهوى مجال لِيتلاعب بهذه الشَّريعة المطهرة، وما قُيِّدَ كان لأعلم النَّاس وأورعهم في خير العصور المشهود لها بالخيرية من المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وحرَّره وحمله عنهم من كلِّ جيل عدوله من العلماء الأتقياء، وكانوا يفرِّعون عليه بما يكفي حاجة النَّاس.
ووصف العلامة الدجوي مَن يترك المذاهب الفقهية، فقال: ((ولعمر الله إني لا أرى هذا الرَّأي إلا فتحاً لبناء الأهواءِ، التي تجعل الكتاب والسنة لعبة لأولئك المتهوسين، الذين هم من ذوي الجهل المركب، والخيالات الفاسدة، ومما لا شكَّ فيه أن الأهواء تختلف حدَّ الاختلاف، وأنَّ الجهال إنَّما يستمدون من العواصف والأوهام، لا من العقول والأفهام، فماذا يكون الحال إذا سلطانهم على الشَّريعة، يفهمونها بآرائهم، ويلعبون فيها بأهوائهم))(1).
وقال العلامة عبد العزيز العيون السود - رضي الله عنه -(2): ((ومَن تَرك هذا التَّقليد، وأنكر اتباع السَّلف، وجعل نفسه مجتهداً أو محدثاً واستشعر من نفسهِ أنه يصلح لاستنباط الأحكام، وأجوبة المسائل من القرآن والحديث في هذا الزمان، فقد خلع رقبة الإسلام من عنقه، أو كاد أن ينخلع، فأيم الله - جل جلاله - لم تر طائفة يمرقون من الدِّين مروق السَّهم من الرَّمية إلا هذه الطائفة المنكرة لتقليد السَّلف الذَّامة لأهلها، ولقد صدق أحد زعمائهم حيث قال بعد تجربة: ((إن ترك التَّقليد أصل الإلحاد والزندقة في حقّ العامة))…
(1) ينظر: ((الاجتهاد))(ص62).
الجزء 1 · صفحة 48
وفي حقّ العلماء أيضاً، فإنَّ الورع التَّقي الخائف من الله - جل جلاله - المحبّ له ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - الباذل وسعه في طلب الحقّ، كالكبريت الأحمر اليوم لا يوجد إلا نادراً، وغالبهم إذا ترك التَّقليد جعل يتبع الرُّخص، ويطيع هوى نفسه، ويتخذ إلهه هواه، وأكثرهم لا يترك التَّقليد إلا ليجادل المقلِّدين، ويوقع الفساد بين المسلمين، ويجعل العامة زنادقة مُلحدين.
فقد علم أن تَرك التَّقليد في حقّهم أصل الزَّندقة والإلحاد، ولقد صدق بعض أكابرنا، إن هؤلاء عاملون بالحديث، ولكن بحديث النَّفس، لا بحديثِ سيد الرُّسل - صلى الله عليه وسلم -)).
الثالث عشر: صعوبة وعسر استنباط الأحكام من القرآن والسنة للمتأخرين: وقد فصَّل ذلك الدِّهلوي(1)، فقال: ((إنها حالة بعيدة غير واقعة لبعد العهد عن زمان الوحي، واحتياج كل عالم في كثير ممَّا لا بُدّ له في علمه إلى ما مضى من روايات الأحاديث على تشعب متونها وطرقها، ومعرفة مراتب الرجال، ومراتب صحة الحديث وضعفه، وجمع ما اختلف من الأحاديث والآثار، والتنبّه لما يأخذ الفقيه منها، ومن معرفة غريب اللغة وأصول الفقه، ومن رواية المسائل التي سبق التكلم فيها من المتقدمين مع كثرتها جداً وتباينها واختلافها، ومن توجيه أفكاره في تمييز تلك الروايات وعرضها على الأدلة.
فإذا أنفذ عمرَه في ذلك كيف يوفي حقّ التفاريع بعد ذلك، والنفس الإنسانية وإن كانت زكية لها حدّ معلومٌ تعجز عمَّا وراءه. وإنّما كان هذا ميسّرٌ للطراز الأول من المجتهدين حين كان العهدُ قريباً، والعلوم غير متشعِّبة، على أنه لم يتيسّر ذلك أيضاً إلا لنفوس قليلة، وهم مع ذلك كانوا مقيدين بمشايخهم معتمدين عليهم، ولكن لكثرة تصرفاتهم في العلم صاروا مستقلين. وبالجملة فالتمذهب للمجتهدين سرٌّ ألهمه الله - جل جلاله - العلماء، وتبعهم عليه من حيث يشعرون أو لا يشعرون)).
(1) في ((الإنصاف))(ص72-73).
الجزء 1 · صفحة 49
الرابع عشر: يسر استخراج الأحكام من الأصول والقواعد وأقوال الفقهاء: فإن أئمة المذاهب استقرءوا نصوص الشريعة وسبروها، واستخلصوا منها الأصول والقواعد التي تنتظم فيها المسائل الفقهية لدى كلّ منهم، فلم يبق على مَن قلَّدهم إلا استخراج أحكام ما لم ينصّوا عليه ممَّا استجد من المسائل الفرعية على أصولهم وفروعهم التي وردت عنهم.
حيث أنهم قطعوا لمَن بعدهم مرحلة طويلة وشاقّة في استخلاص الفروع من نصوص الشارع، فكان عمل مَن بعدهم أيسر وأسهل في التعرف على أحكام الشريعة، ويظهر هذا جلياً لمَن فرغ وقته ونفسه في الاشتغال على مذهب من مذاهب هؤلاء الأئمة - رضي الله عنهم -، كما سيأتي.
الخامس عشر: قلّة الدين والورع والتقوى وفساد الحال كلّما تأخر الزمان: يشهد لذلك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((خير القرون قرني…))، قال ابن رجب - رضي الله عنه -(1): ((ثمّ قلَّ الدين والورع، وكثر مَن يتكلّم في الدين بغير علم ومَن يُنصِّبُ نفسه لذلك، وليس هو له بأهل، فلو استمرَّ الحال في هذا الزمان المتأخرة على ما كان عليه في الصدر الأول بحيث أنّ كلَّ أحد يفتي بما يدّعي أنه يظهر له أنه الحقّ؛ لاختل به نظام الدين لا محالة، ولصار الحلال حراماً والحرام حلالاً.
ولقال كلّ مَن شاء ما يشاء، ولصار ديننا بسبب ذلك مثل دين أهل الكتابين من قبلنا، فاقتضت حكمة الله - جل جلاله - أن ضبط الدين وحفظه بأن نصب للناس أئمة مجتمعاً على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى من أهل الرأي والحديث. فصار الناس كلهم يعوِّلون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم)).
(1) في ((الرد))(ص27-28).
الجزء 1 · صفحة 50
السادس عشر: أنه لا فائدة عملية تعود علينا بترك الالتزام المذهبيّ والدعوة إلى الاجتهاد لكلِّ أحد: فأي فائدة من هذه الدعوى للاجتهاد بعد أن فصَّلوا لنا الأحكام في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من أمور حياتنا وآخرتنا إلا إذا اتهمنا الأئمة بأنهم كانوا خارجين عن الكتاب والسُّنة في استنباطاتهم، متبعين لأهوائهم، وهذا يعني أنهم وكلُّ مَن تبعَهم من العلماء والأمّة الإسلامية في جميع القرون الخالية كانت على غير هدى ونور، ونحن في هذا العصر سنعيد الحقّ إلى نصابه.
فأي ضلال وجور هذا الذي تنسب به أمّة الإسلام وعلمائها إلى الضلال من أجل ظهور نفسه أو بدعة ابتدعها يريد حملَ الناس عليها أو هوى في نفسه يسعى لإيجاد واقع له.
قال الشيخ محمد الحامد - رضي الله عنه -(1): ((هذا الفريق من النَّاس يَعمدون إلى زعزعة الثقة بها، ويدعون إلى اجتهاد جديد مماثل، ولو لم يكن لاستيفاء شروطه بإطلاقها مكان في الوجود الآن؛ ليزعم القاصرون في عقولهم، وفي علومهم أنَّهم أهله، وحملة لوائه، وأنَّ لهم أن يجتهدوا كما اجتهد الأولون، مستدركين على مذاهبهم أموراً هم مقصرون بزعمهم فيها.
وهم من أجل هذا يعمدون إلى نشر كلمات مُخلصة، ألقاها الأئمة - رضي الله عنهم - إبراءً لذمّتهم، وتخفيفاً لعبء الدِّين عن كواهلِهم … لكنَّهم ألقوها إلى الكاملين في مداركهم وعلومهم؛ ليحسنوا التَّصرف العلمي بها، فيقوِّموا المعوجَّ في بعض الشَّؤون ما استطاعوا، بفرض وجوده وتقدير حصوله، وذا كقول كلٍّ منهم - رضي الله عنهم -: ((إذا صح الحديث فهو مذهبي))، ونحو هذا…
بيد أنَّ بعض الرّقعاء طبّلوا له، وزمرّوا ، وقاموا ينعقون في الأوساط السَّاذجة بوجوب إعادة النَّظر في مقررات الأئمة، متمثِّلين بكلام حقٍّ هو في ذاته، لكنهم أرادوا به باطلاً)).
(1) في ((الاجتهاد))(ص92).
الجزء 1 · صفحة 51
السابع عشرً: توحيد صفوف المسلمين، وجمع كلمتهم: فإن هذه المذاهب الأربعة التي يتبعها المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها، كلٌّ يتبع ما قاله ويعمل به بكلِّ وقار وسكينة، ويحترم أتباع المذاهب الأخرى وينزلهم منزلتهم من التقدير، دون تشكيك أو غمز لهم على ما عليه الجمهور.
وهذا بخلاف مَن يدّعون الاجتهاد لكلِّ فرد، فإنّه في المدنية الواحدة تجدهم أشتاتاً وأحزاباً، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}[الروم: 32]، فيرمي الآخر بأبشع التهم، فكلُّ شيخ منهم يتحوّطه مجموعة من التلاميذ يرون أن الحقّ معهم فحسب، ولا يتورعون من إنزال الكفر بغيرهم لمخالفة فقهية يسيرة.
قال العلامة يوسف الدجوي - رضي الله عنه -(1): ((على أن الناس لو أخذوا من القرآن والسنة، كما يريد هؤلاء لَمَا وقف بهم الاختلاف عند حدّ، ولأصبحت المذاهب أربعة آلاف بدلاً من أربعة، ويومئذ يكون كل الويل للمسلمين ـ لا أرانا ذلك اليوم ـ)).
وبعد هذا البيان للأهمية الالتزام بالمذاهب السنية، والأسباب التي دعت الأمّة لذلك، ينجر بنا الكلام عمّا يكثر عنه السؤال من الاقتران بين التمذهب والتعصّب بين الناس، ودفع هذه الفرية بلا مرية هو محلّ الكلام في المفهوم التالي:
المفهوم الثالث:
تمذهب ولا تتعصَّب
يخلط كثير من أهل زماننا بين كثير من المفاهيم بسبب تقاعسنا في تعلّم أحكام ديننا والغزو الفكري الذي نواجهه من الداخل والخارج، ومن ذلك أنهم لم يعودوا يفرِّقون بين المسلم الملتزم بدينه السائر على طريقة السلف والخلف من أهل السنة في الأخذ بأحكام الشرع على أحد مذاهبهم الفقهية مثلاً مع احترامه وتقديره وإجلاله لغيره من المذاهب؛ لكونها من أقوال أئمة مجتهدين مقرٍّ لهم بالاجتهاد.
(1) في ((الاجتهاد))(ص57).
الجزء 1 · صفحة 52
وبين مَن مشى على ما زيَّنته له نفسه من الأحكام دون أن يبلغَ الاجتهاد، أو يتَّبع أحداً من أهله المعتبرين، مُتعلِّقاً بظواهر من النصوص تَرَكَ جملةً منها الكبار لتعارضها مع ما هو أقوى منها من قرآن أو متواتر، ومتحاملاً على كلِّ مَن لم يأخذ بقوله بالتبديع والتضليل والتكفير وأشباهها، {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(1).
وإن من أدهش ما نرى إطلاق التعصّب على صاحب السلوك والسيرة والسنة الحسنة من أهل السُّنة ممَّن تنكَّبَ طريقهم وتزمَّتَ وتَعَصَّبَ لمقولته بتضليل مَن يخالفه ورميه بالتعصّب، حتى لو سُئِلَ عن معنى التعصُّب لتلعثم وأتى بأجوبة عجيبة غريبة، لا يقبلها منطق ولا علم، فإن ذُكِّرَ بأن التعصّبَ هو نقلُ الظنيِّ إلى قطعيّ، بعدم قَبول الخلاف في المسائل الفرعية، وإجبار الآخرين على رأيه، وهذا لا يقول به أصحاب المذاهب الفقهية الذين ترميهم بالتعصب، وإنما هو قولك وقول أمثالك ممَّن لا يرون إلا أنفسهم ويريدون حمل غيرهم على قولهم.
وإيضاحاً لهذا يتوجَّب علينا أن نفرِّق بين التمذهب الممدوح الذي هو سبيل الأئمة والعلماء، وبين التعصُّب المذموم الذي هو سبيل أهل البدع والأهواء؛ لنخرج من هذه الورطة الظلماء بالنور الرباني والطريق الرحماني: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}(2)، فأقول وبالله التوفيق:
أما التمذهبُ فقد انتهيت من تحقيق مباحثه وتنقيح مسائله، وردّ شبهات الطاعنين فيه في كتاب ((المدخل))، وأضيف هنا: أنه الطريق الحقّ الذي أرشدنا إليه ربُّنا - جل جلاله - في قوله: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}(3).
(1) الملك:22.
(2) الأنعام: 122.
(3) النحل: 43.
الجزء 1 · صفحة 53
وبه تشهد سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعليمه وإقراره لأهل الاجتهاد في مسائل لا تعدّ ولا تحصى في المدينة وخارجها، نقتصر منها على طلبه من سيدنا معاذ - رضي الله عنه - الاجتهاد حين بعثه لليمن، إذ قال له - صلى الله عليه وسلم -: ((بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنَّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهدُ فيه برأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسوله))(1)، والاجتهاد يلحقه تقليد واتباع وتمذهب بقول المجتهد كما هو معلوم.
وعليه سار الصحابة - رضي الله عنه - بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ انتقلوا إلى الأمصار، وصار كلٌّ منهم متبع ومقلّد في مصره، قال العلامة الدِّهلوي(2): ((انقضى عصره الكريم - صلى الله عليه وسلم -...، ثم إنهم تفرَّقوا في البلاد وصار كلُّ واحد منهم مقتدىً في ناحية من النواحي. فكثرت الوقائع ودارت المسائل، فاستفتوا فيها فأجاب كلُّ واحد حسب ما حفظه أو استنبطه...)).
وبذلك تكوَّنت نواة المذاهب الفقهية من كبار الصحابة - رضي الله عنهم - ففي المدينة: زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة - رضي الله عنهم -، وفي الشام: أبو الدرداء وعبادة بن الصامت - رضي الله عنهم -، وفي مكة: ابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهم -، وفي الكوفة: علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -؛ إذ يسرَّ الله - جل جلاله - لهم تلاميذ حفظوا مسائلهم وضبطوها ونقلوها لمَن بعدهم على تفاوت بينهم، قال ابنُ جرير: ((لم يكن أحدٌ له أصحاب معروفون، حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود - رضي الله عنه -))(3).
(1) في ((سنن أبي داود))(3: 3103)، و((سنن الترمذي))(3: 616).
(2) في ((الإنصاف))(ص23).
(3) ينظر: ((مقدمة نصب الراية))(1: 305).
الجزء 1 · صفحة 54
وبرزَ في أشهر الأمصار أئمة مجتهدون حرَّروا وضبطوا وقعَّدوا لما توارثوه عن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - في تلك الأمصار، فنسبت مذاهب أولئك الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - لهم، وعُرفت بهم؛ لا لكونهم ابتدعوها، ولكن لإظهارهم ونقلهم وتدليلهم وتفريعهم عليها.
قال الدكتور مصطفى الخن(1): ((ولكن المشكلة: الظنّ بأن أئمة المذاهب هم واضعوها!! والواقع أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - متبع لإمامه ابن مسعود، ومالك لإماميه ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم -، والشافعي لهؤلاء.. والصحابة - رضي الله عنهم - هم الذي اصطفاهم الله - جل جلاله - لتبليغ الرسالة وحمل الأمانة التي بلغها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... وما فعله الأئمة إنما هو تحرير لقواعدهم ولأصولهم الاجتهادية، والتي تخيروها وفق ما فهموه من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة واجتهاداتهم...)).
وعلى التمذهب بمذاهب الأئمة الأربعة مشت الأمّة طوال قرونها دون إنكار منكر معتد به، فلا تجد مفسّراً ولا محدِّثاً ولا أصولياً ولا فقيهاً إلا وهو متمذهبٌ بأحدها، وآخذ بناصيتها كالطحاوي والزَّيْلَعيّ والعَيْنيّ وابن عبد البر والقاضي عياض والبَيْهَقي والخطيب البَغْدادي وابن عساكر وابن الصلاح والنَّوَويّ والعراقيّ وابن جماعة وابن حَجَر والسَّخاوي والسُّيوطي والجصاص والنسفي وابن العربي والبَغوي وابن كثير والبَيْضاوي والزَّركشي وابن الجَوزي وابن الهُمام والسَّرَخْسي والبَزْدَويّ وابن الحاجب وإمام الحرمين والغَزالي والشِّيرازي والسُّبكي وابن قدامة وغير من أعلام الإسلام وأئمته على مدار التاريخ.
(1) في تقديمه لكتاب ((التمذهب))(ص7).
الجزء 1 · صفحة 55
قال اليافعي(1): ((الناظر في التاريخ الإسلامي يجد أن الأئمة والمصلحين والقادة على مرّ الزمان من بعد استقرار المذاهب الأربعة كلّهم متمذهبون فدونك كتب التاريخ والتراجم والسير تَعْرِف ذلك، ودونك كتب الطبقات تجد فيها تلك المسالك...)).
فالمنكر للتمذهب منكرٌ لما عليه أئمة الدين قاطبة، ومخالفٌ لما انعقد عليه إجماعهم، ففي ((الفروع))(2): ((وفي الإفصاح : أن الإجماع انعقد على تقليد كلّ من المذاهب الأربعة, وأن الحقّ لا يخرج عنهم)).
وقال العلامة الدِّهلوي(3): ((هذه المذاهبُ الأربعةُ المدوَّنةُ المحرَّرةُ قد اجتمعت الأمة أو مَن يعتد بها منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى لا سيما في هذه الأيام التي فصرت فيها الهمم جداً، وأشربت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأي برأيه)).
وقال الفقيه الحطاب(4): ((التقليد: هو الأخذ بقول الغير من غير معرفة دليله، والذي عليه الجمهور أنه يجب على مَن ليس فيه أهلية الاجتهاد أن يقلِّدَ أحدَ الأئمة المجتهدين سواء كان عالماً أو ليس بعالم)).
وقال الفقيه عليش(5): ((وقد أجمع أهل السنة على وجوب التقليد على مَن ليس فيه أهلية الاجتهاد)).
وقال الإمام ابنُ قدامة في ((الروضة)): وأما التقليد في الفروع فهو جائز إجماعاً، فكانت الحجّةُ فيه الإجماع(6).
وهذا الإجماع من الأمّة على التمذهب راجع لأسباب عديدة مرَّ ذكر بعضها سابقاً؛ إذ أن هذه المذاهب قد اكتملت على أتم صورة بجهود متوالية من أئمة وعلماء في كلِّ مذهب، فلا يوجد سبب وجيه يدعو لنبذها والدعوة للتمسك بغيرها.
(1) في ((التمذهب))(ص101).
(2) 6: 421).
(3) في ((الإنصاف))(ص97).
(4) في ((مواهب الجليل))(1: 30).
(5) في ((فتح العلي المالك))(1: 90).
(6) ينظر: ((شرح الكوكب المنير))(ص621).
الجزء 1 · صفحة 56
قال العلامة الكوثري - رضي الله عنه -(1): ((مذاهب تكون بهذا التأسيس، وهذا التدعيم إذا لقيت في آخر الزمن، متزعِّماً في الشَّرع، يدعو إلى نبذ التَّمذهب بها باجتهاد جديد يقيمه مقامها، محاولاً تدعيم إمامته باللامذهبية بدون أصل يبني عليه غير شهوة الظهور، فتبقى المذاهب وتابعوها في حيرة، بماذا يحلُّ أن يلقب مَن عنده مثل هذه الهواجس والوساوس، أهو مجنون مكشوف الأمر، غَلِطَ مَن لم يقده إلى مستشفى المجاذيب، أم مُذبذب بين الفريقين يختلف أهل العقول في عدّه من عقلاء المجانين، أو مجانين العقلاء)).
فتسمكاً بدين الله - جل جلاله - وخوفاً منه - عز وجل - أَغْلَقَ العلماءُ باب التلاعب في الدين بالاجتهاد المطلق لعسرته وإن لم يكن لاستحالته للمتأخرين, فلم يقبلوا من أحد بعد الأئمة الأربعة هذا النوع من الاجتهاد، وها هو جلال الدين السُّيوطي مع علو منزلته عندما ادّعى الاجتهاد أنكروا عليه أشدّ الإنكار.
قال الفقيه ابن حَجَر الهيتمي - رضي الله عنه -: ((لَمَّا ادَّعى الجلالُ ذلك قامَ عليه معاصروه ورموه عن قوس واحد، وكتبوا له سؤالاً فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجهين وطلبوا منه إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد، وهو اجتهاد الفتوى، فليتكلَّم على الراجح من تلك الأوجه بدليل على قواعد المجتهدين فردَّ السؤال من غير كتابة عليه، واعتذر بأن له اشتغالاً يمنعه في النظر في ذلك.
وقال الشهاب الرملي - رضي الله عنه -: فتأمَّل صعوبةَ هذه المرتبة أعني اجتهاد الفتوى الذي هو أدنى مراتب الاجتهاد يظهر لك أن مدَّعيها فضلاً عن مدّعي الاجتهاد المطلق في حيرة من أمره وفساد فكره، وأنه ممَّن ركب متن عمياء، وخبط خبط عشواء...
(1) في ((مقالاته))(ص222).
الجزء 1 · صفحة 57
ومَن تصوَّرَ مرتبة الاجتهاد المطلق استحيا من الله - جل جلاله - أن ينسبَها لأحد من أهل هذه الأزمنة... بل نقل ابن الصلاح - رضي الله عنه - عن بعض الأصوليين أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي - رضي الله عنه - مجتهد مستقل...
فإذا لم يتأهل هؤلاء الأكابر ـ أي كإمام الحرمين والغزالي ـ لمرتبة الاجتهاد المذهبي، فكيف يسوغ لمَن لم يفهم أكثر عباراتهم على وجهها أن يدَّعى ما هو أعلى من ذلك وهو الاجتهاد المطلق؟ سبحانك هذا بهتان عظيم...
وقال الشمس الرملي - رضي الله عنه - عن والده شيخ الإسلام أبي العباس الرملي - رضي الله عنه - أنه وقف على ثمانية عشر سؤالاً فقهية سئل عنها الجلال من مسائل الخلاف المنقولة، فأجاب عن نحو شطرها من كلام قوم من المتأخرين كالزركشي واعتذر عن الباقي بأن الترجيحَ لا يقدم عليه إلا جاهل أو فاسق...))(1).
فتأمّل نظرت هؤلاء الأئمة لمَن يرجِّح في داخل المذهب وهو ليس أهلاً لذلك، فإنه إما أن يكون جاهلاً أو فاسقاً، فما بالك بمَن ليس من أهل النظر ويرجّح بين المذاهب الأربعة وغيرها كيفما بدا لرغباتها ونزوالته وميولاته، فما هو حاله، وقد ذكر شيخنا العلامة عبد الكريم المدرس أنه الترجيح بين المذاهب الأربعة فسق، نسأل الله العفو والعافية.
قال حجّة الإسلام الغَزالي(2): ((فأمّا مَن ليس له رتبة الاجتهاد، وهو حكم كلّ أهل العصر فإنما يفتي فيما يسأل عنه ناقلاً عن مذهب صاحبه فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له أن يتركه)).
وقال الحافظ الذهبي(3): ((ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة، وقلَّ مَن ينهضَ بمعرفتها كما ينبغي، فضلاً عن أن يكون مجتهداً)).
(1) ينظر: ((فيض القدير))(1: 15-16).
(2) في ((الإحياء))(1: 46).
(3) في ((سير أعلام النبلاء))(8: 92).
الجزء 1 · صفحة 58
وقال المؤرّخُ ابنُ خلدون(1): ((ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ودُرِسَ المقلِّدون لمَن سواهم، وسَدَّ الناسُ باب الخلاف وطرقه لَمّا كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم، ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله، ومَن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز، وردّوا الناس إلى تقليد هؤلاء كلّ مَن اختصّ به من المقلدين.
وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب، ولم يبقَ إلا نقل مذاهبهم، وعمل كلّ مقلِّد بمذهب مَن قلَّدَه منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا محصول اليوم للفقه غير هذا. ومدّعي الاجتهاد لهذا العهد مردودٌ منكوص على عقبه مهجور تقليده، وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة...)).
وقال العلامة علي حيدر(2): ((المتأخرون من الفقهاء قد أجمعوا على سدِّ باب الاجتهاد خوفاً من تشتت الأحكام؛ ولأن المذاهب الموجودة ـ وهي المذاهب الأربعة ـ قد ورد فيها ما فيه الكفاية إلا أن فريقاً من المسلمين وهم الشيعيون لم يزل باب الاجتهاد مفتوحا عندهم للآن)).
ولا يتسع المقام إلى أكثر ممَّا ذكرنا فإن فيه كفاية لأهل الدين، وتبصرة للمتبصرين من كثير ممّن يفتون في زماننا على اختلاف أحوالهم وأمصارهم، وجرأتهم العجيبة على دين الله - جل جلاله -، من غير علم ولا دراية، فلا تستغرق أعوص المسائل الفقهية وأحكمها أكثر من ثوان معدودة، حتى يأتي لك بالعجب العجاب في الجواب، {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}(3).
(1) في ((مقدمته))(ص314).
(2) في ((درر الحكام شرح مجلة الأحكام))(1: 34).
(3) الحج: 46.
الجزء 1 · صفحة 59
قال اليافعي(1): ((بعض الناس في هذه الأزمان، ممَّن لم يتفقَّهوا على مذهب، وإنما غاية ما عندهم هو ثقافة فقهية أخذوها من هنا وهناك، وقد يكونون مشهورين إذا ورد على أحدهم سؤال في مسألة لم يقرأها من قبل، وما أكثر المسائل التي لم يقرأها، فكَّر دقيقة أو أقلَّ من ذلك، ثمّ قال: الذي يظهر لي أن المسألة حكها كذا... والعلم عند الله.
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس
فإذا قيل لهذا المسكين: من أين لك هذا؟
قال: اجتهدت فإن أصبت فلي أجران وإن أخطأت فلي أجر، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب له أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)).
وما درى المسكين أن هذا في حقّ مَن له الأهلية، أما مَن ليس كذلك كصاحبنا فهو موزورٌ غير مأجور ولو أصاب.
قال الخطابي: هذا فيمن كان من المجتهدين، جامعاً لآلة الاجتهاد، عارفاً بالأصول بوجوه القياس، فأمّا مَن لم يكن محلاً للاجتهاد، فهو متكلّفٌ ولا يُعذَرُ بالخطأ في الحكم، بل يُخافُ عليه أعظم الوِزْر.
وقال النَّووي: أجمعُ المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم... فأما مَن ليس بأهل للحكم فلا يحلّ له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو آثمٌ، ولا ينفذُ حكمُه سواءٌ وافقَ الحقّ أم لا؛ لأن إصابتَه اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاصٍ في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودةٌ، ولا يُعْذَرُ في شيء من ذلك...)).
وبهذا يتبيَّنُ أنه لا بُدَّ للمفتي وطالب العلم ممَّن ليس له أهلية النظر أن يتمذهبَ بأحد مذاهب أهل السُنة المعتبرة، بمعنى التزام أقوال مذهب معين لا يخرج عنها في استفتائه ودراسته وتعلّمه وتعليمه وعلمه.
(1) في ((التمذهب))(ص86-87).
الجزء 1 · صفحة 60
وإن ما أشيع في هذا العصر من التعصّب المذهبي في العصور السابقة بسبب تمذهبهم بمذاهب أئمة الإسلام وتمسّكهم بها، فإن فيه مجازفة ومبالغة عظيمة، كان وراءها أصابع خفيّة تسعى إلى تحقيق مآرب وأهداف خاصّة من نشر فكر تتبناه، وهدم لأركان بنيان هذه الأمة وهي المذاهب الفقهية؛ إذ بوجودها لا يمكن لأصحاب الأهواء والمصالح تحقيق غاياتهم.
فهي سدٌّ منيعٌ في وجه كلِّ متلاعب أفّاك؛ ولذا كان لا بُدّ قبل تمرير مخطَّطاتهم من ضرب هذه المذاهب بالتهم المتنوعة ومن بينها تهمة التعصّب؛ لاستباحة مخالفتها وانتهاك حرمتها.
وتوضيح ذلك أن الفقهَ يُمَثِّلُ الجانبَ العمليَّ التطبيقي للإسلام، فهو الإسلامُ حقيقةً في حياة الناس، وهو قانونُ يُنَظِّمُ علاقةَ الإنسان مع خالقه - جل جلاله - وأهله وجيرانه ومجتمعه وحاكمه وغيرها، فالتزام الفرد والمجتمع إجمالاً بمذهب معين يجعل الصورة واضحة في معرفة كلّ إنسان ما له من الحقوق وما عليه من الواجبات، ويغلق الباب على هوى النفس من التلاعب وأكل حقوق الآخرين، فالفرد والمجتمع المتمذهب متدين ومشتغل بالعمل والدعوة لله - جل جلاله -، ومنصرفٌ عن الجدال والمراء والتلاعب بأحكام الدين.
وهذا الأمرُ لا يسرّ مطلقاً أعداء الله - جل جلاله -، فإنّ حياتَهم وسيطرتَهم علينا قائمةٌ على فساد مجتمعاتنا وانغماسها في الشهوات، وكثرة الفتن والنزاعات بين أفرادها، ولا سبيل لهم لذلك إلا بإضعاف تمسكنا بديننا من خلال السعي لتحريفه وإعطاء صورة بشعة عنه بتمكين مَن ليس أهلاً للتكلُّم فيه والمجادلة.
فتتحقَّقُ الغاية من تشتيت الناس في التزام الأحكام لكثرة المتلاعبين فيه من غير لا حجّة ولا برهان، وإشاعة لبعض مسائل، وحمل المسلمين عليها، وتبديع وتضليل وتكفير كلّ مَن لا يقول بها، وإشغال الناس بسفاسف الأمور.
الجزء 1 · صفحة 61
وهذه الوسيلةُ هي التي اتبعتها بريطانيا عند حكمها لمصر فلم تستطع مسكّ زمام الأمور، وإشاعة أفكارها وآرائها في المجتمع المصري، إلا بعد أن حرَّفت مناهج الأزهر، وجَرَّأة القائمين عليه على الدين باعتبار أنهم مجتهدون، وهذا ما صَرَّحَ به كرومر في مذكراته، فقال: وجاء سيل الانجليز ومبشروهم يدخلون بأفكارهم وآرائهم المخرِّبة المستوردة في المجتمع المصري بعد أن أجازوها على الأزهر وعلمائه باسم الاجتهاد وتحت امتيازاته...
وعلَّقَ على ذلك الدكتور البوطي(1)، فقال: ((بهذا أدخل قاسم أمين أفكاره عن المرأة والحجاب، وبهذا تسلّل الانجليز نفسه إلى الأزهر في أشخاص كثيرين من ممثليه وأتباعه وبطانته، وبهذا نسخت أحكام ومناهج إسلامية عظيمة بأحكام ومناهج أوروبية سخيفة.
إن شيئاً من ذلك لم يتمّ باسم الدعوة إلى نبذ الدين، وإنّما تمّ كلّ ذلك باسم الدعوة إلى الاجتهاد… إن الاجتهادَ الذي إذا فتحَ بابه دخل فيه مع الرجل الواحد الصالح عشرون من الرجال المفسدين، جدير ببابه أن يظلَّ مقفلاً لا يفتح. وإذا صَحَّ أن يوجدَ مثالٌ متفق عليه عند المسلمين كلهم لقاعدة سدّ الذرائع، فأجدر به أن يكون هو هذا المثال…)).
وما حصل في مصر شاعَ وذاعَ في البلاد، فكثر المجتهدون الجدد، وصار كلُّ ملتزم متمسك بدينه يرمى بأنه متعصِّبٌ... زوراً وبهتاناً، ودفع هذه الفرية فيما يلي:
أولاً: إن التعصُّبَ لغة معناه التجمّع والتكتل، ومنه العصابة والعصبة: أي الجماعة، وفي التنزيل: {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ}(2)، وقد يكون ذلك التجمّع والتقوية والنصر على الحقّ، وقد يكون على الباطل، وشائع استخدامه فيهما(3).
(1) في ((محاضرات في الفقه المقارن))(ص8).
(2) يوسف: 14.
(3) ينظر: ((اللسان))(1: 502)، و((كشف الأسرار))(3: 238).
الجزء 1 · صفحة 62
وبذلك فإنه لا حرجَ في التعصُّب للمذاهب بمعنى التجمُّع والنصرة على الحقّ، ولا يجوز إذا كان بمعنى التجمّع والنصرة على الباطل أو على الحقّ والباطل معاً(1).
ثانياً: إن التعصّبَ اصطلاحاً: هو عدمُ قَبول الحقِّ والصواب عند ظهور الدليل، قال شيخ الإسلام التفتازاني(2): ((التعصّبُ: هو عدم قَبول الحقّ عند ظهور الدليل بناء على ميل إلى جانب)).
ومن المعلوم عند العلماء المعتمدين قاطبة أن ظهورَ الدليلَ لا يكون للعامي، وإنّما لمَن كان له أهلية النظر، إذ أنه نوع اجتهاد، وكلّ كتب الأصول تذكر الشروط التي يجب توفّرها في المجتهد، فلا يتحصَّلُ ذلك لأي أحد، قال العلامة علي حيدر(3): ((إن للمجتهد شروطاً وصفات معيّنة في كتب أصول الفقه, فلا يقال للعالم: مجتهد ما لم يكن حائزاً على تلك الصفات)).
لذلك اتفق الأئمةُ على عدم جواز ترك المفتي قول إمامه لمخالفته لظاهر دليل ما لم يكن هذه المفتي من أهل النظر.
وقال الحافظ أبو زرعة العراقي - رضي الله عنه -: ((لا يسوغ عندي لمن هو من أهل الفهم ومعرفة صحيح الحديث من سقيمه، والتمكُّن من علمي الأصول والعربية، ومعرفة خلاف السلف ومأخذهم، إذا وجد حديثاً صحيحاً على خلاف قول مقلّده: أن يترك الحديث ويعمل بقول إمامه))(4)، وسيأتي زيادة تفصيل وتحقيق هذا فيما بعد.
وعليه فإنّ التمسّك بمذهب والأخذ بجميع مسائله ممَّن لم يبلغ أهلية النظر، ليس بمذموم مطلقاً، بل ممدوحٌ ومنقبةٌ لفاعله، وهو الحقّ الصريح، كما دلَّت عليه عبارات فحولُ العلماء السابق ذكرها، أمّا مَن بلغَ أهلية النظر في الدليل، فيحلّ له أخذ ما رآه راجحاً، وإن لم يقبل الحقّ مع ظهور الدليل لديه يسمّى متعصّباً إن كانت عادته ذلك لا غير.
(1) ينظر: ((التمذهب))(ص139).
(2) في ((التلويح))(2: 92).
(3) في ((درر الحكام))(1: 34).
(4) ينظر: ((أثر الحديث الشريف))(ص53-54).
الجزء 1 · صفحة 63
ونستهشد على ذلك بكلام اللكنوي في ابن الهُمام وهو من أهل النظر والاجتهاد، إذ قال فيه(1): ((لا يُنكر وجود التعصُّب في بعض المسائل والصلابة في بعض الدَّلائل من ابن الهُمام، كما لا يَخفى على مَن طالع بحث سؤر الكلب، وغيره، وإنصافه في كثير من المواضع، فإنَّهُ كثيراً ما يرجّح ما وافق الأحاديث، وإن خالفت الجمهور، ويسير إلى قوّة الخلاف، وإلى ما هو المنصور.
وهذا لا يصحح إطلاق المتعصِّب والصلب الذي يؤدِّي مؤدّاه عليه، فإنَّ مثلَ هذا اللفظ إنّما يطلق على مَن كانت عادته ذلك، ويخفي الحقّ كثيراً مع ظهور الحقّ فيما هنالك، وإلا فالتعصُّب أحياناً أمرٌ قَلَّ مَن خلي عنه، ولا يطلق على مَن يَسلك مَسلك التَّعصّب أحياناً أَنَّهُ مُتعصب أو مُتعسف، وهذا كما أنّ مُنْكَرَ الحديث لا يطلق في عُرْف المحدِّثين على مَن رَوَى مُنكراً، إلا على مَن كان غالب رواياته منكراً...)).
وأيضاً بكلام الإمام النَّوويِّ في العلامة ابن المُنذر وهو ممَّن بلغ أهلية النظر؛ إذ وصفه بعدم التعصّب لأخذه بما وافق الدليل، فقال(2): ((هذا كلام ابن المُنذر الذي لا شَكّ في إتقانه وتحقيقه وكثرة اطلاعه على السُنة ومعرفته بالدلائل الصحيحة وعدم تعصُّبه...)).
ثالثاً: إنّ المتعصِّبَ: هو المتكبرُ المعاندُ وإن كان عاقلاً عالماً بقبح ما يعتقده من البدع، أو صاحب عقيدة منحرفة تمنعه من قبول الحقّ مع ظهور الدليل.
قال الأصولي علاء الدين البخاري - رضي الله عنه -(3): ((رأيت في بعض الحواشي أن المتعصِّبَ مَن يكون عقيدته مانعة من قَبول الحقِّ عند ظهور الدليل)).
(1) في ((إبراز الغي))(ص31).
(2) في ((المجموع))(2: 65).
(3) في ((كشف الأسرار))(3: 238).
الجزء 1 · صفحة 64
وقال المحقِّقُ صدرُ الشريعة - رضي الله عنه -(1): ((اعلم أن البدعةَ لا تخلو من أحد الأمرين إمّا تعصّب, وإمّا سفه; لأنه إن كان وافر العقل عالماً بقبح ما يعتقده, ومع ذلك يعاند الحقّ ويكابرُه فهو المتعصّب, وإن لم يكن وافر العقل كان سفيهاً إذ السفه خفّة, واضطراب يحمله على فعل مخالف للعقل لقلّة التأمّل)).
وبذلك يكون المتعصِّب منحرفاً في عقيدته، من أصحاب البدع، وهذا الانحراف العقدي مانع له من قَبول الحقّ والتزامه مع ظهور الأدلة الدامغة عليه.
والمتمذهبون بمذاهب أهل السنة، هم أهل الحقّ، وليسوا من أهل البدع والانحرافات العقدية، كما سبق، بل كلّ مَن يَتَنَكَّبُ طريقهم، ويسلك خلاف مسلكهم هو المبتدعُ المنحرفُ المغيِّرُ لشرع الله - جل جلاله -، وهؤلاء هم الذين يرمون المتمذهبين بالتعصّب، وينطبق عليهم المثل القائل: ((رمتني بدائها وانسلت))، مع أن التعريفَ السابق للمتعصّب واضح كلَّ الوضوح في بيان حقيقة مَن هو المتعصِّبُ حقيقة من أهل الزيغ والانحراف.
قال الإمام اللكنوي - رضي الله عنه -(2): ((ولا عجبَ فإن التعصُّب والتصلُّب يعمي ويصمّ عن الطلب ويرمي في حفرة الكرب والتعب ويهدي إلى أودية العطب، ويُدلى في بئر ذات شَرر ولهب...)).
رابعاً: إن المتعصِّبَ هو السفيه المجافي لمذاهب أهل السنة، المنتقص منها والطاعن واللامز فيها، المتحامل عليها، قال خاتمة المحققين ابن عابدين - رضي الله عنه - في ((العقود الدرية))(2: 333): ((قال فخرُ الإسلام لَمَّا سُئِلَ عن التعصّب؟ قال: الصلابة في المذهب واجبة, والتعصّب لا يجوز, والصلابة: أن يعملَ بما هو مذهبه ويراه حقّاً وصواباً, والتعصّبُ: السفاهة والجفاء في صاحب المذهب الآخر وما يرجع إلى نقصه ولا يجوز ذلك، فإن أئمةَ المسلمين كانوا في طلب الحقّ، وهم على الصواب)).
(1) في ((التوضيح))(2: 92).
(2) في ((تنبيه أرباب الخبرة))(ص423-430).
الجزء 1 · صفحة 65
وهذا النصّ غاية في النصاعة والوضوح في بيان أن التمسّكَ والتصلّب والتمذهب بمذهب واعتقاد أنه صواب وحقّ أمر لا مراء ولا شقاق فيه، وهو ممّا يمدح به المرء وترتفع درجته، وتعلو مكانته، بخلاف مَن يلمز ويغمز بمذاهب أهل السنة وأئمتها ولا يرضى بكلامهم، ويُكثر الطعن فيها، فإنه هو المتعصِّبُ المتردي في الهاوية.
قال العلامة ابن فروخ - رضي الله عنه -(1): ((وقد نصَّ علماؤنا وغيرهم من أصحاب المذاهب على حرمة التعصّب وتصويب الصلابة في المذهب، ومعنى الصلابة: أي الثبات على ما ظهر للمجتهد من الدليل وليس ذلك إلا للمجتهد نفسه أو لمَن هو من أهل النظر ممَّن أخذ بقوله، والتعصّب: هو الميلُ مع الهوى لأجل نصرة المذهب ومعاملة الإمام الآخر ومقلِّديه بما يحطّ عنهم...)).
والناظر لواقعنا يلمس بكلِّ جلاء أن أكثرَ مَن يرمون المتمذهبين بالتعصّب هم الذين يطعنون في المذاهب وأئمتها وعلمائها، فهم الأحقّ بهذا الوصف؛ لما عندهم من الكبر والتعالي عن الآخرين.
قال العلامة القرافي - رضي الله عنه -(2) من أصناف التكبرين: ((المتجادلون في مسائل الدين بالهوى والتعصّب تأبى نفسه من قَبول ما سمعه من غيره, وإن اتضح سبيله، بل يدعوه كبره إلى المبالغة في تزييفه وإظهار إبطاله، فهو على حدّ قوله - جل جلاله -: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}(3)، {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}(4)، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: كفى بالرجل إثماً إذا قيل له: اتق الله أن يقول: عليك بنفسك...)).
(1) في ((القول السديد))(ص3).
(2) في ((أنوار البروق))(4: 246).
(3) فصلت:26.
(4) البقرة:206.
الجزء 1 · صفحة 66
وقال الفقيه ابن حَجَر(1): ((التعصُّبُ للمذاهب والأهواء, والحقد على الخصوم, والنظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار, وذلك ممّا يهلك العباد والعلماء فضلاً عن غيرهم, فإن الاشتغالَ بالطعن في الناس وذكر نقائصهم ممّا جبل عليهم الطبع.
فإذا خيل الشيطان إليه أن ذلك هو الحقّ زاد فيه واستكثر وحلا له وفرح به ظناً منه أنه يسعى في الدين، وما هو إلا ساع في اتباع الشيطان دون اتباع المتعصّب له من الصحابة - رضي الله عنهم - أو مَن بعدهم.
ولو اعتنى بصلاح نفسه وكان على نحو أخلاق مَن تعصّب له لكان ذلك هو الأولى له والأحرى به, وظنّ أن التعصّب له بنقص الناس واحتقارهم بحبّه إليه كاذب, فإنه لو كان حيَّاً لم يتعصَّب لنفسه وعفا عمَّن سفه عليه فاتباعه أولى بذلك منه , وكلّ مَن تعصَّب لإمام ولم يسر على سيرته، فذلك الإمام هو خصمه، ومن جملة الموبخين له...)).
خامساً: إن الاختلاف في الفروع لم يكن يوماً مذمّة ومُقْبَّحة عند العقل والإنصاف؛ لأنه جرى عليه الصحابة - رضي الله عنهم - ومَن بعدهم من الأئمة - رضي الله عنهم -، وإنما اللوم على مَن ينكر هذا الاختلاف ويتزمّت لرأيه ويجبر الآخرين عليه وإلا رماهم بأقبح التهم؛ لأنه عدَّ الاختلاف في الفروع كالاختلاف في العقائد.
قال المفسّر ابن العربي المالكي - رضي الله عنه -(2): ((والحكمة في ذلك أن الاختلاف والتفرق المنهي عنه إنما هو المؤدي إلى الفتنة والتعصب وتشتيت الجماعة; فأما الاختلاف في الفروع فهو من محاسن الشريعة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران, وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد))...))(3).
(1) في ((الزواجر عن اقتراف الكبائر))(1: 143).
(2) في ((أحكام القرآن))(1: 382).
(3) في ((صحيح البخاري))(6: 2676).
الجزء 1 · صفحة 67
وقال العلامة يحيى بن سعيد - رضي الله عنه -: ((ما برح المستفتون يستفتون، فيحلّ هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرِّمُ أن المحلِّلَ هلكَ لتحليله، ولا يرى المحلِّلُ أنّ المحرمَ هَلَكَ لتحريمه))(1).
وهذا ما أقرّه مجمع الفقه الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة في مكة 24/صفر/1408هـ، ومما ورد في قراره: ((الاختلاف الفقهي ليس نقيصة ولا تناقضاً في ديننا، ولا يمكن ألا يكون، فلا يوجد أمة فيها نظام تشريعي كامل بفقهه واجتهاده ليس فيها هذا الاختلاف الفقهي الاجتهادي...
فأين النقيصة في وجود هذا الاختلاف الفقهي الذي أوضحنا ما فيه من الخير والرحمة، وأنه في الواقع نعمة ورحمة من الله - جل جلاله - بعباده المؤمنين، وهو في الوقت ذاته ثروة تشريعية عظمى، ومزية جديرة بأن تتباهى بها الأمة الإسلامية.
ولكن المضللين من الأجانب الذي يستغلون ضعف الثقافة الإسلامية لدى بعض الشباب المسلم، ولا سيما الذي يدرسون لديهم في الخارج، فيصوّرون لهم اختلاف المذاهب هذا كما لو كان اختلافاً عقائدياً ليوحوا إليهم ظلماً وزوراً بأنه يدلّ على تناقض الشريعة دون أن ينتبهوا إلى الفرق بين النوعين وشتان بينهما!...
وأمّا تلك الفئة الأخرى التي تدعو إلى نبذ المذاهب، وتريد أن تحمل الناسَ على خطٍّ جديد لها، وتطعن في المذاهب الفقهية القائمة، وفي أئمتها أو بعضهم، ففي بياننا الآنف عن المذاهب الفقهية ومزايا وجودها وأئمتها ما يوجب علهيم أن يكفوا عن هذا الأسلوب الذي ينتهجونه ويضللون به الناس، ويشقون صفوفهم ويفرِّقون كلمتهم في وقت نحن أحوج ما نكون إلى جمع الكلمة في مواجهة التحديات الخطرة من أعداء الإسلام بدلاً من هذه الدعوة المفرّقة التي لا حاجة إليها)).
(1) في ((جامع بيان العلم))(1057).
الجزء 1 · صفحة 68
وبهذا يظهر أن السيرَ على هذه المذاهب الفقهية رغم اختلافها لا منقصة فيه، وإنّما المنقصة على يترك طريقها ويذمّها، ويطعن في أئمتها، ويسعى أن يقيمَ مذهباً جديداً على هواه، ويحمل الناس عليه، وإلا فهم متعصّبون مبتدعون ضالون.
سادساً: إن تصويرَ العلاقة بين أصحاب هذه المذاهب بأنها قائمة على تعصّب كلٍّ منهم لما ذهب إليه، وتحامله على غيره، غير صحيح البتة، بل إنّ جماهيرَ علماء وعامّة هذه المذاهب يُكنون لبعضهم البعض كلّ احترام وتقدير وتوقير كما تشهد به كتبهم وحياتهم وتراجمهم.
ولم يقف الأمر عند هذا فحسب، بل إننا نجد أن كبار علماء المذاهب كانوا يؤلِّفون كتباً في إنصاف أئمة المذاهب الأخرى، وإنزالهم المنزلة الرفيعة التي يستحقونها وردّ كلام بعض أتباع هذه المذاهب ممَّن لا يميّزون الشمال من اليمين والغث من السمين.
فها هو الفقيه ابن حجر الهيتمي الشافعي يؤلِّفُ ((الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان))، والسُيوطي الشافعي يؤلف ((تبييض الصحيفة في مناقب أبي حنيفة))، وابن عبد الهادي الحنبلي يؤلِّف ((تنوير الصحيفة في مناقب أبي حنيفة))، وابنُ عبد البر المالكي يؤلِّف ((الانتقاء في فضل الأئمة الثلاثة الفقهاء))، والشعراني الشافعي يؤلِّف ((الميزان)) في إنصاف كلّ من الأئمة الأربعة وأصحابهم وهكذا.
وكلُّ هذا يضحض هذه الفرية بتعصِّب أصحاب هذه المذاهب على بعضهم البعض، فكيف يتعصَّبون وكلّ هذه التآليف الرائقة في ثناء بعضهم على بعض موجودة، وبعبارة التقدير والاحترام مشحونة؟!!
الجزء 1 · صفحة 69
سابعاً: إن المناقشات العلمية الدائرة بين أرباب هذه المذاهب السنية تقوم على الإنصاف والاعتدال، واحتجاج كلِّ منهم بأدلة تقوي مذهب دون غمز أو لمز، بل مع الاحترام والإكبار للمخالف إلا فيما شذّ من بعض كتب الردود لبعض أتباع هذه المذاهب على بعض كأبي عبد الله الجرجاني وأبي منصور البغدادي والقفال الشاشي وابن الجويني والكردري والقاري وغيرهم(1).
ومع ذلك لو غُضَّ البصر وأُهمل ما كان فيها خارجاً عن دائرة الإنصاف وداخلاً في باب الاعتساف، فإنّ لهذه الكتب الدرجة العالية في تفتيح مدارك المتعلم، وتوسيع فهم المتفقه، وصقل عقليته العلمية، بالإضافة إلى إحكام بنيان هذه المذاهب، وكثرة الاستدلال لمسائلها والتأييد لها، ورفع همم أصحابها في الدفاع عنها والكفاح دونها ممَّا يؤدي إلى استمرارها ونموها؛ ولولا هذه المماحكات والمشادات بين أرباب هذه المذاهب لكانت أثراً بعد عين.
قال الدكتور مصطفى الخن(2): ((الخلاف في الفروع بعد الاتفاق على الأصل، فما هو إلا اختلاف في الطريق الموصل إلى الحقيقة، لا في الحقيقة نفسها، وقد يكون في هذا الخلاف توسعة على السائرين ورفق بهم ورحمة، وجدير به أن لا يمت إلى الانشقاق لا من قريب ولا من بعيد. وهذا هو شأن المذاهب الفقهية.
ولئن رأينا في بعض البلدان وفي بعض العصور أن المذهبيةَ كانت عاملاً من عوامل التفرّق بين المسلمين، فلنعتقد أن هذا راجع إلى سوء فهم هؤلاء وجهلهم بالحقيقة، لا إلى وجود المذاهب نفسها، وما شأن هؤلاء إلا كشأن إنسان وجد في السوق سكيناً تباع ؛ لتكون مرتفقاً للناس، فاشتراها، فقتل بها نفسه، وكثيراً ما يستعمل الإنسان في الشرّ ما كان موضوعاً في أصله لاستعماله في الخير...)).
(1) ينظر: ((مقدمة الغرة المنيقة))(ص6-7).
(2) في ((أثر الاختلاف))( ص8).
الجزء 1 · صفحة 70
ثامناً: إن ما يصوِّره أعداء هذه المذاهب من التعصّب بتقديم قول إمام المذهب على الحديث، ليس صحيحاً قطعاً؛ لأنه لا شكّ في أفضلية وأولية حديث رسول - صلى الله عليه وسلم -، ومَن ظنّ غير هذا خيف عليه، ولكن المسألة مختلفة اختلافاً كاملاً.
ذلك بأن إمام المذهب اجتهد في استخراج الحكم الشرعي من نصوص القرآن والسنة النبوية وآثار الصحابة - رضي الله عنهم - بعد الجمع والتنقيح وعرضها على الأصول، ولم يخالف الحديث إلا لدليل أقوى منه من آية أو حديث آخر؛ لحصول نسخ أو تأويل أو تخصيص أو ما شابهه.
ولا يعدّ مثل هذا من التعصّب إلا بجهل أو هوى عند العقلاء والعلماء؛ لأن استخراجهم الأحكام الشرعيّة من نصوص إمامهم لا من نصوص الشارع؛ لأن إمامَهم قام بمرحلة استخلاص الفروع المنضبطة من نصوص الشرع لا غير.
ومن ثَمَّ قعَّد لهم القواعد المحكمة والأصول الدقيقة التي يمكنهم منها استنباط الأحكام الشرعية، بدل أن يبدأوا من جديد بإخراج القواعد من القرآن والسنة؛ لأخذ الأحكام منها؛ إذ أنهم بذلك يبذلون جهداً في أمر تَمَّ وانتهى فلا طائل من إضاعة العمر فيه إلا التقعاس عن إيفاء حاجات الناس في المسائل الفرعية، وإيقاف نمو وشموخ وازدهار هذا الصرح الفقهي العظيم، كما سيأتي.
الجزء 1 · صفحة 71
تاسعاً: إن حاملين لواء هذه الدعوة ينبذون المذاهب وكأنها مأخوذة من هوى الأنفس، ويدّعون أنهم يريدون أن يرجعوا إلى الكتاب والسنة، وكأن هذه المذاهب مستقاة من غيرهما، قال الدكتور علي نايف البقاعي(1): ((ويطالعنا بعض أهل هذا العصر بدعوةٍ جديدة إلى الأخذ من الكتاب والسنة كما هو مذهب السلف، وهل بنيت المذاهب الأربعة على غير الكتاب والسنة! أو خرج أحد الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد عن أن يكون من سلف هذه الأمة! أما كانوا جميعاً في خير القرون التي زكاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فإن لم يكونوا من السلف فمن السلف إذن؟
إن وضع الأئمة الأربعة في صفٍّ مضاد للسنة أو للسلف تجنٍّ عليهم، وهو مرفوض؛ لأن مذاهبَهم قد بُنيت بناءً محكماً على الكتاب والسنة…. وأخشى أن تكون هذه الدعوى دعوة حقّ يراد بها باطل؛ لأن هذه المذاهب الأربعة قد بيَّنت لنا كيفية الأخذ من الكتاب والسنة في كتبها الأصولية والفقهية، بينما أصحاب هذه الدعوة رفعوا شعاراً لم يضعوا تحته أي منهج، وادّعوا الاجتهاد وألزموا الناس باتّباعهم)).
فأي تعصبّ أعظم من هذا التعصّب في التهجم على مذاهب الإسلام ونبذها، والرجوع إلى هوى الأنفس، وتخبط العقول المتنكبت عن طريق الصراط المستقيم، {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}(2).
قال العلامة الزرقاني - رضي الله عنه -(3): ((لمثل هذا أربأ بنفسي وبك أن نتهم مسلماً بالكفر أو البدعة والهوى لمجرد أنه خالفنا في رأي إسلامي نظري، فإن الترامي بالكفر والبدعة من أشنع الأمور، ولقد قرر علماؤنا أن الكلمةَ إذا احتملت الكفر من تسعة وتسعين وجهاً، ثم احتملت الإيمان من وجه واحد حُملت على أحسن المحامل، وهو الإيمان، وهذا موضوع مفروغ منه، ومن التدليل عليه.
(1) في ((الاجتهاد في علم الحديث))(ص567-569).
(2) النور: 16.
(3) في ((مناهل العرفان))(2: 27-28).
الجزء 1 · صفحة 72
لكن يفت في عضدنا غفلة كثير من إخواننا المسلمين عن هذا الأدب الإسلامي العظيم الذي يحفظ الوحدة ويحمي الأخوة ويظهر الإسلام بصورته الحسنة ووجهه الجميل من السماحة واليسر واتساعه لكافة الاختلافات الفكرية والمنازع المذهبية والمصالح البشرية ما دامت معتصمة بالكتاب والسنة على وجه من الوجوه الصحيحة التي يحتملها النظر السديد والتأويل الرشيد... وأقرر وأكرر أن الحكمَ على فرد أو جماعة بالبدعة والهوى لا يجوز أن يكون مبنياً على غير بدعة أو هوى)).
وخلاصة ما سبق فإن دعوى التعصّب على المتمذهبين هي ضرب من الخيال ليس في لها الواقع مجال، وإنها صادرة من فئتين:
الأولى: تساهلة في أحكام الدين ولم يلزمها نفسها إلا بمظاهر سطحية من أحكامها، وكلّما أخبرتهم عن حكم معلوم من الدين بالضرورة في بعض الأحايين تركوه وأعرضوا عنه بدعوى أن هذا من التعصّب، وأن الدين يسر، وبعضهم وصل به الأمر إلى أن نزع حجاب محارمه، وتلبس بالربا، وأباح وأباح....
والثانية: تشددة فيما حقّه اليسر، وتساهلة فيما حقّه التمسك، وسعت سعيها الدؤوب لحمل الناس على رأيها وقولها وإن كان مخالفاً لإجماع الأئمة، ولم يسبق أن قال به أحد من الأئمة.
فلما مَرَّ ينبغي للمسلم الفطن أن يسيرَ على خطى سلفنا وخلفنا الصالح بالتمسّك بدينه وأحكامه، فإنّ الأمّةَ لا تجتمع على خطأ، وكلّ علمائها وحفّاظها ومفسّروها وغيرهم كانوا متمذهبون بهذه المذاهب الحق، فالتنكب عن طريق خطر كلّ الخطر، ولا أظنّ أمراً أعظم من هذا في زماننا، وهذا ما يسعى له أعداؤنا، ويردّده بعضهم وهم لا يدرون أنهم لا يدرون، فنسأل الله العفو والعافية والسلامة في الدنيا والآخرة.
وطالما تمَّ تجلية مسألة التمذهب بهذه الصورة الواضحة الناصعة، وقد سار عليها علماء الأمة سلفاً وخلفاً، فينقدح في البال بعض التساؤلات المتعلّقة بذلك، فنبيِّنها في النقاط التالية:
أولاً: تمذهب العامي:
الجزء 1 · صفحة 73
إن ممّا شاع واشتهر أن العامي لا مذهب له، وإنما مذهبه مذهب مفتيه، وقد جعل خاتمة المحققين ابن عابدين - رضي الله عنه - مطلباً في ذلك فقال(1): ((مطلب العامي لا مذهب له: قلت: وأيضا قالوا العامي لا مذهب له, بل مذهبه مذهب مفتيه, وعلله في ((شرح التحرير)) بأن المذهبَ إنّما يكون لمَن له نوع نظر واستدلال وبصر بالمذهب على حسبه, أو لمَن قرأ كتاباً في فروع ذلك المذهب وعرفَ فتاوى إمامه وأقواله. وأما غيره ممَّن قال أنا حنفي أو شافعي لم يصر كذلك بمجرد القول كقوله أنا فقيه أو نحوي. اهـ...
وإنما أطلنا في ذلك لئلا يغترّ بعض الجهلة بما يقع في الكتب من إطلاق بعض العبارات الموهمة خلاف المراد فيحملهم على تنقيص الأئمة المجتهدين, فإن العلماءَ حاشاهم الله تعالى أن يريدوا الازدراء بمذهب الشافعي أو غيره, بل يطلقون تلك العبارات بالمنع من الانتقال خوفاً من التلاعب بمذاهب المجتهدين, نفعنا الله تعالى بهم, وأماتنا على حبهم آمين. يدل لذلك ما في ((القنية)): ليس للعامي أن يتحول من مذهب إلى مذهب, ويستوي فيه الحنفي والشافعي. اهـ)).
(1) في ((رد المحتار))(4: 80).
الجزء 1 · صفحة 74
وهذا أيضاً ما قرَّره ابن نجيم - رضي الله عنه - فقال(1): ((إن كان عامياً ليس له مذهب معين، فمذهبه فتوى مفتيه كما صرَّحوا به...، ولا عبرة برأيه وإن لم يستفت أحداً، وصادف الصحّة على مذهب مجتهد أجزأه))(2).
(1) في ((البحر الرائق))(2: 90).
(2) هذا ما قرَّره الحنفية، أما السادة الشافعية فقد حصل لديهم خلاف في المسألة: فقال إلكيا: يلزمه. وقال ابن برهان: لا , ورجحه النووي، وهو الصحيح, فإن الصحابة - رضي الله عنهم - لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم من غير تقليد... وذكر بعض الحنابلة أن هذا مذهب أحمد... وتوسط ابن المنير فقال: الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأئمة الأربعة, لا قبلهم. والفرق أن الناس كانوا قبل الأئمة الأربعة لم يدونوا مذاهبهم ولا كثرت الوقائع عليهم, حتى عرف مذهب كل واحد منهم في كل الوقائع وفي أكثرها , وكان الذي يستفتي الشافعي - مثلا - لا علم له بما يقوله المفتي , لأنه لم يشتهر مذهبه في تلك الواقع , أو لأنها ما وقعت له قبل ذلك , فلا يتصور أن يعضده إلا سر خاص , وأما بعد أن فهمت المذاهب ودونت واشتهرت وعرف المرخص من المشدد في كل واقعة, فلا ينتقل المستفتي - والحالة هذه - من مذهب إلى مذهب إلا ركونا إلى الانحلال والاستسهال. وحكى الرافعي عن أبي الفتح الهروي أحد أصحاب الإمام أن مذهب عامة أصحابنا أن العامي لا مذهب له. كما في ((البحر المحيط))( 8: 374-375)، وقريب منه في ((المجموع))( 1: 93-94)، وفي ((تحفة المحتاج))(3: 330): ((وزعم أن العامي لا مذهب له ممنوع، بل يلزمه تقليد مذهب معتبر وذاك إنما كان قبل تدوين المذاهب واستقرارها)).
الجزء 1 · صفحة 75
فعامة المسلمين الذين لم تتوافر لهم وسائل النظر فى الأدلة والاجتهاد فى استنباط الأحكام، فهم المقلدون الذين يجب عليهم الأخذ بمذاهب المجتهدين، إذ كلّ مَن جهل حكماً ولم يكن فى استطاعته الاجتهاد وجب عليه أن يسأل عنه العلماء به؛ لقوله - جل جلاله -: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}(1).
وإلا لتعذر العمل عليه وكان تكليفه به مع عدم القدرة على استنباطه تكليفاً بما ليس فى الوسع، فكان من رحمة الله - جل جلاله - بعباده أن شرعَ لهؤلاء الرجوع إلى العلماء، ولم يلزمهم النظر والاجتهاد؛ لعدم تمكنهم منهما وعدم توافر وسائلهما لديهم.
وقد ذهب جمهور الأصولين إلى أن العامى وهو الذى ليس له أهلية الاجتهاد فى الأحكام وإن كان محصلاً لبعض العلوم يجب عليه اتباع قول المجتهدين، والأخذ بفتواه للآية السالفة، وهى عامةٌ لكلّ المخاطبين الذين لم تتوافر لهم وسائل العلم بالأحكام؛ ولأن العامة فى زمن الصحابة والتابعين كانوا يستفتون المجتهدين منهم ويتبعونهم فيما بيَّنوه لهم من الأحكام وكان المجتهدون يبادرون إلى إفتائهم والكشف لهم عمَّا جهلوا، ولم ينكروا عليهم استفتاءهم إياهم، فكان ذلك إجماعاً على مشروعية التقليد فى الفروع.
غير أن العامى فى الاستفتاء مقيّدٌ باستفتاء مَن عُرِفَ بالعلم والعدالة، وأهلية النظر فيما يستفتى فيه، فلا يجوز له أن يستفتى مَن لم يعرف بالعلم والعدالة احتياطاً فى أمر الدين.
والحقّ الذى ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا يجب عليه التمذهب بمذهب معين، بل له أن يعمل فى مسألة بقول أبى حنيفة مثلاً، وفى أخرى بقول مجتهد آخر للقطع بأن المستفتين فى كلّ عصر من زمن الصحابة ومَن بعدهم كانوا يستفتون مرّة واحداً، ومرّة غيره غير ملتزمين مفتياً واحداً.
(1) الأنبياء: 7.
الجزء 1 · صفحة 76
وعلى ذلك لو التزم مذهباً معيّناً كمذهب أبى حنيفة أو الشافعى لا يلزمه تقليده فى كل مسألة، وقد اختار ذلك الآمدى وابن الحاجب والكمال والرافعى وغيره؛ لأن التزامه غير ملزم، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله…(1).
ثانياً: الافتاء بغير مذهبه:
إن الأصلَ للمفتي المقلِّد أن لا يفتي إلا بمذهب إمامه؛ إذ أن تقليد إمام معيّن حكم مبنيّ على المصالح الشرعية؛ لئلا يقع الناس في اتباع الهوى، فإن التقاط رخص المذاهب بالهوى والتشهي حرام، ولذلك منع كثير من العلماء التلفيق بين المذاهب، وليس جميع ذلك إلا لوقاية الناس عن اتباع أهوائهم الفاسدة، وإلا فالمحقق أن جميع مذاهب المجتهدين محقّة لا سبيل لطعن في أحد منها؛ لأن كل مجتهد بذل ما في وسعه من جهد في الوصول إلى مراد النصوص واستخراج الأحكام منها.
فليست الشريعة منحصرةٌ في مذهب إمام واحد، بل كل مذهب جزء من أجزاء الشريعة وطريقة من طرق العمل عليها، ومَن ظن أن الشريعة منحصرة في مذهب واحد من هذه المذاهب فإنه مخطئ بيقين.
ومن هذه الجهة ربما يجوز لمفتي مذهب واحد أن يختار قول المذهب الآخر للعمل أو للفتوى بشرط أن لا يكون ذلك بالتشهي المجرّد واتباعاً للهوى، وإنما يجوز ذلك في حالتين:
الأولى: الضرورة أو الحاجة: وذلك أن يكون في المذهب في مسألة مخصوصة حرج شديد لا يطاق أو ضرورة واقعية لا محيص عنها فيجوز أن يعمل بمذهب آخر؛ دفعاً للحرج، ورفعاً للضرورة وهذا كما أفتى علماء الهند بمذهب المالكية في مسألة المفقود وغيرها.
(1) هذا خلاصة ما في فتوى محمد حسنين مخلوف في التمذهب من ((فتاوى الأزهر))(7: 173).
الجزء 1 · صفحة 77
وقد نصّ علماء المذهب على ذلك في بعض المسائل(1)، فقد صرَّح جمعٌ من الحنفية كالقُهُستاني(2) والحصكفي(3)، وابن عابدين(4) وغيرهم: ((بأنّه لو أفتى حنفيٌّ في هذه المسألة بقول مالك - رضي الله عنه - عند الضرورة لا بأس به)). وقد قال في ((البزَّازية)): ((الفتوى في زماننا على قول مالك - رضي الله عنه -))، وقال الزَّاهدي: ((كان بعض أصحابنا يفتون به للضرورة))(5).
وقال الفقيه الشُّرُنْبُلاليّ(6): ((وفي ((معراج الدراية)) معزياً إلى فخر الأئمة: لو أفتى مفتٍ بشيء من هذه الأقوال في موضع الضرورة طلبا للتيسير كان حسناً. اهـ)).
وقال الفقيه ابن حجر الهيتمي(7): ((إذا زادت المشقّة في التزامه هنا، فلا عتب على المتخلص بتقليد مذهب آخر)).
وقال شيخنا محمد تقي العثماني حفظه الله(8): ((وقد تعقدت في عصرنا المعاملات وكثرت فيها حاجات الناس، ولا سيما بعد حدوث الصناعات الكبيرة وشيوع التجارة فيما بين البلدان والأقاليم، فينبغي للمفتي أن يسهل على الناس في الأخذ بما هو أرفق فيما تعم به البلوى، سواء كان في غير مذهبه من المذاهب الأربعة، وقد أوصى بذلك شيخ مشايخنا العلامة رشيد أحمد الكنكوهي صاحبه الشيخ العلامة أشرف علي التهانوي وقد عمل بذلك التهانوي في كثير من المسائل في ((إمداد الفتاوى)).
ولكن يجب لجواز الإفتاء بمذهب الغير بسبب الحاجة أو عموم البلوى أن تتحقق الشروط الآتية:
أن تكون الحاجة شديدة والبلوى عامة في نفس الأمر لا مجرد الوهم بذلك.
(1) ينظر: ((أصول الإفتاء))(ص52-53)، وغيره.
(2) في ((جامع الرّموز))(2: 217).
(3) في ((الدرِّ المنتقى شرح الملتقى))(1: 713-714).
(4) في ((ردّ المحتار))(3: 330).
(5) ينظر: ((رد المحتار))(4: 296).
(6) في ((حاشيته على درر الحكام))(1: 40).
(7) في ((تحفة المحتاج))(3: 256)، ومثله في ((حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج))(3: 79)، وغيره.
(8) في ((أصول الإفتاء))(ص58-59).
الجزء 1 · صفحة 78
أن يتأكد المفتي بآراء غيره من أصحاب الفتوى بمسيس الحاجة، والأحسن أن لا يتبادر بالإفتاء منفرداً عن غيره، بل يجتهد أن يضمّ معه فتوى غيره من العلماء؛ لتكون الفتوى جماعياً لا انفرادياً.
أن يتأكد ويتثبت في تحقيق المذهب الذي يريد أن يفتي به تحقيقاً بالغاً، والأحسن أن يراجع في ذلك علماء ذلك المذهب ولا يكتفي برؤية مسألة في كتاب أو كتابين؛ لأن كل مذهب له مصطلحات تخصه وأساليب ينفرد بها، وربّما لا يصل إلى مرادها الحقيقي إلا مَن مارس هذه المصطلحات والأساليب.
أن يؤخذ ذلك المذهب بجميع شروطه المعتبرة عنده؛ لأن لا يؤدي ذلك إلى التلفيق في مسألة واحدة.
الثانية: أن يكون المفتي متبحراً في المذهب عارفاً بالدلائل؛ له نظر عميق في القرآن والسنة وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد، ولكنّه اطلع على حديث واضح الدلالة ولا يجد له معارضاً إلا قول إمامه، فحينئذ يسوغ له الأخذ بقول مجتهد عمل بذلك الحديث... ولا يخفى أن ذلك لمَن كان أهلاً للنظر في النصوص ومعرفة محكمها من منسوخها، فإذا نظر أهل النظر في الدليل وعملوا به صحّ نسبته إلى المذهب...)).
ومن المسائل المتعلّقة بما سبق ذكره من التمذهب والتعصب هي مسألة إغلاق باب الاجتهاد؛ إذ يعتبر بعضهم أنها ظهرت بسبب التعصّب والجمود والتقليد الذي شاع، وهذا الكلام محلّ نظر، كما سيتبين لك في المفهوم التالي:
المفهوم الرابع:
إغلاق باب الاجتهاد...
منعاً للتلاعب بالشريعة...
من المسائل التي أثارت جدلاً وما زالت هي مسألة إغلاق باب الاجتهاد، وفتحه من جديد، وقد مال إلى هذا الرأي الأخير كثير من المعاصرين؛ لعروض الحوادث والمستجدات التي لم تكن في العصور السالفة، وأطلقوا على الطور الفقهي الذي تلى الأئمة الأربعة، طور التقليد والجمود، وهذه نظرة غير صحيحة ولا دقيقة في فهم هذه المسألة.
الجزء 1 · صفحة 79
قال العلامة الكيرانوي - رضي الله عنه -(1): ((وأما مسألة انقطاع الاجتهاد فمبني على الاستقراء والتتبع، وليست بمسألة شرعية ثابتة من الكتاب والسنة لا نفياً ولا إثباتاً، فالاعتراض عليها من الجهالات.
ولو سلم أن الاجتهاد لم ينقطع بعد فهو لا يستلزم أن يسلَّم لكل مَن يدعي الاجتهاد أنه مجتهد، نعم إن شهد له الأحوال ووجدت فيه شرائط يسلم له ذلك، وإلا فلا، وبعد التسليم لا يلزم واحد أن يقلده، نعم يكون له أن يجتهد لنفسه ويعمل بما أدى إليه اجتهاد، ولا يمكن له إلزام أحد تقليده لا سيما إذا كان منكراً للتقليد، ومخالفاً له أشدّ المخالفة، ودعوته الناس إلى مذهبه مناقض لمذهبه؛ لأنه مذهبه حرمة التقليد فكيف يصح دعوته للناس إلى تقليد نفسه؟)).
وإيضاحاً لهذه المسألة، ووضعاً للأمور في نصابها بعد كثرة الغلط والشغب فيها، فلنعرضها في نقاط تيسر فهمها على النحو الآتي:
الأول: إن إغلاقَ باب الاجتهاد بمعنى إيقاف استخراج الأحكام الشرعية، لم يقول به أئمتنا وفقهاؤنا السابقون؛ لأنهم استمروا في استنباط الأحكام وتخريجها على مدار القرون، بدليل أن الفقه كان هو الحاكم في حياتهم الشخصية، والقضائية، والدولية، فقوانين الدول الإسلامية المتعاقبة كانت مأخوذة منه، ومع ذلك لم نقف منهم على شكوى من تقصير الفقه والفقهاء في إيفاء حاجاتهم؛ إذ العلماءُ كانوا يبيِّنوا ويستخرجوا من الأحكام ما يسدَّ حاجة مجتمعاتهم.
وإن كتب الفتاوى والمطولات الفقهية لأكبر دليل على أن بابَ الاجتهاد لم يغلق؛ لأننا نجد فيها من المسائل الجديدة المستنبطة ما لا يعد ولا يحصى في كلّ عصر وزمان.
(1) في ((قواعد في علم الفقه))(20: 72).
الجزء 1 · صفحة 80
فمعنى سدّ باب الاجتهاد هو سدُّ باب التلاعب في الشريعة لموافقة الأهواء والملذات، وتلبيةً للرغبات والجاه والسلطان، والذي يقوم على البدء من جديد باستنباط الأحكام من الكتاب والسنة، وعدم الاستفادة ممَّا فعله أئمة الدين في استخراج الفروع والتأصيل والتقعيد.
قال العلامة الأذرعي: ((الوجه سدّ هذا الباب في هذا الزمان إذا لو فتح لأدى إلى مفاسد لا تحصى فالصواب سد الباب, وإسدال الحجاب وفطم الجهال عن هذا المحال))(1).
فكلّ مُتكبِّر متعجرف قرأ كتاباً أو كتابين يدَّعي أنه أهل للرجوع للكتاب والسنة، وبناء الأحكام عليها، فيأتي بالعجب العُجاب ممَّا يتوافق مع هواه، ويحقِّقُ مصلحته في التملّق، ممّا حدا بعلمائنا أن يقولوا بسدِّ هذا الباب من التلاعب في الشريعة حفظاً لكتاب الله - جل جلاله - وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم الاستعاضة عنه بآلية جديدة في الاجتهاد مبنية على اجتهاد أئمة الدين، ومضبوطة بقيود تمنح مَن يلجها أن يتلاعب بالأحكام، وذلك بفتح باب الاجتهاد والاستنباط والاستخراج من خلال أصول الأئمة وقواعدهم وفروعهم.
وما نراه في زماننا من التلاعب الكبير في شرع الله - جل جلاله - فهو بسبب فتح هذا الباب، حتى تطاول على دين الله - جل جلاله - العوام وصغار الطلبة، وغدونا نسمع ونرى ونقرأ كلّ يوم من الفتاوى لا سيما على الفضائيات ما يقشعر به البدن، ولا حَلّ للخروج من هذه الورطة الظلماء إلا بالالتزام والتقيّد بطريق سلفنا وخلفنا في الاجتهاد والفتوى.
الثاني: إن الأدقَّ في فهم الطور السابق هو اعتباره مرحلةً اختفى فيها ظهور أئمة مجتهدين مستقلين، معترف لهم بذلك من الرَّأي الفقهي العام. ويبدأ هذا الطَّور بنهاية طور الاجتهاد المستقل، وما زال إلى يومنا هذا(2).
(1) ينظر: ((فتاوى الرملي))(4: 123).
(2) ينظر ((الموسوعة الفقهية المصرية))(1: 37).