الجزء 9 · صفحة 7
زبدة النهاية لعمدة الرعاية
على شرح الوقاية
للعلامة عبد الحميد بن عبد الحليم بن عبد الحكيم بن عبد الرب ابن بحر العلوم عبد العلي محمد الأنصاري اللكنوي
توفي سنة (1353هـ)
متن الوقاية لبرهان الشريعة (ت673هـ) في الأعلى
ويليه شرح الوح الوقاية لصدر الشريعة (ت747هـ)
ويليه زبدة النهاية لعمدة الرعاية على شرح الوقاية لمحمد عبد الحميد اللكنوي
ويليه غاية العناية على زبدة النهاية لعمدة الرعاية للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
تحقيق وتعليق: الأستاذ الدكتور صلاح بو الحاج
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 9 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
«عمدة الرعاية في تحرير الكلام وزبدة السعاية في تقرير المرام»
حمد مَن أعلى أعلام الشرع على أعلى المشارع، وشرف عباده بشرائف الشرائع وأسس قواعد الإسلام، وشيَّدَ أصول الأحكام ليتفقهوا في الدين، ويسلكوا مناهج اليقين، تنزَّه بجلال كماله عن إدراك البصائر، وتقدَّسَ بكمال جلاله عن الاشباه والنظائر.
أحمده حمد مَن غاص في بحار الامتثال، فنال درر الفضل والنوال، على ما فتح لنا أبواب الفقه والدراية للترقي إلى مراقي الفلاح، وأوضح لنا معالم العناية للسلوك في سبيل النجاح، ومَنَّ علينا بنصب الراية في مسالك الهداية.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، وهو الكبير المتعال، وأشهد أن سيدَنا وسندَنا ومولانا محمداً عبده المجتبى ورسوله المختار، وزين المرسلين والأخيار، إنسان عين الوجود، والسبب في ظهور كلّ موجود، وصاحب الشريعة الغراء الفائحة، والطريقة البيضاء اللائحة، صلى الله تعالى وتبارك وسلم، وبارك عليه وعلى آله بإحسان إلى يوم الدين من الفقهاء والمجتهدين.
أما بعد:
فيقول العبدُ الفقيرُ الحقيرُ المشتاقُ (¬1) إلى فتح القدير وعونه الكبير أبو حامد محمد عبد الحميد الأنصاري الحنفي القادري اللكنوي الفرنكي محلي (¬2) ـ تجاوز الله عما جناه
¬
(¬1) في الأصل: المفتاق.
(¬2) وترجمته على ما في «نزهة الخواطر» (8: 228): «الشيخ العالم الفقيه عبد الحميد بن عبد الحليم بن عبد الحكيم بن عبد الرب ابن بحر العلوم عبد العلي محمد الأنصاري اللكهنوي، أحد العلماء المشهورين.
ولد ونشأ ببلدة لكهنؤ، واشتغل أياماً على صنوه عبد المجيد، ثم لازم عمه شيخنا محمد نعيم النظامي اللكهنوي، وتفقه عليه، ودرس مدة طويلة وصنف وذكر، حتى حصلت له الوجاهة العظيمة في عوام أهل البلدة، ولقبته الدولة الإنكليزية بشمس العلماء.
ومن مصنفاته: «الكلام القدسي في تفسير آية الكرسي»، و «الحل الضروري حاشية القدوري»، وله «حاشية على المجلد الثالث من شرح الوقاية» وهو تكملة «عمدة الرعاية» للعلامة عبد الحي اللكهنوي، وله «ضمين الصرف»، ورسائل عديدة بالأردو.
مات في الخامس عشر من شوال سنة ثلاث وخمسين وثلاثمئة وألف».
الجزء 9 · صفحة 9
وأوصله في الدارين إلى غاية ما يتمنّاه بكرمه الخفيّ والجليّ ـ ابن كنز دقائق المعقول والمنقول، والبحر الرائق من الفروع والأصول، ونور أنوار الطريقة القويمة، شمس فلك الشريعة المستقيمة، العارف الواقف بأسرار الرب الحكيم، مولانا الحافظ الشيخ أبي الحياء محمد عبد الحليم ابن أستاذ أساتذة العصر، وشيخ جهابذة الدهر، مقدام الفضلاء الكرام، إمام الكملاء العظام، قطب سماء التحقيق، مركز دائرة التدقيق، وارث جنات النعيم، مولانا الشيخ أبي البقاء محمد عبد الحكيم ـ قدس الله تعالى سرهما الشريف، وأعم علينا برّهما المنيف ـ.
إن علم الفقه لا يخفى جلالة قدره ورفعة شأنه، ولا يفتقر إلى إعلان فضله وبيانه؛ إذ به يعرف تفصيل الأحكام، وتمييز الحلال عن الحرام، فمَن توغّل فيه تعلماً وتعليماً، فقد فاز فوزاً عظيماً؛ ولذا قال أصدق قائل وأنجح سائل (¬1)، خير الخيرة وسيد العالمين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله في في كل وقت وحين: «مَن يرد الله به خيراً يفقه في الدين» (¬2)، و «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» (¬3).
وصنفت فيه متون وجيزة، وشروح غزيرة، ومن أجلها فائدة وأكملها، وأحسنها عائده وأفضلها: «وقاية الرواية في مسائل الهداية» للمحقق العريف والمدقق الغطريف، إمام الفقهاء الفخام، ومستند العلماء الأعلام، عديم السهيم في الفيض العميم، والخير الجاري، برهان الشريعة محمود بن صدر الشريعة أحمد بن جمال الدين بن أبي المكارم عبد الله بن إبراهيم العبّادي المحبوبيّ البُخاري.
وشرحها للفقيه العلامة والنبيه الفهامة، البحر الزاخر، والغيث الماطر، المشتهر في المشارق والمغارب، صيت فضله الموفور، صدر الشريعة عبيد الله بن تاج الشريعة محمود بن صدر الشريعة الأكبر المزبور ـ أدخلهم الله تعالى دار السلام، وأفاض علينا فيوضهم إلى يوم القيام ـ، فإنهما لاحتوائهما على المسائل الفرعية والدلائل الشرعية،
¬
(¬1) في الأصل: وسائل.
(¬2) في «صحيح البخاري» (1: 37)، و «صحيح مسلم» (2: 718)، و «سنن ابن ماجة» (1: 80)، وغيرها.
(¬3) في «سنن الترمذي» (5: 48)، و «سنن ابن ماجة» (1: 82)، وغيرها.
الجزء 9 · صفحة 10
هبت عليهما رياح القبول، وصارت امتداد ولين بين النحارير الفحول، واشتهرا في الأمصار كالشمس في نصف النهار.
وكتبوا عليهما الشروح والحواشي؛ لتزيد فوائدهما وتزيل عنهما الغواشي، ومنهم الفاضل الكامل فخر الأماجد والأماثل، البحر الزخار، والغيث المدرار، المحدث الفقير، والمفسّر النبيه، أخي وأستاذي مولانا الحاج الحافظ، أبو الحسنات محمد عبد الحي النصاري الحنفي القادري اللكنوي ـ رحمه الله العزيز الأكبر الحليم القوي ـ، وقد علَّق على ذلك الشرح تعليقاً نفيساً، حاوياً لحل المشكلات، كافياً لفتح المغلقات، كافلاً لتنقيح المأرب، حافلاً لتوضيح المطالب، متضمناً للفوائد العجيبة، ومشتملاً على النكات الغريبة، وسمّاه بـ
«عمدة الرعاية في حلّ شرح الوقاية».
لكن لما قوض خيام التعليق على المجلدين الأولين من الشرح المذكور، توفّاه الله تعالى، وأقامه في دار الرضوان، ومحلّ السرور، وبقي المجلدان الأخيران محتاجين إلى مثل هذا التعليق الأنيق، والحل الرشيق.
والمشتاقون كانوا في فرط الشوق والغرام، وصار أقلّ لحظات طلبهم ما بين شهر وعام، فلما فرغت من تسويد «الحلّ الضروري لمختصر القدوري»، ووفقت لاختتامه، وفاح مسكّ ختامه، التمسوا أن أُعَلِّقَ عليهما تعليقاً كافياً لإيضاح المطالب، وافياً لتحصيل المآرب، مرصصاً للمسائل الفرعية بالدلائل الشرعية، ضابطاً للفروع والأصول، مؤسّساً للمنقول بالمعقول، مشتملاً على الأبحاث الشريفة، والنكات اللطيفة، مفيداً للطالبين، ومفيضاً للراغبين.
فشرعت فيه مستعيناً بحول الله وقوته، ومتمسكاً بحبل فضله ورحمته، وسمّيته بـ:
«زبدة النهاية لعمدة الرعاية»
اللهم اجعله تذكرة للمتذكرين، وتبصرة للمتبصرين، وانفع به عبادك الطالبين، وتقبَّله منّي واجعله ذخراً ليوم الدين، بحرمة سيّد الأبرار، وآله الأطهار، وأصحابه الأخيار، وصلّ وسلم عليه وعليهم آناء الليل والنهار.
• • •
الجزء 9 · صفحة 11
كتاب البيع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب البيع [_]
===
[_] قوله: كتاب البيع؛ لمَّا فرغَ المصنّف (عن «كتابِ الوقف» شرعَ في «كتاب البيع»؛ لمناسبةٍ بينهما، وهي: أن الوقفَ إزالةُ الموقوفِ عن ملكِ الواقف، أمّا على قولهما فظاهر، وأمَّا على قول أبي حنيفةَ (فبعدَ حكمِ الحاكم.
وفي البيع إزالةُ المبيعِ عن ملكِ البائع، مع إدخالِهِ في ملكِ المشتري، فنُزِّلَ الوقفُ في ذلك مَنْزلة البسيطِ من المركب، والبسيطُ مقدَّمٌ على المركبِ طبعاً، فقدَّمه وضعاً.
ولمّا كان البيعُ مصدراً، والأصلُ في المصدر أن لا يثنّى ولا يجمع، فأورده بلفظِ المفرد، ومن جمعَهُ نظراً إلى ما تحته من الأنواع، والبيعُ من الأضداد، يقال على الإخراجِ عن الملك والإدخالِ فيه، ومن هذا قوله (: «لا يخطبُ الرَّجلُ على خطبةِ أخيه، ولا يبيع على بيعِ أخيه» (¬1): أي لا يشتري على شراءِ أخيه؛ لأنَّ المنهيَّ عنه هو الشِّراءُ لا البيع، ويقع في الغالب على إخراجِ المبيعِ عن الملك قصداً.
ويتعدّى إلى المفعول الثاني تارة بنفسِه، وتارة بحرف الجر، يقال: باعه الشَّيء، وباعَ منه، وربّما دخلت اللاّم، فيقال: بعتكَ الشيء، وبعتَ لك الشيء، وباعَ عليه القاضي: أي من غير رضاه، وكذا الشِّراء قال الله (: {وشروه بثمن بخس دراهم معدوات} (¬2): أي باعوه، ويقع غالباً على إخراجِ الثَّمنِ عن الملكِ قصداً.
والبيعُ مشروعٌ:
1. بالكتاب: وهو قوله (: {وأحل الله البيع وحرم الربا} (¬3)، وهذا إنكارٌ لتسويةِ الكفَّار بينهما، حيث {قالوا إنما البيع ثم الربا} (¬4)؛ إذ الحلُّ والحرمةُ ضدّان فأنّى يتماثلان.
2. وبالسّنّة: وهو قوله (: «يا معشرَ التّجّارَ إنّ البيعَ يحضره اللَّغو والحلف، فثوّبوه بالصدقة» (¬5)، رواه أبو داود.
¬
(¬1) (_) في «صحيح البخاري» (5: 1975)، و «صحيح مسلم» (2: 1029)، وغيرهما.
(¬2) (_) يوسف: 20.
(¬3) (_) البقرة: 275.
(¬4) (_) البقرة: من الآية275.
(¬5) (_) في «سنن أبي داود» (3: 242)، و «المستدرك» (2: 6)، و «المنتقى» (1: 144)، و «جامع الترمذي» (3: 514)، وقال: «حسن صحيح».
الجزء 9 · صفحة 12
هُو مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(هُو مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ [_]
===
ومن حديث قيس بن عزرة (¬1) (: «وكذا بعثَ رسولُ الله (والنّاس يتبايعون، فقرّرهم على ذلك» (¬2)، والتَّقريرُ من وجوهِ السُّنّة.
3. وأجمعت الأمّة على كونِهِ مشروعاً.
4. وبالمعقول: وهو أنَّ الله تعالى جعلَ الملكَ سبباً لإقامةِ مصالحِ العباد، وشرعَ التِّجارةَ طريقاً إلى الاكتساب، وكلُّ ما يحتاجُ إليه كلّ أحدٍ لا يوجدُ مباحاً في كلّ موضع، وفي الأخذِ على سبيلِ التَّغالب فسادٌ، فشرعَ اللهُ أخذَ المالَ بالمالِ بالتَّراضي؛ لطفاً بالعباد، ورغّب إليه رسولُ الله (كما روي عن رافع بن خديج قال: «قيل يا رسول الله أي الكسب أطيب؟ قال: عملُ الرَّجلِ بيده وكلُّ بيعٍ مبرور» (¬3) رواه أحمد.
[_] قوله: مبادلة مال بمال: مصدر مضاف إلى مفعوله الأول، والفاعل محذوف، والتقدير أن تبادلَ المتبايعان مالاً بمال، فمال مفعول أوّل، وبمال مفعول ثان بواسطة حرف الجر، والمبادلة: باهم معاوضة كردن. كذا في «الصراح» (¬4).
فتكون على وجه التمليك فلا حاجة إلى تقديره؛ ولإخراج الرهن كما فعله بعضهم، وهذا احترازٌ عن الهبة، ولو كانت بعوض، فإن الهبة بشرط العوض وإن كانت في حكم البيع بقاءً لكنّها في ابتداءِ العقد تبرّعٌ محضٌ لا مبادلة، فلا حاجة لإخراجه إلى قيد التجارة أو الاكتساب كما فعله بعضُهم.
¬
(¬1) (_) في الأصل: غزرة، والمثبت من كتب التراجم.
(¬2) (_) هذا الحديث بهذا اللفظ لم يرد، ولكن كما هو معلوم أنه واقع لا محالة، والفقهاء بذكرهم للأحاديث يعتنون بالمعنى لا باللفظ، وقد ذكر الزيلعي في «نصب الراية» (4: 154) كثير من الأحاديث التي تشهد لهذا الحديث.
(¬3) (_) في «مسند أحمد» (3: 466)، و «المستدرك» (2: 12)، وغيره، قال الهيتمي في «مجمع الزوائد» (4: 60): «وفيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح».
(¬4) (_) «الصراح في ترجمة الصحاح» لمحمد بن عمر بن خالد، المدعو بجمال القوشي، «والصراح» فيه مفردات اللغة بالفارسية، ويحكى فيها الآيات والأشعار والأمثال بالعربية، (ت بعد 681). ينظر: «هديةالعارفين» (2: 16).
الجزء 9 · صفحة 13
يَنْعَقِدُ بِإِيجَاب وَقَبُولٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَنْعَقِدُ بِإِيجَاب وَقَبُولٍ [_]
===
والمال لغة: خواسته وايخه در ملك كسي باشد. كذا في «المنتهى الأرب»، وقال صاحب «البحر» (¬1) ناقلاً عن «الكشف»: «المال: ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، والمالية: إنّما تثبت بتموُّل الناس كافّة، أو بتقوُّم البعض، والتقوم: يثبتُ بها وبإباحة الانتفاع به شرعاً.
فما يكون مباح الانتفاع يدون تموُّل [الناس] لا يكون مالاً كحبة حنطة، وما يكون مالاً بين الناس ولا يكون مباح الانتفاع لا يكون متقوّماً كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما كالدم». انتهى.
فخرجَ به الميّتة والدم وحبة الحنطة وشعيرة وكفّ تراب وشربة ماء ممّا هو ليس مال، وبقي الخمر والخنزير وغيرهما مما هو مال لكنّه غير متقوّم للمسلم، اللَّهُمَّ إلاَّ أن يقال المراد بالمال ما هو محلُّ البيع، ومحلُّه مال متقوّم كما هو العُرف عند الفقهاء، والعرف يكون قرينة.
[_] قوله: ينعقدُ بإيجاب وقبول؛ الانعقادِ: عبارةٌ عن انضمامِ كلامِ أحد المتعاقدين إلى الآخر.
والإيجابُ: كلام أوَّلِ مَن يتكلَّم من المتعاقدين حالَ إنشاء البيع، سُمِّيَ بالإيجابِ مبالغةً لكونِهِ موجباً ومثبتاً للآخرِ خيار القَبول.
والقبولُ: كلامُ ثاني مَن يتكلَّمُ منهما في تلك الحال، وظاهرُ الكلامِ مشعرٌ بأنَّ الإيجابَ والقبولَ خارجان عن البيع، وآلتان له، مع أنَّ المصنّفَ (قد صرَّحَ هاهنا بكونهما علّة ماديّة.
وفي «التوضيح»: «بأنَّ البيعَ هو المجموعُ المركّبُ من الإيجابِ والقبولِ الموجودين حسّاً» (¬2)، والمرتبطين ارتباطاً حكميّاً، فالتأويل أنَّ الباءَ في قوله: «بمال»، بمعنى: «من»، فلا حاجةَ إلى ما قرَّره أخي جلبي (¬3)، وهاهنا أبحاثٌ لطيفةٌ مودعةٌ في المبسوطات.
¬
(¬1) (_) «البحر الرائق» (5: 277).
(¬2) (_) انتهى من «التوضيح» (1: 414).
(¬3) (_) في «ذخيرة العقبى» (ص347).
الجزء 9 · صفحة 14
بِلَفْظَي مَاضٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِلَفْظَي مَاضٍ [_]
===
[_] قوله: بلفظي ماض؛ ولا بُدَّ أن يكون أحدُهما يدلُّ على الإيجاب: كأعطيتُك وجعلتُ لك هذا بكذا، أو على القَبول: كأجزتُ وأخذت، وإنّما شرطَ المضي فيهما؛ لأنَّ البيعَ إنشاءُ تصرُّف، والإنشاءُ يعرفُ بالشَّرع؛ لأنَّ الواضعَ لم يضعْ له لفظاً خاصّاً.
والشَّرعُ استعملَ فيه اللَّفظَ الذي وضعَ للإخبارِ عن الماضي؛ لأنّه يستدعي سبقَ المخبرِ عنه؛ ليكونَ الكلامُ صحيحاً، فكان أوَّل من غيره على تحقّق الوجود، فكان أنسبَ بالإنشاءِ المحصل للوجود؛ ولأنَّ الماضي إيجابٌ وقطع، والمستقبلُ عِدَةٌ وأمرٌ وتوكيل؛ فلهذا انعقدَ بالماضي.
فإن قيل: لو قال: خذ هذا بألف، فقبلَ المشتري، انعقدَ البيع؟
أُجيب: بأنَّ انعقادَهُ ليسَ بلفظ: «خذ»، بل بالماضي الثَّابتِ اقتضاءً؛ لأنّه لمّا أمرَهُ بالأخذِ بألف، وليس له ولايةُ ذلك إلاَّ بالبيع، فصارَ كأنّه قال: بعتك هذا بألفٍ فخذه؛ لذا قال في «الدراية»: ولا ينعقد إن كان أحد اللَّفظينِ مستقبلاً نحو أن يقول البائع: أبيعُك، اشترِ مني، فقال المشتري: اشتريت، أو يقول المشتري: بعني، فقال البائع: بعتُ. كذا في «الكافي».
وفي «شرح الطحاوي»: إذا كان أَحدُ اللَّفظين مضارعاً إن أَرادَ بالمضارعِ الحال فيعتمد، وإن أرادَ به الاستقبالَ والوعدَ لا ينعقدُ. وذكرَ البِرْجَنْدِيُّ ناقلاً عن «التحفة» (¬1): إنّه باللَّفظين الماضيين ينعقدُ بدونِ نيّة الإيجابِ الحالي، وأمّا إذا كان أَحدُهما بلفظِ المستقبل فلا ينعقدُ إلاَّ بنيّةِ الإيجاب.
وقال صاحبُ «القُنْيَة» (¬2): «هذا الفقه، وهو أنَّ الشَّرعَ جعلَ الإيجابَ والقبولَ علامةَ الرِّضاء، والإخبارُ عن الحال أدّل على الرّضاءِ وقتَ العقدِ من الماضي». وإن شئتَ التَّحقيق فارجع إلى «البحر الرائق» (¬3)، و «فتح القدير» (¬4).
¬
(¬1) (_) «تحفة الفقهاء» (2: 30).
(¬2) (_) «قنية المنية» (ق146/أ).
(¬3) (_) «البحر الرائق» (5: 285).
(¬4) (_) «فتح القدير» (5: 456)
الجزء 9 · صفحة 15
وبتَعَاطٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وبتَعَاطٍ [_] (¬1)
===
فإن قلت: قد ينعقدُ البيعُ بلفظٍ واحد، كما في بيعِ الأب من طفلِه وشرائه منه، بأن يقول: بعتُ هذا منه بكذا، أو اشتريتُ هذا من ابني، فكيف يصحُّ قول الماتن: ينعقدُ بإيجابٍ وقبولٍ بلفظي ماضٍ؟
قلت: عبارة الأب؛ لكمال شفقته ووفور محبّته أقيمت مقامَ العبارتين، فلم يَحْتَجْ القَبول، فكان أصيلاً في حقّ نفسه، نائباً عن طفله حتى إذا بلغَ عليه دون أبيه.
[_] قوله: وبتعاط؛ لأنّ جوازَهُ باعتبارِ الرِّضاء وقد وجد، وحقيقته: وضعُ الثَّمنِ وأخذُ المثمّن عن تراضي منهما في المجلسِ كما قالوا، وهو يفيد أنّه لا بُدَّ من الإعطاءِ من الجانبين، وعليه الأكثرُ كما ذكره الطَّرسُوسيّ (¬2) (¬3)، وأفتى به الحَلْوَانِيّ، وفي «البَزَّازيَّة» (¬4): أنّه المختار.
لكن في «التنوير» (¬5): ويُكتفى بالإعطاءِ من أَحَدِ الجانبين على الأَصحِّ إذا لم يُصَرَّحْ مع التعاطي بعدمِ الرضاء، وفي «المنح» (¬6):وهكذا صحّحه الكمالُ في «الفتح» (¬7)، ونصَّ محمَّدٌ (على أنَّ بيعَ التَّعاطي يثبتُ بقبضِ أحدِ المتعاقدين، وهذا ينتظمُ المبيع والثّمن.
¬
(¬1) (_) التعاطي: وضع الثمن وأخذ المثمن عن تراض منهما من غير لفظة بعت واشتريت. ينظر: «أنفع الوسائل» (ص233).
(¬2) (_) وهو إبراهيم بن علي بن أحمد الطَّرسوسي، نجم الدين، قاضي القضاة، من مؤلفاته: «أنفع الوسائل إلى تحرير المسائل»، و «الفتاوى الطرسوسية» و «محظورات الإحرام»، و «الإشارات في ضبط المشكلات»، و «شرح الفوائد المنظومة»، (ت758هـ). ينظر: «تاج التراجم» (ص89 - 90)، و «الفوائد» (ص27 - 28).
(¬3) (_) في «أنفع الوسائل» (ص233).
(¬4) (_) «الفتاوى البزازية» (1: 368).
(¬5) (_) «تنوير الأبصار» (ص124).
(¬6) (_) «منح الغفار شرح تنوير الأبصار» (ق2/ 2ب).
(¬7) (_) «فتح القدير» (5: 460).
الجزء 9 · صفحة 16
في النَّفِيسِ وَالخَسِيسِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في النَّفِيسِ [_] وَالخَسِيسِ (¬1»، فمُبادلةُ المالِ [2] بالمالِ علَّةٌ صُوريَّةٍ لِلبَيْعِ، والإيجابُ والقَبُولُ والتَّعَاطِي عِلَّةٌ مادِيَّةٌ له، والمُبَادلةُ تَكَونُ بين اِثْنَيْنِ فهما العِلَّةُ الفَاعِلِيَّةُ
===
وفي «القاموس» وغيره: «التّعاطي: هو التّناول» (¬2). وهو إنّما يقتضي الإعطاءَ من جانب لا الإعطاء من الجانبين كما فَهِمَ الطَّرسُوسيّ، وفي «الكركي» (¬3): وبه يُفْتَى، واكتفى الكِرْمَانِيُّ بتسليمِ المبيعِ مع بيانِ الثّمن، أمّا إذا دفعَ الثَّمن ولم يقبض فلا يجوز، كذا في «مجمع الأنهر» (¬4).
[_] قوله: في النّفيس والخسيس؛ والمراد بالنَّفيسِ ما يكثر ثمنُهُ كالعبيدِ والإماء، وبالخسيس: ما يقلّ ثمنُهُ كاللَّحمِ والخبزِ وغيرهما، ومنهم من حدَّ النَّفيسَ بنصابِ السَّرقةِ فأكثر، والخسيسُ بما دونه. كذا في «المنح» (¬5).
[2] قوله: فمبادلة المال ... الخ؛ تفريعٌ على ما سبقَ من تعريفِ البيع، اعلم:
أوّلاً: أنَّ العلِّة ما يحتاجُ إليه الشَّيءُ في الوجود، وهي إما أن تكون جزء من المعلول أو خارجاً عنه:
والأوَّل إمّا أن يحصلَ المعلولَ له بالقوّة وهي العلّة الماديّة، أو بالفعل وهي العلّة الصوريّة، وهاتان داخلتان في المعلول.
والثاني: إمّا أن يصدرَ عنه المعلول: وهي العلّة الفاعليّة، أو لا يصدرُ عنه بل لأجله، وهي العلَّةُ الغائيّة، وهاتان خارجتان عن الماهية.
وثانياً: إنَّ المصنِّفَ (قال في «التوضيح شرح التنقيح» (¬6): «المرادُ بالحسيّاتِ ما
¬
(¬1) (_) الخسيس: كحزمة بقلة وتفاحة ورمانة، والنفيس: كعقد جوهر، ومنهم من حد النفيس بنصاب السرقة فأكثر، والخسيس بما دونه. ينظر: «منح الغفار» (ق2: 2/ب).
(¬2) (_) انتهى من «القاموس» (4: 366).
(¬3) (_) وهو إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد الكَرَكِيّ الحنفي، برهان الدين، من مؤلفاته: «فيض المولى الكريم على عبده إبراهيم» في فتاوى الفقه الحنفي، (835 - 922هـ). ينظر: «الكشف» (2: 1303)، و «النور السافر» (ص101 - 103)، و «الضوء اللامع» (1: 59 - 64).
(¬4) (_) «مجمع الأنهر» (2: 5).
(¬5) (_) «منح الغفار» (ق2/ 2ب).
(¬6) (_) «التوضيح» (1: 414).
الجزء 9 · صفحة 17
هو الصَّحِيحُ
? ولم يَقُلْ [?] على سبيلِ التَّراضي لِيَشْمَلَ ما لا يكونُ بالتَّراضي: كبيعِ المكره؛ فإنَّه بيعٌ منعقدٌ، (هو الصَّحِيحُ [2]).
إِنَّمَا قال هذا لأَنَّ [3] عند البعض (¬1)
===
لها وجود حسيّ (¬2) فقط، والمرادُ من الشرعيّات ما لها وجودُ الشرعيّ مع الوجودِ الحسيّ: كالبيع؛ فإنّ له وجوداً حسيّاً، فإنّ الإيجابَ والقبولَ موجودان حسّاً، فمع هذا الوجودِ الحسيّ له وجودٌ شرعيّ». انتهى بقدرِ الضَّرورة.
ومرَّ سابقاً أنّه هو المجموعُ المركّبُ من الإيجابِ والقبول، فالإيجابُ والقَبولُ والتَّعاطي قوامُ البيع، وبينهما وبين المبادلةِ افتقارٌ والتزام، فلمَّا كان الإيجابُ والقَبولُ والتَّعاطي بمنزلةِ المادّة، والمبادلةُ بمنزلةِ الصّورة، وصارَ الإيجابُ والقَبولُ أو التعاطي علَّة ماديّة، والمبادلة علّة صوريّة.
ولَمّا كان البيعُ صادراً من المتعاقدين، وحاصلاً منهما، صار علَّةً فاعليّة، وبقيت العلّة الغائية: وهي المصالحُ المُتَرتِّبة على البيعِ التي صدرَ البيعُ عن المتعاقدين لأجلِها، وتركها المصنّف هاهنا اكتفاءً بذكرها في (كتاب النكاح)، ونظراً إلى ظهورها بخلافِ العللِ المذكورة، فإن فيها إخفاءً بالنِّسبة إلى تلك العلّة.
[_] قوله: ولم يقل ... الخ؛ لأنَّ قيدَ التَّراضي يخرجُ بيعَ المكره، وأنّه بيعٌ أيضاً وإن كان فاسداً لما صرَّحوا بأنَّ الملكَ يثبتُ به عند القبض للفساد، فلا يناسبُ ذكرَ التَّراضي في التّعريف؛ ولذا قال في «الفتح»: «إنَّ التراضي ليس جزء مفهوم البيع الشرعيّ، بل شرط ثبوت حكمِهِ شرعاً». انتهى (¬3).
[2] قوله: هو الصحيح؛ لأنّه وجدَ التَّراضي، وهو المعتبرُ في الباب، إلا أنّه لمّا كان باطناً أقيمَ الإيجابُ والقبولُ مقامَه؛ لدلالتهما على التّراضي، والتّعاطي أدلُّ على الرِّضاء منهما. كذا في «الكفاية» (¬4).
[3] قوله: لأنَّ عند البعض ... الخ؛ وهو الكَرْخِيّ، فإنّه قال: إنّما ينعقدُ البيعُ
¬
(¬1) (_) أي الكرخي فإنه قال ينعقد بالأشياء الخسيسة فقط. ينظر: «الفتح» (5: 459).
(¬2) (_) في الأصل: الحسي، والمثبت من «التوضيح».
(¬3) (_) من «فتح القدير» (5: 488 - 466).
(¬4) (_) «الكفاية شرح الهداية» (5: 460).
الجزء 9 · صفحة 18
.......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إنَّما يَنْعَقِدُ بالتَّعاطي في الخسيسِ لا في النَّفيس، والتَّعاطي عند البعضِ (¬1) الإعطاءُ من الجانبينِ [1]، ويكفي عند البعضِ (¬2) من أحدِ الجانبين، كما إذا ساوَمَ [2] وأخذَ المبيعَ ولم يكن معه وعاءٌ ليجعلَ المبيعَ فيه فكَالَهُ ففارَقَهُ، فَجَاءَ بالوعاءِ وأعطَى الثَّمَنَ فهو جائزٌ.
===
بالتعاطي في الأشياءِ الخسيسة، ومذهبُ الشَّافعيِّ وأحمد (أنَّ البيعَ لا ينعقدُ بالتّعاطي؛ لأنَّ الأفعالَ لا دلالةَ لها بالوضعِ على مقاصدِ النّاس. كذا في «كمال الدراية» (¬3).
والجواب ما مرَّ من ضمنِ الاستدلالِ على مذهبنا، وقال مالك (: ينعقدُ بكلُّ ما يعدُّهُ النَّاسُ بيعاً؛ لأنَّ المقصودَ المبادلةَ بالرضاء، فمتى حصلت ثبتَ حكمُ البيع، ولأنَّ الشَّارع لم يثبتْ منه اشتراطُ اللَّفظِ فوجبَ الرُّجوعُ إلى العُرف.
[_] قوله: من الجانبين؛ لأنّه من المعاطاة، وهي مفاعلة، فيقتضي حصولها من الجانبين كالمضاربةِ والمقاسمةِ والمخاصمة، وعليه أكثرُ المشايخ، كما ذكره نجمُ الدِّين الطَّرْسُوسِيُّ (¬4)، وأفتى به الحَلْوَانِيّ، وفي «البَزَّازِيّة» (¬5): أنّه المختار. كذا في «المنح» (¬6)، ونقلَ القاضي أبو المكارمِ في شرحِهِ للـ «نقاية» (¬7) عن «الفوائدِ المسموعة» عن صاحبِ «المحيط»: أنَّ المختارَ عندي أنّه يشترطُ الإعطاءُ من الجانبين. انتهى.
[2] قوله: كما إذا ساوم ... الخ؛ ولَمَّا كان التعاطي عند البعضِ من الجانبين
¬
(¬1) (_) منهم: الحلواني والسغدي، وصاحب «البزازية» (1: 368)، والطرسوسي في «أنفع الوسائل» (ص233)، وقال: عليه الأكثر.
(¬2) (_) منهم: أبو الفضل الكرماني، والسرخسي، وقاضي خان، وأبو اليسر، وصاحب «القنية»، وابن الهمام في «الفتح» (5: 460)، والتمرتاشي في «التنوير» (ص124)، و «المنح» (ق2/ 2ب)، وقال الكركي في «الفيض»: وبه يفتى، وأيده الحصكفي في «الدر المختار» (4: 11)، و ينظر: «شرح ابي المكارم» (ق333)، و «مجمع الأنهر» (5: 2).
(¬3) (_) «كمال الدراية في شرح النقاية» (ق363).
(¬4) (_) في «أنفع الوسائل» (ص233).
(¬5) (_) «الفتاوى البزازية» (1: 368).
(¬6) (_) «منح الغفار» (ق2: 2/ب).
(¬7) (_) «شرح النقاية» (ق333).
الجزء 9 · صفحة 19
وإذا أَوجبَ واحدٌ قَبِلَ الآخَرُ في المجلسِ كلَّ المَبِيعِ بكلِّ الثَّمَنِ أو تَرَكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولو قال: كيف تَبِيعُ الحنطة؟ فقال: قفيزاً [?] بدرهمٍ، فقال: كِلْ لي خمسةَ أَقْفِزَةٍ، فكَالَ، فذَهَبَ بها، فهذا بيعٌ، وعليه خمسةُ دراهمٍ.
(وإذا أَوجبَ واحدٌ قَبِلَ [2] الآخَرُ في المجلسِ [3] كلَّ المَبِيعِ بكلِّ الثَّمَنِ [4] أو تَرَكَ
===
ومثالُهُ لا خفاءَ فيه، فإنّ صورتَه أن يضعَ فلساً مثلاً، ويأخذَ المبيعَ المقدّر به، وعند البعضِ من جانبٍ واحد: أي من جانبِ المشتري أو البائع، أورد المثالين:
والأوّل: مثالٌ للتعاطي من جانبِ المشتري؛ ولهذا ذكرَ المساومة، وفرضَ عدمَ الوعاء ومفارقةَ المشتري؛ لأجلِ تحصيلِ الوعاءِ يتحقّقُ أنّ هذا التّعاطي ليس من جانبِ البائع.
والثاني: مثالٌ للتعاطي من جانبِ البائع، وذكرَ دين الخمسة على المشتري؛ ليتعيّنَ أنّ هذا التّعاطي ليس من جانبه بل من جانب البائع.
[_] قوله: قفيزاً؛ قال في «المصباح المنير»: «القفيزُ مكيال، وهو ثمانيةُ مكاييل، والجمعُ أقفزة، والقفزان». انتهى (¬1).
[2] قوله: قبل ... الخ؛ أي الآخرُ بالخيارِ إن شاءَ قبل، وإن شاءَ تركَه وردّه؛ لأنه لو لم يثبتْ له الخيار، يلزمُهُ حكمُ العقدِ من غيرِ رضاه، وما فرضناه بيعاً لم يكن بيعاً.
[3] قوله: في المجلس؛ لأنّ المشتري يحتاجُ إلى الفاعلِ في أنّه يوافقه أو لا، فجَعْلُ ساعاتِ المجلسِ كساعةٍ واحدة تيسيراً، وفي «الخزانة»: لو تبايعا في المشي فقال البائع: بعتُ منك كذا، وقال المشتري بعدما مشى خطوةً أو خطوتين: اشتريت، لا ينعقدُ البيعُ في ظاهرِ الرِّواية، وقيل: ينعقدُ إذا أجابَ المخاطبُ موصولاً بالخطاب، وهو المختارُ عند البعض. كذا ذكره البِرْجَنْدِيّ.
[4] قوله: كلّ المبيع بكلِّ الثمن؛ لا بعضه ببعضه؛ لأنَّ فيه تفريقَ الصّفقة، وأحدُ المتعاقدين لا يملكُ ذلك؛ لأنَّ فيه ضرراً لأحد منهما؛ فلهذا لم يجزْ تفريقُ الصَّفقةِ من أحدهما.
¬
(¬1) (_) من «المصباح المنير» (ص511).
الجزء 9 · صفحة 20
إلاَّ إذا بَيَّنَ ثمنَّ كلٍّ، وما لم يَقْبَلْ بطلَ الإيجابُ إن رَجَعَ الموجِبُ أو قامَ أيُّهما عن مجلسِهِ وإذا وُجِدَ أُلْزِمَ البيعَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إلاَّ إذا بَيَّنَ [?] ثمنَّ كلٍّ): أَي إذا قال: بعتُ هذا بدرهمٍ وذلك بدرهمٍ، فقَبِلَ أحدَهما بدرهمٍ يجوز.
(وما لم يَقْبَلْ بطلَ الإيجابُ إن رَجَعَ [2] الموجِبُ أو قامَ [3] أيُّهما عن مجلسِهِ وإذا وُجِدَ أُلْزِمَ البيعَ)
===
[_] قوله: إلاَّ إذا بَيَّن؛ أي الموجبُ ثمنَ كلٍّ ممّا قَبِلَ الآخر وممّا ترك؛ لأنّ ذلك دليلٌ على رضاه بالتَّفريق؛ ولأنَّ الإيجابَ حينئذٍ في معنى إيجاباتٍ متعدّدة، أمّا إذا كرَّرَ في البيانِ لفظَ البيعِ بأن قال: بعتُك هذين بدرهمين، بعتُ هذا بدرهم، وبعت هذا بدرهم، يجوزُ اتّفاقاً.
وأمّا إذا لم يكرِّر بعتك هذين بدرهمين، كلُّ واحدٍ بدرهمٍ فيجوز عندهما، خلافاً للإمام (؛ بناءً على أنَّ البيعَ يتكرَّرُ بتكرُّرِ لفظ: بعتُ عنده، وبتفصيلِ الثَّمن عندهما، كذا في أكثر المعتبرات.
[2] قوله: إن رجع؛ لأنَّ المانعَ من الرُّجوعِ لزومُ إبطالِ حقِّ الغيرِ وهو منتفٍ هاهنا؛ لأنَّ الإيحابَ لا يفيدُ الحكمَ بدونِ القَبول.
فإن قيل: يلزمُ هاهنا إبطالُ حقِّ الغير، فإنَّ الموجِبَ إن كان المشتري ففي رجوعِهِ إبطالُ حقِّ البائع، وهو تملّكه الثّمن، وإن كان البائعُ ففي رجوعِهِ إبطالُ حقِّ المشتري، وهو تملّكُهُ المبيع.
أجيب: بأن الحقَّ للموجِب؛ لأنه أثبت ولاية للآخر؛ وبأن حقَّ التملُّكِ لا يعارضُ حقيقةَ الملك للبائع؛ لكونِها أقوى منها.
[3] قوله: أو قام؛ لأنَّ القيام دليل الإعراض والرجوع، ولهما ذلك قبل القَبول، فإن قَبِلَ بعد القيامِ لا يفيدُ قَبوله؛ لأن الإيجابَ بطلَ بما يدلُّ على الإعراض.
الجزء 9 · صفحة 21
وَصَحَّ البيع في العِوضِ المُشَارِ إليه بلا عِلْمٍ بقَدْرِهِ ووَصْفِه، لا في غيرِ المشارِ إليه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَي لا يَثْبُتُ خيارُ المجلسِ خلافاً للشَّافِعيِّ [?] (¬1) (، ولمَّا ذَكَرَ الإيجابَ والقَبُولَ أَرادَ أَن يَذْكُرَ الثَّمَنَ والمبيعَِ، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الثَّمَن؛ لأَنَّهُ وسيلةٌ إلى حصولِِ المَبِيع، وهو المَقْصُود، والوسائلُ مُتَقَدِّمَةٌ على المقاصد، فقال:
(وَصَحَّ البيعُ في العِوضِ [2] المُشَارِ إليه بلا عِلْمٍ [3] بقَدْرِهِ ووَصْفِه، لا في غيرِ المشارِ إليه) فإنَّه حينئذٍ لا بُدَّ أَن يذكُرَ قدرَهُ ووَصفَه.
===
[_] قوله: خلافاً للشافعي (؛ فإنّه قال: لكلٍّ من العاقدين بعد تمام العقد، أن يَرُدَّ العقدَ بدون رضاء صاحبِهِ ما لم يتفرَّقا بالأبدان؛ لقوله (: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرَّقا» أخرجَه الأئمة الستّة (¬2).
ولنا: أن في الفسخ إبطال حقّ الغير فلا يجوز، والحديث محمول على خيار القَبول كما نقل عن إبراهيم النَّخَعِيّ، وفيه إشارة إليه، فإنّهما متبايعان حال المباشرة لا بعدها، أو يحتمله فيحمل عليه، والتفرُّقُ فيه تفرُّقُ الأقوال. كذا في «الهداية» (¬3)، وزيادة التفصيل في «العناية» (¬4)، وغيرها من المبسوطات.
[2] قوله: في العوض؛ مبيعاً كان أو ثمناً، فإن كلّ منهما عوضٌ إلى الآخر، والحكم المذكور مشترك بينهما.
[3] قوله: بلا علم ... الخ؛ لأنّ الإشارةَ أقوى أسباب التعريف، وجهالةُ القدر والوصف معها لا تفضي إلى المنازعة، فلا تمنع الجواز؛ لأن العوضين حاضران والأموال الربويّة مستثناةٌ من هذا الحكم.
¬
(¬1) (_) ينظر: «الأم» (3: 37)، و «نهاية المحتاج» (4: 4)، و «فتوحات الوهاب» (3: 104)، وغيرها.
(¬2) (_) في «صحيح البخاري» (2: 732)، و «صحيح مسلم» (3: 1163)، و «سنن أبي داود» (3: 213)، و «سنن الترمذي» (3: 548)، و «سنن النسائي» (4: 7)، و «سنن ابن ماجة» (2: 736)، وغيرها.
(¬3) (_) «الهداية» (3: 21).
(¬4) (_) «العناية» (5: 465 - 466).
الجزء 9 · صفحة 22
وبثَمَنِ حالٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وبثَمَنِ [_] حالٍ [2]
===
[_] قوله: وبثمن؛ اعلم أنَّ الأعيانَ ثلاثة: نقود، وسلع، ومقدرات، فبيعُ غيرِ النُّقودِ بالنُّقودِ ويشتملُ على المبيع المحض والثَّمن المحض، وماعدا ذلك يتردد بين كونه مبيعاً وثمناً، فالتمييز أنّ دخول الباء ثمن وغيره مبيع (¬1).
[2] قوله: حال؛ قال في «المصباح المنير»: «حَلَّ الدين يَحِلّ بالكسر حلولاً: انتهى أجلُهُ فهو حال». انتهى (¬2). وفي «منتهى الأرب»: واجب، ومنه الدّين الحالّ: يعني خلاف مؤجَّل.
¬
(¬1) (_) ما حدّ به المحشي الثمن والمبيع ليس على إطلاقه، وسينقل في باب الإقالة عن ابن عابدين ضابط ذلك إن شاء الله، وتفصيل ذلك على ما ذكرته في «مذكرات في فقه المعاملات» (ص117) عن «بدائع الصنائع» (5: 233):
أولاً: الدراهم والدنانير؛ فهي أثمان على كل حال; لأنهما لا تتعين بالتعيين بحال فكانت أثماناً على كل حال.
ثانياً: ما سوى الدراهم والدنانير من الأموال، فلها حالتان:
الأول: إن كان مما لا مثل له من العدديات المتفاوتة والذرعيات، فهو مبيعٌ على كلّ حال; لأنها تتعيّن بالتعيين، بل لا يجوز بيعُها إلاّ عيناً إلاّ الثياب الموصوفة المؤجلة سَلَماً، فإنها تثبت ديناً في الذمة مبيعةً بطريق السَّلَم استحساناً بخلاف القياس لحاجة الناس إلى السَّلَم فيها، وكذا الموصوف المؤجل فيها لا بطريق السَّلَم يثبت ديناً في الذمة ثمناً استحساناً.
الثاني: إن كان مما له مثل كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة، فله وجهان:
1. إن كان في مقابلة المكيل أو الموزون دراهم أو دنانير، فهو مبيع.
2. إن كان في مقابلة المكيل أو الموزون ما لا مثل له، فله الصور التالية:
أـ إن كان المكيل أو الموزون معيّناً فهو مبيع.
ب ـ إن لم يكن معيناً يُحَكَّم فيه حرف الباء فما دخله فهو ثمن، والآخر مبيع.
ج ـ إن كان أحدهما معيناً، والآخر موصوفاً، فإنه يُحَكَّمُ فيه حرف الباء فما صحبه فهو الثمن، والآخر المبيع.
د ـ إن كان كل واحد منهما موصوفاً فإنه يُحَكَّم فيه حرف الباء فما صحبه فهو الثمن، والآخر المبيع.
ثالثاً: الفلوس الرائجة؛ فإن قوبلت بخلاف جنسها فهي أثمان، وكذلك إن قوبلت بجنسها متساوية في العدد، وإن قوبلت بجنسها متفاضلة في العدد فهي مبيعة.
(¬2) (_) من «المصباح المنير» (ص47).
الجزء 9 · صفحة 23
وإلى أجلٍ عُلِمَ. وبالثَّمَنِ المطلقِ، فإنِ استوتْ ماليَّةُ النُّقُود، فعلى ما قُدِّرَ به من أيِّ نوعٍ شاء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإلى أَجَلٍ [_] عُلِمَ.
وبالثَّمَنِ المطلقِ): أي لم يَذْكُرْ [2] صِفَتَهُ بأَن قيل: بعتُ بعشرةِ دراهم، (فإنِ استوتْ ماليَّةُ النُّقُود، فعلى ما قُدِّرَ به من أَيِّ نَوْعٍ شاء [3]): أَي يَقَعُ البيعُ على عشرةِ دراهم من أَيِّ نوعٍ كان: أَي يُعْطِي المُشْتَرِي أيّ نوعٍ شاء
===
[_] قوله: وإلى أجل؛ يعني إذا بيعَ بخلافِ جنسِهِ ولم يجمعهما قدر، فإنّه لو بيعَ مع جنسِهِ وجمعهما قدر، لم يجزْ تأجيلُهُ لما فيه من ربا النَّساء كما صرَّح به غيرِ واحدٍ من الفقهاء، ولعلَّ المصنِّف (تركَ هذا القيدَ اعتماداً على ما يأتي.
عُلِمَ؛ إنّما قيّدَ الأجل بكونِهِ معلوماً؛ لأنَّ جهالةَ الأجلِ تفضي إلى المنازعة، فإنَّ البائعَ يطالبُ في مدٍّة قريبة، والمشتري يأباها.
[2] قوله: أي لم يذكر ... الخ؛ لمَّا كان قول: المصنِّف (؛ وهو المطلقُ موهماً أنّ المرادَ بالمطلق ما لم يذكرْ قدرُهُ ولا وصفُه، دفعَه بأنَّ المراد: المطلقُ عن تسميةِ الوصف فقط.
[3] قوله: فعلى ما قدّر به من أي نوع شاء؛ من غير تقيّد بنوعٍ معيّن؛ لأنّه لا منازعة؛ لاستوائها في الرّواج، ولا اختلافَ من الماليّة، وإن كان الاختلافُ في الرَّواجِ فعلى ما هو أروج، كذا صرَّحوا به فينبغي أنّ يقيِّدَ المصنّفُ (بهذا القيد. واعلم أنَّ المسألة رباعيّة، فإنَّ النّقودَ:
1. إمّا أن تستويَ في الماليّة والرّواجِ معاً.
2. أو يختلفُ فيهما.
3. أو تستوي في الماليّة فقط.
4. أو الرَّواجِ فقط.
ففي الصُّورةِ الأولى: المشتري بالخيارِ في دفعِ أيُّهما شاء، فلو طلبَ البائعُ أحدَهما فللمشتري أن يدفعَ غيرَه؛ لأنَّ امتناعَ البائع عن قَبولِ ما دفعَه المشتري تعنّت؛ لأنَّ الاختلافَ في الاسم، ولا فضلَ لواحدٍ منهما على الآخر.
الجزء 9 · صفحة 24
وإن اختلفت فعلى الأروج وفسدَ إن استوى رواجُها، إلاَّ إذا بَيَّنَ أَحَدَها، وفي الطَّعامِ والحُبوبِ كَيْلاً وجُزَافَاً إِنْ بِيعَ بِغَيْرِ جنسِه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وإن اختلفت فعلى الأروج [_]، وفسدَ إن استوى رواجُها): أَي في صورَةِ اختلافِ ماليَّةِ النُّقُود، (إلاَّ إذا بَيَّنَ أَحَدَها): أي أَحدَ النُّقُودِ، وهذا استثناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لأنَّ البحثَ في البيع بالثَّمَنِ المطلقِ، فلا يكونُ حال بيانِ أحدِ النُّقُودِ من جنسِ أَحوالِ إطلاقِ الثَّمَنِ، ثمّ بعد ذكر الثمن شَرَعَ في ذكرِ المبيعِ، فقال:
(وفي الطَّعامِ [2] والحُبوبِ كَيْلاً وجُزَافَاً [3] إِنْ بِيعَ [4] بِغَيْرِ جنسِه
===
وفي الصّورةِ الثَّانية: يصرفُ إلى الأروجِ تحرِّياً للجواز.
وفي الصّورةِ الثالثة أيضاً: يصرفُ إلى الأروج.
وفي الصورةِ الرَّابعة: فسدَ البيعُ إلاَّ أن يُبيّنَ أحدَهما؛ لأنّ الجهالةَ مفضيةٌ إلى المنازعة، إلاَّ أن ترفعَ الجهالة. والبسط في «البحر» (¬1).
[_] قوله: فعلى الأروج؛ أي أروج النّقودِ في البلد؛ إذ المتعارفُ بينَ النَّاسِ المعاملةُ بالنَّقدِ الغالب، فالتَّعيينُ بالعرفِ كالتَّعيينِ بالنّصّ كما صرّحوا به.
[2] قوله: وفي الطّعام؛ وهو الحنطةُ ودقيقها، وكذا سائرُ الحبوبِ كالعدسِ والحمص وغيرهما، وقال بعض المشايخ: ما يقعُ في العرف على ما يمكنُ أكلُه من غيرِ إدامٍ كاللَّحمِ المطبوخِ والمشويّ ونحوه، قال صدرُ الشّهيد (: وعليه الفتوى. كذا في «مجمع الأنهر» (¬2)، ولعلَّ المصنّفَ (بهذا الوجه ذكر الحبوب بعد الطعام.
[3] قوله: جُزافاً؛ وهو البيعُ بالحدس والظنِّ بلا كيل ووزن، ويجوزُ في جيمه الحركات الثلاث كما في «القاموس» (¬3)، وهو معرّب: كزاف، وكزاف: بكسر أول بروزن خلاف بمعنى بهيوده هاشد بمعنى وبحساب ويحديهم آمده أسعت وبضم اول ميز هست. كذا في «البرهان القاطع».
[4] قوله: إن بيع ... الخ؛ لقولِهِ (: «الزَّبيبُ بالزبيب، والفضّةُ بالفضّة، والبُرّ بالبُرّ، والشعيرُ بالشعير، والتمرُ بالتمر، والملحُ بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً
¬
(¬1) (_) «البحر الرائق» (5: 204).
(¬2) (_) «مجمع الأنهر» (2: 9).
(¬3) (_) «القاموس المحيط» (3: 127).
الجزء 9 · صفحة 25
وبإناءٍ وحَجَرٍ مُعينٍ لم يُدْرَ قدرُهُ، وفي صاعٍ في بيعِ صُبْرَةٍ كُلُّ صَاعٍ بِكَذَا، وفي كُلِّهَا إِنْ سَمَّى جُملةَ قُفْزانِها، وفَسَدَ في الكلّ في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وبإناءٍ [_] وحَجَرٍ مُعيّنٍ لم يُدْرَ قدرُهُ [2]، وفي صاعٍ في بيعِ صُبْرَةٍ (¬1) كُلُّ صَاعٍ بكَذَا): أَي إذا قال: بِعْتُ هذه الصُّبْرَة كُلُّ صَاعٍ بدرهمٍ صَحَّ في صاعٍ واحد [3]، (وفي كُلِّهَا إِنْ سَمَّى جُملةَ قُفْزانِها): أي إذا قال: بِعْتُ هذه الصُّبْرَة، وهي عشرةُ أَقْفِزَة، كُلُّ قَفِيزٍ بدرهمٍ صَحَّ في الكلِّ، (وَفَسَدَ [4] في الكلِّ في
===
بيد، فإذا اختلفت هذه الأصنافَ فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد» (¬2) رواه الجماعة إلاَّ البُخاريّ من حديثِ عبادةَ بن الصامت (، بخلافِ ما إذا بيعَ بجنسِهِ مجازفةً، فإنّه لا يصحّ؛ لاحتمالِ الرّبا إلا إذا كان قليلاً، وهو ما دون نصفِ الصَّاع؛ لعدمِ العيارِ الشّرعيّ، وهو نصفُ صاعٍ كذا صرّحوا به.
[_] قوله: وبإناء ... الخ؛ لأنّ هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأنَّ البيعَ يوجبُ التَّسليمَ في الحال، وهلاكُهُ قبل التّسليم نادر.
[2] قوله: لم يدر قدره؛ إذا لم يحتمل الإناءُ النُّقصان، والحجرُ التفتّت، كأن يكون من خشبٍ أو حديد، فإنّ احتمالَهما لم يجز كما صرّحوا به.
[3] قوله: صحَّ في صاع واحد؛ عند الإمام (، وفي الكلِّ عند صاحبيه، وهو قولُ الشَّافعيّ ومالكٍ وأحمد (؛ لأنّ المبيعَ معلومٌ بالإشارة، فلا يَحتاجُ إلى معرفةِ مقداره، وما فيه من الجهالةِ لا يضرّ؛ لأنّ رفعَه بيدهما، بأن يكيلا الصبرة في المجلس.
ولأبي حنيفةَ (: إن الثَّمن مجهول؛ لأنَّ جملةَ الأفرادِ غيرُ معلومة، فيكون ما بإزائها من الثَّمنِ مجهولاً، إلاَّ أنَّ الأقلَّ وهو الواحدُ معلوم، فيصحُّ البيعُ ويفسدُ فيما عداه إلاَّ أن ترتفعَ الجهالةُ بتسميةِ جميعِ الأفرادِ أو بالكيلِ في المجلس.
[4] قوله: فسد ... الخ؛ لأنّه ينصرفُ إلى الواحدِ والواحدةِ منها متفاوتة، فلا يصحُّ البيعُ في واحدٍ منها، بخلافِ مسألة الصُّبْرة.
¬
(¬1) (_) صُبرة: أي كوم طعام بلا كيل ولا وزن. ينظر: «فتح باب العناية» (2: 304).
(¬2) (_) في «صحيح مسلم» (3: 1211)، و «سنن الترمذي» (3: 541)، و «سنن أبي داود» (3: 248)، و «سنن النَّسائي» (4: 26)، و «سنن ابن ماجة» (2: 257).
الجزء 9 · صفحة 26
ثَلَّةٍ أو ثَوْبٍ، كُلُّ شَاةٍ أو ذِرَاعٍ بكذا، وكذا كلُّ مَعْدُودٍ متفاوت. فإن باعَ صُبْرَةً على أنّها مائةُ صاعٍ بمئة، وهي أقلُّ أو أكثرُ أخذَ المُشْتَرِي الأقلَّ بحصَّتِهِ، أو فسخَ البيع، وما زادَ للبائع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثَلَّةٍ [1] (¬1) أو ثَوْبٍ، كُلُّ شَاةٍ أو ذِرَاعٍ بكذا)؛ لأنَّ البيعَ لا يَجوزُ إلاَّ في واحدٍ، وذلك الواحدُ مُتَفَاوِتٌ، (وكذا [2] كلُّ مَعْدُودٍ متفاوت.
فإن باعَ صُبْرَةً على أَنّها مئةُ صاعٍ بمئة، وهي أَقلُّ أَو أَكثرُ أَخذَ المُشْتَرِي الأَقلَّ بحصَّتِهِ [3] أَو فَسَخَ البيع، وما زادَ للبائع): لأنَّه لم يبعْ إلاَّ مئةَ صاعٍ، فالزَّائدُ له [4].
===
[_] قوله: ثلّة؛ بالفتح رمه بزرك آن كوسفند وبزورآميخته يا خاص ست برمه ميش ثلل كعنب وثلال ككتاب جمع. كذا في «منتهى الآرب»، وفي «القاموس» (¬2): جماعةُ الغنم، والكثير منها، أو من الضأن خاصّة.
[2] قوله: وكذا؛ أي وكذا فسدَ البيعُ في الكلِّ في بيعِ كلِّ معدودٍ متفاوت؛ لأنه لا يمكن الصَّرفُ إلى الكلّ؛ لجهالةِ المبيعِ والثّمن، ولا إلى واحد؛ لأنّه متفاوت، فيفضي إلى المنازعة بخلافِ الأولى، وعندهما: يجوزُ في الكلّ.
والخلافُ فيما إذا لم يُبيِّنْ جملةَ الثَّمن، ولا جملةَ القطيع، فإنّ بيَّنَ جملةَ الثّمن وبيَّنَ جملةَ القطيع، أو بيَّنَ جملةَ القطيع ولم يُبَيِّنْ جملةَ الثَّمنِ فيجوزُ اتّفاقاً. كذا ذكره البِرْجَنْدِيُّ نقلا عن «المجتبى».
[3] قوله: أخذَ المشتري الأقلّ بحصتّه؛ إن شاء لأنَّ الكيلَ جزء، والكيلُ ينقسمُ على الأجزاء أو فسخَ إن شاء؛ لأنّ النَّفقة لَمَّا تفرّقَت عليه لم يتمّ رضاه بالموجود، وبه قال مالكٌ والشَّافعيّ وأحمد (، وفي «فتاوي قاضي خان» (¬3): إن الخيارَ فيما إذا لم يَقْبِضْ المبيعَ أو قَبَضَ البعضَ دون البعض، أمّا إذا قبض الكلَّ فلا خيارَ له، بل يأخذُ بالحصّة.
[4] قوله: فالزّائد له؛ لأنّه باقٍ على ملكِه؛ لأنّ البيعَ وقعَ على مقدارٍ معيّن، وما وقعَ على مقدارٍ معيّن لا يتناولُ غيره.
¬
(¬1) (_) الثَّلَة: جماعة الغنم، والكثير منها، أو من الضأن خاصة. ينظر: «القاموس» (3: 354).
(¬2) (_) «القاموس المحيط» (3: 354).
(¬3) (_) «الفتاوى الخانية» (2: 175).
الجزء 9 · صفحة 27
وإن باعَ المَذْرُوعَ هكذا أَخَذَ الأَقَلَّ بكلِّ الثَّمَنِ أو تَرَك، والأَكثرُ له بلا خيارٍ للبائع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وإن باعَ المَذْرُوعَ هكذا أَخَذَ الأَقَلَّ بكلِّ الثَّمَنِ أو تَرَك، والأَكثرُ له بلا خيارٍ للبائع)؛ لأَنَّ [_] الذِّراعَ وصفٌ فى الثَّوب، والمرادُ بِالوَصْف: الأمرُ الذي إذا قامَ بالمحَلِّ يُوجِبُ في ذلك المحلِّ حسناً أو قبحاً، فالكميَّةُ المحضةُ لا تكونُ من الأوصاف، بل هي أصلٌ؛ لأنَّ الكميةَ عبارةٌ عن قلَّة الأجزاءِ أو كثرتِها، والشَّيءُ إنِّما يوجدُ بالأَجزاء، والوصفُ ما يَقَومُ بالشَّيءِ فلا بُدَّ أن يكونَ مؤخَّراً عن وجودِ ذلك الشَّيء، فالكميَّةُ التي يَختلفُ بها الكيفيَّةُ كالذَّرعِ في الثَّوْبِ أمرٌ يَختلفُ به حسنُ المزيدِ عليه.
===
[_] قوله: لأنّ؛ حاصل الاستدلالِ أنَّ الذراعَ وصف، والثَّمنُ لا ينقسمُ على الأوصاف، فكان كلُّ الثَّمنِ مقابلاً لكلِّ المبيع، إلاَّ أنّه ثبتَ الخيارُ للمشتري؛ لأنّه فاته وصف مرغوب فيه وقعَ عليه العقد، وما زادَ فللمشتري، ولا خيارَ فيه للبائع؛ لأنَّ الزَّائد هاهنا وصف، فكان هذا بمنزلة ما إذا باعَ بشرطِ أنّه معيب، فإذا هو سليم، وقد عرفتَ مدارَ الاستدلالِ كونَ الذِّراع وصفاً.
فيرد عليه: إنَّ الذراعَ عبارةٌ عن طولٍ وعرض، فكما أنّه وصفٌ وعرض، كذلك القلّة والكثرة، فكيفَ جعلَ الذِّراعَ الزَّائدَ وصفاً دون القفيز، ومن أين حكمَ في المسألة الأولى بأنّ الزَّائدَ للبائع، وفي هذه المسألة بأنَّ الأكثرَ للمشتري؟
فأجابَ بعضُهم: بأنّ ما يتعيَّبُ بالتَّبعيضِ والتَّنقيصِ بهما، فالزِّيادةُ والنُّقصانُ فيه وصف، وما لا يتعيّب بهما فالزيادةُ والنِّقصانُ فيه أصل، والثّوبُ يتعيّب بالتَّنقيص، والحنطةُ لا تتعيّبُ به.
وبعضُهم: بأنّ الوصفَ ما لوجوده تأثيرٌ في تقويمِ غيره، ولعدمِهِ تأثير في نقصانِ غيره، والأصلُ ما لا يكون كذلك، فالقدرُ في المكيلات والموزونات أصل، والذَّرع في المذروعاتِ وصف.
وبعضُهم: بأنّ ما لا ينتقصُ الباقي لفواته أصلٌ، كما في الحنطة، وما ينتقصُ الباقي لفواتِهِ وصفٌ كما في الثّوب.
وأجاب الشارح: بأن المرادَ بالوصفِ هاهنا هو الأمرُ الذي إذا قامَ بالمحلِّ يوجبُ في ذلك المحلِّ حسناً أو قبحاً كما في الثّوب، فإنَّ الذَّرعَ مثلاً في الثوبِ يوجبُ حسناً،
الجزء 9 · صفحة 28
................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإنَّ الثَّوْبَ إذا كان عشرةَ أذرعٍ يساوي عشرةَ دنانير، وإن كان تسعةَ أذرعٍ لا يساوي تسعةَ دنانير؛ لأنَّها لا تكفي جُبَّةً (¬1)، والعشرةُ تكفي، فوجودُ الذِّراعِ الزائدِ على التِّسعةِ يزيدُ حسناً التِّسعةَ فيصيرُ كالأوصافِ الزَّائدة، فلا يقابلُها شيءٌ من الثَّمَن: أَي الثَّمَنُ لا يَنْقَسِمُ على الأَجزاءِ كما يَنْقَسِمُ في الحنطة، فإنَّهُ إذا كان عشرةَ أَقْفِزَةٍ بعشرةِ دراهمٍ، كان قفِيزٌ واحدٌ بدرهمٍ، ولا كذلك في الثَّوْب، فإذا باعَ عشرة أذرعٍ بعشرةِ دراهم، فكان الثَّوْبُ تِسْعَةَ أَذرعٍ كما في مسألتِنا لا يأخذه بتسعة، بل إن شاءَ أَخذَ بعشرةٍ وإنْ شاءَ تَرَكَ، وإن كان زائداً كان للمشتري، فإنَّه باع هذا الثَّوبَ فوجدَ المُشْتَرِي فيه أَمراً مرغوباً فكان للمشتري، كما إذا اشترى عبداً فوجدَه كاتباً.
===
ككفايته لجُبَّة أو قبحاً كعدمِ كفاية لها، فالكميّة لحصّته التي لا توجبُ في المحلّ حسناً أو قبحاً لا تكون من الأوصافِ التي توجبُ في موصوفها حسناً أو قبحاً كالحنطة.
بل هي أصلٌ مقابلٌ للوصف اصطلاحاً؛ لأنَّ الكميّةَ عبارةٌ عن قلَّةِ الأجزاءِ وكثرتها، وهو ظاهر، والشيء إنّما يوجدُ بالأجزاء؛ لأنّه عبارةٌ عن مجموعِ الأجزاء، فالشّيء إنّما يحتاجُ إليها في وجوده، والمحتاجُ إليه مقدَّمٌ ذاتاً على المحتاج.
فالكميّة لها تعلُّقٌ بوجودِ الشيء، والوصفُ ما يقوم بالشيء وما يعرض له، والعروض متفرِّعٌ على الوجود، فلا بدَّ أن يكونَ الوصفُ مؤخَّراً عن وجودِ ذلك الشيء الموصوفِ بخلافِ ما إذا اعتبرت مع الكميّة صفةٌ زائدةٌ توجبُ حسناً أو قبحاً، وهي الكميّة التي يختلفُ بهما الكيفيّة، كالذِّراعِ في الثَّوب، فهو أمرٌ يختلفُ به حسنُ المزيدِ عليه.
فإنَّ الثَّوبَ مثلاً إن كان عشرةَ أذرع ويكفي لجُبَّةٍ تساوي عشرةَ دنانير، أو كانت تسعة أذرع ولا يكفي لجُبَّةٍ لا تساوي تسعةَ دنانير، بل يجبُ أن تكونَ قيمتُهُ أقلّ من الأوّل؛ لعدمِ كفايتِهِ لغرضٍ مطلوب.
فوجودُ الذَّرع الزّائدِ في الثَّوبِ على التِّسعةِ يزيدُ في التِّسعةِ حسناً، وهو كفايته لجُبَّة فيصيرُ كالأوصافِ الزائدة، فلا يقابلُها شيءٌ من الثّمن، وإلاَّ يلزمُ تسوية الأصلِ والتبعِ
¬
(¬1) (_) الجُبَّة: ضرب من مُقَطَّعات الثياب تُلْبَس، وجمعها: جُبب وجِباب. ينظر: «اللسان» (1: 532).
الجزء 9 · صفحة 29
وإن قال: كلُّ ذراعٍ بدرهمٍ أَخَذَ الأَقَلَّ بحصَّتِهِ أو تَرَكَ، وأَخَذَ الأكثرَ كلُّ ذراعٍ بدرهمٍ أو فَسَخَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وإن قال [1]: كلُّ ذراعٍ بدرهمٍ أَخَذَ الأَقَلَّ بحصَّتِهِ أو تَرَكَ، وأَخَذَ الأكثرَ كلُّ ذراعٍ بدرهمٍ أو فَسَخَ)؛ لأنَّه أفردَ كلَّ ذراعٍ بدرهمٍ، فلا بُدَّ من رعايةِ هذا المعنى.
===
بخلافِ الحنطة مثلاً؛ فإنّه إذا كانت عشرةُ أقفزة تساوي عشرة دراهم، وإن كانت تسعةُ أقفزة بيعت بتسعةِ دراهم قطعاً.
فحاصلُ الفرق أنَّ للوصف معنى اصطلاحيّاً يوجدُ في الثوب لا في الحنطة، وتظهرُ ثمرةُ كونِ الذرع وصفاً والقدر أصلاً في مواضعَ:
1.منها: مسألة الكتاب.
2.ومنها: أنه لا يجوزُ للمشتري التّصرُّف في المكيل والموزونِ قبل الكيلِ أو الوزن إذا اشتراه بشرطِ ذلك، في المذروعِ يجوزُ التصرّف قبل الذرع؛ لأنّ الذرعَ لمّا كان وصفاً لم يلزم اختلاطُ المبيعِ بغيره؛ لأنَّ الكلَّ للمشتري، سواءٌ زادَ أو نقص، والكيلُ والوزنُ لمّا كان أصلاً لزمَ الاختلاطُ إذا زادَ المبيع؛ لأنّ الزّائد للبائع.
3.ومنها: إنَّ بيعَ الواحدِ بالاثنينِ لا يجوزُ في المكيلاتِ والموزونات، ويجوزُ في المذروعات؛ لأنَّ الزّيادة لمّا كان شيئاً يعتدُّ به فلا يجوزُ البيعُ بدون المساواةِ في الأحوالِ الربويّة بخلافِ المذروع، كذا في «كمال الدراية» (¬1)، وغيره.
[_] قوله: وإن قال؛ بعتك هذا الثوبَ على أنّه عشرةُ أذرعٍ، كلُّ ذراعٍ بدرهم، فوجدَه المشتري تسعةُ أذرع أو أحدَ عشرَ ذراعاً، فالمشتري بالخيارِ إن شاءَ أخذَ في الصّورةِ الأولى الأقلَّ وهو تسعةُ أذرعٍ مثلاً بحصّته؛ أي بحصَّةِ الأقلِّ من الثمن أو ترك.
وفي الصّورةِ الثّانية إن شاءَ أخذَ كلُّ الأكثرِ حسبَ قولِ البائع: كلُّ ذراعٍ بدرهم، وإن شاءَ فسخ؛ لأنّه أي البائع أفردَ كلَّ ذراعٍ بدرهم، والذّراعُ وإن كان وصفاً إلاَّ أنّه يصلحُ أن يكون أصلاً؛ لأنّه ينتفعُ به بانفراده؛ فإذا سُمِّي له ثمنٌ صارَ أصلاً فلا بدَّ من غاية من رعاية هذا المعنى، وإنّما كان للمشتري الخيار بتفرُّق الصّفقةِ عليه بالنّقصان، وزيادةُ المبيعِ بزيادةِ الثّمن في الزيادة.
¬
(¬1) (_) «كمال الدراية في شرح النقاية» (ق367 - 368).
الجزء 9 · صفحة 30
وصحَّ بيعُ عشرةِ أسهُمٍ من مئةِ سَهْمٍ، لا بَيْعُ عشرةِ أذرعٍ من مئةِ ذراعٍ من دارٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
واعلمْ [_] أنَّ المسأَلةَ فيما إذا باعَ ثوباً على أَنَّهُ عشرةُ أذرعٍ بعشرةِ دراهمٍ، كلُّ ذراعٍ بدرهمٍ، فإذا هو تسعةُ أذرع، أو أحدَ عشرةَ ذراعاً، حتى لو كان تسعةً ونصفاً أو عشرةً ونصفاً فحكمُهُ ليس كذلك على ما سيأتي في هذه الصَّفحة.
(وصحَّ بيعُ عشرةِ أسهُمٍ من مئةِ سَهْمٍ، لا بَيْعُ عشرةِ أَذرعٍ من مئةِ ذراعٍ من دارٍ): هذا عند أبي حنيفةَ (، وقالا: صحَّ في الوجهين؛ لأنَّه باعَ عشراً مشاعاً من الدَّار [2]، وله: أنّ [3] في الثَّاني المبيع مَحَلُّ الذِّراعِ، وهو مُعَيَّنٌ مَجهولٌ لا مشاعٌ بخلاف السهم.
===
[_] قوله: اعلم؛ لمّا كان قول المصنّف (أخذَ الأقلّ وكلّ الأكثر شاملاً للكسر أيضاً مع أنّ له حكمٌ آخر بَيَّنَ الشّارحُ (بقوله: اعلم أنَّ المرادَ هاهنا ما عدا الكسر.
[2] قوله: لأنّه باع عشرةً مشاعاً من الدّار؛ فإنَّ عشرةَ أذرعٍ من مئة ذراع عشرُ الدّار، فأشبه عشرةَ أسهمٍ من مئة سهمٍ في كونها عشراً، فتخصيصُ الجوازُ بأحدهما تَحَكُّم.
[3] قوله: له أنّ ... الخ؛ حاصلُه: أنّ المرادَ بقول البائع: عشرةُ أذرعٍ محلُّ الذّراع لا نفسها؛ لأنَّ الذّراع وإن كان في الحقيقةِ آلةً يذرعُ بها من الخشب وغيره لكن إرادتُها هاهنا متعذِّرةٌ، وهذا هو الظاهر، فلا محالَ يصيرُ مجازاً لِمَا يَحِلُّه والمبيع المذروع.
وهذا من قبيل إطلاق الحال وإرادةِ المحلّ، وهو أيّ محلّ الذِّراع جزءٌ معيَّنٌ إلا أنه مجهولٌ لا يعلمُ أن تلكَ الأذرعَ من الدّار في الجانبِ الشّرقيّ منها أو الغربيّ أو من صدر الدّار أو أسفلها، والبيعُ إذا كان مجهولاً لا يصحّ البيع، كما إذا قال البائع: بعتُ منك أحد هذين العبدين.
فإنّ قلت: التعيينُ ينافي الجهالة؟
قلت: نعم في أمرٍ واحد، وأمّا في الأمرين كما ترى في هذه الصّورة فلا، ولمّا ثبتَ أنّه معيّنٌ مجهولٌ فلا يكون مشاعاً؛ لأنّ الشائعَ لا يتصوَّرُ أن يذرعَ لشيوع ملكِهِ في جميعِ أجزاءِ الشّائع، فليس بمحلٍّ الذَّرع.
الجزء 9 · صفحة 31
ولا بيعُ عِدْلٍ على أَنَّهُ عشرةُ أثواب، وهو أقلُّ أو أكثر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ولا بيعُ عِدْلٍ (¬1) على أَنَّهُ عشرةُ أثواب، وهو أقلُّ أو أكثر): لأَنّهُ [_] إذا كان أَقَلَّ لا يَدْرِي ثَمَنَ ما ليسَ بموجودٍ، فيكونُ حصَّةُ الموجودِ مجهولةً، وإِنْ كان أكثرَ لا يكونُ المبيعُ معلوماً.
===
وعبارةُ المصنِّفِ (على وفقِ ما ذكره أبو زيد الشُّروطي (¬2) (في هذه المسألة من أنّ البيعَ فاسدٌ عند أبي حنيفة (وإن عَلِمَ جملةَ الذُّرعان، وهو جوابُ «الجامع الصّغير» (¬3) وهو الصّحيح؛ لبقاءِ الجهالة عَلِمَ جملةَ الذُّرعان أو لم يَعْلَم، فالمشتري يطالبه من مُقَدِّمِ الدّار، والبائعُ يُسَلِّمُ من مؤخِّرِها فيؤدّي إلى النِّزاع.
وذكرَ الخصَّاف (أنَّ فسادَ البيعِ في هذه المسألة عند أبي حنيفة (؛ لجهالةِ جملة الذُّرعان، أمّا إذا عُرِفَتْ مساحتُها يجوزُ عنده، وجَعَلَ هذة المسألة على قياسِ ما لو باع كلَّ شاةٍ من القطيعِ بعشرة، إن كان عددُ جملةِ الشَّاةِ معلوماً يجوزُ عنده، والأوّلُ هو الصّحيح، كذا في «الهداية» (¬4)، و «الكفاية» (¬5)، وغيرهما.
[_] قوله: لأنه ... الخ؛ حاصله: أنَّ العِدْلَ إذا كان أقلَّ من عشرةِ أثوابٍ بأن كان تسعةً مثلاً، فيُحَطُّ ثمنَ ثوبٍ واحد، وهو مجهول؛ لأنّه لو لم يسمِّ لكلِّ ثوبٍ ثمناً فينقسمُ الثَّمنُ على الثياب كلّها باعتبارِ القيمة، والغائبُ لم يُعْلَمْ أنّه كان جيّداً أو وسطاً أو ردِّيئاً فقيمتُهُ مجهولةٌ، وإذا صارت حصَّةُ الغائبِ مجهولةً، فصارَ ثمنُ الباقي أعني التّسعةَ مجهولةً أيضاً، وجهالةُ الثَّمنِ تُوجِبُ فسادَ البيع.
وإذا كان أكثر من عشرة أثواب فيُرَدُّ ثوبٌ واحد، والأثواب مختلفةٌ فإنّه يُعْلَمُ أنّ أي ثوبٍ يجبُ ردُّه، فالبائعُ يُطالبُ الجيّد، والمشتري يَرُدُّ الرديء، فصارَ المبيع مجهولاً، وجهالةُ المبيع أيضاً توجبُ فسادَ البيع.
¬
(¬1) (_) العِدل بالكسر: أي مثله في الجنس والمقدار، والمراد من المسألة اشترى عدداً من قيمي ثياباً أو غنماً، كما في «البحر» (5: 316)، و «المختار» (ص417).
(¬2) (_) وهو أحمد بن زيد الشروطي، أبو زيد، من مؤلفاته: «الوثائق»، و «الشروط الكبير»، و «الشروط الصغير». ينظر: «الجواهر المضية» (1: 170).
(¬3) (_) «الجامع الصغير» (ص337).
(¬4) (_) «الهداية» (3: 24).
(¬5) (_) «الكفاية» (5: 479 - 480).
الجزء 9 · صفحة 32
ولو بَيَّنَ لكلٍّ ثَمَنَاً صَحَّ في الأقلِّ بقدرِه، وخُيِّر، وفسدَ في الأكثر): لأَنَّ المبيعَ مجهول. وفي بيعِ ثوبٍ على أَنَّهُ عشرةُ أَذرعٍ، كلُّ ذراعٍ بدرهمٍ أَخَذَ بعشرةٍ في عشرةٍ ونصفٍ بلا خيارٍ، وبتسعةٍ في تسعةٍ ونصفٍ إن شاء، وقال أبو يوسفَ (: إن شاءأخذ بأَحَدَ عشرَ في الأَوَّلِ وبعشرةٍ في الثَّاني، وقال محمَّدٌ (: إن شاءَ أَخَذَ بعشرةٍ ونصفٍ في الأوَّلِ وبتسعةٍ ونصفٍ في الثَّانِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ولو بَيَّنَ [_] لكلٍّ ثَمَنَاً صَحَّ في الأقلِّ بقدرِه، وخُيِّر، وفسدَ في الأكثر)؛ لأَنَّ المبيعَ مجهول [2] (¬1).
(وفي بيعِ ثوبٍ على أَنَّهُ عشرةُ أَذرعٍ، كلُّ ذراعٍ بدرهمٍ أَخَذَ بعشرةٍ في عشرةٍ ونصفٍ بلا خيارٍ، وبتسعةٍ في تسعةٍ ونصفٍ إن شاء، وقال أبو يوسفَ (: إن شاء أَخَذَ بأَحَدَ عشرَ في الأَوَّلِ وبعشرةٍ في الثَّاني، وقال محمَّدٌ (: إن شاءَ [3] أَخَذَ بعشرةٍ ونصفٍ في الأوَّلِ وبتسعةٍ ونصفٍ في الثَّانِي)؛ لأَنَّ [4] من ضرورةِ مقابلةِ الذِّراعِ بالدَّرهمِ مقابَلة نصفِهِ بنصفِه
===
[_] قوله: ولو بيَّنَ؛ لكلِّ ثوبٍ ثمناً؛ بأن قال: بعتُك العِدلَ على أنّه عشرةُ أثوابٍ كلُّ ثوبٍ بدرهم، صحَّ في الأقلّ بقدرِهِ إذا كان تسعةً مثلاً؛ لأنَّ حصةَ المعدومِ معلومةً، وهو درهمٌ لكلِّ ثوبٍ فتكونُ حصَّةُ الباقي معلومةٌ أيضاً.
أو خُيِّر: أي إن شاءَ أخذَ كلَّ ثوبٍ بما فيه، وإن شاء ترك؛ لأنه ربَّما يكون الباقي رديئاً والغائبُ جيّداً، والمشتري إنّما يرغبُ في الرديء بمكان الجيّد، فيتضرَّرُ بتفرُّق الصفقة قبل التّمام فيَتَخَيَّر.
[2] قوله: لأنَّ المبيعَ مجهول؛ لأنّ العقدَ يتناولُ العشرة، فعلى المشتري ردّ الثَّوبِ الزائد، وهو مجهول؛ لاحتمالِ كونه جيّداً أو رديئاً، فيصيرُ المبيعُ أيضاً مجهولاً.
[3] قوله: إن شاء، وإنّما يُخَيَّرُ؛ لأنّ في الوجهِ الأوّل ازدادَ عليه الثَّمن بزيادةِ نصفِ ذراع، وفي الثاني انتقص الثّوب عمّا شرط فيتخيّرُ كي لا يتضرَّر.
[4] قوله: لأن ... الخ؛ حاصلُهُ: أنَّ البائعَ لَمَّا قابلَ الذّراع بالدَّراهم، فلا محالةَ له أن يكون نصفُ الذِّراعِ مقابلاً بنصفِ الدّراهم، فيجري على النصف حكمُ المقابَلة،
¬
(¬1) (_) أي فيما إذا كان أحد عشر مثلاً؛ لأنّ العقدَ يتناولُ العشرة، فعلى المشتري ردّ الثَّوبِ الزائد، وهو مجهول؛ لاحتمالِ كونِهِ جيّداً أو رديئاً، فيصيرُ المبيعُ أيضاً مجهولاً. ينظر: «مجمع الأنهر» (2: 13).
الجزء 9 · صفحة 33
................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولأبي يوسفَ [2] (: أَنَّهُ لَمَّا أَفْرَدَ كلَّ ذراعٍ ببدلٍ أُنْزِلَ كلّ ذراعٍ منزلةَ ثوبٍ وقد انتقص، ولأبي حنيفة ([2]: أَنَّ الذِّراعَ وصفٌ، وإنَّما أَخَذَ حُكْمَ المقدارِ بالشَّرط، وهو مُقَيَّدٌ بالذِّرَاع، ففي الأقلِّ عاد الحُكْمُ إلى الأصل.
===
وهو أنّه إذا وجدَ المشتري عش رةَ أذرعٍ ونصف يجبُ عليه أداءُ عشرةِ دراهمَ ونصف، وكذلك في صورةِ النقصان، فيجبُ عليه تسعةُ دراهمٍ ونصف.
[_] قوله: ولأبي يوسف ( ... الخ؛ حاصلُهُ: أنّه لمّا قال البائع: كلُّ ذراعٍ بدرهم نَزلَ كلّ ذراعٍ مَنزلة ثوب، والثَّوبُ إذا بيعَ بأنّه خمسةُ أذرعٍ مثلاً، ووجده المشتري أربعة لا يسقطُ شيءٌ من الثّمن؛ لأنّه قد سبق مدلّلاً أنَّ الذرعَ وصف، وتغيُّرُ الأوصافِ لا يوجبُ سقوطَ شيءٍ من الثمن، ولكن يثبتُ له الخيار، فكذا هنا لا يسقطُ شيءٌ من الثّمن، وكان للمشتري الخيار.
[2] قوله: ولأبي حنيفة ( ... الخ؛ حاصلُهُ: أنّه ثبتَ فيما سبقَ أنَّ الذرعَ في الأصلِ وصف، والوصفُ لا يقابله شيءٌ من الثّمن، وإنّما أخذَ الوصفُ حكمَ المقدارِ بالشَّرط، وهو قولُ البائع: كلُّ ذراعٍ بدرهم، والشرطُ مقيَّد بالذِّراعِ لا غيره، وظاهرٌ أنَّ الكسرَ ليس بذراع، فلمّا فات الشّرط عادَ الحكمُ إلى الأصل، وهو الوصف، فصارت زيادةُ الكسرِ كزيادةِ الجودةِ مثلاً.
وإنّما كان الخيار للمشتري في صورةِ النقصانِ لفواتِ الوصفِ المرغوبِ فيه، وقيل: في الكِرْباس الذي لا يتفاوتُ جوانبُه لا يطيبُ للمشتري ما زادَ على المشروط؛ لأنّه بمَنْزلةِ الموزون حيث لا يضرُّه الفصل، وعلى هذا قالوا: يجوزُ بيعُ ذراعٍ منه، كذا في «الهداية» (¬1).
¬
(¬1) (_) «الهداية» (3: 24).
الجزء 9 · صفحة 34
وصحَّ بيعُ البُرِّ في سُنْبُلِهِ والباقلاء والأرزِ والسِّمْسِمِ في قشرِها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وصحَّ [_] بيعُ البُرِّ في سُنْبُلِهِ والباقلاءِ والأرزِِ والسِّمْسِمِِ في قشرِها): أي بيعُ البُرِّ في سُنْبُلِهِ يجوزُ عندنا، وعن الشَّافِعِيِّ قولان [2] (¬1)
===
وفي «البحر الرائق» نقلاً عن «الذخيرة»: «قولُ أبي حنيفةَ (أصحّ، ومن المشايخ مَن اختارَ قول محمّد (وهو أعدل الأقوال» (¬2). انتهى (¬3).
[_] قوله: وصحّ ... الخ؛ لأنّه مالٌ منتفع به، فيجوزُ بيعُه في قشرِه، ولا يجوزُ بيعُه بمثله من سنبل الحنطة؛ لاحتمال الربا كما في «الفتح» (¬4).
وفي «الكفاية» نقلاً عن «شرح الطحاوي»: «إنّ الأصل أنّه إذا باع شيئاً وهو في غلافه قبل الإزالة فإنّه لا يجوز إلاَّ الحنطة في سنبلِها، وسائرُ الحبوب في سنابلها، والذهب في ترابه، والفضّة في ترابها، بخلاف جنسه من الثمن». انتهى (¬5).
[2] قوله: قولان؛ في قوله الجديد: لا يصحّ (¬6)؛ لأنّ المعقودَ عليه مستورٌ غائبٌ عن البصر، ولا يُعْلَمُ وجوده، فلا يجوزُ بيعُه.
ولنا: أنّه حَبٌّ منتفعٌ به، فيجوزُ بيعُه في سنبلِه كالشعير، فإنّه يجوزُ بيعُه في سنبلِهِ بالإجماع، وما رواه مسلم، وأحمد، وغيرهما أنّه «(نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمنَ العاهة» (¬7)، المرادُ به السلم، يعني لا يجوزُ الإسلامُ فيه حتى يوجدَ بين النّاس.
¬
(¬1) (_) وأصحهما لا يجوز كما قال الشيرازي في «التنبيه» (ص96)، وينظر: «الأم» (3: 68)، و «أسنى المطالب» (2: 106)، وغيره.
(¬2) (_) قال الحصكفي في «الدر المختار» (4: 33): «صحح القهستاني وغيره قول الإمام، وعليه المتون، فعليه الفتوى». وأقرّه ابن عابدين في «رد المحتار» (4: 33).
(¬3) (_) «البحر الرائق» (5: 316).
(¬4) (_) «فتح القدير» (5: 494).
(¬5) (_) من «الكفاية» (5: 494).
(¬6) (_) وأصحهما لا يجوز كما قال الشيرازي في «التنبيه» (ص96)، وينظر: «الأم» (3: 68)، و «أسنى المطالب» (2: 106)، وغيره.
(¬7) (_) في «صحيح مسلم» (3: 1190)، و «مسند أحمد» (3: 115)، وغيرهما.
الجزء 9 · صفحة 35
والجَوْزُ واللَّوْزُ والفِسْتُقِ في قشرِها الأَوَّلِ، وبيعُ ثمرةٍ لم يبدُ صلاحُها أو قد بَدَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وبيعُ الباقلاء الأخضرِ لا يجوزُ عنده [1] (¬1)، (والجَوْزِِ واللَّوْزِِ والفِسْتُقِ في قشرِها الأَوَّلِ): إِنَّمَا قال في قِشْرَها الأَّوْلِ؛ لأَنَّ فيه خِلافَ الشَّافِعِيِّ (¬2) (، أمّا في قشرِها الثَّانِي فيجوزُ اتفاقاً.
(وبيعُ [2] ثمرةٍ لم يبدُ صلاحُها أو قد بَدَا
===
ألا ترى إلى ما رواه مسلمٌ، والبُخاريّ بإسناده عن النبي (: «إذا منعَ الله الثمرَ فيمَ تستحلُّ مالَ أخيك» (¬3)، فيكون حجّة لنا في اشتراطِ وجودِ المسلَّم فيه من حين العقد إلى حين المحلّ، ولو أجري على إطلاقه كان حجّةً لنا أيضاً في هذا الموضع؛ لأنّه يقتضي جوازَ بيعِهِ بعدما ابيضّ مطلقاً من غير قيد بالفرك، ولو كان كما قاله لقال حتى يفرك. كذا ذكره العَيْنِيّ (¬4).
[_] قوله: لا يجوز عنده؛ ونقلَ صاحبُ «ذخيرة العقبي» عن «الدراية»: «له في بيعِ الباقلاءِ الأخضرِ وجهان، والمنصوصُ أنّه لا يجوز، وهو ظاهر مذهبه، وقال كثيرٌ من أصحابه: يجوز، وهو قولنا، وقول مالكٍ وأحمد (، والمختارُ عند الشافعيّ (جوازُ بيعِ الباقلاء الأخضرِ واللّوز الرطب». انتهى (¬5).
[2] قوله: وبيع ... الخ؛ أي وصحَّ بيعُ ثمرةٍ ظاهرة؛ لأنّ بيعَها قبل الظهور لا يصحّ باتّفاق. كذا في «المنح» (¬6)، فالتنوينُ في قوله: ثمرة؛ ينبغي أن يكونَ للعهد، وهذا البيعُ مطلقاً صَحَّ بدا صلاحُها أو لم يبدُ؛ لأنّه مالٌ معلومٌ متقوَّمٌ في الحال أو في المآل، وقيل: لا يجوز قبل بدو صلاحِها، والأوّل أصحّ.
¬
(¬1) (_) ينظر: «الغرر البهية» (3: 37)، و «أسنى المطالب» (2: 106)، و «تحفة المحتاج» (4: 466)، وغيرها.
(¬2) (_) ينظر: «المحلي» (2: 291)، و «تحفة المنهاج» (2: 499)، و «نهاية المحتاج» (4: 150)، وغيرها.
(¬3) (_) في «صحيح مسلم» (3: 1190)، و «صحيح البخاري» (2: 768)، وغيرهما.
(¬4) (_) في «البناية» (6: 251 - 253).
(¬5) (_) من «ذخيرة العقبى» (ص353).
(¬6) (_) «منح الغفار» (ق2: 8/أ).
الجزء 9 · صفحة 36
ويجبُ قطعُها، وشرطُ تركها على الشَّجَرِ يفسد البيع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ويجبُ قطعُها [1]،وشرطُ تركها على الشَّجَرِ يفسد البيع [2]
===
وقال في «الفتح»: «لا خلافَ في عدمِ جوازِ بيعِ الثِّمارِ قبل أن تظهر، ولا في عدمِ جوازِهِ بعد الظّهورِ قبل بدو الصَّلاحِ بشرطِ التّرك، ولا في جوازِهِ قبل بدوّ الصّلاحِ بشرطِ القطعِ فيما ينتفعُ به، ولا في الجوازِ بعد بدوّ الصلاح.
لكنّ بدوّ الصّلاح عندنا أن تؤمنَ العاهةُ والفساد، وعند الشافعيّ (: هو ظهورُ النّضجِ وبدوّ الحلاوة، والخلافُ إنّما هو في بيعها قبل بدوّ الصّلاح على الخلافِ في معناه لا بشرطِ القطع، فعند الشافعيّ ومالك وأحمد (لا يجوز.
وعندنا: إن كان بحالٍ لا ينتفعُ به في الأكلِ ولا في علفِ الدوابّ فيه خلافٌ بين المشايخ، قيل: لا يجوز، ونسبه قاضي خان (لعامّة مشايخنا، والصّحيحُ أنّه يجوز؛ لأنّه مالٌ منتفعٌ به في ثاني الحال، وإن لم يكن منتفعاً به في الحال.
والحيلةُ في جوازِهِ باتّفاقِ المشايخِ أَن يبيعَ الكُمَّثْرَى أَوّلَ ما تَخْرجُ مع أَوراقِ الشَّجر، فيجوزُ فيها تبعاً للأوراق، كأنّه ورقٌ كلُّه، وإن كان بحيثُ ينتفعُ به ولو علفاً للدوابّ، فالبيعُ جائزٌ باتّفاقِ أهلِ المذهبِ بشرطِ القطعِ مطلقاً». انتهى (¬1).
ولو بزرَ بعضُها دونَ بعضٍ لا يصحُّ في ظاهرِ المذهب، وصحَّحه السَّرَخسيّ، وأفتى الحَلْوَانِيُّ بالجوازِ لو الخارجُ أكثر، كذا في «الدر المختار» (¬2) نقلاً عن الزَّيْلَعِيّ (¬3).
[_] قوله: ويجبُ قطعها؛ في الحال؛ ليتفرّغَ ملكُ البائعِ عن ملكه، وهذا إذا اشتراهُ مطلقاً أو بشرطِ القطع.
[2] قوله: يفسدُ البيع؛ لأنّه شرطٌ لا يقتضيه الأخذ، وهو شغل ملك الغير، أو لأنّه صفقة في صفقة؛ لأنّه إجارةٌ في بيعٍ إن كان للمنفعةِ من الثّمن، أو إعارةٌ في بيعٍ إن لم يكن لها حصّة منه.
قيل في الوجه الثاني: إنّ كلاً من الإجارةِ والإعارة غيرُ صحيح، فكيف يصحّ أن
¬
(¬1) (_) من «فتح القدير» (5: 488 - 489).
(¬2) (_) «الدر المختار» (4: 398).
(¬3) (_) في «التبيين» (4: 12).
الجزء 9 · صفحة 37
كاستثناءِ قدرٍ معلومٍ منها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كاستثناءِ قدرٍ معلومٍ [1] منها
===
يقال: صفقة في صفقة.
وأجيبَ بأنّه صفقةٌ فاسدةٌ في صفقةٍ صحيحة، ففسدتا جميعاً، وفيه: إنّ الصغرى ممنوعة لِمَا صرَّحوا من أنّ إجارةَ النَّخيلِ باطلة، والباطلُ معدوم، ولا يصلحُ متضمّناً، فَتَدَبَّر.
وحكمُ فسادِ البيعِ مطلقاً عند الشيخين (سواءٌ تناهى عظمها أو لا؛ لأنّ ما زادَ وحدثَ من التَّركِ في ملكِ البائعِ مضمونُ عند البيع، وهو مجهول، وقال محمد (: لا يفسدُ في المتناهية مستحسناً؛ لأنّه شرطٌ متعارف، وهو قولُ الأئمّة الثلاثة.
وفي «البحر» (¬1) نقلاً عن «الأسرار»: الفتوى على قول محمّد (، وبه أخذ الطَّحاويُّ (، وفي «المنتقى»: ضمَّ إليه أبو يوسف (، وفي «التحفة» (¬2): والصحيحُ قولهما؛ لأنّ التعامل لم يكن بشرطِ التّرك، وإنّما كان بالإذنِ بالتَّركُ من غير شرط. كذا في «مجمع الأنهر» (¬3).
[_] قوله: قدر معلوم؛ قال صاحب «الكنز» (¬4)، و «التنوير» (¬5)، و «القُدُوريّ» (¬6): أرطالاً معلومة، وذكر بعضُ شرّاح «الهداية» (¬7): إنّ المستثنى لو كان رطلاً واحداً يجوز؛ لأنّه استثنى القليلَ من الكثيرِ بخلافِ الأرطالِ بجوازِ أن لا يكون إلاَّ ذلكَ القدر، فيكون استثناءُ الكلِّ من الكلّ.
وقال في «المنح»: «وقيّد بالأرطال؛ لأنّه لو استثنى رطلاً واحداً جازَ اتّفاقاً».
انتهى (¬8). ولعلمي أنّ دليلَ عدم الجوازِ إن جزى فجزى على القليل والكثير، فلعل
¬
(¬1) (_) «البحر الرائق» (5: 327).
(¬2) (_) «تحفة الفقهاء» (2: 56).
(¬3) (_) «مجمع الأنهر» (2: 18).
(¬4) (_) «كنز الدقائق» (ص97).
(¬5) (_) «تنوير الأبصار» (ص126).
(¬6) (_) «مختصر القدوري» (ص34).
(¬7) (_) «العناية»، و «فتح القدير» على «الهداية» (5: 492).
(¬8) (_) «منح الغفار» (ق2: 8/أ).
الجزء 9 · صفحة 38
وأُجرةُ الكيلِ والوزنِ والذَّرعِ والعددِ على البائع، وأجرةُ وزنِ الثَّمَنِ ونقدِهِ على المشتري.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَي باعَ الثَّمَرَ على النَّخْلِ واستثنى قدراً معلوماً لا يجوزُ البيعُ [1]؛ لأَنَّهُ رُبما لا يبقى شيءٌ بعد المستثنى.
(وأُجرةُ الكيلِ [2] (¬1) والوزنِ والذَّرعِ والعددِ على البائع، وأُجرةُ وزنِ الثَّمَنِ ونقدِهِ [3] على المشتري [4].
===
المصنّف (عن هذا لم يذكر هذا القيد.
[_] قوله: لا يجوزُ البيع؛ قال في «الهداية»: «قالوا: هذا روايةُ الحسن (، وهو قول الطحاوي (، وأمّا على ظاهر الرِّوايةِ ينبغي أن يجوز؛ لأنّ الأصلّ إنّما يجوزُ إيرادِ العقدِ عليه بانفراده، ويجوزُ استثناؤه من العقد، وبيع قفيز من صبرةٍ جائز، فكذا استثناؤه، وبخلاف استثنائه الحمل وأطرافَ الحيوان؛ لأنّه لا يجوزُ بيعه، فكذا استثناؤه». انتهى (¬2).
وفي «الكَنْز» (¬3)، و «التنوير» (¬4)، و «الملتقى» (¬5): اختاروا ظاهر الرواية.
[2] قوله: وأجرة الكيل؛ في مثل البُرِّ للكيّال، وأُجرةُ الوزنِ في مثل الزيت للوزّان، وأُجرةُ العدّ في مثلِ الغنم للعدّاد، وأُجرةُ الذَّرعِ في مثلِ الأرضِ للذرَّاعِ على البائعِ فيما بيعِ بشرطِ الكيلِ والوزنِ والعدّ والذرع؛ لأنّ التَّسليمَ واجبٌ على البائع، وهو لا يحصلُ إلاّ بالكيل ومثله، وما لا يتمّ الواجبُ إلاَّ به فهو واجب.
[3] قوله: ونقده؛ أي نقدَ الثمن، والنقد: بالفتح آماده كرون ودادن وهره كرون درهم ودينار. كذا في «المنتخب»، والثالثُ هو المراد، ويقال: نقدتُ الدراهم وانتقدتُها: أي أخرجت منها الزّيف. كذا في «الصراح» فمعناه باللغة الهنديّة: يركهنا.
[4] قوله: على المشتري؛ لأنّ الوزن من تمامِ التسليم، فيجبُ عليه، وكذا يجبُ
¬
(¬1) (_) فيما بيع مكايلة وكذا أجرة وزن المبيع وذرعه وعدّه على البائع؛ لأن هذه الأشياء من تمام التسليم، وهو على البائع، فكذا تمامه. ينظر: «رمز الحقائق» (2: 8).
(¬2) (_) من «الهداية» (3: 26).
(¬3) (_) «كنز الدقائق» (ص97).
(¬4) (_) «تنوير الأبصار» (ص126).
(¬5) (_) «ملتقى الأبحر» (ص109).
الجزء 9 · صفحة 39
وفي بيعِ سلعةٍ بثمنِ سَلَّم هو أوَّلاً، وفي غيرِهِ سلَماً معاً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفي بيعِ سلعةٍ بثمنِ سَلَّمَ [_] هو أَوَّلاً، وفي غيرِهِ سَلَّماً معاً): أي في بيعِ السِّلعةِ بالثَّمَنِ: أَي بالدِّراهمِ والدَّنانِيرِ سَلَّمَ الثَّمَنَ أَوَّلاً [2]؛ لأَنَّ السِّلْعَةَ تتعيَّنُ بالبيع
===
عليه تسليمُ الجيد، فيكون أُجرةُ مَن يميّزُ ذلك عليه، وهذه رواية ابن سماعة (عن محمّد (، وفي رواية ابن رستم (عنه أُجرةِ نقدِ الثَّمنِ على البائع؛ لأنّ النقدَ يكون بعد التسليم والوزن.
وعن محمّد (: إنَّ أجرةَ النقدِ على ربِّ الدينِ بعد القبض، وقبله على المديون، وفي «الفتاوى الصغرى»: اختلفَ المشايخُ في أُجرةِ النَّقد، قال بعضُهم: على البائع، وقال بعضُهم: على المشتري، ثم قال: وبه أفتى واختارَه في «الواقعات»، كذا ذكره العلاّمة العَيْنِيّ في «شرح الكَنْز» (¬1).
[_] قوله: سلَّمَ؛ في «الدر المختار»: «التسليم يكون بالتخلية على وجهٍ يتمكَّنُ من القبضِ بلا مانعٍ ولا حائل، وشرطَ في «الأجناسِ» شرطاً ثالثاً وهو أن يقول: خلَّيت بينَك وبين المبيع، فلو لم يقله أو كان بعيداً لم يصرْ قابضاً، والناس عنه غافلون، فإنّهم يشترون قرية ويقرّون بالتسليم والقبض، وهو لا يصحّ به القبض على الصّحيح، وكذا الهبة». انتهى (¬2).
[2] قوله: سلَّمَ الثمنَ أوَّلاً؛ أي قبل المبيع، يعني إذا وقعَ المنازعةُ بينهما في تسليمِ المبيع والثَّمنِ قيل للمشتري: ادفعْ الثَّمنَ أوّلاً؛ لأنَّ حقَّ المشتري تعيَّن في المبيع، فيقدَّمُ دفعَ الثَّمنِ ليتعيَّن في البائعِ في القبضِ لِمَا أنّه يتعيَّن بالتعيين تحقيقاً للمساواةِ في تعيين حقِّ كلِّ واحدٍ منهما، خلافاً للشَّافعيِّ (في قولٍ، هذا إذا كان المبيعُ حاضراً.
وإن غائباً فلا يُسَلَّمُ حتى يُحْضِرَ البائعُ المبيعَ على مثال الراهن مع المرتهن. كذا في «مجمع الأنهر» (¬3). وفي «الفتاوى البَزَّازيّة»: «باع بشرطِ أن يدفعَ المبيع قبل نقد الثَّمن فسدَ البيع؛ لأنّه لا يقتضيه العقد، وقال محمّد (: لا يصحُّ لجهالةِ الأجل، حتى لو سمَّى الوقتَ الذي يُسَلِّمُ فيه المبيع جاز». انتهى (¬4).
¬
(¬1) (_) «رمز الحقائق شرح كنز الدقائق» (2: 8).
(¬2) (_) «الدر المختار» (4: 43).
(¬3) (_) «مجمع الأنهر» (2: 21).
(¬4) (_) من «الفتاوى البزازية» (2: 431 - 432).
الجزء 9 · صفحة 40
.......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والدَّراهمِ والدَّنانيرِ لا تتعَيَّنُ إلاَّ بالتَّسليمِ فلا بُدَّ من تَعَيُّنِه (¬1)؛ لئلا يلزمَ الرِّبا [1].
أو في غيرِه: أَي في بيعِ السِّلعةِ بالسِّلعةِ [2]، وهو بيعُ المُقايَضة، وفي بيعِ الثَّمَنِ بِالثَّمَنِ: أي الصَّرْفُ سُلِّمَا معاً لتساويهما في التَّعَيُّنِ وعدمِه.
===
[_] قوله: لئلا يلزم الربا؛ أي ألا يلزمَ فضلُ أحدِ البدلين؛ لأنَّ الدَّين أنقصَ من العين.
[2] قوله: بيعُ السّلعة بالسلعة؛ اعلم أنَّ البيعَ باعتبارِ تعلُّقِهِ بالمبيعِ أربعةُ أنواع؛ لأنّه إمّا أن يقعَ على عينٍ بعين، أو ثمنٍ بثمن، أو ثمنٍ بعين، أو عينٍ بثمن:
فالأوَّل: مقايضة.
والثّاني: صرف.
والثالث: سَلَم.
والرَّابُع: ليس له اسمٌ خاصّ، فهو بيعٌ مطلقٌ مشهور.
وباعتبارِ تعلُّقه بالثّمن وبمقدارهِ على أربعةِ أنواعٍ أيضاً؛ لأنَّ الثَّمنَ الأوَّل إمّا أن يعتبرَ أوّلاً، وعلى الأوَّل فمع زيادةٍ أو بدونها، أو مع نقص:
فالأوّل: مرابحة.
والثاني: تولية.
والثالث: وضيعة.
والرابع: مساومة.
¬
(¬1) (_) يعني إذا وقعَ المنازعةُ بينهما في تسليمِ المبيع والثَّمنِ قيل للمشتري: ادفعْ الثَّمنَ أوّلاً؛ لأنَّ حقَّ المشتري تعيَّن في المبيع، فيقدَّمُ دفع الثَّمنِ ليتعيَّن في البائعِ في القبضِ لِمَا أنّه يتعيَّن بالتعيين تحقيقاً للمساواةِ في تعيين حقِّ كلِّ واحدٍ منهما. ينظر: «مجمع الأنهر» (2: 21).
الجزء 9 · صفحة 41
باب الخيار
[فصل في خيار الشرط]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صحَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ الخيار [1]
[فصل في خيار الشرط]
(صَحَّ [2]
===
[1] قوله: باب الخيار؛ اعلم أنَّ البيعَ قد يكون لازماً، وهو ما لا يكونُ فيه خيارٌ بعد وجودِ شرائطه، وقد يكون غيرَ لازم، وهو ما فيه الخيار، ولمَّا كان الأوّل أقوى في كونِهِ بيعاً فقدّمه المصنّف - رضي الله عنه - وأورد للثَّاني هذا الباب.
والخيارُ أنواعه وإن بلغت إلى سبعة عشر كما فصّلها صاحبُ «الأشباه» (¬1)، لكن الثَّلاثة منها، وهي: خيارُ الشّرط والرؤية والعيب؛ لكثرةِ أحكامها، وضخامةِ مسائلها توردُ بالاستقلال.
فقدَّم المصنِّف - رضي الله عنه - ذكرَ خيارِ الشّرط؛ لأنَّه يمنع ابتداءَ الحكم، ثمَّ خيارُ الرؤية؛ لأنّه يمنعُ تمامَ الحكم، ثمّ خيارُ العيب؛ لأنّه يمنعُ لزومَ الحكم، والخيارُ بمعنى الاختيار، قال في «المصباح المنير»: «الخيارُ: هو الاختيار، ومنه يقال له: خيارُ الرؤية». انتهى (¬2). وفي «منتهى الأرب»: يقال: أنت بالخيار؛ يعني اختيار، كن جيزي راكه خوا هي. انتهى.
[2] قوله: صحّ؛ اعلم أنَّ الخيارَ ثابتٌ بالنصّ على خلافِ القياس؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع وشرط» (¬3)، إلاَّ أنَّ النصَّ وردَ به، وهو ما أخرجَه الحاكمُ في «المستدرك»: عن ابنِ عمرَ - رضي الله عنه - قال: «حبان بن منقذ - رضي الله عنه -، وهو ممَّن شهدَ أحداً، وكان رجلاً ضعيفاً قد سفعَ في رأسه مأمومة ـ أي ضربَ في رأسه شجّة بلغت أمّ دماغه ـ، فجعل له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الخيار فيما اشتراهُ ثلاثةَ أيّام، وكان قد ثَقُلَ لسانه، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بع،
¬
(¬1) «الأشباه والنظائر» (ص402).
(¬2) من «المصباح المنير» (ص185).
(¬3) في «مسند أبي حنيفة» (ص160)، و «المعجم الأوسط» (4: 335)، وغيره.
الجزء 9 · صفحة 42
الجزء 9 · صفحة 43
خِيارُ الشَّرْطِ لكلٍّ من العاقدين، ولهما ثلاثةُ أيَّامٍ أو أقلَّ لا أكثرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خِيارُ الشَّرْطِ [1] لكلٍّ من العاقدين [2] ولهما [3] ثلاثةُ أيَّامٍ [4] أو أقلَّ لا أكثرَ
===
===
وقل: لا خلابه ـ أي لا خداع ـ وكان يشتري الشيء ويجيء به إلى أهله فيقولون: هذا غال، فيقول رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: خيَّرني في بيع» (¬1). كذا ذكره العلاّمة الطحطاوي (¬2) - رضي الله عنه - عن العلاّمة نوح (¬3) - رضي الله عنه -.
[1] قوله: خيار الشرط؛ أي الاختيارُ للفسخ أو الإجازة بسببِ شرطه، ولو بعدَ البيع، فالإضافةُ من قبيل إضافةِ الحكمِ إلى سببه، وهذه الإضافة شائعةٌ بين الفصحاء فلا يَرِدُ أنّ المناسبَ شرط الخيار.
[2] قوله: لكلٍّ من العاقدين، وقال سفيانُ الثَّوريّ - رضي الله عنه - وابنُ شبرمه - رضي الله عنه -: يجوزُ للمشتري لا للبائع؛ لأنّه ثبتَ على خلافِ القياس، فيقتصرُ على موردِ النصّ، وهو المشتري بما أخرجه الحاكمُ (¬4) من حديثٍ مذكورٍ سابقاً.
ولنا: إنّ خيارَ الشرط إنّما جاز؛ لحاجةِ الناسِ إليه؛ لدفعِ الغبنِ بالتروِّي، وذلك يستوي فيه البائعُ والمشتري، على أنّ لفظَ ابنِ ماجه: «إذا بايعت» (¬5)، وهو يشملُ البيع والشراء.
[3] قوله: ولهما؛ معطوفٌ على قوله: «لكلّ»: أي صحَّ لكلٍّ منهما منفرد، أو لهما معاً، أو كلام مبتدأ؛ لبيان مدَّة الخيار، والأوّلُ أولى.
[4] قوله: ثلاثة أيّام؛ منصوبٌ على الظرفيّة: أي الخيارُ في ثلاثةِ أيام أو مرفوع على الخبريّة، فكان المبتدأ قوله: «الخيار»؛ أي مدة الخيار ثلاثة أيام، والأول أولى.
¬
(¬1) في «المستدرك» (2: 26)، وأصل الحديث في «صحيح البخاري» (2: 745)، و «صحيح مسلم» (3: 1165).
(¬2) في «حاشيته على الدر المختار» (3: 28).
(¬3) وهو نوح بن مصطفى الرومي الحَنَفِي، من كبار فقهاء عصره، ومفتي قُوْنِيَة، وله مؤلفات كثيرة، ومجاميع متعددة ومتنوعة لرسائله التي بلغت نحو مئة رسالة، وله حاشية على كتاب «الدرر والغرر»، وسكن القاهرة، وفيها توفي سنة (1070هـ). ينظر: «تحفة الطلبة» (ص52).
(¬4) في «المستدرك» (2: 26).
(¬5) في «سنن ابن ماجة» (2: 788).
الجزء 9 · صفحة 44
الجزء 9 · صفحة 45
إلاَّ أنَّه يجوزُ إن أجاز في الثَّلاث
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إلاَّ أنَّه [1] يجوزُ إن أَجاز في الثَّلاث): أَي إذا بيع وشُرِطَ الخِيارُ أكثرَ من ثلاثةِ أيّامٍ لا يجوزُ البيعُ خلافاً لهما [2]
===
===
[1] قوله: إلاَّ أنّه ... الخ؛ استثناءٌ من قوله: «لا أكثر»؛ أي إن ذكرَ الأكثرُ من ثلاثةَ أيّام وأجازَ مَن له الخيار في الثلاثِ جاز.
[2] قوله: خلافاً لهما؛ فإنّهما قالا: يجوزُ إذا سمّى مدّة معلومةً شهراً كان أو سنةً أو أكثرَ منها نقلاً وعقلاً:
أمَّا النّقلُ: فحدث ابنُ عمر - رضي الله عنه - أنّه أجازَ الخيار إلى شهرين.
وأمّا العقلُ: فالخيارُ إنّما شرعَ للحاجةِ إلى التّروّي والتفكير؛ ليندفعَ الغبن، وقد تمسّ الحاجةُ إلى الأكثرِ فصارَ كالتأجيل.
والجوابُ عن النقلِ: أنَّ حديث ابن حبّان مشهور، فلا يعارضُهُ حكايةُ حالِ ابن عمر - رضي الله عنهم -، على أنّ في الحديثِ المذكورِ أنّ ابنَ عمر - رضي الله عنهم - أجازَ الخيار، وليس فيه خيارُ الشَّرط، فيمكنُ أن يرادَ به خيارُ الرؤية أو العيب.
والجوابُ عن العقل: أنّ كثيرَ المدَّةِ ليس كقليلها، فإنّ في الكثيرِ معنى الغرور زائد، والقياسُ على التأجيلِ في الثمن غيرُ صحيح؛ لأنَّ الأجلَ يشترطُ للقدرةِ على الأداء، وهي إنّما تكون بالكسب، وهو لا يحصلُ في كلِّ مدّة، فقد يُحتاجُ إلى مدّةِ طويلة.
وقال مالك - رضي الله عنه -: مدّة الخيار ما يمكن اختيار المبيع في مثله، فإن كان المبيعُ ممَّا لا يبقى أكثرَ من يومٍ كالفاكهة لم يجز أن يشترطَ في أكثر من يوم، وإن كان فيه صنعة لا يمكنُ الوقوفُ عليها في ثلاثةِ أيَّامٍ يجوز أن يشترطَ فيه أكثرَ من ثلاثة أيّام؛ لأنّه شرعَ للحاجةِ إلى التَّروي، وهي تندفعُ بذلك. ذكره في «كمال الدِّراية» (¬1).
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: لأنَّ مقتضى العقد، وهو اللّزومُ وخيارُ الشرطِ يُخالفه، لكن جَوَّزناه بالنصِّ فيقتصرُ على ما هو المذكور فيه، وهو ثلاثة أيّام.
¬
(¬1) «كمال الدراية» (ق371).
الجزء 9 · صفحة 46
الجزء 9 · صفحة 47
فإن اشترى على أنَّهُ إن لم يَنْقُدِ الثَّمَنَ إلى ثلاثة أيَّام فلا بيعَ صحَّ، وإلى أربعةٍ لا، فإنْ نَقَدَ في الثَّلاثِ جازَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لكن إن أجيزَ في ثلاثةِ أيَّامٍ جازَ البيعُ [1] عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - خلافاً لزُفر [2]- رضي الله عنه -.
(فإن اشترى على أنَّهُ إن لم يَنْقُدِ الثَّمَنَ إلى ثلاثةِ أيَّام فلا بَيْعَ صَحَّ [3]، وإلى أربعةٍ لا [4]، فإنْ نَقَدَ في الثَّلاثِ جازَ)، وإنِّما أدخلَ [5] لفظةَ الفاءِ في قوله: فإن اشترى
===
===
[1] قوله: جاز البيع؛ لأنّ مَن له الخيار أسقطَ المفسد في إجازتِهِ في الثلاثة قبل تقرّره، فصار كما لو باع جذعاً في سقف، ثمّ نزعه وسلَّمه إليه؛ وذلك لأنّه انعقدَ فاسداً؛ إذ الظاهر دوامهما على الشّرط، فإذا أسقطا الزَّائدَ قبل مجيئه تبيَّنَ أنَّ الأمرَ على خلافِ ذلك، فانقلب صحيحاً، وهذا قول مشايخِ العراق.
أو لأنّ المفسدَ اتّصال اليومُ الرابعِ بالمدّة، فإذا أَجاز مَن له الخيار قبله لم يتَّصلِ المفسد بالعقد، وصار كأنّه لم يشترط الخيار في الرابع، وهذا عند مشايخ خُراسان: فإنَّ عندهم العقد موقوفٌ على إسقاط الزائد، فإذا مضى جزءٌ من الرابع فسد العقد، ذكره في «كمال الدراية» (¬1).
[2] قوله: خلافاً لزفر - رضي الله عنه -؛ فإنّ عنده لا يجوز؛ لأنَّ العقدَ انعقدَ فاسداً بفسادِ الشّرطِ الثابت فيه، فلا ينقلبُ صحيحاً بإسقاطه، كما لو باعَ درهماً بدرهمين، ثمَّ أسقطَ الدّرهم الزائد.
[3] قوله: صح؛ والأصلُ في خيارِ النّقدِ أنّه بمعنى شرط الخيار؛ لأنّ معنى الخيارِ نقدُ الثمنِ على تقديرِ إجازةِ البيعِ وعدم نقده على تقديرِ فسخِ البيع، فكذا هاهنا إن شاء نقد الثّمن فتمَّ البيع، وإن شاءَ لم ينقد، فانفسخَ البيع؛ إذ الحاجةُ مسَّت إلى الانفساخِ عند عدمِ السدّ احترازاً عن المماطلةِ في الفسخ، فيلحقُ خيارُ النقد بخيار الشرط.
[4] قوله: وإلى أربعة لا؛ أي لا يصحُّ البيعُ عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وقال مُحمّد - رضي الله عنه -: يجوزُ إلى أربعةِ أيام أو أكثر.
[5] قوله: إنّما أَدخل؛ هذا تصويرُ التّفريع، ودفعُ ما يتوهم أنّ ما سبقَ كان مسألة شرط الخيار، والمذكورُ هاهنا خيارُ النّقدِ فما وجه التفريع، وحاصلُ الدفعِ أن المذكور
¬
(¬1) «كمال الدراية» (ق371).
الجزء 9 · صفحة 48
الجزء 9 · صفحة 49
ولا يخرجُ مبيعٌ عن ملكِ بائعه مع خيارِه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لأنَّه فرعُ مسألةِ خِيارِ الشَّرط؛ لأَنَّ خِيارَ الشَّرْطِ إنِّما شُرِعَ ليدفعَ بالفَسْخِ الضَّررَ عن نفسِهِ سواءٌ كان الضَّرَرُ تأخير أداءِ الثَّمَن أو غيره.
فإذا كان الخِيارُ لضررِ التَّأَخِيرِ من صُورِ خِيَارِ الشَّرْطِ فالتَّصريحُ به يكونُ من فُرُوعِ خِيارِ الشَّرْطِ، وهذا الذي ذُكِرَ قولُ أبي حنيفة وأبي يوسفَ خلافاً لمحمَّدٍ - رضي الله عنهم -، فإنَّهُ يَجُوز [1] في الأكثر، فهو جَرَى على أصلِهِ في التَّجْويِزِ في الأكثر، وأبو حنيفةَ - رضي الله عنه - جَرَى [2] على أصْلِهِ في عدمِ التَّجْويِزِ في الأكثر، أَمَّا أبو يوسفَ [3]- رضي الله عنه - إنَّما لم يُجَوِّزْ هاهنا جَريَاً على القياس، وجَوَّزَهُ ثمَّة لأثرِ ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنه - فإنَّهُ جوَّزهُ إلى شهرين.
(ولا يخرجُ [4] مبيعٌ عن ملكِ بائعه مع خيارِه
===
===
هاهنا من صورِ خيارِ الشّرط؛ لأنّ الشَّارعَ إنّما وضعه لدفعِ الضَّررِ ـ بالفتح ـ، والضّرر أعمُّ من أن يكونَ تأخيرُ أداءِ الثَّمن وغيره، فالمذكورُ يكونُ من فروعِ خيار الشرط.
[1] قوله: فإنّه يجوز؛ أي فإنه قال بجوازِ خيارِ الشَّرطِ في أكثر من ثلاثةِ أيّام، ومسألة خيار النَّقدِ من فروعِ خيارِ الشَّرطِ فجرى على أصله هاهنا في تجويزه أيضاً في أكثر من ثلاثةِ أيّام.
[2] قوله: جرى؛ فإنّه قال بعدمِ جوازِ خيارِ الشَّرطِ في أكثر من ثلاثة أيّام.
[3] قوله: أمّا أبو يوسف - رضي الله عنه -؛ حاصلُهُ: أنّه أخذَ في الأصلِ يعني في خيارِ الشَّرطِ بأثرِ ابن عمرَ - رضي الله عنه -، وهو أنّه أجازَ الخيار إلى شهرين، وأخذ في خيارِ النّقد بالقياس؛ لأنَّ القياسَ في خيارِ الشرطِ ما قاله الإمام - رضي الله عنه -، وإنّما تركه صاحباه بالأثرِ المذكور، ولا أثر هاهنا فبقى هذه الصورة على القياس.
[4] قوله: ولا يخرج؛ لأنّ خروجَه إنّما يكون برضاءِ البائع، ولا يتمّ الرِّضاءُ مع الخيار؛ لأنه يفيدُ عدم الرّضاء بزوالِ ملكه فلا يخرجُ المبيعُ عن ملكه، ويصحُّ تصرُّف البائع في البيع في مدَّةِ الخيار: كتصرُّف الملاّك من الهبة والعتقِ والوطء وغيرها، ويصيرُ فسخاً للبيع.
الجزء 9 · صفحة 50
الجزء 9 · صفحة 51
فإن قبضَهُ المُشْتَري فهلَكَ يَجِبُ عليه بالقيمة، ويخرجُ عن ملكِ البائعِ مع خيارِ المشتري، فهُلْكُهُ في يدِهِ بالثَّمنِ كتَعْيُّبِه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قبضَهُ المُشْتَري فهلَكَ يَجِبُ عليه بالقيمة): أَي بيع بشرطِ الخِيارِ للبائعِ فقَبَضَهُ المُشْتَري فهلَكَ في يدِهِ [1] يَجِبُ عليه القيمةُ [2]؛لأنّه مقبوضٌ على سومِ الشِّراء [3]، وهو مضمونٌ بالقيمة [4].
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ويخرجُ [5] عن ملكِ البائعِ مع خيارِ المشتري، فهُلْكُهُ في يدِهِ بالثَّمنِ [6] كتَعْيُّبِه [7])
===
===
[1] قوله: فهلكَ في يده؛ أي في مدِّة الخيار؛ فإنّه لو هلكَ بعدها فيلزمه الثّمنُ لا القيمة؛ لبطلانِ الخيار.
[2] قوله: يجب عليه القيمة؛ وقال ابنُ أبي ليلى - رضي الله عنه -: لا شيء عليه؛ لأنه أمين فيه حيث قبضَهُ بإذن صاحبه، وإنّا نقول: البائعُ ما رضي بقبضه إلاَّ بجهة العقد، والمقبوضُ بجهةِ العقدِ يكون مضموناً بالقيمة: كالمقبوض على سومِ الشَّراء. كذا في «الكفاية» (¬1).
[3] قوله: لأنّه مقبوضٌ على سوم الشراء؛ حاصله: أنّ البيعَ لمّا كان موقوفاً بوجودِ الخيارِ فينفسخُ بهلاكِ المبيع، والمعقود عليه لمّا هلكَ صار بحيث لا يجوزُ ابتداءُ العقد عليه، فلا تكونُ الإجازةُ ملحقةً به، فالمبيعُ بقيَ مقبوضاً في يده على سومِ الشراء.
[4] قوله: وهو مضمونٌ بالقيمة؛ إذا لم يكن مثليّاً، فإن كان مثليّاً فعليه المثل، ثمّ إنّ المقبوضَ على سومِ الشِّراءِ إنّما يكون مضموناً إذا كان الثمنُ مسمَّى حتى إذا قال: اذهبْ بهذا الثوب إن رضيتَه اشتريته، فذهبَ به فهلك لا يضمن، ولو قال: إن رضيتَه اشتريته بعشرة، فذهبَ به فهلكَ ضمنَ قيمته، وعليه الفتوى. كذا في «الكفاية» (¬2).
[5] قوله: ويخرج ... الخ؛ لأنَّ البيعَ من جهة بائعه لازم؛ لأنَّ الخيارَ شُرِعَ نظراً لمَن هو له، فيعملُ في حقِّه دون الآخر.
[6] قوله: بالثمن؛ لأنَّ المبيعَ إذا قربَ من الهلاكِ يكون معيباً، وبالتعيّبِ استحكمَ العقد، ولا يمكنُ الردّ، ولزمَ الثَّمن لهلاكه على ملكه.
[7] قوله: كتعيّبه؛ كما إذا دخلَهُ عيبٌ لا يرتفعُ كقطعِ اليد، وإن كان يرتفعُ
¬
(¬1) «الكفاية» (5: 504).
(¬2) «الكفاية» (5: 504).
الجزء 9 · صفحة 52
الجزء 9 · صفحة 53
ولا يملِكُهُ المُشْتَري، فشراءُ عرسِهِ بالخِيارِ لا يفسِدُ نكاحَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أي إذا كان الخِيارُ للمُشْتَرِي وقبضَهُ المشتري فهَلَكَ أو تَعَيَّبَ في يدِهِ يَجِبُ الثَّمَنُ، (ولا يملِكُهُ المُشْتَري [1]): أي إذا كان الخِيارُ للمُشْتَري لا يَمْلِكُهُ المُشْتَري عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - خلافاً لهما، وثمرَةُ الخلافِ [2] تظهرُ في هذه المسائل، وهي قولُه:
(فشراءُ [3] عِرْسِهِ (¬1) بالخيارِ لا يفسِدُ نكاحَه)
===
===
كالمرضِ فهو على خياره، فإن ارتفعَ في المدّة لا يلزم، وإلاَّ يلزم، وعن الشافعيّ - رضي الله عنه - أيضاً: يلزمُ البيعُ بالتعّيب. ذكره العَيْنِيُّ - رضي الله عنه - في «شرح الكَنْز» (¬2).
[1] قوله: ولا يملكه المشتري؛ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقالا: يملكه، وهو قولُ مالكٍ وأحمد وقولُ الشّافعيّ - رضي الله عنهم -؛ لأنّه لو لم يملكه لكان خارجاً عن ملكِ البائعِ لا إلى مالك، ولم يُعْرَفْ هذا في الشّرع.
ولأبي حنيفةَ - رضي الله عنه -: إنَّ الثمنَ لم يخرج عن ملكِ المشتري؛ لأنّ الخيارَ يعملُ في حقِّ مَن هو له، فلو دخل المبيع في ملكه دخل بلا عوض، واجتمعَ في ملكِهِ العوض ومعوّضه، ولم يُعْرَفْ هذا في الشرع، وقد عُرِفَ الخروجُ عن ملكِ شخص لا إلى مالك في مسائلَ:
1. منها: إذا اشترى متولّي أمرِ الكعبةِ عبداً لخدمتها؛ فإنّه يخرجُ عن ملكِ مالكه، ولا يدخلُ في ملك أحد.
2. ومنها: مالُ التّركةِ إذا استغرقَه الدَّين، فإنّه يخرجُ عن ملك الميِّت، ولا يدخلُ في ملكِ الورثةِ ولا الغرماء.
3. ومنها: الوقف. كذا في «كمال الدراية» (¬3)، وغيرها.
[2] قوله: وثمرةُ الخلافِ؛ بين الإمام وصاحبه - رضي الله عنهم - من أنَّ الخيارَ إذا كان للمشتري يخرج المبيعُ عن ملك البائع ولا يدخلُ في ملكِ المشتري عنده، ويدخل عندهما.
[3] قوله: فشراء ... إلى آخره؛ أي لو اشترى زوجته بالخيار لا يفسد نكاحه عند الإمام - رضي الله عنه -؛ لأنّه لا يملكها باعتبار الخيار، وعندهما: يفسد؛ لأنه يملكها.
¬
(¬1) العِرْسُ: بالكسر: امرأة الرجل، والجمع أعراس. «مختار» (ص423).
(¬2) «رمز الحقائق» (2: 9).
(¬3) «كمال الدراية» (ق372).
الجزء 9 · صفحة 54
الجزء 9 · صفحة 55
وإن وَطِئَها رَدَّها؛ لأنَّهُ بالنِّكَاح إلاَّ في البِكْرِ، ولا يُعْتقُ قريبُهُ عليه في مدَّةِ خِيارِه، ولا مَن شراهُ قائلاً: إن ملكتُ عبداً فهو حرٌّ، ولا يعدُّ حيضُ المشريَّةِ في المدَّةِ من استبرائها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - لعدمِ الملك، وعندهما: يُفْسِدُه، (وإن وَطِئَها [1] رَدَّها؛ لأنَّهُ بالنِّكَاح إلاَّ في البِكْرِ): أَيْ إن وَطِئَها المُشْتَرِي في أَيَّام الخِيارِ يَمْلِكُ رَدَّها عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -؛ لأنَّ الوَطْءَ بالنِّكاحِ فلا تكونُ إجازةً إلا أَن تكونَ [2] بكراً؛ لأَنَّهُ نَقَصَها بالوطءِ فلا يَمْلِكُ الرَّدّ، وعندهما: لا يملِكُ الرَّدُّ وإن كانت ثيباً؛ لأنَّ المُشترِي قد مَلَكَها ففسدَ النِّكاح، فالوَطءُ يكونُ بملكِ اليمينِ فيكونُ إجازةً متصلةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ولا يَعْتَقُ قريبُهُ عليه في مدَّةِ خِيارِه): أَي إن اشترى قريبَه بالخِيارِ لا يُعْتَقُ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - في أَيَّامِ الخِيارِ خلافاً لهما [3].
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ولا مَن شراهُ قائلاً [4]:إن ملكتُ عبداً فهو حرٌّ): أي إن قال: إن ملكتُ عبداً فهو حُرٌّ، فشراهُ بالخيارِ لا يُعْتَقُ في أيَّام الخِيارِ عند أبي حنيفة [5]- رضي الله عنه -؛لعدمِ الملك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ولا يُعَدُّ حيضُ المشريَّةِ في المدَّةِ من استبرائها [6])
===
===
[1] قوله: وإن وطئها؛ وهي ثيب، ولم ينقصها الوطء أمّا إذا نقصَها، فليسَ له الردُّ وإن كانت ثيّباً. ينظر: «الكفاية» (¬1).
[2] قوله: إلاَّ أن تكون؛ استثناءٌ من قولِه: «ردّها»: أي يملكُ ردّها إن كانت بكر؛ لأنّه ... الخ.
[3] قوله: خلافاً لهما؛ أي عندهما يعتق؛ لأنّه ملكه، ولفور الملك يعتق القريب.
[4] قوله: قائلاً إن ملكت؛ بخلافِ ما إذا قال: اشتريتُ عبداً فهو حرّ؛ لأنّه يصيرُ كالمنشئ للعتقِ بعد الشرط، فسقطَ الخيارُ فيعتقُ عندهم جميعاً، فإنّ المعلَّق بالشَّرطِ كالمرسل عند وجودِ الشّرط، ولو أنشأ العتقَ بعد شرائِهِ بالخيارِ عتق، ويسقطُ الخيار فكذا هذا.
[5] قوله: عند أبي حنيفةَ؛ خلافاً لها فإنه يعتقُ عندهما لوجودِ الملك.
[6] قوله: استبرائها؛ الاستبراءُ لغة: طلبُ البراءةِ مطلقاً.
¬
(¬1) «الكفاية» (5: 507).
الجزء 9 · صفحة 56
الجزء 9 · صفحة 57
ولا استبراءَ على البائعِ إن رُدَّت عليه بالخيارِ، ومَن ولَدَتْ في المدَّةِ بالنِّكاحِ لا تصِيرُ أُمَّ ولدٍ له
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أي إن اشترى أمةً بالخِيارِ فحاضتْ في أيَّامِ الخِيار، فهذه الحيضةُ لا تُعَدُّ من الاستبراءِ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -؛ لأنَّ [1] الاستبراءَ إنَّما يَجِبُ بعد ثبوتِ الملك، (ولا استبراءَ على البائعِ إن رُدَّت عليه بالخيارِ): أي إن رُدَّتْ [2] الأمةُ المشريَّةُ بالخِيارِ لا يجبُ الاستبراءُ على البائعِ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -؛ لأنَّ [3] الاستبراءَ إنِّما يجبُ بالانتقالِ من ملكٍ إلى ملكٍ، ولم يوجدْ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - حيث لا يملكُها المُشْتِرِي.
(ومَن [4] ولَدَتْ في المدَّةِ بالنِّكاحِ لا تصِيرُ أُمَّ ولدٍ له)
===
===
وفي اصطلاحِ الفقهاء: طلبُ براءةِ الرَّحم، فمَن ملكَ أمةً رقبةً ويداً سواءً كان الملكُ بالشَّراءِ أو بغيره، كهبة، أو إرث، أو غيرهما، فيحرم على المالكِ وطؤها ودواعيه حتى يستبرء بحيضةٍ فيمَن تحيض، وبشهرٍ في الآيسة والمنقطعة عن الحيض، فإنَّ الشَّهرَ قائمٌ مقامَ الحيضِ في العدّة، فكذا في الاستبراء أيضاً، وفي ممتدّة الطّهر بثلاثةِ أشهرٍ عند الشيخين، وبأربعةٍ أشهرٍ وعشر عند محمّد - رضي الله عنه -، وفي الحاملِ بوضعها.
والحكمةُ فيه: أن يتعرَّفَ براءةَ الرّحم؛ لحصولِ صيانةِ المياهِ المحترمةِ عن الاختلاط، والأنساب عن الاشتباه، وهذه الصيانةُ عند حقيقة الشّغل كما في الحبالى، أو توهّم الشغلِ بماءٍ محترم، وهو أن يكون الولدُ ثابتَ النّسب.
[1] قوله: لأنّ ... الخ؛ يعني أن طلبَ براءةَ الرّحمِ لا يكونُ إلا بعد كونها مملوكة، ولم يثبت الملكُ عند الإمام، فهذه الحيضةُ لا تكونُ ممّا يعدُّ من الاستبراء، خلافاً لهما، فإنّ عندهما لمّا ثبتَ الملكُ فكانت هذه الحيضة من الاستبراء.
[2] قوله: إن ردَّت ... الخ؛ يعني إن اشترى أحدٌ أمتَه بالخيارِ وردّها إلى البائعِ في مدّة الخيارِ لا يجبُ على البائعِ طلبُ براءة رحمها.
[3] قوله: لأنّ ... الخ؛ حاصله: أنَّ الاستبراءَ لا يجبُ إلا بتحديدِ الملك، ولم يوجد حيث لم تدخل في ملك غيره، فكأنّه لم يزل ملك البائع.
[4] قوله: ومَن؛ أيّ أمةٍ ولدت، فإنّ لفظ: مَن في المذكّر والمؤنّث سواء، وحاصل الصّورةِ: أنهّ إذا اشترى الأمةَ التي كانت منكوحتَه، وولدت منه في أيّامِ الخيارِ في يدِ البائعِ قبل قبضِ المشتري، لا تصيرُ أمَّ ولدٍ له عند الإمام - رضي الله عنه - خلافاً لهما، فأمّا إذا قبضَها المشتري وولدت عنده في مدَّةِ الخيار يثبتُ له الملك، ويسقطُ الخيارُ وتصيرُ أمَّ ولدٍ له بالاتّفاق؛ لأنّها تعيَّبَت بالولادةِ فلا يمكنُ ردُّها بعد العيب.
الجزء 9 · صفحة 58
الجزء 9 · صفحة 59
وهُلْكُهُ في يدِ البائعِ عليه إن قبضَهُ المُشْتَرِي بإذنِهِ وأودعَهُ عنده
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أي إن اشترى زوجتَه بالخِيار، فوَلَدَتْ في أيَّامِ الخِيارِ في يدِ البائعِ لا تصِيرُ أمَّ ولدٍ للمشتري، فيملِكُ الرَّدَّ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وعندهما: تصيرُ أمَّ ولدٍ له؛ لأنَّها ولدت في ملكِ المُشترِي، فلا يملِكُ الرَّدّ، وإنَّما قلنا [1]: في يدِ البائعِ حتى لو قَبَضَ المُشْتَرِي ووَلَدَتْ في يدِهِ تصيرُ أمَّ وَلَدٍ له بالاتفاق؛ لأَنَّها تعَيَّبَتْ [2] بالولادة، فلا يملكُ الرَّدَّ فصارتْ ملكاً للمُشترِي، فالولادةُ وقعَتْ في ملكِ المُشْتَرِي لا في ملكِهِ، فتصيرُ أُمَّ وَلَدٍ له.
(وهُلْكُهُ [3] في يدِ البائعِ عليه إن قبضَهُ المُشْتَرِي بإذنِهِ وأودعَهُ عنده
===
===
[1] قوله: وإنما قلنا؛ أي وإنّما قيّدنا الولادة بكونها في يد البائع؛ لأنّها إن كانت أعمّ فالصورةُ شاملةٌ لما إذا ولدت في يد المشتري أيضاً وحكمه ليس كذلك.
[2] قوله: لأنها تعيبت ... الخ؛ ونقل صاحب «البحر» (¬1) و «المنح» (¬2) عن «الخانية» (¬3): «إذا ولدت بطلَ خيارُه، وإن كان الولدُ ميّتاً ولم تنقصها الولادة لا يبطلُ خياره»، انتهى.
وقال العلاّمة الشاميّ في «رد المحتار»: «مقتضاهُ أنَّ الولادةَ لا تكون نقصاناً، وهو خلافُ الإطلاق السابق، ويؤيّد السَّابقُ ما في «البَزَّازية»: اشتراها وقبضها ثمَّ ظهر ولادتها عند البائع لا من البائعِ وهو لا يعلمُ:
في روايةِ المضاربةِ: عيبٌ مطلقاً؛ لأنّ التّكسّرَ الحاصل بالولادةِ لا يزولُ أبداً وعليه الفتوى.
وفي رواية: إن نقصتها الولادةُ عيب، وفي البهائم ليست بعيب إلاَّ أن توجبَ نقصاناً، وعليه الفتوى». انتهى (¬4). ولهذا لم يقيّد الشّارحُ الولادةَ بالنقصانِ وحدها عيباً على الإطلاقِ في الإماء.
[3] قوله: وهلكه؛ الهلك بضمِ الهاء: نيستي. كذا في «الصراح»، يقال: لأذهبنّ
¬
(¬1) «البحر الرائق» (6: 17).
(¬2) «منح الغفار» (ق2: 10/ب).
(¬3) «الفتاوى الخانية» (2: 183).
(¬4) من «رد المحتار» (4: 53).
الجزء 9 · صفحة 60
الجزء 9 · صفحة 61
لارتفاعِ القبضِ بالرَّدِّ لعدمِ الملكِ، وبَقِيَ خِيارُ مأذُونٍ شَرَى شيئاً بالخِيار
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لارتفاعِ القبضِ بالرَّدِّ لعدمِ الملكِ): أي المُشْتَرِي بالخِيارِ [1] إن قَبَضَ مُشَتَرَاهُ، ثمَّ أودعَهُ عند البائعِ، فهَلَكَ في يدِ البائِعِ، فهُلْكُهُ في يدِهِ يكونُ على البائع؛ لأَنَّ القَبْضَ قد ارتفعَ بالرَّدّ؛ لأَنَّ المُشْتَرِي لم يَمْلِكْهُ، فلم يَصِحَّ الإيداع، بل رَدُّهُ إلى البائعِ يكونُ رفعاً للقَبْضِ، فيكونُ الهلاكُ قبل القَبْض، فيكونُ على البائع، وعندهما [2]: لمَّا مَلَكَهُ المُشْتَرِي صَحَّ إيداعُهُ، فلا يَرْتَفِعُ القَبْضُ، فكأنّه هَلَكَ في يدِ المُشْتَرِي، فيكونُ الهَلاكُ من ماله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وبَقِيَ خِيارُ مأذُونٍ [3] شَرَى شيئاً بالخِيار
===
===
فإمّا هلك وإمّا ملك بفتحهما وبضمهما، يعني هي دراهيم دران كاريس يا هلاك مى شوم يا مالك آن مي كردم. كذا في «منتهى الأرب» فمعناه: هلاكُ ما اشتراه المشتري في يدِ البائعِ عليه لا على المشتري.
وصورة هلاكه في يدِ البائع: أنّ المشتري قبضَهُ بإذن البائع، وأودعه عنده، ولَمَّا كان المشتري غير مالكٍ بالخيار، وغيرُ قابضٍ بالردّ فلا شيء عليه عند الإمام - رضي الله عنه -.
[1] قوله: بالخيار؛ قيّدَ به لأنّه لو كان الخيارُ للبائعِ فسَلَّمَ المبيعَ إلى المشتري فأودعَه البائع، فهلكَ عنده بطلَ البيعُ عند الكلّ، ولو كان البيعُ باتّاً فقبضَ المشتري المبيعَ بإذنِ البائعِ أو بغيرِ إذنه ثمَّ أودعه البائع، فهلكَ كان على المشتري اتّفاقاً؛ لصحّة الإيداع. كذا في «البحر» (¬1) نقلاً عن «التاتارخانية».
[2] قوله: وعندهما؛ حاصله: أنَّ الملكَ لمَّا ثبتَ للمشتري كما هو مقرَّرٌ عندهما فصحّ إيداعه؛ لأنّه متفرِّعٌ على الملك، فلم يرتفع القبض؛ لأنّ ارتفاعَه كان في عدمِ ثبوتِ الملك فهلاكُهُ عند البائعِ كان بمنزلةِ هلاكِه عند المشتري.
[3] قوله: مأذون؛ المأذون عبدٌ ثبتَ له الإذنُ من عند مولاه، والإذن شرعاً: فكُّ الحجر وإسقاطُ الحقِّ، ثمَّ يتصرّفُ العبدُ بعد ذلك لنفسه بأهليته القديمة، فلا يلزم سيّده عهدته مثلاً إذا اشترى شيئاً ولم يؤدِّ ثمنَه، يطلبُ منه الثَّمن ولم يرجع إلى سيّده؛ لأنّه اشترى لنفسه لا لسيّده.
¬
(¬1) «البحر الرائق» (6: 17).
الجزء 9 · صفحة 62
الجزء 9 · صفحة 63
وأَبْرَأهُ بائعُهُ عن ثمنِهِ في المدَّة؛ لأَنَّ المأذُونَ يلي عدمَ التَّمَلُّكِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأَبْرَأهُ [1] بائعُهُ عن ثمنِهِ في المدَّة؛ لأَنَّ المأذُونَ يلي عدمَ التَّمَلُّكِ): أي إن اشْتَرَى عبدٌ [2] مأذونٌ شيئاً بالخِيار، وأبرأهُ بائعُهُ عن ثمنِهِ في مُدَّةِ الخِيارِ، بَقِي خِيارُهُ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وعندهما [3]: لا يبقى له الخِيار؛ لأَنَّهُ إن بقي كان له ولايةُ الرَّدِّ، فردُّهُ يكون تَمْلِيكَاً بغيرِ عِوَضٍ، والمأذونُ لا يملكُ ذلك، وعند أبي [4] حنيفةَ - رضي الله عنه -: لَمَّا لم يَمْلِكْهُ كان رَدُّهُ امتناعاً عن التَّمَلُّكِ، وللمأَذُونِ ولايةُ ذلك؛ فإنَّهُ إذا وَهَبَ له شيئاً فله ولايةُ أَنْ لا يَقْبَلَهُ.
===
===
[1] قوله: وأبرأه؛ فإن قلت: إذا كان الخيار للمشتري فالثّمن لم يخرج عن ملكه، فما وجه إبراء البائع عن الثمن قبل أن يملكه؟
أجيب: بأنّ القياسَ ينفي صحّة هذا الإبراء، وجوازه استحسان؛ لحصوله بعد وجودِ سبب الملك، وهو العقد. كذا في «المنح» (¬1).
[2] قوله: عبد؛ إشارةٌ إلى أنَّ المرادَ بالمأذون: عبدٌ مأذونٌ لا صبيّ ولا معتوه، فإنَّ الإذن على نوعين:
أحدهما: إذنُ العبد؛ وهو فكّ الحجرِ بالرقّ الثَّابتِ شرعاً على العبد، وإسقاطُ الحقّ فيتصرّف لنفسه بأهليته.
والنوع الثاني: إذنُ الصبيّ والمعتوه؛ وهو فكّ الحجرِ وإثباتُ الولاية لهما. كذا في «الدرر» (¬2).
[3] قوله: وعندهما؛ أي لمّا أبرأه بائعُهُ عن ثمنه لا يبقى له الخيار؛ لأنّه لَمّا ملَكَه العبدُ المأذون كان الردُّ منه تمليكاً بغير عوض، وهو تبرُّع، والمأذونُ ليس أهلاً له، كما ثبتَ في موضعه، قال في «البحر»: «هذا يقتضي صحّة الإبراء، وقدّمنا أنّه لا يصحُّ عند أبي يوسف - رضي الله عنه -، ويصحُّ عند محمّد - رضي الله عنه - استحساناً». انتهى (¬3).
[4] قوله: وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ حاصله: أنَّ المأذون لَمَّا لم يثبتْ له الملكُ بسبب الخيار، فإن ردّ مشتراه في مدّة الخيارِ كان ردّه امتناعاً عن التملّك، وله ولايةُ ذلك
¬
(¬1) «منح الغفار» (ق2: 10/ب).
(¬2) «درر الحكام» (2: 276).
(¬3) من «البحر الرائق» (6: 17).
الجزء 9 · صفحة 64
الجزء 9 · صفحة 65
وبطلَ شراءُ ذمْيٍّ من ذميٍّ خمراً بالخِيارِ إن أسلم؛ لئلا يتمَلَّكَها مسلماً بإسقاطِ خِيارِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وبطلَ شراءُ ذمْيٍّ من ذميٍّ خمراً بالخِيارِ إن أسلم؛ لئلا يتمَلَّكَها مسلماً بإسقاطِ خِيارِهِ): أي إن اشترى ذِمْيٌّ بشرطِ خِيارِهِ [1] من ذِمْيٍّ خمراً، ثُمَّ أسلمَ المُشْتَرِي (¬1) بطلَ شراؤُه؛ لأَنَّهُ إن بَقِيَ فعندَ إسقاطِ الخِيارِ يَتَمَلَّكُهُ المُشْتَري، فيلزَمُ تَمَلُّكَ المسلم الخمر، وعندهما: ينفذُ الشِّراءُ وبطلَ الخِيار؛ لأَنَّهُ لو بَقِيَ يَمْلِكُ رَدَّهَا، والرَّدُّ يكونُ تمليكاً، والمسلم لا يملكُ تمليكَ الخمر، فهذه [2] المسائلُ ثمراتُ الخلاف.
===
===
الامتناع، فإنّه إذا وهبَ له أحدٌ شيئاً فله قدرةُ عدمِ القبول، فكذا هاهنا.
[1] قوله: بشرطِ خياره؛ أشارَ إلى أنَّ المرادَ بالخيارِ خيارُ المشتري، فإنّه لو كان الخيارُ للبائع فأسلم بطلَ البيع، ولو أسلمَ المشتري لا يبطل، وخيارُ البائعِ على حاله، فإن أجاز صارت الخمرُ للمشتري حكماً، والمسلمُ أهل لأن يتملَّكها حكماً. كذا في «البحر» (¬2).
[2] قوله: فهذه ... الخ؛ وقد زادَ بعضُهم على ما ذكرناه مسائل:
1. منها: ما إذا تخمّرَ العصيرُ في بيعِ مسلمين في مدّته فسدَ البيعُ عنده؛ لعجزِهِ عن تملُّكه، وعندهما يتمُّ؛ لعجزِهِ عن ردّه.
2. ومنها: لو اشترى داراً على أنّه بالخيار وهو ساكنها بإجارةٍ أو إعارة فاستدامَ سكنها، قال السَّرَخْسِيُّ: لا يكونُ اختياراً، وهو كابتداءِ السّكنى، وقال خُوَاهَرْ زَادَه: استدامتُها اختيارٌ عندهما؛ لملك العين، وعنده: ليس باختيار.
3. ومنها: حلالٌ اشترى ظَبيّاً بالخيار فقبضه ثمّ أحرم والظَّبْيُّ في يدِهِ ينتقضُ البيعُ عنده، ويردُّ إلى البائع، وعندهما: يلزمُ المشتري، ولو كان الخيارُ للبائعِ ينتقضُ بالإجماع، ولو كان للمشتري فأحرمَ البائع، للمشتري أن يردّه.
¬
(¬1) أما لو أسلم البائع فلا يبطل بالإجماع وصار المشترى على حاله. ينظر: «مجمع الأنهر» (2: 28).
(¬2) «البحر الرائق (6: 17).
الجزء 9 · صفحة 66
الجزء 9 · صفحة 67
ومَن له الخِيارُ يُجِيزُ وإن جَهِلَ صاحبُه ولا يَنْفَسِخُ بلا علمِه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ومَن له الخِيارُ [1] يُجِيزُ وإن جَهِلَ صاحبُه ولا يَنْفَسِخُ بلا علمِه):أَي إن فسخَ [2] مَن له الخِيارُ لا يَنْفَسِخُ بلا عِلْمِ صاحبِهِ [3] خلافاً لأبي يوسفَ والشَّافِعِيِّ (¬1) - رضي الله عنه -
4. ===
===
ومنها: إذا كان الخيارُ للمشتري، وفسخ العقد، فالزوائدُ تردّ على البائعِ عنده؛ لأنّها لم تحدث على ملكِ المشتري، وعندهما: للمشتري؛ لأنّها حدثت على ملكِه، كذا في «البحر» (¬2) نقلاً عن «الفتح» (¬3)، وغيره.
[1] قوله: مَن له الخيار؛ سواءٌ كان البائعُ أو المشتري أو الأجنبيّ، فإن شرطَ الخيار يصحُّ منهم جميعاً إذا أجازَ صحّ، وإن لم يعلم صاحبُه إجماعاً؛ لأنّها إسقاطُ حقّ، فلا يعتبرُ علمُ صاحبه بها كالطَّلاقِ والعتاق. كذا في «المنح» (¬4)، إلاَّ أن يكون الخيار لهما، وفسخ أحدُهما فليسَ للآخرِ الإجازة؛ لأنَّ المفسوخَ لا تلحقُهُ الإجازة. كذا في «الدرر» (¬5).
[2] قوله: إن فسخ؛ بالقول لأنّه إن فسخَ بالفعلِ جاز، ولو بلا علمِهِ اتّفاقاً، ومثالُ الفسخِ بالفعل أن يتصرَّفَ البائعُ في مدَّةِ الخيارِ تصرُّفَ الملاّك، كما إذا أعتقَ المبيع، أو باعه، أو كان جاريةً فوطئها فكان فسخاً حكميّاً؛ لأنّه دليلُ الاستبقاء، وهذا إذا كان الخيارُ للبائع.
وأمّا إذا كان الخيارُ للمشتري وفعلَ هذه الأفعال فيتمّ البيع، ولو كان الثّمنُ عيناً فتصرّفَ فيه المشتري تصرّف الملاّك، وكان الخيارُ له يفسخُ به العقد. كما صرّح به في «العناية» (¬6)، وغيرها.
[3] قوله: لا ينفسخُ بلا علمِ صاحبه؛ لأنّ الفسخَ تصرّفٌ في حقِّ الغير، وهو العقدُ بالرَّفع، وهو لا يعرّى عن المضرّة، أمّا إذا كان الخيارُ للبائعِ فالمشتري عسى يعتمد تمام البيع السّابق، فيتصرّف فيه، فيلزمُهُ غرامةُ القيمة بهلاكِ المبيع، وقد تكونُ
¬
(¬1) ينظر: «المنهاج» وشرحه «مغني المحتاج» (2: 49)، وغيرهما.
(¬2) «البحر الرائق» (6: 17 - 18).
(¬3) «فتح القدير» (5: 509).
(¬4) «منح الغفار» (ق2: 11/أ).
(¬5) «درر الحكام» (2: 153).
(¬6) «العناية» (5: 512).
الجزء 9 · صفحة 68
الجزء 9 · صفحة 69
فإن فسخَ وعَلِمَهُ في المدَّة انفسخَ وإِلاَّ تَمَّ عَقْدُه ويورَثُ خِيارُ العيبِ والتَّعْيينِ لا الشَّرطِ والرُّؤيةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَهُمَا: أنّه [1] إن شرطَ عِلْمِ صاحبِهِ لم يبقَ فائدة في شرطِ الخِيارِ؛ لأَنَّ صاحبَهُ إن اختفى في مُدَّةِ الخِيار، فلم يَصِلِ الخبرُ إليه، فيتمُّ العقدُ فيَتَضَرَّرُ مَن له الخِيار، (فإن فسخَ وعَلِمَهُ في المدَّة انفسخَ [2] وإِلاَّ تَمَّ عَقْدُه (¬1).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
... ويورَثُ خِيارُ العيبِ والتَّعْيينِ لا الشَّرطِ والرُّؤيةِ):خِيارُ التَّعيينِ: أن يشتري أحدَ الثَّوْبَيْنِ بعشرةٍ على أن يُعَيِّنَ أَيَّاً شاء، وخِيارُ الشَّرطِ يورثُ عند [3] الشَّافِعِي (¬2) - رضي الله عنه - أَيْضَاً
===
===
القيمةُ أكثرَ من الثَّمن، ولا خفاء في كونه ضرراً.
وأمّا إذا كان للمشتري فالبائعُ عسى يعتمد تمامه فلا يطلب لسلعته مشترياً، وقد تفوت مدّة أيّام رواجِ بيع المبيع، وفي ذلك ضررٌ لا يخفى، والتصرُّفُ المشتملُ على ضررٍ في حقِّ الغيرِ يتوقَّفُ على علمه لا محالة، كما في عزل الوكيل؛ فإنّه موقوفٌ على علمه بعزل الموكِّل كي لا يتضرَّرَ بلزوم الثّمن فيما إذا كان وكيلاً في الشّراء وببطلان قولِهِ فيما إذا كان وكيلاً بالبيع.
[1] قوله: إنّه ... الخ؛ هذا معارضةٌ على قولِ الطّرفين، حاصله: أنّ ما استدللتم به دلَّ على كونِ العلمِ شرطاً للفسخ، لكن عندنا ما يعارضُه؛ وهو أنّه لو شُرِطَ العلمُ في الفسخِ لم يبقَ فائدة الخيار.
أو فائدتُهُ دفعُ الضرر عن نفسِ مَن له الخيار، وإن اختفى صاحبُه في مدّة الخيار ولم يَصِلْ إليه خبرُ الفسخِ فتمَّ العقدُ ولم ينفسخ كما قلتم، فيتضرّر مَن له الخيار، وكان مجبوراً على دفع الضَّررِ عن نفسه فما فائدة الخيار.
[2] قوله: انفسخُ؛ بحصولِ العلمِ به وإلا؛ أي وإن لم يعلمْ به الآخر في المدّة بل بعد مضيِّ المدة تمَّ العقدُ؛ لوجودِ الرّضاء دلالةً حيث لم يتمّ الفسخ.
[3] قوله: يورث عند الشّافعيّ - رضي الله عنه -؛ لأنّه حقٌّ لازمٌ له في البيعِ فيجري فيه الإرث؛ كخيارِ العيب، وبه قال مالك - رضي الله عنه -.
¬
(¬1) محلُّ هذا الاختلاف في الفسخ بالقول، أما الفسخ بالفعل كالبيع والعتق وتوابعه والوطء ودواعيه بشهوة ضمني فلا خلاف في جوازه مع غيبة الآخر. ينظر: «الشرنبلالية» (2: 153).
(¬2) ينظر: «تحفة المحتاج» (4: 340)، و «نهاية المحتاج» (4: 11)، وغيرهما.
الجزء 9 · صفحة 70
الجزء 9 · صفحة 71
وإن اشترى وشرطَ الخِيارَ لغيرِه، فأيٌّ أجازَ أو نقضَ صحَّ ذلك، فإن أجازَ أحدُهُما وفسخَ الآخَر، فالأَوَّلُ أَوْلَى، وإن وُجِدَا معاً فالفسخُ أَوْلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وخِيارُ الرَّؤيةِ لا يَتَأَتَّى على مذهبِه (¬1)؛ لأنّ شراءَ ما لم يرَهُ لا يجوزُ عنده في أظهر القولين.
(وإن اشترى [1] وشرطَ الخِيارَ لغيرِه، فأيٌّ أجازَ أو نقضَ صحَّ ذلك، فإن أجازَ أحدُهُما وفسخَ الآخَر، فالأَوَّلُ أَوْلَى، وإن وُجِدَا معاً فالفسخُ أَوْلَى)
===
===
ولنا: أنّ الغرضَ منه التأمّل؛ لغرضِ نفسِه، وقد بطلت أهليّة التأمُّل بخلافِ خيارِ العيب؛ لأنّ المورِّثَ استحقَّ المبيعَ سليماً، فكذا الوارث؛ لأنّه ورثَ خياره، وخيار التعيّن يثبتُ للوارثِ ابتداءً لاختلاط ملكه بملك الغير إلاَّ أن يورث الخيار.
[1] قوله: وان اشترى؛ أحدٌ شيئاً وشرطَ الخيار لغيره صحَّ الشرطُ عندنا، وقال زفر - رضي الله عنه -: لا يجوز؛ لأنّه من أحكامِ العقدِ فيختصُّ بالعاقد، وبه قال الشَّافعيّ - رضي الله عنه - في قول.
ولنا: أنّ تصرّفات العاقد تصانُ عن اللغوِ مهما أمكن، فاشتراطُه لغيرِ العاقد اشتراطٌ للعاقد، فيُجْعَلُ كأنّه شرطَ الخيار لنفسِه وجعل الأجنبيّ نائباً عن نفسِهِ اقتضاه تصحيحاً لتصرُّفِه، والمرادُ بالغيرِ في قولِهِ: لغيره: الأجنبيّ، فلا يردُ أنّه صادق على العاقدِ الآخر ففسد المعنى، فأيّ بمعنى له الخيار، والأجنبيّ أجاز البيعَ أو نقضَ صحّ ذلك؛ لأنّ كلاً منهما يملكُ التصرّف أصالةً أو نيابةً.
فإن أجازَ أحدُهما وفسخَ الآخر: أي نقض الآخر، فالأوّل منهما أوفى؛ لوجودِهِ في زمانٍ فيه لا يزاحمه فيه أحدٌ، وتصرّفُ الآخرِ بعده لغو فيه.
ولو وجدا: أي الإجازة والنقض معاً: أي حال كونهما مجتمعين بأن أجازَ أحدُهما ونقضَ الآخرُ وخرجَ الكلامان معاً، فالفسخُ أولى من أيّهما كان، وهو روايةٌ عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وعن محمَّد - رضي الله عنه - تصرّف العاقدِ أولى لقوّته، وفقد ذلك أنّ تصرّف النائبِ إنّما يحتاجُ إليه عند انتفاءِ تصرّف المنوب، وأمّا عند وجوده فلا احتياجَ إليه.
واستشكل بما إذا وَكَّلَ رجلاً بطلاقِ امرأته للسنة فطلّقها الوكيل والموكّل معاً، فإنَّ الواقعَ طلاقُ أحدِهما لا بعينه.
¬
(¬1) ينظر: «الأم» (3: 3)، و «مختصر المزني» (8: 72)، و «فتوحات الوهاب» (3: 76)، وغيرهما.
الجزء 9 · صفحة 72
الجزء 9 · صفحة 73
.......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قالوا ذلك؛ لأنَّ شرطَ الخِيارِ لغيرِ العاقدِ إنَّما يَثْبُتُ بطريقِ النِّيابةِ عن العاقد، فيثبُتُ له اقتضاءً [1].
أقول [2]: إذا اشترى على أنّ الغيرَ بالخِيار لا يَثْبُتُ الخِيارُ إلا برضاءِ المتعاقدينِ، فيكون نائباً عن المتعاقدين، ثمَّ رضاء البائعِ بِخِيارِ الغيرِ لا يقتضي رضاه بِخِيارِ المُشْتَرِي.
===
===
وأجيبُ: بأنّ التَّرجيحَ محتاجٌ إليه عند تنافي الفعلين، كالفسخِ والإجازة، وأمّا إذّا اتّحدا فالمطلوب حاصلٌ بدونه فلا حاجة إليه.
ووجهُ القولِ الأوّل: وهو الفسخ أولى: أنّ المجازَ يلحقه الفسخ كما لو أجاز والمبيع هالك عند البائع، والمفسوخُ لا تلحقُهُ الإجازة، فإنَّ العقدَ إذا انفسخَ بهلاكِ المبيع عند البائع لا تلحقه الإجازة، ولا خفاء في قوّة ما يطرأ على غيره على ما ليس كذلك. كذا في «المنح» (¬1).
[1] قوله: فيثبتُ له اقتضاءً؛ فيه بحث؛ لأنّ شرطَ الاقتضاءِ أن يكون المقتضى أدنى منزلةً من المقتضِي، ألا ترى أنّ مَن قال لعبد له حنث في يمينه: كفّر عن يمينيك بالمال، لا يكون ذلك تحريراً اقتضاءً؛ لأنَّ التّحريرَ أقوى من تصرَّفِ التكفير؛ لكونه أصلاً فلا يثبتُ تبعاً لفرعه، ولا خفاء أنّ العاقدَ أعلى مرتبةً، فكيف يثبتُ له الخيار اقتضاء؟
وأجيب عنه: بأنّ الاعتبارَ للمقاصد، والغيرُ هو المقصود باشتراطِ الخيار فكان هو الأصلُ نظراً إلى الخيار، والعاقد أصلٌ من حيثُ التمليك لا من حيث الخيار، فلا يلزمُ ثبوتُ الأصلِ بتبعيّة فرعه، وأمّا التحرير فإنّه الأصلُ في الكفّارة الماليّة، فلا يثبتُ تبعاً لفرعِه. كذا في «ذخيرة العقبى» (¬2).
[2] قوله: أقول؛ هذا نقضٌ على ثبوت الخيارِ للمشتري اقتضاءً، حاصلُهُ: أنّ الرّضاء لهذا الغير لا يثبتُ ما لم يوجد رضاءُ المتعاقدين، فكان هذا الغيرُ نائباً عنهما، والظَّاهرُ أنَّ رضاءَ البائع بخياره لا يقتضي رضاءه بخيار المشتري، فلا يثبت خيارُ المشتري اقتضاءً.
¬
(¬1) «منح الغفار» (ق2: 11/ب).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص358).
الجزء 9 · صفحة 74
الجزء 9 · صفحة 75
وبيعُ عبدينِ بالخِيارِ في أحدِهِما صحَّ إن فَصَّلَ ثَمَنَ كُلٍّ، وعَيَّنَ مَحَلَّ الخِيار، وفسدَ في الأوجهِ الباقية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وبيعُ [1] عبدينِ (¬1) بالخِيارِ في أحدِهِما صحَّ إن فَصَّلَ ثَمَنَ كُلٍّ، وعَيَّنَ مَحَلَّ الخِيار، وفَسَدَ في الأوجهِ الباقية): وهي:
1. ما إذا لم يُفصِّلِ الثَّمَنَ، ولم يُعَيِّنْ مَحَلَّ الخِيار.
2. أو فَصَّلَ ولم يُعَيِّنْ.
3. أو عَيَّنَ ولم يُفْصِّلْ؛ لجهالةِ الثَّمَنِ والمبيع، أو جهالةِ أحدِهِما.
===
===
وفيه كلامٌ نفيس، وهو ما ذكره يعقوب باشا (¬2): من أنّ رضاء البائع في هذه الصورة بخيار الأجنبيّ من جهة المشتري لا من جهة نفسه أيضاً، فلا ينوب إلا عن المشتري، ثم إن رضاء البائع بخيار الغير لتصحيح تصرّفه، فالخيار إنّما يثبت له نيابةً عن المشتري ضرورةَ ارتضائه وتصحيح تصرّفه أن يقدّر الرضاء للمشتري، ثم يجعل الغير نائباً عنه، وحينئذٍ لا مجال لتوهّم الإشكال.
[1] قوله: وبيع عبدين؛ حاصلُه: أنّ بيع عبدين على أنّه بالخيار بما في أحدهما على أربعةِ أوجه:
1. إمّا أن يُفصِّلَ ثمنَ كلٍّ منهما، ويُعيِّن محلَّ الخيار.
2. أو لم يُفصّل ولم يُعيِّن.
3. أو يُفصِّل ولم يُعيِّن.
4. أو يُعيِّن ولم يُفصِّل.
ففي الصورة الأولى صحَّ البيع؛ لأنَّ كلاًّ من البيع والثمن معلوم.
فإن قيل: قد جعلَ قبولُ العقدِ في الذي فيه الخيارُ شرطاً لانعقادِ البيعِ في الذي لا خيارَ فيه، فيفسد كما لو جمعَ بين حرٍّ وقنٍّ وفَصَّلَ الثّمنَ حيث جعلَ قبولَ العقدِ في الحرِّ شرطاً للانعقاد في القنّ.
¬
(¬1) قيد بالعبدين؛ لأن شراء الكيلي والوزني أو العبد الواحد على أنه بالخيار في نصفه جائز، سواء فصل الثمن أو لم يفصل؛ لأن النصف من الشيء الواحد لا يتفاوت. ينظر: «فتح باب العناية» (2: 314).
(¬2) في «حاشيته على شرح الوقاية» (ق93/أ).
الجزء 9 · صفحة 76
الجزء 9 · صفحة 77
.......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
.............................................................................................................................
===
===
أجيب: بأنَّ الحرَّ غيرُ داخلٍ في العقدِ لا انعقاداً ولا حكماً؛ لأنّه ليس بمحلٍّ للبيع أصلاً، فكان قبولُهُ شرطاً مفسداً بخلافِ ما نحن فيه، فإنّه محلٌّ للبيع، ويدخلُ فيه انعقاداً وإن لم يدخل حكماً، فكان قبولُه شرطاً صحيحاً.
وصار كما لو جمعَ بين مدبّر وقنّ حيث صحَّ العقدُ في القنّ بصحّته من الثمن، مع أنَّ قبولَ العقدِ فيه مشروطاً بقبوله في المدبَّر؛ لأنَّ المدبَّرَ داخلٌ تحت البيع، حتى لو قضى القاضي بجوازِ بيعِه نفذ، فلم يكن شرطُ قبولِ العقدِ فيه مفسدٌ للعقدِ في الآخر.
وفي الصورِ الباقيةِ فسدَ البيع:
أمّا في الصورةِ الثَّانيةِ فلجهالةِ الثَّمنِ والمبيع.
وأمّا في الصورةِ الثّالثةِ فلجهالةِ المبيع.
وأمّا في الصورةِ الرَّابعةِ فلجهالة الثمن.
فإن قيل: لو كان عدمُ التَّفصيلِ مفسدٌ للعقدِ في الآخرِ لفسدَ في القنّ إذا جمع بينه وبينَ المدبَّر أو أمِّ الولد، ولم يفصّل الثمن.
أجيبَ: بأنَّ عدمَ التَّفصيلِ مفسدٌ إذا أدّى إلى البيعِ بالحصّةِ ابتداءً فيما إذا منعَ عن انعقادِ العقدِ في حقِّ الحكمِ مانعٌ كشرطِ الخيار، فإنّه يجعلُ العقدَ فيما شرطَ فيه الخيارِ في حقّ الحكم كالمعدوم، فلو انعقدَ في حقِّ الآخرِ انعقدَ بالحصَّةِ ابتداءً، وهي مجهولة.
وليس فيما إذا جمعَ بين القنِّ والمدبَّرِ ما يمنعُ عن انعقادِه في حقّ الحكم؛ ولهذا لو قضى القاضي بجوازِهِ نفذَ وكان قسمةُ الثَّمنِ في البقاءِ صيانةً لحقٍّ محترمٍ عند فسخِ العقدِ على المدبَّرِ وأمِّ الولد، لا ابتداءً بالحصَّة. كما في «المنح» (¬1)، و «العناية» (¬2).
وإنّما قال: عبدين؛ لأنّه لو باعَ عبداً واحداً أو كيليّاً أو وزنيّاً على أنّه بالخيارِ في نصفِه صار فضلُ الثّمن له؛ لأنَّ النّصف من الشيء لا يتفاوت، فقيمتُهُ أيضاً لا تتفاوت، فإذا كان ثمنُ الكلِّ معلوماً كان ثمنُ النّصفِ أيضاً معلوماً، فالبيعُ معلوم؛ إذ الشّيوعُ لا يمنعُ الجواز، ولا فرقَ بين أن يكون الخيارُ للبائع أو للمشتري. كذا في «الكافي».
¬
(¬1) «منح الغفار» (ق2: 13/أ).
(¬2) «العناية» (5: 519 - 520).
الجزء 9 · صفحة 78
الجزء 9 · صفحة 79
وشراءُ أحدِ الثَّوبين، أو أحدِ ثلاثةٍ على أن يُعَيِّنَ أيَّاً شاء في ثلاثةِ أيّامٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بَقِيَ أَنَّ في صورةِ الجواز، وإن لم يوجدِ الجهالةُ لكنَّ قبول ما ليس [1] بمبيعٍ جُعِلَ شرطاً لقبولِ ما هو مبيعٌ، فينبغي أَنْ يَفْسُدَ بالشَّرطِ الفاسدِ عنده.
والجوابُ [2]: إنَّ المبيعَ بشرطِ الخِيارِ داخِلٌ في الإيجابِ لا في الحُكْم، فلا يَصْدُقُ عليه أنّه ما ليس بمبيعٍ من كلِّ وجهٍ بل هو مبيعٌ من وجهٍ، فاعتبرنا الوجهين، ففي صورةِ الجهالةِ اعتبرنا ما ليسَ بمبيعٍ حتى يَفْسُدَ العقد، وفي صورةِ أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما معلوماً اعتبرنا أَنَّهُ مبيعٌ حتى لا يَفْسُدَ العقد [3].
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وشراءُ [4] أحدِ الثَّوبين [5]، أو أحدِ ثلاثةٍ على أن يُعَيِّنَ أيَّاً شاء في ثلاثةِ أيّامٍ [6]
===
===
[1] قوله: قبول ما ليس ... الخ؛ فإنَّ العبدَ الذي فيه الخيارُ غير داخلٍ حكماً، كما إذا جمعَ بين حرٍّ وقنّ، فإنّه لا يجوزُ العقدُ في القنّ وإن فَصَّلَ الثّمنَ لِمَا أنّه جعلَ قبولَ العقدِ في الحرِّ شرطاً لصحةِ العقدِ في القنِّ فكذا هذا.
[2] قوله: والجواب؛ حاصلُهُ: أنّ البيعَ بشرطِ الخيارِ مبيعٌ من وجه وغيرُ مبيعٍ من وجه، ففي صورةِ كونِ كلٍّ من الثَّمنِ والمحلِّ معلوماً جعلَ مبيعاً، وفي صورةِ الجهالةِ غيرُ مبيع، وتقريره مرّ آنفاً.
[3] قوله: لا يفسدُ العقد؛ لقائلٍ أن يقول: هو شرطٌ لا يقتضيه العقدُ فكان مفسداً.
والجوابُ: أنّه ليس فيه نفعٌ لأحدِ العاقدين ولا للمعقودِ عليه فلا يكون فاسداً، كذا في «العناية» (¬1).
[4] قوله: وشراء أحد ... الخ؛ حاصلُهُ: أنَّ مَن اشترى أحدَ الثّوبين، أو العبدين، أو أحد ثلاثةٍ من الأثواب، أو العبيدِ على أن يعيِّنَ في ثلاثةِ أيَّامٍ أيَّاً شاء ورضي البائعُ بهذا الخيار صحَّ هذا البيع، وإن لم يشترطْ تعيينه؛ أو شرطَ لكن في أحد أربعةِ أثوابٍ أو عبيدٍ لم يصحّ البيع.
[5] قوله: أحد الثّوبين، أو أحد ثلاثة؛ هذا أولى ممّا في بعض المتون: مَن يشتري ثوبين؛ لأن البيعَ في الحقيقةِ أحدهما والآخرُ أمانة.
[6] قوله: في ثلاثةِ أيّام، قال في «الهداية»: «إذا لم يذكر خيارِ الشّرط لا بدّ من توقيتِ خيارِ التَّعيينِ بالثلاث عنده، وبمدّة معلومةً أيتها كانت عندهما». انتهى (¬2).
¬
(¬1) «العناية» (5: 520).
(¬2) من «الهداية» (3: 31).
الجزء 9 · صفحة 80
الجزء 9 · صفحة 81
صحَّ، لا إن لم يشترطْ تعيينُه، ولا في أحدٍ أربعة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صَحَّ [1]، لا إن لم يشترطْ تعيينُه، ولا في أحدِ أربعةٍ): لأنّ [2] القياسَ عدمُ الجواز، لكن استحسنَّا في الثَّلاثةِ لمكانِ الحاجةِ؛ لأنّ الثَّلاثةَ مشتملةٌ على الجيدِ والرَّديءِ والمتوسِّط، وفي الزَّائدِ على الثَّلاثةِ أَبقينا الحكم على الأَصل، وهو عدمُ الجواز.
===
===
[1] قوله: صحّ؛ أي الشِّراءُ أو خيارُ التَّعيينِ للمشتري، أمّا لو شرطَ خيارَ التَّعيين للبائعِ فقد اختلفَ المشايخ فيه: فذكرَ الكرخيُّ - رضي الله عنه - في «مختصره»: أنّه يجوزُ استحساناً، وذكرَ في «المجرد»: أنّه لا يجوز؛ لأنّه جُوّزَ للمشتري للحاجةِ مخالفاً للقياس، ولا حاجةَ إليه للبائع، كذا ذكره العَيْنِيُّ في «شرح الكنز» (¬1).
[2] قوله: لأنّ ... الخ؛ حاصلُهُ: أنّ القياسَ يقتضي عدمَ جوازِ هذا البيعِ لجهالةِ المبيع؛ لأنَّ المبيعَ أحدُ الأثوابِ وهو غيرُ معيّن، فصار مجهولاً، وجهالتُهُ تفضي إلى المنازعة؛ لتفاوتِ الأثوابِ في أنفسِها، وكلُّ ما هو كذلك مفسدٌ للبيع.
لكنّا أثبتنا الجوازَ بالاستحسان، وهو أنّ الخيارَ إنّما شُرِعَ للحاجةِ إلى دفعِ الغبن؛ ليختار ما هو الأرفقُ والأوفق، والحاجةُ إلى هذا النَّوعِ من البيعِ متحقّقة؛ لأنّه يحتاجُ إلى اختيارِ مَن يثقُ برأيه، أو اختيارُ مَن يشتريه لأجلِه من الزَّوجةِ والبنتِ وغيرهما، ولا يمكِّنُه البائعُ من الحملِ إلاَّ بالشراء؛ كي لا يبقي أمانةً، فكان معنى خيار الشّرط.
وهذه الجهالةُ لا تُفْضي إلى المنازعة؛ لتعيينِ مَن له الخيار، فلا يمنعُ الجواز، غيرَ أنّ هذه الحاجة تندفعُ بالثّلاثة؛ لوجودِ الجيّد والرديء والمتوسّط، ولا حاجةَ إلى الأربعة؛ لأنّه زائدٌ غير محتاجٍ إليه، فانتفى جزءُ العلَّة، فإنّ علّة الرخصة أمران: الحاجة، وكون الجهالةِ مفضيةٌ إلى النّزاع، فلا يثبتُ الرّخصةُ بأحدهما، فإنَّ الحكمَ لا يثبتُ إلاَّ أن يتمّ علّته.
ثمّ قيل: يشترطُ أن يكون في هذا العقدِ خيارُ الشّرطِ مع خيارِ التّعيين، وهو المذكورُ في «الجامع الصغير» (¬2)، قال شمسُ الأئمّة - رضي الله عنه -: هو الصحيح، وقيل: لا
¬
(¬1) «رمز الحقائق» (2: 12).
(¬2) «الجامع الصغير» (ص344 - 345).
الجزء 9 · صفحة 82
الجزء 9 · صفحة 83
وأخذُهُ بالشُّفعةِ داراً بيعت بجنب ما شُرِطَ فيه الخِيارُ رِضاً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وأخذُهُ بالشُّفعةِ داراً بيعت بجنب ما شُرِطَ فيه الخِيارُ رِضاً [1]): أي اشترى داراً على أنَّه بالخِيار، فبيعتْ دارٌ بجنبِ تلكَ الدَّار، فأخذها المشتري بالشُّفعة، فهذا الأخذُ دليلُ رضاه بشراءِ تلك الدَّار؛ لأنّ [2] الأخذَ بالشُّفعةِ يقتضي إجازةً في شراءِ المشفوعِ به.
===
===
يشترط، وهو المذكورُ في «الجامع الكبير»، قال فخر الإسلام - رضي الله عنه -: هو الصّحيح، فعلى قولِ هذا القائلِ إذا لم يشترط خيار الشّرطِ يلزمُ العقد بأحدهما حتى لا يردَّ إلا أحدهما.
وعلى قولِ الكرخيّ - رضي الله عنه -: له أن يردّهما؛ لأنّ هذا الخيارَ عنده بمنزلةِ خيارِ الشَّرط، وإن شرطَ خيارَ الشرط مع خيارِ التّعيينِ جاز، فإن ردَّهما بخيارِ الشّرطِ في المدّة، أو ردّ أحدَهما بخيارِ التّعيينِ كان له ذلك، وإذا مضت المدّةُ بطلَ خيارُ الشّرطِ فلا يمكنُ ردّهما جميعاً، ويبقى له خيارُ التّعيين، فيرد أحدهما، وإن شئتَ زيادةَ التفصيلِ فارجع إلى «رمز الحقائق» (¬1)، و «منح الغفّار» (¬2)، والله أعلمُ بحقيقةِ الأسرار.
[1] قوله: رضاً؛ يسقط به الخيارُ إجماعاً، بخلافِ خيارِ الرؤية، حيث لا يسقطُ بأخذِ الشّفعة، فإنّه لا يسقط بالصّراحة، فكذا بالدّلالة. كذا ذكره الزَّيْلَعِيُّ في «شرح الكنز» (¬3).
[2] قوله: لأنّ ... الخ؛ حاصلُهُ: أنّ الأخذَ بالشّفعةِ إنّما يحصلُ بعد طلبِها، وطلبُها دليلٌ على أن يختارَ المشتري ملكَه في الدّار المشتراةِ بالخيار؛ لأنّه لم يطلبْها إلاَّ لدفعِ ضررِ الجوار، والجوارُ لا يثبتُ إلاَّ باستدامةِ الملكِ في الدَّارِ المشتراةِ بالخيار، واستدامةُ الملكِ يقتضي الملك، ولا ملكَ مع الخيار.
فيتضمّن ذلك الطلبُ سقوطَ الخيارِ سابقاً عليه، فيثبتُ الملكُ من وقتِ شراءِ الدَّار، فظهرَ أنّ الجوارَ كان ثابتاً عند بيعِ الدَّارِ الثانية، وهو يوجبُ الشّفعة، وهذا بناءَ على مذهب الإمام.
وأمّا عندهما: فالمبيعُ يدخلُ في ملكِهِ فيجوزُ أن يأخذَ بالشفعة، ويسقط بذلك خياره؛ لأنّ الشفعةَ لدفعِ ضررِ الجارِ الدخيل، والإنسانُ لا يدفعُ ضررَ الجارِ في دارٍ يريدُ ردّها
¬
(¬1) «رمز الحقائق» (2: 12).
(¬2) «منح الغفار» (ق2: 13/أ).
(¬3) «رمز الحقائق» (4: 19).
الجزء 9 · صفحة 84
الجزء 9 · صفحة 85
وخيارُ شرطِ المُشْتَرِيَيْنِ يَسْقُطُ برضا أحدِهِما، وكذا خِيارُ العيبِ والرُّؤْيَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وخيارُ [1] شرطِ المُشتَرِيَيْنِ يَسْقُطُ برضا أَحدِهِما [2]، وكذا خِيارُ العيبِ والرُّؤْيَةِ)؛ لأَنَّه إِن رَدَّه [3] الآخرُ يكونُ مَعيباً بعيبِ الشَّركةِ، وعندهُما: للآخَرِ ولايةُ الرَّدّ؛ لأنَّ الخِيارَ [4] ثابتٌ لكلِّ واحد.
===
===
[1] قوله: وخيار ... الخ؛ حاصله: أنّه إذا اشترى رجلان شيئاً على أنّهما بالخيار، فرضي أحدُهما بالبيع بأن أسقط خياره، ليس للآخر قدرةُ الردِّ عند الإمام خلافاً لهما، فأنّهما قالا: له أن يردّه، وهو قولُ الأئمّةِ الثلاثة.
وعلى هذا خيارُ العيب؛ بأنه إذا اشترى رجلان شيئاً على خيارِ العيبِ فرضي أحدُهما بعيبٍ فيه لا الآخر، وكذا خيار الرؤية، بأنه لو اشتريا شيئاً لم يرياه ثمّ رأى أحدهما ورضيَ لا الآخر.
[2] قوله: برضا أحدهما؛ قال شيخنا العلامة الطَّحطاوي في «حاشيته على الدُّرِّ المختار»: «ذكر الرضاء اتفاقيّ؛ إذ لو ردّ أحدهما لا يجيزه الآخر، ولم أره صريحاً، لكن قولهم: لو ردّه لردّ معيباً يدل عليه». انتهى (¬1).
[3] قوله: لأنّه إن ردّه ... الخ؛ حاصلُهُ: أنّ المبيعَ لمّا خرجَ عن ملكِ البائع لم يكن معيباً بعيب الشركة، فلو ردّه أحدُهما لا الآخر ردّه معيباً بعيب الشركة؛ لأنَّ الشركة في الأعيانِ المجتمعة عيب؛ لأن البائعَ بتقدير الردّ لا يتمكّن بالانتفاع به إلاَّ بطريق التهايؤ، وكان قبل البيع متمكّناً من الانتفاع متى شاء، وهذا إلزامُ ضررٍ زائد.
فإن قيل: البائعُ قد رضي بردّ أحدهما؛ لأنّه خيّرهما، فإلزام الضّرر برضاه لا بغيره، ولا مضائقة فيه.
قلنا: ليس من لوازم إثبات الخيارِ لهما الرّضاء بردّ أحدِهما، فإن البائعَ لعلّه تصوّر اجتماعهما على الردّ فتحقّق الانفكاك، فكيف يلزمُ الرضاء بردّ أحدهما إثباتُ الخيار لهما. كذا في حواشي «الهداية» (¬2).
[4] قوله: لأنّ الخيار ... الخ؛ حاصله: أنّ الخيارَ ثابتٌ لكلِّ واحد منهما؛ لأنّه شُرِعَ دفعاً للغبن، وكلّ واحدٍ منهما محتاجٌ إلى دفعه عن نفسه، فكيف يسقطُ الخيار بإسقاط صاحبه؛ لأنّ فيه إبطال حقّه.
¬
(¬1) من «حاشية الطحطاوي على الدر المختار» (3: 37).
(¬2) «الهداية» وشروحها (5: 527).
الجزء 9 · صفحة 86