زبدة الكلام
على منظومة كفاية الغلام
للإمام الفقيه عبد الغني النابلسي (ت1143هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان ـ الأردن
جارٍ تحميل الكتاب…
زبدة الكلام
على منظومة كفاية الغلام
للإمام الفقيه عبد الغني النابلسي (ت1143هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان ـ الأردن
. زبدة الكلام
على منظومة كفاية الغلام ......
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإنَّ حياة الأمم متعلِّقة بحياةِ المصلحين فيها، فكلّما كثروا ونشطوا كلّما صَلُحَت الأمم وارتقت، وقد سمعت شيخنا المبارك تقي العثماني ينقل عن حكيم الأُمَّة عليّ أشرف التهانوي: «دواء أدواء الأُمَّة العلماء»، وهذا مصداقُ حديث النّبيّ الكريم - صلى الله عليه وسلم -: «العلماء ورثة الأنبياء» (¬1)، فحياةُ الأُمَّة بحياةِ علمائها، فكلَّما كانت حياتهم نابضة بشريعة ربّ العالمين كانت المجتمعات كذلك.
وإنَّ الاعتناء بتخريج علماء أكفاء يحملون مسؤولية الإصلاح في المجتمعات لمن أوجب الواجبات على الدُّول؛ لأنَّ الإصلاحَ الحقيقي من قِبل الأتقياء الأنقياء الأكفاء يُغيِّر المجتمعات ويرتقي بها إلى أعلى الدَّرجات الحضارية، ويخلصها من عامّة المشاكل الاجتماعية وينشط حركة الاقتصاد.
وأعظم وسائل الإصلاح هو إيقاظ الحسِّ الذَّاتي لدى كلِّ فرد، بتحفيز الجانب الدِّيني لديه وتحريكه في حياته حتى يصل إلى أعلى درجات النَّشاط الإنساني والعطاء البشري.
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 1: 289، وسنن الترمذي 5: 48، وسنن أبي داود 3: 317.
وإنَّ أقوى دعائم الأمم وأكبر أركان الدُّول هو الدِّين إن كان تعلّمه بطريقة صحيحة، فيمكن أن تعتمد عليه الحكومات الرَّاشدة في تثبيت أنظمتها الإصلاحية، فاعتناؤنا بالدِّين والقيام عليه يفيدنا استقرار دولنا وازدهارها، وإهمالنا له يجر علينا ويلات اجتماعية واقتصادية وسياسية؛ لشيوع الفساد وغياب المصلحين، ولأنَّ حاجةَ النَّاس للدِّين كحاجتهم للطعام والزَّواج، فإن لم نقدمه لهم بطريقة صحيحة فإنَّهم يأخذونه بطريقه خاطئة من مصادر وجهات لها أجندات متعدّدة، فيكون التَّدين خاطئاً لدى الشُّعوب، وهذا أخطر على الأمم والأفراد من عدم التَّدين؛ لأنَّ التَّدين الصَّحيح هو الذي يجلب للأمم الخيرات، والتَّدين الخاطئ يجلب لها الويلات.
ومن هنا نوجّه رسالةً مهمة لكلِّ المسؤولين على اختلاف مناصبهم وتعدد رتبهم: أن لا يتركوا النَّاس مع الدِّين بدون تنظيم وتعليم؛ لأنَّهم سيفهمونه بطريقة خاطئة، ويُعرِّضوا أنفسهم وغيرهم للخطر، بل عليهم تحمل مسؤولياتهم في كفاية حاجة النَّاس من الدِّين، وإيجاد المرجعيات العلمية التي تُحقق رغباتهم، وتُصلح أحوالهم؛ لتكون شعوبهم لهم لا عليهم.
وإنَّ هذه الخطوة التي تمّ اتخاذها في بلدنا العزيز وأُردننا العظيم لهي من أهم الخطوات الإصلاحية في تاريخه؛ لأنَّ لها ما بعدها من الخيرات، ونثمن الجهود الكبيرة لذلك، ونتمنى أن يبقى السَّعي في هذا الطريق الخير.
وإنَّ الاعتناء بزيادة كفاءة المشتغلين بالجانب الدِّيني واستكمال معلوماتهم ومهارتهم هو التَّغيير الإيجابي في المجتمع؛ لتعلق سائر أفراد الشَّعب بهم، فصلاحهم صلاح الشَّعب وفسادهم فساده، وإهمالهم إهماله والارتقاء بهم ارتقاء به، فعلى حكوماتنا أن تبذل قصارى جهدها في السَّير بهذا الاتجاه.
وإننا في جامعة العلوم الإسلامية نفخر بإناطة المسؤولية بنا في القيام بهذا الواجب الدِّيني والوطني في هذا المشروع الكبير، ونعمل ليل نهار في إنجاحه على أفضل وأبرز هيئة وصورة.
ونسعى في هذا المنهاج الذي بين أيدينا أن نحقِّق المقصود من هذا الدبلوم، وهو توحيد المرجعية الدِّينية بالمذاهب الفقهية الأربعة التي سارت عليها الأُمَّة السُّنية طوال تاريخها، فما وسع أُمتنا وسعنا؛ لأنَّ هذه الأُمَّة معصومة عن الخطأ، وهي محفوظة بشهادة القرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر:9]، وقد كانت بهذه المذاهب العظيمة، وأخبرنا القرآن أنَّها خير أُمَّة أُخرجت للنَّاس، فما كانت تسير عليه من طريق هو الحق، وإلا لما استحقت هذه الوصف العظيم.
فهذه الأُمَّة التي لم تعرف البشرية خيراً منها أيعقل أن تكون تائهة ضائعة لا تعرف دينها وتتخبط شرقاً وغرباً كما نراه اليوم، فإنَّ هذه الضَّياع سببه تركها منهجها وطريقها الذي سلكته من لدن النّبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، فإن تمكنّا من ضبط الجانب الدِّيني حافظنا على أُمتنا، وضمنا النَّهج الصَّحيح في تعلم الدِّين، وتجنبنا الانحراف والتَّكفير والإرهاب المتحقّق من تعلّم الدِّين بطريقة خاطئة.
لذلك نسعى إلى تثبيت فكرة دراسة مذهب فقهي وضبطِه والتَّمكُّن منه من أجل العمل والفتوى والتَّعليم، فلا يجوز أن يفتي مفتٍ من غير المذاهب الفقهيّة المعروفة؛ لأنَّ تعرُّف الدَّارس على المذهب ليعمل به، فإن ضاق عليه شيءٌ في مذهبه الفقهي يُمكنه الاستفادة من المذاهب الفقهية الأخرى.
وهذا يُحقّق لنا معنى كبير، وهو القدرة على قَبول القول السُّنِّي الآخر وعدم الاعتراض عليه والتَّنازع فيه؛ لأنَّ هذه المذاهب العظيمة شيّدت من قبل كبار أئمة
الدِّين فهي محكمةُ البنيان، ورفضُها مهلكٌ لنا كما نرى.
ومن أجل تحقيق ذلك كانت دراسة الدّبلوم تدور على حفظ «متن» منظومة فقهية في العبادات ودراستها؛ لأنَّ فيها عامّة ما يحتاجه المسلم في عباداته.
فوقع الاختيار في الفقه الحنفي على منظومة «كفاية الغلام» للعلّامة الفقيه عبد الغني النّابلسي؛ لصغر حجمها وسهولة حفظها على الدَّارسين.
وتيسيراً على الطَّلبة ذكرت المنظومة ابتداءً للاطلاع عليها وحفظها وضبطها، ثم ذكرت أحكام العبادات بترتيب مناسب موافق لما في الكتب الفقهية باختصار مع الاستدلال والترتيب؛ ليسهل تصورها وفهمها.
وفيما يتعلَّق بالمقدمة العقدية التي ذكرها النّابلسي فإنني اعتمدت في توضيح مفاهيمها على ما كتبه الأخ الفاضل الدكتور حمزة البكري في كتابه النَّافع «أسس العقيدة الإسلامية»، واقتصرت فيها على ما لا بُدّ منه لتصور المسائل.
ووضعت أبيات المنظومة التي تخصّ كل موضوع فيه داخله؛ ليتمكن القارئ الكريم من فهمها جيداً.
واجتهدت في أن تكون هذه الطَّريقة أفضل هيئة يُمكن فيها عرض المادة للمبتدئ في دراسة الفقه الحنفي، حتى نكون جمعنا بين الأصالة والمعاصرة؛ حيث اعتمدنا متناً فقهياً لدراسة مذهبي فقهي مع عرض له بطريقة عصرية من حيث المنهجية والتّرتيب.
وقبل دراستنا للمنظومة والتَّفاصيل الفقهية قدَّمنا بعشر مقدِّمات لا بُدّ منها لتحقيق المقصود:
الأُولى: في بيان أنَّه لا اجتهاد بلا أصول، وأنَّ عامّة ما نرى من اجتهادات
معاصرة تعتمد على الهوى؛ لأنَّ مَن يقومون بها لا يسيرون على أصول، وإنَّما يفتون بلا ضبط، فكانت المخرجات التي نرى هذه الأيام فيها انحراف فكري وديني.
وبينتُ أنَّ سبب الاختلاف بين المذاهب الفقهية أصوليٌّ لا غير، وأنَّ مسائل كلّ مذهب بالنِّسبة لأصوله راجحة ومسائل غيره من المذاهب مرجوحةٌ، ولو نظرنا لمسائل الحنفية من أصول شافعية ستكون مرجوحة، وبالتالي كان التَّرجيح بينها من جهة الدَّليل لشخص لا ينتمي لأحد المذاهب عبثٌ وتلاعبٌ في الدِّين؛ لأنَّ التَّرجيح يكون من جهة الأُصول، فمَن لم يكن له أصولٌ ولا يسير على أصول مذهب فترجيحه من جهة الهوى.
والتَّرجيحُ الصَّحيح فيما بين المذاهب يكون بأصول التَّطبيق، وهي الضَّرورة والتَّيسير والحرج والعُرف وتغير الزَّمان والمصلحة، فيُمكننا الاستفادة من المذاهب الأُخرى إن تحقَّق فيها أحدُ هذه المعاني ونُقدِّمها على مذهبنا، وبهذه الطَّريقة نستفيد من جميع المذاهب الفقهية مع إحسان النَّظر إليها وإلى أصحابها.
والثَّانية: في تعرّف مسالك العلل للأحكام وتتبعها في نصوص الشَّريعة؛ لأنَّ الأحكام التي بين أيدينا تفرَّعت على علل النُّصوص لا على ظواهرها فحسب، فما يفعلُه كثيرٌ من المعاصرين هو الاعتماد على الظَّواهر لا غير، وهذا خطأٌ كبيرٌ.
والثَّالثة: في بيان أنَّ الاجتهادَ في كلِّ ما يستجد من مسائل طريقه التَّخريج على أصول البناء والقواعد الفقهية عند الفقهاء، فمَن درس مذهباً فقهيّاً تمكّن من التَّعرُّف على ما يلزم من أحكام لمجتمعه؛ لقدرته على تخريجها من مذهبه، وأنَّ
طريق الاستنباط للأحكام من القرآن والسُّنة من جديد ممن ليس أهلاً له كان سبباً في عامّة المشاكل التي نعيش.
والرَّابعةُ: في بيان معنى قول الإمام الشافعيِّ - رضي الله عنه -: «إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي»، وذكرت تفسير كبار أئمة الشَّافعيّة له، ونبهتُ على أنَّ الاستدلال به على ضعف أدلة المذاهب والحثّ على العمل بالحديث المخالف للمذهب خطأٌ فاحشٌ.
والخامسة: في بيان أنَّ هذه المذاهب الفقهية التي بين أيدينا لها طرقٌ متعدِّدة في البناء، فالمذهب الحنفي والمالكي اعتمد على النَّقل المدرسي، والمذهب الشَّافعيّ والحنبليّ اعتمد على النَّقل الحديثيّ، فمَن عرف ذلك عظمت هذه المذاهب في عينه، وعَلِم سبب الاختلاف بينها، وقوَّى دليل كلٍّ منها فيما ذهب إليه.
والسَّادسة: في بيان طبقات المجتهدين والوظائف التي يقومون بها، وأنَّه لا حياة للدِّين بدون الاجتهاد، ولكن الاجتهاد له صور متعدِّدة من استنباط وتخريج وترجيح وتمييز وتقرير، واقتصار المعاصرين في الاجتهاد على الاستنباط كان من أبرز أسباب الضَّياع والشَّتات، وأنَّ هذا النَّوع كان في مرحلة في مراحل الاجتهاد لا غير.
والسَّابعة: في بيان أنَّ للفقهاء مدرسة متكاملة في تصحيح الأحاديث وتضعفيها، وأنَّ عدم الانتباه لذلك أوقعنا في مهلكةٍ كبيرةٍ في سوءِ الظَّنِّ بهم وعدم الثِّقة بما قدَّموه لنا من علم؛ لأنَّ التَّصحيح للأحاديث أمرٌ اجتهاديّ يرجع للأصول التي وضعها المجتهد في الحديث للتَّصحيح، فالتَّحاكم لمدرسة المحدّثين فقط جعلنا نحكم بضعف أدلة الفقهاء، ولو تعرّفنا على مدرستهم لعلمنا قوَّة أدلّتهم.
والثَّامنة: في بيان أسباب تقليد المذاهب الفقهية عند أهل السُّنّة دون غيرها من الاجتهادات التي ظهرت عند السَّلف.
ونبَّهتُ أنَّ هذه المذاهب أصبحت علوماً مستقرّة لها أصولها وفروعها، تعد من أوسع العلوم التي عرفتها البشرية، واستطاعت الأُمَّة أن تبني من خلالها أقوى الحضارات البشرية.
فالفكرة التي ينبغي أن ينتبه لها الدَّارس الفاضل أنَّ أهل السُّنة يُقلِّدون علوماً في معرفة أحكام شرعهم لا أفراداً؛ لأنَّ الفرد يخطئ ويُصيب بخلاف العلم؛ لأنَّ أهله يصححون ما يقع فيه من خطأ بحيث يصل إلى أقصى درجات الكمال البشري، فما بين أيدينا من مذاهب هي اجتهادات وجهود من قبل مئات الألاف من الفقهاء على مدار التَّاريخ حتى أصبحت علوماً راسخة رسوخ الجبال، يمكن لنا أن نعتمد عليها في تنظيم حياة الأفراد والمجتمعات.
والتَّاسعة: في بيان الفرق بين التَّعصب والتَّمذهب، فإنَّ التَّعصبَ مذمومٌ بلا شكٍّ، وهو مختلفٌ تماماً عن الالتزام بمذهبٍ فقهيٍّ؛ لأنَّه واجبٌ لتنظيم العلم وترتيب أمور النَّاس للخروج من الفوضى واللعب، وأنَّ مَن يَتهمون غيرهم بالتَّعصب هم في الحقيقة أكثر مَن يقوم بالتَّعصب.
والعاشرة: في بيان أهمية دراسة فقه الاختلاف، وبيان الفرق بين فقه الاختلاف وعلم الخلاف والفقه المقارن، وأنَّ فقه الاختلاف هو ما نحتاج له، وأما الفقه المقارن فدراسته الخاطئة أوقعتنا في مشاكل كثيرة؛ لذلك كانت الدَّعوة لضرورة الدِّراسة المذهبية فحسب، وأنَّها السَّبيل للخروج من هذا الانحراف العلمي والفكري والدِّيني.
وفي الختام أسأل الله عز وجل أن يجعله خالصاً لوجه الكريم، وأن يتقبله ويجعله في ميزان حسناتي يوم الدِّين، وأن يغفر لي ولوالدي وأجدادي وشيوخي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدُّكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الجمعة 30/ 1/2017 م
الأردن/عمان /صويلح
منظومة كفاية الغلام
للعلّامة عبد الغني النّابلسي
1. ... الحَمْدُ للهِ عَلَى ما وَفَّقا ... ثُمَّ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُطْلَقا
2. ... عَلى النَّبيِّ المُصْطَفى التِّهامي ... وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الكِرام
3. ... وَبَعْدُ فالإسْلامُ لمَّا بُنِيا ... على الشَّهادَتَيْنِ فيما رُوِيا
4. ... ثُمَّ عَلَى الصَّلاةِ والزَّكاةِ ... والصَّومِ وَالحَجِّ مِنَ الميقات
5. ... أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ في ذِي الخَمْسَهْ ... شَيْئاً بِهِ يُصْلِحُ مِثْلِي نَفْسَهْ
6. ... مَنْظُومَةً في غَايةِ اخْتِصارِ ... يَسْهُلُ حِفْظُهَا عَلى الصِّغار
7. ... سَمَّيْتُها كِفَايةَ الغُلامِ ... في جُمْلَةِ الأَرْكانِ للإسْلام
8. ... وَأَسْألُ اللهَ الكَريمَ المَغْفِرهْ ... وَأَن يَكونَ مُنْقِذِي في الآخِرَهْ
فصل في مقتضى شهادة
أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
9. ... مَعْرِفَةُ اللهِ عَلَيْكَ تُفْتَرَضْ ... بِأَنَّهُ لا جَوْهَرٌ ولا عَرَضْ
10. ... وَلَيْسَ يَحْويهِ مَكانٌ لا وَلا ... تُدْرِكُهُ العُقُولُ جَلَّ وَعَلا
11. ... لا ذاتُهُ تُشْبِهُها الذَّواتُ ... ولا حَكَتْ صِفاتِهِ الصِّفاتُ
12. ... وما لهُ في مُلْكِهِ وَزيرُ ... ولا لَهُ مِثْلٌ وَلا نَظيرُ
13. ... فَرْدٌ لَهُ مِنْهُ تَتِمُّ المَعْرِفهْ ... وَوَاحدٌ ذاتاً وَفِعْلاً وَصِفَهْ
14. ... وَهْوَ القَدِيمُ وَحْدَهُ والباقِي ... في القَيدِ نحنُ وَهْوَ في الإطلاق
15. ... حَيٌّ عَليمٌ قادِرٌ مُرِيدُ ... في خَلْقِهِ يَفْعَلُ ما يُريدُ
16. ... وَهْوَ السَّميعُ والبَصيرُ لم يَزَلْ ... بِغَيرِ جَارِحةٍ مِنَ الأَزلْ
17. ... لَهُ كَلامٌ ليسَ كالمَعروفِ ... جَلَّ عَنِ الأصواتِ والحروف
18. ... وَبِقَضاءِ اللهِ والتَّقْديرِ ... جَميعُ ما يَجرِي مِنَ الأُمور
19. ... وَكُلُّ ما يوجَدُ مِنْ فِعْلِ البَشَرْ ... فإنَّهُ بِخَلْقِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشرْ
20. ... كَلَّفَ عَبْدَهُ وَما قَدْ جَارا ... وَهْوَ الَّذي يَجْعَلُهُ مُخْتَارا
21. ... أَرْسَلَ رُسْلَهُ الكِرَامَ فِينَا ... مُبَشِّرينَ بَلْ وَمُنْذِرِينا
22. ... أَيَّدَهُم بِالصِّدْقِ وَالأَمَانهْ ... وَالحِفْظِ وَالعِصْمَةِ وَالصِّيانهْ
23. ... أَوَّلُهُمْ آدَمُ ثُمَّ الآخِرُ ... مُحَمَّدٌ وَهوَ النَّبيُّ الفَاخِرُ
24. ... أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَينَا بِالهُدَى ... طُوبَى لِمَن بِشَرْعِهِ قَدِ اقتَدَى
25. ... تَنْحَصِرُ النَّجاةُ فيما جَاءَ بهْ ... وهالِكٌ مَنْ حَادَ عَنْهُ فَانْتَبِهْ
26. ... وَكُلُّ ما عَنْهُ النَّبِيُّ أَخْبَرا ... فَإِنَّهُ مُحَقَّقٌ بِلا امْتِرا
27. ... مِنْ نَحْوِ أَمْرِ القَبْرِ وَالقِيامَهْ ... وكُلِّ ما كَانَ لَها عَلامَهْ
28. ... مِثْلِ (¬1) طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِها ... وَقِصَّةِ الدَّجالِ كُنْ مُنْتَبِها
29. ... وَصَحْبُهُ جَميعُهُم عَلى الهُدَى ... تَفْضِيلُهُمْ مُرتَّبٌ بِلا اعْتِدا
¬
(¬1) تنبيه: ثمة أوجه إعرابية أربعة في كلمة (مثل)، فإما أن نعربها بدل اشتمال من كلمة (كل)، فتكون عندئذ مجرورة، وإما أن نعربها نعتاً للاسم الموصول (ما)، فتكون عندئذٍ مجرورةً أيضاً، وإما أن نعربها خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: هو، فتكون عندئذٍ مرفوعة، وإما أن نعربها مفعولاً به لفعل محذوف تقديره: أني مثلَ، فتكون عندئذ منصوبة.
30. ... فَهُم أبو بكرٍ وَبَعْدَهُ عُمَرْ ... وَبَعْدَهُ عُثمانُ ذُو الوجهِ الأغَرْ
31. ... ثُمَّ عَليٌّ ثُمَّ باقي العَشَرهْ ... وَهْيَ التي بِجنَّةٍ مُبَشَّرهْ
32. ... وَمَا جَرَى مِنَ الحُروبِ بَيْنَهُمْ ... فَهْوَ اجتِهادٌ فيهِ شَادوا دينَهُمْ
33. ... هذا هُوَ الحقُّ المُبِينُ الواضِحُ ... وَباِلَّذي فيهِ الإنَاءُ ناضِحُ
34. ... وَمَا سِوى الإسلامِ في الأَدْيانِ ... فَإِنَّهُ وَسَاوِسُ الشَّيْطان
فصل في إقام الصَّلاة
35. ... إنَّ الصَّلاةَ أيُّها الإِنسانُ ... لَها شُروطٌ وَلهَا أَرْكانُ
36. ... فَمِنْ شُروطِها طَهارةُ البَدَنْ ... مِنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ وَهْيَ غُسْلُ مَنْ
37. ... أَوْلَجَ في إِحْدَى سَبِيلَيْ مِثْلِهِ ... أَو مُنْزِلٍ بِشَهْوَةٍ مِنْ أَصْلِه
38. ... كَذا بِحَيْضٍ وَنِفاسٍ انْقَطَعْ ... وَفَرْضُهُ تَعْمِيمُهُ لِلجِسمِ مَعْ
39. ... غَسْلِ فَمٍ وَالأَنْفِ بِالماءِ الطَّهُورِ ... كَرَاكِدِ الغَدِيرِ أو ماءِ النُّهُور
40. ... وَسُنَّ في أَوَّلِهِ الوُضُوءُ مَعْ ... نِيَّتِهِ دَلْكٌ وَتَثْليثٌ جَمَعْ
41. ... وَشَرْطُهَا مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ قُلْ ... تَطْهِيرُهُ وَهْوَ الوُضوءُ يا رَجُلْ
42. ... وَفَرْضُهُ أن تَغْسِلَ الوَجْهَ كَذَا ... يَدَاكَ حَدَّ المِرْفَقَيْنِ آخِذَا
43. ... وَمَسْحُ رُبْعِ الرَّأْسِ فَرْضُ عَيْنِ ... كَغَسْلِ رِجْلَيْكَ مَعَ الكَعْبَين
44. ... وَسُنَّ فِيهِ نِيّةٌ والتَّسْمِيهْ ... غَسْلُ اليَدينِ أَوَّلاً لِلتَنْقِيهْ
45. ... ثُمَّ السِّواكُ وَالوِلَا غَسْلُ الفمِ ... وَالأنفِ وَالتَّرتيبُ فِيهِ فاعلم
46. ... تَيامُنٌ وَمَسْحُ كُلِّ الرَّأسِ مَعْ ... أُذْنَيْكَ والتَّثْلِيثَ والتَّخْليلَ ضَعْ
47. ... نَاقِضُهُ ما مِنْ سَبيلَيْكَ خَرَجْ ... وَالدَّمُ عَنْهُ الجُرْحُ كالقَيحِ انْفَرجْ
48. ... والقَيءُ مِلْءَ الفمِ والنَّومُ إذا ... أزَالَ مُسْكَةً وسُكْرٌ أَخَذَا
49. ... كذلِكَ الإغْماءُ وَالجُنُونُ مَعْ ... ضِحْكِ المُصَلِّي وَلَهُ الجارُ اسْتَمَعْ
50. ... وَشَرْطُهَا طَهارةُ المَكانِ ... والثّوبِ حتى بَدَنِ الإنسان
51. ... مِنْ نَجَسٍ غُلِّظَ فوقَ الدِّرْهَمِ ... وَفَوْقَ عَرْضِ الكَفِ في مِثلِ الدَّم
52. ... أَو خَفَّ قَدْرَ رُبْعِ أَدْنى سَاتِرِ ... كَبَوْلِ مَأْكُولٍ وَخُرْءِ الطائر
53. ... وَشَرْطُها اسْتِقبالُ عيْنِ الكَعْبَةِ ... لِمَنْ يَرَى وَغَيْرِهِ لِلْجِهَة
54. ... شَرْطُها الوَقْتُ وَسَتْرُ العَوْرَهْ ... وَنِيَّةُ الصَّلاةِ وَالتَّكْبِيرهْ
55. ... وَرُكْنُها القِيامُ والقِراءةُ ... ثُمَّ الرُّكوعُ والسُّجودُ القَعْدَةُ
56. ... في آخرِ الصَّلاةِ والخروجُ ... بِصُنْعِهِ وَخُلْفُهُ يَروجُ
57. ... واجِبُها لَفْظُكَ بِالتَّكْبِيرهْ ... وَبَعْدَهُ فاتحَةٌ وَسُورَهْ
58. ... أَو آيةٌ طَالَتْ أوِ الثلاثُ لَوْ ... قَدْ قَصُرَتْ في رَكْعَتَي فَرْضٍ رَوَوْا
59. ... والنَّفْلُ في الكُلِّ مَعَ التَّعْيينِ ... في الأُولَيَيْن والتَّشَهُّدَيْن
60. ... كَذَا الطُّمَأنينةُ والقُنُوتُ في ... وِتْرٍ وَلَفْظَةُ السَّلامِ فَاعرِف
61. ... وَزَائِدُ التَّكْبيرِ في العِيدَيْنِ ... وَالجَهْرُ وَالإسْرَارُ في الفَصْلَيْن
62. ... والقَعْدَةُ الأُولى وأَمَّا السُّنَّهْ ... فَرَفْعُهُ اليَدَيْنِ حَاذَى أُذْنَهْ
63. ... وَالجَهْرُ بِالتَّكْبيرِ لِلإمامِ قُلْ ... وَضْعُ اليدينِ تَحتَ سُرَّةِ الرَّجُلْ
64. ... والوَضْعُ فوقَ الصَّدَرِ لِلنِّساءِ ... وَبَعْدَ ذا قِراءةُ الثَّنَاء
65. ... سِرَّاً كذا تَعَوَّذٌ والتّسْمِيَهْ ... وَمِثْلُهُ التَّأمِينُ ثُمَّ التَّصْلِيَهْ
66. ... عَلَى النَّبيِّ في القُعودِ الآخِرِ ... ثُمَّ قراءةُ الدُّعاءِ الفَاخِر
67. ... وَرَفْعُكَ الرَّأْسَ مِنَ الرُّكُوعِ ... كالرَّفْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ رُوعِيْ
68. ... وهذِهِ الجلْسَةُ والتَّكْبِيرُ في ... كُلِّ انْتِقَالٍ والخُشُوعُ فَاقْتَف
69. ... وَيُكْرَهُ السَّدْلُ وَعَقْصُ الشَّعْرِ مَعْ ... كَوْنِ الإمامِ في مَكانٍ ارْتَفَعْ
70. ... مُنْفَرِداً وَعَكْسُهُ وَالإقْعَا ... وَدَفْعُهُ لِلأَخْبَثَيْنِ دَفْعَا
71. ... والالتِفَاتُ مَعْ صَلاتِهِ إلى ... وَجْهِ امْرِئٍ وَغَمْضُ عَيْنَيهِ تَلا
72. ... وَيُفْسِدُ الكلامُ مُطْلَقاً إذا ... مِثْلَ كَلامِ النَّاسِ كانَ وَكَذا
73. ... أَكلٌ وَشُربٌ وَتَنَحْنُحٌ بِلا ... ضَرُورَةٍ وَكُلُّ صَوْتٍ حَصَلا
74. ... حَرْفَانِ مِنْهُ وَكَذا الجَوابُ ... يُقْصَدُ بالقُرآنِ وَالخِطابُ
75. ... وَالعَمَلُ الكَثِيرُ والتَّحْوِيلُ في ... صَدْرٍ عَنِ القِبْلَةِ والعُذْرُ نُفِيْ
فصل في إيتاء الزكاة
76. ... شَرْطُ الزَّكَاةِ العَقْلُ والإسلامُ ... حُرِّيَّةٌ تَمْليكٌ احْتِلامُ
77. ... مِلْكُ تَمامٍ وَنِصَابٍ نَامٍ ... يَفْضُلُ عَنْ مَطالِبِ الأنام
78. ... والحَاجَةِ اللازِمَةِ الأصليّهْ ... وَحَوَلانُ الحَوْلِ ثُمَّ النِّيَّهْ
79. ... عشرونَ مِثْقالاً نِصابٌ مِنْ ذَهَبْ ... وَمائَتَا دِرْهَمِ فِضَّةٍ حَسَبْ
80. ... أو قِيمَةُ العَرْضِ أَوْ الحُلِيِّ أو ... مَغْلُوبِ غِشٍّ أَو مُسَاوٍ قَد رَوَوْا
81. ... مِقْدارُ رُبْعِ العُشْرِ يُعْطَى الفُقَرا ... وَغَارمٌ وابنُ السَّبيلِ في الوَرَى
82. ... وَكُلُّ ذِي قَرَابَةٍ غَيْرَ الأبِ ... وإنْ عَلَا كالأُمِّ فافْهَمْ أَرَبي
83. ... وغَيْرَ ابنِهِ وإنْ قَدْ سَفَلا ... وزَوْجَةٍ وَزَوْجِها بَيْنَ المَلا
84. ... وإبلٌ وغنمٌ وبَقَرُ ... تَرْعَى مُباحًا سَومُها مُعْتَبَرُ
85. ... في أكثرِ العامِ لِنفعٍ أو سِمَنْ ... فيَأْخُذُ الزَّكاةَ منها كُلُّ مَنْ
86. ... أَرْسَلَهُ السُّلطانُ والفقيرُ لا ... تُعْطى لهُ قَصداً كما قَدْ نُقِلا
87. ... وكلُّ خمسةٍ مِنَ الجِمالِ ... فيهِنَّ شاةٌ فَاستمِعْ مَقَالي
88. ... والخَمْسُ والعِشرونَ قُلْ بنتُ مخاضْ ... فيها وسِتٌّ معْ ثلاثينَ افْترَاضْ
89. ... بنتُ لَبُونٍ حِقةٌ لِمُقْتَفِي ... سِتٍّ (¬1) وأربَعينَ والجَذْعَةُ في
90. ... إحدى وَسِتِّينَ كَذَا بِنْتَا لَبُونْ ... في سِتَّةٍ وَبَعْدَهُنَّ سَبْعُون
91. ... إحدى وَتِسْعونَ بِحِقَّتَيْن ... لِمَائةٍ يا صَاحِ مَعْ عِشْرين
92. ... ثُمَّ بِكُلِّ خَمْسَةٍ شَاةٌ وَكُلْ ... خَمْسٍ وَأَرْبَعينَ والمَائةِ قُلْ
93. ... بِنْتُ مَخَاضٍ ثُمَّ حِقَّتانِ ... والمِئةُ الخَمْسُونَ فِيْها دَانِي
94. ... ثَلاثَةٌ مِنَ الحِقَاقِ ثُمَّ قُلْ ... شَاةٌ بِكلِّ خَمْسَةٍ وَلَا تَحِلْ
95. ... وَالخَمْسُ وَالعِشْرُونَ فِيْها مِثلُ مَا ... قُلْنَا كَسِتٍ وَثَلاثِينَ كَما
96. ... فِي مَائةٍ سِتٍّ وَتِسْعينَ اسْتَمِعْ ... أرْبَعَةٌ مِنَ الحِقَاقِ تَجْتَمِعْ
97. ... لِمَائَتَيْنِ ثُمَّ صَارتْ أَبَدا ... كَمَائةٍ مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ بَدَا
98. ... وَأَرْبَعونَ قُلْ نِصَابُ الغَنَمِ ... فِيهِنَّ شَاةٌ بِنْتُ حَوْلٍ فَاعْلَم
99. ... وَمَائةٌ إحْدَى وَعِشْرُونَ بِهَا ... شَاتانِ يَا صَاحِ فَكُنْ مُنْتَبِهَا
100. ... وَالمَائتَانِ مِنْهُ ثُمَّ وَاحِدَهْ ... ثَلاثَةٌ مِنَ الشِّيَاهِ المَاجِدَهْ
101. ... وَأَرْبَعٌ في أَرْبَعٍ مَنَ المِئاتْ ... ثُمَّ لِكُلِّ مَائةٍ تَزِيدُ شَاةْ
102. ... وَفِي الثَّلاثِينَ نِصَابُ البَقَرِ ... تَبِيعُ أَو تَبِيعَةٌ فَقَرِّر
¬
(¬1) تنبيه: اذا اعتبرنا الياء في مقتفي حرف إشباع، فتلفظ ستاً: على اعتبار أنها مفعول به لاسم الفاعل مقتفي، أما إذا لم نعتبرها ياء إشباع؛ فتكون ستٍ، مجرورة باعتبارها مضافا إليه، والأولى أن لا تكون الياء للإشباع؛ لأن الأصل عدمه.
103. ... وَأَرْبَعِينَ قُلْ مُسِنٌّ ومَتَى ... زَادَ فَكُنْ فِيهِ الحِسَابَ مُثْبِتَا
104. ... وَالحَمْلُ الفَصِيلُ وَالعِجْلُ مَعَا ... لا شيْءَ في ذَلِكَ إلاَّ تَبَعَا
105. ... وَلَيْسَ فِي مَعْلُوفَةٍ وَعَامِلَه ... شيءٌ وَلَا فِي العَفْوِ فَاحْفَظْ حَاصِلَهْ
فصلٌ في الصَّوم
106. ... نِيَّةُ صَوْمِ رَمَضَانَ في الأَدَا ... لِكُلِّ يومٍ مِنْ غُرُوبٍ قَدْ بَدَا
107. ... إِلَى قُبَيْلِ الضَّحْوَةِ الكُبْرَى فَقَطْ ... كَالنَّفْلِ وَالنَّذْرِ المُعَيَّنِ انْضَبَطْ
108. ... وَمُطْلَقُ النِّيَّةِ يُجْزِي فِيْهِ ... وَنِيَّةُ النَّفْلِ بِلا تَمْوِيْه
109. ... وَبِالخَطَأِ إِلّا مِنَ المَرِيضِ أَوْ ... مِنَ المُسَافِرِ فعمَّا قَدْ نَوَوْا
110. ... وَفِي قَضَاءِ الشَّهْرِ وَالْكَفَّارَهْ ... وَمُطْلَقِ النَّذْرِ خُذِ العِبَارَهْ
111. ... يُشْتَرَطُ التَّعْيينُ والتَّبْييتُ ... وَخَبَرُ العَدْلِ بِهِ ثُبُوتُ
112. ... هِلَالِ صَوْمٍ مَعَ عِلَّةٍ وَلَوْ ... قِنَّاً وَلَوْ أُنْثَى يَكُونُ قَدْ رَوَوْا
113. ... وَالفِطْرُ بِالعَّلةِ فِيْهِ يُشْتَرَطْ ... عَدْلَانِ مَعْ لَفْظِ شَهَادَةٍ فَقَطْ
114. ... وَفِيهِمَا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ تُرَى ... لَا بُدَّ مِن جَمْعٍ عَظيمٍ فِي الوَرَى
115. ... مُفَوَّضٍ لِرَأيِ حَاكِمٍ يَعِيْ ... وَلا اعْتِبَارَ لِاخْتِلافِ المَطْلَع
116. ... وَالأكْلُ نَاسِياً بِهِ لَا يُفْطِرُ ... وَالشُّرْبُ وَالجِمَاعُ أيْضاً قَرَّرُوا
117. ... كَذَا اكْتِحَالٌ وَادِّهَانٌ وَاحْتِجَامْ ... إِنْزَالُهُ بِنَظَرٍ أوِ احْتِلاَمْ
118. ... أَوْ دَخَلَ الحَلْقَ مِنَ الغُبَارِ ... أوِ الذُّبَابِ أو دُخَانِ النَّار
119. ... ومُفْطِرَاً صَارَ لَهُ إنْ أدْخَلَا ... كَمَنْ بِتَقْبِيلٍ وَلَمْسٍ أنْزَلَا
120. ... وَالأَكْلُ عَمْدَاً إِذْ بِنِسْيَانٍ سَقَطْ ... إِنْ ظَنَّ فِطْرَهُ بِهِ يَقْضِي فَقَطْ
121. ... مِنْ غَيْرِ تَكْفِيرٍ وَأَمَّا المُحْتَجِمْ ... تَكْفِيرُهُ إنْ ظَنَّ فِطْراً قَدْ لَزِمْ
122. ... كَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ دواءً وَغِذَا ... عَمْدَاً وَمِثْلُهُ الجِمَاعُ وَكَذَا
123. ... إِن اسْتَقَاءَ عَامِداً مِلْءَ الفَمِ ... لا إِن بِسَبْقٍ كَانَ ذَاكَ فَاعْلَم
124. ... وَالصَّوْمُ فِي العِيدَيْنِ مَكْرُوهٌ وَفِيْ ... أَيَّامِ تشْرِيقٍ كَذَا يَا مُقْتَفِيْ
125. ... وَلَيْسَ يَقْضِي مَن رَأَى جُنُونَهُ ... مُسْتَوْعِباً لِلشَّهْرِ لَا مَا دُونَهُ
126. ... أَمَّا بِإغْمَاءٍ فَيَقْضِيْ مُطْلَقَا ... لَا يَوْمَهُ أَو لَيْلَةٍ فِيها التَقَى
فصلٌ في حجِّ البيتِ مَن استطاع إليه سبيلا
127. ... يُفْتَرَضُ الحَجُّ عَلَى المُكَلَّفِ ... المُسْلِمِ الحُرِّ الصَّحِيحِ فَاعْرِف
128. ... ذِي بَصَرٍ وَالزَّادِ ثُمَّ الرَّاحِلَهْ ... قَدْ فَضَلا عَنْ كُلِّ مَا لا بُدَّ لَهْ
129. ... وَالأَمْنُ فِي الطَّريقِ غَالِباً وَفِي ... حَقِّ النِّسَا مَعْ مَحْرَمٍ مُكَلَّف
130. ... وَفَرْضُهُ الإحْرَامُ وَالوُقُوفُ ... بِعَرَفاتٍ بَعْدَهُ يَطُوفُ
131. ... وَالوَاجِبُ الوُقُوفُ بِالمُزْدَلِفَهْ ... وَللغُرُوبِ مُدَّهُ بِعَرَفَهْ
132. ... وَالسَّعْيُ ابْتِدَاؤُهُ مِنَ الصَّفَا ... وَالمَشْيُ فيهِ مَع عُذْرٍ انْتَفَى
133. ... رَمْيُ الجِمَارِ وَالطَّوَافُ للصَّدَرْ ... فِي الغُرَبَا وَالابْتِدَا مِنَ الحَجَرْ
134. ... تَيَامُنٌ فِيهِ مَعَ المَشْيِ بِلَا ... عُذْرٍ وَطُهْرٌ سَتْرُ عَوْرَةٍ تَلَا
135. ... إنْشَاءُ إِحْرَامٍ مِنَ المِيقَاتِ ... كَذَاكَ لِلقَارِنِ ذَبْحُ الشَّاة
136. ... وَذِي تَمَتُّعٍ وَرَكْعَتَانِ قُلْ ... لِكُلِّ أُسْبُوعٍ يَطُوفُهُ الرَّجُلْ
137. ... حَلْقٌ أَو التَّقْصِيرُ وَالتَّرتِيبُ في ... رَمْيٍ وَحَلْقٍ ثُمَّ ذَبْحٍ فَاعْرِف
138. ... جَعْلِ طَوَافِ الفَرْضِ يَوْمَ النَّحْرِ ... وَمَا سِوَاها سُنَنٌ فاسْتَقْر
139. ... وَأَشْهُرُ الحَجِّ بِشَوَّالٍ تَحِلْ ... وَقَعْدَةٍ وَعَشْرِ ذِي الحِجَّةِ قُلْ
140. ... وَالأفْضَلُ القِرَانُ فَالتَّمَتُّعُ ... وَبَعْدَهُ الإِفْرَادُ وَهْوَ أَسْرَعُ
141. ... وَالعُمْرَةُ الطَّوَافُ والسَّعْيُ انْضَبَطْ ... وَلا تَكُونُ غَيْرُ سُنَّةٍ فَقَطْ
142. ... يَلَمْلَمُ مِيْقَاتُ أَهْلِ اليَمَنِ ... كَذَاكَ ذُو حُلَيفَةٍ لِلمَدَنِي
143. ... وَلِلعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ سَامِي ... قَرْنٌ لِنَجْدٍ جُحْفَةٌ للشَّامِي
144. ... وَيَلْزَمُ المُحْرِمَ شَاةٌ إِنْ لَبِسْ ... يَوْماً وَإِنْ طَيَّبَ عُضْواً فَاحْتَرِسْ
145. ... كَحَلْقِ رُبْعِ رَأْسِهِ وَإِنْ قَتَلْ ... صَيْداً وَإنْ أَشَارَ أَو عَلَيْهِ دَلْ
146. ... قِيمَتُهُ كَقَطْعِ أَشْجَارِ الحَرَمْ ... مُبَاحَةً إلا إذا جَفَّ وَتَمْ
147. ... وَالحَمْدُ للهِ عَلَى الهِدَايهْ ... أَقُولُ في المَبْدَأِ وَالنِّهَايهْ
148. ... وَإنَّنِي عَبْدُ الغَنِي النَّابُلْسِي ... أَصْلَحَ لِي رَبِي أخِيرَ النَّفَس
149. ... بِحُرْمَةِ المَبْعُوثِ من عَدْنَانِ ... مُحَمدٍ مَنْ جاَء بالفُرقَان
150. ... صَلاةُ رَبِّنَا عَلَيْه وَعَلَى ... جَميعِ آلِهِ الكِرَامِ النُّبَلَا
151. ... وَصَحْبِهِ مِنْ كُلِّ شَهْمٍ مُتَّقِي ... مَا غَسَلَ الصُّبْحُ ثِيَابَ الغَسَق
البابُ الأَوَّل
الجانب الأصولي والفكري
تمهيد في أصول الفقه:
أولاً: تعريف الفقه وأصوله:
الفقه لغةً: هو الفهم مطلقاً (¬1)، قال تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 28].
واصطلاحاً: إنَّ أصحاب كل علم ينظرون إلى المعنى اللغوي والشَّرعي من الجانب الذي يخدم علمهم؛ لذلك وجدنا الأصوليين والفقهاء اختلفوا في تعريف الفقه اصطلاحاً.
فعند الأصوليين: العلم بالأحكام الشَّرعيَّة العملية المكتسب من أدلتها التَّفصيليَّة (¬2).
فالأدلة التفصيلية: هي الأدلة الجزئية التي يتعلّق كلّ دليل منها بمسألة
¬
(¬1) ينظر: المصباح، ص 479، والعين 2: 70، ومفردات القرآن ص 398، ومعجم مقاييس اللغة 4: 442، ولسان العرب، 5: 3450، والكليات ص 67، وردّ المحتار 1: 25 - 26.
(¬2) ينظر: نهاية السول 1: 22، وقمر الأقمار على كشف الأسرار 1: 2، والتَّعريفات ص 147، والمستصفى 1: 4، والدُّر المختار 1: 26 - 27، ومُسلَّم الثُّبوت 1: 12، والكليات ص 690، والميزان الكبرى 1: 107.
معيّنة وينص على حكم خاص بها (¬1): كقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]، فهي دليل جزئي يتعلّق بحكم قتل النَّفس بغير حق.
وخرج «بالأحكام»: العلم بالذَّوات والصِّفات والأفعال.
و «بالشَّرعية»: العقلية، والمراد بها ما يتوقف معرفتها على الشَّرع.
و «بالعملية»: العلمية: ككون الإجماع وخبر الواحد حجّة (¬2).
والأحكام الشَّرعية العملية: هي التي تتعلّق بأفعال المكلفين في العبادات والمعاملات وغيرهما من الفرض والواجب والسُّنة والكراهة التَّحريمية والتَّنزيهية والإباحة (¬3).
وعند الفقهاء: علم يُبحث فيه عن أحوالِ الأعمالِ من حيث الحلُّ والحرمةُ، والفساد، والصِّحة (¬4)؛ لأنَّه لما كانت نظرة الفقهاء إلى بيان حكم فعل المكلف من الحلّ والحرمة بغض النَّظر عن الدَّليل اهتموا بتعريف الفقه من هذه الحيثية.
وعلم أصول الفقه: مجموعة القواعد التي تُبيِّن للفقيه طرق استخراج الأحكام من الأدلة التَّفصيلية، سواأكانت تلك الطرق لفظية: كمعرفة دلالات الألفاظ الشَّرعية على معانيها، واستنباطها منها، وطرق التَّوفيق بينها عند تعارض
¬
(¬1) ينظر: المدخل إلى دارسة الشَّريعة الإسلامية ص 55.
(¬2) ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه 1: 34، والتَّقرير والتَّحبير شرح التحرير 1: 19، وشرح الكوكب المنير ص 11، وحاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع 1: 52.
(¬3) ينظر: بديع النِّظام 1: 9، وكشاف اصطلحات الفنون 1: 38.
(¬4) في حاشيته على الدُّرر ص 3.
ظواهرها، أو اختلاف تاريخها، أم كانت معنوية: كاستخراج العلل من النُّصوص وتعميمها، وبيان طرق استخراجها، وأسلم المناهج لتعرفها ... (¬1).
لذلك علم أصول الفقه: العلمُ بالقواعدِ التي يتوصَّل بها إلى استنباطِ الأحكام الشَّرعيّة الفرعيّة من أدلتها التَّفصيلية (¬2).
وفي هذا التَّعريف ثلاثة أمور: الحكم الفرعي، والقاعدة، والدَّليل، فالحكم الفرعي مثل: وجوب الصَّلاة، والقاعدة هي أنَّ {أَقِيمُوا} أَمرٌ، والقاعدةُ الأصولية: هي أنَّ الأمر للوجوب، والدَّليل التَّفصيلي: هو قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} الأنعام: 72، ففي ضوء هاتين القاعدتين يتوصل المجتهد إلى الحكم الفرعي، وهو وجوب الصَّلاة من دليله التَّفصيلي، وهو قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاة} (¬3).
وعلم الأصول هو أدلة إجمالية للفقه يُحتاج إليها عند تطبيق الأدلة التَّفصيلية على أحكامها، فمثلاً: الزَّكاة واجبة؛ لقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]؛ لأنَّ الأمرَ للوجوب (¬4)، فالحكم وجوب الزَّكاة، والدَّليل التَّفصيلي الآية، والدَّليل الإجمالي القاعدة الأُصولية: الأمر للوجوب.
وعليه فإنَّ علم أصول الفقه: هو العلم الذي يُبيِّن المناهج التي انتهجها الأئمة المجتهدون في استنباطهم وتَعرفهم للأحكام من النُّصوص والبناء عليها باستخراج العلل التي تبنى عليها الأحكام، وتلتمس المصالح التي قصد إليها
¬
(¬1) ينظر: أصول الفقه لأبي زهرة ص 3 - 6.
(¬2) ينظر: بديع النِّظام 1: 9، وكشاف اصطلاحات الفنون 1: 38.
(¬3) ينظر: أصول الفقه للمبتدئين ص 26 - 27، وتسهيل أصول الشاشي ص 6 - 7.
(¬4) ينظر: مسلم الثبوت 1: 9.
الشَّرع الحكيم، وأشار إليها القرآن الكريم، وصرَّحت بها أو أومأت إليه السُّنة النَّبوية.
وهي تمثِّل المناهج التي سار عليها المجتهدون من الصَّحابة - رضي الله عنهم - والتَّابعين والأئمَّة المجتهدين في اجتهادهم: أي القواعد التي احتكموا إليها في أذهانهم عند استخراجهم للأحكام من أدلتها (¬1).
ثانياً: أصول الفقه والفقهاء:
لا بُدَّ أن ينشأ مع الفقه أصول وضوابط وقواعد له، وهي مقدِّمات علم الأصول وقواعده الأساسية، ولا يوجد الفقه إلا بعلم الأصول، وقد دُوِّنَ الفقه الإسلامي وَهُذِّبت أبوابه قبل أن يُدَوَّن علم الأصول (¬2).
والأئمةُ المجتهدون أصحاب المذاهب المعتبرة كان لهم أصولهم وقواعدهم التي استندوا لها في استنباط المسائل الفرعية؛ إذ أنَّ ما عهِد عنهم من مسائل تنتظم في سلك واحد لأصول معيّنة لا تخرج عنها، فكلّ الفروع المتشابهة ترجع لقاعدة واحدة، الأمر الذي جعل مَن بعدهم يُقرّ لهم بالأحقية في التَّقليد والاتباع.
فهؤلاء الأئمة لا شكّ في اعتمادهم في استنباطهم على أصول وقواعد وإن لم تُدَوَّن في زمنهم، وقد نُسب أول تدوين في أصول الفقه إلى أبي يوسف؛ إذ ألَّف في أصول أبي حنيفة، وعيسى بن أَبان يكثر في كتبه من نقل نتف في الأصول عن محمد بن الحسن، وأبو بكر الرَّازيّ كثير النَّقل من كتب عيسى في كتابه: «الفصول في الأصول» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: المنهج الفقهي للإمام اللكنوي ص 17، ومنهج النقد التاريخي والمنهج الغربي ص 14 - 15.
(¬2) ينظر: تاريخ التَّشريع الإسلامي للخضري ص 226 - 227.
(¬3) ينظر: بلوغ الأماني ص 50.
ويرجع السَّبب في تأخُّر تدوين علم أصول الفقه إلى أنَّه لم يكن قد ابتدأ بَعْدُ عصر تقعيد قواعد العلوم الشَّرعية، وتأصيل أصول منهجية لها، وتدوينها بطريقة علمية منظمة، بل إنَّ مجرد تدوين العلوم العربية كلها نشأ في القرن الثَّاني، ولم يزدهر ويأخذ صورة جماعية إلا في النِّصف الثَّاني منه، فأول كتاب مستقل في الأصول يصل إلينا هو كتاب الشَّافعيّ المسمَّى بـ: «الرِّسالة»؛ لأنَّ تدوين وتأصيل العلوم كلها قد ظهر في عهده، فابتدأ تأصيل قواعد النَّحو، ووضع الخليل بن أحمد أصول العروض، وكان معاصراً للشَّافعي، والجاحظ قد ابتدأ يتكلم ويكتب في موازين النَّقد الأدبي، وهكذا نجد ذلك العصر قد ابتدأت فيه مناهج العلوم (¬1).
فحاصلُ الكلام في هذه المرحلة: أنَّ الأئمة المجتهدين المستقلين أحكموا الأصول وسبروا النُّصوص ودقَّقوا في وضع القواعد وأكثروا من التَّفريع عليها بعد أن استفادوا ممَّن سبقهم حتى تكوَّنت لديهم مذاهب فقهيّة مستقلّة.
وفي عصرِهم ظهرت حركة تدوين العلوم المختلفة فابتدؤوا بتدوين الفقه، وبرزت الموسوعات الفقهية الضَّخمة على يد محمد بن الحسن الشَّيباني ككتابه «المبسوط».
وفي عصر الفقهاء المجتهدين في المذاهب ظهر علم الأصول في كتب مستقلة، وحُققت مسائله، ودُقِّقت قواعده، وفُصِّلت أصوله، ودُلِّل عليها، بعد أن كانت هذه الأصول مرتكزة في الأذهان والعقول.
وامتازت طريقة علماء الحنفية أنهم وَجَّهوا عنايتهم إلى تقرير القواعد الأصولية وتحقيقها على ضوء ما نقل عن أئمتهم من الفروع الفقهية، ومعنى ذلك أنَّهم استمدوا أصول فقههم من الفروع والمسائل الفقهية المنقولة عن أئمة المذهب
¬
(¬1) مناهج التَّشريع ص 14 - 15.
الحنفي؛ لذلك كثرت الفروع الفقهية في كتب أصول الحنفية، وإن كانوا يذكرونها على سبيل التَّفريع على القواعد، والقواعد الأصولية مستخرجة من الفروع الفقهية، فإذا تعارضت القاعدة الأصولية مع الفرع الفقهي عُدِّلت القاعدة بما يتفق مع الفرع الفقهي؛ لأنَّ الفرع منقول عن المجتهد المطلق، والقاعدة مستفادة من الفرع، فيكون الفرع أقوى.
قال ابنُ خلدون (¬1): «إنَّ كتابةَ الفقهاء «الحنفية» فيها أمس بالفقه وأليق بالفروع؛ لكثرة الأمثلة منها والشَّواهد وبناء المسائل فيها على النُّكت الفقهية، والمتكلِّمون يُجرِّدون صورة تلك المسائل على الفقه ويَميلون إلى الاستدلالِ العقلي ما أَمكن؛ لأنَّه غالبُ فنونهم ومقتضى طريقتهم، فكان لفقهاء الحنفيةِ فيها اليدُ الطولى من الغوصِ على النُّكت الفقهيّة والتقاط هذه القوانين من مسائل الفقه ما أمكن.
وجاء أبو زيد الدَّبوسيّ من أئمة الحنفية فكتب في القياس بأوسع من جميعهم وتممَّ الأبحاث والشُّروط التي يُحتاج إليها فيه، وكَمُلَت صناعة أُصول الفقه بكمالِه وتهذيب مسائله وتمهدت قواعدُه ...
وأما طريقة الحنفية فكتبوا فيها كثيراً، وكان أحسن كتابة فيها للمتقدمين تأليف أبي زيد الدَّبوسي، وأحسن كتابة المتأخرين فيها تأليف فخر الإسلام البَزَدويّ من أئمتهم، وهو مستوعب».
• • •
¬
(¬1) في مقدمته ص 319 - 320.
المبحثُ الأَوَّل: أسباب اختلاف الفقهاء:
بالاستقراء فيما كتب في أسباب الاختلاف، نجد أنَّهم جعلوا مردّها للأصول لكل مجتهد؛ لأنَّ الفقيه لا يستخرج الأحكام من الأدلة إلا باستخدام القواعد الأصولية المذكورة في كتب الأصول، فعلم الأصول هو: العلمُ بالقواعدِ التي يتوصَّل بها إلى استنباطِ الأحكام الشرعيّة الفرعيّة من أدلتها التفصيلية (¬1).
فهو العلم الذي يرجع له معرفة أسباب الاختلاف بين الفقهاء، مع علم القواعد والضَّوابط الفقهية ومبنى المسائل وأصلها، ويضاف عليهما علم رسم المفتي المتعلق بكيفية تطبيق الفقه في الواقع، وهذه الثلاثة تتحدث عن الأصول، سواء في استخراج المسائل، أو في كيفية فهمهما وبنائها، أو كيفية تطبيقها، وهذا ما سنقرّره فيما يأتي ونُدلِّلُ ونُمثّل له.
ولكن طُرحت قضية عدم وصول بعض الأحاديث للأئمة، وهذا يحتاج إلى استفاضة في مناقشته، ولكن نشير هاهنا إلى أنَّه وردت أقوال الأئمة: كأبي حنيفة ومالك وأحمد مجردةً بدون ذكر دليلها، وما ذكر مِنَ الأدلة في كتب مذاهبهم هي من استدلالات علماء المذهب، فيمكن أن يصيبوا ويمكن أن يخطؤوا، وضعف الاستدلال منهم لا يؤثر على مسائل المجتهد المطلق.
ولأنَّ المذاهب الفقهيّة هي مدارسٌ في نقل العلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمذهب الحنفية هو مدرسة الكوفة من صحابة وتابعين وغيرهم، ومذهب المالكية هو مدرسة المدينة من صحابة وتابعين، فإن فات صحابياً مِنَ المدرسة حديثٌ فلن يفوت الصحابة الآخرون مِنَ المدرسة، وكذلك الحال في التابعين، فنحن أمام مدارس بأعداد هائلة مِنَ العلماء ولسنا أمام أفراد، وقد ثبتت الرحلة في
¬
(¬1) ينظر: بديع النظام 1: 9، وكشاف اصطلاحات الفنون 1: 38.
طلب الحديث من كبار التابعين وتابعيهم، قال الشّعبيّ: «ما رأيتُ أحداً أطلب للعلم في أُفق مِنَ الآفاق من مسروق» (¬1)، وقال سعيد بن المسَيِّب: «إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد» (¬2)، وبالتالي فالرحلة في طلب الحديث من فجر الإسلام وليست متأخرة.
ونلاحظ أنَّ للفقهاء مدرسة متكاملة في قَبول الأحاديث وردّها لا يسيرون فيها على طريق المحدّثين، قال الجصّاص (¬3): «لا أعلم أحداً مِنَ الفقهاء اعتمد طريق المحدّثين ولا اعتبر أصولهم»، ومبنى مدرسة الفقهاء على قاعدتين، وهما: العمل والمعنى، فالعمل من السَّلف بالحديث، وهو يعتبر تصحيحاً له، ويسمونه المشهور مثلاً عند الحنفية، والمعنى بحيث يتوافق الحديث مع الأدلة الأخرى مِنَ القرآن والسنة والآثار الواردة في موضوعه، فلم يقبلوا: حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (¬4)؛ لأنَّه ورد فيما تعمُّ به البلوى وهو آحاد، فالوضوء يحصل كل يوم مرات مِنَ المسلم، فعدم اشتهار الحديث مع كثرة الحاجة له يُرشدُ إلى عدم صحّة مخرجه، وهذا مختلف عن قاعدة مدرسة المحدّثين، وهي الاستناد في تصحيح الحديث إلى الرجال بالدرجة الأولى، فهما مدرستان في الحقيقة كل منها لها أصولها الخاصة بها، فكثيراً ما يكون عدم قَبول الحديث ليس لعدم وصوله، ولكن لعدم صحته على طريقة مدرستهم.
فمن هذا نخلص: أنَّ عدم عملهم بالحديث وتركهم له له أسباب عديدة،
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الراية ص305.
(¬2) ينظر: جامع بيان العلم ص94.
(¬3) في شرح مختصر الطحاوي4: 244 عن دراسة عن اللباب1: 26.
(¬4) في سنن أبي داود 1: 25، وسنن ابن ماجه 1: 139.
وليس راجعاً لعدم وصول الحديث لهم، فعندما طبّقوا عليه قواعدهم في التصحيح والعمل، لم يكن صالحاً فتركوه، وهذا ما يقرِّره الحافظ الصالحي (¬1): «اعتذر بترك أبي حنيفة أحاديث الآحاد؛ لعدم اطلاعه على بعضها، وفيه بعد».
المطلبُ الأَوَّل: اختلاف الفقهاء في علم الأصول:
إنَّ استعراض الخلاف الأصولي يقتضي منا ذكر جميع جزئيات الأصول؛ لأنَّها تمثِّل البناء الأصولي للمجتهد في المسائل، وهو ما ينبني عليه اختلاف واسعٌ في الفروع، ونقتصر هنا على نزر يسير من صور الاختلاف في علم الأصول، وهي كالآتي:
أولاً: من جهة اللغة:
إنَّ حال اللغة العربية في سعتها وتنوع أساليبها وتعدد ألفاظها في الدلالة على المعاني مشهور معروف، وكان لهذه اللغة العظيمة تأثير بليغ في المذاهب الفقهية، وكتبت دراساتٌ قديمةٌ وحديثةٌ تتحدَّث عن هذا، ومال كلُّ واحدٍ من أئمةِ المذاهب لاختيار منحى لغوي كوفي أو بصري أو غيره، وهذا من جهة النحو، ومن جهة المعاني فالمجاز يغلب على استخدامات هذه اللغة، وافترق العلماء كثيراً في تقديم الحقيقة أو المجاز وإرادة واحد منهما، وتعدد المعاني المرادة في الكلمة العربية أوجد اختلافاً ظاهراً أيضاً في اعتبار واحدٍ منها دون سواه، ففي مقابل هذا الاختلاف لا بُدّ أن تختلف الأفهام وتتنوع الاستنباطات، فتختلف بذلك الأحكام، مثالها:
الاختلاف في معاني حروف المعاني: وهو مبحث طويل ودقيق مفصلٌ في
¬
(¬1) في عقود الجمان ص397.
كتب أصول الفقه في عشرات الصفحات، في بيان ما المعنى الراجح عند كلِّ مجتهد في معنى كلِّ واحد من هذه الحروف، وما هي المسائل التي تبنى عليه.
مثاله: الاختلاف في معنى حرف الباء في قوله - جل جلاله -: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} المائدة: 6، فهو مشترك بين الإلصاق والتَّبعيض والزِّيادة، بناءً على ذلك اختلف الفقهاء في المقدار الواجب مسحه من الرَّأس عند الوضوء:
فالحنفية: حملوا الباء على معنى الإلصاق: أي امسحوا رؤوسكم ملصقة بها الأيدي، فأوجبوا مسح ربع الرأس؛ لأنَّه مقدار لصق اليد على الرأس. والشافعية: حملوا الباء على معنى التَّبعيض، فأوجبوا مسح بعض الرَّأس، وهذا يتحقَّق بشعرة أو ثلاث شعرات. والمالكية: حملوا الباء على معنى الزِّيادة والتَّوكيد: أي امسحوا رؤوسكم، فأوجبوا مسح كل الرَّأس، وهو قول الحنابلة (¬1).
ثانياً: من جهة الدّلالات: اختلفوا في تقسيمها:
فقسَّمها الحنفية إلى أربعة أقسام: وضع، وبيان، واستعمال، واستنباط.
والوضع له أربع صور: خاص، وعام، ومشترك، ومؤول.
والبيان له حالان: ظهور وخفاء، والظهور له أربع صور: ظاهر، ونص، ومفسر، ومحكم، والخفاء له أربع صور: خفي، ومشكل، ومجمل، ومتشابه.
والاستعمال له أربع صور: صريح، وكناية، وحقيقة، ومجاز.
والاستنباط له أربع صور: عبارة النَّص، وإشارة النَّص، ودلالة النَّص، واقتضاء النَّص.
¬
(¬1) ينظر: البحر المحيط 3: 159، والموسوعة الفقهية 10: 78.
في حين قسمها المتكلمون من حيث الوضوح إلى: نص وظاهر، ومن حيث الخفاء إلى: مجمل ومتشابه، ومن حيث الدَّلالة على الحكم إلى: دلالة منطوق، ودلالة مفهوم (¬1).
وبُني على هذا الاختلاف ما لا نهاية له مِنَ المسائل، ومنها:
دلالة الخاص على معناه قطعية أم ظنية، فعند أبي حنيفة: قطعية فلا يحتمل البيان؛ لكونه بيّناً في نفسه، وعند الشّافعي: ظنية فيحتمل البيان.
مثاله: تعديل الأركان: وهو الطّمأنينةُ في الرُّكوع والسجود: فلم يجوز أبو حنيفة - رضي الله عنه - إلحاقه بالفرض؛ لأنَّ قوله - جل جلاله -: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] خاصٌّ وضع لمعنى معلوم؛ فالرُّكوع: هو الانحناء عن القيام، والسُّجود: هو وضع الجبهة على الأرض، والخاصُّ لا يحتمل البيان حتى يقال: إنَّ الحديثَ لَحِق بياناً للنصّ المطلق فلا يكون إلاّ نسخاً، وهو لا يجوز بخبرِ الواحد، فينبغي أن تُراعى منزلة كلٍّ من الكتابِ والسنة، فما ثَبَتَ في الكتاب يكون فرضاً؛ لأنَّه قطعيٌّ، وما ثَبَتَ بالسُّنة يكون واجباً؛ لأنَّه ظنيّ.
وأما أبو يوسف والشَّافعي: ألحقوه بالفرض؛ لحديث الأعرابي الذي خَفَّفَ في الصَّلاة فقال له - صلى الله عليه وسلم -: «ارجع فصلِّ فإنِّك لم تصل» (¬2).
ثالثاً: من جهة حجية الإجماع:
1.الإجماع: لا خلاف بين الفقهاء المعتبرين في حجيته، لكن حصل بينهم اختلاف في تفريعات متعلّقة به.
¬
(¬1) ينظر: أصول الفقه لأبي العينين ص15 - 17، والوجيز في أصول الفقه ص16 - 17، والوجيز في أصول التشريع ص13 - 14، وأصول الفقه للخضري ص8.
(¬2) في صحيح البخاري 5: 2307.
مثاله: الاختلاف في حجية الإجماع السكوتي: وهو أن يقول البعض حكماً أو يفعل فعلاً ويسكت باقي المجتهدين عن إنكار ذلك طوعاً دون خوف أو تقية أو هيبة، وقد ذهب أكثر الحنفية وبعض الشَّافعية إلى أنَّه إذا تحقق ذلك فهو إجماع قطعي، وإنَّما لا يكفر جاحده؛ لما فيه من توهم الشُّبهة، وموضع اعتبار سكوتهم إجماعاً إنَّما هو قبل استقرار المذاهب، وأما بعد استقرارها فلا يعتبر السُّكوت إجماعاً؛ لأنَّه لا وجه للإنكار على صاحب مذهب في العمل على موجب مذهبه، وذهب الشَّافعية إلى أنَّه ليس بحجة فضلاً أن يكون إجماعاً، وبه قال أكثر المالكية وأبو زيد الدّبوسي من الحنفية، والرَّافعي والنَّووي من الشَّافعية (¬1).
رابعاً: من جهة القياس:
إنَّ الفقهاء مع اتفاقهم على الاحتجاج بالقياس والاستدلال به ـ عدا الظاهرية ـ، إلا أنَّهم اختلفوا في شروط القياس، وشروط العلة التي يصح القياس بها ومسالكها ومناطاتها، وترجيح علَّة على أُخرى عند تعارضها، وطرق ثبوت العلة، وغير ذلك من الاختلافات المبسوطة في كتب أصول الفقه (¬2).
من ذلك الاختلاف في المسالك التي يتوصل فيها لمعرفة العلة: فعند الشافعية هي: كالسّبر والتَّقسيم، وتنقيح المناط، والدّوران والشّبه، وهي غير معتبرة عند الحنفية، فمسالك العلة المعتبرة عند الحنفية ثلاثة: النص، والإجماع، والمناسبة (¬3).
¬
(¬1) ينظر: حاشية الرهاوي على المنار ص738، وفتح الغفار بشرح المنار 3: 3 - 4، ومكانة الإجماع وحجيته ص66، والميزان للسمرقندي2: 739 - 748، وإرشاد الفحول ص311، والموسوعة الفقهية 2: 49 - 50.
(¬2) ينظر: بحوث في علم الأصول للكردي.
(¬3) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 3: 382.
فانظر كيف الخلاف كبير في كيفية الوصول إلى العلة، وبالتالي يترتب عليه اختلاف واسع في علل المسائل.
المطلبُ الثَّاني: اختلاف الفقهاء في البناء الفقهي:
إنَّ اختلاف الفهم للدَّليل يؤدّي إلى الخلاف في البناء عليه، ومردُّ ذلك لاختلاف العقول البشرية وتفاوتها، فما سبق من كلام في البناءِ الأصولي للمسألة، وهنا في البناء الفقهي للمسألة، وهو ما يُعرف بالقواعد والضَّوابط الفقهيّة للمسائل، وهو علمٌ كبيرٌ واسع، اعتنى به العلماء كثيراً في إظهار مثل البناء الفقهي للمسائل، ومِنْ أبرزها كتاب: «شرح الزيادات» لقاضي خان، حيث ذكر فيه ما يزيد عن ألف قاعدة، ويُبيِّن في كلِّ بابٍ أنَّه مبنيّ على أصل أو أصلين، وهكذا.
مثاله: الاختلاف في نوع بدلية التَّيمم عن الماء: فعن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الصَّعيد الطَّيب وضوء المسلم ولو عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمس بشرته الماء» (¬1)، فاختلف الفقهاء في نوع بدلية التيمم عن الماء:
فعند الحنفية: التَّيمم بدل مطلق عن الماء، وعليه قالوا: بجواز التيمم قبل دخول الوقت ولأكثر من فرض ولغير الفرض أيضاً، فيُصلِّي بتيمّمه ما شاء من الفرائض والنَّوَافل؛ لأنَّ الله - جل جلاله - أقامَ التيمُّم مقام الوضوء مُطلقاً.
وعند الجمهور: التَّيمم بدل ضروري عن الماء، وعليه قالوا: بعدم صحة التيمم إلا بعد دخول وقت ما يتيمم له من فرض أو نفل له وقت مخصوص، فيُصلّي به فرضاً واحداً وما شاء من النَّوافل، إلا أنَّ الحنابلة أجازوا بالتَّيمم الواحد صلاة ما عليه من فوائت في الوقت إن كانت عليه، خلافاً للمالكية والشَّافعية؛ لأنَّه
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان4: 139، ومصنف ابن أبي شيبة1: 144، ومسند أحمد5: 146.
طهارةٌ ضرورية، والضَّرورة تتحقق بفرض واحد (¬1).
المطلبُ الثَّالث: اختلاف الفقهاء في أصول التَّطبيق:
وهي قواعد الإفتاء المعروفة بعلم رسم المفتي، فهو علم يبحث في كيفية تطبيق الفقه في الواقع، وأصوله هي: الضَّرورة، والحاجة، ورفع الحرج، والتَّيسير، وتغير الزَّمان، والعُرف، والمصلحة، وعامة الأحكام الفقهية متعلقة بهذه الأمور، فكان لها تأثيرها البالغ في اختلافها من مجتهد إلى مجتهد، بسبب اختلاف بيئة الفقهاء وعصورهم، فقد كان لذلك أثر كبير في اختلافهم في كثير من الأحكام والفروع، حتى إنَّ الفقيه الواحدَ كان يرجع عن كثيرٍ من أقوالِه إلى أقوال أُخرى إذا تعرّض لبيئةٍ جديدةٍ تُخالف البيئة التي كان فيها.
قال ابن عابدين (¬2): «وكثيرٌ منها ما يُبَيِّنُه المجتهدُ على ما كان في عرفِ زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً؛ ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: أنَّه لا بُدّ فيه من معرفةِ عادات النَّاس.
فكثيرٌ مِنَ الأحكام تختلفُ باختلافِ الزَّمان؛ لتغيّر عرف أهله، أو لحدوثِ ضرورةٍ، أو فساد أهلِ الزّمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أَوّلاً للزم منه المشقّة والضرر بالناس، ولخالف الشَّريعة المبنيّةَ على التّخفيف والتَّيسير ودفع الضرر والفساد؛ لبقاء العالم على أتمّ نظام وأحسن إحكام».
مثاله: التَّزكية في العدالة: إنَّ الحكم أنَّه لا تقبل إلا شهادة العدل، كما شهد القرآن؛ قال - جل جلاله -: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} البقرة: 282، والعرف يُساعدنا في
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية 14: 268 - 269.
(¬2) في نشر العرف 2: 123.
معرفةِ العدل، ففي زمن أبي حنيفة: لم يَحتج للتزكية في العدالة؛ لأنَّ النَّاس عدول، أما في زمن الصَّاحبين فقد تغيّرت أحوال النَّاس، فنحتاج لتحقُّق علّة الحكم من العدالة بالتَّزكية، فمَن لم يكن عدلاً لا تُقبل شهادته، هذا هو الحكم، ولكن كيف نتعرَّف على العدالة، حيث أمكن ذلك بالعُرف (¬1).
المبحثُ الثَّاني: مسالك العلّة:
فالعلَّة هي المعنى الجامع، وجعلت ركناً للقياس؛ لأنَّ مدارَ القياس عليها.
وهي الوصفُ الصَّالحُ المؤثِّرُ في ثبوت الحكم في الأصل متى وُجد مثلُه في الفرع يثبت مثل ذلك الحكم فيه قياساً عليه.
وسيأتي معنا مفصَّلاً معنى الصَّالح والتأثير، فإنَّ مدارَ العلَّة على التَّأثير، فهي في نظر المجتهد كانت السَّببَ في حكم الأصل، فلمّا وجدت في الفرع استحقّ نفس الحكم.
والقياس لما كان ردّ الفرع إلى الأصل لإثبات حكم الأصل فيه، ولا يُمكن إثبات حكم الأصل في الفرع بالنصّ؛ لأنَّ النَّصَّ خاصٌّ لا يتناول الفرع، فلا بُدّ أن يكون في الأصل وصف يجب به الحكم شرعاً، حتى يثبت مثله بمثل ذلك الوصف؛ إذ لو لم يكن هكذا لا يمكن إثبات الحكم في الفرع؛ لأنّ الحكمَ لا بُدّ له من دليل، وليس فيه نصٌّ ولا إجماع، ولو كان فيه نصٌّ أو إجماعٌ يكون إثبات الحكم نصّاً لا قياساً (¬2).
مسالك العلَّة: هي الطُّرق الدَّالة على كون الوصف المعين علَّة للحكم.
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 6: 270.
(¬2) ينظر: ميزان الأصول 2: 833 - 834.
وهناك مسالك صحيحة عند الحنفية، ومسالك صحيحة عند غيرهم من الفقهاء، فالمسالك الصَّحيحة عند الحنفية ثلاثة: النَّص والإجماع والمناسبة، وما عداها من المسالك كالسَّبر والتَّقسيم (¬1) وتنقيح المناط (¬2) والدَّوران والشّبه (¬3) مما يعتبر عند غيرهم.
¬
(¬1) السَّبر والتَّقسيم: هو اختبار الأوصاف التي يجدها المجتهد في الأصل المقيس عليه، ثم النَّظر إليها ليميز ما يصلح للعلية منها، ثم يحصر العلَّة في واحد منها ويلغي الأخرى، فلأجل اختبار الأوصاف الصَّالحة يقال لهذا الطَّريق السَّبر، ولأجل حصر العلِّية في واحد منها كحصر المقسم في الأقسام يقال له: التَّقسيم. ينظر: أصول الفقه للبدخشاني ص222 - 223.
(¬2) تنقيح المناط: هو النَّظر في تعيين ما دل النص على كونه علة للحكم ولم يعينه، نحو تعليل الكفارة بوقوع فعل مفطر في نهار رمضان عمداً، كما ورد في حديث الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان عمداً، فأمره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بإعتاق رقبة، فعلم أن لهذا الحكم وهي اعتاق الرقبة، ولكن الشارع لم يعيّنها، فبعد النظر والاجتهاد تعيّن أنَّ العلة هي الوقاع في نهار رمضان عمداً، لا كونه أعرابياً، أو راغباً في الوقاع، أو غير ذلك من سائر الأوصاف. ينظر: أصول الفقه للبدخشاني ص225.
(¬3) الشّبه: أي المشابهة، وهو الوصف الذي لا تظهر مناسبته للحكم إلا بعد البحث التام، ولكن عُرف من الشّارع الالتفات إليه في بعض الأحكام، فصار مشابهاً بالعلة، مثاله: كوصف الطهارة إذا جعل علة لوجوب النية في التيمم ليقاس عليه الوضوء، وتجعل النية فيه أيضاً لازمة، فإن الطهارة لا تناسب اشتراط النية، وإلا لكان اعتبار النِّية في إزالة النَّجاسة عن الثَّوب أو البدن أيضاً لازماً، مع أنَّه ليس كذلك، ولكن الطَّهارة عبادة فيناسبها اشتراط النية من حيث العبادة، فيعتبر اشتراط النية في بعض العبادات دون بعض: أي لا بد من النية في العبادات القصدية الأصلية، ولا تكون لازمة في العبادات الآلية التي تكون وسيلة للعبادات المقصودة. ينظر: أصول الفقه للبدخشاني ص224.
وتفصيل الكلام في المسالك الثَّلاثة المعتبرة كالآتي:
الأول: الإجماع:
وهو اتفاق المجتهدين في عصر من الأعصار على كون وصف معيّن علَّة للحكم المعيّن، مثاله: الصِّغر في ولايةِ مال الصَّغير، فإنَّه علّةٌ لها بالإجماع، ثمّ يُقاس عليه ولايةُ النِّكاح.
الثَّاني: النَّصُّ:
بأن تكون العِلِّية ثابتة بالنَّص، وهو قسمان:
أولهما: الصَّريح: وهو ما دلَّ بوضعه على العِلَّة، وله مراتب:
المرتبة الأولى: التَّعليل بلفظ؛ وهي أقواها ما صرَّح فيه بالعِلِّيَّة بأن يذكر لفظاً لا يستعمل في غير العلة مثل أن يقول: لعلّة كذا، أو لأجل كذا.
المرتبة الثَّانية: التَّعليل بحرف؛ وهي ما ورد فيه حرفٌ ظاهرٌ في التَّعليل، مثل: لكذا، أو بكذا، أو إن كان كذا.
المرتبة الثَّالثة: ذكر الفاء من الشَّارع؛ لأنَّ الفاء يستفاد منها التَّعليل وإن كانت مستعملة في غيره.
المرتبة الرَّابعة: ذكر الفاء في لفظ الرَّاوي؛ بأن تكون الفاء من رواي الحديث في وصف الحادثة لا من كلام الشَّارع، فتفيد نوعاً من العِلِّيَّة، كقول عمران بن حصين - رضي الله عنه -: «إنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بهم فسها فسجد سجدتين» (¬1)، وهذه أقل مراتب الصَّريح؛ لاحتمال الغلط من الرَّاوي.
¬
(¬1) في سنن أبي داود 1: 339، وسنن الترمذي 2: 240، وحسنه، المجتبى 3: 26.
ثانيهما: الإيماء: وهو أن يلزم من مدلول اللفظ العِلَّة، وله وجوه متعددة لا يتسع المجال لذكرها.
الثَّالث: المناسبة بشرط الملائمة:
شبَّه الأصوليون العلَّة بالشَّاهد، فتعتبر شهادته بصلاحه وعدالته، والصَّلاح يكون بوجود العقل والبلوغ والحرية والإسلام، والعدالة بأن يكون مجتنباً عن محظورات دينه؛ ليصح منه الأداء، وإلا لا تقبل شهادته.
وكذلك في العلَّة تكون معتبرة بأن يدلّ على كون هذا الوصف علَّة صلاحه وعدالته، بأن يكون صالحاً للحكم بوجود الملاءمة، ومن عدالته بوجود التَّأثير (¬1).
وعليه فيكون الكلام في المناسبة بشرط الملائمة من وجهين:
الأول: صلاح الوصف:
والمرادُ بصلاح الوصف ملاءمته بأن يشتمل على وصفين:
1.المناسبة:
هي مناسبته للحكم بأن يصحّ إضافة الحكم إليه، ولا يكون نابياً عنه: كإضافةِ ثبوتِ الفُرقة في إسلامِ أحد الزَّوجين إلى إباء الآخر عن الإسلام؛ لأنَّه يُناسبُه لا إلى وصفِ الإسلام؛ لأنَّه نابَ عنه؛ لأنَّ الإسلامَ عُرِفَ عاصماً للحقوق لا قاطعاً لها، وكذا المحظور يصلح سبباً للعقوبة، والمباح سبباً للعبادة، ولا يجوز عكسه لعدم الملاءمة.
2.الموافقةُ:
بأن يكون الوصفُ على موافقةِ العلل المنقولةِ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن السَّلفِ من الصَّحابةِ والتَّابعين - رضي الله عنهم -، فإنَّهم كانوا يُعلِّلون بأوصافٍ ملائمةٍ للأحكام غير
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار للنَّسفي 2: 145، كشف الأسرار للبخاري 3: 382.
نابية عنها، فما كان موافقاً لها يصلح أن يكون علَّة وما لا فلا (¬1).
ومثاله: التَّعليلُ بالصِّغر في ولايةِ النِّكاح؛ لما يتصل به من العجز، فإنَّه مؤثرٌ في إثبات الولاية في مال الصَّغير؛ لأنَّ الصِّبا مظنة العجز، وهذا التَّأثير كتأثير الطَّواف لما يتصل به من الضَّرورة؛ إذ التَّعليل بالصِّغر موافق للعلل المنقولة؛ لأنَّه مثل الطَّواف الذي علل به النَّبي - صلى الله عليه وسلم - سقوط النَّجاسة عن الهرة في قوله: «إنَّها ليست بنجس، إنَّما هي من الطَّوافين عليكم والطَّوافات» (¬2)، فالطَّواف منشأ للضَّرورة، وهي تعذر صون الأواني عن الهرة، والضَّرورة مؤثِّرة في إسقاط النَّجاسة.
وكذا الصِّغر منشأ للعجز، والعجزُ مؤثِّرٌ في إثباتِ الولاية، فكان التَّعليل بالصِّغر موافقاً لتعليل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬3)؛ لأنَّ العلَّة في إحدى الصُّورتين: العجز، وفي الأخرى: الطَّواف، فالعلَّتان وإن اختلفتا لكنَّهما مندرجتان تحت جنس واحد، وهو الضَّرورة، والحكم في إحدى الصُّورتين الولاية، وفي الأُخرى الطَّهارة، وهما مُختلفان لكنَّهما مندرجان تحت جنس واحد، وهو الحكمُ الذي تندفع به الضَّرورة، فالحاصلُ أنَّ الشَّرعَ اعتبر الضَّرورة في إثباتِ حكم تندفع به الضَّرورة: أَي اعتبر الضَّرورة في حَقّ الرُّخص (¬4).
الثَّاني: عدالة الوصف:
وهي تثبت بالتَّأثير، والوصفُ المؤثّر: ما جُعِلَ له أَثرٌ في الشَّرع، بأن يكون
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 3: 382.
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) ينظر: شرح ابن ملك 2: 793، وخلاصة الأفكار ص61، وغيرها.
(¬4) ينظر: التوضيح 2: 139، وحاشية عزمي زاده 2: 793، وفتح الغفار 2: 22، والتلويح 2: 139.
لجنس ذلك الوصف تأثيرٌ في إثباتِ جنس ذلك الحكم في مورد الشرع، فيدلّ عليه بالكتاب أو بالسُّنة أو بالإجماع: أي يثبت أثر هذا الوصف بهذه الحجج، وذكرَ بعضُ الأصوليين أنَّ أَعلى أنواع القياس المؤثر، وهو باعتبار النَّظر إلى عين العلَّة وجنسها، وعين الحكم وجنسه أَربعة أَقسام:
1.أن يظهرَ تأثيرُ عين الوصف في عين ذلك الحكم؛ إذ لا يبقى بين الفرع والأصل مباينة إلا تعدد المحلّ.
ومن أمثلته:
تأثير عين الكيل والجنس ـ وهو علَّة في ثبوت حكم الرِّبا ـ في التَّمر بالتَّمر، فالجصُّ بالجصِّ ملحقٌ به بلا شبهة؛ إذ لا يبقى إلا اختلاف عدد الأشخاص التي هي مجاري المعنى، ويكون ذلك كظهور أثر الوقاع في إيجاب الكفَّارة على الأعرابي؛ إذ يكون التركي والهندي في معناه.
وتأثير عين الطَّواف وهو علّة في ثبوت عين حكم طهارة سؤر الهرة، فسواكنُ البيوت من الفأرةِ والحيةِ وغيرهما ملحقةٌ بها؛ لوجود علّة الطَّواف فيها.
وتأثير عين الصِّغر وهو علّةُ ثبوت عين حكم الولاية على البكر الصغيرة، ومثلها الثيب الصَّغيرة والصَّغير؛ لأنَّ الصِّغر علَّة للحكم بعينه.
2.أن يظهر تأثير عين الوصف في جنس ذلك الحكم: والمراد من الجنس المجانس، والمجانسان هما المتحدان من حيث الجنس، فمثلاً حرج الاستئذان ليس بمقول على حرج النَّجاسة وغيره من الأنواع حتى لا يكون جنساً لهما، لكنَّهما يتحدان في مطلق الحرج، فأمكن أن يعتبرا متجانسين.
ومن أمثلته:
تأثير عين وصف الأخوة لأب وأم ـ وهو علَّة في التَّقديم في الميراث ـ في جنس حكم التَّقديم في الميراث وهو التَّقديم في ولاية الإنكاح، فيقاس عليه؛ لأنَّ الولاية ليست هي عين الميراث، لكن بينهما مجانسة في الحقيقة، حيث استخرجنا من عين الحكم «التقديم في الميراث» جنساً للحكم «التقديم مطلقاً»، ثم استخرجنا من التَّقديم مطلقاً عين حكم جديد، وهو التقديم في ولاية النكاح.
وتأثير عين وصف الطَّواف في سواكن البيوت من الهرة والفأرة والحية، وهو علة في سقوط حرج حكم النَّجاسة في جنسه، وهو سقوط الحرج مطلقاً، ويستفاد من سقوط الحرج سقوط حرج الاستئذان فيما ملكت أيماننا؛ قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} النور:58؛ لأنَّ حرج الاستئذان من جنس حرج النجاسة لا عينه.
وتأثير عين وصف الصِّغر ـ وهو علّة في ثبوت حكم ولاية النِّكاح للولي ـ في جنس حكم النِّكاح، وهي الولاية مطلقاً، فيثبت حكم ولاية المال للولي.
3.أن يؤثر جنس الوصف في عين ذلك الحكم: وهو الذي خصّوه بالملائم، وخصّوا اسم المؤثر بما ظهر تأثير عينه.
ومن أمثلته:
ملائمة جنس وصف لزوم الحرج والمشقة بعارض سماوي لعين حكم سقوط قضاء الصَّلاة الكثيرة، وهذا الجنس للوصف استفيد من وصف عين وصف الجنون والحيض يؤثر في عين حكم سقوط قضاء الصَّلاة الفائتة الكثيرة، فيندرج في هذا الجنس الإغماء لمجانسته إيّاها فتسقط الصّلاة به: أي رغم أنَّه لم يرد
اعتبار الشَّارع علّة للسُّقوط، لكنَّه اعتبر ما هو جنسه، فيقاس الإغماء على الجنون والحيض، ويعتبر علّة لإسقاط قضاء الصلاة الفائتة عن المغمى عليه.
وملائمة جنس وصف المضمضة وهو عدمُ دخول شيءٍ للجوف لعينٍ حكم عدمِ فسادِ الصَّوم، فإنَّ الوصف الذي هو المضمضة اعتبر في عين الحكم الذي هو عدم الإفساد، بل اعتبر جنسه وهو عدم دخول شيء إلى الجوف في غير ذلك الحكم.
4.ما ظهر أثر جنس الوصف في جنس ذلك الحكم:
ومن أمثلته:
ملائمة جنس وصف الحرج والمشقة لجنس حكم التَّخفيف في الأحكام، وهذا الجنس للوصف مستفاد من عين وصف الحيض والسَّفر والمرض، وجنس الحكم مستفاد عين حكم سقوط القضاء بالحيض، وإباحة الفطر وقصر الصَّلاة وغيرها بالسَّفر، وإباحة الفطر والصَّلاة قاعداً ومؤمئاً وغيرها بالمرض، فكأنَّ الشَّارع اعتبر كلّ جنس من أجناس مظانّ الحرج علّة لكلّ جنس من أجناس الأحكام التي فيها تخفيف.
ولا ريب في أنَّ قضاء أوقات الصَّلوات الفائتة للحائض من أجناس مَظانّ الحرج، وسقوط قضائها عن الحائض من أجناس الأحكام التي فيها تخفيف، فيكون جنس الوصف قد اعتبر علّة لجنس الحكم لا لعينه؛ لأنَّ عين الحكم في المقيس عليه هي الإفطار في رمضان، وقصر الصَّلاة في السَّفر، وقد أُبيحا لعلّة مَظِنّة الحرج، بقصد دفعه، والتَّخفيف عن المريض والمسافر، وتكليف الحائض بقضاء الصَّلوات التي فاتتها أثناء الحيض فيه حرج ومشقّة، وهو من جنس الحرج
الذي يَلحق المسافر والمريض، ولذلك أُسقط عنها للتَّخفيف، ودفع الحرج والمشقّة (¬1).
ومن ملائمة جنس الوصف لجنس الحكم تستفاد القواعد الفقهية، فمثلاً عرفنا من التَّطبيق السَّابق كيف خرجت قاعدة المشقة تجلب التَّيسير، بالنَّظر لعلل عديدة متجانسة وأحكامها، بحيث نحتكم لها في غيرها، وعليه فقس.
وملائمة جنس وصف الضَّرورة لجنس حكم إباحة المحظورات، وهذا الجنس للوصف مستفاد من عين وصف الطواف لسواكن البيوت والمضطر للأكل وغيرها، وجنس الحكم مستفاد من طهارة النَّجاسة للطواف وإباحة أكل الميتة للمضطر وغيرها، وظهر أثره في مخالطة نجاسة يشقّ الاحترازُ عنها في طهارة آبار الفلوات للضَّرورة، ومن هذا نتجت قاعدة الضَّرورات تُبيح المحظورات (¬2).
والفرق بين العلَّة والحكمة:
سبق بيان أنَّ العلَّةَ هي الوصف الصَّالح المؤثِّر في ثبوت الحكم في الأصل متى وجد مثله في الفرع.
أما الحكمة فهي الفائدة التي يتوقع حصولها من العمل بالحكم: أي الباعث على تشريع الحكم من المصلحة التي قصدها الشَّارع، وقد تكون تلك المصلحة جلب منفعة على العباد، وقد تكون دفع مفسدة عنهم، أو تقليل المفسدة، وتكميل المنفعة.
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 3: 383، ونور الأنوار وقمر الأقمار 2: 144، فتح الغفار 3: 21، وشرح ابن ملك 2:790 - 791، وأصول الفقه الإسلامي لشاكر بك ص333، وغيرها.
(¬2) ينظر: التقرير والتحبير3: 152.
وهذا مثل حرمة شرب الخمر، فإنَّ حرمة الشرب حكم، وكون المشروب خمراً علّة، وصيانة الإنسان عما يُذهب عقله حكمة، فيدور حكم الحرمة على علّته: يعني كون المشروب خمراً فمهما وجدت الخمر ثبت حكم الحرمة، ولا يدور مع الحكمة، فلو وجد رجل لا يذهب عقله بشرب الخمر لا ينتفي حكم الحرمة في حقه؛ لأنَّ العلّة وهي كون المشروب خمراً باقية.
وكذلك حكم قصر الصَّلاة علّته السَّفر وحكمته الاحتراز عن المشقّة، فيدور الحكم على علّته، وهو السَّفر دون حكمته، وهي المشقة فلو وجد مسافر لم تحصل له أية مشقة كما في عصرنا في سفر الطَّائرات والسّيارات السّريعة لا ينتفي حكم القصر؛ لأنَّ العلّة باقية، وهي السَّفر، وبالعكس لو حصلت لرجل مشقّة شديدة في بلده أو وطنه الأصلي لا يجوز له أن يقصر الصَّلاة؛ لأنَّ العلّة منتفية وهي السفر.
فتبيّن بما ذكرنا أنَّ الحكم لا يتغير بتغير الحكمة، وإنمَّا يتغيَّر بتغير العلّة، ومثال ذلك: ما ذكره الفقهاء من أن بيع الماء لسقي المزارع ممنوع، ولكن علّة هذا المنع عدم ضبط مقدار الماء، واليوم قد وجدت عدادات يمكن ضبط مقدار الماء بها فحيث وجدت هذه العدادات انتفت علّة المنع، فجاز بيع الماء (¬1).
المبحثُ الثَّالث: القواعد الفقهية:
القواعد لغةً: وهي الأساس (¬2)، قال - جل جلاله -: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِد} البقرة: 127.
¬
(¬1) ينظر: أصول الإفتاء ص 52، وأصول الفقه للمبتدئين ص 217.
(¬2) ينظر: مختار الصحاح ص 257.
واصطلاحاً: حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه (¬1).
أولاً: حُجيّة القواعد الفقهيّة:
لا تعدُّ القواعد الفقهية دليلاً شرعياً يستنبط منه الأحكام؛ لأنَّها جامعة لفروع متعددة متجانسة في معناها، وكلُّ ما لا يكون من جنس فروعها لا يدخل تحتها، وبالتالي يكون القياس على الفروع التي بنيت عليها، وهي مرشدة للفقيه لهذا الفرع تحتها ومبينة لسبب بنائه، فهي دالة ومرشدة ومساعدة على التخريج على مسائلها.
قال ابن نجيم: «لا يجوز الفتوى بما تقتضيه الضوابط؛ لأنَّها ليست كلية بل أغلبية» (¬2).
وقال عليّ حيدر (¬3): «فحكام الشَّرع ما لم يقفوا على نقل صريح لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد».
فيستند للقواعد الفقهية إن وجد في المسألة المستجدة علَّة فروع هذه القاعدة، مع التَّيقظ والانتباه لاندراج هذه الفرع حقاً تحت هذه القاعدة؛ لأنَّ بعض المسائل تتوافق مع بعض في جوانب وتختلف عنها في أخرى، حتى أُلِّفت في الفروق الدَّقيقة بين المسائل كتب مستقلة، ذكر فيها ما تشابه من الفروع في الظَّاهر، واختلف في الحقيقة: ككتاب «الفروق» للكرابيسي الحنفي، و «الفروق» للأزرستاني.
¬
(¬1) ينظر: غمز العيون1: 51.
(¬2) ينظر: غمز العيون1: 37 عن الفوائد الزينية.
(¬3) في درر الحكام شرح مجلة الأحكام1: 10.
قال ابن عابدين (¬1): «ولا يكتفي بوجود نظيرها مما يقاربها، فإنَّه لا يأمن أن يكون بين حادثته وما وجده فرق لا يصل إليه فهمه، فكم من مسألة فرّقوا بينها وبين نظيرتها حتى أَلَّفوا كتب الفروق لذلك، ولو وكل الأمر إلى أفهامنا لم ندرك الفرق بينهما، بل قال العلّامة ابن نجيم في «الفوائد الزينية»: «لا يحل الإفتاء من القواعد والضَّوابط وإنَّما على المفتي حكاية النقل الصريح كما صرحوا به». وقال أيضاً: «إنَّ المقرر في المذاهب الأربعة أنَّ قواعد الفقه أكثرية لا كلية». فعلى من لم يجد نقلاً صريحاً أن يتوقف في الجواب أو يسأل مَنْ هو أعلم منه ولو في بلدة أخرى، كما يعلم مما نقلناه عن «الخانية»، وفي «الظهيرية»: وإن لم يكن من أهل الاجتهاد لا يحلّ له أن يفتي إلا بطريق الحكاية، فيحكي ما يحفظ من أقوال الفقهاء».
ويُفهم من كلام خاتمة المحققين ابن عابدين أنَّه لا ينبغي التَّجرؤ على الدِّين بالإفتاء مِنَ القواعد الفقهية إلا بعد معرفة تامة بالأصول والقواعد، بحيث تجعله أهلاً للاجتهاد في المسائل، فإنَّه يجوز له أن يفتي في تلك الحادثة بقياسها على نظيرتها المذكورة في كتب الفقه، أو مِنَ القواعد والضوابط المحررة، وهذا بعد تصفح كتب الفقهاء والبحث عن تلك الجزئية بحثاً بليغاً، والأحسن قبل الإفتاء في مثل هذه المسائل أن يشاور غيره مِنَ العلماء والفقهاء ولا يتعجل فيها بالإفتاء، بل يخشى الله سبحانه وتعالى في جميع ذلك، فإنَّ منصب الإفتاء منصبٌ خطيرٌ (¬2).
ثانياً: التَّخريج على أصل البناء لا على القاعدة الفقهية:
كَثُرت التَّعاريف لمصطلح القواعد الفقهية، ومنها:
فالقاعدة أصل بناء فقهي ينطبق على أكثر جزئياته في أبواب مختلفة.
¬
(¬1) شرح عقود رسم المفتي ص34.
(¬2) أصول الإفتاء ص65 - 66.
وذكرته بأصل بناء؛ لتمييزه عن أصول الاستنباط «أصول الفقه» وأصول التَّطبيق «رسم المفتي».
وهو يشمل أصول المسائل التي بنيت عليه في تخريج أحكامها على القاعدة التي اشتمل عليها، واعتباره أساساً في معرفة حكم ما يستجد من الأحكام بشرط توافقها مع فروع القاعدة.
وهو أكثريٌّ لا كليّ، حيث تندرج تحته أكثر فروعه ومسائله في الموضوعات المتعددة والأبواب الفقهية المختلفة.
وأما الضَّابط الفقهي: فهو أصل بناء فقهي ينطبق على جزئيات باب خاص إلا نادراً.
وأما الأصل الفقهي: فهو أصل بناء فقهي ينطبق على جزئياته في مسائل خاصَّة.
والفرق بين القواعد والضَّوابط والأصل:
1.شمول القواعد لأبواب متعددة، واقتصار الضَّوابط على باب خاص، والأصل على مسائل محدَّدة، قال الزَّركشيّ (¬1): «ما لا يخصّ باباً من أبواب الفقه يُسمّى بالقاعدة في اصطلاح الفقهاء، وما يَخصُّ بعضَ الأبواب فيُسمّى ضوابط»، وقال السُّيوطيّ (¬2): «إنَّ القاعدةَ تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابطُ يجمعها من باب واحد».
2.القواعد أكثر شذوذاً من الضوابط؛ لأنَّ الضوابط تضبط موضوعاً واحداً
¬
(¬1) في تشنيف المسامع2: 162.
(¬2) في الأشباه والنظائر للسيوطي1: 71.
فلا يتسامح فيها بشذوذ (¬1)، ولا يقبل الشذوذ في الأصل.
وما ذكرت من التَّفريق بين القاعدة والضابط والأصل ليست مستعملة في كتب الفقه والقواعد، بل هي مترادفةٌ في استعمالهم، كما سبق تقرير هذا، وإنَّما قصدت أمرين:
أ. التَّمييز والتَّفريق ببيان وجود ثلاث صور: صورة تشمل أبواباً، وصورة تشمل باباً، وصورة تشمل مسائل، بغض النظر عن التسمية بقاعدة أو ضابط أو أصل.
ب. التنبيه على أنَّه كلّما اتسعت الدَّائرة للفروع التي تشملها زاد الشّذوذ، وبالتّالي لم يعد صالحاً لبناء الأحكام عليها إلا بعد التتبع لفروعها والتّأكد أنَّ ما نريد بناءه عليها يندرج تحت فروعها لا تحت استثناءاتها، وكلّما ضاقت الدّائرة من شموله لفروع محصورة أمكن البناء عليه؛ لعدم الشُّذوذ، فيكون على الاصطلاح الذي ذكرته سابقاً التَّخريج على الأصل هو المعتبر، وليس التَّخريج على القاعدة.
المبحثُ الرَّابع: الحديث الصَّحيح مذهبي:
وردّ عن الشَّافعيّ: «إذا صَحّ الحديث فهو مذهبي»، ويفهمه بعضهم: بأنَّه يجوز لأي أحدٍ جاء بعدهم الاستدراك عليهم ورد قولهم؛ لظاهر حديث وقف عليه، حتى صار هذا الكلام مغمزة في كثير مِنَ المسائل الواردة عن الأئمة أنَّها تُخالف الحديث، وسبباً في ردّ كثير من فروعهم.
ويمكن أن يجاب عنها بما يلي:
1.إنَّ مَن ذكر هذا القول من الأقدمين ذكره على سبيل الثَّناء والرِّفعة
¬
(¬1) ينظر: القواعد للندوي ص 51.
لهؤلاء الأئمة، لا لانتقاصهم بالطَّعن فيما ورد عنهم من مسائل أنَّها تخالف النُّصوص، قال العلامة محمد العربي بن التباني (¬1): «جلّ العلماء الذين ذكروه: كابن عبد البرّ، إنَّما ذكروه وعدّوه من مناقبهم، والجماعون المتشبعون بما لم يعطوا، يذكرونه لثلبهم وثلب أتباعهم، فهذا صاحب مجلة «المنار»، زعم أنَّ المذاهب الأربعة فيها مئات المسائل مخالفة للكتاب والسُّنَّة ولم يُبرهنّ على مسألة واحدة في المذاهب الأربعة مخالفة للكتاب والسُّنَّة، فضلاً عن المئات التي أرسلها في الدَّعوى الجوفاء، والكلام لا ضريبة عليه، فأي فرع من فروع الأئمة جاء الحديث مخالفاً له ... فهذا لا يتفوّه به إلا سيئ العقيدة في أئمة الدين المشهود لهم بالخيرية من سيد المرسلين، وفي أتباعهم حملة الشَّريعة إلينا».
2.إنَّ هذا الكلام ليس للعوام، وإنَّما لأهل النظر المشتغلين بعلوم الشريعة ممَّن بلغوا مرتبةَ الاجتهاد ولو في المذهب أو في هذه المسألة، وعلى ذلك أَطبقت كلمةُ العلماء، قال ابنُ الصَّلاح: «فليس كلّ فقيه يسوغُ له أن يستقل بالعمل بما رآه حجّة مِنَ الحديث ... وروينا عن ابن خزيمة الإمام البارع في الحديث والفقه، أنَّه قيل له: هل تعرف سنةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام لم يودعها الشَّافعيُّ كتابه؟ قال: لا. وعند هذا أَقول: مَن وَجَدَ مِن الشَّافعيين حديثاً يُخالف مذهبَه، نظر: فإن كَمُلَت آلات الاجتهاد فيه، إمّا مطلقاً، وإمّا في ذلك الباب، أو في تلك المسألة، كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث، وإن لم تكمل فيه آلته، ووجدَ حزازة في قلبه من مخالفة الحديث بعد أن بحث، فلم يجد لمخالفته عنه جواباً شافياً، فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل؟ فإن وجده، فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك عذراً له في ترك مذهب إمامه في ذلك» (¬2).
¬
(¬1) في الاجتهاد ص112.
(¬2) معنى قول الإمام المطلبي: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» ص106 - 107.
وقال النَّوويُّ (¬1): «إنَّما هذا ـ يعني كلام الشافعيّ ـ فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب، وشرطه أن يغلب على ظنّه أنَّ الشَّافعيّ لم يقف على هذا الحديث، أو لم يعلم صحّته، وهذا إنَّما يكون بعد مطالعة كتب الشَّافعيّ كلّها، ونحوها من كتب الأصحاب الآخذين عنه، وما أشبهها، وهذا شرطٌ صعب، قلَّ مَنْ يتّصف به، وإنَّما اشترطوا ما ذكرنا؛ لأنَّ الشَّافعيّ ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها، ولكن قام الدَّليل عنده على طعن فيها، أو نسخها، أو تخصيصها، أو تأويلها، ونحو ذلك».
وقال تقي الدين السُّبكي (¬2) تعقيباً على قولهما: «وهذا الذي قالاه ليس رداً لما قاله الشَّافعيّ، ولا لكونه فضيلة امتاز بها عن غيره، ولكنَّه تبيين لصعوبة هذا المقام، حتى لا يغتر به كلّ أحدٍ، والإفتاء في الدِّين كلّه كذلك، لا بدَّ مِنَ البحث والتَّنقير عن الأدلة الشَّرعيَّة حتى ينشرح الصَّدر للعمل بالدَّليل الذي يحصل عليه، فهو صعبٌ، وليس بالهيِّن كما قالاه، ومع ذلك ينبغي الحرصُ عليه وطلبه» (¬3).
وقال أبو زرعة العراقي: «لا يسوغ عندي لمن هو من أهل الفهم ومعرفة صحيح الحديث من سقيمه، والتمكُّن من علمي الأصول والعربية، ومعرفة خلاف السلف ومأخذهم، إذا وجد حديثاً صحيحاً على خلاف قول مقلّده أن يترك الحديث، ويعمل بقول إمامه» (¬4).
¬
(¬1) في المجموع 1: 105.
(¬2) في معنى قول الإمام المطلبي ص108 - 109.
(¬3) ومَنْ أراد زيادة التفصيل، فليراجع: البحر المحيط 8: 345 - 346، وحاشية الجمل 2: 67.
(¬4) ينظر: أثر الحديث الشريف ص53 - 54 عن الأجوبة المرضية ص68.
وقال الإمام ابن عابدين (¬1): «ولا يخفى أنَّ ذلك ـ أي الأخذ بالحديث الصحيح ـ لمن كان أَهلاً للنَّظر في النُّصوص، ومعرفة محكمها من منسخوها، فإذا نظر أهل المذاهب في الدَّليل وعملوا به، صحَّ نسبتُه إلى المذهب؛ لكونه صادراً بإذن صاحب المذهب؛ إذ لا شكَّ أنَّه لو علم ضعف دليله، رجع عنه، واتبع الدَّليل الأقوى» (¬2).
وقال أبو شامة المقدسي: «ولا يتأتى النَّهوض بهذا إلا من عالمٍ معلوم الاجتهاد، وهو الذي خاطبه الشَّافعيّ بقوله: «إذا وجدتم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خلاف قولي فخذوا به ودعوا ما قلت، فليس هذا لكلِّ أحدٍ، فكم في السنَّة من حديثٍ صحيحٍ العمل على خلافه، إما إجماعاً، وإما اختياراً؛ لمانعٍ منع، نحو: «صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً في غير خوف ولا مطر» (¬3)، و «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (¬4). فالأمر في ذلك ليس بالسَّهل، قال ابن
¬
(¬1) في رد المحتار على الدر المختار 1: 68.
(¬2) الاجتهاد ص81، عن الشيخ عبد الله خير.
(¬3) في صحيح مسلم 1: 490 بلفظ: (عن ابن عباس - رضي الله عنه -، قال: جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر) ومثله في صحيح ابن خزيمة 2: 86، والمسند المستخرج 2: 296، وجامع الترمذي 1: 355، وقال الترمذي بعد أن روى بعده حديث: (مَنْ جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) وضعّفه: والعمل على هذا عند أهل العلم أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة، ورخَّص بعض أهل العلم مِنَ التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين.
(¬4) في صحيح مسلم 2: 580 بلفظ: (الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)، ومَنْ أراد الوقوف على أحاديث سنية الغسل يوم الجمعة فلينظر: مجمع الزوائد 2: 175 وغيرها.
عيينة - رضي الله عنه -: الحديث مَضِلَّة إلا للفقهاء» (¬1).
وذكر الذهبي (¬2) في ترجمة أبي القاسم الداركي: قال ابن خلكان: كان يتهم بالاعتزال، وكان ربما يختار في الفتوى فيقال له في ذلك، فيقول: ويحكم! حدث فلان عن فلان، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا وكذا، والأخذ بالحديث أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة، قال الذَّهبيّ: هذا جيد، لكن بشرط: أن يكون قد قال بذلك الحديث إمامٌ من نظراء هذين الإمامين مثل مالك أو سفيان أو الأوزاعي، وبأن يكون الحديث ثابتاً سالماً من علة، وبأن لا يكون حجة أبي حنيفة والشافعيّ حديثاً صحيحاً معارضاً للآخر، أما من أخذ بحديث صحيح وقد تنكّبه سائر أئمة الاجتهاد فلا ... ».
وقال محمد عوّامة (¬3): «وخلاصة هذا الجواب ... من كلام هؤلاء الأئمة: ابن عابدين، وابن الصَّلاح، وتلميذه أبي شامة، وتلميذ أبي شامة: النَّووي، ثم القرافي، والسُّبكي: أنَّه لا يصل إلى رتبة ادعاء نسبة حكم ما إلى مذهب الشَّافعيّ وغيره بناءً على قوله المذكور إلا مَنْ وصل إلى رتبة الاجتهاد أو قاربها، وبهذا يتبيّن: أنَّه لا يحقّ لأمثالنا أن يعمل بمجرد وقوفه على حديث ما ـ ولو صحيحاً ـ ويدّعي أنَّه مذهب للشَّافعي ـ أو غيره ـ، وأنَّه إذا عمل به فقد عمل بمذهب فقهي معتبر لإمام معتمد ... ».
3.أن يكون هذا الحديث صحيحاً عند إمام المذهب بالشروط المفصّلة في أصوله، وقد مرَّ شيئاً منها سابقاً، فلا شكَّ أنَّ إمامه كان له اطلاع واسع على متون
¬
(¬1) معنى قول الامام المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي ص136 - 139.
(¬2) في سير أعلام النبلاء 16: 405.
(¬3) في أثر الحديث الشريف ص69.
السُّنة، إلا أنَّه لم يعمل ببعضها لعوارض ظهرت له: كالنَّسخ والشُّذوذ والتَّأويل وغيرها، قال عبد الوهاب الحافظ (¬1): «لا بُدَّ ... مصححاً عنده ـ إمام المذهب ـ بالشُّروطِ التي اشترطها، لا عند مَنْ روى الحديث».
وقال محمّد العربيّ بن التّبانيّ (¬2): «وليس كلّ فقيه يسوغ له أن يشتغل بالعمل بما رآه مِنَ الحديث؛ لأنَّه قد يكون إمامه اطَّلع على هذا الحديث وتركه عمداً؛ لمانع اطَّلع عليه وخفي على غيره: كترك الإمام الشَّافعيّ حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» (¬3) مع صحّته؛ لكونه منسوخاً عنده، وكترك الجمهور حديث: «إنَّما الماء مِنَ الماء» (¬4) مع صحته؛ لكونه منسوخاً عندهم بحديث: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» (¬5).».
¬
(¬1) في الاجتهاد ص174 - 175.
(¬2) في المصدر السابق ص191 - 192.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 685، وصحيح ابن حبان 8: 301، والمنتقى 1: 105، وجامع الترمذي 3: 144، وقال: حديث حسن صحيح.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 269، وصحيح ابن حبان 3: 443 وجامع الترمذي 1: 184 - 185، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وإنَّما كان الماء مِنَ الماء في أول الإسلام ثم نسخ بعد ذلك، وهكذا روى غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، منهم: أُبَيّ بن كعب ورافع بن خديج، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم على أنَّه إذا جامع الرجل امرأته في الفرج وجب عليهما الغسل وإن لم ينزلا.
(¬5) في صحيح البخاري 1: 110، وصحيح ابن حبان 3: 456، والمسند المستخرج1: 388، وجامع الترمذي 1: 181 - 182، وقال: وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة والفقهاء مِنَ التابعين ومَنْ بعدهم، مثل: سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: إذا التقى الختانان وجب الغسل.
4.إنَّ هذا اللفظ بهذه الصِّيغة واردٌ عن الشافعي فحسب؛ إذ أنَّه فيه عبّر أنَّ أصل مذهبه، هو الحديث الصَّحيح، ومع ذلك يَرُدّه إن كان منسوخاً: كحديث الحجامة السَّابق، أو مخصصاً: كحديث «النهي عن بيع الغرر» (¬1) فهو مخصوص، خص منه السُّنبل إذا اشتد، وخصّ منه بيع السَّلم وغير ذلك (¬2)، أو مؤولاً: كحديث وجوب غسل الجمعة السَّابق، بأنَّه محتمل أنَّه واجب لا يجزئ غيره، وواجب في الأخلاق، وواجب في الاختيار وفي النظافة وفي تغير الريح عند اجتماع الناس (¬3).
أما غيره فلهم ألفاظ قريبة منه: كقول أبي حنيفة: «إذا جاء الحديث فعلى الرَّأس والعين» (¬4)، وقول مالك: «ما من أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا صاحب هذه الروضة» (¬5)، وهذا تأكيد منهم على أنَّهم يلتزمون ويتحرّون في استنباط الأحكام الفقهية سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنَّهما لهما قواعدهما في قَبول الحديث النَّبوي الشَّريف.
5.إنَّه يجوز العمل بالجانب المرجوح إن قامت قرائن لذلك: كوقوع الفتنة،
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1153، وصحيح البخاري 2: 754، والمنتقى 1: 151، وجامع الترمذي 3: 532، وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، وكرهوا بيع الغرر، قال الشافعي - رضي الله عنه -: ومِنْ بيوع الغرر بيع السمك في الماء، وبيع العبد الآبق، وبيع الطير في السماء، ونحو ذلك.
(¬2) ينظر: مقدمة معنى قول الإمام المطلبي ص16، وغيره.
(¬3) ينظر تفصيل ذلك مقدمة معنى قول الإمام المطلبي ص12 - 13.
(¬4) ينظر: الميزان الكبرى 1: 66. ومقدمة معنى قول الإمام المطلبي ص8 عن مناقب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - للموفق المكي1: 77.
(¬5) ينظر: مقدمة معنى قول الإمام المطلبي ص9 عن مختصر المؤمل ص33.
أو التَّشويش على العوام، أو تفريق المسلمين، قال العلامة أشرف علي التهانوي - رضي الله عنه - (¬1): «إذا تحقق لعالم واسع النظر ذكي الفهم منصف الطبع بتحقيق نفسه، أو لعامي باعتماده على مثل هذا العالم، بشرط أن يكون متقياً أنَّ القول الرَّاجح في هذه المسألة في جانب آخر، وشهد بذلك قلبه، فلينظر هل هناك مساغ في الدَّلائل الشرعية لذلك الجانب المرجوح أو لا، فإن كان هناك مساغ فحيث يخاف الفتنة أو وقوع العامة في التشويش أو يخشى تفريق الكلمة بين المسلمين فالأولى أن يعمل بالجانب المرجوح، ويدل على ذلك الأحاديث الآتية:
أ. حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألم تَرَيْ أنَّ قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم - عليه السلام -، فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم - عليه السلام -؟ فقال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت» (¬2).
فهاهنا وإن كان الرَّاجح بناء الكعبة على قواعد إبراهيم - عليه السلام -، ولكنَّه لما كان الجانب الآخر وهو تركها على حالها جائزاً أيضاً وإن كان مرجوحاً، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اختار هذا الجانب المرجوح؛ خوفاً من الفتنة وتشويش العامة.
ب. حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنَّه صلَّى أربعاً ـ في منى ـ فقيل له: عبت عثمان ثم صليت أربعاً، قال: «الخلاف شر» (¬3).
تبيّن من هذا أنَّه وإن كان الرَّاجح عند ابن مسعود - رضي الله عنه - القَصر، ولكنَّه أتمَّ؛ احترازاً عن الخلاف والشَّر، مع كون الإتمام مرجوحاً عنده، ولكنَّ الذي يظهر أنَّه
¬
(¬1) في الاقتصاد في التقليد والاجتهاد ص43 - 45 بواسطة أصول الإفتاء ص61 - 63.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 969، وصحيح البخاري 2: 573 وغيرهما.
(¬3) في سنن أبي داود 2: 199، وسنن البيهقي الكبير 3: 143، ومصنف عبد الرزاق 2: 516، وغيرها.
كان يرى الإتمام جائزاً أيضاً.
وعلى كلِّ حال، ظهر من هذين الحديثين أنَّ الجانبَ المرجوح إن كان جائزاً فاختياره أولى؛ دفعاً للفتنة، فإن لم يكن هناك مساغ للعمل بذلك الجانب المرجوح، بل يلزمه منه ترك واجب أو ارتكاب محظور، ولا يدل عليه دليل سوى القياس، ويوجد في الجانب الرَّاجح حديث صحيح صريح، فحينئذ يجب العمل بالحديث من غير أيما تردد ...
المبحثُ الخامس: النَّقل المدرسي والنَّقل الحديثي:
تمهيد في انهيار نظرية قسمة الفقهاء إلى أهل رأي وأهل حديث:
قبل الولوج في عرض حقيقة ما كان عليه طورالمذاهب الفقهية، ينبغي التَّنبيه على تقسيم خاطئ درج عليه الكاتبون في المدخل إلى الفقه دون تدقيق وتمحيص منهم للخطر الجسيم الذي تحمله على الفقه الإسلامي، فوجب عرضها مع بيان وجوه ردّها؛ حفاظاً على مكانة فقهنا وفقهائنا الرفيعة.
وهذا التَّقسيم هو: تقسيم دور التابعين ومَنْ بعدهم إلى مدرستين: مدرسة أهل الحديث، ومدرسة أهل الرأي، فالأُولى تعتمد على النُّصوص الشَّرعيّة في معرفة الأحكام؛ لتوافرها لديها، والثَّانية: اعتمادها على الرَّأي والقياس؛ لقلّة الأحاديث بين يديها.
ونتج عن هذا ضعفُ الفقه الذي بين أيدينا، سواءٌ كان من مدرسة الحديث؛ لأنَّهم لم يضبطوا وجوه الاستنباط وبناء الأحكام، فلا يعتمد على طريقتهم، ومدرسة الرَّأي؛ لأنَّهم لم يعرفوا الحديث، وبنوا الأحكام على عقولهم فلا يوثق بمسلكهم، وأمّا نحن في هذا الزمان، فنعرف الحديث جيداً ونعرف
وجوه الاستنباط، فكان ما نأتي به مِنَ الأحكام أولى بالقبول مِنَ الفريقين، فهذه هي النظرةُ المعاصرة عند كثيرين، حيث أفقدوا الأُمَّة ثقتها بحضارتها وتراثها وفقهها وعلمائها وكتبها.
وحدث هذا بعد أن وقعت جلّ الدُّول الإسلامية تحت وطأة المستعمرين في مطلع القرن العشرين، فكان لا بدّ من حيلة لهم للسَّيطرة على المسلمين واستمرار الولاء لهم أمام تمسّك النَّاس بدينهم وأحكامه الثَّابتة ووقوف الأزهر ـ الذي كان يعتبر منارة المشرق الإسلامي في القرون المتأخرة ـ سداً منيعاً في وجههم.
فحملت هذه الحيلة شعارات برّاقة في ظاهرها: كفتح باب الاجتهاد، والرُّجوع إلى الكتاب والسُّنة، والسَّير على طريق السَّلف، ودراسة الفقه المقارن؛ من أجل الإصلاح الدِّيني والاجتماعي كما يزعمون، لكن الواقع يثبت أنَّ خلافه الذي حصل؛ لما تحويه مِنَ السمّ الذي دُسَّ في الباطن.
وكان من أكبرِ الدُّعاة لهذه الحركة مُحمّد عبدُه وتلميذه مُحمّدُ رشيد رضا (ت1935م) الذي أصدر مجلة «المنار» لِبَثِ هذه الأفكار، وأَلَّف كتاباً سمّاه: «يسر الإسلام وأصول التشريع العام» جعل الفقهاء فيه قسمين: أهل حديث وأهل رأي.
يقول الكوثري (¬1) عن محمد رشيد رضا في كتابه هذا: «ويتصوّر فريقين مِنَ الفقهاء: أهل رأي، وأهل حديث، وليس لهذا أصل بالمرّة، وإنَّما هذا خيال بعض متأخري الشُّذاذ، أخذاً من كلمات بعض جهلة النقَلة، بعد محنة أحمد».
¬
(¬1) في مقدمة نصب الراية ص289.
فإن ثبت أنَّ هذا التَّصوّرَ غيرُ صحيح، ثبت سقوط كلّ ما أحيط به مِنَ الهالة، ويحتاج ذلك إلى إثبات أنَّ أهل الحجاز كان عندهم رأي كثير، وأهل العراق كانت عندهم أحاديث كثيرة، وبيان بدء استخدام أهل الرأي والحديث في التاريخ، وتفصيل ذلك فيما يلي:
الأَوَّل: أهل الحجاز من أهل الرَّأي:
مصطلح الرَّأي معناه الاجتهاد، وهو الفقه، ومرَّ معنا سابقاً استخدام النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا المعنى، كما في حديث معاذ - رضي الله عنه -، وكان هذا الاستعمال شائعاً بين الصَّحابة - رضي الله عنهم - ـ كما سبق ـ.
ومصطلح أهل الحديث المقصود به نقلة الحديث وحملته والرواة له، فهو علمٌ وفنٌّ مستقلٌ بذاته، وله علماؤه المعتنون بتقعيدِه وتأصيلِه في النَّقل والنَّقد والتَّصحيح والتَّضعيف.
وهذان المعنيان كانا مستعملين في الحجاز، حيث عدَّ مَنِ اشتغل بالفقه من أهل الرَّأي، فذكر ابنُ قتيبة (ت276هـ) (¬1): الفقهاء بعنوان أصحاب الرَّأي، وعدّ فيهم ربيعةُ بنُ فَرّوخ (ت136هـ) عالم المدينة، والأوزاعيّ (ت157هـ) عالم الشَّام، وسفيان الثّوريّ (ت161هـ) من فقهاء ومحدثي الكوفة، ومالكُ بنُ أنس) ت179هـ) فقيه المدينة.
وها هو شيخ مالك وفقيه المدينة ربيعة بن فرّوخ، يشتهر باسم ربيعة الرَّأي؛ لاشتهارِه في القول بالرَّأي، مع أنَّه كان أحفظ النَّاس لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال ابنُ الماجشون: «والله ما رأيت أحداً أحفظ لسنَّة من ربيعة» (¬2).
¬
(¬1) في المعارف ص 494، وما بعدها.
(¬2) ينظر: العبر1: 183. والميزان 3: 68، ,غيرهما.
فكان مَنْ يشتغل بالفقه من أهل الرَّأي، فذكر ابن عبد البر (¬1): «قال ابن لَهيعة: قدم علينا أبو الأسود في سنة إحدى وثلاثين ومئة، فقلت: مَنْ للرأي بعد ربيعة بالمدينة؟ قال: الغلام الأصبحي»: أي الإمام مالك.
وبيَّن أبو زهرة زيف هذه النَّظرية، وانتقد المعاصرين القائلين بها، فقال (¬2): «إنَّ ما يُقال عن فقه المدينة في كتابات بعض المعاصرين لا ينطبق تمام الانطباق على فقه مالك الذي طبع به الفقه المدني في عصره، وإن كان الرأي الذي ارتضاه مالك ليس هو الرأي الذي اختاره أبو حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم - وسائر العراقيين من كل الوجوه، فالفرق بينهما في طريقة الاستنباط لا في مقداره ... ».
الثَّانية: كثرة الحديث وروايته وعلمائه في العراق:
كانت العراقُ مهد العلم وعاصمته، فنشأت فيها عامّة علوم الإسلام، فأَبرز مدرستين في اللُّغة: الكوفيون والبصريون، وفي القراءات: ثلاثةٌ مِنَ القراء السَّبعة كوفيون، وأربعةٌ منهم بصريون، وأشهر الفرق الإسلامية مِنَ الخوراج والمعتزلة والشيعة ظهروا في العراق، فظهر الكلام في علم العقائد، والفقه ظهر كعلم واضح المعالم على يد أبي حنيفة، وهو مِنَ الكوفة، قال محمد بن واسع: «إنَّ الفقه صناعة لشابّ بالكوفة يكنى أبو حنيفة» (¬3)، وقال ابنُ معين: «الفقه فقه أبي حنيفة على هذا أدركتُ النَّاس» (¬4).
وطالما أنَّها كانت عاصمة الإسلام فلا شَكَّ أنَّ علم الحديث كان فيها أكثر
¬
(¬1) في الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء ص59.
(¬2) في مالك حياته وعصره ص 17 - 18.
(¬3) ينظر: أخبار أبي حنيفة ص12، وغيره.
(¬4) ينظر: أبو حنيفة طبقته توثيقه ص146، وغيره.
من غيرها؛ لأنَّ العلماءَ يتواجدون عادةً في العواصم، وسيأتي معنا عند الكلام عن المدارسِ الفقهيّةِ أنَّ أكابر المُحدّثين مِنَ التّابعين كانوا في العراق، ورحلوا إلى الحجاز والشّام وغيرها في طلبِ الحديث مِنَ الصَّحابة - رضي الله عنهم -.
فإنَّ التَّابعين من محدّثي الكوفة وفقهائها لم يكونوا يتلقون الحديث عن الصَّحابة - رضي الله عنهم - الموجودين في الكوفة فحسب، بل تلقوا الحديث مِنَ الصَّحابة - رضي الله عنهم - في الحجاز، ورحلوا طلباً لذلك، فقد روى ابنُ سعد في «طبقاته» أسماء مئتين واثنين من التَّابعين الكوفيين، الذين رووا عن كبار الصَّحابة - رضي الله عنهم - في مكة والمدينة (¬1).
وكانت الرِّواية والعناية بالحديث في العراق على درجةٍ عاليةٍ جداً، قال الرامهرمزي (¬2) (ت360هـ): عن ابن سيرين (ت118هـ)، قال: «أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث، وأربعمئة قد فقهوا». قال الكوثري (¬3): «وفي أي مصر من أمصار المسلمين غير الكوفة تجد مثل هذا العدد العظيم للمحدثين والفقهاء، وفي هذا ما يدل على أنَّ الفقيه مهمته شاقة جداً، فلا يكثر عدده كثرة عدد النقلة».
الثَّالث: اشتهر إطلاق أهل الرَّأي على الحنفية بعد فتنة خلق القرآن.
لما كان الرأي معناه الاجتهاد في الفقه عند الصَّحابة والتَّابعين، وكان مذهب الحنفية أكثر المذاهب انتشاراً وفقهاً، أطلق عليهم أهل الرَّأي: أي الفقه.
وتخصيص الحنفية بهذا الاسم لا يصح إلا بمعنى البراعة البالغة في الاستنباط، فالفقه حيثما كان يصحبه الرَّأي، سواء كان في المدينة أو في العراق،
¬
(¬1) ينظر: الحركة الفقهية في بلاد الشام ص284 عن الطبقات الكبرى 6: 78.
(¬2) في المحدث الفاصل 1: 560، 408.
(¬3) في مقدمة نصب الراية ص310.
وطوائف الفقهاء كلهم إنَّما يختلفون في شروط الاجتهاد بما لاح لهم من الدليل، وهم متفقون في الأخذ بالكتاب والسنة والإِجماع والقياس، ولا يقتصرون على واحد منها.
قال الطُّوفي الحنبلي (ت716هـ) (¬1): «واعلم أنَّ أصحاب الرأي بحسب الإضافة، هم كلُّ مَنْ تصرّف في الأحكام بالرَّأي، فيتناول جميع علماء الإسلام؛ لأنَّ كلّ واحد مِنَ المجتهدين لا يستغني في اجتهاده عن نظر ورأي، ولو بتحقيق المناط وتنقيحه الذي لا نزاع في صحته.
وأما بحسب العلمية فهو في عرف السلف: «مِنَ الرواة بعد محنة خلق القرآن»، علمٌ على أهل العراق، وهم أهل الكوفة، أبو حنيفة ومَن تابعه منهم ... ».
وهذا صريح مِنَ الطُّوفي أنَّ الاسم استعمل في حقّ الحنفية بعد فتنة خلق القرآن، التي حمل فيها المعتزلة الناس على القول بخلق القرآن بأمر الخليفة المأمون بذلك، وكان يطبق هذا الأمر القضاة، وهم مِنَ الحنفية، فحصلت بينهم وبين المحدثين التنابز والتنافر، وليس هذا راجعاً لعصر التابعين وأئمة الدين.
ثم شاع إطلاق هذا المصطلح على الحنفية بمعنى البراعة في الفقه، ولبناء فقههم على طريق المدرسة في نقل السّنة، كما شاع اطلاق أهل الحديث على الشافعيّة؛ لأنَّهم بنوا مذهبهم على طريق المحدثين في نقل السنة.
المطلبُ الأَوَّل: النَّقل المدرسي للمذهب الحنفي:
اقتضت الحاجة من الصَّحابة - رضي الله عنهم - في تعليم الإسلام أن ينتقل المجتهدون منهم إلى البلاد المفتوحة؛ لِيُعَلِّموا الإسلام وينشروه بالهيئة التي تلقوه بها، فكان
¬
(¬1) في شرح مختصر الروضة3: 289.
أبو الدَّرداء ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهم - في الشَّام، وأبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - في البصرة، وابنُ عَبّاس - رضي الله عنه - في مكة، وزيد بن ثابت وعائشة وابن عمر وأبو هريرة - رضي الله عنهم - في المدينة، وابن مسعود وعليّ - رضي الله عنهم - في الكوفة، وهكذا، ومنهم تكوَّنت نواة المذاهب الفقهية في نقل الجانب العملي للإسلام لمَن بعدهم.
فخلاصة النقل في الكوفة مثلاً: أنه بعد فتح الكوفة على يدِ سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - سنة (17هـ)، بعثَ عمرُ - رضي الله عنه - لها عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أَميراً، وابنَ مسعود - رضي الله عنه - قاضياً؛ لأنَّه من أكابر المجتهدين من الصَّحابة - رضي الله عنهم -، فهو خامس مَن أسلم (¬1)، وقال عنه - صلى الله عليه وسلم -: «رضيت لأُمَّتي ما رضي لها ابن أم عبد» (¬2)، و «تمسّكوا بعهد ابن أم عبد» (¬3)، و «خذوا القرآن عن أَربعة ... وذكر منهم ابن أم عبد» (¬4)، وقال عنه عمر - رضي الله عنه -: «كنيف مليء فقهاً» (¬5)، ووصفه حذيفة - رضي الله عنه - بأنَّه أشبه الصَّحابة - رضي الله عنهم - بهدي النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وسمته وسلوكه (¬6)، وكان يظنُّ أبو موسى الأشعرى - رضي الله عنه - عندما جاء مسلماً إلى المدينة أنَّه من بعض أهل النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لكثرةِ دخوله عليه (¬7).
وقال الشَّعبي - رضي الله عنه -: «ما كان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أفقه صاحباً من ابن
¬
(¬1) حلية الأولياء 1: 126، والمستدرك 3: 313، وصححه.
(¬2) المعجم الأوسط 7: 70، والبحر الزَّخار 5: 354.
(¬3) مصنف ابن أبي شيبة 7: 433، وصحيح ابن حبان 15: 328، وجامع التِّرمذي 5: 668.
(¬4) صحيح مسلم 4: 1913، واللفظ له، وصحيح البخاري 3: 1385، وغيرهما.
(¬5) مصنف ابن أبي شيبة 6: 384، والمعجم الكبير 9: 85، وفي المجمع 9: 291: رجاله رجال الصَّحيح.
(¬6) جامع الترمذي 5: 673، وقال: حديث حسن صحيح.
(¬7) السنن الكبرى للنسائي 5: 103، صحيح البخاري 3: 1373، وغيرها.
مسعود» (¬1).
فتلاميذه - رضي الله عنه - كانوا علماء الكوفة، الذي يرشدون النَّاس إلى خيرهم في دنياهم وآخرتهم، ومنارة للمستنيرين بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال سعيد بن جبير - رضي الله عنه -: «كان أصحاب عبد الله سُرُج هذه القرية» (¬2)، وقد كان ابن مسعود - رضي الله عنه - مِنَ النَّفر القلائل من الصَّحابة - رضي الله عنهم - الذين تيسر لهم التلاميذ الكثر، فقاموا بنقل علمهم وفقههم الذي ورثوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال علي بن المديني: «لم يكن من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد له أصحاب يقولون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس - رضي الله عنهم -» (¬3). وقال محمد بن جرير: «لم يكن أحد له أصحاب معروفون، حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود - رضي الله عنه -، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر - رضي الله عنه -، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله» (¬4).
بسبب ذلك نجد التَّابعي الكبير مسروق - رضي الله عنه - يقول: «شاممت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: نصفهم أهل الكوفة (¬5): إلى عمر، وعلي، وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، فشاممت هؤلاء الستة، فوجدت علمهم انتهى إلى عليّ وعبد الله» (¬6).
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق ص25، وغيره.
(¬2) ينظر: طبقات الشيرازي ص81، وطبقات ابن سعد 6: 10، وغيرها.
(¬3) ينظر: ابن مسعود - رضي الله عنه - ص279، وغيره.
(¬4) ينظر: مقدمة نصب الراية ص305، والمدخل إلى الفقه الإسلامي ص89، وابن مسعود - رضي الله عنه - ص279.
(¬5) ينظر: طبقات الشيرازي ص25، وغيره.
(¬6) في المعجم الكبير 9: 94، والجرح والتعديل 7: 27، وسير أعلام النبلاء 1: 493.
فعمر - رضي الله عنه - لم يتوطَّن الكوفة، ولكن شيخ الكوفة ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يتابعه في اجتهاداته، ويترك اجتهاده لاجتهاد عمر - رضي الله عنه -، مما جعل فتاوى عمر - رضي الله عنه - مصدراً أساسياً في فقه أهل الكوفة، ويدرك ذلك كلّ مشتغل بالاستدلال لمسائل أهل الكوفة، فإنَّها تكون موافقة لقول عمر - رضي الله عنه -.
وبهذا يكون علم عمر - رضي الله عنه - قد غذيت به الكوفة وكان مُستَنداً لهم في فقههم، فإن كان ذلك، يكون قد اجتمع لهم علم أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فحقّ لهم أن يبنوا لمن خلفهم هذا البنيان الفقهي الشامخ الذي بهروا به الأبصار (¬1).
فهذه الصُّحبة المديدة والمُلَازمة العجيبة لا بُدَّ أن تجعله مُدركاً وضابطاً لهدي النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وفاهماً لمقاصد الشَّرع وحافظاً لما ورد منه، ومثلُه أهلٌ بأن يأتي بمذهبٍ يُبيّن فيه حقيقة الإسلام الذي تلقاه من الحضرة النَّبويّة، وقد تجسّد هذا في المذهب الحنفيّ، فهو مذهب ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ إذ إنَّه الرَّكيزةُ الأساسيةُ في بنائه وتأسيسه.
فقد نُقل عن ابن مسعود - رضي الله عنه - كلُّ ما تعلمه من النَّبي - صلى الله عليه وسلم - واجتهد به كبارُ التَّابعين في الكوفة؛ إذ بقي في الكوفة ما يَقْرُب من خمس عشرة سنة يُربي ويُعَلِّم، فيَقول ابن مسعود - رضي الله عنه - عن علقمة النَّخعي - رضي الله عنه - الذي صحبه عشر سنين (¬2): «لا أَعلم شيئاً إلا وعلقمة يعلمه» (¬3)، وهذه شهادة عظيمةٌ يتضح من خلالها كمال النَّقل لهدي النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بطريق المدرسة، وشهد بذلك الطَّبري فقال: «لم يكن أحدٌ له أصحاب معروفون حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود - رضي الله عنه -، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر - رضي الله عنه -، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من
¬
(¬1) في مقدمة نصب الراية ص305.
(¬2) المعجم الكبير 9: 123.
(¬3) ينظر: مقدمة نصب الرَّاية ص304ـ305.
قوله إلى قوله» (¬1)، فحُفِظ وضُبِط بهذا الطريق كلُّ ما قاله ابن مسعود - رضي الله عنه - من نقلٍ واجتهادٍ.
وهذا الأمر الذي جعل عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - يُؤثر الكوفة في أن تكون مكاناً لخلافته بدلاً عن المدينة رغم أنَّها مهبط الوحي؛ لما امتاز أهلُها عن غيرهم من المعرفة الصَّحيحة للإسلام والفهم العميق، قال عليّ - رضي الله عنه -: «رحم الله ابن أم عبد قد ملأ هذه القرية علماً»، وقال سعيد بن جبير: «كان أصحاب ابن مسعود - رضي الله عنه - سُرج هذه القرية» (¬2).
قال مسروق - رضي الله عنه -: «انتهى العلم إلى ثلاثة: عالم بالمدينة، وعالم بالشام، وعالم بالعراق، فعالم المدينة علي بن أبي طالب، وعالم العراق عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء، فإذا التقوا سأل عالم العراق وعالم الشام عالم المدينة، ولم يسألهما» (¬3).
وبانتقال عالم المدينة - رضي الله عنه - إلى الكوفة اجتمع علمه - رضي الله عنه - وعلم ابن مسعود - رضي الله عنه - لأهلها؛ إذ أنَّ باب مدينة العلم لم يكن بأقلّ عناية بالعلم من ابن مسعود - رضي الله عنه -، فَوَالى تفقيههم، إلى أن أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المسلمين، في كثرة فقهائها، ومحدثيها، والقائمين بعلوم القرآن، وعلوم اللغة العربية فيها، بعد أن اتخذها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عاصمة الخلافة، وبعد أن انتقل إليها أقوياء الصحابة - رضي الله عنهم - وفقهاؤهم، توفي سنة (40هـ) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الرَّاية ص305، وابن مسعود - رضي الله عنه - ص279.
(¬2) ينظر: الطبقات للشيرازي ص81، والطبقات الكبرى لابن سعد 6: 10، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر السابق ص23، وغيره.
(¬4) ينظر: المدخل إلى الفقه الإسلامي ص88، وغيره.
فإذا أضيف إلى تعليم ابن مسعود - رضي الله عنه - تعليم عليٍّ - رضي الله عنه - لأهل الكوفة ببقائه فيهم أربع سنوات وهو خليفةٌ للمسلمين، وكلُّ همساته وحركاته وسَكَناته معلومة بينهم؛ لمكانته، فعليٌّ - رضي الله عنه - أكثر النَّاس حفظاً لحالِ النَّبيّ - رضي الله عنه -؛ وذلك لتربيته له قبل الإسلام وتزويجه ابنته وقرابته منه وذكائه الشَّديد، وهذه المدةُ كافية لكي يَنقل سلوك النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكوفة، فهو الشَّخصية الثَّانية من الصَّحابة - رضي الله عنهم - الأكثر تأثيراً في بناء المذهب الحنفي.
وهذا يكفي للطمأنينة بوجود الإسلام بتمامه في الكوفة زمن الصَّحابة - رضي الله عنهم -، فكيف إذا كان ابنُ مسعود - رضي الله عنه - يترك قوله لقول عمر - رضي الله عنه -، ويُخبر النَّاس بكلِّ ما يُفتي به عمر - رضي الله عنه -، وكيف إذا وُجد في الكوفة سبعون بدرياً وألف وخمسمئة صحابيّاً كما شهد بذلك العجليّ (¬1).
وقد تلقَّى عن هؤلاء أئمة التَّابعين مثل: 1) علقمة النَّخعي (ت63هـ) الذي رحل إلى أبي الدَّرداء وعمر وعائشة - رضي الله عنهم -، 2) ومسروق الهمداني (ت63هـ) الأعلم بالفتوى بشهادة الشَّعبي، 3) والحارث الهمداني (ت65هـ) المُقَدَّم بالعلم في الكوفة بشهادة ابن سيرين، 4) وعبيدة السلمي (ت72هـ) المقدَّم في علم الفريضة، 5) وعمرو الأودي (ت74هـ) من أصحاب معاذ - رضي الله عنه -، 6) وعبد الله السلمي (ت74هـ) عمدة القراء وقد تلقى عنه السّبطان، وأخذ عنه عاصم قراءته المشهورة، 7) والأسود النَّخعي (ت74هـ) الذي قالت عنه عائشة رضي الله عنها: «ما مات رجل بالعراق أكرم عليَّ من الأسود»، 8) والقاضي شريح المشهور (ت80هـ) الذي استمر في قضاء الكوفة اثنين وستين سنة وقد ولاه عمر - رضي الله عنه -، وغيرهم من العِظام الذين يطول الكلام بذكرهم.
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الرَّاية ص304.
وقد أخذ عن هذه الطبقة سعيدُ بن جبير (95هـ)، والشَّعبيُّ (ت104هـ) الذي يقول عنه ابن عمر - رضي الله عنهم -: «لهو أحفظ للمغازي مني، وإن كنت قد شهدتها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، وإبراهيم النَّخعي (ت95هـ) الذي يعتبر من أَبرز الشَّخصيات الفقهية التي بُنِي عليها المذهب الحنفي بعد ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال الأعمش: «ما عرضت على إبراهيم حديثاً قط إلا وجدت عنده منه شيئاً، وكان صيرفيّ الحديث، فكنت إذا سمعت الحديث من بعض أَصحابنا عرضته عليه» (¬1).
قال الزُّهريّ: «العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشَّام». ولم يكن علم الشَّعبي مقتصراً على معرفة المغازي والحديث، بل شمل الفقه وغيره، قال أبو مجلز: «ما رأيت أحدا أفقه مِنَ الشعبي»، ولد سنة (21 - 104هـ) (¬2).
فلو لم يحل بالكوفة إلا مثل الشعبيّ لكفاها علماً وحديثاً وفقهاً، فلا يعقل مدينة يوجد فيها أعلم أهل الأرض بالحديث، ثم يقول المستغربون: إنَّ الحديث لم يكن منتشراً فيها.
وما هذا الكلام منهم إلا لأنَّ الله - جل جلاله - طمس على قلوبهم، وإلا فإنَّ مَنْ ينظر إلى حال هؤلاء الأئمة وما قاموا به من واجب في التعلم والتعليم وحفظ دين الله - جل جلاله - لا يشك لحظة في نشرهم لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حِلهم وإقامتهم.
وعن هذه الطَّبقة أخذ أبو حنيفة، ولكن جلَّ أخذه كان على حماد بن أبي سليمان الذي كانت له ملازمة تامّةٌ لإبراهيم حتى في أُمور حياته العادية، وأبو حنيفة لازم أيضاً حماداً ملازمةً لم يلازم أحدٌ أحداً مثلها كما قال.
¬
(¬1) ينظر: توثيق كل ما سبق: المدخل إلى دراسة الفقه ص89ـ91.
(¬2) ينظر: حلية الأولياء 4: 310، ومرآة الجنان 1: 244، ووفيات الأعيان 3: 12 - 16.
فانظر كيف أنَّ ابنَ مسعود - رضي الله عنه - لازم النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وتلقَّى عنه الدِّين بقرآنه وأحاديثه مع تطبيقها وفهمها، ولازم علقمةُ النَّخعيُّ ابنَ مسعود - رضي الله عنهم - ملازمةً حمل فيها الإسلام بكماله وتمامه، ونشأ إبراهيمُ النَّخعيّ في أُسرة فقهيّة عريقة كما شهد الشَّعبيّ، فالأسودُ النَّخعيُّ خاله، ثُمَّ صَحِبَهُ حمادٌ صحبةً تامّة، وصَحِبَ حمادَ أبو حنيفة وتلقَّى عنه هذا الفهم النَّاضج لأحكام الدِّين من هؤلاء العِظام، وكان في كلِّ طبقةٍ رجالٌ غير هؤلاء زادوا في هذا الخير ـ كما سَبَق ـ.
وهذا الطَّريق مشهورٌ عند المالكية بإجماع أهل المدينة، وهم يُقَدِّمونه على حديث الآحاد؛ لأنَّه عبارةٌ عن نقلِ طبقةٍ عن طبقةٍ من أئمةِ الاجتهادِ من الصَّحابةِ والتَّابعين - رضي الله عنهم -؛ لذلك يقول فقيه المدينة وشيخ مالك ربيعة الرَّأي: «ألف عن ألف خير من واحد عن واحد» (¬1).
وعند السَّادة الحنفية مشهورٌ بالمتوارث، فهم يحتجَّون به في كثيرٍ من المسائل، ويَرون أنَّ لديهم نقلاً بطريق مدرسة الكوفة أَقوى من النَّقل بطريق مدرسة المدينة، وفي ذلك يقول القدوري (¬2) (ت428هـ) على احتجاج المالكية بعمل أهل المدينة: «وقولهم: إنَّ أهل المدينة يفعلون وينقلون، لا يصحّ؛ لأنَّ أهل الكوفة يفعلون وينقلون، ومَن انتقل إلى الكوفة من الأئمة أكثر ممَّن بقي بالمدينة».
ويُقرِّر هذا النَّقل المدرسي الذَّهبيّ فيقول (¬3): «أفقه أهل الكوفة عليّ وابن مسعود - رضي الله عنهم -، وأفقه أصحابهما علقمة، وأفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، وأفقه أصحاب حماد أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر
¬
(¬1) ينظر: الفكر السَّامي للحجوي 2: 458.
(¬2) التَّجريد 1: 411.
(¬3) سير أعلام النبلاء 5: 236.
أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد، وأفقه أصحاب محمد أبو عبد الله الشَّافعيّ».
ومِنْ هذا التَّسلسل التاريخي لمدرسة الكوفة يتبيَّن لنا بكل جلاء حفظهم لحديث وفِقه النَّبي - صلى الله عليه وسلم - بطرق متواترة نقلها جيل عن جيل مِنَ العدول الأثبات، وأنَّ هذه المدرسة استندت في فقهها إلى العمل المتوارث والحديث المنقول.
ويتلخّص الكلام في العمل المتوارث بعد التَّفصيل السَّابق: بأنَّه ما تتابع العمل به بين فقهاء الكوفة وحفاظها من كل طبقة إلى صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواء رفعوا في ذلك أثراً، أو وقفوه عليهم، ففي كثير مِنَ المسائل يظهر احتجاج فقهاء الكوفة وفي مقدّمتهم الإمام أبي حنيفة بعمل أو قول صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا سيما عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن مسعود - رضي الله عنه -؛ لأنَّ فقه الكوفة يدور عليهما ـ كما سبق ـ، وهذا الاحتجاج منهم؛ لما تبيَّن من شدّة ملازمة عليّ وابن مسعود - رضي الله عنهم - للنّبي - صلى الله عليه وسلم -، فما قالاه وعملا به صادرٌ عن مشكاة النُّبوة عموماً.
وأما الحديث المنقول، فقد اتضح لنا أنَّ الكوفة حظيت بمحدّثين وحفّاظ لم تحظَ بهم غيرهما مِنَ البلاد، مما أشاع الحديث في ربوعها بعد تمحيصه ومعرفة صحيحه من سقيمه، حتى تمكّن أئمة الفقه كأبي حنيفة من بناء المسائل عليه، قال الحسن ابن صالح: «كان أبو حنيفة شديد الفحص عن النَّاسخ مِنَ الحديث والمنسوخ، فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه - رضي الله عنهم -، وكان عارفاً بحديث أهل الكوفة، وفقه أهل الكوفة، شديد الاتباع لما كان عليه الناس ببلده، وقال: كان يقول: إنَّ لكتاب الله ناسخاً ومنسوخاً، وكان حافظاً لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأخير الذي قُبض عليه مما و صل أهل بلده» (¬1).
¬
(¬1) ينظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص11، وعقود الجمان ص176، وغيرها.
وهذا النَّصّ يوضح علو منزلة أبي حنيفة - رضي الله عنه - في الحديث، وهذا أمر لا نزاع فيه لدى العلماء المنصفين، ويبيِّن أنَّ الحديث كان منتشراً بالكوفة مما صحّ عن حفاظها.
المطلبُ الثَّاني: النَّقل المدرسي عند المالكية:
لا يخفى أنَّ المدينة المنورة زادها الله تشريفاً، كانت مهبط الوحي، ومستقر جمهرة الصَّحابة - رضي الله عنهم - إلى أواخر عهد ثالث الخلفاء الرَّاشدين، خلا الذين رحلوا إلى شواسع البلدان للجهاد ونشر الدِّين وتفقيه المسلمين (¬1).
فهي موطن الدعوة الإسلامية وفيها نشأت دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واستمرت الخلافة فيها في عهد أبي بكر (ت13هـ) وعمر (ت23هـ) وعثمان (ت36هـ) - رضي الله عنهم -، وكانت مقرّاً لغالبية صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، مثل:
أُبَيّ بن كعب - رضي الله عنه - (ت22هـ)، وعائشة رضي الله عنها (ت58هـ)، وزيد بن ثابت - رضي الله عنه - (ت45هـ).
قال زياد بن مينا: «كان ابنُ عبّاس وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة - رضي الله عنهم - مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتون بالمدينة، ويحدّثون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لدن توفي عثمان - رضي الله عنه - إلى أن توفوا، والذي صارت إليهم الفتوى منهم: ابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنهم - (¬2).
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الراية ص301، وغيرها.
(¬2) ينظر: طبقات الشيرازي ص33، وغيرها.
ومن كبار التَّابعين:
قال مسروق: «دخلت المدينة فوجدت بها مِنَ الرّاسخين في العلم: زيد بن ثابت وأخذ عن زيد عشرة من فقهاء المدينة: سعيد بن المسَيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبان بن عثمان، وقبيصة بن ذؤيب» (¬1).
1.سعيد بن المسَيِّب بن حزن المخزومي (13 - 94هـ) (¬2)، قال ابن عمر - رضي الله عنه - لأصحابه: «لو رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا لسرّه». وقال ابن المسيب: «ما بقي أحد أعلم بكل قضاء قضاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكل قضاء قضاه أبو بكر - رضي الله عنه - وكل قضاء قضاه عمر - رضي الله عنه - وكل قضاء قضاه عثمان منّي».
2.عروة بن الزبير بن العوام (26 - 94هـ) (¬3)، قال عمر بن عبد العزيز: «ما أحد أعلم من عروة بن الزبير». وقال الزُّهْرِيُّ: «عروةُ بحرٌ لا تُكَدِّرُه الدلاء». و قال الذهبيّ: «كان يصوم الدهر، ومات وهو صائم، وكان يقرأ كلّ يوم ربع الختمة في المصحف، ويقوم الليل».
3.أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزوميّ (ت94هـ) (¬4)، كان يسمى راهب قريش؛ لعبادته وفضله.
4.عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذليّ (ت94هـ) (¬5)، قال عمر
¬
(¬1) ينظر: طبقات الشيرازي ص28، وغيرها.
(¬2) ينظر: وفيات الأعيان 2: 378، والأعلام 3: 155، وطبقات الشيرازي ص39.
(¬3) ينظر: العبر 1: 110 - 111، والتقريب ص329، وطبقات الشيرازي ص41، وغيرهم.
(¬4) ينظر: مرآة الجنان 1: 189، والعبر1: 111، وطبقات الشيرازي ص42، وغيرهم.
(¬5) ينظر: وفيات الأعيان 3: 115 - 116،وطبقات الشيرازي ص42، والتقريب ص313.
ابن عبد العزيز: «لأن يكون لي مجلس من عبيد الله أحب إليّ من الدنيا». وقال الزهري: «سمعت من العلم شيئاً كثيراً فظننت أني اكتفيت حتى لقيت عبيد الله بن عتبة فإذا كأني ليس في يدي شيء».
5.خارجة بن زيد بن ثابت (ت100هـ) (¬1)، قال مصعب: «كان خارجة بن زيد وطلحة بن عبد الله بن عوف في زمانهما يستفتيان وينتهي الناس إلى قولهما ويقسّمان المواريث بين أهلها مِنَ الدور والنخل والأموال ويكتبان الأموال».
6.القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (ت106هـ) (¬2)، قال يحيى بن سعيد: «ما أدركنا أحداً بالمدينة نفضله على القاسم». وقال مالك: «كان القاسم فقيهاً من فقهاء هذه الأمة». وقال أيوب: «ما رأيت أفضل منه». وقال عمر بن عبد العزيز: «لو كان أمر الخلافة إليَّ لما عدلت عن القاسم».
7.سليمان بن يسار مولى ميمونة الهلالي (ت107هـ) (¬3)، قال قتادة: «قدمت المدينة فسألت مَنٍْ أعلم أهلها بالطلاق؟ قالوا: سليمان بن يسار». وقال مالك: «سليمان من أعلم الناس عندنا بعد سعيد بن المسَيِّب».
ومن أصحاب كبار التَّابعين:
1.محمد بن مسلم بن عبيد الله ابن شهاب الزُّهْرِيّ (51 - 124هـ) (¬4)، قال عمر بن عبد العزيز: «لا أعلم أحداً أعلم بسنة ماضية منه». وقال أيوب: «ما رأيت أحداً أعلم من الزُّهْرِيّ».
¬
(¬1) ينظر: طبقات الشيرازي ص43، وغيرها.
(¬2) ينظر: العبر1: 132، وطبقات الشيرازي ص41، والتقريب ص387، وغيرهم.
(¬3) ينظر: التقريب ص195، والعبر 1: 131، وطبقات الشيرازي ص43، وغيرهم.
(¬4) ينظر: العبر 1: 158 - 159، والتقريب ص440، وطبقات الشيرازي ص47 - 48، والإمام الزُّهْرِيّ وأثره في السنة ص260 - 261، وغيرها.
2.محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (56 - 114هـ) (¬1)، أبو جعفر، المعروف بالباقر، وقيل له: الباقر؛ لأنَّه بَقَرَ العلم، أي شقَّه وعرف أصله وخفيَّه.
3.عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (ت 126هـ) بالشام (¬2)، قال ابن عيينة: «كان أفضل أهل زمانه».
4.أبو الزناد عبد الله بن ذكوان (65 - 131هـ) (¬3)، قال أبو حنيفة: «كان أبو الزناد أفقه من ربيعة».
5.ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ المعروف بـ (ربيعة الرأي) (ت136هـ) (¬4)، أدرك من الصَّحابة: أنس بن مالك، والسّائب بن يزيد، وعامّة التَّابعين. قال يحيى بن سعيد: «ما رأيت أحدا أفطن من ربيعة». وقال عبد الله بن عمر العمري: «هو صاحب معضلاتنا وأعلمنا وأفضلنا». وقال العنبري: «ما رأيت أحداً أعلم من ربيعة الرَّأي».
6.يحيى بن سعيد الأنصاري (ت 144هـ) (¬5)، كان قاضياً لأبي جعفر. وقال أيوب: «ما تركت أفقه من يحيى بن سعيد في المدينة».
¬
(¬1) ينظر: مرآة الجنان 1: 247 - 248، والعبر1: 142، وطبقات الشيرازي ص50.
(¬2) ينظر: التقريب ص290، وطبقات الشيرازي ص50، وغيرهما.
(¬3) ينظر: العبر1: 173، ومرآة الجنان1: 273 - 274، وطبقات الشيرازي ص49، والأعلام4: 217.
(¬4) ينظر: الميزان 3: 68، و العبر 1: 183، وطبقات الشيرازي ص50، والأعلام 3: 42.
(¬5) ينظر: تهذيب الكمال 31: 346 - 359، والتقريب ص521، وطبقات الشيرازي ص51، وغيرهم.
7.عبد الله بن يزيد بن هرمز (ت148هـ) (¬1)، وعنه أخذ مالك، قال ربيعة: «والله ما رأيت عالماً قط بعيني إلا ذاك الأصم ابن هرمز»، وقال مالك: «كان من أعلم الناس بما اختلف الناس فيه من هذه الأهواء».
قال ابنُ شهاب: «جمعنا هذا العلم من رجال في الروضة، وهم: سعيد بن المسَيِّبـ، وأبو سلمة، وعروة، والقاسم، وخارجة، وسليمان، ونافع»، ويقول مالك: «ثم نَقل عنهم ابن هرمز وأبو الزناد وربيعة والأنصاري، وبحر العلم ابن شهاب، وكل هؤلاء يُقرأ عليهم» (¬2).
ومن هذه الطَّبقة كان جلّ علم الإمام مالك، قال الذهبي (¬3): «ولم يكن بالمدينة عالم من بعد التَّابعين يشبه مالكاً في العلم والفقه والجلالة والحفظ، فقد كان بها بعد الصَّحابة - رضي الله عنهم - مثل سعيد بن المسَيِّب والفقهاء السبعة والقاسم وسالم وعكرمة ونافع وطبقتهم، ثم زيد بن أسلم وابن شهاب وأبي الزناد ويحيى بن سعيد وصفوان بن سليم وربيعة بن أبي عبد الرحمن وطبقتهم، فلمّا تفانوا اشتهر ذكر مالك بها وابن أبي ذئب وعبد العزيز بن الماجشون وسليمان بن بلال وفليح بن سليمان والداروردي وأقرانهم، فكان مالك هو المقدم فيهم على الإطلاق، والذي تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق رحمه الله تعالى».
والمقصودُ بعمل أهل المدينة ـ كما سبق ـ هو طريق النَّقل إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - من علماء أهل المدينة، فهو أثبت وأقوى من طريق النَّقل بالأسانيد للمحدّثين عند مالك، فعمل المدينة إذا جرى في المسألة واتفق عليه علماؤها بالنَّقل عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -،
¬
(¬1) ينظر: مالك - رضي الله عنه - حياته وعصره ص88، وطبقات الشيرازي ص51، وغيرهما.
(¬2) ينظر: مالك - رضي الله عنه - حياته وعصره ص86 - 87 عن المدارك ص178.
(¬3) في سير أعلام النبلاء 8: 58.
يقول مالك بحجيته وتقديمه على القياس، بل على الحديث الصَّحيح؛ بل عمل جمهور المالكية يحتجّ به ويقدّمه على خبر الواحد (¬1)؛ «لأنَّ الرَّأي المشهور المعمول به في المدينة سنة مأثورة مشهورة، والسُّنة المشهورة مقدَّمة على أخبار الآحاد.
ويظهر أنَّ ذلك المنهاج لم يبدأ به مالك، فقد رأينا ربيعة الرَّأي شيخه يذكر ذلك المنهج، فيقول: ألف عن ألف خير من واحد عن واحد.
فالإمام مالك لم يبتدع ذلك المنهاج ابتداعاً، بل سلك سبيلاً قد سبقه إليه غيره من التَّابعين وأهل العلم، ولكن اشتهر به هو؛ لكثرة ما ابتلي به من الإفتاء، ولأنَّه دوَّن بعض ما أفتى به مخالفاً للخبر الذي رواه هو، فنسب المنهج إليه، ولكنَّه فيه كان متّبعاً ولم يكن مبتدعاً» (¬2).
«قال ابن القاسم وابن وهب: رأيت العمل عند مالك أقوى مِنَ الحديث، قال مالك: وقد كان رجال من أهل العلم مِنَ التَّابعين يحدّثون بالأحاديث وتبلغهم عن غيرهم فيقولون: ما نجهل هذا، ولكن مضى العمل على غيره.
قال مالك: رأيت محمد بن أبي بكر ابن عمر بن حزم وكان قاضياً، وكان أخوه عبد الله كثير الحديث رجل صدق، فسمعت عبد الله إذا قضى محمد بالقضية قد جاء فيها الحديث مخالفاً للقضاء يعاتبه، ويقول له: ألم يأت في هذا حديث كذا؟ فيقول: بلى، فيقول أخوه: فما لك لا تقضي به؟ فيقول: فأين الناس عنه، يعني ما أجمع عليه مِنَ العلماء بالمدينة، يريد أنَّ العمل بها أقوى مِنَ الحديث.
قال ابن المعذل: سمعت إنساناً سأل ابن الماجشون لمَ رويتم الحديث ثم تركتموه؟ قال: ليعلم أنا على علم تركناه.
¬
(¬1) ينظر: الفكر السامي 2: 458، وغيره.
(¬2) ينظر: مالك - رضي الله عنه - لأبي زهرة ص280، وغيره.
قال ابن مهدي: السُّنة المتقدِّمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث.
قال ابن أبي حازم: كان أبو الدرداء يُسأل فيجيب، فيقال: إنَّه بلغنا كذا وكذا ـ بخلاف ما قال ـ، فيقول: وأنا قد سمعته، ولكني أدركت العمل على غير ذلك» (¬1).
المطلبُ الثَّالث: اعتماد المذهب الحنفي والمالكي على النَّقل المدرسي والمذهب الشَّافعيّ والحنبليّ على النَّقل الحديثي:
إنَّ مَنْ يُكثر الاشتغال بفقه السَّادة الحنفية يلمح بكلّ وضوح وجلاء أنَّهم بنوا جلّ المسائل على آثار الصَّحابة والتَّابعين - رضي الله عنهم - لا سيما الذين توطَّنوا وعاشوا في الكوفة، فكثيراً ما يرد في كتبهم الفقهية للاستدلال على بعض الأحكام أنَّهم قالوا به للتوارث، أي: لما ورثه شيوخ المدرسة أبو حنيفة وأصحابه عن شيوخهم مِنَ التابعين والصحابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
بل إنَّ منشأ اعتماد أكثر مسائلهم في الاستنباط والتَّفريع هو ما تلقوه عن الصَّحابة - رضي الله عنهم - في الكوفة، فهو مذهب تأسس وبني على فقه وآثار السَّلف - رضي الله عنهم - في تلك البقعة التي كانت عاصمة الإسلام، ومهد علومه المختلفة في مرحلة تكوين المذهب ونشأته.
لذلك يمكننا القول: إنَّه مذهب مدرسي تكوَّن من اجتهادات الصحابة والتابعين وتابعيهم، وعمل الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - هو النقل عنهم والتقعيد لمسائله والتفريع والتَّأصيل لها، فهو مذهب متوارث جيلاً بعد جيل من الترتيب والتهذيب إلى يومنا هذا.
¬
(¬1) ينظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض1: 46.
وهذا الذي نقوله ليس فهماً لنا، وإنَّما ظاهر وواضح عند علماء المذاهب عبر القرون، وما طعن الطَّاعنون في مسائل المذهب من حيث الاستدلال إلا لخفاء هذه الحقيقة الجلية عنهم، وعزوبها عن أنظارهم.
فالمذهب الحنفي والمذهب المالكي مذهبان بنيا على الفقه المتوارث عن الصَّحابة والتَّابعين - رضي الله عنهم -، فهما مدرستان أساسهما آثار الصَّحابة واجتهاداتهم، وهذه الحقيقة مشهورة جداً بالنِّسبة للمذهب المالكي فيما يسمّى عندهم إجماع أهل المدينة، وقد أُلِّفت فيه بحوث عديدة، والأمر لا يختلف في المذهب الحنفي من حيث المبدأ، إلا أنَّه يُسَمَّى التَّوارث في كتب السَّادة الحنفية، وليس الإجماع.
ويدلّ على ذلك العديد من عبارات علماء المذهب الحنفي، ومنهم مثلاً: القدوري (ت428هـ) عند احتجاجه في مسألة خلافية بين الحنفية والمالكية، إذ قال (¬1): «وقولهم: إنَّ أهل المدينة يفعلون وينقلون لا يصحّ؛ لأنَّ أهل الكوفة يفعلون وينقلون، ومَنْ انتقل إلى الكوفة مِنَ الأئمة أكثر ممن بقي بالمدينة».
ورغم كل هذه الأهمية لهذا الموضوع، فإنني لم أقف على دراسة فيه، لذلك سأفصّل الكلام في إثبات هذه الحقيقة بالتَّركيز على المكانة العلمية الرفيعة للكوفة.
وسعياً في تحقيق ذلك، فسيكون الكلام في حال الصَّحابة - رضي الله عنهم - الذين نزلوا في الكوفة وما قاموا به من نشرٍ للعلم، ثم في كيفية نقل فعلهم وأقوالهم وتواترها جيلاً بعد جيل إلى أن وصلت إلى إمام الأئمة أبي حنيفة الذي نُقل فقهه إلينا بطرق متواترة أو مشهورة.
فمَن يدقِّق النظر يجد أنَّ فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله المنقول من خلال مدرسة
¬
(¬1) التجريد 1: 411.
الكوفة ظفر بعناية فائقة في كل طبقة من الطَّبقات حتى وصل إلينا، بلا شكّ في رجل من السَّند، أو وهم راوٍ، أو تدليس شيخ، أو اضطراب لفظ وسند، أو انقطاع، أو نقل حديث بالمعنى، أو غيرها مما يقع في الحديث النَّبوي الشَّريف؛ لأنَّه نُقل من طريق الفقهاء الكبار الضَّابطين في كل طبقة، البالغ عددهم حدّ التواتر، بخلاف ما يكون مروياً بطرق بعض الرواة، وبطرق آحاد.
بسبب ذلك وجدنا الإمام مالك لا يعير بالاً لحديث مخالف لعمل أهل المدينة، ليس لأنَّ فعل أهل المدينة مقدّم على كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا عاقل يقول بذلك، بل لأنَّه - رضي الله عنه - يسعى إلى التَّثبت فيما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالكل راجع له - صلى الله عليه وسلم -، ومسترشد بقوله، فما نقل بطرق متواترة من فعل وقول النّبي - صلى الله عليه وسلم - من الصَّحابة - رضي الله عنهم - المقيمين بالمدينة، ومِنَ التَّابعين ومَنْ بعدهم جزماً أقوى مما نقل بطرق آحاد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيمكن أن الرَّاوي نسي أو أخطأ أو غيَّر معنى أو غير ذلك مما يطول ذكره.
وهذا الأمر بتمامه حاصل في الكوفة، فهي حاضرة الإسلام بعد المدينة المنورة، وفيها حلَّ كبار الصَّحابة - رضي الله عنهم - وفقَّهوا أهلها، وحمل عنهم التابعون ومَنْ بعدهم وعلى رأسهم الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فكل ما يخالف العمل المتوارث المنقول من فعل وقول النَّبي - صلى الله عليه وسلم - بالطُّرق المتظافرة نجد الإمام أبا حنيفة لا يتركه لحديث حفظ راويه أو نسي، كما كان يفعل أئمة مدرسة الكوفة من قبله، فها هو الإمام إبراهيم النَّخَعيّ - رضي الله عنه - يحتجّ بذلك العمل المتوارث من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين نزلوا في الكوفة في مسألة، فيقول: «هبط الكوفة ثلاثمئة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر، لا نعلم أحداً منهم قَصَر، ولا صلَّى الركعتين اللتين قبل المغرب» (¬1).
¬
(¬1) ينظر: طبقات ابن سعد 6: 9.
فهذه الحقيقة واضحة لكل مشتغل بالمذهب الحنفي والاستدلال له، فكل مسألة خالف فيها أبو حنيفة غيره وأعوزه الحديث فيها، وجدنا أنَّه قد قال بها ابن مسعود - رضي الله عنه - أو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أو غيرهم مِنَ الصحابة - رضي الله عنهم - الذين حلّوا في الكوفة، وكان عمل فقهاء أهل الكوفة المعتمدين عليها، حتى وصل للإمام أبي حنيفة، فاعتماده - رضي الله عنه - على هذا النَّقل المستفيض عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغنيه عن حديث الآحاد فيها.
وحاصل الكلام: أنَّ مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة اعتمدتا في فقههما على النَّقل المتوارث جيلاً بعد جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما اختلف فيه، فكل منهما يقدم ما نقل مجتهدو الصَّحابة - رضي الله عنهم - الذين حلّوا في بلده، ومَنْ بعدهم مِنَ الفقهاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحتج به، وهذا وإن كان مصرحاً به في كتب المالكية ومنها «الموطأ»، إلا أننا نلاحظ الأمر نفسه متبع في كتب الحنفية ضمناً لمن يراجع كتب الاستدلال لهم: ككتاب «إعلاء السُّنن»، وغيره، بخلاف ما عند الشَّافعية والحنابلة من الاعتماد على نقل الثِّقة عن غيره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا هو سبيل الإمام الشافعي - رضي الله عنه - للظفر بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لتأخره زماناً عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، وتنقله بين البلاد، فلمّا لم يحصل له ما حصل لهما مِنَ النقل المدرسي المتوارث، ولا ضير عليه في ذلك؛ لأنَّ كلاً منهما أصّل الأصول المعتبرة في استخراج الفروع ونقل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى غدا كلّ واحد منها لإحكام قواعده راجح في ذاته إذا نظرنا لمسائله من خلال أصوله، مرجوح لمقلّد غيره إذا نظر له من خلال أصول غيره.
واعتماد المذهب الشَّافعي والمذهب الحنبلي على النَّقل الحديثي أمر ظاهر مشهور، قال الشَّافعيُّ: «الأصلُ قرآنٌ وسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل
الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصح الإسناد منه فهو سنة، والإجماعُ أكبر مِنَ الخبر المفرد، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به، وإذا تكافأت الأحاديث فأَصحُّها إسناداً أَوْلاها، وليس المُنقطع بشيء، ما عدا منقطع ابن المسيب، ولا يُقاس على أصلٍ، ولا يُقال للأصل لِمَ وكيف، وإنَّما يقال: للفرع لِمَ، فإذا صح قياسه على الأصل صح وقامت به الحجة» (¬1).
ففي هذا النَّصّ لم يجعل الشَّافعيّ اعتباراً بعد صحّة الحديث لعمل الصحابة - رضي الله عنهم - أو إجماع المدنية وإنما احتكم لمسلك المحدثين في الوصول إلى ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقال يحيى بن سعيد القطان: «إني لأدعو الله للشَّافعي في الصَّلاة وغيرها منذ أربع سنين؛ لما أَظْهَر مِنَ القولِ بما صَحّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (¬2).
يظهر لنا قول القطَّان أن قبل الإمام الشَّافعي كان الاعتماد عند الفقهاء على غير طريق المحدثين في بناء الأحكام الفقهية، وهو ما سميناه البناء المدرسي، ولما جاء الشافعي استطاع بناء مذهب عظيم من خلال طريق المحدّثين في النَّقل عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأختم الكلام بقول العلّامة ظفر أحمد التهانوي - رضي الله عنه - (ت1394هـ) بعد أن ذكر شيئاً مِنَ النُّصوص التي مرّت معنا؛ إذ قال (¬3): «فهذه النصوص تدلُّك على أنَّ طريقَ التَّقليد كان شائعاً في الصَّحابة والتَّابعين حتى كان بعض المجتهدين يُقلِّدُ بعضاً منهم فضلاً عن أهلِ الاجتهاد، بل أرشدهم النَّبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التَّقليد حيث
¬
(¬1) ينظر: الفكر السامي ص468 عن المنهاج.
(¬2) ينظر: الانتقاء ص123 - 125.
(¬3) في إعلاء السنن 20: 11.
أمرهم باتباع سنة الخلفاء الرَّاشدين، بل أرشدهم الله إلى التَّقليد، حيث قال - جل جلاله -: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون} النحل: 43.
فالقولُ بأنَّ التَّقليدَ بدعةٌ حدثت في القرنِ الرَّابع أو بدعةٌ حدثت في القرن السَّادس كتمان، والحَقُّ أنَّ التَّقليدَ متوارثٌ من عهدِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى زماننا هذا، وثابتٌ مِنَ النُّصوصِ التي ذكرنا بعضها في هذه الفائدة وتركنا بَعْضَها خوفاً مِنَ الإطناب».
المبحثُ السَّادس: وظائف المجتهدين وطبقاتهم:
المطلبُ الأَوَّل: وظائف المجتهدين:
وقع لبس كبير في قضية الاجتهاد، بحيث لا يتصور إلا بصورته المطلقة الموجودة في المجتهد المطلق الذي يستنبط الأحكام مِنَ الكتاب والسُّنة، وفي الحقيقةِ هذا نوعٌ من أنواع الاجتهاد لا كلّ الاجتهاد.
ومَن لا ينتبه لهذه النُّكتة يبقى حياً في عالم ٍ من الخيال، وبعيداً عن الواقع، والذي نريده هاهنا أن يكون كلامنا في وظائف المجتهد استقراءً وواقعاً لا كلام فرضيّات وعقليّات:
فمن حيث الاستقراء: مضى على اجتهادات علماء الأمّة ما يزيد عن أربعة عشر قرناً، سُلِكَتْ فيها مناهج وطُرُق في التَّوصلِ إلى الأحكامِ الشَّرعيّةِ والتَّعرّف عليها والإفتاء بها والتَّقنين منها، فنريد من حيث استقراء التَّاريخ الفقهيّ أن ندركَ ذلك ونقرِّرَه.
ومِنْ حيث الواقع: أننا نعيش الإسلام في حياتنا ونجتهد في تطبيقِه على أنفسِنا وأهلينا ومجتمعنا، والإسلام العمليّ التَّطبيقيّ مرجعه إلى الفقه بالدَّرجة