روضات الجنات ....
... في تهذيب اللسان
جارٍ تحميل الكتاب…
روضات الجنات ....
... في تهذيب اللسان
الطبعة الأولى
1445هـ ـ 2024م
روضات الجنات
في تهذيب اللسان
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدّين.
وبعد:
فبعد أن يسرَّ الله تعالى فتح تخصص «الإصلاح والوفاق الأسري» في كلية الفقه الحنفية المباركة، وهو تخصصٌ فريدٌ، لا مثيل له في كلية أُخرى؛ لأنّه يَسعى إلى إخراج علم التزكية والتصوف بحلّة عصرية ودراسة أكاديمية، بحيث يكون هو السَّبيل الأكبر لحلِّ الإشكاليات الزّوجية، وتخريج مُصلحين شرعيين ضابطين لعلم التربية والعلوم الشّرعية، قادريين على تقديم استشارات أُسرية للأزواج والآباء والأولاد والأفراد.
فعامةُ المشاكل راجعة إلى عيوب النفس، فمتى استطعنا أن نُعالج مشاكل أنفسنا، فإننا نصبح قادرون على حلِّ أي مشكلة زوجيةٍ أو اجتماعيةٍ أو اقتصاديةٍ أو سياسةٍ أو تعليميةٍ أو شخصيةٍ، فكلُّ المشاكل عائدة للنُّفوس في أساسها.
ولذلك عُنينا بدراسة ما يتعلّق بالنَّفس البشرية بعدّة مساقات جامعية، حتى يَتمكن الدّارس من الإحاطة بها، وإدراك عيوبها، ويَقدر على التعامل معها.
وفي هذا المساق نتكلم عن اللسان وما يتعلَّق به من أحكام، حيث اعتمدت في عرضه على كبار علماء التزكية والتربية: كحجة الإسلام الغَزاليِّ في كتاب «إحياء علوم الدين» و «بداية الهداية» ورسائله، فعَمَدْتُ إلى «الإحياء» واختصرتُ ما وَرَدَ فيه فيما يتعلق بموضوعنا، ثمّ صرفت همتي إلى كتاب «الطريقة المحمدية» للبركلي، و «البريقة المحمودية» للخادمي فانتخبت منهما ما يَلزمنا، وأَضفت إليهما إضافات كبيرة من «قوت القلوب» لأبي طالب المكي و «روضة العقلاء» للتميمي و «حسن السمت» للسيوطي و «التزكية على منهاج النبوة» للدكتور معاذ حوى و «الرسول المعلم» لأبي غدة وغيرها من المصنفات التربوية النَّافعة.
وقسّمتُ الكتاب على تمهيد وفَصلين:
التَّمهيد: في فضل الصَّمت، بيَّنتُ فيه أنّه أنجع الطُّرق لمعالجة مَشاكل اللِّسان؛ لكثرة ما له من آفات، ويصعب التَّخلص منها، وبالصَّمت يتدارك عامةَ عيوب اللسان.
والفصل الأول: في آفات اللسان، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في آفات اللسان المحظورة أصالة، وهي ما تكون في نفسها ممنوعة، فينبغي تركُها والإعراضُ عنها، واحتوى على ستين آفة للسان، مقسّمةً على ثلاثةَ عشرةَ مَطلباً:
المطلب الأول: في ألفاظ الكفر.
والمطلب الثاني: في الكذب.
والمطلب الثالث: في الاستهزاء.
والمطلب الرابع: في بذاءة اللسان.
والمطلب الخامس: في الغناء وأمثاله.
والمطلب السادس: في المراء وأمثاله.
والمطلب السابع: في السؤال الفاسد.
والمطلب الثامن: في الخطأ في الكلام.
والمطلب التاسع: في مخالفة الأدب.
والمطلب العاشر: في الكلام وقت الذكر.
والمطلب الحادي عشر: في الحلف المحظور.
والمطلب الثاني عشر: في الغيبة والنَّميمة.
والمطلب الثالث عشر: متفرّقات لم تذكر فيما سبقه.
والمبحث الثَّاني: في آفات اللسان المحظورة تبعاً، وهي ما تكون في نفسها مباحةً، ولكن طرأ عليها المحظور لسبب ما كالمزاح في نفسه مباحٌ، لكن المبالغة به أو إلحاق الأذى فيه بغيره يجعله محظوراً، وهو يشمل ثمان آفات.
والمبحث الثَّالث: آفات اللسان المحظورة سكوتاً، وهي ما يكون المحظورُ السُّكوت لا النُّطق، مثل: السكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه خمس عشرة آفة.
فكان المجموعُ ثلاثاً وثمانون آفة، وليس هذا حصراً لها، فهي في نفسها غير محصورة، ولكنها تنبيهٌ على فكرتها وكيفيتها وحكمها وطريق علاجها.
وأكثر مَن توسَّع في ذكرها هو البركوي في «الطريقة المحمدية»، فأوصلها إلى تسع وثمانين، فاقتفيتُ أثره في ذلك، لكن أمكن دمج بعضها في بعض وإضافة أُخرى إليها، فوصل العدد إلى سَبَق، في حين نجد أنَّ الغَزاليَّ ذكر منها في «الإحياء» و «رسائله» عشرين آفة فقط، لكنها تُعَدُّ الآفات الأَهم والأبرز التي ينبغي الاعتناء بها.
والفصل الثاني: في وظائف اللسان، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: فيما يتعلق بالذِّكر، فهو أبرزُ الطُّرق وأجدرُها بعد العزلة والصَّمت في معالجة آفات اللسان والتَّحكم به، ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: قراءة القرآن.
والمطلب الثاني: الأذكار.
والمطلب الثالث: الدعاء.
والمبحث الثَّاني: فيما يتعلق بالكلام، وعرضتُ فيه صوراً مختلفة لمحاسن الكلام، فكان مشتملاً على خمسة مطالب:
المطلب الأول: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمطلب الثاني: في الصدق.
والمطلب الثالث: في الحياء.
والمطلب الرابع: في الكلام المستحسن، ومنه: التحبب للآخرين، وإفشاء السلام، والكلام الطيب، والدعاء للمسلمين، والستر على المسلم، ومواسات المسلم، وتشميت العاطس، والنصيحة للمسلمين، والكلام المباح.
والمطلب الخامس: في التعلم والتعليم، ذكرتُ فيه أَساليب النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعليم، ووصل عددها إلى أربعين أُسلوباً، وبينتُ فيه أفضل وسائل التعلم، ووصلت إلى سبع وثلاثين وسيلة.
وفي الختام أرجو من الله تعالى أن أكون قدّمت لبنةً طيبةً في هذا الموضوع، يُمكن أن يبنى عليها ويستفاد منها، وهي أول دراسة مفردة في اللِّسان في حدودِ علمي شاملةٌ لقبائح اللِّسان ومحاسنُه، بحيث استوعبتُ الفكرة فيها، وإن كانت تحتاج إلى زيادة تحقيق وتحرير لمباحثه وإضافة لفوائده، فلا ينحصر العلم بكتاب ولا عالم، وهذه سنةُ الله تعالى في كونه، إلا أنني وقفتُ على دراسة خاصّة بآفات اللِّسان للمشوخي.
وبسبب شمول الكتاب لما يتعلَّق باللسان، فقد حَوَى الدَّاء والدَّواء، وذكر حلولاً لأمراض اللسان على النحو الآتي:
1. العزلة فيما لا حاجة فيه للاختلاط، وهي أنفعُ الطُّرق، وأولاها بالاهتمام، وينصح للدارسين فيه البدء بتطبيقها في أثناء دراسة المساق؛ ليكون عادة عندهم فيما بعد.
2.الصمتُ فيما لا حاجة فيه للكلام، وهو أولى الطرق بعد بعد العزلة؛ لكثرة محاذير اللسان، وصعوبة النَّجاة من الوقوع فيها.
3.تعلم الآفات ومعرفتها، فلا يُمكن العمل بدون علم، ومعرفتها أساس كبيرة للحذر منها وتجنبها والابتعاد عنها.
4.الوقوف على دلائل قبحها سواء في القرآن أو السنة أو أقوال السلف والخلف من الصالحين، فإن لها الأثر الأكبر في التنفير منها، وإيجاد قدوة صادقة تبين حالها وتحذر منها.
5.معرفة أسبابها وبواعثها وطرق علاجها من كلام أئمة الفَنِّ كالغَزاليِّ، فيكون نافعاً لمن أراد التخلص منها.
6.بيان الحكم الفقهي لكلِّ آفة، وهذا مما انفردت به هذه الدراسة عن غيرها، بحيث يعرف هل الكراهة فيه تنزيهيةً أو تحريميةً بإثم أو إساءة فحسب أو حراماً، فتنزل كلَّ آفة منزلتها من القبح، فلا يُعامل المكروه التنزيهي، وهو خلاف الأولى معاملة الحرام، ولا يُعامل المكروه التَّحريمي
بإساءة كالمكروه التحريمي بإثم، فيتجاوز في الأقلّ من التنزيه والإساءة ما لا يتجاوز في الإثم والحرام.
وهذا المبحثُ مختلطٌ جداً في كتب التَّصوف، وتعنيتُ الاهتمام به كثيراً؛ لما فيه من الفائدة الكبيرة جداً في تقدير حال كلِّ آفةٍ، وبيان خطرها وأثرها؛ لأنَّ الحكمَ مبنيٌّ على ذلك.
7.تفصيل الكلام في قراءة القرآن والذكر، وهي أقوى الوسائل اللسانية في معالجة الآفات، فكلماً أكثر من فعلها وأدائها كان أقدر التحكم بفسه والسيطرة على لسانه؛ لاعتماده على ربه سبحانه، فينبغي للطالب عند دراسة المساق أن يكثرَ من قراءة القرآن في كلِّ يوم.
ويُكثر من الذِّكر بعدة آلاف لكلِّ يوم، حتى تصبح معتادة في حياته، فلا يغفل لسانه فيما بعد عن ذكر الله تعالى في جميع أَحواله كما كان حال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن عائشة رضي الله عنها: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه» (¬1).
ويحافظ على الأدعية الواردة في القرآن والسنة والسلف في أوقاتها وأحوالها المذكورة، حتى يتعوَّد على الالتجاء لله تعالى في كلِّ صغيرة وكبيرة، ولا يعتمدَ على نفسِهِ، ويتكل عليها، فهي مصيبةُ المصائب.
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 282.
8. معرفة وظائف اللسان من الكلام الصَّادق والمباح والمستحسن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعلم والتعليم، بما يُغني عن غيره من الكلام المستقبح، فمَن عَوَّد نفسَه تحقَّقت له الكفاية به، واستغنى عما لا حاجة له به بما يلحقه المؤاخذة الدنيوية والأخروية.
9. العلم بأن صلاح اللسان تابع لصلاح القلب، فينبغي أخذ التدابير المناسبة لإصلاح قلبه، وهذا سيكون في مساق دراسي آخر.
10.المعرفة بأن تهذيب اللسان أمرٌ عمليٌّ لا نظري، كما هو الحال في علم التجويد، فيحتاج على الرِّياضة المستمرة والعمل الدوؤب ورفقة الصَّالحين الصَّادقين ومصاحبة شيخ يَلتزم معه بما له وعليه، والصَّبر الكبير على مجاهدة النفس، فهذا المادةُ النظريةُ معينةٌ ومساعدةٌ، وبدون تطبيق وعمل وصحبة لا تؤتي ثمارها، ولا يتحقق الغرض والمقصد في استقامة اللسان.
وموضوع اللسان لا غنى لكل مسلم عنه، وينبغي أن يهتم به غاية الاهتمام؛ لأن عامة مشاكل النفس ترجع للقلب واللسان، فيكون الكلام عن اللسان كلاماً في شقِّ هامٍّ من حياة الإنسان.
وقد نبَّه الله تعالى على أنّ عامّةَ ما يَصدر من اللِّسان من أقوال لغوٌ لا عبرة بها، وحصره سبحانه في أنواع محددة تمثيلاً لا قصراً للتذكير بالإعراض عن أكثر الكلام، فقال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114].
وهذا ما أشار إليه نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم -، فبَيَّن أنّ العاقلَ من يكون حافظاً للسانه لا تاركاً له يقول ما يشاء، فلا يتكلَّم إلا فيما يعنيه بقدره؛ لأنّ الكلامَ جزءٌ من العمل، وهو محاسبٌ عليه.
فعن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كان في صحف إبراهيم: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن تكون له ساعات: ساعة يُناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، ومن حسب كلامه من عمله، قلّ كلامه إلا فيما يعنيه» (¬1).
ومدارُ الكتاب على هذه المعاني، فمَن حقَّقها نجا، ومَن أهملها هلك وخسر.
وقد سمّيتُ هذا المجموع:
روضات الجنان
في تهذيب اللسان
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 2: 76.
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، وينفع به البلاد والعباد، ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
صويلح، عمان، الأردن
13 ـ 2 ـ 2021 م
تمهيد: في فضل الصّمت:
إن من ينظر في الآفات الناتجة من اللسان وصعوبة التخلص منها؛ لامتزاج محاسنه بمساوئه، فلا تفترق إلا بجهد جهيد من تعلم ومجاهدة، فلا سبيل للنجاة منها حتى لا تردي صاحبها في المهالك إلا بالعزلة أو الصمت، قال حكيم: «الحكمة عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت، والعاشر: عزلة الناس» (¬1).
والعزلة الكاملة غير ممكنة؛ لما تحتويه من الآفات، ومنها:
1.التعليم والتعلم اللذان هما من أعظم العبادات لا يتحصلان إلا بالخلطة، والعزلة قبل تعلم الفروض عصيان.
2.النفع والانتفاع، فإن الخلطة للاكتساب لأجل التصدق أفضل من العزلة؛ لأجل النوافل.
3.التأديب والتأدب بكسر النفس وقهر الشهوات بتحمل أذى الناس، وهو أفضل من العزلة لمن يتهذب.
4.الاستئناس والإيناس، وذلك قد يكون حراماً كمجالس الغيبة
¬
(¬1) ينظر: حسن السمت ص 73 ـ 119.
واللهو، ومباحاً كالأنس بالمشايخ، ومستحباً كترويح القلوب، فإن القلوب إذا كرهت عميت، ومهما كان في الوحدة وحشة، وفي المجالس ترويح فهي في بعض الأوقات ربما تكون أفضل في حق بعض الناس.
5.نيل ثواب كحضور الجنائز وعيادة المرضى.
6.التواضع الذي هو أفضل المقامات، ولا يوجد في الوحدة.
7.التجارب؛ إذ مجرد العقل غير كاف في مصالح الدين والدنيا (¬1).
فيمكن الاستدراك بالعزلة الناقصة، فلا يختلط بالناس إلا لحاجة من معيشة أو عبادة أو دعوة، قال البركوي (¬2): «ولا مخلص عن جميعها في هذا الزمان، إلا بالعزلة وعدم اختلاط الناس إلا في الجمعة والجماعات وضرورات المعاش والمعاد».
وهذه العزلة تعين على تقليل مساوئ اللسان ولا تزيلها، فكانت الحاجة إلى علاج آخر لهذه الأمراض اللسانية، وهو الصمت، فإنه أفضل دواء لهذا الداء، قال عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: «الكلام كالدواء إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل» (¬3).
وهذا ما أمر به خير البر - صلى الله عليه وسلم - وحثَّ عليه ومدحه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن صَمَت
¬
(¬1) ينظر: بريقة محمودية 4: 47.
(¬2) في طريقة محمدية 4: 46.
(¬3) ينظر: حسن السمت ص 73 ـ 119.
نجا» (¬1)، قال الغَزاليُّ (¬2): «إنَّ خَطَرَ اللِّسان عظيمٌ ولا نَجَاةَ من خطره إلا بالصَّمت»، وقال وهب بن منبه: «اجتمعت الأطباء على أن رأس الطب الحمية، واجتمعت الحكماء أن رأس الحكمة الصمت» (¬3).
وكان أبرز طرق النجاة بالعزلة والصمت، فعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» (¬4).
وكان المكافأة بالجنة لمن يحفظ لسانه، فعن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن يتكفل لي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة» (¬5).
والمعاقبة بالنار لمن يهمل لسانه، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يَدخل الناس الجنة، فقال: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يدخل النار، فقال: «الأجوفان: الفم والفرج» (¬6).
بل أكثر الأعضاء للولوج في النار إن ترك وظيفته وانشغل بمعاصي الله تعالى؛ إذ «اللسان خُلق لتكثر به ذكر الله تعالى، وتلاوة كتابه، وترشدن به
¬
(¬1) أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بسند فيه ضعف، وقال: غريب، وهو عند الطبراني بسند جيد، كما في المغني 3: 108.
(¬2) في إحياء علوم الدين 3: 108.
(¬3) ينظر: حسن السمت ص 73 ـ 119.
(¬4) أخرجه الترمذي، وقال: حسن، كما في المغني 3: 109.
(¬5) أخرجه البخاري في صحيحه، كما في المغني 3: 109.
(¬6) أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه، كما في المغني 3: 109.
خَلْقَ الله تعالى إلى طريقه، وتُظهر به ما في ضميرك من حاجات دينك ودنياك.
فإذا استعملته في غير ما خُلِقَ له، فقد كفرت نعمة الله تعالى فيه، وهو أغلبُ أعضائك عليك وعلى سائر الخلق، ولا يكبُّ النَّاس في النَّار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» (¬1)، فعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه، قال: كفّ عليك هذا، فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمُّك يا معاذ، وهل يكبُّ النَّاس في النَّار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» (¬2).
وكان حفظ اللسان سبباً لتحصيل ستر تعالى، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كَفَّ لِسَانَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ» (¬3).
وكان ضبطه الطريق الأوفى للنجاة من مهالك الدنيا والقرب من الله تعالى، فعن معاذ - رضي الله عنه - قال يا رسول الله أوصني قال - صلى الله عليه وسلم -: «اعبد الله كأنك تراه، وعد نفسك في الموتى، وإن شئت أنبأتك بما هو أملك لك من هذا كله، وأشار بيده إلى لسانه» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 109.
(¬2) في سنن الترمذي 5: 12، وقال: حسن صحيح، وسنن النسائي الكبرى 10: 214، وسنن ابن ماجة 2: 1314.
(¬3) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت بسند حسن، كما في المغني 3: 108.
(¬4) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والطبراني ورجاله ثقات، وفيه انقطاع،، كما في المغني 3: 108.
وكان سكوته عن المعاصي عبادة وقربة لله تعالى، فعن صفوان بن سليم - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم بأيسر العبادة وأهونها على البدن الصمت، وحسن الخلق» (¬1).
وكان حفظه علامة ظاهرة على قوة الإيمان، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «مَن كان يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليوم الآخر فَلْيَقُلْ خيراً أو ليسكت» (¬2).
وكان كفُّ اللسان أيسر الأعمال، فيقدر كل أحد من غير مال وجه لمن أراد دخول الجنة، فعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: «جاء أعرابي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: أطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق، فكف لسانك إلا من خير» (¬3)، لكن رغم عدم وجود الكلفة المالية بهذا العبادة، فهي أصعب في نفسها على الناس من بذل المال إلا لمن جاهد نفسه، قال محمد بن واسع: «حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم».
وكان إمساك اللسان أبرز وسيلة للتغلب على الشيطان، فعن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اخْزُنْ لِسَانَكَ إلا من خير، فإنك بذلك تغلب الشيطان» (¬4).
¬
(¬1) أخرجه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلاً ورجاله ثقات،، كما في المغني 3: 108.
(¬2) متفق عليه،، كما في المغني 3: 108.
(¬3) أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد،، كما في المغني 3: 108.
(¬4) أخرجه الطبراني في الصغير والمعجم الكبير وابن حبان في صحيحه،، كما في المغني 3: 108.
وكان الإكثار من الكلام سبب لكثرة الذنوب، فعن عمر - رضي الله عنه -: «مَن كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به» (¬1).
وقد سلك السلف مسالك متعددة، لمنع أنفسهم من الكلام بغير حق، فكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يضع حصاة في فيه يمنع بها نفسه عن الكلام، وكان يشير إلى لسانه، ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.
وبالتالي كان اللسان مستحقاً للحبس والسجن، حتى لا يهلك صاحبه، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «والله الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان»؛ لأنه كالسبع لم تحبسه أكلك بإهلاكه لك، قال طاوس: «لساني سبع إن أرسلته أكلني».
فكان حفظ اللسان من صفات العاقل، قال وهبُ بنُ مُنبه: «حقٌّ على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه، حافظاً للسانه، مقبلاً على شأنه».
وكان فهم السليم للدين بضبط اللسان، وقال الحسن: «ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه» (¬2).
وكان نصيب مَن تفكر بأن محاسب على قوله أن يقل كلامه، فعن عمر ابن عبد العزيز: «من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن عَدّ كلامه من عملِهِ قلّ كلامه إلا فيما يعنيه».
¬
(¬1) رواه أبو حاتم بن حبان في روضة العقلاء والبيهقي في الشعب،، كما في المغني 3: 108.
(¬2) الآثار والأقوال السابقة مستفادة من إحياء علوم الدين 3: 108 وما بعدها.
وكان حال من يحفظ لسانه صلاح عمله وأمره، قال يونس بن عبيد: «ما من الناس أحدٌ يكون منه لسانه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله».
وسبب هذا الفضل الكبير للصمت كثرة آفات اللسان، فلا تثقل عليه، ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعثٌ من الطبع ومن الشَّيطان، والخائض فيها قلَّما يقدر أن يمسك اللسان، فيطلقه بما يحبُّ ويكفه عما لا يحب، ففي الخوض خطر، وفي الصمت سلامة، فلذلك عظمت فضيلة هذا مع ما فيه من جمع الهمّ ودوام الوقار والفراغ للفكر والذكر والعبادة والسلامة من تبعات القول في الدنيا، ومن حسابه في الآخرة، فقد قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد} [ق:18].
ويدل على فضل لزوم الصمت أن الكلامَ أربعةُ أقسام، قسمٌ هو ضرر محض، وقسمٌ هو نفع محض، وقسم فيه ضرر ومنفعة، وقسمٌ ليس فيه ضرر ولا منفعة.
أما الذي هو ضرر محض، فلا بُدّ من السكوت عنه، وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر، وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر، فهو فضول، والاشتغال به تضييع زمان، وهو عين الخسران، فلا يبقى إلا القسم الرابع، فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام، وبقي ربعٌ، وهذا الربعُ فيه خطرٌ؛ إذ يمتزج بما فيه إثمٌ من دقائق الرِّياء والتَّصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام
امتزاجاً يخفى دركه، فيكون الإنسان به مخاطراً (¬1).
وقال المكي (¬2): «الصَّمت يلقح العقل ويعلم الورع ويجلب التقوى، ويجعل الله تعالى به للعبد بالتأويل الصحيح والعلم الرجيح مخرجاً، ويوفقه بإيثار الصمت للقول السديد والعمل الرشيد.
وقال ذو النون المصري: الخوفُ يقلقُ والحياءُ يُسكت.
وقال بعض العارفين: قد جُزئ العلم على قسمين: نصفُه سكوت، ونصفه أن تدري أين تضعه.
وقال الضحاك بن مزاحم: أدركتهم وما يتعلمون إلا الصمت والورع، وهم اليوم يتعلمون الكلام.
قال بعضُ السلف: الصَّمتُ زين العالم وستر الجاهل.
وقال بعضُ السلف: تعلّم الصمت كما تتعلّم الكلام، فإن يكن الكلام يهديك، فإن الصَّمت يقيك، ولك في الصمت خصلتان تدفع به جهل مَن هو أجهل منك، وتعلم به علم من هو أعلم منك.
وقال بعض العلماء: الصَّمت نوم العقل، والنطق يقظته، وكلُّ يقظة تحتاج إلى نوم، وما صمت عاقل قطّ إلا اجتمع عقله وحضر لبه.
وعن جماعة السلف: إنّ تسعة أعشار السلامة في الصمت.
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 111.
(¬2) في قوت القلوب 1: 171 ـ 173.
وقال الحسن: لسان المؤمن وراء قلبه إذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان له تكلم، وإن كان عليه أمسك، وقلب المنافق على طرف لسانه أي كلّ شيء خطر بقلبه تكلم به، ولا يتوقف ولا ينثني» (¬1).
وقال الشافعي:
وجدت سكوتي متجرًا فلزمته ... إذا لم أجد ربحًا فلست بخاسر
وما الصمت إلا في الرجال متاجر ... وتاجره يعلو على كل تاجر
وقال أيضاً:
احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الأقران (¬2)
وكان الصمت وصية الصحابة - رضي الله عنهم - لمن جاء بعده، فعن عقيل بن مدرك أنّ رجلاً قال لأبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أوصني، قال: عليك بالصمت إلا في الحق فإنك به تغلب الشيطان، وعن ميمون بن مهران، قال: جاء رجل إلى سلمان، فقال: أوصني، قال: لا تتكلم، قال لا يستطيع مَن عاش في الناس أن لا يتكلم، قال: فإن تكلمت فتكلم بحق أو اسكت.
وكانت السلامة بالسكوت، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: يا لسان قل خيرًا تغنم، واصمت تسلم من قبل أن تندم.
¬
(¬1) اختصرت هذه الأقوال من قوت القلوب 1: 171 ـ 173.
(¬2) ينظر: مقدمة حسن السمت ص 27.
وكان حفظ اللسان سبيلاً للمحبة بين الناس، قال علي - رضي الله عنه -: الصمت داعية إلى المحبة.
وكان الصمت طريقاً لتحصيل الحكمة، قال عمر بن عبد العزيز: إذا رأيتم الرجل يطيل الصمت ويهرب من الناس فاقتربوا منه فإنه يلقي الحكمة.
وكان السكوت عبادة لراحة القلب وكثرة الفكر، قال سفيان: «طول الصمت مفتاح العبادة»، بل قدم على سائر العبادات، قال الفضيل بن عياض: «لا حج ولا جهاد ولا رباط أفضل من حفظ اللسان»؛ لأن طريقه شاقة وتحصيله يحتاج لجهد كبير، قال عبد الله بن أبي زكريا: «تعلمت الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة، فما بلغت منه ما أردت».
وكان الصمت أفضل آداب النفس، قال عبد الله بن المبارك:
أدَّبْتُ نفسي فما وجدت لها ... من بعد تقوى الإله من أدب
في كل حالاتها وإن قصرت ... أفضل من صمتها عن الكذب» (¬1).
وبالجملة إن حفظ اللسان من أهم المهمات وأعظم القربات؛ إذ هو ترجمان القلب الذي هو منظر الرب، فلا ينبغي للترجمان أن يتكلم إلا بقدر الحاجة وإلا فيستحق المعاتبة (¬2).
¬
(¬1) هذه النقول استخلصتها من حسن السمت ص 73 ـ 119.
(¬2) ينظر: بريقة محمودية 3: 159.
الفصل الأول
آفات اللسان
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: آفات اللسان المحظورة أصالة.
والمبحث الثاني: آفات اللسان المحظورة تبعاً.
والمبحث الثالث: آفات اللسان المحظورة سكوتاً.
تمهيد:
لما كانت معالجة آفات اللسان من أَصعب ما يُبتلى به الإنسان، قال الغزاليُّ (¬1): «وأعصى الأعضاء على الإنسان اللسان، فإنه لا تعب في إطلاقه ولا مؤنة في تحريكه، وإنه أعظم آلة الشيطان في استغواء الإنسان».
فإنّ الشَّرعَ الحكيمَ تدرج بطرق تقويمه من عزلةٍ ثم صمتٍ ثم تهذيبٍ ثم تحسينٍ، ومرَّت العزلة والصمت في التمهيد، وسيكون عرض التَّهذيب في الفصل الأول في آفات اللسان، فتذكر كلُّ واحدةٍ؛ ليتم تهذيبها والتَّخلص منها، ويذكر في الفصل الثاني وظائف اللِّسان، حيث يُبين فيه ما يَنبغي أن يَنطق به اللسان، ويكون وسيلةً فعَّالة في معالجة مساوئ اللسان، وبهذا يتحقَّق قصد الشَّرع فيما يتعلَّق باللِّسان.
ويقارن هذا المراحل الأربعة اشتغال على القلب بالتصفية والسلامة؛ لأنه مرد أفعال الجوارح له، وهو الملك عليها، وللجوارح تأثير بالغ في القلب كذلك، لا سيما اللسان، حتى قالوا: «لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه»، قال الخادمي (¬2): «لا تعلم استقامة قلبه إلا باستقامة لسانه على طريق
¬
(¬1) في إحياء علوم الدين 3: 108.
(¬2) في بريقة محمودية 3: 158.
الاستدلال من الأثر إلى المؤثر، فعدم استقامة اللسان يدلُّ على عدم استقامة القلب، وإلا فالقلب أمير وسائر الأعضاء مأمور يعمل على نهج أمره، فلا تؤثر استقامة اللسان في استقامة القلب، بل الأمر على عكس، إلا أن يقال: إن ما رَسَخَ في اللِّسان قد يعود إلى القلب، كما قالوا في الذكر، فقد ينقاد القلب لما يتعود عليه اللسان».
وإنّ اللسان من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه الغريبه، فإنّه صغير جرمه، عظيم طاعته وجرمه؛ إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والعصيان.
وإن كلَّ ما يتناوله العلم يُعرَب عنه اللسان إما بحق أو باطل، ولا شيء إلا والعلم متناول له، وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء.
واللسان له الميدان رحب، فمَن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخى العنان، سلك به الشَّيطان في كلِّ ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار، ولا يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ على مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حصائد ألسنتهم، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويكفُّه عن كلِّ ما يخشى غائلته في عاجله وآجله (¬1).
ولذلك سيكون عرض هذا الفصل في ثلاثة مباحث:
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم 3: 108.
المبحث الأول: آفات اللسان المحظورة أصالة.
والمبحث الثاني: آفات اللسان المحظورة تبعاً.
والمبحث الثالث: آفات اللسان المحظورة سكوتاً.
• • •
المبحث الأول
آفات اللسان المحظورة أصالة
وهذا المبحث أوسع مباحث الكتاب وأهمها، فهو يشمل على عامة الآفات، ففيه ستون آفة، هي أهم آفات اللسان، والأصل فيها الحظر من المنع والحرمة، وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: التلفظ بالكفر:
* الآفة الأولى: كلمة الكفر اتفاقاً ـ والعياذ بالله تعالى ـ:
وهي التلفظ بإنكارُ شيءٍ معلوم في الدين بالضَّرورة أو سبُّ الذات الإلهية أو سبُّ النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومعنى الضّرورة قال الكَشميري (¬1): «ما علم كونه من دين محمد - صلى الله عليه وسلم - بالضّرورة، بأن تواتر عنه واستفاض، وعلمته العامة: كالوحدانية، والنّبوة ... ، والبعث والجزاء، ووجوب الصلاة والزكاة، وحرمة الخمر ونحوها، سمّي ضرورياً؛ لأنَّ كلّ أحد يعلم أنَّ هذا الأمر مثلاً من دين النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بُدّ، فكونها من الدين ضروري، وتدخل في الإيمان ... ».
¬
(¬1) في إكفار الملحدين ص 2 - 3.
وحكمه:
إن كان طوعاً من غير سبق لسان إحباط العمل كلِّه.
وأما في حالة الإكراه، فإن بالملجئ أعني تلف النفس أو العضو، ففيه رخصة للعذر والعزيمة عدمه، فإن قتل كان من أفضل الشهداء وإن كان بغيره مثل الضرب الشديد والحبس المديد وتلف المال، فلا يجوز أصلاً حتى لو تكلم في تلك الحالة صار كافراً ديانة وقضاء.
ثم لا يعود عمله بعد التوبة، فلا فرق بين من أسلم ابتداءً وبين من صدر منه الكفر ثم تاب في عدم الخير بل أشد منه؛ لأنه بسبب الإسلام تخلص عن جميع الآثار، بخلاف من صدر منه الكفر، فإن معاصيه لا تذهب بكفره حتى يجب عليه بعد التوبة قضاء ما فات في إسلامه من الفرائض والواجبات، فيجب عليه الحج بعد التوبة ثانياً إن كان غنياً ولو حج أولاً.
ولا يجب قضاء ما صلى وصام وزكّى قبل الردة في حال إسلامه بعد التوبة؛ للحرج والمشقة، ولعدم تقرره في ذمته وعدم بقاء سبب وجوبه بعد التوبة، وهو الوقت والشهود والنصاب، ويجب قضاء ما فات منها في حال إسلامه بعد التوبة؛ لأنّ المعصيةَ لا تذهب بالكفر، فيجب قضاء جميع فوائته المفروضة والواجبة.
وينفسخ النكاح بلا طلاق عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، فلا يلزم الحلّ بعد الثلاث خلافاً لمحمد - رضي الله عنه - ممن تلفظ بالكفر رجلاً أو امرأة إلا أنها تجبر على النكاح بزوجها الأول خلافاً لمشايخ بلخ كأبي جعفر وأبي القاسم الصفار،
فلا تؤثّر ردة المرأة في فساد النكاح، ولا يؤمر بتجديد النكاح حسماً لهذا الباب عليهنّ.
فلو صدرت كلمة الكفر من المرأة تجبر على تجديد النكاح بعد التوبة مع زوجها، وإن صدرت من الرّجل تتخيَّر المرأة إن تاب.
ويحرم ذبيحته.
ويحل قتله، فدمه هدر لا تلزم الدية على قاتله، لكن الأولى أن لا يقتل قبل العرض والإباء، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن بدل دينه فاقتلوه» (¬1).
ويجبر على التوبة بنحو الضرب والوجيع والحبس المديد، وتكون التوبة بالرجوع عما قاله لا مجرد الشهادتين، فلو كان كفره من إنكار فرضية الصلاة، يقول: رجعت من إنكاري ذلك (¬2).
* الآفة الثانية: ما فيه خوف الكفر:
وهو التلفظ بما لم يجزم الفقهاء بإيجابه كفراً، بل قالوا فيه خوف الكفر أو خيف فيه الكفر أو خطأ عظيم.
وحكمه:
أن يؤمر بالتوبة وتجديد النكاح احتياط؛ لاحتمال كونه كفراً (¬3).
¬
(¬1) في صحيح البخاري4: 61.
(¬2) ينظر: بريقة محمودية وطريقة محمدية3: 167.
(¬3) ينظر: بريقة محمودية وطريقة محمدية3: 168.
* الآفة الثالثة: ما فيه الكفر خطأ:
وهو التّلفظ بما يوهم الكفر.
فيكون تكلمه به خطأً نتيجة الجهل مثلاً: كأن يقول: علم الله تعالى في كلِّ مكان لإيهامه كونه تعالى في المكان (¬1)، واليمين بغير الله تعالى على الصحيح مثل أن يقول: ورأس ابني أو جدي أو السلطان أو نحو ذلك.
وحكمه:
أن يؤمر بالتوبة والاستغفار فقط بدون تجديد النكاح (¬2).
المطلب الثاني: الكذب:
* الآفة الرّابعة: الكذب بالقول:
وهو الإخبار عن الشيء على غير ما هو عليه في الواقع، وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب (¬3).
¬
(¬1) في الفصل في الملل والنحل 2: 103: «إن قول القائل متى علم الله زيداً ميتاً سؤال فاسد بالضرورة؛ لأن متى سؤال عن زمان وعلم الله تعالى ليس في زمان أصلاً؛ لأنه ليس هو غير الله تعالى، وقد مضى البرهان على أن الله تعالى ليس في زمان ولا في مكان، وإنما الزمان والمكان للمعلوم فقط».
(¬2) ينظر: بريقة محمودية وطريقة محمدية 3: 168.
(¬3) ينظر: طريقة محمدية 3: 169.
قال الغَزاليُّ (¬1): «الكذبُ من أُمَّهات الكبائر، ثمّ إنَّك إذا عُرفت بذلك سقطت عدالتُك والثقةُ بقولك، وتزدريك الأعين وتحتقرك، وإذا أردت أن تعرف قبح الكذب من نفسك، فانظر إلى كذب غيرك، وعلى نفرة نفسك عنه، واستحقارك لصاحبه واستقباحك له.
وكذلك فافعل في جميع عيوب نفسك، فإنّك لا ترى قبح عيوبك من نفسك، بل من غيرك، فما استقبحته من غيرك يستقبحُه غيرُك منك لا محالة، فلا ترض لنفسك ذلك».
ومن دلائل قبحه:
كان موقعاً صاحبه في نار جهنم، قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: «قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقامي هذا عام أول، ثم بكى، وقال: إِيَّاكُمْ والكذبَ فإنه مع الفُجُورِ وهما في النار» (¬2).
وكان محروماً من نظر الله تعالى، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، شيخ زان، والإمام الكذاب، وعائل مستكبر» (¬3).
¬
(¬1) في مجموع رسائله ص389.
(¬2) أخرجه ابن ماجه والنسائي في اليوم والليلة، وإسناده حسن، كما في المغني3: 133.
(¬3) أخرجه مسلم ي صحيحه، كما في المغني3: 133.
وكان نوعاً من أنوا ع الخيانة، فعن سفيان بن أسيد - رضي الله عنه -: قال - صلى الله عليه وسلم -: «كَبُرَتْ خِيَانَةً أَن تُحَدِّثَ أَخَاكَ حديثاً هو لك به مصدق، وأنت له به كاذب» (¬1).
وكان وصفاً قبيحاً مذموماً عند الله تعالى، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزال العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذّاباً» (¬2).
وكان واقعاً تحت التهديد بالعقاب الشديد، فعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له» (¬3).
وكان معذباً في قبره بشدق فمه بكلوب من حديد، فسمرة بن جندب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «رأيت كأن رجلاً جاءني، فقال لي: قم فقمت معه، فإذا أنا برجلين أحدهما قائمٌ، والآخرُ جالسٌ بيد القائم كلوب من حديد يلقمه في شدق الجالس، فيجذبه حتى يبلغ كاهله، ثمّ يجذبه فيلقمه الجانب الآخر، فيمده، فإذا مدَّه رجع الآخر، كما كان فقلت للذي أقامني ما هذا فقال: هذا رجل كذاب يعذب في قبره إلى يوم القيامة» (¬4).
¬
(¬1) أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد، وأبو داود، وضعفه ابن عدي، ورواه أحمد والطبراني من حديث النواس بن سمعان بإسناد جيد، كما في المغني3: 133.
(¬2) أخرجه البخاري ومسلم، كما في المغني3: 133.
(¬3) أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي في الكبرى، كما في المغني3: 133.
(¬4) أخرجه البخاري في صحيحه، كما في المغني3: 133.
وهو من الصّفات التي تبرّأ النبي - صلى الله عليه وسلم - منها، فعن جبير بن مطعم - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو أفاء الله عليّ نعماً عدد هذا الحصى لَقَسَمْتُهَا بينكم، ثم لا تَجِدُونِي بَخِيلًا ولا كذاباً ولا جباناً» (¬1).
وكان سبباً لتباعد الملائكة، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد ليكذب الكذبة ليتباعد المَلَك عنه مسيرة ميل من نتن ما جاء به» (¬2).
وهو من أعظم الخطايا، قال علي - رضي الله عنه -: «أعظم الخطايا عند الله، اللسان الكذوب، وشر الندامة ندامة يوم القيامة».
وكان تركه طريق الصالحين، قال عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -: «ما كذبت كذبة منذ شددت علي إزاري».
وكان تركه سبيلاً لنيل المحبة، قال عمر - رضي الله عنه -: «أحبكم إلينا ما لم نركم أحسنكم اسماً، فإذا رأيناكم فأحبكم إلينا أحسنكم خلقاً، فإذا اختبرناكم فأحبكم إلينا أصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة».
وكان طريق تحصيله شدة الإيمان بالله تعالى، قال ميمون بن أبي شبيب: «جلست أكتب كتاباً، فأتيت على حرف إن أنا كتبته زينت الكتاب، وكنت قد كذبت، فعزمت على تركه فنوديت من جانب البيت يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة».
¬
(¬1) أخرجه مسلم في صحيحه، كما في المغني3: 133.
(¬2) أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب، كما في المغني3: 133.
وينال فاعله أشد العذاب في النّار، قال الشعبي: «ما أدري أيهما أبعد غوراً في النار الكذاب أو البخيل» (¬1).
ومن صور الكذب:
1.الادعاء إلى غير أبيه بالانتساب: كادعاء أنه من أولاده - صلى الله عليه وسلم -، وهو ليس كذلك.
2.خلف الوعد إذا كان في نيته الخلف، وأما إذا كان في نيته الوفاء ولم يقدر على إنجازه، فليس بكذب.
3.تحديث كلّ ما سمع بلا نسبة إلى قائله؛ لأنه يسمع عادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما سمع لا محالة يكذب وإن لم يتعمد، لكن التعمد شرط الإثم (¬2).
وحكمه:
إن كان عن عمد فحرامٌ قطعيٌّ، إلا في مواضع قليلة.
وإن لم يكن عن عمد فيرجى عفوه بدليل يمين اللغو؛ لقوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225]، وهي حلفه كاذباً يظنه صادقاً، كما إذا حلف أن في هذا الكوز ماء بناء على رؤيته وقد أريق ولم يعرف.
¬
(¬1) هذا الآثار والأقوال مستفادة من إحياء علوم الدين3: 133 وما بعدها.
(¬2) ينظر: بريقة محمودية وطريقة محمدية3: 178، كما في المغني3: 139.
وحالات التّرخيص بالكذب:
إنّ الكذب ليس حراماً لعينه، بل لما فيه من الضَّرَرِ على المخاطَبِ أو على غيره، فإن أقلّ درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه، فيكون جاهلاً، وقد يتعلق به ضررُ غيره، ورُبّ جهل فيه منفعة ومصلحة، فالكذب محصل لذلك الجهل، فيكون مأذوناً فيه، ورُبّما كان واجباً، قال ميمون بن مهران: الكذب في بعض المواطن خيرٌ من الصِّدق أرأيت لو أن رجلاً سعى خلف إنسان بالسَّيف؛ ليقتله فدخل داراً، فانتهى إليك، فقال: أرأيت فلاناً ما كنت قائلاً، ألست تقول: لم أره، وما تصدق به، وهذا الكذبُ واجبٌ.
فنقول الكلام وسيلةٌ إلى المقاصد، فكلُّ مقصودٍ محمودٍ يُمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً، فالكذبُ فيه حرامٌ، وإن أمكن التَّوصل إليه بالكذب دون الصدق، فالكذب فيه مباحٌ إن كان تحصيلُ ذلك القصد مباحاً، وواجبٌ إن كان المقصودُ واجباً، كما أنّ عصمةَ دم المسلم واجبةٌ، فمهما كان في الصدق سفك دم أمراء مسلم قد اختفى من ظالم، فالكذب فيه واجب.
ومهما كان لا يَتِمُّ مَقْصُودُ الحرب أو إِصْلَاحُ ذات البين إلا باستمالة قلب المجني عليه إلا بكذب، فالكذب مباح، إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن؛ لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه، فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغنى عنه، وإلى ما لا يقتصر على حدِّ الضرورة، فيكون الكذب حراماً في الأصل إلا لضرورة.
والذي يدلُّ على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قالت: «ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجلُ يحدِّثُ امرأته والمرأة تحدِّثُ زوجها» (¬1).
وعن أم كلثوم رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس بِكَذَّابٍ مَن أَصْلَحَ بين اثْنَيْنِ فقال: خيراً أو نمى خيراً» (¬2).
وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما» (¬3).
وروي أن ابن أبي عذرة الدؤلي، وكان في خلافة عمر - رضي الله عنه - كان يخلع النساء اللاتي يتزوج بهن، فطارت له في الناس من ذلك أحدوثة يكرهها، فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله، ثم قال لامرأته: أنشدك بالله هل تبغضيني، قالت: لا تنشدني، قال: فإني أنشدك الله، قالت: نعم فقال لابن الأرقم: أتسمع ثم انطلقا حتى أتيا عمر - رضي الله عنه -، فقال: إنكم لتحدثون إني أظلم النساء وأخلعهن، فأسأل ابن الأرقم، فسأله فأخبره فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة، فجاءت هي وعمتها، فقال، أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه، فقالت: إني أول مَن تاب وراجع أمر الله تعالى إنّه
¬
(¬1) أخرجه مسلم في صحيحه، كما في المغني3: 139.
(¬2) أخرجه البخاري ومسلم، كما في المغني3: 139.
(¬3) أخرجه أحمد بزيادة فيه، وهو عند الترمذي مختصراً وحسنه، كما في المغني3: 139.
ناشدني، فتحرجت أن أكذب، أفأكذب يا أمير المؤمنين، قال: نعم فاكذبي، فإن كانت إحداكن لا تحبُّ أحدُنا فلا تحدثه بذلك، فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحبّ، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب.
وقال ثوبان - رضي الله عنه -: الكذبُ كُلُّهُ إِثْمٌ إِلَّا ما نَفَعَ به مسلماً أو دفع عنه ضرراً.
فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء، وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به مقصود صحيح له أو لغيره.
أمّا ماله؛ فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله، فله أن ينكره أو يأخذه سلطان، فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها، فله أن ينكر ذلك، فيقول: ما زنيت، وما سرقت، فعن عمر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اجتنبوا هذه القاذورات، فمن ألم بشيء منها، فليستتر بستر الله» (¬1)، وذلك أنّ إظهار الفاحشة فاحشة أُخرى، فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلماً، وعرضه بلسانه، وإن كان كاذباً.
وأما عرض غيره، فبأن يسأله عن سرِّ أخيه، فله أن يُنكره، وأن يُصلح بين اثنين، وأن يُصلح بين الضرات من نسائه بأن يظهر لكلِّ واحدةٍ أنّها أحب إليه، وإن كانت امرأته لا تطاوعه إلا بوعدٍ لا يَقدر عليه، فيعدها في الحال تطييباً لقلبها، أو يعتذر إلى إنسان وكان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب وزيادة تودد فلا بأس به.
¬
(¬1) أخرجه الحاكم، وإسناده حسن، كما في المغني3: 139.
ولكن الحد فيه أن الكذب محذورٌ، ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور، فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر، ويزن بالميزان القسط، فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشدُّ وقعاً في الشَّرع من الكذب، فله الكذب، وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق، فيجب الصدق، وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما، وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى؛ لأن الكذب يُباح لضرورة أو حاجة مهمة، فإن شَكّ في كون الحاجة مهمة، فالأصل التحريم، فيرجع إليه.
ولأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الإنسان من الكذب ما أمكنه.
وكذلك مهما كانت الحاجة له، فيستحب له أن يترك أغراضه ويهجر الكذب، فأما إذا تعلق بغرض غيره، فلا تجوز المسامحة لحقّ الغير والإضرار به.
وأكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ أنفسهم، ثم هو لزيادات المال والجاه ولأمور ليس فواتها محذوراً، حتى إن المرأة لتحكي عن زوجها ما تفخر به، وتكذب لأجل مراغمة الضرّات، وذلك حرام، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: «سمعت امرأة سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: إن لي ضرة وإني أتكثر من زوجي بما لم يفعل أضارها بذلك، فهل على شيء فيه؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» (¬1).
¬
(¬1) أخرجه البخاري ومسلم، كما في المغني3: 139.
وكذلك الصبيُّ إذا كان لا يرغب في بالكتابة إلا بوعد أو تخويف كاذب، كان ذلك مباحاً نعم، وما روي أن ذلك يكتب كذباً، ولكن الكذب المباح أيضاً قد يكتب ويحاسب عليه ويطالب بتصحيح قصده فيه، ثم يعفى عنه؛ لأنه إنما أبيح بقصد الإصلاح، ويتطرق إليه غرورٌ كبيرٌ، فإنه قد يكون الباعث له حظُّه وغرضُه الذي هو مستغن عنه، وإنما يتعلل ظاهراً بالإصلاح، فلهذا يُكتب وكلُّ مَن أتي بكذبة فقد وقع في خطر الاجتهاد؛ ليعلم أن المقصود الذي كذب لأجله هل هو أهم في الشرع من الصدق أم لا، وذلك غامضٌ جداً، والحزم تركه إلا أن يصير واجباً بحيث لا يجوز تركه، كما لو أدى إلى سفك دم أو ارتكاب معصية.
كيف كان وقد ظَنَّ ظانون أنه يجوز وضع الأحاديث في فضائل الأعمال، وفي التشديد في المعاصي وزعموا أن القصدَ منه صحيحٌ، وهو خطأ محض؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (¬1).
وهذا لا يرتكب إلا لضرورة، ولا ضرورة إذ في الصدق مندوحةٌ عن الكذب، ففيما ورد من الآيات والأخبار كفايةٌ عن غيرها (¬2).
¬
(¬1) أخرجه البخاري ومسلم، كما في المغني3: 139.
(¬2) ما قرره الغزالي في إحياء علوم الدين3: 139، وهو أفضل من حقق هذه المسألة، قال النووي في الأذكار ص589: «وأحسنُ ما رأيتهُ في ضبطهِ، ما ذكرهُ الإمامُ أو حامدٍ الغزالي في الإحياء».
وبالتالي لا يكون الكذب خاصاً بالثلاثة المذكورة في الحديث؛ لأنها تشتمل على علّةٍ، وهي ما دعا إليه غرضٌ صحيحٌ في درءِ مفسدةٍ أو جلب منفعة معتدٍّ بها، فمتى وُجدت هذه العِلّة جاز الكذب فيه، ومما ألحقوا بهذه الثلاثة:
1.دفع ظلم الظالم: كمن أخفى مسلماً عن ظالم يريد ظلمه أو أخفى ماله، وسئل عنه وجب الكذب بإخفائه، وكذا نظائره.
2.إحياء الحق، كما في خيار البلوغ للصغيرة التي زوجها غير أبيها وجدها تقول لزوجها في النهار: بلغت الآن وفسخت النكاح مع أنها بلغت بالليل، فأبيح لإحياء حقها.
3.الوعد والوعيد الكاذبان للصبي إذ لم يرغب في الكتب وأعرض، فيجوز لمصلحة تعلمه.
4.الإنكار لسر الغير؛ لئلا يفشي سرّه الذي أودع عنده؛ لأنّ صدور الأحرار قبور الأسرار.
5.معصية نفسه؛ وذلك لأن إظهار المعصية معصية أخرى.
6.إنكار جنايته على غيره لتطييب قلب المجني عليه.
7.إخفاء ماله ومال أخيه عن الظالم.
8.إنكاره محبّة بعض نسائه أكثر من الأخرى.
9.تزيين كلامه لأخيه عند اعتذاره إليه.
والحاصل أن الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يُمكن تحصيله بغير الكذب، وإلا جاز الكذب، ثم إن كان المقصود مباحاً، فالكذب مباحٌ، وإن واجباً فواجب.
وكل محمود يمكن إيصاله بالصدق والكذب جميعاً، فالكذب فيه حرام؛ لأن إباحة الكذب إنما هي للضرورة، فإذن ليس فيه ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، وما أبيح للضرورة يتقدر بقدرها.
والأسلم أن لا يفتح هذا الباب إلا بقدر الضرورة؛ لئلا تتعوّد النفس بذلك، وأيضا فيه غرور كثير؛ إذ قد يكون الباعث حظه وغرضه، فليعلم هل المقصود أهم في الشرع من الصدق أو لا، فيزن أحدهما بالآخر، فأيهما أشد فيرجحه، وإن تساويا فيميل إلى جانب الصدق؛ إذ إباحة الكذب لضرورة أو لمهمة (¬1).
* الآفة الخامسة: الكذب بالحلف:
وهو اليمين الغموس، وهو الحلفُ على ماض كذباً عمداً؛ فإذا حلف على أمر قد مضى وهو كاذب فيه، ومتعمد للكذب كـ: والله ما فعلت كذا، عالماً بفعله (¬2).
وسمِّيت غَموساً؛ لأنَّها تغمس صاحبها في الذنب، ثُمَّ في النار، وقد ورد النهي عنها في أحاديث كثيرة، منها: قال - صلى الله عليه وسلم -: «الكبائر: الإشراك بالله،
¬
(¬1) ينظر: بريقة محمودية وطريقة محمدية3: 179ـ 180.
(¬2) ينظر: درر الحكام 2: 38.
وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغَموس» (¬1)، وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم -، قال: «جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، قال: ثُمَّ ماذا؟ قال: ثُمَّ عقوق الوالدين، قال: ثُمَّ ماذا؟ قال: ثُمَّ عقوق الوالدين، قال: ثُمَّ ماذا؟ قال اليمين الغَموس، قلت: وما اليمين الغَموس؟ قال: الذي يَقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب» (¬2)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على يمين وهو فيها فاجر؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان» (¬3).
وحكمها:
استحقاق الإثم لفاعلها، ولا تجب فيها الكفّارة، إلا التوبة والاستغفار،
قال - جل جلاله -: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} المائدة: (89)، حيث رُتِّبت الكفّارة على المعقودة، والغَموس غير معقودة (¬4)، فالعقد يكون على المستقبل والغَموس في الماضي، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «خمس ليس لهن كفّارة: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت المؤمن، والفرار من الزحف، ويمين صبر يقطع بها مال امرئ مسلم» (¬5)، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «كنا نعدُّ اليمين
¬
(¬1) في صحيح البخاري 6: 2457، وغيره.
(¬2) في صحيح البخاري 6: 2535 وغيره.
(¬3) في جامع الترمذي 3: 569، وقال: حديث حسن صحيح.
(¬4) ينظر: فتح باب العناية 2: 249 وغيره.
(¬5) في مسند أحمد 2: 361، ومسند الشاميين 2: 187، 200، ومسند الفردوس 2: 197،
وقال القاري في فتح باب العناية 2: 249: إسناده جيد.
الغموس من الأيمان التي لا كفارة فيها» (¬1).
أما اليمين اللغو: وهو الحلف على ماض كذباً ظناً؛ بأن يحلف على أمر في الماضي أو الحال، وهو يظن أنَّه كذلك، وليس كذلك، بأن قال: والله فعلت كذلك، وما فعل، وهو يظن أنَّه فعل، أو رأى شخصاً من بعيد فقال: والله إنَّه لزيد، يظنّه زيداً، وهو ليس كذلك (¬2)، فكل هذا لغو؛ لأنَّه لا اعتبار به.
وحكمها:
أنَّه لا إثم فيها؛ قال - جل جلاله -: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} البقرة: (225).
ومن دلائل قبحه:
كان من علامات فساد الزمان، فعن عمر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أحسنوا إلى أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يحلف الرجل على اليمين ولم يستحلف ويشهد ولم يستشهد» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: فتح باب العناية 2: 249، وغيره.
(¬2) ينظر: حاشية التبيين 3: 107 وغيره.
(¬3) أخرجه الترمذي وصحَّحه والنسائي في الكبرى، كما في المغني3: 139.
وكان له الأثر السيء على القلب، فعن عبد الله بن أُنيس، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما حلف حالفٌ بالله، فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا كانت نكتةً في قلبه إلى يوم القيامة» (¬1).
وكان سبيلاً للفجور، فعن عبد الرحمن بن شبل، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن التجار هم الفجار، فقيل: يا رسول الله أليس قد أحلّ الله البيع؟ قال: نعم، ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون» (¬2).
وكان سبباً للحرمان تكليم الله تعالى في الآخرة، فعن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة نفر لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يوم الْقِيَامَةِ ولا يَنْظُرُ إليهم الْمَنَّانُ بِعَطِيَّتِهِ
والمنفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ والمسبل إزاره» (¬3).
وكان طريقاً لنيل غضب الله تعالى، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن حَلَفَ على يَمِينٍ بِإِثْمٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بغير حَقٍّ لَقِيَ اللَّهَ تعالى وهو عليه غضبان» (¬4).
¬
(¬1) أخرجه الترمذي والحاكم وصحح إسناده، وفيه: «وثلاثة يشنؤهم الله التاجر أو البائع الحلاف» أخرجه أحمد، واللفظ له، وفيه ابن الأحمس ولا يعرف حاله، ورواه هو والنسائي بلفظ آخر بإسناد جيد، وللنسائي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أربعة يبغضهم الله البياع الحلاف» الحديث وإسناده جي، كما في المغني3: 139.
(¬2) أخرجه أحمد والبيهقي والحاكم وقال: صحيح الإسناد، كما في المغني3: 139.
(¬3) أخرجه مسلم، كما في المغني3: 139.
(¬4) أخرجه البخاري ومسلم، كما في المغني3: 139.
* الآفة السّادسة: البهتان:
وهو قوله على غيره ما لم يفعل حتى حيَّره في أمره وأدهشه.
وهو أشدُّ الكذب البهتان، وأشد البهتان شهادة الزور، قال تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور} [الحج: 30] (¬1).
فعن أبي بكرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم - وكان متكئاً: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، ثمّ قعد، وقال: ألا وقول الزور» (¬2).
ومن صوره: الافتراء على الله تعالى وعلى رسوله؛ لأنه يؤدي إلى هدم قواعد الإسلام وإفساد الشريعة والأحكام، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 21]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُون} [يونس: 69]، وعن سمرة بن جندب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن حدَّث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (¬3).
ومن الافتراء على الله تعالى الإفتاء بغير علم، قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ} [النحل: 116].
¬
(¬1) ينظر: بريقة محمودية وطريقة محمدية3: 171.
(¬2) أخرجه البخاري ومسلم، كما في المغني3: 139.
(¬3) أخرجه مسلم في صحيحه، كما في المغني3: 139.
أما مَن أُفتي بغير علم، فإنّ إثمه على من أفتاه إن كان المفتي معروفاً بالفقه والثقة، ولم يكن خطأ في الاجتهاد، وإن لم يكن معروفاً فالإثم عليهما، أو كان معروفاً وكان خطأ في الاجتهاد فلا إثم، بل الأجر لازم.
وشرط توبة البهتان:
1.عزمه على تركه.
2.استحلاله إن أمكن بكونه حياً حاضراً، ولا يؤدي إلى فتنة، وإلا فالدعاء والاستغفار له، والتضرع إلى الله تعالى رجاء أن يغفر الله تعالى.
3.تكذيب نفسه عند السامعين لبهتانه (¬1).
* الآفة السابعة: التعريض:
وهو إرادة غير الظاهر المتبادر من الكلام كالتورية (¬2).
ونُقِلَ عنِ السَّلَفِ إِنَّ فِي المعارِيضِ مَنْدُوحَةً عنِ الكذب، قال عمر - رضي الله عنه -: أما في المعاريض ما يكفي الرجل عن الكذب، وإنما أرادوا بذلك إِذا اضْطَرَّ الإنسان إلى الكذب فأما إذا لم تكن حاجةٌ وضَرُورَةٌ فلا يجوز التَّعْرِيضُ ولا التَّصْرِيحُ جميعاً، ولكنّ التَّعْرِيضَ أَهْوَنُ (¬3).
¬
(¬1) ينظر: بريقة محمودية وطريقة محمدية2: 175.
(¬2) ينظر: طريقة محمدية3: 180.
(¬3) ينظر: إحياء علوم الدين3: 139.
ومن صور التّعريض:
1.تقييد الكلام بلعل وعسى.
2.ذكر عدد أصغر داخل في أكبر، مثاله: اشتريت هذا بخمسة مثلاً، وقد اشتريته بستة؛ لأنّ القليل موجود في الكثير، فلا يكون كذباً، بخلاف العكس؛ لأن الكثير ليس بموجود في القليل.
3.ذكر العدد كناية عن الكثرة، فلا يراد به خصوص العدد، بل يراد المبالغة، مثاله: دعوتك سبعين مرة أو مائة أو ألفاً، فلا يكون كذباً إذا لم يبلغ عدد دعوتك إلى أحد هذه، ولكن عدت تلك الدعوة بين الناس كثيرة (¬1).
4.التّعريض بلفظ يحتمل معنيي، مثاله: ما روي أَنَّ مطرفا دخلَ على زياد فاستبطَأَهُ فتعلَّلَ بِمَرَضٍ، وقال: ما رَفَعْتُ جَنْبِي مُذْ فارقتُ الأمير إِلَّا ما رَفَعَنِي الله.
5.استعمال حرف «ما» وإرادة النفي للقائل، والسامع يفهم الإبهام، مثاله: قال إبراهيم: إذا بلغ الرجل عنك شيء فكرهت أن تكذب، فقل: إن الله تعالى ليعلم ما قلت من ذلك من شيءٍ، فيكون قوله: ما حرف نفي عند المستمع وعنده الإبهام.
¬
(¬1) ينظر: بريقة محمودية3: 180
6.عدم الإجابة المباشرة عن السؤال لكن يفهم السامع أنه جواباً عن سؤاله، مثال: وكان إبراهيم إِذا طلبَهُ مَن يَكره أن يَخْرُجَ إليه وهو في الدَّارِ قال للجارية قولي له: أطلبه في المسجد، ولا تقولي له ليس ههنا، كيلا يكون كذباً.
7. النفي لما أشير إليه، مثاله: كان الشعبي إذا طلب في المنزل هو يكرهه، خط دائرة، وقال للجارية: ضعي الأصبع فيها، وقولي ليس ههنا.
وحكمه:
يُكره بغير حاجةٍ، وجائزةٌ عند الحاجة، على أن لا يُكثر منها، فتسقط مروءته، وتفقد الثقة بكلامه؛ لأنها أفضل السُّبل للخروج من الكذب الصَّريح المُحرَّم.
قال الغَزالي (¬1): «وهذا كله في موضع الحاجة، فأما في غير موضع الحاجة فلا؛ لأنّ هذا تفهيم للكذب، وإن لم يكن اللفظ كذباً، فهو مكروه على الجملة، نعم المعاريض تُباح لغرض خفيف كتطييب قَلْبِ الغير بالمزاح.
وأما الكذب الصريح كما يعتاده الناس من ملاعبة الحمقى بتغريرهم بأن امرأة قد رغبت في تزويجك، فإن كان فيه ضرر يؤدي إلى إيذاء قلب، فهو حرام، وإن لم يكن إلا لمطايبته، فلا يوصف صاحبها بالفسق، ولكن تركه أولى.
¬
(¬1) في إحياء علوم الدين3: 140.
وقد كان أهل الورع يحترزون عن التسامح بمثل هذا الكذب، قال الليث بن سعد: كانت عينا سعد بن المسيب ترمص حتى يبلغ الرمص خارج عينيه، فيقال له لو مسحت عينيك فيقول: وأين قول الطبيب لا تمس عينيك، فأقول: لا أفعل، وهذه مراقبة أهل الورع، ومَن تركه انسل لسانه في الكذب عند حدّ اختياره، فيكذب ولا يشعر».
* الآفة الثامنة: الكذب في الوعد:
وهو وعد باللسان بأمر لا يتم الوفاء به.
وحكمه:
يكره تحريماً كراهة إثم أن يعد مع قصده ومعرفته بعدم الوفاء.
ويكره تحريماً كراهة تنزيه أن يعدّ مع شكه في الوفاء به.
ويكره تنزيهاً الوعد إن كان ظاناً الوفاء، ولم يكن جازماً بذلك.
قال الغزالي (¬1): «إن اللسان سَبَّاقٌ إلى الوعد ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء، فيصير الوعد خُلْفًا، وذلك من أمارات النِّفاق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1].
وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - لا يَعِدُ وَعْدًا إلا ويقول: إن شاء الله، وهو الأولى.
¬
(¬1) في إحياء علوم الدين3: 132.
وإذا فهم مع ذلك الجرم في الوعد، فلا بُدَّ من الوفاء إلا أَن يُتَعَذَّرَ، فإن كان عند الوعد عازِمًا على أن لا يفي، فهذا هو النِّفاق، فعن ابن عمرو - رضي الله عنه -: قال - صلى الله عليه وسلم -: «أربعٌ مَن كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومَن كانت فيه خِلّة منهنّ كانت فيه خِلّةٌ من نفاق حتى يدعها: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهدَ غدرَ، وإذا وُعد أَخلف، وإذا خاصم فجر» (¬1).
وهذا ينزل على عَزَمَ الْخُلْفَ أو تَرَكَ الوفاء من غير عذر، فأما مَن عَزَمَ على الوفاء، فعَنَّ له عذرٌ مَنَعَهُ من الوفاء لم يكن منافقاً، وإن جَرَى عليه ما هو صُورةُ النِّفاق، ولكن ينبغي أَن يحترز من صورة النفاق أيضاً كما يتحرَّزُ من حقيقتِه، ولا ينبغي أن يَجْعَلَ نَفْسَهُ معذوراً من غير ضرورة حاجزة».
المطلب الثّالث: الاستهزاء:
* الآفة التاسعة: السُّخرية:
وهي الاستِهَانَةُ والتَّحْقِيرُ والتَّنْبِيهُ على العُيُوبِ والنقائص على وجه يُضْحَكُ منه (¬2).
وهي تتضمن الاستصغار والاستخفاف (¬3).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 87، وصحيح البخاري 3: 131.
(¬2) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 131.
(¬3) ينظر: طريقة محمدية 3: 193.
وقد تكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء، وإذا كان بحضرة المستهزأ به لم يسم ذلك غيبة، وفيه معنى الغيبة، فعن عائشة رضي الله عنها: «حاكيت إنساناً فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: والله ما أحب أني حاكيت إنساناً ولي كذا وكذا» (¬1).
وتارةً تكون بِأَنْ يضْحَكَ على كلامه إذا تَخَبَّطَ فيه ولم ينتظم أو على أفعاله إذا كنت مشوشة كالضحك على خطه، وعلى صنعته، أو على صورته وخلقته إذا كان قصيراً أو ناقصاً لعيب من العيوب، فَالضَّحِكُ من جميع ذلك داخل فِي السُّخرية المنهي عنها (¬2)، فعن عبد الله بن زمعة - رضي الله عنه -: «وعظهم - صلى الله عليه وسلم - في الضّحك من الضرطة فقال: علام يضحك أحدكم مما يفعل» (¬3).
ومن دلائل قبحها:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ} [الحجرات:11].
فمناط الخيرية في الفريقين ليس ما يظهر للناس من الصور والأشكال ولا الأوضاع والأطوار التي عليها يدور أمر السّخرية غالباً، بل إنما هو الأمور الكامنة في القلوب، فلا يجترئ أحدٌ على استحقار أحد، فلعله أجمع
¬
(¬1) أخرجه أبو داود والترمذي وصححه، كما في المغني3: 131.
(¬2) ينظر: إحياء علوم الدين3: 131.
(¬3) أخرجه البخاري ومسلم، كما في المغني3: 131.
منه لما نيط به الخيرية عند الله تعالى، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله تعالى والاستهانة بمن عظمه الله تعالى (¬1).
وقال ابن عباس في قوله تعالى: {يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} [الكهف: 49]: إنّ الصغيرة التّبسم بالاستهزاء بالمؤمن والكبيرة القهقهة بذلك، وهذا إشارةٌ إلى أنّ الضَّحك على النَّاس من جملة الذنوب والكبائر.
وكلُّ هذا يرجع إلى استحقار الغير، والضحك عليه استهانة به واستصغاراً له، وعليه نَبَّهَ قوله تعالى: {عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ} [الحجرات:11]: أي لا تستحقرهُ استصغارًا، فلعلَّهُ خَيْرٌ منك، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره التقوى هاهنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه» (¬2).
ولا يعرف مقام كلِّ واحدٍ منا عند الله تعالى إلا الله تعالى، فكيف يمكن تحقيره أحد وقد يعلوك بدرجات عند الله تعالى، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «رب أشعث، مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: تفسير أبي السعود8: 121.
(¬2) في صحيح مسلم4: 1986.
(¬3) في صحيح مسلم20: 24.
فسبب التّحقير والاستهزاء بالغير هو الكبر الذي ابتلي به صاحبه، وهو يردي صاحبه في المهالك، فعن حارثة بن وهب الخزاعي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار: كل عتل، جواظ مستكبر» (¬1)، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (¬2).
وحكمها: يحرمُ في حقِّ مَن يتأذى به، وأما مَن جعل نفسَه مسخرة ورُبّما فرح بأن يُسخر منه صناعة ولعباً كانت السُّخرية من جملةِ المزاح، وإنّما المُحرَّمُ
استصغار يتأذَّى منه المستهزأ به؛ لما فيه من التَّحقير والتهاون (¬3).
* الآفة العاشرة: الطّعن في الأنساب:
وهي التكلم في نسبه وإن كان ثابتاً، أو الانتقاص منه بسبب عدم شرفه.
حكمه:
يكره تحريماً؛ لما فيه من الإيذاء للمسلمين، ولأن التفاضل بين المسلمين بالتقوى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير} [الحجرات:13].
¬
(¬1) في صحيح البخاري6: 159، وصحيح مسلم4: 2190.
(¬2) في صحيح مسلم1: 93.
(¬3) ينظر: إحياء علوم الدين3: 131، وبريقة محمودية3: 193.
وعدَّ ابنُ حجر الهيتمي (¬1) الطَّعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع من الكبائر.
واستدل النوويُّ (¬2) للمنع منه بقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء:36]؛ إذ أنّه تكلّم بغير علم.
وهي من آثار الكفر والابتعاد عن الشريعة والتحاكم لغيرها، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال - صلى الله عليه وسلم -: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت».
* الآفة الحادية عشرة: التعيير:
وهي الانتقاص من الآخرين بنسب أو مكان أو بلد أو مهنة أو فقر أو غيرها من الأمور التي يتمايز بها البشر.
والتعيير لغة: التوبيخ، والعامة تقول: عيره بكذا، والعار السّبة والعيب (¬3).
¬
(¬1) في الزواجر عن اقتراف الكبائر2: 100.
(¬2) في الأذكارص554.
(¬3) ينظر: مختار الصحاح ص195.
ومن دلائل قبحه:
ما كان من اعتباره لمَزاً وطعناً في النفس، قال تعالى: {وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} [الحجرات: 11]: أي لا يعب بعضكم بعضاً، فإن المؤمنين كنفس واحدة أو لا تفعلوا ما تلمزون به، فإن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه (¬1).وكان التعيير للآخرين سبباً في فضيحة قائله، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم» (¬2).
ويبتلى قائله بمثل ما عيّر به غيره واستهزأ به منه، فعن معاذ - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله» (¬3).
وحكمه:
يكره تحريماً؛ لما يشتمل عليه من الإذاء للمسلمين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58].
¬
(¬1) ينظر: بريقة محمودية3: 203.
(¬2) في سنن الترمذي4: 378، وقال؛ حسن غريب، وصحيح ابن حبان13: 75.
(¬3) في سنن الترمذي4: 661، وقال: حسن غريب.
المطلب الرّابع: بذاءة اللسان:
* الآفة الثانية عشرة: اللَّعْنُ:
وهو الطّردُ والإبعادُ من رحمة الله تعالى.
وهو مذمومٌ لحيوانٍ أَو جمادٍ أَو إِنسانٍ (¬1)، فعن سَمرة بن جُندب - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَلاعنوا بلعنةِ الله ولا بغضبه ولا بجهنم» (¬2).
وشدَّد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المنع من لعن الحيوان، حتى أمر صاحبه بإبعاده عقاباً لصاحبه على لعنه له؛ لأننا نحيا برحمة الله، فإن تخلينا عنها اللعن استحقينا العقوبة والجزاء، فعن عمران بن حصين - رضي الله عنه -: «بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره إذا امرأة من الأنصار على ناقة لها، فضجرت منها فلعنتها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: خذوا ما عليها وأعروها، فإنها ملعونة» (¬3)، وعن أنس - رضي الله عنه -: «كان رجل مع رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - على بعير فلعن بعيره فقال يا عبد الله لا تسر معنا على بعير ملعون» (¬4).
ويَقْرُبُ من اللَّعْنِ الدُّعَاءُ على الإنسان بِالشَّرِّ حتى الدعاء على الظالم: كقول الإنسان مثلاً: لا صحح الله جسمه، ولا سلمه الله، وما يجري مجراه،
¬
(¬1) ينظر: الأحياء 3: 123.
(¬2) أخرجه الترمذي وأبو داود، قال الترمذي حسن صحيح، كما في المغني 3: 126.
(¬3) أخرجه مسلم، كما في المغني 3: 126.
(¬4) أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد، كما في المغني 3: 126.
فإن ذلك مَذْمُومٌ (¬1)، فعن عائشة رضي الله عنها،: قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن دعا على مَن ظلمَه فقد انتصر» (¬2).
ومن دلائل قبحه:
ما كان من الحرمان من أن يكون اللاعن شفعياً وشاهداً يوم القيامة، عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» (¬3).
وكان اللعن مستحقاً على قائله، فعن الدرداء - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن، فإن كان لذلك أهلاً، وإلا رجعت إلى قائلها» (¬4)، قال الخادمي (¬5): «وحاصله أن دعاء أحد على أحدٍ بشيء من المكاره كالطرد من رحمة الله تعالى، فإن استحق المدعو عليه أصابه، فيستجاب في حقِّه وإلا فيستجاب في حقِّ الدَّاعي، فيصيبه فيلزمه أن مَن لا يستحقُّ الدعاء شرعاً لا يضرُّه ألبتة، بل يضرّ الداعي».
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 126.
(¬2) في سنن الترمذي5: 554، وقال: حديث غريب، ومسند القضاعي1: 242، ومصنف ابن أبي شيبة15: 292.
(¬3) أخرجه مسلم، كما في المغني3: 123.
(¬4) في سنن أبي داود4: 277، ومسند البزار10: 24.
(¬5) في بريقة محمودية3: 199.
وكلُّ ما حولنا هي نعم مَنَّ الله تعالى بها علينا، وبرحمته تعالى ننتفع بها، فلا يجوز أن نذمَّ شيئاً مما خَلَقَ اللهُ تعالى، كما سلوك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «ما عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاماً قط، كان إذا اشتهى شيئاً أكله، وإن كرهه تركه» (¬1)، فكيف يصل بنا الحدُّ إلى لعنه.
وكان تشبيه اللعن للمسلم بقلته، فعن ثابت بن الضحاك - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ومَن لعن مؤمناً فهو كقتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله» (¬2).
وحكمُه:
يُكره كراهة إثم لمن لا يَستحقُّه.
وكذلك لعن من مات، إلا على من مات على الكفر، فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تذكروا موتاكم إلا بخير» (¬3)، وعن ثابت بن الضحاك - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لعن المؤمن كقتله» (¬4)، فالاشتغال بذكر الله أولى، فإن لم يكن، ففي السّكوت سلامة.
ويُكره كراهة تنزيه لمَن استحقَّه، فيكون لعنه خلاف الأولى، كلعن شخص معين وإن كان كان غير مسلم؛ لأنّ لعن الأعيان فيه خطر؛ لأنّ
¬
(¬1) في صحيح مسلم3: 1632.
(¬2) في صحيح البخاري8: 15.
(¬3) أخرجه النسائي وإسناده جيد، كما في المغني3: 123.
(¬4) أخرجه البخاري ومسلم، كما في المغني3: 123.
الأعيان تتقلب في الأحوال إلا من أعلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنّه يجوز أن يَعلم مَن يموت على الكفر.
وكذلك لعن الفرق المبتدعة كالقدرية والخوارج والروافض؛ لأن في لعن أوصاف المبتدعة خطرٌ؛ لأن معرفةَ البدعة غامضةٌ، ولم يرد فيه لفظٌ مأثورٌ، فينبغي أن يُمنع منه العوام؛ لأن ذلك يستدعي المعارضة بمثله ويثير نزاعاً بين الناس وفساداً.
وكذلك مَن بان لنا موته على الكفر، جاز ذمُّه إن لم يكن فيه أذى على مسلم، فإن كان لم يجز، فعن علي بن ربيعة، قال: لما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة توجه من فوره إلى الطائف، ومعه أبو بكر ومعه ابنا سعيد بن العاص، فقال: أبو بكر: لمن هذا القبر؟ قالوا: قبر سعيد بن العاص، فقال: أبو بكر: لعن الله صاحب هذا القبر؛ فإنه كان يحاد الله ورسوله، فقال: ابنا سعيد: لعن الله أبا قحافة فإنه كان لا يقري الضيف، ولا يمنع الضيم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن سب الأموات يغضب الأحياء، فإذا سببتم المشركين فسبوهم جميعاً» (¬1).
قال الغَزاليُّ (¬2): «والتفصيل فيه: أنَّ كلَّ شخص ثبتت لعنتُه شرعاً، فتجوز لعنته كقولك: فرعون لعنه الله، وأبو جهل لعنه الله تعالى، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة» (¬3)؛
¬
(¬1) أخرجه أبو داود في مراسيله ص345.
(¬2) في إحياء علوم الدين3: 123 بتصرف يسير.
(¬3) أخرجه البخاري ومسلم، كما في المغني3: 125.
لأنه قد ثبت أنّ هؤلاء ماتوا على الكفر، وعرف ذلك شرعاً.
وأمّا شخصٌ بعينه في زماننا كقولك: زيدٌ لعنه الله تعالى، وهو يهوديٌّ مثلاً، فهذا فيه خطر، فإنّه رُبَّما يُسلم فيموت مقرَّباً عند الله، فكيف يحكم بكونه ملعوناً ...
ودعا النبي - صلى الله عليه وسلم - على جماعةٍ من الكفّار، فلما لم يعلم عاقبتهم، توقف عن الدعاء، فعن أنس - رضي الله عنه -: «دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الذين قتلوا في أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحاً» (¬1)، ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران:128] (¬2)، يعني أنهم ربما يُسلمون، فمن أين تعلم أنهم ملعونون».
ويُباح لمَنِ اتَّصَفَ بِصِفةٍ تُبعِدُهُ من اللَّه تعالى، وهو الكفر والظلم والفسقة بأن نقول: لعنة الله على الظالمين ولعنة على الكافرين ولعنة الله على آكلي الربا، وينبغي أن يتبع فيه لفظ الشَّرع، فإن في اللعنة خطراً؛ لأنه حكم على الله تعالى بأنه قد أبعد الملعون، وذلك غيبٌ لا يطلع عليه غير الله تعالى، ويطلع عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أطلعه الله عليه.
الصّفات المقتضية للعن:
الكفر والبدعة والظلم والفسق، وللعن في كلِّ واحدة ثلاث مراتب:
¬
(¬1) أخرجه البخاري ومسلم، كما في المغني3: 125.
(¬2) أخرجه مسلم، كما في المغني3: 125.
1.اللعن بالوصف الأعم، كقولك: لعنة الله الكافرين والمبتدعين والفسقة.
2.اللعنُ بأوصاف أخصُّ منه، كقولك: لعنة الله على اليهود والنصارى والمجوس.
3.اللعن للشخص المعين، وهذا فيه خطر كقولك: زيد لعنه الله، وهو كافر أو فاسق أو مبتدع.
وعلى الجملة، ففي لعن الأشخاص خطر فليجتنب، ولا خطر في السكوت عن لعن إبليس مثلاً فضلاً عن غيره، ولذلك لا يلعن يزيد، أو أن يقال: إنه قتله أو أمر به ما لم يثبت فضلاً عن اللعنة؛ لأنه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق، ويجوز أن يقال: قتل ابن ملجم علياً - رضي الله عنه - وقتل أبو لؤلؤة عمر - رضي الله عنه -، فإن ذلك ثبت متواتراً، فلا يجوز أن يرمى مسلمٌ بفسق أو كفر من غير تحقيق (¬1)، فعن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يرمى رجل رجلاً بالكفر، ولا يرميه بالفسق، إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك» (¬2).
* الآفة الثّالثة عشرة: الفحش:
وهو التَّعْبِيرُ عنِ الأُمُورِ الْمُسْتَقْبَحَةِ بالعبارات الصَّرِيحَةِ.
وتكون في كل ما يُخفى ويُسْتَحْيَا منه، فلا ينبغي أَن يذكر ألفاظُهُ الصّريحة، فإنه فحش.
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين3: 125.
(¬2) أخرجه البخاري ومسلم، كما في المغني3: 123.
ومن صورها:
1.ألفاظ الوقاع من نحو الذكر والفرج وما يتعلَّقُ بِه، وأكثر الفحش يجري فيها، فإن لأهل الفسادِ عباراتٍ صرِيحَةً فاحشةً يستعملونها فيه، وأهل الصَّلَاحِ يتحاشونَ عنها، بل يكنون عنها، ويدلّون عليها بالرموز، فيذكرون ما يقربها، ويتعلق بها، قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهم -: «إنّ الله حي كريمٌ يعفو ويَكْنُو، كَنَّى باللَّمسِ عن الجماع».
2.التعبير عن قضاء الحاجة من البول والغائط، فلا يستعمل لفظ
التغوط والخراء وغيرهما، فينبغي الكناية عنها بقضاء الحاجة.
3.التعبير عن النساء، فيُستحسن في العادة الكناية عن النِّساء، فلا يُقال قالت زوجتك: كذا بل يقال قيل في الحجرة أو من وراء الستر أو قالت أم الأولاد، فالتَّلطفُ في هذه الألفاظ محمودٌ، والتَّصريحُ فيها يفضي إلى الفحش.
4.التعبير عن عيوب يستحيا منها، فلا ينبغي أن يُعبَّر عنها بصريح لفظها كالبرص والقرع والبواسير، بل يقال: العارض الذي يشكوه وما يجري مجراه، فالتصريح بذلك داخل في الفحش، وجميع ذلك من آفات اللسان (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الإحياء في علوم الدين3: 122.
وحكمه:
تُكره تحريماً كراهة إثم أو إساءةٍ أو كراهة تنزيهة بسبب تفات ألفاظها في الدَّلالة على القبح، قال الغَزاليّ (¬1): «وهذه العبارات متفاوتة في الفحش، وبعضها أفحش من بعض وربّما اختلف ذلك بعادة البلاد، وأوائلها مكروهة وأواخرها محظورة، وبينهما درجات يتردد فيها».
والباعث عليها:
إما قصد الإيذاء، وإما الاعتياد ... الحاصل من مخالطة أهل الفساد، والأدب أن يذكر بالكناية، وهو دأب الصالحين، بل دأب رب العالمين (¬2).
ومن دلائل قبحه:
ما كان من نهي الله تعالى عنها، وأنه غيرُ محبوب له تعالى، قال تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا. إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 148ـ 149]، وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إِيَّاكُمْ والْفُحْشَ فإن اللَّه تعالى لا يُحِبُّ الْفُحْشَ ولا التَّفَحُّشَ» (¬3)، وعن أسامة بن زيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله لا
¬
(¬1) في الإحياء3: 122.
(¬2) ينظر: الإحياء في علوم الدين3: 122.
(¬3) أخرجه النسائي في الكبرى في التفسير والحاكم وصححه، ورواه ابن حبان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، كما في المغني3: 122.
يحب الفاحش المتفحش» (¬1).
وليس الفحش من صفات المؤمنين؛ لأنّه قبح، والمؤمن يتزين بالحُسن، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس المؤمنُ بِالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحش ولا البذيء» (¬2).
وكانت البذاءة من النفاق، فعن أبي أمامة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «البذاء والبيان
شعبتان من النفاق» (¬3).
وكات الفحش خارجة عن أخلاق الإسلام، فعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: إن الفحش والتفاحش ليسا من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلاماً أحاسنهم أخلاقاً» (¬4).
¬
(¬1) أخرجه الطبراني، وإسناده جيد، كما في المغني3: 122.
(¬2) أخرجه الترمذي بإسناد صحيح، وقال: حسن غريب وصححه، وروي موقوفاً قال الدارقطني في «العلل»: والموقوف أصح، كما في المغني3: 122.
(¬3) أخرجه الترمذي وحسنه الحاكم، وصححه على شرطهما. يحتمل أن يراد بالبيان كشف ما لا يجوز كشفه، ويحتمل أيضاً المبالغة في الإيضاح حتى ينتهي إلى حدِّ التكلف، ويحتمل البيان في أمور الدين وفي صفات الله تعالى، فإن إلقاء ذلك مجملاً إلى أسماع العوام أولى من المبالغة في بيانه؛ إذ قد يثور من غاية البيان فيه شكوك ووساوس، فإذا أجملت بادرت القلوب إلى القبول ولم تضطرب، ولكن ذكره مقروناً بالبذاء يُشبه أن يكون المراد به المجاهرة بما يَستحي الإنسان من بيانه، فإن الأولى في مثله الإغماض والتغافل دون الكشف والبيان، أفاده الغزالي.
(¬4) أخرجه احمد وابن أبي الدنيا بإسناد صحيح، كما في المغني3: 122.
وكان الفاحش من شرّ الناس، فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة ـ أو بئس أخو العشيرة ـ، فلما دخل ألان له الكلام، فقلت له: يا رسول الله، قلت ما قلت، ثم ألنت له في القول؟ فقال: أي عائشة، إن شرّ النَّاس منزلة عند الله من تركه ـ أو ودعه الناس ـ اتقاء فحشه» (¬1).
وكان البذاءةُ أشدُّ قبائح اللسان، قال الأحنف بن قيس: «ألا أخبركم بأدوإ الداء اللسان البذي والخلق الدني، فهذه مذمة الفحش».
* الآفة الرّابعة عشرة: السَّبُّ والشَّتم:
وهي وصف غيرك بما لا يليق ولا يستحسن.
ومن دلائل قبحه:
ما كان من نهي الله تعالى عن سبّ آلة غير المسلمين، حتى لا يتذرعوا به إلى سبّ الله تعالى، قال تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون} [الأنعام:108]
وكان منع النبي - صلى الله عليه وسلم - من سبّ غير المسلمين؛ لعدم الفائدة منه، ولأثره السيء المسلم بترسيخ خلق اللؤم عنده، فعن محمد بن علي الباقر: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أن تُسَبَّ قَتْلَى بدر من المشركين فقال: لا تَسُبُّوا هؤلاء، فإنّه
¬
(¬1) في صحيح البخاري8: 31.
لا يَخْلُصُ إليهم شيء مما تقولون وتُؤْذُونَ الأحياء ألا إنَّ البذاء لؤم» (¬1).
وكان اعتبار السباب فسق، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -، قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (¬2).
وكان من وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه ترك السبّ، فعن أبي جرير الهجيمي: قال أعرابي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَوْصِنِي، فقال: عليك بتقوى اللَّهِ وإِن امْرُؤٌ عَيَّرك بشيءٍ يعلمه فيك، فلا تُعيِّره بشيءٍ فيه يكن وبَالُهُ عليه وأَجره لك ولا تَسُبَّنَّ شيئاً، قال: فما سَبَبْتُ شيئاً بعده» (¬3).
وكان خارجاً عن رحمة الله مَن كان سبباً في لعن والديه بأن يَسُبَّ والدي غيره، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ وَالِدَيْهِ» (¬4).
وكان من الكبائر التسبب بسب الديه، فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أكبر الكبائر أَن يسبَّ الرجل وَالِدَيْهِ قالوا: يا رسول اللَّهِ كيف يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قال: يَسُبُّ أَبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ الآخر أباه» (¬5).
¬
(¬1) أخرجه ابن أبي الدنيا مرسلاً ورجاله ثقات وللنسائي من حديث ابن عباس - رضي الله عنهم - بإسناد صحيح: «إن رجلا وقع في أب للعباس كان في الجاهلية فلطمه» الحديث، وفيه: «لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا»، كما في المغني3: 122.
(¬2) في صحيح البخاري1: 19، وصحيح مسلم1: 81.
(¬3) أخرجه أحمد والطبراني بإسناد جيد، كما في المغني3: 122.
(¬4) أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني بإسناد جيد، كما في المغني3: 122.
(¬5) أخرجه البخاري ومسلم، كما في المغني3: 122.
وكان اعتبار النبي - صلى الله عليه وسلم - السّباب من أمر الجاهلية، فعن أبي ذر - رضي الله عنه -: «كان بيني وبين رجل كلام، وكانت أمه أعجمية، فنلت منها، فذكرني إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال لي: أساببت فلاناً، قلت: نعم، قال: أفنلت من أمه، قلت: نعم، قال: إنك امرؤ فيك جاهلية» (¬1).
والباعث عليه:
إما قصدُ الإيذاء وإمَّا الاعتياد الحاصل من مخالطة الْفُسَّاقِ، وأهل الخبث واللؤم ومن عادتهم السب (¬2).
وحكمه:
يُكره بقدر ما يتسبب به من الأذى، حتى يكون به الإثم، والأولى الصفح والتجاوز لمن وقع عليه السبّ، فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتعطي من منعك، وتصفح عمن شتمك» (¬3)؛ لأنه شتمه لك وبال وضرره عليه، فعن جابر بن سليم - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك، فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه» (¬4).
¬
(¬1) في صحيح البخاري8: 16.
(¬2) ينظر: الإحياء3: 122.
(¬3) في مسند أحمد24: 383، والمعجم الكبير20: 188.
(¬4) في سنن أبي داود4: 56، ومسند أحمد34: 234.
وإن رَدّ عليه تلفَّظَ به من السِّباب كان رداً للاعتداءِ والظُّلم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُسْتَبَّانِ ما قالا، فعلى الْبَادِئِ منهما حتى يعتدي المظلوم» (¬1).
قال البركوي والخادمي (¬2): «لو قال له يا خبيث الأحسن أن يكفّ عنه، ولو أجاب فقال له: لا بل أنت لا بأس، وفي «المنح» إن قال لغيره يا خبيث فجازاه بمثله جاز؛ لأنه انتصار بعد الظلم، وذلك مأذون فيه قال تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيل} [الشورى:41]، والعفو أفضل، قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40].
وأما إذا كانت الكلمة موجبة للحدِّ لا ينبغي أن يجيبه بمثلها تحرُّزاً عن إيجاب الحدِّ على نفسه.
ولو قال يا شارب الخمر، فقال: بل أنت فتكافآ لا يُعزران.
وهذا الإثم على البادئ فقط ما لم يعتد المظلوم في نحو: يا جاهل ويا أحمق مما يجوز فيه المقابلة.
وأما في نحو يا زان ويا لوطي مما لا يجوز فيه المقابلة مما يوجب الحد، فكلاهما آثم، وإن كان إثم المبتدئ أكثر؛ للتَّسبب والمباشرة، وفي «الفتاوى»: إن قال لآخر: يا زان، فقال: لا بل أنت يحدان.
¬
(¬1) أخرجه مسلم، كما في المغني2: 276.
(¬2) في البريقة والطريقة3: 200.
والأفضل للمعتدى عليه الصبر مع العفو، إلا أن يؤدي إلى زيادة فساد المعتدي، أو الدعوة إلى القاضي، فيدعي موجبه ويجزيه تأديباً وتشفياً، أو المقابلة بنحو يا جاهل من جنس ما يجوز فيه المقابلة، فحينئذ يستوفي ظلامته».
وإن كان السّب للأحياء ممنوعٌ، فمَن باب أولى في حقِّ الأَموات؛ لأنه ليس من صفات المؤمنين، فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (¬1).
وحكمه من جهة التعزير من القاضي: فكلُّ لفظ ألحق الشين بالآخرين يُعزَّرُ قائله بالضرب الحبس أو غيرها على يراه القاضي، كما لو قال: يا فاجر أو يا يهودي أو يا نصراني أو يا مجوسي أو يا كافر أو يا مخنَّث أو يا ابن الفاسق أو يا ابن الفاجر أو يا ابن القحبة أو يا ابن الفاسقة أو يا ابن الخبيثة أو يا لص أو يا سارق، فإنَّه يعزّر في جميع ذلك.
وإن قال: يا فاسق أو يا لص أو يا سارق، وهو كذلك لم يعزر.
وإن قال: يا آكل الربا أو يا شارب الخمر، وكان يفعل ذلك لم يعزَّر، وإن لم يفعله عُزِّر (¬2).
¬
(¬1) في صحيح البخاري2: 104.
(¬2) ينظر: الجوهرة2: 161.
وإن قال: يا حمار، يا خنزير، فيعزر إن كان المسبوب من الأشراف كالفقهاء والعلوية؛ لأنَّه يلحقهم الوحشة بذلك، وإن كان من العامّة لا يُعزَّر؛ لأنَّه ما ألحق الشين به للتيقن بنفيه؛ لأنَّ العربَ قد تتسمّى بهذه الأسماء، يقال: سفيان الثوري ودحية الكلبي (¬1).
* الآفة الخامسة عشرة: إطلاق الألقاب واستعمالها:
هو إطلاقُ لقبٍ سيءٍ ابتداءً على مسلم واستعماله.
وحكمه:
يُكره إطلاقُ لقب غير مناسب على مسلم ابتداءً أو مناداته به ولو وضعه غيرك، وتتفاوت الكراهة بقدر التأذي الواقع على المُلقب من تنزيهيةٍ إلى تحريمية بإساءة أو إثم.
وأما إن أصبحت حاجة له للتعريف فلا يكره، قال تعالى: {وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ} [الحجرات: 11]: أي لا يدعوا بعضكم بعضا بلقب السوء، فإن النبز مختص بلقب السوء عرفاً، و {بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ} [الحجرات: 11] ففي الآية دلالة على أن التنابز فسق، والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح.
وأما إطلاق اللقب الحسن الذي يسرّ به الملقب به فمباح (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الهداية5: 347، والجوهرة2: 161.
(¬2) ينظر: البريقة والطريقة3: 273.
المطلب الخامس: الغناء وأمثاله:
* الآفة السادسة عشرة: النياحة:
وهي رفع الصّوت بالندب بتعديد شمائل الميت ولو من غير بكاء (¬1).
فيكون باجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات، وتعداد محاسن الميت بلفظ النداء، إلا أنه يكون بلفظ الواو، وربما زيد فيه الألف والهاء مثل قولهم: وا رجلاه وا جبلاه وا انقطاع ظهراه، ونحوه (¬2).
ومن دلائل قبحها:
ما كان من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من النَّهي عنها، وأخذ البيعة من النِّساء على عدم فعلها، فعن أم عطية رضي الله عنها، قالت: «أخذ علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - عند البيعة أن لا ننوح ... » (¬3).
وكانت من آثار الجاهلية، ويقع على فاعلتها عذابٌ شديد، فيكون لباسها القطران والجرب، فعن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها،
¬
(¬1) ينظر: بريقة محمودية 3: 204.
(¬2) ينظر: تسلية أهل المصائب ص 47.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 84.
تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» (¬1)، يعني يسلط على أعضائها الجرب والحكة بحيث يغطي بدنها تغطية الدرع، وهو القميص (¬2).
وكانت من أفعال غير المسلمين؛ لمخالفتها لاعتقاد وآداب الإسلام، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من الكفر بالله: شق الجيب، والنياحة، والطعن في النسب» (¬3).
وكان العذاب على الميت إن فعلت النياحة له بأمره، أو بتقصيره في تربية أولاده بحيث فعلوها؛ لبعدهم عن الدين؛ لعدم قيامه بواجبه اتجاههم، فعن ابن عمر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الميت يعذب في قبره بالنياحة عليه» (¬4)، أما إن فعلوا من أنفسهم بلا تقصير منهم، فلا يعذب الميت على ذلك؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164].
وحكمه:
الحرمة لما فيها من:
أ. سخط لقضاء الله تعالى، وتأسّف على ما لا تدارك له، قال النَّوويُّ (¬5):
¬
(¬1) في صحيح مسلم2: 644.
(¬2) ينظر: تعليقات عبد الباقي2: 644.
(¬3) في صحيح ابن حبان4: 326.
(¬4) في سنن النسائي الكبرى2: 293.
(¬5) في الأذكار ص266.
«أجمعت الأمة على تحريم النياحة، والدُّعاء بدعوى الجاهلية، والدُّعاء بالويل والثبور عند المصيبة»، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (¬1).
ب. نغماتها وتأثيرها في تهييج الحزن والبكاء وملازمة الكآبة والحزن.
ج. الحزن على ما فات، قال تعالى: {لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} [الحديد:23].
ولو كان حزن الإنسان على تقصيره في أمر دينه، وبكاؤه على خطاياه والبكاء والتباكي لكان ممدوحاً (¬2).
* الآفة السّابعة عشرة: الشِّعر المذموم:
وهو شعر الغزل والبطالة، وهو ما فيه وصف النساء وحال المحبّ مع المحبوب أو مع عذاله من الوصل والهجر واللوعة والغرام ونحو ذلك (¬3).
وحكمه:
الكراهة إن كان فيه ما لا يحلّ من وصف للذكور والمرأة المعيّنة الحيّة، ووصف الخمر المهيج إليها، والحانات والهجاء لمسلم أو ذمي إذا أراد المتكلّم هجاءه، لا إذا أراد إنشاد الشعر للاستشهاد به أو ليعلم فصاحته وبلاغته.
¬
(¬1) في صحيح البخاري2: 81.
(¬2) ينظر: الإحياء2: 276.
(¬3) ينظر: رد المحتار 1: 45 عن الريحانة للشهاب الخفاجي.
ويُكره ما يحل من الشعر إن ما داوم عليه وجعله صناعة له حتى غلب عليه، وأشغله عن ذكر الله تعالى وعن العلوم الشرعية؛ فعن سعد ابن أبي وقاص، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يمتلئ جوف الرَّجل قيحاً خير من أن يمتلئ شعراً» (¬1)، فاليسير من ذلك لا بأس به إذا قصد به إظهار النكات واللطافات والتشابيه الفائقة والمعاني الرائقة، وإن كان في وصف الخدود والقدود، فإنَّ علماء البديع قد استشهدوا من ذلك بالأشعار لهذا القصد (¬2)، قال الغزالي (¬3): «والشَّعرُ فحسنُه حسنٌ وقبيحُه قبيحٌ إلا أن التجردَ له مَذْمُومٌ».
وعن مسروق أنه سئل عن بيت من الشعر، فكرهه فقيل له في ذلك فقال: أنا أكره أن يوجد في صحيفتي شعر.
وسئل بعضُهم عن شيءٍ من الشِّعر، فقال: اجعل مكان هذا ذكراً، فإن ذكرَ الله تعالى خيرٌ من الشِّعر (¬4).
ويُباح إنشاد شعر لا سخف فيه، و هو ما لا رقة ولا خفّة ولا استخفاف بأحد من المسلمين فيه، كذكر عوراته، والأخذ في عرضه (¬5).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 4: 1769،وصحيح البخاري5: 2279،وصحيح ابن حبان 19: 93.
(¬2) ينظر: رد المحتار 1: 47، وغيره.
(¬3) في الإحياء3: 126.
(¬4) ينظر: إحياء علوم الدين3: 126.
(¬5) ينظر: الأشباه والنظائر 4: 126، و الدر المختار 1: 45 - 48، وغيرهما.
ويُباح إذا خلا عن الكذب والرِّياء وهجو ما لا يجوز هجوه، بل يجب تعظيمه واحترامه، وعن ذكر الفسق ومدحه والتغني وآفات المدح، والاستكثار منه والتجرد له حتى يشغله عن بعض الواجبات والسنن (¬1).
وقلما يخلو عن هذه الآفات، قال تعالى في ذم الشعراء: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون} [الشعراء: 224] إلى آخر السورة {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون} [الشعراء: 225] أي وادي الكلام {يَهِيمُون} [الشعراء: 225] يذهبون {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُون} [الشعراء: 226] (¬2).
ويُباح أن يكون فيه صفة امرأة مرسلة أو معينة وهي ميتة، بخلاف ما إذا كانت بعينها حية (¬3)؛ بدليل: قول كعب بن زهير - رضي الله عنه - بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -:
وما سعادُ غداةَ البِين إذ رحلوا ... إلا أغنَّ غضيضُ الطرفِ مكحول
تجلو عوارضَ ذي ظلمٍ إذا ابتسمت ... كأنّه مَنْهَلٌ بالرَّاحِ معلولٌ
(¬4)
وعن العجاج أنَّه سأل أبا هريرة - رضي الله عنه -، ما تقول في هذا؟
طاف الخيالان فهاجا سقماً ... خيال سلمى وخيال تكتما
قامت تريك رهبةً أن تَصْرِما ... ساقاً بَخَنداةٍ (¬5) وَكَعْباً أدرما (¬6)
¬
(¬1) ينظر: الطريقة المحمدية4: 26.
(¬2) ينظر: بريقة محمودية4: 27.
(¬3) ينظر: التبيين 6: 14، وفتح القدير 7: 9: 409، ورد المحتار 1: 47 - 48، وغيرهما.
(¬4) في المستدرك3: 671، وسنن البيهقي الكبير10: 243، وغيرهما.
(¬5) البخنداة: من النساء التامة. ينظر: فتح القدير 2: 439، وغيره.
(¬6) الدرم: في الكعب أن يواريه اللحم فلا يكون له نتوء ظاهر. ينظر: فتح القدير 2: 439.
فقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: «كنا ننشد هذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يعيبه» (¬1).
ومثل ذلك كثير عن الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لأنَّ المرأة فيهما ليست معينة، فلولا أن إنشاد ما فيه وصف امرأة كذلك جائز لم تقله الصحابة - رضي الله عنهم - (¬2).
قال الزَّيلعيُّ (¬3): ((ولو كان في الشِّعر حِكمٌ أو عبرٌ أو فقهٌ لا يكره)).
وقال الغَزاليُّ (¬4): «وعلى الجملة، فإنشاد الشعر ونظمه ليس بحرام إذا لم يكن فيه كلام مستكره»، فعن أبي بن كعب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن من الشعر حكمة» (¬5).
ويندرج تحت هذا النوع: الأناشيد الوطنية، والتعليمية، والتربوية، والمرققة للقلوب بذكر الله تعالى وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمثال ذلك مما فيه نفع.
* الآفة الثّامنة عشرة: الغناء:
التغني بألفاظ محظورة شرعاً للرجال، وبمطلق الألفاظ للنساء أمام الرّجال الأجانب.
¬
(¬1) في الكامل 3: 179، وضعفاء العقيلي 2: 64، وتاريخ بغداد 12: 266، وغيرها، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 8: 128: رواه الطبراني عن شيخه رفيع بن سلمة ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
(¬2) ينظر: فتح القدير 7: 409، وغيره.
(¬3) في التبيين 6: 14.
(¬4) في الإحياء3: 126.
(¬5) في صحيح البخاري8: 34.
وحكمه:
يحرم الغناء مطلقاً في حق النساء إن كان سَمعه أجنبي، وإن لم يكن على مال أو لجمع الناس؛ لرفع صوتهنّ؛ لأنه فتنة، قال ابنُ الهمام (¬1): ((نعم هو من المرأة أفحش؛ لرفع صوتها، وهو حرام)): أي رفعها لصوتها، فعن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يشرب ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير» (¬2).
ويحرم الغناء المحظور للرجال سواء للهو أو لجمع المال؛ لأنَّه يجمع الناس على ارتكاب كبيرة قال ابن الهمام (¬3): ((نصّوا على أنَّ التغني للهو أو لجمع المال حرام بلا خلاف))، فإن لم تكن ألفاظه محظورة كان مباحاً، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، قال: «كان البراء بن مالك - رضي الله عنه - رجل حسن الصوت، فكان يرجز لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره، فبينما هو يرجز إذ قارب النساء، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إياك والقوارير، قال: فأمسك» (¬4).
¬
(¬1) في فتح القدير 7: 409.
(¬2) في صحيح ابن حبان 15: 160، وموارد الظمآن 1: 336، ومصنف ابن أبي شيبة 5: 68، والمعجم الكبير 3: 283، والتاريخ الكبير 1: 304، وغيرها.
(¬3) في فتح القدير 7: 409.
(¬4) في المستدرك 3: 300، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
فإن تغنّى الرجل بحيث لا يسمع غيره بل نفسه؛ ليدفع عنه الوحشة لا يُكره؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «أنَّه دخل على أخيه البراء - رضي الله عنه - وهو مستلق واضعاً إحدى رجليه على الأخرى يتغنى فنهاه، فقال: أترهب أن أموت على فراشي وقد تفردت بقتل مئة من الكفّار سوى من شركني فيه النّاس» (¬1).
وشرائط إباحة الغناء لنفسه، هي:
1.أن لا يكون للهو المجرد، بل لغرض مُعتد به: كدفع الوحشة عن نفسه، أو لحداء الإبل، أو لحمل ثقيل، أو لسهولة قطع السفر، أو لتنويم الصبي وأمثاله.
2.أن لا يكون غناءً فاحشاً، بتمطيط وتكسير يشابه المغنيين.
3.أن لا يكون في الكلام ما يكره أو يحرم من الغيبة والاستهزاء، أو وصف امرأة معروفة حية.
4.أن يكون ذلك أحياناً من دون أن يفضي إلى ترك واجب أو إلى معصية أخرى (¬2).
وسئل القاسم بن محمد عن سماع الغناء، قال: إذا ميز الله بين الحق والباطل يوم القيامة أين يقع الغناء، قيل: في حوز الباطل، قال: فأفت نفسك (¬3).
¬
(¬1) في المستدرك 3: 330، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(¬2) ينظر: كشف العناء عن وصف الغناء 3: 235.
(¬3) ينظر: رسالة المسترشدين ص121.