رمز الحقائق ....
كنز الدقائق
جارٍ تحميل الكتاب…
رمز الحقائق ....
كنز الدقائق
الطبعة الأولى
1446هـ ـ 2024م
رمز الحقائق
شرح كنز الدقائق
للإمام الفقيه المحدث بدر الدين العيني الحنفي
توفي سنة (855) هـ
اعتنى به وعلق على طهاراته
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمدُ لله الذي علّمنا وفهّمنا وبصّرنا بشريعته الغرّاء، والصَّلاة والسَّلام على سيّد الخلق، وإمام المجتهدين، وعلى آله وصحابته العظام الكرام إلى يوم الدّين.
وبعد:
فإن هذا الكتاب المبارك المسمّى بـ «رمز الحقائق شرح كنز الدقائق» من مشاهير كتب الحنفية للإمام الكبير بدر الدين العيني، اختصره من «تبيين الحقائق» للإمام الزيلعي، وأضاف إليه شيئاً من مسائل الفتاوى، اهتممت أثناء تدريسه مرَّة بعد مرَّة أن أُصحِّحه لأعلق عليه، فأكملت التعليقات عليه في كتاب الطهارة راجياً من المولى الإعانة في إكمالها.
وأحببت حفظاً له، ونشراً للعلم أن أجعله نسخة الكترونية يستفيد منها الراغبون.
راجين من الله تعالى القبول والسداد التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
في صويلح، عمان الأردن
22 ـ 7 ـ 2024 م
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلَّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبِّه وسلَّم.
إن أجدَّ ما يُستهل به اللِّسان بالبيان، وأَسدُّ ما تُستمدُّ به الأركان من الجنان حمدَ مبدع فَرَقَ أثمار (¬1) العلم عن أكمام الأذهان، وشقَّ ينابيع الحكمة في خَلَد (¬2) من شاء من الإنسان، وشكرَ مرسل نبينا عند انتهاء الوقت والزَّمان، محمداً المصطفى المبعوث إلى الإنس والجان، عليه صلوات كلّ حاصرها عن العَدّ والحسبان، وتحيات ملء حاضرها للعَدّ بالبنان، وعلى آله وصحبه الذين اتبعوه بإحسان، وعلى علماء الأمّة في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، ما دام القطر في السِّيلان، والماء في الجريان.
وبعد:
فإن الفقيرَ إلى رحمة ربِّه الغنيِّ أبا محمّد، محمود بن أحمد العيني ـ عامله ربُّه ووالديه بلطفه الخفي ـ يقول: لَمَّا أُمتحنت بما أُمتحن به مَن هو محسودٌ إمّا لعلمه وفضله، وإمّا لسبق خير منه، أو من أصله، ولعمري غير عجيب ذلك، فإن المحسودَ معدٌّ لذلك، وكيف وقد أُمتحن أئمة الدِّين، وأكابر علماء المسلمين من الصَّحابة والتَّابعين - رضي الله عنهم -، ومن سائر العلماء المتقين.
¬
(¬1) بمعنى كشف ثمار العلم.
(¬2) أي في نفس وبال من أراد الله - عز وجل -.
فأبو حنيفة - رضي الله عنه - حُبِس وضُرِب بالسِّياط ولم يزل في الحبس إلى أن طُوي له البساط.
ومالك - رضي الله عنه - ضُرب وأُهين حتى خُلِع كتفُه اليمين.
والشَّافعيُّ - رضي الله عنه - حُمل من اليمن إلى دار السَّلام في قيد محتاطاً (¬1) بجمع من اللئام.
وأحمد - رضي الله عنه - كذلك من بغداد إلى حرّان، إلى أن أنقذهم الله من شرِّ أهل الظُّلم والعدوان.
بحيث ضاقت عليَّ الدنيا برحبها، وصعبت عليّ الأُمور بيابسها ورطبها لَمَّا قوبلت بما لا يسوغه الشَّرع الشَّريف، وجُوزيت بما يجازيه القوي للضَّعيف، حتى صار أَعزّ أصحابي كأكبر أعدائي، وصار أكثرُ الهمز والطَّعن من أجلاء أخلائي، بحيث أظلمت عليّ الدُّنيا، فصرتُ كأنّي عين بلا إنسان، أو إنسان بلا عين بالعيان، ولكن النَّقي لا يُغيِّرُه مقلُ الذُّباب، والبحر لا يُفسده ولوغ الكلاب.
فإنّي إن كنت عند الله مرضياً، فأنا راض، فخوض النَّاس بالقيل والقال غيرُ نافذ ولا ماض.
ثمّ لَمَّا مَنّ اللهُ عليّ ببعض جلاء هذه الغمّة على يدي مَن خَصَّه الله بالخير من هذه الأمّة، أردت أنّ أُزيل هذه الكدورات بإشغال البال في شرح كتاب من المصنفات، فاخترتُ لذلك كتاب «كنز الدَّقائق» المنسوب إلى القَرم الهُمام، والإمام المعظم في الأنام، كشّاف المشكلات، حلّال المعضلات،
¬
(¬1) من أُحيطَ بفلانٍ إِذا أُتِيَ عليه أو دَنا هَلاكُه وهو مَجازٌ، كما في تاج العروس ر 4807.
أبي البركات، عبد الله بن أحمد بن محمود النَّسفيّ ـ عليه رحمة الله في كلِّ حين مبتدإٍ ومستأنفٍ.
فإنّه وإن وقع عليه شروح، ولكن منها ما يملّ جدّاً، ومنها ما يخلّ حداً، فاستخرت الله تعالى، واخترعت له شرحاً يذلِّل صعابه، ويستخرج عن قشره لبابه، ويكشف عن وجوه مخدراته النقاب، ويوضح ما فيه من المسائل الصعاب، بحيث أنه عدل ووسط مجنب عن الإفراط والفرط، موف حقّ حلّ المتن والتركيب، كاف لذكر الدلائل بالترتيب، مدرجاً بالأحمر في أسود شرحه الوضاح: كالورد بين البنفسج أو كالأقاح، مسمّى بكتاب «رمزالحقائق في شرح كنز الدقائق» نفع الله الطَّالبين به، كما نفعهم بأصله.
ولقد جعلته خالصاً لوجه الكريم، وهو بما في الصُّدور عليم، و «الأعمال بالنِّيات، ولكلِّ إمرئ ما نوى» (¬1)، وعلى كلِّ قلب ما حوى، والمأمول فيمَن ينظر فيه أن يسلكَ طريقَ الإنصاف، ويحيدَ عن توغل الاعتساف، وأن يقصدَ بذلك الصَّلاح والإصلاح، طلباً للنَّجاة والفوز والنَّجاح، فإنّ الإنسانَ غيرُ معصوم عن الخطأ والنِّسيان، وهما بالنصِّ (¬2) عنا مرفوعان.
¬
(¬1) في صحيح البُخاري 1: 3، وصحيح ابن حبان 2: 113، وغيرهما.
(¬2) قال - عز وجل -: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}، وما رواه ابن عدي 2: 150 عن أبي بكرة بلفظ: (رفع الله عن هذه الأمة ثلاثاً الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه) وعدّه ابن عدي من منكرات جعفر ابن جسر.
وأخرج ابن ماجه 1: 659 والبيهقي في السنن الكبير 6: 84 عن ابن عباس - رضي الله عنهم - يرفعه قال: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 6: 250: رواه الطبراني في الأوسط 8: 161 وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف.
ورواه ابن ماجه 1: 659 وابن حبان في صحيحه 16: 202 والحاكم في المستدرك 2: 216 والبيهقي في السنن الكبير 7: 356 والدارقطني 4: 170 والطحاوي في شرح معاني الآثار 3: 95 والطبراني في الكبير 11: 133 والصيداوي في مسند الشيوخ 1: 362 والعقيلي 4: 145 والخطيب في تاريخ بغداد 7: 377 عن ابن عباس - رضي الله عنه - يرفعه بلفظ: (إن الله تجاوز ... .)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
واليد غير محفوظة عن الهفوة، والقلمُ غير مصون عن العثرة، والكريم يُصلح، واللئيم يفضح، والحسودُ يفصح، وكفى للحاسد ذمّاً آخر سورة الفلق في احتراقه واضطرابه بالقلق، عصمنا الله وإيّاكم من شرِّ الحسدة اللئام، وجمعنا وإيّاكم بخير في دار السَّلام.
وأن يعلمَ أنّ ما وقع في ذلك الكتاب من لفظة: «الثلاثة»، فالمراد بها الأئمة الثَّلاثة، وهم الشَّافعي ومالك وأحمد - رضي الله عنهم -.
وما وقع فيه من قولي: «قال الشارح»، فالمراد به الشَّيخ الإمام فخر الدين الزَّيلعيّ - رضي الله عنه -.
والحمد لله أوَّلاً وآخراً، وباطناً وظاهراً.
(بسم الله الرحمن الرحيم)، افتتح كتابه بالبسملة تأسياً بكتاب الله تعالى، وعملاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر» (¬1)،
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أخرجه أبو داود في سنته في كتاب الأدب والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجة في النكاح قال - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر»، كما في تخريج أحاديث الكشاف ص 23.
ولا تعارض بينه وبين قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم» (¬1): أي أقطع؛ لأنّ الابتداءَ بالأوّل حقيقة، وبالثَّاني بالإضافة إلى ما سواه، فلذلك ترك العاطف؛ لئلا يشعر بالتبعية، فيخل بالتسوية.
وقد اشتهر الكلامُ في لفظة: «الله»؛ هل هو مشتق أو اسم موضوع، فلا حاجة إلى ذكره، وهو اسم للمعبود بالحقّ يشمل جميع الصفات، فلذلك قُرِن بالحمد دون غيره من الأسماء.
«والرَّحمن»: فَعلان، «والرَّحيم»: فَعيل، وفي الأوّل من المبالغة ما ليس في الثَّاني؛ لأنَّ الزيادةَ في اللفظ لزياد في المعنى.
ومتعلِّق الباء محذوف، وهو ابتدائي، أو أشرع، على حسب ما يليق بحال الفاعل.
(الحمد): هو الثَّناء بالجميل الاختياري على جهة التَّعظيم، والمعنى هذا الثَّناء مستمرٌ أو ثابتٌ.
(لله الذي أعزّ العلم) الدِّيني (في الأعصار)، وهو جمع عصر، وهو الزَّمان، (وأعلى حزبه): أي حزب العلم، وأراد به العلماء، والحزب في الأصل: قطعة من الشَّيء، وأراد طائفةً أهل العلم، وهم حزبُ الله تعالى، وهم المفلحون في الدُّنيا والآخرة.
وفيه براعةُ الاستهلال: وهي ذكرُ شيء في افتتاح الكلام يدلّ على أنّ مقصودَه في أي فنٍّ من الفنون.
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - مُرسلاً وَمَرفوعاً، بلفظ «كُلُّ كَلامٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدُ لِلَّهِ، فهو أَجْذَمُ» في سنن أبي داود رقم (4200)، وسنن ابن ماجة رقم (1884).
وإنّما قال: (في الأمصار)، وإن كان حزب العلماء هم الأعلون في سائر البقاع نظراً إلى الغلبة.
(والصَّلاة): وهي التَّبجيل والتَّعظيم من الله تعالى وملائكته وعبيده، (على رسوله)، وهو مَن بُعِث ومعه كتاب، أو أُنزل عليه ملكٌ، بخلاف النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فكلُّ رسول نبي، ولا عكس، وأراد به هاهنا محمّداً؛ - صلى الله عليه وسلم - لدلالة القرائن عليه، فلذلك لم يصرّح.
ثمّ وصفه بقوله: (المختص بهذا الفضل العظيم)، وأشار به إلى العلم الذي وصفه بالعِزّة، ووصف أهله بعلوّ المنزلة.
ولَمّا كانت الدَّعوة محجوبةً بدون الصَّلاة على سيّد الخلق ثنى بالصَّلاة عليه، ثمّ على أهل بيتِه أو كلِّ مَن تبعه من المتقين إلى يوم القيامة بقوله: (وعلى آله الذين فازوا منه): أي ظفروا وأخذوا عنه، (بحظٍّ): أي بنصيبٍ (جسيم): أي عظيم.
وأراد به العلم الدِّيني الذي بسببه فازوا في الدُّنيا باكتسابهم المطالب العَلية، والمراتب السَّنية، وفي الآخرة بارتفاع الدَّرجات وتضاعف الحسنات.
(قال مولانا): أي مَن له علينا حقّ ولاء نعمة العلم والإرشاد، أو حقّ ولاء نعمة المصنّفات التي ألّفها لنا، وهذا من هنا إلى قوله: «لمّا رأيت الهمم» ملحقة من التَّلامذة.
ثم وصفه بأوصاف مادحة فقال: (الحبر): أي العالم الذي يُزين الكلام بتقريره وتحريره، ومنه سُمي علماء التَّوراة المحقّقون أحباراً.
(النِّحرير) ـ بكسر النون ـ: وهو الذي له نظرٌ دقيقٌ في تقرير الكلام، قيل: النُّون فيه زائدة، فيكون من التَّحرير من حرَّر الكلام إذا أمعن النَّظرَ فيه ودقَّقه، وقيل: أصلُه من النَّحر، وهو الصَّدر، فكأنّ معناه صَدرٌ في التَّحرير، وكلٌّ منهما يدلّ على المبالغة.
(صاحب البيان) باللسان، (والبَنان) بالقلم.
وقوله: (في التَّقرير) يرجع إلى الأَوَّل.
وقوله: (والتَّحرير) يرجع إلى الثَّاني؛ لأنّ التَّقريرَ يكون باللسان، والتَّحرير يكون بالبنان، فكلُّ مَن أُوتي هذين الفضلين، فقد أُوتي فضلاً جماً.
فالنَّاسُ على أربع طبقات:
فأعلاهم غاية العُلو مَن رُزِق التَّقرير والتَّحرير.
ومَن دونه مَن رُزق التَّقرير دون التَّحرير.
ومَن دونه مَن رُزق التَّحرير دون التَّقرير.
ودون الكلِّ الذي لا يُعبأ به، مَن حُرِم الاثنين.
(كاشف المشكلات) من أشكل الأمر إذا انغلق وجهُه، واستدّ طريقُه، (والمعضلات) من أعضل الأمر إذا اشتدت صعوبتُه.
قيل: الأَوَّل: في الفروع، والثَّاني: في الأُصول.
وقيل: الأوَّل: في الألفاظ، والثَّاني: في المعاني.
وقيل: الأَوَّل: في المدلولات، والثَّاني: في الدَّلائل.
(مبيِّن): أي مظهر (الكنايات) وهو جمع كناية، وهو ما استتر المراد منه، بخلاف الصَّريح، (والإشارات) جمع إشارة، وهو الرَّمز، فالأوّل: في المعاني، والثاني: في المتون.
(منبع العُلا) ـ بضم العين ـ: وهو جمع عليا، والمنبعُ مفعل من نبع الماء إذا ظهر، وسال بالتفجر، وأراد أنه مظهرُ الأشياء الدَّقيقة، والمسائل الرَّفيعة العالية التي لا ينالها إلا المنفردون من العلماء الكبار، والمتقنون من الفُضلاء الأخيار.
(عَلَم الهدى): أي الهداية: وهي ما يُوصِلُ إلى المطلوب، والعَلَم ـ بفتحتين ـ الجبل، وقد أُستعير الجبل للشيخ مبالغة في توصيفه بالعلوم والهداية، وجه ذلك: أن الجبلَ وتداً لبقعة التي هو عليها يمنعها من الميل والتمائل.
وكذلك الشَّيخ بين طائفة جنسِهِ يُنزل منهم منزلةَ الوتد مع أنّ قيام أُمورهم، وانتظام أحوالهم على منهاج العدل والشَّرع يكون به، أو كما أن الجبلَ يقتدي به المسافرون عند الضَّلال، فكذلك هو يُقتَدَى به في العلوم وتحصيلها عند الجهالة.
(أفضل الورى): أي الخلق في زمانه.
(حافظ الملّة) الإبراهيمية الحنيفية، (والدِّين) المحمَّدي، وهو لقبه الذي اشتهر به بين الخلق، (شمس الإسلام والمسلمين) جُعل شمساً مبالغة
كما في زيد أسد، (وارثُ الأنبياء والمرسلين) في العلوم، لوحظ فيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «العلماء ورثة الأنبياء» (¬1).
(أبو البركات) كنيته، واسمه (عبد الله بن أحمد بن محمود) صاحب التَّصانيف المفيدة في الفقه والأصول، منها: كتاب «الوافي» وشرحه «الكافي»، و «المصفي في شرح المنظومة»، و «المستصفى في شرح النافع»، و «المنار» وشرحه، و «العمدة في الكلام»، وغير ذلك، تفقّه على شمس الأئمة الكردري، وسَمِع منه الصِّغناقيّ، دخل بغداد سنة عشر وسبعمئة، ووفاته في العشر المذكور.
(النَّسفّيّ) نسبة إلى مدينة نَسَف، وهو من بلاد السُّغد من بلاد ما وراء النّهر، قيل: هو بكسر السِّين، وفي النِّسبة: تُفتح كما يقال: في النسبة إلى صَدِف صَدَفي بالفتح.
(لما رأيت الهمم): أي همم المحصلين، وهو جمع همّة من الهمّ، وهو القصد، (مائلةً إلى) الكتب (المختصرات) لسهل مأخذها وقُرب تناولها، (و) رأيت (الطِّباع): أي طباع المشتغلين، (راغبةً): أي معرضةً (عن) الكتب (المطوَّلات) لبعد ضبطها وعسر حفظها، (أردتُ) جوابٌ «لما» (أن أُلخص «الوافي»)، وهو الكتاب الذي صنفّه أوّلاً على ترتيب عجيب، وتركيب غريب، يحتوي على مسائل كثيرة من كتاب «الهداية» و «القُدُوري» و «المنظومة» و «الزِّيادات» و «الواقعات» و «الجامع الصَّغير» و «الكبير» و «الفتاوى» وغيرها.
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 1: 289، وسنن الترمذي 5: 48، وسنن أبي داود 3: 317، وسنن ابن ماجة 1: 81، وغيرها.
(بذكر ماء عمَّ وقوعه) بين النَّاس، (وكثر وجوده)؛ لاشتماله على غالب الواقعات والحوادث؛ (لتكثر فائدته)؛ لكونه مختصراً يلقى درسه في المدارس، ويحفظ متنه في غالب الأماكن والمجالس، ويُستصحب مع الطلبة في الأكمام، ويبحث منه الخواصّ والعوام، فالخواصٌّ بالإفتاء منه، والعوامُ بالاستفتاء عنه.
(وتتوفر عائدته): أي منفعته، وبين الفائدة والعائدة جناس لا يخفى.
(فشرعت) الفاء فيه جواب شرط محذوف تقديره: إذا كان الأمر كذلك فشرعت (فيه): أي في تلخيص «الوافي» (بعد التماس): أي طلب (طائفة): أي جماعة (من أعيان الأفاضل): أي من أشرافهم وأكابرهم، والأعيان جمع عين الشَّيء، وهو خيارُه والأفاضل جمع أفضل، وهو أمثل من الفاضل من فضل إذا زاد، (وأفاضل الأعيان)، فالمرادُ من الأوّل العلماء المنتهون في العلوم، ومن الثَّاني العلماء الذين في صدد الزِّيادة.
وأعيانُ النَّاس: هم العلماء؛ لأنّهم خيارُهم وساداتُهم.
وأعيانُ العلماء: هم الأفاضل الذين لا درجة فوق درجاتهم إلا درجات الأنبياء عليهم السلام، ولمح فيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» (¬1).
ثم وصفهم بقوله: (الذين هم بمنزلة الإنسان للعين)، وهو نورها الذي تبصر به، فنفس الحدقة التي ركب الله - جل جلاله - فيها النور الذي يبصر به الإنسان يسمّى إنساناً، (و) هم أيضاً بمنزلة (العين للإنسان)، والمراد من الإنسان الأول: هو النور الذي ذكرناه، ومن الثاني: هو الحيوان الناطق،
¬
(¬1) في سنن الترمذي 5: 50.
والمرادُ من العين الأول والثاني هو العضو المعهود، وهو العين الباصره، وهذا تشبيه بليغ.
وجهُهُ: أنّ الإنسانَ كما لا ينتفع في المبصرات إلا بالعين، فكذلك الخلق لا ينتفعون بأُمور الدُّنيا والآخرة إلا بالعلماء، فكما أنّ الأَعمى لا يهتدي إلى طريقه، ولا يُميِّزُ بين ما ينفعُه ويضرُّه، فكذلك الخلق لا يهتدون إلى طريق الهدى والصَّواب، ولا يُميزون بين الحلال والحرام إلا بواسطةِ العلماء.
وقوله: (مع ما بي من العوائق) في محلّ النَّصب على الحال: أي فشرعت فيه حال كوني مصاحباً العوائق: أي الموانع والشَّواغل: إمّا من جهة اشتغاله بتصنيف آخر وإلقاء الدُّروس، وإمَّا من جهة الفترات التي لا يخلو عنها البلاد، والفتن التي تُزيل الأمن والقرار عن العباد، والظَّاهر أنّ مرادَه هذا؛ لأنّ في زمان تصنيفه هذا الكتاب كانت الفتن عامّة في البلاد، خصوصاً في بلاد ما وراء النَّهر من جهة المَغُل الذين تفرّقوا في البلاد، وأَفسدوا غاية الفساد.
(وسمّيته): أي الملخص من «الوافي» (بكنز الدَّقائق)، سمّاه كنزاً باعتبار كثرة المسائل التي كنزها السَّلف؛ لأنّ الكنزَ اسمٌ لما دفنه بنو آدم من الذَّهب والفضّة، ولمّا جمعها هاهنا سمّاها كنزاً، وسمّاه بالدَّقائق نظراً إلى دقّة اختصاره، فإنّه إذا بسط كان أكثر منه عشر مرّات وأكثر.
(وهو) أي «الكنز» هذا (وإن خلا) أي عرا (عن العويصات والمعضلات)، أراد بها المسائل الموجودة في «الوافي» المأخوذة من «الجامع الكبير»، فإنّها مسائل عويصة: أي صعبة يحتاج الإنسانُ في استخراجها إلى
أمر عظيم، وتردّد كثير، وأصولها معضلة: أي مشكلة جدّاً، فهذا الكتاب وإن عرا عن ذلك، (فقد تحلى) أي تزين وتجمّل (بمسائل الفتاوى والواقعات)، يعني تحلّى بالمسائل التي يُفتى بها عند الواقعات والحوادث؛ لأنّ النَّاسَ إنّما يحتاجون غالباً إلى مثل هذه المسائل، لا إلى المسائل النَّادرة الصَّعبة.
ويجوز أن يكون المرادُ من الفتاوى والواقعات الكتابين المسمّين بهما، يعني وإن عرا هذا الكتاب عن مسائل «الجامع الكبير» التي هي العويصات والمشكلات، فقد تحلّى بمسائل هذين الكتابين التي وجودها أكثر، ونفعها أعمّ وأشهر.
وقوله: (معلَماً) ـ بفتح اللام ـ حال من الضَّمير الذي في تحلّى، وأشار به بقوله: (بتلك العلامات) إلى التي وضعها في «الوافي»، وهي:
حرف الحاء لأبي حنيفة - رضي الله عنه -.
والسِّين لأبي يوسف - رضي الله عنه -.
والميم لمحمّد - رضي الله عنه -.
والزاي لزفر - رضي الله عنه -.
والفاء للشافعي - رضي الله عنه -.
والكاف لمالك - رضي الله عنه -.
والدَّال لأحمد - رضي الله عنه -.
والواو لرواية عن أصحابنا أو لقياس مرجوح.
(وزيادة) بالجرّ: أي بزيادة حرف (الطَّاء للإطلاقات) يعني للمسائل التي ذكرت مطلقةً من غير تفصيلٍ ولا قيدٍ (¬1).
(والله الموقق للإتمام): أي لإتمام هذا الكتاب، (والميسّر للاختتام): أي لاختتامه.
كتاب الطَّهارة
كلامٌ إضافيّ، فيه وجهان:
1.الرَّفعُ على أنّه خبر مبتدأ محذوف: أي هذا كتابُ الطَّهارة.
2.والنَّصب على تقدير هاك كتابَ الطَّهارة: أي خذه.
وهو مصدرٌ: كالكُتب، والكتابةُ بمعنى الجمع تقول منه: كتبتُ البغلة إذا جمعتُ بين شُفْرَيها بحَلقة أو سير، أَكْتِبُ وأكْتُبُ كَتْباً (¬2).
وقد يُقال: أراد بالكتاب ههنا المكتوب مجازاً كالحساب بمعنى المحسوب.
وفي الاصطلاح: الكتاب طائفةٌ من المسائل الفقهية اعتبرت مستقلة شملت أنواعاً أو لم تشمل.
والقيدُ الأخير لدفع قول مَن يقول: الكتابُ اسم جنس يدخل تحته أنواع من الحكم، وكلُّ نوع يُسمّى بالباب، والباب اسم لنوع يشتمل على
¬
(¬1) قال في كشف الحقائق 1: 5: «ويمكن أن يمثّل بنحو: «وينقضه خروج نجس»: أي مطلقاً سواء خرج من السبيلين أو غيرهما، وكأن «الوافي» كان خالياً عن الطاء، فسماه زيادة».
(¬2) هكذا ضبطها في الصحاح 2: 106.
أشخاص تُسمّى فصولاً، فإن الكتابَ قد يكون كذلك، وقد لا يكون، فإن من الكتب ما لم يذكر فيه لا بابٌ ولا فصلٌ: ككتاب اللُّقطة واللَّقيط والآبق وغيرها على ما سيأتي.
و «الطَّهارةُ» مصدرٌ من طَهُر الشَّيء بضمّ الهاء وفتحها: بمعنى النَّظافة مطلقاً.
وفي الشَّرع: النَّظافة عن النَّجاسات مطلقاً.
وقال صاحبُ «الدِّراية»: «الطَّهارة: لغةً النَّظافة.
وشرعاً: نظافةُ الأعضاء الثَّلاثة ومسح الرَّأس».
وهذا تعريفٌ غيرُ صحيح؛ لأنّ الطَّهارةَ أعمُّ من الوضوء، والتَّعريفُ المذكور لا يُطلق إلا على الوضوء، وهو نوعٌ من أنواع الطَّهارة.
وإنّما قدَّمها (¬1) على غيرها؛ لأنّها شرطٌ، وهو مُقَدَّمٌ (¬2).
ثمّ اختصت بالبداءة من بين سائر الشُّروط لكونها أهم؛ ولأنّها لا تسقط بحال ما، بخلاف غيرها (¬3).
ثمّ قدَّم بيان الوضوء الذي هو طهارةٌ صغرى على الغُسل الذي هو طهارة كبرى، إمّا اقتداءً بالكتاب العزيز، وإمّا باعتبار شدّة الاحتياج إلى علم الوضوء باعتبار كثرة دورانه.
¬
(¬1) أي الطهارة على الصلاة.
(¬2) أي على المشروط من الصلاة.
(¬3) هذا محل نظر؛ لأنها فاقد الطُّهورين تصحّ صلاته مع عدم طهارته، ولكن للطهارة أهمية خاصة بوجود البدل فيها، فإن فقد الماء للوضوء والغسل وجب التيمم.
فقال: (فرضُ الوضوء)، وهو كلامٌ إضافي مبتدأ، وخبرُه (غسلُ وجهه): أي وجه المتوضئ، أو المكلّف، وليس هذا بإضمار قبل الذِّكر؛ لدلالة القرينة عليه، وذلك لقوله - جل جلاله -: {فاغسلوا وجوهكم}.
والفرضُ: ما ثبت بدليل قطعيٍّ لا شبة فيه.
والوُضوءُ: بضمِّ الواو من الوَضاءة: وهي الحُسن والنَّظافة، تقول منه وضوء الرَّجل: أي صار وضيئاً، وتوضّأتُ للصَّلاة، ولا يُقال توضيت، وبعضُهم يقوله، وبالفتح الماء الذي يتوضّأ به (¬1).
وفي الشَّرع: غَسلُ الأعضاء الثَّلاثة ومسحُ الرَّأس.
ولَمّا كان الوجهُ من المحدودات الحسيّة التي لها طول وعرض أشار إليه بقوله: (وهو): أي الوجه يبتدئ في الطُّول (من قُصاص شعره)، وهو حيث ينتهي نبتُه من مقدّمِهِ ومؤخره، وفي القاف ثلاثُ لغاتٍ والضَّمُّ أعلاها، وينتهي (إلى أسفل ذَقَنه) ـ بفتح الذَّال المعجمة والقاف ـ: وهو مجتمع لحييه، (و) يبتديء في العرض إلى (إلى شحمتي الأذن)، وهي معلّق القُرْط، وأراد شحمتي الأذنين؛ لأنّ لكلِّ أُذنٍ شحمة، وقد نوقش في هذا التّركيب من وجوه:
الأوّل: أنّ قولَه: من قُصاص شعره؛ ليس كذلك لأنّ حدّ الوجه في الطّول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحين كان عليه شعر أو لم يكن.
¬
(¬1) قال العيني في البناية1: 138: «قال الجوهري: الوضاءة الحسن والنظافة، تقول منه: وضاء الرجل: أي صار وضيئاً، وتوضأت للصلاة، ولا تقول: توضيت، وبعضهم يقول ذلك.
والوضوء بالفتح: الماء الذي يتوضأ به».
الثاني: أنّ قولَه: وإلى شحمتي الأُذن؛ معطوف على قوله: إلى أسفل ذَقَنه، فيكون داخلاً في حكمه، ويكون المعنى حدّ الوجه طولاً من قُصاص شعره إلى أن ينتهي إلى أسفل الذَّقن، وإلى أن ينتهي إلى شحمتي الأُذن، وليس كذلك على ما لا يخفى.
الثَّالثُ: كان ينبغي أن يُقال: وإلى شحمتي الأذنين؛ لأنّ لكلِّ أُذُن شحمة، والعرضُ من الشَّحمة إلى الشَّحمة، وليس لأذنٍ واحدةٍ شحمتان.
الرَّابعُ: يلزم من هذا الحدّ أن يجبَ الغَسل داخل العينين والأنف والفم وأصول شعر الحاجبين واللحية والشارب وونيم الذُّباب ودم البراغيث وليس كذلك.
وأُجيب عن الأَوَّل: أنّه باعتبار الغالب.
وعن الثَّاني: بأنّ فيه مقدارٌ، وهو ما ذكرناه، وإن كان فيه تعسفٌ، وهو أيضاً بعينه عبارة صاحب «الهداية» حيث قال: «وحدُّ الوجه من قُصاص الشَّعر إلى أسفل الذَّقَن، وإلى شحمتي الأُذن؛ لأنّ المواجهةَ تقع بهذه الجملة، وهو مشتق منها» (¬1).
وقد عُلِم أنّ الفقهاءَ يتسامحون في إطلاق العبارات، ولكن العبارة المنقحة أن يُقال: وهو من قُصاص شعره إلى أسفل ذَقَنه، ومن شحمة الأُذُن إلى شحمة الأُذُن، كما ذكره غيرُهما.
وعن الثَّالث: بما قدرنا أيضاً مع ما فيه من المسامحة.
¬
(¬1) انتهى من الهداية1: 15.
وعن الرَّابع: أنّ هذه الأشياء سقطت للحرج، وعلى حدِّ قول مَن يقول: الوجهُ ما يُواجهه الإنسان لا تدخل هذه الأشياء لخروجها عن المواجهة.
ثمّ اعلم أنّه لا خلاف في أنّ ما يشتمل عليه الطُّول يجب غسله، وأمَّا ما يشتمل عليه العرض ففيه خلاف أبي يوسف - رضي الله عنه - (¬1)، فعنده عرضُ الوجه من العِذار إلى العِذار، وما وراءه ساقطٌ، والعِذار رأس الخد، وهو داخلٌ بالاتفاق، هذه في الملتحي، أمَّا في غيره فحدُّ العرض هو الذي تقدَّم ذكره، وعند مالك - رضي الله عنه -: العِذار وما وراءه لا يدخل في الغَسل مطلقاً.
(ويديه) عطفٌ على قوله: «وجهه»؛ وفيه حذف، والتقدير: وغسل يديه، (بمرفقيه): أي مع مرفقيه، والباء تجيء للمصاحبة، يُقال: اشتريت الفرس بسرجه: أي مع سرجه.
وقال زُفر - رضي الله عنه -: المرفقان لا يدخلان في الغَسل؛ لأنّ الغايةَ لا تدخل تحت المغيا.
قُلنا: الغايةُ هاهنا لإسقاط ما وراءها؛ لأنّ صدرَ الكلام إن كان يُثبت الحكم في الغاية وما وراءها قبل ذكرها، فيكون ذكرُها لإسقاط ما وراءها، وإلا فلإمداد الحكم إلى تلك الغاية، وهي في صورة النِّزاع من القبيل الأوَّل.
¬
(¬1) والمعتمد مذهب أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم - فيفرض غسل البياض ما بين العذار والأذن، وعليه أكثر المشايخ، كما في شرح الوقاية1: 7، قال الحصكفي في الدر المختار1: 66: وبه يفتى. وقال ابن عابدين في ردّ المحتار1: 66: وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، وعليه أكثر المشايخ. وذكرَ شمسُ الأئمَّة الحَلْوَانيُّ - رضي الله عنه -: يكفيه أن يَبُلَّ ما بين العِذارِ والأُذُن، كما في شرح الوقاية1: 7.
(ورجليه) عطفٌ على يديه: أي وغسل رجليه أيضاً، (بكعبيه): أي مع كعبيه، كما ذكرنا، وفيه خلاف زُفر - رضي الله عنه - أيضاً.
والكعبُ: هو العظم النَّاتيء عند ملتقى السَّاق والقدم، وهو الصَّحيح هاهنا (¬1)، وما رُوي من أنّه العظم المربع الذي عند معقد الشِّراك، فذاك في باب الحجّ.
(ومسحُ ربع رأسه) بالرَّفع عطف على قوله: «غسل وجهه»: أي فرض الوضوء أيضاً: مسح ربع رأسه؛ لحديث المغيرة - رضي الله عنه -: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - مسحَ على ناصيته» (¬2)، أخرجه مسلم، وليس هذا بزيادةٍ على الكتاب بخبر الواحد؛ لأنّ الكتاب مجمل والتحق الخبر بياناً له، وهذه حجّةٌ على الشَّافعيّ - رضي الله عنه - في تجويزه أقلّ ما يُطلق عليه اسمُ المسح، وعلى مالك - رضي الله عنه - في رؤيته مسح جميع الرَّأس فرضاً.
فإن قلت: الخبر يقتضي بيان عين النَّاصية، والمدّعى رُبع غير معيّن، فلا يوافق الدَّليل المدلول.
¬
(¬1) قالوا: هو سهو من هشام؛ لأنَّ محمداً - رضي الله عنه - إنَّما قال ذلك في المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه أسفل من الكعبين، وأشار محمد - رضي الله عنه - بيده إلى موضع القطع، فنقله هشام - رضي الله عنه - إلى الطهارة. ينظر: البحر الرائق1: 14، ورد المحتار1: 67، وحاشية عصام الدِّين ق7/أ.
(¬2) فعن المغيرة - رضي الله عنه -: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» في صحيح مسلم1: 231.
قلت: الخبرُ يحتمل معنيين: بيانُ المحلّ، وبيان المقدار، وخبُر الواحد يصلح بياناً لمجمل الكتاب، والإجمالُ في المقدار دون المحلّ؛ لأنّه الرَّأس، وهو معلوم، فلو كان المراد منه المعيّن، يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد.
وعن محمّد - رضي الله عنه -: الواجبُ قدر ثلاث أصابع (¬1)، ذكرها ابنُ رُستم عنه في «نوادره».
(ولحيتِه) بالجر عطف على «رأسِه»: أي مسح رُبع لحيته، وهو روايةُ الحَسَن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ويجوز أن يكون عطفاً على الرُّبع: ومسح لحيته، فعلى هذا يجب مسح كلّ اللحية، وهو رواية بشر عن أبي يوسف - رضي الله عنهم -، وعنه - رضي الله عنه -: لا يجب مسحها أصلاً، والمختار أنّ الفرضَ مسح ما يُلاقي البشرة من الوجه (¬2).
¬
(¬1) وهي رواية هشام عن الإمام - رضي الله عنه -، كما في درر الحكام1: 10، وقال صاحب البحر1: 15: «ذكر في البدائع: أنَّها رواية الأصول، وفي غاية البيان: أنَّها ظاهر الرواية، وفي معراج الدراية: أنَّها ظاهر المذهب واختيار عامة المحققين، وفي الظهيرية وعليها الفتوى ... ومع ذلك فهي غير المنصور»، وفي مراقي الفلاح 1: 95: «أنَّه مردود وإن صحح»، وفي حاشية الطحطاوي1: 95 والشرنبلالية1: 10: «أنَّها غير المنصور رواية ودراية»، وفي رد المحتار1: 67: «لكن نسبها إلى محمد، فيحمل ما في المعراج من أنَّها ظاهر المذهب على أنَّها ظاهر الرواية عن محمد توفيقاً»، وينظر: مجمع الأنهر1: 11.
(¬2) في اللحية الكثة تسعَ روايات:
الأولى غسل الكل: أي غسل كل الشعر النابت على الخدين من عذار وعارض والذقن. وقد أشار إليها محمد في الأصل، وهذه الرواية هي المذهب الصحيح المرجوع إليه وما عداها مرجوع عنه، كما في البدائع 1: 3 - 4، وفتح القدير 1: 13، وإيضاح الإصلاح ق2/أ، والبحر الرائق 1: 16، وفتح باب العناية 1: 26 - 27، والدر المختار1: 68، والدر المنتقى 1: 11، ونفع المفتي ص35.
الثانية: مسح الكل، وهي رواية بشر عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وروي أيضاً عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، كذا في تبيين الحقائق 1: 3، ورمز الحقائق 1: 8.
والثالثة: مسح الربع، وهي رواية عن أبي حنيفة وزفر - رضي الله عنهم -، وهي اختيار صاحب الوقاية والكنز ص3، وصححها قاضي خان في الفتاوى 1: 34.
والرابعة: مسح الثلث، ورواية مسح الثلث أو الربع رواها الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، كذا في البدائع 1: 3.
والخامسة: مسح ما يلاقي البشرة، وهو الأصح المختار في درر الحكام 1: 8، وملتقى الأبحر ص3، وشرح الكنز ص4، واختاره العيني في رمز الحقائق 1: 8.
والسادسة: غسل الربع.
والسابعة: غسل الثلث، كذا في رد المحتار 1: 68.
والثامنة: عدم الغسل والمسح، وهي رواية عن أبي يوسف، كذا في البدائع 1: 3 - 4، ورمز الحقائق 1: 8.
والتاسعة: غسل الوجه، فعند أبي عبد الله الثلجي - رضي الله عنه -: لا يسقط نبات الشعر غسل الوجه، كذا في البدائع 1: 3.
(وسنتُهُ): أي سُنّةُ الوضوءِ ثلاثَ عشرةَ على ما ذكره:
الأُولى: (غَسلُ يديه إلى رُسْغيه) ـ بضمّ الراء وسكون السِّين المهملة ـ وفي آخره غين معجمة، وهو منتهى الكفّ عند المفصل، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدُكم من منامه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه، فإنّ أحدَكم لا يدري أين باتت يده» (¬1) أخرجه البُخاريّ بهذه العبارة، وبقيةُ الجماعة بألفاظ مختلفة، وإنّما قال: «إلى رُسْغيه»؛ لوقوع الكفاية به في
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في صحيح البخاري ر162، وصحيح مسلم ر237.
التَّنظيف، (ابتداءً) نصب على الظَّرف: أي في ابتداء الوضوء وأوَّلِه، ويجوز أن يكون حالاً على تقدير: مبتدئاً.
وإنّما قال: (كالتَّسمية) ـ بكاف التَّشبيه ـ تنبيهاً على أنّ السُّنّة في التَّسميةِ أيضاً أن تكون في ابتداء الوضوء، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه» (¬1) رواه أبو داود وابنُ ماجة وصحَّحه الحاكم.
وقال صاحب «الهداية»: «والأصحُّ أنّها مستحبٌة» (¬2)، وكيف يكون الأصحّ أنّها مستحبةٌ (¬3)، وقد وردت أحاديثٌ كثيرةٌ تدلّ سنيتها (¬4)، على أنّ جماعةً من الظَّاهرية وإسحاق وأحمد في رواية يرون بوجوبها.
ووقع في بعض النَّسخ: «والتَّسميةُ» بالرَّفع عطفاً على «غسل يديه»، وهي الثَّانية من السُّنن.
(و) الثَّالثةُ: (السِّواكِ) (¬5): أي استعمالُه؛ لأنّ نفسَ السِّواك ليس بسُنّة، وقال ابنُ الأثير: السِّواك بالكسر، والمسواك ما يدلك به الأَسنان من
¬
(¬1) في المستدرك 1: 246، وصححه، وسنن الترمذي 1: 38.
(¬2) انتهى من الهداية1: 15.
(¬3) قال اللكنوي في إحكام القنطرة في أحكام البسملة ص79: وهو قول ضعيف.
(¬4) أي اختار السنية القدوري في مختصره ص2، وصاحب البناية1: 133، والدر المختار1: 74، ومراقي الفلاح ص104، ودرر الحكام1: 10.
وممّن صحَّح وجوبها: اللكنوي في إحكام القنطرة في أحكام البسملة ص82، وابن الهمام في فتح القدير1: 22 - 23.
(¬5) قال - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء»،كما في صحيح البخاري: 682.
العيدان، يُقال: ساك فاه يسوكه إذا دلكه بالسِّواك، فإذا لم تذكر الفم، قلتَ: أستاك.
وقال الشَّارح - رضي الله عنه -: «والسِّواك يحتمل وجهين:
أحدُهما: أن يكونَ مجروراً عطفاً على «التَّسمية».
والثَّاني: أن يكون مرفوعاً عطفاً على «الغَسل»، والأَوّل أظهر (¬1)؛ لأنّ السُّنّةَ أن يَستاك عند ابتداء الوضوء» (¬2).
قلتُ: بل الأظهر هو الثَّاني؛ لأنّ المنقول عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - على ما ذكره صاحبُ «المفيد»: أنّ السِّواك من سنن الدِّين، فحينئذٍ يستوي فيه كلِّ الأحوال.
(و) الرَّابعةُ: (غَسلُ فمِه)، وأراد به المضمضة.
¬
(¬1) ففي «النهاية» و «فتح القدير»: أنَّه عند المضمضة، وفي «البدائع»: قبل الوضوء، والأكثر على الأول، وهو الأولى، فإنَّه أكمل في الإنقاء، كذا في «البحر الرائق»، وفي «المجتبى»: أمّا وقته، فذكر في «كفاية البيهقي» و «الوسيلة» و «الشفا»: أنَّ السِّواك قبل الوضوء، وفي «تحفة الفقهاء» و «زاد الفقهاء»: أنَّه سنة حال المضمضة تكميلاً للاستنقاء، اهـ، كما في السعاية، قال الميداني في «تحفة النساك» ص47 في وقته، بعد ذكر كلام الفقهاء: «فعلى كلٍّ: فهو للوضوء، فإذا نسيه عند المضمضة أو قبلها ... فعند القيام إلى الصّلاة، حتى قال بعضهم: يُستحبّ في خمسة مواضع: عند اصفرار السنّ، وتغير رائحة الفم، وعند القيام من النَّوم، والقيام إلى الصّلاة، وعند الوضوء».
(¬2) انتهى من تبيين الحقائق1: 4.
(و) الخامسةُ: غَسلُ (أنفِه)، وأراد به الاستنشاق، وإنّما عدل إلى هذه العبارة: إمّا لأنّ الغَسلَ يُشعر بالاستيعاب، وإمّا تنبيهاً على حَديهما، وما قيل: إنّما ذلك للاختصار فليس بشيءٍ.
كيفيتُهما: أن يتمضمضَ ثلاثاً، ويأخذَ لكلِّ مرّةٍ ماءً جديداً، ويستنشقَ كذلك (¬1). وعند الشَّافعيّ - رضي الله عنه -: يغرف غرفةً فيوزعها عليهما.
(و) السَّادسةُ: (تخليلُ لحيته) عند أبي يوسف - رضي الله عنه - (¬2)، وبه قالت الثَّلاثة، وعندهما: هو فضيلة، وليس بسُنّة (¬3).
¬
(¬1) فعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: (أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً يأخذ لكلِّ واحدةٍ ماءً جديداً) في المعجم الكبير 19: 180، قال التهانوي في إعلاء السنن1: 56: «صحح صاحب السعاية أحاديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، وأثبت احتجاج الأئمة بحديثه عن أبيه، ويؤيده سكوت أبي داود ثم المنذري عنه، وتحسين ابن الصلاح له، قال العيني: سكت عنه أبو داود، وهو دليل رضاه بالصحة».
(¬2) فعن حسان بن بلال - رضي الله عنه - قال: «رأيت عمار بن ياسر - رضي الله عنه - توضأ فخلّل لحيته فقيل له: أتخلل لحيتك؟ قال: وما يمنعني؟ ولقد رأيت رسول - صلى الله عليه وسلم - يُخلِّلُ لحيته» في سنن الترمذي 1: 44، وسنن ابن ماجة 1: 148، والمستدرك 1: 250. وعن أنس - رضي الله عنه -: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلَّلَ به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي عزَّ وجل» في «سنن أبي داود» (1: 36)، و «الجامع الصغير» (1: 112» للسيوطي، و «المعجم الأوسط» (3: 221)،وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1: 235): «رجاله وثقوا».
(¬3) واختار قول أبي يوسف أصحاب المتون كالوقاية 1: 19، والمختار 1: 16، وملتقى الأبحر ص19، والنقاية 1: 38، وتحفة الملوك ص26، والكنز 1: 7، ومنية المصلي ص14، وغرر الأحكام 1: 11، وصححه صاحب البحر 1: 45، والنهر 1: 42، ورد المحتار 1: 79, والفتاوى السراجية 1: 4، وقال الحلبي في غنية المستملي ص23: والأدلة ترجِّحُ قول أبي يوسف - رضي الله عنه -، وقد رجَّحه في المبسوط، وهو الصحيح، وقال العيني في منحة السلوك 1: 89: والصحيح قول أبي يوسف - رضي الله عنه -.
(و) السَّابعةُ: (أصابعِه) بالإجماع؛ للحديث المعروف (¬1).
(و) الثَّامنةُ: (تثليثُ الغَسل) (¬2)، فالأوَّل فرضٌ، والثَّاني والثَّالث سنةٌ، وقيل: الثَّالثُ إكمالٌ للسُّنّة، وقيل: الثَّالثُ نفلٌ، وقيل: الثَّاني نفلٌ، والثَّالث: سُنّةٌ، وعن أبي بكر الإسكاف - رضي الله عنه - (¬3): أنَّ الثَّلاثَ فرضٌ.
¬
(¬1) فعن لقيط بن صبرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع) في صحيح ابن حبان 3: 368، والمستدرك 1: 248، وسنن الترمذي 3: 155.
(¬2) فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال: (جاء أعرابيّ إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثاً ثلاثاً ثمّ قال: هكذا الوضوء فمَن زاد على هذا فقد أَساء وتَعَدَّى وظَلَم) في سنن النسائي الكبرى 1: 82، وسنن النسائي 1: 88، ومسند أحمد 2: 180، وقال الأرنؤوط: صحيح وهذا إسناد حسن. وعن ابن عمر - رضي الله عنه -: (إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا بماء فتوضأ مرَّة مرة، ثم قال: هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلاّ به، ثم دعا بماء فتوضَّأ مرَّتين مرَّتين، ثم سكت ساعة، ثم قال: هذا وضوء مَن توضَّأ به كان له أَجرُهُ مَرَّتين، ثمّ دعا بماءٍ فتوضَّأ ثلاثاً ثلاثاً، ثمّ قال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي) في سنن البيقهي الكبير 1: 80، والسنن الصغرى 1: 89، قال الوادياشي في تحفة المحتاج1: 189: فيه ضعفٌ وانقطاع، واستشهدَ به الحاكم، اهـ، وقال ابن حجر في تلخيص الحبير 1: 57: صرح بضعف هذا الحديث ابن الجوزي والمنذري وابن الصلاح والنووي وغيرهم.
(¬3) وهو محمد بن أحمد الإسكاف البَلَخي، أبو بكر، قال الكفوي: إمام كبير جليل القدر، (ت335هـ). ينظر: «الجواهر» (4: 15 - 16). «طبقات طاشكبرى» (ص54) «الفوائد» (ص263).
(و) التَّاسعةُ: (نيّتُه): أي نيّةُ الوضوء، فيكون المصدرُ مضافاً إلى مفعوله، وطَوَى ذكر الفاعل: أي نيّةُ المتوضئ الوضوء، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل: أي نية المتوضئ، ويكون المحذوفُ هو المفعول، وعند الشَّافعيّ - رضي الله عنه - فرضٌ.
وهي قصدُ قلبه بالوضوء لاستباحة صلاةٍ أو رفعِ حدث أو إمتثالِ أمر.
(و) العاشرةُ: (مسحُ كلِّ رأسِه مرّةً) واحدةً (¬1)، وعند الشَّافعي - رضي الله عنه -: ثلاثاً، وعند مالك - رضي الله عنه -: مسحُ كلِّ الرَّأس فرضٌ.
(و) الحادية عشرة: مسحُ (أُذنيه بمائه): أي بماء الرَّأس (¬2)، وعند الشَّافعي - رضي الله عنه -: بماء جديد.
¬
(¬1) فعن ربيع بنت معوذ بن عفراء - رضي الله عنه - قالت: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضّأ، قالت: فمسح رأسه ومسح ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة) في سنن أبي داود 1: 80، وعن المقدام بن معد يكرب - رضي الله عنه - قال: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضّأ فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدّم رأسه، فأمرهما حتى بلغَ القفا، ثم ردّهما إلى المكان الذي منه بدأ) في سنن أبي داود 1: 78، ومسند أحمد 4: 95، وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره، والمعجم الكبير 19: 378.
(¬2) فعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (الأذنان من الرأس) في سنن ابن ماجة 1: 152، وقال الكناني في المصباح 1: 65: «إسناده حسن»، وقال القاري فتح باب العناية 1: 55: «إسناده صحيح»، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: (أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ... ثمّ غرف غرفةً، فمَسَحَ برأسه وأُذنيه داخلهما بالسَّبابتين، عدا بإبهاميه إلى ظاهرِ اليُسرى فمسح ظاهرهما وباطنهما) في صحيح ابن حبان 3: 367، وصحيح ابن خزيمة 1: 77، ومثله عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - عنه - صلى الله عليه وسلم -، وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: «أنَّه توضّأ فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ» في شرح معاني الآثار 1: 32، وقال الطحاوي فيه بعد أن ذكر بعض الآثار: «ففي هذه الآثار أنَّ حكم الأذنين ما أقبل منهما وما أدبر من الرأس، وقد تواترت الآثار بذلك ما لم تتواتر بما خالفه، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وأما من طريق النظر فإنا قد رأيناهم لا يختلفون أنَّ المحرمة ليس لها أن تغطي وجهها وعليها أن تغطي رأسها، وكل قد أجمع أنَّ لها أن تغطي أذنيها ظاهرهما وباطنهما، ودلّ ذلك أن حكمهما حكم الرأس في المسح لا حكم الوجه ... ».
(و) الثَّانيةَ عشرة: (التَّرتيبُ المنصوص) عليه من جهة العلماء، وهو أن يبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره، وعند الشَّافعيّ - رضي الله عنه -: هو فرض.
(و) الثَّالثةَ عشرةَ: (الوِلاء) ـ بكسر الواو ـ وهي المتابعة، وهو أن يغسلَ العضو الثَّاني قبل جفاف الأوّل، وقيل: أن لا يشتغل بينهما بعمل آخر (¬1)، وعند مالك - رضي الله عنه -: هو فرض.
(ومستحبُّه): أي ومستحبُّ الوضوء شيئان:
أحدُهما: (التَّيامنُ): وهو البداءةُ باليمين في غسل اليدين والرِّجلين (¬2).
¬
(¬1) فلو جفَّفَ الوجه أَو اليد بالمنديلِ قبل غسل الرجل لم يترك الولاء، بخلاف ما في التحفة 1: 13، والاختيار 1: 15، والمصفى: من أن لا يشتغلَ بين الأفعال بغيرها، فإنَّه على هذا الوجه لو جفَّف لتركَ؛ ولذا مَنَعَ عنه بعضُ المشايخ، كما في جامع الرموز 1: 19 - 20، وصحح اللكنوي في الكلام الجليل ص23: عدم تركه للولاء.
(¬2) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحبُّ التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل) في صحيح البخاري 1: 165، وصحيح مسلم 1: 226.
(و) الآخر: (مسحُ رقبته)؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - مسحَ عليها (¬1).
ولَمَّا فَرَغَ عن بيان الوضوء شَرَعَ في بيان نواقضه، والنَّقضُ في الأجسام إبطال تأليفها، وفي غيرها إخراجُه عمّا هو المطلوب، والمطلوبُ من الوضوء استباحةُ الصَّلاة، وأشار إلى ذلك بقوله: (وينقضُه): أي الوضوء:
(خروجُ) كلُّ خارج (نجس منه): أي من المتوضئ سواء كان على وجه الاعتياد، أو لم يكن، خلافاً لمالك - رضي الله عنه - في غير المعتاد، وسواء كان من السَّبيلين أو لم يكن (¬2)، خلافاً للشَّافعيّ - رضي الله عنه - في غير السَّبيلين.
¬
(¬1) فعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده - رضي الله عنه -: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القَذَال)، وفي رواية: (أول القفا) في مسند أحمد 3: 481، وسنن أبي داود 1: 32، وشرح معاني الآثار 1: 30، والمعجم الكبير 19: 18، والسنن الكبير للبيهقي 1: 60، وتاريخ بغداد 6: 169، وقد أثبت المجد ابن تيمية بهذا الحديث مسح الرقبة. والقَذَال: هو جماع مؤخِّر الرأس، كما في اللسان 5: 3561، ومنها: (مسح الرقبة أمان من الغُلّ ـ أي الطوق ـ يوم القيامة)، قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1: 159: «سنده ضعيف». وقال القاري في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص434: «سنده ضعيف، والضعيف يعمل به في فضائل الأعمال؛ ولذا قال أئمتنا: إنَّه مستحب، أو سنة».
(¬2) فعن عائشة رضي الله عنها: (إنَّ فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، إني أستحاض الشهر والشهرين، قال: ليس ذلك بحيض، ولكنَّه عرق فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيه، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة) في صحيح ابن حبان 4: 188، وسنن الدارقطني 1: 212، وسنن ابن ماجة 1: 204، فنبّه - صلى الله عليه وسلم - على العلة الموجبة للوضوء، وهو كون ما يخرج منها دم عرق، وهو أعم من أن يكون خارجاً من السبيلين أو غيرهما، ثم أمرها بالوضوء لكل صلاة، كما في فتح باب العناية 1: 62، وعن إبراهيم النَّخَعيّ - رضي الله عنه - قال: «إذا سال الدم نقض الوضوء»، وعن الحسن - رضي الله عنه -: «أنَّه كان لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلاً»، وعن عطاء - رضي الله عنه - قال: «إذا برز الدم من الأنف فظهر ففيه الوضوء»، وعن الشعبي - رضي الله عنه - قال: «الوضوءُ واجبٌ من كلِّ دم قاطر، قال سمعت الحكم يقول: من كل دم سائل»، هذه الآثار وغيرها في مصنف ابن أبي شيبة 1: 127، ومصنف عبد الرزاق 1: 144.
والشَّرطُ السَّيلان إلى موضع يلحقه حكم التَّطهير خلافاً لزُفر - رضي الله عنه -، حتى لو نزل البول إلى قُلْفة (¬1) الذَّكر ينقض، وإلى قصبته لا ينقض، وكذا لو علا الدَّم أو القيح على رأس الجرح ولم يسل لا ينقض.
وأشار بالخروج إلى أنّ المُخرجَ لا ينقض (¬2)، حتى لو عصر بثرةً أو رفع دماً أو نحوه بقطنةٍ عن رأس الجرح لم يَنقض.
(و) ينقضُه أيضاً: (قيءٌ) (¬3) خلافاً للشَّافعيّ - رضي الله عنه -، ووصفه بقوله: (ملأ فمه): أي فم المتوضئ تنبيهاً على مذهب زُفر - رضي الله عنه -، فإن عنده الامتلاء ليس
¬
(¬1) القُلْفة: جلدة الذَّكَرِ التي أُلبستها الحشفة، وهي التي تقطع من ذكر الصبي، كما في تاج العروس 24: 282.
(¬2) هذا اختيار صاحب الهداية على خلاف المشهور من المذهب من عدم الفرق بينهما؛ لذلك القول بأن المتن يشير إليه مستبعد، قال العيني في البناية1: 54: «لا تأثير يظهر للإخراج وعدمه في هذا الحكم، بل النقض لكونه خارجاً نجساً، وذاك يتحقّق مع الإخراج كما يتحقّق مع عدمه، فصار كالفصد وقشر النفطة، فلذا اختار السَّرَخسيّ في جماعة النقض. وفي «الكافي»: والأصحُّ أنّ المخرجَ ناقضٌ».
(¬3) فعن أبي الدرداء - رضي الله عنه -: (إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: صدق أنا صببت له الدفع) في سنن الترمذي 1: 143، وقال: قد جود حسين المعلم هذا الحديث وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب وروى معمر هذا الحديث. وعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن أصابه قيء أو رعاف أو قَلَس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) في سنن ابن ماجة1: 385، قال التهانوي في إعلاء السنن1: 113: والصحيح أنَّه مرسل صحيح الإسناد، وينظر: الدراية 1: 31، ونصب الراية 1: 38، وتلخيص الحبير 1: 274، والقَلَس: ما خرج من بطنه طعام أو شراب إلى الفم وسواء ألقاه أو أعاده إلى بطنه إذا كان ملء الفم أو دونه فإذا غلب فهو قيء. كما في المصباح ص513، وطلبة الطلبة ص8، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: «إذا رعف الرجل في الصلاة، أو ذرعه القيء، أو وجد مذياً فإنَّه ينصرف ويتوضأ ثم يرجع فيتم ما بقي على ما مضى ما لم يتكلّم» في مصنف عبد الرزاق 2: 339، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 1: 114.
بشرط، ولا فرق بين أنواع القيء أشار إلى ذلك بلو الواصلة، وهو قوله: (ولو) كان القيءُ (مِرّة) ـ بكسر الميم ـ: أي صفراء، (أو) كان (علقاً): أي دماً جامداً وإن كان مائعاً، فالإمتلاءُ ليس بشرط عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - خلافاً لمحمّد، وأبو يوسف - رضي الله عنهم - مضطربٌ، هذا إذا كان صاعداً من الجوف، وأما إذا كان نازلاً من الرَّأس، فهو ينقص قلّ أو كثر باتفاق أصحابنا (¬1)، (أو) كان القيءُ (طعاماً، أو) كان (ماءً) خلافاً للحَسَن - رضي الله عنه - فيهما إذا لم يتغيّر.
¬
(¬1) الحاصل أنَّه إما أن يكون من الرأس أو من الجوف علقاً أو سائلاً, فالنازل من الرأس إن علقاً لم ينقض اتفاقاً, وإن سائلاً نقض اتفاقاً، والصاعد من الجوف إن علقاً فلا اتفاقاً ما لم يملأ الفم, وإن سائلاً فعند الإمام - رضي الله عنه - ينقض مطلقاً، وعند محمّد - رضي الله عنه -: لا ما لم يملأ الفم كذا في المنية وشرحها والتتارخانية، وذكر في البحر قول أبي يوسف مع الإمام، وقال: واختلف التصحيح فصحَّح في البدائع قولهما، قال: وبه أخذ عامة المشايخ، وقال الزيلعي: إنَّه المختار, وصحح في المحيط قول محمد - رضي الله عنه - وكذا في السراج معزياً إلى الوجيز، اهـ، كما في رد المحتار1: 137.
(لا) ينقضُه إذا قاء (بلغماً) صرفاً خلافاً لأبي يوسف - رضي الله عنه - في الصَّاعد من الجوف، (أو) قاء (دماً غلب عليه البُزاق) اعتباراً للغالب، ولو كان البُزاقُ مغلوباً انتقض، وكذا في التَّساوي، ويُعرف ذلك من حيث اللون، فإن كان أحمر انتقض، وإن كان أصفر لا ينتقض، هذا كلُّه في الخارج من نفس الفم، وأمّا الخارجُ من الجوف، فقد مَرَّ تفصيله.
وفي «التَّجنيس» (¬1): إذا بَزَقَ وخَرَجَ معه دمٌ إن كان الدَّمُ مغلوباً لا ينتقض؛ لأنّه ما سال بنفسه، بل سيّله البُزاق، بخلاف ما إذا كان غالباً أو مساوياً للاحتياط.
ولو عضَّ على شيءٍ وأصابَه دمٌ ممّا بين أسنانه إن كان بحيث لو ترك لا يسيل لا ينقض.
(والسَّببُ) (¬2): وهو اتحادُ المجلس عند أبي يوسف - رضي الله عنه -، والباعث: وهو الغثيان عند محمّد - رضي الله عنه - (¬3) (يجمع متفرّقه): أي متفرّقة القيء، وهو على أربعة أوجه:
¬
(¬1) لعله التجنيس لصاحب الهداية، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل بن أبي بكر الفَرْغَانِيّ المَرْغِينَانِيّ، (ت593هـ). ينظر: الجواهر المضية2: 627 - 629.
ولشيخ الإسلام محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين البُخاري القُدَيْدي الحنفي، المعروف ببكر خُوَاهَرْ زَادَه، (ت483هـ)، كتابه اسمه «التجنيس»، ينظر: العبر3: 302، والجواهر المضية3: 141.
(¬2) الأولى أن يفسر السبب بالغثيان، وهو قول محمد، فيكون المتن أخذ بقول محمد لا بقول أبي يوسف، وهذا ما فسّر به الزيلعي في التبيين1: 9، فقال: «وتفسيره أن يكون القيءُ الثّاني قبل سكون النَّفس من الغثيان؛ لأنّ لاتحاد السَّبب أثراً في جمع المتفرقات».
(¬3) والأصحّ قول محمّد كما في الكافي والبرهان، كما في الشرنبلالية1: 14.
1.إما أن يكون المجلسُ والباعثُ متحدين فيجمع إتفاقاً.
2.وإمّا متعددين فلا يجمع إتفاقاً.
3.وإمّا أن يكون الأوّل متحداً لا غير.
4.وإمّا أن يكون الثَّاني لا غير، ففيهما الخلاف.
(و) ينقضُه أيضاً: (نومُ مضطجع) (¬1): وهو النَّائم على جنبه لاسترخاء المفاصل.
¬
(¬1) فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (وكاء السه العينان فمَن نام فليتوضّأ) في سنن أبي داود1: 52، وحسّنه المنذريّ وابنُ الصلاح والنوويّ، كما في نصب الراية 1: 45، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: (أنَّه رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نام وهو ساجد حتى غطّ أو نفخ، ثمّ قام يُصلى فقلت: يا رسول الله، إنَّك قد نمت، قال: إنَّ الوضوء لا يجب إلاّ على مَن نام مضطجعاً، فإنَّه إذا اضطجع استرخت مفاصله) في سنن الترمذي 1: 111، وسنن أبي داود 1: 52، وفي مجمع الزوائد: رجاله موثقون، كما في إعلاء السنن 1: 129، وعن عمرو شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (ليس على مَن نام قاعداً وضوء حتى يضع جنبه إلى الأرض) في الكامل6: 467، قال القاري في فتح باب النقاية 1: 66: هذه الأحاديث وإن كانت بانفرادها لا تخلو عن ضعف، إلا أنَّها إذا تعاضدت لم تنزله عن درجة الحسن، ولم يعارضه صريح مثله، فيجوز العمل به، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (ليس على المحتبي النائم، ولا على القائم النائم، ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع، فإذا اضطجع توضأ) في سنن البيهقي الكبير 1: 122، قال ابن حجر في التلخيص 1: 120: إسناده جيد، وهو موقوف، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: «مَن نام مضطجعاً وجب عليه الوضوء، ومن نام جالساً فلا وضوء عليه» في مسند الشافعي 1: 228.
(و) نوم (متورك): وهو النَّائم على وركه لزوال مقعدته عن الأرض، وكذا نوم مستندٍ إلى شيءٍ لو أُزيل لسقط.
(و) ينقضُه أيضاً: (إغماءٌ): وهو ما يكون العقل به مغلوباً، (وجنون): وهو ما يكون العقل به مسلوب، فعلى هذا صحّ الإغماءُ على الأنبياء عليهم السَّلام دون الجنون.
(و) ينقضُه أيضاً: (سُكرٌ)، وحدُّه: أن يدخلَ في مشيتِه اختلالٌ (¬1)، واختيار الصَّدر الشَّهيد - رضي الله عنه - (¬2) أن لا يعرف الرَّجلَ من المرأةِ.
(و) ينقضه أيضاً: (قهقهة مصلٍّ) (¬3) صلاةً كاملةً، حتى لا يكون نقضاً في الجنازة، واحترز به عن غير المصلِّي، وبقوله: (بالغ) عن غير البالغ؛ لأنّها
¬
(¬1) وصححه في شرح الوقاية، واحتراز عمّا حدَّه قاضي خان في «فتاواه» (1: 42) وهو: أن لا يعرف الرجل من المرأة.
(¬2) هو عمر بن عبد العزيز بن مازه المعروف بالصدر الشهيد، أبو محمد، برهان الأئمة، حسام الدين، من مؤلفاته: «شرح الجامع الصغير»، و «الفتاوى الصغرى»، و «الفتاوى الكبرى»، و «شرح أدب الخصاف»، (483 - 536هـ). ينظر: الجواهر2: 649 - 650، والفوائد ص242.
(¬3) فعن أبي العالية - رضي الله عنه - وغيره: (إنَّ أعمى تردَّى في بئر، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بأصحابه، فضحك مَن كان يُصلِّي معه، فأمر مَن كان ضحك منهم أن يعيدَ الوضوءَ والصَّلاة) في سنن الدارقطني1: 167، والكامل3: 167، وتاريخ جرجان1: 405، وسنن البيهقي الكبير2: 252، ومصنف عبد الرزاق2: 376، ومصنف ابن أبي شيبة1: 341، ومراسيل أبي داود ص75، قال اللكنوي بعد أن أورد طرق الأحاديث الواردة في القهقهة في الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة: «فهذه الأحاديثُ المسندة والأخبارُ المرسلةُ دالةٌ صريحاً على انتقاضِ الوضوءِ بالقهقهة». وينظر: إعلاء السنن 1: 132 - 144.
ليست بجنايةٍ في حقِّه، وسواءٌ في ذلك العَمد والنِّسيان (¬1)، خلافاً للشَّافعي - رضي الله عنه - مطلقاً (¬2).
وهي ما يكون مسموعاً لجيرانه بدت أسنانه أو لا.
والضَّحك: ما يكون مسموعاً له فقط يُبطل الصَّلاة دون الوضوء.
والتَّبسم: ما لا صوت فيه، فلا يَنقضُ شيئاً أصلاً.
(و) ينقضُه أيضاً: (مباشرةٌ فاحشةٌ) خلافاً لمحمّد - رضي الله عنه -، وهي أن تنتشرَ الآلةُ ويتماسّ الفرجان.
(لا) ينقضُه (خروج دودة من جُرح)؛ لأنّها متولِّدة من لحم، وهو لو سقط لا ينتقض، فكذا ما يتولَّد منه، بخلاف الخارجة من الدُّبر؛ لأنّها متولدةٌ من الطَّعام (¬3).
¬
(¬1) ينبغي أن ترجع إلى القهقهة فهي ناقضة سواء كان عامداً أو ناسياً.
(¬2) أي لا ينتقض الوضوء عند الشافعي بالقهقة مطلقاً. ينظر: «حلية العلماء» (1: 154)، و «الوسيط» (1: 313)، و «حواشي الشرواني» (1: 140). ولا تنقض أيضاً عند مالك كما في «القوانين الفقهية» (1: 52)، و «الكافي» (1: 66). وأحمد كما في «المبدع» (1: 517).
(¬3) قال الزيعلي في التبيين1: 12: «والفرقُ بينهما من وجهين: أحدُهما: أن الخارجة من الدبر متولدة من الطعام، وهو لو خرج بنفسه نقض الوضوء فكذا ما تولد منه، والخارجة من الجرح متولدة من اللحم، وهو لو سقط لا ينقض فكذا ما تولد منه، والثاني: أنها تستصحب قليلاً من الرطوبة، وهو حدثٌ في السَّبيلين دون غيرهما». والأولى اعتبار المعنى الثاني في بناء الحكم.
(و) لا ينقضُه أيضاً: (مسُّ ذكر) خلافاً للشَّافعيّ - رضي الله عنه -؛ لحديث بسرة رضي الله عنها: «مَن مسّ ذكره فليتوضأ» (¬1).
ولنا: حديثُ قيس - رضي الله عنه -: «هل هو إلا بضعة منك» (¬2)، قال التِّرمذُّي: هذا أحسن شيءٍ في هذا الباب (¬3)، وحديث بسرة - رضي الله عنه - ضعَّفه جماعةٌ، وقال يحيى بن معين - رضي الله عنه -: «ثلاثةُ أحاديث لم تصحّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث: «مسُّ الذَّكر» (¬4)، و «لا نكاح إلا بولي» (¬5)، و «كلُّ مسكر حرامٌ» (¬6)»،
¬
(¬1) في الموطأ1: 67، وسنن النسائي1: 216، فالمراد به غسل اليد للتنزيه أو كان كناية عن الحدث، كما في منحة السلوك1: 99.
(¬2) فعن طلق بن علي - رضي الله عنه -، قال: (كنّا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إنَّ أحدنا يكون في الصلاة فيحتك فيصيب يده ذكره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وهل هو إلا بضعة منك أو مضغة منك) في صحيح ابن حبان3: 403،، والمنتقى1: 18، والمجتبى1: 101، وغيرها.
(¬3) وعبارة الترمذي1: 131: وهذا الحديث أحسن شيء روي في الباب.
(¬4) في تاريخ ابن معين3: 464: «سئل يحيى عن الوضوء من مس الذكر، فقال: لا يتوضأ منه».
(¬5) قال يحيى ابن معين في التاريخ4: 30: «هذا حديث ليس بشيء».
(¬6) قال يحيى بن معين في التاريخ4: 484ك: «هذا في كتب ابن جريج مرسل فيما أظن، ولكن هذا حديث ليس يساوي شيئاً، قدم أيوب بن هانئ هذا، وكان ضعيف الحديث».
وعن أحمد وإسحاق - رضي الله عنهم - مثلُه، وقال الطَّحاويُّ - رضي الله عنه - (¬1): «لم نعلم أحداً من الصَّحابة - رضي الله عنهم - أفتى بالوضوء منه، غير ابن عمر - رضي الله عنهم -، وقد خالفه أكثرهم».
(و) لا ينقضُه أيضاً: مسُّ (امرأةٍ) خلافاً للشَّافعيّ - رضي الله عنه -؛ لقوله - جل جلاله -: {أو لامستم النساء}.
ولنا: ما صحّ أنه - صلى الله عليه وسلم - «كان يقبِّل بعضَ نسائه، ثم يخرج إلى الصَّلاة، ولا يتوضأ» (¬2).
وفَسَّرَ الآيةَ ابنُ عبّاس - رضي الله عنهم -: بالجماع، وهو ترجمان القرآن، وهو موافق لما قاله أهل اللّغة، فقال ابنُ السِّكيت - رضي الله عنه - (¬3): اللمسُ إذا قُرِن بالمرأة يُراد به
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار 1: 77.
(¬2) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان يُقبل بعض أزواجه ثم يصلي فلا يتوضّأ) في سنن النسائي الكبرى 1: 97، والمجتبى 1: 104، وسنن الدارقطني 1: 137، وفي لفظ: (كان يُقبل بعض نسائه، ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ) قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 247: رواه الطبرانيّ في الأوسط، وفيه سعيد بن بشير وثقه شعبة وغيره وضعفه يحيى وجماعة. وقال التهانوي في إعلاء السنن 1: 150: رواه البَزّار وإسناده صحيح، وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، فقلت من هي إلا أنت؟ فضحكت) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 48، وسنن الدارقطني 1: 136، ورجاله كلهم ثقات، وسنده صحيح، وقد مال ابن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، وتمامه في إعلاء السنن 1: 153، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما) في صحيح البخاري 1: 150، وصحيح مسلم 1: 367، وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - قال: «ليس في القبلة وضوء» في سنن الدارقطني 1: 143، وقال: صحيح.
(¬3) هو يعقوب بن إِسحاق، عرف بابن السِّكِّيت، أبو يوسف، والسِّكِّيت لقب أَبِيه إِسحاق، ومن مؤلفاته: «كتاب الأضداد»، و «كتاب القلب والإبدال»، و «كتاب الألفاظ»، (ت 186 - 244 هـ). ينظر: وفيات 6: 395 - 401، والعبر 1: 443، وإصلاح المنطق ص 9 - 11.
الجماع، تقول العرب: لمستُ المرأة: أي جامعتُها، ويؤيدُه ما قالت مريم عليها السلام: {ولم يمسسني بشر}.
(وفرضُ الغُسل) ـ بضم الغين ـ ثلاثة:
الأوّل: (غَسل فمه)، وأراد به المضمضة.
(و) الثّاني: غَسل (أنفه)، وأراد به الاستنشاق، وعند الشَّافعيّ - رضي الله عنه -: هما سنتان فيه، كما في الوضوء، وعند مالك - رضي الله عنه -: فرضان فيهما (¬1)، وعند أحمّد - رضي الله عنه -: واجبان فيهما.
(و) الثَّالثُ: غسلُ جميع (بدنه) بالإجماع (لا دلكه): أي لا يُفرض دلك بدنه خلافاً لمالك - رضي الله عنه -.
(و) لا يُفرض أيضاً: (إدخال) المغتسل (الماء) في (داخل الجلدة) المتدلية الكائنة (للأقلف)، وهو الذي لم يختن؛ لأنّه خلقة كقصبة الذَّكر،
¬
(¬1) أي في الوضوء والغسل.
وهذا مشكلٌ؛ لأنّهم جعلوه كالخارج في وصول البول إلى القُلْفة (¬1)، ويزول الإشكال على قول مَن يرى بوجوب إيصال الماء إليه على ما هو الصَّحيح (¬2).
(وسنتُه): أي سُنةُ الغُسل (أن يغسلَ يديه) أوّلاً، (و) أن يغسلَ (فرجَه) بعد غَسل اليدين، (وأن يغسلَ نجاسةً لو كانت على بدنه)؛ لئلا تشيع.
قيل: قوله: «نجاسةً»؛ يُغني عن ذكر فرجه؛ لأنّه إنّما يغسل لأجل النَّجاسة.
قلت: ذكره للاهتمام واتباعاً لما ذُكِر في حديث ابن عبّاس - رضي الله عنهم - (¬3).
¬
(¬1) القُلْفَة: جلدة الذَّكَرِ التي أُلبستها الحشفة، وهي التي تقطع من ذكر الصبي. ينظر: «تاج العروس» (24: 282).
(¬2) صحَّح الزيلعي في «التبيين» (1: 14)، وملا خسرو في «غرر الأحكام» (1: 17)، وجوب إيصال الماء داخل القلفة. واختاره صاحب «مجمع الأنهر» (1: 21)، والكردري، وصاحب «الهداية» في «مختارات النوازل».
وصحح الكمال في «فتح القدير» (1: 50) استحباب إدخال الماء داخل القلفة، وتبعه الحصكفي في «الدر المنتقى» (1: 21)، و «الدر المختار» (1: 103)، وابن نجيم في «البحر» (1: 51)، واختاره صاحب «الكنْز»، و «الملتقى» (ص4).
وصحح الشرنبلالي في «الشرنبلالية» (1: 17)، و «المراقي» (ص137) التفصيل، فإذا كان يمكن فسخ القلفة بلا مشقة لا يجزئه تركه، وإلا أجزأه. وتبعه اللكنوي في «عمدة الرعاية» (1: 79).
(¬3) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - عن خالته ميمونة رضي الله عنها: قالت: (صببت للنبي - صلى الله عليه وسلم - غسلاً فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قال: بيده الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها ثم تمضمض واستنشق ثمّ غسل وجهه وأفاض على رأسه، ثمّ تنحى فغسل قدميه، ثمّ أُتي بمنديل فلم ينفض بها) في صحيح البُخاري1: 102.
(ثمّ) بعد ذلك (يتوضّأ) كوضوئه للصَّلاة إلا رجلية إن كانا في مجمع الماء، (ثمّ يُفيضُ): أي يسكبُ (الماءَ على بدنِهِ ثلاثاً) أي ثلاثَ مَرّات، كذا في حديث ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم -.
(ولا تُنقضُ) على صيغة المجهول، وقولُه: (ضفيرةٌ) (¬1) مفعول ناب عن الفاعل: أي لا تَنقضُ المرأةُ ضفيرتَها، وهي شعرُها المعقود، إلاّ إذا كانت ملبَّدةً، وينقض الرَّجل مطلقاً إلا إذا كان علوياً أو تركياً؛ للحرج (¬2)، وإنّما لا
¬
(¬1) الضَّفيرة: الذُّؤابة، وكلّ خصلة من خصل شعر المرأة تضفرـ أي تجمع ـ وجمعها ضفائر، كما في اللسان 4: 2594.
(¬2) فيه عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - روايتان نظراً إلى العادة، وإلى عدم الضرورة، وذكر الصدر الشهيد - رضي الله عنه -: أنَّه يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر في حقهم؛ لعدم الضرورة، وللاحتياط، قال في الخلاصة: وفي شعر الرجل يفترض إيصال الماء إلى المسترسل، ولم يذكر غير ذلك، فكان هو الصحيح، عملاً بمقتضى المبالغة في الآية مع عدم الضرورة المخصصة في حقهم، كما في غنية المستملي ص48، قال اللكنوي في نفع المفتي ص60: اختلف في نقض ذوائب الرجل، والاحتياط الوجوب، ففي فتح القدير1: 52: في وجوب نقض ضفائر الرجل اختلاف الرواية والمشايخ، والاحتياط الوجوب، وفي المنافع: قول القدوري - رضي الله عنه -: وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها عند الغسل إشارة إلى أنَّ الحكمَ في الرجل خلاف ذلك، كذا ذكره الإمامُ حسامُ الدين - رضي الله عنه -، وصحَّحه في البحر 1: 55، واختاره في الكافي.
يجب النَّقض (إن بلَّ أصلَها): أي أصل الضَّفيرة، وإن لم يبل أصلها يجب نقضُها مطلقاً (¬1).
(وفرض) الغُسل (عند) خروج (مني) إلى ظاهر الفرج، وهو ماءٌ أبيضٌ خاثرٌ ينكسر به الذَّكر، ويتولّد منه الوَلد، وسواء في ذلك حالتا النَّوم واليقظة، ولكن بقيدين:
أحدُهما: الدَّفق، أشار إليه بقوله: (ذي دفقٍ).
والآخرُ: الشَّهوة أشار إليه، بقوله: (وشهوةٍ)، وعند الشافعي - رضي الله عنه - خروجه كيفما كان يوجب الغُسل.
ثمّ وصفها بقوله: (عند انفصاله): أي انفصال المني من مقرِّه لا عند خروجه من رأس الإحليل، كما هو مذهب أبي يوسف - رضي الله عنه -، وفائدة الخلاف في مواضع:
فيمَن احتلم فمسك ذكره حتى سكنت شهوتُه، ثمّ خرج لا عن دفق يجب الغسل عندهما، خلافاً له.
وفيمَن نظر إليها بشهوة فزال المني عن مكانه، ثم فعل كذلك.
وفيمَن اغتسل قبل أن يبول أو ينام أو يمشي، ثمّ سال منه بقية المني بغير شهوةٍ يُعيد الغُسل عندهما خلافاً له.
¬
(¬1) فعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: (قلت يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه؛ لغسل الجنابة، قال: لا، إنَّما يكفيك أن تحثين على رأسك ثلاث حثيات من ماء) في صحيح مسلم 1: 259.
(و) فُرض أيضاً عند (توارى): أي تغيب (حشفة) (¬1)، وهي ما فوق الختان (في قُبُل): أي فرج امرأةٍ (أو دُبُر) من رجل أو امرأةٍ (عليهما): أي على الفاعل والمفعول به، وإنّما لم يقل: إلتقاء الختانين، كما قال غيره؛ لأنّه لا يُتصوَّر في الدُّبر، وقالت الظَّاهرية: لا يجب إلا بالإنزال.
(و) فُرض أيضاً عند انقطاع (حيض (¬2)، و) عند إنقطاع (نفاس)، وهو الدَّم المتعقب للولادة.
(لا) يُفرض عند خروج (مَذي) ـ بالذَّال المعجمة ـ وهو ماءٌ رقيقٌ أبيضٌ يخرج عند ملاعبة الرَّجل أهله.
¬
(¬1) فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل) في سنن ابن ماجة 1: 200، قال الكناني في المصباح 1: 82: إسناده ضعيف لضعف ابن أرطأة، وقال التهانوي في إعلاء السنن 1: 195: وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن، وفي لفظ: (وجب الغسل أنزل أو لم ينزل) في الآثار 1: 13، ومسند أبي حنيفة ص161، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل) في صحيح البخاري 1: 110، وصحيح مسلم 1: 271، وفي رواية: (وإن لم ينزل) في صحيح مسلم 1: 271.
(¬2) لقوله - جل جلاله -: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} البقرة: 222 على قراءة التشديد، فإنَّه - جل جلاله - منع من قربانهن حتى يغتسلن، ولولا وجوبه لما منع، فعن عائشة رضي الله عنها: (إنَّ فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلّي) في صحيح البُخاري 1: 122.
(و) لا يُفرض أيضاً عند خروج (وَدْي) ـ بسكون الدَّال المهملة ـ وهو ماءٌ غليظٌ يعقب البول.
(و) لا يفرض أيضاً عند (احتلامٍ بلا) وجود (بلل) (¬1)، ولو رأى بللاً ولم يتذكر إحتلاماً يجب عليه الغُسل عندهما خلافاً لأبي يوسف والثَّلاثة - رضي الله عنهم -.
(وسُنّ) الغُسل (للجُمعة): أي لصلاتها (¬2)، وهو الصَّحيح (¬3)، وقال الحسن - رضي الله عنه -: ليومها، وفائدته: فيمَن اغتسل قبل الصَّلاة، ثمّ أحدث وتوضّأ
¬
(¬1) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلاماً قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل قال: لا غسل عليه، فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ قال: نعم إنَّما النساء شقائق الرجال) في سنن أبي داود1: 111، وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: جاءت أم سليم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: (يا رسول الله، إنَّ الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم إذا رأت الماء) في صحيح مسلم 1: 251، وصحيح البخاري 1: 108.
(¬2) فعن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومَن اغتسل فالغسل أفضل) في سنن الترمذي 2: 369، وسنن أبي داود1: 151، والمجتبى3: 94.
(¬3) هذا على قول أبي يوسف - رضي الله عنه -، ومشت عليه عامّة الكتب، خلافاً للحسن بن زياد - رضي الله عنه -، كما في ذخيرة العقبى ص12، والسراجية1: 10، لكنَّ العلامة عبد الغني النابلسي في نهاية المراد ص188 - 189، قال: إنَّهم صرَّحوا بأنَّ هذه الأغسال الأربعة للنظافة لا للطهارة مع أنَّه لو تخلل الحدث تزداد النظافة بالوضوء ثانياً، ولئن كانت للطهارة أيضاً فهي حاصلة بالوضوء ثانياً مع بقاء النظافة، فالأولى عندي الإجزاء وإن تخلل الحدث؛ لأنَّ مقتضى الأحاديث الواردة في ذلك طلب حصول النظافة فقط، وأيده على كلامه ابن عابدين في رد المحتار 1: 114.
وصلَّى الجمعة، أو اغتسل بعدها قبل الغروب، أو كان ممَّن لا تجب عليه الجمعة: كأهل البرية: المسافر، والمرأة، فإنه لا يُسَنّ الاغتسال في حقِّهم خلافاً للحَسَن - رضي الله عنه -، وعند مالك - رضي الله عنه -: غسل يوم الجمعة فرض، وبه قالت الظَّاهريّة.
(و) سُنّ أيضاً: (للعيدين)، (و) عند (الإحرام) للحجّ أو العمرة، (و) يوم (عرفة)؛ لورود السُّنة كذلك (¬1).
(ووجب) الغُسل (للميت) (¬2): أي لأجله، ووجب فعله على الحيّ.
¬
(¬1) فعن الفاكه - رضي الله عنه -: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة) في مسند أحمد4: 78، والمعجم الكبير18: 320، والمعجم الأوسط7: 186، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى) في سنن ابن ماجة1: 417، وسنن البيهقي الكبير3: 279، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «أنَّه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو» في معرفة السنن5: 263، وعن عليّ - رضي الله عنه -: «كان يغتسلُ يوم العيدين، ويوم الجمعة، ويوم عرفة، وإذا أراد أن يحرم» في مسند الشافعيّ ص74.
(¬2) فعن عليّ - رضي الله عنه - أنَّه قال: «من غسّل ميتاً اغتسل» في آثار أبي يوسف1: 77، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن غسله الغسل ومَن حمله الوضوء) في سنن الترمذي3: 319، وصحيح ابن حبان3: 437، لكن بلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فردت حديثه بالقياس، فقالت: «أوينجس موتى المسلمين، وما على رجل لو حمل عوداً» في التعليق الممجد على موطأ محمد2: 84: ذكره السيوطي في رسالته عين الإصابة في استدراك عائشة رضي الله عنها على الصحابة - رضي الله عنهم -، وأخرجه أبو منصور البغدادي في كتابه، كما في هامش المغني في أصول الفقه ص210.
(و) كذا يجب (لمَن أسلم) حال كونه (جُنباً)، وكان ينبغي أن يُقال: وعلى مَن أسلم؛ لأنّ الغُسلَ إنّما يجب على الكافر الذي أسلم، وفعله أيضاً يجب عليه، بخلاف الميت، فإنه ليس بأهل لأنْ يجب عليه شيء، وإنّما يجب على الحيّ إقامة الغُسل في حقِّه، فناسب أن يذكر اللام فيه دون ما عُطف عليه، فافهم، (وإلاّ): أي وإن لم يكن الكافرُ الذي أسلم جنباً (نُدِب): أي استحبّ.
ومَن المندوب الاغتسال: لدخول مكّة (¬1)، والوقوف بمزدلفة، ودخول مدينة النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، والمجنون إذا أفاق، والصَّبيّ إذا بلغ بالسِّنّ.
ولَمَّا فرغ عن بيان الطَّهارتين شَرَعَ في بيان آلة التَّطهير، وهي المياه بأقسامها، فقال:
(ويتوضأُ): أي مريد الصّلاة (بماء السَّماء): أي المطر، وما ذاب من الثَّلج والبرد، (و) يتوضّأ بماء (العين، و) بماء (البحر) أيضاً (¬2).
قيل: لو قال: يتطهر عوض يتوضأ كان أولى؛ لشموله الوضوء والغُسل وغيرهما.
يُقال: إذا عرف الحكم في الوضوء عرف في غيره.
¬
(¬1) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: «إنَّ من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم، وإذا أراد أن يدخل مكة» في المستدرك 1: 615، وصحّحه.
(¬2) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: (سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء البحر، فقال - صلى الله عليه وسلم -: هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته) في صحيح ابن حبان 4: 49، وصحيح ابن خزيمة 1: 59، والمنتقى 1: 23، والمستدرك 1: 239، وسنن الترمذي 1: 101.
لا يُقال: كيف جعل ماء العين والبحر غير ماء السّماء، والكلُّ ماء السَّماء؛ لقوله - عز وجل -: {ألم تر أن اللهَ أنزلَ من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض}؛ لأنّ القسمة على ما تشهد به العادة، فلا يُنكر ذلك.
(وإن) واصلة بما قبله، يعني وإن (غَيَّرَ) شيءٌ (طاهرٌ) اختلط بالماء (أحدَ أوصافه): وهي اللون، والطَّعم، والرِّيح: كزعفران اختلط بالماء، فغيَّر لونه فقط؛ لإطلاق اسم الماء عليه، حتى لو غَيَّر وصفين منه، بأن غَيَّرَ اللونَ والطَّعم، أو اللون والرّيح لا يجوز؛ لزوال الإطلاق عنه، وقالت الثَّلاثة: لا يجوز مطلقاً.
(أو أنتن) الماءُ (بالمكث): أي بطول الإقامة في موضعه، وهو عطفٌ على قوله: غَيَّر، (لا) يتوضّأ بماء تغيَّر بكثرة الأوراق التي وقعت فيه أيام الخريف لزوال الإطلاق، (أو) تغيَّر (بالطبخ) على النار، (أو اعتصر) الماء (من شجر أو ثمر)؛ لما ذكرنا، (أو غلب عليه): أي على الماء (غيره) من الأشياء الطَّاهرة (أجزاء): أي من حيث الأجزاء، وهو أن يخرجه عن صفته الأصلية، بأن يثخن لا أن يكون من حيث الوزن أكثر.
وذكر الإسبيجابيُّ - رضي الله عنه -: أنّ الغلبةَ تعتبر أوّلاً من حيث اللَّون، ثمّ من حيث الطَّعم، ثم من حيث الأجزاء، ويُقال: الاعتبار لتغيّر الأوصاف الثَّلاثة أو أكثرها، ويُقال: الاعتبار لرقّة الماء وثخانته، ويُقال: الاعتبارُ للغلبة بالأجزاء الذَّاتية.
فنقول: الضَّابط هنا والموافق لهذه الأقوال أنّ الماء إذا خالطه شيءٌ لا يخلو: إما إن يكون جامداً أو مائعاً.
فإن كان جامداً، فما دام يجري على الأعضاء، فالماءُ غالبٌ (¬1).
وإن كان مائعاً فلا يخلو: إمّا أن يكون مخالفاً للماء في الأوصاف كلّها أو في بعضِها، أو لا يكون.
فإن لم يكن كالماء المستعمل على القول الصَّحيح (¬2) أنّه طاهرٌ يُعتبر بالأجزاء حتى لو كان الماء رطلين، والمستعمل رطلاً، فحكمه حكم المطلق، وبالعكس كالمقيّد.
¬
(¬1) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - خر رجل من بعيره فوقص فمات، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (اغسلوه بماء وسدر ... ) في صحيح مسلم 2: 865، وصحيح البخاري 1: 425، و عن قيس بن عاصم - رضي الله عنه -: (أنَّه أسلم فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل بماء وسدر) في سنن الترمذي 2: 502، وسنن النسائي الكبرى 1: 107، والمجتبى 1: 109، و عن أم هانئ رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح بأعلى مكة فأتيته فجاء أبو ذر بقصعة فيها ماء، قلت: إني لأرى فيها أثر العجين، قالت: فستره أبو ذر فاغتسل، ثم ستر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا ذر فاغتسل) في صحيح ابن خزيمة 1: 119، وصحيح ابن حبان 3: 462.
(¬2) اختلفوا في الماء المستعمل على أقوال:
الأول: أنَّه نجس نجاسة غليظة في رواية الحسن عن أبي حنيفة، قال صاحب مجمع الأنهر 1: 30: وهو رواية شاذة غير مأخوذ بها.
الثاني: أنَّه نجس نجاسة خفيفة، وهو قول أبي يوسف - رضي الله عنه -، كما في التبيين 1: 24.
الثالث: أنَّه طاهر غير مطهر، وهو قول محمد - رضي الله عنه -، قال القاري في فتح باب العناية 1: 89: «لم يثبت مشايخ العراق خلافاً بين الأئمة الثلاثة في أنَّ الماء المستعمل طاهر غير طهور، وأثبت مشايخ ما وراء النهر اختلاف الرواية عنهم: فعن أبي حنيفة في رواية الحسن عنه، وهو قوله: أنَّه نجس نجاسة مغلَّظة، وعن أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة: أنَّه نجس نجاسة مخففة، وعن محمد وهو رواية عن أبي حنيفة وهو الأقيس: أنَّه طاهر غير طهور، واختار هذه الرواية المحقِّقون من مشايخ ما وراء النهر وغيرهم، وهو ظاهر الرواية، وعليها الفتوى».
وفي التبيين 1: 24: «وهو الأصح ... وقال الإسبيجابي: وعليه الفتوى»، وفي مجمع الأنهر1: 30: «والأصل في ذلك أنَّ محمداً - رضي الله عنه - روى في عامّةِ كتبه عن أَصحابنا جميعاً أنَّ الماءَ المستعملَ طاهرٌ غير مُطَهِّر، وهو ظاهرُ الرِّواية عن الإمام - رضي الله عنه -، وعليه الفتوى؛ لعموم البلوى».
وإن كان مخالفاً فيها، فإن غَيَّرَ الثلاث أو أكثرها لا يجوز الوضوء به، وإلاّ فإن خالفه في وصفٍ واحد، أو وصفين تعتبر الغلبة من ذلك الوجه: كاللبن مثلاً يخالفه في اللون والطعم، فإن كان لون اللبن أو طعمه هو الغالب لم يجز الوضوء به، وإلا جاز، وكماء البطيخ يخالفه في الطعم، فتعتبر الغلبة فيه بالطعم.
فعُلِم من هذا أن مرادَ مَن اعتبر الرقّة والثَّخانة ما إذا كان المخالط له جامداً.
ومراد مَن اعتبر الغلبة بالأجزاء ما إذا كان المخالط له لا يخالفه في شيءٍ من الأوصاف فافهم، فإنّه موضع أشكل على كثير من النَّاس.
(و) لا يتوضّأ أيضاً (بماء دائم): أي غير جار وقع (فيه نجس)، هذا (إن لم يكن) هذا الماء الدّائم (عشراً): أي عشرة أذرع (في عشر): أي في عشرة أذرع بذراع الكرباس، وهي ذراع العامّة ستُّ قبضات، أربع وعشرون أصبعاً (¬1)، وقيل: بذراع المساحة، وهي ذراع الملك كسرى، سبع
¬
(¬1) وكل إصبع ست شعيرات، واختارها صاحب التبيين1: 22، وتحفة الملوك ص19، لكن في الدر المختار 1: 196: القهستاني ذراع الكرباس سبع قبضات، قال ابن عابدين في رد المحتار 1: 196: أي بلا إصبع قائمة، وهذا ما في الولوالجية، وفي البحر أنَّ في كثير من الكتب أنَّه ست قبضات ليس فوق كلّ قبضة إصبع قائمة فهو أربع وعشرون إصبعاً بعدد حروف: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والثاني: ذراع المساحة، وهي سبع قبضات، وصححه في الخانية؛ لأنَّه أليق بالممسوحات، كما في مجمع الأنهر 1: 29.
والثالث: يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم، وقال صاحب منحة السلوك 1: 67، وصاحب الكافي والمحيط: وهو الأصحّ، كما في الشرنبلالية 1: 22، قال صاحب رد المحتار 1: 196: قال في النهر: وهو الأنسب. قلت: لكن ردّه في شرح المنية بأنَّ المقصود من هذا التقدير غلبة الظنّ بعدم خلوص النجاسة، وذلك لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وقال ابنُ الهمام في فتح القدير 1: 80: وهل المعتبر ذراع المساحة أو الكرباس أو في كل زمان ومكان ذرعانهم؟ أقوالٌ كلٌّ منها صحَّحه من ذهب إليه.
قبضات بأصبع قائمة، ويُمكن أن يستأنس على هذا بحديث بئر بضاعة (¬1)، وقد حقَّقناه في شرحنا للطحاوي - رضي الله عنه -.
قيد بقوله: «إن يكن عشراً في عشر»؛ لأنّه إذا كان عشراً في عشر يكون حينئذٍ كالماء الجاري، أشار إليه بقوله: (فهو): أي العشر في العشر: (كالجاري): أي كالماء الجاري، وهكذا وقع في الكتاب بالفاء، والصَّواب أن يكون بالواو؛ لئلا يلتبس بالجواب، فيفسد المعنى، ولكن إذا جلعنا الفاء تفسرية يزول الإشكال.
وعمدة الشَّافعي - رضي الله عنه - في هذا الباب على القُلتين (¬2)، فإذا بلغهما لا ينجس إلا بالتَّغيّر، وبه قال أحمد.
¬
(¬1) فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والمنتن، فقال - صلى الله عليه وسلم -: إن الماء طهور لا ينجسه شيء» في سنن أبي داود1: 17، وسنن الترمذي1: 95، وقال: حديث حسن.
(¬2) قال ابن عبد البر في «التمهيد»: «ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النّظر غير ثابت من جهة الأثر؛ لأنه حديث تَكلّم فيه جماعة من أهل العلم، ولأنّ القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع»، وقال في «الاستذكار»: «حديث معلول ردّه إسماعيل القاضي، وتكلَّم فيه، وقال الطَّحاويّ: إنّما لم نقل به؛ لأنّ مقدار القلتين لم يثبت»، وتمامه في إعلاء السنن1: 237.
وعمدة مالك - رضي الله عنه - على التّغير مطلقاً (¬1).
ثمّ أشار إلى تفسير الجاري بقوله: (وهو): أي الجاري (ما يذهبُ بتبنةٍ)، وقيل: ما يعدُّه النَّاس جارياً، وهو الأصحّ (¬2).
¬
(¬1) أي قدر المالكية بحديث: «الماء لا ينجسه شيء»، وذكر ابن حجر العسقلاني في التلخيص1: 7: «قال الشافعي - رضي الله عنه -: كانت بئر بضاعة كبيرة واسعة وكان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغيّر لها لوناً ولا طعماً ولا يظهر له ريح، فقيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - تتوضأ من بئر بضاعة، وهي يطرح فيها كذا وكذا فقال مجيباً: «الماء لا ينجسه شيء»، قلت: وأصرح من ذلك ما رواه النَّسائي بلفظ: «مررت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: أتتوضأ منها، وهي يطرح فيها ما يكره من النتن، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء»، وقد وقع مصرحاً به في رواية قاسم بن أصبغ في حديث سهل بن سعد أيضاً».
وأما ما قال أبو داود: «ورأيت فيها ماء متغير اللون». فأجاب عنه النَّوويُّ: «يعني بطول المكث، وأصل المنبع، لا بوقوع شيء أجنبي فيه»، كما في عون المعبود1: 83، وغيره.
(¬2) اختلفَ الفقهاءُ في تعريف الماء الجاري، وما يُقدَّر به جريه:
الأول: ما يذهب بالنَّجاسة قبل اغترافِ الغرفة الثانية.
الثاني: ما يكون بحيث لو وضع إنسانٌ يدَه عليه عرضاً لم ينقطع.
الثالث: ما يعدّه العرفُ جارياً، كذا ذكره في التاتارخانيّة1: 124، وصحَّحَه في غاية البيان والبناية1: 329 والبدائع والبحر1: 89، والتبيين1: 23، والعناية1: 68، وفتح القدير1: 79، والشرنبلالية1: 22، ومجمع الأنهر1: 29.
الرابع: ما يذهب بتبنة، واختاره صاحب «الهداية»، وصدر الشريعة وصاحب تحفة الملوك ص19، والكنز وغيرهم.
ثمّ أشار إلى حكم الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ بقوله: (فيتوضأ منه): أي من الجاري الذي وقع فيه النَّجس (إن لم يَرَأثره): أي أثر النَّجس فيه، ويجوز أن يعودَ الضَّمير في منه إلى الماء الدَّائم الذي بلغ عشراً في عشر، وأرد أنّه يجوز الوضوء منه في غير موضع الوقوع، وفي موضع الوقوع أيضاً ما لم يتغيَّر في رواية مختارة.
ثمّ أشار إلى تفسير الأثر بقوله: (وهو): أي الأثر (طعمٌ أو لونٌ أو ريحٌ)، فهذه أوصاف عارضة على الذَّات.
(وموتُ) مرفوع بالابتداء مضاف إلى (ما لا دم) سائل (له فيه): أي في الماء وغيره من المائعات، وذلك (كالبَقِّ) ـ بتشديد القاف ـ، (والذُّباب) (¬1) ـ بتخفيف الباء ـ، (والزُّنبور) ـ بضم الزّاي ـ بأنواعه حتى النَّحل، (والضِّفدع) ـ بكسر الضَّاد ـ وأراد به المائي دون البري، (والسَّرطان)، وكذا السَّمك بأنواعه، وقوله: (لا ينجسُه) خبرُ المبتدأ: أي لا ينجس الماء.
وعن الشَّافعيّ - رضي الله عنه -: أنّها تنجسُه، وبه قال مالك وأحمد - رضي الله عنهم - في روايةٍ.
¬
(¬1) لأنَّ النَّجَسَ هو الدَّمُ المسفوحُ، وهذه لا دم فيها، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقع الذُّباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينْزعه، فإن في إحدى جناحيه داءً، والأخرى شفاءً» في صحيح البخاري3: 1206، وصحيح ابن خزيمة1: 56، وصحيح ابن حبان4: 53، والمنتقى1: 26، وغيرها.
(والماءُ) مبتدأٌ، وقوله: (المستعمل) صفته: أي الذي استعمل في الوضوء والغُسل؛ (لقربةٍ) (¬1): أي لأجل تقرّب إلى اللهِ تعالى بأن توضّأ على وضوء (¬2)، (أو) لأجل (رفع حدث) أصغر أو أكبر.
وأشار بهذا إلى أنّ سببَ الاستعمال هو أحد الأمرين المذكورين، وهو مذهبُ أبي يوسف - رضي الله عنه -، وعَيَّن محمّد - رضي الله عنه - التّقرُّب فقط.
ثمّ إنّما يصير مستعملاً (إذا استقرّ في مكان) سواءً كان أرضاً أو إناءً (أو كفّ المتوضئ)، وقيل: يصير مستعملاً بمجرد الإنفصال من العضو، وإن لم يستقرّ في مكان، قيل: هو الصَّحيح (¬3)، والذي يصيب منديل المتوضئ
¬
(¬1) وهي ما يتعلّق بها حكم شرعي هو الثواب: كغسل يديه للطعام أو منه، وعلله في المحيط بأنَّه أقام به قربة، قال في البحر: «وهذا يفيدُ اشتراط قصدها»، كما في النهر1: 78.
(¬2) ومن القربة: غسلُ اليد للطعام أو منه، فعن سلمان - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده) في سنن الترمذي 4: 281، والمستدرك 3: 699، وسنن أبي داود 3: 345، ومسند أحمد 5: 441، فلو غسلها لوسخٍ، وهو متوضئٌ، ولم يقصد القربة لا يصير مستعملاً: كغسل ثوب، ودابّة مأكولة. كما في المراقي.
(¬3) هذا اختيارُ صاحب الهداية 1: 20، ومشى عليه صدر الشريعة في شرح الوقاية 1: 49، قال الطحطاوي1: 49: هو ما عليه العامّة، وصحَّحَ في كثير من الكتب أنَّه المذهب، كما في البحر.
واختار مشايخ بلخ والطحاوي والظهيرُ المرغيناني والصدرُ الشهيد وفخرُ الإسلام - رضي الله عنهم -: أنَّ الماءَ يصير مستعملاً إذا زايل البدن واستقرّ في موضع، كما في السعاية 1: 396 - 397.
أو ثيابه عفو في الأقوال كلّها، أما على ما اختاره الشَّيخ فظاهر، وأما على القول الآخر فللحرج.
وقوله: (طاهرٌ) خبرُ المبتدأ، وأشار بهذه إلى صفة الماء المستعمل، وعليه الفتوى، وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه نجس مغلّظ، وبه أخذ الحَسَن - رضي الله عنه -، وعنه - رضي الله عنه -: أنّه مخفّفٌ، وبه أخذ أبو يوسف - رضي الله عنه -، وعند زُفر - رضي الله عنه -: إن كان مستعملُه طاهراً، فهو طاهر وطهور، وإن كان غيرَ طاهر فهو طاهرٌ غير طهور (¬1)، وعند مالك - رضي الله عنه - طاهر وطهور مطلقاً، وبه قال الشَّافعي - رضي الله عنه - في قول وأحمد - رضي الله عنه - في رواية، وعنه - رضي الله عنه - كالصَّحيح.
¬
(¬1) اختلفوا في الماء المستعمل على أقوال:
الأول: أنَّه نجس نجاسة غليظة في رواية الحسن عن أبي حنيفة، قال صاحب مجمع الأنهر 1: 30: وهو رواية شاذة غير مأخوذ بها.
الثاني: أنَّه نجس نجاسة خفيفة، وهو قول أبي يوسف - رضي الله عنه -، كما في التبيين 1: 24.
الثالث: أنَّه طاهر غير مطهر، وهو قول محمد - رضي الله عنه -، قال القاري في فتح باب العناية 1: 89: «لم يثبت مشايخ العراق خلافاً بين الأئمة الثلاثة في أنَّ الماء المستعمل طاهر غير طهور، وأثبت مشايخ ما وراء النهر اختلاف الرواية عنهم: فعن أبي حنيفة في رواية الحسن عنه، وهو قوله: أنَّه نجس نجاسة مغلَّظة، وعن أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة: أنَّه نجس نجاسة مخففة، وعن محمد وهو رواية عن أبي حنيفة وهو الأقيس: أنَّه طاهر غير طهور، واختار هذه الرواية المحقِّقون من مشايخ ما وراء النهر وغيرهم، وهو ظاهر الرواية، وعليها الفتوى».
وفي التبيين 1: 24: «وهو الأصح ... وقال الإسبيجابي: وعليه الفتوى»، وفي مجمع الأنهر1: 30: «والأصل في ذلك أنَّ محمداً - رضي الله عنه - روى في عامّةِ كتبه عن أَصحابنا جميعاً أنَّ الماءَ المستعملَ طاهرٌ غير مُطَهِّر، وهو ظاهرُ الرِّواية عن الإمام - رضي الله عنه -، وعليه الفتوى؛ لعموم البلوى».
وأشار بقوله: (لا مطهر) إلى حكم الماء المستعمل: أي لا مطهر للأحداث مطلقاً.
(ومسألةُ البئر) كلام إضافي مبتدأ، وقوله: (جحطٌ) في موضع الرَّفع على الخبرية، تقديره مسألة البئر يضبط فيها بحروف «جحط» (¬1)، فالجيم من النَّجس، والحاء من الحال، والطَّاء من الطّاهر (¬2).
صورتها: رجلٌ انغمس في البئر لطلب الدَّلو، وهو جنبٌ، فالماءُ والرجل نجسان عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنّ بأوَّل الملاقاة تنجّس الماء، والرَّجل على حاله؛ لنجاسة الماء المستعمل عنده.
¬
(¬1) أي إذا انغمس الجنب في البئر لطلب الدلو فعند أبي حنيفة الرجل والماء نجسان، وعند أبي يوسف كلاهما بحاله، وعند محمد كلاهما طاهر، فالجيم علامة نجاستهما، والحاء علامة بقائهما على حالهما، والطاء علامة طهارتهما. ينظر: التبيين1: 25.
(¬2) قال العيني في البناية1: 406: «وتسمى هذه المسألة مسألة - جحط -، فالجيم عبارةٌ عن نجاسةِ كلِّ واحدٍ من الرَّجل والماء؛ لأنهما نجسان، والحاءُ عن إبقاء حال كلّ واحد على ما كان، والطاء عن طهارة كل منهما، وترتيب الأحكام على ترتيب العلماء الثلاثة. وقد يقال: «نحط» بالنون موضع الجيم، فالنون عبارة عن نجاسة كل منهما.
وقال شمس الأئمة: التعليل لمحمد لعدم إقامة القربة ليس بقوي، فإن هذا المذهب غير مروي عنه أيضاً، والصَّحيحُ أن إزالة الحدث بالماء مفسدٌ له، إلا عند الضَّرورة كالجنب يدخل يده في الإناء، وفي البئر ضرورة لطلب الدَّلو يسقط استعماله للحاجة.
وقال القدوري: كان شيخنا أبو عبد الله الجرجاني يقول: الصحيح عندي من مذهب أصحابنا أنّ إزالة الحدث استعمال للماء فلا معنى لهذا الخلاف، وإنما لم يصر الماء مستعملاً في البئر ضرورة، وقال في قاضيخان: ومنهم من قال: يصير الماء مستعملاً عند محمد برفع الحدث أيضاً إلا في البئر للضرورة».
وعنه - رضي الله عنه -: الرَّجلُ طاهرٌ في الأصحّ (¬1).
وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - كلاهما بحاله، أمّا الرَّجلُ فلعدم الصبّ، وأمَّا الماء؛ فلعدم التَّقرُّب أو إزالة الحدث.
وعند محمّد - رضي الله عنه -: كلاهما طاهران، أمّا الرَّجل؛ فلعدم اشتراط الصبّ، وأمّا الماءُ؛ فلعدم التقرّب.
وإنّما دلَّت هذه الحروف الثلاثة على أصحابنا الثَّلاثة بهذا التَّرتيب؛ لأنّهم على هذا التَّرتيب في الخارج، فالإمام - رضي الله عنه - هو المُقدَّم، ثمّ أبو يوسف - رضي الله عنه -، ثمّ محمّد - رضي الله عنه -؛ فلذلك قَدَّمَ الحرف الذي دلّ على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ثمّ الحرف الذي دلّ على قول أبي يوسف - رضي الله عنه -، ثمّ الحرف الذي دلّ على قول محمّد - رضي الله عنه - فافهم.
(وكلُّ إهابٍ): وهو الجلدُ الذي لم يدبغ، ويتناول ذلك بعمومه جلد ما يؤكل وما لا يؤكل، (دبغ) (¬2) بدباغةٍ حقيقيةٍ: كالقَرَظ (¬3) والشَّثّ ونحوهما، أو حكمية: كالتَّرتيب والتَّشميس والإلقاء في الرِّيح، (فقد طَهُر) ظاهراً وباطناً خلافاً لمالك - رضي الله عنه - في قوله: يطهر ظاهره دون باطنه؛ فتجوز الصَّلاة
¬
(¬1) لأنّ الماءَ لا يُعطى له حكمُ الاستعمال قبل الانفصال، وهو أوفق الرِّوايات عنه. ينظر: الهداية1: 23.
(¬2) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دُبِغَ الإهاب فقد طَهُر» في صحيح مسلم 3: 277، وسنن أبي داود 4: 66، وسنن الدارقطني 1: 66، وغيرها.
(¬3) القَرظ: ورق السَّلم يُدْبَغ به، وقيل: قِشْر البلوط. ينظر: «مختار الصحاح» (ص530).
عليه والوضوء منه عندنا، وعن مالك - رضي الله عنه -: لا تطهر جلود الميتات أصلاً، وبه قال أحمد - رضي الله عنه - في رواية، وعند الشَّافعيّ - رضي الله عنه -: لا يطهر جلد الكلب.
(إلا جلد الخنزير) استثناءٌ من قوله: «طَهُر»؛ لنجاسة عينه، وقيل: لعدم قبول جلده الدِّباغ، فعلى هذا الاستثناء من قوله: «دُبغ».
(و) إلا جلد (الآدمي)؛ لكرامته، وإنّما أَخره؛ لأنّ الموضعَ موضع إهانة، كما في قوله - جل جلاله -: {لهدمت صوامع وبيع وصلوات}.
(وشعرُ الإنسان) كلامٌ إضافيٌّ مبتدأ، (و) شعرُ (الميتة وعظمُها) بالرَّفع عطفٌ على الشَّعر: أي عظمُ الإنسان والميتة (طاهران) (¬1) خبرُ المبتدأ وما عطف عليه، وعند الشَّافعيّ - رضي الله عنه -: هما نجسان، وقال مالك - رضي الله عنه -: شعرُ الميتة طاهرٌ دون عظمها.
(ويُنزحُ) ماء (البئرُ)، والإسنادُ فيه من قبيل اسم المحلّ على الحال: كجري الميزاب، وسال الوادي، (بوقوع نجسٍ) بعد إخراجه منها من أي نوع كان من النَّجاسة (لا) ينزح (ببعرتي إبل) وقعتا فيها، (و) بعرتي (غنم)؛ للبلوى (¬2).
¬
(¬1) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إنَّما حَرَّمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الميتة لحمها، فأمّا الجلدُ والشعرُ والصوفُ فلا بأس به» في سنن الدارقطني1: 47، وحسنه القاري في فتح باب العناية1: 83، والعيني في عمدة القاري12: 144.
(¬2) وهو ما صححه صاحب المبسوط1: 87، وهو اختيار الطحاوي ومحمد بن سلمة - رضي الله عنهم -، كما في مجمع الأنهر1: 64.
والقول الثاني: ما يستكثره الناظر، روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - واختاره صاحبُ الهداية وتحفةُ الفقهاء ص48، وفي منحة السلوك 1: 123، والبدائع 1: 77: هو الصحيح، وفي التبيين 1: 27، والينابيع ص13: وعليه الاعتماد. وصحَّحه صاحبُ الكافي، وفي معراج الدراية: هو المُختار، كما في نفع المفتي ص132.
(و) قوع (خُرء حمام، و) خُرء (عصفور)؛ لعدم النَّجاسة، فلو وقعَ ثلاث بعرات يُنزح؛ لأنّه كثير.
ولا فرق بين الصَّحيح والمنكسر والرَّطب واليابس، والخثي والروث؛ لشمول الضَّرورة، وهو الصَّحيح (¬1)، وكذا لا فرق بين آبار الفلوات والأمصار (¬2).
(وبول ما يؤكل) من الحيوانات (نجسٌ) عندهما؛ وقال محمّدٌ - رضي الله عنه -: طاهرٌ لقصّة العُرنيين (¬3).
(لا) يكون الخارجُ من بدن الإنسان نجساً (ما لم يكن حدثاً): كالقيء القليل، والدَّم إذا لم يسل.
¬
(¬1) وهذا ما مشت عليه عامة الكتب كالمراقي والهداية1: 24، والبدائع1: 76، ودرر الحكام1: 25، وغيرها.
(¬2) وصحَّحه صاحبُ التبيين 1: 27، ومعراج الدراية كما في نفع المفتي ص132، ومشى عليه في تحفة الملوك ص48، وفي الكفاية 1: 87: عن الإمام التمرتاشي الأصح التسوية.
(¬3) وهو: (أنَّ أناساً من عرينة قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فاجتووها، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذود رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث في إثرهم، فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرّة حتى ماتوا) في صحيح البخاري 6: 2495، و صحيح مسلم 3: 1296، يدلّ على طهارته، فخفَّف حكمه؛ للتعارض، كما في التبيين1: 75.
(ولا يشرب) بول ما يؤكل لحمه (أصلاً)، يعني في حالة من الأحوال عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: يجوز للتَّداوي، وقال محمّد - رضي الله عنه -: يجوز مطلقاً.
(و) يُنزحُ (عشرون دلواً) قال الشَّارحُ - رضي الله عنه -: هذا معطوفٌ على «البئر»، ثمّ قال: وفيه إشكالٌ، وهو أنّه يصير معناه ينزح البئر وعشرون دلواً وأربعون وكلُّه، فيُفسد المعنى، وليس هذا بمرادٍ، وإنّما المرادُ أن يُنْزحَ البئرُ إذا وَقَعَ فيها نجسٌ.
ثمّ ذلك النَّجسُ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
منه: ما يُوجب عشرين.
ومنه: ما يُوجب أربعين.
ومنه: ما يوجب الجميع، فليس نزحُ البئر مغاير لهذه الثَّلاثة.
وإنّما هو تفسير وتقسيم لذلك النَّزح المبهم.
قلتُ: هذا كلُّه تعسفٌ، وإنّما فيه حذفٌ، والتَّقديرُ: وينزح من البئر عشرون دلواً عند وقوع نحو فأرة، وهذه الجملةُ معطوفة على الجملة الأولى، وبَيَّنَ في الجملة الأولى أنّ الحكمَ نزح كلّ الماء، وفي الجمل المعطوفة نزح البعض بحسب الواقع.
وقوله: (وسطاً) (¬1) صفةٌ للدَّلو، وهي الدَّلو المستعملة في الآبار للبلدان، ويُقال: الكبيرُ ما زاد على الصَّاع، والصَّغير ما دون الصَّاع، والوَسطُ الصَّاع، وقيل: عشرةُ أرطال.
وإنّما يجب نزح العشرين (بموت نحو فأرة) وما يُقاربها في الجثّة: كالصَّعْوَة (¬2) والسّودانية (¬3) وسام أبرص (¬4)، بشرط أن لا تكون مجروحةً، فإن في المجروحة يُنزح جميعُ الماء، والفأرتان كفأرةٍ، وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - إلى أربع كفأرة، والخمسُ كالدَّجاجة إلى تسع، والعشرُ كالشَّاة (¬5).
¬
(¬1) اعتبار الدَّلو الوسط، وما جاوزه احتسب به، هذا اختيار المصنف وصاحب
الوقاية ص102، والكنز ص5، والملتقى ص5، والتنوير1: 145، ومنحة السلوك 1: 124، وغيرهم.
والقول الثاني: اعتبار دلو البئر، وهو اختيار صاحب تحفة الملوك ص48، والبحر 1: 124، والهداية1: 22، والاختيار1: 27، وغيرهم.
والقول الثالث: اختيار في كل بئر دلوها، وإن لم يكن لها دلو ينزح به، يعتبر الدلو الوسط: كصاحب المضمرات، وتبعه اللكنوي في عمدة الرعاية 1: 92. واختار صاحب الدر المختار1: 145 إن لم يكن لها دلو فما يسع صاعاً.
(¬2) صَعْوَة: صغار العصافير، وهو أحمر الرأس، كما في المغرب ص267.
(¬3) السُّودَانِيَّةُ: طُوَيْرَةٌ طَوِيلَةُ الذَّنَبِ على قَدْرِ قَبْضَةِ الْكَفِّ، وقد تُسَمَّى العُصْفُورَ الأَسْوَدَ، وهي تَأْكُلُ العِنَبَ والجَرَادَ، كما في المغرب ص238.
(¬4) هو الوزغ الكبير، كما في الجوهرة 1: 17.
(¬5) وقال محمد - رضي الله عنه -: الثلاثُ إلى الخمس كالهرة، والستُّ كالكلب، وهو ظاهرُ الرواية، ومشى على هذا في الدر المختار 1: 235، قال صاحب البحر 1: 210: «ولم يوجد التصحيح في كثير من الكتب، لكن في المبسوط أنَّ ظاهر الرواية أنَّ الثلاث كالهرة فيفيد أنَّ الست كالكلب، وبه يترجَّح قول محمد - رضي الله عنه -».
(و) يُنزحُ (أربعون) دلواً وسطاً (¬1) (بنحو: حمامةٍ) وهرةٍ ودجاجةٍ ونحوها.
(و) يُنزح (كلُّه): أي كلُّ ماء البئر (بنحو: شاةٍ) وآدمي وكلبٍ ونحوها؛ لأنّ ابنَ عبّاس (¬2) وابنَ الزُّبير (¬3) - رضي الله عنهم -: «أفتيا بذلك حين مات الزّنجي في بئر زمزم» (¬4)، ولم يُنكر عليهما أحدٌ من الصَّحابة - رضي الله عنهم -، فكان إجماعاً، رواه الطَّحاويّ - رضي الله عنه -.
(و) كذا يُنزحُ كلُّه لأجل (انتفاخ حيوان) واقعٌ فيها، (أو) لأجل (تفسُّخه) صَغُر الحيوانُ أو كَبُر؛ لانتشار البلّة في أجزاءِ الماء، (و) يُنزح من البئر (مئتان) من الدِّلاء في الصُّورة التي يجب نزح الكلّ (لو لم يُمكن
¬
(¬1) فعن إبراهيم النخعي - رضي الله عنه - في فأرة وقعت في بئر، قال: «ينزح منها قدر أربعين دلواً» في شرح معاني الآثار 1: 17، وعنه في البئر يقع فيه الجرذ أو السنور فيموت، قال: «يدلو منها أربعين دلواً» في معرفة السنن 2: 100، وشرح معاني الآثار 1: 17.
(¬2) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إنَّ زنجياً وقع في زمزم فمات، فأنزل إليه رجلاً فأخرجه، ثم قال: انزفوا ما فيها من ماء» في مصنف ابن أبي شيبة 1: 150.
(¬3) فعن عطاء - رضي الله عنه -: «إنَّ حبشياً وقع في زمزم فمات، فأمر ابن الزبير - رضي الله عنه - أن ينزف ماء زمزم، فجعل الماء لا ينقطع، فنظروا فإذا عين تنبع من قبل الحجر الأسود، فقال ابن الزبير: حسبكم» في شرح معاني الآثار 1: 17، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 150، وغيرها، وقال ابن دقيق في الإمام: إسناده صحيح كما في إعلاء السنن 1: 264.
(¬4) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إنَّ زنجياً وقع في زمزم فمات، فأنزل إليه رجلاً فأخرجه، ثم قال: انزفوا ما فيها من ماء» في مصنف ابن أبي شيبة 1: 150.
نزحُها)؛ لكونها معيناً، وهذه فتوى محمّدٍ - رضي الله عنه - (¬1)، وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: ينزح حتى يغلبَهم الماء (¬2)، والغلبةُ قيل: هي العجز، وقيل: غلبة الظنّ.
(ونجسها): أي نجس البئر (مذّ ثلاث) ليال، وإنّما قدرنا: بليال دون الأيام؛ لأنّه ذَكَرَ الثَّلاث بدون التاء، ولا فرق بينهما في الحقيقة؛ لأنّه إذا تمت إحداهما ثلاث تمّت الأُخرى.
وقوله: (فأرةٌ)؛ بالرَّفع فاعلُ نجس، ووصفها بقوله: (منتفخةً)؛ لأنّها إذ لم تنتفخ لها حكمٌ آخر كما يأتي الآن، وهو أعمُّ من أن تقع في البئر حيّةً وتموت ثمّ تنتفخ أو تقع ميتةً منتفخة، والحال أنّه قد (جُهِل): أي لم يُدْرَ وقت (وقوعها) فيها.
قيد بذلك؛ لأنّه إذا عُلِم وقتَ وقوعها تنجّس البئرُ من وقتِ الوقوع بالاتفاق، (وإلا): أي وإن لم تكن منتفخةً نجَّسها مذ يوم وليلة، وهذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
¬
(¬1) اختار قولَ محمّد - رضي الله عنه - صاحبُ الكنز، والاختيار1:27، وفي الملتقى ص5: وبه يفتى. قال الحلبي: لا ينبغي أن يفتي بالمئتين مطلقاً، بل ينظر إلى غالب آبار البلد، لكن في النهر: أنَّ التقدير بالمئتين مخرج على الغالب، فليكن هو المعتبر لانضباطه تطميناً وقطعاً للوسوسة، كما اعتبروا في ذلك العشرة في العشر، كما في حاشية الطحطاوي 67.
(¬2) أي أن يقدَّرَ ما فيها بشهادة رجلين لهما خبرةٌ بأمر الماء، وصحَّحَ هذا في الدرر 1: 25، والتبيين 1: 30، ومنحة السلوك 1: 125، واختاره في الهداية 1: 22، وأقرَّه صاحب الكفاية 1: 93، واختاره صاحب التنوير 1: 143، وهدية الصعلوك ص32، وفي الدر المختار1: 143: وبه يفتى، وهو الأحوط، ورجَّحه ابن عابدين في حاشيته 1: 143.
وقالا: يُحكم بنجاستِها من وقتِ العلم بها مطلقاً، ولا يلزمهم إعادةُ شيءٍ من الصَّلوات، ولا غُسل ما أصابه ماؤها، وهو القياس.
وله ـ وهو الاستحسان ـ: أنّ وقوعَ الحيوان الدَّموي في الماءِ سببٌ لموته لا سيما في البئر، فيُحال به على السَّبب الظَّاهر دون الموهوم احتياطاً كالمجروح إذا لم يَزلْ صاحب فراش حتى مات يُحال به على الجرح حتى يجب موجبه.
وأمَّا التَّقديرُ بالثَّلاثِ في المنتفخ؛ فلأنّه لا ينتفخ غالباً إلاّ بعد ثلاثة أيّام، وبيوم وليلةٍ في غيره؛ فلأنّ ما دونها ساعاتٌ لا تُضبط.
(والعَرَق): أي عَرَقُ كلّ حيوانٍ في الحكم (كالسُّؤر): أي كسؤر ذلك الحيوان، فإن كان طاهراً فعرقُه طاهرٌ، وإن كان نجساً فنجسٌ، وإن كان مكروهاً فمكروهٌ، وكان القياسُ على هذا أن يكون عرقُ الحمار مشكوكاً فيه: كسؤره، ولكن خُصَّ هذا بالنَّصّ، وهو «ركوبه - صلى الله عليه وسلم - الحمار مُعْرَورياً»، (¬1) والحَرُّ حَرُّ الحجاز، والثِّقلُ ثقلُ النُّبوَّة.
¬
(¬1) فعن أبي رافع - رضي الله عنه -: «أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - غدا إلى بني قريظة على حمار عري يقال له: يعفور» في المعجم الأوسط9: 56، ومسند الروياني1: 461، وقال ابن قطلوبغا في التعريف1: 33: رجاله ثقات.
(وسؤر الآدمي): وهي بقيةُ الماء التي يبقيها، وسواء كان طاهراً أو جُنُباً أو محدثاً أو حائضاً (¬1) أو نفساءً أو صغيراً أو كبيراً أو مسلماً أو كافراً أو ذكراً أو أُنثى إلا حالة شربه الخمر، فإن بَلَعَ ريقه ثلاث مرَّات طَهُر فم.
وكان ينبغي أن يتنجَّسَ سؤر الجُنُب لسقوط الفرض به، ولكن قيل: لم يرفع الحدث للضَرورة، وقيل: يرفع ولكن لا يصير مستعملاً للحرج (¬2).
وإنّما قال: (والفرس) وإن كان داخلاً في قوله: (و) سؤر (ما يؤكل) لحمه لأجل الاختلاف في أكل لحمه، ولكن سؤره طاهر (¬3)؛ لأنّ لعابَه متولِّدٌ من لحمه، وهو طاهر، وحرمتُه على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لكونه آلة للجهاد لا لنجاسته، ألا ترى أن لبنَه حلالٌ بالإجماع.
وقوله: (طاهر) خبرُ المبتدأ: أعني قوله: «وسؤر الآدمي».
(والكلبُ) بالرفع على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه: أي وسؤر الكلب (و) سؤر (الخنزير) وسؤر (سباع البَهائم): كالأسد والنَّمر والذِّئب ونحوها نجسٌ خلافاً؛ لمالك - رضي الله عنه - في الكلب والخنزير، وللشَّافعي - رضي الله عنه - في سباع البَهائم.
¬
(¬1) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كنت أَشرب، وأَنا حائضٌ، فأناوله النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيضع فاه على موضع فِيّ» في صحيح مسلم 1: 245، وصحيح ابن خزيمة 1: 58، وصحيح ابن حبان 4: 108.
(¬2) هكذاالعبارة في التبيين1: 31.
(¬3) فسؤر الفرس طاهر في ظاهر الرواية؛ لأنَّ السؤر لمعنى البلوى أخف حكماً من اللحم، والكراهة التي في اللحم تنعدم في السؤر ليظهر به خفة الحكم، وهو قول محمد وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنَّه مكروه، كما في المبسوط 1: 50، وصحح في البدائع 1: 65 والهداية 1: 117: ظاهر الرواية.
ولا يجوز جَرُّه عطفاً على ما قبله من المجرور على أصل سيبويه؛ لأنه يلزم العطف على عاملين، وهو ممتنع (¬1) خلافاً للفرّاء، ولو قيل: أنّه مجرورٌ بعد حذف المضاف وترك المضاف إليه على حاله كان جائزاً، ولكنه قليل.
(و) سؤر (الهرة، و) سؤر (الدَّجاجة المخلاة): أي المسيبة، وكذلك الإبل والبقر الجلالة، (و) سؤر (سباع الطّير): كالعقاب والصَّقر والشَّاهين ونحوها، (و) سؤر (سواكن البيوت): كالحيّة والعقرب والفأرة ونحوها (مكروه).
والكلام فيه كالكلام فيما قبله.
أمّا الهرّةُ فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «السّنورُ سَبْعٌ» (¬2) أخرجه الحاكم، والمراد بيان الحكم، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: سؤرها طاهر لا كراهة فيه لحديث: «الإصغاء» (¬3)، وبه قالت الثلاثة.
¬
(¬1) علق عليها الشلبي في حاشيته1: 31.: إذا جُرّ الكلب يكون معطوفاً على المجرور المتقدم، وهو المضاف إليه، ثم إذا رُفع نجسٌ يكون معطوفاً على الخبر، والعامل فيه الابتداء.
(¬2) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن السنور سبع» في مسند أحمد 2: 328، والمستدرك 1: 292، وسنن الدارقطني 1: 63، وغيرها.
(¬3) فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمرّ به الهرّ فيصغي لها الإناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها)، في سنن الدارقطني 1: 66، ومسند أبي يعلى 8: 361، وشرح معاني الآثار 1: 19، قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1: 285: «حديث: (إصغاء الإناء للهرة) أخرجه الطبراني في الأوسط والدارقطني من حديث عائشة رضي الله عنها؛ وروى أصحاب السنن ذلك من فعل أبي قتادة - رضي الله عنه -».
ولهما: أنّ الحديثَ يقتضي تنجسّه، ولكنّه سقط؛ لعلّة الطَّواف، فالقول بالكراهة جمع بين الدَّليلين، هذا إذا كان واجداً للماء، وعند عدمه لا يُكره؛ لأنّه طاهرٌ لا يجوز المصيرُ إلى التَّيمُّم مع وجوده.
وأمّا الدَّجاجةُ المخلاّة؛ فلأنّها لا تتحامى من النَّجاسة.
وأمّا سباع الطَّير، فالقياسُ أن يكون سؤرها نجساً؛ لأنّ لحمَها حرامٌ، ولكنّها لَمَّا كانت تشرب بمنقارها، وهو عظمٌ جافٌ لم يؤثر في تنجسِها، فبقي على الكراهة.
وأمّا سواكن البيوت؛ فللضَّرورة، وإلا فالقياسُ يقتضي التَّنجيس.
(و) سؤر (الحمار، و) سؤر (البغل مشكوك) فيه، فقيل: في طهارته، وقيل: في طهوريته، وقيل: فيهما جميعاً؛ وذلك لتعارض النُّصوص في حقّ الحمار (¬1)، وأما البغل فهو من نسله.
¬
(¬1) لتعارض الأدلة فيه، ومنها: عن أنس - رضي الله عنه -: (إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر منادياً فنادى: إنَّ الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنَّها رجس، فأكفئت القدور، وإنَّها لتفور باللحم) في صحيح مسلم 3: 1539، وهذا يدل على حرمة اللحم فيتنجس السؤر أيضاً؛ لأنَّ نجاسته وطهارته معتبرة بطهارة اللعاب ونجاسته، ونجاسته وطهارته معتبرة باللحم. وعن غالب بن الأبجر - رضي الله عنه -، قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: إنَّه لم يبق من مالي إلا الأحمرة، فقال: (أطعم أهلك من سمين مالك، إنَّما كرهت لكم جوالة القرية) في سنن أبي داود 3: 256، والمعجم الكبير 18: 266، وهذا يدل على إباحة لحمه المستلزمة لطهارة لعابه، المستلزمة لطهارة سؤره، وعن جابر - رضي الله عنه -: (إنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - سئل أنتوضأ بماء أفضلته الحمر، فقال: نعم) في سنن النسائي الكبرى 1: 249، وسنن الدارقطني 1: 92، ومسند الشافعي ص8، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «لا توضؤوا من سؤر الحمر، ولا الكلب، ولا السنور» في شرح معاني الآثار 1: 20.
ومعنى الشَّكّ التَّوقّف فيه فلا يتنجَّس الطَّاهر، ولا يتطهر النَّجس، هذا إذا كانت أمُّه أتاناً فظاهر؛ لأنّ الأُمَّ هي المعتبرة في الحكم، وإن كان فرساً فينبغي أن يؤكل عندهما، وطاهراً عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
وفي «الغاية»: إذا نزا الحمار على الرَّمَكة (¬1) لا يُكره لحم البغل المتولّد منهما عند محمّد - رضي الله عنه -، فعلى هذا لا يصير سؤره مشكوكاً.
وإذا كانت أمّه بقرةً ينبغي أن يؤكل بالاتفاق، فإذا كان كذلك (يَتوضأ به): أي بالمشكوك، (ويتيمّم إن فُقِد) أي عُدم (ماء) مطلقاً؛ ليرتفع الحدث بيقين.
(وأيّاً) أي الاثنين من الوضوء به والتَّيمُّم (قَدَّم صَحّ)؛ لأنّ المقصودَ حصول الطَّهارة باليقين، وقال زُفر - رضي الله عنه -: لا بُدَّ من تقدُّم الوضوء.
بخلاف نبيذ التَّمر حيث لا يجمع بينه وبين التَّيمّم، بل يتوضّأ به عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لحديث ليلة الجنّ (¬2)، وهو مذهبُ عليّ وابن عبّاس وجماعة من التَّابعين - رضي الله عنهم -.
¬
(¬1) الرمكة: الفرس والبرذونة التي تتخذ للنسل، معرب، والجمع رمك، وأرماك جمع الجمع، كما في لسان العرب 10: 434.
(¬2) فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: قال - صلى الله عليه وسلم - له ليلة الجن: (أمعك ماء؟ قال: لا. قال: أمعك نبيذ أحسبه. قال: نعم، فتوضأ به) في سنن الدارقطني 1: 77، ومسند أحمد 1: 455، وحسنه في إعلاء السنن 1: 283، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (سألني النبي - صلى الله عليه وسلم - ما في إداوتك؟ فقلت: نبيذ. فقال: تمرة طيبة وماء طهور. قال: فتوضأ منه) في سنن الترمذي 1: 147، وسنن البيهقي الكبير 1: 9، وسنن الدارقطني 1: 77، وسنن أبي داود 1: 21، وسنن ابن ماجة 1: 135، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 32، وشرح معاني الآثار 1: 95، ومسند الشاشي 2: 248، ومسند أحمد 1: 402، ومسند أبي يعلى 9: 203، المعجم الكبير 1: 147، وغيرها، وحسنه في إعلاء السنن 1: 284.
وعند أبي يوسف - رضي الله عنه -، وهو روايةٌ عنه: أنّه يتيمّم، ولا يتوضأ به؛ لأنّه ليس بماءٍ مطلق؛ ولهذا نفى عنه ابنُ مسعود - رضي الله عنه - اسم الماء.
وقال محمّد - رضي الله عنه -: وهو روايةٌ عنه أنّه يجمع بينهما احتياطاً، والفتوى على قول أبي يوسف - رضي الله عنه -، وروى نوحٌ (¬1) - رضي الله عنه - رجوع أبي حنيفة - رضي الله عنه - إلى قوله.
ويُشترط النيّة عند التَّوضؤ به كالتَّيمّم، واختلفوا في جواز الغُسل به:
قال في «المبسوط»: يجوز على الأصحّ.
وقال في «المفيد»: (¬2) الأصحّ أنه لا يجوز.
واختلفوا في النبيذ الذي يجوز التَّوضّؤ به:
قال في «المفيد والمزيد»: الماء الذي ألقي فيه تمرات، فصار حلواً ولم يَزُلْ عنه اسم الماء، وهو رقيقٌ يجوز الوضوء بلا خلاف بين أصحابنا.
¬
(¬1) وهو نوح بن يزيد أبي مريم بن جَعْوَنَة، أبو عصمة، أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ولقب بالجامع؛ لأنه أوّل من جمع فقه أبي حنيفة، وقيل: لأنه كان جامعاً بين العلوم، (ت173هـ). ينظر: الجواهر2: 7 - 8، وطبقات ابن الحنائي ص21.
(¬2) «المفيد والمزيد شرح التجريد» لعبد الغفور بن لقمان الكردري الحنفي، تاج الدين، أبي المفاخر، قال القرشي: «إمام الحنفية، وكان على غاية من الزهد، ومن مؤلفاته: «الانتصار لأبي حنيفة في أخباره وأقواله»، و «حيرة الفقهاء في المسائل التي تحير في حلها العلماء»، و «شرح الجامع الكبير»، (ت562هـ). ينظر: الجواهر المضية2: 443 - 444، والكشف1: 345.
وإن طبخ أدنى طبخة يجوز الوضوء به حلواً كان أو مرّاً، أو مسكراً، قال: وهو الأصحّ؛ لأنّ المتنازع فيه المطبوخ الذي زال عنه اسم الماء (¬1).
وقال صاحبُ «الهداية»: «وإن غيَّرته النّار ما دام حلواً، فهو على هذا الاختلاف، فعند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: يجوز التَّوضوءُ به؛ لأنّه يجوز شربُه عنده»، (¬2) وهذا يُناقض ما ذكره هو بنفسه في «باب الماء الذي يجوز به الوضوء»؛ لأنه قال هناك: «وإن تغيّر بالطَّبخ بعدما خُلِط به غيرُه لا يجوز التَّوضؤ به؛ لأنَّه لم يبق في معنى المنزل من السَّماء إذا النَّار غيّرته» (¬3).
هذا (باب)
في بيان أحكام (التَّيمُّم)
¬
(¬1) ذكر الزيعلي في التبيين1: 36 هذه المسألة، ثم علقّ عليها: وفيه بعد.
(¬2) انتهى من الهداية1: 27 بتصرف.
(¬3) انتهى من الهداية1: 21.
وعلق صاحب التبيين1: 36 بعد أن ذكر هذا: «وذكر صاحب «المبسوط» أن المسكر منه لا يجوز الوضوء به؛ لأنه حرام وإن كان مطبوخاً، فالصحيح أنه لا يتوضأ به؛ إذ النَّار قد غيرته حلواً كان أو مشتداً كمطبوخ الباقلاء، وهو اختيارُ أبي طاهر الدَّباس، قال في «المحيط»: وهو الأصح، وهو أوفق الروايات؛ لأنّه بالطَّبخ كمل امتزاجه وكمال الامتزاج يمنع إطلاق اسم الماء عليه».
لكن ما ذكره صاحب «الهداية» أدق؛ لأنه مبنى المسألة على الاستحسان؛ لذلك جاز من النبيذ مطلقاً ما دام طاهراً.
ثَلَّثَ به تأسياً بكتاب الله - جل جلاله -، أو لأنّه قَدَّمَ الوضوء؛ لأنّه الأعمّ، ثمّ الغُسل؛ لأنّه الأقلّ، ثمّ بالخلف؛ لأنّه أبداً يلي الأصل، وهو لغةً: القَصد، قال الشَاعر:
فما أدري إذا يمَّمت أرضاً ... أريدُ الخيرَ أيّهما يَلِيني (¬1)
وشرعاً: قصد الصَّعيد الطَّاهر واستعمالُه بصفةٍ مخصوصةٍ لإقامةِ القُربة.
(يتيمَّمُ) المكلّف (لبُعده): أي لأجل بُعد نفسه (ميلاً): أي مقدار ميل، وهو ثلثُ الفَرسخ، أربعة آلاف خطوة، وهي ذراع ونصف بذراع العامة (¬2)، وهو أربع وعشرون إصبعاً بعدد حروف «لا إله إلا الله محمّد رسول الله»، وسواء كان ذلك في المصر أو خارجها.
وقيل: في المسافر إذا كان الماء أمامه يقدر بميلين.
¬
(¬1) هذا البيت للمثقب العبدي، كما في الشعر والشعراء1: 384.
(¬2) اختلفوا في مقدار الميل:
1. ... فمنهم من ذهب إلى أنه ثلث الفرسخ، وهو أربع آلاف خطوة، وهي ذراع ونصف بذراع العامة، كصاحب «المراقي» (ص151)، و «فتح باب العناية» (1: 164)، وابن ملك في «شرح الوقاية» (ق12/ب). و «البحر» (1: 146)، و «العناية» (1: 108).
2. ... ومنهم من ذهب إلى أربع آلاف ذراع كصاحب «التبيين» (1: 37)، و «البناية» (1: 482)، و «الهدية العلائية» (ص34)، و «الدر المختار» (1: 155).
3. ... ومنهم من ذهب إلى أنه ثلاث آلاف ذراع وخمسمئة إلى أربعة آلاف، وهو ابن شجاع.
4. ... ومنهم من ضبط الميل بسير القدم نصف ساعة. ينظر: «حاشية الطحطاوي على المراقي» (ص114).
وعن محمّد - رضي الله عنه -: أنه يُقدَّرُ بميلين مطلقاً، وما ذكره المصنِّفُ هو أقرب الأقوال (¬1).
وقوله: (عن ماء) يتعلَّق بالبعد.
وقوله: (أو) في المواضع كلِّها للتَّنويع والتَقسيم: أي أو يتيمّم أيضاً.
(المرض) (¬2): أي لأجل مرض سواء خاف ازدياده، أو طوله باستعمال الماء، أو بالتَّحرُّك، أو لم يقدر على استعماله بنفسه ولم يوجد مَن يوضئه، فإن
¬
(¬1) وهو ظاهرُ الرُّواية، وفي روايةِ الحَسَنِ - رضي الله عنه -: الميلُ إنَّما يكونُ معتبراً إذا كان في طرفٍ غيرِ قُدَّامه، حتى يصيرَ ميلَيْن ذهاباً ومجيئاً، وأمَّا إذا كان في قُدِّامِه، فيعتبرُ أن يكونَ ميلَيْن. بأن يكون الماء من الخلف أو اليمين أو اليسار حتى لو ذهب إليه المتوضئ يصير ميلاً ذهاباً وميلاً إياباً. ينظر: «السعاية» (493).
وفي «البدائع» (1: 46) قالها الحسن من تلقاء نفسه. وفيها: وبعضهم فصل بين المقيم والمسافر، فقالوا إن كان مقيماً يعتبر قدر ميل كيفما كان، وإن كان مسافراً والماء على يمينه أو يساره فكذلك، وإن كان أمامه يعتبر ميلين.
وروي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه إن كان بحيث لو ذهب إليه لا تنقطع عنه جلبة العير ويحس أصواتهم أو أصوات الدواب، فهو قريب، وإن كان يغيب عنه ذلك، فهو بعيد.
وقال بعضهم: إن كان بحيث يسمع أصوات أهل الماء، فهو قريب، وإن كان لا يسمع، فهو بعيد.
وقال بعضهم قدر فرسخ.
وقال بعضهم: مقدار ما لا يسمع الأذان.
وقال بعضهم: إذا خرج من المصر مقدار ما لا يسمع أو نودي من أقصى المصر، فهو بعيد، وأقرب الأقاويل اعتبار الميل؛ لأن الجواز لدفع الحرج.
(¬2) فعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال رجاء إني سمعت أنَّ الله يقول چ ? چ چچ چ النساء: 29، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) في المستدرك 1: 285، والسنن الصغرى 1: 185، وسنن البيهقي الكبير 1: 225، وسنن الدارقطني 1: 178، وسنن أبي داود 1: 92، ومسند أحمد 4: 203.
وَجَدَ ففي ظاهر المذهب لا يتيمّم، وعن (¬1) أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه يتيمم خلافاً لهما.
وعند الشَّافعيّ - رضي الله عنه -: لا يجوز إلا إذا خاف على نفسه أو عضوه، وبه قال أحمد - رضي الله عنه -.
(أو) لأجل (بَرْدٍ) سواء كان مقيماً أو مسافراً، كان مُحدثاً أو جُنباً عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقالا: لا يجوز للمقيم، والصَّحيحُ أنّه لا يجوز للمقيم المحدث (¬2).
(أو) لأجل (خوف عدو) (¬3) حائلٌ بينه وبين الماء، (أو) لأجل خوف (سَبُع) حائل بينهما، وكذلك الحيّة والنّار.
(أو) لأجل خوف (عطش) على نفسه أو رفيقه أو دابته (¬4)، وقيل: أو على كلبه أيضاً.
¬
(¬1) في بعض النسخ: عند.
(¬2) وعبارة التبيين1: 17: «وقوله أو برد يشير إلى أنه يجوز للمحدث أيضا حيث لم يشترط أن يكون جنباً، وهو قول بعض المشايخ، والصَّحيح أنه لا يجوز له التيمم».
(¬3) ولو من فاسق أو حبس غريم ـ أي كان صاحب الدين عند الماء وخاف المديون من الحبس ـ أو ماله ولو أمانة. ينظر: «رد المحتار» (1: 156 - 157).
(¬4) لأنَّه مشغول بحاجته، والمشغول بالحاجة كالمعدوم، وكذا إذا كان معه ثمنه، وهو محتاجٌ إليه للزاد يتيمم معه، وعطش رفيقه كعطشه، وكذا عطش دوابه وكلبه، كما في التبيين1: 38.
(أو) لأجل (فَقَدَ آلة) السَّقي والأخذ؛ لأنّه كالعدم (¬1).
(مستوعباً) حال من الضَّمير الذي في «تيمَّم» من الأحوال المقدَّرة، ويجوز أن يكون صفةً لمصدر محذوف: أي يتيمّم تيمُّماً مستوعباً.
(وجهَه ويديه)، وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنّ الاستيعابَ ليس بشرطٍ (¬2)، والفتوى على الأَوَّل حتى يحرِّكَ الرَّجلُ خاتمَه، والمرأةُ سوارها، أو ينزعانهما.
وأشار بقوله: (مع مِرْفَقيه) إلى أنّهما يدخلان في المسح، وبه قال الشَّافعيُّ - رضي الله عنه -، وقال مالكٌ وأحمدُ - رضي الله عنهم -: يمسحُ يديه إلى الرُّسغين، وقال زُفر - رضي الله عنه -: لا يدخل المِرْفقان، كما في الوضوء.
¬
(¬1) لأنَّه إذا لم يجد دلواً يستقي به فوجود البئر وعدمها سواء، كما في التبيين1: 38.
(¬2) هذه رواية الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - حيث قال: الأكثر يقوم مقام الكلّ؛ لأنَّ في الممسوحات الاستيعاب ليس بشرط كما في مسح الخف والرأس، وجه الظَّاهر: أنَّ التَّيمُّمَ قائمٌ مقام الوضوء؛ ولهذا قالوا: يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح، والاستيعاب في الوضوء شرط، فكذا فيما قام مقامه، كما في الهداية والعناية1: 126.
وقال الفقيه أبو جعفر - رضي الله عنه -: ظاهرُ الرواية ما رواه الحَسَن - رضي الله عنه -: أنَّ المتروك لو كان أقلّ من الربع أنَّه يجوز، وعلى هذه الرواية لا يجب تخليل الأصابع ولا ينزع الخاتم والسوار، قال شمس الأئمة الحلواني - رضي الله عنه -: وينبغي أن تحفظ هذه الرواية حداً لكثرة البلوى فيه، كما في المحيط1: 56.
والباء في (بضربتَيْن) (¬1) يتعلّق بقوله: «يتيمّم»، ويجوز أن يتعلَّق بـ «مستوعباً»، وعن مالك - رضي الله عنه -: يكتفي بضربةٍ واحدةٍ، وبه قال أحمد - رضي الله عنه - في رواية وداود - رضي الله عنه -.
ولو كان المتيمّمُ (جُنباً أو حائضاً) أو نُفساء، فإنّه يكفي ضَربتان؛ لحديث عمار - رضي الله عنه - (¬2)، والباء في قوله: (بطاهر) في محلّ الجرّ صفة لضربتين: أي بضربتين ملتصقتين بطاهر.
ولَمّا كان الطَّاهرُ في نفسِه عامّاً يتناول كلّ طاهر بيَّنه بمِن البيانية بقوله: (من جنس الأرض): كالتُّراب، والحجر، والكُحل، والزِّرنيخ، والنُّورة، والجِّص، والمَغَرة، والكبريت، والياقوت، والزَّبرجد، والبَلْخَش، والفَيْروزج، والمَرجان، والملح الجبلي لا المائي (¬3)، والخَزف من الطَّين
¬
(¬1) فعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين) في المستدرك 1: 287، وصححه، وسنن الدارقطني 1: 180، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 146، وغيرها.
(¬2) حديث عمار - رضي الله عنه - رواه عبد الرحمن بن أبزى - رضي الله عنه - قال: «جاء رجل إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأنت لم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه» في صحيح البخاري 1: 129، وغيره.
(¬3) ولو تيمم بالملح الجبلي يجوز في رواية لأنه من جنس الأرض ولا يجوز في أخرى لأنه يذوب، ولو كان مائيا لا يجوز رواية واحدة كما لا يجوز بالماء المتجمد. ينظر: التبيين1: 39.
الخالص (¬1)، والذَّهب والفضّة والحديد والنُّحاس ما دامت على الأرض، وبعد السَّبك لا يجوز.
وقال الشَّافعيُّ - رضي الله عنه -: لا يجوز إلا بالتُّراب الخالص.
وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: به، وبالرَّمل خاصّة.
وقال مالكٌ - رضي الله عنه -: يجوز بكلِّ متصل بالأرض حتى الثَّلج والنَّبات.
(وإن) واصلة بما قبله: أي وإن (لم يكن عليه): أي على الطَّاهر من جنس الأرض (نَقْعٌ): أي غبار، وهو بفتح النُّون وسكون القاف وفي آخره عينٌ مهملةٌ، وهذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقال محمّد - رضي الله عنه -: لا يجوز إن لم يكن عليه نَقْعٌ.
والباء في (وبه) تتعلَّق بمحذوفٍ: أي ويجوز التَّيمُّم أيضاً بالنَّقْع، فإن نفض ثوباً أو حصيراً طاهراً، ثمّ تَيمَّم بغباره جاز ذلك (بلا عجز) أيضاً.
وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: لا يجوز إلاّ عند العجز عن التراب.
وانتصاب (ناوياً) على الحال من الضَّمير الذي في يتيمّم، فينوي عبادةً مقصودةً كصلاة الظُّهر مثلاً، أو سجدة التِّلاوة، حتى لو تيمّم لدخول
¬
(¬1) وقال في المحيط: إذا كان الخزف من طين خالص يجوز، وإن كان من طين خالطه شيء آخر ليس من جنس الأرض لا يجوز: كالزجاج المتخذ من الرَّمل وشيء آخر ليس من جنس الأرض. ينظر: التبيين1: 39.
المسجد، والأذان، أو الإقامة لا يؤدّي به الصّلاة، وفي التَّيمُّم لقراءة القرآن روايتان، قيل: الصَّحيح أنّه لا يجوز (¬1).
وقال زُفر - رضي الله عنه -: لا يُشترط النيّة كما في الوضوء.
ثمّ فرَّع إلى هذا بالفاء بقوله: (فلغا) يعني إذا كانت النّيّة فرضاً، فحينئذٍ لغا (تيمُّم كافر) (¬2)؛ لعدم القربة، حتى إذا أسلم لا يُصلِّي به، خلافاً لزُفر (¬3) - رضي الله عنه -، (لا) يلغو (وضوؤه) إذا توضّأ في كفره، فإنّ المأمورَ به فيه هو
¬
(¬1) اعلم أنّ العبادات على نوعين: مقصودة، وغير مقصودة، والمراد بالمقصودة في هذا البحث هي أن تكون مشروعة ابتداءً تقرباً إلى الله من غير أن يكون تبعاً لغيرها وبعبارة أخرى هي ما لا يجب في ضمن شيء آخر بالتَّبعية، وغير المقصودة بخلافه، فمن الأول الإسلام، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر، والصلوات الخمس، وصلاة الجنازة، وغيرها، ومن الثاني: دخول المسجد، ومس المصحف، ورد السلام، وقراءة الأذكار ونحوها، ثم المقصودة منها ما لا يصح أو يحلّ بدون الطهارة كالصلوات وسجدة التلاوة، ومنها ما يصح بدونها كالإسلام. ينظر: «عمدة الرعاية» (1: 99).
(¬2) أي يريد به الإسلام، ثم أسلم، لم يكن متيمماً عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: هو متيمم؛ لأنه نوى قربة مقصودة، أما القربة؛ فلأن الإسلام أعظم القرب، وأما أنها مقصودة؛ فلأنّ المرادَ به هاهنا ما لا يكون في ضمن شيءٍ آخر كالمشروط، وإذا كان كذلك صَحّ تيممُه كالمسلم تيمَّمَ للصَّلاة. ينظر: «العناية» (1: 115).
(¬3) في شرح الوقاية ذكر أن الاختلاف فيها مع أبي يوسف لا زفر، قال في التبيين1: 40: وقال زفر: «يجوز تيممه أيضاً، وهذا بناءً على أنّ النِّية فرضٌ عندهم، ولا نية للكافر فيلغو تيممه، وعند زفر: ليس بفرض فتعتبر ... وعن أبي يوسف: إذا نوى به الإسلام صح ويصلي به إذا أسلم؛ لأن الإسلام رأس العبادات، وهو من أهله، فصحّ تيممُّه له، بخلاف ما إذا نوى الصَّلاة حيث لا يجوز تيممه؛ لأنّه ليس من أهلها».
غَسل الأعضاء، وقد وُجِد، حتى لو أسلم يجوز له أن يُصلِّي بذلك الوضوء، خلافاً للشَّافعيِّ - رضي الله عنه -.
وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: إذا تيمَّم لنيّةِ الإسلام، ثمّ أسلم صَحَّ ويُصلِّي به.
(ولا ينقضُه): أي التَّيمُّم (ردّةٌ) خلافاً لزُفر (¬1) - رضي الله عنه - على قول مَن يَرَى بوجوبِ النيّة، كما تكلَّم أبو حنيفة - رضي الله عنه - في المزارعة على قول مَن يَراها.
(بل) ينقضُه (نواقض الوضوء)؛ لأنّه خلفٌ عنه، فيأخذ حكمه.
(و) ينقضُه أيضاً: (قدرةُ ماءٍ) بشرطين:
الأَوّل: أن لا يكون محتاجاً إليه في شرب نفسِهِ أو رفيقِهِ أو دابّتِهِ أو كلبِهِ أو لعجينه، أشار إليه بقوله: (فَضُلَ عن حاجتِه)، والجملةُ صفةٌ للماء.
والثَّاني: وهو الذي أهمله المصنّف - رضي الله عنه - أن يكون كافياً للوضوء.
(فهي): أي القدرةُ على الماء (تمنعُ التَّيمُّم) ابتداءً، (وترفعُه): أي التَّيمُّم انتهاءً، يعني بعدما تيمَّم، ولا فرق فيه في الصَّلاةِ أو خارجَها.
وقال الشَّافعيُّ - رضي الله عنه -: لا ينتقضُ تيمُّمُه إذا وَجَدَه، وهو في الصَّلاة.
¬
(¬1) وبيانه: قال زفر - رضي الله عنه - تنقضه؛ لأنّ الكفرَ يُنافيه، فيستوي فيه الابتداءُ والبقاءُ كالمحرمية في النكاح، وهذا القول من زفر - رضي الله عنه - يقتضي أنّ النيّة واجبةٌ في التَّيمم عنده، ويجوز أنّه تكلَّم فيه على قول مَن يرى فيه وجوب النِّية كما تكلَّم أبو حنيفة في المزارعة على قولهما، وإن كان هو لا يرى جوازها، ولنا: أنّ الباقي صفةٌ كونه طاهراً، فاعتراض الكفر عليه لا يُنافيه كالوضوء، وحاصلُه أن البقاء أسهل من الابتداء، ودوام النّية فيه ليس بشرطٍ، بخلاف التَّيمُّم من الكافر؛ لأنّه ليس بأهل لإنشاءِ النِّية والعبادة. ينظر: التبيين1: 40.