رفعُ المِرْية في قصِّ اللحيةِ ...
.... وحلقِها عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
رفعُ المِرْية في قصِّ اللحيةِ ...
.... وحلقِها عند الحنفية
الطبعة الأولى
1441 هـ ـ 2020 م
رفع المِرية
في قص اللحية وحلقها عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المهتدين، وعلى آله وصحبه ومَن تبعه بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإنَّ موضوع حلق اللحية وتقصيرها من أكثر الموضوعات جدلاً في الأوساط العلمية والاجتماعية، بسبب انتشار الثقافة الغربية بين المسلمين، وشيوع أمر الحلق للحية، حتى ابتلي به عامة المسلمين، إلا مَن كان التدين ظاهراً في سلوكه، فإنَّه يحرص على التحلَّي باللحية متابعة منه لهدي المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا المتدين أيضاً مبتلى بتقصير اللحية فلا يطيل اللحية على الهيئة المسنونة وهي القبضة الواردة في الأحاديث إلا النزر اليسير جداً.
وتسبب هذا في ظهور عشرات الكتب في موضوع اللحية خاصة، وهذه الكتب والأبحاث عموماً تنقل الإجماع من المذاهب الأربعة على وجوب اللحية، فيحرم حلقها أو تقصيرها، وتُكثِر من ذكر الأحاديث
الواردة في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعفاء اللحية، وتبيّن أنَّ الحلق والتقصير من التشبه بغير المسلمين تارة، وتشبه بالنساء تارة أُخرى، وأنَّه خارم للمروءة أيضاً.
وأثار هذا التَّشدُّد فتناً كثيرة بين المسلمين عموماً، حتى منعوا المقصِّر أو الحالق من الإمامة في الصلاة في بعض البلاد، وتنابذ المسلمون في المساجد بالتشهير والطعن بسبب هذه المسألة لا سيما في أوربا وأمريكا والهند وباكستان.
وهذا أمر في غاية العجب أن يصرف المسلمون جلّ اهتمامهم في المسائل الخلافية، وأن يصبح اهتمام المسلمين بالقشور والمظاهر، ويتركوا اللبّ والباطن، وتصبح مسائل العادات: كاللحية واللباس وتغطية الرأس والسُّبحة هي قضايا المسلمين الرئيسية، ويتركون قضاياهم الكلية في انتشار الفحشاء والفسق وضياع البلاد وانحراف الفكر والمنهج والتربية عمّا كانت عليه في هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وإنَّ حصر الإسلام بهذه الأمور الجزئية والخلافية كان سبباً في حرف الأمّة عن طريقها، وإشغالٌ للمسلمين عن وظيفتهم الرئيسية في حمل هدي الإسلام للبشرية جمعاء، فهل يعقل أنَّ هدي الإسلام محصور بهذه الشكليات والعادات.
فها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - يُبعث بين أظهر العرب وهم يَلتحون ويغطّون رؤوسهم ويلبسون الثوب، وأقرَّهم على ما هم عليه؛ لأنَّها من عادات الناس، فلو كانت هداية الإسلام بهذه الأمور لما احتاج العرب لهداية الإسلام؛ لأنَّهم كانوا يمارسونها قبل مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولو كان للإسلام هيئة خاصّة للباس لوجدناها مبيَّنة في أحاديث النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفي كتب الفقهاء، ولكنَّ الإسلام دخل عامّة البلاد من فجر الإسلام، ومع ذلك تُرك كلُّ قوم على ما هم عليه من الهيئة المعتادة من اللباس والتَّغطية للرأس وغيرها؛ لأنَّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يرسل لنشر ثقافة العرب في اللباس والهيئة، وإنَّما يستحب لكافة المسلمين الاقتداء بأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - الجبلية.
فعلم أنَّ هذه الهيئات كمقداراللحية مرجعها لعادات النَّاس، وإنَّما رغَّب المسلم بالتهذيب في مثل هذه الأمور، وأن تكون حسنة، وأن لا يتشبّه بغير المسلمين؛ ليظهر أثر الدِّين على سلوكه ويشعر بحلاوة الإيمان في تميِّزه كمسلم.
وادراج اللحية في العادات يعطيها أحكام العادات على حسب قيام الدليل لها من حيث الاستحباب أو السنية أو غيرها؛ لأن العادات تتفاوت في حكمها بحسب الأصل الذي بنيت عليه، كما سيظهر في المباحث التالية.
وهذا يظهر أهمية هذا البحث في مناقشته لمثل هذه المسألة الشائكة التي تهمّ عامّة المسلمين من جهةِ الحِلِّ والحرمة والهيئة التي يكون عليها، وتدعو إلى ترك المسلمين لمثل هذه الجزئيات الخلافية؛ لأنَّ مرجعها لعادة الناس وأعرافهم، بحيث تتوجَّه طاقاتهم إلى همّ الإسلام والمسلمين، وتظهر لنا فلسفة الفقه في التَّعامل مع المسائل بطريقة منطقيّة عقليّة شرعيّة منضبطة.
وتكمن مشكلة البحث في الإجابة عن سؤال رئيس، وهو هل حلق اللحية أو تقصيرها أقل من قبضة محرم عند الحنفية؟ ويتفرع عليه أسئلة فرعية:
هل أصول الاستنباط للحنفية تدلّ وجوب اللحية أم سنيتها واستحبابها؟
هل يُعَدُّ حلق اللِّحية أو تقصيرها من التَّشبُّه بغير المسلمين؟
هل حلق اللحية أو تقصيرها من خوارم المروءة؟
هل حلق اللحية من التشبه بالنساء؟
هل يعتبر حلق اللحية أو تقصيرها مما تعم به البلوى؟
الدراسات السابقة:
كثرت الكتب والأبحاب في مسألة اللحية، إلا أنَّه لم توجد أي دراسة متخصصة في حكم اللحية عند الحنفية بتحرير أقوالهم وتحقيقها وبيان العلل التي بنيت عليها، وإنَّما يذكر في ضمن الدراسات حرمة حلقها وتقصيرها عند الحنفية، ومن هذه الدراسات:
1.قطع المرية في بيان مذهب الشافعيّة في حلق وتقصير اللحية: للدكتور أمجد رشيد، أثبت فيها أنَّ إعفاء اللحية سنة مؤكدة عند الشافعية، فمَن حلقها أو قصَّرها من غير عذرٍ لم يأثم ولكنَّه ارتكب مكروهاً.
2.إفادة ذوي الأفهام أنَّ حلق اللحية مكروه وليس بحرام: لعبد العزيز الغماري، أثبت فيها أنَّ الأمر الوارد في الإعفاء على سبيل الاستحباب لا غير، والصواب القول بكراهة حلقها لا حرمته.
3.الحجة الدامغة على بطلان دعوى مَن زعم أنَّ حالق اللحية ملعون وصلاته باطلة: لعبد الحي الغماري، أثبت فيها أنَّ إعفاء اللحية سنة لا غير.
4.وجوب إعفاء اللحية وتحريم حلقها وتقصيرها: لعبد الرحمن العاصمي الحنبلي (ت 1392 هـ)، وعنوانه يبين مضمونه.
5.أدلة تحريم حلق اللحية: لمحمد المقدم، وعنوانه يوضح مضمونه (¬1).
6.الرد على من أجاز تهذيب اللحية: لحمود التويجري، وموضوعها ظاهرٌ من عنوانها (¬2).
7.الحلية في إعفاء اللحية: لعبد اللطيف البلوشي، وسعى في إثبات أنَّ حلق اللحية محرمة عند أئمة المسلمين المجتهدين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد (¬3).
8.حكم الشرع في اللحية والأزياء والتقاليد والعادات وإبطال زعم أنَّها محض أشكال مدنية ومن الشؤون الشخصية يحكمها العرف والعادة: لعثمان الصافي، ومن اسمه يظهر مضمونه.
9.اللِّحية في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة: لمحمد حسونة، نقل اتفاق المذاهب الأربعة على تحريم الحلق (¬4).
¬
(¬1) ينظر: أدلة تحريم حلق اللحية، ط 4، 1985 م.
(¬2) ينظر: الرد على من أجاز تهذيب اللحية، مكتبة المعارف، الرياض، 1985 م.
(¬3) ينظر: الحلية في إعفاء اللحية ص 26، المكتبة الشاملة.
(¬4) ينظر: اللحية في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة ص 36، دار الكتاب والسنة، القاهرة، ط 1، 2007 م.
10.الجامع في أحكام اللحية: لعلي الرازخي، وذَكر اتفاق المذاهب الفقهية على حرمة حلق اللحية (¬1).
11.إشعار الحريص على عدم جواز التقصيص من اللحية لمخالفته التنصيص: لعبد الكريم الحميد، سعى لإثبات حرمة القص للحية (¬2).
12.وجوب إعفاء اللحية: لمحمد زكريا الكاندهلوي، ذكر اتفاق المذاهب على توفير اللحية وحرمة حلقها (¬3).
13.آراء العلماء في حلق وتقصير اللحية: لمحيي الدِّين عبد الحميد، نقل فيه عن المذاهب الفقهية حرمة حلق اللحية (¬4).
14.حكم اللحية في الإسلام: لمحمد الحامد، ذكر فيه اتفاق المذاهب الأربعة على وجوبها وحرمة حلقها (¬5).
وسعياً لتحقيق المقصود قسمت البحث إلى تمهيد وخمسة مباحث:
تمهيد: في سبب كتابة البحث على المذهب الحنفي.
¬
(¬1) الجامع في أحكام اللحية ص 70 - 73، دار الآثار، اليمن، ط 1، 2005 م.
(¬2) إشعار الحريص، الرياض، ط 1، 1420 هـ.
(¬3) وجوب إعفاء اللحية ص 20، ت: ابن باز.
(¬4) آراء العلماء ص 87 - 92، مؤسسة الكتب الوقفية، بيروت، ط 1، 2002 م.
(¬5) ينظر: حكم اللحية في الإسلام ص 9، مكتبة المنار، الزرقاء، الأردن، ط 3، 1403، ضمن رسائل الشيخ محمد الحامد.
المبحث الأول: من جهة أصول الاستنباط، وفيه سبع مطالب:
المطلب الأول: اللحية من سنن الزوائد.
والمطلب الثاني: قرينة محلّ الأمر.
والمطلب الثَّالث: عدم الوعيد في الأمر باللِّحية.
والمطلب الرابع: تخصيص العموم الوارد في اللِّحية.
والمطلب الخامس: عمل الرواي مخالف لمرويه في اللِّحية.
والمطلب السادس: مخالفة بعض الصحابة لحديث اللِّحية.
والمطلب السابع: الفطرة هي السنة.
المبحث الثاني: من جهة مخالفة غير المسلمين، وفيه أربع مطالب:
المطلب الأول: أنواع التَّشبُّه.
والمطلب الثاني: ضوابط التَّشبُّه.
والمطلب الثالث: حالات التَّشبُّه وحكمها.
والمطلب الرابع: التَّشبُّه في اللحية.
والمبحث الثَّالث: من جهة مخالفة المروءة، وفيه أربع مطالب:
المطلب الأول: تعريفة المروءة لغةً واصطلاحاً.
والمطلب الثاني: مكانة المروءة.
والمطلب الثالث: أثر المروءة في المذهب الحنفي.
والمطلب الرابع: علاقة اللِّحية بالمروءة.
المبحث الرابع: التشبه بالنساء في حلق اللِّحية، وفيه أربع مطالب:
المطلب الأول: المقصود بالتَّشبه بالنِّساء.
والمطلب الثاني: المنع من التَّشبه بالنِّساء في السُّنة.
والمطلب الثالث: حكم التَّشبُّه بالنِّساء عند الحنفية.
والمطلب الرابع: علاقة التشبه بالنساء بحلق اللِّحية.
المبحث الخامس: من جهة عموم البلوى، وفيه ثلاث مطالب:
المطلب الأول: المقصود بعموم البلوى.
والمطلب الثاني: حكم اللحية عند الشافعية والمالكية.
والمطلب الثالث: حلق اللحية وقصُّها في كتب الحنفية.
وخاتمة في أبرز النتائج.
* * *
تمهيد: في سبب كتابة البحث على المذهب الحنفي:
اقتصرت في بحثي على بيان حكم الحلق والتقصير للحية في المذهب الحنفي للأسباب الآتية:
1.تخصصي بدراسة المذهب الحنفي في المراحل المختلفة.
2.إنّ من أسباب المشكلة في الكتب المؤلّفة في الموضوع هو نقل عامّة الباحثين عن المذاهب حرمة حلق أو قص اللحية بسبب عدم تخصّصهم في أحد هذه المذاهب أو عدم رجوعهم إلى متخصصيين فيها، مما تسبب في عدم الدقّة العلمية في تحرير كلّ مذهب، ومعرفة المفتى به من غيره، وإنَّما نقل بعض العبارات العامة التي توافق زعم الباحث؛ لذلك عندما نقلت عن الشافعية والمالكية رأيهم في المسألة رجعت إلى علمائهم المتخصصيين في مذهبهم وسألتهم ودونت رأيهم مع عبارات المذهب الدالة على ذلك، تحرياً في الوصول إلى الصواب في كل مذهب؛ لذلك أتمنى على الباحثين دائماً الرجوع إلى علماء المذاهب عند النقل عنها.
3.تصويب الخطأ الذي وقع فيه الباحثون في كتبهم في نقل حرمة ذلك الحلق والقصّ عن الحنفية.
4.تصحيح الخطأ في فهم بعض العبارات الواردة في كتب الحنفية في المسألة بحيث فهمت على ظاهرها بدون النظر لعلتها، رغم وجود عبارات أخرى على عكسها تشهد بسنية اللحية واستحبابها، ومثل هذا الخطأ في فهم بعض العبارات يحصل كثيراً في الكتب، كما نَبَّه على ذلك ابنُ عابدين في «شرح عقو رسم المفتي» و «نشر العرف» و «تنبيه الولاة والحكام».
5.الخروج من هذا التَّشدُّد الشَّائع في بلاد الهند وباكستان وبنغلادش وجنوب إفريقيا والمساجد التي يشرف عليها أهل هذه البلاد في أوروبا وأمريكا، بسبب شيوع حكم وجوب اللحية وحرمة الحلق والقصّ لأقلّ من قبضة، اغتراراً بظاهر الأحاديث وبعض العبارات الموهمة لذلك، رغم وجود عبارات فقهية في عامة الكتب المعتمدة، صريحة بالتكلم عن القبضة المسنونة وليس الواجبة.
6.ردّ الوجوه التي بنى عليها فضيلة الشيخ المبارك محمد زكريا الكاندهلوي رسالته في «وجوب إعفاء اللحية»، حيث كان لهذه الرسالة الأثر الكبير في شيوع مثل هذا التشديد عند بعض الحنفية، وهذا مصداق المثل الشائع: زلة العالِم زلة العالَم (¬1)، قال السَّرَخْسيُّ (¬2): «فزلة العالِم سبب لفتنة الناس كما قيل: إن زل العالِم زل بزلته العالَم».
¬
(¬1) ينظر: مرقاة المفاتيح 1: 334.
(¬2) في المبسوط 16: 62.
7.الدَّعوة للتَّمسُّك بمدرسةِ الفقهاء عند الحنفية في بناء الأحكام على عللها وأصولها؛ لأنَّ هذه العلل والأصول جامعة لعدد كبير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة، فهي أحقّ بالتقديم من مدرسة محدثي الفقهاء عند الحنفية التي تعمد للترجيح أحياناً بظاهر حديث آحاد؛ لأنَّ لمدرسة الفقهاء منهج متكامل في التعامل مع الأحاديث من حيث التصحيح والتضعيف والقَبول والردّ ـ عرجت على ذكر بعضه في مناقشة أحاديث اللحية ـ، قال الجصاص (¬1): «لا أعلم أحداً من الفقهاء اعتمد طريق المحدثين ولا اعتبر أصولهم».
وإنَّ من أسباب هذا التَّشدُّد في موضوع اللحية هو الاجتهاد المطلق ممن ليس من أهل الاجتهاد، فلو صرفنا جهدنا لتحرير المذاهب ومسائلها والاجتهاد بطريق التَّخريج فيها، كما هو منهج مدرسة الفقهاء؛ لكان أولى وأنفع للمجتمع.
* * *
¬
(¬1) في شرح مختصر الطحاوي 4: 244.
المبحث الأول
من جهة أصول الاستنباط
وردت روايات الأحاديث في الأمر بإطلاق اللحى بخمسة ألفاظ، وستأتي أثناء البحث، قال ابنُ عبد البر (¬1): «فحصل خمس روايات: أعفوا وأوفوا وأرخوا وأرجوا ووفروا، ومعناها كلُّها: تركها على حالها».
وستكون مناقشتنا لها من جهة قواعد الأصول عند الحنفية هل تفيد وجوب اللحية أم السنية، فنطرح قضية سنن الزوائد وسنن الهدى، ومحلّ الأمر، والوعيد في الأمر، وتخصيص العام، ومخالفة الراوي لمرويه، ومخالفة الصحابة للأمر، ومعنى الفطرة، في المطالب الآتية:
¬
(¬1) في الاستذكار 3: 151.
المطلب الأول: اللحية من سنن الزوائد:
قسم أصوليو الحنفية السنن إلى قسمين: سنن هدى، وسنن زوائد.
قال صدر الشريعة (¬1): «سنّةُ الهدى: وتركُها يوجب إساءة وكراهية: كالجماعة والأذان والإقامة ونحوها. وسنّةُ الزّوائد: وتركها لا يوجب ذلك: كسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - في طعامه وشرابه ولباسه وقيامه وقعوده».
حيث جَعل سنن الهدى ما تعلّق بإقامة شعائر الدِّين كالجماعة والأذان، ويندرج تحتها ما كان طريقاً لتحقيق إكمال الواجبات أو الفروض؛ لأنَّ السُّنَّة لإكمال الواجب في العبادات المقصودة كالصَّلاة والحجّ، والواجب لإكمال الفرض فيها، وتكون لإكمال الفرض في العبادات غير المقصودة كالوضوء لعدم وجود واجب فيه، كما في تثليث الغَسل لأعضاء الوضوء (¬2).
وجَعل سنن الزَّوائد ما تعلّق بأفعال النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الجبليّة من أكل وشرب ولباس، ويندرج تحتها بعض الأفعال والأقوال في العبادات المقصودة مما لم يبلغ رتبة الفرضية والوجوب والسُّنَّة المؤكَّدة، قال ابنُ نُجيم (¬3): «كأنَّهم أرادوا بسنن الزَّوائد السُّنن التي ليست بمؤكدةٍ، فتارةً
¬
(¬1) ينظر: التوضيح 2: 248 - 251، وانظر: فواتح الرحموت 1: 57، وغيره.
(¬2) ينظر: الطحطاوي على المراقي 1: 71، والهدية 13، ومجمع الأنهر 1: 161.
(¬3) في فتح الغفار ص 66.
يُطلقون عليها اسم السُّنَّة، وتارةً المستحبّ، وتارةً المندوب، وقد فَرَّق الفقهاء بين الثَّلاثة فقالوا: ما واظب النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على فعله مع ترك ما بلا عذر سُنَّة، وما لم يواظب مُستحبُّ إن استوى فعلُه وتركُه - صلى الله عليه وسلم -، ومندوبٌ إن ترجَّح تركُه على فعله - صلى الله عليه وسلم - بأن فعله مَرَّةً أو مَرَّتين، والأصوليون لم يفرقوا بين المستحبّ والمندوب».
ونبّه ابنُ عابدين على أنَّ سننَ الزَّوائد وإن كانت من العادات لكن اشتمالها على الإخلاص يدرجها في العبادات، وكذلك مواظبة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - على بعض الزَّوائد من العبادات يجعلها من عادته - صلى الله عليه وسلم -، فقال (¬1): «لا فرق بين النَّفل وسنن الزَّوائد من حيث الحكم؛ لأنَّه لا يُكره ترك كلّ منهما، وإنَّما الفرق كون الأول من العبادات والثاني من العادات، لكن أُورد عليه أنَّ الفرق بين العبادة والعادة هو النيَّة المتضمنة للإخلاص، كما في «الكافي» وغيره، وجميع أفعاله - صلى الله عليه وسلم - مشتملة عليها كما بين في محلّه.
وقد مثَّلوا لسُنّة الزَّوائد أيضاً: «بتطويله - صلى الله عليه وسلم - القراءة والركوع والسجود»، ولا شَكَّ في كون ذلك عبادة، وحينئذٍ فمعنى كون سُنَّة الزَّوائد عادة: أنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - واظب عليها حتى صارت عادة له ولم يتركها إلا أحيانا؛ لأنَّ السُّنة هي الطَّريقة المسلوكة في الدِّين، فهي في نفسها عبادة، وسُميت عادةً لما ذكرنا، ولما لم تكن من مكمِّلات الدِّين وشعائره
¬
(¬1) في رد المحتار1: 103.
سُميت سنة الزَّوائد، بخلاف سُنَّة الهدى، وهي السُّنن المؤكَّدة القريبة من الواجب التي يُضلَّل تاركها؛ لأنَّ تركَها استخفافٌ بالدِّين ... ».
ومن الأفعال الجبليّة: الأكل باليمين، فهو مستحبٌّ (¬1)، قال ابنُ نجيم (¬2): «لا بأس بأن يستعين بيساره؛ لأنَّ مواظبته - صلى الله عليه وسلم - لا تفيد السُّنية إلا إذا كانت على سبيل العبادة, وأما إذا كانت على سبيل العادة فتفيد الاستحباب والنَّدب لا السُّنية: كلبس الثوب والأكل باليمين، ومواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على التيامن كانت من قبيل الثاني فلا تفيد السُّنية»، وهذا الاستحباب رغم وجود الأمر النَّبويّ قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإنَّ الشَّيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (¬3).
وما روي: «أنَّ رجلاً أكل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشماله، فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه» (¬4)، فدعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه بأن لا يتمكن أبداً من استخدام
¬
(¬1) قال العراقي: الأكل مما يليه والأكل باليمين حمله أكثر أصحابنا على الندب، وبه صرَّح الغزالي والنووي، ونص الشافعي في الأم على وجوبه، ورجح الحافظ في الفتح 9: 522 الوجوب؛ لما في أحاديث مسلم من الوعيد على الأكل بالشمال. ينظر: عمدة القاري 9: 654، وتكملة فتح الملهم 4: 4، وغيرهما.
(¬2) البحر الرائق 1: 29، وغيره.
(¬3) في صحيح مسلم 3: 1598، وصحيح ابن حبان 12: 30، وغيرهما.
(¬4) في صحيح مسلم 3: 1599، وغيره.
اليمين، فلعلَّه لما عَلِم بالوحي أو غيره بأنَّه كذب في هذا الاعتذار، ولم يحمله على ذلك إلا الكبر، وجزم القاضي عياض بأنَّه كان منافقاً (¬1).
وليس الحال في اللحية بأقوى من الأكل باليمين.
ومثال آخر في تأكيد هذه الفكرة ورسوخها في المذهب: ذكر أصحاب المتون التيامن (¬2) في غسل الأعضاء من مستحبات الوضوء لا من سننه، مع مواظبة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا توضَّأتم فابدؤوا بميامنكم) (¬3).
فأجاب صدر الشريعة: «السُنَّةُ ما واظبَ عليه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مع التَّركِ أحياناً، فإن كانت المواظبةُ المذكورةُ على سبيلِ العبادةِ فسننُ الهدى، وإن كانت على سبيلِ العادةِ فسننُ الزَّوائد، كلبسِ الثّياب، والأكل باليمين، وتقديمِ الرِّجلِ اليُمْنى في الدُّخول، ونحو ذلك، وكلامُنا في الأَوَّل، ومواظبةُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على التَّيامنِ كانت من قبيلِ الثَّاني».
ويشهد إلى أنَّ التيامن كان عادة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ما روي عن عائشة رضي الله قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب التَّيمُّن في تنعُّله، وترجُّله، وطُهوره،
¬
(¬1) ينظر: تكملة فتح الملهم 4: 6، وغيره.
(¬2) ينظر: الوقاية 2: 24، والنقاية 1: 57، والملتقى 1: 16، وغيرها.
(¬3) في صحيح ابن حبان 3: 370، وقال الشيخ شعيب: حديث صحيح، وسنن ابن ماجه 1: 141.
وفي شأنه كله) (¬1).
فمع وجود الأمر بالتَّيامن، وكذلك فعله في داخل الوضوء، إلا أنَّ رتبتَه نزلت عن بقيت أفعال الوضوء من السُّنيَّة إلى الاستحباب؛ لكونه يندرج تحت العادات لا العبادات.
وإن تأَمَّلنا الأمر في اللحية فلن نجد أنَّ رتبته أعلى من ذلك، فلن تكون عبادة، بل هي من العادات فحسب، وبالتالي تلحق بسنن الزَّوائد لا الهدى، وسُنن الزَّوائد هي التي يُعبَّر عنها بالاستحباب عادة، قال اللكنوي (¬2): «السنةُ الزائدة، وهي التي واظبَ عليها على سبيلِ العادة، وهي تساوي الاستحبابَ في أنَّه يثابُ عليها ولا يلامُ تاركها، والمواظبةُ على التَّيامنِ من القسمِ الثَّاني، فلا يكون سنَّة مؤكَّدة، بل مُستحبّاً».
فعلى هذه المناقشة تكون اللِّحية في نفسها وإطالتها من المستحبّات، وهذا لا يخالف قولهم: «القدر المسنون مقدار القبضة»؛ لأنَّ الفقهاء يتساهلون في إطلاق كل من السُّنة على المستحب والمستحب على السُّنة، كما في سنن الوضوء ومستحباته، وهذا الحكم من خلال هذه العلَّة، ويمكن باقتران علل أُخرى معها ـ كما سيأتي ـ تصل إلى رتبة السنّة المؤكدة، والله أعلم.
¬
(¬1) في صحيح البخاري ر168، وصحيح مسلم ر268.
(¬2) في عمدة الرعاية1: 309.
المطلب الثاني: قرينة محلّ الأمر:
إنَّ عامة الدِّراسات السابقة عندما طرحت قاعدة: الأمر يفيد الوجوب، طبقتها على إطلاقها بدون النظر إلى أي قرائن في الباب تكون صارفة له عن الوجوب.
فمن القرائن المهمَّة هي قضية محلّ الأمر، فهذه مسألة هامّة جداً يغفل عنها عندما ينظر للأمر بأنَّه يفيد الوجوب كما هو مشهور، ولا ينتبه هل محلّ الأمر يحتمل الوجوب أم لا؟ لأنَّ الشريعة نزلت للتيسير ورفع الحرج: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، فهذه قواعد تنبني عليها الأحكام الشرعية عموماً، كما في قاعدة: «المشقة تجلب التيسير».
ومن أمثلة ذلك:
أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجماعة في المسجد في أحاديث عديدة منها: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، إنَّه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلمّا ولى، دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب» (¬1).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 452.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنَّه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» (¬1).
فرغم الأمر بالصَّلاة في المسجد وكلِّ هذا الوعيد الشَّديد نجد أنَّ المعتمد في المذهب الحنفيّ أنَّ صلاة الجماعة سنةّ، واختاره عامة المتون المعتبرة في المذهب (¬2)، والسَّببُ في ذلك: أنَّ المحلّ لا يحتمل الوجوب؛ لما فيه من التكليف الشَّديد على المسلمين بوجوب صلاة المكتوبات في المساجد.
ولو كانت واجبة لم يبقَ فرقاً عملياً بين الصلاة المكتوبة وبين صلاة
الجمعة التي يلزم أداؤها في المسجد، قال تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]، ولم يكن حاجة لتخصيص صلاة الجمعة، ولزم أن يكون إذا نودي للصلاة مطلقاً.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 231.
(¬2) وهو ما ذهب إليه صاحب الوقاية2: 130، واختاره القدوري في مختصره ص10، وصاحب الهداية1: 55، والإيضاح ق16/ب، والمختار1: 78، والكنز ص13، والملتقى 1: 15، والدرر 1: 84، والتنوير 1: 371، وصححه الشرنبلالي في حاشيته على الدرر 1: 84، والقول بالوجوب مجرد قول في المذهب رجَّحه صاحب البحر1: 365، واختاره صاحب التحفة1: 227 وقال: وقد سماها بعض أصحابنا سنة مؤكدة وكلاهما واحدة.
فأين الأمر باللِّحية من الأمر بالصلاة، التي هي من الأمور المقصودة في الدِّين، وهي مع ذلك سُنّة، فهي من سنن الهدى، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصَّلاة إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمنا سنن الهدى، وإنَّ من سُنن الهدى الصَّلاة في المسجد الذي يؤذن فيه» (¬1)، في حين أنَّ اللِّحية من سُنن الزَّوائد.
ومن أمثلة مراعاة محل الأمر، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة:282]، فهذا الأمر القرآني يفيد الاستحباب والإرشاد لا الوجوب (¬2)؛ لأنَّ الكتابة في المعاوضات مطلقاً تكليف شديد.
وكذلك الإشهاد على سائر العقود ما عدا النكاح فهو على الاستحباب، رغم وجود الأمر، قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ} [البقرة:282]، وقال - عز وجل - في باب الرَّجعة {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق:2].
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 453.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع2: 252.
قال الكاساني (¬1): «ولا خلاف في أنَّ الإشهاد في سائر العقود ليس بشرط، ولكنَّه مندوب إليه ومستحب».
ومحلُّ الأمر يندرج تحت القرائن التي تكون صارفة للأمر عن إفادة الوجوب، والمقصود هاهنا: التنبيه على أنَّه ليس كل أمر مطلقاً محمول على الوجوب، بل لا بُدَّ من الالتفات للقرائن حوله لا سيما المحلّ، هل يحتمل الوجوب أو لا؟ وسيظهر معنا فيما يأتي أنَّ محلّ الأمر في البحثـ وهو اللحية ـ لا يحتمل الوجوب؛ لعدم كونها مقصوداً أَصليّاً في الدِّين، والله أعلم.
وعلى هذا الأصل لا يمتنع أن تكون اللِّحية سنة مؤكدة.
* * *
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع2: 252.
المطلب الثَّالث: عدم الوعيد في الأمر باللحية:
من التعريفات المشهورة للواجب: وهو ما كان الفعل أولى من الترك مع منع الترك الثابت بدليل ظني، أمّا السنة: وهو ما كان الفعل أولى من الترك بلا منع الترك، وهذا إذا كان الفعل طريقة مسلوكة في الدِّين، وإلا فنفل ومندوب (¬1).
فهذا التعريف يميز الواجب عن السنة بوجود المنع من الترك، وذلك بالوعيد في العقاب بالنَّار إن ترك، أمّا السُّنّة فهي تشمل على جانب التَّرغيب بالفعل بلا وعيد بالعقاب بالنار.
وما ورد في اللحية عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من بابالندب والترغيب فيها؛ لأنَّها الصِّفة الأكمل للرَّجل، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: (أمر - صلى الله عليه وسلم - بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللِّحية) (¬2).
ولم يُرتّب النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - على ترك اللِّحية عقاباً من نار، فكانت اللحيةُ على التَّعريف السابق أقرب للسُّنة المؤكدة لا للوجوب؛ لاشتمال الأحاديث على التَّرغيب والأَوليّة لا العقاب.
* * *
¬
(¬1) ينظر: التوضيح 2: 248 - 251، وانظر: فواتح الرحموت 1: 57، وغيره.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 222.
المطلب الرابع: تخصيص العموم الوارد في اللِّحية:
معلومٌأنَّ العامَّ عند الحنفيّة قطعيٌّ في تناول أفراده قبل التَّخصيص، أمّا بعد التَّخصيص فيكون ظنيّاً (¬1)، فالأمرُ الثَّابت من: أعفوا وأوفوا وأرخوا وأرجوا ووفروا، يثبت في مدلول اللِّحى على سبيل القطع، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «أنهكوا الشَّوارب وأَعفوا اللِّحى» (¬2).
وورد في قول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وفعله ما يدلّ على التَّخصيص بأن يؤخذ من عرض اللحية وطولها، فعن أبي قحافة - رضي الله عنه - أنَّه أتى به النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ولحيته قد انتشرت فقال: «لو أخذتم وأشار بيده إلى نواحي لحيته» (¬3).
وعن عمر بن هارون عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم -: «أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: خلاصة الأفكار ص 20.
(¬2) في صحيح البخاري 7: 160، وصحيح مسلم 1: 222، ولفظه: (أحفوا الشوارب ... ).
(¬3) في الآثار لأبي يوسف ص 234، ومسند أبي حنيفة رواية الحصكفي (ر 7).
(¬4) في سنن الترمذي 5: 94، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وسمعت محمد بن إسماعيل، يقول: «عمر بن هارون مقارب الحديث لا أعرف له حديثاً ليس له أصل - أو قال - ينفرد به، إلا هذا الحديث: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر: وسمعت قتيبة، يقول: عمر بن هارون كان صاحب حديث».
وهذا التخصيص يُخرج النصّ عن قطعيته إلى الظَّنّ، فتقل رتبة الحكم المأخوذ إلى درجة أقل، فلو كان في قطعيته يفيد الوجوب ففي ظنيته يفيد السُّنية مثلاً.
وسيأتي نصوص عن الصَّحابة - رضي الله عنهم - في إخراج النَّصّ عن عمومه بأخذهم من لحاهم.
وطالما أنَّ أصل الأخذ ثابت بطريقة مستفيضة، صار التَّقدير بهيئةٍ منه دون هيئة مسألةٌ تدور بين السُّنية والاستحباب من جهةٍ، ومتفاوتةٌ من عرفٍ إلى عرفٍ على حسب عادات النَّاس من جهة أخرى، والله أعلم.
* * *
المطلب الخامس: عمل الرَّواي مخالف لمرويه في اللحية:
إنَّ عمل الرَّاوي بخلاف المرويّ يسقط اعتباره عند الحنفية، بأن يعمل الرّاوي بعدما روى حديثاً بخلاف ما رواه؛ لأنَّ الرَّاوي إذا عمل بخلاف ما روى، فالعبرة عند الحنفية بما رأى لا بما روى؛ لأنَّ الرَّاوي العدل المؤتمن إذا رَوَى حديثاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعَمِل بخلافه دلَّ ذلك على شيءٍ ثبت عنده من نسخٍ أو مُعارضةٍ أو تخصيصٍٍ أو لكونِهِ غيرِ ثابت أو غير ذلك من الأسباب (¬1)، وإن خالف لقلّة المبالاة به أو لغفلتِه فقد سقطت عدالته، وهذا بعيدٌ عن حالِ الصحابيّ.
فمثلاً في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا شرب الكلب من إناء أحدكم فليغسله سبعاً) (¬2)، فأفاد لزوم غسل الإناء من شرب الكلب سبع مرات، لكنَّ رواي الحديث خالف مرويه، فقد غسل أبو هريرة - رضي الله عنه -: (ثلاث مرّات) (¬3)، فثبت بذلك نسخ السَّبع؛ لأنا نحسن الظَّن به، فلا نتوهم عليه أن يترك ما سمعه إلاّ على مثله.
¬
(¬1) ينظر: عقد الجمان ص 399.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 234، وصحيح البخاري 1: 75، وغيرهما.
(¬3) في شرح معاني الآثار 1: 22، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - موقوفاً: «إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرّات» في سنن الدارقطني 1: 66، وصحّحه العيني في عمدة القاري 3: 40: «وقال الشيخ تقي الدِّين في الإمام: هذا إسناد صحيح».ويؤيده أيضاً ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في الكلب يلغ في الإناء أنه يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً» في سنن الدارقطني 1: 65.
وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن بدَّل دينه فاقتلوه) (¬1)، فإنَّه مُختصٌّ بالرِّجال؛ لأنَّ راويه ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم - قد أَفتى بخلافه، فقال: (لا يقتلن النّساء إذا هنّ ارتددن عن الإسلام ولكن يحبسن ويدعين إلى الإسلام فيجبرن عليه) (¬2)، والرَّاوي إذا أَفْتَى بخلاف الرِّواية يدلّ على الاختصاص ابتداء أو على انتساخه (¬3).
وقضية اللِّحية لا تختلف عن ولوغ الكلب وردّة المرأة، فأبرز رواة حديث اللِّحية اشتهر عنه أخذه ما زاد على القبضة، فعن ابن عمر عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى وأحفوا الشوارب»، وكان ابن عمر - رضي الله عنهم - إذا حجّ أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه (¬4).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 6: 2524، والموطأ 3: 324.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة5: 564، والسنن الكبرى للبيهقي 8: 353، وقال في الدراية 2: 136: «عن ابن عباس رفعه: لا تقتلوا المرأة إذا ارتدت، قال الدارقطني: لا يصحّ، وفيه عبد الله بن عيسى وهو كذاب، وروى الطبراني عن معاذ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له حين بعثه إلى اليمن: أيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعنها فإن تابت فاقبل منها وإن أبت فاستتبها، وإسناده ضعيف».
(¬3) ينظر: خلاصة الدلائل على القدوري ص1180.
(¬4) في صحيح البخاري7: 160.
ومعنى «وفِّروا اللحى» ـ بتشديد الفاء ـ أي اتركوها موفَّرة، واللِّحى ـ بكسر اللام وتُضمّ ـ جمع لحية، بالكسر فقط اسم لما ينبت على العارضين والذَّقن (¬1).
وممن روى أحاديث اللحية أبو هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس» (¬2)، وقد خالف مرويه وأخذه من لحيته: فعن أبي زرعة قال: «كان أبو هريرة - رضي الله عنه - يقبض على لحيته ثم يأخذ ما فضل عن القبضة» (¬3).
فها هم رواة الحديث ابن عمر وأبو هريرة - رضي الله عنهم - يخالفون ما رووه ويأخذون من لحاهم، فيكون المعتبر فعلهم ورأيهم لا روايتهم على قاعدة الحنفية: العبرة بما رأى لا بما روى، قال ابنُ الهمام (¬4) في أحاديث اللحية: «فأقلُّ ما في الباب ـ أي يأخذ ما فضل عن القبضة ـ إن لم يحمل على النَّسخ كما هو أصلنا في عمل الراوي على خلاف مرويه مع أنَّه روي عن غير الرّاوي».
وهذا يدلّنا على أنَّ الأخذ بنفسه جائزٌ، والتَّقديرُ اجتهاد من الصحابة - رضي الله عنهم - مرجعه للعرف والمروءة في زمانهم، والله أعلم.
¬
(¬1) ينظر: إرشاد الساري8: 464.
(¬2) في صحيح مسلم1: 222.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة13: 112.
(¬4) في فتح القدير2: 348.
المطلب السادس: مخالفة بعض الصحابة لحديث اللِّحية:
إنَّ مخالفةَ بعضِ الصحابة - رضي الله عنهم - العملَ بالحديث إذا كان ظاهراً لا يحتمل الخفاءَ عليهم يورث الطعن فيه؛ لذلك قالوا: عمل صحابيّ آخر بخلافه يسقطه عن درجة الاعتبار، بخلاف عمل الصحابي نفسه بخلاف مرويه فإنَّه يجعله غير معتبر أصلاً (¬1).
فمثلاً: حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ أبا حذيفة بن عتبة تبنى سالماً، وإنَّ سهلةَ بنت سهيل كانت تحت أبي حذيفة - رضي الله عنهم - فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولداً، وكان يدخل عليَّ وليس لنا إلاّ بيتٌ واحد، فماذا تَرَى في شأنه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أَرضعيه، فأَرضعته خمس رضعات، فحرم بهنّ، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة) (¬2).
فظاهر الحديث يفيد: أنَّ إرضاع الكبير يحرم من الرِّضاع، كما هو الحال في الصغير، ولكن هذا مخالف لعمل عامة الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لذلك جعلوه خاصّاً بسالم - رضي الله عنه - لمخالفته للآثار الأخرى (¬3)، فعن عليّ - رضي الله عنه - قال: (لا
¬
(¬1) ينظر: نور الأنوار 2: 27 - 28، وإفاضة الأنوار ص 186، وشرح ابن ملك 2: 648.
(¬2) في المستدرك 2: 177، وصححه، وصحيح ابن حبان 10: 28، والمنتقى 1: 173.
(¬3) ويؤيد ذلك ما روي مرفوعاً في ذلك ومنه: عن عليّ - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا رضاع بعد الفصال) في مصنف عبد الرزاق 6: 464، والسنن الكبرى للبيهقي 7: 759.
رضاع بعد الفصال) (¬1)، وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم - قال: (لا رضاع بعد الفصال الحولين) (¬2)، وعن عمر - رضي الله عنه -، قال: (لا رضاع بعد الفصال) (¬3).
وخالف الصحابة - رضي الله عنهم - الأمر بإعفاء اللحية مطلقاً، فورد الأخذ من الصحابة - رضي الله عنهم - من لحاهم، فعن سماك بن يزيد، قال: «كان عليّ - رضي الله عنه - يأخذ من لحيته مما يلي وجهه» (¬4)، وعن قتادة، قال جابر - رضي الله عنه -: «لا نأخذ من طولها إلا في حجّ أو عمرة» (¬5).
وذكر الحسن البصري أنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يرخصون في ذلك، فقال: «كان يُرخصون فيما زاد على القبضة من اللحية أن يؤخذ منها» (¬6).
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزّاق 6: 416، وسنن البيهقي الكبير7: 461، وعن مسروق قالت عائشة رضي الله عنها: (دخل عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي رجل قاعد فاشتدّ ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله، إنَّه أخي من الرضاعة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انظرن مَن أخوتكن من الرضاعة، فإنَّما الرضاعة من المجاعة) في صحيح البخاري 3: 170، وصحيح مسلم 2: 1078، وعن أم سلمة رضي الله عنها قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام) في سنن النسائي الكبرى3: 301، وسنن الترمذي 3: 450، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(¬2) في مصنف عبد الرزاق7: 465.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 550.
(¬4) في مصنف ابن أبي شيبة13: 112.
(¬5) في مصنف ابن أبي شيبة13: 112.
(¬6) في مصنف ابن أبي شيبة13: 113.
ومثله ذكره إبراهيم النخعي عنهم فقال: «كانوا يَبْطُنُون لحاهم ويأخذون من عوارضها» (¬1).
وهذا الترخيص بالأخذ من اللحية توارثه التابعون عنهم، فعن أفلح قال: «كان القاسم إذا حلق رأسه أخذ من لحيته وشاربه» (¬2)، وعن أبي هلال قال سألت الحسن وابن سيرين فقالا: «لا بأس به أن تأخذ من طول لحيتك» (¬3).
فهذه كلّه يدلّنا على جواز التقصير للحية، وأنَّه هو المأثور عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - والصَّحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، وعندما نتأمل في علّة الأخذ نجدها: حرصهم على أن تكون هيئتهم ومظهرهم حسناً لا منفرّاً، وإنَّ الاعتناء بالمظهر مقصودٌ في الشريعة، كما أنَّ الشريعة اعتنت بتحسين الباطن، والله أعلم.
* * *
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة13: 112.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة13: 112.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة13: 112.
المطلب السابع: الفطرة هي السنة:
ورد في بعض ألفاظ الأحاديث «من الفطرة»، وذكر فيها إعفاء اللحية، وكان المقصود بالفطرة فيها هو السنة.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «من فطرة الإسلام: الغسل يوم الجمعة، والاستنان، وأخذ الشارب وإعفاء اللحى، فإنَّ المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها فخالفوهم، حفوا شواربكم وأعفوا لحاكم» (¬1).
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال - صلى الله عليه وسلم -: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم (¬2)، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء»، قال
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 3: 24، وقال الشيخ شعيب: «ابن أبي أويس: هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس بن مالك الأصبحي ابن أخت مالك بن أنس، احتج به الشيخان إلا أنهما لم يكثرا من تخريج حديثه، ولا أخرج له البخاري مما تفرد به سوى حديثين، وأما مسلم فأخرج له أقل مما أخرج له البخاري، وروى له الباقون سوى النسائي، فإنَّه أطلق القول بضعفه، واختلف فيه قول ابن معين، فقال مرة: لا بأس به، وقال مرة: ضعيف، وقال أبو حاتم: محلة الصدق، وكان مغفلاً، وقال أحمد: لا بأس به، وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح، واختار الحافظ في «مقدمة الفتح» ص 391 أنَّه لا يحتج بشيء من حديث غير ما في الصحيح من اجل ما قدح في النسائي وغيره إلا أن شاركه فيه غيره، فيعتبر به، وأخوه: اسمه عبد الحميد بن عبد الله ثقة اتفقا على إخراج حديثه، وباقي رجال السند ثقات».
(¬2) وغسل البراجم: أي تنظيف المواضع التي تجمع فيها الوسخ. ونتف الإبط: أي أخذ شعره بالأصابع؛ لأنَّه يضعف الشعر. ينظر: شرح فوائد عبد الباقي 1: 126.
زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة زاد قتيبة، قال وكيع: انتقاص الماء: يعني الاستنجاء (¬1).
والفطرة لغةً: الخِلقة (¬2)، ومن الاستعمال الفقهي للمعنى اللغوي: أنَّ العيب ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة مما يعد به ناقصاً، والفطرة الخلقة التي هي أساس الأصل (¬3).
وفسَّر الفطرة بمعنى السُّنة عامة علماء الحنفية: كالمرغيناني (¬4)، والبابرتي (¬5)، وابن الهمام (¬6)، والعَيني (¬7)، والزَّيلعيّ (¬8).
وللفطرة معان بمعنى دين الإسلام، وبمعنى الخلق، وبمعنى الاختراع والإبداع، وقال الخطابي فسَّرها أكثر العلماء بالسُّنة. وقال ابن الصلاح: هذا فيه إشكال؛ لبعد معنى السُّنة من معنى الفطرة في اللغة،
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 223، وسنن أبي داود1: 14، وسنن الترمذي5: 91، وقال: حديث حسن.
(¬2) لسان العرب5: 56، ومختار الصحاح ص241.
(¬3) ينظر: درر الحكام2: 160.
(¬4) ينظر: الهداية1: 19.
(¬5) في العناية1: 56.
(¬6) في فتح القدير1: 228.
(¬7) في البناية 1: 313.
(¬8) في التبيين 1: 13.
فلعل وجهه أنَّ أصله سنّة الفطرة أراد بها فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقال النَّووي: تفسيرها بالسُّنة هو الصواب (¬1).
وصرَّح العينيّ أنَّ الفطرة يراد بها السُّنة في الحديث الموجود فيه إعفاء اللحية، فقال (¬2): «والفطرة: السُّنة، وتأويله أنَّ هذه العشرة من سنن الأنبياء عليهم السلام الذين أمرنا أن نقتدي بهم، وأوَّل مَن أمر بها إبراهيم - عليه السلام -، وكلمة من للتبعيض؛ لأنّ السُّنن كثيرة، والإعفاء من أعفى ... ، يقال: عفا الشيء إذا كثر وزاد من ذلك عفا الزرع، وإعفاء اللحية: إرسالها وتوفيرها».
وجاءت بهذا المعنى في حديث العباس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» (¬3)، قال العينيّ (¬4): «والمراد من الفطرة السُّنة كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «عشرة من الفطرة»».
ووجد قول عند الحنفية: بأن تفسر الفطرة في الحديث بمعنى الدِّين، فذكر ابن نجيم (¬5): «أنَّ الفطرة إذا فسرت بالسُّنة يقتضي أنَّ جميع المعدود من السنة ... ، فالأولى في الفطرة تفسيرها بالدِّين».
¬
(¬1) ينظر: البناية1: 314.
(¬2) في البناية 1: 313.
(¬3) في سنن ابن ماجه1: 225، ومسند أحمد24: 493، والمعجم الأوسط2: 214، وقال الطبراني: «لم يروه عن قتادة إلا عمر بن إبراهيم تفرد به عباد بن العوام».
(¬4) في البناية 2: 45.
(¬5) في البحر الرائق1: 50.
فهذا يظهر أنَّ علماء الحنفية فهموا الفطرة بمعنى السنة، وهذا يؤيد الأصول السابقة بأنَّ مدار اللِّحية على السنية والاستحباب لا الوجوب.
ومن خلال هذا المبحث لا نجد شيئاً في أصول الاستنباط للحنفية تؤيد مسلك الحرمة للحلق أو التَّقصير للحية، لا سيما أصل سنن الزوائد والهدى، فإنَّ دلالته أوضح من غيره على هذا المقصود، والله أعلم.
* * *
المبحث الثاني
من جهة مخالفة غير المسلمين
ورد في بعض روايات حديث اللِّحية بيانٌللسبب في إعفاء اللحية، وهو مخالفة المشركين، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: (خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى) (¬1)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (جزوا الشَّوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس) (¬2)، قال ابنُ الهمام (¬3): «فهذه الجملة واقعة موقع التَّعليل»: أي جملة: «خالفوا المشركين»، أو «خالفوا المجوس».
وهذا صريحٌ في النَّصّ بأن علَّة الإعفاء هي المخالفة لغير المسلمين على اختلاف أصنافهم من مشركين أو مجوس أو أهل كتاب، فعن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: (خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: يا معشر الأنصار، حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب،
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 222.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 222.
(¬3) في فتح القدير 2: 348.
قال: فقلنا: يا رسول الله، إنَّ أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب، قال: فقلنا: يا رسول الله، إنَّ أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون، قال: فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب، قال: فقلنا: يا رسول الله، إنَّ أهل الكتاب يقصون عثانينهم ـ أي اللحى ـ ويوفرون سبالهم ـ أي الشوارب ـ قال - صلى الله عليه وسلم -: قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب) (¬1).
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عبيد الله قال: «جاء رجل من المجوس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد حلق لحيته وأطال شاربه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما هذا؟ قال هذا في ديننا , قال: ولكن في ديننا أن نجز الشارب وأن نعفي اللحية» (¬2).
وهذا يقتضي أن نُحقِّق المقصود بحقيقةِ المخالفة لغير المسلمين المنهيّ عنها من قبل الشَّارع الحكيم؛ لأننا جميعاً من بني الإنسان، وهذا يقتضي التَّوافق في العديد من الصِّفات والسُّلوكيات البشرية، فنعرض هنا ما يتعلق بالتَّشبُّه في المطالب الآتية:
¬
(¬1) في مسند أحمد 36: 613، وشعب الإيمان 8: 396، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 5: 131: «ورجال أحمد رجال الصحيح خلا القاسم، وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر».
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 13: 117.
المطلب الأول: أنواع التَّشبُّه:
فالتَّشبُّه لغةً: من أَشْبَه الشَّيءُ الشَّيءَ: مَاثَلَهُ (¬1).
والتِّشبُّه بغير المسلمين: هو المماثلةُ لهم في فعل أو قول دينيّ أو دنيويّ، وله نوعان:
1.التَّشبُّه المذموم: وهو قصدُ مماثلتهم فيما هو من شعارهم ابتداءً وكان مستقبحاً في غير الأمور المدنية. قال مفتي مصر مُحمّد العباسيّ المهديّ الأزهريّ الحنفيّ (¬2): «التَّشبُّه بالكفّار قد يكون صورياً بأن يفعل كفعلهم من غير قصد التَّشبُّه بهم، وقد يكون حقيقياً بأن يفعل ذلك قاصداً التَّشبُّه بهم، وعلى كلٍّ إمّا أن يتشبّه بهم في محرمٍ أو لا، فإن فعل في الأوَّل فهو آثمٌ مطلقاً قصد أو لم يقصد، وإن فعل في الثّاني إن قصد أثم وإلا فلا ... ».
2.التَّشبُّه الممدوح: هو مماثلتُهم فيما لا يكون شعاراً لهم قصداً ولا مستقبحاً وكان من الأمور المدنية والحياتية.
وهذا التَّشبُّه الممدوحُ يُحمل عليه ما ورد عن النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من محبّته لموافقةِ أهل الكتاب، فعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم،
¬
(¬1) ينظر: لسان العرب 13: 503.
(¬2) في الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية 5: 307 ـ 308.
وكان المشركون يفرقون رءوسهم، فسدل النّبي - صلى الله عليه وسلم - ناصيته، ثمّ فرَّق بعد) (¬1)، ومعنى «موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه»: أي بشيء من مخالفته، قال ابن ملك: أي فيما لم ينزل عليه حكم بالمخالفة (¬2).
ونجد تطبيق التَّشبُّه الممدوح ممن تربَّت على يد النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، من فاطمة الزهراء رضي الله عنها، عندما أخبرتها أسماء بنت عميس رضي الله عنها بحكمة طيبة من صناعة التَّابوت لدفن الميت، فهو أستر في حَقّ المرأة من تفصيل أعضائها، فكان متوافقاً مع الشَّريعة في تحقيق ستر المرأة، فرغبت السَّيدة فاطمة رضي الله عنها به، وأوصت أن يفعل لها عند موتها.
فعن أم جعفر رضي الله عنها: «إنَّ فاطمةَ بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: يا أسماء، إنّي قد استقبحت ما يصنع بالنساء، إنَّه يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا أريك شيئاً رأيته بأرض الحبشة، فدعت بجرائد رطبة فحنتها، ثمّ طرحت عليها ثوباً، فقالت فاطمة رضي الله عنها: ما أحسن هذا وأجمله يعرف به الرَّجل من المرأة، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي - رضي الله عنه -، ولا تدخلي علي أحداً، فلمّا توفيت رضي الله عنها جاءت عائشة رضي الله عنها تدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي، فشكت أبا بكر، فقالت: إنَّ هذه الخثعمية تحول بيني وبين ابنة
¬
(¬1) في صحيح البخاري4: 189، وصحيح مسلم4: 1817.
(¬2) ينظر: مرقاة المفاتيح7: 2817.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد جعلت لها مثل هودج العروس, فجاء أبو بكر - رضي الله عنه - فوقف على الباب، وقال: يا أسماء، ما حملك أن منعت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخلن على ابنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمرتني أن لا تدخلي علي أحداً وأريتها هذا الذي صنعت وهي حيّة فأمرتني أن أصنع ذلك لها، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: فاصنعي ما أَمَرَتْك ... » (¬1).
وكذلك وجدنا عمر - رضي الله عنه - لم يجعل إطالة الشارب من التشبه المذموم حيث أطال شاربه، فعن عامر بن عبد الله بن الزبير: (إنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان إذا غضب فتل شاربه ونفخ) (¬2)، رغم وجود ظواهر بعض الأحاديث المانعة من ذلك، فعن أبي هُرَيرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنَّ أهل الشرك يعفون شواربهم ويحفون لحاهم فخالفوهم فاعفوا اللحى وأحفوا الشوارب) (¬3)، فلعلّه حمل النهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - على القصد لمشابهة المشركين مثلاً، وهو لم يكن يقصد مشابتهم.
* * *
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير4: 56.
(¬2) في المعجم الكبير1: 66، قال الهيثمي في المجمع5: 166: «رجاله رجال الصحيح خلا عبد الله بن أحمد، وهو ثقة مأمون إلا أن عامر بن عبد الله بن الزبير لم يدرك عمر».
(¬3) في مسند البزار14: 390، قال الهيثمي في مجمع الزوائد5: 166: «رواه البزار بإسنادين في أحدهما عمرو بن أبي سلمة، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه شعبة وغيره، وبقية رجاله ثقات».
المطلب الثاني: ضوابط التَّشبُّه:
التأمل في عبارة الحنفية يوصلنا إلى ضوابط للتشبه يراعونها، وهي:
1.التَّشبُّه بما هو شعارٌ لهم ومختصٌّ بهم، بحيث يتميَّزون به عن غيرهم: فمَن قلّدهم بما هو شعارهم نُسِب لهم في سلوكه وتصرفه، قال القاري (¬1): «ولا يخفى أنَّ التشبه الممنوع إنَّما هو فيما يكون شعاراً لهم مختصّاً بهم».
2. أن لا يكون المتشبه به مما فيه صلاح العباد والخير لهم: فإنَّ ما كان بهذا الوصف يكون المسلمون بحاجة له، ولا يجوز لنا منعهم منه: كركوب السيارات والطائرات، فهذه من الأمور المدنية لكل البشرية، ولا يختص بها قوم عن قوم، بل ترجع منفتعها لهم جميعاً.
قال ابنُ مازه (¬2): «قال هشام: رأيت على أبي يوسف نعلين مخسوفين بمسامير، فقلت: أترى بهذا الحديد بأساً؟ قال: لا، فقلت: إنَّ سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك؛ لأنَّ فيه تشبهاً بالرُّهبان، فقال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبس النِّعال التي لها شعر، وأنَّها من لباس الرُّهبان) (¬3)، فقد أشار
¬
(¬1) في مرقاة المفاتيح 6: 2648.
(¬2) في المحيط البرهاني 5: 403.
(¬3) فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أنَّ ألبسهما) في صحيح البخاري 5: 2199، وصحيح مسلم 2: 844، وصحيح ابن حبان 9: 79، وسنن أبي داود 2: 150، والسنن الكبرى للنسائي 5: 418، وغيرها.
إلى أنَّ صورة المشابهة فيما تعلَّق به صلاح العباد لا يضرّ، وقد تعلَّق بهذا النَّوع من الأحكام صلاح العباد، فإنَّ الأرض ممَّا لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النَّوع من الإحكام» (¬1).
ورفض أبو يوسف لكون النعلين بهذا الوصف تشبهاً بالرهبان يدّل على دقّة فقهه ورسوخ علمه، فأفيد من كلامه كما ذكر ابن مازه: أنَّ كلّ ما فيه صلاح العباد والخير لهم مما يشترك به البشر، فعلينا الاستفادة من غير المسلمين في ذلك.
3.أن يقصد التَّشبُّه بهم، فلا يكفي مجرد صورة المشابهة بالفعل، فإنَّ وجود صورة المشابهة في الأفعال حاصلة بين المسلمين وغيرهم؛ لكونهم بشرٌ يأكلون ويلبسون ويتعايشون، وليس هذا ممنوعاً، وإنَّما المنع متعلِّق بقصد التَّشبُّه بغير المسلمين؛ لما له من تأثير على اعتقادِه وتميزه وشعوره بالعزّة، فيفقد حلاوة الإيمان، قال ابن نجيم (¬2): «اعلم أنَّ التَّشبُّه بأهل الكتاب لا يُكره فى كلِّ شيءٍ، فإنَّنا نأكل ونشرب كما يفعلون، إنَّما الحرام هو التَّشبُّه فيما كان مذموماً وفيما يقصد به التَّشبُّه، كذا ذكره قاضي خان في «شرح الجامع الصغير»»؛ لأنَّ قضيةَ التَّشبُّه متعلِّقة بالاعتقاد والقلب
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار1: 624، ومنحة الخالق2: 11، والفتاوى الهندية5: 333.
(¬2) في البحر الرائق2: 11.
لا بالأفعال، وذكر الأفعال فيها إظهار لما عليه الاعتقاد والقلب، فإن لم يكن به اعتقاد ولا قصد فلا عبرة حينئذٍ بالفعل.
وعلَّق ابنُ عابدين (¬1) على النَّقل السَّابق عن ابنِ مازه: «وفيه إشارةٌ أيضاً إلى أنَّ المرادَ بالتَّشبُّه أصل الفعل: أي صورة المشابهة بلا قصد»: أي أنَّ التَّشبُّه في الفعل بلا قصد لا يَضرّ.
4.أن يكون التَّشبُّه بغير المسلمين ابتداءً قبل أن يصبح عرفاً وعادةً بين المسلمين، فبعد أن ينتشر الفعل في المجتمع يكون حينئذ فعلُها للعرف لا للتَّشبه بغير المسلمين، كما حصل في لباس البنطال والقميص والبدلة والقرافة وغيرها في هذا الزمان، فمَن لبسها ابتداءً تشبهاً بغير المسلمين، كان واقعاً في التَّشبُّه المنهيّ عنه، لكن فيما بعد أصبحت هي العرف الشَّائع في بلاد العرب عموماً، ولم يَعُد يخطر بالبال عند لبسها التَّشبُّه بالغرب، وإنَّما أصبحت زِيّ المجتمع، قال ابنُ حجر (¬2): «وإنَّما يصلح الاستدلال بقصّة اليهود في الوقت الذي تكون الطيالسة (¬3) من شعارهم، وقد ارتفع ذلك فيما بعد، فصار داخلاً في عموم المباح».
¬
(¬1) في رد المحتار1: 624.
(¬2) في فتح الباري10: 275.
(¬3) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «يتبع الدجال من يهود أصبهان، سبعون ألفاً عليهم الطيالسة» في صحيح مسلم4: 2266.
5.أن لا يكون التَّشبُّه بهم بالفجور والفحشاء والتَّصرُّفات القبيحة، وهذه الأفعال متعددة وكثيرة ومنها: شرب وأكل المحرمات، وكشف العورات، وإشاعة الفاحشة، قال الحصكفيّ (¬1): «التَّشبُّه بهم لا يُكره في كلِّ شيءٍ، بل في المذموم، وفيما يقصد به التَّشبُّه». وقال ابن عابدين (¬2): «ويكره التشبه بهم ـ أي النصارى ـ في المذموم وإن لم يقصده».
* * *
¬
(¬1) في الدر المختار1: 624.
(¬2) في رد المحتار1: 648.
المطلب الثالث: حالات التَّشبُّه وحكمها:
1.يَكفرُ بالتَّشبُّه بقصد التَّعظيم للفعل والاستخفاف في الدِّين، وسببُ هذا الكفر أنَّ الاستخفافَ بالدِّين هو استهزاءٌ بالدِّين، وهذا كفر، قال الجصاص: «الاستهزاء لشيء من الشرائع كفر» (¬1)؛ لقوله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [النور: 65].قال قاضي خان (¬2): «رجلٌ اشترى يوم النّيروز شيئاً لم يشتره في غير ذلك اليوم، إن أراد به تعظيم ذلك اليوم كما يعظِّمه الكفرة يكون كفراً، وإن فعل ذلك لأجل السَّرف والتَّنعم لا لتعظيم اليوم لا يكون كفراً».
2.يجب ترك قصد التشبه بما هو من شعارهم، فيجب على المسلم ترك التَّشبُّه بغير المسلمين فيما تحقّقت فيه ضوابط التَّشبُّه المذموم من القصد للتشبه فيما هو من شعار غير المسلمين، وفعله ابتداءً قبل أن يصبح عادة للمجتمع، ولم يكن مما فيه صلاح العباد، حتى لا يقع في الإثم، قال المهدي الحنفي (¬3): «ومعنى فهو منهم: أنَّه كافرٌ مثلهم إن تشبّه بهم فيما هو كفرٌ، كأن عظَّم يوم عيدهم تبجيلاً لدينهم أو لبس زنارهم أو ما هو من شعارهم قاصداً بذلك التشبه استخفافاً بالإسلام، كما قيده به
¬
(¬1) في البناية 9: 156.
(¬2) في الخانية 3: 578.
(¬3) في الفتاوى المهدية 5: 309.
أبو السعود والحموي على «الأشباه»، وإلا فهو مثلهم في الإثم لا الكفر».
3.يُستحبُّ ترك المشابهة في حالات، منها: ترك عادة غير المسلمين في يوم أعيادههم ومناسباتهم المشهورة وإن اعتاده المسلمون؛ لما فيه من الشبهة، فلا يماثل النصارى في أعياد رأس السنة في عاداتهم وأفعالهم تنزهاً عن التُهم والشبهات. قال قاضي خان (¬1): «وإن أهدى يوم النَّيروز إلى إنسانٍ شيئاً ولم يرد به تعظيم اليوم وإنَّما فعل ذلك على عادة النَّاس لا يكون كفراً، وينبغي أن لا يفعل في هذا اليوم ما لا يفعله قبل ذلك اليوم ولا بعده وأن يحترز عن التَّشبُّه بالكفرة» (¬2).). وكلمة: «ينبغي» تفيد أنَّه يستحب له ترك ذلك.
4.يُباح التَّشبُّه إن لم يتوفَّر فيه أحد الضَّوابط السَّابقة في التَّشبُّه بغير المسلمين، فإن لم يكن الفعل المتشبه به شعاراً لهم: كاستخدام الكمبيوتر والهاتف، فإنَّه من المباحات إن لم يقصد التشبه بغير المسلمين، وإن كان الفعل المتشبّه شائعاً منتشراً في المجتمع المسلم كلبس جورب وحذاء فوقه أو لبس بدلة مع قرافة لها وأشباهها فإنَّه من المباحات إن لم يقصد التَّشبُّه بهم.
¬
(¬1) في الخانية 3: 578.
(¬2) ينظر: البحر8: 555.
المطلب الرابع: التَّشبُّه في اللحية:
وبعد هذا التقرير لفكرة التَّشبُّه بغير المسلمين، فما هو الحكم الذي تأخذه اللِّحية في الحلق والقصّ بناءً على أصل التَّشبُّه، ويلزمنا أن نطبق الضوابط والحالات السابقة على مسألة اللِّحية على النحو الآتي:
هل يُعَدُّ حلق اللِّحية وقصّها شعاراً لغير المسلمين؟ والجواب: أنَّ رجال الدِّين من اليهود والنَّصارى والوثنيين وغيرهم يشيع بينهم اللحية وإطالتها، ويظهر أنَّ المتدينين منهم يميلون إلى اللِّحية، والعوام منهم الشائع عندهم عدم إطلاق اللِّحية، لكن يرجع للمزاج والمحبة والموضة في ذلك؛ لا سيما هذه الأيام فقد شاعت موضعة إطلاق اللحية عند غير المسلمين في أوروبا وأمريكيا واستراليا.
وبالتَّالي فاعتبار إطالة اللحية أو حلقها شعاراً لهم متفاوت بينهم، فلم تعد صورة الفعل بالحلق والإطلاق فيها مشابهة أصلاً.
وأمَّا ضابط القصد، فيلزم منه أن يكون الإثم إن كانت صورة الفعل موجودة وهو قصد التَّشبُّه بهم فيه، وهذا يقتضي أنَّ مَن أطلق لحيته تشبهاً برجال الدِّين منهم فهو آثم، ومَن حلق لحيته أو قصَّرها تشبهاً بغير المسلمين آثم أيضاً؛ لوجود العلّة وهي قصد التَّشبُّه.
وأمَّا ضابط تحقُّق الفعل ابتداءً، فهذا يقتضي أنَّ مَن تشبه بالحلق أو التقصير ابتداءً هو الآثم، ولكن بعد شيوع هذا الفعل في المجتمع
وصيرورته عرفاً شائعاً، فلم يعد يُفعل للتَّشبه أصلاً وإنّما لكونه عرفاً للمجتمع، فيسقط إثم التَّشبُّه؛ لفقدان علَّة التشبه؛ لكونه عرفاً.
وأمّا ضابط صلاح العباد، فلا تدخل اللحية تحته.
وأما ضابط الفواحش والفجور، فلا تدخل اللحية تحته أيضاً.
فتحصَّل مما سبق: عدم وجود صورة مشابهة الفعل في حلق اللِّحية أو قصِّها، وشيوع الحلق والتقصير في المجتمع المسلم بحيث صار عرفاً لهم، فمن هذين الجانبين لا يعتبر التَّشبُّه ولا يؤاخذ به، وإنَّما يعتبر فيما لو قصد التَّشبُّه بغير المسلمين فهو آثم سواء كان في الحلق أو التقصير.
وبتطبيق حالات التَّشبُّه وأحكامها يكون من قصد التَّشبُّه بغير المسلمين في حلق اللحية وتقصيرها مُستخفّاً ومُستهزئاً بالإسلام يخشى عليه الكفر؛ لأنَّ هذا حكم كلّ مَن يستهزئ بحكم شرعيـ كما سبق ـ ويكون آثماً بقصد التَّشبُّه بهم بالحلق والتّقصير، وإن لم يقصد التَّشبُّه فمستحبٌّومسنونٌ له إطلاق اللِّحية؛ خروجاً من شبهةِ التَّشبُّه.
وبهذا يتقرَّر: أنَّ المشابهة بنفسها بغير المسلمين بغير قصد لا تصلح أنّتكون سبباً للوجوب الذي يترتب عليه العقاب بالنَّار، قال ابن حجر (¬1) في اتخاذ الأواني من الذهب: «وقيل: العلَّة في المنع التَّشبُّه بالأعاجم، وفي
¬
(¬1) فتح الباري10: 98.
ذلك نظر؛ لثبوت الوعيد لفاعله، ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك». وقال حرملة في الشرب في آنية الذهب: «النهي فيه للتنزيه؛ لأنَّ علته ما فيه من التشبه بالأعاجم» (¬1)، وهذا صريحٌ من ابن حجر أنَّ علّةَ المشابهة مدارها على كراهةِ التَّنزيه، وهي خلافُ الأولى، فينبغي أن لا نُشدِّد في هذه القضية كثيراً، والله أعلم.
* * *
¬
(¬1) ينظر: فتح الباري10: 94.
المبحث الثَّالث
من جهة مخالفة المروءة
يتعيَّن علينا قبل بيان تعلّق اللِّحية بالمروءة، أن نبيِّن المراد بالمروءة لغةً واصطلاحاً، ومكانة المروءة، وأثر المروءة في المذهب الحنفي، وعلاقة اللِّحية بالمروءة في المطالب الآتية:
المطلب الأول: تعريف المروءة لغةً واصطلاحاً:
فالمروءة لغةً: كمال الرُّجولة، والمرأة مؤنث والمرء هو الرَّجل، ويطلقان على البالغ منهما (¬1)، وهي الإنسانية (¬2)، فيجتنب عمل شيء يوجب تنزل قدر الإنسانية عند أهل الفضل والكمال (¬3).
واعتبرت المروءة كمال الرُّجولة؛ لجمع صاحبها أفضل الصفات
¬
(¬1) ينظر: المغرب 2: 262، ولسان العرب 1: 154، والمحيط في اللغة 2: 443.
(¬2) ينظر: مختار الصحاح ص 292، ولسان العرب 1: 154.
(¬3) ينظر: درر الحكام 4: 407.
التي يتحلَّها به الرِّجال، وكانت بمعنى الإنسانية؛ لتوفر أكمل صفات الإنسان فيها، فكان صاحبها محققاً معنى الرُّجولة والإنسانية على الكمال.
واصطلاحاً لها تعاريف متقاربة منها:
آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات (¬1).
أو هي قوة للنفس مبدأ لصدور الأفعال الجميلة عنها المستتبعة للمدح شرعاً وعقلاًوعرفاً (¬2).
أو أن لا يأتي ما يعتذر منه مما يبخسه من مرتبته عند العقلاء.
أو صيانة النفس عن الأدناس وما يشينها عند الناس (¬3).
أو السَّمتُ الحسن وحفظ اللِّسان والاجتناب من السُّخف: أي الارتفاع عن كلِّ خُلُق دنيء (¬4).
أو هي المحافظة على فعل ما تركه من مباح يوجب الذَّم عرفاً: كترك
¬
(¬1) ينظر: المصباح2: 569، وقرة عين الأخيار7: 492.
(¬2) ينظر: التعريفات1: 210.
(¬3) ينظر: البحر الرائق7: 92.
(¬4) ينظر: تيسير التحرير3: 44.
الانتعال في بلد يستقبح فيه مشي مثله حافياً، وعلى ترك ما فعله من مباح يوجب ذمه عرفاً: كالأكل عندنا في السوق (¬1).
فتحصَّل من هذه التَّعاريف أنَّ المروءةَ متعلِّقةٌ بالأخلاق الحسنة والسُّلوكيات السَّوية والتَّصرُّفات الفاضلة على حسب العرف في ذلك الزَّمان والمكان، فكلُّ ما يُنقص من مرتبة فاعله في مجتمعه يُخِلُّ بمروءته.
* * *
¬
(¬1) ينظر: شرح حدود ابن عرفة ص44، وقواعد الفقه ص479.
المطلب الثاني: مكانة المروءة:
يدور معنى المروءة في القرآن والحديث والآثار وكلام السلف على ما سَبَق إيراده في التعاريف اللغوية والاصطلاحية للمروءة.
فمن القرآن:
قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل:90]، تدلُّ هذه الآية على أنَّ المروءةَ لجمعها الصّفات الحسنة التي ينبغي للمسلم أن يتحلَّى بها، ويترك ما سواها، قال الحسن: «قد فرغ الله - عز وجل - لك منها ثم قرأ: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ}، هذه المروءة» (¬1).
ومن السُّنّة:
فعن أبي هريرة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كرم المرء دينه، ومروءته عقله، وَحَسَبه خُلُقه» (¬2)، فظاهر المروءة عند الناس حسن الزّي، وجمال الحال، والتوسُّع في الطعام والإطعام، وهذه أحوال مَن اتسع في المال فيمكنه ذلك، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنَّ المروءة هو العقل، وقد يكون العاقل موسعاً عليه
¬
(¬1) ينظر: المروءة ص 45.
(¬2) صحيح ابن حبان 2: 232، ومسند أحمد 14: 381، والمستدرك 1: 212، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
ومقدراً له، فإذا كمل عقل المرء تمَّت مروءته، وذلك أنَّ المروءة اشتقاقها من المرء، والمرء الإنسان، والإنسان إنَّما شرف على سائر الحيوانات (¬1): أي لأنَّ به يتميّز عن الحيوانات ويعقل نفسه عن كلِّ خلق دنيء، ويكفها عن شهواتها الرديّة وطباعها الدنية، ويؤدِّي إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه من الحقِّ والخَلْق (¬2).
وعن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كَمُلَت مروءته، وظهرت عدالتُه، ووجبت أخوته، وحَرُمَت غيبتُه» (¬3).
وعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة، وهو ذو الصلاح» (¬4)، وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة ما لم يكن حداً» (¬5)، أي لا تؤاخذوه بذنب ندر منه لمروءته إلا في حدّ من حدود الله تعالى، فإنَّه إذا بلغ الحاكم وثبت عنده وجبت إقامته (¬6).
¬
(¬1) ينظر: معاني الأخبار للكلاباذي 1: 54.
(¬2) ينظر: شرح الزرقاني على الموطأ 3: 59.
(¬3) في مسند الشهاب1: 322.
(¬4) في شرح مشكل الآثار6: 150.
(¬5) في مسند الشهاب1: 422، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 6: 282: رواه الطبراني في الصغير، وفيه محمد بن كثير بن مروان الفهري وهو ضعيف.
(¬6) ينظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير3: 228.
وروي عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال لرجل من ثقيف: «يا أخا ثقيف, ما المروءة فيكم»؟ قال: إصلاح الدِّين, وإصلاح المعيشة, وسخاء النَّفس, وصلة الرَّحم. فقال - صلى الله عليه وسلم -: «كذلك هو فينا» (¬1).
ومن الآثار:
قال عمر - رضي الله عنه -: «كرم المؤمن تقواه، ودينه حَسَبُه، ومروءته خلقه» (¬2)، حيث جعل المروءة تتمثَّل بالأخلاق الحسنة.
وقال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: «ومَن خضع لغني ووضع له نفسه إعظاماً له، وطمعاً فيما قِبله، ذهب ثلثا مروءته وشطر دينه» (¬3)، حيث علَّق زوال المروءة بتعليق القلب بغير الله تعالى، والطَّمع فيما عند غير الله تعالى.
¬
(¬1) في إصلاح المال ص52، والمروءة ص28، وحلية الأولياء3: 155.
(¬2) في الموطأ3: 659، وسنن الدارقطني 4: 467، والسنن الكبرى للبيهقي 10: 329، وقال البيهقي: هذا الموقوف إسناده صحيح.
(¬3) في شعب الإيمان10: 503، وقال العجلوني في كشف الخفاء 2: 287: «وللبيهقي أيضًا عن ابن مسعود مرفوعًا: من أصبح محزونًا -وفي لفظ حزينًا - على الدنيا أصبح ساخطًا على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبة؛ نزلت به؛ فإنما يشكو ربه، ومن دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، ومن قرأ القرآن فدخل النار فهو ممن اتخذ آيات الله هزوًا. وللطبراني في الصغير عن أنس رفعه: من أصبح حزينًا على الدنيا؛ أصبح ساخطًا على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به؛ فإنما يشكو الله تعالى، ومن تضعضع لغني لينال مما في يده؛ أسخط الله - وفي لفظ مما في يديه فقد أسخط الله - عز وجل -، ومن أعطي القرآن فدخل النار أبعده الله. وفي لفظ: لينال فضل ما عنده؛ أحبط الله عمله. قال في المقاصد: وهما واهيان جدًا؛ حتى إن ابن الجوزي ذكرهما في الموضوعات؛ لكن قال الجلال السيوطي في التعقبات: ولم يصب في ذلك فقد رواه البيهقي عن ابن مسعود وأنس بلفظ: من دخل على غني فتضعضع له؛ ذهب ثلثا دينه. قال في كل منهما إسناده ضعيف».
قال معاوية - رضي الله عنه -: «المروءة في أربع: العفاف في الإسلام، واستصلاح المال، وحفظ الإخوان، وعون الجار» (¬1)، حيث جعل المروءة متعلِّقةٌ بهذه السُّلوكيات الحسنة والصِّفات الحميدة.
ومن أقوال السلف:
قال الأحنف: «المروءة أن تصبر على ما غاظك وتصمت عمَّا عندك حتى يُلتمس منك» (¬2). وقال: «الفقه في الدِّين والصَّبر على النَّوائب وبَرّ الوالدين» (¬3).
وقال محمد بن عمران التيميّ: «ما شيء أشدُّ حملاً من المروءة، قيل: وأي شيء المروءة، قال: أن لا تفعل شيئاً في السرّ تستحي منه في العلانية» (¬4).
وقال إبراهيم النخعيُّ: «ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق، ولا سرعة المشي» (¬5).
¬
(¬1) المروءة ص45.
(¬2) في المروءة ص39.
(¬3) في المروءة ص42.
(¬4) في المروءة ص56.
(¬5) في المروءة ص78.
ومن خلال هذا العرض للأحاديث والآثار والأقوال في المروءة نجد أنَّها متفاوتةٌ من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان؛ لأنَّ مدارها على العرف، فكلُّ واحدٍ عبَّر عنها على حسب عرفه في أكمل الأخلاق والتَّصرُّفات، والله أعلم.
* * *
المطلب الثالث: أثر المروءة في المذهب الحنفي:
المتتبع لفروع المذهب الحنفية يظهر له الأثر الواضح للمروءة في بعض الأبواب الفقهية: كقبول الشهادة، وهيئة المسلم كاللباس، وتصرفاته في كيفية التعامل مع الآخرين ومراعات مشاعرهم.
فكثير من التصرفات تكون حسنة ومقبولة في مجتمع ومعيبة ومنكرة في مجتمع آخر، ولا سبيل لنا لمعرفة ذلك إلا من خلال النظر في عرف ذلك المجتمع، فالحال في اللباس والتصرفات لا يختلف عن الحال في الكلام، فعادة نرجع لتفسير مراد المتكلم من كلامه على حسب عرفه، فهم يطلقون هذا اللفظ ويقصدون به معنى معين.
فالمروءةُ هي الميزانُ للعرف الممدوح من المذموم في التَّصرُّفات الصَّادرة من المسلم، فما كان من التَّصرُّفات ممدوحاً عُدَّ من المروءة، وما كان منها مذموماً عُدَّ من خوارم المروءة.
وطالما أنَّ المروءةَ جزءٌ من العرف، فتأخذ المروءة حكم العرف في التأثير على الأحكام الشرعية، والعرف من الجانب التطبيقي للحكم الشرعي؛ لأنَّالحكم الشرعيّ له طرفان: طرف في كيفيّة استنباطه، ويكون بأصول الفقه، وطرف في كيفيّة تطبيقه ويكون برسم المفتي.
وهذا التَّرتيب يعطي للأحكام الفقهيّة ميزةً عظيمةً جداً بمراعاة قواعد رسم المفتي عند تطبيقها، فيتحقَّق العدل المطلوب، والمطابقة
المرجوة، قال ابنُ عابدين (¬1): «وكثيرٌ منها ما يُبَيِّنُه المجتهدُ على ما كان في عرفِ زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً؛ ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: إنَّه لا بُدّ فيه من معرفةِ عادات الناس.
فكثيرٌ من الأحكام تختلفُ باختلافِ الزَّمان؛ لتغيّر عرف أهله، أو لحدوثِ ضرورةٍ، أو فساد أهلِ الزّمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أَوّلاً للزم منه المشقّة والضّرر بالنّاس، ولخالف الشَّريعة المبنيّةَ على التّخفيف والتَّيسير ودفع الضّرر والفساد؛ لبقاء العالم على أتمّ نظام وأحسن إحكام».
وقال أيضاً (¬2): «لا بُدّ للحاكمِ من فقه في أحكام الحوادث الكليّة، وفقه في نفسِ الواقع وأحوال النّاس، يميِّز به بين الصّادق والكاذب، والمحقّ والمبطل، ثمّ يُطابقُ بين هذا وهذا، فيُعطى الواقعَ حكمَه من الواجب، ولا يَجعل الواجبَ مُخالفاً للواقع.
وكذا المفتي الذي يُفتي بالعُرف لا بُدّ له من معرفة الزّمان وأحوالِ أَهلِه ومعرفة أنَّ هذا العرفَ خاصٌّ أو عامٌ، وأنَّه مخالفٌ للنّصِّ أو لا، ولا بدّ له من التّخرُّج على أُستاذٍ ماهرٍ ولا يَكفيه مجرّدُ حفظ المسائل
¬
(¬1) في نشر العرف 2: 123.
(¬2) في نشر العرف2: 126.
والدّلائل، فإنَّ المجتهدَ لا بُدّ له من معرفةِ عاداتِ الناس، كما قدّمناه فكذا المفتي.
ولذا قال في آخر «منية المفتي»: لو أنَّ الرَّجلَ حفظ جميعَ كتب أَصحابنا لا بُدّ أن يَتَّلْمَذَ للفتوى حتى يهتدي إليها؛ لأنَّ كثيراً من المسائلِ يُجاب عنه على عادات أهل الزَّمان فيما لا يُخالف الشّريعة».
وإنَّ أكثر قاعدة من الرسم تُراعى في الفتوى والتَّطبيق هي النَّظرُ إلى عرف المجتمع، فيختلف الحكم من مكانٍ إلى مكانٍ وزمانٍ إلى زمانٍ على ما حسب ما يقتضيه عرف النّاس، قال الجوينيّ (¬1): «والتّعويل في التّفاصيل على العرف، وأعرف النّاس به أعرفهم بفقه المعاملات»؛ لأنَّ العرف من الجانب التَّطبيقيّ للفقه، وليس من الجانب الاستنباطيّ للحكم كما يظنّه عامّة المعاصرين، ومَرَدُّ العرف إلى أمرين:
1.فهمُ مراد المتكلِّم من كلامِه، فنحن نستخدم ألفاظ ونريد بها معاني معيّنة تعارفنا في إطلاقها عليها، وإن كان اللّفظ عامّاً يشمل غيرها، مثل: اللحم يشمل لحم سائر الحيوانات من الطّيور والبقر والغنم وغيرها، ولكن تعارفنا عند إطلاقها على إرادة لحم البقر والغنم لا الطيور مثلاً، فإذا قال شخص: والله لا آكل لحماً، ثمّ أكل دجاجاً لا
¬
(¬1) في نهاية المطلب للجويني 11: 416.
يحنث؛ لأنَّه لا يعتبر لحماً عرفاً، فاستفدنا من العرف معرفة مقصود المتكلّم من كلامه، وقس عليه.
2.معرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم، فالحكم في نفسه ثابت من الشّارع الحكم، والعرف لا يغيّر الحكم، لكن الحكم مبنيّ على علّة، وهذه العلّة تحتاج إلى محلّ في تطبيقها، فالعرف يساعدنا على تطبيق ذلك، مثاله: أنَّ الحكم عدم قبول إلا شهادة العدل، كما شهد القرآن: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} [البقرة:282]، والعرف يُساعدنا في معرفةِ العدل، ففي زمن أبي حنيفة - رضي الله عنه - لم يَحتج للتّزكية في العدالة؛ لأنَّ النّاس عدول، وفي زمن الصَّاحبين تغيّرت أحوال النّاس، فنحتاج لتحقُّق علّة الحكم من العدالة بالتَّزكية، فمَن لم يكن عدلاً لا تُقبل شهادته، هذا هو الحكم، ولكن كيف نتعرَّف على العدالة، حيث أمكن ذلك بالعرف.
وبالتالي لا يخرج العرف عن هذين المعنيين البتّة، فلا يكون مُغيّراً للحكم الشَّرعيّ أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً، وإنَّما هو معرّف للحكم ببيان مقصود المتكلّم من كلامه، ومعرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم.
وتَبيُّن أنَّ المحلّ صالح للحكم أمر مهمٌ جداً؛ إذ نحتاج قبل تطبيق كلِّ حكم أن نتعرّف على علّته أوَّلاً ثمّ ننظر هل المحلّ مناسب لها أم لا؟ فإن لم يكن مناسباً لها فإنَّ الحكم لا يطبق هنا.
وبالتالي تندرج المروءة تحت نوعي العرف؛ لأنَّ المروءةَ إذا كانت متعلِّقة بالكلام فهي داخلة في فهم مراد المتكلِّم من كلامه، حيث تساعدنا المروءة للوصول إلى ما تكلَّم به المتكلِّم هل هو شيء حسنٌ وممدوحٌ أم أنَّه شيء مذمومٌ.
وإن كانت المروءة متعلِّقة بالتَّصرُّفات والهيئات فهي داخلة فيمعرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم، حيث تساعدنا المروءة في معرفة أنَّ مثل هذا التّصرُّف والهيئة حسنة في المجتمع فتكون مستحبة، أو هي مذمومة فتكون مكروهة ديانة ومانعة من قبول الشَّهادة قضاءً؛ لأنَّ مَن يفعلها لا يمتنع عن الكذب ولا يُبالي بكلام النَّاس عليه، فيكون متهماً في شهادته.
ومن أمثلة مايكون خارماً للمروءة ـ فلا تقبل شهادة مَن يفعل شيئاً من الأفعال المستخفّة؛ لأنَّه يسقط المروءة فلا يتحاشى عن الكذب (¬1)، فما يخل بالمروءة يمنع قبول الشهادة وإن لم يكن محرماً (¬2) ـ:
البول على الطريق بحيث يراه الناس.
والأكل على الطريق.
والمشي في السوق بالسروال وحده.
¬
(¬1) ينظر: الاختيار2: 148.
(¬2) ينظر: البحر7: 92.
ومد رجله عند الناس.
وكشف رأسه في موضع يُعَدُّ فعله خفّة وسوء أدب وقلّة مروءة وحياء.
ومصارعة الشيخ الأحداث في الجامع.
وسرقة لقمة.
والإفراط في المزح المفضي إلى الاستخفاف.
وصحبة الأراذل.
والاستخفاف بالناس.
ولبس الفقيه قَبَاء.
ولعب الحمام (¬1).
ونبَّه ابن نجيم (¬2) على اشتراط الإدمان في خوارم المروءة حتى لا تقبل شهادته.
* * *
¬
(¬1) ينظر: البحر7: 92، ومجمع الأنهر2: 200.
(¬2) ينظر: البحر7: 92.
المطلب الرابع: علاقة اللِّحية بالمروءة:
تبيَّن لنا مما سبق أنَّ المروءةَ جزء من العرف، وهي الميزان للعرف الممدوح من المذموم، ومرد المروءة إلى الأمور المباحة، فيكون للنَّاس استحسان بعضها أو استقباحه على حسب ثقافتهم وعاداتهم، والشريعةُ المطهرة اعتبرت مثل هذا الاستحسان والاستقباح، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله تعالى حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله تعالى قبيح» (¬1).
وتطبيق هذا الأمر على اللحية حلقاً أو قصّاً يُدخلها في دائرة الأُمور المستحسنة أو المستقبحة في المجتمع، فإن كان حلقها أو قصّها مستقبحاً تكون مذمومة، فيكره الحلق أو القصّ على مقدار الاستقباح له في المجتمع، ولا تقبل شهادة الحالق أو القاصّ، وإن لم يكن حلقُها وقصُّها مستقبحاً في المجتمع فلا يكره الحلق أو القصّ، وتقبل شهادة الحالق والقاصّ لها.
وهذا الأمر يجعل حكم اللحية متفاوتٌ من مجتمع لمجتمع، ففي المجتمعات التي يستقبحون ذلك يُكره، والمجتمعات التي لا تستقبح هذا لا يُكره: كالأتراك وأواسط أسيا والصين؛ لأنَّها لما تعلَّقت بالعرف،
¬
(¬1) في مسند أحمد 1: 379، ومسند الطيالسي ص 33، والمعجم الكبير 9: 112، وغيرها، وقال في كشف الخفاء 2: 221: وهو موقوف حسن.
فيختلف حكمها على حسب العرف، ومقياس المروءة فيه.
وأجاب بهذا مفتي دمشق العمادي (ت1171هـ) عندما سئل: في شهادة محلوق اللحية هل تقبل أم لا؟ فقال: «لم أجد نقلاً صريحاً في المسألة مع ضيق الوقت وكثرة الأشغال، فإن كان حلق اللحية يخل بالمروءة يمنع القبول وإلا فلا» (¬1).
وما قاله العمادي في اللحية قال مثله عبد الحليم اللكنوي في تغطية الرَّأس في الصَّلاة حيث أرجعها للعرف والمروءة، فقال: «تُكره الصلاة بدون العمامة في البلاد التي عادة سكانها أنَّهم لا يذهبون إلى الكبراء بدون العمامة، بل ولا يخرجون من بيوتهم إلا متعممين، وأما في البلاد التي لا يعتادون فيها ذلك فلا، وقد اشتهر بين العوامّ أنّ الإمامَ إن كان غير متعمم والمقتدون متعممين فصلاتُهم مكروهة، وهذا أيضاً خرق من القول لا دليل عليه، فاحفظ» (¬2).
وهذه الطريقة في تقرير الأحكام تدلُّ على رسوخ قدمهما في التَّخريج، وإرجاعهما المسائل إلى أصول بنائها عند الإفتاء بها، وهذه هو الفقه حقيقة، والله أعلم.
¬
(¬1) ينظر: العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية1: 329، وسيأتي مناقشة ابن عابدين له، ومناقشة الباحث لابن عابدين.
(¬2) ينظر: نفع المفتي والسائل ص 38.
المبحث الرابع
التشبه بالنساء في حلق اللحية
يجدر بنا قبل بيان علاقة التَّشبُّه بالنِّساء في حلق اللحية أن نعرض المقصود بالتَّشبه، والمنع من التَّشبه في السنة، وحكم التشبه بالنساء عند الحنفية، وعلاقة التشبه بالنساء بحلق اللحية في المطالب الآتية:
المطلب الأول: المقصود بالتَّشبه بالنِّساء:
والمقصود بالتَّشبه بالنِّساء: هو تشبه الرِّجال بالنِّساء في اللِّباس والزِّينة والأفعال والكلام لا التَّشبه في أمور الخير.
ففي اللباس والزِّينة: بأن يلبس الرَّجل الملابس التي تختصّ بالنساء مثل لبس المقانع والقلائد والأسورة والخلاخل والقرط ونحو ذلك مما ليس للرجال لبسه، وكذلك تتشبه النساء بالرجال بأن تلبس ما يلبس الرجال كلبس النعال الرقاق والمشي بها في محافل الرِّجال ولبس الأردية والطيالسة والعمائم ونحو ذلك مما ليس لهن استعماله (¬1).
¬
(¬1) ينظر: عمدة القاري 22: 41.
وتعيين أنَّ هذا اللباس مختصٌّ بالرجال أو النِّساء راجعٌ لعرف كلِّ قوم، فمن جهة الشَّرع يشترط ستر العورة للرجل ما بين السرّة والركبة وما جاوزه فالحكم فيه للمروءة، وللمرأة يشترط ستر العورة وهي جميع جسمها إلا الوجه والكفين بلباس لا يصف الأعضاء وما جاوزه فالحكم للعرف، فتبيَّن أنَّ ما تجاوز ستر العورة لكلِّ من الرَّجل والمرأة نحتكم فيه للعرف، والعرف يُحدِّد لباس كلٍّ منهما، قال العَينيّ (¬1): «وهيئة اللباس قد تختلف باختلاف عادة كلِّ بلد، فربَّما قوم لا يفترق زيُّ نسائهم من رجالهم، لكن تمتاز النِّساء بالاحتجاب والاستتار»، وهذا صريح من العيني بأنَّ هيئات اللباس المختلفة مسألة عرفية، فيلزمنا أن لا نشدِّد فيها طالما تحقَّقت الشروط السابقة.
وفي الأفعال والكلام: بأن يفعل الرَّجل الأفعال التي هي مخصوصة بالنِّساء كالانخناث في الأجسام والتَّأنيث في الكلام والمشي (¬2).
والانخناث: وهو التّثني والتَّكسُّر، والاسم الخُنث بالضمّ، ومنه سمي المخنَّث، وتركيب الخنث يَدلُّ على لين وتكسُّر، وتخنَّث في كلامه أي: تَكلَّم بكلام هو الذي يُشبه النِّساء في أقواله وأفعاله وتارةً يكون هذا خلقياً وتارةً تكلُّفاً، وهذا هو المذموم الملعون لا الأوَّل، ويطلق المخنث
¬
(¬1) في عمدة القاري22: 41.
(¬2) ينظر: عمدة القاري22: 41.
على الذي يؤتى ويلاط به (¬1).
أمّا مَن كان ذلك في أصل خلقته، فإنَّه يؤمر بتكلُّف تركه والإدمان على ذلك بالتَّدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذَّم، ولا سيما إذا بدا منه ما يدلُّ على الرِّضا.
وأسوأ الأفعال من الرِّجال والنِّساءالتي يستحقان عليها الذّمّ والعقوبة، هو الرَّجل الذي يؤتي من دبره، والمرأة التي تتعاطى السحق بغيرها من النساء (¬2).
* * *
¬
(¬1) ينظر: عمدة الرِّعاية22: 42.
(¬2) ينظر: عمدة القاري22: 41.
المطلب الثاني: المنع من التَّشبه بالنِّساء في السُّنة:
وردت أحاديث عديدة تنهى كلاً من الجنسين عن التَّشبُّه بالآخر، وتريد من كلِّ واحدٍ منهما أن يبقى على الهيئة التي خلقهالله عليها؛ ليؤدي الوظيفة المناطة به، ومن هذه الأحاديث:
1.عن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتشبهين من الرِّجال بالنساء، والمتشبهات من النِّساء بالرِّجال» (¬1).
قال القاري (¬2): «المتشبهين بالنساء من الرِّجال في الزي واللباس والخضاب والصوت والصورة والتكلم وسائر الحركات والسكنات ... ، والمتشبهات بالرِّجال من النساء: زياً وهيئةً ومشيةً ورفع صوت ونحوها لا رأياً وعلماً، فإنَّ التشبه بهم محمود».
2.وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم -، قال: «لعن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المخنثين من الرِّجال، والمترجلات من النِّساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم» (¬3).
وقال العيني (¬4): «والمترجلات أي: النساء الشبيهات بالرِّجال المتكلفات في الرُّجولة وهو بالحقيقة ضد المخنثين؛ لأنَّهم المتشبهون بالنساء» (¬5).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 7: 159.
(¬2) في مرقاة المفاتيح 7: 2818.
(¬3) في صحيح البخاري 7: 159.
(¬4) في عمدة القاري 24: 14.
(¬5) ينظر: عمدة الرِّعاية 22: 42.
ومعنى أخرجوهم من بيوتكم: أي من مساكنكم ومن بلدكم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: (أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما بال هذا؟ فقيل: يا رسول الله، يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع، فقالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ فقال: إني نهيت عن قتل المصلين) (¬1).
3.وعن ابن أبي مليكة، قال: قيل لعائشة رضي الله عنها: (إنَّ امرأةً تلبس النعل، فقالت: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجُلة من النساء) (¬2).
والرجُلة من النساء: المتشبهة في الكلام واللباس بالرجال، ويقال: كانت عائشة رجُلة الرأي أي رأيها رأي الرجال، فالتشبه بالرأي والعلم غير مذموم (¬3).
4.وعن أبي هريرة، قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرَّجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرَّجل» (¬4).
¬
(¬1) في سنن أبي داود4: 282، وسنن الدارقطني2: 399، والنقيع ناحية عن المدينة وليس بالبقيع.
(¬2) في سنن أبي داود4: 60، ومسند البزار17: 40، وشعب الإيمان10: 225، وقال القاري في مرقاة المفاتيح7: 2836: إسناده حسن.
(¬3) ينظر: مرقاة المفاتيح7: 2836.
(¬4) في سنن أبي داود4: 60، والسنن الكبرى للنسائي8: 297، وصحيح ابن حبان13: 62، ومسند أحمد14: 61، والمستدرك4: 214، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
5.وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منّا مَن تشبّه بالرِّجال من النِّساء، ولا من تشبّه بالنِّساء من الرِّجال» (¬1): أي لا يفعل ذلك من هو من أشياعنا المقتفين لآثارنا (¬2).
* * *
¬
(¬1) في مسند أحمد11: 461، والمعجم الكبير13: 461، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد8: 103: «رواه أحمد. والهذلي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. ورواه الطبراني باختصار، وأسقط الهذلي المبهم، فعلى هذا رجال الطبراني كلهم ثقات».
(¬2) ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغير2: 329.
المطلب الثالث: حكم التَّشبُّه بالنِّساء عند الحنفية:
إنَّ حال التَّشبُّه بالنِّساء لا يختلف كثيراً عن حال المروءة في كونهما يندرجان تحت العرف، فهي أحد مفردات العرف الذي نحتكم إليه ـ كما سبق الكلام في المروءة ـ.
ومن المعاني المقصودة في الشريعة المطهرة هو تقرير اختلاف الرِّجال عن النِّساء، والسعي لتحقيق ذلك، كما هو مذكور في الأحاديث السالفة.
وهذا المعنى بنى عليه الحنفية العديد من فروعهم، والقصد هو التميز بين الرَّجل والمرأة؛ ليحصل التجانس بينهم بعد الزواج وتقوى رغبة كلّ واحد منهما في الآخر، فالسالب والموجب يتجاذبان، والموجب والموجب يتنافران، ولتحقيق التجاذب المستمر بين الرَّجل والمرأة اهتمت الشريعة بأن يتميز كلُّ واحد منهما عن الآخر بمظهره وكلامه وحركاته.
ومن الملاحظ أنَّ الحنفية جعلوا علّة الكراهة التحريمية أو التزيهية على حسب الحال للعديد من الأحكام في مشابهة كلِّ واحدٍ منهما للآخر، أو يقولون: «للتخنُّث»، أو «للتزيُّن»؛ لأنَّهامن الهيئات الخاصّة بالنِّساء، كما فعلوا ذلك في منع الرَّجل من العلك ولبس الأصفر وخضاب اليد والرِّجل والتَّزيُّن بدهن الشَّارب والحاجب وأخذ الشَّعر من الحاجب والخدين.
ويتفاوت الحكم بالتَّشبُّه بالنِّساء بحسب تحقّق صورة الفعل ووجود القصد بالتَّشبُّه، فمَن شابه صورة فعل النِّساء كره له تنزيهاً: أي كان فعله مباحاً، ولكنَّه خلاف الأولى، ومَن قصد التَّشبُّه بالنِّساء كان فعلُه مكروهاً تحريماً، ويُمكن لمشابهة الرَّجل للمرأة في صورة الفعل أن تكره تحريماً وإن لم يقصد التشبه إن دخلت في خوارم المروءة.
وتفصيل الأمثلة السَّابقة عند الحنفية:
1.التشبه بالمرأة في استعمال العلك:
فإنَّه مختصٌّ بالمرأة؛ لكونه يقوم مقام السِّواك في حقِّها لرقّة لثتها، قال المرغيناني (¬1): «يكره للرِّجال على ما قيل إذا لم يكن من علّة، وقيل: لا يستحبُّ لما فيه من التشبه بالنِّساء»، قال ابن الهمام (¬2): «أي ولا يكره، فهو مباح بخلاف النِّساء، فإنَّه يستحب لهن؛ لأنَّه سواكهن».
فظاهر الكلام يدلّ على أنَّ العلك في حقّ الرَّجل مباحٌ وخلافُ الأولى وليس مستحباً كما هو في حقّ المرأة؛ لئلا تكون مشابهة بينهم.
قال ابن عابدين (¬3): «وكره للمفطرين؛ لأنَّ الدليل ـ أعني التشبه بالنساء ـ، يقتضي الكراهة في حقهم خالياً عن المعارض، «فتح»، وظاهره
¬
(¬1) في الهداية1: 123.
(¬2) في فتح القدير1: 207.
(¬3) في رد المحتار2: 417.
أنَّها تحريمية «ط»، وقيل: يباح، هو قول فخر الإسلام حيث قال: وفي كلام محمد إشارة إلى أنَّه لا يكره لغير الصائم، ولكن يُستحبُّ للرِّجال تركه إلا لعذر مثل أن يكون في فمه بخر».
2.لون اللباس كالحمرة والصفرة والمعصفر:
وفي «المحيط»: ويُكره لبس الثَّوب الأحمر والمعصفر ... ؛ لأنَّها كسوة النساء، ويكره التشبه بهنّ (¬1)، فعن علي - رضي الله عنه -، قال: (نهاني النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن القراءة وأنا راكع، وعن لبس الذهب والمعصفر) (¬2): أي الثوب المصبوغ بالعصفر. وكذلك المصبوغ بالزعفران وأيضاً المصبوغ بالورس، وهو الأصفر، وهذا النهي خاص بالرِّجال (¬3).
3.التزين بالخضاب لليد والرِّجل:
فهو مباح للمرأة مكروه للرَّجل؛ لأنَّهم ممنوعون عن مثل هذه الزينة، إلا لأجل التداوي، ولأنَّ ذلك تزيّن، وهو مباح للنساء دون الرِّجال، ولأنَّه تشبه بالنِّساء (¬4).
¬
(¬1) ينظر: العقود الدرية2: 323.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1648، وسنن الترمذي 4:226.
(¬3) ينظر: التبيين 6: 230، والبحر الرائق 8: 216.
(¬4) ينظر: منحة السلوك 3: 19، والبحر الرائق 8: 208، ورد المحتار 6: 422.
4.التزين بدهن الشارب والحاجب بقصد الزينة:
لأنَّ التَّزين خاصٌّ بالنِّساء، فهي مهما بالغت بالاهتمام بنفسها لزوجها فهو حسن ما لم تظهر به أمام الأجانب، بخلاف الرِّجال فيكون في حقّه التَّجمل، وهو العناية بنفسه ما لم يصل إلى درجة التزين كالنساء ويبقى محافظاً على مروءته، فعنايته بمظهره الذي لا يعدّ خارماً للمروءة يعتبر من التجمّل لا التزين وهو حسن.
قال المرغيناني (¬1): «ولا بأس بالاكتحال للرِّجال إذا قصد به التداوي دون الزينة، ويستحسن دهن الشارب إذا لم يكن من قصده الزينة؛ لأنَّه يعمل عمل الخضاب».
وقال ابن الهمام (¬2): «في «الكافي»: يستحب دهن شعر الوجه إذا لم يكن من قصده الزينة، به وردت السنة، فقيد بانتفاء هذا القصد فكأنَّه والله أعلم؛ لأنَّه تبرج بالزينة، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكره عشر خصال وذكر منها التبرج بالزينة لغير محلها) (¬3).
¬
(¬1) في الهداية 2: 347.
(¬2) في فتح القدير2: 347.
(¬3) في سنن أبي داود 2: 489، والمجتبى 8: 141، ومسند أحمد 1: 380، وصحيح ابن حبان 12: 496، والمستدرك 4: 216، وصححه.
وعن يحيى بن سعيد أنَّ أبا قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنَّ لي جَمَّةً أفأرجِّلُها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم وأكرمها، فكان أبو قتادة ربّما دهنها في اليوم مرَّتين لما قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وأكرمها) (¬1).
فإنَّما هو مبالغة من أبي قتادة - رضي الله عنه - في قصد الامتثال لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا لحظ النفس الطالبة للزينة الظاهرة، وذلك لأنَّ الجمال والإكرام المطلوب يتحقق مع دون هذا المقدار ... ، هذا ولا تلازم بين قصد الجمال وقصد الزينة، فالقصدُ الأوّل لدفع الشين وإقامة ما به من الوقار وإظهار النعمة شكراً لا فخراً، وهو أثر أدب النفس وشهامتها، والثاني أثر ضعفها، وقالوا: بالخضاب وردت السُّنة، ولم يكن لقصد الزينة ثم بعد ذلك إن حصلت زينة فقد حصلت في ضمن قصده المطلوب، فلا يضرُّه إذا لم يكن ملتفتاً إليه».
5.أخذ الرَّجل لشعر خديه أو حاجبيه:
فيكره منه ما يكون تشبهاً بالمخنثين، وما لم يصل إلى هذا الحدّ فهو مباح، ولا يوجد فرق بين النتف والحلق في الحكم، ففي «المضمرات»: ولا بأس بأخذ الحاجبين وشعر وجهه ما لم يشبه المخنث. اهـ، ومثله في «المجتبى»، وقال الطحطاوي: «ولا بأس بأن يأخذ شعر الحاجبين وشعر
¬
(¬1) في الموطأ 2: 949.