دور مقاصد الشريعة ...............
..... في تطوير التمويل الإسلامي
جارٍ تحميل الكتاب…
دور مقاصد الشريعة ...............
..... في تطوير التمويل الإسلامي
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
دور مقاصد الشريعة
في تطوير التمويل الإسلامي
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* ألقي في مؤتمر بيت المقدس الإسلامي الدولي الخامس في رام الله، فلسطين 2014م.
ملخص البحث:
سعيت في بحثي لإبراز دور المقاصد في الشريعة الإسلامية في تنمية نشاط المصارف الإسلامية، وزيادة الثقة بها، وإبداع الطرق المختلفة لنجاحها، ومضاعفة إيرادتها وعائداتها واستثمارتها، ولتحقيق هذا الغرض بدأت البحث بتمهيد في تعريف المقاصد، ثُمَّ فصَّلت الكلام في أنواع المقاصد، وقسمتها لثلاثة أقسام: الأول: المقاصد المتعلّقة بالوسائل، والثاني: المقاصد المتعلّقة بالمعاني الرَّبَّانيّة للتَّشريع، والثالث: المقاصدُ المتعلِّقةُ بالغايات للأحكام الشَّرعيّة.
ثُمَّ ختمت البحث ببيان أثر المقاصد الشَّرعية في التَّمويل، لتوظيفها في تطوير وتفعيل التَّمويل الإسلامي المصرفي، من خلال التنبيه على عدة أمور في تقديم أفضل وأحسن حلّ وهيئة للمعاملة الماليّة، ويُبدع في معاملاتِ جديدةٍ مستفادةٌ من تراث الأمة، ويرغب المستثمرين ويحفزهم ويعطيهم ثقة أكبر بالاستثمار، حيث يشتمل فقه المعاملات على أفكار اقتصادية هائلة يمكن استثمارها والانتفاع بها، ولو تمّ تفعيلها فستكون مصدراً ضخماً للموارد المالية، وحلاً رائعاً لكثير من المشكلات الاقتصادية للأفراد والجماعات والمؤسسات لاسيما المصرفية.
Abstract:
In this paper, I show the role of the higher objectives of Islamic law (maq??id al-shar?'ah) in encouraging economic activity in Islamic banks and in devising different methods for this to ensure the success of these banks, multiply their profits and investments, and increase the trust people place in them. To achieve this, I start by explaining the concept of higher objectives, then I speak in detail about their types. I list three types: the first are the higher objectives that pertain to intermediary means (was?'il); the second are higher objectives that pertain to the divine will embodied in sacred law; and the third are those that pertain to the desired outcomes (gh?y?t) of Islamic legislation. I conclude the paper by showing the effect of the higher objectives of Islamic law on financial investment, as it is the
basic activity of Islamic banks, by emphasising the importance of presenting the best, practical solution for financial transactions. I show how the Islamic tradition strongly encourages investment and provides new transactions and economic concepts that can be utilised, and if implemented, can lead to great profits and solutions for many economic problems faced by individuals, groups and institutions, especially Islamic banks.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ الله - عز وجل - غنيٌّ عن عباده ـ كما هو معلوم لكلّ مسلم ـ، وكلُّ ما يشرع لنا من الأحكام يكون لتحقيق المصلحة لنا ودفع المفسدة عنا لا غير، فهي تسعى لتحقق السعادة الحقيقة للبشرية في الدنيا قبل الآخرة، وترتقي بالإنسان إلى أعلى درجاته الإنسانية، وتحقِّق له أكمل العدالة البشرية، وتنظم له كافة المناحي الحياتية والاجتماعية والمالية وغيرها.
ومن عايش هذه الحقيقة ـ المعلومة لكل منا ـ في حياته، سيجد من الحِكَم والمقاصد لهذا التشريع ما لا يعدّ ولا يحصى، وَلَسعى بجدّ إلى التزام أحكامه ولم يتردد في تطبيقه؛ لأنَّها شرعت لمصحلته الدنيوية والأخروية معاً، فهنيئاً لمَن عاش في كنف الشريعة المحمّدية.
ومما يميز المعاملاتَ الشرعية أنَّ أحكامها مبنيّةٌ على عللٍ يجب مراعاتها عند قراءة فروعها، والأحكام متعلِّقة بهذه المعاني، وما يذكره
الفقهاء من مسائل هي أمثلةٌ لقواعد مقرَّرة في كلِّ باب من أبواب الفقه عامّة والمعاملات خاصّة؛ إذ من طريقتِهم في التَّأليف أنَّهم يذكرون القاعدة بالمثال، فمن فهم المثال وتصوَّر بناءه الصَّحيح، عرف القاعدة التي بُنى عليها.
قال الكرديُّ (¬1): «المتتبع للأحكام الشرعية يعلم أنَّ أحكام الله سبحانه وتعالى كلَّها معلَّلة بمصالح العباد؛ لأنَّ الله حكيم، والحكمةُ معناها وضع الأمور في مواضعها وتشريع الأحكام وفق الحاجة إليها، فكان مقصود الشارع لذلك إنَّما هو عين المصلحة التي يراها الناس مصلحة ويتعارفون عليها، لا فارق بينهما في واقع الحال، ولكنَّ إرادة الله سبحانه وتعالى قضت أن يُشرِّع لنا أحكاماً نستطيع فهم علتها، فندرك بذلك معنى المصلحة القائمة فيها، وتسمى هذه أحكاماً معقولة المعنى، ويشرع لنا أحكاماً أخرى نعجز عن إدراك معنى المصلحة فيها، وهذا لا يعني بحال أنَّها لا مصلحة فيها، فإنَّ حكمة الله تنافي ذلك، ولكنَّه يعني أنَّ عقولنا تعجز عن إدراك مواطن المصلحة فيها، وتسمى هذه أحكاماً غير معقولة المعنى، ومن هذا النوع الثاني أكثر الأحكام التعبدية، ومن النوع الأول أكثر أحكام المعاملات».
¬
(¬1) في بحوث في علم الأصول للكردي ص110.
فعلينا أن ندرك تماماً أنَّ ما بين أيدينا هي ألفاظ موصلة إلى معاني، والمعاني هي الغايات، فإنَّ هذه المعاني هي أسس وقواعد في كل باب بُنيت عليها الأحكام، وقد استنبطت من القرآن والسنة وآثار الصحابة والقواعد العامة التي أتى بها الإسلام واستفيدت من العقل السليم الذي يسير على المنهج المستقيم في تقدير الأمور بما يعود على البشرية بالنفع والخير.
وهذا الأمر ظاهر في فقهِ الحنفيّة، وكان من أسبابِ نجاحه وتفوقه في المعاملات، قال الزنجاني (¬1): «ذهب المنتمون إلى أبي حنيفة - رحمه الله - من علماء الأصول إلى أنَّ الأحكام الشرعية ... أثبتها الله تعالى وشرعها معللة بمصالح العباد لا غير، ... فالشافعي رأى أنَّ التعبد في الأحكام هو الأصل، فغلّب احتمال التعبد، وبني مسائله في الفروع عليه، وأبو حنيفة - رحمه الله - حيث رأى أنَّ التعليل هو الأصل، بنى مسائله في الفروع عليه».
ومَن لم ينتبه لهذا وبقي يقرأ مسائل الفقه مجردةً عن كونها معلَّلة بمعاني وأصول، فلن يكون قادراً البتة على فهم الفقه، وغير قادر على ربط الفروع ببعضها، ومعرفة حكم المستجدات، خصوصاً أنَّ النَّصوصُ الشَّرعيةُ الواردةُ في المعاملات أقلُّ بكثيرٍ من النُّصوص الواردة في
¬
(¬1) في تخريج الفروع على الأصول ص41.
العبادات، فكانت إمكانية التطبيق فيها أكثر، ومرونة العمل أوسع، وقدرة الاجتهاد فيها أعظم.
فنحن بحاجةٍ ماسة إلى مَن يصحِّح معاملات النَّاس بما لا يُخالف الشَّريعة، ويحرر المُعاملة بما يحفظ حقّ جميع الأطرف، ويسعى في تحقيقِ العدل بين المُتعاقدين، وينقح المعاملة بما يجعلها أكثر نجاحاً وملائمةً للواقع، ويساهم في تطويرِها بحكمِ التجربةِ الواقعيةِ والتَّاريخية، ويبدع في معاملاتِ جديدةٍ مستفادةٌ من تراث الأمة.
وإنَّ الاهتمام بالمعاملات الشرعية بهذه الصورة التي نحتاجها من ضروريات استمرارية التشريع الإسلامي وشموليته وحيويته وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان، ولولاه لوقع الناس في ضيق وحرج شديد، مما يعطي لأدعياء التقدمية المجال للزعم بأنَّ مسايرة العصر تقتضي البعد عن كل موروث والارتماء في أحضان المناهج الاقتصادية الوضعية التي لم تستطع أن تلبي أغراض الناس وتحقق لهم السعادة المرجوة في الدنيا والآخرة.
فرأيت لزاماً عليَّ أن أبحث في هذا الموضوع، وإن كان الكلام فيما يتعلق بأسرار التشريع ومقاصده لا نهاية له، وقد كثر التأليف فيه، وإنَّما أردت في بحثي توظيف المقاصد الشَّرعية في التَّمويل الإسلامي المصرفي؛ لتلبية أغراض الناس ومحاكاة الواقع ومواكبة المستجدات.
ومشكلةُ البحث وأهميته تظهر في الإجابة عن السؤال التالي:
هل يمكننا توظيف مقاصد الشَّريعة في تطوير وتفعيل التَّمويل الإسلامي المصرفي، أم علينا مسايرة العصر والارتماء في أحضان المناهج الاقتصادية الوضعية؟
واتبعتُ في بحثي المنهج الاستقرائي بجمع المقاصد من طيات كتب الفروع والأصول، والمنهج الاستنباطي باستخراج الآثار للمقاصد على التمويل، والمنهج الوصفي في عرض المادة وتوضيحها.
ولم أقف في حدود علمي على دراسة خاصة تتعرض لهذه الجزئية من أنواع المقاصد وأثرها في التمويل المصرفي.
هذا وقد خلص البحث بتوفيق الله - عز وجل - إلى تمهيد، ومبحثين، وخاتمة:
تمهيد: في تعريف المقاصد:
المبحث الأول: في أنواع المقاصد، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في المقاصد المتعلّقة بالوسائل.
المطلب الثاني: في المقاصد المتعلّقة بالمعاني الرَّبَّانيّة للتَّشريع.
المطلبُ الثَّالثُ: في المقاصدُ المتعلِّقةُ بالغايات للأحكام الشَّرعيّة.
المبحثُ الثّاني: في أثر المقاصد الشَّرعية في التَّمويل المصرفي.
* * *
تمهيد: في تعريف المقاصد:
نقتصر فيه على بيان المقصود بمقاصد الشريعة؛ لما ناب هذا المصطلح من التحريف والخلط، وأمَّا بقية مفردات العنوان وهي تطوير التمويل الإسلامي، فهي ظاهرة، وهي بمعنى التنمية لنشاط المصارف الإسلامية، وزيادة الثقة بها، وإبداع الطرق المختلفة لنجاحها، ومضاعفة إيرادتها وعائداتها واستثمارتها، ولا يتسع هذا البحث المختصر للخوض فيها.
أولاً: المقاصد لغةً: من المَقْصِد، مصدرٌ ميميٌ من قَصَدْتُ الشَّيْءَ ولَهُ وإِلَيْهِ قَصْداً من بابِ ضَرَبَ، طَلَبْتُهُ بِعَيْنِهِ وإِلَيْهِ قَصْدِي ومَقْصِدِي (¬1)، قال ابنُ فارس (¬2): «تدلُّ على إتيان الشَّيء وأمِّه»، ومنه قوله تعالى: {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين} النحل: 9.
فيكون معناه: التَّوجهُ والطَّريقُ والغاية: أي توجَّه وسلك الطَّريق واعتمده لتحقيق غايته ومراده، فيشتمل على نفس التَّوجه، وعلى نفس
¬
(¬1) ينظر: المصباح المنير2: 504.
(¬2) في معجم مقاييس اللغة5: 95.
الطريق، وعلى نفس الغاية، فتطلق المقاصد على التوجه ابتداءً والطريق ثانياً والغاية انتهاءً، والله أعلم.
وهذه الاستخدامات ملاحظة في المعنى الشَّرعيّ لها ـ كما سيأتي ـ.
ثانياً: المقاصد اصطلاحاً: هي المعاني الرَّبانيّة للتَّشريع والغاياتُ من الأحكام والوسائل لتطبيقها.
فيشتمل هذا التعريف على ثلاثة أمور، وهي:
1. الوسائل لتطبيق الأحكام، وتحتوي على: رسم المفتي والملكة الفقهية.
2. المعاني الرَّبَّاينة للتشريع، وتحتوي مبنى المسألة، والعلّة الخاصة للحكم، والعلّة العامة للأحكام، والاستحسان، وسَدّ الذّرائع، والمصالح المرسلة، وغيرها.
3. الغايات للأحكام، وتحتوي على حِكَم التشريع وفوائده، وجلب المصالح وحفظ الكليّات الخمس، وغيرها.
وعرَّفت المقاصد بهذا التَّعريف؛ لموافقته لاستخدام السَّلف والخلف لهذا المصطلح، ولاستيعابه للمقاصد المذكورة في كتب الأصول والفروع، فكان أولى من تعريف المعاصرين المقتصر على الغايات فحسب؛ لمنافاته لحقيقتها، وعدم شموله لأنواعها المختلفة، واقتصاره على بعضها دون بعض، ممَّا سبب إرباكاً كبيراً في النظر للشَّريعة وطريقة التعامل معها وفهم أحكامها، وانحرافاً واضحاً في مسلكها، وطعناً بيِّناً في علماءِ الأُمَّة وكُتبها، وليس هذا البحث محلّاً للمناقشة فيها.
ولا شَكَّ أنَّ ما كان موافقاً لما سار عليه علماء الأمّة في كتبهم، وشاملاً لاستخداماتهم، وقادراً على تفسير نصوصهم المختلفة، ومستوعباً لعلومهم المتنوعة أولى بالاتباع؛ لأنّه هذه الأمة محفوظة بسيرها وسلوكها: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} الحجر: 9، فكلُّ ما كان مطابقاً لسير الأمّة فهو المعتبر، وسواه المتروك حتى نكون مُصدِّقين للقرآن.
* * *
المبحث الأول
في أنواع المقاصد
للمقاصد أنواع متعدِّدة نعرضها في ثلاثة مطالب تيسيراً لفهمها، وهي:
المطلب الأول: في المقاصد المتعلّقة بالوسائل:
وأقصد بهما هنا نوعان من المقاصد، وهما:
أوَّلاً: الملكة الفقهية:
إنَّ تطبيق المرء للعلم في حياتِه وإفادةِ مجتمعه به وزيادتِه لمسائلِه راجعةٌ إلى مقدارِ الملَكَة التي كوَّنها فيه، وهذا الأمرُ مُتحقِّق في الفقه؛ لأنَّه علمٌ كسائر العلوم تكوَّن من اجتهاداتِ العلماءِ فيه، وهذه الاجتهاداتُ منبعُها الملَكَات، وبقدرِ تحصيلها يستطيع أن يتصرَّفَ في هذا العلم ويُضيف إليه معارف وإفادات مبنيّة على أُسس العلم التي تَمَكَّن منها.
وما لم تتكون لدى الفقيه الملكة الفقهية القادرة على بلوغ الدرجة العلمية الرَّفيعة والفهم العميق للواقع، فلن يكون قادراً على تحصيل مقاصد الشريعة بتمامها.
ويمكن تعريف الملكة الفقهية: القدرة على التخريج والترجيح والتمييز والتقرير للأحكام الشرعية من فقيه النفس. ويتضح هذا التعريف بالنظر من خلال الوظائف للمجتهد.
وتكون الملكة في الفقه بتحقيق الوظائف الآتية:
الأولى: استنباط الأحكام من الكتاب والسُّنة وآثار الصَّحابة - رضي الله عنهم -، وهو نوعان:
1.الاعتمادُ على أصولٍ استخرجها المجتهدُ بنفسِه.
2.الاعتمادُ على أصولٍ مُقرّرةٍ في المذهبِ استخرج أُسسها أئمّتُه.
الثّانية: التَّخريج على أقوال أئمّة المذهب، وهو نوعان:
1.حملُ قولِ المجتهد المطلق على محمل معيّن بأن يكون كلامُه من الفرائض أو الواجبات.
2.التَّفريعُ على مسائلِ المجتهدِ وقواعدِه في المسائل المستجدة.
الثَّالثة: التَّرجيح والتَّصحيح بين أقوالِ علماءِ المذهب، وهو نوعان:
1.التَّرجيح بين الأقوال اعتماداً على الأصول والقواعد والمعاني وأسس الأبواب.
2.التَّرجيحُ بين الأقوال بناء على قواعدِ رسم المفتي من المصلحة والعرف والتيسير.
الرابعة: التمييز والتفضيل بين الأقوال والرِّوايات، وهو نوعان:
1.تمييز أصل المذهب (ظاهر الرواية) عن غيره من الأقوال.
2.تمييز بين الأقوى والقويّ، والصَّحيح والضَّعيف.
الخامسة: التَّقرير والتَّطبيق في العمل والإفتاء والقضاء بالمناسب للواقع، وهو نوعان:
1. تقرير ما هو الأنسب والأرفق والمفتى به بناء على قواعد رسم المفتي.
2.تقريرُ المسألة بعد تصوِّرها جيداً، وإدراك أنَّها هي المناسبة للواقعة.
فهذه عشرة وظائف للمجتهد، وكلُّ وظيفة فيها تشتمل على درجات عديدةٍ يتفاوت العلماءُ في تحصيلها، حتى الاجتهاد المستقل درجات.
وإنَّ السبب الرئيسي لنجاح المعاملات الفقهية: هو مرونتها وحيوتها بربطها بملكة الفقيه، وليست جموداً على نصٍّ أو هيئة قديمة، فكلُّ ما ندرس المقصود منها تحقيق الملكة الفقهية القادرة على محاكاة الواقع وتلبية متطلباته بما يتوافق مع مقاصد الشريعة، وإفادتها من تجربتها العميقة، وتراثها الضخم.
وهذا يساعدنا كثيراً على مسايرة الواقع، والتَّطورات الاقتصادية الكبيرة، وتلبية حاجات المجتمع المختلفة، والإبداع في إيجاد الحلول للمشكلات الماليّة، فبمقدار وجود الملكة الفقهيّة عند الفقيه يكون
نجاحه فيما يقدِّمه من الطرق المبدعة للمصارف والاستثمارات الإسلامية.
ثانياً: علمُ تطبيق الفقه المسمَّى بـ (رسم المفتي):
فما مرَّ معنا في الملكة يمثل القدرة الذاتية لتحقيق مقصد الشريعة، وأداته في تحقيقها هي هذا «علم رسم المفتي»، وموضوع هذا العلم يدور حول الضرورة والتيسير ورفع الحرج والعرف والمصلحة وتغيّر الزمان.
وكلُّ أصل من أصول هذا العلم هو مقصد للشريعة بعينه، فالضرورة مقصد، والتيسير مقصد، ورفع الحرج مقصد، وهكذا، وليس هذا البحث للتفصيل، وإنمَّا للتنبيه عليها والإشارة إليها.
والكلام في هذا العلم مؤسَّسٌ في القرآن من اعتبار الضَّرورة: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الأنعام: 119، والتيسير: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة: 185، ورفع الحرج: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج: 78.
ويمثل هذا العلم الجانب العمليّ التطبيقيّ للفقه، فلا سبيل لنا للترجيح بين الأقوال الفقهية إلا به، ولا فهم الخلاف الحاصل بين علماء المذهب إلا من خلاله، ولا إعمال الفقه في الواقع بدونه، فهو أقربُ ما يكون بالروح للفقه؛ إذ بدونه لا حياة له.
وفي ظنِّي أنَّ هذا التراجعَ الذي حَصَلَ لعلم الفقه في هذا الزمان حتى أصبح علماً نظرياً في حياتنا الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة والقضائيّة لهو عائد لأمرين: الأول: ترك الدراسة المتعمّقة المتمكنة في الفقه، والثاني: إهمال علم رسم المفتي، فمَن لم يضبطه ويُدركه لن يتمكَّن من تطبيقِ الفقه واختيارِ الأنسب للواقع وفهم كيفيةِ التعاملِ معه.
لذلك أقول: إنَّ دراسةَ الفروع كما مَرَّ تُكوِّن (50%) من علم الفقيه، و (50%) هي قواعدُ رسم الإفتاء، وهي على قسمين: جانب نظري لقواعد الإفتاء يمثل (25%) من علم الفقه، وجانب عملي: وهو المعرفة الحقيقية المتبصّرة بالواقع الذي يريد الإفتاء به وتنظيمه وترتيبه على أجمل طريقة وأحسنِ سلوك تمثل (25%) من علم الفقه؛ لذلك كَثُرَ قولُهم: مَن لم يكن عالماً بأهلِ زمانه فهو جاهل.
وهذا العلم يُمثِّلُ الحلقة ما بين المسائل الفقهيّة المدوّنة في الكتب وما بين الواقع المعاش للناس في كافّة مناحي الحياة، فمَن فقده فهو فاقدٌ للعلم حكماً؛ إذ لا خير في علمٍ بلا عمل، وفاقدُه فاقدٌ للعمل به لنفسه ولغيره.
وهذا يظهر لنا جلياً كيف أنَّ التَّنظيم الفقهي للاستثمار قائم على اليسر ودفع الحرج، فالعسر في الربا والقمار وغيرها من طرق البنوك
التقليدية، الذي أوقع الاقتصاد في مأزق، وحمَّل المجتمع تبعات تضخم فاق قدرته وإمكانياته.
ويجعل الضرورة مغيرةً للأحكام، ومخرجة لها من الحرام إلى الحلال، حتى لا تكلِّف الإنسان فوقه طاقته، فكلُّ أساس من أسس رسم المفتي سبب رئيسي في نجاح المعاملات والمصارف الإسلامية.
المطلب الثاني: في المقاصد المتعلّقة بالمعاني الرَّبَّانيّة للتَّشريع:
هذه المعاني هي الأساسُ للوصول للغايات من المقاصد، ولولا ذلك لما نزل إلينا الشَّرع مفصَّلاً في أحكامه، ولأنزل علينا عمومات وطالبنا بالعمل بها، فالجزئيات مطلوبة للوصول للكليّات، حتى تقيَّدَ عمومها، وتُفصح عن حالها.
قال ابنُ عاشور (¬1): «خبايا في بعض مسائل أصول الفقه أو في مغمور أبوابها المهجورة عند المدارسة أو المملولة، ترسُبُ في أواخر كتب الأصول ... ، وهي بأن تعدَّ في علم المقاصد حَرِية».
¬
(¬1) في مقاصد الشريعة ص 6.
فقواعد علم الأصول العامة مندرجة في المقاصد: كالعلّة الخاصة، والاستصحاب، وسد الذرائع والاستحسان، وغيرها، ولكنَّ البحث يطول في سردها، فنذكر أبرزها في النقاط الآتية:
أولاً: العلّة الخاصة للحكم (المؤثر):
فالعلّة: هي الوصف الصالح المؤثِّر في ثبوتِ الحكم في الأصل متى وجد مثله في الفرع يثبت مثل ذلك الحكم فيه قياساً عليه (¬1).
وإدراك العلّة الخاصّة للحكم هو الأصل في القدرة على تطبيقه في نفسه صحيحاً، وقياس غيره عليه، واستقراء العلِّل الخاصَّة من أكبرِ العوامل على تكوين الملكيّة الفقهيّة التي نقدر بها تطبيق الفقه، وإدارك مقاصده، بل هذه العلِّل الخاصّة تُمثّل المقاصد الخاصّة في كلّ حكم، وهي الطَّريق للوصول إلى المقاصدِ العامَّة المقصوده عند الشَّارع الحكيم، قال ابن عاشور (¬2): «من طرائق الاستدلال على المقاصد ... استقراء أدلَّة أحكام التي اشتركت في علّة بحيث يحصل لنا اليقين بأن تلك العلّة مقصدٌ مرادٌ للشَّارع».
فهي الأساسُ في التَّكوين العلمي والمقصدي للشَّريعة، ومَن فقدها خرج من مقاصدِ الشَّريعة إلى مقاصد عقله، ومَن لم يتربَّ عليها لن يشمّ رائحة التَّشريع الإلهي؛ لأنَّ دارستها تشكل (50%) من الرَّصيد العلمي
¬
(¬1) ينظر: ميزان الأصول 2: 833 - 834.
(¬2) في مقاصد الشريعة ص 28.
للعلم الشَّرعي ومقاصده، فهي الفاصلُ بين العقل المصلحي الشرعي والعقل المصلحي البشري، وبقدر إدراكها ينتقل من الثاني إلى الأوَّل.
قال ابن عاشور (¬1): «استقراء العلِّل يحصل العلم بمقاصد الشريعة بسهولة؛ لأننا إذا استقرأنا عللاً كثيرة متماثلة في كونها ضابطاً لحكمة متحدة، أمكن أن نستخلص منها حكمة واحدة فنجزم بأنَّها مقصد شرعي ...
مثاله: أننا إذا علمنا علة النهي عن المزابنة ... في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح لمن سأله عن بيع التمر بالرطب: «أينقص الرُّطبُ إذا جفَّ؟ قال: نعم، قال: فلا إذن، حصل لنا أن علة تحريم المزابنة هي الجهل بمقدار العوضين، وهو الرطب المبيعُ باليابس، وإذا علمنا النهي عن بيع الجزاف بالمكيل، وعلمنا أنَّ علَّتَه جهل أحد العوضين بطريق استنباط العلة، وإذا علمنا إباحة القيام بالغبن، وعلمنا أنَّ علّته نفي الخديعة بين الأمة بنصّ قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي قال له: إني أُخدع في البيوع: «إذا بايعت فقل: لا خلابة» (¬2) إذا علمنا هذه العلل كلَّها استخلصنا منها مقصداً واحداً، وهو إبطال الغرر في المعاوضات، فلم يبق خلاف في أنَّ كلَّ تعاوض اشتمل على خطر أو غرر في ثمن أو مثمن أو أجل فهو تعاوض باطل».
¬
(¬1) في مقاصد الشريعة ص27.
(¬2) في صحيح البخاري 3: 65، وصحيح مسلم 3: 1165.
وطرق اعتبار الشارع الوصف علة:
1. أن يظهرَ تأثيرُ عين الوصف في عين ذلك الحكم؛ إذ لا يبقى بين الفرع والأصل مباينة إلا تعدد المحلّ، كتأثير عين الكيل وهو علّة في ثبوت حكم الربا في التمر، فالجصُّ ملحقٌ به بلا شبهة؛ إذ لا يبقى إلا اختلاف عدد الأشخاص.
2. أن يظهر تأثير عين الوصف في جنس ذلك الحكم: والمراد من الجنس المجانس، والمجانسان هما المتحدان من حيث الجنس: كتأثير عين وصف الصغر وهو علّة في ثبوت حكم ولاية النكاح للولي، في جنس حكم النكاح، وهي الولاية مطلقاً، فيثبت حكم ولاية المال للولي (¬1).
وهذا المقصد يُحقِّق لنا الاستفادة من التّشريعات الإلهيّة في الفروع المستجدّة في التَّمويلات الماليّة بحيث تراعى فيها الموافقة للشَّريعة، ويتمُّ تطويرها بما يلبي الحاجات الاقتصاديّة المُختلفة، والمتطلبات الاجتماعية المنوعة، بما يتوافق مع روح التشريع الاسلامي.
ثانياً: العلّة العامة للأحكام (الملائم):
وهي الجنس للعلة الخاصة، أو الوصف الجامع لمجموعة أوصاف خاصة للحكم.
وطريق الوصول للعلة العامة (جنس الوصف) وتحقيقها لمقصدها:
¬
(¬1) ينظر: سبيل الوصول إلى علم الأصول ص 157 - 158.
1.ملائمة جنس الوصف لعين ذلك الحكم، كملائمة جنس وصف لزوم الحرج والمشقة بعارض سماوي لعين حكم سقوط قضاء الصلاة الكثيرة، وهذا الجنس للوصف استفيد من عين وصف الجنون والحيض يؤثر في عين حكم سقوط قضاء الصلاة الفائتة الكثيرة، فيندرج في هذا الجنس الإغماء لمجانسته إيّاها فتسقط الصّلاة به: أي رغم أنه لم يرد اعتبار الشارع علة للسقوط، لكنَّه اعتبر ما هو جنسه، فيقاس الإغماء على الجنون والحيض، ويعتبر علة لإسقاط قضاء الصلاة الفائتة عن المغمى عليه.
2.ملائمة جنس الوصف لجنس ذلك الحكم، كملائمة جنس وصف الحرج والمشقة لجنس حكم التخفيف في الأحكام، وهذا الجنس للوصف مستفاد من عين وصف الحيض والسفر والمرض، وجنس الحكم مستفاد من عين حكم سقوط القضاء بالحيض، وإباحة الفطر وقصر الصلاة وغيرها بالسفر، وإباحة الفطر والصلاة قاعداً ومؤمئاً وغيرها بالمرض، فكأنَّ الشارع اعتبر كلّ جنس من أجناس مظانّ الحرج علّة لكلّ جنس من أجناس الأحكام التي فيها تخفيف.
ولا ريب في أنَّ قضاء أوقات الصلوات الفائتة للحائض من أجناس مَظانّ الحرج، وسقوط قضائها عن الحائض من أجناس الأحكام التي فيها تخفيف، فيكون جنس الوصف قد اعتبر علّة لجنس الحكم لا لعينه؛ لأن عين الحكم في المقيس عليه هي الإفطار في رمضان، وقصر
الصلاة في السفر، وقد أُبيحا لعلّة مَظِنّة الحرج، بقصد دفعه، والتخفيف عن المريض والمسافر، وتكليف الحائض بقضاء الصلوات التي فاتتها أثناء الحيض فيه حرج ومشقة، وهو من جنس الحرج الذي يَلحق المسافر والمريض، ولذلك أسقط عنها للتخفيف، ودفع الحرج والمشقة (¬1)، فنتجت قاعدة: المشقة تجلب التيسير.
ومن ملائمةِ جنس الوصف لجنس الحكم تستفاد القواعد الفقهية، فمثلاً عرفنا من التطبيقات السابقة كيف خرجت القواعد، بالنظر لعلل عديدة متجانسة وأحكامها، بحيث نحتكم لها في غيرها.
وبهذه الطريقة نتوصل إلى معرفة القواعد الكلية في المعاملات الماليّة: كالجهالة المفضيّة للنزاع تفسد العقد، والضرر يزال، والضرورت تبيح المحظورات، وغيرها.
فيكون تطبيق الفقه من خلالها أيسر وأسهل، وتُحقِّق مقاصد الشريعة من إيصال النفع العام للبشرية، ورفع الضرر، وتحقيق غايات المجتمعات في التّنميّة الاقتصاديّة الفعّالة.
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 3: 383، ونور الأنوار وقمر الأقمار 2: 144، وفتح الغفار 3: 21، وشرح ابن ملك 2:790 - 791، وأصول الفقه الإسلامي لشاكر بك ص333، وغيرها.
ثالثاً: المبنى الفقهيّ للمسألة:
إنَّ المسائل الفقهيّةَ مبنيّةٌ على ضوابط وقواعد، تُدرس من أجل تحصيلها، وعامّة المذكور في كتب الفقه لاسيما فيما عدا أبواب العبادات فإنَّها عبارةٌ عن أمثلةٍ وليست مقصودةً بذاتها، وإنَّما هي تطبيقٌ في زمن ومكانٍ مُعيّن.
ومَن لا يدرس المسائل الفقهية ملاحظاً لمبانيها وقواعدها وأسسها، فإنَّه لا يقدر على فهم حقيقةِ الفقه والعيش في كنفه، وإنَّما يبقى متعلِّقاً بقشورٍ بدون قدرةٍ على ضبطٍ وتمكُّن فيه، ولا يصل إلى الملكة الفقهيّة التي بها نُطبق الفقه، ولا يستطيع إدراك مقاصد التشريع.
قال ابنُ عاشور (¬1): «وربما يجد المطلع على كتب الفقه العالية من ذكر مقاصد الشرعية كثيراً من مهمّات القواعد لا يجد منه شيئاً في علم الأصول، وذلك يخصّ مقاصد أنواع المشروعات في طوالع الأبواب دون مقاصد التشريع العامة».
ونقصد هاهنا بمبنى المسألة هو الأصل والضابط الذي بنيت عليه هذه المسألة وأمثالها من المسائل التي تشبهها، فالمسألة دائماً هي تطبيق لأصل، وهذا الأصل عادة يشتمل مجموعة من المسائل المتشابهة.
¬
(¬1) في مقاصد الشريعة ص6.
وأَبدع قاضي خان في شرحه على «الزيادات» عندما صرَّح في بداية شرحه لكل مجموعة من المسائل بالأصل الذي بنيت عليه، ومن أمثلتها في البيوع:
1.سلامة المبيع للمشتري توجب سلامة الثمن للبائع، ويترتب عليه استحقاق المبيع على المشتري يوجب الرجوع بالثمن على البائع تحقيقاً لمقتضى المعاوضة والمساواة (¬1).
2.محل البيع هو المال المملوك، ومحل الإجارة المنفعة؛ لأنَّها وضعت لتمليك المنفعة، فيقتضي قيام المنفعة، فمثلاً لو اشترى أرضاً سبخة أو مهراً صغيراً جاز، ولو استأجر ذلك لا يجوز (¬2).
3.الواحد في المعاوضات المالية لا يصلح عاقداً من الجانبين؛ لأنَّ حقوق العقد فيها ترجع إلى العاقد، فيصير الواحد مطالِباً ومطالَباً، وذلك محال (¬3).
وارتباط المسائل بأصولٍ ومبانٍ دقيقة يُعرِّفنا بانتفاء العشوائية في الأحكام وانتظامها وترتيبها، بما يورث الثِّقة من الدَّارس والعامل بها، في تحقيقها لمقصد الشريعة، ويجعل الأحكام متسقة بعضها مع بعض، وهذا كلُّه يصبُّ في قدرتها على النَّجاح في تطوير الاقتصاد.
¬
(¬1) ينظر: شرح الزيادات لقاضي خان2: 678.
(¬2) ينظر: شرح الزيادات لقاضي خان2: 728.
(¬3) ينظر: شرح الزيادات لقاضي خان2: 736.
رابعاً: المبنى الفقهيّ للباب كاملاً:
ونقصد به أنَّ كلَّ باب من الأبواب الفقهية له فكرة رئيسية يسعى لتحقيقها، وتدور مسائله على تطبيقها، وهذا ما يعرف بالقياس في الباب، الذي يقابله الاستحسان، فالفقه قياس واستحسان، والقياس هو القاعدة في الباب التي تنطبق عليه عامة مسائله، والاستحسان هو الاستثناء من هذه القاعدة، فالفروع التي خرجت عن القياس بنصّ أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو غيره، نسميها استحسان.
أما في المعاملات فالمبنى العام يمثل المبادئ العامة التي تسير عليها المسائل، والنَّصوصُ الشَّرعيةُ الواردةُ في أبوابِ المعاملات أقلُّ بكثيرٍ من النُّصوص الواردة في العبادات، فلم تكثر الأحاديث فيها كما كثرت في العبادات، وليس مرجع هذا عدم اهتمام الشَّارع الحكيم بها، وإنَّما السَّبب هو كون العبادات غير معقولة المعنى؛ لأنَّها تربية، بخلاف المعاملات فإنَّها معقولة المعنى؛ لأنَّها تنظيم.
وإنَّما كانت طريقةُ الشَّريعة فيها هو تأسيس قواعد عامّة تسير عليها المعاملات وتنضبط بها، فكانت إمكانية التطبيق فيها أكثر، ومرونة العمل أوسع، وقدرة الاجتهاد فيها أعظم، فمَن لم يكن يسير على أصولٍ محكمةٍ في الفقه، لن يستطيع المنافسة في أبواب المعاملات؛ لأنَّ ظواهر الأحاديث التي كان يَبني عليها كلامَه في العبادات لم تَعُد متوفرةً إلا قليلاً.
وسطحيةُ الاجتهاد في المعاملات تكشف عواره، وتهلك المجتمع، وتكون سبباً رئيسياً في التفلت من الأحكام الشرعية في المعاملات؛ لعدم عقلانية الأحكام الصادرة من بعض المفتين، فلا يستطيع المسلم الالتزام بها: كالفتوى بعدم جواز التَّقسيطِ في البيع مطلقاً؛ احتجاجاً بحديث: «النهي عن بيع وشرط» (¬1)، فهي تغلقُ باباً واسعاً في البيوع وغيرِها، وتعسّر البيع، فتكون المعاملات سبباً للحرج لا للفرج والتيسير.
فعدم الانتباه لهذه الميزة العظيمة في المعاملات يربك المشتغل بها، والتفات الحنفية إليها أكثر من غيرهم هو الذي جعل أحكام المعاملات في مذهبهم سهلة في العمل والتطبيق، وجعل فيها تيسيراً كبيراً ورفعاً للحرج عن الناس؛ لأنَّهم يحتكمون فيها للمبادئ العامّة التي تظافرت عليها النصوص الشرعية.
ومن هذه القواعد: الرضا، وعدم الرّبا، وعدم القمار، وإزالة الجهالة، وغيرها، كما ستأتي.
خامساً: الاستحسان:
وهو عدولُ المجتهد عن قياس جلي إلى قياس خفي، أو عدول المجتهد عن حكم كلِّي إلى حكم استثنائي بدليل انقدح في عقله رجح له هذا العدول (¬2).
¬
(¬1) في مسند أبي حنيفة ص160، والمعجم الأوسط4: 335.
(¬2) ينظر: المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي ص69.
فالقياس: هو القواعد التي تسير عليها المسائل في الأبواب المختلفة، والاستحسان: هو الاستثناء من هذه الأبواب سواء بالنص من القرآن أو السنة أو القياس أو الإجماع أو الضرورة أو العرف أو غيرها.
فكان الاستحسانُ هو المنقذ من غلو القياس، والميسرُ للتَّطبيق فيما تعسَّر بالقواعد؛ لأنَّ العلم لا بُدّ فيه من قواعد يحتكم لها، والتزام هذه القواعد مُطلقاً موقع في حرج عظيم، فالاستحسانُ يكون المَخرج للخروج ممَّا عَسُرَ العمل به قياساً، بأن نعمل به استحساناً، ومن أمثلته:
القياس في عدم جواز بيع ما لا تملك؛ فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبع ما ليس عندك» (¬1)، ولكن ما كان للناس حاجة إلى السَّلَم; لأنَّ أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها؛ لتكمل, وقد تعوزهم النفقة, فجوز لهم السلم; ليرتفقوا, ويرتفق المسلم بالاسترخاص (¬2)؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (¬3).
وكذلك القياس لا يُجوز الاستصناع; لأنَّه بيعُ ما ليس عند الإنسان، لكن جاز استحساناً؛ لأنَّ الحاجةَ تدعو إليه; لأنَّ الإنسانَ قد
¬
(¬1) في جامع الترمذي 3: 534، وحسنه، وسنن أبي داود 3: 283، والمجتبى 7: 289، وغيرها.
(¬2) ينظر: المغني 4: 185، وغيره.
(¬3) في صحيح مسلم 3: 1226، وصحيح البخاري 2: 781، وغيرها.
يحتاج إلى مصنوع معيّن على صفة مخصوصة, وقلَّما يتفق وجوده مصنوعاً، فيحتاج إلى أن يستصنع, فلو لم يجز لوقع النّاس في الحرج؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اصطنع خاتماً من ذهب فكان يجعل فصّه في باطن كفّه إذا لبسه، فصنع الناس كذلك، ثُمَّ إنَّه جلس على المنبر فنزعه، فقال: إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصّه من داخل فرمى به، ثُمَّ قال: والله لا ألبسه أبداً، فنبذ الناس خواتيمهم» (¬1).
فكلُّ ما تعارفه الناس وكان لهم به حاجة، وخلى عن الربا والقمار والمحرمات الظاهرة، كان للفقهاء فرصة بإجازته للناس وتيسير الأمر به عليهم، ومثل ذلك ما حصل ببيع الوفاء، حيث أنَّه بيع مؤقت، وصورته: أن يقول البائع للمشتري: بعت منك على أن تبيعه مني متى جئت بالثمن (¬2)، وهذا ممتنع عند الفقهاء، ولكن لما كانت للناس به حاجة كبيرة وجدنا جمعاً من الفقهاء يجوزونه، فقالوا: فاسد في حق بعض الأحكام, حتى ملك كل منهما الفسخ، صحيح في حق بعض الأحكام: كمنافع المبيع, ورهن في حق البعض، حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر
¬
(¬1) في صحيح البخاري 5: 2205، وصحيح مسلم 3: 1655، وصحيح ابن حبان 13: 302، وغيرها.
(¬2) ينظر: تبيين الحقائق 5: 173، ورد المحتار 5: 276، ومجمع الأنهر 2: 430، وغيرها.
ولا رهنه وسقط الدين بهلاكه، فهو مركب من العقود الثلاثة، وجوز لحاجة الناس إليه بشرط سلامة البدلين لصاحبهما (¬1).
سادساً: سدّ الذرائع:
هي ما كان ظاهره الإباحة ويُتوصَّلُ به إلى فعل محظور (¬2).
فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة منع الإمام مالك - رحمه الله - من ذلك الفعل في كثير من الصور (¬3)، قال القُرطبيُّ: «سد الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه وخالفه أكثر الناس تأصيلاً، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلاً» (¬4).
مثاله: بيع العنب من خمار، فذهب الجمهور إلى تحريمه؛ لأنَّه إعانة على الحرام، وسداً للذيعة، وأجازه أبو حنيفة والثوري وعطاء والحسن؛ لأن العين غير منكرة، تستعمل في الحلال والحرام، والمحرم هو فعل فاعل مختار، فانقطعت الحرمة عن البائع، وفعل البائع في نفسه مباح، وهو البيع، والتحويل إلى خمر هو صنع المشتري.
¬
(¬1) وشيوعه وانتشاره جعل مجلة الأحكام العدلية تستحسن الأخذ به، كما في (المادة 118). وينظر: رد المحتار 2: 276 - 277، ودرر الحكام 2: 207، وتبيين الحقائق 5: 183 - 184، ومجمع الأنهر 2: 430، وحاشية الشلبي 5: 184، والهداية 9: 236 - 237، والشرنبلالية 2: 207، والعناية 9: 236 - 237، وغيرها.
(¬2) ينظر: البحر المحيط 8: 89.
(¬3) ينظر: الفروق 2: 32.
(¬4) ينظر: البحر المحيط 8: 89.
فشرط أبو حنيفة في تحقق الإعانة على الحرام، وبالتالي يمنع منها سداً للذريعة، أن تكون العين منكرةً لا تُستعمل إلاّ في المحرَّم كالخمر والخنزير، فيكون البيعُ فيها باطلاً، وأمَّا ما تكون العينُ فيه غيرَ منكرةٍ بأن تُستعمل في الحلال والحرام، وتخلَّل فعلُ فاعل مختار، فأجاز ذلك.
وأجاز تأجير البيت ليعمل فيه معبد لليهود أو النصارى، وأباح العمل في تعمير الكنيسة؛ لأنه لا معصية في عين العمل (¬1)، وكذلك رعي الخنازير لذمي؛ لأنها مال متقوم في حقهم بمنزلة الشاة والبعير في حقنا (¬2).
واستثنى من هذه القاعدة بيع السلاح وكلُّ ما يُستفاد منه في تقويةِ الكُفَّار على المسلمين سواء كُنَّا معهم حَرْباً أو سِلْماً، وأيضاً منع من بيعِ السِّلاح من أهل الفتنة؛ لما يترتيب عليهما من قتل المسلمين (¬3)، فعن عمران بن الحصين - رضي الله عنه -: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السلاح في الفتنة» (¬4).
فالحاصل عند أبي حنيفة أنَّ ما قامت المعصية بعينه فحرام كبيع الخمر، ومعنى بعينه: أن عينه منكراً لا تقبل إلا الفعل المحظور، وإن ما لم
¬
(¬1) ينظر: الهداية6: 165 - 166، والمبسوط 16: 38 - 39، والدر المختار6: 391 - 292، وغيرها.
(¬2) ينظر: المبسوط16: 39، و التبيين6: 29، ورمز الحقائق2: 273، وغيرها.
(¬3) ينظر: البدائع5: 232، 7: 142، ودرر الحكام1: 306، ورمز الحقائق1: 329، وغيرها.
(¬4) في صحيح البخاري2: 741 معلّقاً، سنن البيهقي5: 327، وقال: رفعه وهم، والموقوف أصح.
تقم المعصية بعينه فغير مكروه، ويطيب أجره، ومعنى ذلك؛ أن عينه ليست منكراً، بأن المقصود الأصلي منها ليس المعصية، وإنما هي أمر عارض يحصل بفعل فاعل مختار فتنقطع نسبته عن البائع أو غيره، أما في الأعمال فيكفي فيما لم تقم المعصية بعينه أن يتوسط فعل فاعل مختار، كما في رعي الخنازير وتعمير الكنيسة.
ومَن تأمَّل قول أبي حنيفة وَجَدَ أنه فيه في هذا الزمان خاصة تيسيراً وفرجاً كبيراً بسبب عدم قيام الدول على شعائر الدِّين، واختلاط الحرام بالحلال وكثرة المعاصي والفجور، فتكون رخصةً كبيرةً؛ لتحليل أموال المسلمين، وفتح بابٍ واسع في الاستثمارات وتيسير العديد من المعاملات التِّجارية طالما أنّها في ذاتها مباحة.
سابعاً: المصالح المرسلة:
وهي كلُّ منفعةٍ داخلةٍ في مقاصدِ الشَّارع دون أن يكون لها شاهدٌ بالاعتبار أو الإلغاء (¬1).
والمنفعةُ التي قصدها الشَّارعُ الحكيمُ لعبادِه من حفظِ دينهم ونفوسِهم وعقولِهم ونسلِهم وأموالهم طبق ترتيب معيّن فيما بينها (¬2).
¬
(¬1) ينظر: ضوابط المصلحة ص330، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي ص156، والاستصلاح والمصالح المرسلة للزرقا ص39.
(¬2) ينظر: ضوابط المصلحة ص24.
وسُميت مرسلة لإرسالها: أي إطلاقُها عمّا يدلّ على اعتبارها أو إلغائها شرعاً، والمختار عند أكثر العلماء رَدُّها مطلقًا؛ إذ لا دليل على اعتبار الشَّارع إيّاها، قال القرافيُّ: «إن ما جُهِل حالُه من الإلغاء والاعتبار هو المصلحة المرسلة التي تقول بها المالكية» (¬1).
وأقسام المصلحة من حيث اعتبار الشارع لها وعدمه، هي:
1.مصلحةٌ معتبرة ـ أي اعتبرها الشَّارع وأمر بها ـ، مثل: تشريع القصاص لمصلحة حفظ الأنفس، وحد الزاني لمصلحة حفظ الإنسان، وقطع يد السارق لمصلحة حفظ الأموال، وحد الشارب لمصلحة حفظ العقول وهكذا.
2.مصلحةٌ ألغاها الشارع؛ لأنَّ في غيرها مصلحة أكبر أو أنفع، مثل: إعطاء البنت كالابن في الميراث، فيه مصلحة للبنت إلا أن هذه المصلحة ألغتها الآية وهي قوله - جل جلاله -: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} النساء: 1؛ لأنَّ مصلحة إعطاء الذكر أكثر من الأنثى تفوق مصلحة إعطائها مثله لما يترتب على الابن من متطلبات لا تترتب على البنت. والاستسلام للعدو فيه مصلحة حفظ النفوس من قتل المحاربين، ولكن تفوت به مصلحة أعظم وهي حفظ البلاد وذلّ سكانها تحت نير احتلالهم.
¬
(¬1) ينظر التقرير والتحرير3: 151.
3.مصلحةٌ لم يأت دليل من الشارع بإلغائها أو اعتبارها، وهي ما يستجد من أمور بعد انقطاع الوحي، والمصلحة للناس فيها ظاهرة ولم يأت بتشريعها الشرع ولم يأت شيءٌ فيه بإلغائها، وهي التي أطلق عليها المصلحة المرسلة (¬1).
وبهذا يعلم أنَّ المصلحة المرسلة المقصودة هنا مختلفة عن المصحلة العقلية المنافية للشريعة بحيث تقدم ما يستحسنه العقل على الشَّرع، قال الكوثري - رضي الله عنه - (¬2): «ومن جملة أساليبهم الزائفة في تغيير الشرع بمقتضى أهوائهم قول بعضهم: إنَّ مبنى التشريع في المعاملات ونحوها على المصلحة، فإذا خالف النص المصلحة يترك النصّ ويؤخذ بالمصلحة، فياللعار والشنار على ما ينطق لسانه بمثل هذه الكلمة ويجعلها أصلاً يبني عليه شرعه الجديد».
وهذه المصلحة العقليّة مختلفةٌ عَمَّا نحن فيه من المصالح المرسلة التي يشترط أن يعلم كونها مقصودة للشرع بالكتاب أو السنة أو الإجماع إلا أنها لم يشهد لها أصلٌ معيّنٌ بالاعتبار، وإنّما يعلم كونها مقصودةً لا بدليل واحدٍ، بل بمجموع أدلّةٍ وقرائن أحوال وأمارات متفرّقة، ومن أجل ذلك تُسمّى مصلحة مرسلة، ولا خلاف في اتباعها إلا عندما تعارضها
¬
(¬1) ينظر: المدخل إلى دراسة الفقه ص73، والمصالح المرسلة للشنقيطي ص14 - 15.
(¬2) في مقالة أثر العرف والمصلحة في الأحكام ص342 - 343.
مع مصلحة أُخرى، وعند ذلك يأتي الخلاف في ترجيح إحدى المصلحتين.
وهذه المصلحة يندرج جزءٌ منها تحت الاستحسان عند الحنفية ـ كما سبق ـ، ويندرج جزءٌ آخر تحت قواعد رسم المفتي، فهي إحدى قواعده، ويندرج قسم ثالث تحت الملكة الفقهية؛ إذ كلَّما ارتقت الملكةُ الفقهيّةُ أدرك الفقيه مصالح الشَّرع، وكان أقدر في الوقوف عليها والإفتاء بها، فيتمكن من تطبيق قاعدة المصلحة في أصول الإفتاء، والاستحسان بها.
وهذه بلا شَكّ تفتح طريقاً واسعاً في التَّقدير بما فيه منفعةٌ للتمويل والاستثمار إن كانت تحقِّق مصالح للفرد والمجتمع بما لا يتعارض مع النصوص الشرعية.
المطلبُ الثَّالثُ: في المقاصدُ المتعلِّقةُ بالغايات للأحكام الشَّرعيّة:
ويشتمل هذا المطلب على ثلاثة أمور: حِكَم التَّشريع وفوائده، وجلب المصالح ودفع المضار، وحفظ الكليّات الخمس.
أوّلاً: حِكَم التشريع وفوائده:
وهي أبرز ما يطلق عليه المقاصد عند المعاصرين؛ إذ أنَّها تمثل الفوائد المترتبة على تشريع الأحكام الشرعية.
ومدار هذه الحكم راجع إلى أنَّ التشريع له جانبان: تربوي وتنظيمي.
أمّا التربوي فهو يتجسد بصورةٍ واضحةٍ في العبادات التي تسعى سعياً حثيثاً إلى الارتقاءِ بإنسانيةِ الإنسانِ إلى أَعلى مراتبها، وتخليصِهِ من الصفاتِ الحيوانيةِ الذميمة، فعلى على قدر التزام المسلم بدينه يرتقي سلوكه وأخلاقه وتصرفاته إلى أعلى مستويات الإنسانية، ويؤكد قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (¬1)، والعبادات هي المحقِّقةُ لأفضل المكارم الخلقيةِ بالتخلصِ من الصفاتِ الذميمةِ والإخلاصِ للهِ تعالى.
وأما الجانب التنظيمي في التشريع فهو يتمثل في النكاح والطلاق والمعاملات والقضاء والسير والمواريث وغيرها، ففيها يسعى الفقهاء إلى تقديم أفضل حلول للحياة الإنسانية، ومَن قدَّم لنا أفضل مما عندنا لن نتوانا في الاستفادة والأخذ منه؛ لأنَّ المقصود إيجاب أحسن حياة بشرية.
قال ابن عاشور (¬2): «إذا نحن استقرأنا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع، استبان لنا من كيان دلائلها من جزئياتها المستقرأة أنَّ المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة،
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 8: 4، وسنن الدارقطني 3: 304، وسنن أبي داود 2: 283، ومسند أحمد 2: 182، ومكارم الأخلاق ص78، قال الحاكم: صحيح الإسناد. ينظر: خلاصة البدر المنير 2: 257.
(¬2) في مقاصد الإجارة ص103.
واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحُه صلاحَ عقله، وصلاحَ عمله، وصلاحَ ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه».
والفقيهُ في تحقيق ذلك له نوران: نور العقل ونور الشرع.
فأما نور العقل فهو يبذل قصارى جهده في تقديم الطريق الأرشد والأفضل في حلّ المشاكل الحياتية يضاف إليها التجربة التاريخية العميقة في هذا الجانب من الفقهاء وملاحظاً معرفة أهل الاختصاص في هذا الميدان، فما يقدمه غير المسلم في تنظيم الحياة الإنساينة لا يعدوا نور العقل البشري، ومثله يستفاد منه بكماله عند الفقهاء أضف إليه تجارب غيرهم من الفقهاء.
وأما نور الشرع فهو يتمثل في أمور لا يمكن للعقل إدراكها بنفسه لأول وهلة وإنما تدرك بالنظر إلى آثارها بعد مدة مديدة، فالشرع اختصر علينا الطريق وعرفنا بها ابتداء، فلا حاجة لنا إلى عملها حتى نتعرَّفَ على ضررها فمثلاً: الرِّبا والقمار وبيع الدَّين بالدين وبيع ما لا يملك ففيه من المضارّ التي علمت في هذا الزَّمان بسبب الكارثة الاقتصادية ما لا يخفى، فالشريعة عرفتنا بها ابتداءً وإن كانت لا يدرك بالعقل إلا بآثاره حتى نتعذب دهراً قبل نتوصل إلى هذه الحقيقة.
وعلى كلٍّ تسعى الشريعة إلى تنظيم الحياة البشرية بهذين النورين اللذين لا يوجدان بتمامها عند غير المسلم المسترشد بنور الله - جل جلاله -، فيتوصَّل إلى أبدعِ تنظيمٍ وترتيبٍ لكلِّ جوانب حياته.
وإدراك أنَّ المعاملات المالية من جانب التنظيم يفتح أُفقاً كبيرة في التفكير، ويزيل حرجاً عظيماً، فنظرتنا للمعاملات أنّها من المدنيةِ المشتركةِ بين الأممِ كالصِّناعات المختلفة، تستفيد كلُّ أُمّة منها من تجاربِ غيرها؛ لتطوير جانبها الاقتصادي والمالي والاستثماري، بعد إزالة ما عَلِق بها من شوائب الرِّبا والقمار وأمثالها، فتكون جميع تجارب الدول والحضارات مَحلُّ استفادة منّا، وتكون أقوال المذاهب الفقهيّة المتعدِّدة مرتعاً خصباً للتَّنمية والتَّطوير بما يُحقِّق النَّجاح.
ثانياً: جلب المصالح ودرء المفاسد:
ويختلف هذا النَّوع عمّا سبقه أنَّ الأوَّل يتكلَّم عن الفوائدِ التَّفصيلية للتِّشريع في كلّ حكم من الأحكام الشَّرعيَّة والثَّاني يتكلّم عن الفائدة الكليّة الجامعة لكلّ الفوائد الجزئية في تحقيق المصلحة للإنسان.
قال ابنُ أمير الحاج (¬1): «أفعال العباد وأحكامه تعالى معلَّلة برعاية مصالح العباد كما تنادى به تعليلاتهم في شرعية المعاملات والعقوبات».
¬
(¬1) في التقرير والتحبير3: 234.
وقال السيوطيّ (¬1): «لا شكّ أنَّ الشرائعَ كلها متفقةٌ على النظر إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، وكذا أحكام القضاء والقدر جارية على سنن ذلك وإن خفي وجه ذلك على الناس في كثير منها».
والسبب وراء أنَّ الشريعة وجدت لمصالح العباد أنَّ الله غنيٌّ عن عباده أجمعين، وإنَّما يريد لهم ما في خيرهم، قال الشاطبيُّ (¬2): «إنَّ القاعدةَ المقرَّرةَ أنَّ الشرائعَ إنَّما جيء بها لمصالح العباد، فالأمرُ والنهيُ والتخييرُ جميعاً راجعةٌ إلى حَظِّ المكلَّفِ ومصالحِه؛ لأنَّ اللهَ غنيٌّ عن الحظوظِ منزّه عن الأغراض».
وإدراك هذا المقصد العظيم يدخل الطمأنينة في قلب المسلم والمستثمر؛ لأنَّ المقصود من هذه التشريعات بكل تفاصيلها هو تحقيق المصلحة له، ودفع المضرّة عنه، فتكون ثقة تامة بالتشريعات والنّشاطات المتعدِّدة، وعنصر الثِّقة من أهمِّ عناصر النَّجاح الاستثماري.
الثَّالث: الكليّاتُ الخمس (المقاصد العامّة):
تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:
الأول: أن تكون ضرورية: وهي ما لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فُقِدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد
¬
(¬1) في الحاوي للفتاوى1: 445.
(¬2) في موافقاته1: 148.
وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين (¬1).
ووصفت بالضرورية؛ لأنَّها ما انتهت الحاجة فيها إلى حدّ الضرورة، فتتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمس التي لم تختلف فيها الشرائع, بل هي مطبقة على حفظها، وهي:
أ. حفظ الدين بشرعية القتل والقتال, فالقتل للردة وغيرها من موجبات القتل؛ لأجل مصلحة الدين, والقتالُ في جهاد أهل الحرب، كما في قوله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} التوبة: 29 الآية.
ب. حفظ النفس بشرعية القصاص، كما يشير إليه قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} البقرة: 179.
ج. حفظ العقل بشرعية الحد على شرب المسكر, فاختلال العقل مؤدٍّ إلى مفسدةٍ عظمى.
د. حفظ النَّسب بكلٍّ من حرمة الزنا وحدّه؛ حتى لا تختلط الأنساب.
هـ. حفظ المال بأمرين: أحدهما: إيجاب الضمان على المعتدي فيه فإنَّ المال قوام العيش، وثانيهما: بالقطع بالسرقة.
¬
(¬1) ينظر: الموافقات2: 8.
وتسمّى هذه بالكليات الخمس وهي حفظُ الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وكلٌّ منها دون ما قبله.
وحصر المقاصد في هذه ثابت بالنظر إلى الواقع وعادات الملل والشرائع بالاستقراء (¬1).
الثاني: أن تكون حاجية: وهي المفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلّفين على الجملة الحرج والمشقّة، ولكنَّه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة (¬2).
وسُميت بالحاجية؛ لأنَّها لم تنته الحاجة إليها إلى حدّ ضرورة شرع الحكم لها، نحو: البيع لملك العين بعوض مال، والإجارة لملك المنفعة بعوض مال، والمضاربة للشركة في الربح بمال من واحد وعمل فيه من آخر، والمساقاة لدفع الشجر إلى من يعمل فيه بجزء من ثمره.
فإنَّ هذه المشروعات لو لم تشرع لم يلزم فوات شيء من الضروريات الخمس إلا قليلاً: كالاستئجار لإرضاع مَن لا مرضعة له وتربيته وشراء المطعوم والملبوس للعجز عن الاستقلال بالتَّسبب في وجودِ هذه الأشياء فاحتيج إلى دفع حاجة المحتاج إليها بهذه العقود، فهذه المستثنيات من
¬
(¬1) ينظر: التقرير والتحبير2: 144، والبحر المحيط6: 267.
(¬2) ينظر: الموافقات2: 11.
قبيل الضَّروريّ؛ لحفظ النَّفس؛ لأنَّ الهلاكَ قد يحصل بتركها فلا جرم أن عدَّها الآمدي منه (¬1).
الثالث: أن تكون تحسينية: وهي الأخذُ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق (¬2).
وسميت بالتحسينية؛ لأنَّها من قبيل رعاية أحسن المناهج في محاسن العادات، مثل: حرمة القاذورات حثّاً على مكارمِ الأخلاقِ والتزام المروءة ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - موصوفٌ بتشريع ذلك، فقال تعالى في وصفه: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} الأعراف: 157، وإن لم يتعلَّق به ضرورةً ولا حاجةً ولا تكميل لإحداهما بل إجراء للناس على ما أَلفوه من العادات المستحسنة في ذلك (¬3).
وبهذا يعلم أنَّ الجانب المالي هو جزء من الضروريات التي لا حياة بانعدامه، وتمامه يقع في الحاجايات التي تكمل الضروريات، بحيث ترتفع بها المشقّة، وهذه العناية التي أولاها التّشريع الإسلامي للمال وتنميته متوافقةٌ مع الحاجة البشريّة له؛ لأنَّها جزء من حياتها لا يمكن
¬
(¬1) ينظر: التقرير والتحبير3: 144.
(¬2) ينظر: الموافقات2: 11.
(¬3) ينظر: التقرير والتحبير3: 144.
إهماله، وأبدع الفقهاء أيما إبداع في ترتيبهم له وبيان منزلته ودرجته مع غيره، كما سبق.
* * *
المبحثُ الثّاني
في أثر المقاصد الشَّرعية
في التَّمويل المصرفي
نسعى في هذا المبحث إلى توظيف المقاصد الشرعية المتنوِّعة في تطوير وتفعيل التَّمويل الإسلامي المصرفي، من حيث التنبيه على ما يلي:
أولاً: أنَّ التمويل يقوم على أساس التراضي بين النَّاس، فيُمثلُ التَّراضي أبرز قاعدة بُنيت عليها المعاملات، مما يرغب المستثمرين ويحفزهم ويعطيهم ثقة أكبر بالاستثمار.
ولو لم يكن في النصوص الشرعية إلا هذا الأساس في التعامل لكان كافياً للدلالة على عظم هذا التشريع، فهي تجري في كافة التصرُّفات التِّجارية مجرى الرُّوح في الجسد، فلا حياة لجسدٍ بلا روح، ولا اعتبار لمعاملةٍ بدون رضا.
قال - جل جلاله -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} النساء: 29، إذ في الآية إباحة سائر التجارات الواقعة عن تراض، والتجارة اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح؛ قال - جل جلاله -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم
مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم} الصف: 10، فسمّى الإيمان تجارةً على وجه المجاز تشبيهاً بالتجارات المقصود بها الأرباح (¬1).
وأكد هذا المعنى الوارد في الآية النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إنَّما البيع عن تراض» (¬2).
فخلو العقد عنه ابتداءً عند التعاقد أو بقاءً بعد التعاقد يسبب خللاً ظاهراً فيه يمنع من صحّة العقد، ويوجب الفسخ لفساده.
والرِّضا هو أكثرُ فكرةٍ مراعاةٍ في العقود، فعليها مدارُ التَّعاملات، فهي القاعدةُ العظمى والمرتكز الأساسي فيها، فتدخل في عامة متعلقات المعاملات من شروط وخيارات وعيوب وجهالة، ومن أمثلة ذلك:
1.ثبوت خيار الرؤية للمشتري حتى يحصل له تمام الرضا؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إن رآه» (¬3)، فإن اشترى مبيعاً ولم يشاهده يبقى له الحقّ في رؤيته حتى يتم البيع بتحقق الرضا فيه.
2.ثبوت خيار الشرط؛ لتحقيق تمام الرضا من البائع والمشتري بثبوت حقّ فسخ العقد لكلّ واحد من المتعاقدين في ثلاثة أيام إن اشترطا
¬
(¬1) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 2: 245، وغيره.
(¬2) في سنن ابن ماجة2: 727، وصحيح ابن حبان11: 340، والسنن الكبرى للبيهقي6: 29، وغيرها.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 5: 268، وسنن الدارقطني 3: 4، ومصنف ابن أبي شيبة 4: 268، وشرح معاني الآثار 4: 9، وغيرها، وينظر: إعلاء السنن 14: 61 - 65، وغيره.
ذلك عند التعاقد؛ لأنَّ الإنسان محتاج إلى التأمّل والتفكر فيما يشتريه ويبيعه، حتى لا يتضرر في ذلك، ولا يكون ذلك إلا بخيار الشرط (¬1)؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا أو يكون البيع خياراً» (¬2).
ثانياً: أنَّه يقوم على أساس رفع النزاع، وهذه قاعدةٌ كبيرةٌ، يُعبَّر عنها كثيراً بعبارة: كلُّ جهالةٍ تُفضي إلى النِّزاع تُفسدُ البيع، فكلّ ما يسبب النزاع يترك ويبتعد عنه.
فميزوا بين الجهالةِ المعفوةِ وغيرِ المعفوة بتحقُّقِ النِّزاع فيها، فعامّة الفروع في الفساد يعلِّلون فسادها بالجهالة أو بالنِّزاع.
والجهالةُ متفاوتةٌ جداً من زمانٍ إلى زمانٍ، ومكانٍ إلى مكانٍ، لكنَّ مردُّها إلى النزاع، فيكفينا مثلاً في بلدة أن نذكر في المبيع بعضَ الأوصاف وتكون كافيةً بعدم حصول التَّنازع، وفي بلدةٍ أُخرى لا يكفينا ذكر مثل هذه الأوصاف فيحصل تنازع إن لم يبيِّن أكثر، فيكون البيع في البلد الذي لا يتنازعون صحيح وفي الآخر فاسد.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الغرر» (¬3)، قال الإمام السَّرَخْسِيّ - رحمه الله - (¬4): «الغرر ما يكون مستور العاقبة»، فلا بد أن يكون ما في العقد واضحاً بيِّناً ومحدداً لكل واحد من المتعاقدين.
¬
(¬1) ينظر: درر الحكام 1: 290.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 742، وغيره.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 753، وصحيح مسلم 3: 1153، وصحيح ابن حبان 11: 327، وغيرها.
(¬4) في المبسوط 13: 68.
وعلى المشتغل بالمعاملات أن ينتبه دائماً إلى تحقُّق هذا الأصل في المعاملة، بأن لا يكون فيها جهالة مفضية إلى النزاع، وإلا فسدت، وليس مردُّ الجهالة إلى النظرية والعقل، وإنَّما إلى الواقع والتطبيق، فكم من المسائل نحكم بجهالتها عقلاً، لكن لا يتنازعون فيها في الواقع، فلا نحكم بالفساد بسبب هذا الجهالة، ومن أمثلة ذلك:
1.جواز بيع القمح في سنبله والباقلاء في قشره؛ لكونه معتاداً ولا يفضي للنزاع.
2.جواز بيع وشرط في كثير من البلاد رغم الجهالة؛ لتعارفهم إياه، وعدم التنازع بسببه، كما حصل في الاستصناع.
ثالثاً: أنَّه يقوم على أساس أخذ المال بالحقِّ دون الباطل بحيث تترك كل الطرق غير المشروعة في الاستثمار، فينتفع الفرد والمجتمع ويرغب في مثل هذا النوع من التمويل المصرفي.
فطرقُ الحصول على المال متعددةٌ، منها ما هو مشروع، ومنها ما هو غير مشروع، وما كان غيرَ مشروع منها ما هو محل توافق بين المجتمعات: كالسَّرقة، والخيانة، والغصب، ومنها ما تمنعه قوانين لدول وتبيحه أُخرى على حسبِ ثقافاتٍ ومنافع ومَضارّ تُحدِّدها تلك الأنظمة.
وفي نظامنا الإسلامي أدخلنا فيه كلَّ ما كان مُضرّاً بالأفراد والمجتمع مما لا نفع فيه، ونجعله من المحظورات: كالربا، والقمار، وأجرة الغناء، وثمن الخمر، وغيرها.
وأكَّد الشَّارعُ هذه الميِّزة بقوله - جل جلاله -: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} البقرة: 188، قال الإمام الجصاص - رحمه الله - (¬1): «أكل المال بالباطل على وجهين:
أحدهما: أخذه على وجه الظَّلم والسَّرقة والخيانة والغصب وما جرى مجراه.
والآخر: أخذه من جهة محظورة, نحو: القمار، وأجرة الغناء، والقيان، والملاهي، والنائحة، وثمن الخمر والخنزير والحر، وما لا يجوز أن يتملكه وإن كان بطيبة نفس من مالكه».
ويُمكن ضبط ذلك بأنَّ كلَّ التَّصرُّفات الممنوعة شرعاً تكون من أكل المال بالباطل؛ لأنَّها منعت لما فيها من مفاسد، فلم تعتبر الشريعة أنَّ كسبها حلالاً؛ ليمتنعَ النَّاس عن القيامِ بها، وإن كان النَّهي شديداً في حقِّها، يكون الكسب النَّاتج عنها خبيثاً، بحيث لا يحلُّ أكلُ وشربُ وضيافةُ وميراثُ صاحبها؛ لأنَّ ملكَه بطريق باطل، ومن أمثلةِ ما نصُّوا على أنَّ كسبه خبيث:
¬
(¬1) في أحكام القرآن 1: 344.
1.الغاصب إذا أجر المغصوب، فالأجرة له، ولكن يتصدق بها؛ لأنَّها حصلت له بكسب خبيث (¬1).
2.مَن صَيَّر ما ليس بمال من ملك الغير مالاً بفعله، كان ذلك المال له: كمن اتخذ كوزاً من تراب غيره وباعه، ولكن ينبغي له أن يتصدق به؛ لأنَّه حصّله بكسب خبيث (¬2).
واعتبار الكسب خبيثاً طريقٌ لطيف في صرف النَّاس عن سلوك طرق فاسدة في كسب المال؛ حفظاً للمجتمع من الانحراف والسير في طريق المهالك.
رابعاً: محاربة الربا والحض على الابتعاد عنه وعن شبهته؛ لأنَّ الربا مهلكة الاقتصاد؛ لما فيه من تضييع المجتمع في زيادة الفقير فقراً وزيادة الغني غنىً بتحقيقه للتضخم المستمر.
وتعريفُه العامّ: هو زيادةٌ خاليةٌ عن عوض (¬3)، فطالما أنَّه لا يوجد عوض لم يعد أخذه بحقّ، ولم يعد الرّضا بتمامِه موجوداً، بل أحدُ الطَّرفين منتفعٌ والآخرُ متضرر؛ لهذه الأسباب وغيرها وجدنا القرآن حارب الربا محاربة شديدة، فقال - جل جلاله -: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا
¬
(¬1) ينظر: المبسوط5: 70.
(¬2) ينظر: المبسوط11: 27.
(¬3) ينظر: المبسوط12: 117، والتقرير والتحبير3: 116.
يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} البقرة: 275.
فكان أثره السيء في التعاملات المالية كأثر الزنا في العلاقات بين الرجال والنساء، فكما مُنِع من كلِّ الطُّرق الموصلة للزّنا: كالتبرج والاختلاط، كذلك مُنِع من كلِّ الطُّرق الموصلة للرِّبا، فكانت شبهة الربا ملحقة بالربا في الحرمة؛ غلقاً لهذا الباب، وسدّاً لكل المنافذ الموصلة له؛ لخطورته الشديدة على الأموال.
فمثلاً منع أبو حنيفة - رضي الله عنه - من بيع الزيتون بالزيت والسِّمسم بالشيرج حتى يكون الزيت والشيرج أكثر مما في الزيتون والسمسم؛ ليكون قدره بمثله، والزائد بالثَّجير (¬1)؛ لاتحاد الجنس بينهما معنى باعتبار ما في ضمنهما، وإن اختلفا صورة، فيثبت بذلك شبهة المجانسة، والربا يثبت بالشبهة، فلو لم يكن الدهنُ الخالص أكثر من الذي في الآخر، كان الثجير بلا عوض يقابله فيحرم، ولو لم يعلم أنَّ الخالص أكثر لا يجوز؛ لأنَّ المتوهم في الرِّبا كالمتحقِّق (¬2)، فعن عمر - رضي الله عنه -: «إنَّ آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبض ولم يفسرها، فدعوا الربا والريبة» (¬3)،
¬
(¬1) الثجير: وهو ثُفْل كل شيء يعصر. ينظر: مجمع الأنهر2: 89، وغيرها.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص548، وتبيين الحقائق 4: 96، وغيرها.
(¬3) في مسند أحمد 1: 36، 49، وسنن ابن ماجة 2: 764، وقال الكناني في المصباح 3: 35: رجاله ثقات.
قال الطِّيبِي: «يعني إنَّ هذه الآيةِ ثابتةٌ غيرُ منسوخةٍ، غير مشتبهة؛ فلذلك لم يفسِّرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فأَجروه على ما هي عليه، ولا ترتابوا فيها واتركوا الحيلةَ في حلِّ الرّبا» (¬1).
ونخلص من ذلك: أنَّه ينبغي الابتعاد كلَّ البعد عن كلِّ معاملةٍ فيها ربا أو مورثة للرِّبا، بأن تحتوي على فضل خالٍ عن عوضٍ، وهو مخالفٌ لمبنى المعاوضات من مقابلةِ الشَّيءِ بشيءٍ لا أن يكون خالياً عمّا يُقابله؛ لأنَّه أكل حَقِّ الغير لحاجته واضطراره، فيمنع منه، ويمنع من كلِّ الطُّرُق الموصلة له من شبهة الرِّبا.
خامساً: لزوم العوض في مقابل عين أو منفعة، فالقمار معناه العامّ: تعليق أصل الاستحقاق على الحظّ؛ إذ لا يقابل المال فيه حقٌّ معتبر من منفعة أو عين، فلا يرغب فيه.
وهو يدخل في المعنى العام للربا، وهو القمار، ومعناه العامّ: تعليق أصل الاستحقاق على الحظّ (¬2)؛ إذ لا يقابل المال فيه حقٌّ معتبر من منفعة أو عين.
والمقصود بالعين: الأعيانُ التي يُضاف إليها عقد البيع وأمثاله، والمقصودُ بالمنفعة: المنافعُ التي يُضاف إليها عقدُ الإجارة وأمثاله.
¬
(¬1) ينظر: عمدة الرعاية 5: 162.
(¬2) ينظر: المبسوط7: 75، وفتح القدير9: 440، والبناية11: 433، وغيرها.
ففي العقودِ المعتبرةِ يكون المالُ مُستحقّاً بإزاءِ تقديمِ عينٍ أو منفعةٍ؛ لأنَّ بها تمام العدل في مقابلة الشيء بقيمته المتوافق عليه بين المتعاقدين، ويكون لازمٌ على كلِّ طرفٍ تقديم ما يلزم عليه قضاءً، بخلاف ما يكون قماراً، فكيف يلزم عليه أن يُقدِّمَ شيئاً ولم يأخذ في مقابلِهِ عوضاً، ولذلك لا يُقضى عليه به؛ لعدم استحقاقِهِ له، وهذا كمال العدل.
ونهى الله تعالى عن القمار في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} المائدة: 90، والميسر: هو القمار مشتق من اليسر؛ لأنَّه أخذ المال بسهولة من غير تعب ولا كدّ (¬1).
وتوضيحاً لمفهوم القمار المراد عند الفقهاء أورد بعض المسائل التي عللو تحريمها بأنَّ فيها قماراً، وهي:
1.إن شرط شخصان جعلاً من كلِّ واحد، بأن قال لصاحبه: إن سبقتني أعطيتك كذا، وإن سبقتك تعطيني كذا، فهو القمار بعينه (¬2).
2.المنع من بيع الملامسة والمنابذة وإلقاء الحجر؛ لما فيها من القمار (¬3).
¬
(¬1) تعليقات البغا على البخاري7: 104.
(¬2) ينظر: المحيط البرهاني5: 323.
(¬3) ينظر: العناية6: 417.
سادساً: أنَّ العقود حقيقة لا وهمية، كالمضاربات التي تحصل في البورصات وغيرها يُجنى من ورائها أرباح طائلة دون أن يكون فيها فائدة تعود على المجتمع بإنتاجِ عينٍ أو تقديمِ منفعةٍ.
ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ فحسب، بل يكون لها أثراً سلبيا بحصول تضخم في الأسعار، مما يلحق ضرراً بليغاً بالمجتمعات لحساب أفرادٍ معينين، ممَّا جعل بعض الاقتصاديين يُطالب الدُّول إن أرادت أن تحل مشكلة التعثر الاقتصادي أن تترك وتبتعد عن العقود الوهمية.
هذه الكيفيات لم تقبلها الشريعة، وحاربتها وسلكت وسائل تجعل العقود حقيقية تعود بالنفع على الأفراد والجماعات بالإنتاج والعمل والاستثمار الحقيقي، فلا نريد عقداً بدون عين أو منفعة. ومن أمثلةِ تحقيقِ الفقه لذلك:
1.المنع من بيع شيء لم يقبض، تأكيداً على تحقق العقد بانتقال المبيع ووجود الضمان له؛ فعن حزام بن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: «قلت: يا رسول الله، إنّي رجل أشتري المتاع فما الذي يَحِلّ لي منها وما يَحْرُم عليَّ؟ فقال: يا ابن أخي، إذا ابتعت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه» (¬1).
2.المنع من بيع السلعة قبل تملكها؛ مبالغة في حصول البيع بحق، وابتعاداً عن أسباب النزاع؛ فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: «أتيت رسول
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان11: 358،361، وسنن النسائي الكبرى4: 37، والمجتبى7: 286، والمنتقى1: 154.
الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق، ثم أبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك» (¬1).
سابعاً: أنَّ الأصلُ في المعاملات الإباحة ما لم تخالف نهي الشارع المبيّن في كتب أئمتنا الفقهاء، وهذا يفتح آفاقاً للمتخصصين بالإبداع والاستفادة من التجارب الشرقية والغربية.
وإنَّ اعتبارَ أئمة الفقه قاطبةً أنَّ الأصلَ في المعاملات الإباحة مَيِّزةٌ كبيرةٌ جداً، فيه تيسيرٌ، ورفعٌ للحرج، وابتعادٌ عن التَّعقيدات والتَّقييدات، وهذا متوافقٌ مع كونِ المعاملات من التَّنظيمات.
ومعنى هذا: أنَّ الذي يضع المعاملة هو المتخصِّص في الصناعة والتجارة وغيرها وليس الفقيه، فالفقيه أشبه ما يكون عملُه بالقانونيّ الذي ينظر في موافقةِ أنظمة المعاملة أو الشَّركة لقوانين الدَّولة وما هو الأنسبُ والأفضلُ منها بحفظِ الحقوق، ويكون عنده نوعُ مساعدةٍ في وضع العقود، لكن وضعها ابتداء فهو من قبل أهل كلِّ فنٍّ هي فيه.
وعمل الفقيه يتميّزُ أيضاً عن عملِ القانونيّ أنَّ المعاملةَ مع موافقتِهِا لنظام الدولة نحتاج أن تكون موافقةً للشريعة، وبحكم التراث الفقهي الضخم عبر التاريخ، والتجارب الهائلة في الدول المتعاقبة في الحكم
¬
(¬1) في جامع الترمذي 3: 534، وحسنه، وسنن أبي داود 3: 283، والمجتبى 7: 289، وغيرها.
بالشريعة، أصبحت لدى الفقه صوراً من العقودِ والمعاملاتِ لا تُعدُّ ولا تُحصى، فيستطيع أن يفيدَ منها مجتمعه والبشرية جمعاء.
وبالتَّالي يكون عملُ الفقيه تصحيحُ معاملات النَّاس بما لا يُخالف الشَّريعة، وتَحريرُ المُعاملة بما يحفظ حقّ جميع الأطرف، والسَّعي في تحقيقِ العدل بين المُتعاقدين، والتَّنقيحُ بما يجعلها أكثر نجاحاً وملائمةً للواقع، والإسهامُ في تطويرِها بحكمِ التجربةِ الواقعيةِ والتَّاريخية، والإبداعُ في معاملاتِ جديدةٍ مستفادةٌ من تراث الأمة.
وهذا الإباحةُ مندرجةٌ في قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة، ويستنثى منها الفروج؛ إذ الأصل فيها التحريم، قال العلامة شيخي زاده - رضي الله عنه - (¬1): «واعلم أنَّ الأصلَ في الأشياء كلِّها سوى الفروج الإباحة، قال - جل جلاله -: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} البقرة: 29، وقال - جل جلاله -: {كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} البقرة: 168، وإنَّما تثبت الحرمة بمعارضة نص مطلق أو خبر مروي، فما لم يوجد شيء من الدلائل المحرمة فهي على الإباحة».
وما قيدتُ به من كونِ الإباحةِ مقيَّدةٌ بعدمِ مخالفة النَّهي في الكتبِ الفقهيّة لا النَّهي في الكتاب والسنّة؛ تنبيهٌ على أمرٍ في غايةِ الأهمية، وهي أنَّ الكتبَ الفقهيّة هي تفسيرٌ وتوضيحٌ وتبيينٌ من قبل المجتهدين لنهي
¬
(¬1) في مجمع الأنهر 2: 568.
الشَّارع وإباحتِهِ في النصوص الشرعية، وهم الأقدرُ على فهم مراد الشارع بأصولهم المقرَّرة المشهورة، فلا ينبغي لغير المجتهد أن يبيحَ لنفسِهِ فهم مقصود الشّارع كيفما أراد، وتأويل الآيات والأحاديث على حسب رغبته، وإنَّما يرجع لمن تخصص في هذا، وهم الفقهاء.
بالتالي فإنَّ الأصل في المعاملة الإباحة حتى يدل الدليل على تحريمها، فكونها مباحة هو ما قامت عليه العديد من الأدلة الشرعية، فما لم يصرح فقهاؤنا بتحريم شرط وعقد ومعاملة؛ لمنع من قبل الشارع، لما يترتب عليها من المخاطر والمحظورات، فإنَّها تبقى على الأصل من الإباحة.
وكونها مباحةً في الأصل يقتضي أنَّ مَن يدَّعي الحرمةَ عليه أن يُقدِّمَ الدليلَ عليها لا مَن يدَّعي الإباحة وإلاّ لبقيت على إباحتها، بمعنى: أنَّه لو اختلف اثنان في معاملة من المعاملات، هل هي حلال أم حرام، فإنَّ الذي يُطالَب بالدليل هو الذي يقول: إنَّ هذه المعاملة حرام، أما الذي يقول: أنَّها حلال فلا يُطالَب بالدليل؛ لأنَّ الأصل معه.
ثامناً: استفادة المعاملات من اختلاف الفقهاء، فهذا الاختلاف جعل عندنا ثروة فقهية في المعاملات وغيرها لا تُضاهى، مما يوسع الأمر في التمويل ولا يجعله ضيقاً.
فأعظم ثروةً يدَّعيها الأوربيون هو القانون الرُّوماني، ولو وُزِنَ ما جاء عن الرومان ما عَدل عُشر مِعشار ما ترَكَه الفقهاء المسلمون من
عيون الفقه ومسائله المشتملة على ما لا يدخل تحت حصرٍ من الحلول الجزئيَّة والقواعد الكليَّة، بما يغني الإنسانية إنْ بغت الخير لنفسها، واتَّجهت إلى ما ينفعها ويعلو بها، فلا عجب أنْ قيل: إنَّ ممَّا أسهم في نموِّه واتِّساعه هو الاختلافُ الذي أدَّى إلى تقصِّي الحقيقة، وهذا من أهمِّ آثار الاختلاف على الفقه (¬1).
ومعلومٌ أنَّ الاستفادةَ من المذاهب الفقهيّة المعتبرة للمكلّف والمجتمعات والدُّول جائزةٌ بشروطٍ ليس هنا محلُّ بيانها، ففي موضع الضَّرورة يجوز لنا العمل بمذهب الغير؛ لاجتماع دليل الضرورةِ مع أدلّة الغير، فيتقوَّى على مذهبنا في حَقِّ هذه المسألةِ فجاز العمل به، وهذه توسعةٌ كبيرةٌ على الأمة، وهذه الاستفادة أكثر ما تظهر في المعاملات؛ لكونها تنظيم، فكل مذهب يسعى لتقديم تنظيم لنا، فما رأيناه أنسب للواقع وأكثر فائدة وإحكاماً أخذنا به.
لذا شاع وذاع على لسان كثير من السلف: أنَّ اختلاف الأئمة في الفروع هو ضرب من ضروب الرحمة، فروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اختلاف أمتي رحمة» (¬2)، وقال القاسم بن محمد - رحمه الله -: «كان اختلافُ
¬
(¬1) ينظر: علم الأصول لعبد الوهاب ص249 - 253.
(¬2) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء1: 74: «ذكره البيهقي في «رسالته الأشعرية» تعليقاً وأسنده في «المدخل» من حديث ابن عباس بلفظ «اختلاف أصحابي لكم رحمة»، وإسناده ضعيف».
أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحمةً لهؤلاء النّاس» (¬1)، وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: «ما يَسُرُني أنَّ لي باختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - حُمُر النِّعم» (¬2).
والاطلاعُ على اختلافِ الفُقهاء في داخلِ المذهب وخارجه توسعُ الصَّدر وتفتحُ المدارك، بحيث لا يتشدَّد الفقيه في مواضع الخلاف ولا يُنكر فيها، وإنَّما يتشدَّد فيما حَقُّه التَّشدد من مواضع الإجماع بين العلماء، وتكون فتواه فيها تسامحٌ وتيسيرٌ ورفعٌ للحرج على مقتضى ما قرَّرته الشريعة، قال ابن أبي عروبة - رحمه الله -: «مَن لم يسمع الاختلاف فلا تعدُّوه عالماً» (¬3)، وقال هشام بن عبيد الله الرازي - رحمه الله -: «مَن لم يعرف اختلافَ الفقهاء فليس بفقيه» (¬4)، وقال قتادة - رحمه الله -: «مَن لم يعرف الاختلاف لم يشمَّ الفقه بأنفه» (¬5).
فهذا الاختلافُ يستفيد منه الفقيه في حسنِ نظره للأُمور وموازنته لها، ويكون فيه سعةً كبيرةً على الأمة باختياره ما يُناسبها من أقوال الفقهاء، ونمى الفقه بسببه نمواً هائلاً فأفادنا كثيراً في المعاملات المتنوّعة والمستحدثة.
¬
(¬1) في حلية الأولياء7: 119، والطبقات الكبرى5: 189، والطبقات الكبير7: 188.
(¬2) في جامع العلوم والحكم2: 901، والإبانة الكبرى2: 566، والطبقات الكبير7: 371.
(¬3) في جامع بيان العلم2: 815، والكامل 4: 449، والميزان152، وسير أعلام النبلاء6: 413.
(¬4) في جامع بيان العلم2: 816.
(¬5) في ترتيب الأمالي للشجري ص70، وجامع بيان العلم2: 814.
تاسعاً: لزوم شروط المتعاقدين ما لم تخالف مقتضى العقد ونهي الشارع الحكيم، فعندما يشترطُ شرطاً منافياً لهذا المقتضى، فإنَّ كلامَه تناقض، إلا إن كان هذا موافقاً للعرف فيعمل به.
ومعنى مقتضى العقد: ما يقتضيه: أي ما عُقِد العقد من أَجل تحقيقِه، فهو مقصودُ العقد، فعندما يشترطُ شرطاً منافياً لهذا المقتضى، فإنَّ كلامَه تناقض، فمثلاً عقد البيع يقتضي التَّمليك، وهو يشترط أن يبقى المبيع عنده مدّةً من الزَّمن مثلاً، وهو يعني تحقُّق التَّمليك الكامل الموجود في العقد، فيتناقض المقتضى مع الشَّرط، ولا شكّ بقوّة المقتضى على الشَّرط؛ لأنّه ما قام عليه العقد لا ما أُضيف إليه.
وقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الشروط في حديث بريرة - رضي الله عنها - عندما اشترط سيدها عند بيعها للسيدة عائشة - رضي الله عنها - أن يبقى الولاء، وهذا مخالف لمقتضى العقد من انتقال الملك للمشتري، والولاء تبع له؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اشتري وأعتقي، فإنَّ الولاءَ لمَن أَعتق، ثُمَّ قام النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من العشي فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثُمَّ قال: ما بال أناس يشترطون شروطاً ليس في كتاب الله، مَن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن اشترط مئة شرط، وشرط الله أَحقّ وأَوثق» (¬1).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 756.
ومعنى الولاء: أنَّ العبدَ بعد عتقه يتحمّل سيده جنايته، ويرثه سيده إن لم يكن له عصبة من أبناء أو آباء أو أُخوة أو أعمام، فولاء العتاقة هو آخر العصبات؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الولاءُ لحمة كلحمة النَّسب، لا يُباع ولا يُوهب» (¬1).
ووجه دلالة الحديث السَّابق: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتبر أنَّ اشتراط شروطٍ مُخالفة لمقتضى العقد يُخالف إباحة القرآن للعقود المختلفة من البيع والنِّكاح والرَّهن وغيرها، فتكون شروطاً ليست في كتاب الله - جل جلاله -؛ لأنَّ الذي في القرآنِ هو العملُ بمقتضى هذه العقودِ مُطلقاً، وهو المتوافقُ مع ما اتفق عليه المتعاقدان ...
وهذه الشروط التي تكون مخالفة لمقتضى العقد منها ما يكون فيه منفعة للبائع: كاشتراطه عدم تسليم المبيع مباشرة، أو منفعة للمشتري: كاشتراطه خياطة الثوب الذي اشتراه، ومرَّ سابقاً أنَّ علّة هذه الشروط هي الربا والنزاع، فإن تعارفوا هذه الشروط انتفى الأمران وجازت.
وأما الشروط الموافقة لمقتضى العقد، مثل: اشتراط الرهن أو الكفالة أو غيرها مما يؤكد مقتضى العقد ويكون ملائماً له، فهي لا تفسد العقد،
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان11: 326، والمستدرك4: 379، والمعجم الأوسط2: 82، ومعجم الشيوخ1: 312، وسنن البيهقي6: 240.
بل تثبته، فتكون داخلة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو شرطاً أحل حراماً» (¬1).
والشروط التي نهى عنها الشارع، مثل: أن يكون العقد ربا أو قماراً وأمثالها، فإنَّها ممنوعة.
وبالتالي تكون هذه ميزة للمعاملات، بأن يباح لك اشتراط ما تريد من الشروط وتكون لازمة على الطَّرفين بشرط أن لا تكون مناقضة لما اقتضاه العقد أصلاً، حتى لا يتحقق التناقض، إلا إن جرى عرف في ذلك.
عاشراً: دفع الضرر بفسخ العقد إن لزم منه، فالعقد وجد لتحقيق المنفعة لا لجلب مضرّة، فإن لزمت منه مضرة لم يكن لازماً، وجاز فسخه، ويظهر هذا جلياً في الإجارات.
والأصل فيها: أنَّ كلَّ موضع لا يقدر العاقد على المضي في موجب العقد إلاّ بضرر، لم يلزمه العقد، فهو عذر في فسخه؛ لأَنَّ الضرَّرَ مدفوعٌ شرعاً: كما لو استأجر؛ لقلع ضرسه، ثمّ زال الوجع، فإنَّه يتعذَّر المضي في العقد إلا بضرر، فلا يلزم هذا الضرر (¬2).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 794 معلقاً، والمستدرك 2: 57، وسنن البيهقي الكبير 6: 79، واللفظ له، وسنن الدارقطني 3: 27، وشرح معاني الآثار 4: 90، وغيرها.
(¬2) ينظر: خلاصة الدلائل 2: 77.
ومثاله في البيوع: بيع ذراع من ثوب يضرّه التبعيض، أو بيع جذع من سقف؛ لأنَّه لا يمكنه تسليمه إلا بضرر لم يلتزمه، فلو قطع الذِّراعَ من الثَّوبِ أو قلع الجذعَ من السَّقفِ وسَلَّم قبل فسخ المشتري عاد صحيحاً (¬1).
ومثاله المعاصر: لو أنَّه باع الحديد الذي في داخل بنائه أو أسلاك الكهرباء في داخل الجدران، فإنَّه لا يلزمه التَّسليم؛ لعظيم الضرر الواقع عليه، حيث يخسر أضعاف ما يربح بسبب هدمه للبناء أو إفساده، فلم يكن لازماً رغم الاتفاق، ويجوز لهما الفسخ.
فهذه ميزة بإلغاء اللزوم في العقد إن ترتب عليه ضرر بسببه؛ لأنَّ مقصود العقود تحقيق النفع للعاقدين، فإن لزم بالعقد ضرر ظاهر فسد العقد، بحيث لا يلزم الاستمرار فيه، ويجوز لمَن يلحقه الضَّرر أن يفسخَ العقد؛ لأنَّ من المُقرَّر عند الفقهاء أنَّ الضرر يُزال.
الحادي عشر: تحقيق المعاملة لكمال النفع للمتعاقدين بحفظ حقهما، الذي استفيد من التجارب السابقة في التاريخ الفقهي من التطبيق، حيث استمرّ تحسين العقود والتصرفات لتصل للكمال في تحقيق النفع لكل من العاقدين.
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية 4: 33، واللباب 2: 24.
فمثلاً: منعوا بقاء الأرض في يد المالك في عقد المزارعة؛ لأنَّه سيكون مانعاً من تمام تصرف العامل فيها، ومنعوا من بقاء مال المضاربة في يد المضارب؛ لتقييده حرية المضارب في التصرف، فلا يتحقق النفع المقصود من العقد، وغيرها من التقييدات العديدة التي ذكروها في العقد؛ سعياً لتحقيق الاستفادة لكل من العاقدين؛ لأنَّه ما لم ينتفع كلٌّ منهما ويستفيد فلن يستمر في العقد، وسيسعى للتهرب منه بشتى الطرق.
فرعاية حقِّ كلّ من المتعاقدين على تمامه، وعدم الإفراط والتفريط فيه، هو مقصود كلّ واحدٍ من المتعاقدين، فإن لم تكن المعاملة مهتمة بتحقيقه لا تكون ناجحة، ونلمس هذا جلياً في عمل الفقهاء من سعيهم الحثيث في حفظ حقوق المتعاقدين بالكمال والتمام.
الثاني عشر: تقديم أفضل وأحسن حلّ وهيئة للمعاملة الماليّة، فإنَّنا في المعاملات الإسلامية نسعى لإيجاد أفضلُ حلول تُقدَّمُ لتنظيم حياة النَّاس.
وهذه هي نظرةُ الفقيه أثناء عملِه وتفكيرِه بتقريرِ المعاملة، وهذا تأكيداً على معنى التَّنظيم الذي مَرَّ سابقاً.
وهذه النَّظرةُ تجعل الاختيار بين أقوال الفقهاء أوسع من غيرِه من الأبواب لاسيما المعاملات؛ لأنَّ مسعاه هاهنا الحصول على أكمل وأتم وأحسن هيئة، فإن وجد مثلها في غير مذهبه أمكنه الاستفاد منه، فما كان من المذاهب أقدر على أحسن حل للمشكلة، وأيسر في التطبيق، وأنجح
في الواقع، كان أجدر بأن يختار في العمل، حتى أننا لو رأينا هيئة أفضل لأي معاملة في أي قانون لا مانع لنا من الاستفادة منه ما لم يكن محظوراً.
وهذا الأمور التنظيمية تشبه الصناعات التي وُجِدت لتسهيل وتيسير الحياة البشرية، وليست حكراً على مجتمع دون مجتمع، بل يُمكن الاستفادةُ منها في كافة المجتمعات، ولكن في المجتمعات المسلمة نحتاج عند أخذ أي معاملةٍ من غيرِ المسلمين أن نُصحِّحها ونُهذِّبَها بما يتلائم مع قواعدنا الفقهيّة وأحكام شريعتنا.
ولا يعني كلامي أن لا تكون المعاملات والأنظمة والقوانين غير مقعدة على مذهب معين، بل هو الأصل، ودون ذلك ضياع وتشتيت، والمذهب لا يمنعنا من الاستفادة من غيره فيما فيه حاجة وضرورة ومصلحة وتيسير؛ لأنَّه يسعى لذلك في عملِهِ، فإن استطاع غيرُه أن يُقدِّم أفضل منه في التَّطبيق أشار إلينا علماء المذهب بالأخذ به، فالبناء والتأصيل لا بدّ له من مذهب واحد، وإن احتجنا إلى غيره في العمل والتطبيق فلا مانع منه.
الثالث عشر: الأصل في المعاملات الحريّة لا التقييد، فإنَّ مبنى التَّعاملات ليس على المنعِ في الإباحة، بل على الحريّة، فنعطيه حقّ أن يُسعِّرَ ويشتري ويبيع ويملك ويتملَّك كيفما شاء.
فلا نضع عليه موانع وقيود لا معنى لها، وإنَّما نمنع ما فيه إضراراً عاماً بالمجتمع؛ لأنَّ المصلحةَ الخاصّة لا تُقدَّم على المصلحة العامّة، ومن
أمثلة ذلك: المنع من الرِّبا أو القمار أو المخالف للمصلحة العامة أو بيعٍ غير مملوك أو معدومٍ أو لم يقبض أو بيع دين بدين أو جهالةٍ تفضي للنِّزاع أو عقدين في عقد غير متعارفين بحيث يسببان نزاعاً أو ربا.
وفيما عداها إجمالاً كان الميدان واسعاً في النّشاط بحريّة تامّة، فإن منعنا من شيء أو قيدنا به كان لمصلحة ظاهرة تعود على الفرد أو المجتمع، حيث يكون التغليب للمصلحة العامة.
الرابع عشر: تقسيمُ العقود إلى صحيح وباطل وفاسد ومكروه وغيرها، فلم تكن العقود فيها صحيح وباطل فحسب، بل جعلنا فيها الفاسد، بحيث يمكن تصحيح العقد برفع الفساد.
فإنَّ هذه ميزة عظيمة جداً لم تكن العقود فيها صحيح وباطل فحسب، بل جعلنا فيها الفاسد، وهو ما كان صحيحاً في أصله لا في وصفه على المشهور، بخلاف الباطل ما لم يكن صحيحاً لا بأصله ولا بوصفه.
ويهمنا هنا أنَّ الباطل حكمُه كالعدم، فلا نرتب عليه حُكماً، ويُعتبر كأنَّه لم يفعل أصلاً فلا يحصل فيه ملك، وأمَّا الفاسد فيملك بالقبض ويصحّ التصرّف فيه، ويقسم إلى قسمين: متمكن وغير متمكن.
والمتمكِّن لا يلحقه التَّصحيح، بل يبقى لازماً فيه الفسخ، مثاله: شرط الربا في العقد، والأجل الفاحش في الثمن، مثل: هبوب الريح ونزول المطر، فلا يصح العقد بإلغاء الشرط، وإنَّما علينا تجديد العقد.
وغيرُ المتمكِّن يلحقُه التَّصحيح، بأن نرفعَ سبب الفساد فينقلب صحيحاً، مثاله: أي شُرط فيه منفعةٌ لأحد المتعاقدين أو الأجل غير الفاحش للثمن: كوقت الحصاد وقدوم الحاجّ، فإذا ارتفع شرط الفساد انقلب العقد صحيحاً.
وأمّا المكروه فالعقدُ فيه صحيحٌ وإنَّما يلحقُه إثماً؛ لما فيه من غرر وضرر.
فقسمُ البيع الفاسد مُفيدةٌ للغاية في حيويةِ العقود، وانقلابها من فاسدة إلى صحيحة بعد إزالة المفسد، وهذا يجعل لها ميزة كبيرة.
الخامس عشر: الإبداع الاقتصادي، حيث يشتمل الفقه على أفكار اقتصادية هائلة يمكن استثمارها والانتفاع بها: كالوقف والمزارعة وإحياء الموات والزكاة والوصية وغيرها.
وهذا التنظيمات لو تمّ تفعيلها فستكون مصدراً ضخماً للموارد المالية، وحلاً رائعاً لكثير من المشكلات الاقتصادية للأفراد والجماعات والمؤسسات لاسيما المصرفية.
* * *
الخاتمة:
وفي ختام هذا البحث نخلص إلى هذه النتائج، ونلخصها في النقاط الآتية:
أولاً: المقاصد اصطلاحاً: هي المعاني الرَّبانيّة للتَّشريع والغاياتُ من الأحكام والوسائل لتطبيقها، وهذا التعريف موافقٌ لاستخدام السَّلف والخلف لهذا المصطلح، وهو أولى من تعريف المعاصرين.
ثانياً: الضابط الذي اعتمده الحنفية في مسائل الإعانة على الحرام، فيه تيسير للعديد من المعاملات التِّجارية وفرج كبير ورخصة كبيرة في تحليل أموال المسلمين، وفتح بابٍ واسع في الاستثمارات.
ثالثاً: كلَّما ارتقت الملكةُ الفقهيّةُ لدى الفقيه كلما كان أقدر على إدراك مصالح الشَّرع وتطبيق قاعدة المصلحة في أصول الإفتاء، والاستحسان بها، وهذا فيه منفعةٌ كبيرة للتمويل والاستثمار.
رابعاً: إدراك أنَّ المعاملات المالية من جانب التنظيم يفتح أُفقاً كبيرة في التفكير، ويزيل حرجاً عظيماً، فتكون جميع تجارب الدول والحضارات مَحلُّ استفادة منّا، وتكون أقوال المذاهب الفقهيّة المتعدِّدة مرتعاً خصباً للتَّنمية والتَّطوير بما يُحقِّق النَّجاح.
خامساً: إدراك أنَّ الأحكام مبنية على تحقيق مصالح البشر وأنَّ الله غني عن عباده، يدخل الطمأنينة في قلب المسلم والمستثمر ويورث الثقة الكاملة في أحكام المعاملات.
سادساً: لتوظيف المقاصد الشَّرعية في تطوير وتفعيل التَّمويل الإسلامي المصرفي، ينبغي لنا التنبه لعدة أمور تُمثِّل الخطوط العريضة التي سلكها فقهاؤنا في تقرير أبواب المعاملات، حتى تسهل على الفقيه فهم البناء الفقهي لمسائل المعاملات؛ ليقدِّم لنا أفضل وأحسن حلّ وهيئة للمعاملة الماليّة، ويُبدع في معاملاتِ جديدةٍ مستفادةٌ من تراث الأمة، ويرغب المستثمرين ويحفزهم ويعطيهم ثقة أكبر بالاستثمار.
سابعاً: التمويل يقوم على أساس التراضي بين النَّاس، وتحقيق المعاملة لكمال النفع للمتعاقدين بحفظ حقهما، ورفع النزاع، وأخذ المال بالحقِّ دون الباطل، ومحاربة الربا والحض على الابتعاد عنه وعن شبهته، وأنَّ العقود حقيقة لا وهمية، والأصلُ في المعاملات الإباحة، ولزوم شروط المتعاقدين، ودفع الضرر، والأصل في المعاملات الحريّة، و الإبداع الاقتصادي.
* * *
المراجع:
1. الإبانة الكبرى: لأبي عبد الله عبيد الله بن محمد العُكْبَري المعروف بـ (ابن بَطَّة العكبري) (ت: 387هـ)، ت: رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري، دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض.
2. أحكام القرآن: لأحمد بن علي الرازي الجصاص (305 - 370هـ)، دار الفكر.
3. الاستصلاح والمصالح المرسلة في الشريعة الإسلامية وأصول فقهها: لمصطفى الزرقاء، دار القلم، دمشق، ط1، 1408هـ.
4. أصول الفقه الإسلامي: لشاكر بك الحنبلي، اعتنى به رفعت ناصر، المكتبة المكية، مكة المكرمة، ط1، 2002م.
5. إعلاء السنن: لظفر أحمد العثماني التهانوي (1310 - 1394هـ)، ت: حازم القاضي، دار الكتب العلمية، ط1، 1997م.
6. أنوار البروق في أنواء الفروق: لأبي العباس أحمد بن إدريس المالكي شهاب الدين الشهير بالقرافي (ت: 684هـ)، عالم الكتب، بدون طبعة وبدون تاريخ.
7. البحر المحيط في أصول الفقه: لمحمد بن بهادر الزركشي (ت794هـ)، ت: الدكتور عمر الأشقر، ط1، 1989م، الكويت، وأيضاً: طبعة دار الكتبي.
8. بحوث في علم الأصول مصادر التشريع الإسلامي الأصلية والتبعية ومباحث الحكم: لأحمد الحجي الكردي.
9. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط2، 1402هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
10. البناية في شرح الهداية: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، دار الفكر، ط1، 1980مـ.
11. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت743هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط1، 1313هـ.
12. تخريج الفروع على الأصول: محمود بن أحمد بن محمود بن بختيار، أبو المناقب شهاب الدين الزَّنْجاني (ت: 656هـ)، ت: د. محمد أديب صالح، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط2، 1398هـ.
13. ترتيب الأمالي الخميسية للشجري: للحسني الشجري الجرجاني (ت: 499 هـ)، رتبها: القاضي محيي الدين محمد بن أحمد القرشي العبشمي (ت: 610هـ)، ت: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1422 هـ - 2001 م.
14. التقرير والتحبير شرح التحرير: لأبي عبد الله، محمد بن محمد الحَلَبِيّ الحنفي شمس الدين المعروف بـ (ابن أمير الحاج) (825 - 879هـ)، دار الفكر، بيروت، ط1، 1996مـ.
15. جامع الترمذي: لمحمد بن عيسى (279هـ)، ت: أحمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
16. جامع العلوم والحكم: لأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1408هـ.
17. جامع بيان العلم: ليوسف بن عبد البر (ت463هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1398هـ.
18. حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: لأبي العباس أحمد بن يونس بن محمد الحنفي المعروف بـ (ابن الشلبي) (ت 947هـ)، مطبوعة بهامش تبيين الحقائق، المطبعة الأميرية بمصر، ط1، 1313هـ.
19. الحاوي للفتاوي: لعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت: 911هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، 1424 هـ - 2004م.
20. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت430هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1403هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، ط4، 1405هـ.
21. خلاصة الدلائل شرح القدوري: للرازي الحنفي، ت: الدكتور صلاح أبو الحاج، مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات، الإصدار: 1.
22. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
23. درر الحكام شرح مجلة الأحكام: لعلي حيدر، تعريب: المحامي فهمي الحسيني، دار عالم الكتب، الرياض، طبعة خاصة، 1423هـ - 2003م.
24. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
25. رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، مطبعة وادي النيل، مصر، 1299هـ، وأيضاً: مطبعة الصفدي في المنبئ، 1307هـ.
26. سبيل الوصول إلى علم الأصول: للدكتور صلاح أبو الحاج، دار الفاروق، عمان، الأردن، 2006م.
27. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
28. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، ت: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
29. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
30. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385هـ)، ت: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ.
31. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، ت: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
32. سير أعلام النبلاء: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1413هـ.
33. شرح الزيادات لحسن بن منصور الأوزجندي، قاضي خان، (ت 592هـ)، ت: د. قاسم أشرف، دار إحياء التراث العربي. بيروت، لبنان، ط1، 1426هـ.
34. شرح المنار: لعبد اللطيف بن عبد العزيز الكرماني ابن ملك (ت801هـ)، المطبعة العثمانية في دار الخلافة، 1316هـ.
35. شرح الوقاية: لعبيد الله بن مسعود صدر الشريعة (ت747)، ت: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، مؤسسة الوراق، عمان، 2006م.
36. شرح معاني الآثار: لأحمد بن محمد بن سلامة الطَّحَاوي (229 - 321هـ)، ت: محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1399هـ.
37. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
38. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، ت: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
39. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
40. ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية: للدكتور محمد سعيد البوطي، مؤسسة الرسالة، ط4، 1402هـ.
41. الطبقات الكبرى: لمحمد بن سعد بن منبع البصري (168 - 230هـ)، دار صادر، بيروت، وأيضاً: بتحقيق: زياد محمود منصور، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط2، 1408هـ.
42. علم أصول الفقه: لعبد الوهاب خلاف، دار العلم، ط2، 1398هـ.
43. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، ت: د. صلاح أبو الحاج، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1. 2009م
44. العناية على الهداية: لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
45. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
46. فتح الغفار بشرح المنار: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط1، 1355هـ.
47. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
48. الكامل في التاريخ: لعلي بن محمد ابن الأثير الجزري (ت630هـ)، دار الكتاب العربي.
49. كشف الأسرار شرح أصول البَزْدَوي: لعبد العزيز بن أحمد البخاري الحنفي علاء الدين (ا730هـ)، طبعة اسطنبول، 1308هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب الإسلامي.
50. اللباب في شرح الكتاب: لعبد الغني الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي (1222 - 1298هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
51. المبسوط: لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
52. المجتبى من السنن: لأبي عبد الله أحمد بن شعيب النسائي (215 - 303)، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406هـ.
53. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316هـ.
54. المحيط البرهاني في الفقه النعماني فقه الإمام أبي حنيفة: لأبي المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مَازَةَ البخاري الحنفي (ت: 616هـ)، ت: عبد الكريم سامي الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1424 هـ - 2004 م.
55. المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي: للدكتور صلاح محمد أبو الحاج، دار الجنان، عمان، ط1، 2004م.
56. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، ت: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
57. مسند أبي حنيفة: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (336 - 430هـ)، ت: نظر محمد الفاريابي، مكتبة الكوثر، الرياض، ط1، 1415هـ.
58. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
59. المصالح المرسلة: لمحمد الأمين الشنقيطي، مركز شؤون الدعوة، السعودية، 1410هـ.
60. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: لأحمد بن علي الفيومي (ت770هـ)، المطبعة الأميرية، ط2، 1909م.
61. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، ت: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
62. المعجم الأوسط: للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260 - 360هـ)، ت: طارق بن عوض الله، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.
63. معجم الشيوخ: لمحمد الصيداوي (ت402هـ)، ت: الدكتور عمر تدمري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1405هـ.
64. معجم مقاييس اللغة: لأحمد بن فارس بن زكريا (ت395هـ)، ت: عبد السلام هارون، دار الكتب العلمية.