دليل مناسك العمرة ....
... على مذهب الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
دليل مناسك العمرة ....
... على مذهب الحنفية
دليل مناسك العمرة
على مذهب الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله المصطفى الحبيب، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه وسار على دربه إلى يوم الدين.
وبعد:
فهذا «دليل لمناسك العمرة» مستخلصٌ من «الجامع في أحكام الصيام والحج والعمرة»، يجمع في طيّاته عامّة ما يحتاج إليه المرشد للعمرة من أحكام ينفع بها المعتمرين من المسلمين والمسلمات، ويُغنيه عمّا يعرض له من أسئلة متعلقة بها، ويكفيه مؤنة البحث.
ووشحته بالأدلّة القرآنيّة والنبويّة، وزينته بالأدعية المأثورة عن الحضرة النبوية وسلف الأمة وعلمائها، وأضفت لها مباحث في آداب زيارة المدينة وساكنها النبيّ المكرّم - صلى الله عليه وسلم -، وفتاوى مهمّة، وغيرها من الفوائد الملتقطة.
واهتتمت بجمعه بعد أن بحثت جليلاً عن كتاب «جامع لأحكام العمرة» يعين المرشدين على القيام بمهمتم مع المعتمرين فلم أظفر بذلك.
راجياً من المولى الكريم أن يكون خالصاً لوجهه الكريم، ومغنياً لقاصده عن غيره، ومسّهلاً عليه أمره.
وكتبه
الدكتور صلاح أبو أبو الحاج
عمان، صويلح
بتاريخ 1 ـ 1 ـ 2007 م
تمهيد:
يُستحبُّ له إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي فيه ركعتين، يقرأ في الأولى: الكافرون، وفي الثانية: الصمد؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما خلف عبد على أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفراً» (¬1)، ويقرأ بعد السَّلام آية الكرسي وإيلاف قريش، ويسأل الله الإعانة والتَّوفيق، ويقرأ دعاء السَّفر: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللَّهمَّ إنا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتَّقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهمَّ هوِّن علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهمَّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهمَّ إني أعوذ بك من وعثاء (¬2) السَّفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل».
ثم يقول: «اللهمَّ بلغنا بيتك الحرام وزيارة نبيِّك عليه أفضل الصَّلاة والسلام، اللهمَّ إنِّي لم أَخرج أشراً ولا رياءً ولا سمعةًَ، بل خرجتُ اتّقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، وقضاءً لفرضك، واتباعاً لسُّنَّة نبيِّك مُحمَّد - صلى الله عليه وسلم -،
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق 3: 552.
(¬2) الوعثاء: المشقة والشدة.
وشوقاً إلى لقائك، اللّهمَّ فتقبَّل ذلك منِّي، وصلِ على أشرف عبادك سيِّدنا محمّد وعلى آله وصحبه الطِّيبين الطَّاهرين أجمعين».
فإذا نهض من جلوسه قال: «اللهمَّ بك انتشرت وإليك توَّجهت وبك اعتصمت، اللهمَّ اكفني ما أهمني وما لا أهتم به وما أنت أعلم به منِّي، اللهمَّ زودني التَّقوى واغفر لي ذنبي ووجهني إلى الخير حيث ما توجَّهت» (¬1).
ثم يخرج، فإذا خرج من بيته، قال: «بسم الله، آمنت بالله، توكلتُ على الله، لا حول ولا قوَّة إلاّ بالله، اللَّهمَّ إنا أعوذ بك من أن أزل أو أضلّ، أو أظلم، أو أُظلم، أو أجهل، أو يُجهل عليّ» (¬2) وذلك الدعاء مستحبٌّ لكلِّ خارج من بيته، ثمّ يقول: «خرجتُ بحول الله وقوَّته بغير حول منّي ولا قوَّة إلا بالله، اللهمَّ إني أسألك بركة يومي هذا وبركة أهله» (¬3).
ويُستحبُّ أن يودع أهلَه وأقاربه وجيرانه وأصدقائه ويتحلَّل منهم ويسألهم الدُّعاء، وإذا ودَّع أحداً يقول كلٌّ منهما للآخر: «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، وغفر ذنبك، ويسرَّ لك الخير حيثما كنت، زوَّدك
¬
(¬1) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - مرفوعاً في السنن الكبرى للبيهقي 5: 410، ومسند أبي يعلى 5: 157، ومسند الشهاب 2: 345.
(¬2) عن أم سلمة رضي الله عنها مرفوعاً في سنن الترمذي 5: 490، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وصحيح ابن حبان 3: 104.
(¬3) ينظر: أدعية الحج والعمرة لقطب الدين ص 592 - 594.
الله التَّقوى وجنَّبَك الرَّدى» (¬1)، فإذا قال ذلك فهو جدير بأن يحفظ الله - عز وجل - وديعتَه، ويردَّه له سالماً.
ويُستحبُّ أن يتصدَّق بشيء من ماله قبل خروجه وبعده على الفقراء، فينبغي للمسافر أن يشتري سلامته من الله ممَّا تيسَّر من الصَّدقة.
فإذا نزل وحَطَّ رحلَه فليقل: «بسم الله توكلت على الله، أَعوذ بكلمات الله التَّامَّات كلَّها من شَرِّ ما خَلَقَ وذرأ وبرأ، وسلام على نوح في العالمين، اللَّهمَّ أعطنا خير هذا المنزل وخير ما فيه، واكفنا شرَّه وشرَّ ما فيه، ربِّ أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين».
وإذا أشرف على بلدةٍ أو قرية قال: «اللَّهمَّ ربّ السَّموات السَّبع وما أظللن، وربّ الأرضين السَّبع وما أقللن، ورَبّ الشَّياطين وما أضللن، ورَبّ الرِّياح وما ذرين، فإنّي أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما جمعت فيها، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ أهلها، وشرِّ ما جمعتُ فيها، اللَّهم ارزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب أهلها إلينا» (¬2).
¬
(¬1) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ودع رجلاً أخذ بيده، فلا يدعها حتى يكون الرجل هو يدع يد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويقول: استودع الله دينك وأمانتك وآخر عملك»، في سنن الترمذي 5: 499، والسنن الكبرى للنسائي 8: 108.
(¬2) فعن صهيب - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: «اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» في السنن الكبرى للنسائي 8: 117، وصحيح ابن خزيمة 4: 150.
وإذا أظلم عليه الليل قال: «يا أرض، ربي وربّك الله، أَعوذ بالله من شرِّك وشَرِّ ما فيك، وشرِّ ما خلق فيك، ومن شرّ ما دبّ عليك، أعوذ بالله من شرّ كلّ أسد وَأَسْوَدَ، وحيّة وعقرب، ومن شرّ ساكن البلد، ومن شرّ والد وما ولد» (¬1).
ويقول في وقت السحر (آخر الليل): «سمع سامع بحمد الله، وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وَأَفْضِلْ علينا، أعوذ بالله من النار (ثلاثاً)» (¬2).
فإذا أراد الرحيل من مكان يودعه بركعتين، يشهد له ذلك المنزل بذلك يوم القيامة، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينزل منزلاً إلا ودعه بركعتين» (¬3).
• • •
¬
(¬1) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا غزا أو سافر فأدركه الليل قال هذا الدعاء. في المستدرك 2: 110، والدعاء للمحاملي ص 93، والدعوات الكبير للبيهقي 2: 55.
(¬2) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كان في سفر وأسحر قال هذا الدعاء. في صحيح مسلم 4: 2086، والسنن الكبرى للنسائي 8: 118.
(¬3) في صحيح ابن خزيمة 2: 248، والمستدرك 1: 460. وينظر هذه الأدعية في أدعية الحج والعمرة لقطب الدين ص 594 ـ 595.
المبحث الأول
في أحكام العمرة
المطلب الأول
في حكم وفضل ووقت
وصفة وفرائض وواجباتها
* أولاً: حكم العمرة:
العمرةُ سنةٌ مؤكّدةٌ لمَن استطاع؛ فعن جابر - رضي الله عنه -: «سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، إن تعتمر فهو أفضل» (¬1).
* ثانياً: فضل العمرة:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» (¬2).
¬
(¬1) في صحيح ابن خزيمة 4: 356، وجامع الترمذي 3: 270، وقال: حسن صحيح.
(¬2) في صحيح البخاري 3: 2، وصحيح مسلم 2: 983.
وعنه أيضاً - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحجاج والعمار ـ أي المعتمر ـ وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم» (¬1).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحجاج والعمار وفد الله، إن سألوا أعطوا، وإن دعوا أجيبوا، وإن أنفقوا أخلف لهم، والذي نفس أبي القاسم بيده ما كبر مكبر على نشز، ولا أهل مهل على شرف من الأشراف إلا أهل ما بين يديه وكبر حتى ينقطع به منقطع التراب» (¬2).
* ثالثاً: وقت العمرة:
السَّنةُ كلُّها وقتٌ لها، لكن يوجد أوقات تُكره فيها وأوقات تستحبُّ فيها:
1. يُكره تحريماً إنشاء إحرامها في خمسة أيام، وهي: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، وإن أدّاها بإحرام سابق على هذه الأيام، فلا بأس، ويستحب أن يؤخّرها حتى تمضي الأيام ثم يفعلها، ولو أهلّ فيها بالعمرة، ولو بعد الحلق من الحجّ يؤمر برفضها، فإن لم يرفضها ومضى فيها، صحّ ولا دم عليه؛ لأنَّه لم يقع له إدخال عمرة على حجّة، ويكره فعلها في أشهر الحج لأهل مكة وأهل الميقات؛ لأنَّهم ممنوعون عن التمتع والقران.
¬
(¬1) في سنن ابن ماجه 2: 966، والمعجم الأوسط 6: 247.
(¬2) في شعب الإيمان 6: 17.
2. أفضل أوقاتُها شهر رمضان؛ فعمرةٌ فيه تعدل حجّة؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «عمرة في رمضان تقضي حجة معي» (¬1)، ولو اعتمر في شعبان وأكملها في رمضان، فإن كان طاف أكثره في رمضان، فهي رمضانية، وإلاّ فشعبانية، ولا يُكره الإكثار منها، بل يُستحبُّ.
* رابعاً: صفة العمرة:
وهي أن يحرم بها من الحلِّ بعد أن يصلّي ركعتي الإحرام في مسجد الميقات الذي أحرم منه، ويتقي فيها محظورات الإحرام، فإذا دخل مكّة بدأ بالمسجد الحرام، واستلم الحجر الأسود وقطع التلبية عند أول الاستلام، وطاف حول الكعبة المشرفة سبعة أشواط برمل واضطباع، ثم صلّى ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم، ثم استلم الحَجر مرة أخرى وخرج للسعي، فسعى ثم حلق وتحلل من إحرامه، وسيأتي صفة الإحرام والطواف والسعي والحلق بالتفصيل.
* خامساً: فرائض العمرة:
وهي التي لا تصح العمرة بدونها، وهي:
1. الإحرام، وفيه فرضان: النية والتلبية.
2. الطواف ونيّته.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 659.
* سادساً: واجبات العمرة:
وهي التي تصحُّ العمرة بدونها مع الإثم ولزوم الدَّم (الذَّبح)، وهي:
1. السعي بين الصفا والمروة.
2. الحلق والتقصير.
• • •
المطلب الثاني
المواقيت
الميقات يختلف باختلاف الناس، وهم في حقّ المواقيت المكانية ثلاثة أصناف: أهل الآفاق، وأهل الحل، وأهل الحرم.
* أولاً: أهل الآفاق:
وهم كلّ مَن كانت منازلهم خارج المواقيت، وتفصيل الكلام فيهم فيما يلي:
الأول: مواقيتهم:
1. ذو الحُلَيْفة: وهي قرية قرب المدينة المنورة على بعد (7 كم) من المدينة، وبهذا المكان آبار علي، فتسمى آبار علي فيما اشتهر بين العامة، وهذا ميقات أهل المدينة ومن مرّ بها من غير أهلها.
2. جُحْفة: وهي قرية على بعد (220 كم) من مكة المكرمة، وهي بالقرب من رابغ، فمَن أحرم من رابغ فقد أحرم قبل الجحفة؛ لأنَّها تقع قبل الجحفة إلى جهة البحر، فالجحفة متأخرة عنها، فيجوز التقدم عليها،
والأحوط أن يحرم من رابغ أو قبله؛ لعدم التيقن بمكان الجُحْفة، وهذا ميقات أهل مصر والشام والمغرب من طريق تبوك ومن مر بها من غير أهلها.
3. قَرْن المنازل: وهي قرية عند الطائف، واسم للوادي كله أو للجبل الذي يطل على عرفات، وهي على بعد (94كم) من مكة المكرمة، وتسمى اليوم السَّيل، وهذا ميقات أهل نجد اليمن ونجد الحجاز ونجد تِهامة، ومن مر به.
4. يَلَمْلَم: وهي اسم جبل على بعد (94كم) من مكة المكرمة، وهذا ميقات باقي أهل اليمن وتِهامة.
5. ذات عِرْق: وهي على بعد (94كم) من مكة المكرمة، والأفضل أن يحرم من العقيق احتياطاً، وهي قبل ذات عِرْق، وهذا ميقات أهل العراق وسائر أهل المشرق ومن مرّ به (¬1)؛ فعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - قال: «وقّت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، قال: فهن لهنّ ولمَن أتى عليهن من غير أهلهنّ ممَّن أراد الحج والعمرة، فمَن كان دونهن فمن أهله وكذا فكذلك حتى أهل مكة يهلون منها» (¬2)، وعن أبي الزبير عن جابر - رضي الله عنهم - فقال: سمعت ـ وأحسبه رفع
¬
(¬1) ينظر: الوقاية ص248، والدر المختار ورد المحتار 2: 475 - 476، والدرر الحسان ص20 - 21، والموسوعة الفقهية الكويتية 2: 146، ولباب المناسك والمسلك ص87 - 89.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 838، وصحيح البخاري 2: 554.
إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ فقال: «مَهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجُحفة، ومَهَلُّ أهل العراق من ذات عِرْق، ومَهَلُّ أهل نجد من قَرْن، ومهل
أهل اليمن من يَلَمْلَم» (¬1).
الثاني: الأحكام المتعلقة بهم:
1. وجوب الإحرام من الميقات مع جواز تقديم الإحرام عليه، وهو الأفضل لمن أمن على نفسه، وإلا فالإحرام من الميقات أفضل.
2. تحريم تأخير الإحرام عن الميقات؛ للحاج والمعتمر ولمن أراد دخول مكة أو الحرم وإن كان لقصد التجارة أو النزهة أو السياحة، أو دخول بيته، أو غيرها، ولم يرد نسكاً عند دخوله في مكة (¬2)؛ فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجاوزوا الوقت إلا بإحرام» (¬3)، وفي لفظ: «لا يدخل
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 841.
(¬2) فمن مر بالمواقيت يريد دخول الحرم لحاجة له، فيجب أن يكون محرماً وعليه العمرة عند الحنفية والمالكية والحنابلة إن لم يكن محرماً بالحج، وذهب الشافعية إلى أنه إذا قصد منطقة الحرم أو مكة نفسها لحاجة غير النسك فإن الدخول بالإحرام سنة له، ويجوز له ألا يحرم، ووافقهم المالكية فيمن له حاجة متكررة. ينظر: الوقاية ص248، والتعليق الممجد 2: 350، 351، واللباب والمسلك ص89، والحج والعمرة ص49.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 4: 509، بلا ذكر ابن عباس، ونقله الزيلعي في نصب الراية 3: 87عن المصنف وذكر ابن عباس بعد سعيد، ومثله فعل السيوطي في الجامع الصغير 6: 390، وحسنه.
أحد مكة إلا محرماً» (¬1).
3. لزوم الدم بتأخير الإحرام عن الميقات.
4. وجوب أحد النسكين إن لم يحرم عند دخولها أو بعده إلى أن دخل مكة، فيلزم التَّلبس بعمرةٍ أو حجّةٍ؛ ليقوم بحقّ حرمةِ هذه البقعة المباركة.
5. إنَّ أعيان هذه المواقيت ليست بشرط؛ ولهذا يصحّ الإحرام قبلها، بل الواجب عينها أو محاذاتها ومقابلتها، فمَن سلك طريقاً ليس فيه ميقات معين براً أو بحراً أو جواً، وأحرم إذا حاذى ميقاتاً من المواقيت المعروفة جاز، ولكن الإحرام من حذو الميقات الأبعد أولى؛ لأنَّ الأفضل أن يحرم من أول الميقات، وهو الطرف الأبعد من مكة حتى لا يمرّ بشيء مما يسمى ميقاتاً غير محرم، ولو أحرم من الطرف الأقرب إلى مكة جاز؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب منكم أن يستمتع بثيابه إلى الجحفة فليفعل» (¬2)، والمدني ميقاتُه ذو الحليفة، والجحفةُ ميقاتُ أهل مصر والشام.
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار 2: 263، موقوفاً، وأخرجه البيهقي، قال ابن حجر في تلخيص الحبير 2: 243: إسناده جيد. وقال ابن الملقن في خلاصة البدر 2: 27: رواه البيهقي ورواه ابن عدي عنه مرفوعاً بإسناد ضعيف. ينظر: إعلاء السنن 10: 22.
(¬2) في موطأ محمد 2: 237، وقال: أخبرنا بذلك أبو يوسف عن إسحاق بن راشد عن محمد بن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال التهانوي في إعلاء السنن 10: 29: إسناده صحيح مرسل. وينظر: التعليق الممجد 2: 237.
6. إن لم يعلم المحاذاة للميقات فيحرم على بعد مرحلتين من مكة: كجدة.
7. إن ترك ميقاته وأحرم من ميقات آخر سقط عنه الدم؛ لأنَّ المقصود من الميقات تعظيم الحرم المحترم، وهو يحصل بأي ميقات اعتبره الشرع المكرم، ولكن المدني إن جاوز غير محرم إلى الجُحفة كره بلا لزوم دم؛ لأن الواجب عليه وقته مطلقاً إذا مر به (¬1).
* ثانياً: أهل الحل:
وهم الذين كانت منازلهم في نفس الميقات أو داخل الميقات إلى الحرم، وتفصيل الكلام فيهم فيما يلي:
الأول: ميقاتهم:
وهو الحلُّ للحجّ والعمرة، وهي جميعُ المسافة من الميقات إلى انتهاءِ الحلّ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فمَن كان دونهنّ ـ أي مواقيت الآفاقي ـ فمن أهله»، وفي لفظ: «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ» (¬2).
الثاني: الأحكام المتعلقة بهم:
1. يجوز ويرخص لهم الإحرام ما لم يدخلوا أرض الحرم بلا إحرام، ولكن الأفضل أن يحرموا من دويرة أهلهم.
¬
(¬1) ينظر: التعليق الممجد 2: 350، 351، والمسلك المتقسط ولباب المناسك ص89 - 92.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 554، وصحيح مسلم 2: 839.
2. يجوز لهم دخول مكة بغير إحرام إذا لم يريدوا نسكاً (¬1)؛ لأنَّه يكثر دخولهم فيها للحاجة، وفي إيجاب الإحرام عليهم كل مرّة حرج (¬2).
* ثالثاً: أهل الحرم:
وهم مَن كانت منازلهم في الحرم: كسكان مكة ومنى، وكل مَن دخل الحرم من غير أهله وإن لم ينو الإقامة به: كالمفرد بالعمرة، والمتمتع، والحلال من أهل الحلّ إذا دخل الحرم لحاجة، وتفصيل الكلام فيهم فيما يلي:
الأول: ميقاتهم:
1. الحرم للحجّ، وإحرامُهم من المسجدِ أفضل أو من دويرةِ أهلِهم؛ لأنَّ الحجّ عرفات، وهي في الحل، فيكون إحرامه من الحرم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فكذلك ـ أي يحرم ـ حتى أهل مكة يهلون منها»، وفي لفظ:» حتى أهل مكة من مكة» (¬3).
2. الحل للعمرة؛ لأنَّ العمرة في الحرم، فإحرامه من الحل؛ ليحصل له نوع سفر، وإحرامه من التنعيم أفضل (¬4)؛ لما روت السيدة عائشة رضي الله
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص248، والدر المختار ورد المحتار2: 478، واللباب والمسلك ص92 - 93.
(¬2) ينظر: شرح ابن ملك ق66/أ.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 554، وصحيح مسلم 2: 839.
(¬4) ينظر: الوقاية وشرحها لصدر الشريعة ص249، والدر المختار 2: 478، والمسلك المتقسط مع اللباب ص93.
عنها: «قدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة، قالت: ففعلت فلما قضينا الحج، أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت» (¬1)، والتنعيم أقرب أطراف الحل إلى مكة يبعد عنها حوالي (10كم) تقريباً، واتصل بنيان مكة به حالياً، زادها الله عمارة وفضلاً (¬2).
واعتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الجِعرانة؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه اعتمروا من الجِعْرانة (¬3)، فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قد قذفوها على عواتقهم اليسرى» (¬4).
* رابعاً: تغيّر الميقات:
والضابط فيه: إنَّ من وصل إلى مكان صار حكمُه حكم أهلِه؛ إذ يتغيّر الميقات بتغيّر الحال، فيكون ميقات الآفاقيّ: الحرم أو الحلّ، والمكيّ: الحلّ أو
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 570، وصحيح البخاري 2: 563.
(¬2) ينظر: الحج والعمرة ص47.
(¬3) الجِعرانة: كانت قرية صغيرة قريبة من الحرم فيها مسجد يعتمر منه أهل مكة، وهي حد الحرم المكي من الجهة الشمالية الشرقية لمكة المكرمة، نزلها النبي لما قسم غنائم هوازن عندما رجع من غزوة حنين، وأحرم منها، وله فيها مسجد وهو الذي يعرف بمسجد الجِعرانة، كما في الموسوعة الحرة.
(¬4) في سنن أبي داود 2: 177، وسنن البيهقي الكبير 5: 79، ومسند أحمد 1: 306، ورجاله رجال الصحيح. ينظر: إعلاء السنن 10: 81.
الآفاق، فلو خرج المكيّ إلى الآفاق أو الحلّ لحاجةٍ، فهو ميقاتُه للحجّ أو العمرة، إلاّ إذا قصد ترك ميقاته عمداً لا لقصد آخر، بل لأجل أن يدخل للإحرام، ولو أنَّ آفاقياً أو حليّاً دخل مكة أو الحرم، فهي ميقاتُه للحجّ أو العمرة إلاّ إذا قَصَدَ بالمجاوزة ترك ميقاته عمداً، بأن دخل لأجل الإحرام لا غير الإحرام من المقاصد (¬1)؛ لأنه بقصده الإحرام يلزمه ميقاته الأصلي لا ما انتقل إليه.
* خامساً: مجاوزة الميقات بغير إحرام:
مَن جاوز ميقاته غيرَ محرم ثم أحرم بعد المجاوزة، أو لم يحرم بعدها، فيجب عليه الرجوع إلى ميقات من المواقيت ولو كان أقربها إلى مكة، وإن لم يرجع مطلقاً، فعليه دم لمجاوزة الميقات، ويلزمه التلبس بعمرة أو حجة؛ ليقوم بحقّ حرمة هذه البقعة المباركة.
• • •
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك ص94.
المطلب الثالث
الإحرام
وهو من فرائض العمرة فلا تصحُّ بدون إحرام، والكلام فيها كالآتي:
* أولاً: صفة الإحرام:
إذا أراد أن يُحرمَ للعمرة يُستحبُّ له أن يقصَّ شاربَه، ويُقلِّم أظفار يديه ورجليه، وينتف أو يحلق إبطيه، ويحلق عانته، ويُجامع أهله إن كانوا معه، ويتجرَّد عن الملبوس المُحَرَّم على المُحْرِم من المخيطِ والمعصفر، ويَغتسل بسدر ونحوه أو يتوضَّأ، ويَستاك ويُسرح شعره.
ثمّ يلبس من أحسن ثيابه ثوبين جديدين أو مُغسّلين أبيضين غير مخيطين إزاراً ورداءً، ويُستحبُّ أن يتطيَّب أو يدَّهنَ بما لا يبقى أَثرُه، وهذا للرَّجل.
ثمّ يُصلِّي ركعتين بعد اللُّبس ينوي بهما سنّة الإحرام، يَقرأ فيهما: الكافرون، والإخلاص، ويُستحبُّ أن يصليهما في مسجد الميقات.
وإذا سَلَّم من الصلاة فالأفضل أن يحرم وهو جالسٌ مستقبل القبلة في مكانه، فيقول بلسانه مطابقاً لجنانه: «اللهم إنّي أريد العمرة، فيسِّرها لي، وتقبّلها منّي، نويت العمرة، وأحرمت بها لله تعالى»، ثم يلبي فيقول: «لَبَّيْكَ اللهم لبيك، لَبَّيْكَ لا شريك لك لَبَّيْكَ، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، ويُصلِّي على النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ يدعو بما شاء، ومن المأثور: «اللَّهمّ إنّي أسألك من رضاك والجنة، وأعوذ بك من غضبك والنار».
ويُستحبُّ أن يذكرَ في إهلالِه ما أحرم به فيقول: «لَبَّيْكَ بعمرة».
وإن كان إحرامه عن الغير فلينو عنه، ويستحب ذكره في الدعاء، ثم إن شاء قال: لَبَّيْكَ عن فلان، وإن شاء اكتفى بالنية (¬1).
* ثانياً: إحرام المغمى عليه:
مَن أغمى عليه أو نام وهو مريض، فنوى ولَبَّى عنه رفيقه أو غير رفيقه بعدما نوى عن نفسه أو قبله، بأن قال: اللهم إنَّه يريد العمرة، أو أريد العمرة له، فيسرها وتقبلها منه، ثم يلبي عنه، سواء كانت هذه النية والتلبية بأمره السابق على إغمائه ونومه، أو كانت بغير أمره بأن فعله غيره باختياره، فإنَّه يصح ويصير محرماً، ولا يشترط تجريده عن لبس المخيط.
ولو أغمى عليه بعد الإحرام فحمله متعين على رفقائه (¬2).
¬
(¬1) ينظر: لباب المناسك مع المسلك ص110 - 113.
(¬2) ينظر: لباب المناسك ص123 - 124.
ولو ارتكب المغمى عليه محظوراً، لزمه موجَبه من الدم أو الصدقة أو غيرهما، وإن كان غير قاصد للمحظور، ولا يلزم الرفيق شيء؛ لأنَّه أحرم عن نفسه بطريق الأصالة، وعن المغمى عليه بطريق النيابة.
* ثالثاً: إحرام الصبي والمجنون:
وتفصيل الأحكام المتعلقة بإحرام الصبي في النقاط الآتية:
1. انعقادُه: ينعقد إحرام الصبي المميز للعمرة، ويصحّ أداؤه للعمرة بنفسه، أما الصبي غير المميز فلا يصح منه الإحرام ومباشرة الأفعال، بل يصحّان من وليه نيابة عنه، فيحرم عنه مَن كان أقرب إليه، فلو اجتمع والد وأخ يحرم الوالد، وينبغي لوليه أن يجنِّبَه من محظورات الإحرام، وإن ارتكبها فلا شيء عليه، ولا على وليه، فإنَّه لا جزاء عليه لترك الواجبات، ولا قضاء بترك الأركان؛ لأنَّ شروعه ليس بملزم؛ لأنَّه غير مكلف في فعله.
2. النِّيابةُ عنه: كلُّ ما قدر الصبي على فعلِه بنفسِهِ لا يجوز فيه النّيابة عنه، وإن لم يقدر بنفسِهِ سواء كان مميزاً أو غير مميز جاز فيه النِّيابة عنه، إلاّ ركعتي الطَّواف فإنَّ الولي لا يصليهما عنه مُطلقاً، فإن كان الصبي مميزاً يصليهما، وإلا فإنَّهما يسقطان عنه كسائر الواجبات، وأما الطواف فلا بد أن يطوف بنفسه إن كان مميزاً، وإلا فيحمله وليُّه ويطوف ويسعى به.
والمجنون كالصبيِّ غير المميز فيما سبق من الأحكام (¬1).
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك ص124 - 127.
* رابعاً: إحرامُ المرأة:
إحرامُ المرأةِ كإحرام الرَّجل إلاّ فيما يلي:
1. أنَّها تلبس المخيط غير المصبوغ بورس (¬1) أو زعفران؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مسّه ورس أو زعفران، ولا تتبرقعُ ولا تتلثم وتُسدلُ الثَّوب على وجهها إن شاءت» (¬2).
2. أنَّها تلبسُ الخُفين.
3. أنَّها تلبسُ القُفازين؛ لأنَّ لبس القُفازين ليس إلا لتغطية يديها، وأنَّها غير ممنوعةً عن ذلك، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولا تلبس القفازين» (¬3)، نهي ندب.
4. أنَّه يستحبّ لها تغطية وجهها بشيءٍ متجاف؛ قال شمس الأئمة السَّرَخْسيّ - رضي الله عنه - (¬4): «لا بأس بأن تسدل الخمار على وجهها من فوق رأسها على وجه لا يصيب وجهها; لأنَّ تغطية الوجه إنَّما يحصل بما يماس وجهها دون ما لا يماسه، فيكون هذا في معنى دخولها تحت سقف»، وقال غيره: إنَّ المستحبّ في الإحرام أن تسدل على وجهها شيئاً وتجافيه, وقد جعلوا لذلك أعواداً
¬
(¬1) وهو صبغ أصفر وقيل نبت طيب الرائحة، كما في المغرب 2: 350.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 5: 47.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 653، وصحيح ابن خزيمة 4: 162، وجامع الترمذي 3: 194.
(¬4) في المبسوط 4: 128.
كالقبة توضع على الوجه ويسدل فوقها الثوب (¬1)، وفي شرح الطحاوي: الأولى كشف وجهها، لكن في النهاية: أنَّ السدل أوجب (¬2)؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مسّه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع ولا تتلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت») (¬3)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه» (¬4)، وعن إسماعيل بن أبي خالد عن أمّه - رضي الله عنهم - قالت: «كنا ندخل على أم المؤمنين يوم التروية فقلت لها: يا أم المؤمنين، هنا امرأة تأبى أن تغطي وجهها وهي محرمة، فرفعت عائشة رضي الله عنها خمارها من صدرها فغطت به وجهها» (¬5).
قال كمال الدين ابنُ الهُمام - رضي الله عنه - (¬6) والشُّرُنْبلالي - رضي الله عنه - (¬7) وشيخ زاده - رضي الله عنه - (¬8):
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير 2: 512، والشرنبلالية 1: 234.
(¬2) ينظر: مجمع الأنهر 1: 285.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 5: 47.
(¬4) في سنن أبي داود 2: 167، وسنن البيهقي الكبير 5: 48، وينظر: التلخيص 2: 272، ونصب الراية 3: 94.
(¬5) ينظر: تلخيص الحبير 2: 272.
(¬6) في فتح القدير 2: 512.
(¬7) في الشرنبلالية 1: 234.
(¬8) في مجمع الأنهر 1: 285.
«ودلَّت المسألة على أنَّ المرأة منهيّة عن إبداء وجهها للأجانب بلا ضرورة, وكذا دلّ الحديث عليه»: أي حديث عائشة رضي الله عنها.
أما النهي عن تغطيتها؛ لوجهها في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولا تنتقبُ المرأةُ المحرمة» (¬1)، وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أنَّه قال: «إحرام المرأة في وجهها» (¬2)، فيحمل على تغطيته بشيء يمسُّه غير متجاف.
5. أنَّها لا ترفع صوتها بالتَّلبية؛ لأنَّ صوتَها عورةٌ.
6. أنَّها لا ترمل في الطَّواف.
7.أنَّها لا تضطبع في الطَّواف.
8.أنَّها لا تسعى بين الميلين بالإسراع والهرولة.
9.أنَّها لا تحلق رأسها، بل تقصر.
10.أنَّها لا تستلم الحجر الأسود عند المزاحمة.
11.أنَّها لا تصعد الصفا عند المزاحمة.
12.أنَّها لا تصلي عند مقام إبراهيم - عليه السلام - وقت المزاحمة (¬3).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 653، وجامع الترمذي 3: 194.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 5: 47، وسنن الدارقطني: 294.
(¬3) في اللباب والمسلك ص127 - 128.
* خامساً: حكم الإحرام:
لزوم المضي فيه وعدم إمكان الخروج منه إلا بما يلي:
1.عمل العمرة التي أحرم بها، وإن أفسدها بالجماع قبل الطواف.
2.ذبح الهدي في حالة الإحصار.
3. وجوب قضاء العمرة إذا خرج من إحرامه بدون أن يفعلها، كما في الإحصار، أو بفعلها فاسدة كما في الجماع قبل الطواف لها.
* سابعاً: شروط صحة الإحرام:
يشترط لصحة الإحرام للعمرة ثلاثة شروط، فإن فقد واحد منها، لم يصح منه الإحرام ولا يعتد به، وتفصيل هذه الشروط في النقاط الآتية:
1.الإسلام.
2.النية، وشرطها أن تكون بالقلب، فينوي بقلبه ما يحرم به من عمرةٍ أو نسكٍ من غيرِ تعيين، وذكره باللسان مع ذلك أفضل، وليس بشرطٍ، فلو نَوَى بقلبه ولم يتكلَّم بلسانه صحّ، وإن جرى على لسانه خلاف ما نَوَى بقلبه فالعبرة بما نوى لا بما جرى، فلو لَبَّى بحجّة ونوى بقلبه العمرة، أو لَبَّى بعمرة ونوى بقلبه الحج، أو لَبَّى بهما جميعاً ونوى أحدهما، أو لَبَّى بأحدهما ونوى كليهما، فالعبرة بما نوى.
وإن كان إحرامه عن الغير، فإنَّه ينوِ عنه، ثم إن شاء قال: «لَبَّيْكَ عن فلان»، وإن شاء اكتفى بالنية.
3.التّلبيّة، وتتعلَّق بها أحكام:
• يشترط فيها أن تكون باللسان، فلو ذكرها بقلبه لم يعتد بها، والأخرس لا يلزمه تحريك لسانه.
• وكلُّ ذكر يقصد به تعظيم الله تعالى يقوم مقام التلبية: كالتَّهليل، والتَّسبيح، والتَّحميد، والتَّكبير، وغير ذلك، ولو قال: «اللهم»؛ يجزئه.
• ويجوز الذِّكر والتَّلبية بالعربية والفارسية وغيرهما.
• والتّلبيةُ مرّةً فرضٌ، وتكرارُها في مجلسِه سنة، وعند تغير الحالات: كالإصباح، والإمساء، والأسحار، والخروج، والدخول، والقيام، والقعود، وغيرها: مستحب مؤكّد، والإكثار منها مطلقاً من غير التقيد بحال: مندوب.
• ويُستحبُّ أن يكرِّرها في كلِّ مرة ثلاثاً، وأن يأتي بها على الولاء دون أن يخللها كلام أجنبي، ولا يقطعها بكلام، ولو رد السلام في خلالها جاز، ويكره لغيره أن يُسَلِّمَ عليه، ولا ينبغي أن يُخلّ خللاً بشيء من التلبية المسنونة سواء في بنائها أو إعرابها، فإن زاد عليها بمأثور فمستحب: كأن يقول: «لَبَّيْكَ وسعديك، والخير كله بيديك، والرغباء إليك، لَبَّيْكَ بحجّة حقّاً تعبّداً ورقاً، ولَبَّيْكَ إنَّ العيش عيش الآخرة ونحو ذلك»، وما ليس بمأثور فحسن؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إنَّ تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شريك لك لَبَّيْكَ، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وكان ابن
عمر - رضي الله عنهم - يزيد فيها: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وسعديك، والخير بيديك، لَبَّيْكَ والرغباء إليك والعمل» (¬1).
• ويُستحبُّ الإكثار منها قائماً وقاعداً، راكباً ونازلاً، واقفاً وسائراً، طاهراً ومحْدثاً، جنباً وحائضاً، وعند تغيِّر الأحوال والأزمان، وكلَّمَا علا شرفاً، أو هبط وادياً، وعند إقبال الليل والنهار، وبالأسحار، وبعد الصلاة فرضاً ونفلاً، وعند كلّ ركوب ونزول، ولقاء بعض المحرمين بعضاً، وإذا استيقظ من النوم؛ فعن جابر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبي إذا لقي ركباناً، أو علا أكمة، أو هبط وادياً، وفي إدبار المكتوبة، وآخر الليل» (¬2).
• ويُستحبُّ للرجل رفع صوته بالتلبية، بخلاف المرأة، لكن لا يرفعه بحيث ينقطع صوته وتتضرر به نفسه؛ فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه حين تجاوزوا عن الحدّ في رفع أصواتهم بالتكبير في سفر: «أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، إنَّكم ليس تدعون أصم ولا غائباً، إنَّكم تدعون سميعاً قريباً، وهو معكم» (¬3).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 841.
(¬2) رواه ابن عسكر في تخريجه لأحاديث المهذب، وفي إسناده من لا يعرف، وله شاهد من حديث ابن عمر موقوفاً: إنَّه كان يلبي راكباً ونازلاً ومضطجعاً. ينظر: إعلاء السنن 10: 40 - 41.
(¬3) في صحيح مسلم 4: 2076، وصحيح البخاري 3: 1091.
• وإذا كانوا جماعة لا يمشي أحد على تلبية الآخر؛ لأنَّه يشوش الخواطر، بل كلّ إنسان يلبِّي بنفسه دون أن يمشي على صوت غيره.
• وإنَّ المعتمر يقطع التلبية عند الشروع في طواف العمرة، فلا يلبي في طواف وسعي العمرة؛ لأنَّ اشتغاله حينئذ بالأدعية المأثورة أفضل (¬1).
* ثامناً: شرط بقاء صحّة الإحرام:
يشترط لبقاء صحّته تركُ الجماع قبل الطواف للعمرة.
* تاسعاً: شرط بقاء الإحرام على حاله:
أن لا يدخل إحرام عمرة أُخرى على إحرام عمرة سابقة قبل إتمام العمل المتعلّق بالإحرام الأول وخروجه من أعماله.
* عاشراً: شرط الخروج من الإحرام:
الحلق أو التقصير في وقته، إلاّ إذا تعذَّر عليه ذلك، بأن لا يوجد حالقٌ أو آلة أو كان في الرَّأس علَّة، فيسقط التَّحلُّل بلا شيء من وجوب دم أو صدقة.
* الثاني عشر: واجبات الإحرام:
1. أن يكون من الميقات، فإنَّ الإحرام في حق الأماكن له الأحكام الآتية:
¬
(¬1) ينظر: لباب المناسك ص113 - 116.
- واجب: وهو الإحرام من أي ميقات كان، سواء كان ميقات بلده أو غيره.
- سنة: وهو الإحرام من ميقات بلده؛ لدفع الحرج عن الأمة، والتيسير عليهم فيحرمون من الميقات الأقرب لهم.
- أفضل: وهو الإحرام من دويرة أهله؛ لأنَّه من باب المبادرة إلى الطاعات.
- فاضلٌ: وهو كلُّ ما قدَّمه على وقته، بأن يُحرم من بعد دويرة أهلِه قبل أن يَصِل إلى الميقات.
- محرمٌ: وهو تأخيرُ الإحرام عن الميقات المعيّن.
- مكروهٌ: وهو تجاوز ميقاته إلى ميقات آخر، وكان ممن يملك نفسه بالحفظ عن المحظور.
ويصحّ الإحرام في جميع هذه الحالات، حتى في الإحرام المحرم، إلا أنَّه يجب فيه الدم، ولا يشترط لصحة الإحرام مكان ولا زمان، ولا هيئة ولا حالة، فلو أحرم لابساً المخيط انعقد إحرامُه صَحيحاً، أو مُجامعاً انعقد إحرامُه فاسداً (¬1).
2. أن يصونه عن المحظورات.
¬
(¬1) ينظر: المسلك المتقسط مع اللباب ص105 - 106.
* الثاني عشر: سنن الإحرام:
يسن في الإحرام ستة أمور، فإن تركها بغير عذر لم ينل أجر السنة وكان مسيئاً، أمّا إن تركها لعذر فلا شيء عليه وهي كالآتي:
1.الإحرام من ميقات بلده إن مَرّ به؛ لأنَّ الواجب هو الإحرام من الميقات، ويصح من غير ميقاته، والسنة أن لا يعدل من خصوص ميقات بلده أو طريقه.
2.الاغتسال أو الوضوء نيابةً عن الغسل عند إرادةِ صلاةِ ركعتي الإحرام؛ فعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: «إنَّه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تجرَّد لإهلاله واغتسل» (¬1)، فيغتسل بسدر أو نحوه وينوي بغسله الإحرام، أو يتوضأ، والغسل أفضل، والوضوء يقوم مقامه في حقّ إقامة السنة لا الفضيلة، ويستاك في أول طهارته، ويسرح رأسه عقيب الغسل.
3.لبس الإزار من الخصر والرداء من الكتف، وهذا للرجل؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «وليحرم أحدكم في إزار ورداء» (¬2)، وهذا بيان الأقل الأفضل، وإلا فلو اكتفى بثوب واحد، أو لبس أكثر من ثوبين جاز، والشرط هو الاجتناب عن المخيط الذي يلبس على الهيئة المعتادة، والمرأة تلبس المخيط وليست في ذلك كالرجل.
¬
(¬1) في صحيح ابن خزيمة 4: 161، والمستدرك 2: 421، وجامع الترمذي 3: 192، وسنن الدارمي 2: 48.
(¬2) في صحيح ابن خزيمة 4: 163، والمنتقى 1: 111، ومسند أحمد 2: 34.
4.الادهان والتطيب في البدن والثَّوب، وبما لا يبقى أثره من الطيب أفضل (¬1)؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» (¬2)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كأني أنظر إلى وَبيص الطيب في مَفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو محرم» (¬3)، والوبيص: هو البريق واللمعان، والمفارق جمع مفرق: وهو مكان فرق الشعر من الجبين.
5.أداء ركعتين لسنّة الإحرام (¬4)؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بذي الحُلَيفة ركعتين» (¬5)، ولو أحرم بغير صلاة جاز وكره، ويُكره أن يُصلِّي ركعتي الإحرام في أوقات الكراهة، وتجزئ الصلاة المكتوبة عن ركعتي الإحرام.
6.الالتزام بالتّلبية المعيّنة الواردة في الأحاديث، مثل: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك
¬
(¬1) وتطييب الثوب عند الشافعية والحنابلة جائز عند إرادة الإحرام، ولا يضر بقاء الرائحة في الثوب بعد الإحرام؛ لكن لو نزع ثوب الإحرام أو سقط عنه، فلا يجوز أن يعود إلى لبسه ما دامت الرائحة فيه، وذهب المالكية إلى تحريم الطيب عند الإحرام تحريماً باتاً شاملاً للبدن وللثوب. ينظر: الحج والعمرة ص52.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 846، وصحيح البخاري 1: 104.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 558، وصحيح مسلم 2: 848.
(¬4) ينظر: فتح باب العناية 1: 626.
(¬5) في صحيح مسلم 1: 481، وصحيح البخاري 2: 461.
لك»، ويُكرِّرها ثلاثاً كلِّ ما ذكرها، ويرفع صوتَه بها، إلا المرأة فإنَّ صوتها فتنة (¬1).
* الثالث عشر: مستحبَّاتُ الإحرام:
يُستحبُّ في الإحرام سبعةُ أمور، فإن ترك واحداً منها لا يلام على تركه ولا يكون مسيئاً، وهي كالآتي:
1. تقليمُ أظافر اليد والرِّجل قبل الغسل، ويقص الشارب، وينتف شعر الإبط، ويحلق العانة، وينوب عن النتف والحلق إزالة الشَّعر بما اعتاده من أدوات.
2. نيّةُ الغسل للإحرام؛ فالاغتسال سنة لكنَّ نيته للإحرام مستحبة.
3. لبسُ ثوبين أبيضين جديدين أو مغسلين؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنَّها من خير ثيابكم» (¬2)، فإن لبس ثوبين أسودين أو أخضرين أو أزرقين جاز وإن كان الأبيض أفضل.
4. لبس نعلين (¬3)، وإن جاز لبس غيرهما مما لا يستر الكعبين في وسط الرجلين: أي لا يواري الكعب الذي عند معقد شراك النَّعل (¬4)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك ص101 - 102.
(¬2) في سنن أبي داود 2: 401، وسنن الترمذي 3: 319، وصححه.
(¬3) النعل: الخف، وجورب منعل: وهو الذي وضع على أسفله جلدة كالنعل للقدم، ينظر: المغرب ص469، وقال في المصباح ص613: النعل: الحذاء، وتطلق على التاسومة.
(¬4) معقد الشراك: هو المحل الذي يعقد عليه شراك النعل، وشراك النعل: هو سيرها الذي على ظهر القدم. ينظر: القاموس الفقهي 1: 256، والمغرب 1: 441.
«ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين» (¬1).
5. التلفظ بلسانه لما نوى في قلبه؛ لأنَّ المعتبر المشروط هو قصد القلب وإن جرى على لسانه خلاف ما نوى بقلبه فلا عبرة لما تلفظ به، فيقول: «اللهم إنّي أريد العمرة، فيسِّرها لي، وتقبّلها منّي، نويت العمرة، وأحرمت بها لله تعالى».
6. أن تكون نيَّتُه بعد الصَّلاة حال جلوسه بلا فصل كبير قبل أن يقوم أو يركب أو يمشي، لكن إن أحرم بعدما سار أو ركب جاز؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: «أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - حين استوت به راحلته قائمة» (¬2).
7. تقديم الإحرام على ميقاته المكاني لمن ملك نفسه بالاحتراز عن الوقوع في المحظورات، فهو مستحبُّ للآفاقي (¬3).
* الرابع عشر: محرمات الإحرام:
إنَّ محرمات الإحرام كثيرة، ومنها:
1.تأخير الإحرامَ عن الميقات؛ لأنَّ الإحرامَ من الميقاتِ واجبٌ.
2.ترك واجبات العمرة بغير عذر، وهي السعي والحلق والتقصير.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 653، وصحيح مسلم 2: 834.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 562.
(¬3) ينظر: اللباب والمسلك ص102 - 103.
3.تعمَّد ارتكاب المحظورات (¬1)، ومن هذه المحظورات:
• الرفث والفسوق والجدال؛ قال - جل جلاله -: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ} [البقرة 197]، والرفث: هو الجماع أو دواعيه مطلقاً: كذكر الجماع بحضرة النساء، أو الكلام الفاحش، والفسوق: المعاصي كلها، والجدال: وهو أن يجادل رفيقه (¬2) حتى يغضبه بالمنازعة القبيحة.
• الجماعُ ودواعيه: كالقبلة، واللمس، والمفاخذة، والمعانقة بشهوة.
• إزالةُ الشَّعر حلقاً ونتفاً وإحراقاً.
• حلقُ المحرم شعره أو شعر غيره وتقصيرُه، سواء كان ذلك الغير حلالاً أو محرماً، وحلق شعر الشارب، والإبط، والعانة، والرقبة، وموضع المحاجم (¬3)، وقصّ اللحية ونتفها، وقلم الأظافر (¬4)؛ قال - جل جلاله -: {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ} [البقرة: 196].
• لبسُ المخيط على الوجه المعتاد، فلو لبس خرق مقطعة أُصلحت
¬
(¬1) ينظر: لباب المناسك مع المسلك المتقسط ص103.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص249.
(¬3) وهي جمع مِحجمة ـ بكسر الميم ـ وهي قارورة الحجامة، ويقال لها المِحجم أيضاً ـ بكسر الميم ـ والمَحجَم ـ بفتح الميم والجيم ـ اسم مكان الحجم، ويجمع على محاجم أيضاً، وتختلف عادات الناس في مواضع الحجامة، فإنَّ العرب يحتجمون على الرأس، والفرس بين الكتفين، وأهل الهدر على البطن. ينظر: البناية شرح الهداية 4: 337.
(¬4) ينظر: فتح باب العناية 1: 632، والوقاية ص250.
بالخياطة جاز، وإن كان الأفضلُ أن لا يكون في لباسه خياطةً أَصلاً (¬1)، ولبس العمامة والبُرُقع على الوجه؛ لما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يلبس القُمُص، ولا العمائم، ولا السَّراويلات، ولا البَرَانِس» (¬2) (¬3).
• لبسُ الخُفين (¬4) والجَوربين وكلُّ ما يُواري الكعب الذي عند معقد شراك النَّعل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين» (¬5).
• لبسُ ثوب مصبوغ بطيب أو زعفران أو عصفر أو غيرها، إلا أن يكون مغسولاً كثيراً بحيث لا ينفض أثر الصبغ (¬6)؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: «انطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة بعد ما ترجل وادّهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه، فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس، إلا المزعفرة التي تردع على الجلد» (¬7)، وتردع على الجلد: أي تلصق الأثر عليه؛ لكثرة ما فيها.
¬
(¬1) ينظر: عمدة الرعاية 1: 326.
(¬2) البرانس: وهي القلنسوة الطويلة. ينظر: المصباح ص48.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 653، وصحيح مسلم 2: 834.
(¬4) إلا أن لا يجد نعلين فيقطع أسفل من الكعبين. ينظر: درر الحكام 1: 223.
(¬5) في صحيح البخاري 2: 653، وصحيح مسلم 2: 834.
(¬6) قال العلامة نور الدين عتر في الحج والعمرة ص58: فعلى المحرمين أن يجتنبوا أنواع الصابون المطيب، والصابون المستورد من الخارج الذي له رائحة عطرية، كما يجب عليهم الاحتياط عند شرائهم شيئاً من الطيب، والامتناع من النوم على شيء مطيب.
(¬7) في صحيح البخاري 2: 560.
• تغطيةُ الرّأس والوجه؛ فعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم -: «إنَّ رجلاً أوقصته راحلته، وهو محرم فمات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» (¬1).
• التطيّبُ بعد الإحرام، والتَّدهينُ، وأكلُ الطِّيب، وشَدُّ الطِّيب بطرف ثوبه.
• قتلُ صيدِ البَرّ دون البَحر، وأخذُه، والإعانةُ عليه، ودوامُ إمساكه في يدِه، والإشارةُ إليه حال حضوره، والدَّلالةُ عليه حالة غيابه، والإعانة عليه: كإعارةِ سكين، وتنفيرِه بإخراجه عن محلِّه من غيرِ ضرورة، وكسر بيضه، ونتفِ ريشه، وكسر قوائمِه، وجناحِه، وحلبه، وشويه، وبيعه، وشرائه، وأكله (¬2)؛ لقوله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95]، وقوله - جل جلاله -: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} [المائدة: 96]، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ هذا البلد حرمه الله ... فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شوكه، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُه، ولا يُلْتَقط لُقْطَته إلا مَن عرفها» (¬3).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 866، والمسند المستخرج 3: 298.
(¬2) وأباح الشافعية صيد غير مأكول اللحم وكرهه الحنابلة. ينظر: الحج والعمرة ص60.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 982، وصحيح البخاري 2: 575.
• قتلُ القملة، ورميها في الشَّمس، ودفعُها لغيره، والأمرُ بقتلِها، والإشارة إليها إن قتلها المشار إليه، وإلقاء ثوبه في الشمس وغسله لهلاكها.
• خضب شعر الرأس واللحية بالحناء، وكذا صبغهما، وغسلهما بالخِطْمي؛ لأنَّه طيبٌ، وتلبيدُ شعره بثخين غير مائع ولو من غير طيب.
• قطع شجر الحرم، وقلعه، ورعيه، إلا الإذخر (¬1)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يُخْتَلَى خلاها، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذْخر، فإنَّه لقينهم ولبيوتهم، فقال: إلا الإذْخر» (¬2): يعني ولا يقطع ولا يُقلع، والخلا: هو النبات الرَّطب الرَّقيق، بخلاف ما يَزرع النَّاس فليس بحرام قطعه (¬3).
وغالبُ هذه المحظورات يجب الجزاءُ بمباشرتها، وأمَّا التي لا جزاء فيها سوى الكراهة فهي هذه:
* الخامس عشر: مكروهات الإحرام:
فإنَّ ترك كل سنة من سننه من غير عذر توجب الكراهة، وهذه المكروهات كالآتي:
• تقديم الإحرام على ميقاته المكاني إن لم يملك نفسه، وإلا فالإحرام من دويرة أهله أفضل له.
¬
(¬1) ينظر: لباب المناسك ص129 - 132، والوقاية ص250.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 982، وصحيح البخاري 2: 575.
(¬3) ينظر: الحج والعمرة ص50.
• الإحرام بلا غسل أو وضوء نيابةً عن الغسل.
• إزالة الوسخ والدرن؛ قال - جل جلاله -: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29]، يعني المبالغة في ذلك، وإلا فالاغتسال مباح.
• غسلُ الرأس واللحية والجسد بالسدر ونحوه: كالصَّابون.
• مشطُ الشعر؛ لاحتمال قطع شعره بالامتشاط، ولما فيه من التزين وإزالة الشعث؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: «قام رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: الشعث التفل» (¬1).
• حكُّ الشعر وسائر الجسد حكّاً شديداً؛ لما فيه من التّعرّض لقطع الشّعر (¬2).
• إلقاءُ القباء والعباء ونحوهما: كالجُبّةِ والفروةِ واللَّبادِ على كتفيه من غير إدخالِ يديه في كُميه، فإنَّه يكره، أمّا لو أدخل يديه في كُميه فعليه الجزاء.
• عقدُ الإزارِ والرِّداء، بأن يربطَ طرف أحدهما بطرفِه الآخر، وأن يخلَّ كلُّ واحد منهما بخلال مثل إبرةٍ، وشدُّهما بحبلٍ ونحوه من رباط (¬3).
¬
(¬1) في جامع الترمذي 5: 225، وسنن ابن ماجة 2: 697، ومصنف ابن أبي شيبة 3: 432، ومسند البزار 1: 286، قال المنذري في الترغيب 2: 118: إسناده صحيح.
(¬2) وقيد السندي الحك في اللباب ص133: بما يفضى إلى قتل الهوام وإزالة الشعر. وعقب عليه القاري في المسلك المتقسط ص133: بأنَّه غير ظاهر؛ لأنَّه حينئذ يعد من المحرمات لا من المكروهات.
(¬3) أما عند الشافعية والحنابلة، فإنَّهم فرقوا بين الإزار والرداء، فأجاز الشافعية للمحرم أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطاً ليثبت وأن يجعل له مثل الحجزة ويدخل فيها التكة إحكاماً، أو يزرّه بالزر، أو بأزرار متباعدة، وأن يغرز طرف ردائه في إزاره، ولا يجوز له أن يثبت الإزار بشوكة، أو إبرة، أو دبوس، ولا يجوز عقد الرداء ولا خله بخلال أو مسلة، ولا ربط طرفه إلى طرفه بخيط أو نحوه، فإن فعل شيئاً مما ذكرنا حظره لزمته الفدية.
وقال الحنابلة: له أن يعقد إزاره، وأن يشد وسطه بحبل ولا يعقده، لكنه يدخل بعضه في بعض، ولا يجوز له عقد ردائه، ولا أن يزره عليه، ولا يخله بشوكة ولا غيرها كالإبرة والدبوس، ولا يغرز طرفيه في إزاره.
وأما المالكية فقد أوجبوا الفدية في ذلك سواء كان في الإزار أو الرداء. ينظر: الحج والعمرة ص56.
• لبسُ الثَّوب المبخر، وشمُّ الطِّيب، ولمسه إن لم يلتزق به، فإن التزق عليه الجزاء، وشمُّ الرَّيحان والثمار الطَّيبة، وكلُّ نبات له رائحةٌ طيبةٌ، والجلوسُ في دكان عطّار؛ لاشتمام الرَّائحة بهذه النية (¬1).
• التزيّن وتعصيب شيء من الجسد.
• الدُّخول تحت أستار الكعبة إن أصابت الرأس أو الوجه ولو بعضها.
• تغطية الأنف أو الذقن أو خده بثوب.
• أكل طعام غير مطبوخ يوجد منه رائحة الطِّيب، بخلافِ المطبوخ فإنَّه لا يُكره (¬2).
¬
(¬1) فشم الطيب دون مس يكره عند المالكية والشافعية، ولا فداء فيه، وأما عند الحنابلة فقالوا: يحرم تعمد شم الطيب كالمسك والكافور ويجب فيه الفداء، ويجوز شم الفواكه وكل نبات صحراوي كالشيح والقيصوم. ينظر: الحج والعمرة ص58.
(¬2) وأكل الطيب الخالص أو شربه لا يحل للمحرم اتفاقاً بين المذاهب الأربعة، أما إذا خلطه بطعم قبل الطبخ وطبخه معه فلا شيء عليه قليلاً كان أو كثيراً عند الحنفية والمالكية، وقال الشافعية والحنابلة: إذا خلط الطيب بغيره من طعام أو شراب ولم يظهر له ريح ولا طعم فلا حرمة ولا فدية، وإلا فهو حرام، وفيه فدية. ينظر: الحج والعمرة ص58.
• كبُّ الوجه على الوسادة؛ لأنَّه بمنزلة تغطية وجهه فيُكره، بخلافِ وضع الخد على الوسادةِ فلا يكره؛ دفعاً للحرجِ، ولكونِه الهيئة المعتادة في النوم (¬1).
* السادس عشر: مباحات الإحرام:
• الاغتسال بالماء القَراح، أو صابون خال عن طيب ورائحة، لكن يُستحبُّ أن لا يُزيلَ الوَسخَ بأي ما كان، بل يقصدُ الطَّهارة أو دفع الغبار والحرارة؛ فعن ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم -: «أنَّه سأل أبا أيوب الأنصاري كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغسلَ رأسَه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب - رضي الله عنه - يده على الثَّوب فطأطأه حتى بدا لي رأسُه، ثمّ قال لإنسان يصبّ: أصبب فصبَّ على رأسه، ثمّ حَرَّك رأسَه بيديه فأقبل بهما وأَدبر، ثمّ قال: هكذا رأيتُه - صلى الله عليه وسلم - يفعل» (¬2).
• الغمسُ في الماء فلا يضرُّه التَّغطية بالماء.
• دخولُ الحمام؛ لتقوية البَدَن وغيرها.
• غسلُ الثَّوب للطَّهارة أو النَّظافة لا لقصد قتل القمل والزِّينة.
¬
(¬1) ينظر: لباب المناسك 133 - 135.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 864.
• لبسُ الخاتم، ولبس السَّاعة والنَّظارة وكلُّ ما تمسُّ الحاجة له (¬1).
• تقلُّدُ السَّيف وقتالُ العدو بدءاً ودفعاً على وجه جائز شرعاً.
• شدُّ الحزام، سواء كان فيه نفقتُه أو نفقةُ غيره، فيُباح مع أنَّه مخيطٌ؛ للحاجة.
• الاستظلالُ ببيتٍ أو مظلة أو ثوبٍ مرفوع على عودٍ أو بيدِه أو بيدِ غيره بحيث لا يمسُّ رأسَه؛ فعن أم الحصين رضي الله عنها قالت: «حججت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والآخر رافع ثوبه يستره من الحرّ، حتى رمى جمرة العقبة» (¬2).
• الاكتحالُ بما لا طيب فيه، فلا يجوز الاكتحال بالكحل المخلوط بماء الورد.
• النَّظرُ في المرآة؛ للاطلاع على الهيئة.
• استعمالُ السِّواك.
• نزعُ الضِّرس والظّفر المكسور.
• الفصدُ والحجامةُ بلا إزالة شعر.
¬
(¬1) ينظر: الحج والعمرة ص57.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 944، وصحيح ابن خزيمة 4: 202، وصحيح ابن حبان 9: 265.
• قلعُ الشعر النابت في العين.
• جبر الكسر وتعصيبه.
• لبسُ الخزّ والبزّ والثَّوب الهروي وغيرها، وهذا كله إذا لم يكن مخيطاً ولا حريراً ولا ملوناً بطيب.
• التَّوشحُ بالقميص، بأن يأتزرَ به ويَجعل باقيه في جانبيه، أو في أحدِهما، والارتداءُ بالقميص، والاتزارُ به وبالسَّراويل.
• التَّحزُّمُ بالعمامة: أي الاتزارُ بها من غيرِ عقدِها، فإنَّه حينئذٍ لا يُطلق عليه أنَّه لبسُ العمامة؛ إذ المنهي عنه اللُّبسُ المعتاد.
• غرزُ طرفي ردائه في إزاره.
• إلقاءُ القباءِ والعباءِ والفروةِ على نفسِهِ بلا إدخال يديه وهو مُضطجعٌ؛ لأنَّه لا يُعد لابساً، بخلاف إلقائها على كتفيه فإنَّه يكره.
• وضعُ خده على وسادة، ووضعُ يده أو يد غيره على رأسِهِ أو أنفِه؛ لأنَّه لا يُسمَّى لابساً للرَّأس ولا مُغطياً للفم.
• تغطيةُ اللِّحية ما دون الذَّقن وأذنيه، وقفاه ـ أي وراء العنق ـ ويديه بمنديل، وكذا سائر بدنه سوى الرأس والوجه.
• حمل طشت أو وعاء أو طبق أو قدر أو لوح أو نحوها على رأسه، بخلاف حمل الثياب على رأسه.
• أكلُ ما اصطاده حلال بغير أمره في الحلّ، وأكلُ طعام فيه طيبٌ إن مسَّته النَّار أو تغيّر، والسُّمن، والزَّيت، والشّيرج، وكلُّ دهن لا طيب فيه، والشَّحمُ ودَهن جُرح أو شقاق.
• قطعُ شجر الحلّ، وحشيشه رطباً ويابساً.
• إنشادُ الشَّعر.
• التَّزوّجُ والتَّزويج؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم» (¬1).
• ذبحُ الإبل، والبقر، والغنم، والدجاج، والبط الأهلي، وقتلُ الهوام: كالوزغ والحية والعقرب والذباب والبعوض والبرغوث؛ فعن عائشة رضي الله عنها قال - صلى الله عليه وسلم -: «خمس فواسق يقتلن في الحرم: العقرب، والفأرة، والحِدَأة، والغراب، والكلب العقور» (¬2).
• حكّ الرأس برفق، والجسد ولو بشدة، أو خروج دم، والجلوس في دكان عطار لا لقصد أن يشم الرائحة (¬3).
* السابع عشر: مفسد الإحرام:
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 652.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 857، وصحيح البخاري 2: 649.
(¬3) ينظر: لباب المناسك ص135 - 138.
يفسد إحرام العمرة بالجماع قبل الطواف، ولا يفسد بالجنون والإغماء الحادثان بعد الإحرام.
* الثامن عشر: مبطل الإحرام:
يبطله الارتداد ـ والعياذ بالله ـ.
* التاسع عشر: موانع المضي في موجَب الإحرام:
الإحصار يمنع المضي فيه، بأن حبسه عدوّ وغيره فمنعه من المضي ـ كما سيأتي في الإحصار ـ.
وإذا تم إحرامه دخل مكة، وفعل ما يأتي:
الأول: دخول الحرم ومكة:
إذا وصل المحرم أول الحرم، فعليه بالسَّكينة، والوَقار، والدُّعاء بقضاء الحاجات، والإكثار من الاستغفار؛ لحطّ الأوزار.
والأفضلُ أن يدخلَه حاسراً: كمسجون يعرض على الملك الغفّار.
ثمّ يستمرُّ بالتَّلبية والثَّناء على الله - جل جلاله - بالتَّسبيح والتَّحميد والتَّقديس، ويُصلِّي على نبيه مُحمّد - صلى الله عليه وسلم -، ويَدعو إلى أن يصل إلى ذي طُوى (¬1)، فيغتسل به إن دخل من طريقه، وإلا فحيث تيسّر مما قبله أو بعده، وهو مستحبٌّ حتى
¬
(¬1) طوى: موضع قرب مكة من طريق العمرة يعني التنعيم. ينظر: المسلك المتقسط ص140، وغيرها.
للحائض والنُّفساء؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: «إنَّ من السُّنّة أن يغتسلَ إذا أراد أن يُحرم، وإذا أراد أن يَدخلَ مكّة» (¬1).
ولا بأس بدخولِه ليلاً، ونهاراً أفضل، ويُستحبُّ أن يدخلَ من ثنيةِ
كَداء ـ وهي العقبةُ العُليا على دربِ المعلى ـ من أعلى مَكّة (¬2).
وإذا رأى مَكّة دعا، ويكون في دخولها مُلبياً داعياً إلى أن يصل باب السلام، فيبدأ بالمسجد بعد حطّ أثقاله؛ ليكون قلبه فارغاً، وقبل حطّ أثقاله أفضل إن تيسّر، وإن كانوا جماعةً اشتغل بعضُهم بحطّ الأثقال، وبعضُهم بأداء الأفعال ولا يؤخّره؛ لتغيير ثياب واستئجار منزل وأكل وشرب ونحوها إلا لعذر (¬3).
الثاني: دخول المسجد الحرام:
يُستحبُّ أن يدخل المسجد من باب السلام، مُقدماً رجله اليُمنى، داعياً مُصلياً على النبي - صلى الله عليه وسلم -، حافياً إلا أن يستضرّ، وإذا رأى البيت هلَّل وكَبَّر ثلاثاً، وصلَّى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودعا بما أحبّ، ومن أهم الأدعية عند رؤية الكعبة: «اللهم أدخلنا الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب»، ويقول أيضاً: «اللهم
¬
(¬1) في المستدرك 1: 615، وصححه.
(¬2) وقال الطرابلسي: وإن لم تكن في طريقه، ينبغي أن يعرج إليها في الحج والعمرة، وقيل: في العمرة يدخل من أسفل مكة. ينظر: اللباب ص140 - 141.
(¬3) ينظر: شرح ملا مسكين ص76، وفتح الله المعين 1: 474، واللباب مع المسلك 139 - 140.
زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً» (¬1)، ويقول أيضاً: «أعوذ برب البيت من الدين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر» (¬2)، ويقول أيضاً: «اللَّهُمَّ أَنت السلام، ومنك السلام، وإِليكَ يَرْجع السلام، حَيِّنَا رَبَّنا بالسلام، وأَدخلنا دارك دار السلام، تباركت رَبَّنا وتعاليت، يا ذا الجلال والإِكرام»، فعن سعيد بن المسيب وعمر أنهما كانا يقولان عند رؤية البيت: «اللهم أنت السلام, ومنك السلام, فحينا ربنا بالسلام» (¬3)، ولا يرفع يديه عند رؤية البيت.
ثمّ يتوجّه نحو الرُّكن الأسود فيبدأ بالطواف، ولا يشتغل بتحيّة المسجد ولا بشيء آخر، إلا أن يكون عليه صلاة فائتة، أو يَخاف فوت الصلاة المكتوبة أو الوتر أو سنة راتبةً أو الجماعة، فيقدم كل ذلك على الطواف (¬4).
• • •
¬
(¬1) عن ابن جريج مرفوعاً في مسند الشافعي ص125، والسنن الكبرى 5: 118.
(¬2) ينظر: فتح القدير 2: 448، والبناية 4: 119.
(¬3) في السنن الكبرى 5: 118/ ينظر: فتح باب العناية 3: 44.
(¬4) ينظر: اللباب والمسلك ص141 - 143، والوقاية ص251.
المطلب الرابع
الطواف
وهو ركن العمرة فلا تصح العمرة بدونه، والكلام فيه كالآتي:
* أولاً: صفة الطواف:
إذا أراد المعتمر الشروع في الطواف ينبغي أن يضطبع قبله بقليل: وهو أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن، ويُلقي طرفيه على كتفه الأيسر، ويكون المنكب الأيمن مكشوفاً، والاضطباع سنّة للرَّجل في كلِّ طواف بعده سعي.
ثمّ يقف مستقبل البيت بجانب الحجر الأسود ممّا يلي الرُّكن اليماني، بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ويكون منكبه الأيمن عند طرف الحجر، فينوي الطواف، وهذه الكيفية مستحبّة، والنيّةُ فرضٌ في الطواف.
ثم يمشي ماراً إلى يمينه حتى يحاذي الحجر، فيقف بحياله ويستقبله، ويبسمل ويكبّر ويحمد الله ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو، فيقول: «بسم الله، والله أكبر، ولله الحمد، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -»، فعن ابن عمر - رضي الله عنه - «كان إذا استلم الركن قال: بسم الله والله اكبر» (¬1)، وعن علي - رضي الله عنه - أنَّه كان يقول إذا استلم الحجر: «اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك واتباعاً لسنة نبيك» (¬2)، ويرفع يديه عند التكبير حذاء منكبيه أو أذنيه مستقبلاً بباطن كفيه الحجر (¬3).
ثم يستلم الحجر، وصفة الاستلام (¬4): أن يضعَ كفيه على الحجر، ويضع فمه بين كفيه، ويقبّله من غير صوت إن تيسّر، وإلا يمسّ الحجر بالكف،
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق 5: 33، وسنن البيهقي الكبير 5: 79، وسنده صحيح. ينظر: إعلاء السنن 10: 74.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 5: 79، والمعجم الأوسط 1: 157، وإسناده حسن. ينظر: إعلاء السنن 10: 75.
(¬3) ومكروهة عند الأئمة الأربعة. ينظر: المسلك المتقسط ص144.
(¬4) استلام الحجر الأسود: لمسه بفم ويد. ينظر: طلبة الطلبة ص30، والعناية على الهداية 2: 450، والبحر الرائق 2: 356.
ويقبّل كفّه بدل تقبيل الحجر، ويستحبّ أن يضع وجهه عليه على هيئة السجود، ويُكرّر السُّجود مع التَّقبيل ثلاثاً، وإن لم يتيسّر ذلك أَمسّ الحجر عصاً ونحوها، وقبَّل ذلك الشَّيء إن أَمكنه، وإلاّ يقف بحياله مستقبلاً له رافعاً يديه مُشيراً بهما إليه، كأنَّه واضع يديه عليه: مُبسملاً، مُكبّراً، مُهللاً، حامداً، مُصلياً، داعياً، وقبَّل كفيه بعد الإشارة (¬1)، ويُسنُّ استلام الحجر الأسود في كلِّ شوط، وإن استلمه في أوَّل الطَّواف وآخره كفاه عن أصل السُّنة ولا شيء عليه.
وإذا فرغ من الاستلام أخذ عن يمينِ نفسِه ممَّا يلي الباب، وجعل البيت عن يساره، فيطوف سبعة أشواط وراء الحَطيم (¬2)، ومن الحَجر إلى الركن الأسعد إلى الحَجر ثانياً شوط.
ويرمل الرجل في الأشواط الثلاثة الأول حول جميع البيت: وهو أن يسرع في المشي، ويهزّ كتفيه (¬3)، ويُري من نفسه بالجلادة والقوَّة مع تقارب الخطا دون الوثوب والعدو، ويمشي في الباقي على هِينته بطمأنينته المعتادة في هيئته.
والرَّمل بالقرب من البيت أفضل عند الإمكان من غير مزاحمةٍ في المكان، وإن لم يمكنه بسهولةٍ ولا بغير مدافعةٍ، فالطواف بالبعد عن الكعبة
¬
(¬1) ينظر: درر الحكام 1: 222، والدر المختار 2: 166.
(¬2) الحطيم: هو جدار حجر الكعبة، كما في مختار الصحاح 1: 76.
(¬3) ينظر: شرح الوقاية ص252.
بالرمل أفضل من الطواف بالقرب منها بغير الرمل؛ لأنَّ المدافعة محرمة، فإن ازدحم الناس صبر حتى تزول الزحمة فيرمل.
ويكون في طوافه ذاكراً داعياً مُصليّاً على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فيقول: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله»، وهو أفضل من قراءة القرآن؛ لفعله - صلى الله عليه وسلم -، ومن الأدعيّة المأثورة: «اللهمَّ هذا البيتُ بيتُك، وهذا الحرمُ حرمُك، وهذا الأمنُ أمنُك»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - بين الركن اليماني والحجر: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (¬1) [البقرة: 201]، على سبيل الدعاء.
ويستحب استلام الرَّكن اليماني في كلّ شوط، بأن يلمسَه بيمينه دون يساره (¬2)، وهو الركن الواقع قبل الحجر الأسود.
فإذا طاف سبعة أشواط استلم الحَجر الأسود، فختم به.
ثمّ يأتي مقام سيّدنا إبراهيم فيصلي خلفَه ركعتي الطواف، يقرأ في الأولى: الكافرون، وفي الثانية: الإخلاص، ويُستحبُّ أن يدعو بعدهما، فيقول: «اللهم اعصمني بدينك وطاعتك وطاعة رسولك - صلى الله عليه وسلم -، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممَّن يُحبُّك ويُحبُّ ملائكتك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهمّ حببني إليك وإلى ملائكتك ورسلك، اللهم
¬
(¬1) في المستدرك 2: 304، وصححه، والأحاديث المختارة 9: 390.
(¬2) قال القاري في المسلك ص152: وأما الركنان الآخران فلا استلام فيهما، ولا إشارة بهما، بل هما بدعة مكروهة باتفاق الأربعة.
آتني من خير ما تؤتي عبادك الصَّالحين في الدُّنيا والآخرة, اللَّهمَّ يسرني لليسرى وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، اللهمَّ أوزعني أن أفي بعهدِك الذي عاهدتني عليه، اللَّهمَّ اجعلني من أئمةِ المتقين, واجعلني من ورثةِ جنّة النَّعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين» (¬1).
ثمّ يأتي الملتزم (¬2) بعد أداء الرَّكعتين أو قبلهما، ويتشبَّث به بقرب الحَجر، ويضع صدرَه وبطنَه وخدّه الأيمن عليه رافعاً يديه فوق رأسه مبسوطتين على الجدار داعياً بالتضرُّع والابتهال مع الخضوع والانكسار مُصليّاً على النبيّ المختار.
ثمّ يأتي زمزم فيشرب من مائها ويتضلَّع (¬3)، بأن يُبالغ في الشُّرب منها (¬4).
¬
(¬1) كان ابن عمر - رضي الله عنهم - إذا قدم حاجاً أو معتمراً طاف بالبيت وصلى ركعتين، وكان جلوسه فيها أطول من قيامه ثناء على ربه ومسألة، فكان يقول حين يفرغ من ركعتيه وبين الصفا والمروة هذا الدعاء. في مصنف ابن أبي شيبة 15: 406.
(¬2) وهو ما بين الكعبة والحجر الأسود، سمي بذلك؛ لأنَّ الناس يعتنقونه: أي يضمونه إلى صدورهم. ينظر: المصباح المنير ص544.
(¬3) تضلع: امتلأ رياً حتى بلغ الماء أضلاعه فانتفخت من كثرة الشرب، كما في تاج العروس 21: 426.
(¬4) قال - صلى الله عليه وسلم -: «آية بيننا وبين المنافقين أنَّهم لا يتضلعون من زمزم» في المستدرك 1: 645، وصححه، وسنن ابن ماجة 2: 1017، ومصنف عبد الرزاق 5: 113.
ثمّ يعود إلى الحَجر الأسود، فيستلمه إن قدر على ذلك، وإلا استقبله وهو يُكبر ويُهلِّل ويحمد الله ويُصلى على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
ثمّ يمضى إلى الصَّفا فيَسعى بينها وبين المروة (¬1).
* ثانياً: أحكام طواف العمرة:
1) إنَّه ركن في العمرة، فبدونه لا تصح العمرة.
2) إنَّ فيه اضطباع ورمل وبعده سعي، والاضطباع: هو أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن، ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر، ويكون المنكب الأيمن مكشوفاً، والرمل: هو أن يسرع في المشي ويهزّ كتفيه ويُري من نفسه الجلادة والقوة مع تقارب الخطا دون الوثوب والعدو.
3) إنَّ أوّل وقت الطواف بعد الإحرام بالعمرة ولا آخر له في حق أدائها.
* ثالثاً: شروط صحّة الطَّواف:
يشترط لصحّة الطَّواف حول الكعبة خمسةُ شروطٍ، فإن فُقِد واحدٌ منها، لم يصحُّ منه الطَّواف ولا يُعتدُّ به، وعليه إعادتُه، وتفصيلُ هذه الشُّروط في النُّقاط الآتية:
1. الإسلام، فلا يصحُّ طوافُ الكافر؛ لأنَّ الكافرَ ليس أهلاً للعبادة.
¬
(¬1) ينظر: الوقاية ص253.
2. الوقت، فإنَّ أوّل وقت طواف العمرة بعد الإحرام بالعمرة ولا آخر له.
3. النيّة؛ فإنَّ شرطَ صحّة الطَّواف هو أصلُ النيّة دون تعيين الفرضيّة والوجوب والسُّنة، ولا تعيين كون الطَّواف للعمرة أو تطوّع، فلو نوى أصلَ الطَّواف على جهةِ القربة جاز؛ لحصول النيّة، ولو طاف لا ينوي طوافاً، بأن طاف طالباً لغريم، أو هارباً من عدوٍ، أو لا يعلم أنَّه البيت فطاف حولَه، لم يعتدَّ بطوافه.
4. أن يكون حول الكعبة لا في داخلها، وفي المسجد الحرام؛ لقوله - جل جلاله -: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]، ولو طاف من وراء الأعمدة وزمزم، أو طاف على سطح المسجد ولو مرتفعاً عن البيت جاز؛ لأنَّ حقيقة البيت هو الفضاء الشامل لما فوق البناء من الهوى (¬1).
5. إتيانُ أكثره؛ وهو أربعة أشواط (¬2)؛ لأنَّه مقدارُ الفرض منه، والباقي واجبٌ وليس بفرضب؛ فعن أبي الشعثاء عن ابن عباس - رضي الله عنه -: «إنَّه أقيمت الصلاة وقد طاف خمسة أطواف فلم يتمّ ما بقي» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك ص165.
(¬2) وذهب الجمهور إلى أنَّ الفرض سبعة أشواط، لا يجزئ أقل منها أبداً. ينظر: الحج والعمرة ص76.
(¬3) ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري 3: 484، قال التهانوي في إعلاء السنن 10: 97: سكت عنه الحافظ، فهو صحيح أو حسن.
* رابعاً: واجبات الطواف:
يجب في الطَّواف ستّة أمور، فإن فُقِد واحد منها وَجَبَ عليه إعادةُ الطَّواف، فإن لم يُعِد صَحَّ طوافُه مع الإثم ووجوب الجزاء؛ لترك الواجب، وتفصيل هذه الواجبات في النّقاط الآتية:
1. الطَّهارةُ عن الحدث الأكبر والأصغر؛ وإن فُرِّق بينهما من حيث الإثم والكفّارة، ولو طاف معهما صحّ، ولم يحل له ذلك، ويكون عاصياً، ويجب عليه الإعادة، والجزاء إن لم يعد (¬1)؛ فعن عائشة رضي الله عنها: «إنَّ أول شيء بدأ به - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة أنَّه توضأ ثم طاف بالبيت» (¬2)، وعن عائشة رضي الله عنها لما طمثت قال لها النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «فإنَّ ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاجّ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (¬3).
2. الطَّهارةُ عن النَّجاسة الحقيقيّة (¬4) في قدرِ ما يستر به عورتَه من الثَّوب، فلو طاف وعليه قدر ما يُواري العورة طاهر والباقي نجسٌ جاز مع
¬
(¬1) ذهب الأئمة الثلاثة إلى أنَّ الطهارة من الأنجاس ومن الأحداث كلها شرط لصحة الطواف، فإذا طاف فاقداً أحدها، فطوافه باطل لا يعتبر به؛ لحديث: «الطواف صلاة فأقلّوا فيه الكلام» في سنن البيهقي الكبير 5: 85، وسنن النسائي الكبرى 2: 406. ينظر: الحج والعمرة ص79.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 906، وصحيح البخاري 2: 591.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 117، وصحيح مسلم 2: 873.
(¬4) وقيل: الطهارة عن النجاسة الحقيقية سواء في الثياب الملبوسة أو الأعضاء البدنية الأكثر على أنَّه سنة. ينظر: اللباب ص167.
الكراهة، وإن كانت النَّجاسة فيما يستر به عورتَه فهو بمنزلةِ مَن طاف، وهو عريان.
3. ستر العورة (¬1)؛ فلو طاف مكشوفاً قدر ما لا تجوز الصلاة معه، وجب عليه الدم إن لم يعد الطواف، والمانع قدر كشف ربع العضو فما زاد على قدر الربع بالنسبة إلى الرجل والمرأة، كما في الصلاة، وإن انكشف أقل من الربع لا يمنع الطواف، ويجمع المتفرق من المكشوف فإن زاد على قدر الربع، فإنَّه يحرم الطواف؛ لعدم القيام بواجب الستر.
4. المشي فيه للقادر (¬2)؛ فلو طاف راكباً، أو محمولاً، أو زحفاً بلا عذر، فعليه الإعادة ما دام بمكة، أو عليه دم؛ لتركه الواجب، وإن ترك المشي بعذر، فلا شيء عليه، ولو نذر أن يطوف زحفاً، لزمه الطواف ماشياً.
5. التيامن؛ وهو أخذ الطائف عن يمين نفسه وجعل الكعبة المشرفة عن يساره (¬3)، فمَن أتى بخلافه في الهيئة والكيفيّة، بأن طاف منكوساً (¬4)، يحرم عليه فعله، ويجب عليه الإعادة، أو لزوم الجزاء (¬5).
¬
(¬1) ذهب الأئمة الثلاثة إلى أنَّه شرط الطواف ولا يصح بدونه. ينظر: الحج والعمرة ص80.
(¬2) وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وذهب الشافعية إلى أنَّه سنة. ينظر: الحج والعمرة ص82.
(¬3) وفي هذا نكت كثيرة: منها: كون القلب محله يسار الطائف فاستحب أن يجعل ذلك إلى الكعبة. ينظر: ظفر الأنفال بحواشي غاية المقال ص131.
(¬4) الطواف المنكوس: هو أن يستلم الحجر الأسود ثم يأخذ عن يساره، سمي بذلك؛ لأنَّه نكس أي قلب عما هو السنة، كما في المغرب 2: 328.
(¬5) وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنَّ هذا شرط لصحة الطواف، وأنَّ طواف المنكوس باطل. ينظر: الحج والعمرة ص77.
6. الطواف وراء الحَطيم؛ فلو لم يطف وراءه، بل دخل الفرجة التي بينه وبين البيت فطاف، فعليه الإعادة أو الجزاء، ثم الواجب أن يعيده على الحِجر فقط، والأفضل إعادة (¬1) كله (¬2).
وصورة الإعادة على الحِجر: أن يأخذ عن يمينه خارج الحجر حتى ينتهي إلى آخره، ثم يدخل الحجر من الفرجة ويخرج من الجانب الآخر، أو لا يدخل الحجر بل يرجع ويبتدئ من أول الحجر، هكذا يفعل سبع مرات، ويقضي حقّه فيه مَن رمل وغيره، فإذا أعاده سقط الجزاء.
* خامساً: ركعتي الطَّواف:
وتفصيل أحكامها في النقاط الآتية:
1. واجبة (¬3) بعد كل طواف، فرضاً كان أو واجباً أو سنة أو مستحباً أو نفلاً؛ فعن الزهري: «لم يطف النبي - صلى الله عليه وسلم - أسبوعاً قط إلا صلى ركعتين» (¬4).
¬
(¬1) وهذا ليؤديه على الوجه الحسن المستحسن عند العلماء، وللخروج به عن خلاف بعض الفقهاء، وهذا عند الأكثر من أئمة المذهب خلافاً لظاهر كلام الكرماني، فعليه أن يعيد الطواف؛ ولما صرح به ابن الهمام حيث قال: فيجب إعادة كله ليؤدى على الوجه المشروع. ينظر: المسلك المتقسط ص170.
(¬2) وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنَّه فرض في الطواف، من تركه لم يعتد بطوافه؛ لأنَّه جزء من الكعبة. ينظر: الحج والعمرة ص81.
(¬3) وهذا عند الحنفية والمالكية، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّهما سنة مؤكدة. ينظر: الحج والعمرة ص82.
(¬4) في صحيح البخاري 2: 586.
2. لا تختصُّ بزمان ولا مكان في الجواز والصحّة فيما عدا وقت الكراهة (¬1)، ولا تفوت، فلو تركها لم تجبر بدم كباقي الواجبات؛ فعن أم سلمة رضي الله عنها: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال لها: إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون، ففعلت ذلك، فلم تصل حتى خرجت» (¬2)، فلو صلاها خارج الحرم ولو بعد الرجوع إلى وطنه، جاز ويُكره، ولو طاف بعد العصر، يُصلي المغرب، ثمّ ركعتي الطواف، ثم سنة المغرب؛ فعن المسور بن مخرمة - رضي الله عنه -: «إنَّه كان يقرن بين الأسابيع إذا طاف بعد الصبح والعصر، فإذا طلعت الشمس أو غربت صلّى لكل أسبوع ركعتين» (¬3).
¬
(¬1) فتكره الصلاة في الأوقات الآتية: وقت الخطبة: كخطبة الجمعة، والعيدين، والخطب التي في الحج، سواء كانت الصلاة تحية المسجد أو سنة للجمعة، وبعد طلوع الفجر قبل أداء الفرض، فإنَّه يكره التنفل بأكثر من سنّة الفجر؛ لشغل الوقت بالسنة تقديراً، وبعد أداء الفجر وبعد أداءِ العصرِ إلى أداءِ المغرب، فيكره التنفل في هذه الأوقات، بخلاف ما إذا صلى قضاء فائتة، وسجدة تلاوة، وصلاة جنازة، وقبل صلاة المغرب بعد غروب الشمس، فإنَّه يكره تنزيهاً التنفل قبل صلاة المغرب؛ لما فيه من تأخير المغرب، وعند ضيق وقت الصلاة المكتوبة، فإنَّه يكره التنفل في هذا الوقت؛ لتفويته الفرض عن وقته لما ليس بفرض، فيترك ما عليه ويفعل ما ليس عليه، وهذا ليس من فعل العقلاء، وعند مدافعة أحد الأخبثين ـ البول والغائط ـ وأيضاً عند مدافعة الريح، والصلاة في هذه الحالة تكره في الفرض والنفل، وعند حضور طعام تتوقه نفسه وتشتاق إليه؛ فإنَّ فيه شغلاً. ينظر: حاشية الطحطاوي ص191.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 587.
(¬3) قال الحافظ في فتح الباري 3: 485: رواه بن أبي شيبة بإسناد جيد.
3. السُّنةُ الموالاة بينها وبين الطواف، فيكره تأخيرها عن الطواف، إلا إذا انتهى من الطَّواف في وقت مكروه؛ فعن نافع: «إنَّ ابن عمر - رضي الله عنهم - كان يَكره قرن الطَّواف، ويقول: على كلِّ سبع صلاة ركعتين، وكان لا يقرن» (¬1).
4. يستحبُّ مؤكّداً أداؤها خلف المقام؛ لموافقة فعله - صلى الله عليه وسلم - على وفق الآية: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى} [البقرة: 125].
5. أفضل الأماكن لأدائها خلف المقام (¬2)، ثمّ في الكعبة، ثم الحجر تحت الميزاب (¬3)، ثم كل ما قرب من الحجر إلى البيت، ثم باقي الحجر، ثم ما قرب من البيت، ثم المسجد، ثم الحرم، ثم لا فضيلة بعد الحرم، بل الإساءة.
6. يُستحبُّ أن يقرأ في الأولى: بسورة الكافرون، وفي الثانية: بالإخلاص؛ فعن جابر - رضي الله عنه - قال: «ثم نفذ إلى مقام إبراهيم - عليه السلام -، فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البقرة: 125]، فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان يقرأ في الركعتين: {قُلْ هُو اللهُ أَحَد}، و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون}» (¬4).
¬
(¬1) رواه عبد الرزاق وسكت عنه الحافظ في الفتح 3: 485، قال التهانوي في إعلاء السنن10: 99: رجاله ثقات معروفون من رجال الجماعة، فالسند صحيح.
(¬2) والمراد بما خلف المقام، قيل: ما يصدق عليه ذلك عادة وعرفاً مع القرب، وعن ابن عمر - رضي الله عنه -: «أنَّه إذا أراد أن يركع خلف المقام جعل بينه وبين المقام صفاً أو صفين أو رجلاً أو رجلين» في مصنف عبد الرزاق 5: 49.
(¬3) الميزاب: وهو المثقب، من وزب الماء إذا سال. ينظر: المغرب ص25.
(¬4) في صحيح مسلم 2: 888، وصحيح ابن حبان 9: 251.
7. يُستحبُّ أن يدعو بعدها لنفسه، ولمَن أحبّ من المسلمين، ويدعو بدعاء آدم - عليه السلام -، وكان من دعاء آدم - عليه السلام -: «رب ظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني إنَّه لا يغفر الذنوب غيرك» (¬1).
8. يجوز أن يُصلى أكثر من ركعتين.
9. لا تجزئ الصَّلاة المكتوبة والمنذورة عنها.
10. لا يجوز اقتداءُ مُصلّي ركعتي الطَّواف بمثلِه؛ لأنَّ طوافَ هذا غير طواف الآخر.
11. إن طاف بصبيٍّ لا يُصلى عنه ركعتي الطَّواف؛ لأنَّه لا تصحُّ النِّيابة في العبادةِ من الصَّوم والصَّلاة (¬2).
* سادساً: سنن الطَّواف:
يُسنُّ في الطَّواف تسعةُ أُمور، فإن تركها بغير عذر لم ينل أجر السنة وكان مسيئاً، أما إن تركها لعذر فلا شيء عليه وهي كالآتي:
1. استلام الحجر الأسود مطلقاً؛ فعن أبي الطُّفيل - رضي الله عنه - قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالبيت ويستلم الرُّكن بمحجن (¬3) معه، ويقبّل
¬
(¬1) في العظمة لأبي الشيخ 5: 1597، وينظر: مجمع الزوائد 10: 292، وإحياء علوم الدين 4: 241.
(¬2) ينظر: اللباب ص171 - 175.
(¬3) المحجن: وزان مقود خشبة في طرفها اعوجاج مثل: الصولجان، قال ابن دريد: كل عود معطوف الرأس، كما في المصباح المنير 1: 123.
المحجن» (¬1)، وعن عمر - رضي الله عنه -: «إنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال له: يا عمر، إنَّك رجل قوي لا تزاحم على الحجر، فتؤذي الضَّعيف، إن وجدت خلوةً فاستلمه، وإلاّ فاستقبله فهلِّل وكبر» (¬2).
2. الاضطباع في جميع أَشواط الطَّواف؛ فعن يعلى بن أُمية - رضي الله عنه -: «إنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت مُضْطَبِعاً وعليه بردٌ» (¬3).
وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه اعتمروا من الجِعْرانة، فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قد قذفوها على عواتقهم اليسرى» (¬4).
3. الرمل في الأشواط الثلاثة الأول والمشي على هينته في الباقي (¬5)؛ فعن جابر - رضي الله عنه -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قدم مكّة أتى الحجر فاستلمه، ثمّ مشى على يمينه فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً» (¬6).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 927، وصحيح البخاري 2: 582.
(¬2) في مسند أحمد 1: 28، قال التهانوي في إعلاء السنن 10: 73: السند صحيح ولا أقل من أن يكون حسناً، فإنَّ رجاله ثقات كلهم، وقد تابع عبد الرحمن سعيد بن المسيب فذكر عن عمر نحوه.
(¬3) في جامع الترمذي 3: 214، وقال: حسن صحيح، وسنن الدارمي 2: 65، وسنن أبي داود 2: 177.
(¬4) سبق تخريجه.
(¬5) وهذا سنة في كل أشواط الطواف عند الحنفية والشافعية، وصرح الحنابلة باستحبابه، ولم يره المالكية سنة ولا مستحباً. ينظر: الحج والعمرة ص84.
(¬6) في صحيح مسلم 2: 893، والمنتقى 1: 124.
4. استلام الحجر الأسود بين الطواف والسَّعي، سواء صلى بينهما أم لم يصلِّ؛ لحديث جابر - رضي الله عنه -: «ثمّ رجع - صلى الله عليه وسلم - إلى الرُّكن، فاستلمه، ثمّ خرج من الباب إلى الصَّفا» (¬1).
5. رفع اليدين للتَّكبير عند مقابلة الحجر الأسود.
6. الابتداءُ من الحجر الأسود (¬2).
7. استقبال الحجر في ابتداء الطواف (¬3).
8. الموالاة بين الأشواط؛ فيكره له أن يفصل بينهما بغير عذر (¬4)؛ فعن جميل بن زيد - رضي الله عنه -، قال: «رأيت ابن عمر - رضي الله عنهم - طاف بالبيت فأقيمت الصلاة فصلى مع القوم، ثم قام فبنى على ما مضى من طوافه» (¬5).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 888، وصحيح ابن حبان 9: 251.
(¬2) واختار بعض الحنفية كالتمرتاشي في التنوير أنَّه واجب، وهو الراجح عند المالكية، وذهب المالكية في قول والشافعية والحنابلة إلى أنَّه شرط، وإليه ذهب بعض الحنفية، فلا يعتد بالشوط الذي لم يبدأ من الحجر الأسود عندهم. ينظر: الحج والعمرة ص80.
(¬3) المرور بجميع البدن على الحجر الأسود ليس واجباً عند الحنفية والمالكية، وهو واجب وشرط عند الشافعية والحنابلة. ينظر: الحج والعمرة ص85.
(¬4) وذهب المالكية وهو قول في مذهب الشافعي إلى أنَّه واجب، وأوجبوا دماً على تاركه، ولكن إذا أقيمت الصلاة يجب عليه القطع، فإذا انتهى من الصلاة أتم الأشواط. ينظر: الحج والعمرة ص88.
(¬5) رواه سعيد بن منصور، وعلقه البخاري مختصراً وسكت عنه الحافظ في فتح الباري 3: 484، وتهذيب التهذيب 2: 98، فهو حسن أو صحيح عنده، كما قال التهانوي في إعلاء السنن 10: 9.
9. الطهارةُ عن النجاسة الحقيقية في الثياب والأعضاء البدنية، فهي سنة، أما الطهارة عن النجاسة في قدر ما يستر به عورته من الثوب فهي واجبة (¬1).
* سابعاً: مستحبّات الطَّواف:
يستحب في الطواف تسعة أمور، فإن ترك واحداً منها لا يلام على تركه ولا يكون مسيئاً، وهي كالآتي:
1. استلام الركن اليماني من غير قُبلة ووضع جبهة (¬2)؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إني لم أرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمس إلا اليمانيين» (¬3)، وعنه - رضي الله عنه -: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستلم الركن اليماني والحجر في كل طواف» (¬4).
2. أخذ الطائف عن يمين الحجر بحيث يمرُّ جميع بدنه عليه، بأن يقف قبيل الحجر مستقبلاً، ثم يطوف متيامناً.
3. تقبيل الحجر الأسود والسجود عليه ثلاثاً؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: «قبَّل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الحجر، ثم قال: أمَ والله لقد علمت أنَّك حجر،
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك ص176.
(¬2) هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد والأئمة الثلاثة إنَّه سنة. ينظر: الحج والعمرة ص86.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 844، وصحيح البخاري 1: 73.
(¬4) في سنن أبي داود 2: 176، وسنن النسائي الكبرى 2: 402، والمجتبى 5: 231، والمعجم الكبير 10: 271.
ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبّلك ما قبّلتك» (¬1)، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد على الحجر» (¬2).
4. إتيان الأذكار والأدعية فيه.
5. أن يكون في طوافه قريباً من البيت، وهذا للرجل، والمرأة يسن لها البعد (¬3) إن كانت زحمة الرجال.
6. استئناف الطواف لو قطعه ولو بعذر ما لم يأت أكثره، واستئنافه لو فعله على وجه مكروه.
7. ترك الكلام المباح، وكل عمل ينافي الخشوع.
8. الإسرار بالذكر والأدعية بالمبالغة في الإخفاء؛ تبعيداً عن السمعة والرياء، أما إذا كان الجهر مشوشاً على الطائفين والمصلين فيجب الإخفاء.
9. صون النَّظر عن كلِّ ما يشغله (¬4).
* ثامناً: مباحات الطواف:
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 925، وصحيح البخاري 2: 579.
(¬2) في المستدرك 1: 646، وقال: صحيح الإسناد.
(¬3) ونص الشافعية على سنيته، وجعله المالكية مستحباً؛ قياساً لصفوف الطواف على صفوف الصلاة. ينظر: الحج والعمرة ص87.
(¬4) ينظر: اللباب مع المسلك ص177 - 180.
1. الكلامُ المباح فيما يحتاج إليه؛ فعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الطَّواف بالبيت صلاة، إلا أنَّ الله أحلَّ فيه المنطق، فمَن نطق فلا ينطق إلا بخير» (¬1).
2. السَّلام على مَن لا يكون مشغولاً بالذكر، وإلاّ فيكره السلام عليه.
3. الإفتاء والاستفتاء؛ لأنَّها أفضل من العبادات النَّفلية.
4. الخروج منه لحاجة.
5. الشرب؛ لعدم تأديته إلى ترك الموالاة؛ لقلة زمانه، بخلاف الأكل المانع للموالاة.
6. الطواف في نعل أو خف إذا كانا طاهرين.
7. ترك الأذكار والأدعية وقراءة القرآن.
8. إنشاد شعر محمود مما يباح في الشرع.
9. الطواف راكباً أو محمولاً بعذر؛ لأنَّ الضرورات تبيح المحظورات.
* تاسعاً: محرمات الطواف:
1. الطواف جنباً أو حائضاً أو نفساء حرام أشد حرمة، أو الطواف محدثاً، وهو دونهم في الحرمة.
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 9: 123، والمستدرك 1: 640، والمنتقى 1: 120، وسنن النسائي الكبرى2: 406.
2. الطواف عرياناً؛ بأن يكشف من العورة قدر ما لا تصح به الصلاة؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يطوف بالبيت عريان» (¬1).
3. الطواف راكباً أو محمولاً أو زاحفاً بلا عذر.
4. الطواف منكوساً أو معكوساً؛ وهو أن يستلم الحجر الأسود ثم يأخذ عن يساره، سمي بذلك؛ لأنَّه نكس أي قلب عما هو السنة.
5. الطواف داخل الحِجر.
6. ترك شيء من الطواف، إلا أنَّ ترك الشوط الرابع حرام، وترك الأشواط الثلاثة مكروه كراهة تحريم.
وهذا الأمور كلها محرمة في الطواف حتى لو كان الطواف نفلاً، ولا مفسد للطواف، وإنَّما يبطل بالارتداد.
* عاشراً: مكروهات الطواف:
فإنَّ ترك كل سنة من سننه من غير عذر توجب الكراهة، وهذه المكروهات كالآتي:
1. الكلام الفضول الذي لا حاجة له؛ لأن الطواف مقام الذكر والدعاء.
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 982، وصحيح البخاري 1: 144.
2. البيع والشراء، وهما مكروهان في المسجد مطلقاً، ففي الطواف أشد كراهة.
3. إنشاد شعر خالٍ عن حمد وثناء، وفي معناهما ما يخلو من إفادة وعلم، وموعظة، وترغيب وترهيب.
4. رفع الصوت ولو بالقرآن والذكر والدعاء بحيث يشوش على الطائفين والمصلين.
5. الطواف مع نجاسة الثوب أو البدن، فلو طاف وعليه قدر ما يواري العورة طاهر والباقي نجس جاز مع الكراهة؛ لترك سنة الطواف مع الطهارة عن النجاسة الحقيقية.
6. ترك الرمل والاضطباع للرجل من غير ضرورة.
7. ترك الاستلام المسنون، وهو استلام الحجر لا الركن اليماني، فإنَّ تركه لا بأس به؛ لأنَّه مستحب وتركه خلاف الأولى.
8. تفريق الطواف تفريقاً كثيراً سواء مرة أو مرات، وبالكثرة تخرج القلة: كشرب الماء.
9. الجمع بين طوافين فأكثر من غير صلاة بينهما؛ لما فيه من ترك السنة، وهي الموالاة بين الطواف وصلاته لكل أسبوع، إلا أن يكون في وقت كراهة الصلاة.
10. رفع اليدين عند نية الطواف، فإنَّه بدعة، إلا إذا كان رفع اليدين مقروناً بالتكبير حال استقبال الحجر الأسود، فهو سنة.
11. الطواف عند الخطبة، وعند إقامة الصلاة المكتوبة.
12. الأكل في أثناء الطواف.
13. الطواف حاقِناً؛ أي في حالة مدافعة الأخبثين البول والغائط، فإنَّه يشغله كما في الصلاة (¬1).
* الحادي عشر: طواف المغمى عليه والنائم:
ولهما الأحكام الآتية:
1. إن طاف المغمى عليه محمولاً، أجزأ ذلك الطواف عن الحامل والمحمول، إن نوى الحامل عن نفسه وعن المحمول، ولو كان الحمل بغير أمر المغمى عليه.
2. إن طافوا بمريض، وهو نائم من غير إغماء، إن كان الطواف بأمره، وحملوه على فوره يجوز، وإن طافوا به من غير أن يأمرهم أو فعلوا بعد أمره بمدّة، فلا يجزئه الطواف.
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك المتقسط ص182 - 183.
3. إن لم ينوِ الحامل الطواف، بل نوى طلب غريم، فإن كان المحمول عاقلاً بأن كان مفيقاً أو مستيقظاً ونوى الطواف، أجزأه دون الحامل، وإن كان المحمول مغمى عليه، لم يجزئه؛ لانتفاء النية من الحامل أو المحمول.
4. إن نوى مَن استأجره، فإنَّه لا يعتدّ بنيّة المستأجر الحامل لمحمول إذا كان مفيقاً أو مستيقظاً، بخلاف ما إذا كان مغمى عليه أو نائماً، فإنَّ فيه التفصيل السابق (¬1).
* الثاني عشر: مسائل شتى في الطواف:
1. الزيادة في أشواط الطواف: لو طاف ثمانية أشواط، فإن كان على ظنّ أنَّ الثامن سابع فلا شيء عليه كطواف المظنون، وإن علم أنَّه الثامن، فالصحيح أنَّه يلزمه تتمة سبعة أشواط؛ لأنَّه لما طاف شوط زائد شرع في طواف جديد، والنفل يصبح واجباً بالشروع فيه.
2. أداء طوافين بدون صلاة بينهما: لو طاف طوافين ولم يصلِّ بينهما، فعليه لكل طواف ركعتان مستقلتان.
3. الشك في عدد أشواط الطواف:
- لو شكّ في عدد الأشواط في طواف الفرض أعاده، ولا يبني على غالب ظنّه، بخلاف الصلاة؛ لكثرة الصلوات المفروضة وندرة الطواف، أما
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك ص163 - 164.
إذا شك في عدد أشواط طواق غير الركن كطواف التطوع لا يعيده بل يبني على غلبة ظنه؛ لأنَّه أمر غير الفرض مبني على التوسعة.
- ولو أخبره عدل بعدد مخصوص مخالف لما في ظنه أو علمه، يستحب أن يأخذ بقوله، ولو أخبره عدلان وجب العمل بقولهما؛ لأنَّ إخبارهما بمنزلة شاهدين على إنكاره في فعله أو إقراره.
4. طواف صاحب العذر الدائم (¬1): لو طاف صاحب العذر الدائم أربعة أشواط، ثم خرج الوقت، توضّأ وبنى ولا شيء عليه، والحكم كذلك فيما دون أربعة أشواط، إلا أنَّ الإعادة أفضل.
5. محاذاة المرأة في الطواف: لو حاذته امرأة في الطواف لا يفسد طوافهما؛ لأنَّ الطواف ليس كالصلاة حقيقة.
6. طواف التطوع للغريب: لو طاف الغريب الذي لا يقيم في الحرم للتطوع، فإنَّه أفضل من صلاة التطوع، بخلاف المكي (¬2).
¬
(¬1) وصاحب العذر: هو من به سلس بول لا يمكنه إمساكه، أو استطلاق بطن، أو انفلات ريح، أو رعاف دائم، أو جرح لا يرقا، أو غيرها، فلا يمر عليه وقت فرض إلا وبه حدث، وحكمه: أنَّه يتوضأ لوقت كل فرض، ويصلي بالوضوء في وقت الفرض ما شاء من فرض ونفل، وينتقض وضوؤه بخروج الوقت لا بدخول الوقت. ينظر: عمدة الرعاية 1: 135، وفتح القدير1: 161.
(¬2) ينظر: لباب المناسك ص183 - 188.
المطلب الخامس
السعي
وهو من واجبات العمرة فتصحُّ بدونه مع الإثم ولزوم الدّم؛ لترك الواجب، وتفصيله كالآتي:
* أولاً: صفة السَّعي:
إذا فرغ المعتمر من الطَّواف، فالسنة أن يخرج للسَّعي على فورِه، فإن أَخَّره؛ لعذر أو ليستريح، فلا بأس به، وإن أخَّره لغير عذر، فقد أساء، ولا شيء عليه، ويُستحبُّ أن يخرجَ من باب الصَّفا، فإن خرج من غيره جاز، ويُقدِّم رجلَه اليُسرى للخروج، ثمّ يتوجَّه إلى الصَّفا، ويصعد عليه حتى يرى البيتَ من الباب إن أَمكنه، ولا يلزمه أن يصعد بحيث يرى البيت من فوق جدار المسجد إن أَمكنه الصُّعود لرؤيةِ البيت، وإن لم يقدر فبقدر ما يُمكنه، ويستقبل الكعبة المشرّفة، ويرفع يديه حذو منكبيه جاعلاً بطنهما نحو السَّماء كما في الدُّعاء، فيحمد الله - جل جلاله -، ويُثني عليه، ويُكبر، ويُكرِّر الذِّكر مع التَّكبير ثلاثاً، ويُهلِّل، ويُصلِّي على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ يدعو للمسلمين ولنفسه بما شاء، ويُطيل القيام عليه، ولا يَعجل، فإنَّه مقامُ إجابة الدَّعوات.
وممَّا يُقال: «اللهُ أَكبر اللهُ أكبر اللهُ أكبر، ولله الحمد، الحمد لله على ما هدانا، الحمد لله على ما أولانا، الحمد لله على ما ألهمنا، الحمد لله الذي هدانا
لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيدِه الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين، لو كره الكافرون، اللهم كما هديتني للإسلام أسألك أن لا تنزعه مني حتى توفاني وأنا مسلم، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم صلّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين، اللَّهمَّ اغفر لي، ولوالدي ولمشايخي وللمسلمين أجمعين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين».
وممَّا يقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (¬1).
ثم يهبط نحو المروة داعياً ذاكراً ماشياً على هينته، حتى إذا كان قبيل الميل سعى سعياً شديداً فوق الرمل ودون العَدْو، حتى يجاوز الميلين
¬
(¬1) فعن جابر - رضي الله عنه -: « ... ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، قال: مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا» في صحيح مسلم 2: 888، وصحيح ابن حبان 9: 255.
الأخضرين (¬1)، ويقول: «رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنَّك أنت الأعز الأكرم، اللهم اجعلها عمرةً مبرورةً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات يا مجيب الدعوات».
ثمّ يمشي على هينته حتى يأتي المروة، ويصعد عليها إن أمكن الصعود إليه؛ حتى يتمكَّن من رؤية الكعبة المشرّفة، ويفعل على المروة جميع ما فعله على الصفا من الاستقبال للكعبة المشرَّفة والتَّكبير والذَّكر والدُّعاء.
ثمّ ينزل من المروةِ داعياً ذاكراً، ويَمشي على هينتِه، فإذا بلغ الميلين سعى سعياً شديداً في بطنِ الوادي، حتى يجاوز الميلين الأخضرين ـ كما سَبَق ـ، هكذا يفعل ذلك سبعةَ أشواط، يبدأ بالصَّفا ويختم بالمروة، من الصَّفا إلى المروةِ شوطٌ، والعودُ من المروةِ إلى الصفا شوطٌ آخر (¬2).
وإن عجزَ عن الهرولة بين الميلين؛ بسبب الازدحام، صبر حتى يجد فسحة، فإن استطاع هرول بين الميلين، وإن لم يستطعِ تشبّه بالسَّاعي في مشيه
فيمشي علي هينتِهِ بالسَّكينة والوقار (¬3).
¬
(¬1) الميلين الأخضرين: هما علامتان لموضع الهرولة في ممر بطن الوادي بين الصفا والمروة، كما في المغرب ص451.
(¬2) هذا ظاهر الرواية، وهو المختار، خلافاً للطحاوي في مختصره ص53، وبعض الشافعية، حيث قالوا: إنَّه من الصفا إلى المروة ثم العود منها إلى الصفا شوط. ينظر: شرح الوقاية ص253، والمسلك ص191.
(¬3) ينظر: الوقاية وشرحها لصدر الشريعة ص253، واللباب والمسلك ص189 - 192.
ثمّ إذا فرغ من السَّعي يُستحبُّ له أن يُصلِّي ركعتين في المسجد، ولا يُصلِّي على المروة.
ثمّ يحلق ويتحلَّل من إحرامه، وهو بعد حلقه حلالٌ يفعل كما يفعل الحلال (¬1).
* ثانياً: شروط صحّة السَّعي:
يشترط لصحة السعي بين الصفا والمروة سبعة شروط، فإن فُقِد واحدٌ منها، لم يصحُّ منه السَّعي ولا يعتدُّ به، وعليه إعادتُه، وتفصيل هذه الشروط في النقاط الآتية:
1. أن يكون بين الصَّفا والمروة، سواء كان بفعل نفسه أو بفعل غيره، بأن كان مغمى عليه، ولو بغير أمره، أو مريضاً أو صحيحاً بأمر كل منهما، فسعى به محمولاً أو راكباً، يصحّ سعيه؛ لحصوله كائناً بين الصفا والمروة.
2. أن يكون بعد الطواف أو بعد أكثر أشواط الطواف؛ فلو سعى قبل الطواف، أو بعد أقلّه، لم يصحّ سعيه، ولو سعى بعد أربعة أشواط صحّ.
3. تقديم الإحرام على السعي، فلو سعى قبل الإحرام لم يجز سعيه، ولا يشترط بقاء إحرامه للعمرة ليصحّ سعيه لها؛ لأنَّ الشرط هو تقديم الإحرام على العمرة، أما بقاء الإحرام حال السعي فليس من شروط صحّة السَّعي في العمرة بل هو واجب، فلو أحرم للعمرة ثم طاف ثم حلق ثم سعى، صحّ
¬
(¬1) ينظر: اللباب والمسلك ص200 - 204.
سعيه، وعليه دم؛ لتحلُّله قبل وقتِه وتركه واجب من واجبات السعي ـ وهو بقاء الإحرام حال السَّعي ـ وترك الواجب يوجب الدم.
4. البداءةُ بالصَّفا والختم بالمروة، فلو بدأ بالمروة لم يعتدَّ بذلك الشَّوط، فإذا عاد من الصَّفا كان هذا أوّل سعيه (¬1)؛ فعن جابر - رضي الله عنه -: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دنا من الصفا: قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه}، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا» (¬2).
5. أن يكون السَّعي بعد طواف صحيح، فإن كان السعي بعد طواف فاسد: كمن سعى بعد أن أتى بأقل الطواف، أو بعد الطواف داخل الكعبة، أو بعد الطواف بدون نية، فإنَّه لا يصح منه السعي في كلّ هذه الصور؛ لأنَّ الطواف فاسد، لترك أركانه التي لا يصح بدونها، فإذا لم يصحّ الطَّواف لم يصحّ السعي بعده (¬3).
¬
(¬1) هذا في الرواية المشهورة، وهو مذهب الجمهور، وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه - لا شيء عليه؛ لأنَّه ليس فيه إلا ترك الترتيب الذي هو سنة، وهو اختيار الكرماني؛ لأنَّه قال: الترتيب في السعي ليس بشرط عندنا، حتى لو بدأ بالمروة ثم أتى الصفا يجوز، ويعتد به، لكنَّه مكروه؛ لما فيه من ترك السنة، ويستحب الإعادة. ينظر: المسلك المتقسط ص194، والحج العمرة ص93.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 888، وصحيح ابن حبان 9: 255.
(¬3) هذا الشرط أثبته من كلام القاري في المسلك ص196، معترضاً لما جاء في اللباب ص195: أن يكون على طهارة عن الجنابة والحيض والنفاس، فإن لم يكن طاهراً عنها وقت الطواف لم يجز سعيه رأساً؛ هكذا صرح به صاحب البدائع، وأما الطهارة عن الحدث الأصغر في الطواف فليست بشرط لصحة السعي.
6. إتيان أكثره؛ وهو أربعة أشواط (¬1)، فلو سعى أقله فكأنَّه لم يسعَ (¬2).
* ثالثاً: واجبات السعي:
يجب في السعي بين الصفا والمروة خمسة أمور، فإن فُقِد واحدٌ منها وجب عليه إعادةُ السَّعي، فإن لم يُعِد صحَّ سعيه مع الإثم ووجوب الجزاء؛ لترك الواجب، وتفصيل هذه الواجبات في النُّقاط الآتية:
1. تكميلُ عدده سبع أشواط (¬3)، فإن ترك أقل السعي، صحّ سعيه، وعليه صدقة؛ لترك ما بقي من الأشواط.
2. المشي فيه للقادر، فإن سعى راكباً، أو محمولاً، أو زحفاً بغير عذر صح سعيه، وعليه دم، أما لو ترك المشي لعذر، فلا شيء عليه (¬4).
3. بقاءُ الإحرام في حال السَّعي، فلو أحرم للعمرة ثمّ طاف ثمّ حلق ثمّ سعى صحَّ سعيه، وعليه دم؛ لتحلُّله قبل وقته وتركه الواجب، وترك الواجب يوجب الدّم.
¬
(¬1) قال القاري في المسلك ص197: والظاهر أنَّ الأكثر هو ركنه لا شرطه.
(¬2) ينظر: اللباب والمسلك ص192 - 197.
(¬3) ذهب الأئمة الثلاثة إلى أنَّ القدر الذي لا يتحقق السعي بدونه سبعة أشواط. ينظر: الحج والعمرة ص92.
(¬4) هذا عند الحنفية والمالكية، وعند الشافعية والحنابلة هو سنة، هو الأفضل عند الشافعية. ينظر: الحج والعمرة ص93.
4. قطع جميع المسافة بين الصَّفا والمروة، وهو أن يُلصقَ عقبيه بهما، أو يُلصق عقبيه في الابتداء بالصّفا وأصابع رجليه بالمروة، وفي الرجوع عكسه، قال الإمام القاري (¬1): «وأما في هذا الزمان فلكون دفن كثير من أجزائهما لا يمكن حصول ما ذكر فيهما، فيكفي المرور فوق أوائلهما».
5. أن يكون بعد طواف على طهارةٍ من جنابةٍ وحيضٍ ونفاسٍ، فإن سَعَى بعد الطَّواف جنباً أو حائضاً أو نُفساء، فإنَّ عليه إعادةُ السَّعي بعد إعادةِ الطَّواف على طهارةٍ، فإن لم يُعِد فعليه دم؛ لترك الواجب (¬2).
أمّا الطَّهارة في السَّعي فهي مستحبّةٌ وليست واجبةٌ ـ كما سيأتي في المستحبّات ـ.
* رابعاً: سنن السَّعي:
يُسنُّ في السَّعي بين الصَّفا والمروة خمسةُ أمور، فإن تركها بغير عذر لم ينل أجر السُّنة وكان مُسيئاً، أمّا إن تركها لعذر فلا شيء عليه وهي كالآتي:
1. الموالاة بينه وبين الطواف (¬3).
2. الموالاة بين أشواطه (¬4).
¬
(¬1) في المسلك المتقسط ص197.
(¬2) هذا الواجب مستفاد من كلام القاري والكرماني والطرابلسي وابن الهمام. ينظر: المسلك المتقسط ص196.
(¬3) وهذا ما عليه المذاهب الأربعة. ينظر: الحج والعمرة ص94.
(¬4) وهو سنة عند الجمهور، وقال المالكية: الموالاة بين أشواط السعي شرط لصحة السعي، فلو فصل بينهما بفاصل طويل ابتدأ السعي من جديد. ينظر: الحج والعمرة ص95.
3. الصُّعود على جبل الصَّفا والمروة؛ فإنَّ قطع جميع المسافة بين الصفا والمروة بأن يلصق عقبيه بهما واجب، أما الصعود على الجبل نفسه فهو سنة.
4. الهرولة بين الميلين الأخضرين في كلِّ شوطٍ فوق الرَّمل ودون العَدْو؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا طاف بالبيت الطَّواف الأوَّل يَخُبُّ (¬1) ثلاثة أطواف ويمشي أربعة، وأنَّه كان يسعى بطن المسيل (¬2) إذا طاف بين الصفا والمروة» (¬3)، فلو تركَ الهرولة بين الميلين في كل الأشواط أو في بعضها، فقد أساء؛ لترك السنة، ولا شيء عليه، ولو هرول أيضاً فيما بقي بعد الميلين من مسافة، فقد أساء؛ لمخالفة السنة، ولا شيء عليه، ولو عجزَ عن الهرولة بين الميلين؛ بسبب الازدحام، صبر حتى يجد فسحة، فإن استطاع هرول بينهما، وإن لم يستطعِ تشبّه بالساعي في مشيه فيمشي علي هينته بالسكينة والوقار (¬4).
5. سترُ العورة؛ وهو سنّةٌ في السَّعي، مع أنَّه فرض في كلِّ حال؛ لئلا يتوهم وجوب الجزاء بتركه (¬5).
¬
(¬1) يخب: من الخبب، وهو ضرب من العدو، والمراد هنا الرمل، ينظر: عمدة القاري 9: 249، 260.
(¬2) بطن المسيل: هو الوادي بين الصفا والمروة، ويوجد الآن مصباحان أخضران علامة على هذا المكان الذي يهرول فيه.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 584، وصحيح ابن حبان 9: 251.
(¬4) ينظر: الوقاية وشرحها لصدر الشريعة ص253، واللباب والمسلك ص189 - 192.
(¬5) ينظر: اللباب مع المسلك ص197 - 198.