خلاصة تعليم ........
. المتعلم للزرنوجي
جارٍ تحميل الكتاب…
خلاصة تعليم ........
. المتعلم للزرنوجي
خلاصة
تعليم المتعلم
للإمام الزرنوجي
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي علَّمنا ما لم نَعْلَم، وبصَّرنا بالطريق الأَقْوَم، وهدانا إلى الصراط المستقيم، وأرشدنا إلى السبيل الأعظم، والصلاة والسلام على نبيّه وحبيبه المصطفى سيدنا محمَّد، المنير لطريق العلماء، والموصل إلى نهج الأتقياء، وعلى آله وصحابته الكرام، وعلى مَن اهتدى بهديهم وسار على دربهم.
وبعد:
فإن من أفضل ما يشتغل به المؤمن في ليله ونهاره هو إرضاء الله - جل جلاله - برفع راية دينه من الجهاد في سبيله، ونشر علومه؛ لأن بهما قوام الدين واستمراره، والذود عن حماه
فطلب العلم من أرفع القربات، وأفضل العبادات، وهو سبيل الأنبياء والأتقياء، وإرث النبيين والصالحين، فمَن حَصَّلَه نالَ أعلا المقامات، وترقَّى إلى أعلا الدرجات.
وإن من أجمل مَن كَتَبَ في آداب طالب العلم بعبارة موجزة مقتضبة الإمامُ الزَّرْنُوجيّ تلميذُ صاحبُ «الهداية»، النعمانُ بنُ إبراهيم بن الخليل، شيخُ الإسلام، برهانُ الدين، المتوفى سنة (640 هـ) في كتابه
الشَّهير المُسمَّى: بـ «تعليم المتعلم»، قال الامام اللَّكْنَوِيّ (¬1): «قد طالعت «تَعليم المتعلم»، وهو كما قال الكفوي: نفيس مُفيد».
فإن هذا الكتاب العظيم هو العمدة في هذا الباب؛ لما شمل من الفوائد العظام، والفرائد الجسام، فأقبل عليه الطلبة والكملة درساً وتدريساً على توالي الدهور، ومرّ العصور.
واهتممت بإقرائه قبل خمسة عشر سنة للطلاب في الدورات المختلفة من خلال اختصاره وتنظيمه وترتيبه مع زيادة فوائد ولطائف، كلُّ هذا ليناسب طلبة هذا الزمان، ويأخذ بأيديهم إلى الأمان.
وفي هذه الأيام أثناء جمعي وترتيبي للمؤلفاتي لتيسير نشرها للراغبين فيها رأيتُ من المناسب أن أجعل هذه الخلاصة لهذا لهذا السِّفر الفريد على حدةٍ؛ لينهل من عبقها الرَّاغبون بها، وتيسيراً لنشرها وإشاعتها رغم أنني ضمنتها في كتابي الموسوم بـ «ومضات النور في طلب العلم المبرور».
والله نسأل أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به العباد، ويعمَّ خيره في البلاد، ويغفر لي ولوالدي ولمشايخي وللمؤمنين والمؤمنات، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
في الأردن، عمان، صويلح
3/ 12/2020 م
¬
(¬1) الفوائد ص 54.
المطلب الأول
حكم تعلم العلم الشرعي
* أولاً: فرض العين في العلم الشرعي:
اعلم أنه لا يفترض على كلِّ مسلم طلب كلّ علم، وإنّما يفترض عليه طلب علم الحال، بأن يطلبَ علم ما يقع له في حاله في أي حال كان، فيُفترض عليه تَعلُّمُ ما لا بُدّ له من أحكامِ الطهارةِ والصلاةِ مما يقع له، ويجب عليه بقدر ما يؤدي به الواجب؛ لأنّ ما يُتوصَّلُ به إلى إقامة الفرض يكون فرضاً، وما يُتوصَّلُ به إلى إقامةِ الواجبِ يكون واجباً، ومثل ذلك تَعلّمُ أَحكام الصيام والزّكاة إن كان له مال، والحجّ إن وجب عليه وكذلك البيوع إن كان يتَّجر. وكذلك يفرض عليه علم أحوال القلب، من التوكّل والإنابة والخشية والرضا، فإنه واقع في جميع الأحوال، قال - صلى الله عليه وسلم -: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة» (¬1).
¬
(¬1) في ((سنن ابن ماجه)) (1: 81)، و ((المعجم الأوسط)) (4: 245)، و ((المعجم الصغير)) (1: 36)، و ((المعجم الكبير)) (10: 195)، و ((معجم الإسماعيلي)) (2: 652)، و ((مسند أبي يعلى)) (5: 223)، و ((مسند الشهاب)) (1: 136)، وغيرها. قال أحمد: لا يثبت عندنا في هذا الباب شيء، قال البزار: كل ما يروى فيها عن أنس غير صحيح، وقال البيهقي متنه مشهور وإسناده ضعيف، وروي من أوجه كلها ضعيفة، قال العراقي: قد صحح بعض الأئمة بعض طرقه، وقال المزي: إن طرقه تبلغ رتبة الحسن. قال السخاوي: وقد ألحق بعض المحققين: ومسلمة؛ وليس لها ذكر في شيء من طرقه وإن كانت صحيحة المعنى. كما في ((تخريج أحاديث الأحياء)) (1: 55 - 57)، و ((كشف الخفاء)) (2: 56 - 57)، وقال السيوطي في ((تبييض الصحيفة)) (ص 298): ((وعندي إنه بلغ رتبة الصحيح؛ لأني وقفت له على نحو خمسين طريقاً وقد جمعتها في جزء)).
* ثانياً: فرض الكفاية في العلم الشرعي:
إن حفظَ ما يقع في بعض الأحايين فرض على سبيل الكفاية إذا
قام به البعض في البلدة سقط عن الباقين، فإن لم يكن في البلدة مَن يقوم به اشتركوا جميعاً في المأثم، فيجب على الإمام أن يأمرهم بذلك ويجبر أهل البلدة عليه كعلم الطب والفلك وغيرهما.
* ثالثاً: ثمرة الفقه:
قال الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه -: الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها، وقال: ما العلم إلا العمل به، والعمل به ترك العاجل للآجل.
* رابعاً: شرف العلم:
وشرف العلم لا يخفى على أحد إذ هو المختص بالإنسانية؛ لأن جميع الخصال سوى العلم يشترك فيها الإنسان وسائر الحيوانات كالشجاعة والجرأة والقوّة والجود والشفقة وغيرها سوى العلم. وبه
أظهر الله تعالى فضل آدم - عليه السلام - على الملائكة وأمرهم بالسجود له، وإنّما شرف العلم لكونه وسيلة إلى التقوى التي يستحقّ بها المرء الكرامة عند الله تعالى والسعادة الأبدية.
تعلم فإن العلم زين لأهله ... وفضل وعنوان لكل المحامد
وكن مستفيداً كل يوم زيادة ... من العلم واسبح في بحور الفوائد
تفقه فإن الفقه أفضل قائد ... إلى البر والتقوى وأعدل قاصد
هو العلم الهادي إلى سنن الهدى ... هو الحصن ينجي من جميع الشدائد
فإن فقيهاً واحداً متورعاً ... أشد على الشيطان من ألف عابد
• • •
المطلب الثاني
النية في حال التعلم
* أولاً: أصالة النية:
ثم لا بُدّ لطالب العلم من النية في زمان تعلّم العلم؛ إذ النيّة هي الأصل في جميع الأحوال؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» (¬1).
* ثانياً: النية للعلم:
وينبغي أن ينوي المتعلّم بطلب العلم: رضاء الله تعالى، والدار الآخرة، وإزالة الجهل عن نفسه وعن سائر الجهال، وإحياء الدين، وإبقاء الإسلام، فإن بقاءَ الإسلام بالعلم، ولا يصحّ الزهد والتقوى مع الجهل، وينوي به الشكر على نعمة العقل وصحّة البدن.
* ثالثاً: محترز النية:
ولا ينوي به إقبال الناس عليه، ولا استجلاب حطام الدنيا والكرامة عند السلطان وغيره.
¬
(¬1) في ((صحيح البخاري)) (1: 3)، وغيره.
قال محمد بن الحسن - رضي الله عنه -: «لو كان الناس كلهم عبيدي لأعتقتهم، وتبرأت عن ولائهم»؛ وذلك لأن مَن وجد لذّة العلم والعمل به قلّما يرغب فيما عند الناس.
أنشدنا الشيخ الإمام الأجلّ قوام الدين حماد بن إبراهيم بن اسماعيل الصفار الأنصاري إملاء لأبي حنيفة - رضي الله عنه -:
مَن طلب العلم للمعاد ... فاز بفضل من الرشاد
فيا لخسران طالبيه ... لنيل فضل من العباد
اللهم إلا إذا طلب الجاه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنفيذ الحقّ، وإعزاز الدين، لا لنفسه وهواه!! فيجوز ذلك بقدر ما يقيم به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* ثالثاً: التفكر بالدنيا:
وينبغي لطالب العلم أن يتفكر في ذلك، فإنه يتعلّم العلم بجهد كبير فلا يصرفه إلى الدنيا الحقيرة القليلة الفانية.
هي الدنيا أقل من القليل ... وعاشقها أذلّ من الذليل
تُصِم بسحرها قوماً وتعمي ... فهم متحيرون بلا دليل
* رابعاً: رفعة العالِم:
وينبغي لصاحبِ العلم ألا يذلُّ نفسَه بالطمع في غيرِ مطمع، ويتحرَّز عمّا فيه مذلّةُ العلم وأهله، ويكون متواضعاً، والتواضع بين
التكبّر والمذلَّة والعفّة. أَنشد الشيخُ الإمامُ ركنُ الإسلام الفرغاني:
إن التَّواضع من خصال المتقي ... وبه التقيّ إلى المعالي يرتقي
ومن العجائبِ عجب مَن هو جاهل ... في حاله أهو السعيدُ أم الشقيُّ!
أم كيف يختم عمرَه أو روحَه ... يوم التَّوَى متسفِّلٌ أو مُرتقي
والكبرياء لربِّنا صفةٌ به ... مخصوصةٌ فتجنَّبها واتقي
قال الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - لأصحابه: «عظموا عمائمكم، ووسعوا أكماكم»، وإنما قال ذلك لئلا يستخف بالعلم وأهله.
• • •
المطلب الثالث
اختيار العلم والشريك والثبات
* أولاً: اختيارُ العلم:
ينبغي لطالب العلم أن يختارَ من كلِّ علم أحسنه ممّا يحتاج إليه في أمر دينه في الحال، ثمّ ما يَحتاج إليه في المآل، ويقدّم علم التوحيد والمعرفة، ويعرف الله - جل جلاله - بالدليل، فإن إيمان المقلِّد وإن كان صحيحاً عندنا، لكنه يكون آثماً بترك الاستدلال.
وطلب العلم من أعلى الأمورُ وأصعبها فكانت المشاورةُ فيه أهمُ وأوجب، وقيل: الناس على ثلاث مراتب:
1) رجل: مَن له رأي صائب ويشاور.
2) نصف رجل: مَن له رأي صائب، ولكن لا يشاور، أو يشاور ولكن لا رأي له.
3) لا شيء: مَن لا رأي له، ولا يشاور.
* ثانياً: أساس النجاح:
اعلم أن الصبر والثبات أصلٌ كبير في جميع الأمور، ولكنه عزيز، كما قيل:
لكلّ إلى شأو العلا حركات ... ولكن عزيز في الرجال ثبات
فينبغي لطالب العلم أن يثبت ويصبر على ما يلي:
1) الأستاذ.
2) الكتاب حتى لا يتركه أبتر ـ أي مقطوع البركة، والمراد عدم إتمامه ـ.
3) الفنّ، حتى لا يشتغل بفنّ آخر قبل أن يتقن الفن الأول.
4) البلد، حتى لا ينتقل إلى بلد من غير ضرورة، فإن ذلك كله يُفرِّق الأمور ويشغل القلب، ويضيع الأوقات، ويؤذي المعلم.
5) عن ما تريده نفسه وهواه. قال الشاعر:
إن الهوى لهو الهوان بعينه ... وصريع كلّ هوى صريع هواه
6) على المحن والبليات، فقد قيل: خزائنُ المنن على قناطر المحن.
ألا لا تنال العلم إلا بستةٍ ... سأنبيك عن مجموعِها ببيان
ذكاء، وحرص، واصطبار وبلغة ... وإرشاد أستاذ، وطول زمان
* ثالثاً: اختيار الشريك:
فينبغي أن يختار المجدّ والورع وصاحب الطبع المستقيم، ويَفرُّ من الكسلان والمعطّل والمكثار والمفسد والفتّان، قال الشاعر:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
فإن كان ذا شرّ فجانبه سرعة ... وإن كان ذا خير فقارنه تهتدي
• • •
المطلب الرابع
تعظيم العلم وأهله
* أولاً: سرّ الانتفاع بالعلم:
اعلم أن طالبَ العلم لا ينال العلم، ولا ينتفع به ... إلا بتعظيم العلم وأهله، وتعظيم الأستاذ وتوقيره. فقد قيل: ما وصل مَن وصل إلا بالحرمة، وما سقط من سقط إلا بترك الحرمة ـ أي حرمة الخلق والأدب بتحري حرمة مَن يتعلّم منهم ـ.
رأيت أحقّ الحقّ حقّ المعلم ... وأوجبه حفظاً على كلّ مسلم
لقد حُقّ أن يهدى إليه كرامة ... لتعليم حرفٍ واحد ألف درهم
فإن مَن علمك حرفاً مما تحتاج إليه في الدين فهو أبوك في الدين.
* ثانياً: توقير المعلم:
1. أن لا يمشي أمامه.
2. أن لا يجلس مكانه.
3. أن لا يبتدئ بالكلام عنده إلا بإذنه.
4. أن لا يكثر الكلام عنده إلا بإذنه.
5. أن لا يسأل شيئاً عند ملالته، ويراعي الوقت.
6. أن لا يدقّ الباب، بل يصبر حتى يخرج.
وفي الجملة يطلب رضاه، ويجتنب سخطه، ويمتثل أَمره في غيرِ معصيةِ الله - جل جلاله -، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وكان القاضي الإمام فخر الدين الأرسابندي - رضي الله عنه - رئيس الأئمة في مَرْوَ ـ وكان السلطان يحترمه غاية الاحترام ـ يقول: إنما وُجدت في هذا المنصب بخدمة الأستاذ، فإنّي كنت أخدم الأستاذ القاضي أبا زيد الدبوسيّ، وكنت أخدمه وأَطبخ طعامَه ثلاثين سنة، ولا آكل منه شيئاً.
وحُكي أن الخليفة هارون الرشيد - رضي الله عنه - بعث ابنه إلى الأصمعي - رضي الله عنه - ليعلمه العلم والأدب، فرآه يوماً يتوضّأ ويغسل رجله، وابن الخليفة يصبّ الماء على رجلِه، فعاتب الأَصمعي في ذلك بقوله: إنما بعثته إليك لتعلمه الأدب، فلماذا لم تأمره بأن يصبّ الماء بإحدى يديه، ويغسل بالأخرى رجلك؟!.
• • •
المطلب الخامس
تعظيم الكتاب والشركاء
والتفويض للأستاذ
* أولاً: تعظيم الكتاب:
ينبغي لطالب العلم أن يأخذ الكتاب على طهارة، وحكي عن شمس الأئمة الحلواني - رضي الله عنه - أنه قال: إنما نلت هذا العلم بالتعظيم، فإني ما أخذت بالكاغذ ـ أي الورق ـ إلا بالطهارة.
ومن تعظيمِ الواجبِ ألا يمدَّ رجلَه إلى الكتاب، ويضع كتب التفسير فوق سائر الكتب تعظيماً، ولا يضع على الكتاب شيئاً آخر، قال فخر الإسلام قاضي خان - رضي الله عنه -: إن لم يرد بذلك الاستخفاف، فلا بأس، والأولى أن يتحرزَ عنه.
* ثانياً: تعظيم الشركاء:
ومن تعظيم العلم تعظيم الشركاء في طلب العلم والدرس، ومن يتعلّم منه، والتملّق مذموم إلا في طلب العلم، فإنّه ينبغي أن يتملّق
لأستاذه وشركائه ليستفيد منهم.
* ثالثاً: تعظيم العلم:
وينبغي لطالب العلم أن يستمعَ العلم والحكمة بالتعظيم والحرمة، وإن سمع المسألة الواحدة، أو الكلمة الواحدة ألف مرة.
* رابعاً: التفويض للأستاذ:
وينبغي لطالب العلم ألا يختار نوع علم بنفسه، بل يفوِّض أمره إلى الأستاذ، فإن الأستاذ قد حصل له التجارب في ذلك فكان أعرف بما ينبغي لكل أحد، وما يليق بطبيعته. وكان الإمام برهان الدين - رضي الله عنه - يقول: كان طلبة العلم في الزمان الأول يفوّضون أمورهم في التعلم إلى أستاذهم فكانوا يصلون إلى مقاصدهم ومرادهم، والآن يختارون بأنفسهم فلا يحصل مقصودهم من العلم والفقه.
* خامساً: الابتعاد عن التكبّر:
على طالب العلم أن يحترزَ عن التكبّر، فمع التكبّر لا يحصل العلم.
العلم حرب للفتى المتعالي ... كالسيل حرب للمكان العالي
وأوصانا فضيلة شيخنا العلامةُ محمدُ رفيع العثماني حفظه الله تعالى بأن العلم عزيزٌ لا ذُلَّ فيه فلا يُنال إلا بذلٍّ لا عزّ فيه، وأَخبرنا أن معنى الذل هنا التواضع.
المطلب السادس
الجدّ والمواظبة والهمّة
* أولاً: الحاجة إليه، وثمرته:
ثم لا بُدّ من الجدِّ والمواظبةِ والملازمةِ لطالبِ العلم، وإليه الإشارةُ في القرآن الكريم في قوله - جل جلاله -: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (¬1).
وقد قيل في ثمرته: مَن طلب شيئاً وجدّ وجد، ومَن قرع الباب ولجّ ولج، وقيل أيضاً: بقدر ما تتعنّى تنال ما تتمنّى.
قيل: يحتاج في التعلم والتفقه إلى الجدّ ثلاثة: المتعلّمُ والأستاذ والأب.
تمنيت أن تمسي فقيهاً ... بغير عناء والجنون فنون
وليس اكتساب المال دون مشقة ... تحملها فالعلم كيف يكون
* ثانياً: سهر الليالي والمواظبة والرفق:
ولا بُدّ لطالب العلم من سهر الليالي ومن المواظبة على الدرس،
¬
(¬1) العنكبوت: 69.
والتكرار في أوّل الليل وآخره، فإنّ ما بين العشاءين ووقت السحر وقتٌ مبارك.
ولا يجهد نفسه جهداً، ولا يضعف النفس حتى ينقطع عن العمل، بل يستعمل الرفق في ذلك، والرفق أصل عظيم في جميع الأشياء.
* ثالثاً: علو الهمّة:
ولا بد لطالب العلم من الهمة العالية في العلم، فإن المرءَ يطير بهمّته كالطير يطير بجناحيه، والرأس في تحصيل الأشياء: الجدّ والهمّة العالية.
* رابعاً: الحض على العلم:
فينبغي للمتعلم أن يبعث نفسه على التحصيل والجدّ والمواظبة بالتأمّل في فضائل العلم، فإن العلم يبقى ببقاء المعلومات والمال يفنى كما قال سيدنا علي - رضي الله عنه -:
رضينا قسمة الجبار فينا ... لنا علم وللأعداء مال
فإن المال يفنى عن قريب ... وإن العلم يبقى لا يزال
* خامساً: أعلى الرتب:
إذا ما اعتز ذو علم بعلم ... فعلم الفقه أولى باعتزاز
فكم طيب يفوح ولا كمسك ... وكم طير يطير ولا كبازي
المطلب السابع
طرق ضبط الدرس
والتمكن من العلم
* أولاً: مقدار الدرس للمبتدي:
قال الإمام بكر الزَّرَنْجَري - رضي الله عنه - (ت 584 هـ): قال مشايخنا - رضي الله عنهم -: ينبغي أن يكون قدر السَّبق ـ أي الدرس ـ للمبتدئ قدر ما يمكن ضبطه بالإعادة مرتين بالرفق، ويزيد كلّ يوم كلمة حتى إنه وإن طال السبق وكثر ... يمكن ضبطه بالإعادة مرّتين.
ويزيد بالرفق والتدريج، فأما إذا طال السبق في الابتداء واحتاج إلى الإعادة عشرة مراتٍ، فهو في الانتهاء أيضاً يكون كذلك؛ لأنه يعتاد ذلك، ولا يترك تلك العادة إلا بجهد كثير، وقد قيل: السبق حرف، والتكرار ألف.
* ثانياً: الابتداء بالأسهل:
ينبغي أن يبتدئ بشيء يكون أقرب إلى فهمه؛ ليمكنه أن يضبطه ويبعده عن الملالة.
* ثالثاً: كتابة الدرس:
ينبغي أن يعلِّق ـ أي يدوِّن ـ الدرس بعد الضبط والإعادة كثيراً، فإنه نافع جداً، ولا يكتب المتعلّم شيئاً لا يفهمه، فإنه يورث كلالة الطبع، ويذهب الفطنة، ويضيع الأوقات.
* رابعاً: التركيز للفهم:
ينبغي أن يجتهد في الفهم عن الأستاذ، أو بالتأمّل والتفكّر وكثرة التكرار، فإنه إذا قلّ الدرس وكثر التكرار والتأمّل يدرك ويفهم، فقد قيل: حفظ حرفين خير من سماع وِقْرَين، وفهم حرفين خير من حفظ وِقْرَين.
وإذا تهاون في الفهم ولم يجتهد مرّة أو مرتين فإنه يعتاد ذلك، فلا يفهم الكلام اليسير، فينبغي ألا يتهاون في الفهم، بل يجتهد ويدعو الله تعالى، ويتضرع إليه، فإنه يجيب من دعاه، ولا يخيِّب مَن رجاه. وأنشد القاضي الخليل بن أحمد السِّجزي - رضي الله عنه - (ت383هـ):
اخدم العلم خدمة المستفيد ... وأدم درسه بعقل حميد
وإذا ما حفظت شيئاً أعده ... ثم أكده غاية التأكيد
ثم علِّقه كي تعود إليه ... وإلى درسه على التأبيد
وإذا ما أمنت منه فواتاً ... فانتدب بعده لشيء جديد
مع تكرار ما تقدم منه ... اعتناء بشأن هذا المزيد
ذاكر الناس بالعلوم لتحيا ... لا تكن من أولي النهى ببعيد
إن كتمت العلومَ أنسيت حتى ... لا ترى غير جاهل وبليد
ثم ألجمت في القيامة ناراً ... وتَلَهَّبت في العذاب الشديد
* خامساً: المناظرة:
وهي المباحثة بين مختلفي الرأي لاستخراج الصواب، إذ لا بُدّ لطالب العلم منها، وعليه أن يُراعي فيها ما يلي:
1. أن يحترزَ عن الغضبِ والشغبِ بأن يسعى للفوضى ورفع الصوت بما لا فائدة فيه، فإنّ المناظرةَ والمذاكرةَ مشاورة، والمشاورةُ إنما تكون لاستخراج الصواب، وذلك يحصل بالتأمّل والتأني والإنصاف، ولا يحصل بالغضب والشغب.
2. أن لا تكون النية إلزام الخصم، وإنّما لإظهار الحقّّ بلا تمويه، بأن يتلوَّنَ ويتلاعب لإخفاء الحقّ، وكان الفقيه محمد بن يحيى الجرجاني (ت398هـ) شيخ القُدُوريّ والناطفيّ إذا توجَّه عليه الإشكال، ولم يحضره الجواب يقول: ما ألزمته لازم، وأنا فيه ناظر، وفوق كلّ ذي علم عليم.
3. أن لا يتجوز الحيلة فيها إلا إذا كان الخصم متعنتاً، لا طالباً للحقّ.
* سادساً: المذاكرةُ والمطارحة:
والمذاكرة: هي التداول والمراجعة بين الطالب وكتابه وبينه وبين صديقه، وقد قيل:
وأدم للعلم مذاكرة ... فحياة العلم مذاكرته
وقيل:
إذا لم يذاكر ذو العلوم بعلمه ... ولم يستزد علماً نسي ما تعلما
وكم جامع للعلم من كل مذهب ... يزيد على الأيام في جمعه عمى
والمطارحة: هي البحث في المسائل المطروحة بين الأقران وأصدقاء الطلب.
وفائدة المطارحة والمناظرة أقوى من فائدة مجرَّد التكرار؛ لأن فيها تكراراً وزيادة، فقد قيل: «مطارحة ساعة خير من تكرار شهر»، ولكن إذا كان مع منصف سليم الطبع بخلاف المتعنِّت غير مستقيم الطبع فيحذر من مذاكرته؛ لأن الطبيعة مُتَسَرِّبة، والأخلاق متعدِّية، والمجاورة مؤثّرة. قال الخليل - رضي الله عنه -:
العلم من شرطه لمَن خدمه ... أن يجعلَ الناس كلَّهم خدَمَه
* سابعاً: التأمّل:
فإنه ينبغي لطالب العلم أن يكون متأمّلاً في جميع الأوقات في دقائق العلوم ويعتاد ذلك، فإنما تدرك الدقائق بالتأمل، ولها قيل: «تأمل تدرك».
ويكون التأمّل قبل الكلام حتى يكون صواباً، فإن الكلام كالسهم فلا بُدّ من تقويمه بالتأمل قبل الرمي حتى يكون مصيباً، وقيل: «رأس العقل أن يكون الكلام بالتثبت والتأمّل».
وقد قيل:
أوصيك في نظم الكلام بخمسة ... إن كنت للموصي الشفيق مطيعاً
لا تغفلن سبب الكلام ووقته ... والكيف والكمَّ المكانَ جميعاً
* ثامناً: الاستفادة في جميع الأحوال والأوقات من جميع الأشخاص:
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها» (¬1). وقيل: خذ ما صفا ودع ما كدر (¬2)؛ لأن فيما يسمعه المرء خير وشرّ، والعاقل يلتقط الخير كيفما استطاع، ويترك الشرّ ما أمكنه.
والاستفادة ممكنة من كلّ أحد؛ ولهذا قال أبو يوسف - رضي الله عنه - حين قيل له: بِمَ أدركْتَ العلم؟ قال: ما استنكفت من الاستفادة، وما بَخِلت بالإفادة.
* تاسعاً: كثرة السؤال:
قيل لابن عباس - رضي الله عنهم -: بِمَ أدركت العلم؟ قال: «بلسان سئولٍ، وقلب عقول»؛ ولأنه لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر، مستحي عن السؤال، أو مستكبر على مَن يسأله. ولذلك سمّي طالب العلم في الزمان
¬
(¬1) في سنن الترمذي (5: 51)، وسنن ابن ماجة (2: 1395)، ومصنف ابن أبي شيبة (7: 240).
(¬2) ينظر: المستقصى في أمثال العرب (2: 72).
الأول: ما تقول!!؛ لكثرة ما كانوا يقولون: ما تقول في هذه المسألة؟.
* عاشراً: عدم العزوف عن العلم للكسب:
إنه لا بد لطالب العلم من الكسب لنفقة نفسه وعياله وغيرهم فليكتسب، وليكرر وليذاكر، ولا يكسل، وليس لصحيح البدن والعقل عذر في ترك التعلّم والتفقه، فإنه لا يكون أفقر من أبي يوسف - رضي الله عنه -، ولم يمنعه ذلك من التفقه!!.
سألت الفقر أين أنت مقيم ... فقال لي في عمائم الفقهاء
إن الفقير هو الفقيه وإنما ... الفقير تجمَّعت أطرافها
أما إن كان غنياً ذا مال كثير، فنعم المال الصالح للرجل الصالح المنصرف في طريق العلم. وقيل لعالم: بِمَ أدركت العلم والفضل؟ قال: بأبٍ غنيّ؛ لأنه كان يصطنع به أهل العلم والفضل، فإنه سبب زيادة العلم؛ لأنه شكرٌ على نعمة العقل والعلم، وهو سبب الزيادة.
* الحادي عشر: كثرة الشكر لله - جل جلاله -:
قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: إنما أدركت العلم بالحمد والشكر، فكلمّا فهمت شيئاً من العلوم ووقفت على فقه وحكمةٍ، قلت: الحمد لله تعالى، فازداد علمي.
وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يشتغلَ بالشكر باللسان والجنان والأركان والمال، ويرى الفَهمَ والعلم والتوفيق من الله تعالى، ويطلب
الهداية من الله تعالى بالدعاء منه والتضرّع إليه، فإنه تعالى هادٍ مَن استهداه.
* الثاني عشر: التوكل على الله - جل جلاله -:
فعلى طالب العلم أن لا يعتمد على نفسه وعقله، بل يتوكّل على الله - جل جلاله - ويطلب الحقّ منه، ومَن يتوكّل على الله - جل جلاله - فهو حسبه، ويهديه إلى صراط مستقيم.
* الثالثَ عشر: ترك البخل:
ومَن كان له مال فلا يبخل، وينبغي أن يتعوذ بالله - جل جلاله - من البخل، فعن أنس - رضي الله عنه - أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو: «أعوذ بك من البخل والكسل ... » (¬1)، فعليه أن لا يبخلَ بما عنده من المال، بل ينفق على نفسه وعلى غيره.
* الرابعَ عشر: اقتناءُ الكتب:
وينبغي أن يشتري الكتب ويستكتب، فتكون عوناً على التعلّم والتفقّه، وقد كان لمحمد بن الحسن - رضي الله عنه - مالٌ كثير، حتى كان له ثلاثمئة من الولاء على ماله، فأنفقه كلّه في العلم والفقه، ولم يبق له ثوبٌ نفيس، فرآه أبو يوسف - رضي الله عنه - في ثوب خَلَق، فأَرسل ثياباً نفيسة فلم يقبلها، وقال: عُجِّل لكم وأُجِّل لنا.
¬
(¬1) في صحيح البخاري (4: 1741).
* الخامسَ عشر: التكسُّب بنفسه:
فينبغي لطالب العلم أن يكون ذا همّة عالية لا يطمع في أموال الناس، قال - صلى الله عليه وسلم -: «عليك بالإياس مّما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر» (¬1)، وكانوا في الزمانِ الأوّلِ يتعلّمون الحرفة، ثم يتعلّمون العلم حتى لا يطمعوا في أموالِ الناس، وفي الحكمة: مَن استغنى بمال الناس افتقر.
* السادس عشر: عدم الطمع:
إن العالم إذا كان طماعاً لم تبق له حرمة العلم، ولا يقول بالحقّ، فعن عوف بن مالك الأشجعي - رضي الله عنه - قال: «إنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يأمركم أن تتعوذوا من ثلاث: من طمعٍ حيث لا طمع، ومن طمعٍ يردّ إلى طبع، ومن طمعٍ إلى غيرِ طمع» (¬2)، وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «استعيذوا بالله من طمع يهدى إلى طبع، ومن طمع يهدى إلى غير مطمع، ومن طمع حيث لا طمع» (¬3).
¬
(¬1) في المستدرك (4: 362، وصححه، والمعجم الأوسط (7: 369).
(¬2) في المعجم الكبير (18: 53)، والمعجم الأوسط (4: 8)، ومسند الشاميين (2: 296)، ومسند عبد بن حميد (1: 70).
(¬3) في مسند أحمد (2: 232).
* السابع عشر: خوف الله - جل جلاله - ورجاؤه:
وينبغي للمؤمن ألا يرجو إلا من الله - جل جلاله -، ولا يخاف إلا منه - عز وجل -، ويظهر ذلك بمجاوزة حدّ الشرع وعدمها، فمَن عصى الله - جل جلاله - خوفاً من المخلوق، فقد خاف غير الله - عز وجل -، فعليه أن لا يعصي الله - جل جلاله - لخوف المخلوق، ويراقب حدود الشرع، فلا يخف غير الله - جل جلاله -، بل يخاف الله - عز وجل -. وكذا في جانب الرجاء.
* الثامن عشر: تكرار الدرس:
ينبغي لطالب العلم أن يعدّ ويقدّر لنفسه تقديراً في التكرار، فإنه لا يستقرّ قلبه حتى يبلغ ذلك المبلغ، فيكرر درس الأمس خمس مرات، ودرس اليوم الذي قبل الأمس أربع مرات، والسبق الذي قبله ثلاث مرّات، والذي قبله اثنتين، والذي قبله مرّة واحدة، فهذا ادعى للحفظ.
وينبغي ألا يعتاد المخافتة في التكرار؛ لأن الدرس والتكرار ينبغي أن يكونا بقوة ونشاط، ولا يجهر جهراً يجهد نفسه كيلا ينقطع عن التكرار، فخير الأمور أوسطها.
* التاسع عشر: ترك الفتور:
وينبغي ألا يكون لطالب العلم فترة فإنها آفته، وكان شيخ الإسلام برهان الدين - رضي الله عنه - يقول: «إنما فقت على شركائي بأني لم تقع لي الفترة في التحصيل».
* العشرون: حفظ كتاب:
كان الشيخ القاضي الإمام فخر الدين قاضي خان - رضي الله عنه - يقول: «ينبغي للمتفقه أن يحفظ كتاباً واحداً من كتب الفقه دائماً ليتيسّر له بعد ذلك حفظ ما يسمع من الفقه».
• • •
المطلب الثامن
طريق التوكل واستغلال الوقت
* أولاً: لا بُدّ لطالب العلم من التوكّل في طلب العلم، ولا يهتمّ لأمر الرزق، ولا يشغل قلبه بذلك، وروى الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - عن عبد الله بن الحارث الزبيدي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن تفقه في دين الله - جل جلاله - كفاه الله - عز وجل - همّه، ورزقه من حيث لا يحتسب» (¬1).
فإن مَن اشتغل قلبه بأمر الرزق من القوتِ والكسوة، قَلَّما يَتَفَرَّغَ لتحصيل مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور. قيل:
دع المكارم لا ترحل لبُغْيَتها ... واقعُد فإنَّك أنت الطاعمُ الكاسي
قال رجل لمنصور الحلاَّج: أوصني، فقال: هي نفسك إن لم تشغلها شَغَلتك (¬2).
فينبغي لكلّ أحد أن يشغلَ نفسه بأعمال الخير حتى لا تشتغل بهواها، ولا يهتمّ العاقل لأمر الدنيا؛ لأن الهَمَّ والحزْنَ لا يردّ المصيبة ولا ينفع بل يضرّ بالقلب والعقل والبدن، ويخلُّ بأعمال الخير، ويهتمَّ لأمر
¬
(¬1) في تاريخ بغداد (3: 32).
(¬2) ينظر: الإحياء (4: 57)، وتفسير الثعالبي (4: 306)، وتاريخ بغداد (8: 131).
الآخرة؛ لأنه ينفع، وتركُ ما يخلُّ بعمل الخير ويُشغل القلبَ شُغلاً يُخِلُّ بإحضارِ القلب في الصلاة، فإن ذلك القدر من الهمِّ والقصد من أعمال الآخرة.
* ثانياً: إنه لا بُدّ لطالب العلم من تقليل العلائق الدنيوية بقدر الوسع، ولهذا اختاروا الغربة.
* ثالثاً: لا بُدّ من تَحَمُّل النصب والمشقّة في سفر التعلّم كما قال موسى - عليه السلام - في سفر التعلّم، ولم ينقل عنه ذلك في غيره من الأسفار: {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} الكهف: 62، لِيُعلَم أن سفرَ العلم لا يخلو من التعب؛ لأنّ العلمَ أمرٌ عظيمٌ، وهو أَفضلُ من الجهادِ عند أكثر العلماء، والأجرُ على قدرِ التعب والنَّصب.
فمَن صَبَرَ على ذلك وَجَدَ لذّةً تفوقُ سائر لذّات الدنيا؛ ولذا كان محمّد بنُ الحسن - رضي الله عنه - إذا سَهِرَ الليالي وانحلَّت له المشكلات، يقول: «أين أَبناء الملوك من هذه اللذّات».
سهري لتنقيح العلوم ألذّ لي ... من وصل غانيةٍ وطيب عتاق
وتمايلي طرباً لحلِّ عويصةٍ ... في الذهنِّ أبلغُ من مُدامة ساقي
وصرير أقلامي على صفحاتها ... أشهى من الدُّوكاه والعُشاق
وألذّ من نقر الفتاة لدفها ... نقري لألقي الرمل عن أوراقي
* رابعاً: لا بد لطالب العلم ألا يشتغل بشيءٍ آخر غير العلم ولا يعرض عن الفقه، قال محمد بن الحسن - رضي الله عنه -: صناعتنا هذه من المهد إلى اللحد، فمَن أراد أن يتركَ علمنا هذا ساعة فليتركه الساعة.
ودخل فقيه على أبي يوسف - رضي الله عنه - يعوده في مرض موته، وهو يَجُود بنفسه، فقال أبو يوسف - رضي الله عنه - له: «رمي الجمار راكباً أفضل أم راجلاً؟ فلم يعرف الجواب! فأجاب بنفسه».
وهكذا ينبغي للفقيه أن يشتغل به جميع أوقاته، فحينئذٍ يَجِدُ لذّةً عظيمةً في ذلك.
• • •
المطلب التاسع
وقت التحصيل وطرق الاستفادة
* أولاً: وقت التعلم من المهد إلى اللحد:
ينبغي لطالب العلم أن يستغرق جميع أوقاته، فإذا ملَّ من علم يشتغل بعلم آخر، وكان ابن عباس - رضي الله عنهم - إذا ملَّ من علم الكلام، يقول: هاتوا ديوان الشعراء.
وكان محمد بن الحسن لا ينام الليل، وكان يضع عنده الماء، ويزيل نومه بالماء، وكان يقول: إن النوم من الحرارة، وكان يضع عنده الدفاتر، وكان إذا ملَّ من نوع ينظر في نوع آخر.
* ثانياً: طرق الاستفادة:
وينبغي أن يكون الطالبُ مُستفيداً في كلِّ وقتٍ حتى يحصلَ له الفضل بما يلي:
1. أن يكون معه في كلّ وقت محبرة حتى يكتب ما يسمع من الفوائد، مَن حفظ فرّ، ومن كتب شيئاً قرَّ.
وقيل: العلم يؤخذ من أفواه الرجال؛ لأنهم يحفظون أحسن ما يسمعون، ويقولون أحسن ما يحفظون. وقيل: جالسوا العلماء واستمعوا منهم، فإنهم يقولون أحسن ما يحفظون، ويحفظون أحسن ما يكتبون، ويكتبون أحسن ما يقرؤون ....
2. أن يحفظ شيئاً من العلم وإن كان يسيراً، وأوصى الصدر الشهيد حسام الدين - رضي الله عنه - ابنه شمس الدين أن يحفظَ كلَّ يوم شيئاً يسيراً من العلم والحكمة، فإنه عن قريب يكون كثيراً. وقد اشترى عصام بن يوسف البلخي - رضي الله عنه - (ت215هـ) قلماً بدينار ليكتب ما سمعه في الحال، فالعمر قصير، والعلم كثير.
3. أن لا يضيع الأوقات والساعات ويغتنم الليالي والخلوات، فعن يحيى بن معاذ الرازي - رضي الله عنه - (ت258هـ) أنه قال: الليل طويل، فلا تقصره بمنامك، والنهار مضيءٌ، فلا تكدره بآثامك.
4. أن يغتنم الشيوخ ويستفيد منهم، وليس كلّ ما فات يدرك، كما قال شيخ الإسلام المرغيناني - رضي الله عنه -: كم من شيخ كبير أدركته المنية وما استجزته.
5. أن يتحمّل المشقّة والمذلّة في طلب العلم، والتملّق مذموم إلا في طلب العلم، فإنه لا بدّ له من التملّق للأستاذ والشركاء وغيرهم للاستفادة منهم.
قيل: العلم عزٌّ لا ذل فيه، ولا يدرك إلا بذل لا عزَّ فيه. وقال القائل:
أرى لك نفساً تشتهي أن تُعِزَّها ... فلست تنالُ العِزَّ حتى تُذلَّها
6. أن يستصحب كتاباً على كلِّ حال ليطالعه، وقيل: من لم يكن له دفتر في كمِّه لم تثبت الحكمة في قلبه.
* ثالثاً: ورع طالب العلم:
كلّما كان طالبُ العلم أَورع كان علمه أنفع، والتعلُّمُ له أَيسر، وفوائدُه أَكثر. ومن الورع: أن يَحترزَ عن الشبع وكثرةِ النوم، وكثرةِ الكلام فيما لا ينفع، وأن يَتَحرَّزَ عن أكلِ طعام السوقِ إن أَمْكَن؛ لأن طعام السوق أقرب للنجاسة والخيانة، وأَبعد عن ذكر الله - جل جلاله -، وأَقرب إلى الغفلة؛ ولأنّ أَبصارَ الفقراء تقع عليه، ولا يقدرون على الشراء منه، فيتأذّون بذلك، فتذهب بركتُه.
ووصى فقيه من زهَّاد الفقهاء طالب علم؛ فقال له: عليك أن تتحرَّز عن الغيبةِ وعن مجالسةِ المكثار، وقال: إن مَن يُكثرُ الكلامَ يَسْرِقُ عمرك، ويضيِّع أوقاتَك.
ومن الورع أن يجتنبَ أهل الفساد والمعاصي والتعطيل ويجاور الصالحين، فإن المجاورة مؤثرة لا محالة، وأن يجلس مستقبلاً القبلة، ويكون مستناً بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويغتنم دعاء أهل الخير، ويحترزَ عن دعاء المظلومين.
وينبغي لطالب العلم ألا يتهاون بالآداب والسنن، فإن مَن يتهاون بالآداب يحرم السنن، ومَن تهاون بالسنن حرم الفرائض، ومَن تهاون بالفرائض حرم الآخرة.
وينبغي أن يكثرَ الصلاةَ ويصلِّي صلاة الخاشعين، فإن ذلك عَونٌ له على التحصيل والتعلُّم.
• • •
المراجع:
1. إحياء علوم الدين لابن حامد الغزالي، موسوعة المكتبات الشاملة الالكترونية، إصدار (1).
2. تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، موسوعة المكتبات الشاملة الالكترونية، إصدار (1).
3. تبييض الصحيفة في مناقب الإمام أبي حنيفة لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 هـ). دار إحياء العلوم.
4. تخريج أحاديث الإحياء للحافظ العراقي، موسوعة المكتبات الشاملة الالكترونية، إصدار (1).
5. سنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (ت 273 هـ). ت: محمد فؤاد عبد الباقي. دار الفكر. بيروت.
6. سنن أبي داود لسليمان بن أشعث السجستاني (ت 275 هـ).ت: محمد محيي الدين عبد الحميد. دار الفكر. بيروت.
7. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279 هـ)، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
8. صحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (ت 256 هـ). ت: د. مصطفى البغا. ط 3. 1407 هـ. دار ابن كثير واليمامة. بيروت.
9. الفوائد المكية فيما يحتاج طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية للسيد علوي بن محمد السقاف. طبعة مصطفى الحلبي.
10. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث لإسماعيل بن محمد العجلوني (ت1162هـ). ت: أحمد القلاش. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط.4. 1405هـ.
11. المستدرك على الصحيحين لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ). ت: مصطفى عبد القادر. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1411هـ.
12. المستقصى في أمثال العرب للزمخشري، موسوعة المكتبات الشاملة الالكترونية، إصدار (1).
13. مسند أبي يعلى لأحمد بن علي أبي يعلى الموصلي (ت307هـ). ت: حسين سليم أسد. دار المأمون للتراث. دمشق. ط.1. 1404هـ.
14. مسند أحمد بن حنبل لأحمد بن حنبل (ت241هـ). تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة.
15. مسند الشاميين لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (ت360هـ).ت: حمدي السلفي. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط1. 1405هـ.
16. مسند الشهاب لأبي عبد الله محمد بن سلامة القُضَاعي (ت454هـ). ت: حمدي السلفي. ط2. 1407هـ. مؤسسة الرسالة. بيروت.
17. مسند عبد بن حميد لعبد بن حميد بن نصر الكسي (ت249هـ). ت: صبحي السامرائي. مكتبة السنة. القاهرة. 1408هـ. ط1.
18. المصنف في الأحاديث والآثار لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ) ت: كمال الحوت. ط.1. مكتبة الرشد. الرياض. 1409هـ.
19. معجم الإسماعيلي لأحمد بن إبراهيم الإسماعيلي (ت371هـ). ت: زياد محمود. مكتبة العلوم والحكم. المدينة المنورة. ط1. 1410هـ.
20. المعجم الأوسط لسليمان بن أحمد الطبراني (ت360هـ). ت: طارق بن عوض الله. دار الحرمين. القاهرة. 1415هـ.
21. المعجم الصغير لسليمان بن أحمد الطَّبَرَانِي (ت360هـ).ت: عمر شكور محمود. ط1. 1405هـ المكتب الإسلامي. دار عمار. بيروت. عمان.
22. المعجم الكبير لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (ت360هـ).ت: حمدي السلفي. ط2. 1404هـ مكتبة العلوم والحكم. الموصل.
• • •