خلاصة الكلام .................
.... في مسألة الإعانة على الحرام
جارٍ تحميل الكتاب…
خلاصة الكلام .................
.... في مسألة الإعانة على الحرام
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
خلاصة الكلام
في مسألة الإعانة على الحرام
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة الأصول للدراسات الإسلامية، في جامعة ساقريا.
خلاصة البحث:
إن مسألة الإعانة على الحرام من أكثر المسائل الحياتية التي يسأل عنها، فهي مدار كثير من الفروع؛ لا سيما في هذا الزمان بعد اختلاط الحلال بالحرام؛ إذ وصلت إلى تحقيق قاعدة ميسورة من خلال استقراء كتب السادة الحنفية، وهي: أن ضابطَ الإعانة على الحرام على مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه -، هو:
أن ما قامت المعصية بعينه فمكروه كبيع الخمر والمزاميز. ومعنى بعينه: أن عينه منكراً لا تقبل إلا الفعل المحظور.
وأن ما لم تقم المعصية بعينه فغير مكروه، ويطيب أجره، ومعنى ذلك؛ أن عينه ليست منكراً، بأن المقصود الأصلي منها ليس المعصية، وإنما هي أمر عارض يحصل بفعل فاعل مختار فتنقطع نسبته عن البائع أو غيره.
أما في الأعمال فيكفي فيما لم تقم المعصية بعينه أن يتوسط فعل فاعل مختار، كما في رعي الخنازير وتعمير الكنيسة.
* * *
Research Summary
The issue of assistance to do something which is forbidden in religion is one of the most asked questions of life, which is over many of the branches; especially at a time after the mixing of halal with haraam; it arrived at a affordable through extrapolation Hanafis books, namely: that the officer assisting in doing something which is forbidden in religion lands on the the doctrine of Abu Hanifa, is:
What specific sin is mkroh, such as the sale of alcohol , wine and musical instruments. And the meaning of this :is that it`s evil and does not accept, however, prohibited act.
And unless a particular sin is not wrong, and the meaning of it; that the same is not denied, that the original meaning of which is not sin, but is opposed by the actor gets selected.
But in deeds it has not done enough to select a particular sin that the act of actively mediating selected, as in the grazing pigs and the reconstruction of the church.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله في علاه، القائل: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275]، والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى مَن اتبعه واهتدى بهديه وصار في دربه إلى يوم يلقاه.
وبعد:
فمن المعلوم أن غياب السلطان الذي يقيم الحدود ويطبق الأحكام الشرعية في البلاد الإسلامية جعل كثيراً من أمور الناس يختلط فيها الحلال بالحرام، بسبب انتشار المحرمات في المعاملات المادية كالبنوك الربوية، أو الألبسة المخالفة للأحكام الشرعية، أو الأطعمة والأشربة المحرمة.
وهذا مما تعمّ به البلوى، ولا يستغني عنه مكلف؛ إذ يقع السؤال كثيراً عما يتعلّق بحكم شيء فيه إعانة على الحرام في الظاهر، ولو جرينا في اعتبار الإعانة على الحرام مطلقاً لما سلمت للناس من معيشتهم ومعاملتهم إلا القليل، ولعسر على أهل الدين والتقوى الحياة والمعاش.
بسبب ذلك فإنني تفحصت الكتب، ونقبت في الأبواب، وقلبت الصفحات؛ للنظر في المسائل الواردة في الإعانة عند علمائنا الكرام في
مذهب أبي حنيفة النعمان - رضي الله عنه -، فإنه توسّع في هذا الباب بما يمكن أن يكون فيه رخصة للمسلمين في هذا الزمان، فأحببت أن أتتبع الفروع الواردة في المذهب مع مراعاة الخلاف فيها بين بين الإمام وصاحبيه في الكراهة وعدمها، راغباً فيها بتحرير ضابطة في الباب أئمتنا، دون تكلّف مني أو تعسف، ولا تحميل للنصوص ما تحتمل.
وأشير هاهنا إلى أنه سبق قد سبقي في الكتابة في هذه المسألة الشيخ المفتي محمد شفيع (¬1) رحمه الله تعالى، برسالة سمّاها بـ «تفصيل الكلام في مسألة الإعانة على الحرام»، وهي فريدة في بابها، لكن مؤلفها رحمه الله لم يفرق فيها بين رأي الإمام وصاحبيه، وتعامل بينهما على أنهما واحد في إخراج ضابطة في الباب، وأدخل فيها ما لا يدخل من القصد والنيّة، وجعلها مدار الحكم على المسألة، مع أن عبارات علمائنا في نفي ذلك، والتصريح بخلافه، وخلاصة المقام أن رأيت فيها خلطاً عجيباً، استوجب منّي جمع مسائل الباب وترتبيها، وذكر كلّ ما ذكروه في تعليل حكمها، دون إيراد نص كل كتاب في المسألة خوف التطويل والتكرار، ووقوع الإملال، وهي على فصول راجياً من الله القبول.
¬
(¬1) توفي الشيخ رحمه الله رحمة واسعة سنة (1396هـ)، له مؤلفات عديدة منها كثير من الرسائل المطبوعة في أحكام القرآن، وهو مطبوع في إدارة القران كراتشي سنة 1407هـ، وقد حققت رسالته تفصيل الكلام، وعلقت على نصوصها، وبينت ما لها وما عليها بالتفصيل.
الفصل الأول
في مسائل بيع السلاح
وما يتخذ منه وأمثالها
ورد عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - في هذا الباب في «مجمع الفتاوى»: إذا اجتمع الناس على إمام من المسلمين وهم آمنون والسبل آمنة فخرج من المسلمين على الإمام الجماعة فينبغي للمسلمين أن يعينوه إن قدروا عليه وإلا فالواجب على كل مسلم أن يعتزل الفتنة ويقعد في بيته (¬1).
مسألة:
بيع السلاح إلى أهل الفتنة ـ وهم البغاة ـ إذا كان يعلم أنهم من أهل الفتنة وفي عسكرهم مكروه كراهة تحريمية؛ كما صرّح بذلك الكاساني (¬2) والمرغيناني (¬3) وابن الهمام (¬4)، والعيني (¬5)، والحدادي (¬6)،
¬
(¬1) ينظر: درر الحكام1: 306.
(¬2) في البدائع5: 232، 7: 142.
(¬3) في الهداية 4: 364.
(¬4) في فتح القدير 6: 107.
(¬5) في رمز الحقائق1: 329.
(¬6) في الجوهرة2: 286.
وشيخي زاد (¬1)، والزاهدي (¬2)، وملا مسكين (¬3)، وعمر ابن نجيم (¬4)، وصدر الشريعة (¬5)، واللكنوي (¬6)، والنسفي (¬7)، والأفغاني (¬8)، ومحمد بن إلياس زاده (¬9)، والميداني (¬10)، ونظام الدين (¬11)، وأرجعوا هذه الكراهة إلى أمور:
الأول: أنه من باب الإعانة على الإثم والعدوان والمعصية، وهو منهي عنه؛ قال - جل جلاله -: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (¬12).
الثاني: لما ورد فيه من حديث عمران بن الحصين - رضي الله عنه -: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السلاح في الفتنة) (¬13).
¬
(¬1) في مجمع الأنهر1: 701.
(¬2) في المجتبى ق 357أ.
(¬3) في شرح ملا مسكين ص176.
(¬4) في النهر الفائق 3: 268.
(¬5) في شرح الوقاية1: 329.
(¬6) في عمدة الرعاية2: 385.
(¬7) في المستصفى شرح النافع ق188ب.
(¬8) في كشف الحقائق1: 329.
(¬9) في شرح النقاية2: 152.
(¬10) في اللباب4: 167.
(¬11) في الفتاوى الهندية2: 285.
(¬12) المائدة: 2.
(¬13) في صحيح البخاري2: 741 معلقاً، سنن البيهقي5: 327، وقال: رفعه وهم، والموقوف أصح. والجرح والتعديل8: 102، والكامل2: 51، وضفعاء العقيلي4: 139، وتاريخ بغداد3: 278، ومسند البزار9: 63، وقال: وهذا الحديث لا نعلم أحداً يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عمران بن حصين - رضي الله عنه -، وعبد الله اللقيطي ليس بالمعروف، وبحر بن كنيز لم يكن بالقوي، ولكن ما نحفظه عن رسول الله إلا من هذا الوجه فلم نجد بداً من إخراجه، وقد رواه سلم بن زرير عن أبي رجاء عن عمران موقوفاً، ومعجم الطبراني الكبير18: 136، والسنن الواردة في الفتن2: 409، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد4: 87: فيه بحر بن كنيز، وهو متروك. وقال ابن حجر في التلخيص3: 18: ضعيف، والصواب وقفه.
الثالث: لأنّ الواجب قلع سلاحهم بما أمكن حتى لا يستعملوه في الفتنة فالمنع أولى.
الرابع: لأن المعصية تقوم بعينه فيكون إعانة لهم وتسبيباً، ولأنّ في ذلك معونة علينا.
الخامس: لأن بيع السلاح في أيام الفتنة اكتساب سبب تهييجها، وقد أمرنا بتسكينها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها) (¬1).
ونصّ على أن الكراهة تحريمية في ذلك ابن نجيم (¬2) والحصكفي (¬3)، وتابعهم ابن عابدين (¬4)، والخادمي (¬5).
مسألة:
¬
(¬1) قال النجم: رواه الرافعي في أحاليه عن أنس، وعند نعيم بن حماد في كتاب الفتن عن ابن عمر - رضي الله عنهم - بلفظ: (إن الفتنة راتعة في بلاد الله - جل جلاله - تطأ في خطامها لا يحل لأحد أن يوقظها، ويل لمَن أخذ بخطامها) كما في كشف الخفاء2: 108، وفي التدوين في تاريخ قزوين1: 291 عن أنس - رضي الله عنه - مرفوعاً.
(¬2) في البحر الرائق5: 154 - 155.
(¬3) في الدر المختار4: 268,
(¬4) في رد المحتار4: 268.
(¬5) في حاشيته على الدرر ص149.
هدية السلاح وسائر أسباب التمليك من أهل الفتنة تكره، كما صرح به اللكنوي (¬1).
مسألة:
بيع السلاح من أهل الفتنة إن لم يكن يعرف أنّ المشتري منهم لا كراهة فيه؛ لأنّ الغلبةَ في دار الإسلام لأهل الصلاح وعلى الغالب تبنى الأحكام دون النادر، ولأنّ الأصلَ عدم الكراهة ولا صارف عنه، كما صرّح به الزيلعي (¬2)، والمرغيناني (¬3)، والحدادي (¬4)، وملا خسرو (¬5)، والعيني (¬6)، وابن نجيم (¬7)، وشيخي زاد (¬8)، والزاهدي (¬9)، وملا مسكين (¬10)، وصدر الشريعة (¬11)، واللكنوي (¬12)، والأفغاني (¬13).
¬
(¬1) في عمدة الرعاية2: 385.
(¬2) في التبيين 3: 296.
(¬3) في الهداية4: 364.
(¬4) في الجوهرة2: 286.
(¬5) في درر الحكام1: 306.
(¬6) في رمز الحقائق1: 329.
(¬7) في البحر الرائق5: 155.
(¬8) في مجمع الأنهر1: 701.
(¬9) في المجتبى ق357أ.
(¬10) في شرح ملا مسكين ص176.
(¬11) في شرح الوقاية1: 329.
(¬12) في عمدة الرعاية2: 385.
(¬13) في كشف الحقائق1: 329.
مسألة:
بيع السلاح في الأمصار لمن لا يعرف من أهل الفتنة لا يكره؛ لأن الغلبة من الأمصار لأهل الصلاح، كما صرّح به الطحاوي (¬1)، والمرغيناني (¬2)، وهي نفس المسألة السابقة، وإنما أفردتها بالذكر خوف التباس كراهة بيع السلاح للمسلمين لظنّ أن يكون له عاقبة وخيمة، فهذا الظن لا تعويل عليه لأنه نادر، والاعتمدا على أن الغالب على أهل الأمصار الصلاح.
مسألة:
بيع السلاح ممن كان احتمال أن لا يستعمله في الفتنة ضعيفاً مرجوحاً وكان احتمال أن يستعمله في الفتنة قوياً راجحاً يكره، كما صرّح به ابن الهمام (¬3).
مسألة:
بيع السلاح من قطاع الطريق يكره كراهة تحريمية؛ لأن قطاع الطريق من أهل الفتنة كما صرّح بذلك ابن نجيم (¬4)، وعمر ابن
¬
(¬1) في مختصره ص442.
(¬2) في الهداية 4: 364.
(¬3) في فتح القدير10: 59.
(¬4) في البحر الرائق5: 154.
نجيم (¬1)، واللكنوي (¬2)، والخادمي (¬3)، ففيه إعانة لهم على قتل المسلمين بغير
حقّ وسلب أموالهم وانتهاك أعراضهم كما هو الحال في أهل البغي.
مسألة:
بيع السلاح من اللصوص يكره كراهة تحريمية؛ لأن اللصوص من أهل الفتنة كما صرح بذلك ابن نجيم (¬4)، وعمر ابن نجيم (¬5)، واللكنوي (¬6)، والخادمي (¬7)، للعلة السابق ذكرها.
مسألة:
بيع ما يتخذ منه السلاح كالحديد وغيره من أهل الفتنة لا يكره؛ لأنه لا يصير سلاحاً إلا بالعمل وصنعة فيه، ولأن المعصية تقع بعين السلاح بخلاف الحديد، كما صرح به الكاساني (¬8)، والزيلعي (¬9)،
¬
(¬1) في النهر الفائق3: 268.
(¬2) في عمدة الرعاية2: 385.
(¬3) في حاشيته على الدرر ص149.
(¬4) في البحر الرائق5: 154.
(¬5) في النهر الفائق3: 268.
(¬6) في عمدة الرعاية2: 385.
(¬7) في حاشيته على الدرر ص149.
(¬8) في البدائع7: 142.
(¬9) في التبيين3: 296 - 297.
والمرغيناني (¬1)، والنسفي (¬2)، والعيني (¬3)، واللكنوي (¬4)، والحصكفي (¬5).
مسألة:
بيع السلاح والكراع ـ وهي الخيل والبغال والحمير والإبل والثيران التي يحمل عليها المتاع ـ والسبي وما شابه ذلك من أهل الحرب إذا حضروا مستأمنين أو تجهيزه لهم مع التجار يكره؛ ولا فرق في ذلك بين ما قبل الموادعة وبين ما بعدها؛ لأنها على شرف الانقضاء أو النقض، وهذا لأنهم يتقوون بالكراع والسلاح على قتال المسلمين، وقد أمرنا بكسر شوكتهم، وقتل مقاتلتهم؛ لدفع فتنة محاربتهم، كما قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَة} (¬6)، فعرفنا أنه لا رخصة في تقويتهم على محاربة المسلمين، وإذا ثبت هذا في الكراع والسلاح ثبت في السبي بطريق الأولى؛ لأنه إما أن يقاتل بنفسه أو يكون منهم من يقاتل، وتقويتهم بالمقاتل فوق تقويتهم بآلة القتال كما صرّح به
¬
(¬1) في الهداية4: 364.
(¬2) في المستصفى شرح النافع ق188.
(¬3) في رمز الحقائق1: 329.
(¬4) في عمدة الرعاية2: 385.
(¬5) في الدر المختار4: 268.
(¬6) البقرة: 193.
الطحاوي (¬1)، والسرخسي (¬2)، وابن الهمام (¬3)، ونظام الدين (¬4).
مسألة:
بيع الحرير والديباج يكره حمله إليهم؛ لأنه يصنع منه الرايات والسلاح، فإن كان خزاً من ابريسم أو ثياباً رقاق من القز فلا بأس بإدخالها إليهم؛ لأن ذلك ليس مما يتقوى به على القتال، وإنما يستعمل في اللبس، فهو نظير ما يستعمل في الأكل، كما صرّح به برهان الأئمة (¬5).
مسألة:
بيع الصفر إليهم والرصاص لا يكره؛ لأن هذا لا يستعمل للسلاح في الغالب، فإن كانوا يجعلون عظم سلاحهم من ذلك لم يحل إدخال شيء من ذلك؛ لأن المعتبر عادة كل قوم فيما يبنى عليه من الأحكام، كما صرّح به برهان الأئمة (¬6).
¬
(¬1) في مختصره ص442.
(¬2) في المبسوط4: 1410.
(¬3) في فتح القدير5: 461.
(¬4) في الهندية2: 197 - 198.
(¬5) في المحيط1: 136.
(¬6) في المحيط1: 136.
مسألة:
إدخال النسور الحي والمذبوح معها أجنحتها والعقاب والبازي والصقر إليهم لا يحل؛ لأن الغالب عليه أنه لو يدخل يجعل منه الريش والنشاب والنبل، أما إن إدخلت للصيد فلا بأس بمنزلة الغنم التي تحمل إليهم للأكل؛ لأن يصطاد بها ما يؤكل، كما صرّح به صاحب برهان الأئمة (¬1).
مسألة:
بيع الطعام من أهل الحرب لا يكره لكنه خلاف الأولى؛ وإن كان القياس أن يمنع من حمله إلى دار الحرب؛ لأنه به يحصل التقوي على كل شيء، والمقصود إضعافه، إلا أنا عرفناه: أي نقل الطعام إليهم بالنصِّ، يعني حديث ثمامة، وهو ما رواه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، فذكر قصة إسلام ثمامة، وفي آخره قوله لأهل مكة حين قالوا له: أصبوت؟ فقال: إني والله ما صبوت، ولكني أسلمت وصدقت محمداً وآمنت به، وأيم الذي نفس ثمامة بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة ـ وكانت ريف مكة ما بقيت ـ حتى يأذن فيها محمد صلى الله عليه وسلم، وانصرف إلى بلده، ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
¬
(¬1) في المحيط1: 136.
يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يحمل إليهم الطعام، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن المسلم مندوب أن يستبعد من المشركين، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تستضيئوا بنار المشركين) (¬1)، وقال: (أنا بريء من كل مسلم مع مشرك لا تراءى ناراهما) (¬2). وفي حمل الأمتعة إليهم للتجارة نوع مقاربة معهم، فالأولى ألا يفعل ولأنهم يتقوون بما يحمل إليهم من متاع أو طعام، وينتفعون بذلك؛ وهذا لأن المسلمين يحتاجون إلى بعض ما في ديارهم من الأدوية والأمتعة، فإذا منعناهم ما في ديارنا فهم يمنعون أيضاً ما في ديارهم، ولأن التاجر إذا دخل إليهم ليأتي المسلمين بما ينتفعون به من ديارهم فإنه لا يجد بدا من أن يحمل إليهم بعض ما يوجد في ديارنا، فلهذا رخصنا للمسلمين في ذلك، كما صرح به السرخسي (¬3)، وبرهان الأئمة (¬4)، والمرغيناني (¬5) وابن الهمام (¬6).
¬
(¬1) سنن البيهقي الكبير 8: 127، وسنن النسائي 8: 176، ومسند أحمد 3: 99.
(¬2) المعجم الكبير 4: 114، وسنن البيهقي 9: 142، وسنن أبي داود 3: 45، وسنن النسائي الكبرى 4: 225.
(¬3) في المبسوط4: 1410.
(¬4) في المحيط1: 135.
(¬5) في الهداية5: 461.
(¬6) في فتح القدير5: 461.
مسألة:
بيع ما يتخذ منه السلاح كالحديد وغيره من أهل الحرب يكره؛ والفرق في جواز بيعه لأهل البغي وعدم جوازه لهم أن أهل البغي لا يتفرغون لاستعمال الحديد سلاحاً؛ لأن فسادهم على شرف الزوال بالتوبة أو بتفريق جمعهم بخلاف أهل الحرب فإنهم يتفرغون له؛ لإعداده لقتال المسلمين وكسر شوكتهم، كما صرّح به الزيلعي (¬1)، والشرنبلالي (¬2)، والحصكفي (¬3)، وذهب فخر الإسلام في «شرح الجامع الصغير» إلى أنه لا يكره حيث قال: وهذا في السلاح ـ أي الكراهة ـ، وأما فيما لا يقاتل به إلا بصنعة فلا بأس به. وقال ابن الهمام (¬4) بعد نقل هذا: «قيل بإشارة هذا يعلم أن بيع الحديد منهم لا يكره».
وقال ابن عابدين (¬5): «مقتضى ما نقلناه عن «الفتح» عدم الكراهة، إلا أن يقال: المنفي كراهة التحريم والمثبت كراهة التنزيه؛ لأن الحديد وإن لم تقم المعصية بعينه لكن إذا كان بيعه ممن يعمله سلاحاً كان فيه نوع إعانة. تأمل».
¬
(¬1) في التبيين3: 297.
(¬2) في الشرنبلالية1: 306.
(¬3) في الدر المختار4: 268.
(¬4) في فتح القدير5: 461.
(¬5) في رد المحتار4: 268.
قلت: والذي جعل ابن عابدين يثبت الكراهة ويحملها على التنزيهية هو أن بيع الحديد والسلاح إلى أهل الحرب يستويان في ظاهر الرواية في الكراهة، كما نصّ على ذلك الحاكم ونقله عنه ابنُ الهمام (¬1)، ولكن يمكن أن يكون في هذا تكلف؛ فالأولى حمل عدم الكراهة على أنها رأي فخر الإسلام وهو خلاف المذهب.
مسألة:
بيع كل ما هو أصل في آلات الحرب من أهل الحرب يكره؛ لما مر أن فيه تقويتهم، كما صرح به الموصلي (¬2)، ونظام الدين (¬3).
مسألة:
إدخال ما سبق على أهل الذمة لا يكره؛ لأنهم التحقوا بالمسلمين في الأحكام صرّح به الموصلي (¬4).
مسألة:
لا يمكن الحربي أن ينقل إلى دار الحرب السلاح والكراع والحديد والدقيق إذا اشتراه في دار الإسلام، وكذا المسلم، ولكنه
¬
(¬1) في فتح القدير5: 461.
(¬2) في الاختيار5: 376.
(¬3) في الهندية2: 197 - 198
(¬4) في الاختيار5: 376.
لا يمنع أن يرجع بما جاء به من هذه الأشياء؛ لأنه تناوله عقد الأمان؛ إلا إذا أسلم بعض عبيده منع من إدخالهم دار الحرب؛ لأن المسلم يمنع من ذلك، كما صرّح به الموصلي (¬1).
ملخص ما في الفصل:
إن مسائله الرئيسية أربعةٌ نصّوا على الكراهة في ثلاثة منها والرابعة بعدم الكراهة، وما عداها من المسائل فمخرج عليها، ومفهوم منها، أما الثلاث فهي:
1. بيع السلاح من أهل الفتنة عند العلم.
2. بيع السلاح وأمثاله من أهل الحرب.
3. بيع ما يتخذ منه السلاح كالحديد وغيره من أهل الحرب.
ففي كل منها إعانة على المعصية، وهي قتل المسلمين والفتك بهم، وطغيان أهل الفتنة أو الحرب عليهم، وإن كان يتوسط بين فعل المعصية وبيع السلاح فعل فاعل مختار؛ إلا أنه لما ورد النصّ الشرعي في النهي عن بيع أهل الفتنة، ودخل فيه أهل الحرب؛ لأن فتنتهم وخطرهم أعظم على المسلم، اغتفر لهذه المسائل أن تخالف ضابط الباب في هذه الجزئية.
¬
(¬1) في الاختيار5: 376 - 377.
أما المسألة الرابعة فهي: بيع ما يتخذ منه السلاح من أهل الفتنة فلا كراهة فيه؛ لأنهم يستطيعون الاستفادة منه في الفتنة؛ لأنهم على شرف الزوال، فلا يتفرغون له، بخلاف أهل الحرب فإنهم يتفرغون له ويتقون على المسلم به، وبه عرف الفرق بينهما.
تذييل:
في «الموسوعة الفقهية الكويتية» (¬1): ذهب أبو حنيفة إلى أنه: يكره بيع السلاح من أهل الفتنة؛ لأن المعصية تقوم بعينه، وهي الإعانة على الإثم والعدوان، وإنه منهي عنه. بخلاف بيع ما يتخذ منه السلاح كالحديد؛ لأنه ليس معدا للقتال، فلا يتحقق معنى الإعانة. وذهب الصاحبان من الحنفية إلى أنه لا ينبغي للمسلم أن يفعل ذلك؛ لأنه إعانة على المعصية، فهو مكروه عندهما، خلافا للإمام، وليس بحرام، خلافا لما ذهب إليه الجمهور.
وفيها (¬2): بيع ما يتخذ منه السلاح لأهل الحرب والفتنة كالحديد ونحوه فإنه يحرم عند الجمهور ومنهم الصاحبان خلافا لأبي حنيفة.
وفيها (¬3): ذهب الحنفية إلى كراهة بيع السلاح زمن الفتنة كراهة تحريم، وقال أبو حنيفة: بعدم الكراهة: لأن المعصية لا تقوم بعينه.
¬
(¬1) 9: 212 - 213.
(¬2) الموسوعة الفقهية الكويتية25: 152 - 153.
(¬3) الموسوعة الفقهية الكويتية 32: 19.
فهذه النقول الثلاثة من «الموسوعة» فيها تناقض ظاهر فيما يلي:
1.في النقل الأول: ذكر أن الصاحبين يقولان بكراهة بيع ما يتخذ من السلاح لأهل الفتنة لا بالحرمة خلاف لما ذهب إليه الجمهور من القول بالحرمة. وفي النقل الثاني ذكر أن الصاحبين يقولان بالحرمة مع الجمهور.
2.في النقل الأول ذكر أن أبا حنيفة يقول بكراهية بيع السلاح لأهل الفتنة، وفي النقل الثالث ذكر أن أبا حنيفة يقول بعدم الكراهة.
هذا من ناحية التناقض فيما ذكر فيها فيما بينه، أما من جهة خلاف ما ذكر فيها لما هو مذكور في المذهب، فكما مر سابقاً في المسائل المذكورة أن بيع السلاح من أهل الفتنة أو الحرب يكره في المذهب بلا خلاف بين الإمام وصاحبية، وبيع ما يتخذ من السلاح كالحديد يكره لأهل الحرب ولا يكره لأهل الفتنة بلا خلاف أيضاً بين الإمام وصاحبيه؛ إذ لم ينص على الخلاف أحدٌ مما يدل على أنها من مسائل الاتفاق بينهما، حتى الكتب المتخصصة في المذهب بذكر الخلاف بينما لم تذكر خلاف ككتاب «خلاف الرواية بين أبي حنيفة وصاحبيه» (¬1)، والله أعلم، وعلمه أحكم.
¬
(¬1) ق31/ب –ق32 - ب.
الفصل الثاني
مسائل بيع الخمر
وما يتخذ منه الخمر
وما شابه ذلك
مسألة:
بيع العصير من المشتري الذي يعلم أنه يتخذه خمراً لا يكره عند أبي حنيفة وهو قول إبراهيم وحكاه ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثوري.
وظاهر عبارات الكتب يدل على أنه لا فرق في عدم الكراهة بأن يعلم البائع أن المشتري سيتخذ من الخمر أو لا، كما صرح به الزيلعي (¬1)، وملا خسرو (¬2)، والعيني (¬3) ..................................................
¬
(¬1) في التبيين3: 276، 6: 28 - 29.
(¬2) في درر الحكام1: 320.
(¬3) في البناية5: 903 ورمز الحقائق1: 329، 2: 273.
وابن نجيم (¬1)، والحلبي (¬2)، وملا مسكين (¬3)، والقاري (¬4)، وابن عابدين (¬5)، وقاضي خان (¬6)، والنسفي (¬7)، واللكنوي (¬8)، والزاهدي (¬9)، والميداني (¬10)، ونظام الدين (¬11)، وهو ما ذهب إليه فخر الإسلام في «شرح الجامع الصغير»، وأبو الليث في «شرحه» (¬12).
وذُكِرَ من الفرق لأبي حنيفة - رضي الله عنه - بين كراهية بيع السلاح من أهل الفتنة وعدم كراهة بيع العصير ممن يتخذه خمراً أن الضررَ هنا يرجع إلى العامة، وهناك إلى الخاصة (¬13).
¬
(¬1) في البحر8: 230.
(¬2) في ملتقى الأنهر2: 548.
(¬3) في شرح ملا مسكين ص302.
(¬4) في فتح باب العناية3: 23.
(¬5) في رد المحتار2: 592.
(¬6) في فتاواه3: 224.
(¬7) في المستصفى شرح النافع ق188ب.
(¬8) في عمدة الرعاية2: 385، وحاشيته على الهداية 6: 227.
(¬9) في المجتبى ق357أ.
(¬10) في اللباب 4: 167.
(¬11) في الهندية 3: 116، 210 عن العتابية، والتتارخانية.
(¬12) ينظر: فتح القدير5: 461.
(¬13) ينظر: البناية5: 903، وحاشية اللكنوي على الهداية4: 361.
وقال أبو السعود الأزهري (¬1): «وظاهر إطلاق المصنف أن لا فرق في عدم كراهة بيع العصير من خمار في البيع من ذمي أو مسلم. وقال: فعلى هذا يجوز بيع العصير من الخمار مطلقاً وإن لم يكن بالسواد وإليه يشير كلام الزَّيْلَعِيّ و «التنوير»».
وصرح بعدم كراهيته عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وإن علم البائع بأن المشتري سيتخذه خمراً السرخسي (¬2)، والمرغيناني (¬3)، والقدوري (¬4)، وشيخ زاده (¬5)، وصرّح النسفي (¬6): وجاز بيع العصير من خمّار.
وبيّنوا أن عدم الكراهة عند أبي حنفية - رضي الله عنه - لما يلي:
الأول: لأنه القياس؛ لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْع} (¬7).)، وقال الثوري: بع الحلال ممن شئت (¬8). وقد تمّ بأركانه وشروطه.
الثاني: لأنه لا فساد في قصد البائع، فإن قصده التجارة بالتصرّف
¬
(¬1) في حاشيته على ملا مسكين3: 406.
(¬2) في المبسوط24: 3.
(¬3) في الهداية10: 59.
(¬4) في المختصر2: 287.
(¬5) في مجمع الأنهر2: 548.
(¬6) في الكنز6: 28.
(¬7) البقرة: 275
(¬8) كما في تاريخ ابن معين (4: 10)، والمغني لابن قدامة (4: 154).
فيما هو حلال لاكتساب الربح، وإنما المحرم والفساد في قصد المشتري اتخاذ الخمر منه، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
الثالث: لأن العصير مشروب طاهر حلال، فيجوز بيعه، وأكل ثمنه، لأن المعصية لا تقوم بعينه أي بنفس العصير بل بعد تغيره وصيرورته أمراً آخر ممتاز عن العصير بالاسم والخاصة، فصار عند العقد كسائر الأشربة من عمل ونحوه.
الرابع: لأن العصير يصلح الأشياء كلها جائز شرعاً فيكون الفساد إلى اختياره.
الخامس: لأن هذا الشرط لا يخرجها عن ملك المشتري ولا مطالب له.
السادس: لأن العصير ليس بآلة المعصية بل يصير آلة لها بعد ما يصير خمراً.
لكنه يكره بيع العصير ممن يتخذه خمراً عند أبي يوسف ومحمد، كما صرح به المرغيناني (¬1) وغيره، ووجه ذلك عندهما: أنه استحسان؛ لأن بيع العصير والعنب ممن يتخذه خمراً إعانة على المعصية، وتمكين منها، وذلك
¬
(¬1) في المبسوط24: 26.
حرام، وإذا امتنع البائع من البيع يتعذَّر على المشتري اتخاذ الخمر، فكان في البيع منه تهييج الفتنة، وفي الامتناع تسكينها.
وقيد في «السراج» و «المشكلات»، و «الجوهرة» (¬1) و «الباقاني» وغيرها: الكراهة إذا كان من مسلم، أما إذا كان من كافر كمجوسي أو ذمي فلا يكره. وأيضاً الخادمي (¬2) قيده بالمجوسي والذمي، أما المسلم فمكروه اتفاقاً.
ورد هذا ابن عابدين (¬3) بقوله: وهو خلاف إطلاق المتون وتعليل الشروح بما مر وقال الطحطاوي: وفيه أنه لا يظهر إلا على قول من قال: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة والأصح خطابهم وعليه فيكون إعانة على المعصية، فلا فرق بين المسلم والكافر في بيع العصير منهما فتدبر. اهـ. ولا يرد هذا على الإطلاق والتعليل المار. وقال قاضي خان (¬4) بعد أن ذكر المعتمد في المسألة أعقبه بصيغة التمريض: قيل، فذكر بعده توجياً لقول أبي حنيفة.
وهذه عبارته: «ولا بأس ببيع العصير ممن يتخذه خمراً في قول أبي حنيفة، وقال صاحباه: يكره، وقيل على قول أبي حنيفة: إنّما لا يكره إذا
¬
(¬1) 2: 287.
(¬2) في حاشيته على الدرر ص156.
(¬3) في رد المحتار 6: 391.
(¬4) في فتاواه3: 224.
باعه من ذمي بثمن لا يشتريه المسلم بذلك، أما إذا وجد مسلما يشتريه بذلك الثمن يكره إذا باعه ممن يتخذه خمراً، وهو كما لو باع الكرم وهو يعلم أن المشتري يتخذ العنب خمراً لا بأس به إذا كان قصده من البيع تحصيل الثمن، وإن كان قصده تحصيل الخمر يكره، وغراسة الكرم على هذا إذا كان يغرس الكرم بنية تحصيل الخمر يكره، وإن كان لتحصيل العنب لا يكره، والأفضل أن لا يبيع العصير ممن يتخذه خمراً».
وقال الحموي (¬1) نسب هذا القول لـ «فصول العلائي»، وهذا الذي ذكره قاضي خان لتضعيفه بعد أن ذكر المعتمد في المذهب نقله عنه ابن نجيم (¬2) دون بيان منه لذلك، فقال: وذكر قاضي خان في «فتاواه»: إن بيع العصير ممن يتخذه خمراً إن قصد به التجارة فلا يحرم وإن قصد به لأجل التخمير حرم، وكذا غرس الكرم على هذا انتهى. وعلى هذا عصير العنب بقصد الخلية أو الخمرية. انتهى. وعلّق الحموي (¬3) بذكر نقول عن «المشكلات» و «فصول العلائي» و «السراج» تؤيّد ما ذكره ابن نجيم، وفعل مثله بيري زاده (¬4).
¬
(¬1) في غمز العيون1: 97
(¬2) في الأشباه والنظائر1: 97.
(¬3) في غمز العيون على الأشباه والنظائر1: 97.
(¬4) في عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر ق9أ.
قلت: علم ممّا ذكر في هذه المسألة أن الكتب المعتمدة في المذهب لم تفرق بين أن يكون لدى المشتري علم بأن من سيبيعه سيتخذه خمراً أم لا، مما يدل على أنه لا فرق في ذلك، وقد صرّح بهذا أبو السعود، كيف لا ومفهوم الموافقة والمخالفة معتبر في عبارات الكتب، ومع ذلك فإن بعض الكتب المعتمدة صرحت بعدم الكراهة وإن علم البائع بأن المشتري سيتخذه خمراً، فلم يبق بعدها، مجال للارتياب.
أما ما نقل عن بعض الكتب من التقييد بعدم الكراهة إذا كان من كافر أو ذمي، فهو مردود لكونها كتب غير معتبرة في المذهب كما علم في مكانه، ومعلوم أن لا يؤخذ منها ما يعارض ما في الكتب المعتمدة، وقد ردّ ابن عابدين والطحطاوي ما ذكر فيها لمخالفة المتون التي فيها المعتمد من المذهب.
أما ما نقل عن «الأشباه» من التعويل على القصد، فيمكن رده من وجوه:
الأول: أننا عندما رجعنا إلى «فتاوى قاضي خان» التي أخذ المسألة منها، وجدنا قاضي خان ذكرها بصيغة التمريض بعد أن ذكر المعتمد من المذهب.
والثاني: أن ابن نجيم أراد بذكر المسألة تحت قاعدة: الأمور بمقاصدها، التدليل ببعض المسائل على القاعدة لا ذكر المعتمد من
المذهب؛ لأنه ذكر في «البحر» ما عليه الكتب المعتمدة لا ما ذكره في «الأشباه»، وما فعله الحموي وبيري زاده في التعليق على هذه المسألة من «الأشباه» هو تأييد القاعدة بذكر مسائل من الكتب لا أنها المعتمدة في المذهب.
والثالث: أنه قد نص على أن «الأشباه» من الكتب غير المعتمدة في المذهب وإن حمله بعضهم على شدّة ما فيها من الاختصار.
والرابع: أن السرخسي (¬1) نصّ على أن المعتمد في الفساد هو قصد المشتري لا البائع، فقال بعد ذكر المسألة: «لا فساد في قصد البائع، فإن قصده التجارة بالتصرف فيما هو حلال لاكتساب الربح، وإنما المحرم والفساد في قصد المشتري اتخاذ الخمر منه».
والخامس: أن لا يمكن أن يقدم كتاب «الأشباه» في تحديد المذهب على متون المذهب وشروحه المعتمدة، فمعلوم أن اتفاق هذه الكتب جميعاً في بيان المذهب لا يمكن أن يعارض بمثل «الأشباه» و «السراج» و «الجوهرة»، والله أعلم وعلمه أحكم.
وأنبه على أن القصدَ المكروه الذي ذكره قاضي خان وتبعه فيه ابن نجيم هو أن يقصد بفعله نشر الخمر وشيوعه بين الناس لا أن يكون
¬
(¬1) في المبسوط 24: 3.
قصده من بيع العصير هو تحصيل المربح فحسب مع علمه بأن الذي يشتريه منه يتخذ من الخمر؛ إذ قال قاضي خان: وهو يعلم أن المشتري يتخذ العنب خمراً لا بأس به إذا كان قصده من البيع تحصيل الثمن، وإن كان قصده تحصيل الخمر يكره، والله أعلم
مسألة:
بيع العصير لمن لا يعلم أنه سيتخذه خمراً لم يكره بلا خلاف، كما صرح به ابن عابدين (¬1).
مسألة:
بيع العنب من المشتري الذي يعلم أنه سيتخذه خمراً لا يكره عند أبي حنيفة؛ لما مر في مسألة العصير، كما صرح به السرخسي (¬2)، والعيني (¬3)، وفي «المحيط»: بلا خلاف بينهم، لكن في «الخزانة» أنها على الخلاف (¬4).
¬
(¬1) في رد المحتار6: 391.
(¬2) في المبسوط 24: 3.
(¬3) في البناية5: 903.
(¬4) ينظر: رد المحتار6: 391، والهندية3: 210.
مسألة:
بيع الكرم ممن يتخذ الخمر من عينه جائز لا بأس به، كما صرّح به السرخسي (¬1)، وفي «المحيط»: بلا خلاف بينهم (¬2).
مسألة:
بيع الأرض ممن يغرس فيها كرماً ليتخذ من عنبه الخمر لا يكره عند أبي حنيفة، كما صرح به السرخسي (¬3).
مسألة:
بيع الخمر لا يجوز؛ كما صرّح به المرغيناني (¬4)، والبابرتي (¬5)، العيني (¬6)، وابن الهمام (¬7)، واللكنوي (¬8).
¬
(¬1) في المبسوط24: 3.
(¬2) ينظر: رد المحتار6: 391.
(¬3) في المبسوط24: 3.
(¬4) في الهداية6: 108.
(¬5) في العناية6: 108.
(¬6) في البناية5: 903.
(¬7) في فتح القدير6: 108.
(¬8) في عمدة الرعاية2: 385.
مسألة:
لو كان لمسلم على ذمي دين فباع الذمي خمراً وقضى دينه للمسلم من ثمنها جاز ولا يكره للمسلم أخذه؛ لأن بيعه لها مباح؛ أي البيع صحيح؛ لأنه مال متقوم في حق الكافر فيملكه البائع فيحل الأخذ منه، كما صرّح به العيني (¬1)، والحدادي (¬2)، وشيخي زاده (¬3)، والقاري (¬4).
مسألة:
لو كان الدين لمسلم على مسلم فباع المسلم خمراً وقضاه من ثمنها لم يجز له أخذه؛ لأن بيع المسلم للخمر لا يجوز، وهو باطل، فيكون الثمن حراماً؛ لأن الخمر ليس بمال متقوم في حق المسلم فبقي الثمن على ملك المشتري فلا يحل أخذه، كما صرّح به صاحب العيني (¬5)، والحدادي (¬6)، وشيخي زاده (¬7)، والقاري (¬8).
¬
(¬1) في البناية9: 339.
(¬2) في الجوهرة2: 287.
(¬3) في مجمع الأنهر2: 548.
(¬4) في فتح باب العناية3: 23.
(¬5) في البناية9: 339، ورمز الحقائق2: 272.
(¬6) في الجوهرة2: 287.
(¬7) في مجمع الأنهر2: 548.
(¬8) في فتح باب العناية3: 23.
مسألة:
حمل خمر ذمي بأجر لا يكره عند أبي حنيفة خلافا لهما، فيطيب له الأجر عنده، وعند أبي يوسف ومحمد لا أجر له، كذا ذكر في «الأصل»، وذكر محمد بن الحسن (¬1): «أنه يطيب له الأجر في قول أبي حنيفة، وعندهما يكره»، كما صرّح به السرخسي (¬2)، والكاساني (¬3)، والزيلعي (¬4)، والمرغيناني (¬5)، والعيني (¬6)، وملا خسرو (¬7)، والشرنبلالي (¬8)، والشلبي (¬9)، والبابرتي (¬10)، وملا مسكين (¬11)، والحصكفي (¬12).
وذكروا أن حجّتهم فيما ذهبوا إليه:
أولاً: أن هذه إجارة على المعصية؛ لأن حمل الخمر معصية لكونه
¬
(¬1) في الجامع الصغير484.
(¬2) في المبسوط16: 38.
(¬3) في البدائع 4: 190.
(¬4) في التبيين6: 29.
(¬5) في الهداية6: 165 - 167.
(¬6) في رمز الحقائق2: 273.
(¬7) في درر الحكام1: 320.
(¬8) في الشرنبلالية1: 320.
(¬9) في حاشية التبيين6: 29.
(¬10) في العناية10: 60.
(¬11) في شرح ملا مسكين ص302.
(¬12) في الدر المختار6: 391.
إعانة على المعصية، وقد قال الله - عز وجل -: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَان} (¬1).
ثانياً: ولأنه - صلى الله عليه وسلم -: (لعن في الخمر عشرة منها حاملها) (¬2).
وحجة أبي حنيفة فيما قال:
أولاً: أن الإجارة على الحمل، وهو ليس بمعصية، وليس بسبب للمعصية، وهو الشرب، وإنما تحصل المعصية بفعل فاعل مختار.
ثانياً: أن الحديث محمول على الحمل المقرون بقصد المعصية: أي وهو شرب الخمر.
¬
(¬1) المائدة: 2.
(¬2) روي من حديث ابن عمر وابن عباس وابن مسعود وأنس. فحديث ابن عمر: في المستدرك (2: 37)،.وسنن البيهقي الكبير (5: 327)، زسنن أبي داود (3: 326)، والمعجم الأوسط (8: 16)، ومسند أحمد (2: 97)، والمعجم الصغير (2: 45)، ومسند أبي يعلى (9: 431)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، وآكل ثمنها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه). وأما حديث أنس فروي في الأحاديث المختار (6: 181)، قال أبو عبد الله المقدسي: إسناده حسن. وفي سنن الترمذي (3: 589)، قال الترمذي: حديث غريب، وفي سنن ابن ماجة (2: 1122). وأما حديث ابن عباس ففي المستدرك (2: 37)، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ومسند عبد بن حميد (1: 229)، والمعجم الكبير (12: 233)، وموارد الظمآن (1: 333)، وغيرها. وينظر: نصب الراية (6: 166 - 168).
ثالثاً: لأن الشرب ليس من ضرورات الحمل؛ لأن حملَها قد يكون للإراقة أو للتخليل.
مسألة:
إذا أجر دابته لنقل الخمر لا يكره عنده على الخلاف السابق، كما صرّح به السرخسي (¬1)، والزيلعي (¬2)، والعيني (¬3)، والشرنبلالي (¬4)، وعبد الحليم (¬5).
مسألة:
إذا حمل الخمر في سفينته لا يكره، وهي على الخلاف، كما صرح به السرخسي (¬6) وعبد الحليم (¬7).
مسألة:
إذا استأجره لعصر العنب ليصنع منه الخمر لا يكره، كما صرّح
¬
(¬1) في المبسوط16: 39.
(¬2) في التبيين6: 29.
(¬3) في رمز الحقائق2: 273.
(¬4) في الشرنبلالية1: 320.
(¬5) في حاشيته على الدرر1: 203.
(¬6) في المبسوط16: 39.
(¬7) في حاشيته على الدرر1: 203.
الزيلعي (¬1)، والعيني (¬2)، ولكن الحصكفي (¬3) صرّح بالكراهة، فقال: لا عصرها لقيام المعصية بعينه، ورد الطحطاوي هذا الإطلاق منه (¬4)، فقال: «فيه منافاة ظاهرة لقوله سابقاً؛ لأن المعصية لا تقوم بعينه ـ أي عند ذكره لعصير العنب ـ».
ووافقه ابن عابدين (¬5)، وزاد: «وهو مناف أيضاً لما قدمناه عن الزَّيْلَعِيّ من جواز استئجاره لعصر العنب أو قطعه، ولعل المراد هنا عصر العنب على قصد الخمرية، فإن عين هذا الفعل معصية بهذا القصد؛ ولذا أعاد الضمير على الخمر مع أن العصر للعنب حقيقة فلا ينافي ما مر من جواز بيع العصير واستئجاره على عصر العنب هذا ما ظهر لي فتأمل».
قلت: يقدّمُ ما في «التبيين» للزيلعي و «رمز الحقائق» للعيني على ما في «الدر المختار» للحصكفي بوجوه:
الأول: أنه موافق لظاهر الرواية عن أبي حنيفة رضي الله عنه من جواز حمل الخمر؛ إذ في كل منهما لا تكون المعصية بعين الفعل؛ وإنما
¬
(¬1) في التبيين6: 29.
(¬2) في رمز الحقائق2: 273.
(¬3) في الدر المختار6: 392.
(¬4) في حاشيته على الدر 4: 197.
(¬5) في رد المحتار 6: 292.
يتخللها فعل فاعل مختار.
والثاني: أنه موافق لما ذكر الحصكفي قبلها عند ذكر مسألة جواز بيع العصير؛ وعللها بأن المعصية لا تقوم بعينه.
والثالث: رده كلامه من قبل الطحطاوي وابن عابدين للمخالفة لقوله ولما في الكتب.
والرابع: أن «التبيين» من الكتب المعتبرة في المذهب بخلاف «الدر المختار»، فإنه من الكتب غير المعتبر وإن حمل بعضه عدم اعتباره على اختصاره الشديد.
أما بالنسبة لقول ابن عابدين: ولعل المراد هنا عصر العنب على قصد الخمرية ... الخ. فهو محاولة منه لتوجيه قول الحصكفي في المسألة وحمله على أحد الروايات في المذهب، وهي ما سبق ذكره عن «فتاوى قاضي خان» بصيغة التضعيف في مسألة بيع عصير العنب، وعليه فيكون قصد الخمرية كما سبق ذكره هناك هو قصد نشر الخمر لا قصد تحصيل الربح من عصرها فحسب مع علمه بأنه سيتخذ خمراً والله أعلم.
مسألة:
إذا استأجره لقطع العنب ليجعله خمراً لا يكره، كما صرح الزيلعي (¬1)، والعيني (¬2).
¬
(¬1) في التبيين 6: 29.
(¬2) في رمز الحقائق2: 273.
مسألة:
أن يسقي ذمياً خمراً لا يجوز، كما صرح به المرغيناني (¬1)، والزيلعي (¬2)، وابن نجيم (¬3)، والشلبي (¬4)، قال محمد بن الحسن في «الأصل»: أفتكره للمسلم أن يسقي الذمي خمرا أو مسكراً؟ قال نعم؛ لأن هذا تصرف من المسلم في الخمر لا على سبيل التطهير فلا يحل؛ لأنه إعانة على المعصية قال تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَان} (¬5).
قلت: في هذه المسألة لم يفصل بين المعصية والفعل فعل فاعل مختار؛ لذلك استحقت الكراهة بخلاف أخواتها من المسائل.
خلاصة ما في هذا الفصل:
أن دلالة مسائله واضحة في أن ما قامت المعصية بعينه كالخمر يكره، وما لم تقم المعصية بعينه لا يكره، كبيع العصير ممن يتخذه خمراً أو قطع العنب أو عصره، أو حمل الخمر.
¬
(¬1) في الهداية10: 107.
(¬2) في التبيين6: 49.
(¬3) في البحر8: 247.
(¬4) في حاشية التبيين6: 49.
(¬5) المائدة: 2.
وبينوا أن ما لم تقم المعصية بعينه: أي ما تغير عن حالته بعد البيع بأن كان قابلاً لأن يستفاد منه في أشياء مباحة ومحرمة، لكن فعل الفاعل المختار، هو الذي اختار المحرمة، فانقطعت نسبته عن البائع أو الحامل أو الراعي.
* * *
الفصل الثالث
مسائل بيع المزامير
وما يتخذ منها
مسألة:
بيع المزامير يكره؛ لأن المعصية تقوم بعينها، كما صرح به الكاساني (¬1)، والمرغيناني (¬2)، والزيلعي (¬3)، وابن الهمام (¬4)، والبابرتي (¬5)، وفخر الإسلام في «شرح الجامع الصغير».
مسألة:
بيع ما يتخذ منه المزامير كالخشب والقصب وغيرهما لا يكره؛ لأنه إنما يصير معزفاً بفعل غيره، كما صرّح به الكاساني (¬6)،
¬
(¬1) في البدائع 5: 232، 7: 142.
(¬2) في الهداية4: 364.
(¬3) في التبيين 3: 297.
(¬4) في فتح القدير 5: 460 - 461، 6: 108.
(¬5) في العناية6: 108.
(¬6) في البدائع 5: 232، 7: 142.
والمرغيناني (¬1)، والعيني (¬2)، وابن الهمام (¬3)، والبابرتي (¬4)، واللكنوي (¬5)، وفخر الإسلام في «شرح الجامع الصغير».
مسألة:
بيع الملاهي يكره؛ لما سبق ذكره، كما صرّح به عبد الحليم (¬6).
خلاصة ما في الفصل:
كما في الفصل السابق بأن ما تقوم المعصية بعينه يكره كالمزامير والملاهي، وما لم تقم لا يكره كالخشب التي يتخذ منه المزامير؛ لأنه عينه ليست منكراً، وتوسط فاعل مختار.
* * *
¬
(¬1) في الهداية4: 364.
(¬2) في البناية5: 903، ورمز الحقائق1: 329,
(¬3) في فتح القدير5: 460 - 461، 6: 108.
(¬4) في العناية 6: 108.
(¬5) في عمدة الرعاية2: 385.
(¬6) في حاشيته على الدرر1: 203.
الفصل الرابع
مسائل بيع الجارية
والأمرد وغيرها
مسألة:
بيع الجارية لمن لا يستبرئها لا يكره، كما صرّح به الزيلعي (¬1)، والسرخسي (¬2)، والعيني (¬3).
مسألة:
بيع الجارية لمن يأتيها من دبرها لا يكره، كما صرّح به الزيلعي (¬4)، والسرخسي (¬5)، والعيني (¬6).
¬
(¬1) في التبيين6: 29.
(¬2) في المبسوط16: 39.
(¬3) في رمز الحقائق2: 273.
(¬4) في التبيين6: 29.
(¬5) في المبسوط16: 39.
(¬6) في رمز الحقائق2: 273.
مسألة:
بيع الغلام الأمرد من لوطي لا يكره، كما صرّح به الزيلعي (¬1)، والسرخسي (¬2)، والعيني (¬3)، لكن قال الولوالجي في (بيوع) «فتاواه»: رجل له عبد أمرد أراد أن يبيعه من فاسق يعلم أنه يعصي الله فيه غالباً يكره هذا البيع؛ لأنه إعانة على المعصية. وكتب ما نصُّه: ذكر في (باب بيوع أهل الذمة) من «المحيط»: المسلم الفاسق إذا اشترى عبداً أمرد، وكان ممن يعتاد اتباع الأمرد يجبرُ على بيعه دفعاً للفساد (¬4).
قال أبو السعود (¬5) بعد نقل كلام الولوالجي و «المحيط»، ومن هنا ظهر أن ما ذكره الولوالجي من كراهة بيع الأمر ممن يعصي فيه أشبه بمذهب الصاحبين وما ذكره الزيلعي من عدم الكراهة أشبه بمذهب الإمام لكن في قول الزيلعي: فهو كبيع الجارية .. الخ نظر؛ لأن ظاهر هذه العبارة أنهما يقولان بعدم الكراهة أيضاً وليس كذلك فلو أبدله بقوله وعلى هذا يجوز بيع الجارية ... الخ، أي عنده لكان أولى.
¬
(¬1) في التبيين6: 29.
(¬2) في المبسوط16: 39.
(¬3) في رمز الحقائق2: 273.
(¬4) ينظر: حاشية التبيين6: 29.
(¬5) في حاشيته على شرح ملا مسكين3: 406.
وفي «الخانية» (¬1): ويكره بيع الأمرد من فاسق يعلم أنه يعصي به؛ لأنه إعانة على المعصية، وكذا في «الخلاصة» (¬2)، وقال شيخي زاده (¬3) بعد أن ذكر عن الزيلعي (¬4) أن لا يكره: «وهذا صريح في جواز بيع الغلام من اللوطي، والمنقول في كثير من المعتبرات أنه يكره»، وقال الخادمي (¬5): «وكره بيع أمرد ممن يلوط به؛ لأن المعصية تقع بعينه».
قلت: هذه من المسائل التي حصل في اختلاف بين الكتب في الكراهة وعدمها، ويمكن التوفيق بينها أن من ذكر عدم الكراهية فقد خرَّجَها على قول الإمام، ومن ذكر الكراهة كصاحب «المبسوط» و «التبيين»، فقد خرجها على قول الصاحبين كقاضي خان والولوالجي وصاحب «المحيط»، وقد ذكر هذا التوفيق أبو السعود كما سبق.
ثمّ إن ما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى، فيكون ما في «المبسوط» و «التبيين» و «رمز الحقائق» مقدّمٌ على ما في غيرها من عدم الكراهة.
¬
(¬1) 2: 181.
(¬2) ينظر: البحر الرائق 5: 154 - 155.
(¬3) في مجمع الأنهر2: 529.
(¬4) في التبيين6: 29.
(¬5) في حاشية الخادمي ص156.
ويؤيد ما قلته: أن صاحب «المنح» بعد أن ذكر كلام الزيلعي والعيني وغيرهما قال: وهو صريح في جواز بيع الغلام من اللوطي، والمنقول في كثير من الفتاوى أنه يكره وهو الذي عولنا عليه في «المختصر» ـ أي «تنوير الأبصار» ـ. اهـ.
فردَّ ما قاله ابن عابدين (¬1).) بقوله: هو صريح أيضاً في أنه ليس مما تقوم المعصية بعينه، ولذا كان ما في الفتاوى مشكلاً كما مر عن «النهر» إذ لا فرق بين الغلام وبين البيت والعصير، فكان ينبغي للمصنف التعويل على ما ذكره الشراح فإنه مقدَّمٌ على ما في الفتاوى.
ثم إن عمر ابن نجيم (¬2) وفق بينهما بقوله: وعندي أن ما في «الخانية» محمول على كراهة التنزيه، والمنفي هو كراهة التحريم، وتابعه على ذلك الحصكفي (¬3).
ولكن رد هذا ابن عابدين (¬4) بقوله: هذا التوفيق غير ظاهر؛ لأنه قدَّم أن الأمرد مما تقوم المعصية بعينه وعلى مقتضى ما ذكره هنا يتعين أن تكون الكراهة فيه للتحريم فلا يصح حمل كلام الزيلعي وغيره على
¬
(¬1) في رد المحتار6: 392.
(¬2) في النهر3: 268.
(¬3) في الدر المختار6: 391.
(¬4) في رد المحتار6: 391.
التنزيه، وإنما مبنى كلام الزيلعي وغيره على أن الأمرد ليس مما تقوم المعصية بعينه كما يظهر من عبارته.
مسألة:
بيع الجارية المغنية لا يكره؛ لأنه ليس عينها منكراً وإنما المنكر في استعماله المحظور.
مسألة:
بيع الكبش النطوح لا يكره؛ لأنه ليس عينها منكراً وإنما المنكر في استعماله المحظور.
مسألة:
بيع الديك المقاتل لا يكره؛ لأنه ليس عينها منكراً وإنما المنكر في استعماله المحظور.
مسألة:
بيع الحمامة الطيارة لا يكره؛ لأنه ليس عينها منكراً وإنما المنكر في استعماله المحظور، كما صرّح بهذه المسائل الزيلعي (¬1)، والعيني (¬2)،
¬
(¬1) في التبيين3: 297.
(¬2) في رمز الحقائق1: 329.
وعمر ابن نجيم (¬1)، وأبو السعود (¬2).
قلت: هذه المسائل السبع مخرجة على قول أبي حنيفة من أن عينها ليست منكراً كالخمر والمزامير، وإنما يمكن الإفادة منها بأكثر من شيء، فالمنكر هو الاستعمال المحظور لها، إذ المقصود الأصلي منها ليس المعصية، فإن عين الجارية للخدمة مثلاً والغناء عارض، فلا معصية في بيعها وإنما تكون المعصية بفعل المشتري، وهو مختار بفعله، فتنقطع نسبته عن البائع.
* * *
¬
(¬1) في النهر الفائق3: 268.
(¬2) في حاشيته على ملا مسكين 3: 406.
الفصل الخامس
مسائل إجارة البيت
ليتخذه لبيت نار أو بيعة
أو كنسية وغيرها
مسألة:
إجارة بيت ليتخذه بيت نار ـ أي معبداً للمجوس ـ؛ أو بيعة ـ أي معبد لليهود ـ أو كنيسة ـ أي معبد للنصارى ـ أو يباع فيه خمر بالسواد لا يكره؛ وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: لا ينبغي أن يكريه لشيء من ذلك؛ لأنه إعانة على المعصية، وقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن الإجارة على منفعة البيت، ولهذا يجب الأجر بمجرد التسليم، ولا معصية فيه، وإنما المعصية بفعل المستأجر، وهو مختار فيه لقطع نسبته عنه، والدليل عليه أنه لو آجره للسكنى جاز، وهو لا بد له فيه من عبادته. وإنما قيده بالسواد؛ لأنهم لا يمكنون من إحداث المعبد، وإظهار بيع الخمور والخنازير في الأمصار لظهور شعائر الإسلام
فيها فلا يعارض بإظهار شعائر الكفر بخلاف السواد قالوا هذا في سواد الكوفة؛ لأن غالب أهلها أهل ذمة.
وأما في سواد غيرها فيه شعائر الإسلام ظاهرة فلا يمكنون فيها في الأصح، كما صرح به المرغيناني (¬1)، والسرخسي (¬2)، والزيلعي (¬3)، والعيني (¬4)، والزاهدي (¬5)، وملا مسكين (¬6)، والحصكفي (¬7)، وشيخي زاده (¬8)، وزاد عليها: ويكره في المصر إجماعاً وكذا في سواد غالب أهل الإسلام لما مر أن شعائر الإسلام فيه ظاهرة.
مسألة:
آجر نفسه ليعمل في الكنيسة ويعمرها لا بأس به ويطيب له الأجر عند أبي حنيفة، ويكره عندهما؛ لأنه لا معصية في عين العمل، كما صرح به العيني (¬9) ......................................................
¬
(¬1) في الهداية6: 165 - 166.
(¬2) في المبسوط 16: 38 - 39.
(¬3) في التبيين6: 29.
(¬4) في رمز الحقائق2: 273.
(¬5) في المجتبى ق357أ.
(¬6) في شرح الكنز ص302.
(¬7) في الدر المختار6: 391 - 292
(¬8) في مجمع الأنهر2: 529.
(¬9) في رمز الحقائق2: 273.
والحصكفي (¬1)، وأبو السعود (¬2)، والنحلاوي (¬3).
مسألة:
أجر نفسه ليرعى الخنازير، يطيب له الأجر عند أبي حنيفة، ويكره عندهما؛ لأنها مال متقوم في حقهم بمنزلة الشاة والبعير في حقنا، كما صرح به السرخسي (¬4)، والزيلعي (¬5)، والعيني (¬6)، وأبو السعود (¬7)، والشرنبلالي (¬8)، والنحلاوي (¬9).
* * *
¬
(¬1) في الدر المختار6: 391.
(¬2) في حاشيته على الكنز 3: 406.
(¬3) في الدرر المباحة ص81.
(¬4) في المبسوط16: 39.
(¬5) في التبيين6: 29.
(¬6) في رمز الحقائق2: 273.
(¬7) في ح3: 406.
(¬8) في الشرنبلالية1: 320.
(¬9) في الدرر المباحة ص81.
الفصل السادس
مسائل متفرقة
مسألة:
من يبيع ويشتري على الطريق ولم يضر قعوده للناس لسعة الطريق لا بأس به، وإن أضر بهم، فالمختار أنه لا يشترى منه؛ لأنه إذا لم يجد مشترياً لا يقعد فكان الشراء منه إعانة على المعصية (¬1).
مسألة:
بيع المُكَعَّب ـ أي الثوب المطويّ الشديد الإدراج (¬2) ـ المُفَضَّض ـ أي مُرَصَّع بالفضة (¬3) ـ للرجال إذا علم أنه يشتريه ليلبسه يكره؛ لأنه إعانة له على لبس الحرام (¬4).
¬
(¬1) ينظر: التبيين 6: 29 والبحر 8: 230، وفتاوى قاضي خان 2: 181، والهندية 3: 209 ورد المحتار 6: 392.
(¬2) ينظر: تاج العروس 4: 153.
(¬3) ينظر: مختار الصحاح 506.
(¬4) ينظر: البحر 8: 230 والتبيين6: 29، ومجمع الأنهر 2: 530، ورد المحتار 6: 392 عن المحيط، وفي الهندية 3: 209 عن الخلاصة.
مسألة:
لو أن إسكافياً أمره إنسان أن يتخذ له خفاً على زي المجوس أو الفسقة أو خياطاً أمره إنسان أن يخيط له قميصاً على زي الفسّاق يكره له أن يفعل ذلك (¬1).
قلت: الظاهر أن مسألتي المكعب المفضض واتخاذ الخف والقميص الكراهة فيهما أشبه بقول الصاحبين بخلاف أبي حنيفة، فإن عدم الكراهة أشبه بقوله؛ لأن المعصية ليست بعين المكعب المفضض؛ لأن عينه ليست منكراً؛ وإنما باستعمال المحظور، وأما في الخف والقميص، فإن عمله ليس بمعصية، وإنما المعصية بفعل فاعل مختار، فانقطع عنه، ويؤيد ما ذكرت في هذه المسألة بما يلي:
أولاً: في نسخة «المحيط» (¬2) التي عندي منقولة عن «واقعات الناطفي»، والمثبت فيها في مسالة الخف والقميص: له أن يفعل ذلك. ولم يذكر كراهة، وإن نبه المحقق في الهامش أنه في نسخة: فإني لا أرى أن يفعل ذلك. ثم ذكر مسألة المكعب بعدها، فقال: قالوا: وبيع المكعب المفضض من الرجال إذا علم أنه يلبس مكروه.
¬
(¬1) ينظر: البحر 8: 230 والتبيين6: 29، ومجمع الأنهر 2: 530، ورد المحتار 6: 392 عن المحيط.
(¬2) ص260.
وثانياً: أنه ذكر في «المحيط» (¬1): الإناء المضبب وكذلك الكرسي المضبب بالذهب والفضة لا بأس عليه عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - إذا لم يقعد على موضع الذهب، وكذلك جعل المصحف مذهباً أو مفضضاً لا بأس به عند أبي حنيفة وكره عند أبي يوسف، وقياس قول أبي حنيفة أن لا يكره في الثياب والسرج واللجام، وقول محمد مثل قول أبي يوسف.
ولأبي حنيفة: أن الأصل في المخلوقات إباحة الانتفاع بها، والحرمة لعارض، والنص ورد في تحريم الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة، فكل ما كان يشبه المنصوص عليه في الاستعمال يلحق بالمنصوص عليه، وما لا يشبه المنصوص عليه يبقى على أصل الإباحة، وهناك يتصل الذهب والفضة ببدنه وهنا لم يتصل ببدنه، فلم يكن نظير المنصوص عليه في الاستعمال.
فالحاصل أن أبا حنيفة على هذا الوجه اعتبر حرمان الاستعمال فيما يتصل ببدنه صورة، والثاني: أن هذا تابع فلا يكره، كالجبة المكفوفة بالحرير، والعلم في الثوب، وقياساً على لاشرب من يده على خنصره خاتم فضة، فإن ذلك لا يكره. انتهى.
فتبين من هذه المسألة أن لا كراهة عند أبي حنيفة في المكعب المفضض، فكيف يكره بيعه، والله أعلم وعلمه أحكم.
¬
(¬1) ص231.
مسألة:
بيع الزنانير من النصراني والقلنسوة من المجوسي لا يكره؛ لأن ذلك إذلال لهما (¬1).
مسألة:
بيع الأرض ممن يتخذها كنيسة لا بأس به (¬2).
مسألة:
رجل اشترى من التاجر شيئا هل يلزمه السؤال أنه حلال أم حرام، قالوا: ينظر إن كان في بلد وزمان كان الغالب فيه هو الحلال في أسواقهم ليس على المشتري أن يسأل أنه حلال أم حرام ويبنى الحكم على الظاهر، وإن كان الغالب هو الحرام، أو كان البائع رجلاً يبيع الحلال والحرام يحتاط ويسأل أنه حلال أم حرام (¬3).
مسألة:
لو أوصى باتخاذ الطعام للمأتم بعد وفاته ويطعم للذين يحضرون التعزية، قال الفقيه أبو جعفر: يجوز ذلك من الثلث، ويحل للذين يطول
¬
(¬1) ينظر: في التبيين6: 29 ورد المحتار 6: 392 عن المحيط، وفي الهندية 3: 209 عن الخلاصة.
(¬2) ينظر: في الهندية 3: 116 عن التتارخانية.
(¬3) ينظر: التبيين 6: 29 والبحر 8: 230، والهندية 3: 209 ورد المحتار 6: 392.
مقامهم عنده، وللذي يجيء من مكان بعيد، يستوي فيه الأغنياء والفقراء، ولا يجوز للذي لا يطول مسافته ولا مقامه، فإن فضل من الطعام شيء كثير يضمن الوصي وإن كان قليلا لا يضمن.
وعن الشيخ الإمام أبي بكر البلخي: رجل أوصى بأن يتخذ الطعام بعد موته للناس ثلاثة أيام، قالوا: الوصية باطلة. وعن أبي القاسم في حمل الطعام إلى أهل المصيبة والأكل عندهم، قال: حمل الطعام في الابتداء غير مكروه؛ لاشتغال أهل المصيبة بتجهيز الميت ونحوه، فأما حمل الطعام في اليوم الثالث لا يستحب؛ لأن في اليوم الثالث تجتمع النائحات فإطعامه في ذلك اليوم يكون إعانة على المعصية (¬1).
مسألة:
لا ينبغي للحلال أن يعين المحرم على قتل الصيد؛ لأن فعل المحرم معصية، والإعانة على المعصية معصية فقد سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المعين شريكاً، ولأن الواجب عليه أن يأمره بالمعروف، وينهاه عن التعرض للصيد، فإذا اشتغل بالإعانة فقد أتى بضد ما هو واجب عليه فكان عاصياً فيه، ولكن ليس عليه شيء سوى الاستغفار؛ لأن الاصطياد
¬
(¬1) ينظر: الهندية 6: 95، وبريقة محمدية 4: 270.
ليس بحرام عليه، إنما المحرم عليه الإعانة على المعصية، وذلك موجب للتوبة (¬1).
مسألة:
لا ينبغي للحلال أن يشتري الصيد من المحرم؛ لأن بيعه حرام على المحرم؛ ولأن في امتناعه عن الشراء زجراً للمحرم عن اصطياده، فإنه تقل رغبته في الاصطياد إذا علم أنه لا يشترى منه الصيد، وسواء أصاب المحرم الصيد عمداً أو خطأ فعليه الجزاء عندنا، وهو قول عمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم (¬2).
مسألة:
محرم استعار من محرم سكيناً؛ ليذبح بها صيداً فأعاره إيّاه فذبح الصيد، فلا جزاء على صاحب السكين ويكره له ذلك، أما الكراهة بالإعانة على المعصية بما أعطاه من الآلة.
وأما حكم الجزاء فأكثر مشايخنا يقولون تأويل هذه المسألة أنه إذا كان مع المحرم القاتل سلاح يقتل بذلك السلاح الصيد فحينئذ لا يلزم الجزاء على من أعطى السكين؛ لأنه وإن لم يعطه كان متمكناً من قتله فإذا لم يكن تمكنه بما أعطي لا يجب عليه الجزاء كما لا يجب الجزاء على الدال
¬
(¬1) ينظر: المبسوط 4: 96.
(¬2) ينظر: المبسوط 4: 96.
إذا كان للمدلول علم بمكان الصيد، فأما إذا لم يكن مع المحرم القاتل ما يقتل به الصيد ينبغي أن يجب الجزاء على هذا المعير؛ لأن التمكن من قتل الصيد كان بإعارته السكين.
وإلى هذا أشار في السير الكبير، والأصح عندي أنه لا يجب الجزاء على المعير للسكين على كل حال لوجهين:
أحدهما: أن الصيد مأخوذ المستعير قبل إعارة السكين منه، وكان قد تلف معنى الصيدية بأخذ المستعير إياه حكما وبقتله حقيقة، فأما إعارة السكين ليس بإتلاف معنى الصيدية عليه لا حقيقة، ولا حكماً بخلاف الدلالة، فإنه إتلاف لمعنى الصيدية من وجه حين أعلم بمكانه من لا يقدر الصيد على الامتناع منه فإن امتناع الصيد ممن يقدر على الامتناع منه يكون بجناحه ومن لا يقدر على الامتناع منه يكون بتواريه عن عينه فإذا أعلمه بمكانه صار متلفا معنى الصيدية حكماً.
والثاني: أن الإعارة تتصل بالسكين لا بالصيد فإنها صحيحة , وإن لم يكن هناك صيد، ولا يتعين استعماله في حق قتل الصيد بخلاف الإشارة إلى قتل الصيد، فإنّها متصلة بالصيد ليس فيها فائدة أخرى سوى ذلك، ولا يتم ذلك إلا بصيد هناك فلهذا يتعلق وجوب الجزاء بها (¬1).
¬
(¬1) ينظر: المبسوط 4: 190 - 191.
تنبيه:
أما قول عمر ابن نجيم (¬1): فيكره في الكل تنزيهاً ـ أي في كل ما ذكر أنه لا كراهة فيه من المسائل السابقة ـ، وهو الذي إليه تطمئن النفس؛ إذ لا شك أنه وإن لم يكن معيناً إلا أنه مسبب في الإعانة، ولم أر من تعرض لهذا والله الموفق.
قلت: ما ذكره ابن نجيم هو اجتهادٌ منه فحسب، ولم أر مَن تابعه أو وافقه عليه ممن جاء بعده، فيبقى ما في المذهب من الحكم على ما هو عليه.
* * *
¬
(¬1) في النهر3: 286.
الخاتمة:
اتضح من المسائل المذكورة أن ضابطَ الإعانة على الحرام على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، هو:
أن ما قامت المعصية بعينه فمكروه كبيع الخمر والمزاميز. ومعنى بعينه: أن عينه منكراً لا تقبل إلا الفعل المحظور.
وأن ما لم تقم المعصية بعينه فغير مكروه، ويطيب أجره، ومعنى ذلك أن عينه ليست منكراً، بأن المقصود الأصلي منها ليس المعصية، وإنما هي أمر عارض يحصل بفعل فاعل مختار فتنقطع نسبته عن البائع أو غيره.
أما في الأعمال فيكفي فيما لم تقم المعصية بعينه أن يتوسط فعل فاعل مختار، كما في رعي الخنازير وتعمير الكنيسة، والله ولي التوفيق.
* * *
المراجع:
1. الأحاديث المختارة لمحمد بن عبد الواحد المقدسي (ت643هـ)، ت: عبد الملك عبد الله، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط1، 1410هـ.
2. الاختيار لتعليل المختار لعبد الله بن محمود الموصلي الحنفي (ت683هـ). ت: زهير عثمان. دار الأرقم. بدون تاريخ طبع.
3. الأشباه والنظائر لزين الدين بن إبراهيم. ابن نجيم المصري (ت970هـ). ت: محمد مطيع الحافظ. دار الفكر. دمشق. ط2. 1403هـ.
4. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق لإبراهيم بن محمد ابن نجيم (ت970هـ). دار المعرفة. بيروت. بدون تاريخ طبع.
5. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، ط.2، 1402هـ.
6. تاج العروس من جواهر القاموس: للسيد محمد مرتضى الزُّبَيْدِيّ (ت1205هـ). طبعة الكويت.
7. تاريخ بغداد: لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب (393 - 463هـ). دار الكتب العلمية. بيروت.
8. تاريخ يحيى بن معين (ت 233هـ). ت: د. أحمد محمد. دار المأمون للتراث. دمشق. 1400هـ.
9. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق لعثمان بن علي الزيلعي، فخر الدين، المطبعة الأميرية بمصر، ط.1. 1313هـ.
10. التدوين في أخبار قزوين لعبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني. ت: عزيز الله العطاردي. دار الكتب العلمية. بيروت. 1987مـ.
11. تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرَّافِعِي الكبير لأحمد بن علي ابن حجر العَسْقَلاني (ت852هـ). ت: السيد عبد الله هاشم. 1384هـ. المدينة المنورة.
12. الجامع الصغير لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911هـ). مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده. ط3. 1377هـ. ضمن شرحه السراج المنير.
13. الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم التميمي (ت327هـ)، دار إحياء التراث، بيروت، ط1، 1372هـ.
14. الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري لأبي بكر بن علي بن محمد الحَدَّادِيّ (ت800هـ)، المطبعة الخيرية، ط1، 1322هـ.
15. حاشية الدرر على الغرر لمحمد بن مصطفى الخادمي. مطبعة عثمانية. در سعادت. 1310هـ.
16. حاشية الهداية لعبد الحي اللكنوي (ت1304هـ). ديوبند سهارنيور. 1401هـ.
17. الدر المختار شرح تنوير الأبصار لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ). مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار. دار إحياء التراث العربي. بيروت. وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
18. درر الحكام شرح غرر الأحكام لمحمد بن فرامُوز، ملا خسرو (ت885هـ). در سعادت. 1308هـ.
19. ردّ المحتار على الدر المختار لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين (ت1252هـ). دار إحياء التراث العربي. بيروت.
20. رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق لبدر الدين محمود بن أحمد العَيْنِي (ت855هـ). مطبعة وادي النيل. مصر. 1299هـ.
21. سنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (ت273هـ). ت: محمد فؤاد عبد الباقي. دار الفكر. بيروت.
22. سنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (ت273هـ). ت: محمد فؤاد عبد الباقي. دار الفكر. بيروت.
23. سنن أبي داود لسليمان بن أشعث السجستاني (ت275هـ).ت: محمد محيي الدين عبد الحميد. دار الفكر. بيروت.
24. سنن البَيْهَقِي الكبير لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ). ت: محمد عبد القادر عطا. 1414هـ. مكتبة دار الباز. مكة المكرمة.
25. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (ت279هـ)، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
26. سنن النَّسَائيّ الكبرى لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ). ت: د. عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن. ط1. 1411هـ. دار الكتب العلمية. بيروت.
27. السنن الواردة في الفتن لعثمان بن سعيد المقرئ الداني (ت444هـ). ت: د. ضياء الله المباركفوري. دار العاصمة. الرياض. ط.1. 1416هـ.
28. شرح النقاية لعبد الله بن محمَّد، أبو المكارم، (ت: بعد:907هـ). من مخطوطات مكتبة وزارة الأوقاف العراقية.
29. شرح الوقاية لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود (ت747هـ) ت: د. صلاح محمد أبو الحاج. رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية العلوم الإسلامية. جامعة بغداد. 2002م.
30. شرح ملا مسكين على كنْز الدقائق لمعين الدين الهروي المعروف بملا مسكين (ت954هـ). المطبعة الخيرية. مصر. 1324هـ.
31. صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ). ت: د. مصطفى البغا. ط3. 1407هـ. دار ابن كثير واليمامة. بيروت.
32. ضعفاء العقيلي لمحمد بن عمر العقيلي (ت322هـ). ت: د. عبد المعطي قلعجي. دار المكتبة العلمية. بيروت. ط1. 1404هـ.
33. عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر لبيري زاده، مخطوط، مكتبة الأوقاف العراقية.
34. العناية شرح الهداية لمحمد بن محمد البابرتي، دار الكتب العلمية.
35. غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر لأحمد بن محمد الحموي (ت1098هـ). دار الطباعة العامرة. مصر. 1290هـ.
36. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام المشهورة بـ الشرنبلالية لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ). در سعادت. 1308هـ.
37. الفتاوي الهندية للشيخ نظام الدين البرهانفوري والقاضي محمد حسين الجونفوري والشيخ علي أكبر الحسيني والشيخ حامد بن أبي الحامد الجونفوري وغيرهم. المطبعة الأميرية ببولاق. 1310هـ.
38. الفتاوي الهندية للشيخ نظام الدين البرهانفوري والقاضي محمد حسين الجونفوري والشيخ علي أكبر الحسيني والشيخ حامد بن أبي الحامد الجونفوري وغيرهم. المطبعة الأميرية ببولاق. 1310هـ.
39. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية لمحمد بن عبد الواحد ابن الهمام (ت861هـ). دار إحياء التراث العربي. بيروت. وأيضاً: طبعة دار الفكر.
40. فتح باب العناية بشرح النقاية لعلي بن سلطان محمد القاري (930 - 1014هـ). ت: محمد نزار وهيثم نزار. دار الأرقم. ط1. 1418هـ.
41. الكامل في ضعفاء الرجال عبد الله بن عدي أبو أحمد الجُرْجاني (ت365هـ). ت: يحيى مختار غزاوي. ط3. 1409هـ. دار الفكر. بيروت.
42. كشف الحقائق لعبد الحكيم الأفغاني. المطبعة الأدبية بمصر. ط1. 1318هـ.
43. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث لإسماعيل بن محمد العجلوني (ت1162هـ). ت: أحمد القلاش. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط.4. 1405هـ.
44. كنْز الدقائق لعبد الله بن أحمد النَّسَفِي (ت701هـ). طبع بالمطبعة الحميدية المصرية بالمناصرة بمصر. 1328هـ.
45. اللباب في شرح الكتاب لعبد الغني الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي (1222 - 1298هـ). ت: محمد محيي الدين عبد الحميد. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
46. لموسوعة الفقهية الكويتية لجماعة من العلماء، تصدرها وزارة الأوقاف الكويتية.
47. المبسوط لمحمد بن أبي سهل السرخسي. المتوفَّى بحدود (500هـ). 1406هـ. دار المعرفة. بيروت.
48. المجتبى من السنن لأحمد بن شعيب أبو عبد الله النسائي (ت303).ت: عبد الفتاح أبو غدة. مكتب المطبوعات الإسلامية. حلب. ط2. 1406.
49. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر لشيخِ زاده الرُّومي عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد (ت 1078هـ). دار الطباعة العامرة. 1316.
50. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لعلي بن أبي بكر الهيثمي (ت807هـ). 1407هـ. دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي. بيروت.
51. مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي. (ت666). ت: حمزة فتح الله. مؤسسة الرسالة. 1417هـ.
52. مختصر الطحاوي لأحمد بن محمد الطحاوي (ت321هـ). ت: أبو الوفاء الأفغاني. دار الكتاب العربي.
53. المستدرك علىلصحيحين لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ). ت: مصطفى عبد القادر. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1411هـ.
54. المستصفى شرح النافع لعبد الله بن أحمد النسفي (ت701هـ) من مخطوطات دار صدام برقم (9029).
55. مسند أبي يعلى لأحمد بن علي أبي يعلى الموصلي (ت307هـ). ت: حسين سليم أسد. دار المأمون للتراث. دمشق. ط.1. 1404هـ.
56. مسند أحمد بن حنبل لأحمد بن حنبل (ت241هـ). مؤسسة قرطبة. مصر.
57. مسند البَزَّار (البحر الزخار): لأبي بكر أحمد بن عمرو البَزَّار (ت292هـ).ت: د. محفوظ الرحمن. ط1. 1409هـ. مؤسسة علوم القرآن. مكتبة العلوم والحكم. بيروت. المدينة.
58. مسند الحميدي لعبد الله بن الزبير الحميدي (ت219هـ). ت: حبيب الرحمن الأعظمي. دار الكتب العلمية ودار المتنبي. بيروت والقاهرة.
59. المعجم الأوسط لسليمان بن أحمد الطبراني (ت360هـ). ت: طارق بن عوض الله. دار الحرمين. القاهرة. 1415هـ.
60. المعجم الصغير لسليمان بن أحمد الطَّبَرَانِي (ت360هـ).ت: عمر شكور محمود. ط1. 1405هـ المكتب الإسلامي. دار عمار. بيروت. عمان.
61. المعجم الكبير لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (ت360هـ).ت: حمدي السلفي. ط2. 1404هـ مكتبة العلوم والحكم. الموصل.
62. المغني شرح الخرقي لعبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت620هـ)، دار الفكر، بيروت.
63. مقدِّمة عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية لعبد الحي اللكنوي (ت1304هـ). المطبع المجتبائي. دهلي. 1340هـ.
64. ملتقى الأبحر لإبراهيم الحلبي، مطبعة علي بك، 1291هـ. وأيضاً: طبعة: ت: الشيخ وهبي سليمان غاوجي الألباني، مؤسسة الرسالة، ط1،1409هـ.
65. موارد الظمآن لعلي بن أبي بكر الهيثمي (ت807هـ)، ت: محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية، بيروت.
66. نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية لعبد الله بن يوسف الزَّيْلَعِي (ت762هـ). ت: محمد يوسف البنوري. دار الحديث. مصر. 1357هـ.
67. النهر الفائق شرح كنْز الدقائق لعمر بن إبراهيم ابن نجيم الحنفي (ت1005هـ). ت. أحمد عزو عناية. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1422هـ.
68. الهداية شرح بداية المبتدي لعلي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ). مطبعة مصطفى البابي. الطبعة الأخيرة.
* * *