حكم حديث الآحاد ...............
..... فيما تعم به البلوى عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
حكم حديث الآحاد ...............
..... فيما تعم به البلوى عند الحنفية
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
حكم حديث الآحاد
فيما تعم به البلوى عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة المدونة التابعة لمجمع الفقه الإسلامي بالهند.
ملخص البحث:
تكلَّمتُ عن قضيةٍ تتكرَّرَ كثيراً لاسيما في كتب السَّادة الحنفية عند ذكرهم لبعض الأحاديث التي يتركون العمل بها فيعلِّلون ذلك بأنَّه حديث آحاد ورد في عموم البلوى، فبيَّنت المقصود بحديث الآحاد، وبيَّنت إجماعَ الحنفية على العمل به، ثُمَّ وضحت المقصود بعموم البلوى ووجه اعتباره علّةً في رَدِّ حديث الآحادِ والخلاف بين الحنفية فيه، وأنَّ تركَهم حديثاً لعموم البلوى هو اجتهادٌ منهم في الاعتذار عن بعضِ الأحاديث التي لم يعملوا بها؛ لكونه معلولاً في نظرهم بسبب الشَّكِّ في صحّة مخرج الحديث؛ لترك كبار الصَّحابة - رضي الله عنهم - والتَّابعين العمل به رغم حاجتهم له؛ لورودِه في أمر يكثر وقوعه بطريق الآحاد؛ إذ عدم إعلامه من النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لجمع كبيرٍ وعدم انتشاره بين الصَّحابة - رضي الله عنهم - وعدم قَبول التَّابعين له مع مسيسِ الحاجة إليه مَدعاةٌ للرَّيب في ثبوته، ويشهد لهذا فعل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والصَّحابة - رضي الله عنهم - والتّابعين والمعقول كما فَصَّلته، ثُمَّ عرضت تطبيقات عمليّة من كتب الحنفية في رَدِّهم لآثار بسببِ وجودِ هذه العلَّة فيها، واستطردتُ فيها بذكر أَحاديث عديدة اعتذر السَّادة الحنفيةُ عن العمل بها؛ لمجيئها في عمومِ بلوى مع ذكر طرفٍ من مناقشاتِهم لها.
The Ruling of a Sunna Related by a Single Narration
and Regarding a General Necessity
Research Summary:
I speak in this paper on an issue that has been constantly repeated, especially in the books of the Hanafi school's scholars. First, I clarify their consensus normally on acting upon single-chain narrations. Afterwards, I explain that they disregard certain narrations despite their relation to a general necessity. Their reasoning is that there is doubt in the soundness of the narration's chain, for even the Companions - رضي الله عنهم - and Followers did not act upon these narrations despite their apparent need for them - as they are narrations that regard issues that happen frequently, but they only have one chain. That the Prophet - صلى الله عليه وسلم - did not inform a larger group of people, that the Companions - رضي الله عنهم - did not
spread these narrations, and that the Followers did not accept them despite their need of them all lead to doubt in the soundness of these narrations. I also include an applied section, in which I mention and discuss a number of examples of this type of narration, namely, that which the Hanafis did not act upon because of their relation to general necessities.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمدُ لله والصّلاةُ والسلامُ على رسولِ الله وعلى آله وصحبه أَجمعين، وبعد:
في بحثنا هذا نُسَلِّطُ النَّظرَ على وجهٍ من وجوهِ المعاني التي اعتبرها الفقهاءُ عند الاحتجاج بالحديث، وهو ورود حديث آحادٍ فيما تعمُّ به البلوى: أي ورد في موضع يَحتاج النَّاسُ إليه كثيراً في حياتهم، سواء في عصرِ الصحابةِ - رضي الله عنهم - أو التَّابعين، ومع ذلك لم تشتهر روايتُه ولا شاع بين العلماء والعامّة، وإنَّما بقيت روايتُه بين أفرادِ من الرّواة.
فحاجةُ النَّاس له تقتضي أن يَسأل العوامُّ ويجيب العلماء بحكم الله - جل جلاله - المُبَيَّن في سنّةِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، ومن ثمَّ ينتشر بينهم؛ لحرصهم على التزام دينهم في حياتهم، لاسيما عصر الصَّحابة - رضي الله عنهم - وسلف هذه الأمة، فخفاؤه على العلماء مع جدِّهم واجتهادهم المنقطع النظير في معرفةِ كلِّ شاردةٍ وواردةٍ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لهو علّةٌ ظاهرةٌ في الشكِّ في ثبوتِهِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عند الفقهاء.
وعلّةٌ أُخرى للطَّعن فيه في نظر الحنفيّة هو سكوتُ مَن عندهم علمٌ بهذا الحديث عن نشره بين العلماء والعامّة مع ظهورِ الحاجة له.
وعدمُ إشاعة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - له بين المسلمين مع أَمر الله - جل جلاله - بالتبليغ، لهو برهانٌ ساطع على عدم صحّة مخرجه، ومَدعاةٌ للرَّيب في اعتمادِ هذا الحديث للعمل عند فقهاء الحنفيّة.
وسبب اختياري لهذا الموضوع للبحث: هو تكرارَ هذه القضية كثيراً في كتبِ الحنفيّة وكونها أَصلاً كبيراً عندهم بحيث ترتَّب عليه خلافٌ كبيرٌ بين الحنفية وغيرهم في كثيرٍ من المسائل الفرعيّة ممَّا دفعني للبحث فيها من أجل أن أُبيِّن أنَّها أحدُ الوجوهِ التي اعتذر بها الفقهاءُ عن العملِ ببعض الأحاديث، ووجهها قويٌّ لمَن تفكَّر به؛ حتى كاد أن يكون الخلاف المذكور بين الحنفية في اعتبار هذ الوجه وعدمه نظرياً؛ لإطباق كتبهم على ذكرِه والاعتماد عليه.
فالاهتمام بالمعنى كما هو الحال في هذا الأصل هو الطَّريقَ الذي سلكه السَّادةُ الفقهاء في تعاملِهم مع الأحاديث، وعدم الاقتصار في اعتمادِها وتصحيحِها على الرِّجال فحسب، وهو طريقُ بديعٌ ورائع، وهذا ما بَنَى عليه الإمامُ الطحاويُّ كتابه العظيم: «شرح معاني الآثار»؛ إذ كان يُراعي المعنى، ويختم عامّة أبوابه بعد المناقشة الحديثية للمسألة
بقوله: «فهذا وجهُ هذا الباب من طريقِ تصحيحِ معاني الآثار» (¬1)، فصَرَّحَ أنَّ تصحيحَه واعتبارَه هو للمعنى الوارد في الأحاديث.
وإنَّ المشكلةَ التي تتصدَّى لها هذه الدراسة تتمثَّل في الإجابة على سؤالٍ رئيسيّ، وهو:
هل هنالك وجهٌ لاعتبار الحنفيّة عموم البلوى علّةً في رَدِّ حديث الآحادِ؟
ويتفرَّع عنه أسئلة فرعية:
1. هل يوجد خلاف حقيقي بين الحنفية في اعتبار عموم البلوى علّةً في رَدِّ حديث الآحادِ؟
2. هل يعتبر عدم انتشار حكم بين الصحابة - رضي الله عنهم - مع مسيسِ الحاجة إليه مدعاة للريب في ثبوته؟
3. هل تعتبر الطَّريق التي سلكها الفقهاء في قَبول الأخبار هي الطريقُ الأمثلُ؟
4. هل العادةَ تقتضي استفاضةُ نقل ما يَعُمُّ به البلوى؟
¬
(¬1) الطحاوي، شرح معاني الآثار: 1: 45، 48، 123،136،165، 166،237،256، 277، 351.
واعتمدت في بحثي المنهج التَّاريخي والاستقرائي والتَّحليلي؛ لتجلية فكرة السَّادة الحنفية بإسقاط الاعتبار بحديث الآحاد الوارد في عموم البلوى.
ومن الدراسات السابقة في هذا الموضوع بحث بعنوان: «خبر الآحاد فيما تعم به البلوى» للدكتور عبد الرحمن بن محمد القرني، منشورٌ على النّت، تعرَّض فيه لذكر ثمرة الاختلاف بين الحنفية والجمهور في هذه المسألة، وهذا مختلفٌ عن بحثنا الذي يعتني بتحرير خبر الآحاد عند الحنفية وتطبيقاته عندهم.
وقسمتُ البحث لتحقيق غايته إلى ثلاثة مطالب وخاتمة:
المطلب الأوّل: حديث الآحاد وحجيّته عند الحنفيّة.
المطلب الثاني: اعتبار عموم البلوى عِلّةً.
المطلب الثالث: تطبيقاتٌ ردّ الآحاد فيما تعمُّ به البلوى عند الحنفية.
الخاتمة: وتشتمل على أبرز النتائج التي توصلت إليها في هذه الدراسة.
وأسأل الله الكريم أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
المطلب الأوّل: حديث الآحاد وحجيته عند الحنفيّة:
أوّلاً: تعريفه اصطلاحاً:
هو كلُّ خبرٍ يرويه الواحدُ أو الاثنان فصاعداً لا عبرةَ للعدد فيه بعد أن يكون دون المشهور والمتواتر (¬1).
ثانياً: حُجيّته:
حديث الآحاد يفيد غلبة الظنّ بمدلوله، لا اليقين ولا الطمأنينة، وهي كافيةٌ في وجوبِ العمل دون العلم القطعيّ؛ بدليل:
1. قال - جل جلاله -: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} التوبة: 122، ووجه الدلالة: أن الطائفةَ: الواحد والاثنين فأكثر، فهذا يوجب العمل بخبر الواحد أو الاثنين، وإذا أَوجب ههنا أوجب مطلقاً (¬2).
2. عن أنس - رضي الله عنه -: «إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتي بلحم تُصُدِّقَ به على بريرة رضي الله عنها، فقال: هو عليها صدقة، وهو لنا هدية» (¬3)، فوجه دلالته: قبول - صلى الله عليه وسلم - خبر بريرة رضي الله عنها في الصدقة، وهو خبر آحاد، وكذلك كان يُرسل الأفراد من أصحابِه - رضي الله عنهم - إلى الآفاق لتبليغ الأحكام وإيجاب قبولها
¬
(¬1) ينظر: البزدوي، أصول، 2: 370، والنسفي، المنار، 2: 619 - 620.
(¬2) ينظر: ابن ملك، شرح المنار، 2: 620، والحصكفي، إفاضة الأنوار، ص178.
(¬3) في البخاري، الصحيح، 2: 543، واللفظ له، ومسلم، الصحيح، 2: 755.
على الأنام، كما حَصَلَ عند بعث معاذٍ وعليٍّ - رضي الله عنهم - لليمن، فلو لم يكن خبرُ الواحدِ موجباً للعلم لَمَا بعثهم (¬1).
3. إنَّ الصحابةَ - رضي الله عنهم - أَجمعوا على قَبول خبر الواحد في العمل، كما حصل مع سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - عندما احتجَّ على الأنصار بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الأئمة من قريش» (¬2)، فقبلوه من غير إنكار، وعلى هذا جرت سنة التابعين، وأَجمعوا على قَبول خبر الواحد في أمور الدين مثل: الإخبار بطهارة الماء ونجاسته.
4. إنَّ المتواترَ لا يوجد في كلِّ حادثةٍ، فلو رُدَّ خبرُ الواحد لتعطَّلَت الأحكام (¬3).
وبهذا يَتَبيَّن تحقُّق الإجماع في قَبول آخبار الآحاد في بناء الأحكام والاعتماد عليها، وإنَّما مناقشة الحنفية في قضية أُخرى، وهي اعتبارُ عموم البلوى من العلِّل التي تعتمدُ في رَدِّ الأحاديث وقَبولها فحسب، وهي مسألةٌ اجتهاديةٌ خاضعةٌ للنَّظر، مَشَى عليها عامّةُ الحنفيّة - رضي الله عنهم - ـ كما سنعرضه في المطلب الآتي ـ.
¬
(¬1) ينظر: الرهاوي، الحاشية على ابن ملك، 2: 621.
(¬2) في أحمد، المسند،3: 129، وصححه الأرنؤوط، والحاكم، المستدرك، 4: 85.
(¬3) ينظر: ابن ملك، شرح المنار، 2: 621، والكوراني، شرح على نظم مختصر المنار، ص82.
المطلب الثاني: اعتبار عموم البلوى عِلّةً:
أَعرض فيه ما يتعلَّقَ بتوضيحِ عموم البلوى واعتمادها والخلاف فيها عند الحنفية في النُّقاط الآتية:
أولاً: بيان المراد بمصطلح عموم البلوى:
إنَّ معنى اصطلاح الحادثة المشتهرة أو ما يعمّ به البلوى: هو ما تمسُّ الحاجةُ إليه في عمومِ الأحوال (¬1)، أو يحتاج إليه الكلُّ حاجةً متأكدةً مع كثرةِ تكرُّرِه (¬2).
وذلك بأن يكون وَرَدَ حديثُ آحادٍ فيما اشتهر من الحوادث وعَمّ به البلوى، بأن لم ينتشر في الصدرِ الأوّل والثاني؛ لأنَّهم لا يتهمون بالتقصير في متابعةِ السنة، فإذا لم يشتهر الخبر في القرنين مع شدّةِ الحاجةِ وعمومِ البلوى كان ذلك علامةَ عدمِ صحَّتِه.
فما كان من أحكام الشريعة بالناس حاجةٌ إلى معرفتِهِ فسبيلُ ثبوته الاستفاضة والخبر الموجب للعلم، وغيرُ جائز إثباتُ مثلِهِ بأخبارِ الآحاد، نحو: إيجاب الوضوء من مسِّ الذكر، ومسِّ المرأة، والوضوءِ ممَّا مَسَّت النار، والوضوءِ مع عدم تسمية الله عليه، ولَمّا كانت البلوى عامّةٌ من كافّة الناس بهذه الأمور ونظائرها, فغيرُ جائز أن يكون فيه حكم الله
¬
(¬1) ينظر: علاء الدين البخاري، كشف الأسرار، 3: 17.
(¬2) ينظر: ابن أمير حاج، التقرير والتحبير، 2: 296.
- عز وجل - من طريق التوقيف إلاَّ وقد بلَّغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ووَقَفَ الكافةُ عليه, وإذا عَرَفته الكافةُ، فغيرُ جائزٍ عليها تركُ النقلِ والاقتصار على ما ينقله الواحد منهم بعد الواحد; لأنَّهم مأمورون بنقله, وهم الحجّةُ على ذلك المنقول إليهم, وغيرُ جائز لها تضييع موضع الحجّة، فعلمنا بذلك أنَّه لم يكن من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - توقيفٌ في هذه الأُمور ونظائرها (¬1).
قال الكوثريُّ (¬2): «وهذا إذا توفَّرت الدّواعي إلى نقلِها بطريقِ الاستفاضة، حيث يَعدُّون ذلك ممَّا تُكذِّبُه شواهدُ الحال، واشتراط شهرة الخبر عند طوائف الفقهاء»، وقال سبطُ ابنُ الجوزي (¬3): «إنَّ خبرَ الواحد فيما تعمّ به البلوى ليس بحجَّةٍ عند الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -».
ثانياً: اعتبار عموم البلوى علّة في ردِّ حديث الآحاد:
معلومٌ أَنَّ تصحيحَ الأحاديث وتضعيفَها مسألةٌ اجتهاديةٌ خاضعةٌ لنظرِ المجتهدِ فيما يعتبر من شروط وقواعد وأُصول، كاشتراط البُخاريِّ اللقيا ومخالفة تلميذه مسلمٌ له في الاكتفاء بالمعاصرة، وهكذا.
وإنَّ للسادة الحنفية أُصولاً اعتمدوها في قَبولهم للأخبار: كعدم مخالفةِ القرآن أو المتواتر أو المشهور أو روايته فيما تعمّ به البلوى أو
¬
(¬1) ينظر: الجصاص، أحكام القرآن، 1: 282.
(¬2) الكوثري، مقدمة نصب الراية، ص299.
(¬3) سبط ابن الجوزي، الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح، ص11.
غيرها، قال عيسى بن أبان: «إنَّ خبرَ الواحد يُرَدُّ لمعارضةِ السنة الثابتة إيّاه أو أن يتعلّق القرآن بخلافه فيما لا يَحتمل المعاني، أو يكون من الأُمور العامّة فيجيءُ خبرٌ خاصٌّ لا تعرفُه العامّة، أو يكون شاذّاً قد رواه الناسُ وعملوا بخلافه» (¬1).
وما نحن بصدده هو اعتبارُهم لشرطِ عدم ورود حديث الآحاد فيما تعمَّ به البلوى، إذ يكون سبباً لردِّه وتركِه، قال الجصاصُ (¬2): «إنَّ لنا أَصلاً في قَبول الأَخبار وشرائط نعتبرها فيه متى خرج الخبر عنها لم نقبله، وهو أنَّ ما كان بالناس إلى معرفتِهِ حاجةٌ عامّة، فغيرُ جائز ورودُه من جهةِ الآحاد».
وهذا الاشتراط من الحنفية لا يعني القطع بوروده متواتراً عند عموم الحاجة، وإنَّما مدار الأمر على الظنِّ والاجتهاد، فعدمُ اشتهاره بين العلماءِ والعامّة مع شدّةِ الضرورة إليه، يورث شبهة في حاله تمنعُهم من إثبات الفرضيه به والاقتصار على إثبات السنيّة والاستحباب به، قال علاء الدين البُخاريُّ (¬3): «لم ندع الاشتهار عند عموم البلوى قطعاً بل ادّعيناه ظاهراً، وكذا الصحابة - رضي الله عنهم - إنَّما عملوا بخبر الواحد في تلك
¬
(¬1) ينظر: الجصاص، فصول الأصول، 2: 111.
(¬2) الجصاص، الفصول، 1: 402.
(¬3) علاء الدين البخاري، كشف الأسرار، 3: 17.
الحوادث لقرائن اختصّت به أو لصيرورته مشهوراً عند بلوغه إيّاهم».
فإنَّ خبر الآحاد إذا ورد في غير الوجوب والحظر: كالمسنون والمباح ونحوهما، فإنَّه يكون مقبولاً عند الحنفية، قال الجَصَّاص (¬1): «وأما مجيئه فيما تعم البلوى به فإنَّما كان علّة لرده من توقيفٍ من النبي - صلى الله عليه وسلم - الكافَّةَ على حكمه فيما كان فيه إيجابٌ أو حظر»، وقال ابن الهمام (¬2): «خبر الواحد فيما تعم به البلوى ... لا يثبت به وجوب دون اشتهار أو تلقي الأمة بالقبول عند عامة الحنفية».
فطالما أنَّ طريقَ إثبات خبر الآحاد والعمل بموجبه الاجتهاد، فيجوز رَدُّ أحاديث الآحاد لأسبابٍ اجتهادية إذا كان طريقُ قَبولها من رواةٍ معيَّنين هو الاجتهادُ وغالبُ الظنّ بإحسان الظنِّ بهم، قال عيسى بن أبان: «وَرَدُّ أَخبارُ الآحادِ لعللٍ عليه عملُ الناس, وهو مذهب الأئمة من الصحابة - رضي الله عنهم - ... وهذا مذهب التابعين ومَن بعدهم في قَبول أَخبار الآحاد وردِّها بالعلل ... ، فهو مذهبُ السلف» (¬3).
ومن هذه العلل عموم البلوى، قال البَزْدَويُّ (¬4): «إذا اشتهرت
¬
(¬1) الجصاص، فصول الأصول،2: 115.
(¬2) ابن الهمام، التحرير في أصول الفقه، ص350.
(¬3) الجصاص، فصول الأصول، 2: 110.
(¬4) البزدوي، الأصول،3: 17.
حادثة ـ بأن كان للناس حاجة ـ وخَفِي الحديث، كان ذلك دلالة على السهو; لأنَّ الحادثةَ إذا اشتهرت استحالَ أن يَخفى عليهم ما يثبت به حكم الحادثة ... ، فإذا شَذَّ الحديثُ مع اشتهار الحادثة كان ذلك زيافةً وانقطاعاً».
ثالثاً: اختلاف فقهاء الحنفية في اعتبار عموم البلوى:
رغم كلِّ ما سبق من النَّقل عن أئمة الحنفية في اعتبار عُموم البلوى علّةً لردِّ حديث الآحاد، إلا أَنَّ في المسألة خلافاً بين علماء الحنفية، فنُسِب للكَرخيِّ القولُ بأنَّ خبرَ الواحد إذا وَرَدَ موجباً للعمل فيما يَعمُّ به البَلوى لا يُقبل,، وهو مُختار المتأخرين.
وأمّا عند عامّةِ الأُصوليين: فخبرُ الواحد فيما تعمُّ به البلوى مقبول إذا صَحّ سندُه (¬1)، وهذا هو مذهب الشافعيّة; لأنَّ كلَّ ما نقله العدل وَصِدْقُه فيه ممكنٌ وَجَبَ تصديقُه, فمسُّ الذَّكَر مثلاً نقله العدل وَصِدْقُه فيه ممكنٌ، فإنّا لا نقطع بكذب ناقله ... , فما تعمّ به البلوى لا نقطع بكذب خبر الواحد فيه (¬2).
¬
(¬1) ينظر: علاء الدين البخاري، كشف الأسرار،3: 17، وابن أمير الحاج، التقرير والتحبير، 2: 296ـ297.
(¬2) ينظر: الغزالي، المستصفى، ص136.
ألا ترى أنَّ القياس يُقبل فيه مع أنَّه أضعف من خبر الواحد، فلأن يُقبل فيه الخبر كان أَولى.
وأجيب: إنَّ عدم شهرته يُعارض ظنَّ الصدق، فلا يحصل الظنّ مع المعارض، بخلاف القياس; لأنَّه لا مُعارض له، وذلك ـ أي شذوذ الحديث مع اشتهار الحادثة ـ مثل: حديث الجهر بالتَّسمية ... وهو معارضٌ أيضاً بأحاديث أَقوى منه في الصِّحَّة دالّةٌ على خلافه، فلم يعمل به (¬1).
ولكن يؤخذ على هذا الخلاف المذكور عند الحنفيّة أنَّه مُخالف لَمّا هو شائعٌ في كتبهم ـ كما سيأتي في المطلب الأَخير للتَّطبيقات في عموم البلوى ـ؛ إذ عند مناقشتهم للعديد من الأحاديث اعتبروا علّة عموم البلوى، ولعلَّ محمل هذا: أَنَّ المسألةَ اجتهاديةٌ في التَّدليلِ على قولِ إمام المذهب - رضي الله عنه - بما وَرَدَ من الأحاديث وتأويل ما يُخالفُها؛ لذا نَجِد أنَّهم يستدلُّون بأدلّة أُخرى على صحّةِ قول المجتهد، ويذكرون وجوهاً متعدِّدة في سببِ تركه لأحاديث أُخرى ويكون منها عموم البلوى، فهو وجهٌ من وجوهِ الاعتذار عن الإمام في عدم العمل ببعض الأحاديث، فيُمكن أن يكون صحيحاً في نفسه ويُمكن أن يكون السبب شيئاً آخر.
¬
(¬1) ينظر: علاء الدين البخاري، كشف الأسرار، 1: 17.
وعرضنا له في البحث؛ ليتبَيِّن أنَّه من الوجوهِ التي اعتذر بها الفقهاءُ عن العملِ ببعض الأحاديث، وأنَّه له وجهاً مُعتبراً عندهم؛ لذا يكاد أن يكون الخلاف المذكور بين الحنفية في اعتباره نظرياً؛ لإطباق كتبهم على ذكرِه والاعتماد عليه، ونسبة القول به للكرخيِّ مَحلُّ نظرٍ لنقلِهِ عن عيسى ابنِ أبان والجصاصِ وغيرِهم من أكابرِ علماءِ الحنفيةِ المتقدِّمين ـ كما سَبَق ـ واللهُ أَعلم.
رابعاً: الحجّةُ على اعتبارِ عمومِ البلوى علّةً لردِّ الآحاد:
1. قوله - جل جلاله -: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} الإسراء: 36، وقوله - عز وجل -: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة: 169، وقوله - عز وجل -: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} الزخرف: 86، وقوله - جل جلاله -: {وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} النساء: 171، ووجه الدلالة: أنَّ خبر الواحد لا يوجب العلم، فانتفى قبوله بظاهر هذه الآيات، وقال - جل جلاله -: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} النجم: 28 (¬1).
2. قوله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} المائدة: 67، ووجه الدلالة: أَنَّ كلَّ ما كان من الأحكام بالنّاس إليه حاجةٌ عامّة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد بلغه الكافّة، وأنَّ وروده ينبغي أن يكون من طريق التواتر والشهرة؛ لعموم البلوى بها، فإذا لم نجد ما كان
¬
(¬1) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، 3: 89. ()
منها بهذه المنزلة وارداً من طريق التواتر عَلِمنا أنَّ الخبرَ غيرُ ثابت في الأصل، أو تأويله ومعناه غير ما اقتضاه ظاهرُه من نحو الوضوء الذي هو غسلُ اليد دون وضوء الحدث (¬1).
3. إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر على خبرِ ذي اليدين، بل سأل الناس؛ لأنَّه يمتنعُ في العادةِ أن يَخْتَصَّ هو بعلمِ ذلك من بين الجماعة ... (¬2)؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أَقُصِرَت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كلُّ ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعضُ ذلك يا رسول الله، فأَقْبَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على النّاس، فقال: أَصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، فأَتمَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بَقِي من الصلاةِ ثُمَّ سَجَدَ سجدتين، وهو جالس بعد التسليم» (¬3).
4. إنَّ عمر - رضي الله عنه - رَدَّ حديث أبي موسى - رضي الله عنه - في الاستئذان ثلاثاً؛ لأنَّه ممَّا تَعُمُّ به البَلوى, وهو في كتاب الله - عز وجل -، قال الله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} النور: 27، فاستنكر عمر - رضي الله عنه - انفراد أبي موسى - رضي الله عنه - بمعرفة تحديد الاستئذان بالثلاث
¬
(¬1) ينظر: الجصاص، أحكام القرآن،2: 631.
(¬2) ينظر: الجصاص، الفصول،2: 111.
(¬3) في مسلم، الصحيح، 1: 404، ومالك، الموطأ، 2: 128.
دون الكافّة مع عموم الحاجة إليه؛ فعن سعيد الخدري - رضي الله عنه -، يقول: «كنا في مجلس عند أُبي بن كعب - رضي الله عنه - فأتى أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - مغضباً حتى وقف، فقال: أنشدكم الله هل سمع أحدٌ منكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع، قال أُبي - رضي الله عنه -: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمس ثلاث مرّات فلم يُؤْذن لي فرجعت ثمَّ جئته اليوم فدخلت عليه فأخبرته أني جئت أمس فسلمت ثلاثاً ثُمَّ انصرفت، قال: قد سمعناك ونحن حينئذٍ على شغل فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك؟ قال: استأذنت كما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمَن يشهد لك على هذا، فقال أُبي بن كعب - رضي الله عنه -: فوالله لا يقوم معك إلا أَحدثنا سناً، قم يا أبا سعيد، فقمت حتى أتيت عمر - رضي الله عنه -، فقلت: قد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا» (¬1).
5. إنَّه ثبت إجماع السَّلف على اعتبارِ العلل في رَدِّ الآحاد, كما ثبت إجماعهم في قبول الآحاد في لزوم العمل بها والمصير إليها، فحيث كان إجماعهم على قَبول أَخبار الآحاد بمثل الرِّوايات التي يثبت بمثلها كان ردُّهم لها للعلِّل، فيكون قبولهم مُقيّداً بخلوها عن هذه العلِّل، وإلا وجب ردُّها (¬2).
¬
(¬1) في مسلم، الصحيح،3: 1695، والبخاري، الصحيح، 5: 2306.
(¬2) ينظر: الجصاص، الفصول،2: 113.
6. إنَّ عموم البلوى علّة لردِّ الآحاد من توقيف من النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الكافّة على حكمِهِ فيما كان فيه إيجابٌ أو حظرٌ نعلمه بأنَّهم لا يصلون إلى علمِهِ إلا بتوقيفه، وإذا أَشاعه في الكافّة وَرَدَ نقله بحسب استفاضته فيهم، فإذا لم نجده كذلك علمنا: أنَّه لا يخلو من أن يكون منسوخاً, أو غير صحيح في الأصل، ولا يجوز فيما كان هذا وصفه أن يختصَّ بنقله الأفراد دون الجماعة (¬1).
7. إنَّه لم يكن يختصّ بتعليم الصّلاة والزّكاة والصيام وغسل الجنابة الخاصّة دون الكافة، فكذلك سائر ما عَمّت فيه البلوى ودعت الحاجة إليه، فإنَّ سبيله أن يكون نقلُه من طريقِ التواتر والاستفاضة (¬2).
8. إنَّ العادةَ تقتضي استفاضةُ نقل ما يَعُمُّ به البلوى؛ وذلك لأنَّ ما يَعُمُّ به البلوى: كمسِّ الذكر، فلو كان ممَّا ينتقض به الطهارة لأشاعَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولم يقتصر على مخاطبةِ الآحاد، بل يُلقيه إلى عددٍ يحصل به التواترُ أو الشهرةُ مبالغةً في إشاعته؛ لئلا يُفضي إلى بطلان صلاة كثير من الأمة من غير شعور به, ولهذا تواتر نقل القرآن واشتهرت أَخبار البيع والنِّكاح والطلاق وغيرها، ولَمَّا لم يشتهر، علمنا أنَّه سهوٌ أو منسوخ، ألا ترى أنَّ
¬
(¬1) ينظر: الجصاص، فصول الأصول، 2: 115.
(¬2) ينظر: الجصاص، الفصول،3: 118.
المتأخرين لما قبلوه اشتهر فيهم، فلو كان ثابتاً في المتقدِّمين لاشتهر أيضاً ولَمَا تفرد الواحدُ بنقله مع حاجة العامّة إلى معرفته (¬1).
9. إنَّه لم تقبل شهادةُ الواحد من أَهل المصر على رؤيةِ هلال رمضان إذا لم تكن بالسَّماء علّة (¬2)؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ... » (¬3)، وفي لفظ: «الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون» (¬4)، قال التهانوي (¬5): «وتقريره: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أضاف الصوم والفطر والأضحية إلى جماعة ... فلا بُدّ في أصل الحكم من الجماعة الكثيرة أو جميع المسلمين الموجودين في بلدة مثلاً في هذه الأحكام، إلا إذا عرض عارض: ككون السماء مغيمةً مثلاً، فله حكمٌ آخر ثابتٌ بالشرع».
¬
(¬1) ينظر: علاء الدين البخاري، كشف الأسرار، 3: 17.
(¬2) ينظر: علاء الدين البخاري، كشف الأسرار، 3: 17.
(¬3) في أبي داود، السنن، 2: 297، والبيهقي، سنن الكبير، 3: 317، والدارقطني، السنن، 2: 164، وعبد الرزاق، المصنف، 4: 156، وإسحاق بن راهويه، المسند، 1: 429، وغيرها.
(¬4) في الترمذي، السنن، 3: 80، وحسنه، و الدارقطني، السنن، 2: 164، وغيرهما.
(¬5) في التهانوي، إعلاء السنن، 9: 126.
10. إنَّه لم يقبل قول الرّافضة في دعواهم النصّ على إمامةِ عليٍّ - رضي الله عنه - ; لأنَّ أَمر الإمامة ممَّا يَعُمُّ به البلوى؛ لحاجة الجميع إليه، فلو كان النصُّ ثابتاً، لنُقِل نقلاً مستفيضاً، وحين لم يُنْقَل دَلَّ أنَّه غيرُ ثابت (¬1).
11. إنَّه لا يُقبل قولُ الوصيِّ فيما يدَّعي من إنفاقٍ مالٍ عظيمٍ على اليتيمِ في مدّةٍ يسيرةٍ وإن كان ذلك مُحتمَلاً; لأنَّ الظَّاهرَ يُكذبه في ذلك, ولهذا لو انفرد واحدٌ بنقل قتل ملك أو أمير في السُّوق لا يُقبل; لأنَّ في العادة يبعد أن لا يستفيض مثله (¬2)، وكذا خبرُ مَن أَخبر عن فتنةٍ وقعت في الجامع أو في عرفات قُتِل فيها خلقٌ ولا يُخبر أحدٌ بمثل خبره، فنستدلُّ بذلك على بطلانه (¬3).
فهذه بعضُ الحجج التي أوردها السَّادة الحنفيّة في اعتبارهم؛ لكون عموم البلوى علّةً في عدم قبول خبر الآحاد، والناظرُ المنصفُ يرى أنَّه فيها وجاهةً ظاهرةً بحيث تُقبل في تحقيق مُدَّعاهم، لاسيما أنَّ المسألةَ اجتهاديةٌ في التَّثبتِ فيما يُنقل عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ومثلُ هذه البراهين تورث شبهةً واضحةً في قَبول حديث الآحاد فيما كان ذلك وصفُه.
¬
(¬1) ينظر: علاء الدين، كشف الأسرار،3: 17.
(¬2) ينظر: علاء الدين، كشف الأسرار، 3: 17.
(¬3) ينظر: الجصاص، الفصول،3: 107.
المطلبُ الثالث: تطبيقاتٌ في ردّ الآحاد فيما تعمّ به البلوى عند الحنفية:
إنَّ الاستقصاء بذكر كلِّ ما اعتذر الحنفيّة عنه من الأحاديث لعموم البلوى بها بعيدُ المنال، وإنَّما نسعى لبيان مجموعةٍ من الأحاديث التي لم يعملوا بها لهذا الوجه، وعرض طريقة مناقشتهم لها وكيفية تعاملهم معها؛ لتكون نبراساً ونموذجاً لما عداها، ومن هذه الأحاديث:
1. حديث الآحاد في انتقاض الوضوء بمس العورة: «مَن مَسَّ ذَكَره فليتوضأ» (¬1)، الذي روته بسرة بنت صفوان رضي الله عنها، فإنَّه شاذّ لانفرادها بروايته مع عموم الحاجة إلى معرفته، فدلَّ ذلك على ضعفه؛ إذ القول بأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - خصَّها بتعليم هذا الحكم ولم يُعلم سائر الصحابة - رضي الله عنهم - مع شدة الحاجة إليه شبه المحال، فكل أحد يحتاج إلى معرفته، والعادة تقتضي استفاضة نقل ما تعمّ البلوى به؛ لأنَّ فيما تعمّ به البلوى لا يقتصر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على مخاطبةِ الآحاد بل يُلقيه إلى عددٍ يحصل به التواتر والشهرة؛ مبالغة في إشاعته لحاجة الخلق إليه (¬2)، قال الكاساني (¬3): «إنَّه خبرٌ واحد فيما تعمّ به البلوى، فلو ثبت لاشتهر, ولو ثبت فهو محمولٌ على غسل
¬
(¬1) في الترمذي، السنن، 1: 126، وحسنه، وأبي داود، السنن، 1: 55، و النسائي، سنن الكبرى،1: 99، و ابن ماجة، السنن، 1: 95، وغيرها.
(¬2) ينظر: الصالحي، عقود الجمان، ص400.
(¬3) في الكاساني، البدائع، 1: 30.
اليدين؛ لأنَّ الصحابةَ - رضي الله عنهم - كانوا يستنجون بالأحجار دون الماء، فإذا مسوه بأيديهم كانت تتلوث خصوصاً في أيّام الصيف فأمر بالغسل لهذا, والله أعلم»، قال البُخاريُّ (¬1): «روته بسرة; فإنَّه شاذ لانفرادها بروايته مع عموم الحاجة إلى معرفته، فدل ذلك على زيافته؛ إذ القول بأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - خصَّها بتعليم هذا الحكم مع أنَّها لا تحتاج إليه، ولم يُعلم سائر الصحابة - رضي الله عنهم - مع شدة الحاجة إليه شبه المحال, كذا ذكر شمس الأئمة، ولا يقال: قد روى هذا الحديث أيضاً ابن عمر وأبو هريرة وجابر وسالم وزيد بن خالد وعائشة وأم حبيبة وغيرهم - رضي الله عنهم -، فكيف يكون شاذاً مع رواية هؤلاء الكبار؟ لأنا نقول: تلك الروايات مضطربةُ الأسانيد غيرُ صحيحة؛ لضعف رجالها ولمعارضتها أيضاً برواياتٍ صحيحةٍ تُخالفها على ما بَيَّنَها أبو جعفر الطحاوي - رضي الله عنه - في «شرح الآثار» فلا ينتفي الشذوذ بها».
2. عدم القول بنقض الوضوء بمسِّ المرأة؛ لخلوه من حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كونه مما تعمّ البلوى به، قال الجصاص (¬2): «معلوم عموم البلوى بمس النساء لشهوة, والبلوى بذلك أعم منها بالبول والغائط ونحوهما, فلو كان حدثاً لما أخلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمة من التوقيف عليه؛ لعموم البلوى به وحاجتهم إلى معرفة حكمه, ولا جائز في مثله الاقتصار بالتبليغ إلى
¬
(¬1) في علاء الدين البخاري، كشف الأسرار، 3: 17.
(¬2) في الجصاص، أحكام القرآن، 2: 520.
بعضهم دون بعض; فلو كان منه توقيف لعرفه عامة الصحابة - رضي الله عنهم - ; فلما رُوِي عن الجماعة الذين ذكرناهم من الصحابة - رضي الله عنهم - أنَّه لا وضوء فيه, دَلَّ على أنَّه لم يكن منه - صلى الله عليه وسلم - توقيف لهم عليه, وعلم أنَّه لا وضوء فيه». ويؤيده ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما» (¬1)، وعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كان يقبل بعض نسائه، ثُمَّ يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ» (¬2)، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: «ليس في القُبلة وضوء» (¬3).
3. حديث الآحاد في الجهر بالبسملة عند القراءة في الصلاة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» (¬4)، فإنَّه لما شَذَّ ـ أي ورد بطريق
¬
(¬1) في البخاري، الصحيح، 1: 150، ومسلم، الصحيح، 1: 367.
(¬2) قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 247: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعيد بن بشير وثقه شعبة وغيره وضعفه يحيى وجماعة. وقال التهانوي في إعلاء السنن 1: 150: رواه البزار وإسناده صحيح.
(¬3) في الدارقطني، السنن، 1: 143، وقال: صحيح.
(¬4) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في الحاك، المستدرك، 1: 357، 356، وهذا الحديث مخالفٌ لما هو ثابت من الأحاديث الأخرى بعدم الجهر بالبسملة ومنها: عن أنس - رضي الله عنه -: «صليت وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين ... » في مسلم، الصحيح، رقم 606، والبخاري، الصحيح، رقم 941، وفي رواية: «كانوا يجهرون بالحمد لله رب العالمين» في أحمد، المسند، 12380، وفي رواية: «فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب العالمين» في أبي يعلى، المسند، 5: 434، وفي رواية: «فكانوا يسرون ببسم الله» في الطحاوي، شرح معاني الآثار، 1: 23، وابن خزيمة، الصحيح، 1: 249، فالروايات تفسر بعضها البعض، فيحصل المقصود من سنية القراءة سراً لا جهراً، وزيادة التفصيل في أدلة الإسرار بالبسملة ورد أدلة الجهر بها في إحكام القنطرة بأحكام البسملة ص105 - 166 للإمام للكنوي بتحقيقي.
آحاد ـ مع اشتهار الحادثة وعموم البلوى بها لم يعمل به؛ لأنَّ شهرة الحادثة تقتضي شهرة ما يثبت به حكم الحادثة، فإذا لم يشتهر النَّقل عنهم (¬1).
4. حديث الآحاد في رفع اليدين عند الرُّكوع والقيام منه: «إذا افتتح - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع» (¬2)، وهو أمرٌ يعمّ به البلوى فيتكرَّر كلَّ يوم مرّات، ولا يرويه إلاّ أفرادٌ من الصَّحابة - رضي الله عنهم -، فهذا يورث الشَّكّ في ثبوتِهِ؛ لأنَّه ينبغي أن يتواتر ورودُه كما تواتر الرُّكوع والسُّجود، فهو من الأفعال الظَّاهرة في الصَّلاة مثلهما، كيف وقد عارضه أحاديث أُخرى أيضاً عن الصَّحابة - رضي الله عنهم - بعدم الرفع إلا في التكبيرة الأولى، قال البابرتي (¬3): «أحاديث الرفع مما تعم به البلوى، فلا يكون حجة»، ويؤيده ما روي عن علقمة - رضي الله عنه -، قال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: «ألا أصلي بكم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلى فلم يرفع يديه
¬
(¬1) ينظر: ملا جيو، نور الأنوار، 2: 27 - 28، وملا خسرو، مرآة الأصول، 2: 23 - 24
(¬2) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - في الترمذي، السنن، 2: 35، وصححه.
(¬3) في البابرتي، العناية، 2: 297.
إلا في أول مرة» (¬1)، وعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: «خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: مالي أراكم رافعي أيديكم كأنَّها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة» (¬2)، وعن الأسود - رضي الله عنه - قال: «رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يرفع يديه في أول تكبيرة ثُمَّ لا يعود»، قال: «ورأيت إبراهيم والشعبي يفعلان ذلك» (¬3)، قال الطحاوي (¬4): «فهذا عمر - رضي الله عنه - لم يكن يرفع يديه أيضاً إلا في التكبيرة الأولى في هذا الحديث، وهو حديث صحيح؛ لأنَّ الحسن بن عياش وإن كان هذا الحديث إنَّما دار عليه، فإنَّه ثقة حجة، قد ذكر ذلك يحيى بن معين وغيره، أفترى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خفي عليه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه في الركوع والسجود وعلم بذلك من دونه ومن هو معه يراه ما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل، ثُمَّ لا ينكر ذلك عليه، هذا عندنا محال، وفعل عمر - رضي الله عنه - هذا وترك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه على ذلك دليل صحيح أنَّ ذلك هو الحق الذي لا ينبغي لأحد خلافه».
¬
(¬1) في الترمذي، السنن، 2: 40، وحسنه، و أبي داود، السنن، 1: 199، و البيهقي، السنن الكبير،2: 78، وغيرها، وصححه ابن حزم، ينظر: التهانوي، إعلاء السنن، 3: 62، وغيره.
(¬2) في مسلم، الصحيح،1: 322، فإنَّه يدل على وجوب السكون، وأنَّ رفع الأيدي في الصلاة ينافيه، كما في التهانوي، إعلاء السنن، 30: 60.
(¬3) في الطحاوي، شرح معاني الآثار، 1: 227، وصححه.
(¬4) في الطحاوي، شرح معاني الآثار، 1: 227.
5. أحاديث الآحاد المتعلِّقة بالجمع بين الصلوات (¬1)، فلم يعمل بها لوقوعها فيما تعمُّ به البلوى، ولمعارضتها القطعي، قال الكاساني (¬2): «إنَّ هذه الصلوات عرفت مؤقتة بأوقاتها بالدلائل المقطوع بها من الكتاب (¬3) والسنة المتواترة (¬4) والإجماع, فلا يجوز تغييرها عن أوقاتها بضرب من
¬
(¬1) مثل حديث أبي الطفيل عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: «إنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوةِ تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أَخَّرَ الظهرَ إلى أن يجمعَها إلى العصر فيصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغِ الشمس عَجَّلَ العصرَ إلى الظُّهر، وصَلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعاً، ثُمَّ سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عَجَّل العشاء فصلاّها مع المغرب» في الترمذي، السنن، 2: 438، و أبي داود، السنن، 1: 389، وغيرها. ففي القاري، فتح باب العناية، 1: 192: قال أبو داود: وليس في تقديم الوقت حديثٌ قائم. وقال الحاكم: حديث أبي الطُّفيل - رضي الله عنه - موضوع؛ ولذا لم يذكر الطَّحَاوي هذه الرواية عن أبي الطُّفيل، وينظر: المنبجي، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب، 1: 297.
(¬2) في الكاساني، بدائع الصنائع،1: 128.
(¬3) منها: قوله - جل جلاله -: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} الإسراء: 78، أي لوقت دلوكها: أي زوالها، وقال - عز وجل -: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} النساء:1، وقال - جل جلاله -: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتين} البقرة: 238.
(¬4) منها: عن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «صلِّ الصلاة لوقتها» في مسلم، الصحيح،1: 448، وعن ابن مسعود - رضي الله عنهم - قال: «ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلّى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها» في مسلم، الصحيح،2: 938، والبخاري، الصحيح،2: 604، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السَّفر يؤخر الظهر ويُقَدِّمُ العصر ويؤخر المغرب ويُقدم العشاء» في الطحاوي، شرح معاني الآثار، 1: 164، وأحمد، المسند، 6: 135، وإسناده حسن، كما في التهانوي، إعلاء السنن، 2: 85، وغيرها.
الاستدلال أو بخبر الواحد, مع أنَّ الاستدلال فاسد; لأنَّ السفر والمطر لا أثر لهما في إباحة تفويت الصلاة عن وقتها, ألا ترى أنَّه لا يجوز الجمع بين الفجر والظهر مع ما ذكرتم من العذر؟ والجمع بعرفة ما كان لتعذر الجمع بين الوقوف والصلاة; لأنَّ الصلاة لا تضاد الوقوف بعرفة, بل ثبت غير معقول المعنى بدليل الإجماع والتواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلح معارضاً للدليل المقطوع به, وكذا الجمع بمزدلفة غيرُ معلول بالسير, ألا ترى أنَّه لا يفيد إباحة الجمع بين الفجر والظهر, وما روي من الحديث في خبر الآحاد فلا يقبل في معارضة الدليل المقطوع به, مع أنَّه غريب ورد في حادثة تعمّ بها البلوى, ومثله غير مقبول عندنا، ثُمَّ هو مؤول وتأويله: أنَّه جمع بينهما فعلاً لا وقتاً, بأن أخر الأولى منهما إلى آخر الوقت ثمّ أدّى الأخرى في أول الوقت ولا واسطة بين الوقتين فوقعتا مجتمعتين فعلاً ... ». وممَّا يدلّ على صحّة هذا التأويل: فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله عنهم -، ومن ذلك: عن نافع وعبد الله بن واقد إنَّ مؤذن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: «الصلاة، قال: سر سر حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب، ثُمَّ انتظر حتى غاب الشفق وصلّى العشاء، ثُمَّ قال: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عجَّل به أمرٌ صَنَعَ مثل الذي صنعت» (¬1)، وعن عليّ - رضي الله عنه -: «أنَّه كان إذا سافر سار بعدما تغرب الشمس حتى تكاد أن تظلم، ثُمَّ
¬
(¬1) في أبي داود، السنن، 2: 6، و البيهقي، السنن الكبير، 1: 114، و الدارقطني، السنن، 1: 393، وغيرها، وإسناده صحيح، كما في التهانوي، إعلاء السنن، 2: 85، وغيرها
ينزل فيصلّي المغرب، ثُمَّ يدعو بعشائه فيتعشى، ثُمَّ يصلّي العشاء، ثُمَّ يرتحل ويقول: هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع» (¬1)، وعن نافع - رضي الله عنه - قال: «خرجت مع عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - في سفر ... وغابت الشمس ... فلما أبطأ قلت: الصلاة يرحمك الله، فالتفت إلي ومضى حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلّى المغرب، ثُمَّ أقام العشاء وقد توارى الشفق فصلى بنا، ثُمَّ أقبل علينا فقال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عَجَّل به السير صنع هكذا» (¬2)، قال عبد الحق: وهذا نصّ على أنَّه صلَّى كل واحدة منهما في وقتها (¬3).
6. حديث الآحاد في مَن لم يجد السُّترة للصَّلاة فيختط خطاً بين يديه: «إذا صلَّى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاً، فإن لم يكن معه عصاً، فليخطط خطاً، ثُمَّ لا يضرّه ما مرَّ أمامه» (¬4)، فإنَّ الخط وتركه سواء، قال الكاساني (¬5): «ولكن الحديث غريب ورد فيما تعم به
¬
(¬1) في أبي داود، السنن، 2: 10، والمقدسي، الأحاديث المختارة، 2: 312، وإسناده صحيح، كما في التهانوي، إعلاء السنن، 2: 86.
(¬2) في النسائي، السنن الكبرى، 1: 490، والنسائي، المجتبى، 1: 287، وإسناده صحيح، كما في التهانوي، إعلاء السنن، 2: 88، والزيلعي، التبيين، 1: 88.
(¬3) ينظر: تبيين الحقائق 1: 88، وغيره.
(¬4) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في أبي داود، السنن، 1: 240، و ابن حبان، الصحيح، 6: 125، و ابن خزيمة، الصحيح، 2: 13.
(¬5) في الكاساني، البدائع، 2: 218، وينظر: السرخسي، المبسوط،1: 192.
البلوى، فلا نأخذ به»، وقال السرخسي (¬1): «ولكن الحديث شاذ فيما تعم به البلوى فلم نأخذ به لهذا»؛ ولأنَّ المقصود أن يبدو للناظر فيمتنع من المرور بين يديه, وما دون غلظ الإصبع بقدر ذراع لا يبدو للناظر من بعد (¬2)، فلا فائدة فيه، ويشهد لذلك ما روي عن سبرة - رضي الله عنه -: قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم» (¬3)، وعن موسى بن طلحة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصلِ ولا يبالِ مَن مرَّ وراء ذلك» (¬4).
7. حديث الآحاد في وضوءِ الرَّجل بفضل وضوء المرأة: «نهى - صلى الله عليه وسلم - أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة» (¬5)، قال السرخسي (¬6): «شاذّ فيما تعم به البلوى فلا يكون حجة»، ويؤيده ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد ونحن جنبان» (¬7)، وعن أم
¬
(¬1) في السرخسي، المبسوط،1: 193.
(¬2) ينظر: السرخسي، المبسوط،1: 191.
(¬3) في الطبراني، المعجم الكبير، 7: 114، وابن أبي شيبة، المصنف، 1: 249.
(¬4) في مسلم، الصحيح، 1: 358.
(¬5) في ابن حبان، الصحيح،4: 72، و ابن ماجة، السنن، 1: 132، والنسائي، السنن، 1: 179.
(¬6) السرخسي، المبسوط،1: 62.
(¬7) في سنن أبي داود1: 67، وابن ماجة، السنن، 1: 134.
صبية الجهنية رضي الله عنها، قالت: «اختلفت يدي ويد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الوضوء من إناء واحد» (¬1).
8. حديثُ الآحاد في ختم الأذان بلا إله إلا الله، وعلى قول أهل المدينة: لا إله إلا الله والله أكبر، فاعتبروا آخره بأوّله ويروون فيه حديثاً، قال الكاسانيّ (¬2): «كيفيّة الأذان فهو على الكيفية المعروفة المتواترة من غير زيادة ولا نقصان عند عامّة العلماء، وزاد بعضهم، ونقص البعض ... ولنا حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - , وفيه الختم: (بلا إله إلا الله)، وأصل الأذان ثبت بحديثه فكذا قدره, وما يروون فيه من الحديث فهو غريب فلا يُقبل خصوصاً فيما تعمّ به البلوى, والاعتماد في مثله على المشهور»، وهو حديثُ عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - على ما توارثه الناس إلى يومنا هذا (¬3).
9. حديث الآحاد في إفراد الإقامة: «أُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة، إلا الإقامة» (¬4)، قال السَّرَخْسيُّ (¬5) عن واحد من أحاديث الباب: «ولكنَّه شاذٌّ فيما تعم به البلوى، والشاذ في مثلهِ لا يكون حجة»، فالمعتمد عند أبي حنيفة: أنَّ الإقامة كالأذان مثنى مثنى؛ لحديث عبد الله بن زيد
¬
(¬1) في أبي داود، السنن، 1: 69.
(¬2) في الكاساني، البدائع،1: 148، وينظر: السرخسي، المبسوط،1: 129.
(¬3) ينظر: المبسوط1: 129.
(¬4) فعن أنس - رضي الله عنه - في البخاري، الصحيح، 1: 125، ومسلم، الصحيح، 1: 286.
(¬5) في السرخسي، المبسوط، 1: 129.
- رضي الله عنه - فهو الأصل، وقد حكى فيه الإقامة مثل الأذان، ولأنَّ المحض بالإقامة قوله قد قامت الصلاة، ولا إفراد في هذه الكلمة، ففي غيرها أولى، وقال إبراهيم النخعي:: كان الناس يشفعون الإقامة حتى خرج هؤلاء ـ يعني بني أمية ـ فأفردوا الإقامة، ومثله لا يكذب، وأشار إلى كون الإفراد بدعة، والحديث محمولٌ على الشَّفع والإيتار في حقِّ الصَّوت والنَّفس دون حقيقة الكلمة فمعناه: أن يؤذن بصوتين ويقيم بصوت واحد (¬1).
10. حديث الآحاد في الصَّلاة على الدَّابة في المصر: «إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ركب الحمار في المدينة يعود سعد بن عبادة - رضي الله عنه -، وكان يُصلِّي وهو راكب»، هذا حديثٌ شاذٌّ فيما تعمّ به البلوى, والشاذُّ في مثلِهِ لا يكون حجّةً، فعند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: لا يجوز التَّطوع على الدَّابّة في المصر, وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: لا بأس به وأخذ بالحديث، ومُحمّد: أخذ به إلاّ أنَّه كَرِه ذلك في المصر; لأنَّ اللغط يكثر فيها، فلكثرة اللغط ربما يبتلى بالغلط في القراءة فلذلك كره (¬2).
11. حديث الآحاد في مشروعيّة صلاة الاستسقاء: «خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي فتوجّه إلى القبلة يدعو وحوّل رداءه، ثُمَّ صلّى ركعتين جهر
¬
(¬1) ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع، 1: 148، والبرهاني، المحيط، 1: 342.
(¬2) ينظر: السرخسي، المبسوط،1: 251.
فيهما بالقراءة» (¬1)، قال السَّرَخْسيّ (¬2): «الأثر الذي نقل أنَّه صلى فيها - صلى الله عليه وسلم - شاذ فيما تعم به البلوى، وما يحتاج الخاصُّ والعامُّ إلى معرفته لا يُقبل فيه شاذّ، وهذا ممَّا تعمُّ به البلوى في ديارهم»، فلا تشرع صلاة الاستسقاء عند أبي حنيفة:، ويؤيَّد ذلك: عن أنس - رضي الله عنه -: «إنَّ رجلاً دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب، فاستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائماً، ثُمَّ قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه، ثُمّ قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ... » (¬3)، وعن الشعبي:، قال: «خرج عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يستسقي بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما رأيناك استسقيت، قال: لقد طلبت المطر بمَجَاديح السماء التي تستنزل بها المطر، {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} نوح: 10 - 13، {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} هود: 52» (¬4).
¬
(¬1) فعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - في البخاري، الصحيح،1: 347، والنسائي، السنن الكبرى، 2: 323.
(¬2) في السرخسي، المبسوط،2: 76.
(¬3) في البخاري، الصحيح، 1: 344، ومسلم، الصحيح، 2: 613.
(¬4) في عبد الرزاق، المصنف، 3: 87، وابن أبي شيبة، المصنف، 6: 61، و البيهقي، السنن الكبير،3: 352، الزيلعي، تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري، ر1404: قال النووي في الخلاصة: «إسناده صحيح لكنَّه مرسل، فإنَّ الشعبيّ لم يدرك عمر - رضي الله عنه -».
12. حديث الآحاد في التَّسمية عند الوضوء: «لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه» (¬1)، غيرُ معمول بظاهره في الزيادة على القرآن ركناً أو شرطاً؛ لأنَّه من أخبار الآحاد، وهي غير مقبولة فيما عمَّت البلوى به, وإن صح احتمل أنَّه يريد به نفي الكمال لا نفي الأصل: كقوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (¬2)، و «مَن سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر» (¬3) ونحو ذلك (¬4).
¬
(¬1) فعن أبي هريرة في المستدرك 1: 246، وصححه، وسنن الترمذي1: 38، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - في سنن الدوارمي 1: 187، ومسند عبد بن حميد 1: 285، وغيرها.
(¬2) في الحاكم، المستدرك، 1: 373، و البيهقي، السنن الكبير، 3: 57، وابن أبي شيبة، المصنف، 1: 303، و عبد الرزّاق، المصنف، 1: 497، والطحاوي، شرح معاني الآثار، 1: 394، وصحَّحه ابن حزم، ينظر: القاري، فتح باب العناية، 1: 231، وغيرها.
(¬3) في ابن ماجه، السنن، 1: 260، و ابن حبان، الصحيح، 5: 415، والحاكم، المستدرك،1: 373، والطبراني، المعجم الكبير،11: 446، والدارقطني، السنن، 1: 420، وابن الجعد، المسند، ص85، و البيهقي، السنن الكبرى، 3: 57، قال البيهقيّ: رواه هشيم بن بشير عن شعبة، ورواه الجماعة عن سعيد موقوفاً على ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم -، ورواه مغراء العبدي عن عدي بن ثابت مرفوعاً، وروي عن أبي موسى الأشعري مسنداً وموقوفاً: والموقوف أصحّ، والله أعلم. اهـ.
(¬4) ينظر: الجصاص، أحكام القرآن،2: 504.
13. حديث: الاغتسال لمن غسل الميت والوضوء لمن حمله: «من غسله الغسل ومن حمله الوضوء» (¬1)، فجعله الكَاسانيّ (¬2) من: «أَخبار آحاد وردت فيما تعم به البلوى, ويغلب وجوده, ولا يقبل خبر الواحد في مثله؛ لأنَّه دليلُ عدم الثبوت إذ لو ثبت لاشتهر»، ويؤيده أنَّه لما بلغ ذلك عائشة رضي الله عنها ردّته، فقالت: «أوينجس موتى المسلمين، وما على رجل لو حمل عوداً» (¬3).
14. حديث: «الوضوء مما مست النار»، رَدَّه الكاسانيّ (¬4)؛ لأنَّه من أخبار الآحاد ورد فيما تعم به البلوى، وقد رده أيضاً ابن عباس - رضي الله عنهم -، إذ لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط»، قال له ابن عباس - رضي الله عنهم -: «يا أبا هريرة، أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ فقال أبو هريرة: يا ابن أخي، إذا سمعت حديثاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تضرب له مثلاً» (¬5): أي إن توضأنا بماء سخن أنتوضأ بماء بارد، وإن ادهنا أنتوضأ.
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في الترمذي، السنن، 3: 319، وابن حبان، الصحيح،3: 437.
(¬2) في الكاساني، بدائع الصنائع،1: 33.
(¬3) في اللكنوي، التعليق الممجد على موطأ محمد، 2: 84: ذكره السيوطيّ في رسالته عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة، وأخرجه أبو منصور البغدادي في كتابه. ينظر: هامش المغني في أصول الفقه ص210.
(¬4) في الكاساني، بدائع الصنائع،1: 33.
(¬5) في الترمذي، السنن، 1: 114، وابن ماجة، السنن، 1: 10.
15. حديث الوضوء من لحوم الإبل، فعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه -: «إنَّ رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله، أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضأ من لحوم الإبل» (¬1)، فلم يؤخذ به لكونه من أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى، كما صرح الكاساني (¬2)، وقال: «ولو ثبت ... فالمرادُ من الوضوءِ غسل اليد، ولهذا خَصَّ لحم الإبل في رواية; لأنَّ له من اللزوجة ما ليس لغيره».
16. حديث: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (¬3)، فهو من أخبار الآحاد ورد فيما تعمّ به البلوى، وأنَّه دليل عدم الثبوت، إذ لو كان ثابتاً لاشتهر (¬4)، فلا يحل الجنين بذكاة أمه عند أبي حنيفة:، ويشهد له عموم قوله - جل جلاله -: {إِلَّا مَا
¬
(¬1) في ابن حبان، الصحيح، 3: 431.
(¬2) في الكاساني، بدائع الصنائع،1: 33.
(¬3) في أبي داود، السنن، 2: 114، والترمذي، السنن، 4: 72، وصحَّحه، قال الجزري في النهاية2: 411: ويُرْوَى «هذا الحديث بالرفعِ والنصبِ فمن رَفَعَه جَعَلَه خَبَرَ المبتدأ الذي هو ذكاةُ الجَنينِ فتكونُ ذكاةُ الأمِّ هي ذكاةُ الجَنين، فلا يحتاجُ إلى ذبْحٍ مُسْتَأنَفٍ، ومن نَصَبَ كان التقديرُ ذكاةُ الجنين كذكاةِ أُمِّه، فلما حُذِفَ الجارُّ نُصِبَ أو على تقدير يُذَكَّى تَذْكِيَةً مِثل ذكاةِ أمه فحذَفَ المصدر وصفَتَه وأقامَ المضاف إليه مُقامه، فلا بُدَّ عنده من ذبْح الجَنين إذا خَرج حيًّاً»، وفي المنبجي، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب، 2: 624: «ذكاة الجنين مبتدأ وذكاة أمه خبره، لكن فيه حذف مضاف وهو مثل كأنَّه قال: ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه، كما تقول: زيد البدر وعمرو الشمس».
(¬4) ينظر: الكاساني، البدائع، 5: 43.
ذَكَّيْتُم} المائدة: 3، لأنَّ الله حرم الميتة، وهو اسم لحيوان مات من غير ذكاة (¬1).
17. حديث الآحاد في رؤية هلال رمضان: «جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني رأيت الهلال، قال الحسن في حديثه يعني رمضان، فقال: أتشهد أنَّ لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أنَّ محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال، أذن في الناس فليصوموا غداً» (¬2)، قال الجصاص (¬3): «فالذي ذكرناه من الخبر عن رؤية الهلال إذا لم تكن بالسماء علّة من الأصل الذي قدَّمنا أنَّ ما عمَّت به البلوى فسبيل وروده أَخبار التَّواتر الموجبة للعلم، وأمَّا إذا كان بالسَّماء علّةٌ فإنَّ مثلَه يجوز خفاؤه على الجماعة حتى لا يراه منهم إلاّ الواحد والاثنان من خلل السَّحاب إذا انجاب عنه لم يستره قبل أن يتبينه الآخرون، فلذلك قبل فيه خبر الواحد والاثنين ولم يشترط فيه ما يوجب العلم»، وسبق الكلام عن هذه المسألة.
18. حديث الآحاد في وجوب الزَّكاة في مال الصَّبيّ: «اتجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة» (¬4)، قال البابرتيُّ (¬5): «فلو كان هذا الخبر ثابتاً في
¬
(¬1) ينظر: العيني، منحة السلوك،3: 179.
(¬2) فعن ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم - في أبي داود، السنن، 2: 302، والنسائي، السنن، 4: 132.
(¬3) في الجصاص، أحكام القرآن، ص253.
(¬4) فعن أنس - رضي الله عنه - في الطبراني، المعجم الأوسط، 4: 264.
(¬5) في البابرتي، العناية، 1: 292.
الصدر الأول لاشتهر، ولو اشتهر لما بقي الاختلاف في الصدر الأول، ولما بقي الاختلاف فيه مع عموم البلوى، دلَّ على زيافته كما في حديث الزكاة في مال الصبي»، فلم يوجب الحنفية الزَّكاة في مال الصَّبيّ.
19. حديث الآحاد في حرمة صيد المدينة وقطع شجرها: «إنَّ إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها» (¬1)، قال ابن نجيم (¬2): «ليس للمدينة حرم عندنا، فيجوز الاصطياد فيها، وقطع أشجارها، وقد وردت أحاديث كثيرة في الصَّحيحين وغيرها صريحة في تحريم المدينة كمكة، وأولها أصحابنا بأن المراد بالتحريم التعظيم ... والأحسن الاستدلال بحديث أنس - رضي الله عنه - الثابت في الصحيحين «أنَّه كان له أخ صغير يقال له: أبو عمير، وكان له نغير يلعب به فمات النغير، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: يا أبا عمير، ما فعل النغير»، ولو كان للمدينة حرم لكان إرساله واجباً عليه، ولأنكر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إمساكه، ولا يمازحه، وأجاب في المحيط عن الأحاديث الصحيحة في أنَّ لها حرماً: أنَّها من أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى؛ لأنَّ الشجر للمدينة أمرٌ تعم به البلوى، وخبر الواحد إذا ورد فيما تعم به البلوى لا يقبل؛ إذ لو كان صحيحاً لاشتهر نقله فيما عم به البلوى».
¬
(¬1) فعن جابر - رضي الله عنه - في مسلم، الصحيح، 2: 992، والبيهقي، السنن الصغرى، 2: 169 من حديث عبد الله بن زيد وأنس ورافع بن خديج - رضي الله عنهم -.
(¬2) في ابن نجيم، البحر الرائق، 3: 43 - 44.
20. حديث الآحاد في حرمة النّبيذ المتخذ من غير العنب: «الخمر من خمسة: من النخل, والكرم, والحنطة, والشعير, والذرة» (¬1)، قال السَّرَخسيُّ (¬2): «الحديث فيه شاذ، والشاذُّ فيما تعم به البلوى لا يكون مقبولاً, وهو محمول على التحريم الذي كان قبل الرخصة لتحقق المبالغة في الزجر»، وقال الجصاصُ (¬3): «وما رُوِي عن أحدٍ من الصحابةِ - رضي الله عنهم - والتابعين تحريمه الأشربة التي يبيحها أصحابنا فيما نعلمه, وإنَّما رُوِي عنهم تحريم نقيع الزبيب والتمر وما لم يُرَدَّ من العصير إلى الثلث، إلى أن نشأ قومٌ من الحشو تصنَّعوا عند العامَّة بالتشديد في تحريمه، ولو كان النبيذُ محرماً لوَرَدَ النقل به مستفيضاً لعموم البلوى كانت به; إذ كانت عامّة أشربتهم نبيذ التمر والبسر, كما ورد تحريم الخمر، وقد كانت بلواهم بشرب النبيذ أَعمُّ منها بشربِ الخمر لقلّتها كانت عندهم, وفي ذلك دليلُ على بطلانِ قول موجبي تحريمه». ومن الآثار الواردة بالجواز: عن ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم -: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُنقع له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثُمَّ يأمر به فيسقى أو يُهراق» (¬4)، وعن رقية بنت عمرو بن
¬
(¬1) في النسائي، السنن الكبرى،3: 211، والنسائي، المجتبى، 8: 295، والبزار، المسند، ر2779.
(¬2) في السرخسي، المبسوط،24: 18.
(¬3) في الجصاص، أحكام القرآن، 2: 653.
(¬4) في مسلم، الصحيح، 3: 1589.
سعيد رضي الله عنها، قالت: «كنت في حجر ابن عمر - رضي الله عنه - فكان يُنقع له الزبيب فيشربه من الغد، ثُمَّ يُجفَّف الزبيبُ ويُلقي عليه زبيبٌ آخر ويُجعل فيه ماءٌ من الغد حتى إذا كان بعد الغد طرحه» (¬1)، وعن سعيد بن المسيب:: «إنَّ أبا الدرداء - رضي الله عنه - كان يشرب ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه» (¬2)، وعن أبي موسى الأشعريّ - رضي الله عنه -: «أنَّه كان يشرب من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه» (¬3)، وعن قتادة:: «أنَّ أبا طلحة وأبا عبيدة ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهم - كانوا يشربون الطلاء إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يعني الرُّبَّ» (¬4).
21. حديث الآحاد في بطلان نكاح المرأة بلا ولي: «أيّما امرأةٌ نكحت بغير إذن وليها، فنكاحُها باطلٌ» (¬5)، قال الغزنويُّ (¬6): «هذه الأحاديث على تقدير صحّتها أخبارُ آحاد وردت على مخالفة الكتاب، وهو ما جاء من إضافة النّكاح إليهنّ في مواضع من القرآن فلا يُعمل بها»، فلم يشترط أبو حنيفة لصحّة النّكاح الولي.
¬
(¬1) في النسائي، السنن الكبرى،3: 237، والنسائي، المجتبى، 8: 325.
(¬2) في النسائي، السنن الكبرى،3: 241، والنسائي، المجتبى،8: 329.
(¬3) في النسائي، السنن الكبرى، 3: 242، والنسائي، المجتبى،8: 330.
(¬4) في عبد الرزاق، المصنف، 9: 255، وابن أبي شيبة، عبد الرزاق، 5: 90.
(¬5) فعن عائشة رضي الله عنها في أحمد، المسند، 40: 435، و ابن حبان، الصحيح، 9: 384.
(¬6) في الغزي، الغرة المنيفة، ص130.
22. حديث الآحاد في المقدار الواجب إخراجه من الزَّبيب في صدقة الفطر: «صاعاً من زبيب» (¬1)، قال السَّرَخسيُّ (¬2): «والأثرُ فيه شاذّ، وبمثلِه لا يثبت التقدير فيما تعمّ به البلوى, ويحتاج الخاصّ والعامّ إلى معرفته; لأنَّه لو كان صحيحاً لاشتهر لعلمهم به، وقال أبو حنيفة:: نصف صاع؛ لأنَّ الزبيب نظير البر، فإنَّه مأكول فكما يتقدَّر من البر بنصف صاع لهذا المعنى فكذلك من الزبيب».
23. حديث الآحاد في إخراج الأقط في زكاة الفطر: «أو صاعاً من أقط (¬3)» (¬4)، قال السَّرَخْسيُّ (¬5): «وأَصحابُنا قالوا: الحديثُ شاذٌّ لم يُنقل في الآثار المشهورة، وبمثله لا يجوز إثبات التقدير فيما تعمُّ به البَلْوى، فيبقى الاعتبار بالقيمة، فإن كانت قيمتُه قيمةَ نصف صاع من برّ أو صاع من شعير جاز، وإلا فلا»، فتعتبر فيه القيمة، ولا يجزئ إلا باعتبار القيمة.
¬
(¬1) فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب» في البخاري، الصحيح،2: 548، وغيره.
(¬2) في السرخسي، المبسوط،2: 114.
(¬3) الأقط: قال الأزهري: يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل. ينظر: الفيومي، المصباح، ص17.
(¬4) فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - في البخاري، الصحيح،2: 548 وغيره.
(¬5) في السرخسي، المبسوط،2: 115.
24. حديث: «الناسُ أَكفاء إلا الحائك والحجام» (¬1)، قال أبو حنيفة: الحديث شاذ لا يؤخذ به فيما تعم به البلوى, والحرفة ليست بشيء لازم، فالمرءُ تارة يحترف بحرفة نفيسة, وتارةً بحرفة خسيسة، بخلاف صفة النسب; لأنَّه لازم له, وذلّ الفقر كذلك فإنَّه لا يفارقه، وعن أبي يوسف:: أنَّه معتبر، حتى إنَّ الدباغ والحجّام والحائك والكناس لا يكون كفؤاً لبنت البزاز والعطار, وكأنَّه اعتبر العادة في ذلك (¬2).
25. حديث: «قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا تشاجروا في الطريق بسبعة أذرع» (¬3)، وبظاهر هذا الحديث يأخذ بعضُ العلماء، فيقول عند المنازعة بين الشركاء في الطريق: ينبغي أن يقدر الطريق سبعة أذرع، ولسنا نأخذ بذلك; لأنَّ هذا خبر واحد فيما تعم به البلوى، وقد ظهر عمل الناس فيه بخلافه، فإنا نرى الطرق التي اتخذها الناس في الأمصار متفاوتة في الذرع، ولو كان الحديث صحيحاً لما اجتمع الناس على ترك العمل به; لأنَّ المقدارَ الثابتَ بالشرع لا يجوز لأحد أن يتجاوزَه إلى ما هو أكثر منه أو أقلّ, ثُمَّ يُحمل الحديث على تأويل، وهو أنَّه كان ذلك في حادثة بعينها
¬
(¬1) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الناس أكفاء، بعضهم لبعض، إلا حائكاً وحجاماً» في أبي حنيفة، المسند، ص174، قال ابن حجر في الدراية ص62: «أخرجه الدارقطني، وفيه محمد بن الفضل وهو ضعيف».
(¬2) ينظر: السرخسي، المبسوط،5: 25.
(¬3) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في البخار، الصحيح،2: 874.
وراء حاجة الشركاء إلى ذلك القدر من الطريق، فأمرهم أن يتركوا ذلك القدر، ويبنوا فيما وراء ذلك؛ لبيان المصلحة لهم في ذلك لا لنصيب مقدار في الطريق شرعاً (¬1).
26. حديث علي - رضي الله عنه - قال: «رأى رجلاً يرمي بقوس فارسية، فقال: ارمِ بها، ثُمَّ نظر إلى قوس عربية، فقال: عليكم بهذه وأمثالها ورماح القنا، فإنَّ بهذه يمكن الله لكم في البلاد ويؤيدكم في النصر» (¬2)، قال السرخسي (¬3): «كثير من الناس من كره الرمي بالقوس الفارسية, ورووا في ذلك حديثاً, ولكنَّه شاذ فيما تعمُّه البلوى، وهو مخالفٌ للكتاب، قال الله - جل جلاله -: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة} الأنفال: 60، ومن القوة الرمي بالقوس الفارسية، فإن قال: إنَّما يكره ذلك لأنَّها من أمر العجم, ينبغي للغازي أن يستعمل في القتال ما هو من أمر العرب، قلنا: فالمنجنيق من أمر العجم, وقد نصبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الطائف حين أشار عليه به سلمان - رضي الله عنه -، واتخاذ الخندق من أمر العجم, وقد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإشارة سلمان - رضي الله عنه -، فتبيّن أنَّ ما يكون من مكايدة الحرب فلا بأس به, سواء كان من أمر العجم مما لا يعرفه أو كانوا يعرفونه».
¬
(¬1) ينظر: السرخسي، المبسوط، 15: 56.
(¬2) في البيهقي، السنن الكبير، 10: 24.
(¬3) في السرخسي، شرح السير الكبير، ص1485.
الخاتمة:
وفي ختام هذا البحث نخلص إلى ما يلي:
1. إنَّ تصحيحَ الأحاديث وتضعيفَها مسألةٌ اجتهاديةٌ خاضعةٌ لنظرِ المجتهدِ فيما يعتبر من شروط وقواعد وأُصول، وإنَّ للسادة الحنفية أُصولاً اعتمدوها في قَبولهم للأخبار، ومنها اشتراطهم عدم ورود حديث الآحاد فيما تعمَّ به البلوى.
2. إنَّ هذا الاشتراط من الحنفية لا يعني القطع بوروده متواتراً عند عموم الحاجة، وإنَّما مدار الأمر على الظنِّ والاجتهاد، فإذا ورد خبر الآحاد في غير الوجوب والحظر: كالمسنون والمباح ونحوهما؛ فإنَّه يكون مقبولاً عند الحنفية.
3. اعتبارُ الفقهاء للمعنى في قَبول الأخبار وردِّها، وعدمَ الاقتصار على الرِّجال فحسب، هو الطريقُ الأمثلُ، كما يشهد له فعل الطحاوي.
4. تحقُّق الإجماع في الاحتجاج بخبر الآحاد فيما يتعلّق بالعمل.
5. المقصود بعموم البلوى ما تَمَسُّ حاجةُ الناس إليه في حياتهم بحيث لا يستغنون عن معرفة حكمه.
6. اعتبار الحنفية ورود حديث آحاد فيما تعمّ به البلوى علّةً يَصِحُّ ردُّ الحديث لأجلها.
7. إنَّ الخلافَ المذكور بين الحنفيةِ في اعتبارِ عمومِ البلوى علّةٌ لردِّ حديث الآحاد نظريٌّ؛ لإطباقِ كتبهم على اعتبارها علّة، ولعلَّ محمل هذا الخلاف: أَنَّ المسألةَ اجتهاديةٌ في التدليلِ على قولِ إمام المذهب بما وَرَدَ من الأحاديث وتأويل ما يُخالفُها ـ كما سبق ـ.
8. شهادة ظاهر القرآن ومراعاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لاعتبار علّة عموم البلوى وظهور عمل الصَّحابة - رضي الله عنهم - على ذلك؛ لموافقتها المعقول في التَّحرّي بما وَرَدَ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
9. استفاضةُ العمل من الحنفيّة في كتبهم بمراعاة علّة عموم البلوى في الاعتذار عن كثيرٍ من الأحاديث التي لم يعملوا بظاهرها.
* * *
المراجع:
1. الأحاديث المختارة، المقدسي، محمد بن عبد الواحد،1410هـ، الطبعة الأولى، مكة المكرمة، ت: عبد الملك عبد الله، مكتبة النهضة الحديثة.
2. أحكام القرآن، الرازي، الجصاص، أحمد بن علي، دار الفكر.
3. إحكام القنطرة في أحكام البسملة، اللكنوي، 1305هـ، مطبع جشمة فيض، لكنو، ت: صلاح محمد سالم أبو الحاج.
4. أصول البزدوي، البزدوي، علي بن محمد بن محمد، دار الكتاب الإسلامي.
5. إعلاء السنن، التهانوي، ظفر أحمد، 1418هـ، الطبعة الأولى، ت: حازم القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت.
6. إفاضة الأنوار على متن أصول المنار، الحصني، محمد علاء الدين، 1399هـ، الطبعة الثانية، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.
7. الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح، سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغل، 1412هـ، المكتبة الأزهرية للتراث، ت: محمد زاهد الكوثري.
8. أنوار الحلك على شرح المنار، ابن ملك، محمد بن ابراهيم الحلبي، 1315هـ، مطبعة عثمانية، در سعادت.
9. البحر الزخار، البزّار، أحمد بن عمرو، 1409هـ، الطبعة الأولى، مكتبة العلوم والحكم، بيروت.
10. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الكاساني، أبي بكر بن مسعود، دار الكتب العلمية، بيروت.
11. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق، الزيلعي، عثمان بن علي فخر الدين، 1313هـ، الطبعة الأولى، المطبعة الأميرية، مصر.
12. تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف، الزمخشري، 1414هـ، الطبعة الأولى، دار ابن خزيمة، الرياض، ت: عبد الله بن عبد الرحمن السعد.
13. التعليق الممجد على موطأ محمد، اللكنوي، عبد الحي اللكنوي، 1991م، الطبعة الأولى، دار السنة والسيرة، بومباي، ودار القلم، دمشق، ت. د. تقي الدين الندوي.
14. التقرير والتحبير شرح التحرير، ابن أمير الحاج، محمد بن محمد، 1996م، الطبعة الأولى، دار الفكر، بيروت.
15. تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرَّافِعِي الكبير، العسقلاني، أحمد بن علي ابن حجر، 1384هـ، المدينة المنورة، ت: السيد عبد الله هاشم.
16. جامع الترمذي، الترمذي، محمد بن عيسى، دار إحياء التراث العربي، بيروت. ت: أحمد شاكر.
17. حاشية الرهاوي على شرح المنار، الرهاوي، يحيى، 1315هـ، مطبعة عثمانية، در سعادت.
18. الدراية في تخريج أحاديث الهداية، العسقلاني، أحمد بن علي ابن حجر، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
19. سنن ابن ماجه، القزويني، محمد بن يزيد بن ماجه، دار الفكر، بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.
20. سنن أبي داود، السجستاني، سليمان بن أشعث، دار الفكر، بيروت، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد.
21. سنن البيهقي الكبير، البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي، 1414هـ، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة.
22. سنن الدارقطني، الدَّارَقُطْنِي، علي بن عمر، 1386هـ، دار المعرفة، بيروت، ت: السيد عبد الله هاشم.
23. سنن النسائي الكبرى، النسائي، أحمد بن شعيب، 1411هـ، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت.
24. شرح مختصر المنار في أصول الفقه (النظم)، الكوراني، طه بن أحمد، 1408هـ، الطبعة الأولى، دار السلام، القاهرة، ت: د. شعبان محمد إسماعيل.
25. شرح معاني الآثار، الطحاوي، محمد بن سلامة، 1399هـ، الطبعة الأولى، ت: محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، بيروت.
26. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان، التميمي، محمد بن حبّان، 1414هـ، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت.
27. صحيح ابن خزيمة، السلمي، محمد ابن إسحاق بن خزيمة، 1390هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، ت: د. محمد مصطفى الأعظمي.
28. صحيح البخاري، البخاري، محمد بن إسماعيل الجعفي، 1407هـ، الطبعة الثالثة، دارابن كثير واليمامة، بيروت.
29. صحيح مسلم، النيسابوري، مسلم بن الحجاج القشيري، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
30. عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، الصالحي، محمد بن يوسف، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة.
31. العناية على الهداية، البابرتي، أكمل الدين محمد بن محمد الرومي، دار الفكر، بيروت.
32. فتح باب العناية بشرح النقاية، القاري، علي بن سلطان محمد، 1418، الطبعة الأولى، ت: محمد نزار وهيثم نزار، دار الأرقم.
33. الفصول في الأصول، الجصاص، أحمد بن علي الرازي، الطبعة الثانية، وزارة الأوقاف الكويتية.
34. كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، البخاري، عبد العزيز بن أحمد، دار الكتاب الإسلامي.
35. اللباب في الجمع بين السنة والكتاب، المنبجي، علي بن زكريا، 1414هـ، الطبعة الثانية، دار القلم، دمشق، ت: الدكتور محمد فضل عبد العزيز المراد.
36. المبسوط، السرخسي، أبي بكر محمد بن أبي سهل، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
37. المجتبى من السنن، النسائي، أحمد بن شعيب أبو عبد الله، 1406هـ، الطبعة الثانية، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ت: عبد الفتاح أبو غدة.
38. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، الهيثمي، علي بن أبي بكر، 1407هـ، دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي، بيروت.
39. مرآة الأصول في شرح مرقاة الوصول، ملا خسرو، محمد بن فرامُوز بن علي، 1291هـ، مطبعة الحاج محرم أفندي البوسنوي.
40. المستدرك على الصحيحين، الحاكم، محمد بن عبدالله، 1411هـ، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، ت: مصطفى عبد القادر.
41. المستصفى شرح النافع، النسفي، عبدالله بن أحمد، من مخطوطات دار صدام برقم (9029).
42. مسند ابن الجعد، ابن الجعد، علي، مؤسسة نادر، بيروت، ت: عامر أحمد حيدر.
43. مسند أبي حنيفة، الأصبهاني، أبي نعيم أحمد بن عبد الله، 1415هـ، الطبعة الأولى، مكتبة الكوثر، الرياض، ت: نظر محمد الفاريابي.
44. مسند أبي يعلى، الموصلي، أحمد بن علي أبي يعلى، 1404هـ، الطبعة الأولى، دار المأمون للتراث، دمشق، ت: حسين سليم أسد.
45. مسند أحمد بن حنبل، ابن حنبل، أحمد، مؤسسة قرطبة، مصر.
46. مسند إسحاق بن راهويه، ابن راهويه، إسحاق بن ابراهيم، 1995م، الطبعة الأولى، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، ت: عبد الغفور عبد الحق.
47. مسند عبد بن حميد، الكسي، عبد بن حميد بن نصر، 1408هـ، الطبعة الأولى، مكتبة السنة، القاهرة.
48. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الفيومي، أحمد بن علي، 1909م، الطبعة الثانية، المطبعة الأميرية.
49. المصنف في الآحاديث والآثار، ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد، 1409هـ، الطبعة الأولى، مكتبة الرشيد، الرياض.
50. المصنف، الصنعاني، عبد الرزاق بن همام، 1403هـ، الطبعة الثانية، المكتب الإسلامي، بيروت، ت: حبيب الرحمن الأعظمي.
51. المعجم الكبير، الطبراني، سليمان بن أحمد، 1404هـ، الطبعة الثانية، مكتبة العلوم والحكم، الموصل.
52. المغني في أصول الفقه، الخبازي، عمر بن محمد، 1403هـ، الطبعة الأولى، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ت: د. محمد مظهر بقا.
53. مقدمة نصب الراية، الكوثري، محمد زاهد بن الحسن، 1997م، الطبعة الأولى، دار الثريا، دمشق، ضمن مقدمات الكوثري.
54. المنار في أصول الفقه، النسفي، حافط الدين عبدالله بن أحمد، 1326هـ، در سعادات.
55. منحة السلوك في شرح تحفة الملوك، العيني، محمود بن أحمد بدر الدين، 1421هـ، ت: ياسين علي البدري، بإشراف: د. محمود رجب، رسالة ماجستير، جامعة بغداد.
56. النهاية في غريب الحديث والأثر، الجزري، مبارك بن محمد، 1399هـ، دارالكتب العلمية، بيروت، ت: طاهر أحمد الزاوى، محمود محمد الطناحي.
57. نور الأنوار شرح المنار، ملا جيون، أحمد بن أبي سعيد الصديقي الميهوي الحنفي، 1316هـ، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر.
* * *