الجزء 13 · صفحة 7
حسن الدراية لآواخر عمدة الرعاية
على شرح الوقاية
للعلامة محمّد عبدِ العزيز ابن مولانا محمّد عبد الرحيم الشهيد اللكنوي
توفي سنة (1338هـ)
متن الوقاية لبرهان الشريعة (ت673هـ) في الأعلى
ويليه شرح الوح الوقاية لصدر الشريعة (ت747هـ)
ويليه حسن الدراية لأواخر عمدة الرعاية على شرح الوقاية لمحمد عبد العزيز اللكنوي
ويليه غاية العناية على حسن الدراية لأواخر عمدة الرعاية للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
تحقيق وتعليق: الأستاذ الدكتور صلاح بو الحاج
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 13 · صفحة 8
كتاب المكاتب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب [1] المكاتب [2]
===
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي منه البداية، وإليه النهاية، والصلاةُ والسلام على رسوله الذي به الهداية إلى الوقاية، وعلى آله وأصحابه ينابيع الدِّراية والرواية.
أمّا بعد:
فيقولُ العبدُ الضعيف الراجي عفو ربِّه القويّ: محمّد المدعو بعبدِ العزيز ابن مولانا محمّد عبد الرحيم الشهيد اللكنوي، هذه تكملةٌ لـ «عمدةِ الرعايةِ» الموسومة بـ «حسن الدراية لأواخرِ شرحِ الوقاية» كتبتُها ارتجالاً؛ لالتماسِ بعض الأحباب، واللهُ الميسِّر للصعاب، الملهمُ للصواب في كلّ باب.
[1] قوله: كتاب المكاتب؛ أوردَ عقدَ الكتابةِ بعد عقد الإجارة؛ لمناسبته أنّ كلَّ واحدٍ منهما عقدٌ يستفادُ به المالُ بمقابلةِ ما ليس بمال على وجهٍ يحتاج فيه إلى ذكرِ العوض بالإيجابِ والقبول بطريق الأصالة. كذا في «النهاية».
[2] قوله: المكاتَب؛ الكتابة عقدٌ شرعاً بين المولى والعبدِ بلفظ الكتابة، أو ما يؤدّي إلى مودَّاه موجبٌ التحريرِ يداً في الحال، ورقبةً في المآل. وقيل: سمّي الكتابة لما يكتبُ فيه من الكتاب على العبدِ للمولى، وللعبد على المولى.
وركنها: الإيجابُ والقبول.
وسببها: تعلّقُ البقاء والمقدور.
وشرطها: قيامُ الرقّ في المحلّ، وكون المسمّى مالاً معلوماً قدراً وجنساً.
وحكمها: صيرورةُ العبدِ أخصّ بنفسه، ومنافع نفسه من سيّده، حتى لا يبقى له عليه ولا على إكسابه سبيل. هكذا في بعض حواشي «الهداية» (¬1).
¬
(¬1) «العناية» و «الكفاية» (8: 91).
الجزء 13 · صفحة 9
الكتابة: إعتاقُ المملوك يداً حالاً ورقبةً مآلاً، فإن كاتَبَ قِنَّه ولو صغيراً يعقلُ بمالٍ حالٍّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(الكتابة [1]: إعتاقُ المملوك يداً حالاً ورقبةً مآلاً، فإن كاتَبَ قِنَّه ولو صغيراً يعقلُ بمالٍ حالٍّ [2]
===
[1] قوله: الكتابة ... الخ؛ أمّا جوازُ الكتابة؛ فلقوله - جل جلاله -: {فكاتبوهم إن علمتم} (¬1) الآية.
فإن قيل: إنّ الأمرَ للوجوب، فينبغي أن يكونَ الكتابةُ واجباً.
قلنا: إن هذا الأمرَ ليس للإيجابِ بإجماعِ الفقهاء، وإنّما هو أمر ندب هو الصحيح، وقيل: إنّه لبيانِ الإباحة والجواز؛ كقوله - جل جلاله -: {وإذا حللتم فاصطادوا} (¬2)، وقوله - جل جلاله -: {إن علمتم فيهم خيرا} (¬3) مذكورٌ على وفاقِ العادة، فإنّ المولَى إنّما يكاتبُ عبدَه إذا عَلِمَ فيه خيراً، وهذا القولُ ضعيف؛ لأنَّ فيه إلغاء الشرط إذ الإباحةُ ثابتةٌ بدون هذا الشرط.
وأمّا الندبيّة فمعلّقةٌ به، والمرادُ بالخيرِ المذكور في الآية على ما قيل: أن لا يضرّ بالمسلمين بعد العتق، فإن كان يضرّ بهم فالأفضلُ أن لا يكاتَبه، وإن كان يصحّ لو فعله.
وأما اشتراطُ قبولِ العبد؛ فلأنّه مال يلزمه، فلا بدّ من إلتزامه، ولا عتق إلاَّ بأداء كلّ البدل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المكاتبُ عبدٌ ما بقيّ عليه درهم» (¬4)، أخرجه أبو داود في «سننه»، هذا مستفادٌ من «الهداية» (¬5) (¬6).
[2] قوله: حال: أي نقدَ كلّه كقوله: على ألف درهم، فإنه يمكنه أن يحصلّه بالاستقراضِ أو الاستيهاب عقبَ العقدِ المذكور. كذا نقل «رد المحتار» (¬7) عن الإِتْقَانِي.
¬
(¬1) النور: من الآية33.
(¬2) المائدة: من الآية2.
(¬3) النور: من الآية33.
(¬4) في «سنن أبي داود» (4: 20)، وغيره.
(¬5) «الهداية» (3: 253).
(¬6) ينظر: «العناية» (8: 94 - 95).
(¬7) «رد المحتار» (5: 60).
الجزء 13 · صفحة 10
أو مؤجَّلٍ، أو مُنَجَّمٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أو مؤجَّلٍ [1]، أو مُنَجَّمٍ): أي مؤقَّتٍ بأزمنةٍ معيِّنة [2]، أُخِذَ من التَّوقيتِ بطلوعِ النَّجم، ثُمَّ شاعَ بعد ذلك نحو: أن يقولَ: كاتبتُك بمئةٍ على أن تؤدِّي كلَّ شهرٍ بكذا، أو كلَّ عشرةِ أيَّام كذا، وعند الشَّافِعِيِّ (¬1) - رضي الله عنه -: لا يجوزُ حالاً، ولا بُدَّ من نَجْمَين: أي شهرين؛ لأنَّهُ عاجزٌ عن التَّسليمِ [3] في زمانٍ قليل. قلنا: يمكنُ أن يستقرض، وفي السَّلَمِ الأجلُ [4] قائمٌ مُقامَ المعقودِ عليه.
===
[1] قوله: مؤجّل: أي غيرُ منجم، بأن أجَّلَه إلى شهرٍ أو شهرين، أو سنةٍ أو سنتين. كذا في بعض حواشي «الهداية».
[2] قوله: بأزمنةٍ معيّنة؛ فيه إشارةٌ إلى الفرقِ بين المنجَّم والمؤجَّل، حيث اكتفى فيه بأداءِ المال في آخرِ المدّةِ معلومةً كانت أو لا، وأمّا المنجّم فقد اعتبرَ فيه معلوميَّة المدّة، وما يؤدّي فيها كما يفصح عنه تمثيله بقوله: كاتبتُك بمئة على أن ... الخ.
[3] قوله: لأنّه عاجزٌ عن التسليم؛ لخروجه عن يدِ مولاه مفلساً، ولم يكن قبل العقدِ أهلاً لتملُّك المال للرقّ، والعاجزُ عن التسليم لا بدَّ له من أجلٍ يقدرُ به على البدل، بخلاف السَّلَمِ على أصله؛ لأنه أهل للملك، فكان احتمالُ القدرةِ ثابتاً، وقد دلّ الإقدامُ على عقدِ السَّلَمِ على القدرةِ فثبتت القدرة به. كذا في «الهداية» (¬2).
[4] قوله: وفي السَّلَم الأجل ... الخ؛ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ يردُ علينا من أنّ إمكان الاستقراض ثابتٌ في السَّلَم، فَلِمَ لا يجوِّزون فيه البدل في الحال، وتقريرُ الجواب: إنَّ الكتابةَ عقدُ معاوضة، وهو يعتمدُ المعقودَ عليه وبه.
ووجود الأوّل لا بُدّ منه؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع ما ليس عند إنسان» (¬3).
ووجودُ الثاني ليس ككلّ بالإجماع على أن مَن ليس عنده فرس أحمر جاز له أن يشتري ما شاءَ بما شاء، وبدلُ الكتابةِ معقودٌ به لا محالة، فأشبه الثمنَ في البيع، والقدرةُ
¬
(¬1) ينظر: «النكت» (ص735)، وغيرها.
(¬2) «الهداية» (3: 253).
(¬3) سبق تخريجه.
الجزء 13 · صفحة 11
أو قال: جعلتُ عليك ألفاً تؤدِّيه نجوما أوَّلُها كذا وآخرُها كذا، فإن أدَّيتَه، فأنتَ حرّ، وإن عجزتَ فقِنٌّ، وقبل العبدُ صحَّ، وخَرَجَ من يدِه دون ملكِه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(أو قال: جعلتُ عليك [1] أَلفاً تؤدِّيه نجوما أوَّلُها كذا وآخرُها كذا، فإن أدَّيتَه، فأنتَ حرّ، وإن عجزتَ فقِنٌّ، وقبل العبدُ صحَّ):أي صحَّ هذا العقدُ بلفظِ الكتابة، أو بلفظٍ يؤدِّي معناها، وهو قولُهُ: أو قال: جعلتُ عليك ... الخ، (وخَرَجَ [2] من يدِه دون ملكِه)، فإنَّ المكاتَبَ عبدٌ ما بقي عليه درهم.
===
عليه ليس بشرط، فكذا على بدل الكتابة.
وأمّا المُسَلَّم فيه فهو معقودٌ عليه، ولا يجوزُ العقدُ على المعدوم، فأشبه المبيع، ووجوده شرطٌ، فلا بدَّ من القدرةِ عليه. كذا في «حاشية الجلبي حسن» (¬1).
[1] قوله: جعلت عليك ... الخ؛ فقوله: فإن أدّيت فأنت حرّ؛ لا بُدّ منه؛ لأنّ قولَه: جعلتُ عليك يحتملُ الكتاب، ويحتملُ الضربة؛ لأنَّ المولى يستبدُ بضربةِ عبده فلا يتعيَّن جهةُ الكتابة إلاَّ بقوله: إن أدّيته فأنت حرّ.
بخلافِ قوله: كاتبتُك؛ لعدمِ الاحتمال، وقوله: وإن عجزت فأنت رقيق لا يحتاجُ إليه هاهنا، وفي الكتابةِ أيضاً، وإنّما ذكرهَ حثّاً للعبدِ على الأداءِ عند النجوم. كذا في «الكفاية» (¬2).
[2] قوله: وخرج ... الخ؛ أي إذا صحَّتِ الكتابةُ خرجَ المكاتَب من يد المولى، ولم يخرج عن ملكه، أمّا الخروجُ من يده فلتحقيقِ معنى الكتابة لغة، أو لتحقيقِ مقصود الكتابة وهو أداءُ البدل، فيملكُ البيعَ والشراء والخروج إلى السفر وإن نهاهُ المولى.
وأمّا عدمُ الخروجِ عن ملكه فلِمَا روينا من أنَّ «المكاتبَ عبدٌ ما بقيَ عليه درهم» (¬3)؛ ولأنّه عقدُ معاوضةٍ ومبناه على المساواة، وينعدمُ ذلك بتنجيز العتق،
¬
(¬1) «ذخيرة العقبى» (ص523 - 524)، والصواب أن هذه الحاشية ليوسف بن جنيد جلبي، وليس لحسن جلبي كما توهمه المحشي، وقد تعرض لذلك الإمام اللكنوي في «مقدمة العمدة».
(¬2) «الكفاية» (8: 98).
(¬3) سبق تخريجه.
الجزء 13 · صفحة 12
وعتقَ مجاناً إن أُعْتِق. وغَرِمَ السيدُ إن وَطِئَ مكاتبتَه، أو جَنَى عليها أو على وَلِدِها، أو مالها
[فصل في الكتابة الفاسدة]
فإن كاتَبَ على قيمتِه، أو عيْنٍ لغيره يتعيَّنُ بالتَّعيين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وعتقَ مجاناً إن أُعْتِق (¬1).
وغَرِمَ السيدُ [1] إن وَطِئَ مكاتبتَه، أو جَنَى عليها أو على وَلِدِها، أو مالها): أي العقر، أو أَرْش الجناية، أو مثل المال، أو قيمته.
[فصل في الكتابة الفاسدة]
(فإن كاتَبَ على قيمتِه [2] (¬2)، أو عيْنٍ [3] لغيره يتعيَّنُ بالتَّعيين (¬3»، هذا في ظاهرِ
===
ويتحقّق بتأخُّره. كذا في «الهداية» (¬4).
[1] قوله: وغرم السيد ... الخ؛ أي إذا وَطِئ المولى مكاتبتَه لزمَه العقر؛ لأنّها صارت أخصّ بإجرائها توسُّلاً إلى المقصودِ بالكتابة، وهو الوصول إلى البدل من جانبه، وإلى الحريّة من جانبِها بناءً عليه، ومنافعُ البضعِ ملحقة بالأجزاءِ والأعيان.
[2] قوله: على قيمته؛ بأن قال: إن أدَّيت إليّ قيمتك فأنت حرّ، أو قال: كاتبتُك على قيمتك.
[3] قوله: أو عيَّن؛ كالعبدِ والفرسِ الذين هما ملكان لغير المكاتب. كذا في «حاشية الجلبي» (¬5).
¬
(¬1) أي عتق المكاتب مجاناً بلا عوض إن أعتقه مولاه؛ لأنه ما التزم البدل إلا ليحصل له العتق وقد حصل. ينظر: «فتح باب العناية» (2: 241).
(¬2) أي بأن قال: كاتبتك على قيمتك فسدت الكتابة؛ لأن القيمة مجهولة قدراً وجنساً ووصفاً فتفاحشت الجهالة، وصار كما إذا كاتب على ثوب أو دابة. ينظر: «مجمع الأنهر» (2: 407).
(¬3) بأن كاتبه على عين لغيره يتعين بالتعيين؛ لعجزه عن تسليمه ففسدت. ينظر: «الدر المنتقى» (2: 407).
(¬4) «الهداية» (3: 254).
(¬5) «ذخيرة العقبى» (ص524).
الجزء 13 · صفحة 13
أو مئة ليردَّ سيدُهُ عبداً غيرَ عين أو المُسْلِمُ على خمرٍ أو خِنْزيرٍ فَسَد، وعتقَ فيهما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرِّواية، وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنَّها تصحُّ حتَّى إذا مَلَكَها وسلَّمَها عَتَق، وإن عَجَزَ يُرَدُّ إلى الرِّق، وفيه احترازٌ عن دراهمِ الغير أو دنانيره، فإنَّ الكتابةَ عليها جائزة؛ لعدم تعيُّنِها، (أو مئة ليردَّ سيدُهُ عبداً غيرَ عين)، حتى لو شُرِطَ أن يردَّ عبداً معيَّناً صحَّ، (أو المُسْلِمُ على خمرٍ أو خنزيرٍ فَسَدَ [1])، قولُهُ: المسلمُ عطفٌ على الضَّميرِ المستتر في قوله: فإن كاتب، والعطفُ جائزٌ لوجودِ الفصل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وعَتَقَ فيهما [2] (¬1)
===
[1] قوله: فسد؛ جزاء لقوله: فإن كاتَب ... الخ؛ أمّا الفسادُ في القيمة؛ فلأنّ قيمتَه مجهولةً قدراً وجنساً ووصفاً، فتفاحشت الجهالة، وأمّا في عينِ الغير؛ فلأنّه لا يقدرُ على تسليمه؛ لأنَّ ملك الغيرِ غير مقدورِ التسليم، وأمّا في مئةِ دينارٍ ليردَّ عليه عبداً غير معيَّن؛ فلأنّ بدلَ الكتابة مجهولُ القدرِ فلا يصحّ، كما إذا كاتَبَه على قيمةِ العبد؛ لأنّه لا يستثنى العبدُ من الدنانير والدراهم، وإنّما يستثنى قيمته، والقيمةُ لا تصلحُ بدلاً، فكذلك مستثنى، وهذا عند الطرفين.
وأمّا عند أبي يوسفَ - رضي الله عنه - فهي جائزة، ويقسمُ المئة على قيمةِ المكاتبِ وعلى قيمة عبد وسط، فتبطل منها حصّةُ العبد، فيكون مكاتباً بما بقيَ، وأمّا في الخمر والخنْزير؛ فلأنّ كلَّ واحدٍ منها ليس بمالٍ متقوّمٍ في حقِّ المسلم، فلا يصلحُ بدلاً عن الكتابة، فيفسد العقد، هذا زبدةُ ما في شروح «الهداية» (¬2).
[2] قوله: وعتق فيهما؛ أي في الخمرِ والخنزير؛ لأنَّ العقدَ انعقد، فعتق بالأداء، وإن كان فاسداً. كذا في «الكافي»، وكذا إذا كاتبَ العبدُ على قيمةِ نفسِهِ يعتقُ بأداءِ تلك القيمة؛ لأنّها البدل.
¬
(¬1) أي الخمر والخنزير يعني في أدائهما؛ لأنهما مال في الجملة فأمكن اعتبار معنى العقد فيه، وموجبه العتق عند أداء العوض المشروط، ثم بعدما عتق بأداء المسمّى سعى في قيمة نفسه. ينظر: «درر الحكام» (2: 24).
(¬2) «حاشية السعدي» و «الكفاية» و «العناية» (8: 100). وينظر: «ذخيرة العقبى» (ص524).
الجزء 13 · صفحة 14
وسعى في قيمتِه إن أدَّى ما سمَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وسَعَى في قيمتِه [1] إن أدَّى ما سمَّى)، وفي ظاهر الرِّواية: إنِّما يثبتُ العتقُ والسِّعايةُ في القيمةِ إن أَدَّى ما سمَّى، وهو الخمرُ والخنزير، وعن أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -: أنَّه إنِّما يعتقُ بأداء عينِهما إن قال: إن أدَّيتَهُما فأنت حرّ، ولا فرقَ [2] في ظاهرِ الرِّواية.
===
وإنّما ثبتَ أداءُ القيمةِ إمّا بتصادقِهما على ما أدَّى في قيمةِ العبد، أو بتقويمِ المقوّمين، وإذا اختلفوا في ذلك فلا يعتقُ ما لم يؤدّ أقصى القيمتين؛ لأنّه المتيقَّن، بخلاف ما إذا كاتبَ على ثوبٍ حيث لا يعتقُ بأدائه؛ لأنّه لا يتفطّن على مرادِ العاقبة؛ لاختلافِ إحساسه، فلا يثبتُ العتقُ بدون إرادته.
لا يقال: إنّ قيمةَ العبدِ مجهولة لجهالةِ الثوب، فينبغي أن تؤثِّرَ تلك الجهالةُ في فسادِ العقدِ على وجهٍ لا يعتقُ بأداءِ القيمة، كما لا يعتقُ بأداءِ الثوب؛ لأنّا نقول: إنّ جهالةَ القيمةِ يمكن إزالتُها بتقويمِ المقوِّمين، فلا تأثيرَ لها في فسادِ العقد، ولا في إبطاله، ولا وقوفَ على أداءِ الشروطِ في الثوب، فاسم الثوب كمَّا يتناولُ ما أدَّى يتناولُ غيره.
ومعلومٌ أنّ مرادَه ليس مطلقُ الثوب؛ لأنّه لا يزولُ ملكُهُ عن العبد لأيّ ثوب كان، فكان المراد معيَّناً ولا يدري أنّ المؤدّي هل هو ذلك المعيَّن أم لا، فلا يثبتُ الأداء. كذا فهمَ من تقريرِ «الكفاية» (¬1). هكذا في «الجلبي» (¬2).
[1] قوله: وسعى في قيمة؛ أي إذا أعتقَ بأداءِ عين الخمرِ والخنْزيرِ لزمَه أن يسعَى في قيمتِه؛ لأنّه وجبَ عليه أو رقبته لفسادِ العقد، وقد تعذَّرَ بالعتق، فيجبُ ردُّ قيمته كما في البيعِ الفاسدِ إذا تلف المبيع. كذا في «الهداية» (¬3).
[2] قوله: ولا فرق ... الخ؛ أي لا فرقَ بين أن يقول: إن أدَّيتَ الخمرَ أو الخنْزير فأنت حرّ أو لم يقل. كذا في «العناية» (¬4).
¬
(¬1) «الكفاية» (8: 102 - 103).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص524 - 525).
(¬3) «الهداية» (3: 255).
(¬4) «العناية» (8: 100).
الجزء 13 · صفحة 15
ولا يُنْقَصُ ممَّا سمِّي وزيد عليه، وصحَّتْ على حيوانٍ ذَكَرَ جنسَه فقط، ويؤدِّي الوسطَ، أو قيمتَه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وعند أبي يوسفَ - رضي الله عنه -: إن أدَّى العينَ عَتَق [1]، وإن أدَّى القيمةَ عَتَقَ أيضاً.
وعند زُفر - رضي الله عنه -: لا يُعْتَقُ إلاَّ بأداءِ القيمة؛ لأنَّ المسلمَ نُهِيَ عن اقتراب الخمر، فاقيمت القيمةُ مقامها.
(ولا يُنْقَصُ ممَّا سمَّي وزيد عليه)، هذه مسألةٌ مبتدأةٌ لا تعلُّقَ لها بمسألةِ الخمرِ والخنزير، ومعناها: أنّ القيمةَ في الكتابةِ الفاسدةِ إذا كانت من جنس المسمَّى، فإن كانت ناقصةً عن المسمَّى لا تنقص عن المسمَّى، وإن كانت زائدة زيدت عليه، ووضع المسألة في «المبسوطِ» فيما إذا كاتبَ عبدَهُ بألف على أن يخدَمَه أَبداً، فالكتابةُ فاسدة، فتجب القيمة، فإن كانت ناقصةً عن الألفِ لا تنقصُ عنه، وإن كانت زائدةً زيدت عليه.
(وصحَّتْ على حيوانٍ ذَكَرَ جنسَه فقط): أي لم يذكرْ نوعَهُ وصفتَه، (ويؤدِّي الوسطَ، أو قيمتَه) [2]، إنِّما يخيَّر؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ أصلٌ من وجه، أمَّا
===
[1] قوله: إن أدّى العين عتق؛ لأنّه بدلٌ صورة، وإن أدّى القيمة عتقَ أيضاً؛ لأنّها البدلُ معنىً؛ لأنَّ المرادَ أداءُ قيمةِ نفس العبد على ما نقلَه الأكمل، وإن كان ظاهر دليلِ زفرَ - رضي الله عنه - يشعر بكون المراد بهما قيمة الخمر. كذا في الجلبي (¬1).
[2] قوله: زيدت عليه؛ لأنّه عقدٌ فاسد، فيجبُ القيمةُ عند هلاكِ المبدل بالغة ما بلغت، كما في البيع الفاسد؛ وهذا لأنَّ المولى راضٍ بالنقصان، والعبدُ راضٍ بالزيادة، كيلا يبطلُ حقُّه في العتقِ أصلاً، فتجبُ القيمةِ بالغاً ما بلغت. كذا في «الهداية» (¬2).
[3] قوله: ويؤدِّي الوسط أو قيمته؛ ويجبرُ على قبولِ القيمة؛ لأنّه قضاءٌ في معنى الأداء، كما إذا تزوَّج المرأةَ على حيوان، وبيَّنَ جنسَه ولم يبيّن نوعَه وصفتَه، فإنّه يجوز، وينصرفُ إلى الوسط، ويجبرُ على قبول القيمة. هكذا في العَيْنِيّ (¬3).
¬
(¬1) في «ذخيرة العقبى» (ص525).
(¬2) «الهداية» (3: 255).
(¬3) في «رمز الحقائق» (2: 208).
الجزء 13 · صفحة 16
وفي كافر كاتَب عبداً مثلَهُ بخمرٍ مقدَّرةٍ صحَّ: وأيٌّ أسلمَ لسيِّدِه قيمتَها، وعتقَ بقبضِ الخمرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الوسطُ فظاهرٌ، وأمَّا قيمةُ الوسط؛ فلأنّ الوَسَطَ يُعرفُ بالقيمةِ فصارت أَصلاً، فَدَفْعُ القيمةِ قضاءً في معنى الأداء.
(وفي كافر كاتَب عبداً مثلَهُ بخمرٍ مقدَّرةٍ [1] صحَّ، وأيٌّ أسلمَ لسيِّدِه قيمتَها [2]، وعتقَ بقبضِ الخمر [3])؛ لأنَّ عتقَهُ متعلِّقٌ بقبضِها، لكن مع ذلك يجبُ القيمةُ كما مرَّ.
===
[1] قوله: مقدَّرة؛ كمئة أرطالٍ صحّ؛ لأنّها مالٌ في حقّهم، بمنْزلةِ الخلّ في حقِّنا. كذا في «الهداية» (¬1).
[2] قوله: قيمتها؛ أي قيمةُ الخمر؛ لأنَّ المُسْلِمَ ممنوعٌ عن تمليكِ الخمر وتملُّكِها، وفي التسليم ذلك، إذ الخمرُ غيرُ متعيِّن، فيعجزُ عن تسليمِ البدل، فيجبُ عليه قيمتُه.
وهذا بخلاف ما إذا تبايعَ الذمّيان خمراً، ثمَّ أسلمَ أحدُهما حيث يفسدُ البيعُ على ما قاله البعض؛ لأنَّ القيمةَ تصلحُ بدلاً في الكتابةِ في الجملة، فإنّه لو كاتبَ على عبد الخدمة، وأتى بالقيمة، يجبرُ على القبول، فجازَ أن يبقى العقدُ على القيمة، أمّا البيعُ لا ينعقدُ صحيحاً على القيمة، فافترقا. كذا في «الهداية» (¬2).
[3] قوله: وعتق بقبض الخمر؛ لأنَّ في الكتابة معنى المعاوضة، فإذا وصلَ أحدُ العوضين إلى المولى سلّم العوضَ الآخر للعبد، وذلك بالعتق بخلاف ما إذا كان العبد مُسْلِماً، حيث لم يجز الكتابة؛ لأنَّ المُسْلِمَ ليس من أهلِ إلتزامِ الخمر، ولو أدّاها عتقَ كما مرّ. كذا في «الهداية» (¬3).
• • •
¬
(¬1) «الهداية» (3: 256).
(¬2) «الهداية» (3: 256 - 257).
(¬3) «الهداية» (3: 257).
الجزء 13 · صفحة 17
باب تصرف المكاتب
صحَّ بيعُهُ وشراؤهُ وسفرُه، وإن شرطَ ضدَّه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب تصرف المكاتب [1]
(صَحَّ بيعُهُ وشراؤهُ [2] وسفرُه، وإن شرطَ ضدَّه)، فإنَّهُ إن شرطَ أن لا يسافرَ فله السَّفرُ استحساناً؛ لأنَّهُ شرطٌ مخالفٌ لمقتضى العقد [3]، وهو مالكيَّةُ اليد، ولا
===
[1] قوله: باب تصرّف المكاتب؛ لمّا ذكرَ أحكام الكتابةِ الصحيحةِ والفاسدة، شرعَ في بيان تصرّفاتِ المكاتبِ من الأفعال التي يجوزُ له أن يفعلها أو لا يجوز، فإنّ جوازَ التصرُّفِ يبتني على العقد الصحيح. كذا في «العناية» (¬1).
[2] قوله: صح بيعُه وشراؤه؛ أي المكاتب، وكذا الإجارةُ والإمارةُ والإيداع والإقرار بالدَّين واستيفاؤه، وقبول الحوالة بدين عليه [لا] إن لم يكن عليه، وله الشفعة فيما اشتراه المولى، وللمولى الشفعةُ فيما اشتراهُ العبدُ المكاتب، وأن يتوكّل بالشراء وإن أوجبَ عليه ضمان الثمن للبائع، وأن يأذن لعبده.
وأن يحطَّ شيئاً بعد البيع بعيبٍ ادّعي عليه، أو يزيدَ في الثمن، وأن يردَّ بالعيب ولو اشترى من مولاه إلاَّ أنّه لا يجوزُ له أن يرابحَ فيما اشتراهُ من مولاه، إلاَّ أن يبيّن، وكذلك المولى فيما اشتراهُ منه، ولا أن يبيعَ من مولاه درهماً بدرهمين؛ لأنّه صارَ أحقّ بمكاسبه فصارَ كالأجنبيّ في المعاوضةِ المعلّقة. كذا في «البدائع» (¬2) ملخّصاً. هكذا في «ردّ المحتار» (¬3).
[3] قوله: لمقتضى العقد؛ أي عقد الكتابة؛ لأنّ مقتضاه مالكيّة اليدِ على جهةِ الاستقلال، وثبوتُ الاختصاصِ بنفسه ومنافعه؛ لحصولِ ما هو المقصودُ بالعقد، وذلك قد يكون بالسفر، والتقييدُ بمكان ينافيه، والشرطُ المخالفُ له باطل، فهذا الشرطُ باطل، ولما وردَ عليه أنّ هذا يقتضي بطلان العقد كما في البيع.
¬
(¬1) «العناية» (8: 109).
(¬2) «بدائع الصنائع» (4: 143).
(¬3) «رد المحتار» (5: 63).
الجزء 13 · صفحة 18
وإنكاحُ أمَتِه، وكتابةُ عبدِه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تفسدُ الكتابةُ بهذا الشَّرط، فإنَّ الكتابةَ تُشْبِهُ البيعَ، ومع ذلك هي إعتاقٌ بالنَّظرِ إلى العبد، فقلنا: كلُّ شرط مفسدٍ يكون في أَحدِ البدلين، كما إذا شرطَ خدمةً مجهولةً تفسدُها، وكلُّ شرطٍ [1] لا يكون كذلك لا يفسدها عملاً بالشَّبهين.
(وإنكاحُ أَمَتِه، وكتابةُ عبدِه)؛ لأنَّهما يُفيدان المال [2]،وعند زُفرَ والشَّافِعِيِّ (¬1)
===
أجاب عنه بقوله: ولا تفسدُ الكتابة؛ يعني أنّ الشرطَ الباطل إنّما يبطلُ الكتابة إذا تمكَّن في صلبِ العقد، كما إذا قال: كاتبتُكَ على أن تخدمني مدّةً أو زماناً، وشرطُ عدم السفرِ ليس كذلك؛ لأنّه لا شرطَ في بدلِ الكتابة، ولا فيما يقابله، فلا يفسدُ به الكتابة، ثمَّ أشارَ إلى تفصيلِ المقامِ بقوله: فإنّ الكتابة ... الخ؛ يعني إنَّ الكتابةَ تشبه البيعَ من حيث المعاوضة وعدم صحّتها بلا بدل، واحتمالهما الفسخ قبل الأداء، ويشبه النكاح من حيث أنّهما معاوضةٌ مالٍ بغيرِ مال.
وقوله: ومع ذلك هي إعتاق بالنظر إلى العبد؛ إشارةٌ إلى ما ذكرَه الأكملُ بقوله: أو نقول: إنّ الكتابةَ في جانب العبد إعتاق؛ لأنَّ الإعتاقَ إزالةُ الملكِ لا إلى أحدٍ، والكتابةُ كذلك؛ لأنّه لا يحصلُ للمكاتبِ شيء، وإنّما يسقطُ عنه ملكُ مولاه، وكلُّ شرطٍ يختصُّ بجانبِ العبدِ فهو داخلٌ في الإعتاق؛ لدخوله في الكتابة، وهذا الشرطُ يختصُّ بجانبِ العبد، فهو داخلٌ في الإعتاق، والإعتاقُ لا يبطلُ بالشرط الفاسد. انتهى. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2).
[1] قوله: وكلّ شرط؛ لا يكون كذلك كاشتراطِ أن لا يبيع نسيئة، أو أن لا يخرجَ من البلد، أو أن لا يبيعَ ولا يشتري عن فلان، وغير ذلك (¬3).
[2] قوله: لأنّهما يفيدان المال؛ فإنّه بالإنكاحِ يتملّكُ المهر فدخل تحت عقد الكتابة، وكذا بكتابة عبده يتملَّك بدل الكتابة، فدخل تحت العقد.
¬
(¬1) ينظر: «النكت» (ص748)، وغيرها.
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص525 - 526).
(¬3) ينظر: «الذخيرة» (ص526).
الجزء 13 · صفحة 19
وله ولاؤه إن أدَّى بعد عتقِه، ولسيِّدِه إن أدَّى قبله لا تزوُّجه إلاَّ بإذنه ولا هبتُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لا يجوزُ الكتابةُ وهو القياس؛ لأنَّها تؤدِّي إلى العتق، وهو ليس من أَهله، وجهُ الاستحسان [1]: أنّها إفادةُ المال، وعتقُهُ يُضافُ إلى المولى، (وله ولاؤه إن أَدَّى بعد عتقِه [2]، ولسيِّدِه إن أدَّى قبله [3]): أي للمكاتَبِ الأوَّلِ ولاءُ الثَّاني إن أدَّى الثَّاني بعد عتقِ الأوَّل [4]، ولسيِّدِه إن أدَّى قبله، (لا تزوُّجه إلاَّ بإذنه [5] ولا هبتُهُ
===
[1] قوله: وجه الاستحسان ... الخ، توضيحه: إنّ كلَّ واحدٍ منهما عقدُ اكتسابِ المال فيملكه كالبيع، وقد يكون عقدَ الكتابة أنفع له من البيع؛ لأنّه لا يزيل الملك إلا بعد وصول البدل إليه، والبيعُ يزيله قبله؛ ولهذا يملكه الأب والوصيّ.
[2] قوله: إن أدّى بعد عتقه؛ لأنَّ العاقد؛ أي المكاتَب الأوّل من أهلِ ثبوت الولاء، وهو الأصل؛ لأنّه مباشر للعتق، فيثبت الولاء له.
[3] قوله: ولسيّده إن أدّى قبله؛ لأنّ له فيه نوعُ ملك، ويصحُّ إضافةُ الإعتاقِ إليه في الجملة، فإذا تعذَّر إضافتُه إلى مباشر العقد وهو المكاتبُ الأوّل؛ لعدم الأهليّة أضيف إليه، كما في العبد المأذونِ إذا اشترى شيئاً يثبتُ الملك للمولى، فكذا هذا. هكذا في «الهداية» (¬1).
[4] قوله: إن أدَّى الثاني بعد عتقِ الأوّل ... الخ؛ أمَّا إن أدّيا بدلهما جميعاً معاً فولاؤهما للمولى ترجيحاً للأصل، وإن عجز الأوّل عن الأداءِ وردّ إلى الرقّ، ولم يؤدّ الثاني بدله بقي مكاتباً، فإن أدّى البدل إلى المولى عتق، وإن عجزَ ردّ إلى الرقّ كالأوّل. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2) ناقلاً عن «الغرر» (¬3).
[5] قوله: لا تزوّجه إلا بإذنه؛ لأنّه ليس من جنس الاكتساب، وفيه ضررٌ للمولى بلزومِ المهر والنفقةِ في رقبته، وإنّما استفادَ من التصرّف بعقدِ الكتابة ما كان سبباً إلى أداءِ بدلها، وهو ليس بوسيلةٍ إلى أداءِ البدل، فيبقى على الحجر، فإذا أذن له المولى جازَ لزوالِ الحجر حينئذٍ، هذا في المكاتب.
¬
(¬1) «الهداية» (3: 258).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص526).
(¬3) «غرر الأحكام» (2: 26).
الجزء 13 · صفحة 20
ولو بعوض، ولا تصدُّقُه إلاَّ بيسير، وتكفُّلُهُ وإقراضُهُ وإعتاقُ عبدِه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولو بعوض [1] (¬1)، ولا تصدُّقُه إلاَّ بيسير [2]، وتَكفُّلُهُ [3] وإقراضُهُ وإعتاقُ عبدِه
===
أمّا في المكاتَبةِ هل يجوزُ لها التزوُّج بلا إذنه؟ ففيه خلاف؛ قال شيخ الإسلام - رضي الله عنه -: لا تتزوّج المكاتبةُ بغير إذن مولاها؛ لأنّها مملوكة للمولى، وقال زُفر - رضي الله عنه -: يجوز ذلك؛ لأنّه من باب الاكتساب.
إنّا نقول: المهرُ وجبَ في مقابلةِ الملكِ بالذات لا في المنافع، وهو حقُّ السيّد، فإن عُتِقَت قبل أن يفسخَ النكاحُ صحّ ذلك النكاح؛ لأنّه لا يفسدُ إلاَّ لحقِّ المولى، فإذا عُتِقَتْ زالَ حقُّه، فصحّ، ولا خيارَ لها؛ لأنّها باشرتِ العقد برضاها، ونفذَ بعد الإعتاق. كذا في «العناية» (¬2).
ونحن نقول: كما لا يجوزُ تزوُّجُه بلا إذن مولاه لا يجوزُ تسرّيه أيضاً، وإن كان مع إذنه كالقنِّ والمدبَّر والمأذون، وهو اتِّخاذُ الجاريةِ للتمتع؛ وذلك لأنَّ مبنى حلِّ التسريّ على ملكِ الرقبة، والرقيقُ مطلقاً لا يملكُ شيئاً من أحكامِ ماليّة المال، فلا ينفعُهم إذنُه، وسيشير الشارح - رضي الله عنه - إلى هذا المعنى بُعَيْدَ هذا بقوله؛ لأنّ كسبَ المكاتَبِ موقوفٌ، فلا يتعلَّقُ به ما لا يحتملُ الفسخ. هكذا في «حاشية الجلبي» (¬3).
[1] قوله: ولو بعوض؛ لأنَّ الهبةَ تبرُّعٌ ابتداءً وهو ليس أهله (¬4).
[2] قوله: إلا بيسير؛ أي لا يصحُّ تصدُّقه إلا بشيءٍ يسير، قيل: ما دون الدرهم يسير؛ لتوسُّع الناس فيه. كذا في «الكفاية» (¬5).
[3] قوله: وتكفله؛ بالنفس أو المال بأمرِ المولى أو بغير أمره؛ لأنّ الكلّ تبرّع، وهو ليس بأهله. كذا في «التبيين» (¬6) (¬7).
¬
(¬1) لأن الهبة عوض ابتداءً، وهو ليس أهله. ينظر: «شرح ابن ملك» (ق252/ب).
(¬2) «العناية» (8: 111).
(¬3) «ذخيرة العقبى» (ص526).
(¬4) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص526).
(¬5) «الكفاية» (8: 111).
(¬6) «تبيين الحقائق» (6: 157).
(¬7) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص526).
الجزء 13 · صفحة 21
ولو بمال وبيعُ نفسِ عبدِه منه، وإنكاحه والأبُ والوصيُّ في رقيقِ الصَّغيرِ كالمكاتب وشيءٌ من ذا لا يصحُّ من مأذونٍ ومضاربٍ وشريك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولو بمال [1])؛ لأنَّه فوقَ الكتابة، (وبيعُ نفسِ عبدِه منه، وإنكاحه)، فإنَّ ذلك إعتاقٌ، وهذا إتلافُ مال.
(والأبُ والوصيُّ في رقيقِ الصَّغيرِ كالمكاتب):أي كلُّ تصرُّفٍ يملكُهُ المكاتَبُ في عبدِه يملكانه في رقيقِ الصَّغير، وما لا فلا، فإنَّهما يملكان تصرُّفاً يحصُلُ به المالُ للصَّغيرِ كالمكاتبِ يملكُ كسبَ المال، فحكمُهما حكمُه، فيملكانِ كتابةَ عبدِه لا إعتاقَهُ على مال، وبيعَ عبدِه من نفسِه.
(وشيءٌ من ذا لا يصحُّ من مأذونٍٍ ومضاربٍ وشريكٍ [2]): أي من قوله: لا تزوّجُهُ إلى هنا، وأمَّا إنكاحُ أمتِه وكتابةُ عبدِه فهما وإن لم يكونا جائزين للمأذون لم يُدخلهما في قولِه: وشيءٌ من ذا، بل ذكرهما في «كتاب المأذون» بقوله: ولا يزوِّجُ رقيقَه ولا مكاتَبه؛ لأنَّ قوله هاهنا: وإنكاحُ أمتِهِ عطفٌ على البيعِ والشّراء، وهما جائزانِ للمأذون، فتخصيصُ الإشارةِ في قوله: وشيءٌ من ذا إلى بعضِ المعطوفاتِ دونَ البعضِ لم يكن حسناً، فجعلَ الإشارةَ إلى قولِه: لا تزوُّجه إلى آخره.
===
[1] قوله: ولو بمال؛ لأنّ الإعتاقَ على مالٍ إسقاطُ الملكِ عن رقبته، وإثباتُ الدَّينِ في ذمَّةِ المفلس، وهو فوقُ الكتابة؛ لأنَّ الثابتَ للمكاتبِ ثبوت حقّ الحريّة، وللمعتق على مالٍ حقيقتُها. كذا في «الجلبي» (¬1) ناقلاً عن «الكفاية».
[2] قوله: وشريك؛ أي شريكُ شركةِ العتاق، وشركة المفاوضة، وشركة العتاق هي شركةٌ في كلّ تجارة، أو في نوعٍ من أنواعِ التجارة، وتصحُّ ببعضِ مالِ أحد الشريكين، ومع فضلِ مال أحدهما، ومع تساوي ماليهما مع تفاوتِ الربحِ بينهما، أو مع تفاوتِ ماليهما بتساوي الربح بينهما، ومع كونِ أحد المالين دراهم، والآخرُ دنانير، والخلطُ فيه ليس بشرط، وكلُّ شريكي العتاق مطالبٌ بثمنِ مشتريه، لا بثمنِ مشتري الآخر، فإنّ هذه الشركةَ لا تتضمَنُ الكفالة.
¬
(¬1) «ذخيرة العقبى» (ص526).
الجزء 13 · صفحة 22
ويكاتَبُ عليه بالشَّراءِ ولدُهُ وأبواه، لا من لا ولاد بينهما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ويكاتَبُ عليه [1] بالشَّراءِ ولدُهُ وأبواه [2] (¬1)، لا من لا ولاد [3] بينهما)، هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وعندهما: إن اشترى ذا رحمٍ مَحْرَمٍ كالأخِ والعمِّ يدخلُ في كتابتِه، كما يُعْتَقُ عليه [4]، له: إنَّ للمكاتَبِ كسباً لا ملكاً [5]، فجُعِلَ الكسبُ كافياً للصَّلةِ [6] في قرابةِ الولادة إذ القادرُ على الكسبِ مخاطبٌ بالنَّفقةِ في الولادةِ لا في غيره، إذ لا بُدّ فيه من اليَسار.
===
ثم يرجعُ على شريكِهِ بحصَّةٍ من الثمنِ إن أدّاه من مال نفسه؛ لأنّه وكيلٌ بالشراء من جهةِ شريكه، والوكيلُ بالشراء إذا نقد الثمن من مال نفسه يرجعُ على الموكِّل، وشركةُ المفاوضة هي شركة متساويين من جهة المال؛ أي الدراهم والدنانير، ومن جهةِ الحريّة، ومن جهةِ الدين، وتتضمنُ الكفالة والوكالة، فكلٌّ منهما وكيلٌ من الآخر ووكيل. كذا قال عليّ القاري في «شرح النُّقاية».
[1] قوله: ويكاتب عليه؛ أي يصيرُ مكاتباً مثله (¬2).
[2] قوله: ولده وأبواه؛ لأنّه من أهلِ أن يكاتب، وإن لم يكن من أهلِ الإعتاقِ فيجعلُ مكاتَباً تحقيقاً لصلةِ الرحمِ بقدر الإمكان. كذا في «النهاية».
[3] قوله: لا من ولاد ... الخ؛ أي لا يدخلُ في كتابتِهِ مَن لا ولاد بينهما.
[4] قوله: كما يعتقُ عليه؛ أي إذا كان المكاتبُ حرّاً واشترى الأخ أو العمّ، يعتقُ كلُّ واحدٍ منهما عليه.
[5] قوله: لا ملكاً؛ ولهذا يحلُّ الصدقةُ له، وإن أصاب مالاً ولا يملك الهبة، ولا يفسد نكاح امرأته إذا اشتراها.
[6] قوله: كافياً للصلة؛ أرادَ أنّ قدرته على الكسب توجبُ الصلة في قرابةِ الولاد. كذا في بعض حواشي «الهداية».
¬
(¬1) وأقواهم دخولاً الولد المولود في كتابته ثمّ الولد المشترى ثم الأبوان؛ ولهذا يتفاوتون في الأحكام، فإن المولود في كتابته يكون حكمه كحكم أبيه، حتى إذا مات أبوه ولم يترك وفاءً سعى على نجوم أبيه، والولد المشترى يؤدّي بدل الكتابة حالاً وإلا ردّ إلى الرق، والوالدان يردّان إلى الرق ولا يؤدِّيان حالاً ولا مؤجَّلاً. وتمامه في «درر الحكام» (2: 27).
(¬2) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص526).
الجزء 13 · صفحة 23
وصحَّ بيعُ أمِّ ولده شراها بدونِه، فإن شرى معه فلا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وصحَّ بيعُ أمِّ ولده [1] شراها بدونِه، فإن شرى معه فلا (¬1»، هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وعندهما لا يصحُّ بيعُها وإن شراها بدونِ الولدِ؛ لأنَّها أمّ ولدِه فلا يجوزُ بيعُها، وله: أنّ القياسَ يجوزُ بيعُها وإن كان معها ولد؛ لأنَّ كسبَ المكاتَبِ موقوفٌ فلا يَتَعَلَّقُ به ما لا يحتملُ الفسخ، أمَّا إذا كان معها ولدٌ يثبتُ امتناعُ البيعِ بتبعيَّةِ الولد [2]
===
[1] قوله: وصحّ بيعُ أمّ ولده ... الخ؛ يعني إذا ولدت زوجةُ المكاتبِ قبل أن يملكها بوجهٍ من الوجوه، فملكَها فإنّ ملكَها مع الولد، فليس له أن يبيعَها بالاتّفاق؛ لأنّ ولدَها داخلٌ في الكتابةِ كما مرّ، والأمُّ تابعةٌ للولد في هذا الحكم على مقتضى الحديث، وإن ملكَها بدونه له ذلك. كذا في الجلبي (¬2).
[2] قوله: بتبعية الولد ... الخ؛ فإن قلت: إذا ثبتَ للولدِ حقيقةُ الحريَّةِ يثبتُ للأمِّ حقُّها، وهاهنا يثبتُ للولد من [حقّ] الحريّة، فينبغي أن لا يثبت للأمّ أنّه تحقيقاً لانحطاطِ رتبتِها عن الولد.
قلت: للكتابةِ أحكام؛ منها عدم جواز البيع، فيثبت للأمِّ هذا الحكم دون الكتابة تحقيقاً لانحطاطِ رتبتها.
فإن قلت: لمَ لا تصير مكاتبةً تبعاً للولد.
قلت: العقدُ وردَ على المكاتب والولد جرؤه، فيكون وارداً عليه بخلافِ الأمّ. كذا في بعض حواشي «الهداية» (¬3).
¬
(¬1) فلا تدخل في كتابته حتى لا تعتق بعتقه ولم ينفسخ النكاح؛ لأنه لم يملكها فجاز له أن يطأها بملك النكاح، وإن لم يكن الولد مع أم الولد جاز بيعها؛ لعدم دخولها في كتابته؛ لأنّ ما كسبه المكاتب مترددٌ بين أن يؤدّي وبين أن يعجز، فإن أدى الكل يتقرّر له، وإن عجز يتقرّر للمولى فلا يتعلّق به ما لا يحتمل الفسخ، وهو أمومية الولد. ينظر: «مجمع الأنهر» (2: 411).
(¬2) في «ذخيرة العقبى» (ص527).
(¬3) ينظر: «نتائج الأفكار» (9: 181).
الجزء 13 · صفحة 24
كولدٍ ولدَ له من أمته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال - صلى الله عليه وسلم -: «أعتقها ولدُها» (¬1)، ولا يثبتُ أصالةً، والقياسُ ينفيهِ [1]، (كولدٍ [2] ولدَ له من أمته)، يتعلَّقُ بقوله: ويكاتبُ عليه بالشِّراء: أي إن ولدَ ولدٌ من أمته فادَّعاهُ دخلَ في كتابتِه [3]
===
[1] قوله: والقياسُ ينفيه؛ يعني ولا نصّ فيه ليتركَ القياس به، بخلاف ما إذا كان معها الولد. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2).
[2] قوله: كولد ... الخ؛ صورتُه كما لو ولدَ له ولدٌ من أمةٍ له دخلَ في كتابة، فإن قلت: المكاتبُ لا يملكُ التسري، ولا وطء أمته، وبه قالت الثلاثة، فمن أين ولدَ له ولدٌ حتى يدخل في كتابته.
قلت: نعم إلاَّ أنه له في مكاتبه يداً كالحر؛ وذلك يكفي لثبوت النسب منه عند الدعوى، وإن لم يحلّ وطؤه، كما في الجاريةِ المشتركة، وجارية الابن إذا وطئها الأب وادّعى الولدُ ثبتَ النسب، وإن لم يحلّ لأحدِ الشريكين وللأبِ وطء الجاريةِ المشتركة وجارية الابن، هكذا في «شرح العَيْنِي» (¬3).
[3] قوله: دخل في كتابته؛ لما بيَّنا في المشتري من أنّه من أهل أن يكاتب وإن لم يكن من أهل الاعتاق، فيجعل مكاتباً تحقيقاً للصلة بقدر الإمكان، وكان حكمه كحكمه.
فإن قلت: المكاتبُ لا يملك المشتري ولا وطء أمته، وبه قالت الثلاثة فمن أين ولدَ له ولدٌ حتى يدخلَ في كتابته.
¬
(¬1) من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - في «سنن ابن ماجه» (841)، و «المستدرك» (2: 23)، و «سنن البيهقي الكبير» (10: 346)، و «سنن الدارقطني» (4: 131)، و «مصنف عبد الرزاق» (7: 233)، و «الآحاد والمثاني» (5: 450)، و «مسند ابن الجعد» (1: 265)، وغيرها، قال ابن القطان: له إسناد جيد. ورواه ابن حزم بإسناد صحيح وصححه، وله شواهد كثيرة. ينظر: «الدراية» (2: 87)، و «الخلاصة» (2: 464)، وغيرهما.
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص527).
(¬3) أي «البناية» (8: 57).
الجزء 13 · صفحة 25
وكسبُهُ له فإن كاتَبَ قِنَّيْنِ له زوجين، فولدَتْ دخلَ الولدُ في كتابتها، وكسبُهُ لها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وكسبُهُ له): أي كَسْبُ ولدِ المكاتَبِ يكونُ للمكاتَب؛ لأنَّ الولدَ كسبُه، وكسب الولد كسبُ كسبه [1].
(فإن كاتَبَ قِنَّيْنِ له زوجين، فولدَتْ دخلَ الولدُ في كتابتها، وكسبُهُ لها): أي زوَّجَ أمتَهُ من عبدِه فكاتبَهما، فولدتْ ولداً دَخَلَ الولدُ في كتابةِ الأمّ [2]، وكسبُهُ للأمِّ؛ لأنَّ الولدَ يتبعُ الأمَّ [3] في الرِّقِ والعتق وفروعِه [4].
===
قلت: نعم؛ إلاَّ أنّ له في مكاتَبه يداً كالحرّ، وذلك يكفي لثبوت النسب منه عند الدّعوى، وإن لم يحلّ وطؤه كما في الجاريةِ المشتركة، وجاريةُ الابن إذا وطئها الأبُ وادّعى الأب. كذا في «شرح العَيْنِي» (¬1).
[1] قوله: كسب كسبه؛ وكان كسبُ الولد قبل الدّعوى، فلا ينقطعُ بالدَّعوة اختصاصه؛ أي اختصاصُ المكاتبِ بكسب ولده، وكذلك إذا ولدت المكاتبةُ من زنا أو زوجُها دخلَ الولد في كتابتِها؛ لأنّ الولدَ المولودَ يسري إليه الصفاتُ الشرعيةُ الثابتة في الأمر كالتدبير والاستيلاد والحريّة والملك، فإذا سرى إليها صار حكمُه كحكمِ أمّه فكانت هي أحقَّ به وبكسبه؛ لأنّه جزؤها، وقد انقطعَ حقُّ المولى عنه. كذا في «التبيين» (¬2).
[2] قوله: في كتابة الأمّ؛ بناءً على أنَّ الأوصاف القارّة الشرعيّة في الأمّهات تسري إلى الأولاد. كذا في «شرح العَيْنِي» (¬3).
[3] قوله: لأنّ الولد يتبعُ الأمّ؛ وإنّما كان تبعيّة الأم أرجح؛ لأنّه جزءٌ منها، بحيث يقرض منها بالمقراض. كذا في «العناية» (¬4).
[4] قوله: وفروعه؛ يعني الكتابة والتدبير والاستيلاد، فإنّ هذه الأوصافَ القارّة الشرعيّة في الأمّهات تسري إلى الأولاد، وإذا سرت كتابتها إلى ولدها لم يجزْ بيعُه كما
¬
(¬1) «البناية» (8: 57).
(¬2) «تبيين الحقائق» (5: 159).
(¬3) أي «البناية» (8: 58).
(¬4) «العناية» (9: 183).
الجزء 13 · صفحة 26
فإن ولدت حرَّةٌ بزعمِها من مكاتَبٍ أو عبدٍ نكحَها بإذنٍ فاستحقَّتْ، فولدُها عبدٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(فإن ولدت حُرَّةٌ [1] بزعمِها من مكاتَبٍ أو عبدٍ نكحَها بإذنٍ فاستحقَّتْ، فولدُها عبدٌ): أي تزوَّجَ المكاتَبُ بإذنِ مولاه امرأةً، فقالت: أنا حرَّةٌ فولدَتْ منه فاستحقَّت فولدُها عبدٌ عند أبي حنيفةَ وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وعند محمَّد - رضي الله عنه -: حرٌّ بالقيمة؛ لأنَّه ولدُ المغرور، لهما: أنّ القياسَ أن يكونَ عبداً؛ لكونِه مولوداً بين رقيقين [2]
===
لم يجزْ بيع أمّه. كذا في «العناية» (¬1).
[1] قوله: فإن ولدت حرّة ... الخ؛ هذه مسألتان:
الأولى: إن تزوّجَ المكاتبُ بإذنِ مولاه امرأة زعمت أنّها حرّة، فولدت منه فاستحقّت فولدُها عبد، فلا يأخذُ المكاتبُ الأولاد بقيمة يؤدّيها إلى المستحقّ؛ أي لا يكون الولد حراً بالقيمة. صرّح به الشارح - رضي الله عنه -.
والثانية: إنّه إن تزوَّجَ العبدُ المأذونُ بالتزويج من امرأة فولدت ثمّ استحقَّت فولدُه عبدٌ كذلك، ولم يصرّح به الشارح - رضي الله عنه - لظهوره، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -.
وعند محمد - رضي الله عنه - الأولادُ في الصورتين أحرار بالقيمة؛ لأنّه شاركَ الحرّ في سبب ثبوت هذا الحقّ، وهو الغرور؛ لأنه ما رغب في نكاحِها إلاَّ لينالَ حريّة الأولاد، فتجبُ عليه قيمةُ الأولاد والمهر في الحال لوجود الإذن من المولى، والأولاد أحرارٌ، هذه روايةُ «المبسوط».
وفي «شرح الجامع الصغير»: إن قيمةَ الأولاد عنده يتأخَّرُ أداؤها إلى ما بعد العتق، وإليه أشار الشارح - رضي الله عنه - بقوله: وهاهنا لا قدرة ... الخ، كما فهم من تقرير الأكمل - رضي الله عنه -. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2).
[2] قوله: بين رقيقين؛ والمولود بينهما رقيق، وهذا لأنَّ الأصلَ في الولدِ أن يتبع الأمّ في الرقّ والحريّة.
¬
(¬1) «العناية» (9: 182).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص527).
الجزء 13 · صفحة 27
فإن وَطِئَ أمةً بملكه فاسْتُحِقَّت، أو بشراءٍ فاسد فردَّت
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفي الحرِّ خالفنا القياسَ [1] بإجماعِ الصَّحابة - رضي الله عنهم -، وهذا [2] ليس في معناه؛ لأنَّ حَقَّ المولى مجبورٌ بالقيمةِ يؤدِّيها الحرُّ في الحال، وهاهنا لا قدرةَ للعبدِ على أدائها في الحال، بل تؤخَّرُ [3] إلى العتق (¬1).
(فإن وَطِئَ [4] أَمةً بملكِهِ فاسْتُحِقَّت أو بشراءٍ فاسد فَرُدَّت
===
[1] قوله: وفي الحرّ خالفنا القياس؛ هذا دفعُ دخل مقدَّر تقريره: إنّ ولد الرجل الحرّ الذي تزوَّجَ امرأةً بزعم أنّها حرّة، فولدت ولداً ثمّ استحقّت، فولدُها حرٌّ بالاتّفاقِ مع وجود الأصلِ المذكور، وتقرير الجواب أنّ في الحرّ خالفنا القياس وتركناه بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -.
[2] قوله: وهذا؛ أي ولدُ المكاتب ليس في معنى ولد الحرّ والمغرور، كما ذكره الشارح - رضي الله عنه - بقوله: لأنّ حقَ المولى ... الخ؛ ولأنّ المغرورَ في الأصلِ حرّ، فإذا لم يعتق ولدُه يلحقُه ضررٌ بأن يرقَ ماؤه، وفي الفرع رقيق، فلم يكن في معنى ما ورد به الشرع، فتعذَّرت التعدّية. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2).
[3] قوله: بل تؤخَّر إلى العتق؛ فكان المانعُ عن الإلحاقِ به موجوداً، وهو الضررُ اللاحقُ بالمستحقّ بالتأخير، فيبقى على الأصل، ولا يلحق به ثمّ إذا غرم القيمة يرجع عليها عنده؛ لأنّ الغرورَ حصل منها. كذا في «حاشية الجلبي» (¬3) ناقلاً عن «العناية» (¬4).
[4] قوله: فإن وطئ ... الخ؛ إي إذا اشترى المكاتبُ أمةً بالشراء الصحيح ووطئها بغير إذن المولى أو بإذنه، لكنّه قال: بغير إذن المولى ليتبيَّنَ منه ما إذا كان بإذنه بالطريق الأولى. كذا في «العناية» (¬5).
¬
(¬1) وإذا غرم القيمة يرجع عليها عنده؛ لأنّ الغرورَ حصل منها. ينظر: «العناية» (8: 120).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص527).
(¬3) «ذخيرة العقبى» (ص527).
(¬4) (العناية» (8: 120).
(¬5) «العناية» (8: 120).
الجزء 13 · صفحة 28
أُخِذَ عُقْرُها في الحال، كالمأذون بالتَّجارة، ولو نكحَ فوطئ أُخِذَ حين عتق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أُخِذَ عُقْرُها [1] في الحال [2] (¬1)، كالمأذون بالتَّجارة): أي وطئ المكاتب أو المأذون أمةً بغيرِ إذن المولى بناءً على أنَّها ملكه بأن اشتراها أو وُهِبت له، ثُمَّ اسْتُحِقَّت الأمة، أو اشترى أمةً شراءً فاسداً فوطئها، ثُمَّ رُدَّتْ يجبُ العقرُ في الحال [3].
(ولو نَكَحَ فوطئ أُخِذَ حين عَتَق): أي نكحَ المكاتب أو المأذون أَمةً بغيرِ إذن المولى فوطئ، ثمَّ استحقَّت يَجبُ العقرُ بعد العتق، والفرقُ أنَّه لولا الشِّراء لما سقطَ الحدّ، وما لم يسقطِ الحدُّ لا يجبُ العقر، فيكونُ من توابعِ التِّجارة، فيكون ثابتاً في حقِّ المولى، وهنا النِّكاح ليس من بابِ الكسب
===
[1] قوله: عقرها ... الخ؛ العقر: من أسماءِ المهر كالصداق، وفي «استيلاد» «الجوهرة» العقر في الحرائرِ مهرُ المثل، وفي الإماء عشرُ قيمة البكر ونصف عشر قيمة الثيب.
والظاهرُ أنه يشترط عدم نقصانِ العشر أو نصفه عن عشر دراهم، فإن نقص وجب تكميله إلى العشرة؛ لأنّ المهرَ لا ينقصُ عن العشرة سواء كان مهرُ المثل أو مسمَّى، وقيل: في الجواري ينظرُ إلى مثل تلك الجارية جمالاً ومولى بكم تتزوج فيعتبرُ بذلك وهو المختار. كذا نقل في «ردّ المحتار» (¬2).
[2] قوله: في الحال؛ أي في حالة الكتابة قبل عتقه لدخوله في كتابته؛ لأنّ الإذنَ بالشراء إذنٌ بالوطء. كذا في «الدر المختار» (¬3).
[3] قوله: يجب العقرُ في الحال؛ يعني أنّ المكاتبَ إذا اشترى أمةً لا يجوز له الوطء ولو بإذن المولى، ومع هذا لو وطئها ثمّ استحقت يلزم العقر في الحال، وليس له أن يتزوَّجَ امرأةً بغير إذن المولى، ومع ذلك لو تزوّج يؤخذُ بالمهر إذا عتق.
¬
(¬1) أي في حالة الكتابة قبل عتقه لدخوله في كتابته؛ لأنّ الإذنَ بالشراء إذنٌ بالوطء. ينظر: «الدر المختار» (5: 65).
(¬2) «ردّ المحتار» (8: 120).
(¬3) «الدر المختار» (5: 65).
الجزء 13 · صفحة 29
وصحَّ تدبيرُ مكاتَبه، وعَجْزُ نفسِه وكان مُدَبَّراً، أو مضى عليها وسعى في ثُلُثَي قيمتِه، أو ثُلُثي البدل إن ماتَ سيدُهُ فقيراً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فلا ينتظمُهُ الكتابة [1]، ولقائلٍ أن يقول [2]: إن العقرَ يثبتُ بالوطء لا بالشِّراء، والإذنُ بالشِّراءِ ليس إذناً بالوطء، والوطءُ ليس من التِّجارة في شيء، فلا يكونُ ثابتاً في حقِّ المولى (¬1).
(وصحَّ تدبيرُ مكاتَبه، وعَجَّز نفسَه وكان مُدَبَّراً أو مَضَى عليها وسَعَى في ثُلُثَي قيمتِه أو ثُلُثي البدل إن ماتَ سيدُهُ فقيراً): أي له الخيارُ: إمَّا أن عجَّزَ نفسَه وكان مُدبَّراً أو مضى على الكتابة.
===
وتقريرُ الفرقِ الذي أشار إليه الشارح - رضي الله عنه - بقوله: والفرق أنّه .... الخ أنّ الكتابة أوجبت الشراء، والشراءُ أوجبَ سقوط الحدّ، وسقوط الحدّ أوجب العقر، فالكتابة أوجبت العقر، ولا كذلك النكاح. كذا نقل الجلبي (¬2) عن «البناية» (¬3)، و «العناية»، «الدراية».
[1] قوله: فلا ينتظمه الكتابة؛ فيتأخّر إلى ما بعد عتقه، كما إذا كفل المكاتب يؤخذ به بعد العتق؛ لأنّ الكتابة لا تنتظمها. كذا في بعض حواشي «الهداية».
[2] قوله: ولقائلٍ أن يقول ... الخ؛ ويمكن أن يجابَ عنه بما قال في «رد المحتار» (¬4): إنا سلَّمنا أنّ العقرَ ثبت بالوطء لا بالشراءِ ابتداءً، لكن الوطء مستندٌ إلى الشراء إذ لولاه لكان الوطء حراماً بلا شبهة، فلا يثبت به العقر ويجب الحدّ، والوطءُ نفسُه إن لم يكن من التجارة لكن الشراء منها فيكون ثابتاً في حقّ المولى. اهـ.
¬
(¬1) أجاب عنه في «الدرر» (2: 28)، و «رد المحتار» (5: 65): إنا سلَّمنا أنّ العقرَ ثبت بالوطء لا بالشراءِ ابتداءً، لكن الوطء مستندٌ إلى الشراء؛ إذ لولاه لكان الوطء حراماً بلا شبهة، فلا يثبت به العقر ويجب الحدّ، والوطءُ نفسُه إن لم يكن من التجارة لكن الشراء منها فيكون ثابتاً في حقّ المولى.
(¬2) في «ذخيرة العقبى» (ص528).
(¬3) «البناية» (8: 63).
(¬4) «رد المحتار» (5: 65).
الجزء 13 · صفحة 30
واستيلادُ مكاتبتِه، ومَضَتْ عليها، أو عَجِزَتْ وكانت أمَّ ولدٍ له
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن مَضَى عليها فمات المولى ولا مالَ له سواه، فهو بالخَيار: إمَّا أن يَسْعَى في ثُلُثي قيمتِه أو ثُلُثي بدل الكتابة، وعندهما: يسعى في الأقلّ منهما، فإنّ الإعتاقَ لَمَّا كان مُتَجَزّئاً عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - بقي الثُلُثان عبداً، فإن أدَّى للتَّدبير ثُلُثي القيمة في الحالِ عتقَ الكلُّ في الحال، وإن أدَّى للكتابةِ ثُلُثي البدلِ مؤجَّلاً عتقَ مؤجَّلاً، فيفيدُ التَّخيير، وقد تلقى جهتا الحريّةِ ببدلين معجَّلٍ بالتَّدبير، ومؤجَّلٍ بالكتابة، فيتخيَّرُ بينهما، وعندهما: لَمَّا لم يكنْ متجزئاً صارَ بموتِ المولى معتقُ الكلّ، وقد سقطَ عنه ثُلُث المال، وبقي الثُلُثان، وكلُّ ما هو أقلُّ من ثُلُثي البدل أو ثُلُثي القيمة يسعى فيه، ولا فائدةَ في التَّخيير بين الأقلِّ والأكثر.
(واستيلادُ مكاتبتِه [1]، ومَضَتْ عليها أو عَجِزَتْ وكانت أُمَّ ولدٍ له): أي ولدتِ المكاتبةُ فادَّعى المولى الولدَ تصيرُ أمَّ ولدٍ له، فتخيَّرُ بين أن تمضي على الكتابةِ وتؤدِّي البدل، فتعتقُ قبل موتِ المولى وبين أن تُعْجِّزَ نفسَها
===
[1] قوله: استيلاد مكاتبته؛ عطف على: تدبير مكاتبه؛ أي إذا ولدت المكاتبةُ من المولى فهي بالخيار إن شاءت عجزت نفسها، وصارت أمّ ولدٍ له، وإن شاءت مضت على الكتابة، فإن مات سيّدُها فقيراً سعت في ثلثي قيمتها، وثلثي بدل الكتابة.
قال في «الهداية» (¬1): ونسبُ ولدها ثابتٌ من المولى، وهو حرّ؛ لأنّ المولى يملك الإعتاقَ في ولدِها، وماله من الملك يكفي لصحّة الاستيلاد بالدعوة. انتهى.
وإذا اختارت الكتابةَ أخذت العقرَ من مولاها؛ لاختصاصها بنفسها وبمنافعها على ما قدَّمنا، ثمّ إن ماتَ المولى عتقت بالاستيلاد، وسقطَ عنها بدلُ الكتابة، وإن ماتت هي وتركت مالاً يؤدّى منه بدل الكتابة، وما بقي ميراثٌ لابنها جرياً على موجب الكتابة، فإن لم تترك مالاً فلا سعاية على الولد؛ لأنّه حرّ.
ولو ولدت ولداً آخرَ لم يلزم المولى إلا أن يدّعي لحرمته وطئها عليه، فلو لم يدّع وماتت من غير وفاءٍ يسعى هذا الولد؛ لأنّه مكاتبٌ تبعاً لها، فلو ماتَ المولى بعد ذلك
¬
(¬1) «الهداية» (3: 260).
الجزء 13 · صفحة 31
وكتابةُ أمِّ ولدِه فعتقتْ بموتِهِ مجَّاناً ومدبَّرِه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فتعتقُ بعد موتِ المولى [1]، فإن مَضَتْ على الكتابةِ فلها أن تأخذ العقر [2] من سيِّدها.
(وكتابةُ أمِّ ولدِه [3] فعتقتْ بموتِهِ مجَّاناً [4] ومدبَّرِه): أي صحَّتْ [5] كتابةُ مدبَّرِه
===
عتقَ هذا الولد وبطل عنه السعاية؛ لأنّه بمنْزلةِ أمِّ الولد إذ هو ولدُها فيتبعُها (¬1).
[1] قوله: فتعتقُ بعد موت المولى؛ أي على الاستيلاد، وسقط عنها مال الكتابة.
[2] قوله: فلها أن تأخذَ العقر؛ أي مهر مثلها؛ لاختصاصها بنفسها وبمنافعها، توسُّلاً إلى المقصود بالكتابة. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2).
[3] قوله: وكتابة أمّ ولده؛ أي وصحّ كتابةُ أمّ ولده؛ لأنّ الكتابة يتوسَّل بها إلى ملك اليد في الحال، والحريّة عند أداء البدل، وحاجةُ أمِّ الولد إلى استفادة هذا المعنى قبل موت المولى، كحاجة غيرها فكان جائزاً (¬3).
[4] قوله: مجّاناً؛ أي بالاستيلاد، وتعلّق عتقُها بموت السيّد، وسقط عنها بدل الكتابة؛ لأنّ الغرضَ من إيجاب البدلِ العتقُ عند الأداء، فإذا عتقت قبل الأداء لا يمكن توفير الغرض على المولى، فسقط بدل الكتابة، وبطلت الكتابة؛ لامتناعِ إبقائها بلا فائدة.
غير أنّه تُسلّمُ لها الأكساب والأولاد؛ لأنّ الكتابةَ انفسخت في حقِّ البدل، وبقيت في حقِّ الأولاد والأكساب، حتى يعتقَ الأولاد ويخلص له الأكساب. كذا في «الهداية» (¬4).
[5] قوله: صحّت ... الخ؛ لوجود المقتضى وهو الحاجةُ، فإنّ الثابت بالتدبير مجرَّدُ استحقاقِ الحريّة لا حقيقتُها، ولانتفاءِ المانع، وهو عدمُ المنافاةِ بين الكتابة والتدبير. كذا في «حاشية الجلبي» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: «الهداية» (3: 260 - 261).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص528).
(¬3) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص528).
(¬4) «الهداية» (3: 261).
(¬5) «ذخيرة العقبى» (ص528).
الجزء 13 · صفحة 32
ويسعى في ثلثي قيمتِه أو كلِّ البدلِ في موتِ سيِّده معسراً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ويسعى في ثلثي قيمتِه [1] أو كلِّ البدلِ في موتِ سيِّده معسراً)، هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه -: يسعى في الأقلِّ منهما، وعند محمَّدٍ - رضي الله عنه -: يسعى في الأقلِّ [2] من ثلثي القيمة أو ثلثي البدل، أمَّا الخيارُ وعدمُهُ ففرعُ التَّجزؤ وعدمه كما مرّ.
وأمَّا المقدارُ فمحمَّدٌ - رضي الله عنه - يقول: البدلُ لما كانَ مقابلاً بالكلّ فبالموتِ يسلَّمُ له ثلثُ البدل، ومن المحالِ أن يجبَ البدلُ في مقابلة الثّلث وهما يقولان: البدلُ وقعَ في مقابلةِ الثُّلثين، لأنَّ الظَّاهرَ أنَّ الإنسانَ لا يلتزمُ المالَ في مقابلةِ ما يستحقُّ حرِّيته.
===
[1] قوله: ويسعى في ثلثي قيمته ... الخ؛ أي إن مات المولى ولا مالَ له غيرها، فهي بالخيار بين أن تسعى في ثلثي قيمتها أو جميع مال الكتابة، وإنّما قيَّدَ بقوله: معسراً؛ أي لا مال له غيرها؛ لأنّه لو كان له مال غيرها وهي تخرج من ثلث المال عتقت بالتدبير وسقطت عنها المكاتبة؛ لوقوع الاستغناء بها عن أداء المال، فكان هذا بمنزلة ما لو عتق المولى مكاتَبه. كذا في «الكفاية» (¬1).
[2] قوله: يسعى في الأقلّ: من ثلثي القيمة أو ثلثي البدل، فالخلاف في الخيار والمقدار، فأبو يوسفَ مع أبى حنيفة - رضي الله عنهم - في المقدار، ومع محمد - رضي الله عنه - في نفي الخيار، أمّا الخيار ففرعُ تجزؤ الإعتاق، والإعتاقُ عنده لمّا تجزأ بقي الثلثان رقيقاً، وقد تلقّتها جهتا حرية ببدلين: معجّلةٍ بالتدبير، ومؤجّلة بالكتابة فتخيّر، وعندهما لمّا عتق كلُّها بعتق بعضِها فهي حرّةٌ، ووجبَ عليها أحدُ المالين، فتختار الأقلّ لا محالة، فلا معنى للتخيير.
وأمّا المقدارُ؛ فلمحمّد - رضي الله عنه - أنّه قابل البدل بالكلّ، قد سَلَّمَ لها الثلث بالتدبير، فمن المحال أن يجب البدل بمقابلته، ألا ترى أنه لو سلّم لها الكلّ بأن خرجت من الثلث يسقطُ كلّ البدل، فهاهنا يسقطُ الثلث، فصار كما إذا تأخّر التدبيرُ عن الكتابة.
ولهما: أنّ جميعَ البدلِ مقابل بثلثي رقبتها، فلا يسقط منه شيء؛ وهذا لأنّ البدل وإن قوبلَ بالكلّ صورة وصيغة، لكنّه مقيّدٌ لما ذكرنا معنىً وإرادة؛ لأنّها
¬
(¬1) «الكفاية» (8: 124).
الجزء 13 · صفحة 33
وصلحُهُ مع مكاتبِهِ على نصفٍ حالٍّ من بدلٍ مؤجل، فإن ماتَ مريضٌ كاتبَ عبدَهُ على ضِعْفِ قيمتِهِ بأجل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وصلحُهُ مع مكاتبِهِ على نصفٍ حالٍّ من بدلٍ مؤجل): أي صحَّ صلحُه، والقياسُ أن لا يصحَّ [1]؛ لأنَّهُ اعتياضٌ عن الأجلِ بالمال، ووجه الاستحسان: أن الأجلّ في حَقِّ المكاتَبِ مالٌ من وجهٍ لا يقدرُ على الأداءِ إلاَّ به، وبدلُ الكتابةِ ليس بمالٍ من وجهٍ [2] حتَّى لا تصحّ الكفالةُ به [3] فاعتدلا [4].
(فإن ماتَ مريضٌ [5] كاتبَ عبدَهُ على ضِعْفِ قيمتِهِ بأجل
===
استحقّت حريّة الثلث ظاهراً، والظاهر أنّ الإنسان لا يلتزمُ المال بمقابلة ما يستحقّ حريّة. هكذا في «الهداية» (¬1).
[1] قوله: أن لا يصحّ؛ لأنّه اعتياض عن الأجل، وهو ليس بمال، والدَّين مال فكان ربا؛ ولهذا لا يجوز مثلُه في الحرّ، بأن كان على الحرّ ألف مؤجّل فصالحه على خمسِ مئة حالّة، وفي مكاتبِ الغير بأن كان على مكاتبِ الغيرِ ألفٌ إلى سنةٍ فصالحه على خمسمئة. كذا في بعض حواشي «الهداية».
[2] قوله: ليس بمال من وجه؛ لاحتمال التعجيز.
[3] قوله: حتى لا تصحّ الكفالة به؛ أي ببدلِ الكتابة، فلو كان مالاً من كلِّ وجهٍ لصحّت الكفالةُ به. كذا في «شرح العَيْنِيّ» (¬2).
[4] قوله: فاعتدلا؛ فكان اعتياضاً عمّا هو مالٌ من وجهٍ بما هو مالٌ من وجه، واختلف الجنس، فلم يكن ثمّة ربا. كذا في «العناية» (¬3).
[5] قوله: فإن مات مريض ... الخ؛ صورتُه على ما في «حاشية الجلبي» (¬4): إن كاتبَ المريضُ عبدَه على ألفين إلى سنة، وقيمتُه ألف درهمٍ ثمَّ مات المولى، ولا مال له سواه، ولم يجز الورثةُ الأجل؛ لأنَّ المريضَ تصرّف فيه، وهو حقُّهم، فلهم أن يردُّوه
¬
(¬1) «الهداية» (3: 261).
(¬2) «البناية» (8: 76).
(¬3) «العناية» (8: 127).
(¬4) «ذخيرة العقبى» (ص528).
الجزء 13 · صفحة 34
وردَّ ورثتُهُ أدَّى ثلثي البدلِ حالاً، وباقيه مؤجَّلاً، أو استُرقّ وفي نصفِ قيمتِهِ هنا أدَّى ثلثيها حالاً أو استرقَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وردَّ ورثتُهُ أدَّى ثلثي البدلِ [1] حالاً وباقيه مؤجَّلاً أو استُرقّ): أي خيِّرَ العبدُ بين أن يؤدِّي ثلثي البدلِ حالاً والباقي [2] مؤجّلاً، وبين أن يمتنعَ فيسترقّ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وعند محمَّدٍ - رضي الله عنه -: خيِّرَ العبدُ بين أن يؤدِّي ثلثي القيمة حالاً، والباقي إلى تمامِ البدلِ مؤجَّلاً، وبين أن يمتنعَ فيسترقّ؛ لأنَّ المريضَ ليسَ له التَّأجيلُ في ثلثي القيمة، أمَّا فيما وراءه [3] يصحُّ له التَّركُ [4] فيصحٌّ له التَّأخير، لهما: أنّ جميعَ المسمَّى بدلُ الرَّقبةِ [5] وحقُّ الورثةِ متعلِّقٌ بالمبدل، فكذا بالبدل، فلا يصحُّ له التَّأخيرُ إلاَّ في ثلثِه.
===
دفعاً لضررِ تأخيرِ حقِّهم إلى مضيّ الأجل عن أنفسهم.
[1] قوله: ثلثي البدل؛ وهو ألفُ وثلاثمئةٍ وثلاثةٌ وثلاثون درهماً وثلثُ درهم في الصورة المذكورة (¬1).
[2] قوله: والباقي؛ هو ستُّ مئةٍ وستَّة وستّون درهماً، وثلثا درهم (¬2).
[3] قوله: فيما وراءه؛ أي الزائدُ على ثلثي القيمة (¬3).
[4] قوله: يصحّ له الترك؛ بأن يتركَ الزيادةَ ويكاتبَه على قيمته؛ لأنّه لم يتعلَّق بها حقُّ الورثة، فيصحُّ له التأخير؛ لأنّه لمّا جازَ له تركُ أصله جازَ له تركُ وصفِهِ وهو التعجيلُ بالطَّريقِ الأولى، فصار كما إذا خالعَ المريضُ امرأتَه على ألفٍ إلى سنة جاز؛ لأنَّ له أن يطلّقها بغير بدل.
[5] قوله: بدل الرقبة؛ من حيث أنّه لا يعتقُ إلا بأداءِ الكلّ، حتى أجرى عليها أحكام الإبدال، وحقُّ الورثةِ متعلّقٌ بالمبدل، فكذا بالبدل، والتأجيل إسقاطٌ معنى، فيعتبرُ من ثلث الجميع، بخلافِ الخلع؛ لأنَّ البدلَ فيه لا يقابلُ المال، فلم يتعلّق حقُّ الورثةِ بالمبدل، فلا يتعلّق بالبدل. كذا في «الهداية» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص529).
(¬2) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص529).
(¬3) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص529).
(¬4) (3: 262).
الجزء 13 · صفحة 35
وفي نصفِ قيمتِهِ هنا أدَّى ثلثيها حالاً أو استرقَّ، فإن قال حرٌّ لسيِّد عبد: كاتبْ عبدك على كذا، وشرطَ العتقَ بأدائه أوَّلاً ففعل وأدَّى الحرُّ عتق، ولم يرجع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وفي نصفِ قيمتِهِ هنا): أي فيما إذا كانَ البدلُ نصفَ القيمة هنا: أي في المسألةِ المذكورةِ وهي موتُ المريضِ الذي كاتبَ عبدَهُ على بدلٍ مؤجَّل، (أدَّى ثلثيها حالاً أو استرقَّ): أي خُيِّرَ العبدُ بين أن يؤدِّي ثلثي القيمة حالاً، وبين أن يمتنعَ فيسترقّ؛ لأنَّ المحاباةَ وقعت في المقدارِ [1] وفي التَّأخير فتنفذُ بالثُّلثِ [2] دونَ الثُّلثين اتِّفاقاً.
(فإن قال [3] حرٌّ لسيِّد عبد: كاتبْ عبدك على كذا، وشرطَ العتقَ بأدائه أو لا): أي سواءٌ قال: عليّ إن أدَّيتُ فهو حرُّ أو لم يقل، (ففعل وأدَّى الحرُّ عَتَق، ولم يرجع): أي لا يرجعُ المؤدِّي على العبد؛ لأنَّهُ متبرِّعٌ في الأداء، وإنَّما يُعْتَقُ
===
[1] قوله: وقعت في المقدار؛ وهو إسقاط الألف، وفي التأخيرِ هو تأجيلُ الألف الأخرى.
[2] قوله: فتنفذُ بالثلث؛ أي يصحّ تصرُّفُه في ثلثِ قيمته في الإسقاط والتأخير، لكن لَمَّا سقطَ ذلك الثلثُ لم يبقَ التأخير أيضاً، ولم يصحّ تصرّفه في ثلثي القيمةِ إلا في حقّ الإسقاط، ولا في حق التأخير. كذا في «شرح العَيْنِيّ» (¬1).
[3] قوله: فإن قال ... الخ؛ لمّا فرغَ عن ذكرِ الأحكامِ التي تتعلَّق بالأصل في الكتابة، شرعَ في ذكر الأحكامِ التي تتعلق بالنائب فيها؛ فإن قال حرّ: أي أجنبيٌّ فضوليٌّ لسيّدِ عبدٍ: كاتبْ عبدَك على كذا: أي على ألفِ درهمٍ مثلاً، وشرطَ العتقَ أو لم يشترط، ففعل السيّد وأدّى الحرُّ ألفَ درهمٍ عُتِقَ العبدُ ولم يرجعْ هذا الحرُّ على العبد بما أدّى؛ لأنّه متبرِّعٌ، وإنّما عتقَ العبدُ بأداءِ الحرّ.
أمّا إن شرطَ العتقَ بأدائه بأن قال: إن أدّيت فهو حرٌّ فظاهر، وأمّا إن لم يشترط فالقياسُ أن لا يعتقَ العبد؛ لأنّه ما شرطَ حتى يعتقَ بأداءِ الشرط، ويكون العقدُ موقوفاً على إجازة العبد، وفي الاستحسانِ يعتق؛ لأنّه يتوقّف ... الخ.
¬
(¬1) «البناية» (8: 81).
الجزء 13 · صفحة 36
وإن قبلَ العبدُ فهو مكاتب، فإن كوتبَ حاضرٌ وغائبٌ، وقَبِلَ الحاضر فأيٌّ أدَّى قَبِلَ جبراً أو عتقاً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بأداءِ الحرّ، أمَّا إن شرطَ العتقَ بأدائه فظاهر، وأمَّا إن لم يشترط فالقياس: أن لا يعتق، وفي الاستحسان: يُعتق؛ لأنَّهُ يتوقَّفُ على قبولِ العبدِ الغائبِ فيما يضرُّه [1] وهو وجوبُ البدلِ عليه، لا فيما ينفعُهُ وهو صحةُ أداءِ القابلِ البدل.
(وإن قَبِلَ العبدُ فهو مكاتب [2]): أي إن كاتبَ الحرُّ العبد، وبلغَ العبدُ وقبلَ فهو مكاتَب؛ لأنَّ الكتابةَ موقوفٌ على إجازتِه.
(فإن كوتبَ حاضرٌ وغائبٌ، وقَبِلَ الحاضر فأيٌّ أدَّى قَبِلَ جبراً وعتقا)، صورةُ المسألة: أن يقول: كاتِبْني بألفٍ على نفسي وعلى فلان [3] الغائب ففعل وقبلَ الحاضر
===
[1] قوله: فيما يضره ... الخ؛ وفيما نحن فيه لا ضررَ للعبد الغائب؛ لأنّ المولى ينفرد بإيجابِ العتق، والحاجةُ إلى قبول المكاتب لأجل البدل، فإذا تبرّع الفضوليّ بأداءِ البدل.
وتصرّف الفضوليّ نافذٌ في حقّ كلّ حكمٍ ليس فيه ضرر، ولا ضرر عليه في عتقه عند تبرّع الغيرِ بأداءِ البدل عنه، فينفذُ الكتابة في حقِّ هذا الحكم، ويتوقّف في حكمِ لزوم البدلِ وهو الألفُ مثلاً على العبد. كذا في «الكفاية» (¬1).
[2] قوله: وإن قبل العبد فهو مكاتب؛ يعني أنَّ هذا العقدَ نافذٌ في حقِّ العبدِ من حرمةِ البيع، ونفوذُ عتقِهِ بأداءِ هذا القابل، وموقوفٌ على إجازته فيما عليه من لزوم البدل؛ لأنّه عقدٌ جرى بين فضوليّ ومالك، فيتوقّف على إجازةِ مَن له الإجازة، فإذا قبله كان ذلك إجازةً منه، فيصير مكاتباً منه؛ لأنَّ الإجازةَ في الانتهاءِ كالإذنِ في الابتداء. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2).
[3] قوله: وعلى فلان؛ يعني به الشارحُ - رضي الله عنه - العبد الآخرُ الغائب لهذا المولى (¬3).
¬
(¬1) «الكفاية» (8: 129).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص529).
(¬3) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص529).
الجزء 13 · صفحة 37
فصارَ كمعيرِ الرَّهن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فالقياسُ أن يصحَّ في حصَّة الحاضرِ [1] وفي حصَّة الغائبِ يتوقَّفُ على قبوله.
وجه الاستحسان: أنّ الحاضرَ أضافَ العقدَ إلى نفسِهِ فجعلَ نفسَهُ أصلاً، والغائبَ تبعاً فيصحُّ كما يصحُّ على الأولادِ [2] بالتَّبعية فأيُّهما أدَّى قَبِلَ جبراً [3]، أمَّا الحاضر؛ فلأنَّ كلَّ البدلِ عليه، وأمَّا الغائبُ [4]؛ فلأنَّهُ ينالُ شرفَ الحريِّة، وإن لم يكنْ البدلُ عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(فصارَ كمعيرِ الرَّهن)، صورتُه: استعارَ رجلٌ عيناً من غيرِهِ ليرهنَهُ بدينٍ
===
[1] قوله: في حصّة الحاضر؛ لأنّ الحاضرَ وليّ نفسه، ويتوقّف في حصّة الغائب؛ لعدم الولايةِ عليه، كمَن باعَ عبده وعبد غيره، أو زوّج أمته وأمةَ غيره، أو زوّج بنته وبنت غيره الصغيرتين.
[2] قوله: كما يصحّ على الأولاد؛ يعني أنّ الكتابةَ على هذا الوجهِ مشروعة، كالأمةِ إذا كوتبت دخلَ أولادها في كتابتِها تبعاً، حتى عتقوا بأدائها، وليس عليهم من البدل شيء.
[3] قوله: فأيُّهما أدّى قبل جبراً؛ أي يجبرُ المولى على القبول، أمّا الحاضرُ؛ فلأنّ البدلَ عليه فيجبرُ المولى على قبوله عند أدائه، ويعتقُ الغائب أيضاً لدخوله في كتابةِ الحاضر تبعاً، كما في ولد المكاتبة، أو لما ذكرنا من التعليق ووجودُ الشرط.
وأمّا إذا أدّى الغائب؛ فلأنّه ينالُ لهذا الأداءِ شرفَ الحريّة، فلا يكون بمنْزلةِ الأجنبيّ بل يكون بمنزلة ولد المكاتبة. كذا في «الكفاية» (¬1).
[4] قوله: وأمّا الغائب ... الخ؛ يعني أنّ القياس فيه أن لا يجبرَ المولى على القبول إن أدّى الغائب؛ لأنّه أجنبيّ متبرّع، إذ ليس عليه شيء من البدل، ووجه الاستحسان: إنّ له منفعة؛ لأنّه ينالُ شرفَ الحريّة ... الخ. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2).
¬
(¬1) «الكفاية» (8: 130 - 131).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص529).
الجزء 13 · صفحة 38
ولم يرجعْ على الآخر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عليه للآخر، فرهنَه، ثمَّ احتاجَ المعيرُ إلى استخلاصِ عينِه، فإنْ أدَّى الدَّينَ إلى المُرْتَهِن يجبرُ المُرْتَهِنُ على القبول، وإن لم يكنْ على معيرِ الرَّهن دين [1]، وإنِّما هو على المستعير، وإن أَدَّى الدَّين يرجع على المستعير به وإن أدَّى بغير أمرِه؛ لأنَّه مضطرٌ إلى تخليصِ عينِه ولا يتمكّنُ إلا بأداء الدَّين.
(ولم يرجعْ على الآخر [2])؛ لأنَّهُ متبرِّعٌ في حقِّ الآخر، وإنِّما يرجعُ معيرُ الرَّهن [3]؛ لأنَّه مضطرٌ في الأداءِ؛ لأنَّه يخافُ تَلَفَ مالِه في يدِ المُرْتَهِن.
===
[1] قوله: وإن لم يكن على معير الرهن دين؛ فكذا هاهنا يجبر المولى على القبول من الغائب، وإن لم يكن البدل عليه؛ لأنّه محتاجٌ إلى استفادةِ الحريّة. كذا في «شرح العَيْنِيّ» (¬1).
[2] قوله: ولم يرجع على الآخر؛ الحاصل أنّه أيّهما أدّى لا يرجعُ على صاحبه، أمّا الحاضر؛ فلأنّه قضى ديناً عليه ولم يتعرّض له الشارح لظهوره، وأمّا الغائب؛ فلأنّه متبرِّعٌ بالأداءِ غيرَ مضطرٍ إليه.
قد يقال: معيرُ الرهنِ اعتبرَ مضطراً إلى أداءِ دين المستعير؛ لاستخلاص المال، والحاجة الى استخلاص نفسه أقوى، فالأولى أن يعتبرَ الغائبُ مضطراً إلى أداءِ بدل الكتابة، فالأولى أن يقال: الغائبُ بالأداء عاملٌ لنفسه؛ لرجوعِ منفعته إليه، وهو عتقُ رقبتِه فلا يرجع بما نفعه، يعود إليه على الغير بخلاف معيرِ الرهن. هكذا في «حاشية ملا الهداد».
[3] قوله: وإنّما يرجع معيرُ الرهن، جوابٌ عمّا قيل: الغائبُ هاهنا كمعير الرهن، وهو مضطر؛ ولهذا يرجعُ على المستعيرِ بما أدّى.
تقريره: إنّ المعيرَ كالغائب، وفي جواز الأداءِ من غير دين عليه لا في الاضطرار، فإنّ الاضطرارَ إنّما هو إذا فات له شيء حاصل، وهاهنا ليس كذلك، بل إنّما هو
¬
(¬1) «البناية» (8: 87).
الجزء 13 · صفحة 39
وقبولُ الغائبِ له لغو، فإن كوتبتْ أمةٌ وطفلانِ لها فقبلتْ فأيّ أدَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وقبولُ الغائبِ له لغو [1])؛ لأن العقدَ نفذَ على الحاضر.
(فإن كوتبتْ أمةٌ [2] وطفلانِ لها [3] فقبلتْ فأيّ أدَّى [4]
===
بفرضيّة أن يحصلَ له الحرية، وهذا كما يقال عدم الربح لا يسمّى خسراناً. كذا في «حاشية الجلبي» (¬1).
[1] قوله: وقبول الغائب له لغو؛ يعني لا يؤثّر قبوله في لزومِ بدل الكتابة عليه، وكذلك ردّه لا يؤثّر في ردِّ عقد الكتابة عن الحاضر.
الحاصلُ أنّ الكتابةَ لازمةٌ للشاهد؛ أي العبد الحاضر؛ لأنّ الكتابةَ نفذت عليه من غير قبول الغائب، فلا يتغيَّر بقبوله، كمَن كفلَ من غيرِهِ بغير أمره فبلغَه فأجازه، لا يتغيّر حكمه حتى لو أدّى لا يرجعُ عليه، كذا هذا. هكذا في «الهداية» وحواشيها (¬2).
[2] قوله: فإن كوتبت أمة ... الخ؛ أي إذا قبلت الأمةُ الكتابةَ عن نفسها وعن ابنين صغيرين لها جاز، إنّما وضع المسألة في الأمة إشارةً إلى أنَّ الحكمَ في العبد والأمةِ سواء، فإنّه لو وضعها في العبد لربّما توهّم أنّ الجواز لثبوتِ ولاية الأب عليهما، فلا يجوز ذلك في الأمة؛ لعدم ولايتها، فإنّ الأمَّ الحرّةَ لا ولايةَ لها، فكيف الأمة. كذا في «العناية» (¬3).
[3] قوله: وطفلان لها؛ أي والحال أنّ لها ابنين صغيرين، وكذا إذا كان الولدُ واحداً، وإنّما قيّد بالصغير ليدلّ بذلك على أن لا أثر لقبول الغائب أو ردّه. كذا في «الكفاية» (¬4).
[4] قوله: فأيٌّ أدّى؛ أي أيّهم أدّى لم يرجع على صاحبه، ويجبرُ المولى على القبول؛ وذلك لأنَّ الأمّ إذا أدّت فقد أدّت ديناً على نفسها، وكلٌّ من الولدين إن أدّى فهو متبرّعٌ غير مضطر، وفي ذلك كلّه لا رجوع. كذا في «حاشية شرح الجلبي» (¬5).
¬
(¬1) «ذخيرة العقبى» (ص529).
(¬2) «العناية» و «الكفاية» (8: 131).
(¬3) «العناية» (8: 131).
(¬4) «الكفاية» (8: 131).
(¬5) «ذخيرة العقبى» (ص530).
الجزء 13 · صفحة 40
لم يرجعْ وعتقوا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لم يرجعْ وعتقوا [1])، كما في مسألة الأولى [2].
===
[1] قوله: وعتقوا؛ لأنّها جعلت نفسها أصلاً في الكتابة، وأولادها تبعاً على ما بيّنا في المسألة الأولى، وهي أولى بذلك من الأجنبيّ، يعني أنّ هذا العقدَ على هذا الوجهِ يجوزُ في حقِّ الأجنبيّ ففي حقِّ ولدها أولى؛ لأنَّ ولدها أقربُ إليها من الأجنبيّ. كذا في «الهداية» وشروحه (¬1).
[2] قوله: كما في المسألة الأولى؛ وهي كتابةُ العبدِ الحاضرِ عن نفسه وعن العبد الغائب.
فإن قلت: إذا أدّى أحدُهما ينبغي أن لا يعتقَ الابنُ الآخر؛ لأنّه لا أصالة بينهما، ولا تبعيّة.
قلت: إنّ أحدَهما إذا أدّى كان أداؤه كأداء الأمّ؛ لأنّه تابعٌ لها من كلِّ وجه، ولو أدّت الأمّ عتقوا، فكذا إذا أدّى أحدُهما. كذا في «شرح العَيْنِي» (¬2).
• • •
¬
(¬1) «الكفاية» و «العناية» (8: 131).
(¬2) «البناية» (8: 89).
الجزء 13 · صفحة 41
باب كتابة العبد المشترك
أحدُ شريكي عبدٍ أذنَ للآخرِ بكتابةِ حصّتِهِ بألفٍ وقبضِهِ ففعل وقبضَ بعضَه، فذا له إن عَجِز
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب كتابة العبد المشترك [1]
(أحدُ شريكي عبدٍ [2] أذنَ للآخرِ [3] بكتابةِ حصّتِهِ بألفٍ وقبضِهِ ففعل وقبضَ بعضَه [4]، فذا له إن عَجِز)، الضميرُ في حصّتِهِ يرجعُ إلى الآخر، هذا عند أبي حنيفة، وأصلُهُ: أن الكتابةَ متجزئةٌ فيكونُ مقتصراً على نصيبه، وفائدةُ الإذنِ [5]
===
[1] قوله: باب كتابة العبد المشترك؛ أخّره؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الاشتراك، والاثنين بعد الواحد. كذا في «رد المحتار» (¬1).
[2] قوله: أحد شريكي عبد ... الخ؛ أي إذا كان العبدُ بين شريكين أذنَ أحدُهما لصاحبه أن يكاتبَ حصَّته بألفِ درهم، ويقبض بدلَ الكتابة، فكاتبَ الشريكُ المأذون له، نفذ في حصّته فقط إذا قبض بعضه؛ أي بعض الألف فعجز، فالمقبوض كلُّه للقابض؛ لإذنه له بالقبض، فيكون متبرّعاً. كذا في «الدر المختار» (¬2).
[3] قوله: أذن للأخر؛ قال الزَّيْلَعِيُّ: فائدةُ الإذنِ بالكتابة أن لا يكونَ له حقُّ الفسخ كما لم يأذن، وفائدة إذنه بالقبض أن ينقطعَ حقُّه فيما قبض. كذا في «ردّ المحتار» (¬3).
[4] قوله: وقبض بعضه؛ وإنّما خصَّ البعض؛ لأنَّ مدارَ المسألة على العجز، وذا لا يتصوّر بعد قبضِ الكلّ؛ لأنّه لو قبض الكلّ عتق حظّ القابض كلّه، فامتنعَ العجز. كذا في «حاشية شرح جلبي» (¬4).
[5] قوله: وفائدة الإذن ... الخ؛ جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّرٍ تقريره أن يقال: إذا كانت
¬
(¬1) «رد المحتار» (5: 68).
(¬2) «الدر المختار» (5: 68).
(¬3) «رد المحتار» (5: 68).
(¬4) «ذخيرة العقبى» (ص530).
الجزء 13 · صفحة 42
مكاتبةٌ لرجلينِ جاءتْ بولدٍ فادَّعاهُ أحدُهما، ثُمَّ جاءت بآخرٍ فادَّعاهُ الآخر، فعجزت
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أنّه إذا لم يأذنْ [1] فله حقُّ الفسخ، فبالإذنِ لا يبقى ذلك، وإذنُهُ لشريكِه بالقبضِ إذنٌ للعبدِ بالأداء إليه [2]، فيكونُ متبرّعاً [3] في نصيبه على القابض، فيكون له.
وعندهما: الكتابةُ غير متجزئة، فالإذنُ بكتابةِ نصيبِه إذنٌ بكتابةِ الكلّ، فالقابضُ أَصيلٌ في البعض، ووكيلٌ في البعض، والمقبوضُ مشتركٌ بينهما، فبقي كذلك بعد العجز.
(مكاتبةٌ لرجلينِ جاءتْ بولدٍ فادَّعاهُ أحدُهما، ثُمَّ جاءت بآخرٍ فادَّعاهُ الآخر، فعجزت
===
الكتابةُ تجري عنده، فما الفائدةُ في إذن أحدهما للآخر بالكتابة. كذا في «شرح العَيْنِيّ» (¬1).
[1] قوله: إنّه إذا لم يأذن؛ أي ليس الإذنُ لصاحبه لصحَّة كتابةِ نصيبه، فإنّ أحدَهما لو كاتبَ نصيبه بغيرِ إذن شريكه صحّت. كذا في «النهاية».
[2] قوله: إذن للعبد بالأداء إليه؛ إلا إذا نهاه قبل الأداء، فيصحُّ لنهيه؛ لأنّه تبرّع لم يتمّ بعد. كذا في «حاشية أخي جلبي» (¬2).
[3] قوله: فيكون متبرِّعاً؛ في نصيبه على المكاتب؛ لأنّه لَمَّا أذن أحدُهما صاحبه بكتابة نصيبه صارَ نصيبُ المكاتب مكاتباً، وبقيَ نصيبُ الآذن عبداً كما كان، فحين اكتسب كان هذا كسب مملوك بعضه مكاتبٌ وبعضه عبد.
فما كان من كسبِ المكاتب فهو للمكاتب، وما كان من كسب العبد فهو لمولاه، فمتى أذن الذي لم يكاتب شريكه لقبض الكتابةِ فقد أذنَ لعبده لقضاءِ دينِهِ من الكسب الذي يكون له، فيصيرُ بالإذنِ متبرِّعاً بنصيب نفسه من الكسب على العبد، ثمّ على الشريك، فإذا تمّ تبرُّعُه بقبض الشريك لم يرجع. كذا في «الكفاية» (¬3).
¬
(¬1) «البناية» (8: 91).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص530).
(¬3) «الكفاية» (8: 133).
الجزء 13 · صفحة 43
فهي أمُّ ولدٍ للأوَّل وضمنَ نصفَ قيمتِها، ونصفَ عقرِها، وشريكه عقرها، وقيمةُ الولدِ وهو ابنُه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فهي أمُّ ولدٍ للأوَّل [1] وضمنَ نصفَ قيمتِها [2]، ونصفَ عُقرِها، وشريكه [3] عُقرها، وقيمةُ الولدِ وهو ابنُه)، هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وبيانُهُ: أنّ استيلادَ المكاتبةِ المشتركةِ متجزئٌ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، فيقتصرُ على نصيبه [4]؛ لأنَّ المكاتبَ لا ينتقلُ من ملكٍ إلى ملكٍ كما مرّ في المُدَبَّر، واستيلادُ الِقنّةِ لا يتجزئ، فإذا استولدَ أحدُ الشريكينِ القِنّةَ المشتركة، صارت كلَّها أمَّ ولدٍ له، ويضمنُ نصفَ قيمتِها للشَّريك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا عرفتَ هذا؛ فاستيلادُ الثَّاني قبل العجزِ وقعَ
===
[1] قوله: فهي أمُّ ولدٍ للأوّل؛ لأنّه لَمَّا ادّعى أحدُهما الولدَ صحَّت دعوتُه لقيام الملك له فيها، وصار نصيبُه أمّ ولد له؛ لأنَّ المكاتبةَ لا تقبلُ النقل من ملكٍ إلى ملك، فتقتصر أموميّة الولدِ على نصيبه كما في المدبَّرة المشتركة.
ولو ادَّعى الثاني ولدها الآخر صحَّت دعوته؛ لقيامِ ملكِهِ ظاهراً، ثم إذا عجزت بعد ذلك جعلت الكتابة كأن لم تكن، وتبيّن أنّ الجاريةَ كلّها أمّ ولدٍ للأوّل؛ لأنّه زال المانع من الانتقال، ووطؤه سابق. كذا في «الهداية» (¬1).
[2] قوله: نصف قيمتها؛ لأنّه تملك نصيبه لمّا استكملَ الاستيلاد، ونصف عقرها لوطئه جاريةً مشتركة (¬2).
[3] قوله: وشريكه ... الخ؛ أي ضمنَ شريكُهُ عقرها؛ أي كمال عقرها، وقيمةُ الولد وهو ابنه بمنْزلةِ المغرور؛ لأنّه حين وطئها كان ملكُهُ قائماً ظاهراً، وولدُ المغرور ثابتٌ بالنسب منه، حرّ بالقيمة على ما عرف، لكنّه وطءُ أمِّ ولدِ الغير حقيقةً فيلزمُهُ كمالُ العقر. كذا في «الهداية» (¬3).
[4] قوله: فيقتصر على نصيبه؛ فبقيَ نصيبُ الآخر مكاتباً على حاله.
¬
(¬1) «الهداية شرح بداية المبتدي» (3: 264).
(¬2) ينظر: «الهداية» (3: 265).
(¬3) «الهداية» (3: 265).
الجزء 13 · صفحة 44
................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في ملكِه ظاهراً [1] فيثبتُ نسبُ ولده، لكن إذا عجزتْ صارتْ كأنّ الكتابةَ لم تكن، فظهرَ أنَّه في الحقيقةِ وَطِئَ أمَّ ولدِ الغير [2]، فاستيلادُ الأوَّلِ وقعَ غير متجزّئ، فكلُّها أمُّ ولدٍ له، ويضمنُ نصف قيمتِها لشريكِه [3]، ولا تكون أمَّ ولدٍ للشَّريك، لكن ولد الشَّريك ولدُ مغرور، حيث وَطِئَ معتمداً على الملك، فيكونُ حرَّاً بالقيمة، ويضمنُ تمامَ عُقرها.
وأمَّا عندهما: فاستيلادُ المكاتبةِ لا يتجزأ، فقبل العجزِ صارت أمَّ ولدٍ للأوَّل، وانتقلَ نصيبُ الثَّاني إليه بفسخ الكتابة، فإنَّ الكتابةَ تنفسخ بالاستيلادِ فيما لا يتضرَّرُ به [4] المكاتب
===
[1] قوله: ظاهراً؛ إنّما قال: ظاهراً؛ لأنّه إذا عجزت تكون أمّ ولدٍ للأوّل، فيكون الملك ظاهراً. كذا في «الحميدية».
[2] قوله: وطء أمّ ولد الغير؛ فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يضمنَ الثاني الولد للأوّل عند الأعظم - رضي الله عنه -؛ لأنَّ حكمَ ولدِ أمّ الولد حكم أمّه، ولا قيمة لأمِّ الولدِ عنده، فكذا لولدها.
أجيبَ: بأنّ عنده في تقوَّم أمّ الولد روايتان، فيكون الولدُ متقوِّماً على أحدِهما، فكان حرّاً بالقيمة.
[3] قوله: ويضمن نصف قيمتها لشريكه؛ لأنّه يملكُ نصيبه؛ لما استكمل الاستيلاد. كذا في «حاشية الجلبي» (¬1).
[4] قوله: فيما لا يتضرّر به؛ وهو أموميّة الولد؛ لأنّه لا ضررَ لها في كونها أمّ ولد، بل لها نفع فيه، حيث لم تبقَ محلاً للاستبدالِ بالبيعِ والهبة، وتعتقُ مجَّاناً بعد موت المولى. كذا في «النهاية».
وتبقى الكتابةُ فيما وراءه بخلافِ التدبير؛ لأنّه لا يقبلُ الفسخ، وبخلاف بيع
¬
(¬1) «ذخيرة العقبى» (ص530).
الجزء 13 · صفحة 45
................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيكون وطء الثَّاني في غيرِ ملكِه [1]، فيجبُ عليه تمامُ العقر لا الحدُّ للشُّبهة، ولا يكون ولدُهُ حُرَّاً بالقيمة، ويَضْمَنُ الأوَّلُ للشَّريك نصفَ قيمتِها مكاتبةً عند أبي يوسف - رضي الله عنه -[2]، والأقلُّ من نصفِ قيمتِها ومن نصفِ ما بقي عليها من بدلِ الكتابةِ عند محمَّد - رضي الله عنه -[3]، وإذا انفسختِ الكتابةُ في حصّةِ الشَّريك عندهما قبلَ العجز، فكلُّها مكاتبةٌ للأوَّلِ بنصفِ البدلِ [4] عند الشيخ أبي منصور - رضي الله عنه -
===
المكاتب؛ لأنّ في تجويزه إبطالُ الكتابة؛ إذ المشتري لا يرضى ببقائه مكاتباً. كذا في «الهداية» (¬1).
[1] قوله: فيكون وطء الثاني في غيرِ ملكه؛ يعني إذا صارت كلّها أمّ ولدٍ للأوّل، فالثاني واطئ أمّ ولدِ الغير، فلا يثبتُ نسبُ الولد منه، ولا يكون الولدُ حرّاً عليه بالقيمة، غير أنّه لا تجب الحدّ عليه للشبهة، ويلزمه جميعُ العقر؛ لأنّ الوطء لا يعرى عن إحدى الغرامتين، وهو الحدّ أو العقر. كذا في «الهداية» (¬2).
[2] قوله: ويضمن الأوّل للشريكِ نصفَ قيمتِها مكاتبةً عند أبي يوسفَ - رضي الله عنه -؛ لأنّه تملّك نصيبَ شريكه، وهي مكاتبةٌ فيضمنُهُ موسراً كان أو معسراً؛ لأنّه ضمانُ التملّك؛ لظهور آثار الملك فيه من حلّ الوطئ والاستخدام ونحوها. كذا في «الكفاية» (¬3).
[3] قوله: والأقلّ من نصف قيمتها، ومن نصف ما بقي من بدلِ الكتابة عند محمّد - رضي الله عنه -؛ لأنّ حقّ شريكه في نصفِ الرقبةِ على اعتبارِ العجز، وفي نصفِ البدل على اعتبار الأداء، فللتردّد بينهما يجبُ أقلُّهما؛ لأنَّ الأقلّ متيقَّن. كذا في بعض حواشي «الهداية» (¬4).
[4] قوله: بنصف البدل؛ لأنَّ الكتابةَ انفسخت فيما لا يتضرّر به المكاتبة، ولا
¬
(¬1) «الهداية شرح بداية المبتدي» (3: 265).
(¬2) «الهداية» (ص265).
(¬3) «الكفاية شرح الهداية» (8: 137).
(¬4) «العناية» و «الكفاية» (8: 137).
الجزء 13 · صفحة 46
وأيٌّ دَفَعَ العقر إليها صحّ فإن لم يطأ الثَّاني ودبَّرَها فعجزت، بطل تدبيره، وهي أمُّ ولدٍ للأوَّل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وبكلِّ البدلِ [1] عند عامّة المشايخ - رضي الله عنهم -.
(وأيٌّ دَفَعَ العقر إليها صحّ): أي قبلَ العجز [2] لاختصاصِها بمنافعِها وأعواضها، (فإن لم يطأ الثَّاني ودبَّرَها فعجزت، بطل تدبيره [3]، وهي [4] أمُّ ولدٍ للأوَّل [5]
===
يتضرّر بسقوطِ نصف البدل. كذا في «الهداية» (¬1).
[1] قوله: وبكلّ البدل؛ أي عند عامّة المشايخ - رضي الله عنه -: كلّها مكاتبةٌ للأوّل بكلِّ البدل؛ لأنَّ الكتابةَ لم تنفسخ إلاَّ في حقِّ التملُّك ضرورة، فلا يظهر في حقِّ سقوط نصف البدل، وفي إبقائه في حقّه نظرٌ للمولى، وإن كان لا تتضرَّر المكاتبةُ بسقوطِه، والمكاتبةُ هي التي تعطي العقر؛ لاختصاصها بأبدالِ منافعها، ولو عجزت وردّت في الرقّ يردّ إلى المولى؛ لظهورِ اختصاصِه على ما بيّناه سابقاً. كذا في «الهداية» (¬2).
[2] قوله: قبل العجز ... الخ؛ فإن عجزت تردُّ العقر للمولى؛ لأنّه ظهرَ اختصاصُهُ لها. كذا في «الزَّيْلَعِيّ» (¬3).
[3] قوله: بطل تدبيره؛ لأنّه لم يصادف الملك، أمّا عندهما فظاهر؛ لأنَّ المستولدَ تملَّكها قبل العجز، فإن فسخت الكتابة قبل التدبيرِ فلا يصحُ تدبيره، وأمّا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -؛ فلأنّه بالعجزِ تبيَّن أنّه تملَّكَ نصيبَه من وقت الوطء، فتبيَّنَ أنّه مصادفٌ ملكَ غيره، والتدبيرُ يعتمدُ الملك، بخلاف النسب؛ لأنه يعتمدُ الغرورَ على ما مرّ. كذا في «الهداية» (¬4).
[4] قوله: وهي؛ أي الجاريةُ التي دبَّرها الثاني بعد استيلاد الأوّل ثمّ عجزت.
[5] قوله: أمّ ولدٍ للأوّل؛ لأنّه تملّك نصيبَ شريكه، وكمل الاستيلاد على ما بيّنا
¬
(¬1) «الهداية» (3: 265).
(¬2) «الهداية» (3: 265).
(¬3) «تبيين الحقائق» (5: 168).
(¬4) «الهداية» (3: 266).
الجزء 13 · صفحة 47
والولدُ له، وضَمِنَ لشريكِهِ نصفَ عقرها، ونصفَ قيمتِها، فإن حرَّرها أحدُهما غنيّاً فعجزتْ ضَمِنَ نصفَ قيمتِها لشريكه، ورجعَ به عليها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والولدُ له [1]،وضَمِنَ لشريكِهِ نصفَ عقرها، ونصفَ قيمتِها [2])؛ لأنَّه تبيَّنَ بالعجزِ أنَّه يملكُ نصيبَ الشَّريك وقت الاستيلاد، فالتدبيرُ وقعَ في غيرِ ملكِه بخلافِ النَّسب؛ لأنّه يعتمدُ الغرور.
(فإن حرَّرها [3]): أي المكاتبةَ المشتركةَ، (أحدُهما غنيّاً فعجزتْ [4] ضَمِنَ نصفَ قيمتِها لشريكه، ورجعَ به عليها)
===
في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ثمّ إذا عجزت بعد ذلك جعلت الكتابة كأن لم تكن، وتبيَّنَ أنّ الجاريةَ كلّها أمّ ولدٍ للأوّل؛ لأنّه زالَ المانع من الانتقال. كذا في «الكفاية» (¬1).
[1] قوله: والولد له؛ أي للأوّل؛ لأنّه صحَّت دعوتُه لقيام المصحِّحِ وهو الملكُ في المكاتبة؛ لأنّ استيلادَه كان عند قيامِ الكتابة، ويصحُّ استيلادُ المكاتبةِ بالإجماع؛ لأنَّ الاختلافَ مع بقاء الكتابة، وهاهنا ما بقيت لأنّه [لمَّا استولدها الأوّل ملك نصف شريكه، ولم يبقَ ملك للمدبّر فيها، فلا يصحُّ تدبيره. كذا في «الكفاية» (¬2)، و «العناية» (¬3).
[2] قوله: ونصف قيمتها؛ لأنّه تملّك نصفها بالاستيلاد، وهو تملك بالقيمة.
[3] قوله: فإن حرّرها؛ صورته: إن كاتب الجاريةَ المشتركة ثمّ أعتقَها أحدُهما وهو موسر، ثمّ عجزت يضمنُ المعتقُ لشريكه نصفَ قيمتها، ويرجعُ بذلك عليها.
[4] قوله: فعجزت؛ وأمّا قبل العجزِ ليس له أن يضمِّنَ المعتقَ عند الأعظم - رضي الله عنه -؛ لأنَّ الإعتاق لمّا كان يتجزؤ عنده كان أثرُه أن يجعلَ نصيبَ غير المعتق كالمكاتب، فلا يتغيَّر بالإعتاق نصيبُ صاحبه؛ لأنّها مكاتبة قبل ذلك.
¬
(¬1) «الكفاية شرح الهداية» (8: 138).
(¬2) «الكفاية» (8: 138).
(¬3) «العناية» (8: 139).
الجزء 13 · صفحة 48
عبدٌ لرجلين دبَّرَهُ أحدُهما، ثُمَّ حرَّرَه الآخر مليئاً أو عكساً أعتق المُدَبَّر، واستسعى فيهما أو ضمَّنَ شريكُهُ في الأولى فقط
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -[1]، وعندهما: لا يرجِع، وهذا مبنيٌّ على أن السَّاكتَ إذا ضَمَّنَ المعتِقَ يرجع به عليها عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - لا عندهما.
(عبدٌ لرجلين [2] دبَّرَهُ أحدُهما ثُمَّ حرَّرَه الآخر مليئاً، أو عكساً): أي حرَّره أحدُهما، ثُمَّ دبَّرَهُ الآخر، (أُعتق المُدَبَّر، واستسعى فيهما): أي في المسألتين، (أو ضمَّنَ شريكَهُ في الأولى فقط)، اعلم أنَّ في المسألةِ الأُولى إذا دبَّرَهُ الأوَّل، فللثَّاني الإعتاق أو التَّضمين أو الاستسعاء عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فإذا أعتقَ الثَّاني لم يبقَ له ولايةُ التَّضمين [3] والاستسعاء
===
وعندهما: لمّا كان لا يتجزؤ بعتقِ الكلِّ فله أن يضمِّنَه قيمتَه نصيبه مكاتباً إن كان موسراً، ويستسعي العبدُ إن كان معسراً؛ لأنّه ضمانُ إعتاق، فيختلفُ باليسار والإعسار. كذا في «الهداية» (¬1).
[1] قوله: هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -؛ وعندهما لا يرجع؛ لأنّها لمّا عجزت وردّت في الرقّ تصيرُ كأنّها لم تنْزل فيه على الخلاف في الرجوع، وفي الخيارات عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - الساكتُ مخيَّرٌ بين الخياراتِ الثلاث، إن شاءَ أعتق، وإن شاءَ استسعى العبد، وإن شاء ضمَّنَ شريكَهُ قيمةَ نصيبه، وعندهما: ليس له إلاَّ الضمان مع اليسار، والسعاية مع العسار.
[2] قوله: عبدٌ لرجلين ... الخ؛ أي إن كان العبدُ بين رجلين دبَّرَه أحدُهما ثمّ أعتقَه الآخرُ وهو موسر، فإن شاءَ الذي دبَّرَه ضَمَّنَ المعتق نصفَ قيمتِهِ مدبّراً، أو استسعى العبد أو أعتق، وإن أعتقَه أحدُهما ثمَّ دبَّره الآخر، فإن شاءَ الذي دبَّرَه استسعى العبد، أو أعتقَ ولم يكن له أن يُضَمِّنَ المعتق، كما في المسألة الأولى، وهذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - بناءً على أنّ التدبيرَ يتجزؤ عنده.
[3] قوله: لم تبق له ولاية التضمين ... الخ؛ لأنّ أثرَ التضمينَ أن يملكَ الضامنُ
¬
(¬1) «الهداية» (3: 266).
الجزء 13 · صفحة 49
................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثُمَّ بالإعتاقِ أفسدَ [1] نصيبَ المدبَّر، فله أن يُعْتِق أو يستسعي أو يضمنَ قيمتَه مُدبَّراً، وقد مرَّ في «باب عتق البعضِ» من «كتاب الإعتاق»: أنّ قيمةَ المدبَّرِ ثُلُثا قيمةِ القِنّ [2]، وإن ضمنَه لا يتملّكَه [3]؛ لأنَّه لا ينتقلُ من ملكٍ إلى ملك [4].
===
نصيبَ المضمّن، والمعتقُ لا يملك. كذا في بعض حواشي «الهداية».
[1] قوله: أفسد ... الخ؛ لأنّه كان قبل إعتاقه يملكُ الاستخدامَ والاستغلال، وكان لا يجبرُ على الإخراجِ إلى المعتق، فبعد إعتاقِ المعتقِ يكون المدبَّرُ مجبوراً على الإخراج إلى المعتق، ويكون بمنْزلةِ المكاتب، ويكون مختصّاً بإكسابه. كذا في «الكفاية» (¬1).
[2] قوله: ثلثا قيمة القنّ؛ لأنَّ المنافعَ أنواعٌ ثلاثة:
1. البيع وأشباهه في كونِهِ خارجاً عن الملك كالهبة والصدقة والإرث والوصيّة.
2. والاستخدامُ وأمثاله في كونه انتفاعاً بالمنافع كالإجارة والإعارةِ والوطء والإعتاق وتوابعه من الكتابة.
3. والاستيلاد والتدبير، والإعتاق على مال.
والفائتُ في المدبَّر النوعُ الأوّل هو البيع، فيسقط الثلث. كذا في بعض حواشي «الهداية» (¬2).
[3] قوله: وإذا ضمّنه لا يتملّكه؛ أي بالضمان؛ لأنّ هذا ضمانُ حيلولة بين المالك والمملوك لا ضمانَ تملّك، فإنّه بالإعتاق أزال الاستخدام وغيره للمولى، فصار بمنْزلةِ الغاصب. كذا في «الكفاية» (¬3).
[4] قوله: لا ينتقلُ من ملكٍ إلى ملك؛ كما إذا غصبَ مدبّراً فأبقَ حتى ضمنَ الغاصب القيمة لا يملكُ الغاصب، فإذا وجدَه الغاصبُ فله أن يستسعيه. كذا في «الكفاية» (¬4).
¬
(¬1) «الكفاية» (8: 140).
(¬2) ينظر: «العناية» (8: 140).
(¬3) «الكفاية شرح الهداية» (8: 140).
(¬4) «الكفاية» (8: 140).
الجزء 13 · صفحة 50
.......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأمَّا في المسألةِ الثَّانية: إذا أعتقَ الأوَّل فللآخرِ الخيارات الثَّلاث عنده، فإذا دَبَّرَهُ لم يبقَ له [1] ولايةُ التَّضمين، بل بقي له ولايةُ الإعتاق أو الاستسعاء، فولايةُ الإعتاقِ أو الاستسعاء ثابتةٌ في المسألتين، والتَّضمينُ يختصُّ بالأولى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وعندهما: إذا دبَّرَهُ أحدُهما، فإعتاق الآخرِ باطل؛ لأنَّ التَّدبيرَ لا يتجزّأ عندهما، فيملكُ نصيبَ صاحبِه بالتَّدبير، ويضمنُ نصفَ قيمتِه قِنّاً موسراً كان أو معسراً؛ لأنَّه ضمانُ تملُّك، فلا يختلفُ باليسار والعسار [2]، وإن أعتقَهُ أحدُهما فتدبيرُ الآخر باطل؛ لأنَّ الإعتاق لا يتجزأ عندهما [3]، فيضمنُ نصفَ قيمتِهِ إن كان موسراً، ويسعى العبدُ إن كان معسراً؛ لأنَّ هذا ضمانُ إعتاقٍ فيختلفُ باليسارِ والعسار.
===
[1] قوله: لم يبقَ له ... الخ؛ لأنّه بمباشرةِ التدبيرِ يصيرُ مبرئاً للمعتق عن الضمان معنى، وهو أنّ نصيبه كان قنّاً عند إعتاق المعتق، فكان تضمينُهُ إيّاه متعلّقاً بشرطِ تمليكِ العين بالضمان، وقد فوّت ذلك بالتدبير بخلاف الأوّل، فهناك نصيبُهُ كان مدبّراً عند ذلك، فلا يكون التضمين مشروطاً بتمليكِ العين منه. كذا في «العناية» (¬1).
[2] قوله: فلا يختلف باليسار والعسار؛ ويضمن نصفَ قيمتِهِ قنّاً؛ لأنّه صادفه التدبير وهو قنّ. كذا في «الهداية» (¬2).
[3] قوله: لا يتجزأ عندهما؛ فيعتق كلّه، فلم يصادف التدبيرُ الملك، وهو يعتمده فيضمن ... الخ.
• • •
¬
(¬1) «العناية» (8: 140).
(¬2) «الهداية» (3: 267).
الجزء 13 · صفحة 51
باب الموت والعجز
مكاتبٌ عجزَ عن نجمٍ إن كان له وجهٌ سيصلُ إليه لا يعجزُهُ الحاكمُ إلى ثلاثة أيّام وإلاَّ عجَّزَه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب الموت والعجز [1]
(مكاتَبٌ عَجَزَ عن نجمٍ [2] إن كان له وجهٌ [3] سيصلُ إليه لا يعجزُهُ الحاكمُ إلى ثلاثة أيّام [4]): أي إن مضتْ ثلاثةَ أيَّام، ولم يؤدِّ حصّةَ ذلك النَّجم حُكِمَ بعجزِه، (وإلاَّ عجَّزَه): أي إن لم يكنْ له وجهٌ [5] سيصلُ إليه عجَّزَه
===
[1] قوله: باب الموت والعجز؛ أي موت المكاتبِ وعجزه عن أداءِ بدل الكتابة، وموت المولى، تأخير أحكام هذه الأشياءِ ظاهرُ التناسب؛ لأنَّ هذه الأشياءَ متأخّرة عن عقد الكتابة، فكذا بيان أحكامها. كذا في «النتائج» (¬1).
[2] قوله: عن نجم؛ النجمُ هو الطالع، ثمّ سمّى به الوقت المضروب، ثمّ سمّي ما يؤدّي فيه من الوظيفة. كذا في «العناية» (¬2).
[3] قوله: إن كان له وجه؛ بأن كان له دين يقبضه، أو مالُ غائبٍ يرجى قدومه، والتعجيز: النسبةُ إلى العجز، والحكم به، والحاكم القاضي. كذا في «حاشية الجلبي» (¬3) ناقلاً عن «البيانية».
[4] قوله: إلى ثلاثة أيّام؛ لأنَّ الثلاث هي المدّة التي ضربت لإيلاء الأعذار، كإمهال الخصمِ للدفع، وإمهال المديون للقضاء، فلا يزداد عليه. كذا في «الهداية» (¬4).
[5] قوله: وجه؛ أي للمكاتب وجهٌ لتحصيلِ المالِ وطلب المولى بعجزه عن الحاكم عجَّزَه الحاكم، وفسخَ الكتابة.
¬
(¬1) «نتائج الأفكار» (8: 141).
(¬2) «العناية» (8: 141).
(¬3) «ذخيرة العقبى» (ص531).
(¬4) «الهداية» (3: 267).
الجزء 13 · صفحة 52
وفسخَها بطلبِ سيِّدِه، أو سيِّدِهِ برضاه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا عندَ أبي حنيفة ومحمَّدٍ - رضي الله عنهم -[1]، وعندَ أبي يوسف - رضي الله عنه -: لا يعجِّزُهُ [2] حتى يتوالى عليه نجمان.
(وفسخَها (¬1) بطلبِ سيِّدِه، أو سيِّدُهُ برضاه
===
[1] [قوله]: وهذا عند أبي حنيفة ومحمّد - رضي الله عنه -؛ لأنّ سببَ الفسخِ قد تحقّق، وهو العجز؛ لأنَّ مَن عجزَ عن أداءِ نجمٍ واحدٍ يكون أعجز عن أداءِ نجمين، وهذا أي كونُ العجزِ سبباً للفسخ؛ لأنَّ مقصودَ المولى الوصولُ إلى المال عند حلول نجم، وقد فات، فيفسخ؛ أي المولى أو القاضي؛ لاختلافِ الروايتين إذا لم يكن راضياً به دونه.
قال أخي وأستاذي مولانا أبو الحسنات عبد الحيّ نوَّر اللهُ مرقدَه، أقول: فبه شيء، وهو أنّ دليلهما لا يتمشّى في صورةِ أدّى سائر النجوم وبقيَ نجمٌ واحد معجز. كذا في «نتائج الأفكار» (¬2).
أقول: الاستدلالُ الشاملُ من قوله: وهذا، وقوله: إنّ سببَ الفسخ ... الخ، دفعٌ في مقابلة استدلالِ أبي يوسفَ - رضي الله عنه -، والصورةُ المذكورة لا وجودَ لتوالي النجمين فيها، فافهم. انتهى. بخلافِ اليومين والثلاثة؛ لأنّه لا بدّ منها لإمكان الأداء، فلم يكن تأخيراً، والآثار متعارضة، فإنّ المروي عن ابنِ عمرَ - رضي الله عنه - أنّ مكاتبةً له عجزت عن نجمٍ فردّها، فسقط الاحتجاجُ بها. كذا في «الهداية» وحواشيه (¬3).
[2] قوله: وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - لا يعجزه؛ أي لا يحكمُ الحاكم بعجزِه مطلقاً، سواءً كان له وجهٌ سيصل أو لم يكن، حتى يتعاقبَ على المكاتب نجمان؛ لقول عليّ - رضي الله عنه -: إذا توالى على المكاتب نجمانِ ردّ في الرقّ. علَّقَه بهذا الشرطِ فلا يردّ بدونه، ولقائل أن يقول: هذا استدلالٌ بمفهومِ الشرط، وهو ليس بقائم؛ لأنّه يفيدُ الوجود عند الوجود فقط.
¬
(¬1) أي فسخ الحاكم الكتابة بعد عجز المكاتب بطلب مولاه. ينظر: «درر الحكام» (2: 31).
(¬2) «نتائج الأفكار» (8: 142).
(¬3) «العناية» و «الكفاية» (8: 142).
الجزء 13 · صفحة 53
وعادَ رقُّهُ وما في يده لسيِّده
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أي فسخَها سيِّدُهُ برضا المكاتب [1]، (وعادَ رقُّهُ [2] وما في يدِه [3] لسيِّدِه
===
والجواب: ما أشارَ إليه فخرُ الإسلامِ - رضي الله عنه -: أنّه معلّق بشرطين، والمعلّقُ بشرطين لا ينْزلُ عند أحدهما، كما لو قال: إن دخلت هذين الدَّارينِ فأنتِ طالق. كذا في «العناية» (¬1).
ولأنّه عقد إرفاقٍ حتى كان أحسنه مؤجّله، وحالةُ وجوبِ الأداءِ بعد حلولِ نجم، فلا بدّ من إمهالٍ مدّة استيسار، وأولى المدد ما توافقَ عليه العاقدان، فإذا مضى النجم الثاني تحقَّق العجز، فيوجبُ الفسخ. كذا في «العيني» (¬2).
[1] قوله: برضا المكاتب؛ وقيل: يتفرّد المولى بالفسخ، ولا يشترطُ رضا المكاتب كما إذا وجدَ المشتري في المبيع عيباً قبل القبض، فإنّه يتفرّدُ بالفسخ، وحديث ابنُ عمرَ - رضي الله عنه - في المكاتبةِ يدلّ عليه.
وذلك لأنَّ الكتابةَ يتمُّ بقبضِ المولى البدل، فما لم يقبض البدل لا يتمّ، فيفسخه مستقلاً به إذا فاتَ غرضه، كما يستقلُّ المشتري بالفسخِ بالعيب قبل القبض، قلنا: العبدُ بعد العقد صار في يده، فصار هذا فسخاً بعد القبض، فلا بدَّ من القضاء أو الرضا. كذا في «حاشية الجلبي» (¬3) ناقلاً عن «التبيين».
[2] قوله: وعاد رقّه؛ أي إذا عجزَ المكاتبُ عاد إلى أحكامِ الرقّ؛ لانفساخِ عقد الكتابة.
[3] قوله: وما في يده ... الخ؛ أي ما كان في يدِه من الإكساب فهو لسيّده؛ لأنّه ظهرَ بالعجز أنّه كسبُ عبده، وهذا لأنّه كان موقوفاً عليه، أو على عبده؛ لأنّه أدّى بدلَ الكتابة وكسبه للمكاتب، وإن عجز فللمولى فقد زالَ التوقّف بالعجز. كذا في «الكفاية» (¬4).
¬
(¬1) «العناية» (8: 141).
(¬2) «البناية» (8: 108).
(¬3) «ذخيرة العقبى» (ص531).
(¬4) «الكفاية» (8: 143).
الجزء 13 · صفحة 54
فإن ماتَ عن وفاء لم يفسخ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن ماتَ عن وفاء [1]): أي عن مالٍ يفي ببدلِ الكتابة (لم يفسخ)، هذا عندنا، وعندَ الشَّافعي (¬1) - رضي الله عنه -: تبطلُ الكتابةُ لفواتِ المحلِّ، ونحن نقول [2]:
===
[1] قوله: فإن مات عن وفاء؛ أي إن ماتَ المكاتبُ عن مالٍ يفي بدلَ الكتابةِ لم تفسخ كتابته، هذا عندنا، وهو قولُ عليٍّ وابن مسعود - رضي الله عنهم -، وبه نأخذ، وعند الشافعيّ - رضي الله عنه - تبطلُ الكتابة، ويموتُ عبداً، وما تركَ لمولاه، وإمامه في ذلك زيدُ بن ثابت - رضي الله عنه - حيث قال: «المكاتبُ عبدٌ ما بقيَ عليه درهم لا يرثُ ولا يورّث» (¬2)، رواه التِّرْمِذِي.
ولأنَّ المقصودَ من الكتابةِ عتقُه، وقد تعذَّرَ إثباتُهُ بموته فيبطل؛ وهذا لأنّه لا يخلو: إمّا أن يثبتَ بعد الموت مقصوداً، أو يثبت قبلَه أو بعده مستنداً، لا وجه إلى الأوّل؛ لعدم المحليّة، ولا إلى الثاني؛ لفقدِ الشرطِ وهو الأداء، ولا إلى الثالث؛ لتعذّر الثبوتِ في الحال، والشيء يثبتُ في الحال ثم يستند. كذا في «الهداية» (¬3).
[2] قوله: ونحن نقول؛ توضيحُهُ: إنّ عقدَ الكتابة عقدُ معاوضة، ولا يبطلُ بموت أحد المتعاقدين، وهو المولى، فكذا لا يبطلُ بموتِ الآخر، وهو العبد، والجامع بينهما الحاجةُ إلى إبقاءِ العقد؛ لإحياءِ الحقّ، بل أولى؛ لأنَّ حقَّه آكدُ من حقِّ المولى، حتى لزمَ العقدُ في جانبِ العبد، والموتُ أنفى للمالكيّة منه للملوكيّة، فينْزلُ حيّاً تقديراً. كذا في «الهداية» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: «النكت» (ص741)، وغيرها.
(¬2) بدون لفظ: لا يرث ولا يورث في «مصنف عبد الرزاق» (8: 405)، وفي «الموطأ» (2: 787)، و «مصنف ابن أبي شيبة» (4: 317) عن ابن عمر - رضي الله عنهم -.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم» في «سنن أبي داود» (2: 414)، و «السنن الصغير» (9: 199)، و «معرفة السنن» (16: 203)، وغيرها.
(¬3) «الهداية» (ص269).
(¬4) «الهداية» (3: 268).
الجزء 13 · صفحة 55
وقضي البدلُ من ماله، وحكمَ بموتِهِ حرَّاً، والإرثُ منه، وعتقَ بنيهِ إن ولدوا فى كتابتِه أو شَرَاهم، أو كوتبَ هو وابنُهُ صغيراً أو كبيراً بمرَّة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هو حَيٌّ في بعضِِ الأحكام [1] فكذا في هذا؛ لاحتياجِهِ إلى زوالِِ أَثرِِ الكفر، وهو الرِّقّ، أو يستندُ الحرية [2] إلى ما قبلَ الموت (¬1)، (وقضي البدلُ من ماله، وحكمَ بموتِهِ حرَّاً، والإرثُ منه [3]، وعتقَ [4] بنيهِ إن ولدوا فى كتابتِه)، حتى لو وُلدوا قبلَ الكتابةِ لا يتبعونه، (أو شَرَاهم [5]، أو كوتبَ هو وابنُهُ [6] صغيراً أو كبيراً بمرَّة)
===
[1] قوله: في بعض الأحكام؛ أي في حقّ بقاءِ التركةِ على حكم ملكه فيما إذا كان عليه دين مستغرق، وفي حقِّ التجهيزِ والتكفين وتتقيدِ الوصيّة في الثلث، هكذا في «نتائج الأفكار» (¬2).
[2] قوله: أو يستند الحريّة ... الخ؛ هذا دليلٌ ثانٍ توضيحُهُ أو يستندُ الحريةَ باستناد سبب الأداءِ إلى ما قبلَ الموت: أي آخرُ جزءٍ من أجزاءِ حياته، فإن قيل: يلزمُ تقدّم المشروط على الشرط.
أجيب عنه: بأنّ يكون أداء خلفه كأدائه، فلا يلزمُ ذلك، ولا يتوهَّم أنّ العتق يتقدّم على الأداء، بل يقدّر الأداء قبل العتق. كذا في «العناية» (¬3).
[3] قوله: والإرث منه؛ أي حكم بأنّ ما فضلَ من بدلِ الكتابة فهو ميراثٌ منه لورثته.
[4] قوله: وعتق ... الخ؛ أي يعتقُ أولاده ولدوا في حال الكتابة.
[5] قوله: أو شراهم؛ أي يعتقُ أولاده المشترون في حالة الكتابة.
[6] قوله: أو كوتب هو وابنه ... الخ؛ أي لو ماتَ الأبُ وتركَ الوفاء، ورثه ابنُهُ إن كان هو وابنُهُ مكاتبين بكتابةٍ واحدة، إنّما قيّدناه بقولنا: بكتابةٍ واحدةٍ احترازاً عمّا لو
¬
(¬1) أي إن المكاتب يعتق في آخر جزء من أجزاء حياته؛ لأن بدلَ الكتابة هو سبب الأداء موجود قبل الموت، فيستند الأداء إلى ما قبله فيجعل أداء نائبه كأدائه، وتمامه في «مجمع الأنهر» (2: 421).
(¬2) «نتائج الأفكار» (8: 146).
(¬3) «العناية» (8: 145).
الجزء 13 · صفحة 56
وإن لم يتركْ وفاء فمَن ولد في كتابتِهِ سعى على نجومِه، وإذا أدَّى حُكِمَ بعتقِِ أبيهِ قبل موتِه وبعتقِهِ، ومَن شراهُ أدَّى البدلَ حالاً، أو ردَّ رقيقاً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أي بكتابةٍ واحدة؛ فإنَّ الولدَ إن كان صغيراً يتبعُه، وإن كان كبيراً جُعلا كشخصٍ واحد [1].
(وإن لم يتركْ وفاء فمَن ولد في كتابتِهِ سعى على نجومِه، وإذا أدَّى حُكِمَ بعتقِ أبيهِ [2] قبل موتِه وبعتقِهِ، ومَن شراهُ [3] أدَّى البدلَ حالاً أو ردَّ رقيقاً)، هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -[4]، وعندهما: الولدُ المشترى يَسْعَى على نجومِِ الأَبِ أَيضاً؛ لأنَّهُ كُوتبَ بتبعيَّة الأَب.
===
كانا مكاتبين كلّ منهما بعقدٍ واحد؛ لأنَّ الولد إن كان منفرداً بكتابته وأدّاها بعد الموتِ لم يرثه؛ لأنّه مقصودٌ بالكتابة.
وإنّما يعتقُ من وقتِ أداءِ البدل مقصوراً عليه؛ لأنَّ الاستناد للضرورة، ولا ضرورةَ في حقّه هاهنا، فإذا لم يستندْ عتقه كان عبداً عند موت أبيه؛ فلهذا لا يرثه. كذا في «الكفاية» (¬1).
[1] قوله: كشخص واحد؛ فإذا حكمَ بحريّة الأب يحكمُ بحريّته في تلك الحالة على ما مرّ. كذا في «الهداية» (¬2).
[2] قوله: حكم بعتق أبيه ... الخ؛ لأنَّ الولد داخلٌ في كتابته، وكسبه ككسبه، فيخلفه في الأداء، وصار كما إذا تركَ وفاء. كذا في «الهداية» (¬3).
[3] قوله: ومَن شراه ... الخ؛ أي إن تركَ ولداً مشترى في الكتابة، فله الخيار بين أن يؤدّي بدل الكتابة حالاً، وبين أن يردّ رقيقاً.
[4] قوله: هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -؛ وله الفرق بين الفصلين أنّ الأجل يثبت شرطاً في العقد، فيثبتُ في حقِّ مَن دخل تحت العقد، والمشترى لم يدخل؛ لأنّه لم يضفْ إليه
¬
(¬1) «الكفاية» (8: 146 - 147).
(¬2) «الهداية شرح بداية المبتدي» (3: 268).
(¬3) «الهداية» (3: 268).
الجزء 13 · صفحة 57
فإن تركَ ولداً من حرَّةٍ معتقةٍ وديناً يفي ببدلها، فجنى الولدُ وقضي به على عاقلةِ أمِّهِ لم يكن ذلك تعجيزاً لأبيه اختصمَ قومُ إمِّهِ وأبيهِ في ولائه، فقضي به لقومِ أمِّهِ فهو تعجيز
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(فإن تركَ ولداً من حرَّةٍ [1] معتقةٍ وديناً يفي ببدلها، فجنى الولدُ وقضي به): أي بموجبِ الجناية، (على عاقلةِ أمِّهِ لم يكن ذلك تعجيزاً لأبيه)؛ لأنَّ هذا القضاءَ لا ينافي الكتابة؛ لأنَّ مقتضى الكتابةِ إلحاقُ الولدِ بموالي الأمّ، وإيجاب العقل عليهم، لكن على وجهٍ يحتملُ أن يعتقَ الأب فينجرُّ الولاءُ إلى موالي الأب.
وإنَّما قال: وديناً يفي؛ لأنَّهُ لو كان عيناً لا يتأتَّى القضاءُ بالإلحاقِ بالأمِّ؛ لأنَّه يمكنُ الوفاءُ في الحالّ.
(وإن اختصمَ قومُ إمِّهِ وأبيهِ في ولائه، فقضي به لقومِ أمِّهِ فهو تعجيز [2])؛ لأنَّ القضاءَ بكونِ ولاءِ الولدِ لموالي الأمّ، معناه: أنّ الأبَ ماتَ رقيقاً، وانفسخَ عقدُ الكتابةِ فيكون القضاءُ في فصلٍ مجتهدٍ فيه، فينفذُ فيه وتنفسخُ الكتابة.
===
العقد، ولا يسري حكمه إليه لانفصاله بخلاف الصورةِ الأولى، أي المولودُ في الكتابة؛ لأنّه متّصل وقت الكتابة، فيسري الحكمُ إليه، وحيث دخلَ في حكمِه سعى في نجومه. كذا في «الهداية» (¬1).
[1] قوله: فإن ترك ولداً من حرّة؛ ذكرَ هذه المسألة التي ذكرها بقوله: وإن اختصم ... الخ؛ فرّقا بينهما، صورةُ المسألةِ الأولى: مكاتبٌ مات وله ولدٌ حرّ من حرّة، وترك ديناً على الناس وفاءً بمكاتبه، فالكتابةُ باقية، وولاءُ الولد لموالى الأم.
وصورُة المسألة الثانية: ماتَ هذا الولدُ بعد الأب، واختصمَ موالي الأب وموالي الأم، فقال موالي الأم: ماتَ رقيقاً والولاء لنا، وقال موالى الأب: مات حرّاً والولاء لنا، فقضى بولائه لموالي الأمّ. كذا في «حاشية جلبي» (¬2).
[2] قوله: فهو تعجيز؛ أي قضاءٌ بعجز المكاتب، وفسخ الكتابة؛ لأنّ هذا
¬
(¬1) «الهداية» (3: 269).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص531).
الجزء 13 · صفحة 58
وطابَ لسيِّدِه ما أدَّى إليه من صدقةٍ فعجز فإن جنى عبدٌ فكاتبَهُ سيِّدُهُ جاهلاً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وطابَ لسيِّدِه ما أدَّى إليه من صدقةٍ [1] فعجز): أي إذا لم يكن المولى مصرفاً للزَّكاة، فأخذَ المكاتبُ الزَّكاة؛ لكونهِ من المصارف، ثمَّ أدَّاهُ إلى المولى عن بدلِ الكتابة، ثمَّ عَجِزَ فظهرَ أنَّ المولى أخذَ الزَّكاة، وهو غنيّ، ومع ذلك يطيبُ له، لأنَّهُ أخذَهُ عوضاً [2] عن العتقِ زمانَ الأخذ، والعبدُ قد أخذَهُ صدقة، وقد قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لها صَدَقَة، وَلَنَا هَدِيَّة» (¬1).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(فإن جَنَى عبدٌ فكاتبَهُ سيِّدُهُ جاهلاً بها [3]
===
اختلافٌ في الولاء مقصوداً، وذلك يتبنّى على بقاءِ الكتابة وانتقاضها، فإنّها إذا فسخت ماتَ عبداً، واستقرَّ الولاءُ على موالي الأمّ، وإذا بقيت واتّصل بها الأداء ماتَ الولدُ حرّاً، وانتقلَ الولاءُ إلى موالي الأب، وهذا فصلٌ مجتهدٌ فيه، فينفذ ما يلاقيه من القضاء؛ فلهذا كان هذا القضاء تعجيزاً. كذا في «الهداية» (¬2).
[1] قوله: من صدقة؛ أي من الصدقة التي أخذها المكاتبُ عن الغير، ثمّ أدّاه ... الخ؛ وهذا عند محمّد - رضي الله عنه - ظاهر؛ لأنَّ بالعجز يتبدّلُ الملك عنده.
وكذا عند أبي يوسف - رضي الله عنه -، وإن كان بالعجز يتقرّر ملكُ المولى عنده؛ لأنّه لا خبثَ في نفس الصدقة، وإنّما الخبث في فعل الآخذ؛ لكونه إذلالاً به، والأخذُ لم يوجد من المولى، فصار كابن السبيل إذا وصل إلى وطنه، وكالفقيرِ إذا استغنى، وقد بقي في أيديهما ما أخذا من الصدقة، حيث يطيب لهما. كذا في «الهداية» (¬3).
[2] قوله: لأنّه أخذه عوضاً؛ وتبدّل السببِ كتبدّل العين.
[3] قوله: جاهلاً بها؛ أي لم يكن المولى عالماً بالجناية عند الكتابة، حتى يصيرَ مختاراً للفداء، إلا أنّ الكتابةَ مانعةٌ من الدفع، فإذا زالَ المانعُ عاد الحكمُ الأصلي.
¬
(¬1) من حديث أنس وعائشة - رضي الله عنهم - في «صحيح البخاري» (2: 543)، و «صحيح مسلم» (2: 755)، ولفظه: «أهدت بريرة - رضي الله عنه - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لحماً تصدق به عليها، فقال: هو لها صدقة ولنا هدية».
(¬2) «الهداية شرح بداية المبتدي» (3: 269).
(¬3) «الهداية» (ص270).
الجزء 13 · صفحة 59
فعجزَ أو مكاتبٌ فلم يقضِ به فعجزَ دفعَ أو فَدَى وإن قُضي به عليه مكاتباً فعجز بيعَ فيه، ولا تنفسخُ بموتِ السَّيد، وأدَّى البدلَ إلى ورثتِهِ على نجومِه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أي بالجناية، (فعجزَ أو مكاتبٌ فلم يقضِ به فعجزَ دفعَ أو فَدَى) (¬1): أي جنى مكاتبٌ فلم يقضِ بموجبِ الجنايةِ فعجزَ خيِّرَ بينَ دفعِه، وأداءِ إرشِ الجناية؛ لأنَّ هذا هو موجبُ جنايةِ العبدِ لكنَّ الكتابةَ صارتْ مانعةً عن الدَّفع، ثمَّ زالَ المانعُ بالعجز، فعادَ الحكمُ الأصلي.
(وإن قُضي به [1] عليه مُكاتباً فعجز بيعَ فيه): أي وإن قضى بموجبِ الجنايةِ على المكاتبِ حالَ كونِهِ مكاتباً، ثمَّ عجزَ بيعَ في ذلك؛ لأنَّهُ دينٌ متعلِّقٌ برقبتِهِ بالقضاء، فانتقل إلى قيمته.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ولا تنفسخُ [2] بموتِ السَّيد، وأدَّى البدلَ [3] إلى ورثتِهِ على نجومِه
===
[1] قوله: وإن قضي به؛ أي بموجبِ الجناية عليه؛ أي على المكاتبِ في كتابته، ثمَّ عجز، فما قضى به من موجبها دينٌ في ذمَّته يباع فيه. كذا في «العناية» (¬2).
[2] قوله: ولا تنفسخ ... الخ؛ يعني أنّ الكتابةَ حقّ المكاتب؛ لأنّها سبب حريّته، وحريّة حقّه فهي سببُ حقّه، وسببُ حقّ المرء حقّه لافضائه إلى حصوله، فالكتابةُ حقّه، فإذا ماتَ المولى لم ينفسخ؛ لئلا يؤدّي موته إلى إبطالِ حقّ غيره. كذا في «حاشية الجلبي» (¬3).
[3] قوله: وأدّى البدل ... الخ؛ أي قيل: له أدِّ البدل إلى ورثته، فيؤدّي إلى ورثته على نجومه؛ لأنّه استحقَّ الحريّة بالأداءِ على النجومِ المقرَّرةِ من المولى، والسبب كذلك فيبقى بهذه الصفة، ولا يتغيّر إلا أنّ الورثةَ يخلفون المولى في الاستيفاء، بأن أعتقوه جميعاً، أي ابرأوا عن بدلِ الكتابة، وهذه لا يسمّى تغيّراً.
¬
(¬1) أي لو جنى المكاتب فعجز من الكتابة قبل القضاء بموجب الجناية؛ لأنه لما عجز صار قناً، وحكم جناية القنّ يخير فيه المولى بين الدفع والفداء، أما لو عجز بعدما قضى على المكاتب بموجب الجناية في حال كتابته فعجز فهو موجب الجناية دين على عليه ويباع العبد فيه لانتقال الحقّ من رقبته إلى قيمته بالقضاء. ينظر: «مجمع الأنهر» (2: 422).
(¬2) «العناية» (8: 151).
(¬3) «ذخيرة العقبى» (ص532).
الجزء 13 · صفحة 60
فإن أعتقَهُ بعضُهم لا يصحّ، وإن أعتقوهُ عُتِقَ مجَّاناً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن أعتقَهُ بعضُهم لا يصحّ، وإن أعتقوهُ عُتِقَ مجَّاناً)؛ لأنَّهُ لا ينتقلُ من ملكٍ إلى ملك، فلا يصحُّ اعتاقُ بعضِ الورثة [1]، وأمَّا إعتاقُ الكلِّ فنجعلُهُ [2] إبراءً تصحيحاً للعتق، ولا كذلكَ إعتاقُ بعضِ الورثة؛ لأنَّهُ لا يمكنُ جعلُهُ إبراءً للبعضِ تصحيحاً للعتق، فإنَّ إبراءَ البعضِ لا يصحِّحُ العتق؛ لأنَّهُ لا يعتقُ شيءٌ بإبراءِ البعض.
===
[1] قوله: فلا يصحُّ إعتاقُ بعض الورثة؛ لأنّه لم يملكه؛ إذ المكاتبُ لا يملكُ بسائرِ أسبابِ الملك، كالبيعِ والهبة، فكذا بالإرث، ولاعتق فيما لم يملكه ابنُ آدم. كذا في «حاشية الجلبي» (¬1).
[2] قوله: فنجعله ... الخ؛ يعني أنّ القياسَ عدمُ الجوازِ في الكلّ أيضاً؛ لعدمِ الملك، ووجه الاستحسان: أن يصيرَ إعتاقُهم إبراءً عن بدلِ الكتابة، فإنّهم يملكونَه بجريانِ الإرث فيه، فإذا برئ المكاتبُ عن جميعِ البدلِ عُتِق، كما إذا أبرأه مولاه، ولمّا توجّه عليه جعل إعتاق أحد الورثةِ إبراءٌ عن نصيبه.
أجاب عنه بقوله: ولا كذلك إعتاقُ البعض: يعني أنّه لا يصحُّ ذلك؛ لأنّا نجعلُهُ إبراءً اقتضاءً تصحيحاً لعتقه، والعتقُ لا يثبتُ في المكاتب بإبراءِ بعضِ البدلِ أو أدائه، لا في بعضه، ولا في كلّه؛ لأنَّ عتقَه معلَّقٌ بسقوطِ جميع البدل.
ولهذا لو أبرأ المورثُ عن بعض البدل لم يعتقْ شيءٌ منه، وإذا لم يمكن إثبات المقتضى لا يثبتُ المقتضى، فلا وجه لإبراءِ البعض، وكذا حال إبراءِ الكلّ لحقِّ بقيّة الورثة. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2) ناقلاً عن «العناية» (¬3).
• • •
¬
(¬1) «ذخيرة العقبى» (ص532).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص532).
(¬3) «العناية» (8: 151).
الجزء 13 · صفحة 61
كتاب الولاء
هو ميراثٌ يستحقِّهُ المرءُ بسببِ عتقِ شخصٍ في ملكِه، أو بسببِ عقدِ الموالاة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب [1] الولاء [2]
(هو ميراثٌ [3] يستحقِّهُ المرءُ بسببِ عتقِ شخصٍ في ملكِه، أو بسببِ عقدِ الموالاة.
===
[1] قوله: كتاب الولاء؛ أورد كتاب الولاء عقيبَ كتاب المكاتب؛ لأنّ الولاء من آثار الكتابةِ بزوالِ ملك الرقبة عند أداء بدل الكتابة. كذا في «نتائج الأفكار» (¬1).
[2] قوله: الولاء؛ هو من الوليّ بمعنى القرب، فهي قرابةٌ حكميّةٌ حاصلةٌ من العتق أو من الموالاة، هذا في اللّغة: يقال: وليَ الشيءُ الشيءَ إذا حصلَ الثاني بعد الأوّل من غير فصل.
وقال في «النهاية»: سمّي ولاء العتاقة وولاء الموالاة به؛ لأنّ حكمَها وهو الإرث يقرب، ويحصلُ عند وجود الشرط من غير فصل، أو من الموالات، وهو مفاعلة من الولاية بالفتح، وهو: النصرة والمحبة، إلا أنّه اختصَّ في الشرعِ بولاء الإعتاقِ أو بولاءِ الموالاة، ومن آثاره: التناصر، والإرث والعقل. كذا في «التبيين» (¬2).
[3] قوله: هو ميراث ... الخ؛ بيانُ للمعنى العرفيّ له باعتبار أثره وحكمه، فإنّ معناه في عرف الفقهاء - رضي الله عنهم -: التناصرُ الذي يوجبُ الإرث والعقل، وقد صرَّح به صاحب «الهداية» (¬3) حيث قال في بيان مفهومها الشرعيّ: والمعنى فيهما: التناصر، ثمَّ بيّن وجودَ التناصرِ فيهما بأنّ العربَ كانت تتناصرُ بهما وبالحلفِ والممالحة.
وقد قرَّر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تناصرَهم بالولاء بنوعيه، فقال: «إنّ مولى القوم منهم، وحليفُهم منهم» (¬4).
¬
(¬1) «نتائج الأفكار» (8: 152).
(¬2) «تبيين الحقائق» (5: 175).
(¬3) «الهداية» (3: 271).
(¬4) في «سنن الدارمي» (2: 318)، و «مسند أحمد» (4: 340)، قال شيخنا الأرنؤوط: حديث
صحيح لغيره دون قوله: «وحليفهم منهم»، وهذا إسناد ضعيف لجهالة إسماعيل بن عبيد بن رفاعة فقد انفرد بالرواية عنه ابن خثيم.
الجزء 13 · صفحة 62
فالولاء مَن أعتقَ بإعتاقٍ أو بفرعٍ له أو بمِلْكِ قريبه فولاؤه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فالولاء) نوعان [1]: ولاءُ العَتَاقة، وولاء الموالاة.
فابتدأ بولاءِ العتاقةِ فقال: (مَن أُعتقَ بإعتاقٍ أو بفرعٍ له): كالكتابة، والتَّدبير، والاستيلاد، (أو بمِلْكِ قريبه): أي بمالكيِّة قريبهِ إيَّاه، (فولاؤه [2]
===
والمرادُ بالحليف: مولى الموالاة؛ لأنّهم كانوا يؤكّدون الموالاةَ بالحلف. انتهى. كذا في «حاشية الجلبي» (¬1).
[1] قوله: فالولاء نوعان؛ أي الولاءُ المستعمل في اصطلاحِ الشرع، وهو الذي يقعُ به التناصر نوعان، فإيرادُ الفاءِ على الولاءِ صريحٌ أنّ تنوّعه إلى نوعين باختلافِ السَّببين المذكورين كما صرَّح به الأكمل (¬2).
[2] قوله: فولاؤه لسيّده؛ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لمَن أعتق» (¬3)؛ ولأنّ التناصرَ به فيعقله وقد أحياه معنى بإزالةِ الرقّ عنه؛ لأنَّ الرقيقَ هالكٌ حكماً، ألا ترى أنّه لا يثبتُ في حقِّه كثيرٌ من الأحكامِ التي تعلَّقت بالأحياءِ نحو القضاء والشهادة والسعي إلى الجمعةِ والخروج إلى العيدين وأشباه ذلك.
وبالإعتاقِ تثبتُ هذه الأحكامُ في حقِّه، فكان إحياءً معنى، ومَن أحيا غيرَه معنىً ورثَه كالولد، فيصيرُ الولاءِ كالولاء، ومن حيث أنّ سببَ حياةِ الولدِ إنّما هو الوالد، فيرثُه المولى كما يرثُ الوالد الولد.
فإن قيل: ينبغي أن يرثَ العبدُ المعتق من المولى أيضاً إذا لم يترك المولى عصبة نسبية، كما هو قول حسن بن زياد - رضي الله عنه -.
قلنا: المعتقُ أجنبيٌّ عنه، وقد جاء في المعتق نصٌّ مخالف للقياس فلا يقاس عليه
¬
(¬1) «ذخيرة العقبى» (ص532).
(¬2) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص532).
(¬3) في «صحيح البخاري» (2: 756)، وغيره.
الجزء 13 · صفحة 63
لسيِّدِه وإن شرطَ عدمُه ومَن أعتقَ أمةً زوجُها قِنٌّ، فولدت لأقلَّ من نصفِ حول فله ولاءُ الولدِ بلا نقلٍ عنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لسيِّدِه [1] وإن شرطَ عدمُه)، فإنَّ ذلك شرطٌ مخالفٌ لمقتضى العقد فينفذُ العتقُ ويبطلُ الشَّرط.
فإن قيل: كيف يكونُ الولاءُ في التَّدبيرِ والاستيلاد للسَيِّد، والمدبَّرُ وأمُّ الولدِ إنَّما يعتقان بعدَ موتِ السَّيد؟ قلنا: صورتُهُ: أن يرتدَّ السَيِّدُ ـ نعوذ باللهِ منها ـ ويلحقَ بدارِ الحربِ حتَّى يحكمَ بعتقِ مدبَّرِه وأمِّ ولدِه، ثمَّ جاءَ مسلماً فماتَ مدبَّرُه أو أمُّ ولدِه فالولاءُ له.
(ومَن أَعْتَقَ أمةً زوجُها قِنٌّ [2]، فولدت لأقلَّ من نصفِ حول): أي من وقتِ الإعتاق، (فله ولاءُ الولدِ بلا نقلٍ عنه): أي إن أُعتقَ أبوهُ لا ينتقلُ ولاءُ الولدِ من
===
غيره. كذا في «العناية» (¬1)، و «الكفاية» (¬2).
[1] قوله: لسيّده؛ أي المعتِق ـ بالكسر ـ، وكذلك المعتقة؛ لما روى النَّسائيّ أنّ بنت حمزةَ - رضي الله عنه - «أعتقت غلاماً لها، ثم ماتَ المعتَق ـ أي الغلام ـ، وتركَ ابنته، فجعل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المالُ بينهما نصفين» (¬3).
ويستوي أيضاً في ثبوتِ الولاءِ الإعتاقُ بمال وبغيره، وسواءٌ كان العتقٌ حاصلاً ابتداءً أو بجهةِ الواجب: كالكفّارةِ ونحوها؛ لإطلاقِ ما رويناه سابقاً من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لمَن أعتق»، هكذا يفهم من عبارة «العناية» (¬4).
[2] قوله: ومَن أعتقَ أمة زوجها قنّ ... الخ؛ صورتها: إذا تزوّج عبدُ رجلٍ أمةً لغيره فأعتقَ مولى الأمةِ الأمةَ، فولدت لأقلَّ من ستة أشهرٍ من وقتِ الإعتاق، فلمولى
¬
(¬1) «العناية» (8: 154).
(¬2) «الكفاية» (8: 154 - 155). ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص532 - 533).
(¬3) في «المعجم الكبير» (24: 354)، وغيرها.
وعن ابن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: «توفي رجل وترك ابنته ومواليه، فقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - المال بينهما نصفين بين ابنته ومواليه» في «مراسيل أبي داود» (ص405)، وغيره.
(¬4) «العناية» (8: 155).
الجزء 13 · صفحة 64
وكذا لو ولدتْ ولدَيْن أحدُهما لأقلَّ من ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
موالي الأمِّ إلى موالي الأب؛ لأنَّ الحملَ كان موجوداً وقتَ الإعتاق، فإعتاقُهُ وقعَ قصداً [1] فلا يَنْتَقِلُ ولاؤه من معتقِه.
(وكذا لو ولدتْ ولدَيْن أَحَدُهما لأقلَّ من ذلك [2]): أي ولدتْ الأمةُ المعتقةُ
===
الأمة ولاءُ الولد، لا ينتقلُ الولاء عن مولى الأمة إلى مولى العبد إن أعتقَ عبده؛ لأنّ الحمل كان موجوداً ... الخ.
[1] قوله: وقع قصداً؛ إذ هو جزءٌ منها يقبلُ الإعتاق مقصوداً، قال أخي جلبي (¬1): اعلم أنّ مسألةَ جرِّ الولاء وتميّز مواضع الجرّ عن غيرها من مهمّات هذا المقام.
والأصلُ في ذلك: إنّ العتقَ إذا وقعَ على الولدِ مقصوداً لا ينتقلُ ولاؤه أبداً، وإن وقعَ تبعاً ثمّ أعتق الأب جرّ ولاء ابنِهِ إلى مواليه، وعلى هذا إذا أعتق الرجلُ أمةً وولدَها عتقاً وولاؤهما له، فإن أُعْتِقَ الأبُ بعد ذلك لا يجرُّ ولائه، لأنّه لمّا كان منفصلاً عن الأمٍّ كان مملوكاً لمولى الأم، والعتقُ تناوله مقصوداً لا تبعاً، فلا يتبعُ أحداً.
وإذا أعتقت الأمّ وهي حامل، أو أعتقت وولدت بعد العتقِ لأقلَّ من ستَّةَ أشهر، أو ولدت أحد التوأمين لأقلَّ من ستَّةِ أشهرٍ بيوم، ثمَّ أعتقَ الأبَ رجلٌ آخر، فكذلك لا ينتقلُ الولاء إلى موالي الأب؛ لأنّ المولى قصد إعتاق الأم، والقصدُ إليها بالإعتاقِ قصداً إلى جميعِ أجزائها، والحملُ جزءٌ منها.
فإن كان الحملُ ظاهراً وقت الإعتاق فواضح، وإن ولدت لأقلَّ من ستَّةِ أشهرٍ حصل التعيين؛ لقيامه فيه، وكذا إذا ولدت أحد التوأمين؛ لأنّهما معلّقان معاً، هذا تفصيل ما أجمله الشارح رحمه الله متقوياً بتقوية العناية. انتهى.
[2] قوله: لأقلّ من ذلك؛ أي أقلّ من نصف الحول، وهو ستّة أشهرٍ بيوم مثلاً، والآخرُ بعدها. كذا في «الكفاية» (¬2).
¬
(¬1) في «ذخيرة العقبى» (ص533).
(¬2) «الكفاية» (8: 156).
الجزء 13 · صفحة 65
فإن ولدتْ لأكثرَ منه، فولاءُ الولدِ لسيِّدها، فإن أعتقَ الأبُ جرَّ ولاءَ ابنهِ إلى قومِه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولدَيْن توأمَيْن بين الإعتاقِ وبين ولادةِ أحدهما أقلُّ من نصفِ حول، لا ينتقل ولاءُ الولدَيْن أيضاً؛ لأنَّ أحدَ التَّوأمَيْن كان موجوداً وقتَ الإعتاق [1]، فكذا الآخر [2]، والتَّوأمان ولدان من بطنٍ واحد بين ولادتِهما أقلُّ من نصفِ حول.
(فإن ولدتْ لأكثرَ منه [3]، فولاءُ الولدِ لسيِّدها، فإن أُعتقَ الأَبُ [4] جرَّ ولاءَ ابنهِ إلى قومِه): أي إن ولدتِ الأمَة المعتقة ولداً بين الإعتاقِ وولادتِهِ أكثرُ من نصفِ حولٍ فولاءُ الولدِ لسيِّدِ أمِّهِ بمعنى أنَّ الولدَ إن ماتَ فولاؤه لسيِّدِ الأمّ، فإن أُعتقَ
===
[1] قوله: لأنّ أحد التوأمين كان موجوداً وقت الاعتاق؛ وإن لم يعرف حملها وقتَ الإعتاق.
[2] قوله: فكذا الآخر؛ لأنّ التوأمين يتعلّقان معاً.
[3] قوله: فإن ولدت لأكثرَ منه؛ أي إن ولدت بعد عتقِها لأكثرَ من ستَّةِ أشهرٍ ولداً فولاؤه لموالي الأمّ؛ لأنّه عتقَ تبعاً للأمّ لاتّصاله بها بعد عتقها، فيتبعُها في الولاء، ولم يتيقّن لقيامه وقت الإعتاق؛ لأنّه ولدَ لأكثرَ من ستَّةِ أشهرٍ بعد الإعتاق، حتى يعتقَ مقصوداً.
[4] قوله: فإن أعتق الأب ... الخ؛ أي إن أعتق الأبَ مولاه، جرَّ الأبُ ولاءَ ابنه، فانتقلَ الولاءُ عن موالي الأمّ إلى موالي الأب؛ لأنّ الولاءَ بمنْزلةِ النسب، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لحمة كلحمةِ النسب، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث» (¬1).
ثمّ النسبُ إلى الآباء، فكذلك الولاءُ والنسبةُ إلى موالي الأمّ كانت لعدمِ أهليّة الأب ضرورة، فإذا صار بالعتقِ أهلاً عاد الولاءُ إليه.
فإن قيل: الولاءُ كالنسب، والنسبُ لا يحتملُ الفسخ بعد ثبوته، فكذا الولاءُ يجب أن لا ينفسخَ بعد ثبوته.
¬
(¬1) في «صحيح ابن حبان» (11: 326)، و «المستدرك» (4: 379)، و «المعجم الأوسط» (2: 82) و «معجم الشيوخ» (1: 312)، و «سنن البيهقي الكبير» (6: 240)، وغيرها، بلا زيادة: ولا يورث.
الجزء 13 · صفحة 66
عجميٌّ له مولى الموالات، نكحَ معتقةً فولدت، فولاءُ ولدِها لمولاها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأبُ قبل موتِ الولدِ صارَ الولدُ بحيث إن ماتَ بعد موتِ الأب، فولاءُ الولدِ يكونُ لمعتقِ الأب، وإنَّما قلنا: قبل موتِ الولد؛ لأنَّ الأبَ إن أُعتقَ بعد موتِ الابن لا ينتقلُ ولاءُ الابنِ إلى موالي الأب، لأنَّ مولى الأمّ استحقَّ ولاءَ الولدِ زمانَ موتِه، وبعد تقرُّرِ ذلك لا ينتقلُ عنه.
وإنَّما قلنا: بعد موت الأب؛ لأنَّ الأبَ إذا أعتق، والولد ماتَ قبل موت الأب، فميراثُهُ للأبِ فلا يكونُ ولاؤهُ لمولى الأب.
(عجميٌّ [1] له مولى الموالاة، نكحَ معتقةً فولدت، فولاءُ ولدِها لمولاها)، هذا عند أبي حنيفةَ ومحمَّد - رضي الله عنهم -.
===
قلنا: لا ينفسخ، ولكن حدثَ الأولى منه فقدّم عليه، كما تقول في الأخ: إنّه عصبة، فإذا حدثَ مَن هو أولى منه في الإرث لا يبطلُ تعصيبه، ولكن يقدّم عليه. كذا في بعض حواشي «الهداية» (¬1).
[1] قوله: عجمي ... الخ؛ العجمي وهو خلافُ العربي، وإن كان فصيحاً. كذا في «المغرب» (¬2)، وصورةُ المسألة: إنّ الحرَّ العجميَّ الذي ليس بمعتقٍ لأحد، سواء كان له ولاءُ موالاة لأحد أو لم يكن. كذا في «الزاد» و «شرح الأقطع».
وفي «الفوائد الظهيريّة»: هذه المسألة على وجوه: إن زوَّجت نفسَها من عربيٍّ فولاءُ الأولادِ لقوم الأب في قولهم؛ لأنّ الشرفَ بأسباب العرب أقوى، وإن زوّجت نفسها من أعجميٍّ له آباء في الإسلام، فولاءُ الأولادِ لقوم الأب عند أبي يوسف - رضي الله عنه - بلا ريب، وعلى قولهما اختلف المشائخ: حكي عن أبي بكرٍ الأعمش وأبي بكرٍ الصفّار - رضي الله عنهم -: إنّه لقوم الأب.
وقال غيرهما: لقوم الأمّ، ولو زوَّجت نفسها من رجلٍ أسلمَ من أهلِ الحرب والى أحداً أو لم يوالِ، فهي مسألة الكتاب، وإن زوّجت نفسها من عبدٍ أو مكاتبٍ
¬
(¬1) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص533).
(¬2) «المغرب» (ص306).
الجزء 13 · صفحة 67
.................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
... وأمَّا عند أبي يوسف - رضي الله عنه -[1] فولاؤه لمولى الأب [2] موالاةً؛ ترجيحاً لجانب الأب، وهما رجَّحا [3] ولاءَ العَتاقة وإن كان من جانبِ الأمّ، وإنِّما وضعَ المسألةَ في
===
فولاءُ الولد لمولى الأمّ إجماعاً إلا إذا أعتقَ الأب فيجرُّ الولاء من موالي الأمِّ إلى قومه. هذا زبدة ما في «الكفاية» (¬1).
[1] قوله: وأمّا عند أبي يوسف - رضي الله عنه - ... الخ؛ ثمرةُ الاختلافِ يظهر فيما إذا ماتَ هذا الولد وتركَ عمّة أو غيرها من ذوي الأرحام، ومعتقُ أمّه أو عصبة معتقها كان المالُ لمعتقِ أمّه أو عصبته عندهما، وعند أبي يوسفَ - رضي الله عنه - يكون لذوي الأرحام. كذا في «التبيين» (¬2).
[2] قوله: فولاؤه لمولى الأب؛ فلا يكون عليه ولاءُ عتاقة، وإنّما يورثُ مالُه بين ذوي أرحامه، كما إذا كان الأبُ عربيّاً والأمّ معتقة، فإنّه لا يكون ولاؤه لمولى أمّه ترجيحاً لجانب الأب، بخلاف ما إذا كان الأبُ عبداً؛ لأنّه هالكٌ معنى.
فلا يردُّ ما قيل: إنّه لمّا كان النسبُ إلى الآباء وجبَ أن يستويَ الأبُ الحرُّ والعبد، وليس كذلك؛ لأنّا قلنا: إنّ العبد هالكٌ معنى، وهذا المعنى معلومُ إن كان الأبُ حرّاً؛ لأنّ الحريّة حياة باعتبار صفةِ المالكيّة، والعربُ والعجم فيه سواء.
وإنّما قلنا: إنّ العبدَ هالكٌ معنى؛ لأنّه لا يملك شيئاً، ولأنّ الرقَّ أثر الكفر، والكفرُ موتٌ حكمي، كما قال الله - جل جلاله -: {أومن كان ميتا فأحييناه} (¬3): أي كافراً فهديناه، فصارَ هذا الولدُ كأنّه لا أبَ له فينسب إلى موالي الأمِّ ضرورة. هذا زبدةُ ما في «العناية» (¬4) و «نتائج الأفكار» (¬5).
[3] قوله: وهما رجّحا ... الخ؛ لأنّ العتاقةَ قويّ معتبرٌ في حقّ الأحكامِ حتى
¬
(¬1) «الكفاية» (8: 158).
(¬2) «تبيين الحقائق» (5: 177).
(¬3) الأنعام: من الآية122.
(¬4) «العناية» (8: 158).
(¬5) «نتائج الأفكار» (8: 158).
الجزء 13 · صفحة 68
والمعتقُ عصبةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
العجمي؛ لأنَّ ولاءَ الموالاةِ لا يكونُ في العرب؛ لأنَّ لهم شعوباً وقبائل، فلا إرث لمولى الموالاة لتأخّره عن الوارثِ النَّسبي وإن كان من ذوي الأرحام، وأمَّا العجم، فقد ضيَّعوا أنسابهم، فيتصوَّرُ فيهم مولى الموالاة.
(والمعتقُ [1] عصبةٌ [2]
===
اعتبرت الكفاءةُ فيه، ألا ترى أنّ معتقةَ العرب لا يكون كفءاً لمعتقِ العجم، والنسبُ في حقِّ العجم ضعيف، فإنّ تفاخرهم قبل الإسلامِ كان بعمارة الدنيا، وبعد الإسلامِ بالإسلام.
فإذا ثبتَ الضعفُ في جانب الأب كان هو والعبد سواء، فإنّ العجمَ ضيّعوا أنسابهم؛ ولهذا لم تعتبر الكفاءةُ فيما بينهم بالنسب، والقويُّ لا يعارضُه الضعيف، بخلاف ما إذا كان الأبُ عربيّاً؛ لأنَّ أنسابَ العرب قويّةٌ معتبرةٌ في حكمِ الكفاءة والعقل، لما أنّ تناصرَهم بها، فأغنت عن الولاء.
والمرادُ من تضييعِ أنسابهم عدمُ حفظِهم أسماءَ آبائهم، وهذا فيهم ظاهر؛ لأنّ مدارَ حلِّ النكاحِ وحرمتِه على الجهل بأسماء الآباء عندهم، ففيما يثبت الجهل يثبتُ الحلّ، وقيل: معنى تضييعهم الأنساب، أنّهم لم يراعوا حقَّه، بل يراعون المال، أمّا تضييعُ النسبِ في العجميّ الذين لحقوا العرب وصاروا موالي لهم فأظهر، هذا ما أفاده مولانا أعظمي - رضي الله عنه -.
[1] قوله: المعتق عصبة؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - لمَن اشترى عبداً فأعتقه: «هو أخوك ومولاك، إن شكرك فهو خيرٌ له وشرّ لك، وإن كفرك فهو خيرٌ لك وشرّ له، ولو ماتَ ولم يترك وارثاً كنت أنت عصبته» (¬1)، وورَّثَ ابنة حمزة - رضي الله عنه - على سبيل العصوبة مع قيام وارث، وهو بنت الميِّت. كذا في «الهداية» (¬2).
[2] قوله: عصبة؛ عصبةُ الرجل: قرابته لأبيه، فكأنّها جمع عاصب، وإن لم
¬
(¬1) في «سنن الدارمي» (2: 468)، و «سنن البيهقي الكبير» (6: 240)، وغيرها.
(¬2) «الهداية» (3: 271).
الجزء 13 · صفحة 69
قُدِّمَ النَّسبيُّ عليه، وهو على ذي الرحم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قُدِّمَ النَّسَبيُّ [1] عليه (¬1)، وهو على ذي الرحم): أي المُعْتِقُ شخصٌ يأخذُ ما بقيَ من صاحبِ الفرض، وكلُّ المالِ له عند عدمِه.
والنسبيُّ:
1. إمَّا عصبةٌ بنفسِه: أي ذَكَرٌ لا فرضَ له ولا يدخل في نسبتِه إلى الميْتِ أُنثى.
2. وإمَّا بغيرِه، وهي أنثى يعصِّبُها ذَكَرٌ.
3. وإمَّا مع غيرِه كالأختِ لأب وأمّ، أو لأب تصيرُ عصبةً مع البنت.
===
يسمع به، من عصب القوم لفلان: إذا أحاطوا به، فالأبُ طرف، والابن طرف، والأخ جانب، والعم جانب، ثم سمّى به الواحد والجمع والمذكّر والمؤنّث، وقالوا في مصدرها: العصوبة. كذا في «شرح الفرائض للسيد الشريف» (¬2).
[1] قوله: والنسبي ... الخ؛ اعلم أنّ العصبةَ نوعان: نسبي، وسببي.
أمّا النسبيّ فثلاثة؛ لأنّه:
1. إمّا عصبةٌ بنفسه، وهو ذكرٌ لا فرضَ له، ولا تدخلُ في نسبته إلى الميّت أنثى: كالابن والأب والأخ والعم، وإنّما اعتبرَ الذكورة؛ لأنَّ الأنثى لا تكون عصبةً بنفسها، بل قد تكون عصبةً بغيرها، كالبنت مع الابن، والأخت مع الأخ مثلاً.
وقد تكون عصبةً مع غيرها كالأختِ مع البنت، وإنّما اعتبرَ عدم دخول الأنثى في نسبته إلى الميّت؛ لأنَّ من دخلت الأنثى في نسبته إلى الميّت لم يكن عصبة، بل قد يكون من ذوات الفروض، كأولادِ الأمِّ مثلاً، وقد يكون من ذواتِ الأرحام، كأبِ الأمّ، وابنِ البنتِ مثلاً.
2. وإمّا عصبةٌ بغيره: وهي أنثى يعصِّبُها ذكر: كالبنت يعصِّبُها الابنُ مثلاً.
3. وإمّا عصبةٌ مع غيره وهي أنثى تعصِّبُها أنثى، كالأختِ لأب وأمّ، أو لأبٍ يعصُّبها البنت مثلاً.
¬
(¬1) أي المعتق عصبة يؤخر عن العصبة النسبية على ما تقرّر في علم الفرائض. ينظر: «درر الحكام» (2: 36).
(¬2) «شرح الفرائض السراجية» (ص21).
الجزء 13 · صفحة 70
.................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكلُّهم يُقَدَّمُ على المُعتق [1]، والمُعتقُ يقدَّمُ على ذوي الرَّحم [2]: أي مَن لا فرضَ له
===
والعصبات بأنفسهم أربعة أصناف:
1. جزءُ الميّت كالابنِ وابنِ الابن وإن سفل.
2. وأصله كالأب والجد وإن علا.
3. وجزءُ أبيه كالأخِ وابنه وإن سفل.
4. وجزءُ جدّه كالعمِّ مثلا الأقربُ فالأقرب.
وأمّا السببيّ فمولى العتاقة، هذا زبدة ما في «شرح السراجية للسيد الشريف» (¬1).
[1] قوله: وكلُّهم يقدّم على المعتق؛ توجيهه لما كان مولى العتاقة عصبةٌ يقدّم على ذوي الأرحام وهو المروي عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، فإن كان للمعتق عصبةٌ من النسبِ فهو أولى من المعتق؛ لأنَّ المعتق آخرُ العصبات؛ وهذا لأنّه قال - صلى الله عليه وسلم -: «ولم يترك وارثاً» (¬2).
قالوا: المرادُ منه وارثٌ هو عصبة لا وارثٌ مطلقاً، بدليل حديث توريثِ بنت حمزةَ - رضي الله عنه - فتأخّر عن العصبة النسبيّة دون ذوي الأرحام. هذا خلاصة ما في حواشي «الهداية» (¬3).
[2] قوله: على ذوي الأرحام؛ وهو في اللغةِ بمعنى ذي القرابة مطلقاً، وفي الشرعِ ما ذكرَه الشارح - رضي الله عنه - بقوله: الذي لا فرضَ له: أي فرضٌ مقدَّرٌ في الكتابِ أو السنّة أو إجماع الأمّة، وتدخل في نسبته إلى الميِّت أنثى: أي ولا يكون عصبة، ويحرزُ المالُ كلّه
¬
(¬1) «شرح الفرائض السراجية» (ص21 - 22).
(¬2) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إن رجلا مات على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يترك وارثاً إلا عبدا هو أعتقه، فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ميراثه» في «مشكل الآثار» (8: 371)، و «مسند أحمد» (1: 221)، وضعفه شيخنا الأرنؤوط.
(¬3) «العناية»، و «الكفاية» (8: 159 - 160).
الجزء 13 · صفحة 71
فإن ماتَ السيّد، ثمَّ المُعتَق، فإرثُهُ لأقرب عصبةِ سيِّدِه ولا ولاءَ للنِّساء إلاَّ ما أعتقن كما في الحديث
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ويدخل في نسبته [1] إلى الميْت أنثى.
(فإن ماتَ السيّد، ثمَّ المُعتَق، فإرثُهُ لأقرب عصبةِ سيِّدِه): أي إن مات السَيِّد، ثمَّ المعتقُ ولا وارثَ له من النَّسب [2]، فإرثُهُ لأقربِ عَصَبةٍ سيِّدِه على التَّرتيب الذي يُعْرَفُ في علم الفرائض.
(ولا ولاءَ للنِّساء إلاَّ ما أعتقن كما في الحديث): وعبارةُ الحديثِ [3] هذه: «ليس للنِّساء من الولاءِ إلاَّ ما أعتقن، أو أعتق مَن أعتقن، أو كاتبنَ أو كاتبَ مَن
===
عند الانفراد، أو الباقي من سهام ذوات الفروض، ومع ذوات الفروض مع العصبة يكون محروماً (¬1).
[1] قوله: ويدخل في نسبته ... الخ؛ كأولادِ البنات وإن سفلوا ذكوراً كانوا وإناثا، ومَن أراد زيادةَ التفصيلِ فلينظر في علم الفرائض (¬2).
[2] قوله: ولا وارث له من النسب؛ أي لا وارثَ له من العصبات نسبية، فإرثُهُ كلّه للمعتق وتأويل قوله: فإرثُهُ لأقرب عصبة، أن لا يكون للمعتقِ عصبة من النسب، ولا صاحب فرض وحال؛ أي له حال فرض لا غير.
أمّا إذا كان صاحب فرضٍ له حال تعصيب أيضاً لا شيء للمعتق، ولو كان صاحبَ فرضٍ فله الباقي بعد فرضه؛ لأنّه عصبة، والعصبةُ يحرز المالَ كلّه عند الانفراد، والباقي عند ذوات الفروض.
[3] قوله: وعبارةُ الحديث ... الخ؛ قال الفاضل الشريف - رضي الله عنه -: ومعناه: ليس للنساءِ من الولاء إلا ولاء ما أعتقن، أو ولاءُ ما أعتقه مَن أعتقن، أو ولاء ما كاتبنه أو ولاء ما كاتبه من كاتبتنه، أو ولاءَ ما دبَّرنَه، أو ولاء ما دبَّره من دبَّرنَه، فكلمةُ: ما؛ المذكورة
¬
(¬1) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص534).
(¬2) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص534).
الجزء 13 · صفحة 72
.......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كاتبن، أو دبَّرن، أو دَبَّرَ من دبَّرْن، أو جَرَّ ولاءَ معتقهنّ، أو معتق معتقهنّ» (¬1): أي ليس للنِّساء من الولاءِ إلاَّ ولاءَ مَن أعتقنَه أو ولاءَ مَن أَعتق مَن أعتقنَه، وأمَّا ولاءُ المدبَّر فقد عرفتَه، ففي مدبِّر المدبِّر يفرضُ ذلك مَرَّتين [1]، ومسألةُ جَرِّ الولاءِ قد مرَّت.
===
والمقدّرة عبارةٌ عن معتوقٍ يتعلّق به الإعتاق؛ فلإنّه بمَنْزلةِ سائرِ ما يتملَّك ممّا لا عقل له، كما في قوله - جل جلاله -: {أو ما ملكت أيمانكم} (¬2).
وكلمة: مَن؛ عبارة عمّن صارَ حرّاً مالكاً فاستحقّ أن يعبِّر عنه بلفظِ العقلاء، وقوله: أو جرّ؛ يحتاجُ إلى أن يقدّر معه أن حتى يصيرَ مؤولاً بالمصدر؛ أي ليس لهن شيء من الولاء، إلا ولاءُ ما ذكرَ أو إن جرّ ولاءَ معتقهنَ، أو ولاء معتق معتقهن. انتهى هكذا في «حاشية جلبي» (¬3).
[1] قوله: يفرض ذلك مرّتين؛ قال الفاضل الشريف - رضي الله عنه -: صورة ولاء مدبَّرهنّ إن دبّرت امرأةٌ عبداً ثمّ ارتدّت ولحقت بدارِ الحرب، وحكمَ القاضي بحريّة عبدها المدبَّر، ثمّ أسلمت ورجعت إلى دارِ الإسلام، ثمّ ماتَ المدبَّرُ ولم يخلف عصبةً نسبية، فهذه المرأة عصبتُه.
¬
(¬1) قال الزيلعي في «نصب الراية» (4: 154) وابن حجر في «الدراية» (2: 195): غريب، وأخرجَه البيهقي في «السنن الكبير» (10: 306): من طريق ابن مسعود وعلي وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم -: أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبير من العصبة ولا يورثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن. ومن طريق إبراهيم كان عمر وعليّ وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم -: لا يورثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن. وأخرج ابنُ أبي شيبة (6: 289) من طريق الحسن - رضي الله عنه - أنه قال: لا ترث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن. وروى عبد الرزاق (9: 36) من طريق يحيى بن الجزار عن علي - رضي الله عنه - قال: لا ترث النساء من الولاء إلا ما كاتبن أو أعتقن. ومن طريق ابن مسعود - رضي الله عنه - نحوه قال الحكم وكان شريح يقوله.
(¬2) النساء: من الآية3.
(¬3) «ذخيرة العقبى» (ص534).
الجزء 13 · صفحة 73
.................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
.......................................................................................................................
===
وحكم مدبَّر هذا المدبَّر كذلك؛ أي إذا حكمَ القاضي بعتق مدبَّرها بسبب لحاقها، فاشترى عبداً أو دبَّره ثمّ مات أو رجعت المرأةُ ثانيةً [إلى] دار الإسلام إمّا قبل موت مدبَّرها أو بعده، ثمّ مات المدبَّر الثاني ولم يخلف عصبةً نسبيةً فولاؤه لهذه المرأة.
وصورةُ جرِّ معتقِ معتقهنّ الولاء: إن امرأةً أعتقت عبداً، فاشترى العبدُ المعتقُ عبداً، فزوَّجَه بمعتقةِ غيره، فولدَ منهما ولدٌ، وهو حرٌّ وولاؤه لمولى أمّه، فإذا أعتقَ ذلك العبد المعتقُ عبدَه جرّ بإعتاقه ولاءَ ولدِ معتقه إلى نفسه، ثمّ إلى مولاته. انتهى كلامه الشريف. هكذا في «حاشية الجلبي» (¬1).
• • •
¬
(¬1) «ذخيرة العقبى» (ص535).
الجزء 13 · صفحة 74
فصل [في ولاء الموالاة]
إن أسلمَ رجلٌ على يدِ رجلٍ وولاه، أو غيره على أن يرثَه، ويعقلُ عنه صحَّ
===
فصل [1] [في ولاء الموالاة]
الجزء 13 · صفحة 75
(إن أسلمَ رجلٌ على يدِ رجلٍ وولاه، أو غيره على أن يرثَه، ويعقلُ عنه [2] صحَّ): قوله: إن أسلمَ رجلٌ على يدِ رجلٍ الخ، قيدٌ أُخْرِجَ مخرجَ العادة، وهو ليس بشرطٍ لصحَّة هذا العقد
===
[1] قوله: فصل؛ هذا فصل في أحكامِ ولاءِ الموالاة، أخّر ولاء الموالاة عن ولاءِ العتاقة؛ لأنّ ولاءَ العتاقة أقوى؛ لأنّه غيرُ قابلٍ للتحوّل والانتقال في جميعِ الأحوال، بخلاف ولاءِ الموالاة، فإنّ للمولى فيه أن ينتقل.
وصورة ولاءِ الموالاة: أن يقول مجهولُ النسب للذي أسلمَ على يده أو لغيره: واليتُك عليّ إلى أني [إن] متُّ فميراثي لك، وإن جنيتُ فعقلي عليك وعلى عاقلتك، وقبِلَ الآخر منه، يكون القابل مولى له يرثُه إذا مات، ويعقلُ عنه إذا جنى، وله شرائط منها أن يكون من غير العرب؛ لأنّ العربيّ له نصرةٌ بنفسه: أي قبيلة، وذلك آكدُ من نصرةِ الموالاة.
ومنها: أن يكون معتقاً.
ومنها: أن يشترطا الميراث والعقل.
ومنها: أن يكون لم ينتقل عنه غيره.
ومنها: الإسلامُ على يده عند البعض، والصحيحُ أن ذا ليس بشرط. هذا زبدة «نتائج الأفكار» (¬1)، و «الكفاية» (¬2).
[2] قوله: على أن يرثه ويعقل عنه؛ هذا صريحٌ في كونِ كلّ من الإرثِ شرطاً معتبراً. كما صرّح في «الكفاية» (¬3)، فقول الشارح - رضي الله عنه -: وهو ليس بشرط مختصٍّ بقيد
¬
(¬1) «نتائج الأفكار» (8: 161).
(¬2) «الكفاية شرح الهداية» (8: 161 - 162).
(¬3) «الكفاية» (8: 162).
الجزء 13 · صفحة 76
وعقلُهُ عليه وإرثُه له، وأُخِّرَ عن ذي الرَّحم، وله النَّقل عنه بمحضرِه إلى غيرِه إن لم يعقلْ عنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وعقلُهُ عليه وإرثُه له): أي إن جَنَى [1] الأسفلُ فديَتُه على المولى الأعلى، وإن ماتَ فأرثُه للأعلى، وهذا عندنا، وعند الشَّافِعِيِّ - رضي الله عنه -[2] لا اعتبارَ لعقدِ الموالاة.
(وأُخِّرَ عن ذي الرَّحم، وله النَّقل عنه بمحضرِه إلى غيرِه إن لم يعقلْ عنه
===
الإسلام، يعني على المذهب الصحيحِ كما نقلتُ آنفاً من «الكفاية» (¬1)، وعند البعض الإسلامُ شرطٌ أيضاً.
[1] قوله: أي إن جنى ... الخ؛ أقول: ظاهرٌ صريح في أنّ الإرثَ مختصٌّ من الجانب الأعلى، وليس كذلك؛ لأنّه لو شرطَ الإرثَ من الجانبين فكان كذلك، ويتوارثان من الجانبين بخلافِ ولاءِ العتاقة، فإنّه يرثُ الأعلى، ولا الأسفل من الأعلى؛ لأنّ سبب الإحياءِ قد وجدَ من الأعلى في حقِّ الأسفل، ولم يوجد من الأسفلِ في حقّ الأعلى، وهاهنا السببُ هو العقد والشرط، فعلى الوجه الذي وجدَ الشرطَ ثبتَ الحكم. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2) ناقلاً عن «الكفاية» (¬3).
[2] قوله: وعند الشافعيّ ... الخ؛ لأنّ فيه إبطالُ حقِّ بيت المال؛ ولهذا لا تصحُّ في حقّ وارثٍ آخر، فكذا لا يصحُّ في حقِّ بيت المال؛ لأنّه بمنْزلةِ الورثة عند عدمهم.
ولنا: قوله - جل جلاله -: {والذين عقدت أيمانكم} (¬4) الآية، والآية في الموالاة، والحديث: فقال - صلى الله عليه وسلم -: «هو أحقّ الناسِ به محياهُ وممّاته» (¬5)، وهذا يشيرُ إلى العقلِ
¬
(¬1) «الكفاية» (8: 162).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص535).
(¬3) «الكفاية» (8: 162).
(¬4) النساء: من الآية33.
(¬5) فعن تميم الداري - رضي الله عنه - قال: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما السنة في الرجل من أهل الشرك يُسْلِمُ على يدي رجل من المسلمين؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو أولى الناس بمحياه ومماته» في «سنن الترمذي» (4: 427)، و «سنن أبي داود» (2: 142)، و «سنن النسائي الكبرى» (4: 88)، و «سنن ابن ماجة» (2: 919)، وغيرها.
الجزء 13 · صفحة 77
فإن عقلَ عنه، أو عن ولدِه فلا، ولا يوالي معتقٌ أحداً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن عقلَ عنه، أو عن ولدِه فلا، ولا يوالي معتقٌ أحداً)، فإنَّ ولاءَ العتاقةِ مقدَّمٌ على ولاءِ الموالاة، فشُرِطَ أن لا يكون [1] معتقاً، وأيضاً من شرطِه أن يكونَ مجهولَ النَّسب [2]، وأن لا يكونَ عربيّاً؛ لأنَّ للعربِ قبائل، فيكون لهم الورثة النَّسبية.
===
والإرث؛ ولأنَّ ماله حقّه، فيصرفه إلى حيث يشاء، والصرفُ إلى بيت المال ضرورة عدم المستحقّ. هذا زبدة ما في «الهداية» (¬1).
[1] قوله: فشرط أن لا يكون؛ وأن لا تكون بينه وبين أحد عقدُ موالاة، وقد عقله عنه، وأشارَ المصنّف - رضي الله عنه - إلى هذا بقوله: ولم يعقل عنه ... الخ. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2).
[2] قوله: أن يكون مجهولَ النسب؛ بأن لا ينسبَ هو إلى غيره، أمّا نسبةُ غيره إليه فغير مانع، وقيل: إنه غير شرط، وهو المختار. كذا في «حاشية الجلبي» (¬3).
• • •
¬
(¬1) «الهداية» (3: 274).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص535).
(¬3) «ذخيرة العقبى» (ص535).
الجزء 13 · صفحة 78
كتاب الإكراه
هو فعلٌ يوقعُهُ المُكْرِهُ بغيرِه، فيفوتُ به رضاه، أو يفسدُ اختيارُه مع بقاء أهليته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب الإكراه [1]
(هو فعلٌ يوقعُهُ المُكْرِِهُ بغيرِه، فيفوتُ به رضاه، أو يفسدُ اختيارُه مع بقاء أهليته [2])، يقال: أوقع فلانٌ بفلانٍ ما يسوؤه، ثُمَّ الإكراهُ نوعان:
أحدُهما: أن يكونَ مفوِّتاً للرّضا، وهو أن يكون بالحبس، أو الضرب.
والثَّاني: أن يكون مفسداً للاختيار، وهو أن يكونَ التَّهديد بالقتل، أو قطعِ العضو [3].
فَفَوت الرِّضا أعمُّ من فسادِ الاختيار، ففي الحبس، أو الضَّرب يفوتُ الرِّضاء، ولكن الاختيار الصَّحيحَ باق، وفي القتل لا رضاءَ، ولكن له اختيار غيرُ صحيح، بل اختيارٌ فاسد.
وتحقيقُهُ: إن الرِّضا في مقابلةِ الكراهة، والاختيارَ في مقابلةِ الجبر، ففي الإكراه بالحبسِ والضرب لا شكَّ أنَّ الكراهةَ موجودة، فالرِّضا معدومٌ، لكن
===
[1] قوله: كتاب الاكراه؛ وهو في اللغة: حملُ المكرَه على ما يكرهُه، يقال: أكرهتُه على كذا؛ أي جعلتُه عليه، وهو كاره، في الاصطلاح: ما ذكرَ المصنِّف - رضي الله عنه - بقوله: وهو فعلٌ ... الخ، قيل: في مناسبة أنّ الولاءَ من آثارِ العتق، والعتقُ لا يؤثِّرُ فيه الإكراه، فناسب ذكرُه عقيبه، أو لأنّه نادرٌ كالموالاة. هكذا في «ردّ المحتار» (¬1).
[2] قوله: مع بقاء أهليّته؛ أي لا يزولُ به أهليّة المكره، ولا يسقطُ عنه الخطاب؛ لأنّ المكرَه مبتلى، والابتلاءُ تحقّقُ الخطاب، ألا ترى أنّه متردِّدٌ بين فرضٍ ورخصة، ويأثمُ مرّة ويؤجرُ أخرى، وهو آية الخطاب. كذا في «الكفاية» (¬2).
[3] قوله: أو قطع العضو؛ وكذا قطعُ بعض العضو كاملة. هكذا في «ردّ المحتار» (¬3) ناقلاً عن «الشُّرُنْبُلاليّة» (¬4).
¬
(¬1) «رد المحتار» (5: 80).
(¬2) «الكفاية» (8: 166).
(¬3) «رد المحتار» (5: 80).
(¬4) «الشرنبلالية» (2: 270).
الجزء 13 · صفحة 79
وشرطُهُ: قدرةُ المُكْرِهِ على إيقاعِ ما هدَّدَ به
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الاختيار متحقِّقٌ مع وصفِ الصحَّة، فإنَّ الاختيار إنِّما يفسدُ في مقابلةِ تلفِ النَّفس أو العضو، فإنَّ كلَّ أمرٍ فيه هلاكُ أحدِهما فالامتناعُ عنه مجبولٌ في طبيعةِ جميعِ الحيوانات.
ألا تَرَى أنَّ القوةَ الماسكةَ، كيف تمسكُ الإنسانَ، بل جميعَ الحيواناتِ عن الهوى [1] من المكان العالي، ومن الإلقاء في النَّار عند مظنَّةِ التَّلَف، فالامتناعُ عنه وإن كان اختيارياً، فهو اختيارٌ صورةً قريبٌ من الجبر، فكذا في الإكراه عند خوفِ تَلَفِ النفس أو العضو اختيارُ الامتناع عمَّا فيه مظنَّةُ الهلاكِ اختيارٌ فاسد؛ لأنَّ الإنسانَ عليه مجبورٌ من حيث إنَّ الطَّبعَ عليه مجبول، ومع ذلك الأهليةُ باقيةٌ في المُلْجئ وغير المُلْجئ [2] لتحقُّق العقل والبلوغ.
(وشرطُهُ:
1.قدرةُ المُكْرِِهِ [3] على إيقاعِ ما هَدَّدَ به
===
[1] قوله: عن الهوى؛ وهو بفتح الهاء وسكون الواو، مصدر هوى يهوى، كرمى يرمي، هوياً؛ أي سقطَ إلى السفل. كذا في «حاشية الجلبي» (¬1).
[2] قوله: في الملجئ وغير الملجئ؛ أي المضطّر وغير المضطّر، والمرادُ بالأوّل هو النوع الثاني من الإكراه، وعن الثاني هو الأوّل منه. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2).
[3] قوله: وشرطُهُ قدرةُ المكره؛ هذا شروعٌ لتعدادِ الأوصافِ الأربعةِ التي اعتبرت شرائط لتحقّق الإكراه:
الأوّل: صفةُ المكرِه بالكسر، وهي القدرة.
والثاني: صفة المكرَه بالفتح، وهي خوفه.
والثالث: صفة المكرَه به، وهي كونه متلفاً أو نحوه.
والرابع: صفةُ الفعلِ الذي يكرَه عليه، وهي كونه من الأفعالِ التي يمتنعُ عنها المكرَه قبل الإكراه. كذا في «حاشية الجلبي» (¬3).
¬
(¬1) «ذخيرة العقبى» (ص536).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص536).
(¬3) «ذخيرة العقبى» (ص536).
الجزء 13 · صفحة 80
سُلطاناً كان، أو لصَّاً، وخوفُ المُكْرَهِ إيقاعُه وكونُ المُكْرَهِ به مُتلفاً نفساً، أو عضواً، أو مُوجباً غمَّاً يعدمُ الرِّضاء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سُلطاناً كان، أو لصَّاً [1])، روي عن أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -: أنَّ الإكراهَ لا يتحقَّقُ إلاَّ من السُّلطان [2]، فكأنَّه قال ذلك بناءً على ما كان واقعاً في عصره.
2. (وخوفُ المُكْرَهِ إيقاعُه): أي يغلبُ على ظنِّهِ أنَّ المُكْرِِهَ يوقِعُه [3].
3. (وكونُ المُكْرَهِ به مُتلفاً نفساً [4]، أو عضواً، أو مُوجباً غمَّاً [5] يعدمُ الرِّضا [6])
===
[1] قوله: لصّاً؛ ـ بكسر اللام ـ، وضمّها لغةٌ فيه، يقال بالفارسية: دزد آشكارا. كذا قال الجلبي (¬1).
[2] قوله: لا يتحقَّق إلاَّ من السلطان؛ لما أنّ المنعةَ له، والقدرةُ لا تتحقَّقُ بدون المنعة، فقد قالوا: هذا اختلافُ عصرٍ وزمان؛ لا اختلاف حجّة وبرهان، أشار إليه الشارح - رضي الله عنه - بقوله: فكأنّه قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - ... الخ.
ذلك بناءً على ما كان واقعاً في عصره؛ لأنّ في زمنِه لم يوجد الإكراهُ إلا من السلطان، ثمّ تغيّر الزمانُ وأهله، ونشرَ الفساد والطغيان، ودفعَ الإكراهَ من كلّ واحد، فلو كان الإمامُ في زمانِ صاحبيه لأفتى بقولهما. كذا في «البيانيّة»، قال أخي جلبي (¬2): قد ظهرَ من هذا التقريرِ أنّ مسألةَ المتن على رأيهما.
[3] قوله: يوقعه؛ ليصير به مضطراً على ما دعى إليه من الفعل.
[4] قوله: متلفاً نفساً؛ في «القُهُسْتَانِيّ» (¬3)؛ أي حقيقيةً أو حكميّة، كتلف كلّ المال، فإنّه شقيق الروح. كما في «الزاهدي»، قال صاحب «ردّ المحتار» (¬4): تقييده بكلّ المال مخالفٌ لما سيشيرُ إليه الشارح - رضي الله عنه - آخذاً عن «القُنية».
[5] قوله: غَمّا: ـ بفتح الغين المعجمة، وتشديد الميم ـ: الهمّ.
[6] قوله: بعدم الرضا؛ أي مع بقاءِ الاختيار الصحيح، وإلا فالإكراهُ ليس بمتلفٍ لعدم الرضاء أيضاً، ولكنّه يفسدُ الاختيار. كذا في «رد المحتار» (¬5).
¬
(¬1) في «ذخيرة العقبى» (ص536).
(¬2) في «ذخيرة العقبى» (ص536).
(¬3) «جامع الرموز» (2: 368).
(¬4) «رد المحتار» (5: 80).
(¬5) «رد المحتار» (5: 80).
الجزء 13 · صفحة 81
والمُكْرَهُ ممتنعاً عمَّا أُكْرِهَ عليه قبلَهُ لحَقِّه أو لحَقِّ آخر أو لِحَقِّ الشَّرع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اعلم أنَّ هذا يختلفُ باختلاف النَّاس، فإنَّ الأراذلَ رُبَّما لا يَغْتَمُّونَ بالضَّرب أو الحبس، فالضَّربُ اللَّيِّنُ لا يكون إكراهاً في حقِّهم، بل الضَّربُ المُبرِح [1]، وكذا الحبسُ إلاَّ أن يكونَ حبساً مَديداً يَتَضَجَّرُ منه، والأشرافُ يَغتمُّونَ بكلامٍ فيه خشونة، فمثلُ هذا [2] يكونُ إكراهاً لهم.
4. (والمُكْرَهُ ممتنعاً عمَّا أُكْرِهَ عليه قبلَهُ لحَقِّه [3]): كبيعِ ماله، أو إتلافِه، أو إعتاقِ عبده، (أو لحَقِّ آخر): كإتلافِ مال الغير، (أو لِحَقِّ الشَّرع): كشرب الخمر، والزِّنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(فلو أُكْرِهَ بقتلٍ أو ضربٍ شديد [4]، أو حبسٍ [5] حتَّى باع، أو اشترى، أو أقرَّ، أو أجَّرَ فَسَخَ أو أمضى)، فإنّ هذه العقودَ يشترطُ فيها الرِّضا، فالإكراهُ الذي يَعْدِمُ الرِّضاء، وهو غيرُ المُلْجِئ يمنعُ نفاذَها لكنَّها تنعقد، وله الخيارُ في الفسخِ والامضاء.
===
[1] قوله: المبرح؛ ـ بالراء والحاء المهملتين ـ: الشديدُ المؤلم. كذا يفهم عن «الصحاح» (¬1).
[2] قوله: فمثل هذا ... الخ؛ ولذا قال محمّد - رضي الله عنه -: ليس في ذلك تقديرٌ لازم، بل ذلك على حسب ما يرى من حال مَن ابتلي به؛ لأنّ نصبَ المقاديرِ لا يكون بالرأي. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2).
[3] قوله: لحقّه؛ أي إمّا أن يكون امتناعُهُ ممّا أكره عليه؛ لكونه خالص حقّه كإكراهه على إتلاف ماله، ولو بعوض كبيعه. كذا في «رد المحتار» (¬3).
[4] قوله: أو ضربٌ شديدٌ؛ متلفٌ لا بسوطٍ أو سوطين إلا على المذاكيرِ والعين؛ لأنّه يخشى منه التلف (¬4).
[5] قوله: أو حبس؛ قال في «ردّ المحتار» (¬5): أي حبسُ نفسه، قال الزَّيْلَعِيُّ:
¬
(¬1) «الصحاح» (1: 81).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص536).
(¬3) «رد المحتار» (5: 80).
(¬4) ينظر: «الدر المختار» (5: 81).
(¬5) «رد المحتار» (5: 81).
الجزء 13 · صفحة 82
ويملكُهُ المشتري إن قبضَ فيصحُّ إعتاقُه، ولَزِمَهُ قيمتُه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(ويملكُهُ المشتري إن قبضَ فيصحُّ إعتاقُه، ولَزِمَهُ قيمتُه)؛ لأنَّ بيعَ المُكْرَه عندنا بيعٌ فاسد؛ لأنَّ ركنَ البيعِ [1] صدرَ من أهلِه في محلِّه، والفسادُ لفواتِ الوصف [2]، وهو الرِّضا، والمبيعُ بيعاً فاسداً يملكُ بالقبض، فلو قَبَضَ وأعتق، أو تَصَرَّفَ تصرُّفاً لا ينقضُ [3] ينفذُ [4] خلافاً لزفر - رضي الله عنه -، إذ هو عنده بيعٌ موقوف
===
والإكراه بحبسِ الوالدين أو الأولادِ لا يعدّ إكراها؛ لأنّه ليس بملجئ، ولا بعدم الرضا بخلافِ حبسِ نفسه.
لكن في «الشُّرُنْبُلاليّة» عن «المبسوط»: إنّه قياس، وفي الاستحسان: حبسُ الأب إكراهٌ، وذكرَ الطوريّ - رضي الله عنه -: إنّ المعتمدَ لا فرق بين حبس الوالدين والولد في وجه الاستحسان زاد القُهُسْتَانِيّ أو غيرهم من ذي رحمٍ محرم، وعزاه إلى «المبسوط».
[1] قوله: لأنّ ركن البيع؛ أي الإيجابُ والقبولُ صدرا من أهله، هو العاقلُ البالغ في محلّه؛ أي المال المتقوّم (¬1).
[2] قوله: لفواتِ الوصف؛ وهو الشرط لقوله - جل جلاله -: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} (¬2)، وتأثيرُ انتفاءِ الشرط في فسادِ العقد لا غير: كانتفاء المساواة في باب الربا. كذا في «حاشية الجلبي» (¬3) ناقلاً عن «الأكملية».
[3] قوله: لا ينقض؛ أي لا يمكن نقضُهُ كالتدبير والاستيلاد (¬4).
[4] قوله: ينفذ؛ أي يجوز، ويلزمه القيمةُ كسائر البياعات الفاسدة.
فإن قيل: لو كان كسائرِ البياعاتِ الفاسدة لَما عادَ جائزاً بالإجازة.
وأجيبَ: بأنّ بإجازةِ المالكِ يرتفعُ المفسدُ وهو الإكراهُ وعدم الرضا، فيجوز بخلاف سائرها، فإنّ المفسد فيه باقٍ.
¬
(¬1) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص536).
(¬2) النساء: من الآية29.
(¬3) «ذخيرة العقبى» (ص536).
(¬4) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص536).
الجزء 13 · صفحة 83
................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
........................................................................................................................
===
واعلم أنّ صاحب «الهداية» (¬1) أورد [قد] هاهنا مسألة بيع الوفاء بقوله: قال المصنّف - رضي الله عنه -: ومَن جعلَ البيعَ الجائزِ المعتاد بيعاً فاسداً، جعلَه كبيعِ المكره حتى ينقضَ بيعُ المشتري من غيره إلى آخره.
قال الأكمل - رضي الله عنه - (¬2): أرادَ بالبيع الجائزِ المعتادِ بيع الوفاء، وصورته: أن يقول البائعُ للمشتري: بعت منك هذا العين بما لك عليَّ من الدّين، أنّي متى قضيتُ الدينَ فهو لي، أو يقول: بعتُ منك هذا العين بكذا، على أنّي إذا دفعتُ إليك ثمنكَ تدفعُ العين إليّ، قد اختلفَ الناس فيه، ومشايخ سَمَرْقَنْد جعلوه جائزاً مفيداً لبعض الأحكام، وهو الانتفاعُ به دون البيع والهبة على ما هو المعتادُ بين الناس للحاجة.
واختاره صاحب «الهداية» (¬3)، وأشارَ إليه بقوله: البيع الجائز المعتاد من المشايخ [من] جعلَه بيعاً فاسداً، وجعلَه كالبيع المكره عليه، حتى ينقضَ به بيع المشتري من غيره؛ لأنَّ الفساد لفواتِ الرضاء، كما في البيع المكرهِ عليه.
ومنهم مَن جعلَه رهناً لقصد المتعاقدين؛ لأنّهما وإن سمّيا بيعاً، لكن غرضهما الرهن، والعبرةُ للمقاصد والمعاني، فلا يملكه المرتهن، ولا يباحُ له الانتفاعُ به إلا بإذن مالكه، وهو ضامنٌ لما أكلَ من ثمره، واستهلك من عليه، والدينُ ساقطٌ لهلاكِهِ في يده إذا كان وفاءً بالدين، ولا ضمانَ عليه في الزيادة إذا هلك بغير صنعه، وللبائع استرداده إذا قضى دينه، ولاَ فرق عندنا بينه وبين الرهن.
ومنهم: مَن جعلَه بيعاً باطلاً اعتباراً بالهازل؛ لأنّهما تكلَّما بلفظ البيع، وليس قصدُهما البيع، فكان لكلٍّ منهما أن يفسخَ بغير رضاء صاحبه، ولو أجاز أحدُهما لم يجزْ على صاحبه.
ومعنى. قوله: هو المعتاد؛ أنّهم في عرفِهم لا يفهمون لزومَ البيع بهذا الوجه، بل يجوِّزونه إلى أن يردّ البائعُ الثمنَ إلى المشتري، وبقيَ للمشتري ردُّ المبيعِ على البائعِ من
¬
(¬1) «الهداية» (3: 276).
(¬2) في «العناية» (9: 234).
(¬3) «الهداية» (3: 276).
الجزء 13 · صفحة 84
فإن قبضَ ثمنَه، أو سَلَّمَ طوعاً نَفَذَ، وإن قبضَه مُكْرَهاً لا، وردَّهُ إن بقي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قبل الإجازةِ لا يفيدُ الملك [1].
(فإن قبضَ ثمنَه أو سَلَّمَ [2] طوعاً نَفَذَ، وإن قبضَه مُكْرَهاً لا، وردَّهُ إن بقي)، لم يذكرْ في «الهداية» [3] حُكْمَ التَّسليم مُكْرَهاً، لكن ذُكِرَ في أصول الفقه [4]: أنّ الإكراهَ إذا كان على البيعِ والتَّسليم يكونُ التَّسليمُ مقتصراً على الفاعل، ولم يجعلِ
===
غير امتناع، ولا يكون ذلك إلا إذا لم يخرج [عن] ملكَه ببيعٍ أو هبة؛ ولهذا سمّوه ببيعِ الوفاء؛ لأنّه وفاءٌ بما عهدَ من ردّ المبيع، هذا زبدة ما في «العناية» (¬1).
وقال صاحب «البيان»: والأصحّ عندي أنّه بيعٌ فاسدٌ يوجبُ الملك بعد القبض وحكمُه حكمُ سائر البيوعِ الفاسدة؛ لأنّه بيعٌ بشرط لا يقتضيه العقد، وقد نهى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن بيع وشرط. انتهى كلامه. كذا في «حاشية الجلبي» (¬2).
[1] قوله: لا يفيدُ الملك؛ كالبيع بشرطِ الخيار، قلنا: البيعُ بالخيار إنّما لا يفيده؛ لأنّه جعل العقد في حقِّ حكمه كالمعلّق بشرط، والمعلقُ بالشرطِ معدوم قبل وجود الشرط. كذا في «حاشية الجلبي» (¬3) ناقلاً عن «العناية».
[2] قوله: أو سلّم؛ أي المبيع طوعاً، وهو قيدٌ للقبض والتسليم معاً، والتسليمُ طوعاً إنّما يتصوّر إذا أكره على البيع، لا على الدّفع.
[3] قوله: لم يذكر في «الهداية»؛ يعني كما لم يذكرْ في «الوقاية» أيضاً، قال أخي جلبي - رضي الله عنه - (¬4): يردُ على ظاهرهِ أنّ صاحب «الهداية» (¬5) قال قبيل هذا: ثمّ إذا باعَ مكرها وسَلَّم مكرهاً يثبتُ به الملك، وهل هذا إلا ذكرُ حكمِ التسليمِ مكرهاً، فليتأمّل. انتهى.
[4] قوله: لكن ذكر في أصولِ الفقه؛ في «التوضيح» (¬6): والأفعالُ: منها: ما لا يحتملُ كون الفاعلِ آلةً للحامل، ومنها: ما يحتملُه:
¬
(¬1) «العناية» (8: 169 - 170).
(¬2) «ذخيرة العقبى» (ص536 - 537).
(¬3) «ذخيرة العقبى» (ص537).
(¬4) في «ذخيرة العقبى» (ص537 - 538).
(¬5) «الهداية» (3: 277).
(¬6) ينظر: «التلويح» (2: 396 - 397)
الجزء 13 · صفحة 85
......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الفاعلُ آلةً للحامل في التَّسليم؛ لأنَّه حملَهُ على تسليمِ المبيع، ولو جُعِلَ آلةً له يصيرُ تسليم المغصوب، فإذا كان التَّسليمُ مقتصراً على الفاعل، ينبغي أن ينفذ، ويجبُ القيمة.
===
في الأوّل: يقتصر على الفاعل، مثل الأكلِ والشرب حتى لا يرجعَ إلى الحاملِ شيءٌ من أحكامها من حيث أنّهما أكل وشرب، كما إذا أكره صائمٌ صائماً على الإفطار، فإنّه يبطلُ صومُ الفاعل لا الحامل.
وأمّا ما يتعلَّق بذلك من حيث أنّه إتلاف، كما إذا أكرهَه على أكلِ مال الغير، فقد اختلفت المرويّات في أنّ الضمانَ على الفاعل، أو على الحامل، وكذا في الزنا لو أكرهه عليه، كان العقرُ على الزاني، لكن لو تلفت الجاريةُ ينبغي بذلك أن يكون الضمانُ على الحامل: أي على المكره.
والثاني: وهو ما يحتملُ كون الفاعلِ آلةً للحامل قسمان؛ لأنّه: إمّا أن يلزمَ من جعلِه آلةً للمكرهِ ـ بالكسر ـ تبديل محلّ الجناية أو لا.
أمّا القسمُ الأوّلُ: فيقتصرُ على الفاعل ولا يتعلَّقُ بالحامل، إذ لو نسبَ إلى الحامل، وجعلَ الفاعل بمَنْزلةِ الآلة عاد على موضعه بالنقض؛ لأنّ تبديل محلّ الجناية يستلزمُ مخالفةَ الحامل؛ لأنّه إنّما حمله بالإكراه على الجنايةِ في ذلك المحلّ، ومخالفةُ الحاملِ يستلزمُ بطلان الإكراه؛ لأنّه عبارةٌ عن حملِ الغير على ما يريدُه الحاملُ ويرضاه، على خلاف رضاءِ الفاعل، وهو فعل معيَّن في محلٍّ معيَّن، فإذا فعلَ غيره كان طائعاً بالضرورةِ لا مكرهاً.
والثاني: ما يكون تبديلُ محلِّ الجنايةِ مستلزماً لتبديلِ ذات الفعل، كما إذا أكرهه الغيرُ على بيعِ الشيء وتسليمه، فيقتصرُ التسليمُ على الفاعل، إذ لو نسب إلى الحامل وجعلَ الفاعل آلة لزم التبديلُ في محلِّ التسليم، بأن يصير مغصوباً؛ لأنَّ التسليمَ من جهة الحامل يكون تصرُّفاً في ملك الغير على سبيلِ الاستيلاء، فيصيرُ البيع والتسليم غصباً.
وأمّا إذا نسب التسليم إلى الفاعلِ وجعل تتميماً للعقد، حتى أنّ المشتري يملكُ المبيع ملكاً فاسداً لانعقادِ البيع وعدمِ نفاذه، فلا يلزم ذلك. انتهى (¬1).
¬
(¬1) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص538).
الجزء 13 · صفحة 86
فلو أُكْرِهَ البائعُ لا المشتري، وهَلَكَ المبيعُ في يده، ضَمِنَ قيمتَه للبائع، وله أن يضمِّنَ أيَّاً شاء، فإن ضمَّنَ المُكْرِهُ رجع على
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت [1]: يُشْكِلُ بقبضِ الثَّمن، فإنّ الفاعلَ لا يمكن أن يكونَ آلةً فيه، ومع ذلك لا ينفذُ فيه.
قلت: لا يلزمُ هنا من جعلِهِ آلةً تغيُّر الفعلِ الذي أكرِهَ عليه بخلاف تسليم المبيع.
(فلو أُكْرِهَ البائعُ لا المشتري، وهَلَكَ المبيعُ في يده): أي في يدِ المشتري، (ضَمِنَ قيمتَه [2] للبائع، وله أن يضمِّنَ أيَّاً شاء [3]، فإن ضمَّنَ المُكْرِِهَ رجع على
===
[1] قوله: فإن قلت: أول: حاصلُ السؤالِ إنّ المفهومَ من أصولِ الفقه: إنّ الفعل الذي [لا] يجعلُ المكرَه فيه آلةً للمكرِه يقتصرُ على المباشر فينفذ، ويجبُ القيمةُ وقبضُ الثمن من هذا القبيل، مع أنّ النفاذَ ووجوب القيمة منتفيان فيه.
وحاصلُ الجواب: إنّهما مختصّان بما يستلزمُ ممّا جعلَ الفاعل آلة تبديل محلّ الجناية كالبيع مثلاً، والقبض ليس كذلك كما لا يخفى. كذا في «حاشية الجلبي» (¬1).
[2] قوله: ضمن قيمته؛ لأنّه مضمونٌ عليه بحكمِ عقدٍ فاسد، وهو البيع بالإكراه، وما هو كذلك فهو مضمونٌ بالقيمة، فضمنَ المشتري قيمته للبائع وهو المطلوب (¬2).
[3] قوله: أيّاً شاء؛ أي المشتري، والمكرَه كالغاصب، وغاصب الغاصب، فإنّ المالك يختارُ في تضمين أيّهما شاء، فإن ضمنَ المكرَه رجعَ على المشتري بقيمتِهِ لقيامه مقامَ البائع: أي بأداءِ الضمان؛ لأنَّ المضمونَ يصيرً ملكا للضامنِ وقت سبب الضمان.
وإن ضمَّنَ المشتري نفذَ كلُّ شراءٍ كان بعد شرائه: أي شراء هذا المشتري الضامن لو تداولته الأيدي بالبيوع؛ لأنّه ملكه بالضمان، فظهر أنّه باع ملكه ولا ينفذُ شراءٌ كان قبل شراءِ هذا المشتري الضامن؛ لأنّ استنادَ ملك المشتري إلى وقت قبضه. كذا في «الكفاية» (¬3).
¬
(¬1) «ذخيرة العقبى» (ص538).
(¬2) ينظر: «ذخيرة العقبى» (ص 538 - 539).
(¬3) «الكفاية» (8: 171 - 172).