تهذيب وتعليق ...............
..... لمقدمة رد المحتار
جارٍ تحميل الكتاب…
تهذيب وتعليق ...............
..... لمقدمة رد المحتار
الطبعة الأولى
1446هـ ـ 2024م
تهذيب وتعليق
لمقدمة حاشية ابن عابدين
للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
أثناء حضور دورات الأوقاف في جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مع الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد
فقد يسر الله لي قبل سنوات أن أشرع بشرح حاشية العلامة الفهامة، خاتمة المحققين ابن عابدين، فأنتهيب المقدمات وشرعت في الطهارت، ولكن انتشار مرض كورنا، منع من الاستمرار في حينها، وما زال القلب يتطلع إلى الإكمال في درسها.
وأثناء الدرس كنت اختصر الحاشية وأضيف شيئاً من التعليق عليها تماماً للفائدة.
ورغبت في هذه الأيام أثناء جمعي للأعمال، لتحويلها إلى نسخ الكترونية أن أضع هذا العمل معها، راجياً من الله تعالى أن يتقبلنا، ويتجاوز عنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
في صويلح، عمان الأردن
22 ـ 7 ـ 2024م
بسم (¬1) اللَّه (¬2) الرَّحمَن الرَّحيم (¬3)
¬
(¬1) مقدمة ابن عابدين:
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمدُك يا مَن تنزَّهت ذاته عن الأشباه، وأشكرك شكراً أستزيد به من دُرر غرر الفوائد زواهر الجواهر، وأسالك غاية الدراية، ودوام العناية بالهداية والوقاية، في البداية والنهاية، وفتح باب المنح من مبسوط بحر فيضك المحيط لإيضاح الحقائق، وكشف خزائن الأسرار؛ لاستخراج درر البحار من كنز الدقائق.
وأُصلي وأُسلم على نبيك السِّراج الوهاج، وصدر الشَّريعة صاحب المعراج، وحاوي المقامات الرَّفيعة، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الظاهرين، والأئمة المجتهدين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمّا بعد:
فيقول أحوج المفتقرين إلى رحمةِ أرحم الرَّاحمين محمد أمين الشهير بابن عابدين: إن كتاب «الدر المختار شرح تنوير الأبصار»، قد طار في الأقطار، وسار في الأمصار، وفاق في الاشتهار على الشَّمس في رابعة النهار، حتى أكبّ النَّاس عليه، وصار مفزعهم إليه، وهو الحري بأن يُطلب، ويكون إليه المذهب، فإنّه الطِّراز المذهب في المذهب، فلقد حوى من الفروع المنقحة، والمسائل المصحَّحة ما لم يحوه غيره من كبار الأسفار، ولم تنسج على منواله يد الأفكار، بيد أنّه لصغر حجمه، ووفور علمه، وقد بلغ في الإيجاز إلى حدّ الإلغاز، وتمنع بإعجاز المجتاز في ذلك المجاز الإفراز بين الحقيقة والمجاز.
ووقد كنتُ صرفتُ في معاناته برهة من الدَّهر، وبذلت له مع المشقّة شقّة من جديد العمر، واقتنصت بشبكة الأفهام أجل شوارده، وقيدت بأوتاد الأقلام جلّ أوابده، وصرت في الليل والنَّهار سميره، حتى أَسر إليّ سره وضميره، وأطلعني على حوره المقصورات في الخيام، وكشف لي عن وجوه مخدراته اللثام، فطفقت أوسي حواشي صفائح صحائفه اللطيفة، بما هو في الحقيقة بياض للصحيفة، ثمّ أردت جمع تلك الفوائد، وبسط سمط هاتيك الموائد من متفرّقات الحواشي والرّقاع، خوفاً عليها من الضَّياع، ضاماً إلى ذلك ما حرَّره العلامة الحلبي والعلامة الطَّحطاوي وغيرهما من محشي هذا الكتاب.
ورُبّما عزوت ما فيهما إلى كتاب آخر لزيادة الثِّقة بتعدد النَّقل لا للإغراب، وإذا وقع في كلامهما ما خلافه الصَّواب أو الأحسن الأهم، أقرر الكلام على ما يناسب المقام، وأشير إلى ذلك بقولي «فافهم»، ولا أصرح بالاعتراض عليهما تأدباً معهما.
وقد التزمتُ فيما يقع في الشرح من المسائل والضوابط، مراجعة أصله المنقول عنه وغيره خوفاً من إسقاط بعض القيود والشرائط، وزدت كثيراً من الفروع مهمة، فوائدها جمة، ومن الوقائع والحوادث على اختلاف البواعث، والأبحاث الرائقة، والنكت الفائقة، وحلّ العويصات، واستخراج الغويصات، وكشف المسائل المشكلة، وبيان الوقائع المعضلة، ودفع الإيرادات الواهية من أرباب الحواشي، والانتصار لهذا الشارح المحقّق بالحق ورفع الغواشي.
مع عزو كلِّ فرع إلى أصله، وكلّ شيءٍ إلى محله، حتى الحجج والدَّلائل، وتعليلات المسائل، وما كان من مبتكرات فكري الفاتر، ومواقع نظري القاصر، أُشير إليه، وأُنبه عليه، وبذلت الجهد في بيان ما هو الأقوى وما عليه الفتوى، وبيان الرَّاجح من المرجوح، مما أُطلق في الفتاوي أو الشروح، معتمداً في ذلك على ما حرَّره الأئمة الأعلام من المتأخرين العظام، كالإمام ابن الهمام، وتلميذيه: العلامة قاسم وابن أمير حاج، والمصنف، والرملي، وابني نجيم، وابن الشلبي، والشيخ إسماعيل الحائك والحانوتي السراج، وغيرهم ممن لازم علم الفتوى من أهل التقوى.
فدونك حواشي هي الفريدة في بابها، الفائقة على أترابها، المسفرة عن نقابها لطلابها وخطابها، قد أرشدت من احتار من الطُّلاب، في فهم معاني هذا الكتاب، فلهذا سميتها «رد المحتار على الدر المختار»، وإني أقول: ما شاء الله كان، وليس الخبر كالعيان، فسيحمدها معاينها بعد الخوض في معانيها.
جمعت ... بتوفيق ... الإله ... مسائلاً ... رقاقَ ... الحواشي ... مثل ... دمع المُتيم
وما ضر شمساً أشرقت في علوها ... جُحُود حَسود وهو عن نُورها عَمي
وإني أسأله تعالى متوسلاً إليه بنبيه المكرم - صلى الله عليه وسلم -، وبأهل طاعته من كلِّ ذي مقام عليٍّ معظم، وبقدوتنا الإمام الأعظم أن يسهل عليَّ ذلك من إنعامه، ويُعينني على إكماله وإتمامه، وأن يعفو عن زللي، ويتقبل مني عملي، ويجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، موجباً للفوز لديه في جنات النعيم، وينفع به العباد في عامّة البلاد، وأن يسلك بي سبيل الرَّشاد، ويلهمني الصَّواب والسَّداد، ويستر عثراتي، ويسمح عن هفواتي، فإنّي متطفل على ذلك، لست من فرسان تلك المسالك، ولكني أستمد من طوله، وأستعد بقوَّته وحوله، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
هذا وإني قد قرأت هذا الكتاب العذب المستطاب، على ناسك زمانه، وفقيه أوانه، مفيد الطالبين، ومربي المريدين، سيدي الشيخ سعيد الحلبي المولد الدمشقي المَحْتِد، ثمّ قرأته عليه ثانياً مع «حاشيته للشيخ إبراهيم الحلبي» إلى كتاب الإجارة عند قراءتي عليه «البحر الرائق» قراءة إتقان، بتأمّل وإمعان، واقتبست من مشكاة فوائده، وتحليتُ من عقود فرائده، وانتفعتُ بأنفاسه الطَّاهرة، وأخلاقه الفاخرة، وأجاز لي بروايته عنه وبسائر مروياته ـ أمتع الله تعالى المسلمين بطول حياته ـ بحقّ روايته له، عن شيخنا العلامة المرحوم السيد محمد شاكر العقاد السالمي العمري، عن فقيه زمانه منلا علي التركماني أمين الفتوى بدمشق الشام، عن الشيخ الصالح العلامة عبد الرحمن المجلد، عن مؤلفه عمدة المتأخرين الشيخ علاء الدين.
وأرويه أيضاً عن شيخنا السيد شاكر بقراءتي عليه لبعضه، وهو يروي الفقه النعماني عن محشي هذا الكتاب العلامة الشيخ مصطفى الرحمتي الأنصاري، ومنلا علي التركماني عن فقيه الشام ومحدثها الشيخ صالح الجينيني، عن والده العلامة الشيخ إبراهيم جامع الفتاوى الخيرية، عن شيخ الفتيا العلامة خير الدين الرملي، عن شمس الدين محمد الحانوتي، عن العلامة أحمد بن يونس الشهير بابن الشِّلبي ـ بكسر فسكون وتقديم اللام على الباء الموحدة ـ.
ويرويه شيخنا السيد شاكر عن محشي هذا الكتاب العلامة النَّحرير الشيخ إبراهيم الحلبي المداري، وعن فقيه العصر الشيخ إبراهيم الغزي السائحاني، أمين الفتوى بدمشق الشام، كلاهما عن العلامة الشيخ سليمان المنصوري، عن الشيخ عبد الحي الشرنبلالي، عن فقيه النفس الشيخ حسن الشُّرنبلالي، ذي التآليف الشهيرة، عن الشيخ محمد المحبي عن ابن الشلبي.
وأروي بالإجازة عن الأخوين المعمرين الشيخ عبد القادر والشيخ إبراهيم حفيدي سيدي عبد الغني النابلسي شارح «المحبية» وغيرها، عن جدهما المذكور، عن والده الشيخ إسماعيل شارح «الدر والغرر»، عن الشيخ أحمد الشَّوبري، عن مشايخ الإسلام الشيخ عمر ابن نجيم صاحب «النهر»، والشمس الحانوتي صاحب «الفتاوى» المشهورة، والنور علي المقدسي شارح «نظم الكنز» عن ابن الشِّلْبي.
وأروي بالإجازة أيضاً عن المحقّق هبة الله البعلي شارح «الأشباه والنظائر»، عن الشيخ صالح الجينيني، عن الشيخ محمد بن علي الكتبي، عن الشيخ عبد الغفار مفتي القدس، عن الشيخ محمد بن عبد الله الغزي، صاحب «التنوير» و «المنح»، عن العلامة الشيخ زين ابن نجيم صاحب «البحر»، عن العلامة ابن الشِّلْبي صاحب «الفتاوي» المشهورة، وشارح «الكنز»، عن السري عبد البر بن الشحنة «الوهبانية»، عن المحقِّق حيث أطلق الشيخ كمال الدين بن الهمام صاحب «فتح القدير»، عن السِّراج عمر الشَّهير بقارئ «الهداية» صاحب «الفتاوى» المشهورة، عن علاء الدين السَّيرامي، عن السيد جلال الدين شارح «الهداية»، عن عبد العزيز البخاري، صاحب «الكشف» و «التحقيق» عن الأستاذ حافظ الدين النَّسفي صاحب «الكنز»، عن شمس الأئمة الكردري، عن برهان الدين عليّ المرغيناني صاحب «الهداية»، عن فخر الإسلام البَزدوي، عن شمس الأئمة السَّرخسي، عن شمس الأئمة الحلواني، عن القاضي أبي عليّ النَّسفي، عن أبي بكر محمّد بن الفضل البُخاري، عن أبي عبد الله السَّبذموني، عن أبي حفص عبد الله بن أحمد بن أبي حفص الصغير، عن والده أبي حفص الكبير، عن الامام محمد بن الحسن الشيباني، عن إمام الأئمة وسراج الأمة، أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، عن حماد بن سليمان، عن إبراهيم النخعي عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن أمين الوحي جبريل - عليه السلام -، عن الحكم العدل جل جلاله وتقدست أسماؤه. رد.
(¬2) روى هشامٌ عن مُحَمَّدٍ عن أَبي حَنيفة: أَنَّهُ اسمُ اللَّه الأَعظَمُ، وبه قال الطَّحاويُّ وكَثيرٌ من العُلَماء وأَكثَرُ العارفينَ حَتَّى أَنَّهُ لا ذكرَ عندهُم لصاحب مَقامٍ فَوقَ الذّكر به، كما في شَرح التَّحرير لابن أَمير حاجٍّ. رد.
(¬3) ومن أحكام البَسمَلة أنها تَجبُ في ابتداء الذَّبح ورَمي الصَّيد والإرسال إلَيه، لَكن يَقُومُ مَقامَها كُلُّ ذكرٍ خالصٍ. وفي بَعض الكُتُب: أَنَّهُ لا ياتي بالرَّحمَن الرَّحيم؛ لأنّ الذَّبحَ لَيسَ بمُلائمٍ للرَّحمة، لَكن في «الجَوهَرة» أَنَّهُ لو قال: «بسم اللَّه الرَّحمَن الرَّحيم»، فهو حَسَنٌ، وفي ابتداء الفاتحة في كُلّ رَكعة، قيل: وهو قَولُ الأَكثَر، لَكنَّ الأَصَحَّ أَنَّها سُنّة، وتُسَنُّ أَيضًا في ابتداء الوُضُوء والأَكل، وفي ابتداء كُلّ أَمرٍ ذي بالٍ، وتَجُوزُ أو تُستَحَبُّ فيما بَينَ الفاتحة والسُّورة على الخلاف الآتي في مَحَلّه إن شاءَ الله تَعالى، وتُباحُ أَيضًا في ابتداء المَشي والقيام والقُعُود، وتُكرَهُ عند كَشف العَورة أو مَحَلّ النَّجاسات، وفي أَوَّل سُورة بَراءة إذا وصَلَ قراءَتَها بالأَنفال كَما قَيَّدَهُ بَعضُ المَشايخ، قيل: وعند شُرب الدُّخان أَي ونَحوه من كُلّ ذي رائحة كَريهة كأكل ثُومٍ وبَصَلٍ. وتَحرُمُ عند استعمال مُحَرَّمٍ، بل في «البَزّازيّة» وغيرها: يَكفُرُ مَن بَسمَلَ عند مُباشَرة كُلّ حَرامٍ قَطعيّ الحُرمة، وكذا تَحرُمُ على الجُنُب إن لَم يَقصد بها الذّكرَ. ط. رد.
حَمدًا (¬1) لَك يا مَن شَرَحت صُدُورَنا (¬2) بأَنواع الهداية سابقًا، ونَوَّرت بَصائرَنا بتَنوير الأَبصار (¬3) لاحقًا (¬4)، وأَفَضت عَلَينا من أَشعّة شَريعَتك المُطَهَّرة
¬
(¬1) ومن أحكام الحَمدَلة أنها تَجبُ في الصَّلاة، وتُسَنُّ في الخُطَب، وقَبلَ الدُّعاء وبَعدَ الأَكل، وتُباحُ بلا سَبَبٍ، وتُكرَهُ في الأَماكن المُستَقذَرة، وتَحرُمُ بَعدَ أَكل الحَرام، بَل في البَزّازيّة أَنَّهُ اُختُلفَ في كُفره. رد.
(¬2) أَي بَسطُهُ بنُورٍ إلَهيٍّ. وقيل مَعناهُ التَّوسعة مُطلَقًا، ويُقابلُهُ الضّيقُ - {فَمَن يُرد الله أَن يَهديَهُ} [الأنعام: 125]- الآية، وفُسّرَ في آية - {أَلَم نَشرَح} [الشرح: 1]- بتَوسعَته بما أودَعَ فيه من العلم والحكمة، وخَصَّ الصُّدُورَ؛ لأَنَّها ظُرُوفُ القُلُوب، أو المُرادُ بها القُلُوبُ، واتّساعُها كناية عن كَثرة ما يَدخُلُ فيها من الحكَم الإلَهيّة والمَعارف الرَّبّانيّة. رد.
(¬3) أي الإنسانَ بنُور بَصَره يَنظُرُ إلى عَجائب المَصنُوعات للَّه تَعالى وإلى الكُتُب النّافعة وغَير ذلك ممّا يكون سَبَبًا في العادة لتَنوير البَصيرة باكتساب المَعارف. رد.
(¬4) أَي مُتاخّرًا عن شَرح الصُّدُور؛ لأنّ شَرحَها الاهتداءُ إلى الإسلام، كَما يُشيرُ إلَيه قَوله تَعالى: {فَمَن يُرد الله أَن يَهديَهُ} [الأنعام: 125]- الآية، وهذا سابقٌ عادة على تَنوير البَصائر. رد.
بَحرًا رائقًا، وأَغدَقتَ (¬1) لَدَينا من بحار منَحك المُوفَّرة نَهرًا فائقًا (¬2)، وأَتمَمت نعمَتَك عَلَينا حَيثُ يَسَّرت ابتداءَ تَبييض (¬3) هذا الشَّرح المُختَصَر (¬4) تُجاهَ وجه مَنبَع الشَّريعة والدُّرَر، وضَجيعَيه الجَليلَين أَبي بَكرٍ وعُمَرَ، بَعدَ الإذن منه - صلى الله عليه وسلم - (¬5)
¬
(¬1) أَي أَكثَرت، في التَّنزيل: {لأَسقَيناهُم ماءً غَدَقًا} [الجن: 16]- أَي كَثيرًا، مصباحٌ. رد.
(¬2) الفائقُ: الخيارُ من كُلّ شَيءٍ، قامُوسٌ. رد.
(¬3) التَبييض في اصطلاح المُصَنّفينَ، عبارة عن كتابة الشَّيء على وجه الضَّبط والتَّحرير من غَير شَطبٍ بَعدَ كتابَته كَيفَما اتَّفَقَ. حَمَويٌّ. رد.
(¬4) الاختصارُ: تَقليلُ اللَّفظ وتَكثيرُ المَعنَى، وهو الإيجازُ، المفتاح. رد.
(¬5) الإذنَ للشّارح حَصَلَ منهُ - صلى الله عليه وسلم - صَريحًا برُؤية مَنامٍ أو بإلهامٍ، وببَرَكَته - صلى الله عليه وسلم - فاقَ هذا الشَّرحُ على غيره، كما فاقَ مَتنُهُ حَيثُ رأى المُصَنّفُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقامَ له مُستَقبلًا واعتَنَقَهُ عَجلًا؛ وأَلقَمَهُ - صلى الله عليه وسلم - لسانَهُ الشَّريفَ كَما حَكاهُ في «المنَح»، فَكُلٌّ من المَتن والشَّرح من آثار بَرَكَته - صلى الله عليه وسلم - فَلا غَرو أَن شاعَ ذكرُهُما، وفاقَ وعَمَّ نَفعُهُما في الآفاق. رد.
وعلى (¬1) آله (¬2) وصَحبه (¬3)، الَّذينَ حازُوا من منَح (¬4) فَتح كَشف فَيض فَضلك الوافي حَقائقًا (¬5).
¬
(¬1) أَفضَلُ صيَغ الصَّلاة وأَفضَلُ العبارات على ما قال السُّيُوطيّ: اللهمَّ صَلّ على مُحَمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّدٍ، وقيل: هو التَّعظيمُ؛ فالمَعنَى اللهمَّ عَظّمهُ في الدُّنيا بإعلاء ذكره وإنفاذ شَريعَته، وفي الآخرة بتَضعيف أَجره وتَشفيعه في أُمَّته، كَما قاله ابنُ الأَثير. رد.
(¬2) اُختُلفَ في المُراد بآله في مثل هذا المَوضع؛ فالأَكثَرُونَ أَنَّهُم قَرابَتُهُ - صلى الله عليه وسلم - الَّذينَ حُرّمَت عليهم الصَّدَقة على الاختلاف فيهم، وقيل: جَميعُ أُمّة الإجابة، وإلَيه مالَ مالكٌ واختارَهُ الأَزهَريُّ والنَّوويُّ، وقيل: غَيرُ ذلك، شَرحُ التَّحرير. رد.
(¬3) الصَّحابيُّ عند المُحَدّثينَ وبَعض الأُصُوليّينَ مَن لَقيَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مُسلمًا وماتَ على الإسلام، أو قَبلَ النُّبُوة وماتَ قَبلَها على الحَنيفيّة كَزَيد بن عَمرو بن نُفَيلٍ، أو ارتَدَّ وعادَ في حَياته. وعند جُمهُور الأُصُوليّينَ مَن طالَت صُحبَتُهُ مُتَّبعًا له مُدّة يَثبُتُ مَعَها إطلاقُ صاحب فُلانٍ عُرفًا بلا تَحديدٍ في الأَصَحّ، شرح التحرير.
وظاهرُهُ أَنَّ مَن ارتَدَّ ثُمَّ أَسلَمَ تَعُودُ صُحبَتُهُ وإن لَم يَلقَهُ بَعدَ الإسلام، وهذا ظاهرٌ على مَذهَب الشّافعيّ من أَنَّ المُرتَدَّ لا يُحبَطُ عَمَلُهُ ما لَم يَمُت على الرّدّة: أَمّا عندنا فَبمُجَرَّد الرّدّة يُحبَطُ العَمَلُ، والصُّحبة من أَشرَف الأَعمال، لَكنَّهُم قالُوا: إنَّهُ بالإسلام تَعُودُ أَعمالُهُ مُجَرَّدةً عن الثَّواب، ولذا لا يَجبُ عليه قَضاؤُهُ سوى عبادة بَقيَ سَبَبُها كالحَجّ وكَصَلاةٍ صَلّاها فارتَدَّ فاسلَمَ في وقتها. وعلى هذا فَقَد يُقالُ تَعُودُ صُحبَتُهُ مُجَرَّدة عن الثَّواب. رد.
(¬4) فيه صناعة التَّوجيه حَيثُ ذَكَرَ أَسماءَ الكُتُب وهيَ «المنَحُ» للمُصَنّف و «الفَتحُ شَرحُ الهداية» للمُحَقّق ابن الهُمام و «الكَشفُ شَرحُ المَنار» للنَّسَفيّ و «الفَيضُ» للكُركيّ و «الوافي» مَتنُ «الكافي» للنَّسَفيّ و «الحَقائقُ شَرحُ مَنظُومة النَّسَفيّ». رد.
(¬5) حَقائقًا بالأَلف للسَّجع مَعَ أَنَّهُ مَمنُوعٌ من الصَّرف على اللُّغة المَشهُورة، فَصَرَفَهُ هُنا على حَدّ قَوله تَعالى: {سَلاسلَ وأَغلالا} [الإنسان: 4]، وذَكَرُوا لذلك أوجُهًا منها التَّناسُبُ. رد.
وبعدُ (¬1): فَيَقُولُ فَقيرُ ذي اللُّطف الخَفيّ مُحَمَّدُ عَلاءُ الدّين الحَصكَفيُّ ابنُ الشَّيخ عَليٍّ، الإمام بجامع بَني أُمَيّة (¬2)، ثُمَّ المُفتي (¬3) بدمَشقَ المَحميّة الحَنَفيُّ: لَمّا بَيَّضت الجُزءَ الأَولَ من «خَزائن الأَسرار وبَدائع الأَفكار في شَرح تَنوير الأَبصار وجامع البحار»، قَدَّرتُهُ في عَشر مُجَلَّداتٍ كبارٍ.
فَصَرَفت عِنانَ العناية (¬4) نَحو الاختصار، وسَمَّيتُهُ بـ «الدُّرّ المُختار في شَرح تَنوير الأَبصار»، الَّذي فاقَ (¬5) كُتُبَ هذا الفَنّ في الضَّبطِ والتَّصحيح والاختصار.
ولَعَمري لَقَد أَضحَت رَوضة هذا العلم به مُفَتَّحة الأَزهار، مُسَلسَلة الأَنهار، من عَجائبه ثَمَراتُ التَّحقيق تُختارُ، ومن غَرائبه (¬6) ذَخائرُ تَدقيقٍ تُحَيّرُ
¬
(¬1) يُؤتَى بها للانتقال من أُسلُوبٍ إلى أُسلُوبٍ آخَرَ لا يكون بَينَهُما مُناسَبة. رد.
(¬2) بَناهُ الوليدُ بنُ عَبد المَلك الأُمَويُّ، نُقلَ أَنَّهُ أَنفَقَ عليه أَلفَ أَلف دينارٍ ومائَتَي أَلف دينارٍ، وفيه راسُ يَحيَى بن زَكَريّا - عليه السلام -، وفي حائطه القبليّ مَقامُ هُودٍ - عليه السلام -، ويُقالُ: إنَّهُ أَولُ مَن بَنَى جُدرانَهُ الأَربَعَ. رد.
(¬3) أَفادَ أَنَّ الإفتاءَ لَم يَجتَمع له مَعَ الإمامة وإنَّما تأخَّرَ عَنها، ط. رد.
(¬4) العِنانُ: ما وُصلَ بلجام الفَرَس، والعناية القَصدُ. رد.
(¬5) نَعتٌ لتَنوير الأَبصار لا للدُّرّ المُختار، ح. رد.
(¬6) جَمعُ غَريبة: أَي مَسائله الغَريبة العَزيزة الوُجُود الَّتي زادَها على المُتُون المُتَداولة. رد.
الأَفكارَ، لشَيخ شَيخنا شَيخ الإسلام مُحَمَّد بن عبد اللَّه التُّمُرتاشيّ الحَنَفيّ الغَزّيّ ـ عُمدة المُتاخّرينَ الأَخيار (¬1) ـ.
فانّي أَرويه (¬2) عن شَيخنا الشَّيخ عَبد النَّبيّ الخَليليّ، عن المُصَنّف عن ابن نُجَيمٍ المصريّ (¬3) بسَنَده إلى صاحب المَذهَب أَبي حَنيفة، بسَنَده إلى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -
¬
(¬1) أي معتمدهم في الأحكام الشرعية. رد.
(¬2) تَفريعٌ على قَوله لشَيخ شَيخنا ... إلَخ. فإنّه لَمّا جَزَمَ بنسبَته إليه أَفادَ أَنَّ ذلك واصلٌ إليه بالسَّنَد. والضَّميرُ لتَنوير الأَبصار، ولَكنَّ روايَتَهُ عن ابن نُجَيمٍ باعتبار المَسائل الَّتي فيه مع قَطع النَّظَر عن صُورَته المُشَخَّصة كما أفادَهُ، ح. رد.
(¬3) وهو إبراهيم بن محمد ابن نُجَيْم المِصْريّ، زين العابدين، قال ابن عابدين: وأخذ الطريق عن الشيخ العارف بالله تعالى سليمان الخضيري، وكان له ذوق في حل مشكلات القوم. قال الشعراني: صحبته عشر سنين. فما رأيت عليه شيئاً يشينه، وحججت معه في سنة (953) فرأيته على خلق عظيم مع جيرانه وغلمانه ذهابا وإيابا مع أن السفر يسفر عن أخلاق الرجال. من مؤلفاته: «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»، «الرسائل الزينية»، و «الأشباه والنظائر»، و «فتح الغفار شرح المنار»، و «الفتاوي»، و «لب الأصول» اختصر فيه «التحرير»، قال اللكنوي عن مؤلفاته: كلُّها حسنةٌ جداً، (926 - 970هـ). ينظر: التعليقات السنية ص221 - 222، والكشف1: 385، 2: 1515، والرسائل الزينية ص7.
المُصطَفَى المُختار، عن جبريلَ، عن اللَّه الواحد القَهّار، كَما هو مَبسُوطٌ في إجازاتنا بطُرُقٍ عَديدة، عن المَشايخ المُتَبَحّرينَ الكبار.
وما كانَ في «الدُّرَر» و «الغُرَر» (¬1) لَم أَعزُهُ إلّا ما نَدَرَ، وما زادَ وعَزَّ نَقلُهُ عَزَوتُهُ لقائله روماً (¬2) للاختصار، ومأمُولي (¬3) من النّاظر فيه أَن يَنظُرَ بعَين
¬
(¬1) كلاهُما لمُنلا خُسرو والدُّرَرُ هو شَرحُ الغُرَر، رد، وهو محمد بن فرامُوز بن علي، محيي الدين، المعروف بمُلا خسرو، وسبب التسمية: أن أبوه زوج بنتاً له من أمير يسمى خسرو، وابنه محمد هذا كان في حجر خسرو، وبعد وفاة أبيه اشتهر بأخي خسرو زوجة خسرو، ثم غلب عليه اسم خسرو، قال الكفوي: كان بحراً زاخراً عالماً بالمعقول والمنقول، وحبراً فاخراً جامعاً للفروع والأصول، من مؤلفاته: «غرر الأحكام»، وشرحه «درر الحكام»، و «حواشي التلويح»، و «حاشية شرح الوقاية»، ومتناً في الأصول مسمَّى بـ «مرقاة الأصول»، وشرحه بـ «مرآة الأصول»، قال اللكنوي: وكلُّها مشتملةٌ على دقائقَ علمية، ومسائل فقهية، «حواشي المطول»، و «حواشي تفسير البيضاوي» إلى قوله: {سيقول السفهاء}، و «رسالة في الولاء»، (ت885هـ)، ينظر: الضوء اللامع8: 279، والفوائدص302 - 303)، الإعلام7: 219.
(¬2) أَي قَصدًا للاختصار علّة لقَوله: لَم أَعزُهُ، وفيه إشارة إلى كَثرة نَقله عن «الدُّرَر» ومُتابَعَته له كَعادة المُصَنّف في مَتنه وشَرحه، وهو بذلك حَقيقٌ، فإنَّهُ كتابٌ مَبنيٌّ على غاية التَّحقيق. رد.
(¬3) من الأَمَل وهو الرَّجاءُ. رد.
الرّضا (¬1) والاستبصار، وأَن يَتَلافَى تَلافَهُ بقَدر الإمكان (¬2)، أو يَصفَحَ ليَصفَحَ عنه عالمُ الأسرار والإضمار، ولَعَمري إنَّ السَّلامة من هذا الخَطَر لأمرٌ يَعزُّ على البَشَر.
ولا غَرو فإنَّ النّسيانَ من خَصائص الإنسانيّة، والخَطأ والزَّلَلَ من شَعائر الآدَميّة.
وأَستَغفرُ اللَّهَ مُستَعيذًا به من حَسَدٍ يَسُدُّ بابَ الإنصاف، ويَرُدُّ عن جَميل الأوصاف، أَلا وإنَّ الحَسَدَ حَسَكٌ (¬3) مَن تَعَلَّقَ به هَلَكَ، وكَفَى للحاسد ذَمًّا آخرُ سُورة الفَلَق، في اضطرامه (¬4) بالقَلَق، للَّه دَرُّ (¬5) الحَسَد ما أَعدَلَه (¬6)، بَدا بصاحبه فَقَتَلَه.
¬
(¬1) أَي بالعَين الدّالّة على الرّضا، ولا يَنظُرُ بعَين المَقت، فإنَّ مَن نَظَرَ بها تَبَيَّنَ له الحَقُّ باطلًا، كَما قال الشّاعرُ:
وعَينُ الرّضا عن كُلّ عَيبٍ كَليلة ... كَما أَنَّ عَينَ السُّخط تُبدي المَساويا. رد.
(¬2) أَي إذا رأى فيه عَيبًا يَتَدارَكُهُ بإمكانه، بأَن يَحمله على مَحمَلٍ حَسَنٍ حَيثُ أَمكَنَ، أو يُصلحَهُ بتَغيير لَفظه إن لَم يُمكن تأويلُهُ. رد.
(¬3) شَوكُ السَّعدان. والسَّعدانُ: نَبتٌ من أَفضَل مَراعي الإبل كَما في القامُوس. ح. رد.
(¬4) اشتعالُ النّار فيما يُسرعُ اشتعالَها فيه. قال ط: شَبَّهَ شدّة تَحَسُّره لفَوات غَرَضه بالاشتعال. رد.
(¬5) فَمَعنَى للَّه دَرُّهُ ما أَعجَبَ فعله. در.
(¬6) في «الرّسالة القُشَيريّة»: قال مُعاوية - رضي الله عنه -: لَيسَ في خلال الشَّرّ خَلّة أَعدَلَ من الحَسَد تَقتُلُ الحاسدَ غَمًّا قَبلَ المَحسُود، اهـ، لَكنَّ شَرطَهُ ما قال الشّاعرُ:
دَع الحَسُودَ وما يَلقاهُ من كَمَده ... كَفّاك منهُ لَهَيبُ النّار في كَبده
إن لُمتَ ذا حَسَدٍ نَفَّست كُربَتَهُ ... وإن سَكَتَّ فَقَد عَذَّبتَهُ بيَده
وقال آخَرُ وقَد أَجادَ:
اصبر على كَيد الحَسُود ... فإنَّ صَبرَك يَقتُلُهُ
النّارُ ... تأكُلُ ... بَعضَها ... إن لَم تَجد ما تأكُلُهُ. رد.
وما أَنا من كَيد الحَسُود بآمنٍ ... ولا جاهلٍ يَزري ولا يَتَدَبَّرُ (¬1)
وللَّه دَرُّ القائل:
هُم يَحسُدُوني وشَرُّ النّاس كُلّهم ... مَن عاشَ في النّاس يَومًا غَيرَ مَحسُود
إذ لا يَسُودُ (¬2) سَيّدٌ بدُون ودُودٍ يَمدَحُ، وحَسُودٍ يَقدَحُ؛ لأنّ مَن زَرَعَ الإحَنَ (¬3)، حَصَدَ المحَنَ؛ فاللَّئيمُ (¬4) يَفضَحُ، والكَريمُ يُصلحُ (¬5).
¬
(¬1) البَيتُ من المَنظُومة الوهبانيّة، وسَبَبُ هذا البَيت أَنَّهُ اُبتُليَ بما اُبتُليتُ به من حَسَد الحاسدينَ وكَيد المُعاندينَ، واَلله المَسئُولُ أَن يَجعَلَ كَيدَهُم في نَحرهم، فَبَعضُهُم استَكثَرَهُ عليه والبَعضُ قال إنَّهُ مَسبُوقٌ إلَيه، شرح الوهانية.
وقَد أَتَى الشّارحُ بهذا البَيت تَبَعًا لابن وهبان تَسلية للنَّفس، فانَّ الحَسَدَ لا يكون إلّا لذَوي الكَمال المُتَّصفينَ بأَكمَل الخصال، وفي مَعناهُ ما يُنسَبُ إلى عَليٍّ - رضي الله عنه -:
إن يَحسُدُوني فإنّي غَيرُ لائمهم ... قَبلي من النّاس أَهلُ الفَضل قَد حُسدُوا
فَدامَ بي وبهم ما بي وما بهم ... وماتَ ... أَكثَرُنا ... غَيظًا ... بما ... يَجدُ. رد.
(¬2) إنَّما كانَ ذلك سَبَبًا في سيادَته؛ لأنّ المَدحَ يَتَرَتَّبُ عليه الرّئاسة والسُّؤدُدُ، والقَدحُ فيه يَتَرَتَّبُ عليه الحلمُ والتَّحَمُّلُ والصَّفحُ، وذلك في السّيادة أَيضًا. ط. قال ابن عابدين: والحَسُودُ أَيضًا سَبَبٌ في السّيادة من حَيثُ إنَّهُ سَبَبٌ لنَشر ما انطَوى من الفَضائل كَما قال القائلُ:
وإذا أَرادَ الله نَشرَ فَضيلة ... طُويَت أَتاحَ لَها لسانَ حَسُود. رد.
(¬3) لأنّ قَدحَ الحَسُود إذا كانَ سَبَبًا في زيادة المَحسُود المُوجبة لكَمَده كانَ زَرعُهُ الحَسَدَ مُنتجًا له المحَنَ والبَلايا. والإحَنَ: وهي الحقدُ كَما في القامُوس. اهـ. ح. رد.
(¬4) فاللَّئيمُ هو الحَسُودُ، والكَريمُ هو الودُودُ. رد.
(¬5) مطلب في الحسد: لما أطال الشارح الكلام في الحسد فرأيت أن أخصه بتفصيل لأهمية الكلام عليه:
فإن مَن يمعن النظر في حياة الناس الذين ابتعدوا عن إرضاء ربهم، وانشغلوا بقضاء شهواتهم ولذاتهم، يجد أن العلاقة بينهم في نظر بعضهم إلى بعض قائمة على التحاسد إلى حدٍّ كبير، وهذا ما قرَّره ربُّ العزّة في قوله - جل جلاله -: {ومن شر حاسد إذا حسد} الفلق: 5، فالحسد موجود بلا شك ولا ريب بصريح القرآن الكريم.
فها هو إبليس عندما رأى سيدنا آدم - عليه السلام - وقد خلقه الله - جل جلاله - رفض أمر ربه - عز وجل - بالسجود له حسداً من نفسه لآدم - عليه السلام -، فعن الإمام الحسن البصري - رضي الله عنه -: «إن الحسد أول ذنب كان في السماء» في شعب الإيمان5: 274، فانظر كيف آل الحسد بإبليس إلى أن يخرج من رحمة الله - جل جلاله - إلى لعنته - عز وجل - فينال غضب ربه - جل جلاله -، قال ابن حبان في روضة العقلاء1: 99: «والحسد داعية الى النكد، ألا ترى إبليس حسد آدم - عليه السلام - فكان حسده نكداً على نفسه فصار لعيناً بعدما كان مكيناً».
وقد نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحسد أشدّ النهي فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً» في صحيح البُخاري5: 2253، وصحيح مسلم4: 1986، والكلام في الحسد طويل ومتشعب لا يمكن الإحاطة به في هذه الأسطر، وإنما نكتفي بالإشارة إلى معناه، وسببه، وحال الحاسد والمحسود، وأمثلة حية له، وكيفية مجانبته.
فالحسدُ على النعمة إذا كرهها عنده وتمنَّى زوالها عنه، ينظر: المصباح ص135، فهو اسم يقع على إرادة زوال النعم عن غيره وحلولها فيه، فأمّا مَن رأى الخير في أخيه وتمنّى التوفيق لمثله أو الظفر بحاله وهو غير مريد لزوال ما فيه أخوه فليس هذا بالحسد الذي ذمّ ونهي عنه.
ومن الحسد يتولّد الحقد، والحقدُ أصل الشرّ، ومَن أضمر الشرَّ في قلبه أنبت له نباتاً مُرّاً مذاقه، نماؤه الغيظ، وثمرته الندم، ولا يكاد يوجد الحسد إلا لمن عظمت نعمة الله - جل جلاله - عليه، فكلَّما أتحفه الله - جل جلاله - بترداد النعم ازداد الحاسدون له بالمكروه والنقم. ينظر: روضة العقلاء1: 97، وغيره.
فسبب الحسد يدورعلى فضل الله - جل جلاله - ونعمته بتميز المرء من بين أقرانه، وبروزه ونبوغه في حسن أو علم أو مال أو جاه أو غيرها مما يتنافس فيه البشر، فالنفس لا تطيق تفضيل غيرها عليها، وإنما تسعى جاهدة لبيان عواره وزواله عن صاحبه بشتى الطرق والوسائل، وهذا ما أشار إليه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان، فإن كلِّ ذي نعمة محسود» في مسند الروياني4: 145، والمعجم الكبير20: 94، والمعجم الأوسط3: 55، قال العراقي في تخريج الإحياء7: 231: «سنده ضعيف».
قال سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «ما من أحد عنده نعمة إلا وجدت له حاسداً» في روضة العقلاء1: 97، وقال قتادة:» ما كثرت النعم على قوم قط إلا كثر أعداؤهم»، وقال محارب بن دثار: «إني لأدع لبس الثوب الجديد مخافة أن يظهر في جيراني حسد لم يكن» في شعب الإيمان5: 278.
وفي المثل العربي: «إنَّ الحسان مظنّة للحاسد»، المأخوذ من قول الحماسي:
بيضاء آنسة الحديث كأنها ... قمر توسط جنح ليل مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسد ... إنَّ الحسان مظنّة للحاسد
والحسان جمع حسناء، ومظنّة الشيء: موضع يظنّ فيه وجوده، والمعنى أنَّ الحسناء مظنّة لأن تحسد على حسنها، وكذا كل مَن له فضيلة ما أو مزية ما فهو مظنة لأن يحسد، كما يقال: كل ذي نعمة محسود. ومَن يمتدح بكثرة الحسّاد ويذمّ بقلتهم؛ لأن وجود الحسّاد كناية عن وجود الفضل والنعمة كما قيل:
حسدوا مروءتنا فضلل سعيهم ... و لكل بيت مروءة أعداءُ
وقال آخر:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
وقال آخر:
فازدادَ لي حَسداً مَن لستُ أحْسُدُه ... إنَّ الفضيلةَ لا تخلو عن الحَسَد
وقال أبو الأسود أو غيره:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصومُ
كضرائب الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغضاً إنّه لدميمُ
وقال عمار بن عقيل:
ما ضرني حسد اللئام ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو النقصان
يا بُوسَ قومٍ ليس ذَنبي بَيْنَهُمْ ... إلا تظاهُرَ نعمَةِ الرّحمن
وقال بشار:
لا عشت خلوا من الحسّاد إنهم ... أعز فقداً من الائي أحبوني
أبقى لي الله حسادي برغمهم ... حتى يموتوا بداء غير مكنون
وأنشد منصور الفقيه:
ألا قل لمن كان لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في فعله ... إذا أنت لم ترض لي ما وهب
ينظر: زهر الأكم1: 60، والطبقات السنية1: 44، وشعب الإيمان5: 276.
ومن الأبيات السابقة يظهر لنا جلياً حال كلّ من الحاسد والمحسود، فالمحسود إنسان أنعم الله - جل جلاله - عليه وفضله بمزية امتاز به عمَّن حوله حتى كثر الحسّاد له عليها، ويمدح بحسد غيره له؛ لأنه لولا ظهوره وبروزه لما حسن، حتى قال بعضهم يمدح أقواماً:
مُحَسَّدُونَ وشرُّ النًّاسِ منزِلةً ... مَنْ عاش في النَّاسِ يوْماً غيرَ محسود
وقال البحتري:
لا تحسدوه فضل رتبته التي ... أعيت عليكم وافعلوا كفعاله
وقال البحتري:
ولن يستبين الدهر موضع نعمةٍ ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
ينظر: البيان والتبيين1: 331، ونهاية الأرب 1: 346، وغيره.
وأما حال الحاسد: فهو من امتلأ قلبه حقداً وحسرة على ما منَّ الله - عز وجل - به على غيره، فأخذ يكيد ويمكر لما في أيديهم ويتمنى زواله عنهم، فهو يعيش في كدر ونكد من العيش، قال الأحنفُ بنُ قَيس: «لا راحة لحسود»، وقال الشعبي: «الحاسد منغَّص بما في يد غيره»، وقال الخليل: «ما رأيتُ ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد»، وقال المتنبي:
وأظلم أهل الأرض من بات حاسداً ... لمن بات في نعمائه يتقلب
وأنشد الأبرش:
ليس للحاسد إلا ما حسد ... فله البغضاء من كلّ أحد
ينظر: البيان والتبيين1: 330، وشعب الإيمان5: 24، ونهاية الأرب 1: 346.
وفي هذه العجالة أقتصر على الحسد بالعلم فحسب، فهو من أكبر أبواب الحسد في هذه الدنيا، وقد امتلأت به قلوب كثيرة، فمنه ما قيل في حقِّ الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، فقيه هذه الأمة؛ إذ قيل لعبد الله بن طاهر: الناس يقعون في أبي حنيفة، فقال:
ما يَضُرُّ البَحْرَ أمْسَى زاخراً ... أن رَمَى فيه غلامٌ بِحَجَرْ
ثم أنشد:
إن يحسدوني فزاد الله في حَسَدي ... لا عاش من عاش يَوماً غَيرَ مَحْسُود
ما يُحْسَدُ المرء إلا مِنْ فضائِلِه ... بالعلم والبأس أو بالمجْدِ والجُود
ينظر: الطبقات السنية1: 44، وغيره.
ومن الأمثلة الحيّة على الحسد في العلم عبر تاريخنا الإسلامي العظيم:
إن من أبرز علماء هذه الأمة الفقيه الأصولي، الملقب بسيف الدين الآمدي، علي بن أبي علي التغلبي الشافعي (ت631هـ)، لما لم يكن في زمانه أحفظ منه لعلوم المعقول، واشتهر بها فضله، وألف فيها التآليف الرائقة، مثل: «أبكار الأفكار»، و «رموز الكنوز»، و «منتهى السول في علم الأصول»، لم ينج من الحسد؛ إذ حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصبّوا عليه ونسبوه إلى فساد العقيدة وانحلال الطوية والتعطيل ومذهب الفلاسفة والحكماء، وكتبوا محضراً يتضمن ذلك، ووضعوا فيه خطوطهم بما يستباح به الدم، وكان فيهم صاحب عقل ومعرفة فلما رأى تحاملهم عليه وإفراط التعصب كتب في المحضر، وقد حمل إليه ليكتب فيه مثل ما كتبوا فكتب:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصوم
والله أعلم، وكتب فلان بن فلان، فأفسد عليهم ما أرادوا. ينظر: وفيات الأعيان3: 293 - 294، وغيره.
وها هو إمام المفسِّرين محمّد بن جرير الطبريّ (ت310هـ)، فمن حسد أهل زمانه له، دُفِنَ ليلاً بداره، لأنّ بعضَ الحنابلة تعصبّوا عليه ووقعوا فيه، فتبعهم غيرهم، ومنعوا من دفنه نهاراً، وادّعوا عليه الرفض، ثمّ ادعوا عليه الإلحاد؛ وكان عليّ بن عيسى يقول: والله لو سُئِل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه، ولا فهموه. ينظر: الكامل3: 408 - 409، وغيره.
وكذا ما وقع لمجدد المئة الثانية عشرة الهجرية الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي (ت1173هـ)؛ إذ كان حجّة الأولياء المتقين، ونادرة من نوادر الأيام، كما يشهد به كتابه «المكتوبات» في ثلاث مجلدات، وهو من الحجج القواطع على تبحرّه في العلوم الشرعية، وفيه ما لا يتبادر إلى الأذهان لمن ليس لهم درك في مقامات العرفان، فسعى الحسّاد والخصماء في الطعن فيه لدى السلطان جهانكير، فأمر السلطان بإحضار الشيخ ورضي بجوابه عمّا قالوه، فعرضوا على السلطان أن الشيخَ ما انحنى للسلطان تكبّراً، بل لم يتواضع له تواضعاً جارياً، فغضب عليه السلطان وحبسه في قلعة كواليار ... ولبث في السجن ثلاث سنين ... ». ينظر: نزهة الخواطر5: 43 - 44، وغيره.
وبعد هذا البيان فعلى العاقل مجانبة أهل الحسد، وعدم إظهار نعم الله - جل جلاله - أمامهم، والإلتجاء إلى الله - عز وجل -، فإن الحسد مرض نفسي يصيبهم مَن ضعف الإيمان في قلوبهم، ولا يرضي صدورهم إلا زوال النعمة.
قال أبو حاتم: «لا يوجد من الحسود أمان أحرز من البعد منه؛ لأنه ما دام مشرفاً على ما خُصِّصت به دونه لم يزده ذلك إلا وحشة، وسوء ظنٍّ بالله، ونماء للحسد فيه، فالعاقل يكون على إماتة الحسد بما قدر عليه أحرصُ منه على تربيته، ولا يجد لإماتته دواء أنفع من البعاد، فإن الحاسد ليس يحسدك على عيب فيك ولا على خيانة ظهرت منك، ولكن يحسدك بما ركب فيه من ضّد الرضا بالقضاء كما قال العتبي:
أفكر ما ذنبي إليك فلا أرى ... لنفسي جرما غير أنك حاسد
والعاقل إذا خطر بباله ضرب من الحسد لأخيه أبلغ المجهود في كتمانه وترك إبداء ما خطر بباله، وأكثر ما يوجد الحسد بين الأقران.
وبئس الشعار للمرء الحسد؛ لأنه يورث الكمد ويورث الحزن، وهو داء لا شفاء له، والحاسدُ إذا رأى بأخيه نعمة بهت، وإن رأى به عثرة شمت، ودليل ما في قلبه كمين على وجهه مبيَّن، وما رأيت حاسدا سالم أحداً ... ويسهل على المرء ترضي كل ساخط في الدنيا حتى يرضى إلا الحسود، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة التي حُسِدَ من أجلها ... ».
الحسد من أخلاق اللئام ... وتركه من أفعال الكرام
ولكل حريق مطفيء ... ونار الحسد لا تطفأ
ينظر: روضة العقلاء1: 98 - 99، وغيره.
قال الشاعر: ...
كل العداوة قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك بالحسد
وقال آخر:
أعطيت لكل امرئ من نفسي ... الرضا إلا الحسود فإنه أعياني
يطوي على حنق حشاه إذا رأى ... عندي جمال غنى وفضل بيان
وأبى فما ترضيه إلا ذلتي ... وهلاك أعضائي وقطع لساني
وأنشد القناد:
اصبر على حسد الحسود ... ولو رمى بك في اللجج
فلعل طرفك لا يعود ... إليك إلا بالفرج
ينظر: شعب الإيمان5: 276، وغيره.
وقال ذا النون: «الحسد داءٌ لا يبرأ، وحسب الحسود من الشرّ ما يلقى وهو داخل إلى الحبس». ينظر: شعب الإيمان5: 277، وغيره.
ونختم الكلام بما يجب على المرء من مراعاته في نفسه لئلا يدخل في زمرة الحساد، قال أبو حاتم: «الواجب على العاقل مجانبة الحسد على الأحوال كلها، فإن أهون خصال الحسد هو ترك الرضا بالقضاء وإرادة ضدّ ما حكم الله - جل جلاله - لعباده، ثم انطواء الضمير على إرادة زوال النعم عن المسلم والحاسد لا تهدأ روحه، ولا يستريح بدنه إلا عند رؤية زوال النعمة عن أخيه، وهيهات أن يساعد القضاء ما للحساد في الأحشاء». ينظر: روضة العقلاء1: 98، وغيره.
لَكن يا أَخي بَعدَ الوُقُوف على حقيقة الحال، والاطّلاع على ما حَرَّرَهُ المُتأخّرُونَ كَصاحب «البَحر» و «النَّهر» (¬1) و «الفَيض» (¬2) و «المُصَنّف»، وجَدِّنا
¬
(¬1) لعمر بن إبراهيم بن محمد، المشهور ابن نُجَيْم المِصْريّ الحنفي، سراج الدين، أخو صاحب «البحر الرائق»، قال المحبي: الفقيه المحقق، الرشيق العبارة الكامل الاطلاع، كان متبحراً في العلوم الشرعية، غواصاً على المسائل الغريبة، محققاّ إلى الغاية، وجيهاً عند الحُكّام، معظماً عند الخاص والعام، من مؤلفاته: «النهر الفائق بشرح الكنز الدقائق»، و «إجابة السائل باختصار أنفع الوسائل»، و «عقد الجواهر في الكلام على سورة الكوثر»، (ت1005هـ). ينظر: خلاصة الأثر3: 306 - 307، وطرب الأماثل ص509، والكشف2: 516، وهدية العارفين1: 796.
(¬2) لإبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل الكَرَكِيّ الحنفي، برهان الدين، من مؤلفاته: «فيض المولى الكريم على عبده إبراهيم»، وقَد قال في خُطبَته: وضَعت في كتابي هذا ما هو الرّاجحُ والمُعتَمَدُ، ليَقطَعَ بصحّة ما يُوجَدُ فيه أو منهُ يُستَمَدُّ، (835 - 922هـ). ينظر: النور السافر ص101 - 103، والضوء اللامع1: 59 - 64، والفوائد ص433، والأعلام1: 39.
المَرحُوم (¬1)، وعَزمي زادَه (¬2)، وأَخي زادَه (¬3)، وسَعدي أَفَندي (¬4)، والزَّيلَعيّ (¬5)، والأَكمَلَ (¬6)، والكَمال (¬7)، وابن الكَمال (¬8)، مَعَ تَحقيقاتٍ سَنَحَ بها البالُ، وتَلَقَّيتُها عن فُحُول الرّجال.
¬
(¬1) هو الشَّيخُ مُحَمَّدُ شارحُ الوقاية. اهـ. ابنُ عَبد الرَّزّاق، قال ابن عابدين: ولَم أَقف له على تَرجَمة.
(¬2) وهو مُصطَفَى بنُ مُحَمَّدٍ الشَّهيرُ بعَزمي زادَه، قال المحبي: أَشهَرُ مُتأخّري العُلَماء بالرُّوم، وأَغزَرُهُم مادّة في المَنطُوق والمَفهُوم، ذُو التّأليف الشَّهيرة، من مؤلفاته: «حاشية على الدُّرَر والغُرَر» و «حاشية على شَرح المَنار» لابن مَلَكٍ، (ت1040هـ). رد.
(¬3) وهو عبد الحَليم بن مُحَمَّدٍ، الشَّهير المَعرُوف بأَخي زادَه، قال المحبي: أَحَدُ أَفراد الدَّولة العُثمانيّة وسَراة عُلَمائها، كانَ نَسيجًا وحدَهُ في ثُقُوب الذّهن وصحّة الإدراك والتَّضَلُّع من العُلُوم. وله تآليف كَثيرة منها: «شَرحٌ على الهداية»، و «تَعليقاتٌ على شَرح المفتاح»، و «تَعليقاتٌ على جامع الفُصُولَين»، و «تَعليقاتٌ على الدُّرَر والغُرَر»، و «تَعليقاتٌ على الأَشباه والنَّظائر»، (ت1013هـ). رد.
(¬4) وهو سعد الله بن عيسى بن أمير خان القسطموني الرومي الحنفي، الشهير بسعدي چلبي أو سعدي أفندي، القاضي بالقسطنطينية والمفتي بها، من تلاميذه قاضي زاده، صنف «حاشية على أنوار التنزيل» للبيضاوي، و «حاشية على العناية شرح الهداية»، و «حاشية على القاموس» للفيروز آبادي، و «منظومة في الفقه تركي»، (ت945هـ)، كما في الهدية العلائية1: 203، والأعلام.
(¬5) وهو عثمان بن عليّ بن محجن بن موسِر الزَّيْلَعيّ الصُّوفِيّ البَارِعيّ، أبو عمرو، فخر الدِّين، نسبةً إلى زَيْلَع، بلدةٌ بساحلِ بحرِ الحبشةِ، قال الكفوي: كان مشهوراً بمعرفة الفقه والنحو والفرائض، من مؤلفاته: «شرح الجامع الكبير»، و «بركة الكلام على أحاديث الأحكام «، و «تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق»، قال اللكنوي: وهو شرح مُعتمد مقبول، وهو المراد بالشارح في «البحر الرائق»، (ت743هـ). ينظر: تاج التراجم ص204، والفوائد194 - 195.
(¬6) وهو محمد بن محمد بن محمود الرومي البَابَرْتي، أبو عبد الله، أكمل الدين، نسبة إلى بَابَرْتا بالقصر قرية بنواحي بغداد، قال الكفوي: إمام محقِّق مدقِّق متبحر حافظ ضابط، لم تر الأعين في وقته مثله، كان بارعاً في الحديث وعلومه، ذا عناية باللغة والنحو والصرف والمعاني والبيان، من مؤلفاته: «العناية على الهداية»، «حواشي الكشاف»، و «تحفة الأبرار في شرح مشارق الأنوار»، و «شرح الفرائض السراجية»، و «شرح ألفية ابن معطي»، و «شرح أصول البزدوي»، (714 - 786). ينظر: النجوم الزاهرة11: 302 - 303، وتاج التراجم ص276، والفوائد ص320، والأعلام7:271.
(¬7) وهو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السَّكَنْدَرِيّ السِّيوَاسِيّ الأصل القَاهِريّ الحَنَفِي، الشهير بابن الهمام السكندري السيواسي، كمال الدين، من مؤلفاته: «فتح القدير على الهداية» وصل فيه إلى كتاب الوكالة، و «تحرير الأصول»، و «المسايرة في العقائد»، و «زاد الفقير» مختصر في مسائل الصَّلاة، ورسالة في إعراب سبحان الله وبحمده، قال اللكنوي: كلها مشتملة على فوائد قلما توجد في غيرها، وقد سلك في أثر تَصانيفه، لا سيما «فتح القدير» مسلك الإنصاف متجنباً عن التعصب المذهبي والاعتساف، إلا ما شاء الله (790 - 861هـ). ينظر: الضوء اللامع6: 127، والفوائد ص296 - 298، والكشف1: 358.
قال ابن عابدين: هو الإمامُ المُحَقّقُ حَيثُ أُطلقَ، تَفَقَّهَ بالسَّرّاج قارئ الهداية وبالقاضي مُحبّ الدّين بن الشّحنة، لَم يُوجَد مثلُهُ في التَّحقيق، وكانَ يَقُولُ أَنا لا أُقَلّدُ في المَعقُولات أَحَدًا، وقال البُرهانُ الأَبناسيُّ ـ وكان من أَقرانه ـ: لو طَلَبت حُجَجَ الدّين ما كانَ في بَلَدنا مَن يَقُومُ بها غَيرَهُ، وكانَ له نَصيبٌ وافرٌ ممّا لأَصحاب الأَحوال من الكَشف والكَرامات، وكانَ تَجَرَّدَ أَولًا بالكُلّيّة، فَقال له أَهلُ الطَّريق ارجع، فإنَّ للنّاس حاجة بعلمك، وكانَ يأتيه الواردُ كَما يأتي السّادة الصُّوفيّة، لَكنَّهُ يُقلعُ عنه بسُرعة لمُخالَطَته للنّاس، وشَرَحَ الهداية شَرحًا لا نَظيرَ له سَمّاهُ «فَتحَ القَدير»، وله كتابُ «التَّحرير» في الأُصُول الَّذي لَم يُؤَلَّف مثلُهُ، وشَرَحَهُ تلميذُهُ ابنُ أَمير حاجٍّ، وله «المُسايَرة في العَقائد»، و «زادُ الفَقير» في العبادات. تُوُفّيَ بالقاهرة سَنة (861)، وحَضَرَ جنازَتَهُ السُّلطانُ فَمَن دُونَهُ. رد.
(¬8) وهو أحمد بن سليمان بن كمال باشا الرُّوميّ، الشَّهير بابن كمال باشا زاده، من مؤلفاته: «الإصلاح والإيضاح»، و «تغيير التنقيح» شرحه بـ «تجريد التجريد»، و «حواشي شرح الجغميني»، و «شرح الهداية» لم يكتمل، و «تفسير القرآن»، و «حواشي على أوائل البيضاوي»، و «حواشي على الكشاف»، و «تغيير السراجية»، و «شرحه»، «تغيير المفتاح»، و «شرحه»، و «حواشي التلويح»، و «شرح المفتاح»، قال اللكنوي: قَدْ طالعت مِنْ تصانيفه: «الإصلاح والإيضاح»، فوجدته محقّقاً مدّققاً مُولعاً فِي الإيرادات على «الوقاية»، وشرحها لصدر الشَّرِيعَة، أكثرها غير واردة، ولم يورث إيراده عليهما نقصاً فِي اشتهارهما، والاعتماد عليهما، ولم يشتهر تصنيفه كاشتهارهما، والحق قبول تصنيف في أعين المستفيدين، واعتماده في أبصار الفاضلين، ليس مداره على مقدار فضل المؤلفين، وإنَّما هو فضل رب العالمين، ومداره على النَّية، فإنما الأعمال بالنيات.
قال التميمي: الإمام العلامة الرحالة الفهامة، كان بارعاً في العلوم وقلّ ما يوجد فنّ إلا وله فيه مصنف أو مصنفات، وكانَ في كَثرة التّأليف والسُّرعة بها وسَعة الاطّلاع في الدّيار الرُّوميّة كالجَلال السُّيُوطيّ في الدّيار المصريّة. وعندي أَنَّهُ أَدَقُّ نَظَرًا من السُّيُوطيّ وأَحسَنُ فَهمًا، على أَنَّهُما كانا جَمالَ ذلك العَصر، ولَم يَزَل مُفتيًا في دار السَّلطَنة إلى أَن تُوُفّيَ. (ت940هـ). ينظر: الشقائق النعمانية ص226 - 228، والفوائد ص42 - 44.
ويأبَى اللهُ العصمة لكتابٍ غيرَ كتابه، والمُنصفُ مَن اغتَفَرَ قَليلَ خَطأ المَرء في كَثير صَوابه (¬1).
ومع هذا فَمَن أَتقَنَ كتابي هذا فهو الفَقيهُ (¬2) الماهرُ، ومَن ظَفَرَ بما فيه، فَسَيَقُولُ بملء فيه: كَم تَرَكَ الأَولُ للآخر (¬3).
¬
(¬1) وهذا اعتذارٌ منهُ - رضي الله عنه -: أَي إنَّ هذا الكتابَ وإن كانَ مُشتَملًا على ما حَرَّرَهُ المُتأخّرُونَ وعلى التَّحقيقات المَذكُورة لَكنَّهُ غَيرُ مَعصُومٍ: أَي غَيرُ مَمنُوعٍ من وُقُوع الخَطأ والسَّهو فيه، فإنَّ اللَّهَ تَعالى لَم يَرضَ، أو لَم يُقَدّر العصمة لكتابٍ غَير كتابه العَزيز الَّذي قال فيه: {لا ياتيه الباطلُ من بَين يَدَيه ولا من خَلفه} [فصلت: 42]، فَغَيرُهُ من الكُتُب قَد يَقَعُ فيه الخَطأ والزَّلَلُ؛ لأَنَّها من تأليف البَشَر والخَطأ والزَّلَلُ من شعارهم، قال المُزَنيّ: قَرأت كتابَ «الرّسالة» على الشّافعيّ ثَمانينَ مَرّة، فَما من مَرّةٍ إلّا وكانَ يَقفُ على خَطأ، فَقال الشّافعيُّ: هيه، أَبَى الله أَن يَكُونَ كتابًا صَحيحًا غَيرَ كتابه. رد.
(¬2) المُرادُ بالفَقيه مَن يَحفَظُ الفُرُوعَ الفقهيّة، ويَصيرُ له إدراكٌ في الأَحكام المُتَعَلّقة بنَفسه وغَيره. رد.
(¬3) قال ابنُ مالكٍ في خُطبة التَّسهيل: وإذا كانَت العُلُومُ منَحًا إلَهيّة، ومَواهبَ اختصاصيّة فَغَيرُ مُستَبعَدٍ أَن يُدَّخَرَ لبَعض المُتأخّرينَ، ما عَسرَ على كَثيرٍ من المُتَقَدّمينَ. اهـ. وأَنتَ تَرَى كُتُبَ المُتأخّرينَ تَفُوقُ على كُتُب المُتَقَدّمينَ في الضَّبط والاختصار وجَزالة الأَلفاظ وجَمع المَسائل؛ لأنّ المُتَقَدّمينَ كانَ مَصرفُ أَذهانهم إلى استنباط المَسائل وتَقويم الدَّلائل؛ فالعالمُ المُتأخّرُ يَصرفُ ذهنَهُ إلى تَنقيح ما قالُوهُ، وتَبيين ما أَجمَلُوهُ، وتَقييد ما أَطلَقُوهُ، وجَمع ما فَرَّقُوهُ، واختصار عباراتهم، وبَيان ما استَقَرَّ عليه الأَمرُ من اختلافاتهم، فهو كَماشطة عَرُوسٍ رَبّاها أَهلُها حَتَّى صَلَحَت للزَّواج، تُزَيّنُها وتَعرضُها على الأَزواج، وعلى كُلٍّ فالفَضلُ للأَوائل كَما قال القائلُ:
كالبَحر يَسقيه السَّحابُ وما له ... فَضلٌ عليه لأَنَّهُ من مائه
نَعَم فَضلُ المُتأخّرينَ على أَمثالنا من المُتَعَلّمينَ، رَحمَ الله الجَميعَ وشَكَرَ سَعيَهُم آمينَ. رد.
ومَن حَصَّله فَقَد حَصَلَ له الحَظُّ الوافرُ؛ لأَنَّهُ هو البَحرُ لَكن بلا ساحلٍ، ووابلُ القَطر غَيرَ أَنَّهُ مُتَواصلٌ بحُسن عباراتٍ ورَمز إشاراتٍ وتَنقيح مَعاني، وتَحرير مَباني، ولَيسَ الخَبَرُ كالعيان (¬1)، وسَتَقَرُّ به بَعدَ التّأمُّل العَينان.
فَخُذ ما نَظَرت من حُسن رَوضه الأَسمَى، ودَع ما سَمعت عن الحُسن وسَلمَى (¬2):
¬
(¬1) فهذا اقتباس من حديث ابن عباس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -، قال: «ليس الخبر كالمعاينة، قال الله لموسى: إن قومك صنعوا كذا وكذا، فلما يبال، فلما عاين ألقى الألواح» في صحيح ابن حبان14: 96، ومسند أحمد3: 241، والمستدرك2: 351، وصححه، وهو من جَوامع كَلمه - صلى الله عليه وسلم -، كَما في المَواهب اللَّدُنيّة، وتَضمينٌ لقَول الشّاعر:
يا ابنَ الكرام أَلا تَدنُو فَتُبصرَ ما ... قَد حَدَّثُوك فَما راءٍ كَمَن سَمعا. رد.
(¬2) امراةٌ من مَعشُوقات العَرَب المَشهُورات كَلَيلَى ولُبنَى وسُعدَى وبُثَينة ومَيّة وعَزّة، ولَيسَ المُرادُ بها المَعنَى العَلَميَّ، وإنَّما المُرادُ الوصفيُّ لاشتهارها بالحُسن كاشتهار حاتمٍ بالكَرم، فَيُقالُ: فُلانٌ حاتمٌ بمَعنَى كَريمٍ، فالمُرادُ دَع الجَمالَ والجَميلَ. رد.
خُذ ما نَظَرت ودَع شَيئًا سَمعت به ... في طَلعة الشَّمس ما يُغنيك عن زُحَلَ
هذا (¬1) وقَد أَضحَت أَعراضُ المُصَنّفينَ أَغراضَ سهام أَلسنة الحُسّاد، ونَفائسُ تَصانيفهم مُعَرَّضة بأَيديهم تَنتَهبُ فَوائدَها، ثُمَّ تَرميها بالكَساد (¬2):
أَخا العلم لا تَعجَل بعَيب مُصَنّفٍ ... ولَم ... تَتَيَقَّن ... زَلّة ... منهُ ... تَعرفُ
فَكَم أَفسَدَ ... الرّاوي كَلامًا بعَقله ... وكَم حَرَّفَ الأَقوالَ قَومٌ وصَحَّفُوا
وكَم ناسخٍ أَضحَى لمَعنًى مُغَيّرًا ... وجاءَ ... بشَيءٍ ... لَم ... يُردهُ المُصَنّفُ
¬
(¬1) أَي خُذ هذا الَّذي ذَكَرته، وأَرادَ به الانتقال عن وصف الكتاب إلى التَّنبيه على عَدَم الاغترار بما يُشَنّعُ به حُسّادُ الزَّمان المُغَيّرُونَ في وُجُوه الحسان:
كَضَرائر الحَسناء قُلنَ لوجهها ... حَسَدًا ولُؤمًا إنَّهُ لَدَميمُ. رد.
(¬2) والمَعنَى أَنَّ الحُسّادَ لا يَستَغنُونَ عَنها، بَل يَنتَهبُونَ فَوائدَها، ويَنتَفعُونَ بها، ثُمَّ يَذُمُّونَها ويَقُولُونَ: إنَّها سلعة كاسدة. رد.
وما كانَ قَصدي من هذا أَن يُدرَجَ ذكري بَينَ المُحَرّرينَ من المُصَنّفينَ والمُؤَلّفينَ (¬1)، بَل القَصدُ رياضُ القَريحة (¬2) وحفظُ الفُرُوع الصَّحيحة، مَعَ رَجاء الغُفران، ودُعاء الإخوان، وما عَلَيَّ من إعراض الحاسدينَ عنه حالَ حَياتي فَسَيَتَلَقَّونَهُ بالقَبُول إن شاءَ الله تَعالى بَعدَ وفاتي، كَما قيل:
تَرَى الفَتَى يُنكرُ فَضلَ الفَتَى ... لُؤمًا وخُبثًا فإذا ما ذَهَب
لَجَّ به الحرصُ على نُكتة (¬3) ... يَكتُبُها عنه بماء الذَّهَب
فَهاكَ مُؤَلّفًا مُهَذّبًا بمُهمّات هذا الفَنّ، مُظهرًا لدَقائقَ اُستَعملَت الفكَرَ فيها إذا ما اللَّيلُ جَنَّ (¬4)، مُتَحَرّيًا أَرجَحَ الأَقوال وأوجَزَ العبارة، مُعتَمدًا في
¬
(¬1) التّأليفُ: جَعلُ الأَشياء الكَثيرة بحيث يُطلَقُ عليها اسمُ الواحد سَواءٌ كانَ لبَعضها نسبة إلى بَعضٍ بالتَّقَدُّم والتّأخُّر أو لا، وعليه فَيكون التّأليفُ أَعَمَّ من التَّرتيب، اهـ تَعريفاتُ السَّيّد. قيل: وأَعَمُّ من التَّصنيف؛ لأَنَّهُ مُطلَقُ الضَّمّ، والتَّصنيفُ جَعلُ كُلّ صنفٍ على حدة، وقيل: المُؤَلّفُ مَن يَجمَعُ كَلامَ غيره، والمُصَنّفُ مَن يَجمَعُ مُبتَكَرات أَفكاره، وهو مَعنَى ما قيل: واضعُ العلم أولَى باسم المُصَنّف من المُؤَلّف. رد.
(¬2) والمُرادُ بها آلة الاستنباط: وهيَ الذّهنُ. رد.
(¬3) النُّكتة: هي مَسأَلة لَطيفة أُخرجَت بدقّة نَظَرٍ وإمعان فكرٍ، من نَكَتَ رُمحَهُ بأَرضٍ: إذا أَثَّرَ فيها، وسُمّيَت المَسأَلة الدَّقيقة نُكتة لتأثُّر الخَواطر في استنباطها، سَيّدٌ. رد.
(¬4) وإنَّما خَصَّ اللَّيلَ لكَونه مَحَلَّ الأَفكار غالبًا، وفيه يَزكُو الفَهمُ؛ لقلّة الحَرَكة فيه، وعادة العُلَماء يَتَلَذَّذُونَ بالسَّهَر في التَّحرير للمَسائل كَما قال التّاجُ السُّبكيُّ:
سَهَري ... لتَنقيح العُلُوم أَلَذُّ لي ... من وصل غانية وطيب عناق
وتَمايُلي ... طَرَبًا لحَلّ ... عَويصة ... في الذّهن أَبلَغُ من مُدامة ساقي
وصَريرُ أَقلامي على صَفَحاتها ... أَشهَى من ... الدَّوكاء والعُشّاق
وأَلَذُّ من ... نَقر ... الفَتاة لدُفّها ... نَقري لأُلقيَ الرَّملَ عن أوراقي. رد.
دَفع الإيراد أَلطَفَ الإشارة؛ فَرُبَّما خالَفت في حُكمٍ أو دَليلٍ فَحَسَبُهُ مَن لا اطّلاعَ له (¬1) ولا فَهمَ عُدُولًا عن السَّبيل، ورُبَّما غَيَّرتُ تَبَعًا لما شَرَحَ عليه المُصَنّفُ كَلمةً أو حَرفًا (¬2)، وما دَرَى أَنَّ ذلك لنُكتة تَدُقُّ عن نَظَره وتَخفَى.
وقَد أَنشَدَني شَيخي الحَبرُ السّامي والبَحرُ الطّامي، واحدُ زَمانه وحَسَنة أَوانه، شَيخُ الإسلام، الشَّيخُ خَيرُ الدّين الرَّمليُّ (¬3) ـ أَطالَ الله بَقاءَهُ (¬4) ـ:
¬
(¬1) أَي على ما اطَّلَعت عليه ولا فَهمَ له بما قَصَدته. رد.
(¬2) فإنَّ المُصَنّفَ لَمّا شَرَحَ مَتنَهُ غَيَّرَ منهُ بَعضَ أَلفاظٍ مُنَبّهًا على التَّغيير، فَبَقيَت نُسَخُ المَتن المُجَرَّد مُخالفة لنُسخة المَتن المَشرُوح، فَتابَعَهُ الشّارحُ فيما غَيَّرَهُ، ورُبَّما غَيَّرَ ما لَم يُغَيّرهُ المُصَنّفُ. رد.
(¬3) وهو خير الدين بن أحمد بن نور الدين علي بن زين الدين بن عبد الوهاب الأيوبي العُلَيْمِي الفاروقي الرَّمْلِي الحَنَفي، نسبة إلى سيدي علي بن عليم الولي المشهور، والفارُوقيّ نسبة إلى الفارُوق عُمَرَ بن الخَطّاب - رضي الله عنه -، قال المحبي: الإمام الفقيه المحدِّث المفسِّر اللغوي الصرفي النحوي البياني العروضي، المعمر شيخ الحنيفة في عصره وصاحب الفتاوى السائرة، ومن مؤلفاته: «الفتاوي الخيرية لنفع البرية»، «حواشي على منح الغفار»، و «حواشي على شرح الكنْز للعيني»، و «حواشي على الأشباه والنظائر»، (993 - 1081هـ). ينظر: خلاصة الأثر2: 134، والأعلام2: 374 - 375.
(¬4) أَي وُجُودَهُ، والمُرادُ الدُّعاءُ بالبَرَكة في عُمُره؛ لأنّ الأَجَلَ مَحتُومٌ، وذَكَرَ ط عن «الشّرعة» وشَرحها ما يُفيدُ كَراهة الدُّعاء بذلك. أَقُولُ: يَردُ عليه «أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - دَعا لخادمه أَنَسٍ - رضي الله عنه - بدَعَواتٍ منها: وأَطلَ عُمرَهُ» [في صحيح البخاري ومسلم]، ومَذهَبُ أَهل السُّنّة أَنَّ الدُّعاءَ يَنفَعُ وإن كانَ كُلُّ شَيءٍ بقَدَرٍ.
واستُفيدَ من كَلام الشّارح أَنَّهُ أَلَّفَ كتابَهُ هذا في حَياة شَيخه المَذكُور، وهو كَذلك، فانَّهُ سَيَذكُرُ آخرَ الكتاب أَنَّهُ فَرَغَ من تأليفه سَنة (1071)، فَيكون قَد فَرَغَ من تأليفه قَبلَ مَوت شَيخه المَذكُور بعَشر سنينَ. رد.
قُل لمَن لَم يَرَ المَعاصرَ شَيئًا ... ويَرَى ... للأَوائل ... التَّقديما
إنَّ ذاكَ القَديمَ كانَ حَديثًا ... وسَيَبقَى هذا الحَديثُ قَديمًا (¬1)
¬
(¬1) بَيانُ أَنَّ تَفضيلَ المَرء بأوصافه لا بتَقَدُّمه؛ لأنّ كُلَّ مُتَقَدّمٍ قَد كانَ حادثًا ولَم يَزد بتَقديمه عَمّا كانَ عليه وقتَ حُدُوثه، وهذا المَعاصرُ سَيَمضي عليه زَمانٌ يَصيرُ فيه قَديمًا، فإذا فَضَّلتُم ذلك المُتَقَدّمَ بأوصافه لَزمَكُم تَفضيلُ ذلك المَعاصر الَّذي سَيَبقَى قَديمًا بأوصافه أَيضًا. وهذا مَعنَى قَول الإمام المُبَرّد: لَيسَ لقدَم العَهد يَفضُلُ القائلُ ولا لحَداثَته يُهضَمُ المُصيبُ، ولَكن يُعطَى كُلٌّ ما يَستَحقُّ. اهـ.
قال الدَّمامينيُّ في «شَرح التَّسهيل» بَعدَ نَقله كَلامَ المُبَرّد: وكَثيرٌ من النّاس مَن تَحَرَّى هَذه البَليّة الشَّنعاءَ، فَتَراهُم إذا سَمعُوا شَيئًا من النُّكَت الحَسَنة غَيرَ مَعزُوٍّ إلى مُعَيَّنٍ استَحسَنُوهُ بناءً على أَنَّهُ للمُتَقَدّمينَ، فاذا عَلمُوا أَنَّهُ لبَعض أَبناء عَصرهم نَكَصُوا على الأَعقاب واستَقبَحُوهُ، أو ادَّعَوا أَنَّ صُدُورَ ذلك عن عَصريٍّ مُستَبعَدٌ، وما الحاملُ لهم على ذلك إلّا حَسَدٌ ذَميمٌ وبَغيٌ مَرتَعُهُ وخيمٌ اهـ مُلَخَّصًا. رد.
على أَنَّ المَقصُودَ والمُرادَ (¬1)، ما أَنشَدَنيه (¬2) شَيخي رأسُ المُحَقّقينَ النُّقّادُ مُحَمَّدٌ أَفَندي المَحاسنيُّ (¬3)، وقَد أَجادَ:
لكُلّ بَني الدُّنيا (¬4) مُرادٌ ومَقصَدٌ ... وإنَّ ... مُرادي ... صحّة (¬5) ... وفَراغُ
¬
(¬1) بمَنزلة الاستدراك على ما يُتَوهَّمُ من قَوله: فَهاكَ ... إلَخ، من أَنَّ المُرادَ مَدحُ نَفسه وتأليفه، وأَنَّ المَقصُودَ بالشُّهرة التّأليفُ، «ط».
(¬2) في بَعض النُّسَخ زيادة: وبَرَكَتي ووليُّ نعمَتي قال «ط»: البَرَكة اتّساعُ الخَير، والمُرادُ بالنّعمة نعمة العلم الَّتي هي من أَعظَم النّعَم اهـ
(¬3) قال المُحبّيُّ في تاريخه: هو ابنُ تاج الدّين بن أَحمَدَ المَحاسنيُّ الدّمَشقيُّ الخَطيبُ بجامع دمَشقَ، أَشهَرُ آل بَيت مَحاسنَ وأَفضَلُهُم، كانَ فاضلًا كاملًا أَديبًا لَبيبًا، لَطيفَ الشَّكل وجيهًا، جامعًا لمَحاسن الأَخلاق، حَسَنَ الصَّوت، وليَ خَطابة جامع السُّلطان سَليمٍ بصالحيّة دمَشقَ، ثُمَّ صارَ إمامًا بجامع بَني أُمَيّة وخَطيبًا فيه، وقَرأ فيه «صَحيحَ مُسلمٍ»، وكَتَبَ عليه بَعضَ تَعاليقَ. ووليَ دَرسَ الحَديث تَحتَ قُبّة النَّسر من الجامع المَذكُور، وكانَ فَصيحَ العبارة. وانتَفَعَ به خَلقٌ من عُلَماء دمَشقَ، منهُم شَيخُنا العَلّامة المُحَقّقُ الشَّيخُ عَلاءُ الدّين الحَصكَفيُّ مُفتي الشّام، وله شعرٌ حَسَنٌ وتَحريراتٌ تَدُلُّ على علمه. وُلدَ سَنة (1012) وتُوُفّيَ سَنة (1072).
ورَثاهُ شَيخُنا العَلّامة المُحَقّقُ الشَّيخُ عَبدُ الغَنيّ النّابلُسيُّ - بقَصيدة جَيّدة إلى الغاية مَطلَعُها قَولُهُ: ليَهنُ رعاعُ النّاس وليَفرَح الجَهلُ فَبَعدَك لا يَرجُو البَقا مَن له عَقلُ أَيا جَنّة قَرَّت عُيُونُ أُولي النُّهَى بها زَمَنًا حَتَّى تَدارَكَها المَحلُ اهـ مُلَخَّص. رد.
(¬4) أَي لكُلّ واحدٍ من النّاس المَوجُودينَ فيها، وسُمُّوا أَبناءَها؛ لأَنَّهُم منها مادّة وغذاءً، وبها انتفاعُهُم، وفيها تَربيَتُهُم. وهيَ اسمٌ لما قَبلَ الآخرة لدُنُوّها وقُربها. ويُحتَمَلُ أَن يُرادَ بأَبنائها الطّالبُونَ لَها المُنهَمكُونَ فيها. رد.
(¬5) أَي في الجَسَد، وفَراغٌ ممّا يَشغَلُ عن الآخرة. رد.
لأَبلُغَ في علم الشَّريعة مَبلَغًا ... يكون ... به ... لي ... في ... الجنان بَلاغُ (¬1)
فَفي مثل هذا فَليُنافس أُولُو ... النُّهَى وحَسبي من الدُّنيا الغَرُور بَلاغُ
فَما الفَوزُ إلّا في نَعيمٍ مُؤَبَّدٍ ... به ... العَيشُ ... رَغدٌ ... والشَّرابُ ... يُساغُ
مُقَدّمة
حَقٌّ على مَن حاولَ (¬2) علمًا أَن يَتَصَورَهُ بحَدّه أو رَسمه (¬3)، ويَعرفَ مَوضُوعَهُ (¬4) وغايَتَهُ واستمدادَهُ.
¬
(¬1) أَي إيصالٌ من اللَّه تَعالى إلى المَراتب العالية فيها. رد.
(¬2) أَي رامَ علمًا: أَيَّ علمٍ كانَ من العُلُوم الشَّرعيّة وغَيرها. فالشَّرعيّة علمُ التَّفسير والحَديث والفقه والتَّوحيد.
وغَيرُ الشَّرعيّة ثَلاثة أَقسامٍ:
1.أَدَبيّة، وهيَ اثنا عَشَرَ كَما في شَيخي زادَه. وعَدَّها بَعضُهُم أَربَعة عَشَرَ: اللُّغة والاشتقاقَ والتَّصريفَ والنَّحو والمَعانيَ والبَيانَ والبَديعَ والعَرُوضَ والقَوافيَ وقَريضَ الشّعر وإنشاءَ النَّثر والكتابة، والقراءات والمُحاضَرات ومنهُ التّاريخُ.
2.ورياضيّة، وهيَ عَشَرة: التَّصَوُّفُ والهَندَسة والهَيئة والعلمُ التَّعليميُّ والحسابُ والجَبرُ والمُوسيقَى والسّياسة والأَخلاقُ وتَدبيرُ المَنزل.
2.وعَقليّة: ما عَدا ذلك كالمَنطق والجَدَل وأُصُول الفقه والدّين والعلم الإلَهيّ والطَّبيعيّ والطّبّ والميقات والفَلسَفة والكيمياء كَذا ذَكَرَهُ بَعضُهُم اهـ، ابنُ عَبد الرَّزّاق. رد.
(¬3) الحَدُّ: ما كانَ بالذّاتيّات كالحَيَوان النّاطق للإنسان، والرَّسمُ ما كانَ بالعَرَضيّات كالضّاحك له.
(¬4) اعلَم أَنَّ مَبادئَ كُلّ علمٍ عَشَرة نَظَمَها ابنُ ذكريٍّ في «تَحصيل المَقاصد» فَقال:
فأولُ الأَبواب في المَبادي ... وتلكَ ... عَشرة ... على ... المُراد
الحَدُّ والمَوضُوعُ ثُمَّ الواضعُ ... والاسمُ واستمدادُ حُكم الشّارع
تَصَوُّرُ ... المَسائل ... الفَضيلة ... ونسبة ... فائدة ... جَليلة
بَيَّنَ الشّارحُ منها أَربَعة وبَقيَ ستّة.
فَواضعُهُ: أَبُو حَنيفة - رضي الله عنه -.
واسمُهُ: الفقهُ.
وحُكمُ الشّارع فيه: وُجُوبُ تَحصيل المُكَلَّف ما لا بُدَّ له منهُ.
ومَسائلُهُ: كُلُّ جُملة مَوضُوعُها فعلُ المُكَلَّف، ومَحمُولُها أَحَدُ الأَحكام الخَمسة، نَحوُ: هذا الفعلُ واجبٌ.
وفَضيلَتُهُ: كَونُهُ أَفضَلَ العُلُوم سوى الكَلام والتَّفسير والحَديث وأُصُول الفقه.
ونسبَتُهُ: لصَلاح الظّاهر كَنسبة العَقائد والتَّصَوُّف لصَلاح الباطن أَفادَهُ، ح. رد.
فالفقهُ لُغة: العلمُ بالشَّيء، ثُمَّ خُصَّ بعلم الشَّريعة، وفَقِهَ بالكَسر فقهًا عَلِمَ، وفَقُهَ بالضَّمّ فَقاهةً صارَ فَقيهًا (¬1).
واصطلاحًا (¬2) عند الأُصُوليّينَ: العلمُ بالأَحكام الشَّرعيّة الفَرعيّة المُكتَسَبُ من أَدلَّتها التَّفصيليّة.
وعند الفُقَهاء (¬3): حفظُ الفُرُوع وأَقَلُّهُ ثَلاثٌ.
¬
(¬1) نَقَلَ العَلّامة الرَّمليُّ في حاشيَته عليه أَنَّهُ يُقالُ فَقهَ بكَسر القاف. إذا فَهمَ، وبفَتحها: إذا سَبَقَ غَيرَهُ إلى الفَهم، وبضَمّها: إذا صارَ الفقهُ له سَجيّة. رد.
(¬2) الاصطلاحُ لُغة: الاتّفاقُ. واصطلاحًا اتّفاقُ طائفة مَخصُوصة على إخراج الشَّيء عن مَعناهُ إلى مَعنًى آخَرَ، رَمليٌّ. رد.
(¬3) قال في «البَحر»: فالحاصلُ أَنَّ الفقهَ في الأُصُول علمُ الأَحكام من دَلائلها كَما تَقَدَّمَ، فَلَيسَ الفَقيهُ إلّا المُجتَهدُ عندهُم، وإطلاقُهُ على المُقَلّد الحافظ للمَسائل مَجازٌ. وهو حَقيقة في عُرف الفُقَهاء بدَليل انصراف الوقف والوصيّة للفُقَهاء إلَيهم، وأَقَلُّهُ ثَلاثة أَحكامٍ كَما في «المُنتَقَى». وذَكَرَ في «التَّحرير»: أَنَّ الشّائعَ إطلاقُهُ على مَن يَحفَظُ الفُرُوعَ مُطلَقًا يَعني سَواءٌ كانَت بدَلائلها أو لا، اهـ، لَكن سَيَذكُرُ في باب الوصيّة للأَقارب أَنَّ الفَقيهَ مَن يُدَقّقُ النَّظَرَ في المَسائل وإن عَلمَ ثَلاثَ مَسائلَ مَعَ أَدلَّتها، حَتَّى قيل: مَن حَفظَ أُلُوفًا من المَسائل لَم يَدخُل تَحتَ الوصيّة. اهـ. لَكنَّ الظّاهرَ أَنَّ هذا حَيثُ لا عُرفَ، وإلّا فالعُرفُ الآنَ هو ما ذَكَرَ في «التَّحرير» أَنَّهُ الشّائعُ.
وقَد صَرَّحَ الأُصُوليُّونَ بأَنَّ الحَقيقة تُترَكُ بدَلالة العادة، وحينَئذٍ فَيَنصَرفُ في كَلام الواقف والمُوصي إلى ما هو المُتَعارَفُ في زَمَنه؛ لأَنَّهُ حَقيقةُ كَلامه العُرفيّة، فَتُترَكُ به الحَقيقة الأَصليّة. رد.
وعند أَهل الحَقيقة (¬1): الجَمعُ بَينَ العلم والعَمَل؛ لقَول الحَسَن البَصريّ: إنَّما الفَقيهُ المُعرضُ عن الدُّنيا، الرَّاغبُ في الآخرة، البَصيرُ بعُيُوب نَفسه (¬2).
ومَوضُوعُهُ (¬3): فعلُ المُكَلَّف ثُبُوتًا أو سَلبًا (¬4).
¬
(¬1) هُم الجامعُونَ بَينَ الشَّريعة والطَّريقة المُوصلة إلى اللَّه تَعالى، والحَقيقة لُبُّ الشَّريعة. رد.
(¬2) قال الحَسَنُ: إنَّما الفَقيهُ الزّاهدُ في الدُّنيا، الرّاغبُ في الآخرة، البَصيرُ بدينه المُداومُ على عبادة رَبّه، الورعُ الكافُّ عن أَعراض المُسلمينَ، العَفيفُ عن أَموالهم، النّاصحُ لجَماعَتهم. رد.
(¬3) مَوضُوعُ كُلّ علمٍ ما يَبحَثُ فيه عن عَوارضه الذّاتيّة. قال في «البَحر»: وأَمّا مَوضُوعُهُ فَفعلُ المُكَلَّف من حَيثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ؛ لأَنَّهُ يَبحَثُ فيه عَمّا يَعرضُ لفعله من حلٍّ وحُرمة ووُجُوبٍ ونَدبٍ، والمُرادُ بالمُكَلَّف البالغُ العاقلُ، فَفعلُ غَير المُكَلَّف لَيسَ من مَوضُوعه، وضَمانُ المُتلَفات ونَفَقة الزَّوجات إنَّما المُخاطَبُ بها الوليُّ لا الصَّبيُّ والمَجنُونُ، كَما يُخاطَبُ صاحبُ البَهيمة بضَمان ما أَتلَفَتهُ حَيثُ فَرَّطَ في حفظها لتَنزيل فعلها في هَذه الحالة بمَنزلة فعله.
وأَمّا صحّة عبادة الصَّبيّ كَصَلاته وصَومه المُثاب عليها، فهيَ عَقليّة من باب رَبط الأَحكام بالأَسباب، ولذا لَم يَكُن مُخاطَبًا بها، بَل ليَعتادَها فَلا يَترُكُها بَعدَ بُلُوغه إن شاءَ الله تَعالى.
وقَيَّدنا بحَيثيّة التَّكليف؛ لأنّ فعلَ المُكَلَّف لا من حَيثُ التَّكليفُ لَيسَ مَوضُوعُهُ كَفعله من حَيثُ إنَّهُ مَخلُوقُ اللَّه تَعالى. اهـ. رد.
(¬4) أَي من حَيثُ ثُبُوتُ التَّكليف به كالواجب والحَرام، أو سَلبُهُ كالمَندُوب والمُباح. رد.
واستمدادُهُ: من الكتاب والسُّنّة والإجماع والقياس (¬1).
وغايَتُهُ: الفَوزُ بسَعادة الدّارَين (¬2).
وأَمّا فَضلُهُ: فَكَثيرٌ شَهيرٌ، ومنهُ ما في «الخُلاصة» وغَيرها النَّظَرُ في كُتُب أَصحابنا من غَير سَماعٍ (¬3) أَفضَلُ من قيام اللَّيل (¬4).
وتَعَلُّمُ الفقه (¬5) أَفضَلُ من تَعَلُّم باقي القُرآن، وجَميعُ الفقه لا بُدَّ منه.
¬
(¬1) وأَمّا شَريعة مَن قَبلَنا فَتابعة للكتاب، وأَمّا أَقوالُ الصَّحابة فَتابعة للسُّنّة، وأَمّا تَعامُلُ النّاس فَتابعٌ للإجماع، وأَمّا التَّحَرّي واستصحابُ الحال فَتابعان للقياس، «بَحرٌ». رد.
(¬2) أَي ثَمَرَتُهُ المُتَرَتّبة عليه سَعادة الدّارَين: دار الدُّنيا بنَقل نَفسه من حَضيض الجَهل إلى ذُروة العلم، وببَيان ما للنّاس وما عليهم لقَطع الخُصُومات ودارُ الآخرة بالنّعَم الفاخرة. رد.
(¬3) أَي من المُعَلّم، وإذا كانَ النَّظَرُ والمُطالَعة وهو دُونَ السَّماع أَفضَلُ من قيام اللَّيل فَما بالُك بالسَّماع. اهـ. «ح». وهذا إذا كانَ مَعَ الفَهم لما في فُصُول العَلاميّ: مَن له ذهنٌ يَفهَمُ الزّيادة: أَي على ما يَكفيه وقَدَرَ أَن يُصَلّيَ لَيلًا ويَنظُرَ في العلم نَهارًا، فَنَظَرُهُ في العلم نَهارًا ولَيلًا أَفضَلُ اهـ. رد.
(¬4) أَي بالصَّلاة ونَحوها، وإلّا فهو من قيام اللَّيل، وإنَّما كانَ أَفضَلَ؛ لأَنَّهُ من فُرُوض الكفاية إن كانَ زائدًا على ما يَحتاجُهُ، وإلّا فهو فَرضُ عين، رد.
(¬5) في «البَزّازيّة»: تَعَلَّمَ بَعضَ القُرآن ووجَدَ فَراغًا، فالأَفضَلُ الاشتغالُ بالفقه؛ لأنّ حفظَ القُرآن فَرضُ كفاية، وتَعَلُّمُ ما لا بُدَّ من الفقه فَرضُ عَينٍ. قال في «الخزانة»: وجَميعُ الفقه لا بُدَّ منه، قال في «المَناقب»: عَملَ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَن مائَتَي أَلفَ مَسأَلة في الحَلال والحَرام لا بُدَّ للنّاس من حفظها. اهـ.
وظاهرُ قَوله وجَميعُ الفقه لا بُدَّ منهُ أَنَّهُ كُله فَرضُ عَينٍ، لَكنَّ المُرادَ أَنَّهُ لا بُدَّ منهُ لمَجمُوع النّاس، فَلا يكون فَرضَ عَينٍ على كُلّ واحدٍ، وإنَّما يُفرَضُ عَينًا على كُلّ واحدٍ ما يَحتاجُهُ؛ لأنّ تَعَلُّمَ الرَّجُل مَسائلَ الحَيض، وتَعَلُّمَ الفَقير مَسائلَ الزَّكاة والحَجّ ونَحو ذلك فَرضُ كفاية إذا قامَ به البَعضُ سَقَطَ عن الباقينَ، ومثلُهُ حفظُ ما زادَ على ما يَكفيه للصَّلاة، نَعَم قَد يُقالُ: تَعَلُّمُ باقي الفقه أَفضَلُ من تَعَلُّم باقي القُرآن؛ لكَثرة حاجة العامّة إلَيه في عباداتهم ومُعامَلاتهم، وقلّة الفُقَهاء بالنّسبة إلى الحَفَظة، تأمَّل. رد.
وفي «المُلتَقَط» وغَيره: عن مُحَمَّدٍ: لا يَنبَغي للرَّجُل أَن يُعرَفَ (¬1) بالشّعر والنَّحو؛ لأنّ آخرَ أَمره إلى المَسأَلة (¬2) وتَعليم الصّبيان، ولا بالحساب؛ لأنّ آخرَ أَمره إلى مساحة الأَرَضينَ، ولا بالتَّفسير؛ لأنّ آخرَ أَمره إلى التَّذكير
¬
(¬1) أَي يُشتَهَرَ به، وفيه إشارة إلى أَنَّ المَطلُوبَ أَن يَعرفَ من ذلك ما يُعينُهُ على المَقصُود؛ لأنّ ما عَدا الفقه وسيلة إلَيه، فَلا يَنبَغي أَن يَصرفَ عُمُرَهُ في غَير الأَهَمّ، وما أَحسَنَ قَولَ ابن الورديّ:
والعُمُرُ عن تَحصيل كُلّ علمٍ ... يَقصُرُ فابدأ منهُ بالأَهَمّ
وذلك ... الفقهُ ... فإنَّ ... منهُ ... ما لا غنَى في كُلّ حالٍ عَنهُ. رد.
(¬2) أَي سُؤال النّاس بأَن يَمدَحَهُم بشعره فَيُعطُونَهُ دَفعًا لشَرّه وخَوفًا من هَجوه وهَجره، وقَولُهُ وتَعليمُ الصّبيان: أَي تَعليمُهُم النَّحو، وإنَّما خَصَّهُم لما اُشتُهرَ أَنَّ النَّحو علمُ الصّبيان إذ قَلَّما يَتَعَلَّمُهُ الكَبيرُ، وفي كَلامه لَفٌّ ونَشرٌ مُرَتَّبٌ. رد.
والقَصَص، بَل يكون علمُهُ في الحَلال والحَرام، وما لا بُدَّ منهُ من الأَحكام، كَما قيل:
إذا ما اعتَزَّ ذُو علمٍ بعلمٍ ... فَعلمُ الفقه أولَى باعتزاز
فَكَم طيبٍ يَفُوحُ ولا كَمسكٍ ... وكَم طَيرٍ يَطيرُ ولا كَبازي
وقَد مَدَحَهُ الله تَعالى بتَسميَته خَيرًا بقَوله تَعالى: {ومَن يُؤتَ الحكمة فَقَد أُوتيَ خَيرًا كَثيرًا} [البقرة: 269]، وقَد فَسَّرَ الحكمة زُمرة أَرباب التَّفسير بعلم الفُرُوع الَّذي هو علمُ الفقه ومن هُنا قيل:
وخَيرُ عُلُومٍ ... علمُ فقهٍ لأَنَّهُ ... يكون إلى كُلّ العُلُوم تَوسُّلا (¬1)
فإنَّ ... فَقيهًا (¬2) واحدًا مُتَورّعًا ... على أَلف ذي زُهدٍ (¬3) تَفَضَّلَ واعتَلَى
¬
(¬1) لأنّ الفقهَ المُثمرَ للتَّقوى والورَع يُوصَلُ به إلى غيره من العُلُوم النّافعة والمَنازل المُرتَفعة: {واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلّمُكُمُ الله} [البقرة: 282]، رد. فعن عبد الواحد بن زيد، قال: «من عمل بما علم فتح الله له ما لا يعلم» في حلية الأولياء6: 163.
(¬2) لأنّ العابدَ إذا لَم يَكُن فَقيهًا رُبَّما أَدخَلَ عليه الشَّيطانُ ما يُفسدُ عبادَتَهُ، وقَيَّدَ الفَقيهَ بالمُتَورّع إشارة إلى ثَمَرة الفقه الَّتي هي التَّقوى؛ إذ بدُونها يكون دُونَ العابد الجاهل حَيثُ استَولَى عليه الشَّيطانُ بالفعل.
قال في «الإحياء»: للورَع أَربَعُ مَراتبَ:
الأُولَى: ما يُشتَرَطُ في عَدالة الشَّهادة، وهو الاحترازُ عن الحَرام الظّاهر.
الثّانية: ورَعُ الصّالحينَ، وهو التَّوقّي من الشُّبُهات الَّتي تَتَقابَلُ فيها الاحتمالاتُ.
الثّالثة: ورَعُ المُتَّقينَ، وهو تَركُ الحَلال المَحض الَّذي يُخافُ منهُ أَداؤُهُ إلى الحَرام.
الرّابعة: ورَعُ الصّدّيقينَ، وهو الإعراضُ عَمّا سوى اللَّه تَعالى اهـ مُلَخَّصًا. رد.
(¬3) الزُّهدُ في اللُّغة: تَركُ المَيل إلى الشَّيء. وفي اصطلاح أَهل الحَقيقة: هو بُغضُ الدُّنيا والإعراضُ عَنها. وقيل: هو تَركُ راحة الدُّنيا طَلَبًا لراحة الآخرة. وقيل: هو أَن يَخلُو قَلبُك ممّا خَلَت منهُ يَدُك، اهـ، سَيّدٌ. رد.
وهُما مأخُوذان ممّا قيل (¬1) للإمام مُحَمَّدٍ الفَقيه:
تَفَقَّه فإنَّ الفقهَ أَفضَلُ قائدٍ ... إلى البرّ والتَّقوى (¬2) وأَعدَلُ قاصد
وكُن مُستَفيدًا كُلَّ يَومٍ زيادة ... من الفقه واسبَح في بُحُور الفَوائد
فإنَّ فَقيهًا ... واحدًا ... مُتَورّعًا ... أَشَدُّ على الشَّيطان من أَلف عابد (¬3)
ومن كَلام عَليٍّ (¬4) - رضي الله عنه -:
¬
(¬1) يَحتَملُ أَنَّ المُرادَ ممّا نُسِبَ أو ممّا أَنشَدَ، فَعلى الأَول تَكُونُ الأَبياتُ للإمام مُحَمَّدٍ، وعلى الثّاني لغَيره أَنشَدَها له بَعضُ أَشياخه. رد.
(¬2) التَّقوى قال السَّيّدُ: هي في اللُّغة بمَعنَى الاتّقاء، وهو اتّخاذُ الوقاية. وعند أَهل الحَقيقة: الاحترازُ بطاعة اللَّه تَعالى عن عُقُوبَته، وهو صيانةُ النَّفس عَمّا تَستَحقُّ به العُقُوبة من فعلٍ أو تَركٍ. رد.
(¬3) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: قال - صلى الله عليه وسلم -: «فقيه أشد على الشيطان من ألف عابد» في سنن الترمذي5: 48، وقال: غريب، وسنن ابن ماجة1: 81، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين، ولفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكلّ شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه» في المعجم الأوسط6: 194، وسنن الدارقطني4: 55.
(¬4) عَزا هَذه الأَبيات له في الإحياء أَيضًا. قال بَعضُهُم: وهيَ ثابتة في ديوانه المَنسُوب إلَيه، وأَولُها:
النّاسُ من ... جهة التّمثال أَكفاءُ ... أَبُوهُمُو ... آدَم ... والأُمُّ ... حَواءُ
وإنَّما ... أُمَّهاتُ ... النّاس ... أوعية ... مُستَودَعاتٌ وللأَحساب آباءُ
إن لَم يَكُن لهمُو من أَصلهم شَرَفٌ ... يُفاخرُونَ ... به ... فالطّينُ ... والماءُ
وإن ... أَتَيت بفَخرٍ من ذَوي نَسَبٍ ... فإنَّ ... نسبَتَنا ... جُودٌ ... وعَلياءُ. رد.
ما الفَضلُ إلّا لأَهل العلم أَنَّهُم ... على الهُدَى لمَن استَهدَى أَدلّاءُ
ووزنُ (¬1) كُلّ امرئٍ ما كانَ يُحسنُهُ ... والجاهلُونَ (¬2) لأَهل العلم أَعداءُ
فَفُز بعلمٍ ... ولا ... تَجهَل ... به أَبَدًا ... النّاسُ مَوتَى (¬3) وأَهلُ العلم أَحياءُ
¬
(¬1) أَي قَدرُ كُلّ امرئٍ: أَي حُسنُهُ بما كانَ يُحسنُهُ أَفادَهُ البَيضاويُّ، فَقَدرُ الصّانع على مقدار صَنعَته. ومَن أَحسَنَ عُلُومَ الآداب فَقَدرُهُ على قَدرها. ومَن أَحسَنَ علمَ الفقه فَقَدرُهُ عَظيمٌ لعظَمه. فالحاصلُ أَنَّ مَن أَحسَنَ شَيئًا فَمَقامُهُ على قَدره اهـ «ط». رد.
(¬2) أَي بالعلم الشَّرعي،. فَيَشمَلُ العالَمينَ بغَيره، بَل هُم أَشَدُّ عَداوةً لعُلَماء الدّين من العَوام قال ط: وسَبَبُ العَداوة من الجاهل عَدَمُ مَعرفة الحَقّ إذا أَفتَى عليه أو رأى منه ما يُخالفُ رأيَهُ ورُؤية إقبال النّاس عليه. رد.
(¬3) أَي حُكمًا لعَدَم النَّفع: كالأَرض المَيّتة الَّتي لا تَنبُتُ، قال تَعالى: {أَومَن كانَ مَيتًا فاحيَيناهُ} [الأنعام: 122]: أَي جاهلًا فَعَلَّمناهُ، {وجَعَلنا له نُورًا يَمشي به في النّاس} [الأنعام: 122]، وهو العلمُ، {كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُمات} [الأنعام: 122]، وهو الجاهلُ الغارقُ في ظُلُمات الجَهل أو مَوتَى القُلُوب.
قال في «الإحياء»: وقال فَتحٌ المُوصليُّ: المَريضُ إذا مُنعَ الطَّعامَ والشَّرابَ والدَّواءَ أَلَيسَ يَمُوتُ؟ قالُوا: بَلَى، قال: كَذلك القَلبُ إذا مُنعَ عنه الحكمة والعلمُ ثَلاثة أَيّامٍ يَمُوتُ، ولَقَد صَدَقَ، فإنَّ غذاءَ القَلب العلمُ والحكمة، وبه حَياتُهُ، كَما أَنَّ غذاءَ الجَسَد الطَّعامُ. ومَن فَقَدَ العلمَ فَقَلبُهُ مَريضٌ ومَوتُهُ لازمٌ ... إلَخ.
قال الشّاعرُ:
أَخُو العلم ... حَيٌّ ... خالدٌ ... بَعدَ مَوته ... وأوصالُهُ تَحتَ التُّراب رَميمُ
وذُو الجَهل مَيتٌ وهو ماشٍ على الثَّرَى ... يُظَنُّ من الأَحياء وهو عَديمُ. رد.
وقَد قيل: العلمُ وسيلةُ إلى كُلّ فَضيلة، العلمُ يَرفَعُ المَملُوكَ (¬1) إلى مَجالس المُلُوك، لولا العُلَماءُ لَهَلَكَ الأُمَراءُ.
وإنَّما العلمُ ... لأَربابه ... ولاية ... لَيسَ ... لَها عَزلُ (¬2)
¬
(¬1) قال في «الإحياء»: وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الحكمة تَزيدُ الشَّريفَ شَرَفًا، وتَرفَعُ المَملُوكَ حَتَّى تُجلسَهُ مَجالسَ المُلُوك» [في حلية الأولياء6: 173، وأصله في مسند القضاعي2: 105]، وقَد نَبَّهَ بهذا على ثَمَرَته في الدُّنيا، ومَعلُومٌ أَنَّ الآخرةَ خَيرٌ وأَبقَى. اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ عن سالم بن أَبي الجَعد قال: اشتَراني مَولايَ بثَلَثمائة درهَمٍ فاعتَقَني، فَقُلت: بأَيّ حرفة أَحتَرفُ؟ فاحتَرَفت بالعلم، فَما تَمَّت لي سَنة حَتَّى أَتاني أَميرُ المَدينة زائرًا فَلَم آذَن له. رد.
(¬2) وإنَّما لَم يُعزَل صاحبُهُ؛ لأَنَّهُ ولاية إلَهيّة لا سَبيلَ للعباد إلى عَزله منها، والمُعتَمَدُ أَنَّ أُولي الأَمر في قَوله تَعالى: {أَطيعُوا اللَّهَ وأَطيعُوا الرَّسُولَ وأُولي الأَمر منكُم} [النساء: 59]، هُم العُلَماءُ، وفي «الإحياء»: قال أَبُو الأَسود: لَيسَ شَيءٌ أَعَزُّ من العلم، المُلُوكُ حُكّامٌ على النّاس، والعُلَماءُ حُكّامٌ على المُلُوك، اهـ. وفي مَعناهُ قَولُ الشّاعر:
إنَّ المُلُوكَ لَيَحكُمُونَ على الورَى ... وعلى المُلُوك لَتَحكُمُ العُلَماءُ. رد.
إنَّ الأَميرَ (¬1) هو الَّذي ... يَضحَى أَميرًا عند عَزله
إن زالَ سُلطانُ الولا ... ية كانَ في سُلطان فَضله
واعلَم أَنَّ تَعَلُّمَ العلم (¬2) يكون فَرضَ عَينٍ، وهو بقَدر ما يَحتاجُ لدينه.
¬
(¬1) يَعني أَنَّ الأَميرَ الكاملَ لَيسَ هو مَن إذا عُزلَ صارَ من آحاد الرَّعيّة، بَل هو الَّذي إذا عُزلَ من إمارة الولاية يَبقَى مُتَّصفًا بإمارة الفَضل والعلم. رد.
(¬2) أَي العلمُ المُوصلُ إلى الآخرة أو الأَعَمُّ منهُ. قال العَلاميُّ في «فُصُوله»: من فَرائض الإسلام تَعَلُّمُهُ ما يَحتاجُ إلَيه العَبدُ في إقامة دينه وإخلاص عَمَله للَّه تَعالى ومُعاشَرة عباده.
وفَرضٌ على كُلّ مُكَلَّفٍ ومُكَلَّفة بَعدَ تَعَلُّمه علمَ الدّين والهداية تَعَلُّمُ علم الوُضُوء والغُسل والصَّلاة والصَّوم، وعلم الزَّكاة لمَن له نصابٌ، والحَجّ لمَن وجَبَ عليه، والبُيُوع على التُّجّار؛ ليَحتَرزُوا عن الشُّبُهات والمَكرُوهات في سائر المُعامَلات.
وكذا أَهلُ الحرَف، وكُلُّ مَن اشتَغَلَ بشَيءٍ يُفرَضُ عليه علمُهُ وحُكمُهُ؛ ليَمتَنعَ عن الحَرام فيه. اهـ.
مَطلَبٌ في فَرض الكفاية وفَرض العَين:
وفي «تَبيين المَحارم»: لا شَكَّ في فَرضيّة علم الفَرائض الخَمس، وعلم الإخلاص؛ لأنّ صحّةَ العَمَل مَوقُوفةٌ عليه، وعلم الحَلال والحَرام وعلم الرّياء؛ لأنّ العابدَ مَحرُومٌ من ثَواب عَمَله بالرّياء، وعلم الحَسَد والعُجب إذ هُما يأكُلان العَمَلَ، كما تأكُلُ النّارُ الحَطَبَ، وعلم البَيع والشّراء والنّكاح والطَّلاق لمَن أَرادَ الدُّخُولَ في هَذه الأَشياء.
وعلم الأَلفاظ المُحَرَّمة أو المُكَفّرة، ولَعَمري هذا من أَهَمّ المُهمّات في هذا الزَّمان؛ لأَنَّك تَسمَعُ كَثيرًا من العَوام يَتَكَلَّمُونَ بما يُكَفّرُ، وهُم عَنها غافلُونَ، والاحتياطُ أَن يُجَدّدَ الجاهلُ إيمانَهُ كُلَّ يَومٍ ويُجَدّدَ نكاحَ امرأته عند شاهدَين في كُلّ شَهرٍ مَرّة أو مَرَّتَين؛ إذ الخَطأ وإن لَم يَصدُر من الرَّجُل فهو من النّساء كَثيرٌ. رد.
وفَرضَ كفاية (¬1)، وهو ما زادَ عليه (¬2) لنَفع غَيره.
¬
(¬1) عَرَّفَهُ في «شَرح التَّحرير» بالمُتَحَتّم المَقصُودُ حُصُولُهُ من غَير نَظَرٍ بالذّات إلى فاعله. قال: فَيَتَناولُ ما هو دينيٌّ كَصَلاة الجنازة، ودُنيَويٌّ كالصَّنائع المُحتاج إلَيها، وخَرَجَ المَسنُونُ؛ لأَنَّهُ غَيرُ مُتَحَتّمٍ، وفَرضُ العَين لأَنَّهُ مَنظُورٌ بالذّات إلى فاعله. اهـ.
قال في «تَبيين المَحارم»: وأَمّا فَرضُ الكفاية من العلم، فهو كُلُّ علمٍ لا يُستَغنَى عنه في قوام أُمُور الدُّنيا كالطّبّ والحساب والنَّحو واللُّغة والكَلام والقراءات وأَسانيد الحَديث وقسمة الوصايا والمَواريث والكتابة والمَعاني والبَديع والبَيان والأُصُول ومَعرفة النّاسخ والمَنسُوخ والعامّ والخاصّ والنَّصّ والظّاهر وكُلُّ هَذه آلة لعلم التَّفسير والحَديث، وكذا علمُ الآثار والأَخبار والعلمُ بالرّجال وأَساميهم وأَسامي الصَّحابة وصفاتهم، والعلمُ بالعَدالة في الرّواية، والعلمُ بأَحوالهم لتَمييز الضَّعيف من القَويّ، والعلم بأَعمارهم وأُصُول الصّناعات والفلاحة كالحياكة والسّياسة والحجامة. اهـ. رد.
(¬2) أَي على قَدرٍ يَحتاجُهُ لدينه في الحال.
مَطلَبُ فَرض العَين أَفضَلُ من فَرض الكفاية:
تَنبيهٌ: فَرضُ العَين أَفضَلُ من فَرض الكفاية؛ لأَنَّهُ مَفرُوضٌ حَقًّا للنَّفس، فهو أَهَمُّ عندها وأَكثَرُ مَشَقّة، بخلاف فَرض الكفاية فإنَّهُ مَفرُوضٌ حَقًّا للكافّة، والكافرُ من جُملَتهم، والأَمرُ إذا عَمَّ خَفَّ، وإذا خَصَّ ثَقُلَ.
وقيل: فَرضُ الكفاية أَفضَلُ؛ لأنّ فعله مُسقطٌ للحَرَج عن الأُمّة بأَسرها، وبتَركه يَعصي المُتَمَكّنُونَ منه كُلُّهُم، ولا شَكَّ في عظَم وقع ما هذه صفَتُهُ. اهـ. طَواقيٌّ، ونَقَلَ «ط» أَنَّ المُعتَمَدَ الأَولُ. رد.
ومَندُوبًا، وهو التَّبَحُّرُ في الفقه (¬1) وعلم القَلب (¬2).
وحَرامًا، وهو علمُ الفَلسَفة (¬3) والشَّعبَذة (¬4) والتَّنجيم (¬5)، والرَّمل (¬6)، وعُلُوم الطَّبائعيّينَ (¬7) والسّحر (¬8)، والكهانة (¬9)، ودَخَلَ في الفَلسَفة المَنطقُ (¬10)، ومن هذا القسم علمُ الحَرف (¬11)، وعلمُ المُوسيقِي (¬12).
¬
(¬1) أَي التَّوسُّعُ فيه والاطّلاعُ على غَوامضه، وكذا غَيرُهُ من العُلُوم الشَّرعيّة وآلاتها. رد.
(¬2) أَي علم الأَخلاق، وهو علمٌ يُعرَفُ به أَنواعُ الفَضائل وكَيفيّة اكتسابها وأَنواعُ الرَّذائل وكَيفيّة اجتنابها. اهـ. «ح» وهو مَعطُوفٌ على الفقه لا على التَّبَحُّر؛ لما عَلمت من أَنَّ علمَ الإخلاص والعُجب والحَسَد والرّياء فَرضُ عَينٍ، ومثلُها غَيرُها من آفات النُّفُوس: كالكبر والشُّحّ والحقد والغشّ والغَضَب والعَداوة والبَغضاء والطَّمَع والبُخل والبَطَر والخُيَلاء والخيانة والمُداهَنة والاستكبار عن الحَقّ والمَكر والمُخادَعة والقَسوة وطُول الأَمَل ونَحوها ممّا هو مُبَيَّنٌ في رُبُع المُهلكات من «الإحياء».
قال فيه: ولا يَنفَكُّ عَنها بَشَرٌ، فَيَلزَمُهُ أَن يَتَعَلَّمَ منها ما يَرَى نَفسَهُ مُحتاجًا إلَيه، وإزالَتُها فَرضُ عَينٍ، ولا يُمكنُ إلّا بمَعرفة حُدُودها وأَسبابها وعَلاماتها وعلاجها، فإنَّ مَن لا يَعرفُ الشَّرَّ يَقَعُ فيه. رد.
(¬3) هو لَفظٌ يُونانيٌّ، وتَعريبُهُ الحكَمُ المُمَوهة: أَي مُزَيَّنة الظّاهر فاسدة الباطن، كالقَول بقدَم العالَم وغَيره من المُكَفّرات والمُحَرَّمات، «ط». وذَكَرَ في «الإحياء» أَنَّها لَيسَت علمًا برأسها، بَل هي أَربَعة أَجزاءٍ:
أَحَدُها: الهَندَسة والحسابُ، وهُما مُباحان، ولا يُمنَعُ منهُما إلّا مَن يُخافُ عليه أَن يَتَجاوزَهُما إلى عُلُومٍ مَذمُومة.
والثّاني: المَنطقُ، وهو بَحثٌ عن وجه الدَّليل وشُرُوطه ووجه الحَدّ وشُرُوطه، وهُما داخلان في علم الكَلام.
والثّالثُ: الإلَهيّاتُ، وهو بَحثٌ عن ذات اللَّه تَعالى وصفاته، انفَرَدُوا فيه بمَذاهبَ بَعضُها كُفرٌ وبَعضُها بدعة.
والرّابعُ: الطَّبيعيّاتُ، وبَعضُها مُخالفٌ للشَّرع، وبَعضُها بَحثٌ عن صفات الأَجسام وخَواصّها وكَيفيّة استحالَتها وتَغَيُّرها، وهو شَبيهٌ بنَظَر الأَطبّاء، إلّا أَنَّ الطَّبيبَ يَنظُرُ في بَدَن الإنسان على الخُصُوص من حَيثُ يَمرَضُ ويَصحُّ، وهُم يَنظُرُونَ في جَميع الأَجسام من حَيثُ تَتَغَيَّرُ وتَتَحَرَّكُ، ولَكن للطّبّ فَضلٌ عليه؛ لأَنَّهُ مُحتاجٌ إلَيه. وأَمّا عُلُومُهُم في الطَّبيعيّات فَلا حاجة إلَيها اهـ.
(¬4) الصَّوابُ الشَّعوذة، وهيَ كَما في «القامُوس» خفّة في اليَد: كالسّحر تَرَى الشَّيءَ بغَير ما عليه أَصلُهُ. اهـ. «حَمَويٌّ»، لَكن في «المصباح» شَعوذَ الرَّجُلُ شَعوذة، ومنهُم مَن قال: شَعبَذَ شَعبَذة، وهيَ لَعبٌ يَرَى الإنسانُ منها ما لَيسَ له حَقيقة كالسّحر. اهـ. ابنُ عَبد الرَّزّاق.
وأَفتَى العَلّامة ابنُ حَجَرٍ في أَهل الحَقّ في الطُّرُقات الَّذينَ لهم أَشياءُ غَريبة كَقَطع رأس إنسانٍ وإعادَته وجَعل نَحو دَراهمَ من التُّراب وغَير ذلك بأَنَّهُم في مَعنَى السَّحَرة إن لَم يكونوا منهُم، فَلا يَجُوزُ لهم ذلك، ولا لأَحَدٍ أَن يَقفَ عليهم، ثُمَّ نُقلَ عن «المُدَونة» من كُتُب المالكيّة: أَنَّ الَّذي يَقطَعُ يَدَ الرَّجُل أو يُدخلُ السّكّينَ في جَوفه إن كانَ سحرًا قُتلَ وإلّا عُوقبَ. رد.
(¬5) مَطلَبٌ في التَّنجيم والرَّمل:
والتنجيم: هو علمٌ يُعرَفُ به الاستدلال بالتَّشَكُّلات الفَلَكيّة على الحَوادث السُّفليّة. اهـ. ح. وفي «مُختارات النَّوازل» لصاحب الهداية: أَنَّ علمَ النُّجُوم في نَفسه حَسَنٌ غَيرُ مَذمُومٍ؛ إذ هو قسمان:
1.حسابيٌّ، وإنَّهُ حَقٌّ، وقَد نَطَقَ به الكتابُ، قال الله تَعالى: {الشَّمسُ والقَمَرُ بحُسبانٍ} [الرحمن: 5]: أَي سَيرُهُما بحسابٍ.
2.واستدلاليٌّ بسَير النُّجُوم وحَرَكة الأَفلاك على الحَوادث بقَضاء اللَّه تَعالى وقَدره، وهو جائزٌ كاستدلال الطَّبيب بالنَّبض من الصّحّة والمَرَض، ولو لَم يَعتَقد بقَضاء اللَّه تَعالى أو ادَّعَى الغَيبَ بنَفسه يَكفُرُ، ثُمَّ تَعَلُّمُ مقدار ما يُعرَفُ به مَواقيتُ الصَّلاة والقبلة لا بأسَ به. اهـ.
وأَفادَ أَنَّ تَعَلُّمَ الزّائد على هذا المقدار فيه بأسٌ، بَل صَرَّحَ في «الفُصُول» بحُرمَته، وهو ما مَشَى عليه الشّارحُ.
والظّاهرُ أَنَّ المُرادَ به القسمُ الثّاني دُونَ الأَول؛ ولذا قال في «الإحياء»: إنَّ علمَ النُّجُوم في نَفسه غَيرُ مَذمُومٍ لذاته؛ إذ هو قسمان ... إلَخ، ثُمَّ قال: ولَكنَّهُ مَذمُومٌ في الشَّرع. وقال عُمَرُ: تَعَلَّمُوا من النُّجُوم ما تَهتَدُوا به في البَرّ والبَحر ثُمَّ أمسكُوا، وإنَّما زَجَرَ عنه من ثَلاثة أوجُهٍ:
أَحَدُها: أَنَّهُ مُضرٌّ بأَكثَر الخَلق، فإنَّهُ إذا أَلقَى إلَيهم أَنَّ هَذه الآثارَ تَحدُثُ عَقيبَ سَير الكَواكب وقَعَ في نُفُوسهم أَنَّها المُؤَثّرة.
وثانيها: أَنَّ أَحكامَ النُّجُوم تَخمينٌ مَحضٌ، ولقد كانَ مُعجزة لإدريسَ - عليه السلام - فيما يُحكَى، وقَد اندَرَسَ.
وثالثُها: أَنَّهُ لا فائدة فيه، فإنَّ ما قُدّرَ كائنٌ، والاحترازُ منهُ غَيرُ مُمكنٍ، اهـ، مُلَخَّصًا. رد.
(¬6) هو علمٌ بضُرُوب أَشكالٍ من الخُطُوط والنُّقَط بقَواعدَ مَعلُومة تَخرُجُ حُرُوفًا تُجمَعُ، ويُستَخرَجُ جُملة دالّة على عَواقب الأُمُور، وقَد عَلمت أَنَّهُ حَرامٌ قَطعًا، وأَصلُهُ لإدريسَ - عليه السلام -، «ط»: أَي فهو شَريعة مَنسُوخة.
وفي «فَتاوى ابن حَجَرٍ»: أَنَّ تَعَلُّمَهُ وتَعليمَهُ حَرامٌ شَديدُ التَّحريم؛ لما فيه من إيهام العَوام أَنَّ فاعله يُشاركُ اللَّهَ تَعالى في غَيبه. رد.
(¬7) العلمُ الطَّبيعيُّ: علمٌ يُبحَثُ فيه عن أَحوال الجسم المَحسُوس من حَيثُ هو مُعَرَّضٌ للتَّغَيُّر في الأَحوال والثَّبات فيها. اهـ. «ح». وفي «فَتاوى ابن حَجَرٍ»: ما كانَ منهُ على طَريق الفَلاسفة حَرامٌ؛ لأَنَّهُ يُؤَدّي إلى مَفاسدَ كاعتقاد قدَم العالَم ونَحوه، وحُرمَته مُشابَهة لحُرمة التَّنجيم من حَيثُ إفضاءُ كُلٍّ إلى المَفسَدة. رد.
(¬8) هو علمٌ يُستَفادُ منهُ حُصُولُ مَلَكة نَفسانيّة يُقتَدَرُ بها على أَفعالٍ غَريبة لأَسبابٍ خَفيّة. اهـ. «ح». وفي «حاشية الإيضاح» لبيريٍّ زادَه: قال الشُّمُنّيُّ: تَعَلُّمُهُ وتَعليمُهُ حَرامٌ.
أَقُولُ: مُقتَضَى الإطلاق ولو تَعَلَّمَ لدَفع الضَّرَر عن المُسلمينَ، وفي «شَرح الزَّعفَرانيّ»: السّحرُ حَقٌّ عندنا وُجُودُهُ وتَصَوُّرُهُ وأَثَرُهُ. وفي «ذَخيرة النّاظر»: تَعَلُّمُهُ فَرضٌ لرَدّ ساحر أَهل الحَرب، وحَرامٌ ليُفَرَّقَ به بَينَ المَرأة وزَوجها، وجائزٌ ليُوفّقَ بَينَهُما. اهـ. ابنُ عَبد الرَّزّاق. قال «ط»: بَعدَ نَقله عن بَعضهم عن «المُحيط»، وفيه: أَنَّهُ ورَدَ في الحَديث النَّهيُ عن التُّولة بوزن عنَبة: وهيَ ما يُفعَلُ ليُحَبّبَ المَرأة إلى زَوجها. اهـ.
أَقُولُ: بَل نَصَّ على حُرمَتها في «الخانيّة»، وعَلَّله ابنُ وهبانَ بأَنَّهُ ضَربٌ من السّحر. قال ابنُ الشّحنة: ومُقتَضاهُ أَنَّهُ لَيسَ مُجَرَّدَ كتابة آياتٍ، بَل فيه شَيءٌ زائدٌ، اهـ، وسَيأتي تَمامُهُ قُبَيلَ إحياء المَوات إن شاءَ الله تَعالى. وذَكَرَ في «فَتح القَدير»: أَنَّهُ لا تُقبَلُ تَوبة السّاحر والزّنديق في ظاهر المَذهَب، فَيَجبُ قَتلُ السّاحر، ولا يُستَتابُ بسَعيه بالفَساد لا بمُجَرَّد علمه إذا لَم يَكُن في اعتقاده ما يُوجبُ كُفرَهُ، اهـ.
وذُكرَ في «تَبيين المَحارم» عن الإمام أَبي مَنصُورٍ: أَنَّ القَولَ بأَنَّ السّحرَ كُفرٌ على الإطلاق خَطأ، ويَجبُ البَحثُ عن حَقيقَته، فإن كانَ في ذلك رَدُّ ما لَزمَ في شَرط الإيمان فهو كُفرٌ، وإلّا فَلا. اهـ.
أَقُولُ: وقَد ذَكَرَ الإمامُ القَرافيُّ المالكيُّ: الفَرقَ بَينَ ما هو سحرٌ يَكفُرُ به وبَينَ غَيره، وأَطالَ في ذلك بما يَلزَمُ مُراجَعَتُهُ من أَواخر «شَرح اللَّقانيّ الكَبير على الجَوهَرة». ومن كتاب «الإعلام في قَواطع الإسلام» للعَلّامة ابن حَجَرٍ.
مَطلَبُ السّحر أَنواعٌ:
وحاصلُهُ أَنَّ السّحرَ اسمُ جنسٍ لثَلاثة أَنواعٍ:
الأَولُ: السّيمياءُ: وهيَ ما يُرَكَّبُ من خَواصَّ أَرضيّة كَدُهنٍ خاصٍّ أو كَلماتٍ خاصّة تُوجبُ إدراكَ الحَواسّ الخَمس أو بَعضها بما له وُجُودٌ حَقيقيٌّ، أو بما هو تَخَيُّلٌ صرفٌ من مأكُولٍ أو مَشمُومٍ أو غَيرهما.
الثّاني: الهيمياءُ: وهيَ ما يُوجبُ ذلك مُضافًا لآثارٍ سَماويّة لا أَرضيّة.
الثّالثُ: بَعضُ خَواصّ الحَقائق، كَما يُؤخَذُ سَبعُ أَحجارٍ يُرمَى بها نَوعٌ من الكلاب إذا رَمَى بحَجَرٍ عَضَّهُ، فإذا عَضَّها الكَلبُ وطُرحَت في ماءٍ، فَمَن شَربَهُ ظَهَرَت عليه آثارٌ خاصّة، فَهَذه أَنواعُ السّحر الثَّلاثة، قَد تَقَعُ بما هو كُفرٌ من لَفظٍ أو اعتقادٍ أو فعلٍ، وقَد تَقَعُ بغَيره كَوضع الأَحجار.
وللسّحر فُصُولٌ كَثيرة في كُتُبهم، فَلَيسَ كُلُّ ما يُسَمَّى سحرًا كُفرًا؛ إذ لَيسَ التَّكفيرُ به لما يَتَرَتَّبُ عليه من الضَّرَر، بَل لما يَقَعُ به ممّا هو كُفرٌ كاعتقاد انفراد الكَواكب: بالرُّبُوبيّة أو إهانة قُرآنٍ أو كَلامٍ مُكَفّرٍ ونَحو ذلك اهـ مُلَخَّصًا.
وهذا مُوافقٌ لكَلام إمام الهُدَى أَبي مَنصُورٍ الماتُريديّ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَلزَمُ من عَدَم كُفره مُطلَقًا عَدَمُ قَتله؛ لأنّ قَتله بسَبَب سَعيه بالفَساد، كَما مَرَّ. فإذا ثَبَتَ إضرارُهُ بسحره ولو بغَير مُكَفّرٍ: يُقتَلُ دَفعًا لشَرّه كالخُنّاق وقُطّاع الطَّريق. رد.
(¬9) مَطلَبٌ في الكهانة:
الكهانة: وهيَ تَعاطي الخَبَر عن الكائنات في المُستَقبَل وادّعاءُ مَعرفة الأَسرار. قال في «نهاية الحَديث»: وقَد كانَ في العَرَب كَهَنة كَشقٍّ وسَطيحٍ.
فَمنهُم: مَن كانَ يَزعُمُ أَنَّ له تابعًا يُلقي إلَيه الأَخبارَ عن الكائنات.
ومنهُم: أَنَّهُ يَعرفُ الأُمُورَ بمُقَدّماتٍ يُستَدَلُّ بها على مُوافقها من كَلام مَن يَسأَلُهُ أو حاله أو فعله، وهذا يَخُصُّونَهُ باسم العَرّاف كالمُدَّعي مَعرفة المَسرُوق ونَحوه، وحَديثُ: «مَن أَتَى كاهنًا» يَشمَلُ العَرّافَ والمُنَجّمَ، والعَرَبُ تُسَمّي كُلَّ مَن يَتَعاطَى علمًا دَقيقًا كاهنًا.
ومنهُم: مَن يُسَمّي المُنَجّمَ والطَّبيبَ كاهنًا اهـ ابنُ عَبد الرَّزّاق. رد.
(¬10) لأَنَّهُ الجُزءُ الثّاني منها، والمُرادُ به المَذكُورُ في كُتُبهم للاستدلال على مَذاهبهم الباطلة.
أَمّا مَنطقُ الإسلاميّينَ الَّذي مُقَدّماتُهُ قَواعدُ إسلاميّة، فَلا وجهَ للقَول بحُرمَته، بَل سَمّاهُ الغَزاليُّ معيارَ العُلُوم، وقَد أَلَّفَ فيه عُلَماءُ الإسلام، ومنهُم: المُحَقّقُ ابنُ الهُمام، فإنَّهُ أَتَى منهُ ببَيان مُعظَم مَطالبه في مُقَدّمة كتابه «التَّحرير» الأُصُوليّ. رد.
(¬11) يَحتَملُ أَنَّ المُرادَ به الكافُ الَّذي هو إشارة إلى الكيمياء، ولا شَكَّ في حُرمَتها؛ لما فيها من ضَياع المال، والاشتغال بما لا يُفيدُ.
ويَحتَملُ أَنَّ المُرادَ به جَمعُ حُرُوفٍ يَخرُجُ منها دَلالة على حَرَكاتٍ.
ويَحتَملُ أَنَّ المُرادَ علمُ أَسرار الحُرُوف بأوفاق الاستخدام وغَير ذلك. اهـ. «ط».
ويَحتَملُ أَنَّ المُرادَ الطَّلسَماتُ، وهيَ كَما في «شَرح اللَّقانيّ» نَقشُ أَسماءٍ خاصّة لَها تَعَلُّقٌ بالأَفلاك والكَواكب على زَعم أَهل هذا العلم في أَجسامٍ من المَعادن أو غَيرها تَحدُثُ لَها خاصّة رُبطَت بها في مَجاري العادات. اهـ.
هذا وقَد ذَكَرَ العَلّامة ابنُ حَجَرٍ في باب الأَنجاس من «التُّحفة»: أَنَّهُ اُختُلفَ في انقلاب الشَّيء عن حَقيقَته كالنُّحاس إلى الذَّهَب هَل هو ثابتٌ؟ فَقيل: نَعَم؛ لانقلاب العَصا ثُعبانًا حَقيقة، وإلّا لَبَطَلَ الإعجازُ.
وقيل: لا؛ لأنّ قَلبَ الحَقائق مُحالٌ.
والحَقُّ الأَولُ إلى أَن قال: تَنبيهٌ، كَثيرًا ما يُسأَلُ عن علم الكيمياء وتَعَلُّمُهُ هَل يَحلُّ أو لا، ولَم نَرَ لأَحَدٍ كَلامًا في ذلك، واَلَّذي يَظهَرُ أَنَّهُ يَنبَني على هذا الخلاف، فَعلى الأَول مَن عَلَّمَ العلمَ المُوصلَ لذلك القَلب علمًا يَقينيًّا جازَ له علمُهُ وتَعليمُهُ؛ إذ لا مَحذُورَ فيه بوجهٍ، وإن قُلنا بالثّاني أو لَم يَعلَم الإنسانُ ذلك العلمَ اليَقينيَّ، وكانَ ذلك وسيلةً إلى الغشّ، فالوجهُ الحُرمة، اهـ مُلَخَّصًا.
وحاصلُهُ: أَنَّهُ إذا قُلنا بإثبات قَلب الحَقائق، وهو الحَقُّ جازَ العَمَلُ به وتَعَلُّمُهُ؛ لأَنَّهُ لَيسَ بغشٍّ؛ لأنّ النُّحاسَ يَنقَلبُ ذَهَبًا أو فضّة حَقيقة.
وإن قُلنا: إنَّهُ غَيرُ ثابتٍ لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ غشٌّ كَما لا يَجُوزُ لمَن لا يَعلَمُهُ حَقيقة لما فيه من إتلاف المال أو غشّ المُسلمينَ، والظّاهرُ أَنَّ مَذهَبَنا ثُبُوتُ انقلاب الحَقائق بدَليل ما ذَكَرُوهُ في انقلاب عَين النَّجاسة: كانقلاب الخَمر خَلًّا والدَّم مسكًا ونَحو ذلك، واَلله أَعلَمُ.
(¬12) وهو علمٌ رياضيٌّ يُعرَفُ منه أَحوالُ النَّغَم والإيقاعات، وكَيفيّة تأليف اللُّحُون، وإيجادُ الآلات.
ومَوضُوعُهُ: الصَّوتُ من جهة تأثيره في النُّفُوس باعتبار نظامه في طَبَقَته وزَمانه.
وثَمَرَتُهُ: بَسطُ الأَرواح وتَعديلُها وتَفويتُها وقَبضُها أَيضًا. رد.
ومَكرُوهًا: وهو أَشعارُ المُولَّدينَ (¬1) من الغَزَل (¬2) والبَطالة.
¬
(¬1) مَطلَبٌ في الكَلام على إنشاد الشّعر:
أَي الشُّعَراء الَّذينَ حَدَثُوا بَعدَ شُعَراء العَرَب، قال في «القامُوس»: المُولَّدة المُحدَثة من كُلّ شَيءٍ، ومن الشُّعَراء لحُدُوثهم.
وفي آخر «الرَّيحانة» للشّهاب الخَفاجيّ: بُلَغاءُ العَرَب في الشّعر والخُطَب على ستّ طَبَقاتٍ:
الجاهليّة الأُولَى: من عادٍ وقَحطانَ.
والمُخَضرَمُونَ: وهُم مَن أَدرَكَ الجاهليّة والإسلامَ.
والإسلاميُّونَ والمُولَّدُونَ والمُحدَثُونَ والمُتأخّرُونَ ومَن أُلحقَ بهم من العَصريّينَ، والثَّلاثة الأُولُ هُم ما هُم في البَلاغة والجَزالة.
ومَعرفة شعرهم رواية ودراية عند فُقَهاء الإسلام فَرضُ كفاية؛ لأَنَّهُ به تَثبُتُ قَواعدُ العَرَبيّة الَّتي بها يُعلَمُ الكتابُ والسُّنّة المُتَوقّفُ على مَعرفَتهما الأَحكامُ الَّتي يَتَمَيَّزُ بها الحَلالُ من الحَرام، وكَلامُهُم وإن جازَ فيه الخَطأ في المَعاني فَلا يَجُوزُ فيه الخَطأ في الأَلفاظ وتَركيب المَباني اهـ. رد.
(¬2) المُرادُ به ما فيه وصفُ النِّساء والغلمان، وهو في الأَصل كما في «القامُوس»: اسمٌ لمُحادَثة النّساء. وعَطَفَ عليه قوله: والبَطالة عَطفُ عامٍّ على خاصٍّ؛ لأَنَّهُ نَوعٌ منها، فَشَملَ وصفَ حال المُحبّ مع المَحبُوب أو مع عُذّاله من الوصل والهَجر واللوعة والغَرام ونحو ذلك.
قال في «المصباح»: البَطالة نَقيضُ العمالة. من بَطَلَ الأَجيرُ من العَمَل، فهو بَطّالٌ بَيّنُ البَطالة بالفَتح وحُكيَ بالكَسر وهو أَفصَحُ، ورُبَّما قيل: بالضَّمّ. وذَكَرَ ابنُ عَبد الرَّزّاق: أَنَّهُ وجَدَ بهامش «المصباح» بخَطّ مُصَنّفه ما حاصلُهُ: الفَعالة بالفَتح قَد يكون وصفًا للطَّبيعة كالرَّزانة والجَهالة. وبالكَسر للصّناعة كالتّجارة. وبالضَّمّ لما يُرمَى كالقُلامة.
وقَد يُضَمَّنُ اللَّفظُ المَعانيَ الثَّلاثة، فَيَجُوزُ فيه الحَرَكاتُ الثَّلاثة، فالبَطالة بالفَتح لأَنَّهُ وصفٌ ثابتٌ، وبالكَسر؛ لأَنَّهُ أَشبَهَ الصّناعة للمُداومة عليها، وبالضَّمّ؛ لأَنَّها ممّا يُرفَضُ. اهـ.
أَقُولُ: وعلى هذا يُمكنُ أَن يَكُونَ إشارة إلى أَنَّ المَكرُوهَ منهُ ما داومَ عليه، وجَعَله صناعةً له حَتَّى غَلَبَ عليه، وأَشغَله عن ذكر اللَّه تَعالى، وعَن العُلُوم الشَّرعيّة. وبه فُسّرَ الحَديثُ المُتَّفَقُ عليه، وهو قَولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يَمتَلئَ جَوفُ أَحَدكُم قَيحًا خَيرٌ من أَن يَمتَلئَ شعرًا» [في صحيح البخاري8: 36]، فاليَسيرُ من ذلك لا بأسَ به إذا قُصدَ به إظهارُ النّكات واللَّطافات والتَّشابيه الفائقة والمَعاني الرّائقة، وإن كانَ في وصف الخُدُود والقُدُود، فإنَّ عُلَماءَ البَديع قَد استَشهَدُوا من ذلك بأَشعار المُولَّدينَ وغَيرهم لهذا القَصد.
وقَد ذَكَرَ المُحَقّقُ ابنُ الهُمام في (شهادات) «فَتح القَدير»: أَنَّ المُحَرَّمَ منهُ ما كانَ في اللَّفظ ما لا يَحلُّ كَصفة الذُّكُور والمَرأة المُعَيَّنة الحَيّة، ووصف الخَمر المُهَيّج إلَيها والحانات، والهجاء لمُسلمٍ أو ذمّيٍّ إذا أَرادَ المُتَكَلّمُ هجاءَهُ، لا إذا أَرادَ إنشادَ الشّعر للاستشهاد به أو ليُعلمَ فَصاحَتَهُ وبَلاغَتَهُ.
ويَدُلُّ على أَنَّ وصفَ المَرأة كَذلك غَيرُ مانعٍ إنشادُ أَبي هُرَيرة - رضي الله عنه - لذلك، وهو مُحرمٌ، وكذا ابنُ عَبّاسٍ - رضي الله عنهم -، وممّا يَقطَعُ به في هذا قَولُ كَعبٍ - رضي الله عنه - بحَضرة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -:
وما سُعادُ غَداةَ البَين إذ ... رَحَلُوا ... إلّا أَغَنُّ غَضيضَ الطَّرف مَكحُولُ
تَجلُو عَوارضَ ذي ظَلمٍ إذا ابتَسَمَت ... كأنَّهُ ... مَنهَلٌ ... بالرّاح ... مَعلُولُ
وكَثيرٌ في شعر حَسّانَ - رضي الله عنه - من هذا كَقَوله: وقَد سَمعَهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
تَبَّلَت فُؤادَك في المَنام خَريدة ... تَسقي الضَّجيعَ بباردٍ بَسّام
فأمّا الزُّهريّاتُ المُجَرَّدة عن ذلك المُتَضَمّنة وصفَ الرَّياحين والأَزهار والمياه فَلا وجهَ لمَنعه، نَعَم إذا قيل: على المَلاهي امتَنَعَ وإن كانَ مَواعظَ وحكَمًا، اهـ مُلَخَّصًا.
وفي «الذَّخيرة» عن «النَّوازل» قراءة شعر الأَدَب إذا كانَ فيه ذكرُ الفسق والخَمر والغُلام يُكرَهُ، والاعتمادُ في الغُلام على ما ذَكَرنا في المَرأة: أَي من أَنَّها إن كانَت مُعَيَّنة حَيّة يُكرَهُ، وإن كانَت مَيّتة فَلا. اهـ. رد.
ومُباحًا: كأشعارهم الَّتي لا يَستَخفُّ فيها (¬1)، كَذا في (فَوائدَ شَتَّى) من «الأَشباه والنَّظائر».
ثُمَّ نَقَلَ (¬2) مَسأَلة الرُّباعيّات (¬3)، ومَحَطُّها أَنَّ الفقهَ هو ثَمَرة الحَديث، ولَيسَ ثَوابُ الفَقيه أَقَلَّ من ثَواب المُحَدّث.
¬
(¬1) أَي لَيسَ فيها استخفافٌ بأَحَدٍ من المُسلمينَ كَذكر عَوراته والأَخذ في عرضه. وفي بَعض نُسَخ «الأَشباه»: لا سُخفَ فيها: أَي لا رقّة وخفّة، ابنُ عَبد الرَّزّاق. رد.
(¬2) أَي في (الفَوائد) آخرَ (الفَنّ الثّالث) من «الأَشباه» عن المَناقب للبَزّازيّ وذَكَرَ الحَلَبيُّ عبارَتَهُ بتَمامها، واقتَصَرَ الشّارحُ على مَحَطّها: أَي المَقصُود منها. رد.
(¬3) ذكر البَزّازيّ في «المناقب» عن الإمام البخاري: الرجل لا يصير محدثاً كاملاً إلا أن يكسب أربعاً مع أربع، كأربع مع أربع، في أربع عند أربع، بأربع على أربع، عن أربع لأربع، وهذه الرباعيات لا تتم إلا بأربع مع أربع، فإذا تمت له كلها هانت عليه أربع وابتلي بأربع، فإذا صبر أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربع وأثابه في الآخرة بأربع.
أما الأولى فأخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشرائعه، وأخبار الصحابة ومقاديرهم، والتابعين وأحوالهم، وسائر العلماء وتواريخهم.
مع أربع: أسماء رجالهم وكناهم وأمكنتهم وأزمنتهم.
كأربع: التحميد مع الخطب، والدعاء مع الترسل، والتسمية مع السورة، والتكبير مع الصلوات.
مع أربع: المسندات والمرسلات والموقوفات والمقطوعات.
في أربع: في صغره، في إدراكه، في شبابه، في كهولته.
عند أربع: عند شغله، عند فراغه، عند فقره، عند غناه.
بأربع: بالجبال، بالبحار، بالبراري، بالبلدان.
على أربع: على الحجارة، على الأخزاف، على الجلود، على الأكتاف إلى الوقت الذي يمكن نقلها إلى الأوراق.
عن أربع: عمن هو فوقه، ودونه، ومثله، وعن كتاب أبيه إذا علم أنه خطه.
لأربع: لوجه الله تعالى ورضاه وللعمل به إن وافق كتاب الله تعالى، ولنشرها بين طالبيها، ولإحياء ذكره بعد موته.
ثم لا تتم له هذه الأشياء إلا بأربع من كسب العبد وهي: معرفة الكتابة واللغة والصرف والنحو.
من أربع من عطاء الله تعالى: الصحة والقدرة والحرص والحفظ.
فإذا تمت له هذه الأشياء هانت عليه أربع: الأهل والولد والمال والوطن.
وابتلي بأربع: بشماتة الأعداء وملامة الأصدقاء وطعن الجهال وحسد العلماء.
فإذا صبر أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربع: بعز القناعة وهيبة النفس ولذة العلم وحياة الأبد. كما في الاشباه ص329.
وفيها: كُلُّ إنسانٍ غَير الأَنبياء (¬1) لا يَعلَمُ ما أَرادَ الله تَعالى له (¬2) وبه (¬3)؛ لأنّ إرادَتَهُ تَعالى غَيبٌ إلّا الفُقَهاءَ (¬4)، فإنَّهُم عَلمُوا إرادَتَهُ تَعالى بهم بحَديث الصّادق المَصدُوق «مَن يُرد الله به خَيرًا يُفَقّههُ في الدّين» (¬5).
وفيها: كُلُّ شَيءٍ يُسأَلُ عنه العَبدُ يَومَ القيامة إلّا العلمَ (¬6)؛ لأَنَّهُ طَلَبَ من نَبيّه - صلى الله عليه وسلم - أَن يَطلُبَ الزّيادة منه: {وقُل رَبّ زدني علمًا} [طه: 114]، فَكَيفَ يَسأَلُ عَنهُ؟.
¬
(¬1) كانَ يَنبَغي أَن يَقُولَ والمُبَشَّرينَ بالجَنّة كالعَشَرة - رضي الله عنهم - قاله سَيّدي عَبدُ الغَنيّ النّابلُسيُّ في «شَرح هَديّة ابن العماد».رد.
(¬2) أَي من الثَّواب الجَزيل حَيثُ أَرادَ به تَعالى الخَيرَ. رد.
(¬3) أَي ولا يَعلَمُ ما أَرادَ الله تَعالى به من الصّفات الحَميدة. رد.
والأولى تفسيرها كما في لفظ الحديث: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين»: أي لا أحد يعلم أن المسلك الذي سلكه في حياته الدنيا هل هو خير إلا الفقهاء بشهادة الحديث.
(¬4) المُرادُ بهم العالمُونَ بأَحكام اللَّه تَعالى اعتقادًا وعَمَلًا؛ لأنّ تَسمية علم الفُرُوع فقهًا تَسمية حادثة، قال سَيّدي عَبدُ الغَنيّ: ويُؤَيّدُهُ ما مَرَّ من قَول الحَسَن البَصريّ: إنَّما الفَقيهُ المُعرضُ عن الدُّنيا الرّاغب في الآخرة ... إلَخ. رد.
(¬5) فعن معاوية - رضي الله عنه - في صحيح البُخاري1: 37، وصحيح مسلم 2: 718.
(¬6) أورَدَ عليه الحَمَويُّ أَنَّهُ ورَدَ في الحَديث ما يُفيدُ السُّؤالَ عن العلم، ولَفظُهُ «لا تَزُولُ قَدَما عَبدٍ يَومَ القيامة حَتَّى يُسأَلَ عن أَربَعٍ: عن عُمُره فيما أَفناهُ؟ وعَن شَبابه فيما أَبلاهُ وعَن ماله من أَيّ شَيءٍ اكتَسَبَهُ؟ وعَن علمه ماذا صَنَعَ به» [في سنن الترمذي4: 612، وقال: حسن صحيح].
وأُجيبُ بأَنَّ المُرادَ إلّا طَلَبَ الزّيادة من العلم، وبه يَصحُّ التَّعليلُ.
واعتَرَضَ بأَنَّهُ يُسأَلُ عن طَلَبه هَل قَصَدَ به الرّياءَ أو الجاهَ، ويَدُلُّ عليه ما في الحَديث السّابق: «ولَكن تَعَلَّمت العلمَ ليُقال عالمٌ، وقَد قيل» ... إلَخ.
أَقُولُ: الأوجَهُ أَن يُقال: المُرادُ به العلمُ النّافعُ المُوصلُ إلى اللَّه تَعالى، وهو المَقرُونُ بحُسن النّيّة مَعَ العَمَل به، والتَّخَلُّص من آفات النَّفس، فَلا يُسأَلُ عنه؛ لأَنَّهُ خَيرٌ مَحضٌ، بخلاف غيره، فإنَّهُ يُسأَلُ صاحبُهُ عنه ليُعَذّبَهُ به، كَما دَلَّ عليه تَمامُ الحَديث السّابق: ولذا ورَدَ في الحَديث «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَبعَثُ العبادَ يَومَ القيامة ثُمَّ يَبعَثُ العُلَماءَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا مَعشَرَ العُلَماء إنّي لَم أَضَع علمي فيكُم إلّا لعلمي بكُم، ولَم أَضَع علمي فيكُم لأُعَذّبَكُم، اذهَبُوا فَقَد غَفَرت لَكُم» [في المعجم الصغير1: 354، ومسند الروياني1: 353، والمدخل للبيهقي1: 343]، هذا ما ظَهَرَ لي. واَلله تَعالى أَعلَمُ. رد.
وفيها: إذا سُئلنا عن مَذهَبنا ومَذهَب مُخالفنا؟ قُلنا (¬1) وُجُوبًا: مَذهَبُنا صَوابٌ يَحتَملُ الخَطأ ومَذهَبُ مُخالفنا خَطأ يَحتَملُ الصَّوابَ.
¬
(¬1) لأَنَّك لو قَطَعت القَولَ لَما صَحَّ قَولُنا: إنَّ المُجتَهدَ يُخطئُ ويُصيبُ، «أَشباهٌ»: أَي فَلا نَجزمُ بأَنَّ مَذهَبَنا صَوابٌ أَلبَتّة، ولا بأَنَّ مَذهَبَ مُخالفنا خَطأٌ أَلبَتّة، بناءً على المُختار من أَنَّ حُكمَ اللَّه - عز وجل - في كُلِّ مَسأَلةٍ واحدٌ مُعَيَّنٌ وجَبَ طَلَبُهُ، فَمَن أَصابَهُ فهو المُصيبُ، ومَن لا فهو المُخطئُ، ونُقلَ عن الأَئمّة الأَربَعة، ثُمَّ المُختارُ أَنَّ المُخطئَ مأجُورٌ، كَما في «التَّحرير» وشَرحه.
مَطلَبٌ: يَجُوزُ تَقليدُ المَفضُول مَعَ وُجُود الأَفضَل:
ثُمَّ اعلَم أَنَّهُ ذَكَرَ في «التَّحرير» وشَرحه أَيضًا: أَنَّهُ يَجُوزُ تَقليدُ المَفضُول مَعَ وُجُود الأَفضَل، وبه قال الحَنَفيّة والمالكيّة وأَكثَرُ الحَنابلة والشّافعيّة، وفي روايةٍ عن أَحمَدَ وطائفة كَثيرة من الفُقَهاء: لا يَجُوزُ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لو التَزَمَ مَذهَبًا مُعَيَّنًا: كأبي حَنيفة والشّافعيّ، فَقيل: يَلزَمُهُ، وقيل: لا، وهو الأَصَحُّ، اهـ، وقَد شاعَ أَنَّ العامّيَّ لا مَذهَبَ له.
إذا عَلمت ذلك ظَهَرَ لَك أَنَّ ما ذُكرَ عن النَّسَفيّ من وُجُوب اعتقاد أَنَّ مَذهَبَهُ صَوابٌ يَحتَملُ الخَطأ، مَبنيٌّ على أَنَّهُ لا يَجُوزُ تَقليدُ المَفضُول، وأَنَّهُ يَلزَمُهُ التزامُ مَذهَبه، وأَنَّ ذلك لا يَتأتَّى في العامّيّ.
وقَد رأيت في آخر «فَتاوى ابن حَجَرٍ الفقهيّة» التَّصريحَ ببَعض ذلك، فإنَّهُ سُئلَ عن عبارة النَّسَفيّ المَذكُورة، ثُمَّ حَرَّرَ أَنَّ قَولَ أَئمّة الشّافعيّة كذلك، ثُمَّ قال: إنَّ ذلك مَبنيٌّ على الضَّعيف من أَنَّهُ يَجبُ تَقليدُ الأَعلَم دُونَ غَيره، والأَصَحُّ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ في تَقليد أَيٍّ شاءَ، ولو مَفضُولًا وإن اعتَقَدَهُ كذلك، وحينَئذٍ فَلا يُمكنُ أَن يَقطَعَ أو يَظُنَّ أَنَّهُ على الصَّواب، بَل على المُقَلّد أَن يَعتَقدَ أَنَّ ما ذَهَبَ إلَيه إمامُهُ يَحتَملُ أَنَّهُ الحَقُّ.
قال ابنُ حَجَرٍ: ثُمَّ رأيت المُحَقّقَ ابنَ الهُمام صَرَّحَ بما يُؤَيّدُهُ حَيثُ قال في «شَرح الهداية»: إن أَخَذَ العامّيُّ بما يَقَعُ في قَلبه أَنَّهُ أَصوبُ أولَى، وعلى هذا استَفتَى مُجتَهدَين فاختَلَفا عليه الأولَى أَن يأخُذَ بما يَميلُ إلَيه قَلبُهُ منهُما.
وعندي أَنَّهُ لو أَخَذَ بقَول الَّذي لا يَميلُ إلَيه جازَ؛ لأنّ مَيلَه وعَدَمَهُ سَواءٌ، والواجبُ عليه تَقليدُ مُجتَهدٍ وقَد فَعَلَ. اهـ. رد.
وإذا سُئلنا عن مُعتَقَدنا (¬1) ومُعتَقَد خُصُومنا (¬2)؟ قُلنا وُجُوبًا: الحَقُّ ما نَحنُ عليه والباطلُ ما عليه خُصُومُنا.
وفيها: العُلُومُ ثَلاثةٌ:
1.علمٌ نَضجَ وما احتَرَقَ (¬3)، وهو علمُ النَّحو والأُصُول.
2.وعلمٌ لا نَضجَ ولا احتَرَقَ، وهو علمُ البَيان (¬4) والتَّفسير (¬5).
¬
(¬1) أَي عَمّا نَعتَقدُ من غَير المَسائل الفَرعيّة ممّا يَجبُ اعتقادُهُ على كُلّ مُكَلَّفٍ بلا تَقليدٍ لأَحَدٍ، وهو ما عليه أَهلُ السُّنّة والجَماعة، وهُم الأَشاعرة والماتُريديّة، وهُم مُتَوافقُونَ إلّا في مَسائلَ يَسيرة أَرجَعَها بَعضُهُم إلى الخلاف اللَّفظيّ كَما بُيّنَ في مَحَلّه. رد.
(¬2) أَي من أَهل البدَع المُكَفّرة وغَيرها كالقائلينَ بقدَم العالَم أو نَفي الصّانع أو عَدَم بعثة الرُّسُل، والقائلينَ بخَلق القُرآن وعَدَم إرادَته تَعالى الشَّرَّ ونَحو ذلك. رد.
(¬3) المُرادُ بنُضج العلم تَقَرُّرُ قَواعده وتَفريعُ فُرُوعها وتَوضيحُ مَسائله، والمُرادُ باحتراقه بُلُوغُهُ النّهاية في ذلك، ولا شَكَّ أَنَّ النَّحوَ والأُصُولَ لَم يَبلُغا النّهاية في ذلك أَفادَهُ، «ح»، والظّاهرُ أَنَّ المُرادَ بالأُصُول أُصُولُ الفقه؛ لأنّ أُصُولَ العَقائد في غاية التَّحرير والتَّنقيح، تأمَّل. رد.
(¬4) المُرادُ به ما يَعُمُّ العُلُومَ الثَّلاثة: المَعانيَ والبَيانَ والبَديعَ؛ ولذا قال الزَّمَخشَريُّ: إنَّ مَنزلة علم البَيان من العُلُوم مثلُ مَنزلة السَّماء من الأَرض، ولَم يَقفُوا على ما في القُرآن جَميعه من بَلاغَته وفَصاحَته ونُكَته وبَديعاته، بَل على النَّزر اليَسير. قال الله تَعالى: {قُل لَئن اجتَمَعَت الإنسُ والجنُّ على أَن ياتُوا بمثل هذا القُرآن لا ياتُونَ بمثله ولو كانَ بَعضُهُم لبَعضٍ ظَهيرًا} [الإسراء: 88]، وإنَّما ذلك لما فيه من البَلاغة، «ط». رد.
(¬5) أَي تَفسير القُرآن، فَقَد ذَكَرَ السُّيُوطيّ في «الإتقان»: أَنَّ القُرآنَ في اللوح المَحفُوظ، كُلُّ حَرفٍ منهُ بمَنزلة جَبَلٍ قافٍ، وكُلُّ آية تَحتَها من التَّفاسير ما لا يَعلَمُهُ إلّا الله تَعالى، «ط».رد.
3.وعلمٌ نَضجَ واحتَرَقَ، وهو علمُ الحَديث (¬1) والفقه (¬2).
وقَد قالُوا: الفقهُ زَرَعَهُ (¬3) عَبدُ اللَّه بنُ مَسعُودٍ - رضي الله عنه -، وسَقاهُ (¬4) عَلقَمة، وحَصَدَهُ (¬5) إبراهيمُ النَّخَعيّ، وداسَهُ (¬6) حَمّادٌ، وطَحَنَهُ (¬7) أَبُو حَنيفة، وعَجَنَهُ (¬8) أَبُو
¬
(¬1) لأَنَّهُ قَد تَمَّ المُرادُ منهُ؛ وذلك لأنّ المُحَدّثينَ جَزاهُم الله تَعالى خَيرًا وضَعُوا كُتُبًا في أَسماء الرّجال، ونَسَبهم، والفَرق بَينَ أَسمائهم، وبَيَّنُوا سَيّئَ الحفظ منهُم وفاسدَ الرّواية من صَحيحها، ومنهُم مَن حَفظَ المائة أَلفٍ والثَّلَاثَمائة، وحَصَرُوا مَن رَوى عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من الصَّحابة، وبَيَّنُوا الأَحكامَ، والمُرادَ منها فانكَشَفَت حَقيقَتُهُ، «ط». رد.
(¬2) لأنّ حَوادثَ الخَلائق على اختلاف مَواقعها وتَشَتُّتاتها مَرقُومة بعَينها أو ما يَدُلُّ عليها، بَل قَد تَكَلَّمَ الفُقَهاءُ على أُمُورٍ لا تَقَعُ أَصلًا أو تَقَعُ نادرًا، وأَمّا ما لَم يَكُن مَنصُوصًا فَنادرٌ، وقَد يكون مَنصُوصًا غَيرَ أَنَّ النّاظرَ يَقصُرُ عن البَحث عن مَحَلّه أو عن فَهم ما يُفيدُهُ ممّا هو مَنصُوصٌ بمَفهُومٍ أو مَنطُوقٍ، «ط»، أو يُقالُ المُرادُ بالفقه ما يَشمَلُ مَذهَبَنا وغَيرَهُ، فإنَّهُ بهذا المَعنَى لا يَقبَلُ الزّيادة أَصلًا، فإنَّهُ لا يَجُوزُ إحداثُ قَولٍ خارجٍ عن المَذاهب الأَربَعة. رد.
(¬3) أَي أَولُ مَن تَكَلَّمَ باستنباط فُرُوعه عَبدُ اللَّه بنُ مَسعُودٍ الصَّحابيُّ الجَليلُ، أَحَدُ السّابقينَ والبَدريّينَ والعُلَماء الكبار من الصَّحابة. أَسلَمَ قَبلَ عُمَرَ - رضي الله عنهم -، قال النَّوويُّ في التَّقريب: وعَن مَسرُوقٍ أَنَّهُ قال: انتَهَى علمُ الصَّحابة إلى ستّة: عُمَرَ وعَليٍّ وأُبَيُّ وزَيدٍ وأَبي الدَّرداء وابن مَسعُودٍ، ثُمَّ انتَهَى علمُ السّتّة إلى عَليٍّ وعَبد اللَّه بن مَسعُودٍ - رضي الله عنهم -. رد.
(¬4) أَي أَيَّدَهُ ووضَّحَهُ عَلقَمة بنُ قَيس بن عَبد اللَّه بن مالكٍ النَّخَعيّ الفَقيهُ الكَبيرُ، عَمُّ الأَسود بن يَزيدَ، وخالُ إبراهيمَ النَّخَعيّ، وُلدَ في حَياة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وأَخَذَ القُرآنَ والعلمَ عن ابن مَسعُودٍ وعَليٍّ وعُمَرَ وأَبي الدَّرداء وعائشة - رضي الله عنهم -. رد.
(¬5) أَي جَمَعَ ما تَفَرَّقَ من فَوائده ونَوادره وهَيّأهُ للانتفاع به إبراهيمُ بنُ يَزيدَ بن قَيس بن الأَسود أَبُو عمرانَ النَّخَعيّ الكُوفيُّ، الإمامُ المَشهُورُ الصّالحُ الزّاهدُ. رَوى عن الأَعمَش وخَلائقَ تُوُفّيَ سَنة ستٍّ أو خَمسٍ وتسعينَ. رد.
(¬6) أَي اجتَهَدَ في تَنقيحه وتَوضيحه حَمّادُ بنُ مُسلمٍ الكُوفيُّ شَيخُ الإمام وبه تَخَرَّجَ، وأَخَذَ حَمّادٌ بَعدَ ذلك عنه، قال الإمامُ: ما صَلَّيت صَلاةً إلّا استَغفَرت له مَعَ والدَيَّ، ماتَ سَنة مائة وعشرينَ. رد.
(¬7) أَي أَكثَرَ أُصُوله وفَرَّعَ فُرُوعَهُ وأوضَحَ سُبُله إمامُ الأَئمّة، وسراجُ الأُمّة أَبُو حَنيفة النُّعمانُ، فإنَّهُ أَولُ مَن دَونَ الفقهَ ورَتَّبَهُ أَبوابًا وكُتُبًا على نَحو ما عليه اليَومَ، وتَبعَهُ مالكٌ في «مُوطَّئه»، ومَن كانَ قَبله إنَّما كانُوا يَعتَمدُونَ على حفظهما.
وهو أَولُ مَن وضَعَ كتابَ الفَرائض وكتابَ الشُّرُوط، كَذا في «الخَيرات الحسان في تَرجَمة أَبي حَنيفة النُّعمان» للعَلّامة ابن حَجَرٍ. رد.
(¬8) أَي دَقَّقَ النَّظَرَ في قَواعد الإمام وأُصُوله واجتَهَدَ في زيادة استنباط الفُرُوع منها والأَحكام تلميذُ الإمام الأَعظَم أَبُو يُوسُفَ يَعقُوبُ بنُ إبراهيمَ قاضي القُضاة، فإنَّهُ، كَما رَواهُ الخَطيبُ في «تاريخه» أَولُ مَن وضَعَ الكُتُبَ في أُصُول الفقه على مَذهَب أَبي حَنيفة، وأَملَى المَسائلَ ونَشَرَها، وبَثَّ علمَ أَبي حَنيفة في أَقطار الأَرض، وهو أَفقَهُ أَهل عَصره، ولَم يَتَقَدَّمهُ أَحَدٌ في زَمانه، وكانَ النّهاية في العلم والحُكم والرّئاسة. وُلدَ سَنة (113)، وتُوُفّيَ ببَغدادَ سَنة (182). رد.
يُوسُفَ، وخَبَزَهُ (¬1) مُحَمَّدٌ، فَسائرُ النّاس يأكُلُونَ من خُبزه (¬2)، وقَد نَظَمَ بَعضُهُم فَقال:
الفقهُ زَرعُ ابن مَسعُودٍ وعَلقَمة ... حَصادُهُ ثُمَّ إبراهيمُ دَواسُ
نُعمانُ طاحنُهُ يَعقُوبُ عاجنُهُ ... مُحَمَّدٌ خابزٌ والآكلُ النّاسُ
وقَد ظَهَرَ علمُهُ بتَصانيفه: كـ «الجامعَين» (¬3) و «المَبسُوط» و «الزّيادات» و «النَّوادر» (¬4)، حَتَّى قيل: إنَّهُ صَنَّفَ في العُلُوم الدّينيّة تسعَمائة وتسعة وتسعينَ كتابًا.
¬
(¬1) أَي زادَ في استنباط الفُرُوع وتَنقيحها وتَهذيبها وتَحريرها بحيث لَم تَحتَج إلى شَيءٍ آخَرَ الإمامُ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَن الشَّيبانيُّ تلميذُ أَبي حَنيفة وأَبي يُوسُفَ مُحَرّر المَذهَب النُّعمانيّ، المُجمَع على فَقاهَته ونَباهَته.
رُويَ أَنَّهُ سألَ رَجُلٌ المُزَنيّ عن أَهل العراق، فَقال: ما تَقُولُ في أَبي حَنيفة؟ فَقال: سَيّدُهُم، قال: فأبُو يُوسُفَ؟ قال: أَتبَعُهُم للحَديث، قال: فَمُحَمَّدُ بنُ الحَسَن قال: أَكثَرُهُم تَفريعًا، قال: فَزُفَرُ؟ قال أَحَدُّهُم قياسًا، وُلدَ سَنة (132)، وتُوُفّيَ بالرَّيّ سَنة (189). رد.
(¬2) أَي خُبز مُحَمَّدٍ الَّذي خَبَزَهُ من عَجين أَبي يُوسُفَ من طَحين أَبي حَنيفة؛ ولذا رَوى الخَطيبُ عن الرَّبيع قال: سَمعت الشّافعيَّ يَقُولُ: النّاسُ عيالٌ على أَبي حَنيفة في الفقه، كانَ أَبُو حَنيفة ممَّن وُفّقَ له الفقهُ. رد.
(¬3) أي الجامع الصَّغير والجامع الكَبير، وقَد أُلّفَت في المَذهَب تآليفٌ سُمّيَت بالجامع فَوقَ ما يَنُوفُ عن أَربَعينَ، وكُلُّ تأليفٍ لمُحَمَّدٍ وُصفَ بالصَّغير فهو من روايَته عن أَبي يُوسُفَ عن الإمام، وما وُصفَ بالكَبير فَروايَتُهُ عن الإمام بلا واسطة، «ط». رد.
(¬4) الأولَى إبدالُها بـ «السّيَر»؛ لأنّ هَذه الكُتُبَ الخَمسة هي كُتُبُ مُحَمَّدٍ المُسَمّاةُ بالأَصول وظاهر الرّواية؛ لأَنَّها رُويَت عنه برواية الثّقات، فَهيَ ثابتة عنه مُتَواترة أو مَشهُورة، وفيها المَسائلُ المَرويّة عن أَصحاب المَذهَب، وهُم أَبُو حنيفة وأَبُو يوسف ومحمد، وأَمّا «النَّوادرُ»: فَهيَ مَسائلُ مَرويّة عَنهُم في كُتُبٍ أُخَرَ لمُحَمَّدٍ كـ «الكيسانيات» و «الهارونيات» و «الجرجانيات» و «الرُّقَيّات»، وهيَ دُونُ الأُولَى، وبَقيَ قسمٌ ثالثٌ، وهو مَسائلُ النَّوازل سُئلَ عَنها المَشايخُ المُجتَهدُونَ في المَذهَب ولَم يَجدُوا فيها نَصًّا فافتَوا فيها تَخريجًا، وقَد نَظَمت ذلك فَقُلت:
وكُتبُ ظاهر الرّواية أَتَت ... ستًّا لكُلّ ثابتٍ عَنهُم حَوت
صَنَّفَها مُحَمَّدٌ ... الشَّيبانيُّ ... حَرَّرَ فيها المَذهَبَ النُّعمانيّ
الجامعَ الصَّغيرَ والكَبيرَ ... والسّيَرَ ... الكَبيرَ والصَّغيرَ
ثُمَّ الزّيادات مَعَ المَبسُوط ... تَواتَرَت ... بالسَّنَد المَضبُوط
كَذا له مَسائلُ النَّوادر ... إسنادُها في الكُتب غَيرُ ظاهرٍ
وبَعدَها مَسائلُ النَّوازل ... خَرَّجَها ... الأَشياخُ بالدَّلائل
وسَيأتي بَسطُ ذلك آخرَ المُقَدّمة.
وفي «طَبَقات التَّميميّ» عن «شَرح السّيَر الكَبير» للسَّرَخسيّ: أَنَّ «السّيَرَ الكَبيرَ» آخرُ تَصنيفٍ صَنَّفَهُ مُحَمَّدٌ في الفقه، وكانَ سَبَبُهُ أَنَّ «السّيَرَ الصَّغيرَ» وقَعَ بيَد الأوزاعيّ إمام أَهل الشّام فَقال ما لأَهل العراق والتَّصنيف في هذا الباب، فإنَّهُ لا علمَ لهم بالسّيَر، فَبَلَغَ مُحَمَّدًا فَصَنَّفَ الكَبيرَ، فَحَكَى أَنَّهُ لَمّا نَظَرَ فيه الأوزاعيُّ قال: لولا ما ضَمَّنَهُ من الأَحاديث لَقُلت إنَّهُ يَضَعُ العلمَ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى عَيَّنَ جهة إصابة الجَواب في رأيه، صَدَقَ الله تَعالى: {وفَوقَ كُلّ ذي علمٍ عَليمٌ} [يوسف: 76]، ثُمَّ أَمَرَ مُحَمَّدٌ أَن يُكتَبَ في ستّينَ دَفتَرًا، وأَن يُحمَلَ إلى الخَليفة، فأعجَبَهُ وعَدَّهُ من مَفاخر أَيّامه، اهـ، مُلَخَّصًا. رد.
ومن تَلامذَته الشّافعيُّ - رضي الله عنه -، وتَزَوَّجَ بأُمّ الشّافعيّ، وفَوضَ إلَيه كُتُبَهُ وماله، فَبسَبَبه صارَ الشّافعيُّ فَقيهًا (¬1).
ولَقَد أَنصَفَ الشّافعيُّ حَيثُ قال: مَن أَرادَ الفقهَ فَليَلزَم أَصحابَ أَبي حنيفة، فإنَّ المَعانيَ قَد تَيَسَّرَت لهم، واَللَّه ما صرت فَقيهًا (¬2) إلّا بكُتُب مُحَمَّد بن الحَسَن.
¬
(¬1) أَي ازدادَ فَقاهة، واطَّلَعَ على مَسائلَ لَم يَكُن مُطَّلعًا عليها، فإنَّ مُحَمَّدًا أَبدَعَ في كَثرة استخراج المَسائل، وإلّا فالشّافعيُّ - رضي الله عنه - فَقيهٌ مُجتَهدٌ قَبلَ وُرُوده إلى بَغدادَ، وكَيفَ يُستَفادُ الاجتهادُ المُطلَقُ ممَّن لَيسَ كَذلك أَفادَهُ، «ح». رد.
[ما ذكره الحلبيُّ من أنّ الإمام الشافعي كان مجتهداً قبل أن يأتي محمّد محلُ نظر، فإنّ المشهورَ تاريخياً أنه جاء إلى بغداد في سنة (182هـ)، وكان عمرُه (32) سنة، وكان من أهل العلم، ولم يكن إماماً؛ لأنّه انتقل إلى اليمن للكسب بعد دراسته مع مالك، وبدراسته مع محمّد نبغ في العلم وصار فقهياً، حيث سافر من بغداد، ورجع إليها بعد موت محمد في المرّة الثانية سنة (195هـ)، وسعى في نشر مذهبه القديم، فأخذ عنه أحمد والكرابيسي وأبي ثور، ثم رجع إلى بغداد عام (198هـ) فردّ عليه عيسى بن أبان في ضعف مذهب القديم أصولاً وفروعاً، فسافر إلى مصر، وألف مذهب الجديد في كتاب الأم والرسالة الجديدة في أصول الفقه، وبذلك تبين أن الشافعي صار مجتهداً بعد لقائه بمحمد، وبعد وفاة محمّد، والله أعلم].
(¬2) الكَلامُ فيه كَما تَقَدَّمَ، ورُويَ عن الشّافعيِّ أَنَّهُ قال أَيضًا: حَمَلت من علم ابن الحَسَن وقرَ بَعيرٍ كُتُبًا. وقال: أَمَنُّ النّاس عَلَيَّ في الفقه مُحَمَّدُ بنُ الحَسَن. رد.
وقال إسماعيلُ بنُ أَبي رَجاءٍ: رأيت مُحَمَّدًا في المَنام فَقُلت له: ما فَعَلَ الله بك؟ فَقال: غَفَرَ لي، ثُمَّ قال: لو أَرَدت أَن أُعَذّبَك ما جَعَلت هذا العلمَ فيك، فَقُلت له: فأينَ أَبُو يُوسُفَ؟ قال: فَوقَنا بدَرَجَتَين قُلت: فأبُو حَنيفة؟ قال: هَيهاتَ، ذاكَ في أَعلَى علّيّينَ (¬1).
كَيفَ (¬2) وقَد صَلَّى الفَجرَ بوُضُوء العشاء أَربَعينَ سَنة، وحَجَّ خَمسًا وخَمسينَ حَجّة، ورأى رَبَّهُ في المَنام مائة مَرّة، ولَها (¬3) قصّة مَشهُورة.
¬
(¬1) اسمٌ لأَعلَى الجَنّة: أَي هو في أَعلَى مَكان في الجَنّة أَي بالنّسبة إلَيهما لا مُطلَقًا؛ لأنّ الأَنبياءَ والصَّحابةَ أَرفَعُ منه دَرَجة قَطعًا، وأَمّا الدُّعاءُ بنَحو اجعَلني مَعَ النَّبيّينَ، فالمُرادُ في الاجتماع والمُؤانَسة لا في الدَّرَجة والمَنزلة، ومنهُ قَوله تَعالى: {فاولَئكَ مَعَ الَّذينَ أَنعَمَ الله عليهم منَ النَّبيّينَ والصّدّيقينَ} [النساء: 69] ... إلَخ، «ط». رد.
(¬2) استفهامٌ إنكاريٌّ بمَعنَى النَّفي: أَي كَيفَ لا يُعطَى هذا المَكانُ الأَعلَى، «ط». رد.
(¬3) أَي لرُؤيَته رَبَّهُ تَعالى في المَنام قصّة مَشهُورة ذَكَرَها الحافظُ النَّجمُ الغَيطيُّ.
وهيَ أَنَّ الإمامَ - رضي الله عنه - قال: رأيت رَبَّ العزّة في المَنام تسعًا وتسعينَ مَرّة، فَقُلت في نَفسي إن رأيته تَمامَ المائة لسأَلَنَّهُ: بمَ يَنجُو الخَلائقُ من عَذابه يَومَ القيامة. قال: فَرأيته سُبحانَهُ وتَعالى فَقُلت: يا رَبّ عَزَّ جارُك وجَلَّ ثَناؤُك وتَقَدَّسَت أَسماؤُك، بمَ يَنجُو عبادُك يَومَ القيامة من عَذابك؟ فَقال سُبحانَهُ وتَعالى: مَن قال بَعدَ الغَداة والعَشيّ: سُبحانَ الأَبَديّ الأَبَد، سُبحانَ الواحد الأَحَد، سُبحانَ الفَرد الصَّمَد، سُبحانَ رافع السَّماء بلا عَمَد، سُبحانَ مَن بَسَطَ الأَرضَ على ماءٍ جَمَد، سُبحانَ مَن خَلَقَ الخَلقَ فأحصاهُم عَدَد، سُبحانَ مَن قَسَمَ الرّزقَ ولَم يَنسَ أَحَد، سُبحانَ الَّذي لَم يَتَّخذ صاحبة ولا ولَد، سُبحانَ الَّذي لَم يَلد ولَم يُولَد ولَم يَكُن له كُفُوًا أَحَد، نَجا من عَذابي. اهـ. «ط». رد.
وفي حَجَّته الأَخيرة استأذَنَ حَجَبة الكَعبة بالدُّخُول لَيلًا فَقامَ بَينَ العَمُودَين على رجله اليُمنَى (¬1) ووضَعَ اليُسرَى على ظَهرها حَتَّى خَتَمَ نصفَ القُرآن، ثُمَّ رَكَعَ وسَجَدَ ثُمَّ قامَ على رجله اليُسرَى ووضَعَ اليُمنَى على ظَهرها، حَتَّى خَتَمَ القُرآنَ، فَلَمّا سَلَّمَ بَكَى وناجَى رَبَّهُ، وقال: إلَهي ما عَبَدَك هذا العَبدُ الضَّعيفُ حَقَّ عبادَتك، لَكن عَرَفَك (¬2) حَقَّ مَعرفَتك، فَهَب نُقصانَ خدمَته لكَمال مَعرفَته، فَهَتَفَ هاتفٌ من جانب البَيت: يا أَبا حَنيفة قَد عَرَفتَنا حَقَّ المَعرفة وخَدَمتَنا فأحسَنتَ الخدمة، قَد غَفَرنا لَك ولمَن اتَّبَعَك ممَّن كانَ على مَذهَبك إلى يَوم القيامة.
¬
(¬1) فيه أَنَّ هذا مُخالفٌ للسُّنّة. اهـ. «ح»: أَي لصحّة الحَديث في النَّهي عَنهُ.
وأَجابَ الشُّرُنبُلاليُّ بحَمله على التَّراوُح؛ فإنَّهُ أَفضَلُ من نَصب القَدَمَين، وتَفسيرُ التَّراوُح: أَن يَعتَمدَ المُصَلّي على قَدَمٍ مَرّةً، وعلى الأُخرَى مَرّةً أُخرَى: أَي مَعَ وضع القَدَمَين على الأَرض بدُون رَفع إحداهُما، لَكن يُبعدُهُ قَولُهُ: «ووضَعَ اليُسرَى على ظَهرها ... » إلَخ. أَفادَهُ «ط».
وقَد يُقالُ: للإمام - رضي الله عنه - مَقصدٌ حَسَنٌ في ذلك نَفيُ الكَراهة عنه، كما قالُوا: يُكرَهُ أَن يُصَلّيَ الرَّجُلُ حاسرًا عن رأسه، لَكن إذا قَصَدَ التَّذَلُّلَ فَلا كَراهة.
ثُمَّ رأيت بَعضَ العُلَماء أَجابَ بذلك، فَقال: إنَّما فَعَلَ ذلك مُجاهَدةً لنَفسه، ولَيسَ يَبعُدُ أَن يَكُونَ غَرَضُ مُجاهَدة النَّفس بذلك ممَّن لَم يَختَلَّ منهُ خُشُوعُهُ مانعًا للكَراهة. اهـ. رد.
(¬2) استدراكٌ على ما يُتَوهَّمُ من أَنَّ عَدَمَ عبادَته حَقَّ العبادة نَشأ من عَدَم المَعرفة، والمُرادُ أَنَّهُ عَرَفَهُ بصفاته الدّالّة على كبريائه ومَجده، واستحقاقه دَوامَ مُشاهَدَته، ومُراقَبَته، ولَيسَ المُرادُ مَعرفة كُنه الذّات والصّفات، فإنَّهُ من المُستَحيلات، «ط». رد.
وقيل لأَبي حَنيفة (¬1): بمَ بَلَغت ما بَلَغت؟ قال: ما بَخلتُ بالإفادة، وما استَنكَفتُ عن الاستفادة.
قال مِسعرُ بنُ كدامٍ: مَن جَعَلَ أَبا حَنيفة بَينَهُ وبَينَ اللَّه رَجَوت أَن لا يَخافَ (¬2)، وقال (¬3) فيه:
حَسبي من الخَيرات ما أَعدَدته ... يَومَ القيامة في رضا الرَّحمَن
دينُ النَّبيّ مُحَمَّدٍ خَير الورَى ... ثُمَّ اعتقادي مَذهَبَ النُّعمان
وعَنهُ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ آدَمَ افتَخَرَ بي، وأَنا أَفتَخرُ (¬4) برَجُلٍ من أُمَّتي اسمُهُ نُعمانُ، وكُنيَتُهُ أَبُو حَنيفة، هو سراجُ أُمَّتي».
¬
(¬1) ذَكَرَ في «التَّعليم» هَذه العبارة عن أَبي يُوسُفَ، ثُمَّ قال: قيل لأَبي حَنيفة - رضي الله عنه -: بمَ أَدرَكت العلمَ؟ قال: إنَّما أَدرَكت العلمَ بالجُهد والشُّكر، وكُلَّما فَهمت ووقَفت على فقهٍ وحكمةٍ قُلت: الحَمدُ للَّه فازدادَ علمي، «ط». رد.
(¬2) لأَنَّهُ قَلَّدَ إمامًا عالمًا صَحيحَ الاجتهاد سالمَ الاعتقاد، ومَن قَلَّدَ عالمًا لَقَى اللَّهَ سالمًا، وتَمامُ كَلام مِسعَرٍ: وأَن لا يَكُونَ فَرَّطَ في الاحتياط لنَفسه. رد.
(¬3) أَي مسعَرٌ، لَكن ذَكَرَ في «المُقَدّمة الغَزنَويّة» هَذَين البَيتَين، وأَنَّهُ أَنشَدَهُما أَبُو يُوسُفَ أَفادَهُ، «ط». رد.
(¬4) الفَخرُ والافتخارُ التَّمَدُّحُ بالخصال: أَي يَذكُرُ من جُملة نعَم اللَّه تَعالى عليه أَن جَعَلَ من أَتباعه هذا الرَّجُلَ الَّذي شَيَّدَ بُنيانَ الدّين بَعدَ انقراض الصَّحابة وأَكثَر التّابعينَ، وتَبعَهُ ما لا يُحصَى من الأُمّة، وسَبَقَ في الاجتهاد وتَدوين الفقه مَن بَعدَهُ من الأَئمّة، وأَعانَهُم بأَصحابه وفَوائده الجَمّة على استنباط الأَحكام المُهمّة. رد.
وعَنهُ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ سائرَ الأَنبياء يَفتَخرُونَ بي، وأَنا أَفتَخرُ بأَبي حَنيفة، مَن أَحَبَّهُ فَقَد أَحَبَّني، ومَن أَبغَضَهُ فَقَد أَبغَضَني»، كَذا في «التَّقدُمة شَرح مُقَدّمة أَبي اللَّيث».
قال في «الضّياء المَعنَويّ»: وقَولُ ابن الجَوزيّ: «إنَّهُ مَوضُوعٌ» تَعَصُّبٌ؛ لأَنَّهُ رُويَ بطُرُقٍ مُختَلفة (¬1). ورَوى الجُرجانيُّ في «مَناقبه» بسَنَده لسَهل بن عَبد
¬
(¬1) بَسَطَها العَلّامة طاش كُبرَى، فَيُشعرُ بأَنَّ له أَصلًا، فَلا أَقَلَّ من أَن يَكُونَ ضَعيفًا، فَيُقبَلُ؛ إذ لَم يَتَرَتَّب عليه إثباتُ حُكمٍ شَرعيٍّ، ولا شَكَّ في تَحَقُّق مَعناهُ في الإمام، فإنَّهُ سراجٌ يُستَضاءُ بنُور علمه، ويُهتَدَى بثاقب فَهمه، لَكن قال بَعضُ العُلَماء: إنَّهُ قَد أَقَرَّ ابنُ الجَوزيّ على عَدّه هَذه الأَخبارَ في المَوضُوعات الحافظُ الذَّهَبيُّ والحافظُ السُّيُوطيّ والحافظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلانيُّ والحافظُ الَّذينَ انتَهَت إلَيه رئاسة مَذهَب أَبي حَنيفة في زَمَنه الشَّيخُ قاسمٌ الحَنَفيُّ، ومن ثَمَّ لَم يُورد شَيئًا منها أَئمّة الحَديث الَّذينَ صَنَّفُوا في مَناقب هذا الإمام كالطَّحاويّ وصاحب طَبَقات الحَنَفيّة مُحيي الدّين القُرَشيّ وآخَرينَ مُتقنينَ ثقاتٍ أَثباتٍ نُقّادٍ لهم اطّلاعٌ كَثيرٌ. اهـ.
وقال العَلّامة ابنُ حَجَرٍ المَكّيُّ في «الخَيرات الحسان في تَرجَمة أَبي حَنيفة النُّعمان»: ومَن اطَّلَعَ على ما يأتي في هذا الكتاب من أَحوال أَبي حَنيفة وكَراماته وأَخلاقه وسيرَته عَلمَ أَنَّهُ غَنيٌّ عن أَن يُستَشهَدَ على فَضله بخَبَرٍ مَوضُوعٍ.
وقال: وممّا يَصلُحُ للاستدلال به على عَظيم شأن أَبي حَنيفة ما رُويَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال «تُرفَعُ زينة الدُّنيا سَنة خَمسينَ ومائة» [في مسند أبي يعلى2: 160، والزُّهد لابن حنبل1: 99، والفردوس2: 73، قال الهيثمي في مجمع الزوائد7: 257: فيه مصعب بن مصعب، وهو ضعيف]، ومن ثَمَّ قال شَمسُ الأَئمّة الكردريُّ: إنَّ هذا الحَديثَ مُحمَولٌ على أَبي حَنيفة؛ لأَنَّهُ ماتَ تلكَ السَّنة. اهـ.
وقال أَيضًا: وقَد ورَدَت أَحاديثُ صَحيحة تُشيرُ إلى فَضله: منها قَولُهُ - صلى الله عليه وسلم - فيما رَواهُ الشَّيخان عن أَبي هُرَيرة - رضي الله عنه -، والطَّبَرانيّ عن ابن مَسعُودٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو كانَ الإيمانُ عند الثُّرَيّا لَتَناوله رجالٌ من أَبناء فارسَ»، ورَواهُ أَبُو نُعَيمٍ عن أَبي هُرَيرة - رضي الله عنه -، والشّيرازيّ والطَّبَرانيّ عن قَيس بن سَعد بن عُبادة - رضي الله عنه - بلَفظ: إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لو كانَ العلمُ مُعَلَّقًا عند الثُّرَيّا لَتَناوله رجالٌ من أَبناء فارسَ»، ولَفظُ الطَّبَرانيّ عن قَيسٍ - رضي الله عنه -: «لا تَنالُهُ العَرَبُ لَناله رجالٌ من أَبناء فارسَ»، وفي رواية مُسلمٍ عن أَبي هُرَيرة - رضي الله عنه -: «لو كانَ الإيمانُ عند الثُّرَيّا لَذَهَبَ به رَجُلٌ من أَبناء فارسَ حَتَّى يَتَناوله»، وفي رواية للشَّيخَين عن أَبي هُرَيرة - رضي الله عنه -: «واَلَّذي نَفسي بيَده لو كانَ الدّينُ مُعَلَّقًا بالثُّرَيّا لَتَناوله رَجُلٌ من فارسَ»، ولَيسَ المُرادُ بفارسَ البلادَ المَعرُوفة، بَل جنسٌ من العَجَم، وهُم الفُرسُ؛ لخَبَر الدَّيلَميّ «خَيرُ العَجَم فارسُ»، وقَد كانَ جَدُّ أَبي حَنيفة من فارسَ على ما عليه الأَكثَرُونَ.
قال الحافظُ السُّيُوطيّ: هذا الحَديثُ الَّذي رَواهُ الشَّيخان أَصلٌ صَحيحٌ يُعتَمَدُ عليه في الإشارة لأَبي حَنيفة - رضي الله عنه -، وهو مُتَّفَقٌ على صحَّته، وبه يُستَغنَى عَمّا ذَكَرَهُ أَصحابُ المَناقب ممَّن لَيسَ له دراية في علم الحَديث، فإنَّ في سَنَده كَذّابينَ ووضّاعينَ اهـ مُلَخَّصًا.
وفي «حاشية الشبراملسي على المَواهب» عن العَلّامة الشّاميّ تلميذ الحافظ السُّيُوطيّ قال: ما جَزَمَ به شَيخُنا من أَنَّ أَبا حَنيفة - رضي الله عنه - هو المُرادُ من هذا الحَديث ظاهرٌ لا شَكَّ فيه؛ لأَنَّهُ لَم يَبلُغ من أَبناء فارسَ في العلم مَبلَغَهُ أَحَدٌ. اهـ.
اللَّه التُّستَريّ (¬1) أَنَّهُ قال: «لو كانَ في أُمَّتَي مُوسَى وعيسى مثلُ أَبي حَنيفة لَما تَهَوَّدُوا (¬2) ولَما تَنَصَّرُوا».
ومَناقبُهُ أَكثَرُ من أَن تُحصَى (¬3)، وصَنَّفَ فيها سَبطُ (¬4) بنُ الجَوزيّ (¬5) مُجَلَّدَين كَبيرَين، وسَمّاهُ: «الانتصارَ (¬6) لإمام أَئمّة الأَمصار»، وصَنَّفَ غَيرُهُ (¬7) أَكثَرَ من ذلك.
¬
(¬1) وهو سهل بن عبد الله بن يونس التُّسْتَري الصوفي، والتُّسْتَري: نسبة إلى تُسْتَر، وهي بلدة من كُوَر الأهواز من خوزستان، (ت: 283هـ). ينظر: وفيات2: 429 - 430، ومرآة الجنان2: 200 - 201.
(¬2) أَي لَما دامُوا على دينهم الباطل واعتقادهم العاطل، ولَم يَقبَلُوا ما أَدخَله عليهم عُلَماؤُهُم من الدَّسائس فاعمَوهُم عَمّا جاءَ به نَبيُّنا من النَّفائس، فإنَّهُم لَم يَقبَلُوا ذلك إلّا لعَقلهم الفاسد، ورأيهم الكاسد، فَلو كانَ فيهم مثلُهُ غَزيرَ العلم، ثاقبَ الفَهم، قائمًا بالصّدق، عارفًا بالحَقّ، لَرَدَّ جَميعَ ذلك، وأَنقَذَهُم من المَهالك، قَبلَ غُلُوّهم وتَمَكُّن الشُّبَه في عُقُولهم، فإنَّ كَونَهُ واحدًا منهُم يكون لكَلامه أَقبَلَ، فإنَّ الجنسَ إلى الجنس أَميَلُ، فَلا يَلزَمُ تَفضيلُهُ على نَبيّنا المُكَرَّم - صلى الله عليه وسلم -، فافهَم. رد.
(¬3) هذا من مُشكل التَّراكيب، فإنَّ ظاهرَهُ تَفضيلُ الشَّيء في الأَكثَريّة على الإحصاء، ولا مَعنَى له، ونَظائرُهُ كَثيرةٌ قَلَّ مَن يَتَنَبَّهُ لإشكالها، ووُجّهَ بأوجُهٍ مُتَعَدّدة بَيَّنتُها في رسالَتي المُسَمّاة بـ «الفَوائد العَجيبة في إعراب الكَلمات الغَريبة»، أَحسَنُها ما ذَكَرَهُ الرَّضيُّ أَنَّهُ لَيسَ المُرادُ التَّفضيلَ، بَل المُرادُ البُعدُ عن الكَثرة، فَمن مُتَعَلّقة بأَفعَل التَّفضيل بمَعنَى تَجاوزَ وبايَنَ بلا تَفضيلٍ. رد.
(¬4) قيل: الأَسباطُ الأولادُ خاصّة، وقيل: أولادُ الأولاد، وقيل: أولادُ البَنات، نهاية الحَديث المَشهُور الثّالث. رد.
(¬5) وهو يوسف بن قَزَأُغْلِي بن عبد الله البغدادي التركي الحنفي، شمس الدين، أبو المظفر، سبط الحافظ أبي الفرج بن الجوزي الحنبلي، من مؤلفاته: ((تفسير القرآن))، و ((شرح الجامع الكبير))، و ((منتهى السول في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -))، و ((إيثار الإنصاف في مسائل الخلاف))، و ((الانتصار لإمام أئمة الأمصار))، و ((الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح))، و ((مرآة الزمان))، (582 - 654هـ). ينظر: مرآة الجنان4: 136، والنجوم7: 39، ومرآة الزمان4: 136، والأعلام9: 342.
(¬6) إنَّما سَمّاهُ بذلك؛ لأنّ الإمامَ - رضي الله عنه - لَمّا شاعَت فَضائلُهُ وعَمَّت الخافقينَ فَواضلُهُ، جَرَت عليه العادة القَديمة من إطلاق أَلسنة الحاسدينَ فيه، حَتَّى طَعَنُوا في اجتهاده وعَقيدَته بما هو مُبَرّأ منه قَطعًا لقَصد أَن يُطفئُوا نُورَ اللَّه، ويأبَى الله إلّا أَن يُتمَّ نُورَهُ، كَما تَكَلَّمَ بَعضُهُم في مالكٍ، وبَعضُهُم في الشّافعيّ، وبَعضُهُم في أَحمَدَ، بَل قَد تَكَلَّمَت فرقةٌ في أَبي بَكرٍ وعُمَرَ، وفرقةٌ في عُثمانَ وعَليٍّ، وفرقةٌ كَفَّرَت كُلَّ الصَّحابة - رضي الله عنهم -:
ومَن ذا الَّذي يَنجُو من النّاس سالمًا ... وللنّاس قالٌ بالظُّنُون وقيلُ
وممَّن انتَصَرَ للإمام - رضي الله عنه - العَلّامة السُّيُوطيّ في كتابٍ سَمّاهُ «تَبييضَ الصَّحيفة»، والعَلّامة ابنُ حَجَرٍ في كتابٍ سَمّاهُ «الخَيرات الحسانَ»، والعَلّامة يُوسُفُ بنُ عَبد الهادي الحَنبَليُّ في مُجَلَّدٍ كَبيرٍ سَمّاهُ «تَنويرَ الصَّحيفة»، وذَكَرَ فيه عن ابن عَبد البَرّ: لا تَتَكَلَّم في أَبي حَنيفة بسُوءٍ ولا تُصَدّقَنَّ أَحَدًا يُسيءُ القَولَ فيه، فإنّي واَللَّه ما رأيت أَفضَلَ، ولا أورَعَ، ولا أَفقَهَ منهُ.
ثُمَّ قال: ولا يَغتَرُّ أَحَدٌ بكَلام الخَطيب، فانَّ عندهُ العَصَبيّة الزّائدة على جَماعة من العُلَماء كأبي حَنيفة والإمام أَحمَدَ وبَعض أَصحابه، وتَحامَلَ عليهم بكُلّ وجهٍ، وصَنَّفَ فيه بَعضُهُم: «السَّهمَ المُصيبَ في كَيد الخَطيب». [وهو لعيسى بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب الحنفي، أبي المظفر، الملك المعظم، قال ابن خلكان: كان عليّ الهمّة حازماً شجاعاً مهيباً فاضلاً جامعاً، شمل أرباب الفضائل محبّاً لهم، من مؤلفاته: «السهم المصيب في كبد الخطيب»، و «شرح الجامع الكبير»، (578 - 624هـ). ينظر: مرآة الجنان4: 57 - 58، ووفيات الأعيان3: 494 - 496].
وأَمّا ابنُ الجَوزيّ فإنَّهُ تابَعَ الخَطيبَ، وقَد عَجبَ سَبطُهُ منهُ حَيثُ قال في «مرآة الزَّمان»: ولَيسَ العَجَبُ من الخَطيب، فإنَّهُ طَعَنَ في جَماعة من العُلَماء، وإنَّما العَجَبُ من الجَدّ كَيفَ سَلَكَ أُسلُوبَهُ وجاءَ بما هو أَعظَمُ. قال: ومن المُتَعَصّبينَ على أَبي حَنيفة الدّارَقُطنيّ وأَبُو نُعَيمٍ، فإنَّهُ لَم يَذكُرهُ في «الحلية»، وذَكَرَ مَن دُونَهُ في العلم والزُّهد، اهـ.
وممَّن انتَصَرَ له العارفُ الشَّعرانيُّ في «الميزان» بما يَتَعَيَّنُ مُطالَعَتُهُ.
قال في «الخَيرات الحسان»: وبفَرض صحّة ما ذَكَرَهُ الخَطيبُ من القَدح عن قائله فَلا يُعتَدُّ به، فإنَّهُ إن كانَ من غَير أَقران الإمام، فهو مُقَلّدٌ لما قاله أو كَتَبَهُ أَعداؤُهُ أو من أَقرانه فكذلك؛ لأنّ قَولَ الأَقران بَعضُهُم في بَعضٍ غَيرُ مَقبُولٍ، كَما صَرَّحَ به الذَّهَبيُّ والعَسقَلانيُّ، قالا: ولا سيَّما إذا لاحَ أَنَّهُ لعَداوةٍ أو لمَذهَبٍ؛ إذ الحَسَدُ لا يَنجُو منه إلّا مَن عَصَمَهُ الله تَعالى.
قال الذَّهَبيُّ: وما عَلمت أَنَّ عَصرًا سَلمَ أَهلُهُ من ذلك إلّا عَصرَ النَّبيّينَ ـ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ والصّدّيقينَ.
وقال التّاجُ السُّبكيُّ: يَنبَغي لَك أَيُّها المُستَرشدُ أَن تَسلُكَ سَبيلَ الأَدَب مَعَ الأَئمّة الماضينَ، ولا تَنظُرَ إلى كَلام بَعضهم في بَعضٍ إلّا إذا أَتَى ببُرهانٍ واضحٍ.
ثُمَّ إن قَدَرت على التّأويل وتَحسين الظَّنّ فَدُونَك، وإلّا فاضرب صَفحًا، فإيّاكَ ثُمَّ إيّاكَ أَن تُصغيَ إلى ما اتَّفَقَ بَينَ أَبي حَنيفة وسُفيان الثَّوريّ، أو بَينَ مالكٍ وابن أَبي ذئبٍ، أو بَينَ أَحمَدَ بن صالحٍ والنَّسائيُّ، أو بَينَ أَحمَدَ والحارث المُحاسبيّ، وذَكَرَ كَلامَ كَثيرينَ من نُظَراء مالكٍ فيه، وكَلامَ ابن مَعينٍ في الشّافعيّ.
قال: وما مثلُ مَن تَكَلَّمَ فيهما وفي نَظائرهما إلّا كَما قال الحَسَنُ بنُ هانئٍ:
يا ناطحَ الجَبَل العالي ليُكلمَهُ ... أَشفق على الرّأس لا تُشفق على الجَبَل
اهـ مُلَخَّصًا.
وقَد أَطالَ في ذلك وفي ذكر مَن أَثنَى على الإمام من أَئمّة السَّلَف وممَّن بَعدَهُم، وما نَقَلُوهُ من سعة علمه وفَهمه وزُهده وورَعه وعبادَته واحتياطه وخَوفه، وغَير ذلك ممّا يَستَدعي مُؤَلَّفاتٍ.
وما يُنسَبُ إلى الإمام الغَزاليّ يَرُدُّهُ ما ذَكَرَهُ في «إحيائه» المُتَواترُ عنه حَيثُ تَرجَمَ الأَئمّة الأَربَعة، وقال: وأَمّا أَبُو حَنيفة فَلَقَد كانَ أَيضًا عابدًا زاهدًا عارفًا باَللَّه تَعالى، خائفًا منهُ، مُريدًا وجهَ اللَّه تَعالى بعلمه ... إلَخ.
أَقُولُ: ولا عَجَبَ من تَكَلُّم السَّلَف في بَعضهم كَما وقَعَ للصَّحابة - رضي الله عنهم -؛ لأَنَّهُم كانُوا مُجتَهدينَ، فَيُنكرُ بَعضُهُم على مَن خالَفَ الآخَرَ سيَّما إذا قامَ عندهُ ما يَدُلُّ له على خَطأ غَيره، فَلَيسَ قَصدُهُم إلّا الانتصارُ للدّين لا لأَنفُسهم، وإنَّما العَجَبُ ممَّن يَدَّعي العلمَ في زَماننا ومأكَلُهُ ومَشرَبُهُ ومَلبَسُهُ وعُقُودُهُ وأَنكحَتُهُ وكَثيرٌ من تَعَبُّداته، يُقَلّدُ فيها الإمامَ الأَعظَمَ، ثُمَّ يَطعَنُ فيه، وفي أَصحابه، ولَيسَ مثلُهُ إلّا كَمثل ذُبابة وقَعَت تَحتَ ذَنَب جَوادٍ في حالة كَرّه وفَرّه، ولَيتَ شعري لأَيّ شَيءٍ يُصَدّقُ ما قيل في أَبي حَنيفة ولا يُصَدّقُ ما قيل في إمام مَذهَبه، ولمَ لا يُقَلّدُ إمامَ مَذهَبه في أَدَبه مَعَ هذا الإمام الجَليل؟
فَقَد نَقَلَ العُلَماءُ ثَناءَ الأَئمّة الثَّلاثة على أَبي حَنيفة وتأدُّبَهُم مَعَهُ، ولا سيَّما الإمامُ الشّافعيُّ - رضي الله عنه -، والكاملُ لا يَصدُرُ منهُ إلّا الكَمالُ، والنّاقصُ بضدّه.
ويَكفي المُعتَرضَ حرمانُهُ بَرَكة مَن يَعتَرضُ عليه، أَعاذَنا الله من ذلك، وأَدامَنا على حُبّ سائر الأَئمّة المُجتَهدينَ وجَميع عباده الصّالحينَ، وحَشَرَنا في زُمرَتهم يَومَ الدّين.
وممّا رُويَ من تأدُّبه معه أَنَّهُ قال: إنّي لأتَبَرَّكُ بأَبي حَنيفة وأَجيءُ إلى قَبره، فإذا عَرَضَت لي حاجة صَلَّيت رَكعَتَين وسألت اللَّهَ تَعالى عند قَبره فَتُقضَى سَريعًا.
وذَكَرَ بَعضُ مَن كَتَبَ على المَناهج أَنَّ الشّافعيَّ صَلَّى الصُّبحَ عند قَبره فَلَم يَقنُت، فَقيل له لمَ؟ قال: تأدُّبًا مَعَ صاحب هذا القَبر. وزادَ غَيرُهُ أَنَّهُ لَم يَجهَر بالبَسمَلة.
وأَجابُوا عن ذلك بأَنَّهُ قَد يَعرضُ للسُّنّة ما يُرَجّحُ تَركَها عند الاحتياج إلَيه كَرَغم أَنف حاسدٍ، وتَعليم جاهلٍ، ولا شَكَّ أَنَّ أَبا حَنيفة كانَ له حُسّادٌ كَثيرُونَ، والبَيانُ بالفعل أَظهَرُ منهُ بالقَول، فَما فَعَله الشّافعيُّ - رضي الله عنه - أَفضَلُ من فعل القُنُوت والجَهر.
أَقُولُ: ولا يَخفَى عَلَيك أَنَّ ذلك الطّاعنَ الأَحمَقَ طاعنٌ في إمام مَذهَبه، ولذا قال في «الميزان»: سَمعت سَيّدي عَليًّا الخَواصَّ - رضي الله عنه - مرارًا يَقُولُ: يَتَعَيَّنُ على أَتباع الأَئمّة أَن يُعَظّمُوا كُلَّ مَن مَدَحَهُ إمامُهُم؛ لأنّ إمامَ المَذهَب إذا مَدَحَ عالمًا وجَبَ على جَميع أَتباعه أَن يَمدَحُوهُ تَقليدًا لإمامهم، وأَن يُنَزّهُوهُ عن القَول في دين اللَّه بالرّأي.
وقال أَيضًا: لو أَنصَفَ المُقَلّدُونَ للإمام مالكٍ والشّافعيّ لَم يُضَعّف أَحَدٌ منهُم قَولًا من أَقوال أَبي حَنيفة بَعدَ أَن سَمعُوا مَدحَ أَئمَّتهم له، ولو لَم يَكُن من التَّنويه برفعة مَقامه إلّا كَونَ الإمام الشّافعيّ - رضي الله عنه - تَرَكَ القُنُوتَ في الصُّبح لَمّا صَلَّى عند قَبره لَكانَ فيه كفاية في لُزُوم أَدَب مُقَلّديه مَعَهُ. اهـ. رد.
(¬7) كالإمام الطَّحاويّ والحافظ الذَّهَبيّ والكَردَريّ وغَيرهم ممَّن قَدَّمناهُم.
والحاصلُ أَنَّ أَبا حَنيفة النُّعمانَ من أَعظَم مُعجزات (¬1) المُصطَفَى بَعدَ القُرآن (¬2)، وحَسبُك من مَناقبه اشتهارُ مَذهَبه (¬3) ما قال قَولًا (¬4) إلّا أَخَذَ به إمامٌ (¬5)
¬
(¬1) لأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَد أَخبَرَ به قَبلَ وُجُوده بالأَحاديث الصَّحيحة الَّتي قَدَّمناها، فإنَّها مَحمُولة عليه بلا شَكٍّ، كَما قَدَّمناهُ عن الشّاميّ صاحب «السّيرة» وشَيخه السُّيُوطيّ، كَما حُملَ حَديثُ: «لا تَسُبُّوا قُرَيشًا، فإنَّ عالمَها يَملأ الأَرضَ علمًا» [في مسند الشاشي 2: 169، ومسند الطيالسي 1: 39 وغيرها] على الإمام الشّافعيّ، لَكن حَمَله بَعضُهُم على ابن عَبّاسٍ - رضي الله عنهم -، وهو حَقيقٌ بذلك، فإنَّهُ حَبرُ الأُمّة وتُرجُمانُ القُرآن، وكَما حُملَ حَديثُ: «يُوشكُ أَن يَضربَ النّاسُ أَكبادَ الإبل يَطلُبُونَ العلمَ فَلا يَجدُونَ أَعلَمَ من عالم المَدينة» [في صحيح ابن حبان 9: 53، والمستدرك 1: 163 وصححه، وجامع الترمذي 5: 47، وحسنه، ومسند أحمد 2: 299، وغيرهم] على الإمام مالكٍ، لَكنَّهُ مُحتَملٌ لغَيره من عُلَماء المَدينة المُنفَردينَ في زَمَنهم، بخلاف تلكَ الأَحاديث، فإنَّها لَيسَ لَها مَحمَلٌ إلّا أَبُو حَنيفة وأَصحابُهُ كَما أَفادَهُ، «ط».
وأَمّا سَلمانُ الفارسيُّ - رضي الله عنه -، فهو وإن كانَ أَفضَلَ من أَبي حَنيفة - رضي الله عنه - من حَيثُ الصُّحبة، فَلَم يَكُن في العلم والاجتهاد ونَشر الدّين وتَدوين أَحكامه كأبي حَنيفة - رضي الله عنه -، وقَد يُوجَدُ في المَفضُول ما لا يُوجَدُ في الفاضل.
وسُمّيَ ذلك مُعجزة بناءً على أَنَّ المُرادَ بالتَّحَدّي في تَعريف المُعجزة هو دَعوى الرّسالة، وهو قَولُ المُحَقّقينَ، كَما في «المَواهب»، وقيل: المُرادُ به طَلَبُ المُعارَضة والمُقابَلة، وعليه فذلك كَرامة لا مُعجزة، فافهَم. رد.
(¬2) مُتَعَلّقٌ بأَعظَمَ: أَي لأَنَّهُ أَعظَمُ المُعجزات على الإطلاق؛ لأَنَّهُ مُعجزةٌ مُستَمرّةٌ، دائمةُ الإعجاز، وقَيَّدَ بذلك وإن عَبَّرَ بمَن التَّبعيضيّة؛ لئَلّا يُتَوهَّمَ مُساواةُ هَذه المُعجزة لتلكَ، فإنَّ المُشارَكة في الأَعظَميّة تَصدُقُ بالمُساواة، فَتَدَبَّر. رد.
(¬3) أَي في عامّة بلاد الإسلام، بَل في كَثيرٍ من الأَقاليم والبلاد لا يُعرَفُ إلّا مَذهَبُهُ، كَبلاد الرُّوم والهند والسّند وما وراءَ النَّهر وسَمَرقَندَ، وقد نُقلَ أَنَّ فيها تُربة المُحَمَّدينَ، دُفنَ فيها نَحوٌ من أَربَعمائة نَفسٍ كُلٌّ منهُم يُقالُ له: مُحَمَّدٌ، صَنَّفَ وأَفتَى وأَخَذَ عنه الجَمُّ الغَفيرُ. ولَمّا ماتَ صاحبُ «الهداية» مَنَعُوا دَفنَهُ بها فَدُفنَ بقُربها. ورُويَ أَنَّهُ نَقَلَ مَذهَبَهُ نَحوٌ من أَربَعة آلاف نَفَرٍ، ولا بُدَّ أَن يَكُونَ لكُلٍّ أَصحابٌ وهَلُمَّ جَرّا. وقال ابنُ حَجَرٍ: قال بَعضُ الأَئمّة: لَم يَظهَر لأَحَدٍ من أَئمّة الإسلام المَشهُورينَ مثلُ ما ظَهَرَ لأَبي حَنيفة من الأَصحاب والتَّلاميذ، ولَم يَنتَفع العُلَماءُ وجَميعُ النّاس بمثل ما انتَفَعُوا به وبأَصحابه، في تَفسير الأَحاديث المُشتَبهة، والمَسائل المُستَنبَطة، والنَّوازل والقَضايا والأَحكام، جَزاهُم الله تَعالى الخَيرَ التّامَّ. وقَد ذَكَرَ منهُم بَعضُ المُتأخّرينَ المُحَدِّثينَ في تَرجَمَته ثَمانَمائة مَعَ ضَبط أَسمائهم ونَسَبهم بما يَطُولُ ذكرُهُ. اهـ. رد.
(¬4) أَي سَواءٌ ثَبَتَ عليه أو رَجَعَ عنه ط. رد.
(¬5) أَي من أَصحابه تَبَعًا له، فإنَّ أَقوالهم مَرويّة عنه، كَما سَيأتي، أو من غَيرهم من المُجتَهدينَ مُوافَقةً في اجتهاده؛ لأنّ المُجتَهدَ لا يُقَلّدُ مُجتَهدًا أَفادَهُ، «ط». رد.
من الأَئمّة الأَعلام (¬1)، وقَد جَعَلَ اللهُ الحُكمَ لأَصحابه وأَتباعه من زَمَنه إلى هَذه الأَيّام، إلى أَن يَحكُمَ بمَذهَبه عيسَى - عليه السلام - (¬2).
¬
(¬1) فالدَّولة العَبّاسيّة وإن كانَ مَذهَبُهُم مَذهَبَ جَدّهم، فأكثَرُ قُضاتها ومَشايخ إسلامها حَنَفيّة، يَظهَرُ ذلك لمَن تَصَفَّحَ كُتُبَ التَّواريخ، وكانَ مُدّة مُلكهم خَمسَمائة سَنة تَقريبًا.
وأَمّا المُلُوكُ السَّلجُوقيُّونَ وبَعدَهُم الخَوارزميُّونَ، فَكُلُّهُم حَنَفيُّونَ وقُضاةُ مَمالكهم غالبُها حَنَفيّة.
وأَمّا مُلُوكُ زَماننا سَلاطينُ آل عُثمانَ، أَيَّدَ الله تَعالى دَولَتَهُم ما كَرَّ الجَديدان، فَمن تاريخ تسعمائة إلى يَومنا هذا لا يُولُّونَ القَضاءَ وسائرَ مَناصبهم إلّا للحَنَفيّة، قاله بَعضُ الفُضَلاء، ولَيسَ في كَلام الشّارح ادّعاءُ التَّخصيص في جَميع الأَماكن والأَزمان، حَتَّى يَردَ أَنَّ القَضاءَ بمصرَ كانَ مُختَصًّا بمَذهَب الإمام الشّافعيّ إلى زَمَن الظّاهر بيبَرسَ البندقداري فافهَم. رد.
(¬2) تَبعَ فيه القُهُستانيَّ، وكأنَّهُ أَخَذَهُ ممّا ذَكَرَهُ أَهلُ الكَشف أَنَّ مَذهَبَهُ آخرُ المَذاهب انقطاعًا، فَقَد قال الإمامُ الشَّعرانيُّ في «الميزان» ما نَصُّهُ: قَد تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَنَّ عَلَيَّ بالاطّلاع على عَين الشَّريعة رأيت المَذاهبَ كُلَّها مُتَّصلة بها، ورأيت مَذاهبَ الأَئمّة الأَربَعة تَجري جَداولُها كُلُّها، ورأيت جَميعَ المَذاهب الَّتي اندَرَسَت قَد استَحالَت حجارة، ورأيت أَطولَ الأَئمّة جَدولًا الإمامَ أَبا حَنيفة، ويَليه الإمامُ مالكٌ، ويَليه الإمامُ الشّافعيُّ، ويَليه الإمامُ أَحمَدُ، وأَقصَرُهُم جَدولًا الإمامُ داوُد، وقَد انقَرَضَ في القَرن الخامس، فأولت ذلك بطُول زَمَن العَمَل بمَذاهبهم وقصَره، فَكَما كانَ مَذهَبُ الإمام أَبي حَنيفة أَولَ المَذاهب المُدَونة، فَكَذلك يكون آخرَها انقراضًا، وبذلك قال أَهلُ الكَشف، اهـ، لَكن لا دَليلَ في ذلك.
على أَنَّ نَبيَّ اللَّه عيسَى على نَبيّنا وعليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يَحكُمُ بمَذهَب أَبي حَنيفة، وإن كانَ العُلَماءُ مَوجُودينَ في زَمَنه فَلا بُدَّ له من دَليلٍ، ولهذا قال الحافظُ السُّيُوطيّ في رسالة سَمّاها «الإعلامَ» ما حاصلُهُ: إنَّ ما يُقالُ: إنَّهُ يَحكُمُ بمَذهَبٍ من المَذاهب الأَربَعة باطلٌ لا أَصلَ له، وكَيفَ يُظَنُّ بنَبيٍّ أَنَّهُ يُقَلّدُ مُجتَهدًا مَعَ أَنَّ المُجتَهدَ من آحاد هذه الأَئمّة لا يَجُوزُ له التَّقليدُ، وإنَّما يَحكُمُ بالاجتهاد، أو بما كانَ يَعلَمُهُ قَبلُ من شَريعَتنا بالوحي، أو بما تَعَلَّمَهُ منها، وهو في السَّماء، أو أَنَّهُ يَنظُرُ في القُرآن، فَيَفهَمُ منهُ كَما كانَ يَفهَمُ نَبيُّنا - عليه السلام -، اهـ، واقتَصَرَ السُّبكيُّ على الأَخير.
وذَكَرَ مُنلا عَليّ القاري أَنَّ الحافظَ ابنَ حَجَرٍ العَسقَلانيَّ سُئلَ هَل يَنزلُ عيسَى - عليه السلام - حافظًا للقُرآن والسُّنّة أو يَتَلَقّاهُما عن عُلَماء ذلك الزَّمان؟
فأجابَ: لَم يُنقَل في ذلك شَيءٌ صَريحٌ، واَلَّذي يَليقُ بمَقامه - عليه السلام - أَنَّهُ يَتَلَقَّى ذلك عن رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فَيَحكُمُ في أُمَّته كَما تَلَقّاهُ منه؛ لأَنَّهُ في الحَقيقة خَليفة عنه، اهـ.
وما يُقالُ: إنَّ الإمامَ المَهديَّ يُقَلّدُ أَبا حَنيفة، رَدَّهُ مُنلا على القاري في رسالَته «المَشرَبُ الورديُّ في مَذهَب المَهديّ»، وقَرَّرَ فيها أَنَّهُ مُجتَهدٌ مُطلَقٌ، ورَدَّ فيها ما وضَعَهُ بَعضُ الكَذّابينَ من قصّة طَويلة.
حاصلُها: أَنَّ الخَضرَ - عليه السلام - تَعَلَّمَ من أَبي حَنيفة الأَحكامَ الشَّرعيّة، ثُمَّ عَلَّمَها للإمام أَبي القاسم القُشَيريّ، وأَنَّ القُشَيريّ صَنَّفَ فيها كُتُبًا وضَعَها في صُندُوقٍ، وأَمَرَ بَعضَ مُريديه بإلقائه في جَيحُونَ، وأَنَّ عيسَى - عليه السلام - بَعدَ نُزُوله يُخرجُهُ من جَيحُونَ ويَحكُمُ بما فيه، وهذا كَلامٌ باطلٌ لا أَصلَ له، ولا تَجُوزُ حكايَتُهُ إلّا لرَدّه كَما أوضَحَهُ، «ط»، وأَطالَ في رَدّه وإبطاله فَراجعهُ. رد.
وهذا (¬1) يَدُلُّ على أَمرٍ عَظيمٍ اُختُصَّ به من بَين سائر (¬2) العُلَماء العظام، كَيفَ لا (¬3)، وهو كالصّدّيق - رضي الله عنه - (¬4)، له (¬5) أَجرُهُ وأَجرُ (¬6) مَن دَوَّنَ الفقهَ وأَلَّفَهُ، وفَرَّعَ أَحكامَهُ على أُصُوله العظام، إلى يَوم الحَشر (¬7) والقيام.
¬
(¬1) أَي ما تَقَدَّمَ من الأَحاديث، ومن كَثرة المَناقب، ومن كَون الحُكم لأَصحابه وأَتباعه، ط. رد.
(¬2) بمَعنَى باقي أو جَميع على خلافٍ بَسَطَهُ في «دُرّة الغَواص». رد.
(¬3) أَي كَيفَ لا يَختَصُّ بأَمرٍ عَظيمٍ. رد.
(¬4) وجهُ الشَّبَه أَنَّ كُلًّا منهُما ابتَدا أَمرًا لَم يُسبَق إلَيه فأبُو بَكرٍ - رضي الله عنه - ابتَدأ جَمعَ القُرآن بَعدَ وفاته - صلى الله عليه وسلم - بمَشُورة عُمَرَ، وأَبُو حَنيفة ابتَدأ تَدوينَ الفقه كَما قَدَّمناهُ، أو أَنَّ أَبا بَكرٍ أَولُ مَن آمَنَ من الرّجال وفَتَحَ بابَ التَّصديق، كَذا في «حَواشي الأَشباه».
قال شَيخُنا البَعليُّ في شَرحه عليها: والأَولُ أولَى؛ لأنّ وجهَ الشَّبَه به أَتَمُّ، وقَولُ مَن قال الثّاني، هو الظّاهرُ؛ لأنّ القُرآنَ بَعدَما جُمعَ لا يُتَصَورُ جَمعُهُ غَيرُ ظاهرٍ، فإنَّهُ قَد جُمعَ ثانيًا، والجامعُ له عُثمانُ - رضي الله عنه -، فإنَّ الصّدّيقَ - رضي الله عنه - لَم يَجمَعهُ في المَصاحف، وجَمَعَهُ عُثمانُ كَما هو مَعلُومٌ اهـ، تأمَّل. رد.
(¬5) أَي للإمام أَجرُهُ: أَي أَجرُ عَمَل نَفسه، وهو تَدوينُ الفقه واستخراجُ فُرُوعه، «ط». رد.
(¬6) أَي ومثلُ أَجر مَن دَوّنَ الفقهَ: أَي جَمَعَهُ، وأَصلُهُ من التَّدوين: أَي جَعَله في الدّيوان، وهو بكَسرٍ وفَتحٍ اسمٌ لما يُكتَبُ فيه أَسماءُ الجَيش للعَطاء، وأَوّلُ مَن أَحدَثَهُ عُمَرُ - رضي الله عنه -، ثُمَّ أُريدَ به مُطلَقُ الكُتُب مَجازًا أو مَنقُولًا اصطلاحيًّا، وقَولُهُ: وأَلَّفَهُ عَطفٌ على دَوّنَ من عَطف الخاصّ على العامّ. اهـ. بَعليٌّ: أَي لأنّ التّأليفَ جَمعٌ على وجه الأُلفة.
[تَنبيهٌ]:
ورَدَ في الصَّحيح أَنَّهُ «لا تُقتَلُ نَفسٌ ظُلمًا إلّا كانَ على ابن آدَمَ الأَوّل كفلٌ منها، ومَن سَنَّ سُنّة حَسَنةً كانَ له أَجرُها، وأَجرُ مَن عَملَ بها إلى يَوم القيامة، من غَير أَن يَنقُصَ من أُجُورهم شَيءٌ، ومَن سَنَّ سُنّة سَيّئةً كانَ عليه وزرُها ووزرُ مَن عَملَ بها إلى يَوم القيامة من غَير أَن يَنقُصَ من أوزارهم شَيءٌ، ومَن دَلَّ على خَيرٍ، فَله مثلُ أَجر فاعله»، الحَديثَ.
قال العُلَماءُ: هذه الأَحاديثُ من قَواعد الإسلام، وهو أَنَّ كُلَّ مَن ابتَدَعَ شَيئًا من الشَّرّ كانَ عليه وزرُ مَن اقتَدَى به في ذلك، فَعَملَ مثلَ عَمَله إلى يَوم القيامة، وكُلُّ مَن ابتَدَعَ شَيئًا من الخَير كانَ له مثلُ أَجر كُلّ مَن يَعمَلُ به إلى يَوم القيامة، وتَمامُهُ في آخر «عُمدة المُريد» للَّقانيّ. رد.
(¬7) تَنازَعَ فيه كُلُّ مَن دَوَّنَ وأَلَّفَ وفَرَّعَ. رد.
وقَد اتَّبَعَهُ (¬1) على مَذهَبه كَثيرٌ من الأولياء (¬2) الكرام، ممَّن اتَّصَفَ بثَبات المُجاهَدة (¬3)، ورَكَضَ في مَيدان المُشاهَدة (¬4) كإبراهيمَ بن أَدهَمَ (¬5) وشَقيقٍ
¬
(¬1) عَطفٌ على قَوله: وهو كالصّدّيق: أَي كَيفَ لا يَختَصُّ، وقَد اتَّبَعَهُ ... إلَخ، والإتباعُ تَقليدُهُ فيما قاله، «ط». رد.
(¬2) والوليُّ فَعيلٌ بمَعنَى الفاعل، وهو مَن تَوالَت طاعَتُهُ من غَير أَن يَتَخَلَّلَها عصيانٌ، وبمَعنَى المَفعُول، فهو مَن يَتَوالى عليه إحسانُ اللَّه تَعالى وإفضالُهُ، «تَعريفاتُ السَّيّد».
ولا بُدَّ من تَحَقُّق الوصفَين حَتَّى يَكُونَ وليًّا في نَفس الأَمر، فَيُشتَرَطُ فيه كَونُهُ مَحفُوظًا، كَما يُشتَرَطُ في النَّبيّ كَونُهُ مَعصُومًا، كَما في «رسالة الإمام القُشَيريّ». رد.
(¬3) والمُجاهَدة لُغة: المُحارَبة. وفي الشَّرع: مُحارَبة النَّفس الأَمّارة بالسُّوء بتَحَمُّلها ما يَشُقُّ عليها ممّا هو مَطلُوبٌ في الشَّرع، «تَعريفاتٌ»، وقَد ورَدَ تَسمية ذلك بالجهاد الأَكبَر، كَما في «الإحياء».
قال العراقيُّ: رَواهُ البَيهَقيُّ بسَنَدٍ ضَعيفٍ عن جابرٍ، ورَواهُ الخَطيبُ في «تاريخه» عن جابرٍ - رضي الله عنه - بلَفظ: «قَدمَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من غَزاةٍ، فَقال - صلى الله عليه وسلم -: «قَدمتُم خَيرَ مَقدَمٍ وقَدمتُم من الجهاد الأَصغَر إلى الجهاد الأَكبَر، قالُوا: وما الجهادُ الأَكبَرُ؟ قال: مُجاهَدة العَبد هَواهُ». اهـ. رد.
(¬4) أَي مُشاهَدةُ الحَقّ تَعالى بآثاره. رد.
(¬5) وهو إبراهيمَ بن أَدهَمَ بن مَنصُورٍ البَلخيّ، كانَ من أَبناء المُلُوك، خَرَجَ مُتَصَيّدًا فَهَتَفَ به هاتفٌ: أَلهذا خُلقت؟ فَنَزَلَ عن دابَّته وأَخَذَ جُبّة راعٍ وسارَ حَتَّى دَخَلَ مَكّة ثُمَّ أَتَى الشّامَ وماتَ بها، كَذا في «رسالة القُشَيريّ». رد.
البَلخيّ (¬1) ومَعرُوفٍ الكَرخيّ (¬2) وأَبي يَزيدَ البَسطاميّ (¬3) وفُضَيل بن عياضٍ (¬4) وداوُد الطّائيّ (¬5) وأَبي حامدٍ اللَّفّاف (¬6) وخَلَف بن أَيُّوبَ (¬7) وعَبد اللَّه بن
¬
(¬1) وهو شَقيقٍ البَلخيّ بن إبراهيمَ الزّاهد العابد المَشهُور، صَحبَ أَبا يُوسُفَ القاضيَ، وقَرأ عليه كتابَ الصَّلاة، ذَكَرَهُ أَبُو اللَّيث في «المُقَدّمة»، وهو أُستاذُ حاتمٍ الأَصَمّ، وصَحبَ إبراهيمَ بنَ أَدهَمَ، ماتَ شَهيدًا سَنة (194)، «تَميميٌّ». رد.
(¬2) وهو مَعرُوفٍ الكَرخيّ بن فَيرُوزَ، من المَشايخ الكبار، مُجاب الدَّعوة، يُستَسقَى بقَبره وهو أُستاذُ السّرّيّ السَّقَطيّ، ماتَ سَنة (200هـ). رد.
(¬3) أَبي يَزيدَ البسطاميّ، شَيخُ المَشايخ، وذُو القَدَم الرّاسخ، واسمُهُ طَيفُورُ بنُ عيسَى، كانَ جَدُّهُ مَجُوسيًّا وأَسلَمَ، ماتَ سَنة (161هـ). رد.
(¬4) فُضَيل بن عياضٍ الخُراسانيّ، رُويَ أَنَّهُ كانَ يَقطَعُ الطَّريقَ، وأَنَّهُ عَشقَ جارية وارتَقَى جدارًا لَها، فَسَمعَ تاليًا يَتلُو: {أَلَم يان للَّذينَ آمَنُوا أَن تَخشَعَ قُلُوبُهُم} [الحديد: 16] فَتابَ ورَجَعَ، فَورَدَ مَكّة وجاورَ بها الحَرَمَ، وماتَ بها سَنة (187هـ)، «رسالة القُشَيريّ»، وذَكَرَ الصَّيمَريُّ أَنَّهُ أَخَذَ الفقهَ عن أَبي حَنيفة، ورَوى عنه الشّافعيُّ، فأخَذَ عن إمامٍ عَظيمٍ، وأَخَذَ عنه إمامٌ عَظيمٌ، ورَوى له إمامان عَظيمان البُخاريُّ ومُسلمٌ، وتَرجَمَهُ التَّميميُّ وغَيرُهُ بتَرجَمة حافلة. رد.
(¬5) وهو داوُد بنُ نَصر بن نُصَير بن سُلَيمانَ الكُوفيّ الطّائيّ، العالمُ العاملُ، الزّاهدُ العابدُ، أَحَدُ أَصحاب الإمام، كانَ ممَّن شَغَلَ نَفسَهُ بالعلم ودَرَسَ الفقهَ وغَيرَهُ، ثُمَّ اختارَ العُزلة ولَزمَ العبادة. قال مُحاربُ بنُ دثارٍ: لو كانَ داوُد في الأُمَم الماضية لَقَصَّ الله تَعالى عَلَينا من خَبَره، قال أَبُو نُعَيمٍ: ماتَ سَنة (160هـ). رد.
(¬6) هو أحمد بن خضرويه البلخي، من كبار مشايخ خراسان، مات سنة (240). «رسالة». رد.
(¬7) وهو خلف بن أيوب من أَصحاب مُحَمَّدٍ وزُفَرَ، وتَفَقَّهَ على أَبي يُوسُفَ أَيضًا، وأَخَذَ الزُّهدَ عن إبراهيمَ بن أَدهَمَ، وصَحبَهُ مُدّة: واختُلفَ في وفاته، والأَصَحُّ أَنَّهُ سَنة (215)، كَما ذَكَرَهُ التَّميميُّ، ورُويَ عنه أَنَّهُ قال: صارَ العلمُ من اللَّه إلى مُحَمَّدٍ - صَلَّى الله عليه وسَلَّمَ - ثُمَّ صارَ إلى الصَّحابة - رَضيَ الله تَعالى عَنهُم -، ثُمَّ صارَ إلى التّابعينَ، ثُمَّ صارَ إلى أَبي حَنيفة، فَمَن شاءَ فَليَرضَ ومَن شاءَ فَليَسخَط. رد.
المُبارَك (¬1) ووكيع بن الجَرّاح (¬2) وأَبي بَكرٍ الورّاق (¬3)، وغَيرُهم (¬4) ممَّن لا يُحصَى لبُعده (¬5) أَن يُستَقصَى، فَلو وجَدُوا فيه شُبهة ما اتَّبَعُوهُ، ولا اقتَدَوا به ولا وافَقُوهُ.
¬
(¬1) وهو عبد الله بن المبارك، الزّاهدُ الفَقيهُ المُحَدّثُ، أَحَدُ الأَئمّة، جَمَعَ الفقهَ والأَدَبَ والنَّحو واللُّغة والفَصاحة والورَعَ والعبادة، وصَنَّفَ الكُتُبَ الكَثيرة. قال الذَّهَبيُّ: هو أَحَدُ أَركان هذه الأُمّة في العلم والحَديث والزُّهد، وأَحَدُ شُيُوخ الإمام أَحمَدَ: أَخَذَ عن أَبي حَنيفة، ومَدَحَهُ في مَواضعَ كَثيرة، وشَهدَ له الأَئمّة، ماتَ سَنة (181)، وتَرجَمَهُ التَّميميُّ بتَرجَمة حافلة، وذَكَرَ من مَحاسن أَخباره ما يأخُذُ بمَجامع العَقل، وله رواياتٌ كثيرة في فُرُوع المُذهَب ذُكرَت في المُطَولات. رد.
(¬2) وهو وكيع بن الجَرّاح بن مَليح بن عَديٍّ الكُوفيّ، شَيخ الإسلام، وأَحَد الأَئمّة الأَعلام. قال يَحيَى بنُ أَكثَمَ: كانَ وكيعٌ يَصُومُ الدَّهرَ، ويَختمُ القُرآنَ كُلَّ لَيلة. وقال ابنُ مَعينٍ: ما رأيت أَفضَلَ منه قيل له: ولا ابنَ المُبارَك؟ قال: كانَ لابن المُبارَك فَضلٌ، ولكن ما رأيت أَفضَلَ من وكيعٍ، كانَ يَستَقبلُ القبلة ويَسرُدُ الصَّومَ، ويُفتي بقَول أَبي حَنيفة، وكانَ قَد سَمعَ منه شَيئًا كَثيرًا. قال: وكانَ يَحيَى بنُ سَعيدٍ القَطّانُ يُفتي بقَوله أَيضًا، ماتَ سَنة (198)، وهو من شُيُوخ الشّافعيّ وأَحمَدَ، «تَميميٌّ». رد.
(¬3) وهو مُحَمَّدُ بنُ عَمرٍو التّرمذيُّ، أَقامَ ببَلخٍ، وصَحبَ أَحمَدَ بنَ خضرَويه، وله تَصانيفُ في الرّياضات، «رسالة». وفي «طَبَقات التَّميميّ»: أَحمَدُ بنُ عَليٍّ أَبُو بَكرٍ الورّاقُ ذَكَرَهُ أَبُو الفَرَج مُحَمَّدُ بنُ إسحاقَ في جُملة أَصحابنا بَعدَ أَن ذَكَرَ الكَرخيَّ، فقال: وله من الكُتُب «شَرحُ مُختَصَر الطَّحاويّ»، وذَكَرَ في «القُنية» أَنَّهُ خَرَجَ حاجًّا فَلَمّا سارَ مَرحَلة قال لأَصحابه: رُدُّوني، ارتَكَبت سَبعَمائة كَبيرة في مَرحَلة واحدة فَرَدُّوهُ. اهـ. رد.
(¬4) كالإمام العارف المَشهُور بالزُّهد والورَع والتَّقَشُّف والتَّقَلُّل حاتمٍ الأَصَمّ، أَحَد أَتباع الإمام الأَعظَم، له كَلامٌ مُدَونٌ في الزُّهد والحكَم: سأله أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ قال: أَخبرني يا حاتمُ فيمَ التَّخَلُّصُ من النّاس؟ فَقال: يا أَحمَدُ في ثَلاث خصالٍ: أَن تُعطيَهُم مالَك ولا تأخُذَ من مالهم شَيئًا، وتَقضيَ حُقُوقَهُم ولا تَستَقضيَ أَحَدًا منهُم حَقًّا لَك، وتَحتَملَ مَكرُوهَهُم ولا تُكرهَ أَحَدًا منهُم على شَيءٍ، فأطرَقَ أَحمَدُ ثُمَّ رَفَعَ رأسَهُ، فَقال: يا حاتمُ إنَّها لَشَديدة، فَقال له حاتمُ: ولَيتَك تَسلَمُ.
ومنهُم خَتمُ دائرة الولاية قُطبُ الوُجُود سَيّدي مُحَمَّدٌ الشّاذليُّ البَكريُّ الشَّهيرُ بالحَنَفيّ، الفَقيهُ الواعظُ أَحَدُ مَن صَرَّفَهُ الله تَعالى في الكَون، ومَكَّنَهُ من الأَحوال، ونَطَقَ بالمُغَيَّبات، وخَرَقَ له العَوائدَ، وقَلَبَ له الأَعيانَ، وتَرجَمَهُ بَعضُهُم في مُجَلَّدَين، فَقال العارفُ الشَّعرانيُّ: إنَّهُ لَم يُحط علمًا بمَقامه حَتَّى يَتَكَلَّمَ عليه، وإنَّما ذَكَرَ بَعضَ أُمُورٍ على طَريق أَرباب التَّواريخ، تُوُفّيَ سَنة (847). رد.
(¬5) علّة لقَوله: «لا يُحصَى»، وحُذفَ من قَبلُ قَولُهُ أَن يَستَقصيَ لأَمن اللَّبس، وهو شائعٌ مُطَّردٌ: أَي لا يُمكنُ إحصاؤُهُ لتَباعُده من طَلَب استقصائه: أَي غايَته ومُنتَهاهُ والتَّعبيرُ بقَوله: لا يُحصَى أَبلَغُ من قَولنا: لا يُعَدُّ؛ لأنّ العَدَّ أَن تَعُدَّ فَردًا فَردًا، والإحصاءُ يكون للجُمَل؛ ولذا قال تَعالى: {وإن تَعُدُّوا نعمة اللَّه لا تُحصُوها} [النحل: 18]، مَعناهُ واَلله أَعلَمُ إن أَرَدتُم عَدَّها فَلا تَقدرُوا على إحصائها، فَضلًا عن العَدّ، كَذا أَفادَهُ الإمامُ النَّسَفيُّ في «المُستَصفَى»، رد.
وقَد قال الأُستاذُ أَبُو القاسم (¬1) القُشَيريُّ في رسالَته (¬2) مَعَ صَلابَته (¬3) في مَذهَبه (¬4) وتَقَدُّمه في هذه الطَّريقة: سَمعتُ الأُستاذَ أَبا عَليٍّ الدَّقّاقَ (¬5) يَقُولُ: أَنا أَخَذت هذه الطَّريقة من أَبي القاسم النَّصراباذيّ (¬6).
وقال أَبُو القاسم: أَنا أَخَذتها من الشّبليّ (¬7)، وهو أَخَذَها من السَّريّ السَّقَطيّ (¬8)، وهو من مَعرُوفٍ الكَرخيّ، وهو من داوُد الطّائيّ. وهو أَخَذَ
¬
(¬1) تلكَ كُنيَتُهُ واسمُهُ عَبدُ الكَريم بنُ هَوازنَ الحافظُ المُفَسّرُ الفَقيهُ، النَّحويُّ اللُّغَويُّ الأَديبُ الكاتبُ القُشَيريُّ، الشُّجاعُ البَطَلُ، لَم يَرَ مثلَ نَفسه، ولا رأى الرّاءُونَ مثلَه، وأَنَّهُ الجامعُ لأَنواع المَحاسن، وُلدَ سَنة (377)، وسَمعَ الحَديثَ من الحاكم وغَيره. ورَوى عنه الخَطيبُ وغَيرُهُ، وصَنَّفَ التَّصانيفَ الشَّهيرة، وتُوُفّيَ سَنة (465)، «ط» عن الزَّرقانيّ على «المَواهب». رد.
(¬2) أَي الَّتي كَتَبَها إلى جَماعة الصُّوفيّة ببُلدان الإسلام سَنة (437) هـ، ذَكَرَ فيها مَشايخَ الطَّريقة، وفَسَّرَ أَلفاظًا تَدُورُ بَينَهُم بعباراتٍ أَنيقة. رد.
(¬3) أَي قُوته وتَمَكُّنه، «ط». رد.
(¬4) وهو مَذهَبُ الإمام الشّافعيّ رَضيَ الله تَعالى عنه، أو طَريقة أَهل الحَقيقة، «ط». رد.
(¬5) هو الحَسَنُ بنُ عَليٍّ الدَّقّاقُ. رد.
(¬6) هو إبراهيمُ بنُ مُحَمَّدٍ النَّصراباذيُّ بالذّال المُعجَمة شَيخُ خُراسانَ، جاورَ بمَكّة، وماتَ بها سَنة (357). رد.
(¬7) هو الإمامُ أَبُو بَكرٍ دُلَفَ الشّبليُّ البَغداديُّ المالكيُّ المَذهَب، صَحبَ الجُنَيدَ، ماتَ سَنة (334). رد.
(¬8) هو أَبُو الحَسَن بنُ مُغَلّسٍ السَّقَطيُّ خالُ الجُنَيد وأُستاذُهُ تُوُفّيَ سَنة (257). رد.
العلمَ والطَّريقة من أَبي حَنيفة (¬1)، وكُلٌّ منهم أَثنَى عليه وأَقَرَّ بفَضله. فَعَجَبًا لَك يا أَخي: أَلَم يَكُن لَك أُسوةٌ حَسَنة في هَؤُلاء السّادات الكبار؟ أَكانُوا مُتَّهَمينَ في هذا الإقرار والافتخار، وهُم أَئمّة هَذه الطَّريقة (¬2)، وأَربابُ
¬
(¬1) هو فارسُ هذا المَيدان، فإنَّ مَبنَى علم الحَقيقة على العلم والعَمَل وتَصفية النَّفس، وقَد وصَفَهُ بذلك عامّة السَّلَف، فَقال أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ في حَقّه: إنَّهُ كانَ من العلم والورَع والزُّهد وإيثار الآخرة بمَحَلٍّ لا يُدركُهُ أَحَدٌ، ولَقَد ضُربَ بالسّياط ليَليَ القَضاءَ فَلَم يَفعَل. وقال عَبدُ اللَّه بنُ المُبارَك: لَيسَ أَحَدٌ أَحَقَّ من أَن يُقتَدَى به من أَبي حَنيفة؛ لأَنَّهُ كانَ إمامًا تَقيًّا نَقيًّا ورعًا عالمًا فَقيهًا، كَشَفَ العلمَ كَشفًا لَم يَكشفهُ أَحَدٌ ببَصَرٍ وفَهمٍ وفطنة وتُقًى، وقال الثَّوريُّ لمَن قال له: جئت من عند أَبي حَنيفة: لَقَد جئت من عند أَعبَد أَهل الأَرض، وأَمثالُ ذلك ممّا نَقَله ابنُ حَجَرٍ وغَيرُهُ من العُلَماء الأَثبات. رد.
(¬2) في «رسالة الفُتُوحات» للقاضي زَكَريّا: الطَّريقة سُلُوكُ طَريق الشَّريعة، والشَّريعة: أَعمالٌ شَرعيّة مَحدُودة، وهُما والحَقيقة ثَلاثة مُتَلازمة؛ لأنّ الطَّريقَ إلَيه تَعالى ظاهرٌ وباطنٌ، فَظاهرُها الطَّريقة والشَّريعة، وباطنُها الحَقيقة، فَبُطُونُ الحَقيقة في الشَّريعة، والطَّريقةُ كَبُطُون الزُّبد في لَبَنه، لا يُظفَرُ بزُبده بدُون مَخضه، والمُرادُ من الثَّلاثة إقامة العُبُوديّة على الوجه المُراد من العَبد اهـ، «ابنُ عَبد الرَّزّاق». رد.
الشَّريعة والحَقيقة، ومَن بَعدَهُم (¬1) في هذا الأَمر، فَلهم تَبَعٌ، وكُلُّ ما خالَفَ ما اعتَمَدُوهُ (¬2) مَردُودٌ ومُبتَدَعٌ (¬3).
وبالجُملة فَلَيسَ أَبُو حَنيفة في زُهده وورَعه وعبادَته وعلمه وفَهمه بمُشارَكٍ، وممّا قال فيه ابنُ المُبارَك رَضيَ الله عنه:
لَقَد زانَ البلادَ ومَن عليها (¬4) ... إمامُ ... المُسلمينَ أَبُو حَنيفَه
بأَحكامٍ ... وآثارٍ (¬5) ... وفقهٍ (¬6) ... كآيات الزَّبُور (¬7) على صَحيفَه
¬
(¬1) أَي مَن أَتَى بَعدَ هَؤُلاء الأَئمّة في الزَّمان سالكًا في هذا الأَمر، وهو علمُ الشَّريعة والحَقيقة، فهو تابعٌ لهم؛ إذ هم الأَئمّة فيه، فيكون فَخرُهُ باتّصال سَنَده بهذا الإمام كَما كانَ ذلك فَخرُ الأَئمّة المَذكُورينَ الَّذينَ افتَخَرُوا بذلك، وتَبعُوهُ في حَقيقَته ومَشرَبه، واقتَدَى كَثيرٌ منهُم بطَريقَته ومَذهَبه. رد.
(¬2) من الثَّناء عليه والافتخار به من حَيثُ أَخذُ علم الحَقيقة عَنهُ. رد.
(¬3) بالبناء للمَفعُول: أَي مُحدَثٌ لَم يُسبَق بنَظيرٍ. رد.
(¬4) ووجهُ ذلك أَنَّ استنباطَ الأَحكام الشَّرعيّة وتَدوينَها وتَعليمَها للنّاس سَبَبٌ للعَمَل بها. ولا شَكَّ أَنَّ الانقيادَ للأَحكام الشَّرعيّة وعَمَل الحُكّام بها والرَّعيّة زَينٌ للبلاد والعباد يَنتَظمُ به أَمرُ المَعاش والمَعاد، وبضدّه الجَهلُ والفَسادُ، فإنَّهُ شَينٌ ودَمارٌ للدّيار والأَعمار. رد.
(¬5) جَمعُ أَثَرٍ. قال النَّوويُّ في «شَرح مُسلمٍ»: الأَثَرُ عند المُحَدّثينَ يَعُمُّ المَرفُوعَ والمَوقُوفَ كالخَبَر، والمُختارُ إطلاقُهُ على المَرويّ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ عن الصَّحابيّ أو المُصطَفَى - صلى الله عليه وسلم -، وخَصَّهُ فُقَهاءُ خُراسانَ بالمَوقُوف على الصَّحابيّ، والخَبَر بالمَرفُوع.
ولَقَد كانَ - رَحمَهُ الله تَعالى - إمامًا في ذلك، فإنَّهُ - رَضيَ الله تَعالى عنه - أَخَذَ الحَديثَ عن أَربَعة آلاف شَيخٍ من أَئمّة التّابعينَ وغَيرهم. ومن ثَمَّ ذَكَرَهُ الذَّهَبيُّ وغَيرُهُ في طَبَقات الحُفّاظ من المُحَدّثينَ، ومَن زَعَمَ قلّة اعتنائه بالحَديث فهو إمّا لتَساهُله أو حَسَده؛ إذ كَيفَ يَتأتَّى ممَّن هو كَذلك استنباطُ مثل ما استَنبَطَهُ من المَسائل، مع أَنَّهُ أَولُ مَن استَنبَطَ من الأَدلّة على الوجه المَخصُوص المَعرُوف في كُتُب أَصحابه.
ولأَجل اشتغاله بهذا الأَهَمّ لَم يَظهَر حَديثُهُ في الخارج، كَما أَنَّ أَبا بَكرٍ وعُمَرَ - رَضيَ الله عَنهُما - لَمّا اشتَغَلا بمَصالح المُسلمينَ العامّة لَم يَظهَر عنهما من رواية الأَحاديث مثلُ ما ظَهَرَ عن صغار الصَّحابة، وكَذلك مالكٌ والشّافعيُّ لَم يَظهَر عَنهُما مثلُ ما ظَهَرَ عَمَّن تَفَرَّغَ للرّواية كأبي زُرعة وابن مَعينٍ لاشتغالهما بذلك الاستنباط.
على أَنَّ كَثرة الرّواية بدُون دراية لَيسَ فيه كَثيرُ مَدحٍ، بَل عَقَدَ له ابنُ عَبد البَرّ بابًا في ذَمّه، ثُمَّ قال: واَلَّذي عليه فُقَهاءُ جَماعة المُسلمينَ وعُلَمائهم ذَمُّ الإكثار من الحَديث بدُون تَفَقُّهٍ ولا تَدَبُّرٍ.
وقال ابنُ شُبرُمة: أَقلل الرّواية تَتَفَقَّه.
وقال ابنُ المُبارَك: ليَكُن الَّذي تَعتَمدُ عليه الأَثَرَ، وخُذ من الرّأي ما يُفَسّرُ لَك الحَديثَ.
ومن أَعذار أَبي حَنيفة - رَضيَ الله تَعالى عنه - ما يُفيدُهُ قَولُهُ: لا يَنبَغي للرَّجُل أَن يُحَدّثَ من الحَديث إلّا بما يَحفَظُهُ يَومَ سَمعَهُ إلى يَوم يُحَدّثُ به، فهو لا يَرَى الرّواية إلّا لمَن حَفظَ.
ورَوى الخَطيبُ عن إسرائيلَ بن يُونُسَ أَنَّهُ قال: نعمَ الرَّجُلُ النُّعمانُ، ما كانَ أَحفَظَهُ لكُلّ حَديثٍ فيه فقهٌ وأَشَدُّ فَحصه عنه، وأَعلَمُهُ بما فيه من الفقه، وتَمامُهُ في «الخَيرات الحسان» لابن حَجَرٍ. رد.
(¬6) المُرادُ به ما يَعُمُّ التَّوحيدَ، فانَّ الفقهَ كَما عَرَّفَهُ الإمامُ مَعرفة النَّفس ما لَها وما عليها، «ط». رد.
(¬7) التَّشبيهُ في الإيضاح والبَيان لا في الأَحكام؛ لأنّ الزَّبُورَ مَواعظُ ويَحتَملُ أَنَّهُ تَشبيهٌ في الزّينة، والمَعنَى أَنَّهُ زانَ ما ذُكرَ كَما زَيَّنَت النُّقُوشُ الطُّرُوسَ، «ط». رد.
فَما في المَشرقَين (¬1) له نَظيرٌ ... ولا ... في المَغربَين ولا بكُوفَه (¬2)
يَبيتُ مُشَمّرًا سَهرَ اللَّياليَ ... وصامَ ... نَهارَهُ ... للَّه ... خيفَه (¬3)
¬
(¬1) المَشرقُ مَحَلُّ الشُّرُوق: أَي الطُّلُوعُ، والمَغربُ مَحَلُّ الغُرُوب، وثَنّاهُما مع أَنَّ كُلًّا منهُما واحدٌ، كَما في قَوله تَعالى: {رَبُّ المَشرقَين ورَبُّ المَغربَين} [الرحمن: 17]، على إرادة مَشرقَي الشّتاء والصَّيف ومَغربَيهما قاله البَيضاويُّ، وقيل: مَشرقُ الشَّمس والفَجر ومَغربُ الشَّمس والشَّفَق، أو مَشرق الشَّمس والقَمَر ومَغربَيهما، وجُمعا في قَوله تَعالى: {برَبّ المَشارق والمَغارب} [المعارج: 40]- باعتبار الأَقطار أو الأَيّام أو المَنازل أَفادَهُ، «ط». رد.
(¬2) خَصَّها بالذّكر مَعَ أَنَّ المُرادَ المَشرقَين والمَغربَين وما بَينَهُما بقَرينة المَقام؛ لأَنَّها بَلَدُهُ، أو لأَنَّها من أَعظَم بلاد الإسلام يَومَئذٍ. قال في «القامُوس»: الكُوفة الرَّملة الحَمرة المُستَديرة أو كُلُّ رَملة يُخالطُها حَصباءُ، ومَدينة العراق الكُبرَى، وقُبّة الإسلام، ودارُ هجرة المُسلمينَ، مَصَّرَها سَعدُ بنُ أَبي وقّاص رَضيَ الله تَعالى عنه، وكانَت مَنزلَ نُوحٍ وبَنَى مَسجدَها، سُمّيَت بذلك لاستدارَتها واجتماع النّاس بها، ويُقالُ لَها: كَوفانُ، ويُفتَحُ، وكُوفة الجُند؛ لأَنَّها اُختُطَّت فيها خُطَطُ العَرَب أَيّامَ عُثمانَ رَضيَ الله تَعالى عنه خَطَّطَها السّائبُ بنُ الأَقرَع الثَّقَفيُّ إلَخ. رد.
(¬3) زادَ في «تَنوير الصَّحيفة» بَعدَ هذا البَيت بَيتَين وهُما:
وصانَ لسانَهُ عن كُلّ إفكٍ ... وما زالَت جَوارحُهُ عَفيفَه
يَعفُّ عن المَحارم والمَلاهي ... ومَرضاةُ الإلَه له وظيفَه
ونَنقُلُ نُبذة يَسيرة شاهدة لهَذه الأَبيات عن ابن حَجَرٍ. قال الحافظُ الذَّهَبيُّ: قَد تَواتَرَ قيامُهُ باللَّيل وتَهَجُّدُهُ وتَعَبُّدُهُ: أَي ومن ثَمَّ كانَ يُسَمَّى الوتَدَ لكَثرة قيامه باللَّيل، بَل أَحياهُ بقراءة القُرآن في رَكعة ثَلاثينَ سَنة، وكانَ يُسمَعُ بُكاؤُهُ باللَّيل حَتَّى يَرحَمَهُ جيرانُهُ.
ووقَعَ رَجُلٌ فيه عند ابن المُبارَك فَقال: ويحَك، أَتَقَعُ في رَجُلٍ صَلَّى خَمسًا وأَربَعينَ سَنة الخَمسَ صَلَواتٍ بوُضُوءٍ واحدٍ، وكانَ يَجمَعُ القُرآنَ في رَكعة، ونَظَّمت ما عندي من الفقه منه.
ولَمّا غَسَّله الحَسَنُ بنُ عُمارة، قال: رَحمَك الله، وغَفَرَ لَك، لَم تُفطر مُنذُ ثَلاثينَ سَنة. وقَد أَتعَبت مَن بَعدَك، وفَضَحت القُرّاءَ.
وقال الفَضلُ بنُ دُكَينٍ: كانَ هَيُّوبًا، لا يَتَكَلَّمُ إلّا جَوابًا، ولا يَخُوضُ فيما لا يَعنيه، ولا يَستَمعُ إلَيه. وقيل له: اتَّق اللَّهَ، فانتَفَضَ وطأطأ رأسَهُ ثُمَّ قال: يا أَخي جَزاك الله خَيرًا، ما أَحوجَ أَهلَ كُلّ وقتٍ إلى مَن يُذَكّرُهُم اللَّهَ تَعالى.
وقال الحَسَنُ بنُ صالحٍ: كانَ شَديدَ الورَع، هائبًا للحَرام، تاركًا لكَثيرٍ من الحَلال مَخافة الشُّبهة، ما رأيت فَقيهًا أَشَدَّ منه صيانةً لنَفسه. رد.
فَمَن كأبي حَنيفة في عُلاهُ ... إمامٌ ... للخَليفة ... والخَليقَه
رأيت العائبينَ له سَفاهًا ... خلافَ الحَقّ مَعَ حجَجٍ ضَعيفَه
وكَيفَ يَحلُّ أَن يُؤذَى فَقيهٌ ... له ... في ... الأَرض آثارٌ شَريفَه
وقَد قال ابنُ إدريس (¬1) مَقالًا ... صَحيحَ النَّقل في حكَمٍ لَطيفَه
¬
(¬1) والمُرادُ به الإمامُ الرَّئيسُ، ذُو العلم النَّفيس مُحَمَّدُ بنُ إدريسَ، الشّافعيُّ القُرَشيُّ، - رَضيَ الله تَعالى عنه -، ونَفَعَنا به في الدّارَين آمينَ، قال ابنُ حَجَرٍ: وقال الشّافعيُّ - رَضيَ الله تَعالى عنه -: مَن أَرادَ أَن يَتَبَحَّرَ في الفقه فهو عيالٌ على أَبي حَنيفة، إنَّهُ ممَّن وُفق له الفقهُ، هَذه رواية حَرمَلة عنه، ورواية الرَّبيع عنه: النّاسُ عيالٌ في الفقه على أَبي حَنيفة، ما رأيت أَي ما عَلمت أَحَدًا أَفقَهَ منه. وجاءَ عنه أَيضًا: مَن لَم يَنظُر في كُتُبه لَم يَتَبَحَّر في العلم ولا يَتَفَقَّهُ. اهـ. رد.
بأَنَّ النّاسَ في فقهٍ عيالٌ ... على فقه الإمام ... أَبي حَنيفَه
فَلَعنة ... رَبّنا أَعدادَ رَملٍ ... على مَن رَدَّ قَولَ أَبي حَنيفَه (¬1)
وقَد ثَبَتَ (¬2) أَنَّ ثابتًا والدَ الإمام أَدرَكَ الإمامَ عَليَّ بنَ أَبي طالبٍ فَدَعا له ولذُرّيَّته بالبَرَكة.
¬
(¬1) أَي على مَن رَدَّ ما قاله من الأَحكام الشَّرعيّة مُحتَقرًا لَها، فإنَّ ذلك مُوجبٌ للطَّرد والإبعاد، لا بمُجَرَّد الطَّعن في الاستدلال؛ لأنّ الأَئمّة لَم تَزَل يَرُدُّ بَعضُهُم قَولَ بَعضٍ، ولا بمُجَرَّد الطَّعن في الإمام نَفسه؛ لأنّ غايَتَهُ الحُرمة فَلا يُوجبُ اللَّعنَ، لَكن لَيسَ فيه لَعنُ شَخصٍ مُعَيَّنٍ فهو كَلَعن الكاذبينَ ونَحوهم من العُصاة فافهَم. وفي هذا البَيت من عُيُوب الشّعر الإيطاءُ، على أَنَّهُ لَم يَذكُرهُ في «تَنوير الصَّحيفة» كَما قاله ابنُ عَبد الرَّزّاق. رد.
(¬2) فَفي «تاريخ ابن خلّكانَ» عن الخَطيب أَنَّ حَفيدَ أَبي حَنيفة قال: أَنا إسماعيلُ بنُ حَمّاد بن النُّعمان بن ثابت بن النُّعمان بن المَرزُبان من أَبناء فارسَ من الأَحرار، واَللَّه ما وقَعَ عَلَينا رقٌّ قَطُّ: وُلدَ جَدّي أَبُو حَنيفة سَنة ثَمانينَ، وذَهَبَ ثابتٌ إلى عَليّ بن أَبي طالبٍ - رَضيَ الله تَعالى عنه -، وهو صَغيرٌ فَدَعا له بالبَرَكة فيه وفي ذُرّيَّته، ونَحنُ نَرجُو أَن يكون الله تَعالى قَد استَجابَ لعَليٍّ فينا؟ والنُّعمانُ بنُ المَرزُبان أَبُو ثابتٍ هو الَّذي أَهدَى لعَليٍّ الفالُوذَجَ في يَوم مهرَجانٍ فَقال عَليٌّ: مَهرجُونا كُلَّ يَومٍ هَكَذا. اهـ. وبه ظَهَرَ أَنَّ ما في بَعض الكُتُب من قَوله: وذَهَبَ ثابتٌ بجَدّي إلى عَليٍّ إلَخ غَيرُ ظاهرٍ؛ لأنّ عَليًّا ماتَ سَنة أَربَعينَ من الهجرة كَما في أَلفيّة العراقيّ، فالظّاهرُ أَنَّ لَفظة بجَدّي من زيادة النُّسّاخ أو الباءُ زائدة وأَصلُهُ جَدّي. رد.
وصَحَّ (¬1) أَنَّ أَبا حَنيفة سَمعَ الحَديثَ من سَبعة من الصَّحابة، كَما بُسطَ في أَواخر «مُنية المُفتي».
¬
(¬1) قال بَعضُ مُتأخّري المُحَدّثينَ ممَّن صَنَّفَ في مَناقب الإمام كتابًا حافلًا ما حاصلُهُ: إنَّ أَصحابَهُ الأَكابرَ كأبي يُوسُفَ ومُحَمَّد بن الحَسَن وابن المُبارَك وعَبد الرَّزّاق وغَيرهم لَم يَنقُلُوا عنه شَيئًا من ذلك، ولو كانَ لَنَقَلُوهُ، فإنَّهُ ممّا يَتَنافَسُ فيه المُحَدّثُونَ ويَعظُمُ افتخارُهُم، وبأنّ كُلَّ سَنَدٍ فيه أَنَّهُ سَمعَ من صَحابيٍّ لا يَخلُو من كَذّابٍ، فأمّا رُؤيَتُهُ لأَنَسٍ وإدراكُهُ لجَماعة من الصَّحابة بالسّنّ فَصَحيحان لا شَكَّ فيهما، وما وقَعَ للعَينيّ أَنَّهُ أَثبَتَ سَماعَهُ لجَماعة من الصَّحابة رَدَّهُ عليه صاحبُهُ الشَّيخُ الحافظُ قاسمٌ الحَنَفيُّ.
مَطلَبٌ فيما اُختُلفَ فيه من رواية الإمام عن بَعض الصَّحابة:
والظّاهرُ أَنَّ سَبَبَ عَدَم سَماعه ممَّن أَدرَكَهُ من الصَّحابة أَنَّهُ أَولَ أَمره اشتَغَلَ بالاكتساب حَتَّى أَرشَدَهُ الشَّعبيُّ لَمّا رأى من باهر نَجابَته إلى الاشتغال بالعلم، ولا يَسَعُ مَن له أَدنَى إلمامٌ بعلم الحَديث خلافُ ما ذَكَرته. اهـ. لَكن يُؤَيّدُ ما قاله العَينيُّ: قاعدة المُحَدّثينَ أَنَّ راويَ الاتّصال مُقَدَّمٌ على راوي الإرسال أو الانقطاع؛ لأنّ مَعَهُ زيادة علمٍ، فاحفَظ ذلك فإنَّهُ مُهمٌّ كَذا في «عقد اللّالئ والمَرجان» للشَّيخ إسماعيلَ العَجلُونيّ الجراحيّ.
وعلى كُلٍّ فهو من التّابعينَ، وممَّن جَزَمَ بذلك الحافظُ الذَّهَبيُّ والحافظُ العَسقَلانيُّ وغَيرُهُما، قال العَسقَلانيُّ: إنَّهُ أَدرَكَ جَماعة من الصَّحابة كانُوا بالكُوفة بَعدَ مَولده بها سَنة ثَمانينَ، ولَم يَثبُت لأَحَدٍ من أَئمّة الأَمصار المُعاصرينَ له كالأوزاعيّ بالشّام، والحَمّادينَ بالبَصرة، والثَّوريّ بالكُوفة، ومالكٍ بالمَدينة الشَّريفة، واللَّيث بن سَعدٍ بمصرَ. رد.
وأَدرَكَ بالسّنّ (¬1) نَحو عشرينَ صَحابيًّا كَما بُسطَ في أَوائل «الضّياء» (¬2). وقَد ذَكَرَ العَلّامة شَمسُ الدّين مُحَمَّدُ أَبُو النَّصر بنُ عَرَب شاه الأَنصاريُّ الحَنَفيُّ في مَنظُومَته الأَلفيّة المُسَمّاة بـ «جَواهر العَقائد ودُرَر القَلائد» ثَمانية من الصَّحابة ممَّن رَوى عَنهُم الإمامُ الأَعظَمُ أَبُو حَنيفة حَيثُ قال:
مُعتَقدًا مَذهَب عَظيم ... الشّأن ... أَبي حَنيفة الفَتَى (¬3) النُّعمان
التّابعيُّ ... سابقُ ... الأَئّمَه (¬4) ... بالعلم والدّين سراج الأُمَّه
جَمعًا من أَصحاب النَّبيّ أَدرَكا ... أَثَرَهُم (¬5) قَد اقتَفَى ... وسَلَكا
¬
(¬1) أَي وُجدَ في زَمَنهم وإن لَم يَرَهُم كُلهم. رد.
(¬2) فَقال: هُم ابنُ نُفَيلٍ وواثلة وعَبدُ اللَّه بنُ عامرٍ وابنُ أَبي أوفَى وابنُ جُزءٍ وعُتبة والمقدادُ وابنُ بُسرٍ وابنُ ثَعلَبة وسَهلُ بنُ سَعدٍ، وأَنَسٌ وعَبدُ الرَّحمَن بنُ يَزيدَ ومَحمُودُ بنُ لَبيدٍ ومَحمُودُ بنُ الرَّبيع وأَبُو أُمامة وأَبُو الطُّفَيل فَهَؤُلاء ثَمانية عَشَرَ صَحابيًّا، ورُبَّما أَدرَكَ غَيرَهُم ممَّن لَم أَظفَر به، اهـ مُلَخَّصًا.
وزادَ في «تَنوير الصَّحيفة»: عَمرَو بنَ حُرَيثٍ وعَمرَو بنَ سَلَمة وابنَ عَبّاسٍ وسَهلَ بنَ مُنَيفٍ، ثُمَّ قال: وغَيرُ هَؤُلاء من أَماثل الصَّحابة - رَضيَ الله تَعالى عَنهُم -،. اهـ. ابنُ عَبد الرَّزّاق. رد.
(¬3) من الفُتُوة: وهيَ السَّخاءُ والقُوةُ، «ط». رد.
(¬4) أَي الأَئمّة الثَّلاثة بالعلم: أَي بالاجتهاد فيه، وكُلّ الأَئمّة المُجتَهدينَ بتَدوينه: فإنَّهُ أَولُ مَن دَونَهُ، كَما مَرَّ. رد.
(¬5) أَي خَبَرَهُم فهو مَفعُولُ اقتَفَى، وطَريقة مَفعُولُ سَلَكَ، والمُرادُ بها الحالة الَّتي كانَ عليها من الاعتقاد والعلم والعَمَل. والمنهاجُ في الأَصل: الطَّريقُ الواضحُ، وأَرادَ به هُنا مُطلَقَ الطَّريق فأضافَ واضحة إلَيه. رد.
طَريقة ... واضحة ... المنهاج ... سالمة من الضَّلال الدّاجي (¬1)
وقَد رَوى عن أَنَسٍ (¬2) وجابرٍ (¬3) ... وابن أَبي أوفَى (¬4) كَذا عن عامرٍ
¬
(¬1) شَديد الظُّلمة، «قامُوسٌ». رد.
(¬2) هو أنس بنُ مالكٍ الصَّحابيُّ الجَليلُ، خادمُ رَسُول اللَّه - صَلَّى الله عليه وسَلَّمَ - ماتَ بالبَصرة سَنة اثنَتَين، وقيل: ثَلاثٍ وتسعينَ، ورَجَّحَهُ النَّوويُّ وغَيرُهُ، وقَد جاوزَ المائة. قال ابنُ حَجَرٍ: قَد صَحَّ كَما قال الذَّهَبيُّ: إنَّهُ رأهُ وهو صَغيرٌ، وفي رواية قال: رأيته مرارًا، وكانَ يخَضّبُ بالحُمرة. وجاءَ من طُرُقٍ أَنَّهُ روى عنه أَحاديثَ ثَلاثة، لَكن قال أَئمّة المُحَدّثينَ مَدارُها على مَن اتَّهَمَهُ الأَئمّة بوضع الأَحاديث. اهـ. قال بَعضُ الفُضَلاء: وقَد أَطالَ العَلّامة طاش كُبرَى في سَرد النُّقُول الصَّحيحة في إثبات سَماعه منهُ، والمُثبتُ مُقَدَّمٌ على النّافي. رد.
(¬3) جابرٍ بنَ عَبد اللَّه. واعتُرضَ بأَنَّهُ ماتَ سَنة (79) قَبلَ ولادة الإمام بسَنة، ومن ثَمَّ قالُوا في الحَديث المَرويّ عن أَبي حَنيفة عن جابرٍ - رَضيَ الله تَعالى عنه - أَنَّهُ - صَلَّى الله عليه وسَلَّمَ - أَمَرَ مَن لَم يُرزَق ولَدًا بكَثرة الاستغفار والصَّدَقة فَفَعَلَ فَوُلدَ له تسعة ذُكُورٍ إنَّهُ حَديثٌ مَوضُوعٌ. ابنُ حَجَرٍ: لَكن نَقَلَ «ط» عن «شَرح الخوارزميّ على مُسنَد الإمام»: أَنَّ الإمامَ قال في سائر الأَحاديث: سَمعت، وفي روايَته عن جابرٍ ما قال سَمعت، وإنَّما قال عن جابرٍ كَما هو عادة التّابعينَ في إرسال الأَحاديث. ويُمكنُ أَن يُقال إنَّهُ يَتَمَشَّى على القَول بولادة الإمام سَنة (70)، أهـ.
أَقُولُ: والحَديثُ المَذكُورُ إن كانَ مَوجُودًا في مُسنَد الإمام، فَغاية ما فيه أَنَّهُ مُرسَلٌ، وأَمّا الحُكمُ عليه بالوضع فَلا وجهَ له؛ لأنّ الإمامَ حُجّة ثَبتٌ لا يَضَعُ ولا يَروي عن وضّاعٍ. رد.
(¬4) عبد الله بن أَبي أوفَى، آخرُ مَن ماتَ من الصَّحابة بالكُوفة سَنة (86)، وقيل: سَنة (87)، وقيل سَنة (88)، «سُيُوطيٌّ في شَرح التَّقريب»: قال ابنُ حَجَرٍ: رَوى عنه الإمامُ هذا الحَديثَ المُتَواترَ: «مَن بَنَى للَّه مَسجدًا ولو كَمَفحَص قَطاةٍ بَنَى الله له بَيتًا في الجَنّة». رد.
أَعني أَبا الطُّفَيل (¬1) ذا ابنَ واثلَه ... وابنَ أُنَيس (¬2) الفَتَى وواثلَه (¬3)
¬
(¬1) أَي أَقصدُ بعامرٍ المَذكُور أَبا الطُّفَيل بنَ واثلة بكَسر الثّاء المُثَلَّثة اللَّيثيَّ، وهو آخرُ الصَّحابة مَوتًا على الإطلاق. تُوُفّيَ بمَكّة، وقيل: بالكُوفة سَنة مائة، كَما جَزَمَ به العراقيُّ وغَيرُهُ تَبَعًا لمُسلمٍ، وصَحَّحَ الذَّهَبيُّ أَنَّهُ سَنة عَشرٍ ومائة، وقيل: سَبعٍ وعشرينَ. رد.
(¬2) عبد الله بنَ أُنَيسٌ الجُهَنيّ. أَخرَجَ بَعضُهُم بسَنَده إلى الإمام أَنَّهُ قال: وُلدت سَنة ثَمانينَ، وقَدمَ عَبدُ اللَّه بنُ أُنَيس صاحبُ رَسُول اللَّه - صَلَّى الله عليه وسَلَّمَ - الكُوفة سَنة أَربَعٍ وتسعينَ، ورأيته وسَمعت منهُ عن رَسُول اللَّه - صَلَّى الله عليه وسَلَّمَ -: «حُبُّك الشَّيءَ يُعمي ويُصمُّ».
واعتُرضَ بأَنَّ في سَنَده مَجهُولينَ، وبأَنَّ ابنَ أُنَيسٌ ماتَ سَنة (54).
وأُجيبُ بأَنَّ هذا الاسمَ لخَمسة من الصَّحابة فَلَعَلَّ المُرادَ غَيرُ الجُهَنيّ.
ورُدَّ بأَنَّ غَيرَهُ لَم يَدخُل الكُوفة. رد.
(¬3) واثلَه بن الأَسقَع، ماتَ بالشّام سَنة خَمسٍ أو ثَلاثٍ أو ستّ وثَمانينَ، «سُيُوطيٌّ». ورَوى الإمامُ عنه حَديثَين: «لا تُظهر الشَّماتة لأَخيك فَيُعافيَهُ الله ويَبتَليَك»، «دَع ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك»، والأَولُ رَواهُ التّرمذيُّ من وجهٍ آخَرَ، وحَسَّنَهُ، والثّاني جاءَ من رواية جَمعٍ من الصَّحابة، وصَحَّحَهُ الأَئمّة ابنُ حَجَرٍ. رد.
عَن ابن جَزءٍ (¬1) قَد رَوى الإمامُ ... وبنت عَجرَدٍ (¬2) ... هي التَّمامُ
فَرَضيَ الله الكَريمُ دائمًا ... عَنهُم وعَن كُلّ الصّحاب العُظَما
¬
(¬1) هو عَبدُ اللَّه بنُ الحارث بن جَزْءٍ الزُّبَيديُّ مُصَغَّرًا.
واعتُرضَ بأَنَّهُ ماتَ سَنة (86) بمصرَ بسَقط أَبي تُرابٍ، قَرية من الغَربيّة قُربَ سَمَنُّودَ والمَحَلّة، وكانَ مُقيمًا بها. وأَمّا ما جاءَ عن أَبي حَنيفة من أَنَّهُ حَجَّ مَعَ أَبيه سَنة (96) وأَنَّهُ رأى عَبدَ اللَّه هذا يُدَرّسُ بالمَسجد الحَرام وسَمعَ منهُ حَديثًا، فَرَدَّهُ جَماعةٌ منهُم الشَّيخُ قاسمٌ الحَنَفيُّ، بأَنَّ سَنَدَ ذلك فيه قَلبٌ وتَحريفٌ، وفيه كَذّابٌ باتّفاقٍ، وبأَنَّ ابنَ جَزْءٍ ماتَ بمصرَ، ولأَبي حَنيفة ستُّ سنينَ، وبأَنَّ ابنَ جَزْءٍ لَم يَدخُل الكُوفة في تلكَ المُدّة، ابنُ حَجَرٍ. رد.
(¬2) اسمُها عائشة. واعتُرضَ بأَنَّ حاصلَ كَلام الذَّهَبيّ وشَيخ الإسلام ابن حَجَرٍ العَسقَلانيّ أَنَّ هَذه لا صُحبة لَها، وأَنَّها لا تَكادُ تُعرَفُ، وبذلك رُدَّ ما رُويَ أَنَّ أَبا حَنيفة رَوى عَنها هذا الحَديثَ الصَّحيحَ: «أَكثَرُ جُند اللَّه في الأَرض الجَرادُ، لا آكُلُهُ ولا أُحَرّمُهُ»، ابنُ حَجَرٍ الهَيتَميُّ.
وزادَ على مَن ذَكَرَ هُنا ممَّن رَوى عَنهُم الإمامُ فَقال:
ومنهُم: سَهلُ بنُ سَعدٍ، ووفاتُهُ سَنة (88) وقيل: بَعدَها.
ومنهُم: السّائبُ بنُ يَزيدَ بن سَعيدٍ، ووفاتُهُ سَنة إحدَى أو اثنَتَين أو أَربَعٍ وتسعينَ.
ومنهُم: عَبدُ اللَّه بنُ بُسرٍ، ووفاتُهُ سَنة (96).
ومنهُم: مَحمُودُ بنُ الرَّبيع، ووفاتُهُ سَنة (99). رد.
وتُوُفّيَ ببَغدادَ قيل في السّجن ليَليَ القَضاءَ (¬1) وله سَبعُونَ سَنة بتاريخ خَمسينَ ومائة، قيل: ويَومَ تُوُفّيَ وُلدَ الإمامُ الشّافعيُّ - رضي الله عنه - فَعُدَّ من مَناقبه.
وقَد قيل: الحكمة في مُخالَفة تَلامذَته له أَنَّهُ رأى صَبيًّا يَلعَبُ في الطّين فَحَذَّرَهُ من السُّقُوط.
¬
(¬1) أَي قَضاءَ القُضاة؛ لتَكُونَ قُضاةُ الإسلام من تَحت أَمره، والطّالبُ له هو المَنصُورُ فامتَنَعَ فَحَبَسَهُ، وكانَ يُخرَجُ كُلَّ يَومٍ، فَيُضرَبُ عَشرة أَسواطٍ، ويُنادَى عليه في الأَسواق، ثُمَّ ضُربَ ضَربًا مُوجعًا حَتَّى سالَ الدَّمُ على عَقبه ونُوديَ عليه وهو كذلك، ثُمَّ ضُيّقَ عليه تَضييقًا شَديدًا حَتَّى في مأكَله ومَشرَبه، فَبَكَى وأَكَّدَ الدُّعاءَ، فَتُوُفّيَ بَعدَ خَمسة أَيّامٍ، ورَوى جَماعة: أَنَّهُ دُفعَ إليه قَدَحٌ فيه سُمٌّ فامتَنَعَ، وقال: لا أَعينُ على قَتل نَفسي، فَصُبَّ في فيه قَهرًا، قيل: إنَّ ذلك بحَضرة المَنصُور. وصَحَّ أَنَّهُ لَمّا أَحَسَّ بالمَوت سَجَدَ، فَماتَ وهو ساجدٌ.
قيل: والسَّبَبُ في ذلك أَنَّ بَعضَ أَعدائه دَسَّ إلى المَنصُور أَنَّهُ هو الَّذي أَثارَ إبراهيمَ بنَ عَبد اللَّه بن الحَسَن بن الحُسَين بن عَليٍّ - رَضيَ الله عَنهُم - الخارجَ عليه بالبَصرة، فَطَلَبَ منه القَضاءَ مع علمه بأَنَّهُ لا يَقبَلُهُ ليَتَوصَّلَ إلى قَتله، اهـ، مُلَخَّصًا من [الخَيرات الحسان] لابن حَجَرٍ.
وذَكَرَ التَّميميُّ أَنَّ الخَطيبَ رَوى بسَنَده أَنَّ ابنَ هُبَيرة: كانَ عاملَ مَروانَ على العراق، فَكَلَّمَ أَبا حَنيفة أَن يَليَ قَضاءَ الكُوفة فأبَى فَضَرَبَهُ مائة سَوطٍ وعَشرة أَسواطٍ، ثُمَّ خَلَّى سَبيله. وكانَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ إذا ذَكَرَ ذلك بَكَى وتَرَحَّمَ عليه، خُصُوصًا بَعدَ أَن ضُربَ هو أَيضًا، اهـ.
فالظّاهرُ تَعَدُّدُ القصّة وبَنُو مَروانَ قَبلَ المَنصُور، فإنَّهُ من بَني العَبّاس، فَقصّة ابن هُبَيرة كانت أَولًا، واَلله أَعلَمُ. رد.
فأجابَهُ (¬1): بأَن احذَر أَنتَ السُّقُوطَ، فإنَّ في سُقُوط العاِلم سُقُوطُ العالَم، فَحينَئذٍ (¬2) قال لأَصحابه: إن تَوجَّهَ لَكُم دَليلٌ (¬3) فَقُولُوا به (¬4)، فَكانَ كُلٌّ يأخُذُ برواية عنه (¬5) ويُرَجّحُها، وهذا من غاية احتياطه وورَعه.
¬
(¬1) للَّه دَرُّ هذا الصَّبيّ ما أَحكَمَهُ حَيثُ عَلمَ أَنَّ سُقُوطَهُ وإن تَضَرَّرَ به جَسَدُهُ وحدَهُ لَكنَّهُ لا يَضُرُّ في الدّين، فَكأنَّهُ لَيسَ بسُقُوطٍ، بخلاف سُقُوط العالم في طَريق الحَقّ، فإنَّهُ إذا كانَ قَبلَ بَذل المَجهُود في نَيل المَقصُود يَلزَمُ منه سُقُوطُ غيره ممَّن اتَّبَعَهُ أَيضًا، فَيَعُودُ ضَرَرُهُم عليه، وذلك ضَرَرٌ في الدّين، على حَدٍّ قَوله تَعالى: {فانَّها لا تَعمَى الأَبصارُ} [الحج: 46] الآية: أَي العَمَى الضّارُّ لَيسَ عَمَى الأَبصار، وإنَّما عَمَى القُلُوب. رد.
(¬2) رَوى الإمامُ أَبُو جَعفَرٍ الشّيراماذيُّ عن شَقيقٍ البَلخيّ أَنَّهُ كانَ يَقُولُ: كانَ الإمامُ أَبُو حَنيفة من أورَع النّاس، وأَعبَد النّاس، وأَكرَم النّاس، وأَكثَرهم احتياطًا في الدّين، وأَبعَدهم عن القَول بالرّأي في دين اللَّه عَزَّ وجَلَّ، وكانَ لا يَضَعُ مَسأَلةً في العلم حَتَّى يَجمَعَ أَصحابَهُ عليها ويَعقدَ عليها مَجلسًا، فإذا اتَّفَقَ أَصحابُهُ كُلُّهُم على مُوافَقَتها للشَّريعة، قال لأَبي يُوسُفَ أو غيره: ضَعها في الباب الفُلانيّ. اهـ. كَذا في «الميزان» للإمام الشَّعرانيّ قُدّسَ سرُّهُ.
ونَقَلَ «ط» عن «مُسنَد الخَوارزميّ»: أَنَّ الإمامَ اجتَمَعَ مَعَهُ أَلفٌ من أَصحابه أَجَلُّهُم وأَفضَلُهُم أَربَعُونَ قَد بَلَغُوا حَدَّ الاجتهاد، فَقَرَّبَهُم وأَدناهُم وقال لهم: إنّي أَلجَمت هذا الفقهَ وأَسرَجته لَكُم فأعينُوني، فإنَّ النّاسَ قَد جَعَلُوني جسرًا على النّار، فإنَّ المُنتَهَى لغَيري، واللَّعبَ على ظَهري، فَكانَ إذا وقَعَت واقعة شاورَهُم وناظَرَهُم وحاورَهُم وسألهم، فَيَسمَعُ ما عندهُم من الأَخبار والآثار، ويَقُولُ ما عندهُ ويُناظرُهُم شَهرًا أو أَكثَرَ حَتَّى يَستَقرَّ آخرُ الأَقوال، فَيُثبتَهُ أَبُو يُوسُفَ، حَتَّى أَثبَتَ الأُصُولَ على هذا المنهاج، شُورَى، لا أَنَّهُ تَفَرَّدَ بذلك كَغَيره من الأَئمّة. اهـ. رد.
(¬3) أَي ظَهَرَ لَكُم في مَسأَلة وجهُ الدَّليل على غَير ما أَقُولُ، «ط». رد.
(¬4) وكانَ كَذلك، فَحَصَلَ المُخالَفة من الصّاحبَين في نَحو ثُلُث المَذهَب، ولَكن الأَكثَرُ في الاعتماد على قَول الإمام، «ط».
(¬5) أَي فَلَيسَ لأَحَدٍ منهُم قَولٌ خارجٌ عن أَقواله؛ ولذا قال في «الولوالجيّة» من (كتاب الجنايات): قال أَبُو يُوسُفَ: ما قُلت قَولًا خالَفت فيه أَبا حَنيفة إلّا قَولًا قَد كانَ قاله.
ورُوي عن زُفَرُ أَنَّهُ قال: ما خالَفت أَبا حَنيفة في شَيءٍ إلّا قَد قاله ثُمَّ رَجَعَ عنه، فَهذا إشارةٌ إلى أَنَّهُم ما سَلَكُوا طَريقَ الخلاف، بَل قالُوا ما قالُوا عن اجتهادٍ ورأيٍ اتّباعًا لما قاله أُستاذُهُم أَبُو حَنيفة، اهـ.
وفي آخر «الحاوي القُدسيّ»: وإذا أَخَذَ بقَول واحدٍ منهُم يَعلَمُ قَطعًا أَنَّهُ يكون به آخذًا بقَول أَبي حَنيفة، فإنَّهُ رُوي عن جَميع أَصحابه من الكبار كأبي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ والحَسَن أَنَّهُم قالُوا: ما قُلنا في مَسأَلة قَولًا إلّا وهو روايَتُنا عن أَبي حَنيفة، وأَقسَمُوا عليه أَيمانًا غلاظًا فَلَم يَتَحَقَّق إذًا في الفقه جَوابٌ ولا مَذهَبٌ إلّا له كَيفَما كانَ، وما نُسبَ إلى غيره إلّا بطَريق المَجاز للمُوافَقة. اهـ.
فإن قُلتَ: إذا رَجَعَ المُجتَهدُ عن قَولٍ لَم يَبقَ قَولًا له، بَل صَرَّحَ في (قَضاء) «البَحر» بأَنَّ ما خَرَجَ عن ظاهر الرّواية فهو مَرجُوعٌ عنه، وأَنَّ المَرجُوعَ عنه لَيسَ قَولًا له. اهـ.
وفيه عن «التَّوشيح»: أَنَّ ما رَجَعَ عنه المُجتَهدُ لا يَجُوزُ الأَخذُ به.
فإذا كانَ كَذلك فَما قاله أَصحابُهُ مُخالفينَ له فيه لَيسَ مَذهَبَهُ، فَحينَئذٍ صارَت أَقوالُهُم مَذاهبَ لهم، مَعَ أَنّا التَزَمنا تَقليدَ مَذهَبه دُونَ مَذهَب غَيره، ولذا نَقُولُ: إنَّ مَذهَبَنا حَنَفيٌّ لا يُوسُفيٌّ ونَحوُهُ.
مَطلَبُ: صَحَّ عن الإمام أَنَّهُ قال: إذا صَحَّ الحَديثُ فهو مَذهَبي:
قُلت: قَد يُجابُ بأَنَّ الإمامَ لَمّا أَمَرَ أَصحابَهُ بأَن يأخُذُوا من أَقواله بما يُتَّجَهُ لهم منها عليه الدَّليلُ صارَ ما قالُوهُ قَولًا له لابتنائه على قَواعده الَّتي أَسَّسَها لهم، فَلَم يَكُن مَرجُوعًا عنه من كُلّ وجهٍ، فَيكون من مَذهَبه أَيضًا.
ونَظيرُ هذا ما نَقَله العَلّامة بيريّ في أَول شَرحه على «الأَشباه» عن «شَرح الهداية» لابن الشّحنة، ونَصُّهُ: إذا صَحَّ الحَديثُ وكانَ على خلاف المَذهَب عُملَ بالحَديث، ويكون ذلك مَذهَبَهُ ولا يَخرُجُ مُقَلّدُهُ عن كَونه حَنَفيًّا بالعَمَل به، فَقَد صَحَّ عنه أَنَّهُ قال: إذا صَحَّ الحَديثُ فهو مَذهَبي.
وقَد حَكَى ذلك ابنُ عَبد البَرّ عن أَبي حَنيفة وغَيره من الأَئمّة. اهـ. ونَقَله أَيضًا الإمامُ الشَّعرانيُّ عن الأَئمّة الأَربَعة.
ولا يَخفَى أَنَّ ذلك لمَن كانَ أَهلًا للنَّظَر في النُّصُوص ومَعرفة مُحكَمها من مَنسُوخها، فإذا نَظَرَ أَهلُ المَذهَب في الدَّليل وعَملُوا به صَحَّ نسبَتُهُ إلى المَذهَب؛ لكَونه صادرًا بإذن صاحب المَذهَب؛ إذ لا شَكَّ أَنَّهُ لو عَلمَ ضَعفَ دَليله رَجَعَ عنه واتَّبَعَ الدَّليلَ الأَقوى؛ ولذا رَدَّ المُحَقّقُ ابنُ الهُمام على بَعض المَشايخ حَيثُ أَفتَوا بقَول الإمامَين بأَنَّهُ لا يُعدَلُ عن قَول الإمام إلّا لضَعف دَليله.
وعُلِمَ (¬1) بأَنَّ الاختلافَ (¬2) من آثار الرَّحمة (¬3)، فَمَهما كانَ الاختلافُ أَكثَرَ كانَت الرَّحمة أوفَرَ (¬4)، لما قالُوا (¬5): رَسمُ المُفتي (¬6) أَنَّ ما اتَّفَقَ عليه أَصحابُنا في الرّوايات الظّاهرة (¬7) يُفتَى به قَطعًا.
¬
(¬1) (قَولُهُ: وعُلمَ) خَبَرٌ آخَرُ عن قَوله وهذا: أَي وهذا القَولُ عُلمَ منهُ: أَي دَليلُ علمه بأَنَّ الاختلافَ إلَخ ط. وفي بَعض النُّسَخ: وعلمه بالضَّمير، وهو المُناسبُ.
(¬2) (قَولُهُ: بأَنَّ الاختلافَ) أَي بَينَ المُجتَهدينَ في الفُرُوع لا مُطلَق الاختلاف.
(¬3) مَطلَبٌ في حَديث: «اختلافُ أُمَّتي رَحمة»
(قَولُهُ: من آثار الرَّحمة)، فانَّ اختلافَ أَئمّة الهُدَى تَوسعة للنّاس كَما في أَول التَّتارخانيّة، وهذا يُشيرُ إلى الحَديث المَشهُور على أَلسنة النّاس، وهو «اختلافُ أُمَّتي رَحمة»، قال في المَقاصد الحَسَنة: رَواهُ البَيهَقيُّ بسَنَدٍ مُنقَطعٍ عن ابن عَبّاسٍ - رَضيَ الله تَعالى عَنهُما - بلَفظ: قال رَسُولُ اللَّه - صَلَّى الله عليه وسَلَّمَ - «مَهما أُوتيتُم من كتاب اللَّه، فالعَمَلُ به لا عُذرَ لأَحَدٍ في تَركه، فان لَم يَكُن في كتاب اللَّه فَسُنّة منّي ماضية، فإن لَم تَكُن سُنّة منّي فَما قال أَصحابي، إنَّ أَصحابي بمَنزلة النُّجُوم في السَّماء، فأيُّما أَخَذتُم به اهتَدَيتُم، واختلافُ أَصحابي لَكُم رَحمة» وأورَدَهُ ابنُ الحاجب في المُختَصَر بلَفظ «اختلافُ أُمَّتي رَحمة للنّاس»، وقال مُنلا عَليّ القاري: إنَّ السُّيُوطيّ قال: أَخرَجَهُ نَصرٌ المَقدسيَّ في الحُجّة والبَيهَقيُّ في الرّسالة الأَشعَريّة بغَير سَنَدٍ، ورَواهُ الحَليميُّ والقاضي حُسَينٌ وإمامُ الحَرَمَين وغَيرُهُم، ولَعَله خُرِّجَ في بَعض كُتُب الحُفّاظ الَّتي لَم تَصل إلَينا. ونَقَلَ السُّيُوطيّ عن عُمَرَ بن عَبد العَزيز أَنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما سَرَّني لو أَنَّ أَصحابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى الله عليه وسَلَّمَ - لَم يَختَلفُوا؛ لأَنَّهُم لو لَم يَختَلفُوا لَم تَكُن رُخصة. وأَخرَجَ الخَطيبُ أَنَّ هارُونَ الرَّشيدَ قال لمالك بن أَنَسٍ: يا أَبا عَبد اللَّه نَكتُبُ هَذه الكُتُبَ يَعني مُؤَلَّفات الإمام مالكٍ ونُفَرّقُها في آفاق الإسلام لنَحملَ عليها الأُمّة، قال: يا أَميرَ المُؤمنينَ، إنَّ اختلافَ العُلَماء رَحمة من اللَّه تَعالى على هَذه الأُمّة، كُلٌّ يَتبَعُ ما صَحَّ عندهُ، وكُلُّهُم على هُدًى، وكُلٌّ يُريدُ اللَّهَ تَعالى، وتَمامُهُ في [كَشف الخَفاء ومُزيل الإلباس] لشَيخ مَشايخنا الشَّيخ إسماعيلَ الجراحيّ.
(¬4) (قَولُهُ: كانَت الرَّحمة أوفَرَ) أَي الإنعامُ أَزيَدَ ط.
(¬5) (قَولُهُ: لَما قالُوا) باللّام: أَي لَما رَواهُ العُلَماءُ في شأن ذلك، وهو الحَديثُ السّابقُ وغَيرُهُ، ويَحتَملُ أَنَّها كافٌ مُعَلَّقة حَرَّفَها النُّسّاخُ أَي كَما قال العُلَماءُ ذلك، ويَحتَملُ أَنَّ جُملة قَوله: رَسمَ المُفتي مَقُولُ القَول ومَحَطُّ التَّعليل على التَّخيير في الإفتاء بالقَولَين المُصَحَّحَين، فإنَّ في ذلك رَحمة وتَوسعة، «ط». رد.
(¬6) مَطلَبُ رَسم المُفتي:
أَي العَلامة الَّتي تَدُلُّ المُفتي على ما يُفتي به، وهو مُبتَدأ، وقَولُهُ: أَنَّ ... إلَخ خَبَرُهُ. قال في [فَتح القَدير]: وقَد استَقَرَّ رأيُ الأُصُوليّينَ على أَنَّ المُفتيَ هو المُجتَهدُ، فأمّا غَيرُ المُجتَهد ممَّن يَحفَظُ أَقوالَ المُجتَهد فَلَيسَ بمُفتٍ، والواجبُ عليه إذا سُئلَ أَن يَذكُرَ قَولَ المُجتَهد كالإمام على وجه الحكاية، فَعُرفَ أَنَّ ما يكون في زَماننا من فَتوى المَوجُودينَ لَيسَ بفَتوى، بَل هو نَقلُ كَلام المُفتي ليأخُذَ به المُستَفتي.
وطَريقُ نَقله لذلك عن المُجتَهد أَحَدُ أَمرَين: إمّا أَن يَكُونَ له سَنَدٌ فيه، أو يأخُذَهُ من كتابٍ مَعرُوفٍ تَداولَتهُ الأَيدي نَحوُ كُتُب مُحَمَّد بن الحَسَن ونَحوها؛ لأَنَّهُ بمَنزلة الخَبَر المُتَواتر أو المَشهُور انتَهَى، «ط». رد.
(¬7) اعلَم أَنَّ مَسائلَ أَصحابنا الحَنَفيّة على ثَلاث طَبَقاتٍ أَشَرت إلَيها سابقًا مُلَخَّصةً، ونَظَّمتُها:
الأُولَى: مَسائلُ الأُصُول، وتُسَمَّى ظاهرُ الرِّواية أَيضًا، وهيَ مَسائلُ مَرويّة عن أَصحاب المَذهَب، وهُم أَبُو حَنيفة وأَبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، ويَلحَقُ بهم زُفَرُ والحَسَنُ بنُ زيادٍ وغَيرُهُما ممَّن أَخَذَ عن الإمام، لَكنَّ الغالبَ الشّائعَ في ظاهر الرّواية: أَن يَكُونَ قَولُ الثَّلاثة.
وكُتُبُ ظاهر الرّواية كُتُبُ مُحَمَّدٍ السّتّة: «المَبسُوطُ» و «الزّياداتُ» و «الجامعُ الصَّغيرُ» و «السّيَرُ الصَّغيرُ» و «الجامعُ الكَبيرُ» و «السِّير الكَبيرُ»، وإنَّما سُمّيَت بظاهر الرّواية؛ لأَنَّها رُويَت عن مُحَمَّدٍ بروايات الثّقات، فَهيَ ثابتة عنه إمّا مُتَواترة أو مَشهُورة عَنهُ.
الثّانية: مَسائلُ النَّوادر، وهيَ المَرويّة عن أَصحابنا المَذكُورينَ لَكن لا في الكُتُب المَذكُورة، بَل إمّا في كُتُبٍ أُخَرَ لمُحَمَّدٍ كـ «الكيسانيات» و «الهارونيات» و «الجرجانيات» و «الرُّقَيّات»، وإنَّما قيل لَها: غَيرُ ظاهر الرّواية؛ لأَنَّها لَم تُرو عن مُحَمَّدٍ برواياتٍ ظاهرة ثابتة صَحيحة كالكُتُب الأُولَى، وإمّا في غير كُتُب مُحَمَّدٍ كـ «المجرد» للحَسَن بن زيادٍ وغَيره، ومنها كُتُبُ «الأَمالي» المَرويّة عن أَبي يُوسُفَ.
والأَمالي: جَمعُ إملاءٍ، وهو ما يَقُولُهُ العالمُ بما فَتَحَ الله تَعالى عليه من ظَهر قَلبه ويَكتُبُهُ التَّلامذة، وكانَ ذلك عادة السَّلَف.
وإمّا برواية مُفرَدة كَرواية ابن سماعة والمُعلى بن مَنصُورٍ وغَيرهما في مَسائلَ مُعَيَّنة.
الثّالثة: الواقعاتُ، وهيَ مَسائلُ استَنبَطَها المُجتَهدُونَ المُتأخّرُونَ لَمّا سُئلُوا عَنها ولَم يَجدُوا فيها رواية، وهُم أَصحابُ أَبي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وأَصحابُ أَصحابهما، وهَلُمَّ جَرّا، وهُم كَثيرُونَ، فَمن أَصحابهما مثلُ عصام بن يُوسُفَ وابن رُستُمَ ومُحَمَّد بنُ سماعة وأَبي سُلَيمانَ الجُرجانيّ [الصواب: الجوزجاني] وأَبي حَفصٍ البُخاريّ، ومَن بَعدَهُم مثلُ مُحَمَّد بن سَلَمة ومُحَمَّد بن مُقاتلٍ ونُصَير بن يَحيَى وأَبي النَّصر القاسم بن سَلّامٍ.
وقَد يَتَّفقُ لهم أَن يُخالفُوا أَصحابَ المَذهَب لدَلائلَ وأَسبابٍ ظَهَرَت لهم، وأَوَّل كتاب جُمعٍ في فَتواهُم فيما بَلَغَنا كتابُ «النَّوازل» للفَقيه أَبي اللَّيث السَّمَرقَنديّ، ثُمَّ جَمَعَ المَشايخُ بَعدَهُ كُتُبًا أُخَرَ كَـ «مَجمُوع النَّوازل» و «الواقعات» للنّاطفيّ، و «الواقعات» للصَّدر الشَّهيد.
ثُمَّ ذَكَرَ المُتأخّرُونَ هذه المَسائلَ مُختَلطة غَيرَ مُتَمَيّزة كَما في «فَتاوى قاضي خان» و «الخُلاصة» وغَيرهما، ومَيَّزَ بَعضُهُم كما في كتاب «المُحيط» لرَضيّ الدّين السَّرَخسيّ، فإنَّهُ ذَكَرَ أَوّلًا مَسائلَ الأُصُول، ثُمَّ النَّوادرَ، ثُمَّ الفَتاوى، ونعمَ ما فَعَلَ.
واعلَم أَنَّ من كُتُب مَسائل الأُصُول كتابُ «الكافي» للحاكم الشَّهيد، وهو كتابٌ مُعتَمَدٌ في نَقل المَذهَب، شَرَحَهُ جَماعةٌ من المَشايخ، منهُم الإمامُ شَمسُ الأَئمّة السَّرَخسيُّ، وهو المَشهُورُ بـ «مَبسُوط السَّرَخسيّ». قال العَلّامة الطَّرَسُوسيُّ: «مَبسُوطُ السَّرَخسيّ» لا يُعمَلُ بما يُخالفُهُ، ولا يُركَنُ إلّا إليه، ولا يُفتَى ولا يُعَولُ إلّا عليه.
ومن كُتُب المَذهَب أَيضًا «المُنتَقَى» له أَيضًا إلّا أَنَّ فيه بَعضَ النَّوادر.
واعلَم أَنَّ نُسَخَ «المَبسُوط» المَرويّ عن مُحَمَّدٍ مُتَعَدّدة، وأَظهَرُها «مَبسُوطُ أَبي سُلَيمانَ الجُوزَجانيّ».
وشَرَحَ «المَبسُوطَ» جَماعةٌ من المُتأخّرينَ مثلُ: شَيخ الإسلام بَكرٌ المَعرُوفُ بخُواهَر زادَهُ، ويُسَمَّى «المَبسُوطَ الكَبيرَ» وشَمسُ الأَئمّة الحَلوانيُّ وغَيرُهُما، ومَبسُوطاتُهُم شُرُوحٌ في الحَقيقة ذَكَرُوها مُختَلطة بمَبسُوط مُحَمَّدٍ كَما فَعَلَ شُرّاحُ «الجامع الصَّغير» مثلُ فَخر الإسلام وقاضي خان وغَيرهم، فَيُقالُ ذَكَرَهُ قاضي خان في «الجامع الصَّغير»، والمُرادُ شَرحُهُ، وكذا في غيره، اهـ، مُلَخَّصًا من «شَرح البيريّ على الأَشباه» و «شَرح الشَّيخ إسماعيلَ النّابُلُسيّ على شَرح الدُّرَر» فاحفَظ ذلك، فإنَّهُ مُهمٌّ كَحفظ طَبَقات مَشايخ المَذهَب، وسَنَذكُرُها قَريبًا إن شاءَ الله تَعالى.
مَطلَبٌ في طَبَقات المَسائل وكُتُب ظاهر الرّواية:
وفي (كتاب الحَجّ) من «البَحر»: أَنَّ «كافيَ الحاكم» هو جَمعُ كَلام مُحَمَّدٍ في كُتُبه السّتّة الَّتي هي ظاهرُ الرِّواية، وفَسَّرَ في «معراج الدّراية» قُبَيلَ (باب الإحصار) «الأَصلَ» بـ «المَبسُوط».
في (باب العيدَين) من «البَحر» و «النَّهر»: أَنَّ «الجامعَ الصَّغيرَ» صَنَّفَهُ مُحَمَّدٌ بَعدَ «الأَصل»، فَما فيه هو المُعَولُ عليه، ثُمَّ قال في «النَّهر»: سُمّيَ «الأَصل» أَصلًا؛ لأَنَّهُ صُنّفَ أَولًا، ثُمَّ «الجامعُ الصَّغيرُ»، ثُمَّ «الكَبيرُ»، ثُمَّ «الزّياداتُ»، كَذا في «غاية البَيان». اهـ.
وذَكَرَ الإمامُ شَمسُ الأَئمّة السَّرَخسيُّ في أَوّل شَرحه على «السّيَر الكَبير» أَنَّ «السّيَرَ الكَبيرَ» هو آخرُ تَصنيفٍ صَنَّفَهُ مُحَمَّدٌ في الفقه.
وفي «شَرح المُنية» لابن أَمير الحاجّ الحَلَبيّ في (بَحث التَّسميع): أَنَّ مُحَمَّدًا قَرأ أَكثَرَ الكُتُب على أَبي يُوسُفَ، إلّا ما كانَ فيه اسمُ الكَبير، فإنَّهُ من تَصنيف مُحَمَّدٍ: كـ «المُضارَبة الكَبير» و «المُزارَعة الكَبير» و «المأذُون الكَبير» و «الجامع الكَبير» و «السّيَر الكَبير»، وتَمامُ هَذه الأَبحاث في مَنظُومَتنا في «رَسم المُفتي» وفي شَرحها.
[تَتمّة:]
قَدَّمنا عن «فَتح القَدير» كَيفيّة الإفتاء ممّا في الكُتُب، فَلا يَجُوزُ الإفتاءُ ممّا في الكُتُب الغَريبة.
وفي «شَرح الأَشباه» لشَيخنا المُحَقّق هبة اللَّه البَعليّ، قال شَيخُنا العَلّامة صالحُ الجينينيُّ: إنَّهُ لا يَجُوزُ الإفتاءُ من الكُتُب المُختَصَرة كـ «النَّهر» و «شَرح الكَنز» للعَينيّ و «الدُّرّ المُختار شَرح تَنوير الأَبصار»، أو لعَدَم الاطّلاع على حال مُؤَلّفيها كَـ «شَرح الكَنز» لمُنلا مسكينٍ، و «شَرح النُّقاية» للقُهُستانيّ، أو لنَقل الأَقوال الضَّعيفة فيها كـ «القُنية» للزّاهديّ، فَلا يَجُوزُ الإفتاءُ من هذه، إلّا إذا عَلمَ المَنقُولَ عنه وأَخذَهُ منه، هَكَذا سَمعته منه، وهو عَلّامةٌ في الفقه، مَشهُورٌ، والعُهدة عليه. اهـ.
أَقُولُ: ويَنبَغي إلحاقُ «الأَشباه والنَّظائر» بها، فإنَّ فيها من الإيجاز في التَّعبير ما لا يُفهَمُ مَعناهُ إلّا بَعدَ الاطّلاع على مأخَذه، بَل فيها في مَواضعَ كَثيرة الإيجازُ المُخلُّ، يَظهَرُ ذلك لمَن مارَسَ مُطالَعَتَها مَعَ الحَواشي، فَلا يأمَنُ المُفتي من الوُقُوع في الغَلَط إذا اقتَصَرَ عليها، فَلا بُدَّ له من مُراجَعة ما كُتبَ عليها من الحَواشي أو غَيرها.
ورأيت في «حاشية أَبي السُّعُود الأَزهَريّ على شَرح مُنلا مسكينٍ»: أَنَّهُ لا يَعتَمدُ على «فَتاوى ابن نُجَيمٍ» ولا على «فَتاوى الطُّوريّ». رد.
واختُلفَ فيما اختَلَفُوا فيه، والأَصَحُّ كَما في «السّراجيّة» (¬1) وغَيرها أَنَّهُ يُفتي بقَول الإمام (¬2) على الإطلاق (¬3)، ثُمَّ بقَول الثّاني (¬4)، ثُمَّ بقَول الثّالث، ثُمَّ بقَول زُفَرَ والحَسَن بن زيادٍ، وصَحَّحَ في «الحاوي القُدسيّ» قُوَّةَ المُدرَك (¬5).
¬
(¬1) مَطلَبُ إذا تَعارَضَ التَّصحيحُ.
أَقُولُ: عبارَتُها: ثُمَّ الفَتوى على الإطلاق على قَول أَبي حَنيفة، ثُمَّ قَول أَبي يُوسُفَ ثُمَّ قَول مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَول زُفَرَ والحَسَن بن زيادٍ. وقيل إذا كانَ أَبُو حَنيفة في جانبٍ وصاحباهُ في جانبٍ فالمُفتي بالخيار، والأَولُ أَصَحُّ إذا لَم يَكُن المُفتي مُجتَهدًا، اهـ، فَمُقابلُ الأَصَحّ غَيرُ مَذكُورٍ في كَلام الشّارح فافهَم.
(¬2) قال عَبدُ اللَّه بنُ المُبارَك: لأَنَّهُ رأى الصَّحابة وزاحَمَ التّابعينَ في الفَتوى، فَقَولُهُ أَشَدُّ وأَقوى ما لَم يَكُن اختلافَ عَصرٍ وزَمانٍ، كَذا في «تَصحيح العَلّامة قاسمٍ». رد.
(¬3) أَي سَواءٌ انفَرَدَ وحدَهُ في جانبٍ أو لا، كَما يُفيدُهُ كَلامُ «السّراجيّة» من مُقابَلَته بالقَول الثّاني المُفَصَّل، فافهَم. رد.
(¬4) أَي ثُمَّ إذا لَم يُوجَد للإمام رواية يُؤخَذُ بقَول الثّاني، وهو أَبُو يُوسُفَ، فإن لَم يُوجَد له رواية أَيضًا، فَيُؤخَذُ بقَول الثّالث، وهو مُحَمَّدٌ ... إلَخ. رد.
(¬5) أَي الدَّليلَ، وبه عَبَّرَ في «الحاوي». قال «ح»: واَلَّذي يَظهَرُ في التَّوفيق أَي بَينَ ما في «الحاوي» وما في «السّراجيّة» أَنَّ مَن كانَ له قُوّةُ إدراكٍ؛ لقُوة المُدرك، يُفتي بالقَول القَويّ المُدرَك، وإلّا فالتَّرتيبُ. اهـ.
أَقُولُ: يَدُلُّ عليه قَولُ «السّراجيّة»، والأَولُ أَصَحُّ إذا لَم يَكُن المُفتي مُجتَهدًا، فهو صَريحٌ في أَنَّ المُجتَهدَ يَعني مَن كانَ أَهلًا للنَّظَر في الدَّليل يَتبَعُ من الأَقوال ما كانَ أقوى دَليلًا، وإلّا فاتَّبَعَ التَّرتيبَ السّابقَ، وعن هذا تَراهُم قد يُرَجّحُونَ قَولَ بَعض أَصحابه على قَوله، كما رَجَّحُوا قَولَ زُفَرَ وحدَهُ في سَبعَ عَشرة مَسأَلة، فَنَتبَعُ ما رَجَّحُوهُ؛ لأَنَّهُم أَهلُ النَّظَر في الدَّليل.
ولَم يَذكُر ما إذا اختَلَفَت الرّواياتُ عن الإمام أو لَم يُوجَد عنه ولا عن أَصحابه رواية أَصلًا، فَفي الأَوّل يُؤخَذُ بأَقواها حُجّة، كَما في «الحاوي».
ثُمَّ قال: وإذا لَم يُوجَد في الحادثة عن واحدٍ منهُم جَوابٌ ظاهرٌ، وتَكَلَّمَ فيه المَشايخُ المُتأخّرُونَ قَولًا واحدًا يُؤخَذُ به، فإن اختَلَفُوا يُؤخَذُ بقَول الأَكثَرينَ، ثُمَّ الأَكثَرينَ ممّا اعتَمَدَ عليه الكبارُ المَعرُوفُونَ منهُم كأبي حَفصٍ وأَبي جَعفَرٍ وأَبي اللَّيث والطَّحاويّ وغَيرهم ممَّن يُعتَمَدُ عليه، وإن لَم يُوجَد منهُم جَوابٌ أَلبَتّة نَصًّا يَنظُرُ المُفتي فيها نَظَرَ تأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ واجتهادٍ؛ ليَجدَ فيها ما يُقَرّبُ إلى الخُرُوج عن العُهدة، ولا يَتَكَلَّمُ فيها جُزافًا، ويَخشَى اللَّهَ تَعالى ويُراقبُهُ، فإنَّهُ أَمرٌ عَظيمٌ لا يَتَجاسَرُ عليه إلّا كُلُّ جاهلٍ شَقيٍّ. اهـ.
[تَتمّة]
قَد جَعَلَ العُلَماءُ الفَتوى على قَول الإمام الأَعظَم في العبادات مُطلَقًا، وهو الواقعُ بالاستقراء، ما لَم يَكُن عنه روايةً كَقَول المُخالف، كما في طَهارة الماء المُستَعمَل والتَّيَمُّم فَقَط عند عَدَم غَير نَبيذ التَّمر، كَذا في «شَرح المُنية الكَبير» للحَلَبيّ في (بَحث التَّيَمُّم).
وقَد صَرَّحُوا بأَنَّ الفَتوى على قَول مُحَمَّدٍ في جَميع مَسائل ذَوي الأَرحام.
وفي (قَضاء) «الأَشباه والنَّظائر»: الفَتوى على قَول أَبي يُوسُفَ فيما يَتَعَلَّقُ بالقَضاء كَما في «القُنية» و «البَزّازيّة»، اهـ: أَي لحُصُول زيادة العلم له به بالتَّجربة، ولذا رَجَعَ أَبُو حَنيفة عن القَول بأَنَّ الصَّدَقة أَفضَلُ من حَجّ التَّطَوُّع لَمّا حَجَّ وعَرَفَ مَشَقَّتَهُ.
وفي «شَرح البيريّ»: أَنَّ الفَتوى على قَول أَبي يُوسُفَ أَيضًا في (الشَّهادات).
وعلى قَول زُفَرَ - رضي الله عنه - في سَبعَ عَشرة مَسأَلة حَرَّرتُها في رسالة، ويَنبَغي أَن يَكُونَ هذا عند عَدَم ذكر أَهل المُتُون للتَّصحيح، وإلّا فالحُكمُ بما في المُتُون كَما لا يَخفَى؛ لأَنَّها صارَت مُتَواترة، اهـ.
وإذا كانَ في مَسأَلة قياسٌ واستحسانٌ، فالعَمَلُ على الاستحسان إلّا في مَسائلَ مَعدُودة مَشهُورة.
وفي (باب قَضاء الفَوائت) من «البَحر»: المَسأَلة إذا لَم تُذكَر في ظاهر الرّواية وثَبَتَت في رواية أُخرَى تَعَيَّنَ المَصيرُ إلَيها، اهـ.
وفي آخر «المُستَصفَى» للإمام النَّسَفيّ: إذا ذُكرَ في المَسأَلة ثَلاثُ أَقوالٍ، فالرّاجحُ هو الأَولُ أو الأَخيرُ لا الوسَطُ. اهـ.
وفي «شَرح المُنية»: ولا يَنبَغي أَن يَعدلَ عن الدّراية إذا وافَقَتها رواية، اهـ. ذَكَرَهُ في (واجبات الصَّلاة) في مَعرض تَرجيح رواية وُجُوب الرَّفع من الرُّكُوع والسُّجُود للأَدلّة الواردة مَعَ أَنَّها خلافُ الرّواية المَشهُورة عن الإمام. رد.
وفي (وقف) «البَحر» (¬1) وغَيره: مَتَى كانَ في المَسأَلة قَولان مُصَحَّحان جازَ القَضاءُ والإفتاءُ بأَحَدهما.
¬
(¬1) هذا مَحمُولٌ على ما إذا لَم يَكُن لَفظُ التَّصحيح في أَحَدهما آكَدَ من الآخَر كَما أَفادَهُ «ح»: أَي فَلا يُخَيَّرُ بَل يَتبَعُ الآكَدَ، كَما سَيأتي.
أَقُولُ: ويَنبَغي تَقييدُ التَّخيير أَيضًا بما إذا لَم يَكُن أَحَدُ القَولَين في المُتُون؛ لما قَدَّمناهُ آنفًا عن البيريّ، ولما في (قَضاء الفَوائت) من «البَحر»، من أَنَّهُ إذا اختَلَفَ التَّصحيحُ والفَتوى، فالعَمَلُ بما وافَقَ المُتُونَ أولَى، اهـ.
وكذا لو كانَ أَحَدُهُما في الشُّرُوح والآخَرُ في الفَتاوى؛ لما صَرَّحُوا به من أَنَّ ما في المُتُون مُقَدَّمٌ على ما في الشُّرُوح، وما في الشُّرُوح مُقَدَّمٌ على ما في الفَتاوى، لَكن هذا عند التَّصريح بتَصحيح كُلٍّ من القَولَين أو عَدَم التَّصريح أَصلًا.
أَمّا لو ذُكرت مَسأَلةٌ في المُتُون ولَم يُصَرّحُوا بتَصحيحها، بَل صَرَّحُوا بتَصحيح مُقابلها، فَقَد أَفادَ العَلّامة قاسمٌ تَرجيحَ الثّاني؛ لأَنَّهُ تَصحيحٌ صَريحٌ، وما في المُتُون تَصحيحٌ التزاميٌّ، والتَّصحيحُ الصَّريحُ مُقَدَّمٌ على التَّصحيح الالتزاميّ: أَي التزامُ المُتُون ذكر ما هو الصَّحيحُ في المَذهَب.
وكذا لا تَخييرَ لو كانَ أَحَدُهُما قَولَ الإمام والآخَرُ قَولَ غَيره؛ لأَنَّهُ لَمّا تَعارَضَ التَّصحيحان تَساقَطا فَرَجَعنا إلى الأَصل وهو تَقديمُ قَول الإمام، بَل في (شَهادات) «الفَتاوى الخَيريّة»: المُقَرَّرُ عندنا أَنَّهُ لا يُفتي و [لا] يَعمَلُ إلّا بقَول الإمام الأَعظَم، ولا يَعدلُ عنه إلى قَولهما أو قَول أَحَدهما أو غَيرهما، إلّا لضَرُورة: كمَسأَلة المُزارَعة وإن صَرَّحَ المَشايخُ بأَنَّ الفَتوى على قَولهما؛ لأَنَّهُ صاحبُ المَذهَب، والإمامُ المُقَدَّمُ، اهـ.
ومثلُهُ في «البَحر» عند الكَلام على (أوقات الصَّلاة)، وفيه من (كتاب القَضاء): يَحلُّ الإفتاءُ بقَول الإمام بَل يَجبُ وإن لَم يَعلَم من أَينَ قال، اهـ.
وكذا لو عَلَّلُوا أَحَدَهُما دُونَ الآخَر كانَ التعليل تَرجيحًا للمُعَلَّل كَما أَفادَهُ الرَّمليُّ في «فَتاواهُ» من (كتاب الغَصب).
وكذا لو كانَ أَحَدُهُما استحسانًا والآخَرُ قياسًا؛ لأنّ الأَصلَ تَقديمُ الاستحسان إلّا فيما استَثنَى كَما قَدَّمناهُ، فَيَرجعُ إليه عند التَّعارُض.
وكذا لو كانَ أَحَدُهُما ظاهرَ الرّواية، وبه صَرَّحَ في (كتاب الرَّضاع) من «البَحر» حَيثُ قال: الفَتوى إذا اختَلَفَت كانَ التَّرجيحُ لظاهر الرّواية.
وفيه من (باب المَصرف): إذا اختَلَفَ التَّصحيحُ وجَبَ الفَحصُ عن ظاهر الرّواية والرُّجُوعُ إلَيها.
وكذا لو كانَ أَحَدُهُما أَنفَعَ للوقف؛ لما سَيأتي في الوقف والإجارات أَنَّهُ يُفتي بكُلّ ما هو أَنفَعُ للوقف فيما اختَلَفَ العُلَماءُ فيه.
وكذا لو كانَ أَحَدُهُما قَولَ الأَكثَرينَ، لما قَدَّمناهُ عن «الحاوي».
والحاصلُ أَنَّهُ إذا كانَ لأَحَد القَولَين مُرَجّحٌ على الآخَر، ثُمَّ صَحَّحَ المَشايخُ كُلًّا من القَولَين يَنبَغي أَن يَكُونَ المأخُوذُ به ما كانَ له مُرَجّحٌ؛ لأنّ ذلك المُرَجّحَ لَم يَزُل بَعدَ التَّصحيح، فَيَبقَى فيه زيادة قُوَّةٍ لَم تُوجَد في الآخَر، هذا ما ظَهَرَ لي من فَيض الفَتّاح العَليم. رد.
وفي أَول «المُضمَرات»: أَمّا العَلاماتُ للإفتاء فَقَولُهُ: وعليه الفَتوى (¬1)، وبه يُفتَى، وبه نأخُذُ، وعليه الاعتمادُ، وعليه عَمَلُ اليَوم (¬2)، وعليه عَمَلُ الأُمّة، وهو الصَّحيحُ، أو الأَصَحُّ، أو الأَظهَرُ، أو الأَشبَهُ (¬3)، أو الأوجَهُ (¬4)، أو المُختارُ، ونَحوُها (¬5) ممّا ذُكرَ في «حاشية البَزدَويّ»، اهـ.
¬
(¬1) مُشتَقّة من المُفتي، وهو الشّابُّ القَويُّ؛ وسُمّيَت به لأنّ المُفتيَ يُقَوّي السّائلَ بجَواب حادثَته، «ابنُ عَبد الرَّزّاق عن شَرح المَجمَع» للعَينيّ، والمُرادُ بالاشتقاق فيها مُلاحَظة ما أَنبا عنه الفَتَى من القُوة والحُدُوث لا حَقيقَتُهُ، كَذا قيل. رد.
(¬2) المُرادُ باليَوم مُطلَقُ الزَّمان، و «أَل» فيه للحُضُور، والإضافة على مَعنَى في، وهيَ من إضافة المصدَر إلى زمانه كصَوم رَمَضانَ: أَي عليه عَمَلُ النّاس في هذا الزَّمان الحاضر. رد.
(¬3) قال في «البَزّازيّة»: مَعناهُ الأَشبَهُ بالمَنصُوص روايةً، والرّاجحُ دراية، فَيكون عليه الفَتوى، اهـ. والدّراية بالدّال المُهمَلة تُستَعمَلُ بمَعنَى الدَّليل كَما في «المُستَصفَى». رد.
(¬4) أَي الأَظهَرُ وجهًا من حَيثُ إنَّ دَلالة الدَّليل عليه مُتَّجهة ظاهرة أَكثَرُ من غَيره. رد.
(¬5) كَقَولهم: وبه جَرَى العُرفُ، وهو المُتَعارَفُ، وبه أَخَذَ عُلَماؤُنا، «ط». رد.
وقال شَيخُنا (¬1) الرَّمليُّ في «فَتاويه» (¬2): وبَعضُ الأَلفاظ آكَدُ من بَعضٍ (¬3)، فَلَفظُ الفَتوى (¬4) آكَدُ من لَفظ الصَّحيح (¬5)، والأَصَحّ والأَشبَه وغَيرها (¬6)، ولَفظُ:
¬
(¬1) المُرادُ به حيثُ أَطلَقَ في هذا الكتاب العَلّامة الشَّيخُ خَيرُ الدّين الرَّمليُّ. رد.
(¬2) جَمعُ فَتوى، ويُجمَعُ على فَتاوى بالأَلف أَيضًا، وهيَ هُنا اسمٌ لفَتاوى شَيخه المَشهُورة المُسَمّاة بـ «الفَتاوى الخَيريّة لنَفع البَرّيّة»، وقَد ذَكَرَ ذلك في آخرها في مَسائلَ شَتَّى. رد.
(¬3) أَي أَقوى فَتُقَدَّمُ على غَيرها، وهذا التَّقديمُ راجحٌ لا واجبٌ كَما يُفيدُهُ ما يأتي عن «شَرح المُنية». رد.
(¬4) أَي اللَّفظُ الَّذي فيه حُرُوفُ الفَتوى الأَصليّة بأَيّ صيغة عَبَّرَ بها، «ط». رد.
(¬5) لأنّ مُقابلَ الصَّحيح أو الأَصَحّ ونَحوهُ قَد يكون هو المُفتَى به؛ لكَونه هو الأَحوطُ أو الأَرفَقُ بالنّاس أو المُوافقُ؛ لتَعامُلهم وغَيرُ ذلك ممّا يَراهُ المُرَجّحُونَ في المَذهَب داعيًا إلى الإفتاء به، فاذا صَرَّحُوا بلَفظ الفَتوى في قَولٍ عُلمَ أَنَّهُ المأخُوذُ به ويَظهَرُ لي أَنَّ لَفظَ وبه نأخُذُ وعليه العَمَلُ مُساوٍ للَفظ الفَتوى، وكذا بالأولَى لَفظُ عليه عَمَلُ الأُمّة؛ لأَنَّهُ يُفيدُ الإجماعَ عليه، تأمَّل. رد.
(¬6) كالأَحوط والأَظهَر، «ط». وفي «الضّياء المَعنَويّ» في (مُستَحَبّات الصَّلاة): لَفظة الفَتوى آكَدُ وأَبلَغُ من لَفظة المُختار. رد.
وبه يُفتَى آكَدُ من الفَتوى عليه (¬1)، والأَصَحُّ آكَدُ من الصَّحيح (¬2)، والأَحوطُ (¬3) آكَدُ من الاحتياط، انتَهَى.
قُلت: لَكن (¬4) في «شَرح المُنية للحَلَبيّ» عند قَوله: ولا يَجُوزُ مَسُّ مُصحَفٍ إلّا بغلافه إذا تَعارَضَ إمامان مُعتَبَران (¬5) عَبَّرَ أَحَدُهُما بالصَّحيح
¬
(¬1) قال ابنُ الهُمام: والفَرقُ بَينَهُما أَنَّ الأَولَ يُفيدُ الحَصرَ، والمَعنَى أَنَّ الفَتوى لا تَكُونُ إلّا بذلك، الثّاني يُفيدُ الأَصَحّيّة. اهـ. ابنُ عَبد الرَّزّاق. رد.
(¬2) هذا هو المَشهُورُ عند الجُمهُور؛ لأنّ الأَصَحَّ مُقابلٌ للصَّحيح، وهو: أَي الصَّحيحُ مُقابلٌ للضَّعيف، لَكن في «حَواشي الأَشباه» لبيريٍّ: يَنبَغي أَن يُقَيَّدَ ذلك بالغالب؛ لأَنّا وجَدنا مُقابلَ الأَصَحّ الرّواية الشّاذّة كَما في «شَرح المَجمَع»، اهـ. «ابنُ عَبد الرَّزّاق».
(¬3) الظّاهرُ أَن يُقال ذلك في كُلّ ما عَبَّرَ فيه بأَفعَل التَّفضيل، «ط»، والاحتياطُ العَمَلُ بأَقوى الدَّليلَين كَما في «النَّهر». رد.
(¬4) استدراكٌ على ما يُفهَمُ من كَلام الرَّمليّ حَيثُ ذَكَرَ أَنَّ بَعضَ هَذه الأَلفاظ آكَدُ من بَعضٍ، فإنَّهُ ظاهرٌ في أَنَّ مُرادَهُ تَقديمُ الآكَد على غَيره، فَيَلزَمُ منهُ تَقديمُ الأَصَحّ على الصَّحيح، وهو مُخالفٌ لما في «شَرح المُنية».
وأَمّا كَونُ مُراده مُجَرَّدَ بَيانٍ أَنَّ الأَصَحَّ آكَدُ بمُقتَضَى أَفعَل التَّفضيل، وذلك لا يُنافي تَقديمَ الصَّحيح للاتّفاق عليه، فهو في غاية البُعد، على أَنَّهُ لا يَتأتَّى في لَفظ الفَتوى مع غيره فإنَّهُ جَعَله آكَدَ، ولا مَعنَى لآكَديَّته إلّا تَقديمُهُ على غيره كما لا يخفى، فافهَم.
ويَدُلُّ على أَنَّ مُرادَهُ ما قُلناهُ أَولًا ما قاله في «الخَيريّة» أَيضًا في (كتاب الكَفالة) بَعدَ كَلامٍ. قُلت: وقَولُهُ: والصَّحيحُ لا يُدفَعُ قَولُ صاحب «المُحيط»، هذا هو الأَصَحُّ وعليه الفَتوى. اهـ. رد.
(¬5) أَي من أَئمّة التَّرجيح، «ط». رد.
والآخَرُ بالأَصَحّ، فالأَخذُ بالصَّحيح أولَى؛ لأَنَّهُما اتَّفَقا (¬1) على أَنَّهُ صَحيحٌ، والأَخذُ بالمُتَّفَق أوفَقُ فَليُحفَظ.
ثُمَّ رأيت في رسالة آداب المُفتي: إذا ذُيّلَت رواية (¬2) في كتابٍ يُعتَمَدُ بالأَصَحّ أو الأولَى، أو الأوفَق أو نَحوها، فَله أَن يُفتيَ بها وبمُخالفها أَيضًا أَيًّا شاءَ، وإذا ذُيّلَت بالصَّحيح أو المأخُوذ به، أو وبه يُفتَى، أو عليه الفَتوى لَم يُفت بمُخالفه إلّا إذا كانَ (¬3) في «الهداية» مَثَلًا هو الصَّحيحُ، وفي «الكافي» (¬4)
¬
(¬1) أَي وانفَرَدَ أَحَدُهُما يُجعَلُ الآخَرُ أَصَحُّ. قُلت: والعلّة لا تَخُصُّ هَذَين اللَّفظَين، بَل كَذلك الوجيهُ والأوجَهُ والاحتياطُ والأَحوطُ أَفادَهُ، «ط». رد.
(¬2) أَي جُعلَ ذَيلُها: أَي في آخرها، والمُتَبادَرُ من هذه العبارة أَنَّ التَّذييلَ بالتَّصحيح وقَعَ لرواية واحدة دُونَ مُخالَفَتها، فليس فيه تَعارُضُ التَّصحيح، لكن إذا كان التَّصحيحُ بصيغة أَفعَل التَّفضيل أَفادَ أَنَّ الرّواية المُخالفة صَحيحة أَيضًا، فَله الإفتاءُ بأَيٍّ شاءَ منهُما، وإن كانَ الأولَى تَقديمَ الأُولَى لزيادة الصّحّة فيها، وسَكَتَ عنه لظُهُوره.
وأَمّا إذا كانَ التَّصحيحُ بصيغة تَقتَضي قَصر الصّحّة على تلكَ الرّواية فَقَط كالصَّحيح والمأخُوذ به ونحوهما ممّا يُفيدُ ضَعفَ الرّواية المُخالفة لم يَجُز الإفتاءُ بمُخالفها، لما سَيأتي أَنَّ الفُتيا بالمَرجُوح جَهلٌ، وهذا بخلاف ما إذا وجَدَ التَّصحيحَ في كتابٍ آخَرَ للرّواية الأُخرَى، فإنَّ الأولَى تَقديمُ الآكَد منهُما أو المُتَّفَق عليه على الخلاف المارّ، وبه ظَهَرَ أَنَّ هذا تَفصيلٌ آخَرُ زائدٌ على ما مَرَّ غَيرُ مُخالفٍ له، فافهَم. رد.
(¬3) استثناءٌ مُنقَطعٌ؛ لأَنَّهُ مَفرُوضٌ فيما وُجدَ فيه التَّصحيحُ من كلا الطَّرَفَين، والمُستَثنَى منه فيما إذا لَم يُذَيَّل مُخالفُهُ بشَيءٍ كَما مَرَّ. وفائدة هذا الاستثناء تَوضيحُ ما مَرَّ عن (وقف) «البَحر» وبَيان المُراد من التَّخيير، فَلَيسَ فيه تَكريرٌ، فافهَم. رد.
(¬4) يُحتَمَلُ أَنَّ المُرادَ به «كافي الحاكم» أو «كافي النَّسَفيّ» الَّذي شَرَحَ به كتابَهُ «الوافيَ» أَصلَ «الكَنز»، والظّاهرُ الثّاني. رد.
بمُخالفه هو الصَّحيحُ، فَيُخَيَّرُ فَيَختارُ الأَقوى (¬1) عندهُ، والأَليَقَ (¬2) والأَصلَحَ، اهـ. فَليُحفَظ (¬3).
وحاصلُ ما ذَكَرَهُ الشَّيخُ قاسمٌ في «تَصحيحه» (¬4): أَنَّهُ لا فَرقَ (¬5) بَينَ المُفتي والقاضي إلّا أَنَّ المُفتيَ مُخبرٌ عن الحُكم والقاضيَ مُلزمٌ به، وأَنَّ الحُكمَ
¬
(¬1) أَي إن كانَ من أَهل النَّظَر في الدَّليل أو نَصَّ العُلَماءُ على ذلك، ولا تَنسَ ما قَدَّمناهُ من بَقيّة قُيُود التَّخيير. رد.
(¬2) أَي لزَمانه والأَصلَحُ الَّذي يَراهُ مُناسبًا في تلكَ الواقعة. رد.
(¬3) أَي جَميعُ ما ذَكَرناهُ.
وحاصلُهُ: أَنَّ الحُكمَ إن اتَّفَقَ عليه أَصحابُنا يُفتَى به قَطعًا، وإلّا فإمّا أَن يُصَحّحَ المَشايخُ أَحَدَ القَولَين فيه أو كُلًّا منهُما، أَو لا، وإلّا فَفي الثّالث يُعتَبَرُ التَّرتيبُ، بأَن يُفتَى بقَول أَبي حَنيفة ثُمَّ بقَول أَبي يُوسُفَ إلَخ، أو يُعتَبَرُ قُوةُ الدَّليل، وقَد مَرَّ التَّوفيقُ، وفي الأَول إن كانَ التَّصحيحُ بأَفعَل التَّفضيل خُيّرَ المُفتي، وإلّا فَلا، بَل يُفتَى بالمُصَحَّح فَقَط، وهذا ما نَقَله عن الرّسالة.
وفي الثّاني إمّا أَن يَكُونَ أَحَدُهُما بأَفعَل التَّفضيل أو لا. فَفي الأَول قيل: يُفتَى بالأَصَحّ، وهو المَنقُولُ عن «الخَيريّة»، وقيل: بالصَّحيح، وهو المَنقُولُ عن «شَرح المُنية»، وفي الثّاني يُخَيَّرُ المُفتي، وهو المَنقُولُ عن (وقف) «البَحر»، والرّسالة أَفادَهُ، «ح». رد.
(¬4) أَي في كتابه المُسَمَّى بـ «التَّصحيح والتَّرجيح» المَوضُوع على «مُختَصَر القُدُوريّ». رد.
(¬5) أَي من حَيثُ إنَّ كُلًّا منهُما لا يَجُوزُ له العَمَلُ بالتَّشَهّي، بَل عليه اتّباعُ ما رَجَّحُوهُ في كُلّ واقعة، وإن كانَ المُفتي مُخبرًا والقاضي مُلزمًا، ولَيسَ المُرادُ حَصرَ عَدَم الفَرق بَينَهُما من كُلّ جهة، فافهَم. رد.
والفُتيا (¬1) بالقَول المَرجُوح (¬2) جَهلٌ وخَرقٌ للإجماع، وأَنَّ الحُكمَ المُلَفَّقَ (¬3) باطلٌ بالإجماع، وأَنَّ الرُّجُوعَ (¬4) عن التَّقليد بَعدَ العَمَل باطلٌ اتّفاقًا، وهو المُختارُ في
¬
(¬1) وكذا العَمَلُ به لنَفسه، قال العَلّامة الشُّرُنبُلاليُّ في رسالَته «العقد الفَريد في جَواز التَّقليد»: مُقتَضَى مَذهَب الشّافعيّ كَما قاله السُّبكيُّ مَنعُ العَمَل بالقَول المَرجُوح في القَضاء والإفتاء دُونَ العَمَل لنَفسه.
مَطلَبُ: لا يَجُوزُ العَمَلُ بالضَّعيف حَتَّى لنَفسه عندنا:
ومَذهَبُ الحَنَفيّة المَنعُ عن المَرجُوح حَتَّى لنَفسه لكَون المَرجُوع صارَ مَنسُوخًا اهـ فَليُحفَظ، وقَيَّدَهُ البيريُّ بالعامّيّ أَي الَّذي لا رأيَ له يَعرفُ به مَعنَى النُّصُوص حَيثُ قال: هَل يَجُوزُ للإنسان العَمَلُ بالضَّعيف من الرّواية في حَقّ نَفسه، نَعَم إذا كانَ له رأيٌ، أَمّا إذا كانَ عامّيًّا فَلَم أَرَهُ، لَكن مُقتَضَى تَقييده بذي الرّأي أَنَّهُ لا يَجُوزُ للعامّيّ ذلك.
قال في «خزانة الرّوايات»: العالمُ الَّذي يَعرفُ مَعنَى النُّصُوص والأَخبار، وهو من أَهل الدّراية يَجُوزُ له أَن يَعمَلَ عليها، وإن كانَ مُخالفًا لمَذهَبه، اهـ.
قُلت: لَكن هذا في غَير مَوضع الضَّرُورة، فَقَد ذَكَرَ في (حَيض) «البَحر» في بَحث أَلوان الدّماء أَقوالًا ضَعيفة، ثُمَّ قال: وفي «المعراج» عن فَخر الأَئمّة: لو أَفتَى مُفتٍ بشَيءٍ من هَذه الأَقوال في مَواضع الضَّرُورة طَلَبًا للتَّيسير كانَ حَسَنًا، اهـ. وكذا قَولُ أَبي يُوسُفَ في المَنيّ إذا خَرَجَ بَعدَ فُتُور الشَّهوة لا يَجبُ به الغَسلُ ضَعيفٌ، وأَجازُوا العَمَلَ به للمُسافر أو الضَّيف الَّذي خافَ الرّيبة كَما سَياتي في مَحَلّه، وذلك من مَواضع الضَّرُورة. رد.
(¬2) كَقَول مُحَمَّدٍ مَعَ وُجُود قَول أَبي يُوسُفَ إذا لَم يُصَحَّح أو يَقو وجهُهُ، وأولَى من هذا بالبُطلان الإفتاءُ بخلاف ظاهر الرّواية إذا لَم يُصَحَّح، والإفتاءُ بالقَول المَرجُوع عنه، اهـ. «ح». رد.
(¬3) المُرادُ بالحُكم الحُكمُ الوضعيُّ كالصّحّة، مثالُهُ: مُتَوضّئٌ سالَ من بَدَنه دَمٌ ولَمَسَ امراةً ثُمَّ صَلَّى، فإنَّ صحّة هَذه الصَّلاة مُلَفَّقة من مَذهَب الشّافعيّ والحَنَفيّ، والتَّلفيقُ باطلٌ، فَصحَّتُهُ مُنتَفية، اهـ. «ح». رد.
(¬4) مَطلَبٌ في حُكم التَّقليد والرُّجُوع عَنهُ:
صَرَّحَ بذلك المُحَقّقُ ابنُ الهُمام في «تَحريره»، ومثلُهُ في «أُصُول الآمديّ» و «ابن الحاجب» و «جَمع الجَوامع»، وهو مَحمُولٌ كَما قال ابنُ حَجَرٍ والرَّمليُّ في شَرحَيهما على «المنهاج» وابنُ قاسمٍ في «حاشيَته» على ما إذا بَقيَ من آثار الفعل السّابق أَثَرٌ يُؤَدّي إلى تَلفيق العَمَل بشَيءٍ لا يَقُولُ به من المَذهَبَين، كَتَقليد الشّافعيّ في مَسح بَعض الرّأس، ومالكٍ في طَهارة الكَلب في صَلاةٍ واحدة، وكَما لو أَفتَى ببَينُونة زَوجَته بطَلاقها مُكرَهًا ثُمَّ نَكَحَ أُختَها مُقَلّدًا للحَنَفيّ بطَلاق المُكرَه ثُمَّ أَفتاهُ شافعيٌّ بعَدَم الحنث، فَيَمتَنعُ عليه أَن يَطأ الأُولَى مُقَلّدًا للشّافعيّ والثّانية مُقَلّدًا للحَنَفيّ، أو هو مَحمُولٌ على مَنع التَّقليد في تلكَ الحادثة بعَينها لا مثلها كَما صَرَّحَ به الإمامُ السُّبكيُّ وتَبعَهُ عليه جَماعةٌ، وذلك كَما لو صَلَّى ظُهرًا بمَسح رُبُع الرّأس مُقَلّدًا للحَنَفيّ، فليس له إبطالُها باعتقاد لُزُوم مَسح الكُلّ مُقَلّدًا للمالكيّ.
وأَمّا لو صَلَّى يَومًا على مَذهَبٍ وأَرادَ أَن يُصَلّيَ يَومًا آخَرَ على غيره فَلا يُمنَعُ منهُ، على أَنَّ في دَعوى الاتّفاق نَظَرًا، فَقَد حُكيَ الخلافُ، فَيَجُوزُ اتّباعُ القائل بالجَواز كَذا أَفادَهُ العَلّامة الشُّرُنبُلاليُّ في «العقد الفَريد»،.
ثُمَّ قال بَعدَ ذكر فُرُوعٍ من أَهل المَذهَب صَريحة بالجَواز وكَلامٍ طَويلٍ: فَتَحَصَّلَ ممّا ذَكَرناهُ أَنَّهُ لَيسَ على الإنسان التزامُ مَذهَبٍ مُعَيَّنٍ، وأَنَّهُ يَجُوزُ له العَمَلُ بما يُخالفُ ما عَمله على مَذهَبه مُقَلّدًا فيه غَيرَ إمامه مُستَجمعًا شُرُوطَهُ، ويَعمَلُ بأَمرَين مُتَضادَّين في حادثَتَين لا تَعَلُّقَ لواحدة منهُما بالأُخرَى، ولَيسَ له إبطالُ عَين ما فَعَله بتَقليد إمامٍ آخَرَ؛ لأنّ إمضاءَ الفعل كإمضاء القاضي لا يُنقَضُ.
وقال أَيضًا: إنَّ له التَّقليدَ بَعدَ العَمَل كَما إذا صَلَّى ظانًّا صحَّتَها على مَذهَبه، ثُمَّ تَبَيَّنَ بُطلانُها في مَذهَبه وصحَّتُها على مذهب غيره فله تَقليدُهُ، ويَجتَزئ بتلكَ الصَّلاة على ما قال في «البَزّازيّة»: إنَّهُ رُويَ عن أَبي يُوسُفَ أَنَّهُ صَلَّى الجُمُعة مُغتَسلًا من الحَمّام ثُمَّ أُخبرَ بفارة مَيّتة في بئر الحَمّام، فَقال: نأخُذُ بقَول إخواننا من أَهل المَدينة: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَين لَم يَحمل خَبَثًا»، اهـ. رد.
المَذهَب، وأَنَّ الخلافَ (¬1) خاصٌّ بالقاضي المُجتَهد، وأَمّا المُقَلّدُ (¬2) فَلا يَنفُذُ قَضاؤُهُ، بخلاف مَذهَبه أَصلًا كَما في «القُنية».
¬
(¬1) أَي بَينَ الإمام وصاحبَيه فيما إذا قَضَى بغَير رأيه عَمدًا، هَل يَنفُذُ فعنده، نَعَم في أَصَحّ الرّوايَتَين عنه، وعندهُما: لا كَما في «التَّحرير». وقال شارحُهُ: نَصَّ في «الهداية» و «المُحيط» على أَنَّ الفَتوى على قَولهما بعَدَم النَّفاذ في العَمد والنّسيان، وهو مُقَدَّمٌ على ما في «الفَتاوى الصُّغرَى» و «الخانيّة» من أَنَّ الفَتوى على قَوله؛ لأنّ المُجتَهدَ مأمُورٌ بالعَمَل بمُقتَضَى ظَنّه إجماعًا، وهذا خلافُ مُقتَضَى ظَنّه، اهـ.
وقَد استَشكَلَ بَعضُهُم هَذه المَسأَلة، على قَول الأُصُوليّينَ إنَّ المُجتَهدَ إذا اجتَهَدَ في واقعة بحُكمٍ يَمتَنعُ عليه تَقليدُ غيره فيها اتّفاقًا، والخلافُ في تَقليده قَبلَ اجتهاده فيها، والأَكثَرُ على المَنع، فَهَذه المَسأَلة تُبطلُ دَعوى الاتّفاق.
وأَجابَ في «التَّحرير» بأَنَّ قَولَ الإمام بالنَّفاذ لا يُوجبُ حَملَ الإقدام على هذا القَضاء، نَعَم وقَعَ في بَعض المَواضع ذكرُ الخلاف في الحلّ ويَجبُ تَرجيحُ رواية عَدَمه. اهـ. وحينَئذٍ فَلا إشكالَ فافهَم. رد.
(¬2) (قَولُهُ: وأَمّا المُقَلّدُ إلَخ): نَقَله في «القُنية» عن «المُحيط» وغَيره، وجَزَمَ به المُحَقّقُ في «فَتح القَدير» وتلميذُهُ العَلّامة قاسمٌ، وادَّعَى في «البَحر» أَنَّ المُقَلّدَ إذا قَضَى بمَذهَب غيره أو برواية ضَعيفة أو بقَولٍ ضَعيفٍ نَفَذَ.
وأَقوى ما تَمَسَّكَ به ما في «البَزّازيّة» عن «شَرح الطَّحاويّ» إذا لَم يَكُن القاضي مُجتَهدًا وقَضَى بالفَتوى، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ على خلاف مَذهَبه نَفَذَ ولَيسَ لغَيره نَقضُهُ، وله أَن يَنقُضَهُ كَذا عن مُحَمَّدٍ - رضي الله عنه -. وقال الثّاني: لَيسَ له أَن يَنقُضَهُ أَيضًاً، اهـ، قال في «النَّهر»: وما في «الفَتح» يَجبُ أَن يُعَوَّلَ عليه في المَذهَب، وما في «البَزّازيّة» مَحمُولٌ على أَنَّهُ رواية عَنهُما؛ إذ قُصارَى الأَمر أَنَّ هذا مُنَزَّلٌ مَنزلة النّاسي لمَذهَبه، وقَد مَرَّ عَنهُما في المُجتَهد أَنَّهُ لا يَنفُذُ، فالمُقَلّدُ أولَى، اهـ.
قُلت: ولا سيَّما في زَماننا، فإنَّ السُّلطانَ يَنُصُّ في مَنشُوره (¬1) على نَهيه عن القَضاء بالأَقوال الضَّعيفة، فَكَيفَ بخلاف مَذهَبه (¬2) فَيكون مَعزُولًا
¬
(¬1) (قَولُهُ: في مَنشُوره):المَنشُورُ: ما كانَ غَيرَ مَختُومٍ من كُتُب السُّلطان، «قامُوسٌ».
(¬2) (قَولُهُ: فَكَيفَ بخلاف مَذهَبه): أَي فَكَيفَ يَنفُذُ قَضاؤُهُ بخلاف مَذهَبه؛ لأَنَّهُ إذا نَهاهُ عن القَضاء بالأَقوال الضَّعيفة في مَذهَبه لا يَنفُذُ قَضاؤُهُ فيها فَبخلاف مَذهَبه بالأولَى، ومَبنَى ذلك على ما قالُوا: إنَّ تَولية القَضاء تَتَخَصَّصُ بالزَّمان والمَكان والشَّخص، فَلو ولّاهُ السُّلطانُ القَضاءَ في زَمانٍ مَخصُوصٍ أو مَكان مَخصُوصٍ أو على جَماعة مَخصُوصينَ تَعَيَّنَ ذلك؛ لأَنَّهُ نائبٌ عَنهُ، ولو نَهاهُ عن سَماع بَعض المَسائل لَم يَنفُذ حُكمُهُ فيها، كَما إذا نَهاهُ عن سَماع حادثة مَضَى عليها خَمسَ عَشرة سَنة بلا مانعٍ شَرعيٍّ والخَصمُ مُنكرٌ، وقَد ذَكَرَ الحَمَويُّ في «حاشية الأَشباه» أَنَّ عادةَ سَلاطين زَماننا إذا تَولَّى أَحَدُهُم عُرضَ عليه قانُونُ مَن قَبله وأُمرَ باتّباعه.
بالنّسبة لغَير المُعتَمَد من مَذهَبه، فَلا يَنفُذُ قَضاؤُهُ فيه ويُنقَضُ (¬1) كَما بُسطَ في (قَضاء) «الفَتح» و «البَحر» و «النَّهر» وغَيرها. قال في «البُرهان» (¬2): وهذا صَريحُ الحَقّ الَّذي يُعَضُّ عليه بالنَّواجذ (¬3)، نَعَم أَمرُ الأَمير (¬4) مَتَى صادَفَ فَصلًا مُجتَهَدًا فيه نَفَذَ أَمرُهُ (¬5)، كَما في (سيَر) (¬6) «التَّتارخانيّة» و «شَرح السّيَر الكَبير» (¬7)، فَليُحفَظ.
¬
(¬1) (قَولُهُ: ويَنقُضُ) لا حاجة إلَيه؛ لأَنَّهُ إذا كانَ مَعزُولًا بالنّسبة لما ذُكرَ لا يَصحُّ له قَضاءٌ حَتَّى يَنقُضَ؛ لأنّ النَّقضَ إنَّما يكون للثّابت، إلّا أَن يُقال إنَّهُ قَضاءٌ بحَسَب الظّاهر، «ط».
(¬2) (قَولُهُ: قال في البُرهان) هو «شَرحُ مَواهب الرَّحمَن» كلاهُما للعَلّامة إبراهيم الطَّرابُلُسيّ صاحب «الإسعاف في الأوقاف».
(¬3) (قَولُهُ: بالنَّواجذ) هي أَضراسُ الحُلُم كَما في «المُغرب»، والكَلامُ كناية عن غاية التَّمَسُّك، كَما أَنَّ قولهم: ضَحكَ حَتَّى بَدَت نَواجذُهُ عبارة عن المُبالَغة في الضَّحك، وإلّا فَلا تَبدُو بالضَّحك عادة كَما حَقَّقَهُ الإمامُ الزَّمَخشَريّ.
(¬4) (قَولُهُ: نَعَم أَمرُ الأَمير إلَخ) تَصديقٌ لما مَرَّ واستدراكٌ بأَمر آخَرَ كالاستثناء ممّا قَبله، هَكَذا عُرفُ المُصَنّفينَ في مثل هذا التَّركيب.
(¬5) (قَولُهُ: نَفَذَ أَمرُهُ) إن كانَ المُرادُ بالأَمر الطَّلَبَ بلا قَضاءٍ فَظاهرٌ، وعليه فالمُرادُ بالنَّفاذ وُجُوبُ الامتثال، وهذا الَّذي رأيته في سيَر التَّتارخانيّة في الفَصل العاشر فيما يَجبُ فيه طاعة الأَمير وما لا يَجبُ، ونَصُّهُ قال مُحَمَّدٌ: وإذا أَمَرَ الأَميرُ العَسكَرَ بشَيءٍ كانَ على العَسكَر أَن يُطيعُوهُ في ذلك إلّا أَن يَكُونَ المأمُورُ به مَعصية بيَقينٍ. اهـ.
ولَكن لا مَحَلَّ لذكر هذا هُنا، وإن كانَ المُرادُ به القَضاءَ إلّا بتَفويضٍ من الإمام. قال في «الأَشباه»: يَجُوزُ قَضاءُ الأَمير الَّذي يُولي القَضاءَ، وكَذلك كتابُهُ إلى القاضي إلّا أَن يَكُونَ القاضي من جهة الخَليفة، فَقَضاءُ الأَمير لا يَجُوزُ كَذا في «المُلتَقَط». وقَد أَفتَيت بأَنَّ تَولية باشا مصرَ قاضيًا ليَحكُمَ في قُبّة بمصرَ مَعَ وُجُود قاضيها المُولَّى من السُّلطان باطلة؛ لأَنَّهُ لَم يُفَوّض إلَيه ذلك اهـ، فَتأمَّل.
(¬6) (قَولُهُ: سيَر) جَمعُ سيرة: وهيَ الطَّريقة في الأُمُور. وفي الشَّرع: تَختَصُّ بسيَر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في مَغازيه، «هداية».
(¬7) (قَولُهُ: السّيَر الكَبير) للإمام مُحَمَّدٍ، وهو روايَتُهُ عن الإمام من غَير واسطة، «ط». وقال في «المُغرب»: وقالُوا: «السّيَرُ الكَبيرُ» فَوصَفُوها بصفة المُذَكَّر لقيامها مَقامَ المُضاف الَّذي هو الكتابُ، كَقَولهم: صَلاةُ الظُّهر، وسيَرُ الكَبير خَطأ كَـ «جامع الصَّغير» و «جامع الكَبير». اهـ.
وقَد ذَكَرُوا أَنَّ المُجتَهدَ المُطلَقَ قَد فُقدَ، وأَمّا المُقَيَّدُ (¬1) فَعلى سَبع مَراتبَ مَشهُورة. وأَمّا نَحنُ (¬2) فَعَلَينا اتّباعُ ما رَجَّحُوهُ وما صَحَّحُوهُ كَما لو أَفتَوا في حَياتهم (¬3).
¬
(¬1) مَطلَبٌ في طَبَقات الفُقَهاء
(قَولُهُ: وأَمّا المُقَيَّدُ إلَخ) فيه أَمران:
الأَولُ: أَنَّ المُجتَهدَ المُطلَقَ أَحَدُ السَّبعة.
الثّاني: أَنَّ بَعضَ السَّبعة لَيسُوا مُجتَهدينَ خُصُوصًا السّابعة، فَكانَ عليه أَن يَقُولَ والفُقَهاءُ على سَبع مَراتبَ، وقَد أوضَحَها المُحَقّقُ ابنُ كَمالٍ باشا في بَعض رَسائله فَقال: لا بُدَّ للمُفتي أَن يَعلَمَ حالَ مَن يُفتي بقَوله، ولا يَكفيه مَعرفَتُهُ باسمه ونَسَبه، بَل لا بُدَّ من مَعرفَته في الرّواية، ودَرَجَته في الدّراية، وطَبَقَته من طَبَقات الفُقَهاء، ليَكُونَ على بَصيرة في التَّمييز بَينَ القائلينَ المُتَخالفينَ وقُدرة كافية في التَّرجيح بَينَ القَولَين المُتَعارضَين.
الأُولَى: طَبَقة المُجتَهدينَ في الشَّرع كالأَئمّة الأَربَعة - رضي الله عنهم - ومَن سَلَكَ مَسلَكَهُم في تأسيس قَواعد الأُصُول، وبه يَمتازُونَ عن غَيره.
الثّانية: طَبَقة المُجتَهدينَ في المَذهَب كأبي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وسائر أَصحاب أَبي حَنيفة، القادرينَ على استخراج الأَحكام من الأَدلّة على مُقتَضَى القَواعد الَّتي قَرَّرَها أُستاذُهُم أَبُو حَنيفة في الأَحكام وإن خالَفُوهُ في بَعض أَحكام الفُرُوع، لَكن يُقَلّدُونَهُ في قَواعد الأُصُول، وبه يَمتازُونَ عن المُعارضينَ في المَذهَب كالشّافعيّ وغَيره المُخالفينَ له في الأَحكام غَير مُقَلّدينَ له في الأُصُول.
الثّالثة: طَبَقة المُجتَهدينَ في المَسائل الَّتي لا نَصَّ فيها عن صاحب المَذهَب كالخَصّاف وأَبي جَعفَرٍ الطَّحاويّ وأَبي الحَسَن الكَرخيّ وشَمس الأَئمّة الحَلوانيّ وشَمس الأَئمّة السَّرَخسيّ وفَخر الإسلام البَزدَويّ وفَخر الدّين قاضي خان وأَمثالهم، فإنَّهُم لا يَقدرُونَ على شَيءٍ من المُخالَفة لا في الأُصُول ولا في الفُرُوع، لَكنَّهُم يَستَنبطُونَ الأَحكامَ في المَسائل الَّتي لا نَصَّ فيها على حَسَب الأُصُول والقَواعد.
الرّابعة: طَبَقة أَصحاب التَّخريج من المُقَلّدينَ كالرّازيّ وأَضرابه، فإنَّهُم لا يَقدرُونَ على الاجتهاد أَصلًا، لَكنَّهُم لإحاطَتهم بالأُصُول وضَبطهم للمآخذ يَقدرُونَ على تَفصيل قَولٍ مُجمَلٍ ذي وجهَين، وحُكمٍ مُبهَمٍ مُحتَملٍ لأَمرَين، مَنقُولٍ عن صاحب المَذهَب أو أَحَدٍ من أَصحابه برأيهم ونَظَرهم في الأُصُول والمُقايَسة على أَمثاله، ونَظائره من الفُرُوع.
وما في «الهداية» من قَوله: كَذا في تَخريج الكَرخيّ وتَخريج الرّازيّ من هذا القَبيل.
الخامسة: طَبَقة أَصحاب التَّرجيح من المُقَلّدينَ كأبي الحسين القُدُوريّ، وصاحب «الهداية» وأَمثالهم، وشأنُهُم تَفضيلُ بَعض الرّوايات على بَعضٍ، كَقَولهم: هذا أولَى، وهذا أَصَحُّ رواية، وهذا أرفَقُ للنّاس.
والسّادسة: طَبَقة المُقَلّدينَ القادرينَ على التَّمييز بَينَ الأَقوى والقَويّ والضَّعيف وظاهر المَذهَب والرّواية النّادرة، كأصحاب المُتُون المُعتَبَرة من المُتأخّرينَ، مثلُ صاحب «الكَنز»، وصاحب «المُختار»، وصاحب «الوقاية»، وصاحب «المَجمَع»، وشأنُهُم أَن لا يَنقُلُوا الأَقوالَ المَردُودة والرّوايات الضَّعيفة.
والسّابعة: طَبَقة المُقَلّدينَ الَّذينَ لا يَقدرُونَ على ما ذُكرَ، ولا يُفَرّقُونَ بَينَ الغَثّ والسَّمين، اهـ بنَوع اختصارٍ.
(¬2) (قَولُهُ: وأَمّا نَحنُ) يَعني أَهلَ الطَّبَقة السّابعة، وهذا مَعَ السُّؤال والجَواب مأخُوذٌ من تَصحيح الشَّيخ قاسمٍ.
(¬3) (قَولُهُ: كَما لو أَفتَوا في حَياتهم): أَي كَما نَتبَعُهُم لو كانُوا أَحياءً وأَفتَونا بذلك، فإنَّهُ لا يَسَعُنا مُخالَفَتُهُم.