تهذيب تأسيس النظر .....
.... للإمام الدبوسي
جارٍ تحميل الكتاب…
تهذيب تأسيس النظر .....
.... للإمام الدبوسي
تهذيب
تأسيس النظر
للإمام الفقيه الأصولي أبي زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي
توفي سنة (430 هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن سار على دربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
فهذا كتاب «تأسيس النظر» للإمام العلامة والحبر والفهامة، فقيه عصره وأوانه، وأُصولي دهره وزَمانه، أبي زيد عُبيد الله الدَّبوسيّ، المتوفَّى سنة (430 هـ)، اهتمّ فيه بذكر سبب الخلاف بين الفقهاء الأعلام سواء كان بطريق أصول البناء للأحكام، وهي القواعد الفقهية الجزئية، أو بطريق أصول الاستنباط، وهي أُصول الفقه المعروفة.
حيث عرض فيه لأبرز الأصول التي كانت سبباً للاختلاف بين الفقهاء، وجعلها على أقسام، كلُّ قسم عرض فيه قواعد للاختلاف بين إمام وغيره من المجتهدين، فبدأ بالخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه وفَصَّل في أَشهر أُصول الاختلاف بينهم.
ولما كان هذا الكتاب أحد الكتب المقرَّرة في مرحلة الماجستير في كليتنا
الموقرة في مساق تخريج الفروع، كان لا بُدَّ من خدمةٍ للكتاب بتهذيبه للاستغناء عن أمثلة العبيد فيه وما لا حاجة من العبارات أو الاختلاف كاختلاف ابن أبي ليلى مثلاً؛ لأنه غيرُ معمول به، ولا يجوز العمل به؛ لعدم وثوق النَّقل عنه.
وتَكْمُنُ الصعوبة في الكتاب في التَّعبيرات التي استخدمها الإمام الدَّبوسيُّ في التَّعبير عن الأصول المختلف فيها بين المجتهدين، لذلك حاولت شرحها وتوضيحها تيسيراً على القارئ الكريم.
وذكرت تفاصيل بعض المسائل التي خَفِي وجهُها بصورتها المفصَّلة من كتبنا بما يوضحها ويزيل الإشكال عنها.
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، وينفع به البلاد والعباد، ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
صويلح، عمان، الأردن
11 ـ 3 ـ 2021 م
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف:
الحمد لله رب العالمين، والعافية للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله أجمعين.
أما بعد:
فإنِّي لما رأيتُ تصعب الأمر في حفظ مسائل الخلاف على المتفقهة، وفَّقهم الله تعالى لمرضاته، وتَعَسُّر طرق استنباطها عليهم، وقصور معرفتهم عن الإطلاع على حقيقة مأخذها، واشتباه مواضع الكلام عند التَّناظر فيها، فجمعت في كتابي هذا أحرفاً إذا تدبَّر النّاظرُ فيها وتأمَّلها عرف مجال التَّنازع ومدار التَّناطح عند التخاصم، فيصرف عنايته إلى ترتيب الكلام، وتقوية الحجج في المواضع التي عَرَف أنها مَدار القول، ومجال التَّنازع في موضع النِّزاع، فيسهل عليهم حفظها، ويتيسَّر لهم سبيل الوصول إلى عرفان مأخذها، فأمكنهم قياس غيرها عليها، وذلك أنّي لما نظرت في المسائل التي اختلف فيها الفقهاء، فوجدتها مُنقسمةً على أقسام سبعة:
قسم منها خلاف بين أبي حنيفة وبين صاحبيه محمد بن الحسن وأبي يوسف ابن ابراهيم الأنصاري.
وقسم منها خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف وبين محمد بن الحسن.
وقسم منها خلاف بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف.
وقسم منها خلاف بين أبي يوسف ومحمد.
وقسم منها خلاف بين علمائنا الثلاثة محمد بن الحسن والحسن بن زياد وبين زُفر.
وقسم منها خلاف بين علمائنا وبين الإمام الأقدم مالك بن أنس (¬1).
وقسم منها خلاف بين علمائنا الثلاثة وبين أبي عبد الله الإمام القرشي محمد بن إدريس الشافعي.
ثم جعلتُ لكلِّ قسم من هذه الأقسام السبعة باباً، وذكرت لكلِّ باب منه أصولاً، وأوردتُ فيه لكلِّ أصل ضرباً من الأمثلة والنظائر، وأودعت في آخر هذه الأقسام السبعة قسماً آخر ذكرت فيه أصولاً، يشتمل كلُّ أصل على مسائل خلافية متفرِّقة، وما عدا هذه الأقسام من أقوال المخالفين نحو قول إبراهيم النخعي، وسفيان الثَّوري، والأوزاعي، والشَّعبي، وغيرهم،
¬
(¬1) ذكر الدبوسي قسماً هنا: وهو قسم منها خلاف بين علمائنا الثلاثة محمد بن الحسن والحسن بن زياد وزفر وبين ابن أبي ليلي، فقد حذفتها؛ لاندثار مذهبه، وقلة الاستفادة من أقوال ابن أبي ليلى؛ لعدم التأكد من ثبوتها، وعدم جواز العمل بها.
أَعرضتُ عن ذكرها وإيراد أُصولها من أقاويلهم كراهة التَّطويل، ولم اشتغل بشرح هذه الأمثلة التي أوردتها إلا قدر ما يتضح به اتصالها بالأصول التي ذكرناها، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
• • •
المبحث الأول
في الخلاف بين أبي حنيفة وبين صاحبيه
أولاً: الأصل عند أبي حنيفة ما ذكره أبو الحَسَن الكَرخيّ (ت 340 هـ):
ما غَيَّر الفرضَ في أوَّله غيَّرَه في آخره
مثل: نية الإقامة للمسافر واقتداء المسافر بالمقيم.
وحُكي عن أبي سعيد البَردعيِّ (ت 317 هـ): أنّه كان يُخرِّج هذه المسائل على أَصل آخر، وهو أنّ مذهب أبي حنيفة: الخروج من الصَّلاة بصنعِهِ فَرْضٌ، وعندهما: ليس بفرض، ولكن هذا ليس بمنصوص عليه عن أبي حنيفة، والأَوَّل أحسن (¬1).
¬
(¬1) هذا التخريج للكرخي للمسائل الاثنا عشرية الواردة عن أبي حنيفة، وصححه صاحبُ التبيين 1: 104 والمبسوط 1: 126 والدر المختار 1: 449.
قال صاحب الشرنبلالية 1: 98: «أقول في «البرهان»: الأظهر قول الصاحبين أنها صحيحة في المسائل الاثني عشرية، والقول بفساد الصلاة فيها مبنيٌّ على أن الخروجَ بالصنع فرض عند أبي حنيفة، وهو تخريج البردعي، وردَّه الكرخي بأنه لا خلاف بينهم في أن الخروج بفعله ليس بفرض، ولم يرو عن أبي حنيفة، بل إنما هو حمل من البردعي؛ لما رأى خلافه في المسائل المذكورة، وهو غلط، ذكر وجهه الكمال و «البرهان» وغيرهما، وقال صاحب «البحر» عن «المجتبى»: وعلى قول الكرخي المحققون من أصحابنا، وذكر في «معراج الدراية» معزياً إلى شمس الأئمة أن الصحيحَ ما قاله الكرخي، ثم بيَّنتُ في رسالتي المسمّاة بـ «المسائل البهية الزاكية على المسائل الاثني عشرية» تحقيق افتراض الخروج بالصنع على تخريج البردعي».
وقال ابن عابدين في رد المحتار 1: 449: «اعلم أن كون الخروج بصنعه فرضاً غير منصوص عن الإمام، وإنما استنبطه البردعيُّ عن المسائل الاثني عشرية، فإنّ الإمام، لما قال فيها بالبطلان مع أن أركان الصلاة تمّت ولم يبق إلا الخروج دلّ على أنه فرض، وصاحباه لما قالا فيها بالصحّة كان الخروج بالصنع ليس فرضاً عندهما.
ورده الكرخي بأنه لا خلاف بينهم في أنه ليس بفرض، وأن هذا الاستنباط غلطٌ من البردعي؛ لأنه لو كان فرضاً كما زعمه لاختصّ بما هو قربة، وهو السلام، وإنّما حكم الإمام بالبطلان في الاثني عشرية لمعنى آخر، وهو أنّ العوارضَ فيها مغيِّرة للفرض، فاستوى في حدوثها أوَّل الصَّلاة وآخرها، فإنّ رؤيةَ المتيمم بعد القعدة الماء مُغيِّرةٌ للفرض؛ لأنه كان فرضُه التيمّم، فتغيّر فرضُه إلى الوضوء، وكذا بقية المسائل، بخلاف الكلام، فإنه قاطع لا مغيّر، والحدث العمد والقهقهة ونحوهما مبطلة لا مغيِّرةٌ، هذا وقد انتصر العلامة الشُّرُنْبُلالي للبردعي في رسالة «المسائل البهية» بأنه قد مشى على افتراض الخروج بصنعه صاحب «الهداية»، وتبعه الشارح، وعامّة المشايخ وأكثر المحقّقين والإمام النَّسفي في «الوافي» و «الكافي» و «الكنز» وشروحه وإمام أهل السنة الشيخ أبو منصور الماتريدي ...
وفائدة الخلاف بينهما فيما إذا سبقه حدثٌ بعد قعوده قدر التشهّد إذا لم يتوضّأ ويبن ويخرج بصنعه، بطلت على تخريج البردعي، وصحّت على تخريج الكرخي».
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إنَّ المتيمِّم إذا أَبصر الماء في آخر صلاته بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يُسلِّم، فإنه تفسد صلاته عند أبي حنيفة؛ لهذا المعنى؛ لأنه لو حصلت الرُّؤية في أول الفرض غَيَّره، فكذلك إذا حصل في آخره، وعندهما: لا تفسد.
ـ إنَّ العُريان إذا أَصاب ثوباً أو مقدار ما يَستر عورته بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يُسَلِّم فسدت صلاتُه عند أبي حنيفة؛ لهذا المعنى الذي ذكرناه، وعندهما: لا تفسد صلاته.
ـ إنَّ الأُميَّ لو تعلَّم سورة من القرآن أو مقدار ما تجوز به الصلاة بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم فسدت صلاته عند أبي حنيفة لهذا المعنى الذي ذكرناه، وعندهما: لا تفسد صلاته.
ـ إن المستحاضة إذا خرج وقت صلاتها بعدما قعدت قدر التشهد قبل أن تُسلَّم، فإنه تفسد صلاتها عند أبي حنيفة؛ لهذا المعنى، وعندهما: لا تفسد صلاتها. وكذلك المبطون، ومن به سلس البول، وصاحب الجرح السائل، ومَن هو في معنى المستحاضة على هذا الخلاف.
ـ إن المرأة إذا قامت بجنب الرَّجل في آخر الصَّلاة بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يُسَلِّم أفسدت صلاتَه عند أبي حنيفة، وعندهما: لا تفسد.
ـ إن الماسحَ على الخُفِّ إذا انقضت مدّةُ مسحِهِ بعدما قَعَد قدر التَّشهد قبل أن يُسَلِّم، فإنّه تفسد صلاته عند أبي حنيفة؛ لهذا المعنى، وعندهما: لا تفسد.
ـ إن لابسَ الخُفَّين إذا سَقَطَ الخُفُّ من رجله بعدما قعد قدر التَّشهُّد قبل أن يُسَلِّمُ بغير فعله أو بعمل يسير من جهته، فإنّه تفسدُ صلاته عند أبي حنيفة؛ لهذا المعنى، وعندهما: لا تفسد، فأما إذا كان بعمل كثير، فإنه تفسد صلاتُه بالإجماع.
ـ إنَّ مُصَلِّي الجُمعة إذا مَضَى الوقت بعدما قَعَدَ قدر التَّشهد قبل أن يُسَلِّم، فإن صلاتَه تَفْسد عند أبي حنيفة، وعندهما: لا تفسد.
ـ إنّ مَن تذكَّر صلاةً فاتت في آخر صلاته ولم يدخل في التِّكرار بعدما قَعَدَ قدر التَّشهُّد قبل أن يُسلِّم، فإنَّه تفسد صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما: لا تَفْسُد.
ـ إنّ العاجزَ إذا قدر على الرُّكوع والسُّجود بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يُسَلِّم، فإنّه تَفسدُ صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما: لا تفسد.
ـ إنّ المرأةَ إذا حاضت بعدما قَعَدَت قدر التشهُّد فسدت صلاتها عند أبي حنيفة، وعندهما: لا تفسد.
ـ إن مَن كان في صلاةِ الفجر وطلعت عليه الشَّمس بعدما قَعَدَ قدر التَّشهُّد قبل أن يُسَلِّم فَسَدَت صلاتُه عند أبي حنيفة، وعندهما: لا تفسد.
فإن قيل: لو طلعت الشَّمس عند التكبيرة لا تُغيِّرُ الفرضَ في أوَّله قيل: له هذا من عدم العلّة فلا يكون نقضاً.
وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إنّ مَن أدرك الإمام يوم الجمعة بعدما قَعَدَ قدر التَّشهُّد قبل أن يُسَلِّم، فإنّه يُصلِّي ركعتين، وقال محمّدٌ: يُصلِّي أربعاً.
وكذلك لو أدركه في سجود السهو في صلاة الجمعة، فإنّه يُصلِّي ركعتين عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يُصلِّي أربعاً.
وكذلك في سائر الصَّلوات إذا سَجَدَ للسَّهو، ثم اعترض له معنى من هذه المعاني، فهو على هذا الأصل، وقد قدمناه قبل هذا.
• • •
ثانياً: الأصل عند أبي حنيفة:
المحرم إذا أَخَّر النُّسك
عن الوقت المؤقَّت له أو قدمه لزمه دم (¬1)
کمن جاوز الميقات بغير إحرام ثم أحرم (¬2).
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إنّ مَن أخَّر طواف الزيارة حتى مضت أيام النحر لزمه الدم عند أبي حنيفة؛ لأنّه أَخَّر النُّسك عن الوقت المؤقت له، وعندهما: لا دم عليه (¬3).
¬
(¬1) معناها أن الأصل عند أبي حنيفة أن تأخير النسك يوجب الدم، وعندهما: لا يوجب، كما في البناية4: 366.
(¬2) فمن جاوز آخر المواقيت بغير إحرام ثم عاد إليه، وهو محرم، ولبى فيه فقد سقط عنه الدم الذي لزمه بالمجاوزة بغير إحرام؛ لأنه قد تدارك ما فاته، ولو عاد بغير إحرام ثم أحرم منه فإنه يسقط الدم بالأولى؛ لأنه أنشأ التلبية الواجبة عند ابتداء الإحرام، ولهذا كان السقوط متفقا عليه، وقيد بكونه ملبيا في الميقات؛ لأنه لو عاد محرما، ولم يلب في الميقات، فإنه لا يسقط الدم عنه، وهو قول الإمام؛ لأنه لا يكون متداركا لما فاته إلا بها، وعندهما يسقط الدم مطلقاً. ينظر: البحر3: 53.
(¬3) هذا هو المذكور في عامة الكتب كالهداية والتبيين والقدوري، وذكر في لباب المناسك ص77: عدم تأخير رمي كلّ يوم إلى ثانيه، أو ما يليه من أيام التشريق، فإنه يجب عليه أن يرمي كل يوم في وقته، فإن أخره إلى ما بعده يكون قضاءً ويصير آثماً كمن أخر صلاة عن وقتها إلى وقت صلاة أخرى
ـ إنّ مَن ترك رمي جمرة العقبة في يوم النحر حتى يطلع الفجر من اليوم الثاني من أيام النحر لزمه دم عند أبي حنيفة، وعندهما: لا دم عليه (¬1).
ـ إنّ المحرم إذا أخَّر الحلق عن أيام النحر لزم عليه دم عند أبي حنيفة، وعندهما: لا دم عليه.
ـ إن مَن أخر إراقة دم المتعة أو القران حتى مضت أيام النحر لزمه دم لتأخيره عند أبي حنيفة، وعندهما: لا دم عليه.
• • •
ثالثاً: الأصل عند أبي حنيفة:
الشيء إذا غلب عليه وجودُه
يجعل كالموجود حقيقة وإن لم يوجد (¬2)
¬
(¬1) فمن أخر الرمي في غير اليوم الرابع يرمي في الليلة التي تلي ذلك اليوم الذي أخر رميه وكان أداء لأنها تابعة له، وكره لتركه السنة، وإن أخره إلى اليوم الثاني كان قضاء ولزمه الجزاء، ينظر: رد المحتار2: 521.
(¬2) هذا الأصل مشهور في كتبنا بلفظ: الغالب كالمتحقق، والأولى التعبير عنه: الغالب القريب من المتحقق كالمتحقق؛ لأنه ليس كل غالب كالمتحقق، وإنما ما كان قريباً من المتحقق، وقد ثبت هذه القاعدة في عدة نصوص شرعية:
منها: ما ثبت في نقض وضوء من نام لوجود الغلبة بخروج الريح منه، فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وكاء السه العينان فمَن نام فليتوضّأ» في سنن أبي داود1: 52، وحسّنه المنذريّ وابنُ الصلاح والنوويّ، كما في نصب الراية 1: 45، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «أنه رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نام وهو ساجد حتى غطّ أو نفخ، ثمّ قام يُصلى فقلت: يا رسول الله، إنّك قد نمت، قال: إن الوضوء لا يجب إلاّ على مَن نام مضطجعاً، فإنّه إذا اضطجع استرخت مفاصله» في سنن الترمذي 1: 111، وسنن أبي داود 1: 52، وفي مجمع الزوائد: رجاله موثقون، كما في إعلاء السنن 1: 129.
ومنها: ما ثبت في وجوب الغسل بمجرد غيبة الحشفة وإن لم يتحق الإنزال؛ لمظنة تحقق الإنزال بهذا عادة، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل» في سنن ابن ماجة 1: 200، قال الكناني في المصباح 1: 82: إسناده ضعيف لضعف ابن أرطأة، وقال التهانوي في إعلاء السنن 1: 195: وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن، وفي لفظ: «وجب الغسل أنزل أو لم ينزل» في الآثار 1: 13، ومسند أبي حنيفة ص161، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل» في صحيح البخاري 1: 110، وصحيح مسلم 1: 271، وفي رواية: «وإن لم ينزل» في صحيح مسلم 1: 271.
کالحدث من النائم المضطجع؛ لأنه غَلَبَ وجودُه، فجُعِل كالموجود، وإن لم يوجد.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إن مَن صلَّى في السَّفينة قاعداً، وهو يخاف على نفسِهِ دوران رأسِهِ جازت صلاته عند أبي حنيفة؛ لهذا المعنى؛ لأن الغالب من السَّفينة دوران الرأس، فجعل كالموجود حقيقة وإن لم يوجد، وعندهما: لا تجوز صلاته.
ـ إنَّ الغلامَ إذا بلغ خمساً وعشرين سنة ولم يؤنس منه الرُّشد، فإنّه يُدفع إليه ماله، حتى يتصرَّف فيه، وعندهما: لا يدفع إليه، حتى يُؤنس منه الرُّشد.
ـ إنه ذكر في ظاهر الرواية: أن الغلام إذا لم يحتلم يحكم بلوغه إذا بلغ تسعة عشر سنة، وفي الجارية سبعة عشر سنة؛ لأنّ الغالب أنّ مَن كان من أهل الاحتلام احتلم إذا بلغ هذه المدة، فإذا لم يبلغ يجعل كالموجود حقيقة وإن لم يوجد عند أبي حنيفة، وروى الحسن ابن زياد عن أبي حنيفة: أنّه يحكم ببلوغ الغلام والجارية إذا بلغا، الغلام ثمانية عشر سنة؛ لهذه العلة أيضاً، وطَعَنَ في التاسعة عشر، وكذلك الجارية إذا كَمُلَ لها سبعة عشر سنة، وطعنت في الثامنة عشره يحكم ببلوغها في هذه الرواية، وعندهما: جميعاً فيهما خمسة عشر سنة، وعند زفر: أنه قال في الغلام والجارية: ثمانية عشرة سنة.
ـ إنّ الزَّوجين إذا ماتا، واختلف ورثتُهما في بقاء المهر عند أبي حنيفة لا يقضى بشيء على ورثة الزوج؛ لأنّ الغالب أن المهر لا يَبْقى في ذمّة الزَّوج إلى ما بعد موتهما، ولكن تجعل البراءة منه بوجهٍ من الوجوه، فيجعل کالموجود حقيقة وإن لم يوجد. وعندهما: يقضى بمهر المثل.
ـ إنّ المتوضيء إذا باشر امرأتَه مباشرةً فاحشةً بانتشار ولم يحصل منه شيء من البلل انتقض وضوؤه؛ لأنّ الظاهر أنّ المرء إذا بلغ هذا المبلغ ولم يَكن بينها حاجز يخرج منه شيء، ويوجد منه وَدْي، فيُجعل كالموجود
حقيقة وإن لم يوجد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا ينقض حتي يخرج منه شيء.
ـ إنهم قدَّروا مدة للمفقود بمائة وعشرين سنة من وقت مولده عند أبي حنيفة؛ لأن الغالبَ أنّ الإنسان لا يعيش أكثر من هذا، فيُجعل كالموجودِ حقيقة، وإن لم يوجد، ورُوي عن أبي يوسف: أنَّه قدَّره بمائة سنة، وهو قول مشايخ بلخ.
ـ إنّهم قدَّروا مدة الآيسة ستين سنة؛ لأنّ الغالبَ أنّ المرأةَ إذا بلغت ستين سنة، فإنها تنتهي فيجعل كالموجود حقيقة وإن لم يوجد.
• • •
رابعاً: الأصل عند أبي حنيفة:
متى عرف ثبوت الشيء
من طريق الإحاطة والتيقن لأي معنى كان
فهو على ذلك ما لم يتيقن بخلافه (¬1)
كمَن تيقَّن الطَّهارة وشَكَّ في الحدث، فهو على طهارته، وكمَن تيقَّن الحدث وشَكَّ في الطهارة، فهو على الحدث ما لم يتيقَّن الطهارة.
¬
(¬1) قصد بهذا الأصل القاعدة المشهورة: اليقين لا يزول بالشَّكِّ، وهي من أكثر القواعد الفقهية تطبيقاً، وتُعَدُّ من أُمهات القضايا، كما لا يخفى.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إن القول في بيان خروج وقت الظهر عند أبي حنيفة: أنه لا يحكم بخروج وقت الظهر ودخول وقت العصر ما لم يصر ظلُّ كلِّ شيء مثليه؛ لأنا قد عرفنا كون الوقت مستحقّاً للظُّهر وشككنا في خروج وقته ودخول وقت العصر، فلا يحكم إلا بيقين، ولا يقين إلا بعد صيرورة ظلّ كلّ شيء مثليه، وعندهما: إذا صار ظلُّ كل شيء مثله يحكم بخروج وقت الظهر ودخول وقت العصر.
ـ إن مَن طلَّق امرأته ولها ابنٌ منه، وانقضت عدَّتُها، ثمّ تزوَّجت بزوج آخر، فحَبِلت من الثّاني، ثم أرضعت صبياً، إن الرّضاع يحصل من الزَّوج الأول عند أبي حنيفة؛ لأنه عرف كون الابن من الزَّوج الأول من طريق الإحاطة واليقين، فلا نحكم بانقطاعه إلا بيقين مثله، ولا يقين هاهنا، إلا بعد ولادتها من الثاني، وعند أبي يوسف: إذا ازداد اللبن من الحبل فهو من الثاني، ويحكم بانقطاعه من الأوّل، وإذا لم يزدد اللبن من الزَّوج الثاني فهو من الأوّل، كما قال أبو حنيفة، وعند محمد: يكون منهما جميعاً.
ـ إن مَن تزوَّج امرأةً على ألف درهم أو ألفين ومهر مثلها ألف وخسمائة، فلها مهر مثلها عند أبي حنيفة؛ لأنّ العقد يوجب مهر المثل من طريق الإحاطة واليقين، فلا يحط عنه ذلك إلا بيقين مثله، ولا يقين هنا؛ لأنّ كلمة أو للشك أو للتخيير ممن له الخيار وهو مجهول، وعند أبي يوسف ومحمد: الخيار إلى الزوج يعطيها أي المالين شاء.
ـ إن مَن قال لامرأته: أنت طالق إذا لم أُطلقك أو إذا لم أطلقك فأنت طالق، ولم يكن له نيّة عند الإمام الأعظم يقع الطَّلاق في آخر جزء من أجزاء الحياة بلا فصل.
وكذلك في قوله: «إذا ما»؛ لأنّ كلاً منها يحتمل أن يكون عبارة عن الشرط، ويحتمل أن يكون عبارة عن الوقت احتمالاً على السَّواء، وقد تيَّقّنا بقاء ملكه عليها من طريق الإحاطة واليقين ووقع الشَّكُّ في زوال الملك في الحال، فلا يُحكم بزواله إلا بيقين مثله، ولا يقين في زوال الملك، فيقع في آخر جزء من أجزاء حياته يقيناً، وعندهما: إذا للوقت فيقع الطلاق في الحال، كما إذا قال: أنت طالق متى لم أطلقك ومتى ما لم أطلقك.
ـ إنّ المرأةَ إذا قالت لزوجها: طلقني ولك ألف درهم، فقال الزوج: طلقتك ولم يقل علي الألف التي ذكرت يقع الطلاق عند أبي حنيفة، ولا يلزمها الألف، وذلك لأنا تيَّقنا كون الألف مملوكة لها وشككنا في الزَّوال عن ملكها، فلا يحكم إلا بيقين، ولا يقين هاهنا. وعندهما: يستحقُّ المال في الحال، وهذا بخلاف ما إذا قال الرجل لرجل آخر: احمل هذا الشَّيء إلى موضع كذا ولك درهم، فحمله الرجل ولم يقل لي الدرهم الذي ذكرت، فإنه يَستحقُّ درهماً؛ وذلك لأنّ الظَّاهر أنه حمله بالدرهم، فيجب على الأمر ذلك، وعندهما: يجب عليها الألف التي ذكرت.
ـ إنّ مَن قال لامرأته: أنت طالق في غدٍ ونوى وقوعه في آخر جزء من الغد، عند أبي حنيفة يُصدق في القضاء، وفيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنا تيَّقَّنا
بكون المرأة مملوكة له، وشككنا في الزوال عن ملكه، فلا نَحكم إلا بيقين، ولا يقين هاهنا إلا عند مُضي الغد، وعندهما: يقع في أوَّل جزءٍ من أجزاءِ غدٍ، ومنها:
لو قال: أنت طالق غداً يقع في أول الغد بالإتفاق.
ـ إن مَن باع شاتَه من فلانٍ بشرطِ الخيار إلى غدٍ، فإنَّ الغدَ يدخل كلُّه في هذا الخيار ما لم يمض الغد، وذلك لأنا تَيَقَّنَّا بكون الشَّيء مملوكاً له، وشككنا في الزَّوال، فلا يُحكم إلا بيقين، ولا يَقين إلا عند مضي الغد، وعندهما: يسقط الخيار عند أوَّل الغد، ويتم العقد ويلزم.
وأجمعوا على أنّ الأجل يحلّ عند أول جزء من أجزاء الوقت المضاف إليه، وعندهما: ينقطع خياره عند أول جزء من أجزاء الوقت المضاف إليه.
ـ إن الرجل إذا قال لامرأته: طلِّقي نفسك من واحدة إلى ثلاثة، لها أن تطلق نفسها اثنتين، وليس لها أن تطلق نفسها ثلاثاً عند أبي حنيفة؛ لأنا تيقَّنا أنّ اختلاف العلماء أورث شبهة، فلا يُحكم في الزَّوال بالشَّكِّ، وعندهما: لها أن تطلِّق نفسَها ثلاثاً، وعلى قول زفر: لها أن تطلق واحدة.
ولو قال الرجل لرجل: خُذْ من مالي من درهم إلى مئة، دخلت المئةُ كلُّها في الإباحة بالاتفاق، فله أن يأخذ المئة، هكذا ذكر في كتاب الطلاق.
ـ إذا قال لفلان: عليّ من درهم إلى عشرة دراهم، عند أبي حنيفة: لا يلزمه إلا تسعة؛ لأنا تيقّنا بكون العاشر مملوكاً له، وشككنا في الزوال،
وعندهما: يلزمه عشرة دراهم، وتدخل الغايتان جميعاً عندهما، وعند زفر: لا تدخل الغايتان في الكلام.
ـ إن مَن قال: لفلان علي ما بين درهم إلى عشرة دراهم، وقال لامرأته: أنت طالق ما بين الواحدة إلى الثلاثة يقع عليها اثنتان دون الثلاث عند أبي حنيفة، وعندهما: يقع الثلاث، فهو على هذا الخلاف الذي ذكرنا، وعند زفر: لا تدخل الغايتان جميعاً، وعند الإمام الأعظم أبي حنيفة: تدخل الأولى ولا تدخل الثانية، وعندهما: يدخلان جميعاً.
ـ إن العصير إذا غلى أدنى غليان ولم يقذف بالزبد، فإنه يحلّ شربه عند أبي حنيفة؛ لأنا تيقَّنّا كونه حلالاً، ولا يُترك اليقين بالشكّ، وعندهما: لا يحلُّ شربُه.
ـ إنّ الخمر إذا دخلها حموضة لا يحلُّ شربها عند أبي حنيفة؛ لأنا تيقنا كونه حراماً وتشككنا في ثبوت الحلّ، فلا يُترك اليقين بالشَّكِّ، وعندها: يحلُّ شربها.
• • •
خامساً: الأصل عند أبي حنيفة:
ما يتناوله اللفظ من طريق العموم
ليس كما يتناوله اللفظ
من طريق النَّصِّ والخصوص (¬1)
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إن الرَّجل إذا أَوجب على نفسِه المشي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام، عند أبي حنيفة: لا يلزمه شيءٌ (¬2)، ما يتناوله العموم ليس يجعل كالمخصص، فبيتُ الله تعالى يدخل في الحرم عموماً، فليس كما يتناوله نصاً (¬3)، وعندهما:
¬
(¬1) أراد به ما كان ثابتاً بطريق الخصوص بألفاظ معينة في إفادة حكم معين، فإن ورد بألفاظ أُخرى عامّة لا يُعطى له نفس الحكم؛ لأنّ الحكم يكون خاصّاً بهذه الألفاظ الخاصة.
(¬2) لأن التزام هذه الأفعال بهذه العبارات غير متعارف، ولا يمكن إيجابها باعتبار حقيقة اللفظ لأنها ليست بقربة مقصودة، كما في درر الحكام2: 55.
(¬3) وهو قوله: لو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى أو إلى الكعبة أو إلى مكّة أو إلى بكة فعليه حجّة أو عمرة ماشياً وإن شاء ركب وعليه ذبح شاة؛ لركوبه، فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «مَن نذر أن يحجّ ماشياً ثمّ عجزَ فليركب ولينحر بدنة» في موطأ محمد مع شرحه التعليق الممجد 3: 165، قال التهانوي في إعلاء السنن 11: 464: سنده صحيح، وفي حديث آخر: «ويهدي هدياً» موطأ محمد مع شرحه التعليق الممجد 3: 165، قال التهانوي في إعلاء السنن 11: 464: سنده صحيح. وعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إن أختي حلفت أن تمشي إلى البيت وإنه يشق عليها المشي، قال: مرها فلتركب إذا لم تستطع أن تمشي فما أغنى الله أن يشق على أختك» في المستدرك 4: 335، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: «ما خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا من المثلة، قال: وقال: إن من المثلة أن ينذر أن يحجّ ماشياً، فمن نذر أن يحج ماشياً فليهد وليركب» في المستدرك 4: 340، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وسنن البيهقي الكبير 10: 180، ومسند البزار 9: 47، ومسند أحمد 4: 429، وغيرها، ففيه جزاء الركوب وهو الهدي، وعلى أنه واجب سواء ركب الناذر بعذر أو بغير عذر، ينظر: تكملة فتح الملهم 2: 169، وغيره، وتمام المسألة في كتابي البيان في فقه الأيمان والنذور.
يلزمه إما حجّة أو عمرة ويجعل كالمخصص به؛ لأنّ البيتَ يدخل في الحرم ذكراً عموماً، فصار كذكره إلى بيت الله تعالى نصّاً وخصوصاً.
ـ إذا قال: إن فعلتُ كذا، فعليَّ أن أَهدي هذا الثوب إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام، عند أبي حنيفة: إذا فعل ذلك لم يلزمه شيءٌ لهذا المعنى؛ لأنّ البيتَ إنّما يدخل من طريق العموم، فلا يجعل كالمُخصص به، وعندهما: يلزمه أن يهدي هذا الثوب إذا فعل ذلك الأمر، ويجعل كالمخصص به، كما إذا قال: لو فعلتُ هذا، فعليّ أن أهدي هذا الثوب إلى بيت الله تعالى.
ـ إذا شهد أحدُ الشاهدين على تطليقة والآخر على تطليقتين، والمرأة تدعي تطليقتين، عند أبي حنيفة: لا تقبل شهادتهما لا على تطليقة ولا على
تطليقتين، وعندهما: تقبل على تطليقة واحدة؛ لأنّ الواحدةَ داخلة في الطلقتين، فصار كأنه ذكر الواحدة نصاً، فتقبل على واحدة.
ـ إذا شهد الشاهدان أحدهما بالمئة والآخر بالمئتين، والمدعي يدعي المئتين، لا تقبل هذه الشهادة عند أبي حنيفة على الأقل، وعندهما: تقبل على الأقل.
ـ إنّ مَن وكَّل وكيلاً بطلاق امرأته واحدةً، فطلَّقها ثلاثاً لا يقع عليها شيء عند أبي حنيفة؛ لأنّ الواحدة تدخل في الثلاث من طريق العموم فلا يجعل كالمخصص به؛ لهذا المعنى، وعندهما: يقع عليها واحدة ويجعل كأنه نصّ على واحدة، فذلك لو قال لها: طلقي نفسك واحدةً فطلقت ثلاثاً لا يقع عليها شيء عند أبي حنيفة، وعندهما: يقع عليها واحدة.
وكذلك لو قال لها: طلقي نفسك واحدة إن شئت، وطلقت نفسها ثلاثاً لا يقع شيء عند أبي حنيفة، وعندهما: يقع واحدة.
ـ إذا قال الرجل لامرأته: أنت عليَّ كأَمي ولا نيّة له، فإنّه لا يصير مظاهراً عند أبي حنيفة، وذلك أنّ ظهرَ الأم ّإنّما يدخل بطريق العُموم فلا يجعل كالمخصص به، وعندهما: يصير مظاهراً.
ـ إذا أوصى الرجل إلى وصي لا يعقل، فصار عاقلاً بعد موت الموصي لم تجز الوصية إليه عند أبي حنيفة لهذا المعنى، وعندهما: الوصية جائرة، ذكر هذه المسألة في كتاب الوقف.
ـ إذا وكَّل صبياً لا يعقل أن يرهن عنده هذا، فعقل الصبي بعد التوكيل فرهن، قال في «الأصل»: يجوز مثل هذا على قولهما، وأما على قول الإمام الأعظم أبي حنيفة: ينبغي أن لا يجوز، كما في مسألة الوصية.
• • •
سادساً: الأصل عند أبي حنيفة:
العقد إذا دخله فساد قوي مجمع عليه
أوجب فساده شاع في الكلّ (¬1)
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إذا أسلم الرَّجل حنطةً في شعير وزيت لم يجز عند أبي حنيفة هذا السلم في الكلِّ؛ لأنّ فساد سَلَم الحنطة في الشَّعير قويٌّ مجمعٌ عليه، فشاع في الكلّ، وعندهما: يجوز في حصّة الزَّيت (¬2).
¬
(¬1) معناه: إذا كان في العقد فساد متفق عليه، فإنه يتعدى ويسرى إلى سائر العقد فيفسد، قال السرخسي في المبسوط12: 182: «إذا كان الفساد قويا مجمعاً عليه ويمكن في البعض تعدي إلى ما بقي».
(¬2) لأن الفساد بوجود العلة المفسدة وذلك في الشعير خاصة، فإن صحة الكيل لما جمع البدلين حرم النساء وفي حصة الزيت لم يوجد ذلك، فإن إسلام المكيل في الموزون صحيح وثبوت الحكم بحسب العلة، وليس من ضرورة فساد العقد في أحدهما فساد العقد في الآخر، وأبو حنيفة يقول العلة المفسدة للعقد وجدت في الكل أما في حصة الشعير فظاهر، وفي حصة الزيت فقد جعل قبول العقد في الشعير شرطاً في قبول العقد في الزيت؛ لأن من جمع بين الشيئين في العقد الواحد، فإنه يكون شارطاً عليه قبول العقد في كل واحد منهما، ولهذا لو قبل العقد في أحدهما دون الآخر لا يجوز، وهذا شرط فاسد، والسلم يفسد بالشرط الفاسد.
يوضحه: أن فساد العقد في الشعير لاشتراط الأجل واشتراط الأجل في العقد، والعقد واحد، فإذا تمكن فيه الشرط الفاسد فسد العقد، ينظر: المبسوط12: 182.
وكذلك لو أَسلم ثوباً هروياً في ثوب هرويٍّ ومرويٍّ إلى أجل مسمَّى فسد العقد في الكل عند أبي حنيفة، وعندهما: يجوز في حصّة المروي.
تنبيه:
فإن قيل: العقد يتناول الشَّعير؛ لأنه من العلماء من يجوز إسلام الحنطة في الشَّعير، وهو مذهب داود بن علي الأصفهاني، فلم يقارن العقد فساد قوي مجمع عليه.
قيل له: هذا خلاف لا يعتد به، ولو قضى القاضي بقوله، فإنه لا ينفذ، وهو كمن قضى بجواز بيع الدرهم بالدرهمين وأخذ بقول معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - لم ينفذ قضاؤه.
ـ إذا اشترى الرجل حلياً فيه جواهر يمكن امتيازه بضرر بدينار نسيئة، فالعقد فاسد في الكلّ عند أبي حنيفة، وعندهما: جاز في حصّة الجوهر.
ـ ما خرَّج الفقهاء على قول أبي حنيفة فيمن باع درهماً على أن يأخذ بنصفه فلوساً وبنصفه نصفاً إلا حبّة فسد العقد في الكلِّ عند أبي حنيفة، وعندهما: جائز في حصّة الفلوس.
ـ إذا اشترى خاتماً وفيه فصٌّ من جوهر يَمتاز من غير ضرر بدينار نقداً ونسيئةً، فالعقد فاسد في الكلِّ عند أبي حنيفة، وعندهما: جائز في حصّة الجوهر.
ـ إن من باع مسلوختين إحداهما متروك التسمية عمداً، فسمَّي لكلِّ واحدٍ منهما ثمناً فَسَدَ العقد في الكلِّ عند أبي حنيفة، وعندهما: يصحُّ في الحصّة التي سمَّى عليها، ولا يجوز في حصَّة الآخر.
ـ إذا اشترى عشرة أقفزة من الحنطة وعشرة من الغنم، كلُّ قفيز وكلُّ شاة بعشرة، فوجد الغنم تسعاً لم يجز البيع في الكلِّ عند أبي حنيفة، وعندهما: يجوز في تسعةِ أقفزة وتسعة من الغنم.
ـ إذا باع الرجل من رجل داراً بفنائها لم يجز البيع في الكلِّ عند أبي حنيفة؛ لأنه فسد في حصّة الفناء، فشاع في الكلِّ عند أبي حنيفة، وعندهما: جائز في الدار.
ولو باع داراً بطريقها جاز البيع، ويقع على رقبة الطريق إن كان لها طريق خاص، وإن لم يكن لها طريق خاصّ، فعليه التطرق في الطريق العام، وعلى هذا لا يفسد العقد عند أبي حنيفة؛ لأنّ هذا الشَّرط مما يوجبه العقد
ويقتضيه، وقال زفر: لا يجوز العقد في الوجهين جميعاً، وعند أبي يوسف ومحمد: جاز العقد في الوجهين، وفرق أبو حنيفة بين الطريق والفناء.
ـ ولو دفع الرجل أرضاً إلى رجلين مزارعةً على أنّ الخارج بين رَبِّ الأرض وبينهما أثلاثاً، وعلى أنّ لأحد العاملين على رب الأرض مئة درهم، فعلى قياس قول أبي حنيفة وفي قول مَن لا يجيز المزارعة: لا يجوز، وعندهما: جائزة بينه وبين الذين لم يشترط له الدراهم.
• • •
ثامناً: الأصل عند أبي حنيفة:
مَن جمع في كلامه بين ما يتعلق به الحكم
وما لا يتعلق به الحكم فلا عبرة لما لا يتعلق به الحكم
والعبرة لما يتعلق به الحكم (¬1)
فكأنه لم يذكر في كلامه سوى ما يتعلَّق به الحكم.
وعلى هذا مسائل منها:
¬
(¬1) معناه أن ذكر ما لا يتعلّق به الإيجاب يجعله كالعدم، فكأنه لم يذكره، ويبقى الحكم متعلقاً بمحله.
ـ لو قالت المرأة لزوجها: طلِّقني ثلاثاً على ألف درهم، وهي في عدة منه من تطليقة رجعية، فإنّه يقع تطليقتان عند أبي حنيفة؛ لأنها أَضافت الألف إلى ما يقبل البدل وإلى ما لا يقبل البدل، فالعبرة لما يقبل البدل.
ـ فلو قال: لفلان عليَّ ألف درهم ولهذا الحائط لزمه الألف كلُّها عند أبي حنيفة؛ لأنّ الكلامَ لم يَتناول الحائطَ، وعندهما: يلزم النصف.
ـ ولو أوصى بثلثِ ماله لحيٍّ وميتٍ، فالثُّلثُ كلُّه للحيِّ عنده (¬1)، وتابعه محمدٌ، وهذا سواء عَلِم بموته أو لم يعلم، وقال أبو يوسف: إن عَلِم بموته فكذلك، وإن لم يعلم، فله النصف.
ـ ولو قال: لفلان عليَّ كُرّ حنطة وكُرّ شعير إلا كُرّ حنطة وقفيز شعير لم يصحّ استثناؤه في قفيز الشعير عنده؛ لأنه لم يتعلق بقوله: إلا كُرّ حنطة حكم، فصار بمنزلة السكتة، وعندهما: يصحُّ استثناؤه في قفيز الشعير.
ـ ولو قال: لفلان عليَّ ألف درهم استغفر الله إلا مئة لم يصح استثناؤه إلا في رواية عن أبي يوسف؛ لأنّ قوله: استغفر الله لا يُستثني به، فصار بمنزلة السكتة، فلم يتعلق به الحكم.
ـ إن الرَّجل إذا نظر إلى كوزين فقال: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز، وفي هذا الكوز، فامرأته طالقٌ، فإذا أحد الكوزين لا ماء فيه، وفي الآخر ماء، فإن اليمين ينعقد على الكوز الذي فيه ماء عند أبي حنيفة
¬
(¬1) لأن الميت ليس بأهل للوصية فلا يصلح مزاحماً، كما في التبيين6: 192.
ومحمد، فإن لم يشرب الكوز الآخر حتى أُريق حنث، وعند أبي يوسف: يتعلق اليمين بهما جميعاً حتى لو لم يشرب ما في هذا الثاني لم يحنث وكأنه لم يحلف.
ـ ولو قال الرجل لامرأته: أنت طالقٌ ثلاثاً أو واحدةً إن شاء الله لا يصحّ استثناؤه، ويقع الطلاق عند أبي حنيفة، وعندهما بخلافه.
• • •
تاسعاً: الأصل عند أبي حنيفة:
ما يعتقده أهل الذمة
ويدينونه يتركون عليه (¬1)
وعندهما: لا يتركون.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إن الذِّمي إذا تزوج امرأة ذميةً في عدة زوج ذميٍّ يتركان عند أبي حنيفة، وعندهما: يُفرَّق بينهما.
ـ ولو تزوَّج الذميُّ ذات رحم محرم منه لا يُفرق بينهما ما لم يَترافعا إلى حاكم المسلمين عنده (¬2)، وعندهما: إذا رَفع أحدُهما يُفرَّق.
¬
(¬1) معناه أنّ عقد الذمة بيننا وبين أهل الذمة عند أبي حنيفة: أن نتركهم وما يدينون فكل ما جاز على اعتقادهم أقروا عليه.
(¬2) فالقاضي يفرق بينهما كما يفرق بينهما بعد الإسلام؛ لأنهما إذا ترافعا، فقد تركا ما داناه، ورضيا بحكم الإسلام، ولقوله تعالى {فإن جاءوك فاحكم بينهم} [المائدة: 42]، وأما إذا لم يترافعا، ولم يوجد الإسلام أيضا، فقد قال أبو حنيفة، ومحمد إنهما يُقرَّان على نكاحهما، ولا يعترض عليهما بالتفريق.
وقال أبو يوسف: يفرق بينهما الحاكم إذا علم ذلك سواء ترافعا إلينا أو لم يترافعا؛ لقوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم بينهم بما أنزله مطلقاً عن شرط المرافعة، وقد أنزل تعالى حرمة هذه الأنكحة، فيلزم الحكم بها مطلقاً؛ ولأن الأصل في الشرائع هو العموم في حق الناس كافة إلا أنه تعذر تنفيذها في دار الحرب لعدم الولاية، وأمكن في دار الإسلام، فلزم التنفيذ فيها، وكان النكاح فاسدا، والنكاح الفاسد زنا من وجه، فلا يمكنون منه كما لا يمكنون من الزنا في دار الإسلام.
ولو رفع أحدهما دون الآخر، قال أبو حنيفة: لا يعترض عليهما ما لم يترافعا جميعا، وقال محمد: إذا رفع أحدهما يفرق بينهما، وتمامه في البدائع2: 312.
ـ ولو تزوَّج المجوسيُّ أُمّة ودخل بها ثم أسلم وقذفه إنسانٌ بالزِّنا يحدُّ قاذفه عند أبي حنيفة؛ لأنهما عنده كانا يُقرَّان على ذلك، فلم يكن الدخول بها زنا، فيُحَدُّ قاذفه، وعندهما: لا يُحدُّ.
ـ إن المجوسي إذا تزوَّج ذات رحم محرم منه لزمته النفقة عنده؛ لأنهما يُقرَّان على ذلك، وعندهما: لا نفقة عليه؛ لأنهما لا يُقرَّان على ذلك العقد.
ـ ولو تزوَّج ذميةً على أن لا مهر لها جاز العقد عنده، ولا مهر لها وإن أسلما، وعندهما: يجب لها مهر مثلها إذا أسلما وإن طلَّقها قبل الدخول وجب لها المتعة.
• • •
عاشراً: الأصل عند أبي حنيفة:
مَن أخبر بخبر ولصدق خبره علامة
لا يقبل قوله إلا ببيان تلك العلامة (¬1)
كمَن ادَّعى على آخر شجَّة، فإنه يؤمر بإظهار تلك الشَّجة.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ فلو أنّ وليَّ الصغير أو الصغيرة إذا أَخبر بنكاح سابق لا يُقبل قوله عند أبي حنيفة إلا بالبيِّنة؛ لأنّ لصدق خبره علامة، وهي البيِّنة، ولا يُقبل قوله ما لم تثبت تلك العلامة، وعندهما: يُقبل قوله من غير بيِّنة.
ـ ولو أنّ وكيل الرجل أو وكيل المرأة إذا أخبر بنكاح سابق والموكِّل منكرٌ لا يقبل قوله عند أبي حنيفة إلا ببيِّنة، وعندهما: يقبل قوله.
ـ ولو شهد شاهدان على رجل يشرب الخمر لا تقبل شهادتهما ما لم يوجد منه رائحة الخمر؛ لأنّ لصدق خبرهما علامة، هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: يُقبل ويحدّ.
ـ ولو قال صاحب المال: دفعت الزكاة إلى مُصدِّق غيرك، وكان في تلك السنة مُصدِّق آخر غيره لا يُقبل قوله حتى يأتي بالعلامة؛ لأنه إخبار، فيكون لصدق خبره علامة، وهي البراءة، وهذا في رواية الحسن، وفي ظاهر الرواية يُقبل قولُه من غير براءة.
• • •
¬
(¬1) معناه لا يقبل خبرٌ يُمكن إثباته بالبينة وأمثالها على من عليه إلا بالإتيان بما يثبته.
الحادي عشر: الأصل عند أبي حنيفة:
الإذنُ المطلقُ إذا تعرَّى
عن التُّهمة والخيانة لا يختصُّ بالعرف (¬1)
وعندهما: يختصّ.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إن الوكيلَ بالبيع إذا باع بما عزَّ وهان وبأي ثمن كان جاز عند أبي حنيفة؛ لأن الإذن مطلق، والتهمة منتفية، فلا يختص بالعرف، وعندهما: يختص.
ـ إن المودَع إذا سافر بالوديعة جاز له ذلك عند أبي حنيفة إذا كان الطريق آمناً سواء كان لها حمل ومؤنة أو لم يكن لها، وعندهما: إن لم يكن لها حملٌ ومؤنةٌ لها ذلك، وإن كان لها حمل ومؤنة لم يجز له ذلك.
ـ ولو وكل وكيلاً يبيع مبيعاً له بعينه مطلقاً فباع نصفه جاز عند أبي حنيفة سواء كانت حصته من الثمن قليلة أو كثيرة، وعندهما: لا يجوز إلا أن يبيع نصفه الآخر.
¬
(¬1) معناه من أذن لغيره بلفظ يبقى على إطلاقه عند أبي حنيفة، ولا يتقيد بعرف ما لم يكن تهمة.
ـ ولو وكل وكيلاً يبيع شاة له بعينها ولم يسم له ثمناً فباعها الوكيل مع شاة لنفسه جاز عند أبي حنيفة سواء كانت حصة شاة الموكِّل من الثمن قليلة أو كثيرة، وعندهما: لا يجوز، إلا أن تكون حصّته من الثمن مقدار قيمته أو نقصاً يتغابن الناس في مثله.
ـ إذا وكَّل وكيلاً ببيع شاته وأمره أن يأخذ بثمنه رهناً، فباع وارتهن بثمنه رهناً قليلاً أو كثيراً جاز عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز إلا أن يكون الرَّهن مثل ثمن الشاة أو أقل مما يتغابن الناس في مثله.
ـ إذا وكَّل طالب القصاص وكيلاً بالصلح، فصالح على قليل أو كثير جاز عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز إلا أن يكون نقصاناً يتغابن الناس في مثله، ولو وكَّل المطلوب بالقصاص وكيلاً بالصلح فصالحه فزاد على الدية، فإن ضمن جاز وإن لم يضمن لم يجز.
ـ إن الوكيل بالنكاح إذا زاد في مهر المرأة زيادة لا يتغابن الناس في مثلها جاز عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز إلا بما يتغابن الناس في مثلها، وكذلك الوكيل بالخُلع على هذا الخلاف.
ـ إنّ الوكيل بالنكاح إذا زوَّج من الموكِّل امرأة لا تليق فيه جاز نحو يزوجه ذميّة والرجلُ مسلم جاز عنده، وعندهما: لا يجوز.
ـ ولو أعار أحد المتفاوضين إنساناً متاعاً ليرهنه جاز عند أبي حنيفة عليهما، وعندها: يجوز عليه خاصة.
ـ إن المتفاوضين بكفالته على نفسه وعلى شريكه عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز على شريكه (¬1).
ـ ولو وكَّل وكيلاً بأن يؤاجر داره مطلقاً وجعل مدّة الإجارة عشر سنين أو أكثر جاز عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز.
ـ ولو وكَّل الرجل رجلاً ليشتري شاة بعينها فاشتراها الوكيل ثم وجدها معيبة قبل أن يقبضها فرضي بها، فعلى قياس قول أبي يوسف ومحمد: يجوز رضاؤه على الموكل إن كان العيب غير فاحش، فإن كان فاحشاً يجوز على نفسه ولا يجوز على موكِّله، وعلى قياس قول أبي حنيفة يجوز على الآمر سواء رضى أو لم يرض أو كان فاحشاً أو غير فاحش.
ـ ولو وكَّل وكيلاً بأن يصرف له هذه الدّراهم بالدنانير، فصرفها بدنانير شامية أو كوفية جاز عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز إلا أن يصرفها بالشامية.
¬
(¬1) مثاله: لو أقر أحد المتفاوضين أنه كفل عن صاحبه بمهر أو نفقة زوجته أو جنايته لزمه ولزم صاحبه أيضا في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه ولا يلزم صاحبه؛ لأنه إنما أقر بوجوب المال على صاحبه بطريق غير التجارة، ولا قول له على صاحبه في الإقرار بالمال لا بطريق التجارة؛ لأن فيما يجب لا بطريق التجارة كل واحد منهما أجنبي عن صاحبه يبقى إقراره على نفسه بوجوب المال بطريق الكفالة، وهذا مبني على أن كفالة أحد المتفاوضين أو إقراره بالكفالة يلزم شريكه عند أبي حنيفة، ولا يلزم عندهما، كما في المبسوط18: 112.
ـ إن الوصي إذا اشترى مال اليتيم لنفسه بأكثر من قيمته أو باع مال نفسه من الصبي بأقل من قيمته جاز عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز.
ـ ولو باع مال اليتيم من نفسه بمثل قيمته أو أقل لم يجز بالإتفاق.
• • •
الثاني عشر: الأصل عند أبي يوسف ومحمد:
ما حصل مفعولاً بإذن الشَّرع
كان كأنه حصل مفعولاً
بإذن مَن له الولاية من بني آدم (¬1)
وعند أبي حنيفة: يدرج فيها بشرط السلامة، كما تقول في رمي الصيد هو مأذون بشرط السلامة، حتى أنه لو أصاب إنساناً يضمن.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إذا كَسَرَ سائر المعازف والملاهي لا يضمن عندهما (¬2)؛ لأنه حصل مفعولاً بإذن الشرع، فصار كأنه حصل مفعولاً بإذن من له الولاية، وأبو
¬
(¬1) معناه ما كان مأذون من جهة الشارع كان كالمأذون من جهة صاحبه من بني آدم، فلم يتقيد بشرط السلامة عند الصاحبين، وعند أبي حنيفة: يكون مقيداً بشرط السلامة.
(¬2) لأنها أعدت للمعاصي فلا تضمن كالخمر، ومتلفها يتأول فيها النهي عن المنكر، وأنه مأمور به شرعاً، فلا يضمن كإذن القاضي، وبل أولى.
وعند أبي حنيفة: أنها أموال صالحة للانتفاع في جهة مباحة، وتصلح لما يحل فيضمن، والفساد بفعل فاعل مختار، فلا يَسقط التقوُّم وجواز البيع؛ لأنهما بناء على المالية، وصار كالجارية المغنية، وتجب قيمتُها لغير اللهو كالجارية المغنيّة، والكبش النَّطوح، والحمامة الطيارة، والديك المقاتل، فإنّه تجب قيمتُها غير صالحة لهذه الأمور، كذا هذا، كما في الاختيار3: 165.
حنيفة يقول: أَذن له الشرع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشرط السلامة من غير أن يتلف مالاً.
ـ إن الرجل إذا علَّق قنديلاً في المسجد، وهو من غير أهل المسجد أو بسط البواري، أو ألقى فيه الحصير، فتولد منه الهلاك لم يضمن عندهما، وعند أبي حنيفة: يضمن؛ لأنّ السَّلامة فيه شرط.
ـ إن الرجل إذا قعد فيه غير منتظر للصَّلاة، فعثر به إنسان فتلف لم يضمن عندهما، وعند أبي حنيفة: يضمن؛ لأنّ السَّلامةَ فيه شرطٌ.
ـ ولو وجب القصاص على رجل في نفسِه، فقَطَعَ الوليُّ يدَ القاتل، ثمّ عَفَى عن القصاص لا يضمن أرش اليد عندهما؛ الشارع أباح له إتلاف يده، فصار كأنه هو أباح نفسه، فقال: اقطع يدي فقطعها، ولو كان كذلك
لا يضمن كذا هاهنا، وعند أبي حنيفة: يَضْمَن دية اليد إذا عفى عن القصاص (¬1).
¬
(¬1) أي لو كان له على رجل قصاص في النفس فقطع يده ثم عفا عن النفس، وبرئت اليد ضمن دية اليد في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا ضمان عليه؛ لأن نفس القاتل بالقتل صارت حقاً لولي القتيل، والنفس اسم لجملة الأجزاء، فإذا قطع يده فقد استوفى حق نفسه فلا يضمن، ولهذا لو قطع يده ثم قتله لا يجب عليه ضمان اليد ولو لم تكن اليد حقه لوجب الضمان عليه دل أنه بالقطع استوفى حق نفسه فبعد ذلك إن عفا عن النفس فالعفو ينصرف إلى القائم لا إلى المستوفي.
ولأبي حنيفة: إنّ حقّ مَن له القصاص في الفعل، وهو القتل لا في المحلّ وهو النفس، أو يقال: حقه في النفس، لكن في القتل لا في حق القطع؛ لأنّ حقَّه في المثل، والموجود منه القتل لا القطع، ومثل القتل هو القتل، فكان أجنبياً عن اليد، فإذا قطع اليد فقد استوفى ما ليس بحقّ له، وهو متقوّم فيضمن، وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة، فتجب الدية إلا أنه إذا قطع اليد ثم قتله لا يجب عليه ضمان اليد، وإن كان متعديا في القطع مسيئاً فيه؛ لأنه لا قيمة لها مع إتلاف النفس بالقصاص فلا يضمن، كما لو قطع يد مرتد أنه لا يضمن، وإن كان متعديا في القطع؛ لما قلنا، كذا هذا ولأنه كان مخيرا بين القصاص وبين العفو فإذا عفا استند العفو إلى الأصل كأنه عفا ثم قطع، فكان القطع استيفاء غير حقه فيضمن، كما في البدائع7: 403.
ـ ولو وجب القصاص على رجل في يده أو في رجله أو في عينه، فاستوفى القصاص منه مَن له الحقُّ، فمات من ذلك القصاص تضمن عاقلةُ القاطع الثاني، وهو المقطوعة يده للأول الدية عند أبي حنيفة؛ لأنّ الشرع أذن له في القطع بشرط السلامة، ويجوز أن يشترط عليه السلامة في العاقبة؛ لأنه مخيَّر، والمخيَّرُ في الشيء يجوز اشتراط السلامة عليه في العاقبة، بخلاف الإمام في قطع يد السارق إذا سرى إلى النفس؛ لأنه مكلَّفٌ لا مُخيَّرٌ، فلا يجوز اشتراط السلامة عليه في العاقبة
وعندهما: لا يضمن؛ لأن الشرع أذن له في القطع، فصار كأنه هو الذي أذن له بنفسه أن يقطع يده، ولو أذن له بنفسه فقطعها، فسرى إلى النفس ومات لا ضمان عليه، ولا على العاقلة، كذا هذا.
ـ ولو ترك الملتقط الإشهاد فهلكت اللقطة في يده، فإنه لا يضمن عند أبي يوسف؛ لأنه أخذ بإذن الشرع، وعند أبي حنيفة ومحمد: يضمن؛ لأن الشرع أذن له في الأخذ بشرط السلامة.
• • •
الثالث عشر: الأصل عند أبي حنيفة:
إذا صحّت التَّسمية
لا يُعتبر مُقتضى التَّسمية
وإذا لم تصحّ يعتبر المقتضى (¬1)
وعلى هذا مسائل منها:
ـ فلو باع الرَّجل قطيعاً من الغنم كلَّ شاةٍ منها بعشرةٍ، ولم يُسمِّ جماعتَها، فإن العقدَ لا يصحّ عند أبي حنيفة؛ لما أنّ التَّسمية لم تصحّ، فاعتبر فيه المقتضى، وهو الجهالة، ولو قال: اشتريت منك هذه الغنم، وهي مائة شاة كلُّ شاة بعشرة، وجملة الثمن ألف درهم، فإذا هي تسعون شاة، فالبيع جائز؛ لأنّ التَّسمية قد صحَّت، فلم يعتبر المقتضي، ولم يحكم بفساد العقد وإن كان فيه جهالة.
ـ ولو أَوصى الرجل بثلث ماله لرجل وبنصف ماله لرجل آخر، فإنهما يشتركان في الثُّلث؛ لأنّ تسميةَ النِّصف لم يصحّ عند أبي حنيفة، فصار كأنّه أَوصى لرجل بثُلُث ماله وللآخر بألفِ درهم مرسلةٍ، وثُلُث مالِهِ خمسمائة درهم قسمت الخمسمائة بينهما أثلاثاً؛ لأنّ تسميةَ الألف في الظَّاهر صحيحة، فلم يعتبر المقتضي.
الرابع عشر: الأصل عند أبي حنيفة:
يعتبر التُّهمة في الأحكام
فكلُّ مَن فعل فعلاً وتمكَّنت التُّهمة في فعله
¬
(¬1) معناها إذا صحت التسمية أخذ بها في العقد، وإن لم تصح تركت وانتقل إلى غيرها مما يقتضيه التصرف.
حكم بفساد فعله (¬1)
وعلى هذا مسائل منها:
ـ الوكيل بالبيع إذا باع ممن لا تجوز شهادتُه له لا يجوز بيعه؛ لأنه متهمٌ في بيعه من أبيه وأمه وأولاده وامرأته، وعندهما: يجوز.
ـ الوكيل بالسَّلم إذا أَسلم ممن لا تجوز شهادتُه له لا يجوز، وعندهما: يجوز.
ـ إن المريض إذا قال لامرأته: قد كنت طلَّقتك في الصِّحَّة وانقضت عدَّتك، فصدقَتْ المرأةُ، ثمّ أوصى لها بوصية أو أقرّ لها بدين، فإن عند أبي حنيفة لها الأقلّ من الميراث ومن الوصية أو من الإقرار؛ لأنه متَّهم في فعله لجواز أنّه لما عَرَف أنه لا يُصيبها إلا الربع أو الثمن احتال بهذه الحيلة حتى يصل لها أكثر من حقِّها، وعندهما: الإقرار لها جائزٌ، والوصيةُ لها جائزةٌ، كما جاز لسائر الأجنبيات.
ـ ولو باع المريضُ ماله من وارثه بأضعاف قيمته لم يجز عند أبي حنيفة؛ لأنه متهمٌ لجواز أنه أراد إيثارَه على سائر الورثة بعين من أعيان ماله، وعندهما: يجوز بيعه.
¬
(¬1) معناها: تعتبر التَّصرُّفات في المرض والوكالة والنكاح والإقرار إلا إذا كان مُتَّهماً بفعله، فينقل بالحكم إلى حفظ الحقوق؛ لأن حفظ الحقوق هو المقصد الأساسي في التشريعات للأحكام.
ـ ولو اشترى الرَّجلُ من أبيه أو ممن لا تُقبل شهادتُه له يُكره بيعُه مرابحةً من غير بيان عند أبي حنيفة؛ لأنه متهمٌ يجري بينه وبين هؤلاء من الحَطِّ والإغماض ما لا يجري بينه وبين غيرهم، وعندهما: يجوز بيعُه من غير البيان مرابحة.
ـ ولو باع الرَّجل شيئاً وسَلَّم ولم يقبض الثَّمن، ثمّ اشتراه أبوه أو ابنُه بأقلّ من الثَّمن الأَوَّل لا يجوز شراؤه عنده، وعندهما: يجوز.
ـ ولو أقرَّ لوارثه وأجنبي بدين وأنكر الأجنبيّ الشركة، وقال: ليس للوارث معي شركة أو جحد الوارث الدين، وقال: ليس له عليه دين فسد الإقرار في الكلِّ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: الإقرار في حقِّ الأجنبي جائزٌ إذا جحد الوارث الشركة، وهو قول زفر، ولو صدقة لم يجز إقراره بالإتفاق.
ـ ولو شَهِدَ الوصي للوارث الكبير بدين على الميت لا تجوز شهادتُه، بخلاف ما لو شهد الأجنبي عند أبي حنيفة، وعندهما: تقبل.
ـ ولو زوّج غيرُ الأب والجدِّ الصَّغيرَ أو الصَّغيرة، ثم أدركا قال أبو حنيفة و محمد: لهما الخيار؛ لأنه صدر العقد ممن هو متهمٌ في عقده، فثبت لهما
الخيار، و قال أبو يوسف: لا خيار لهما.
ـ ولو زوَّجت المرأة نفسها من كفوء وقَصَرَت عن مهر مثلها، فللأولياء حق الإعتراض عند أبي حنيفة؛ لأنها متهمةٌ في حقِّ حطِّ المهر، فألحق ذلك
هواناً وعاراً بالأولياء، فجعل لهم حقّ الاعتراض، وعند أبي يوسف: لا اعتراض لهم.
ـ ولو قال الرجل لامرأته في الصّحته: إذا فعلت كذا فأنت طالق، ولا بُدّ لها من ذلك الفعل وفعلت ذلك في مرض الزوج، ثمّ مات الزوج من ذلك المرض، فإنّها ترث عند أبي حنيفة، وتابعه أبو يوسف؛ لأنّه قَصَد الإضرار بها حين علَّق الطلاق بفعل لا بُدَّ لها منه ودام على ذلك، حتى مات فصار متهماً، وعند محمد: لا ترث.
ـ ولو أقرَّ المريض بدين لامرأته، ثم طلَّقها قبل الدخول بها، ثم تزوَّجها بعدما بانت منه، ثم مات من ذلك المرض، قال أبو يوسف: لا يجوز إقراره لها، وقيل: إن قول أبي حنيفة مثل قوله؛ لأنه قد لحقته تهمتان؛ لأنها كانت وارثة قبل الإقرار، ثم صارت وارثةً قبل الموت، فلزمه وقت الموت، وعند محمد: جاز لها.
ـ ولو أكره الرجل على أن يُقرَّ لفلان بألف درهم، فقال المكرَه: له ولفلان الغائب عليّ ألف درهم، وأنكر الغائب الشركة لم يجز إقراره للغائب؛ لأنه متهمٌ لجواز احتياله بهذه الحيلة؛ ليكون المال بينهما نصفان، وعند محمد: جاز كما جاز في الإقرار من غير إكراه.
ـ ولو وكَّل الرجل رجلاً يشتري له جملاً بغير عينه بألف درهم فاشتراه وهو قائم في يده، وقال: اشتريتُه لك، وقال الموكل: بل اشتريتَه لنفسك والثمن غير منقود، فالقول قول الموكِّل عند أبي حنيفة؛ لأنه متهمٌ لجواز أنه
اشتراه لنفسه، فلم ترض به نفسه، فأراد إلزامه على موكِّله، وعندهما: القول قول الوكيل.
• • •
الخامس عشر: الأصل عند أبي حنيفة:
ملك المرتدّ يزول بنفس الرِّدَّة زوالاً موقوفاً (¬1)
وعندهما: ما لم يقض القاضي بلحوقه بدار الحرب لا يزول.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إن المال المكتسب في حال إسلامه يكون ميراثاً عند أبي حنيفة؛ لأنّ بنفس الردة زالت أملاكه إلى ورثته، وهو مسلم، فحصل توريث المسلمين من المسلم، والمكتسب في حال ردّته يكون فيئاً؛ لأن بالردة زالت العصمة عن دمه، فكذلك العصمة عن ماله، وعندهما: المالان جميعاً لورثته؛ لأن القاض لم يقض بلحوقه بدار الحرب، فلم يزل ملكه عنه.
ـ ولو قتل المرتدُّ إنساناً خطأً وله مال اكتسبه في حال إسلامه ومال اكتسبه في حال ردَّته على قول أبي حنيفة في رواية «الجامع الصغير» يجب
¬
(¬1) لما كانت الردةُ تؤول إلى الموت، فإن تصرفات المرتد المالية توقف إلى حين ظهور حاله من توبته أو قتله.
الدية في المال الذي اكتسبه في حال إسلامه، وفي الرواية الأخرى في المال المكتسب في حال ردته؛ لأنّ الكسب الذي كان حاصلاً في حال إسلامه زال عنه بنفس الردة بنوع زوال، وعندهما: يجب في المالين جميعاً؛ لأن حقه باق على ملكه ما لم يقض القاضي بلحوقه بدار الحرب.
ـ إن عقود المرتد موقوفة عند أبي حنيفة؛ لأنه زال ملكه بنفس الردة زاولاً موقوفاً، فوقفت عقوده بحسب توقف ملكه، وعندهما: لا يتوقف؛ لأن ملكه لم يزل ما لم يقض القاضي بلحوقه بدار الحرب.
• • •
السادس عشر: الأصل عند أبي حنيفة:
الحقوقُ إذا تعلَّقت بالذِّمة
وجب استيفاؤها من العين
فإذا ازدحمت في العين وضاقت عن إيفائها
قُسمت العين على طريق العول (¬1)
¬
(¬1) معناها أن لنا طريقان في الحل: إما المنازعة أو العول، والمنازعة أن يقسم ما يدعيان بينهما، وما لا يدعي أحدهما يَسْلَم للآخر، والعولُ: اعتبار ما يَدَّعي كلٌّ منهما، بحيث يُعتبرُ مجموعُ ما يَدعيان، ثمّ يأخذ كلُّ واحدٍ منهما نسبتَه من الموجود على حسب ما يدعي.
وكذلك كلُّ عين إذا ازدحمت فيها حقوق لا في العين تقسم أيضاً على طريق العول، وإذا كانت الحقوق متعلقة بعينها قسمت بينهم على طريق المنازعة.
وعندهما: كلُّ عين تضايقت عن الحقوق نظر فيها، فما كان منها لو انفرد صاحبه لا يستحقُّ العين كلها، فإن العين تقسم على الطريق المنازعة، وما كان منها لو انفرد صاحبه استحقَّ الكلَّ، وإنما ينقصه انضمام غيره إليه، فإنه يقسم على طريق العول.
ـ وعلى هذا قال أبو حنيفة في دار واحدة في يدِ رجل يدَّعي رجلٌّ كلَّها والآخر نصفَها، وأقاما جميعاً البيِّنة أنها تُقسم بينهما على طريق المنازعة، وتقسم أَرْبَاعًا، وعندهما: تقسم على طريق العول أثلاثاً.
ـ وعلي هذا قال أبو حنيفة: إذا أوصى الرجل بسيف لرجل وبنصف ذلك لرجل آخر، والسَّيف يخرج من الثُّلث، فإنّه يُقسم بينها أَثلاثاً على طريق العول، وعندهما: أرباعاً على طريق المنازعة.
وعلي هذا قال أبو حنيفة في الوصايا: إذا اجتمعت في المال وكانت أكثر من الثُّلث فأجازت الورثة، قال: المال يُقسم على طريق العول، وعندهما على طريق المنازعة.
بيانه: إذا أوصى الرجل لرجل بكلِّ ماله ولآخر بنصف ماله فأجازت الورثة قسم المال بينهما على طريق العول عند أبي حنيفة، وعندهما على طريق المنازعة.
• • •
السابع عشر: الأصل عند أبي حنيفة:
الإنسان يجوز ألا يملك الشيء بنفسه قصداً
ويملكه بتفويضه إلى غيره
ويجوز ألا يملك الشيء قصداً ويملكه حكماً (¬1)
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إنّ المسلم إذا وكَّل ذمياً يشتري له خمراً جاز عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز توكيله ويكون شراؤه لنفسه.
ـ إنّ المحرمَ إذا وَكَّل حلالاً أن يشتري له صيداً جاز توكيله عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز، ويكون شراء الحلال لنفسه.
¬
(¬1) معناها يمكن أن يملك التوكيل بالتصرف مع أنه لا يملكه بسبب أن الحقوق ترجع للوكيل، ومن التصرفات ما تملك حكماً ولا تملك قصداً، كما سيأتي.
ـ ولو باع شيئاً وسَلَّم ولم يقبض الثَّمن ثمّ وكَّل وكيلاً بشرائه، فاشتراه وكيله بأقلِّ من الثمن الأوَّل جاز عند أبي حنيفة، ويكون ذلك للآمر، وعند محمّد: يكون ذلك لآمره ويكون الشراء فاسداً، وعند أبي يوسف: يكون شراء الوكيل لنفسه جائزاً.
ـ إنّ الواحدَ من أصحاب السَّرقات إذا قطع يد السَّارق، فيسقط الضمان في حقِّ الآخرين حكماً، وإن كان لا يملك قصداً عند أبي حنيفة،
وعندهما: لا يسقط الضَّمان في حق الآخرين.
ـ إنّ الذِّميَّ يَغصبُ من الذمي خمراً ثمّ يُسْلِم يَبرءُ من الضَّمان عند أبي حنيفة وأبي يوسف حكماً، وإن كان لا يَملك إبراءَ نفسِهِ قصداً، وعند محمد وزفر: لا يبرأ.
وكذلك الذي يستقرض من ذميٍّ خمراً ثمّ أسلم المستقرض، فهو على هذا الخلاف.
وكذلك هذا الإختلاف في الرَّجعة إذا طلَّق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً، ثم نظرت المرأة إلى فرجه بشهوة أو لمسته بها صار الزَّوج مراجعاً عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يصير مراجعاً.
وعلي هذا قال علماؤنا الثلاثة: إنّ للمودَع أو الغاصب أن يُقيم كلَّ واحد منها القطع على السارق الذي يسرق الوديعة والغصب، وتقع البراءة
عن ضمان الوديعة والغصب حكماً، وإن كان لا يملك لفظاً أو قصداً، وعند زُفر: ليس له؛ لأنه لا يَملك الإبراء عن ضمان السَّرقة أصلاً.
• • •
الثامن عشر: الأصل عند أبي حنيفة:
نفي موجب العقد لا يجوز
ونفي موجب الشرط يجوز (¬1)
وعندهما: نفي موجب العقد جائز.
وعلى هذا مسائل منها:
¬
(¬1) معناها لما كان موجب العقد جزء منه ولا يصح بدونه لم يجز نفيه، بخلاف موجب الشرط فهو شيء زائد يمكن الاستغناء عنه فجاز نفيه، كما في وجود شرطين فالأول يكون موجب العقد والثاني موجب الشرط، فيلزم الأول دون الثاني.
ـ فلو قال للخياط: إن خِطّت هذا الثوب اليوم، فلك درهمٌ، وإن خِطَّته غداً فلك نصف درهم، فالشرط الأول جائز عند أبي حنيفة، والثاني باطل؛ لأن الشرط الثاني نفي موجب العقد، ولا يجوز نفيه، فبطل الشرط الثاني، فإذا خاطه في الغد يجب أَجر المثل، وعندهما: الشَّرطان جائزان.
ـ ولو تزوَّج امرأةً على ألفِ درهم إن لم يكن له امرأة، وعلي ألفين إن كان له امرأة، أو تزوَّجها على الألف إن لم يخرجها من الكوفة وعلي ألفين إن أخرجها من الكوفة بطل الشرط الثاني عند أبي حنيفة؛ لأنه ينفي موجب العقد، وعندهما: الشرطان جائزان.
ـ ولو دفع أرضه مزارعة، وقال: إن زرعتها في شهر كذا، فلك نصف الخارج، وإن زرعتها في شهر كذا، فلك ثلثه، فعند أبي حنيفة جاز الشَّرط الأول، وبطل الشرط الثاني، وعندهما: الشرطان جميعاً جائزان، وإنّما يجوز في قول مَن يجيز المزارعة.
ـ ولو ترك إعلام قدر رأس مال السَّلَم عنده لا يجوز، وعندهما: يجوز.
ـ ولو ترك إعلام مكان الإيفاء عند حلول السَّلَم لم يجز عند أبي حنيفة، فالتسليم في موضع العقد ليس بموجب العقد عنده؛ لأنه لو شرط الإيفاء في موضع آخر لم يبطل السَّلَم، ولو كان من موجب العقد لما جاز نفيه، وعندهما: من موجب العقد، ومع ذلك جائز نفيه.
فإن قيل: العقد بالثَّمن المُسمَّى يُوجب وقوعه على النقد الغالب ولو غيَّر هذا الموجب وجعل نقداً آخر غير الغالب يجوز.
قيل له: النَّقدُ الغالبُ من موجب الشَّرط؛ لأنّ ذلك يَثبت بدلالة العُرف، والشُّروط تثبتُ في العقود مرّةً بالدلالة ومرّةً بالإفصاح، ونفي موجب الشَّرط جائزٌ.
فإن قيل: البيع يوجب الثمن حالاً، ولو باع بالثمن المؤجل جاز، وقد نفي موجب العقد.
قيل له: لم ينتف موجب العقد؛ لأنّ ذلك العقد لم يوجب الثَّمن إلا مؤجلاً، فلم يبق من موجبه.
• • •
التاسع عشر: الأصل عند أبي حنيفة:
كلُّ مَن لا يقدر بنفسه فوسْعُ غيره
لا يكون وُسْعاً له (¬1)
وعلى هذا مسائل منها:
¬
(¬1) هذه القاعدةُ مشهورةٌ بأن التكليف بقدرة نفسه لا بقدرة غيره، ومعناها مَن لم يكن قادراً سقط عنه التكليف فيما لايقدر عليه.
ـ إنّ المريضَ إذا لم يقدر على أن يحوِّل وجهه إلى القبلة بنفسه، وهناك مَن يحوِّل وجهه إلى القبلة، فصلى ولم يحوِّل وجهه إلى القبلة، قال أبو حنيفة: يجوز؛ لهذا المعنى، وعندهما: لا يجوز؛ لأنّ وسْعَ غيره يكون وسْعاً له.
ولهذا قال أبو حنيفة في المريض: إذا كان على فراشٍ نجسٍ، وهناك فراشٌ طاهرٌ وهناك مَن يُحوِّله، فصلى على مكانه جاز عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز.
ـ إنَّ المريض إذا كان لا يَقدر أن يتوضأ بنفسه وهناك مَن يوضئه وصلَّى في مكانه ولم يتوضّأ جاز عنده، وعندهما: لا يجوز.
ـ وكذا الأعمى إذا لم يقدر على السَّعي بنفسه إلى الجمعة، وهناك مَن يقودُه لا تكون الجمعة فرضاً عليه عند أبي حنيفة، وعندهما: الجُمعة فرضٌ عليه؛ لأنّ وسْعَ غيره يكون وسْعاً له.
المبحث الثاني
الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف وبين محمد
أولاً: الأصل عند أبي حنيفة وأبي يوسف:
فساد أفعال الصلاة
لا يوجب فساد حرمة الصَّلاة (¬1)
¬
(¬1) معناه أنّ التحريمة لا تفسد للصلاة وإن فسدت الأفعال بناء على أنّ التحريمة عند أبي حنيفة وأبي يوسف شرطٌ فأصبحت كالوضوء لا يبطل ببطلان أفعال الصلاة، وعند محمّد وزُفر: التحريمة ركن، فتفسد إن فسدت أفعال الصلاة.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إذا قرأ في إحدى الأُوليين وفي إحدى الأُخرين في التطوع وَجَبَ عليه قضاء الأربع عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنّ الأفعال وإن فسدت فالحرمة باقية، فصحّت المباشرة في الأُخريين، فلمّا صحَّت المباشرة وَجَب عليه القضاء عندهما إذا فسدا، وعند محمد وزفر: يجب عليه الركعتين الأوليين، ولا يجب عليه قضاء الأخريين؛ لأن الحرمة قد فسدت بفساد الأفعال.
ـ ولو ترك القراءة في الأوليين وقرأ في الأخرين عند أبي حنيفة وأبي يوسف الأُخريان جائزان؛ لأن الحرمة باقية فصح بناء الأخريين على الأوليين، وعند محمد وزفر: الأخريان غير جائزين.
ـ إن الإمام إذا كان في الجمعة، فخرج الوقت قبل فراغها بعدما قعد مقدار التشهد ثمّ قهقه، قال في كتاب الصلاة: لا وضوء عليه، قيل: هذا قول محمد، وعلى قياس أبي حنيفة وأبي يوسف: لزمه الوضوء لصلاة أخرى.
• • •
ثانياً: الأصل عند أبي حنيفة وأبي يوسف:
كلُّ عقدٍ امتنع عن الفَسخ بالإقالة
فلا تحالف فيه ولا تراد
إلا إذا اختلفا في البدن (¬1)
¬
(¬1) هذا راجع للقاعدة المشهورة في كتاب القضاء: إن ختلف المتبايعان في المبيع أو الثمن تحالفا وترادا إن كانت السلعة قائمة، بناء على حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - من اشتراط أن تكون السلعة قائمة، فأخذ به أبو حنيفة وأبو يوسف استحساناً، واشترطا قيام السلعة، ولم يشترط قيام السلعة في التراد محمد وزفر، ثم ربطه الكرخي بالإقالة التي لا بد في صحتها من قيام المبيع كذلك، فجعل القاعدة منهما.
فعن محمّد بن الأشعث أنّ ابن مسعود - رضي الله عنه - باعَ لأشعث رقيقاً بعشرينَ ألف درهم، فأرسل في ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة الآف، فقال عبد الله: إنّ شئت حدّثتك بحديثٍ سمعته من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، سمعته يقول: «إذا اختلفَ المتبايعان ليس بينهما بيّنة، فالقول ما يقولُ ربّ السلعة، أو يتتاركان»، قال الحاكم: صحيح، وأعلّ بالانقطاع بين محمّد وابن مسعود - رضي الله عنه -، وأخرجه أبو داود وابن ماجه: «إذا اختلفَ البيعان وليس بينهما بيّنة والبيعُ قائمٌ بعينه، فالقول ما قال البائع، أو يترادّان البيع»، ورواه أحمد والدارميّ والبزَّار، وفي لفظ بعضهم: «والسلعةُ قائمةٌ بعينها»، وأخرجه النسائيّ بلفظ: «حضرتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد أتى في مثل هذا، فأمرَ البائع أن يستحلفَ ثمَّ يختار المبتاع، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك»، كما في تخريج أحاديث البزدوي لابن قطلوبغا ص278.
وعلي هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن هلاك المعقود عليه يمنع التحالف والتراد؛ لأن هذا العقد امتنع عن الفسخ بالإقالة، وعند محمد: يتحالفان ويترادان القيمة.
• • •
ثالثاً: الأصل عند أبي حنيفة وأبي يوسف:
كلُّ إخبار لا يلزم القاضي القضاء بغير مخبره
ولا يَتوصَّل إلى القضاء إلا به
فالعدالةُ من شرطه وليس العدد من شرطه (¬1)
¬
(¬1) معناها الخبر الذي يُساعد في القضاء كالتزكية للشهود والترجمة وأَمثالها لا بُدّ أن يكون صاحبه عدلاً حتى يعتمد القاضي، ولا يشترط العدد فيه.
كأخبار الآحاد في الأحكام، فإن القاضي إذا قضى بها على رجل بعينِهِ في حادثةٍ بعينها كان قضاؤه عليه ببيِّنة أو بإقرار أو بنكول، ولم يكن قضاؤه عليه بذلك الخبر وإن كان لا يتوصل إلى القضاء بتلك الحجة إلا بهذا الخبر.
ـ وعلي هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن تزكيةَ الواحد العدل مَقبولةٌ؛ لأنّ القاضي لا يَقضي بتزكيتِهِ، وإنَّما يَقضي بقول الشُّهود، وعند
محمَّد: لا بُدّ من أن يكون له إثنان.
ـ وعلي هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إنّ ترجمةَ الواحد العدل مَقبولة؛ لأنّ القاضي لا يقضي بترجمته، وإنما يقضي بقول الشهود، وعند محمد: لا بُدّ من أن يكون اثنين.
ـ وعلي هذا قال أبو حنيفة: إن المزكي ورسول القاضي يجوز أن يكون واحداً، وعند محمد: لا بُدّ من أن يكون اثنين.
ـ وعلي هذا إن شهادة القابلة على الولادة وحدها جائزة إذا كانت عدلة؛ لأنه يحكم بثبوت النسب بالفراش لا بشهادتها، والفراش ثابت قبل شهادتها، ولكن من حيث إنا نعلم الولادة بقولها جعلنا العدالة من صفتها، ومن حيث إنه لا يتعلق الحكم بشهادتها لم يشترط العدد، وليس كالشهادة في حقِّ الإحصان؛ لأنّ تلك الشهادة على أحكام تتعيَّن في الشُّهود عليه يقضي بها القاضي، وهو كونه مسلماً، وهذه من الأحكام التي يحتاج القاضي إلى القضاء بها، فلا بُدَّ من العدد، ومحمّد تابعهما في هذه المسألة.
• • •
رابعاً: الأصل عند أبي حنيفة وأبي يوسف في الأخير:
كلُّ عصير استخرج بالماء فطبخ أدنى طبخة
فالقليل منه غير المسكر حلال (¬1)
کالدِّبس والرُّبّ.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ قال أبو حنيفة وأبو يوسف في قوله الأخير: إن نقيع الزَّبيب ونبيذ التَّمر إذا طبخ أدنى طبخ جاز شربها للتداوي ولاستمراء الطعام، وعند محمد: لا يحلُّ شربُه إذا اشتدّ للتَّداوي واستمراء الطعام.
ـ وعلي هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف في قوله الأخير: إن عصير العنب إذا طُبخ وذهب ثُلثاه وبقي ثُلثُه أو ذهب ثلثُه، ثمّ صُبّ عليه الماء ثمّ أُغلى بالنار أو لم يُغل واكتفى بالنار الأولى، ثم اشتدّ جاز شربه للتداوي
¬
(¬1) معناها طبخ التمر أو الزبيب أو العنب أو غيره ولو قليلاً بعد إضافة شيء من الماء عليه يجعل القليل منه مباحاً.
واستمراء الطعام؛ لأنّ الباقي الذي صُبَّ عليه الماء حتى رَقَّ صار في حكم الزَّبيب والتمر، وعند محمد: لا يحلُّ شربه.
ـ وعلي هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف في الأخير في قشور العنب بعد سيلان عصيرها: إذا رُشَّ عليها الماء بعد استخراج عصيرها بالماء وطبخ بالنار، ثم تركه حتى اشتدّ وغلى، فإن القليل غير المسكر حلال، وعند محمد: حرامٌ كلُّه.
• • •
المبحث الثالث
الخلاف بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف
أولاً: الأصل عند أبي حنيفة:
اليمين لا تنعقد إلا على معقودٍ عليه (¬1)
¬
(¬1) شرط صحة اليمين إمكانية البر بالمعقود عليه، فهو أن يكون المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة عند الحلف، بأن يكون موجوداً عند حلفه، وهو شرط انعقاد اليمين فلا تنعقد على ما هو مستحيل الوجود حقيقة، ولا تبقى إذا صار بحال يستحيل وجوده، فلو قال: والله لأشربن الماء الذي في الكوز، فإذا لا ماء فيه لم تنعقد اليمين؛ لعدم شرط الانعقاد، وهو تصور شرب الماء الذي حلف عليه، ينظر: الدر المختار 3: 46، والفتاوى الهندية 2: 51، والهداية 5: 139، والعناية 5: 139.
فإذا لم تنعقد فلا كفارة فيها، وإنّما قلنا: إنّها لا تنعقد إلا على معقود عليه؛ لأنّ العقدَ صفةٌ، فلا بُدّ للصفة من الموصوف، وعند أبي يوسف: ينعقد اليمين وإن كان المعقود عليه فائتاً.
ـ وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمّد: إنّ مَن حَلَف ليشربنَّ الماءَ الذي في هذا الكوز، وهو لا يَعْلَمُ أنّه لا ماءَ فيه، فإنّه لا كفّارة عليه، وعند أبي يوسف: عليه الكفّارة.
ـ وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد: إنّ مَن حَلَفَ ليقتلن فلاناً، وفلانٌ ميتٌ وهو لا يعلم بموته لا كفارة عليه، وعند أبي يوسف: عليه الكفارة (¬1).
¬
(¬1) اقتصر المصنف على صورة عدم العلم في الكوز والميت؛ لأن في صورة العلم لا يختلف الحكم بينهم، ويكون حانثاً، ويلزمه الكفارة، والفرق بين المسأليتن: أنه إذا لم يعلم عقد يمينه على الحياة القائمة، ولم تنعقد اليمين لانعدام المحل كما في مسألة الكوز، وإذا كان عالماً بموته فقد عقد يمينه على تفويت حياة يعيدها الله تعالى، وذلك متصور كما في قوله - جل جلاله -: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} () وتفويت الحياة المحدثة يكون قابلاً لذلك الشخص المحلوف عليه، فتنعقد اليمين ثم يحنث من ساعته لوقوع العجز عادة.
أما في الكوز فإنه وإن أمكن إحداث الله - جل جلاله - الماء فيه لكنه ماء آخر غير المحلوف عليه. فإن الحلف كان على الماء الكائن فيه حال الحلف ولا ماء فيه إذ ذاك فلذا لا ينعقد، ينظر: فتح القدير 5: 140
ـ وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد فيمن حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز اليوم، فانصبّ الماء قبل غروب الشمس أنّه لا كفارة عليه؛ لأنّ اليمينَ يتأكّد بأخر الوقت، وقد جاء آخر الوقت والمعقود عليه فائت معدوم، فلم يتأكد اليمين فلا كفارة عليه، وعند أبي يوسف: عليه الكفارة عند مضي اليوم.
ـ وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف: إنه لا كفّارة في اليمين الغموس؛ لأنّها لا تنعقد؛ إذ لو انعقدت لتأتى فيها الإنحلال، وإذا لم يترقب فيها بر فلا حنث لاستحالة الإنحلال، وإذا استحال الإنحلال استحال أن يوصف بالإنعقاد.
• • •
ثالثاً: الأصل عند أبي يوسف:
إذا لم يصحّ الشَّيء لم يصحُّ ما في ضمنه
وعند أبي حنيفة: يجوز أن يثبت ما في ضمنه وإن لم يصحّ، ومحمّد في أكثر هذه المسائل التي في هذا الأصل مع أبي حنيفة (¬1).
وعلى هذا مسائل منها:
¬
(¬1) معناها عند أبي حنيفة: يصحُّ ويثبتُ ما في صمنه وإن لم يصحُّ الشيءُ بنفسِه، بخلاف قول أبي يوسف ببطلان الضِّمن إن بَطَلَ الشيء.
ـ إذا أودع الرَّجل صبيّاً محجوراً عليه مالاً فاستهلكه الصَّبي فعند أبي حنيفة ومحمد: لا ضمان عليه؛ لأنه قد صحَّ تسليطه على الإتلاف وإن لم يصح به عقد الوديعة، وعند أبي يوسف: يضمن؛ لأنّ التَّسليط لو صحّ يصحُّ من ضمن عقد الوديعة، والعقد لا يصحُّ فلا يصح ما في ضمنه.
وكذلك الجواب: لو باع من الصبيُّ المحجور عليه مالاً وسَلَّمه إليه واستهلکه الصَّبيُّ لا ضمان عليه عندهما، وعند أبي يوسف: يضمن.
وكذلك هذا الإختلاف فيما لو أَقرض صبيّاً محجوراً عليه ألف درهم فاستهلكها عنده يضمن، وعندهما: لا يضمن.
ـ لو تزوَّج امرأةً في السرِّ على ألف درهم، وفي العلانية على ألفي درهم، فالمهر مهر السِّر عند أبي يوسف على كلِّ حال؛ لأن تسمية العلانية لو صحَّت لصحَّت في ضمن العقد الثاني، والعقد الثاني لم يصح، فلا يصح ما في ضمنه، وعندهما: المهر مهر العلانية، فلو أنّه أشهد على أنّ المهر مهر السِّرِّ لكان المهر مهر السِّرِّ والثاني رياء وسمعة.
ـ لو أن رجلاً جاء إلى امرأة وقال لها: إن زوجك طلَّقك، وأَرسلني إليك وأمرني أن أُزوجك فزوَّجها منه، وضمن لها المهر، ثم جاء الزوج وأنكر التوكيل والطلاق، فعلي قول أبي يوسف الأخير وهو قول زفر: يضمن الوكيل لها نصف المهر، وفي قوله الأول لا يضمن لها شيئاً؛ لأنه لو وَجَبَ الضَّمان لوجب في ضمن عقد النكاح، والنكاح لم يصحّ فلم يصحّ ما في ضمنه، ذکر هذه المسألة في خلاف زفر وأبي يوسف.
ـ لو باع درهماً بدرهمين في دار الحرب لم تقع للإباحة عند أبي يوسف؛ لأنها لو وقعت لوقعت ضمن العقد، والعقد لم يثبت فلم يثبت ما في ضمنه، وعندهما: تقع للإباحة.
ـ لو زاد في ثمن الصَّرف أو حَطَّ منه شيئاً صَحَّ ذلك وفَسَدَ العقد عندهما، وعند أبي يوسف: لا يبطلُ العقد؛ لأنه لا يثبتُ الزيادة، ولا يبطل العقد الذي كان بطلانه لأجله.
ـ إذا اصطلح الرَّجلان، فقالا لرجل ذميٍّ: إن أسلمت فأنت الحكم بيننا فأسلم، لم يكن حكماً عند أبي يوسف؛ لأن التحكيم ثبت في ضمن الصلح، وتعليق الصلح في مثل هذا الخطر لا يجوز، فلا يجوز ما في ضمنه، وعند محمد: يجوز التحكيم وإن لم يجز ما في ضمنه، ولم يظهر قول لأبي حنيفة في مثل هذه المسألة، و قيل: إن قوله مع قول محمد.
ـ لو زاد المُسَلْم إليه لم تجز الزيادة ويرد المُسَلْم إليه بإزاء تلك الزيادة من رأس المال عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: لا يُرَدُّ؛ لأنّ حكم الرَّدِّ يثبت ضمناً لصحّة الزِّيادة، والزِّيادة لم تصحّ فلم يصحّ ما في ضمنه، وتابعه محمّد في هذه المسألة.
• • •
ثانياً: الأصل عند أبي يوسف:
الشروط المتعلِّقة بالعقد بعد العقد
كالموجود لدى العقد (¬1)
وعند أبي حنيفة ومحمّد: لا يُجعل كالموجود.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ فلو أنّه إذا أَسلم في كُرِّ حنطة وسطاً، فجاء بأجود منها في الصفة، وقال: خذ هذه وأعطني درهماً أو جاء بأردى منه في الصفة، وقال: خذ هذا واطرح درهماً لم يجز ذلك في ظاهر الرواية عند أبي حنيفة ومحمّد، وعنده: يجوز، ويُلحق هذا الشرط بأصل العقد، فيجعل كأن العقد وقع في الإبتداء عل هذا.
¬
(¬1) معناه ما يتوافق عليه المتعاقدان بعد العقد من زيادة أو نقصان أو شرطٍ أو وصف يلحق بأصل العقد، فكأنه اتفق عليه أو سمي ابتداء في العقد.
ـ ولو أسلم في ثوبٍ وسطٍ، فجاء بأردى منه في الصفة أو أنقص منه في المقدار، وقال: خذ هذا وأرد عليك درهماً لم يجز هذا عندها، وعند أبي يوسف: يجوز، ويجعل كأن العقد ما وقع إلا على هذا.
ـ ولو تزوَّج الرجل امرأة ولم يفرض لها مهراً، ثمّ فرض لها مهراً بعد العقد ثمّ طلَّقها قبل الدخول بها، فإن لها نصف المفروض بعد العقد عند أبي يوسف في قوله الأخير، ويجعل المفروض بعد العقد كالمفروض عند العقد، وفي قوله الآخر، وهو قول صاحبيه لها المتعة.
ـ ولو كَفِل عن رجل بمال، والطَّالب غائب، فبلغه الخبر فأجاز الكفالة جاز عند أبي يوسف، ويجعل الإجازة في الإنتهاء كالخطاب في الإبتداء.
ـ ولو قالت المرأة: زوَّجت نفسي من فلان، وهو غائب فبلغه الخبر، فأجاز عند أبي يوسف، ويجعل الإجازة عند الإنتهاء كالإذن في الإبتداء، وعند أبي حنيفة ومحمد: لا يجوز في المسألتين جميعاً إذا لم يكن ثمة مخاطب عن الغائب.
• • •
المبحث الرابع
الخلاف بين أبي يوسف وبين محمد
أولاً: الأصل عند أبي يوسف:
الشَّيء يجوز أن يصير تابعاً لغيره
وإن كان له حكم نفسه بإنفراده (¬1)
وعند محمّد: إذا كان له حكم نفسِه لا يصير تابعاً لغيره، وأبو حنيفة مع أبي يوسف في أكثر مسائل هذا الفصل.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ فلو أن الجدّة إذا ورثت من وجهين (¬2) تبعت أحد الجهتين الأُخرى عند أبي يوسف، وعند محمد وزفر: لا يصير تابعاً وترث من الحالين جميعاً.
ـ ولو ذبح الرجل شاة وقطع بعض العروق وترك البعض عند محمد لا يجوز أكلُها ما لم يقطع من كلِّ عرق أكثره؛ لأنّ كلَّ عرق يقوم بنفسه، فلا
¬
(¬1) معناها يمكن للحكم أن يتبع لغيره ويتداخل معه في حكمه وإن كان في نفسه مستقلاً، وهذا عند أبي يوسف.
(¬2) وصورتها من جهتين: امرأة زوَّجت ابنة ابنها من ابن ابنها، فولد بينهما غلام، فهذه المرأة لهذا الغلام جدة من جهتين، فإنها أم أم أم هذا الغلام، وأم أب أب هذا الغلام، فلو مات هذا الغلام وترك هذه الجدة وجدة أخرى من جهة الأب، فهي أم أم أبيه، قال أبو يوسف: السدس بينهما سوية، وقال محمد: السدس بينهما أثلاثاً ثلثاه لذات الجهتين، وثلثه لذات الجهة الواحدة. ينظر: البحر الرائق 8: 562.
يصير تابعاً لغيره، وعند أبي يوسف: إذا قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين جاز، وإلا فلا؛ لأنّ الودجين هما من جنس واحد، فجاز أن يصير أحدُهما تبعاً للآخر، وعند أبي حنيفة: إذا قَطَعَ الثلاث أيّ ثلاثة كان كفي.
ـ ولو أوجب الرجل المشي على نفسه لبيت الله الحرام، ثم حجّ من عامه ذلك حجة الإسلام سقط ما وجب بإيجابه عند أبي يوسف، وعند محمد: لا يسقط؛ لأن إيجاب العبد يقوم بنفسه، فلا يصير تبعاً لغيره.
ـ ولو ملك ثمانين من الغنم، فهلك منها أربعون بعد الحول، فالواجب عند أبي حنيفة وأبي يوسف شاة؛ لأنّ عندهما الزكاة في النصاب دون العفو، وليس كلُّ واحدٍ من الأربعين أصلاً، وعند محمد وزفر: الواجب في الكلّ شاة شائعاً؛ لأنّ كلَّ واحدة من الأربعين تصير أصلاً بنفسها، فلا تصير تبعاً لغيرها، فوجب الشَّاة في الكل، فإذا هلك منه شيء بعد الحول سقط بقدره، فبقى عليه نصف شاة، ولو ملك ثمانين، فالواجب عند أبي يوسف وأبي حنيفة في إحدى الأربعين شاة، وعند محمد وزفر: الواجب في الكلِّ شاة؛ لأنّ كلَّ واحدةٍ من الأربعين تقوم بنفسها، فلا تصير تبعاً للآخر بدليل قوله تعالى: {إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص:27].
ـ إن المهر يدخل في الدية في مسألة الإفضاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا يدخل؛ لأنّ كل واحدٍ منها له حكم نفسه، فلا تصير تابعة لغيره، فلا يدخل فيه.
ـ إن المُضَرَّبة إذا أصابتها نجاسة مقدار درهم ونفدت من كلِّ الوجهين تزيد عل قدر درهم في أحد الوجهين وفي أحدهما لا تزيد، عند أبي يوسف: لا تجوز الصلاة عليها، وعند محمد: تجوز؛ لأنّ كلَّ واحد من الوجهين له حكم بنفسه، فلا يصير تبعاً لغيره.
ـ إنّ الخُفَّ إذا أَصابته نجاسةٌ متجسِّدةٌ، فجفّت ثمّ حكّها بالأرض طهرت عندهما، وعند محمد: لا تطهر ولا تصير البَلَّة تابعة للجسومة؛ لأنها لو انفردت لا يجوز المسح بالأرض، فكذلك إذا كانت مع غيرها.
ـ إذا قرأ آية سجدة في ركعتين في صلاة واحدة لا يلزمه عند أبي يوسف إلا سجدة واحدة، وعند محمد: يلزمه لكلِّ مرّة سجدة؛ لأنّ السَّجدة من موجب التلاوة، والتلاوة في إحدى الركعتين لا تقوم مقام الأخرى.
ـ إذا أطعم في كفارة ظهارين ستين مسكيناً، كلّ مسكين صاعاً واحداً في يوم واحدٍ عندهما يجزيه على إحداهما، وعند محمد: يجزيه عن الكفّارتين جميعاً؛ لأنّ كلَّ كفارة من الكفارتين تقوم بنفسها، فتستقل بذاتها، فلا تصير تابعة لغيرها، كما لو كانت من جنسين مختلفين ـ أي ظهار وإفطار ـ.
وكذلك في كفّارة يمينين لو أعطم عشرة مساكين كلّ مسكين صاعاً في يوم واحد، فهو على هذا الإختلاف.
ـ إذا حلف لا يلبسن ثوباً من غزل فلانة فلبس سراويل فيها التكة من غزلها يحنث عند أبي يوسف، وعند محمد: لا يحنث؛ لأن التكة تقوم بنفسها، فلا تكون تابعة للسراويل.
ـ لو حلف أن لا يأكل اليوم سوي رغيف واحد، فاصطبغ بزيت أو بخل لا يحنث بالإجماع، ولو أكله مع اللحم أو مع الجوز حنث عند محمّد؛ لأنّ كلَّ واحدٍ منها يقوم بنفسه، فلا يصير تابعة لغيره، وعند أبي يوسف: لا يحنث.
ـ إن إقامة الجمعة بمنى تجوز عندهما، وعند محمد: لا تجوز؛ لأنّ منى تقوم بنفسها، فلا تصير تابعة لمكة.
ـ إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق واحدة أو لا شيء، عندهما: لا يقع شيء، وعند محمد: تقع واحدة؛ لأنها تقوم بنفسها، فاعتبر حكمها بنفسها، وكذلك لو قال لها: أنت طالق ثلاثة أو لا شيء، فهو على هذا الخلاف.
ـ إن الرجل إذا حلف أن لا يَنام على هذا الفراش، فبسط فوقه فراش آخر، ثم نام عليه، حنث عند أبي يوسف، وعند محمد: لا يحنث؛ لأن الأعلى يقوم بنفسه، فلا يصير تابعة للأسفل، فلا يكون نائماً على الفراش المحلوف عليه، فلا يحنث.
ـ إذا باع رجلان من رجلين شيئاً، ثم مات أحدُ البائعين، والآخر وارثه، ثمّ إن المشتري وَجَدَ به عيباً، فأراد أن يردَّه على الحيِّ، فأنكر الحيُّ أن
يكون به عيباً، فأراد استحلافه حلف يميناً واحدةً على البتات، ويكفيه ذلك عند أبي يوسف، وعند محمد: يحلف في النِّصف الذي باعه على البتات، وفي النصف الآخر على العلم؛ لأنهما قائمان بأنفسهما، وحكمهما مختلف، فاعتبر كلُّ واحدٍ منهما على حدةٍ.
ـ إذا أَجنبت المرأةُ ثمّ حاضت وطَهُرَت واغتسلت عند أبي يوسف يكون الغُسل من الأَوَّل، وعند محمّد: يكون منهما جميعاً؛ لأنّ كلَّ واحدٍ منهما يقوم بنفسِه، فاعتبر كلُّ واحدٍ منهما بحاله، وفائدة هذه المسألة تظهر في اليمين لو حلفت أن لا تغتسل من هذه الجنابة ثم حاضت واغتسلت بعد الطُّهر، عند أبي يوسف: تحنث، وعند محمد: لا تحنث.
ـ إن أحد الأسيرين إذا قَتَل صاحبه في دار الحرب لا شيء عليه عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا الكفارة؛ لأنه تبعٌ لهم، فصار كواحدٍ من أهل دار الحرب، وعند محمد: يجب عليه الدية؛ لأنّ له حكماً بنفسه، فاعتبر حكمُه على حدةٍ.
ـ لو وُجِد قتيلٌ في محلّة فقال أهل المحلة: قتله فلان، فعند أبي يوسف: يحلفون بالله ما قتلوه، ولا يزيدون على هذا، ويدخل يمين العلم في يمين البتات، وعند محمد: يحلفون بالله ما قتلوه وما علمنا له قاتلاً سوى فلان، ولا يدخل إحدى اليمينين في الأُخرى.
ـ إذا اختلف الطَّالبُ والمطلوبُ في رأس المال، وهو مما لا يَتَعيَّنُ، فأَقاما جميعاً البيِّنةَ يُقضي بسَلَم واحد عند أبي يوسف؛ لأن رأس المال من جنس
واحد، ويدخل أحدهما في الأخر، وعند محمد: يقضي بسَلَمين؛ لأنّ كلَّ واحدةٍ من البيِّنتين تُفيد حكماً بنفسهاً إذا انفردت، فإذا اجتمعتا اعتبرت كلُّ واحدةٍ منهما على حدتها.
ـ إذا دفع الرَّجلُ إلى رجل ألفَ درهم مضاربةً بالنصف، فربح فيها ألفاً وصارت ألفين، ثمّ دفع إليه ألفاً أُخرى مضاربةً بالثُّلث، وقال: اعمل فيها برأيك، فخَلَطَ المضاربُ خمسمائة من الألف الثَّانية بالألفِ الأولى وربحها، ثمّ هَلَك منها شيءٌ، فعند أبي يوسف: يكون الهلاكُ من الربح؛ لأنّ العقدَ من جنس واحد، والمال لواحدٍ، فصار المال الثاني تابعاً لماله الأول، وعند محمد: الهلاك من ربح المال الأول ومن رأس المال الثاني؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من العقدين يقوم بنفسه، فلم يصر تابعاً لغيره، فيصير حكم كلُّ واحدٍ منهما على حدة، كما لو دَفَعَ إلى رجلين.
ـ لو أنّ عشرةَ أرطال من لبن امرأةٍ ورطلاً من لبن امرأةٍ أُخرى خُلطا معاً، فأُرضع بذلك صبيٌّ، قال أبو يوسف: تحرم صاحبة العشرة، وصار الرَّطل تابعاً للعشرة، وقال محمد: تحرمان معاً؛ لأنّ كلَّ واحدٍ منهما لو انفرد كان له حكمه بنفسه، فإذا اجتمعا لم يكن أحدُهما تابعاً لصاحبه.
• • •
ثانياً: الأصل عند محمّد:
العارض في العقد الموقوف قبل تمامه
کالموجود لدى العقد (¬1)
كمَن تزوَّج امرأة بغير إذنها فاعترضتها عدّةٌ قبل الإجازة ارتفع العقد، فلا تعمل الإجازة، وعند أبي يوسف: لا يجعل العارض في العقد الموقوف کالموجود لدى العقد.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إن الوكيل بالبيع إذا باع بمثل قيمته على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ثمّ زاد المعقود عليه حتى صار يُساوي ألفين، فالوكيل بالخيار عند أبي حنيفة؛ لأنه يملك استئناف العقد في هذه الحالة، وعند أبي يوسف: إذا مضت مدة الخيار تمّ البيع، ولا يجعل العارض کالموجود لدى العقد، وإن أجاز ذلك قصداً منه لم يجز، وعند محمد: ينفسخ العقد ويجعل العارض کالموجود لدى العقد.
ـ إذا باع مال ولده الصغير على أنه بالخيار ثلاثة أيام، فأدرك الابن قبل ثلاثة أيام، فالإجازة للابن الذي يبلغ عند محمد، ويجعل العارض کالموجود لدى العقد، فصار كأنه باع ملك ولد بالغ، فيوقف على إجازته، وكذلك
¬
(¬1) معناها ما يعرض بعد العقد الموقوف يكون له حكم الموجود عند إنشاء العقد الموقوف.
هذه، وعند أبي يوسف: يسقط خيار الأب ويتمّ البيع؛ لأنه سقطت ولايته، فأشبه موت الأب.
ـ إذا بلغ الصَّبيُّ وقد باع له الوصيُّ شيئاً أو اشترى له شيء، وشرط فيه الخيار، رُوي عن أبي يوسف: أن البيع يتمّ ويبطل الخيار، وروي عن ابن سماعة: أنّ الوصي لا يملك إجازة البيع إلا برضاء اليتيم بعد البلوغ، وله نقض البيع إذا لم يرض به.
ولو مات ولي الصَّبي فالخيار للوصي، وينفذ بيعُه بمضي المدّة قبل البلوغ وبعده، وروى أبو سليمان عن محمّد في رواية أُخرى: أنّ الصَّبي إذا بلغ في مدّة الخيار لم يُجَزْ البيعُ بمُضي المدّة ما لم يُجِزْ، مثل: مَن باع من مال غيره بغير أمره وشرط الخيار فيه لم يُجَزْ ذلك العقد بمضي المدة ما لم يُجِزْ البيع المالك، وهذه الرواية توافق رواية «الجامع الكبير» في الأب إذا باع مال ولده الصغير بشرط الخيار فأدرك الابن.
ـ إذا اشترى الرَّجل عصيراً، فصار خمراً قبل القبض انتقض البيع، وقيل: هذا قول محمد، وروي عن أبي يوسف أن البيع لا يبطل.
ـ إذا باع شيئاً بشرط الخيار فهلك بعضه، وكان المبيع مما يتفاوت انتقض البيع في الباقي؛ لأنه لو جاز البيع في الباقي؛ لتعلَّق بإجازته تمليكُ ما بقي بحصّته من الثّمن مجهولةً، ولا يجوز تمليكه بثمن مجهول، وجُعِل كأنه باع في الابتداء الحصة مجهولة، وليس كما إذا كان المعقود عليه مما لا يتفاوت، فإن حصّة الباقي معلومة.
ثالثاً: الأصل عند محمد:
البقاء على الشيء
يجوز أن يُعطي له حكم الإبتداء (¬1)
وعند أبي يوسف: لا يُعطي له حكمُ الابتداء في بعض المواضع.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ إن الرجل إذا تطيَّب قبل الإحرام بطيب بقي رائحتُه بعد الإحرام کُره ذلك عند محمّد، وجُعِل البقاءُ عليه كابتدائه، وعند أبي يوسف: لا يُكره.
ـ لو قال الرجل لامرأته: إذا جامعتك فأنت طالق فجامعَها، قال أبو يوسف: إذا أولج وَقَعَ الطَّلاق، فإن أخرج ثمّ أَولج صار مراجعاً، وقال محمد: إذا ولج ومكث هنيةً على ذلك صار مراجعاً، فجُعِل البقاءُ عليه كابتدائه، وعن أبي يوسف: لا يصيرُ مُراجعا إلا أن يتنحَّا عنها.
ـ ولو قال لامرأته: إن لمستك فأنت طالق فلمسها، فإذا رفع يده عنها وأعادها ثانية صار مراجعاً عند أبي يوسف، وعند محمد: إذا لمسَها ومَكَثَ هنيهة فلم يرفع يدَه صار مراجعاً.
ـ ولو حَلَفَ أن لا يدخل هذه الدَّار فأدخله إنسانٌ، وهو يقدرُ على
¬
(¬1) معناه أن الاستمرار له حكم الابتداء: أي الشروع في العمل من جديد، وهذا عند محمد بخلاف أبي يوسف.
الامتناع، فلم يمتنع، روي عن أبي يوسف أنه قال: لا يحنث، وروي عن محمد أنه قال: يحنث، فجُعل البقاء على الدخول کابتدائه.
ـ ولو حلف الرجل لا يلبس هذا الثوب، فألقاه عليه إنسان، وهو نائم، فعن محمد: أخشى عليه أن يحنث في يمينه، فجعل البقاء على اللبس كابتدائه.
• • •
رابعاً: الأصل عند أبي يوسف:
إيجاب الحقّ لله تعالى في الغير يزيل ملك المالك (¬1)
وعند محمد: لا يزيله.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ فلو أنّ المشتري إذا اتخذ الدَّار التي اشتراها فجعلها مسجداً، ثم جاء الشفيع كان له أن ينقض المسجد بالشُّفعة عند محمّد، وقال الحسن بن زياد: ليس له أن ينقض المسجد، وهو إحدى الرِّوايتين عن أبي يوسف؛ لأنه لما اتخذها مسجداً، فقد زال ملکه عنها، وصارت ملكا لله تعالى.
¬
(¬1) معناها إخرج ملك المالك لله تعالى بوقف أو نذر أو غيره يخرجه عن ملكه حقيقة عند أبي يوسف بخلاف محمد.
ـ ولو وَهَبَ الرَّجلُ لرجل شاةً، فضحَّي بها ليس للواهب الرُّجوع فيها، وعند محمد: له أن يَرجع فيها.
ـ ولو وَهَبَ الرَّجلُ شاةً فأَوجب الموهوبُ له على نفسِهِ أن يَهدي بها، ليس له أن يرجع فيها عند أبي يوسف، وعند محمد: له ذلك، ولو جعلها هدّي متعة أو جزاء صيد، فهو على هذا الخلاف، وكذلك لو كانت بقرةً أو بعيراً فجعلها بدنةً، فإنه ينقطع حقُّ الرجوع فيها.
ـ ولو وهب لرجل دراهم، فأوجب الموهوب له على نفسه أن يتصدَّقَ بها، فليس له أن يرجع فيها عند أبي يوسف، وعند محمّد: له ذلك.
ـ ولو كانت له شاةً، فأَوجب على نفسه أن يهدي بها، جاز له بيعُها عند محمّد، ورُوي عن أبي يوسف: أنه ليس له أن يبيعها؛ لأنه أوجب لله تعالى حقّاً فيها، فصارت في الحكم كأنَّها زائلةً عن ملکه.
ـ ولو أنّ المسجدَ إذا خرب ولم يبق له أهل لا يعود ميراثاً عند أبي يوسف، وعند محمد: يعود ميراثاً.
• • •
المبحث الخامس
الخلاف بين أصحابنا الثلاثة وبين زُفر
أولاً: الأصل عند أصحابنا الثلاثة:
الشيء إذا أقيم مقام غيره في حكم
فإنه لا يقوم مقامه في جميع الأحكام (¬1)
وعند زفر: يقوم مقامه في جميع الأحكام.
كما نقول في موت أحد الزوجين، أنه يقوم مقام الدخول في حقّ الميراث، ولا يقوم مقامه في حقِّ الاغتسال، وكذلك الخلوة الصحيحة لا تقوم مقامه في حقِّ الغُسل.
وعلى هذا مسائل منها:
ـ فلو أدرك الرجل الإمام في الرُّكوع وكبَّر لم يصر مدركاً لتلك الركعة ما لم يشاركه في الفعل (¬2)؛ لأنّ الركوع له حكم القيام، فأُقيم مقامه في جميع
¬
(¬1) معناها إن لحقت مسألة بغيرها في حق حكم من الأحكام، فلا يلزمه لحاقها به في ساشر الأحكام عندنا، بخلاف زفر، فإنه يلحقها به في سائر الأحكام.
(¬2) صورتها: ولو أدرك الإمام في الركوع فكبر ثم انحط يركع فرفع الإمام رأسه قبل أن يركع ثم ركع الرجل لم يجزئ عندنا، وعلى قول زفر: يجزئه وهو قول ابن أبي ليلى؛ لأن حالة الركوع كحالة القيام، فإن القائم إنما يفارق القاعد في النصف الأسفل؛ لأن النصف الأسفل من القاعد منثن ومن القائم مستو، فأما النصف الأعلى فيهما سواء، والراكع كالقائم في استواء النصف الأسفل منه؛ ولهذا يجعل مدركا للركعة إذا أدرك الركوع مع الإمام فيكون اقتداؤه بالإمام، وهو راكع بمنزلة اقتدائه بالإمام قبل أن يركع، كما في المبسوط 2: 94.
الأحكام، وعندنا: الركوع أُقيم مقام القيام في حکم مخصوص، فلا يقوم مقامه في جميع الأحكام.
ـ إن الرَّجل إذا كان يركع ويسجد فاقتدى بالمومئ برأسه لا يجوز؛ لأنّ الإيماءَ له حكم القيام في حقّ جواز صلاة المومئ، فلا يقوم مقامه في حكم آخر، وعنده: لما أُقيم هذا مقام القيام في جواز صلوته أُقيم أيضاً مقام القيام في جواز صلاة غيره.
ـ إن الرَّجل إذا قَعَدَ في آخر الصَّلاة مقدار التشهد، ثمّ قهقه فعليه الوضوء لصلاة أُخرى عندنا، وعنده: لا يجب؛ لأنّ القهقهة في خارج الصَّلاة، ولذلك أُقيمت مقامَها في حَقِّ عدم فساد الصّلاة، فكذلك في حقِّ عدم تجديد الطَّهارة، فلا يحب تجديدها.
ـ إنّ إمامةَ المستحاضة بالطَّاهرات لا تجوز عندنا، وعنده: تجوز؛ لأنّ طهارتها قامت مقام طهارة الطَّاهرات في حقِّ جواز صلواتها، فقامت مقام طهارة الطَّهارات في حق جواز الإمامة.