تهذيب المدخل المفصل ...
.......... للفقه الحنفي
جارٍ تحميل الكتاب…
تهذيب المدخل المفصل ...
.......... للفقه الحنفي
تهذيب المدخل المفصل
للفقه الحنفي
للأستاذ الدكتور صلاح محمّد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التهذيب:
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمّد، المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإنّ شكر لله - عز وجل - على نعيم فضله وتوفيق في كتابة «المدخل المفصل لدراسة الفقه الحنفي»، فقد شاع وانتشر وطبع عدّة طبعات؛ لما تميّز به من الطَّرح العميق، والفكر النَّاضج، والدّعوة السّنية المعتدلة، والإيضاح لمنهج المذهب الحنفي الفقهي والحديثي والمدرسي.
وعند جمعه لم تكن كلية الفقه الحنفي الموقرة في عالم الوجود، فزدتُ في مباحثه وتوسعتُ فيه كثيراً، ولما يسرّ اللهُ افتتاح الكلية، واشتغلنا في تجهيز مناهجها حتى اكتملت كالشَّمس في واضحة النَّهار، ذكرتُ بعضَ المباحث المذكورة في «المدخل المفصل» في كتب أُخرى: ككتاب «فقه التَّرجيح المذهبي» وغيرها؛ لكونها أقرب لمساق المادة من «المدخل».
فكان لزاماً علينا أن نعيدَ النَّظر في «المدخل»، ونختصر بعض المباحث المكرَّرة في كتب المناهج الأُخرى، بحيث يبقى منها ما يكفي لمثل مادة «المدخل».
وهذا الاختصار لم ينقص من القيمة العلمية للكتاب، بل أبقى على جميع مباحثه مع اختزال لها بما يُناسب الدَّارسين في هذه المرحلة.
وسميته:
«تهذيب المدخل المفصل إلى الفقه الحنفي»
وسيبقى كتاب «المدخل المفصل» بطبعته الكاملة متوفراً للراغبين بقراءته من غير طلبة الكلية، حتى يتمكنوا الوقوف على تفصيل مباحثه.
وفي الختام أسأل الله - عز وجل - أن ينفع به كما نفع بأصله، وأن يرزقه القبول، ونسأله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يُرشدنا سبيلَه ويُبصرنا بطريقه، وصلى الله على سدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
في تاريخ 6 ـ 10 ـ 2019 م
في صويلح، عمان، الأردن
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المدخل المفصل:
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فبعد مرور عشر سنوات على كتابة: «المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي»، وما يسرّ له من قبول وإعجاب لمَن قرأه واطلع عليه؛ لما اشتمل عليه من مباحث تعالج التحريف والتبديل في فهم الفقه وطريقة التعامل معه ودفع العديد من الشبه حول قضاياه.
رأيت من المناسب إعادة النظر فيه من جديد لتحريره وتنقيحه وتفصيل العديد من مسائله، وكنت أتحين الفرصة لذلك منذ سنوات عديدة، لكن ضيق الوقت لم يسعفنِ حتى يسرّ الله لي هذا الأمر في هذه الأيام، حيث أضفت له من المباحث المهمة التي لا بُدّ لطالب العلم من دراستها ومعرفتها حتى تضاعف الكتاب عَمّا كان عليه.
ومما زدت فيه:
فصّلت الكلام في الاعتماد على النقل المتوارث في مدرسة الكوفة.
وبيّنتُ وظائف المجتهدين على اختلاف أنواعهم.
وعرضتُ التقسيم الزماني لطبقات المجتهدين عبر التاريخ إلى يومنا، وأبرز أعمال كل طبقة من طبقاتهم.
وذكرتُ الفرق بين التعصب والتمذهب.
ووضحتُ مدرسة الفقهاء الحديثية واختلافها عن مدرسة المحدثين، وبماذا تميزت.
وفصّلتُ الكلام في أنَّ الخلاف بين الفقهاء أصولي لا غير، ويرجع إلى أصول الاستناط وأصول البناء وأصول التطبيق.
وتكلمتُ عن الفقه المقارن وفقه الاختلاف وفقه الخلاف والفرق بينها، ووقت دراستها.
وحقّقتُ أنَّ لمقاصد الشريعة أنواع متعددة ينبغي للطالب أن يعرفها ويتعامل معها، لا يقتصر على مقاصد الغايات للشريعة فحسب.
وأظهرتُ طريقة تكوين القواعد الفقهية وكيفية الاستفادة منها، مع عرض لأبرز القواعد.
وقسمتُ الكتب على ثلاثة طبقات: معتمد ومقبولة ومردودة، ومثلت على كل منها.
وشرحتُ منظومة ابن عابدين في قواعد الإفتاء: «عقود رسم المفتي» شرحاً موجزاً، يُنقح كثيراً من مباحثها.
فهذه ما أضفت للكتاب من مواضيع جديدة بالإضافة إلى تحرير وتحقيق مباحثه السابقة، ومنها:
بيان المعنى اللغوي والاصطلاحي للفقه والتطوّر الدّلالي له والألفاظ ذات الصلة به والشُّبه التي اعترته ودفعها.
وإظهار خصائص الفقه وموضوعه ومجالاته وثمرته وفضله وحكم تعلمه.
وتبيين أطوار الفقه ومميزات العصر النبوي ومظاهر عصر الصحابة.
وإقامة الأدلة على سقوط نظرية قسمة الفقهاء إلى أهل رأي وأهل حديث في عصر التابعين وأئمة الدين.
وعرض لأبرز الأمصار العلمية من الكوفة والمدينة والشام والبصرة ومكة واليمن ومصر والتسلسل التاريخي للفقه فيها.
والترجمة المفصَّلة لأحول أئمة الفقهاء الكبار كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وبيان أصولهم ودفع الشبه عنهم.
وذكر أسباب تقليد المذاهب الفقهية الأربعة.
والتنويه بأهمية الالتزام بالمذاهب الفقهية.
وتصحيح الفهم لمقولة الشّافعيّ: إذا صَحّ الحديث فهو مذهبي، وتوجيه الكلام فيما ورد من نهي الأئمة عن تقليدهم.
وتوضيح قواعد المفتي والمستفتي.
والتفصيل في تدوين الفقهاء من عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين وأئمة الدين، ثم في كل مذهب على حدة ببيان التسلسل لتأليف الكتب فيه.
وختمت بذكر نصيحة لكيفية قراءة كتب الفقه وفهمها.
وأسأل الله تعالى أن يكون الكتاب بهذه الحلة نافعاً لدارس الفقه الحنفي خاصّة، وللفقه الإسلامي عامّة؛ لما اشتمل عليه من فصول ومباحث ومطالب لا غنى له عن معرفتها وفهمها.
وأسأله تعالى أن يتقبّله ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، ويرزقني الإخلاص في القول والعمل، ويهديني إلى صراطه المستقيم، ويتجاوز عنّي فيما أقترفه في السرّ والعلن، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح أبو الحاج
في صويلح/ عَمان
22 - 1 - 2015 م
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى:
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونُصلي على رسوله المصطفى الكريم، المبعوث بالشرع القويم لهداية العالمين، وعلى آله وصحابته الغرِّ الميامين المنقادين لأوامره والسائرين على طريقه العظيم، وعلى التابعين لهم بإحسان من العلماء العاملين، المحافظين على دينه ونهجه المستقيم إلى يوم الدين.
وبعد:
فإنَّ من أهم المهمات في هذا الزمان، أن تصحح كثير من المفاهيم الإسلامية في مختلف مناحي الحياة بسبب الغربة الدينية التي نعيشها؛ لسيطرة الكفار وانتشار الغزو الفكري الذي خيم على حياتنا.
ومِنْ أبرز هذه المفاهيم التي حصل خلط وخبط كبير في فهمها: هو الفقه الإسلامي الذي حكم به المسلمون وارتضوه طوال خمسة عشر قرناً في حياتهم كافة، فكان يواكب ما يجدّ عليهم من أحداث، ويقدم لهم الحلول الشرعية في كل مشكلاتهم العبادية والاجتماعية والمالية؛ إذ كانت نظرتهم إلى الفقه نظرة تسليم
وتوقير واحترام وتقدير؛ لثقتهم بعلم وتقوى أئمته، وأنَّهم نصبوا أنفسهم لتتبع الأحكام الشرعية من أدلته التفصيلية بكل أمانة وورع.
وهذه النظرة من أهل الإسلام لدينهم كانت تغيض أعداءهم، وتعيق تمرير أفكارهم وسلوكياتهم بين المسلمين؛ لذلك قام الاستعمار بزعزعة ثقة الناس بالفقه وأئمته؛ بالتشكيك في استمداده من أدلته، حتى وصل الأمر بهم إلى اعتباره أقوال رجال، ووجهات نظر، ونحن غير ملزمين بها وبتطبيقها.
وأخذت حركة الإصلاح في الأزهر على عاتقها الترويج لهذا الفكر والدعوة إليه، ومِنْ ثم تأثرت كليات الشريعة في العالم الإسلامي به؛ لأنَّها أُنشئت على غرار الأزهر، وجمهرة من أساتذتها هم من خريجي الأزهر.
لذلك فإنَّ كتب المدخل للفقه تصوّر الفقه بمفهومه المعاصر بعد حركة الإصلاح، ولا تعطي صورة حقيقية عن حقيقة الفقه الإسلامي الذي عرفه المسلمون في تاريخهم الطويل واعتزوا به، وهذا ظلمٌ واعتساف لا يرضاه أهل الإنصاف؛ لأنَّه كما هو معلومٌ أنَّ صلاح آخر هذه الأمة لا يكون إلا بما صلح به أوَّلها، وكان صلاح أوَّلها بالفقه بصورته المعروفة لديهم من الالتزام الفقهي، لا بصورته الحالية؟!
فكان من الواجب علينا التَّنبيه والتَّحذير من الانحراف الذي حصل في المنهج، والسَّعي إلى إعادة الأمور إلى سابق عهدها باعتدال يُقِرُّ به أصحابُ العقل السَّليم والفطرة القويمة؛ لأنَّه ليس من العدل أن نقذف المتأخرين من علماء الأمة الأفذاذ في القرون العشرة الأخيرة في زمن دولة الإسلام وعزته بجمود القرائح
والتقليد الأعمى، ونعتبر عصرنا عصر نهضة علمية وفقهية ونحن في زمن غابت فيه الخلافة الإسلامية وسيطر الاستعمار وانتشرت أفكاره وجُهر فيه بالفسق والمعاصي.
وليس من الإنصاف أن نتهم الصحابة - رضي الله عنهم - وعلى رأسهم عمر - رضي الله عنه - بتغيير شرع الله على حسب ما يريدونه، ونعتبر أنفسنا حرّاساً على الشّرع في إعادته إلى نصابه.
وليس من العدل أن نتهجَّم على الأئمة الفقهاء الأربعة - رضي الله عنه - وأن نتهمهم بترك الأدلّة في بعض مسائلهم، مع أنَّ الأمّة خضعت لهم وتلقت اجتهادهم بالقَبول؛ لعلم علمائها بأنَّهم كانوا أحرص النّاس على التزام النُّصوص الشَّرعيّة وفهمها كما فهمها مَنْ سبقهم من التّابعين والصَّحابة - رضي الله عنهم -، ونعتبر أنفسنا حُكّاماً على فقههم في رَدِّ ما نشاء منه بحجّةِ المخالفةِ للكتاب والسُّنة.
مع أنَّ المتابع لهؤلاء المحاكمين للأئمة يُلاحظ أنَّ أحدهم يعجز عن تخريج حديث من مظانه، حتى آل الأمر بسبب هذا الطعن إلى أن اعتمد جمهور من المسلمين في أحكام دينهم على كتب جمعت على هيئة غريبة عجيبة لم تعهد من قبل في التّلفيق بين المذاهب والتّرجيح بينها على حسب المصلحة العقلية المجرّدة، بعبارات إنشائية فيها تنقيص لعظماء الأمة وفقههم في مقابل رجال اشتهروا بالمخالفة والمنافرة والجرأة على دين الله تعالى.
وليس من الإنصاف أن نقسِّم الفقهاء إلى مدرستين: مدرسةُ أهل حديثٍ ومدرسةِ أهل رأي من غير حُجّة وبُرهان، ونعتبر أنَّ أهل الرّأي سموا بذلك؛
لقلّة الأحاديث بينهم، فهل يعقل أن نرمي هؤلاء الأعلام بدينهم وأنَّهم يتجرؤون على القول في دين الله من غير نصٍّ شرعيّ، ومِنْ ثمّ يكون لنا الحقّ في رَدِّ فقههم؛ لعدم استناد كثير منه إلى النُّصوص الشّرعيّة.
وليس من العدل أن نَحمل بعض الكلمات البريئة عن الأئمة: كقولهم: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، ونعتبرها طعناً فيهم وفي فقههم وفيمن قلدهم، فنرد كثيراً من أقوالهم بسببها، مع أنَّه ألفت كتب خاصة في بيان معناها، ونَقَلَ هذه العبارات كبار الفقهاء والمحدثين إلينا دون أن يحملوها على ما حملناها عليه.
وليس من الإنصاف أن ننظر إلى الفقه على أنَّه وجهات نظر، يحقّ لنا أخذ ما شئنا منه ونترك ما شئنا بغير حجة؛ لأنَّ هذا فتح لباب التلاعب والمزاجية في الشريعة، فمِنْ متى كان الفقهاء مُشرِّعين؛ إذ من المعلوم أنَّ المشرع هو الله تعالى فقط، والفقهاء عبارة عن مبينين لحكم الله - جل جلاله - ومراده لا غير، فكل منهم يجتهد لتحقيق ذلك بقدر وسعه، أما اعتبار الفقه أقوال رجال، وكل مسألة لا يوجد فيها آية أو حديث صريح نعتبرها مجرد قول لا قيمة له، فهذا عجيبٌ؛ لأنَّ جلَّ المسائل الفقهية مأخوذة من عمومات القرآن والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -، وليس بشرط أن يوجد نصّ في كل منها، ولو كان نص في كل مسألة لما احتجنا للفقه، ولكنا مكتفيين بالأحاديث فقط، ولا عاقل يقول بذلك؛ لأنَّ الأحاديث محدودة جداً والمسائل الفقهية غير متناهية.
وهذا المذكور من الظلم وعدم الإنصاف الواقع على علمائنا وفقهائنا وأئمتنا غيض من فيض، وقد نبهتُ على كثير منه في هذا الكتاب، وليس لي مقصد
من هذه الدراسة إلا مخاطبة العقول النابغة والقلوب الحية في إقرار الحقّ، وإنزال الفقه وأهله منزلته المرموقة.
وسيجد القارئ الكريم ما يشفي وما يروي في فهم التّسلسل التّاريخي للفقه كما فَهِمَهُ أهله السّابقون واللاحقون، وسيتضح له التّدرج المرحليّ الذي مرَّ به الفقه إلى أن بُني منه هذا الصَّرح العظيم الذي نُباهي به الدنيا، فنجد أنَّ أهل القانون في المؤتمرات الدولية يعترفون بمكانته، ويقرون باعتباره أحد المصادر في استقاء القوانين في دولهم.
كما أنَّه سيعلم الأسباب التي أدت بالأمة إلى تقليد المذاهب الأربعة دون سواها، وأنَّ هذا كان من حفظ الله تعالى لدينه من التحريف والتبديل، كما صرّح بذلك جمع من الفضلاء، وسيقف على أهمية هذا التقليد مع الحجج والبراهين الساطعة عليه.
وسيعرف الكتب المعتمدة في المذاهب وغير المعتمدة، وأسباب عدم اعتبار الكتب، وكيفية الأخذ من الكتب غير المعتبرة، بالإضافة إلى الوقوف على اصطلاحات الفقهاء في كتبهم، مع معرفة قواعد عامة في التفقه وفهم المسائل واستنباطها من أصولها وغير ذلك مما فصلته في هذا الكتاب؛ إلا أنَّه لما كانت المسائل المعروضة في هذه الدراسة كثيرة اقتصرت على الأهم فالأهم منها، مع التركيز على المذهب الحنفي؛ لأنَّ التّوسع والتفصيل فيها في كل المذاهب، وفي عرض المباحث والفصول بما تستحقه من البيان والتوضيح سيحتاج إلى مجلدات، وهذا يخالف المقصد من تأليف المادة لتدريسها في كلية شريعة كمدخل للفقه الإسلامي، وما لا يدرك كله لا يترك كله.
وفي الختام أسأل الله - عز وجل - أن يتقبّل منّي هذا العمل، ويجعله خالصاً لوجه الكريم، ويرزقني الإخلاص في القول والعمل، ويغفر لي ولوالدي وأجدادي وشيوخي وزوجاتي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
في يوم الاثنين 28/رجب/1425 هـ
الموافق 13/أيلول/2004 م
عمان/صويلح
الفصل التمهيدي
المفاهيم والمقدمات
أهداف الفصل التمهيدي:
يتوقع من الطالب بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادراً على:
أولاً: الأهداف المعرفية:
1. أن يُعرِّف الفقه لغةً واصطلاحاً، ويفرق بين المعنى الاصطلاحي للفقه عند الفقهاء وبينه عند الأصوليين.
2. أن يبيِّن أقسام الأحكام الشرعية العملية ويفرِّق بينها.
3. أن يعرِّف الدِّين والشريعة والتشريع والاجتهاد، ويبيِّن صلتها بالفقه، ويرد على الشبه التي تثار حولها.
4. أن يعدد خصائص الفقه الإسلامي.
5. أن يبيِّن موضوع علم الفقه، ومجالاته، وثمرته، وفضله، وحكم تعلمه.
ثانياً: الأهداف المهارية:
1. أن يطبق الفقه في حياته العملية؛ كي يفوز بالسعادتين في الدنيا والآخرة.
2. أن يتعلم ما يلزمه في حاله مما يقع له من مسائل.
ثالثاً: الأهداف الوجدانية:
1. أن يعتز بالدين الإسلامي، ويقدِّر دور الفقهاء السابقين في بناء هذا العلم العظيم والجهود التي بذلوها لنشره، ولا يتأثر بالغرب ولا ينبهر بحضارتهم.
2. أن يُقدِّر مكانة علم الفقه، ويدرك فضل تعلمه، ويَرغب في دراسته والتبحر فيه، فهو تراث فاخر لهذه الأمة تستعلي به على الأحكام الوضعية.
المبحث الأول
تعريف الفقه
المطلب الأول: المعنى اللغوي:
قال الفراهيديّ: «فَقِهَ يفْقَهُ فِقْهاً، إذا فَهِمَ» (¬1).
وقال ابن فارس: «فقه: الفاء والقاف والهاء أصلٌ واحد صحيح، يَدُلُّ على إدراكِ الشّيء والعلم به» (¬2).
وقال ابن منظور: «الفقه: العلمُ بالشَّيء والفَهْمُ له» (¬3).
وقال الكفويّ: «الفقه: العلم بغرضِ المُخاطبِ من خِطابه» (¬4).
وقال الرَّمليّ: «فَقِهَ بكسر القاف، إذا فَهِمَ، وبفتحها إذا سبق غيره إلى الفَهِم، وبضمها إذا صار له سَجية» (¬5).
¬
(¬1) العين 2: 70، وينظر: مفردات القرآن ص 398.
(¬2) معجم مقاييس اللغة 4: 442.
(¬3) لسان العرب 5: 3450.
(¬4) الكليات ص 67.
(¬5) ينظر: رد المحتار 1: 25 - 26، وغيره.
فالحاصلُ من كل ما تقدم أنَّ الفقه: هو الفهم مطلقاً، فهو ما يَدُلُّ على إدراكِ الشّيء، والعلم به، والفهمِ له، والعلمِ بغرض المخاطب من خطابه: أي فهم غرض المتكلم من كلامه، وقد وردت آيات عديدة فيه، منها:
قوله - جل جلاله -: {فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} النساء: 78.
وقوله - جل جلاله -: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} الأنعام: 25.
وقوله - جل جلاله -: {قَالُواْ يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ} هود: 91.
وأمّا تخصيصه بفهم الأشياء الدقيقة كما ذهب إليه الشيرازي (¬1)، فخلاف الصّواب، كما صرَّح به الأسنوي (¬2)، والآمدي (¬3) والمرداوي (¬4)، ويؤيِّده ما سبق نقله من معاجم اللغة.
المطلب الثاني: التطور الدلالي:
يُشَّبه علماء اللغة الألفاظ والمفردات بالكائن الحيّ من حيث الولادة والنّشوء والهرم والموت، فالألفاظ يعتريها التطور والتغيير من وقتٍ إلى آخر،
¬
(¬1) في شرح اللمع في أصول الفقه ص 157.
(¬2) ينظر: نهاية السول في شرح منهاج الأصول للبيضاوي 1: 8، وغيره.
(¬3) في الإحكام 1: 22.
(¬4) في التحبير 1: 153، وقال السبكي في الإبهاج 1: 28: «معنى الفقه بحسب اللغة ثلاثة أقوال: أحدها: مطلق الفهم، والثاني: فهم الأشياء الدقيقة، والثالث: فهم غرض المتكلم من كلامه».
وهذا ما نجده في كثير من الألفاظ الشرعية، إذ نقلت دلالتها اللغوية إلى مصطلحات شرعية لا يعرفها العرب.
ومن هذه الألفاظ كلمة: «فقه»، فقد أصابها ما أصاب أخواتها من الألفاظ في حصول التطور الدلالي لها، إذ نقلت من المعنى اللغوي: وهو الفهم مطلقاً، إلى معنى اصطلاحي.
وهذا المعنى الاصطلاحي اعتراه التطور؛ إذ كانت في صدر الإسلام تحمل معنى شمولي لمفردات الدين من عقائد وفروع وتصوف وغيرها (¬1)، وهذا الموافق لقوله - جل جلاله -: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} التوبة: 122، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يُرد الله به خيراً يفقه في الدين» (¬2).
وبعد توسّع رقعة الإسلام، ودخول أفواجٍ من غير أقوام العرب في الإسلام، ظهرت في الأمة أفكارٌ جديدة، فاحتاجت الأمة إلى فرز العلوم بعضها عن بعض وإطلاق الأسماء المتنوعة على تلك المسميات، وخصصت كلمة: «فقه»، على العلم بفروع الدين، فأصبح خاصاً بهذا المعنى بعد أن كان شاملاً للمفردات كلَّها.
¬
(¬1) ينظر: موسوعة الفقه الإسلامي المصرية 1: 9، وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري1: 37، وصحيح مسلم2: 718، وسنن ابن ماجه1: 80، وغيرها.
المطلب الثالث: المعنى الاصطلاحي:
إنَّ أصحابَ كلّ علم ينظرون إلى المعنى اللغوي والشرعي من الجانب الذي يخدم علمهم؛ لذلك وجدنا الأصوليين والفقهاء اختلفوا في تعريف الفقه اصطلاحاً، فالأصوليون اتجهتْ عنايتهم إلى بيانِ مفهومِ الفقه في اصطلاحهم بالمعنى الوصفي: أي الحالُ التي إذا وجِدَ عليها المرءُ سمِّي فقيهاً، ولم يعرضوا لمعناه الإسمي: أي المسائل والأحكام التي يُطلقُ عليها اسم الفقه (¬1).
فعرَّفه الإمام أبو حنيفة: معرفةُ النَّفسِ ما لها وما عليها عملاً.
ولفظ: عملاً زاده أصحابه؛ لِتخرجَ الاعتقادات والوجدانيات، فيخرج الكلام والتَّصوف.
والمعرفة: إدراكُ الجزئياتِ عن دليل.
ومعنى ما لها وما عليها: ما يجوز لها، وما يحرم عليها، فيشملان جميع الأصناف (¬2).
وعرَّفه الأصوليون بتعاريف كثيرة، أشهرها: العلم بالأحكام الشَّرعيَّة العملية المكتسب من أدلتها التَّفصيليَّة (¬3). وهو منقول عن أصحاب الإمام الشافعي.
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 10، وغيرها.
(¬2) التوضيح 1: 10 - 11. وينظر: حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار ص 10.
(¬3) ينظر: نهاية السول 1: 22، وحاشية قمر الأقمار على كشف الأسرار على المنار 1: 2، والتعريفات ص 147، والمستصفى 1: 4، والدر المختار 1: 26 - 27، وفواتح الرحموت بشرح مُسَلَّم الثُّبُوت 1: 12، والكليات ص 690، والميزان الكبرى 1: 107، وأصول الفقه الإسلامي للزحيلي 1: 19، وأصول الفقه تاريخه ورجاله ص 10، وعلم أصول الفقه لخلاف ص 11، ومحاضرات في أصول الفقه لفاضل شاكر ص 4، وأصول الفقه الاسلامي لبدران أبو العينين ص 25، وأصول الفقه لمحمد الطاهر النيفر ص 2، وغيرها.
فالأدلة التفصيلية: هي الأدلة الجزئية التي يتعلّق كلّ دليل منها بمسألة معيّنة وينصُّ على حكم خاصّ بها (¬1): كقوله - جل جلاله -: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ} الأنعام: 151، فهي دليل جزئي يتعلّق بحكم قتل النفس بغير حق.
وخرج بالأحكام: العلم بالذوات والصفات والأفعال.
وخرج بالشرعية: العقلية, والمراد بها ما يتوقف معرفتها على الشرع.
وخرج بالعملية: العلميّة, ككون الإجماع وخبر الواحد حجة (¬2).
والأحكام الشرعية العملية: هي التي تتعلّق بأفعال المكلّفين من العبادات والمعاملات، وهي:
1.الفرض: وهو إن كان الفعل أولى من الترك مع منع الترك الثابت بدليل قطعي. وحكمه: أنَّه يعاقب تاركه إلا أن يعفو الله عنه.
2.الواجب: وهو إن كان الفعل أولى من الترك مع منع الترك الثابت بدليل ظني. وحكمه: أنَّه يعاقب تاركه إلا أن يعفو الله عنه.
¬
(¬1) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص55، وغيره.
(¬2) ينظر: البحر المحيط 1: 34، والتقرير والتحبير 1: 19، وشرح الكوكب المنير ص11، وحاشية العطار 1: 52، وغيرها.
والفرق بين الفرض والواجب: أنَّ الفرضَ لازم علماً (اعتقاداً) وعملاً، حتى يكفر جاحده، والواجب لازم عملاً لا علماً, فلا يكفر جاحده، بل يفسق إن استخفّ بأخبار الآحاد غير المؤولة, وأمّا المؤولة فلا.
3.السنة: وهو إن كان الفعل أولى من الترك بلا منع الترك، وهذا إذا كان الفعل طريقة مسلوكة في الدين، وإلا فنفل ومندوب. وحكمها: أنَّ السنة نوعان:
أ. سنّةُ الهدى: وتركُها يوجب إساءة وكراهية: كالجماعة والأذان والإقامة ونحوها.
ب. سنّةُ الزّوائد: وتركها لا يوجب ذلك: كسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - في طعامه وشرابه ولباسه وقيامه وقعوده.
4.الحرام: وهو إن كان الترك أولى من الفعل مع منع الفعل الثابت بدليل قطعي. وحكمه العقاب على فعله.
5.المكروه: وهو إن كان الترك أولى من الفعل مع منع الفعل الثابت بدليل ظنيّ. وحكمه: أنَّ المكروه نوعان:
أ. مكروه كراهة تنزيه: وهو إلى الحل أقرب.
ب. مكروه كراهة تحريم: وهو إلى الحرمة أقرب.
6.المباح: وهو ما استوى فيه الفعل والترك (¬1).
¬
(¬1) ينظر: التوضيح 2: 248 - 251، وانظر: فواتح الرحموت 1: 57، وغيره.
وعرَّف الفقهاء الفقه: بأنَّه علم يبحث فيه عن أحوالِ الأعمالِ من حيث الحلِّ، والحرمةِ، والفساد، والصِحة (¬1).
ويطلق على: حِفظ جملة من الفروع (¬2).
ويطلق أيضاً على: مجموعة من الفروع (¬3).
وبالتالي يكون الفقيه عند الأصوليين هو المجتهد؛ لأنَّ الفقه في الأصول: علم الأحكام من دلائلها ... ، فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم، وإطلاقه على المفتي المُقلِّد الحافظ للمسائل مَجاز، لكن صرح الأصوليون بأنَّ الحقيقة تترك بدلالة العادة، وحينئذٍ فينصرف كلام الواقف الموصي للفقهاء إلى ما هو المتعارف في زمنه؛ لأنَّه حقيقة كلامه العرفية، فتترك به الحقيقة الأصلية، ويكون حقيقة في عرف الفقهاء، وهو المفتي.
وتكلّموا في المقدار الأدنى الذي يجب أن يحفظه الشخص حتى يطلق عليه لقب: الفقيه، وانتهوا إلى أنَّ هذا متروك للعرف، ونستطيع أن نقرّر أنَّ عرفنا الآن لا يطلق لقب: فقيه، إلا على مَنٍ يَعرف موطن الحكم من أبواب الفقه المتناثرة بحيث يسهل عليه الرجوع إليها (¬4).
¬
(¬1) ينظر: حاشية الخادمي على شرح الدرر ص3، وغيره.
(¬2) الدر المختار 1: 26 - 27، وعند أَهل الحقيقة الجمع بين العلمِ والعمل، لِقول الحسن البصريّ: إنَّما الفقيه المعرض عن الدنيا الزاهد في الآخرة، البصير بعيوب نفسهِ.
(¬3) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 55، وغيره.
(¬4) ينظر: رد المحتار 1: 26، وحاشية الخادمي ص3، والموسوعة الفقهية الكويتية 1: 14، والمنهج الفقهي للإمام اللكنوي ص20 - 21، وغيرها.
المطلب الرّابع: ألفاظ ذات صلة بالفقه:
1. الدِّين: وهو الطاعة لله فيما أمر به من الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح والخلق القويم. أو وضع إلهيّ سائق للبشر إلى ما هو خيرٌ لهم في الدارين (¬1).
فالفقه على معناه الأول: هو معرفة جميع جوانب الدين، وعلى المعنى الاصطلاحي هو معرفة الجانب العملي من الدين، وهو العمل؛ قال - جل جلاله -: {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ} التوبة: 122، وبالتالي فالفقه جزءٌ مِنَ الدين.
2. الشرع: وهو ما سنَّه الله لعباده من أحكام عقائدية أو عملية أو خُلقية (¬2)؛ قال - جل جلاله -: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} الشورى: 13.
وهو بهذا المعنى مرادف للدين، فيكون الفقه جزءٌ مِنَ الشرع.
3. الشريعة والشِرعة: لغةً: العتبة، ومورد الشاربة. واصطلاحاً: لها معنى الشرع، قال - جل جلاله -: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون} الجاثية: 18، وقال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} المائدة: 48، فيكون الفقه جزء مِنَ الشريعة والشرع.
وشاع في عصرنا الحاضر إطلاق لفظ الشريعة على الأحكام الفقهية، حتى سُمِّي قسم الفقه وأصوله في بعض الكليات المتخصصة لدراسة العلوم الإسلامية
¬
(¬1) ينظر: مقالات الكوثري ص 179.
(¬2) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 16.
بقسم الشريعة، فالمقصود منها هاهنا هو المعنى الاصطلاحي للفقه، في حين كثر تسمية الكليات التي تدرَّس فيها هذه العلوم الإسلامية بكليات الشريعة، وهذا على المعنى العام للشريعة، ومبدأ هذه التسمية كان في مدرسة الحقوق في مصر، ومِنٍْ ثم انتقل إلى غيرها (¬1).
4.التّشريع: هو خطاب الله تعالى المتعلق بالعباد طلباً أو تخييراً أو وضعاً.
ومِنْ هنا ينبغي أن يعلم أنَّه لا حق في التشريع إلا لله وحده؛ لقوله - جل جلاله -: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِين} الأنعام: 57، فليس لأحد ـ كائناً مَنْ كان ـ أن يُشرِّع حكماً, سواء في ما يتّصل بحقوق الله أو حقوق العباد؛ لأنَّ هذا افتراء على الله، وسلبٌ لما اختصّ به نفسه: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُون} النحل: 116، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ مع علو مكانته ـ ليس له حَقّ التّشريع وإنَّما له حَقّ البيان، وعليه واجبُ التّبليغ؛ قال - جل جلاله -: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} المائدة: 67، وقال - جل جلاله -: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون} النحل: 64، وقال - جل جلاله -: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} النحل: 44 (¬2)، وهذا الخطاب من الله - عز وجل - شامل للعقائد والأعمال والسلوكيات، فيكون الفقه جزء من التشريع.
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية المصرية 1: 13، وغيرها.
(¬2) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 17 - 18، وخصائص التشريع الإسلامي ص17 - 18.
5.الاجتهاد: بذلُ الطّاقة من الفقيه في تحصيل حكمٍ شرعيٍّ ظنيٍّ (¬1).
وهو بذلك موافقٌ للمعنى الاصطلاحي عند الأصوليين إن كان الاجتهاد بطريق من الكتاب والسُّنّة، وإن كان الاجتهادُ بطريقِ التَّخريج والتَّرجيح والتَّمييز والتَّقرير للأحكام، فهو موافقٌ لما عند الفقهاء.
المطلب الخامس: دعاوى وردّها:
معلومٌ أنَّ المسلمين في هذا العصر يعيشون في ذلَّة وهوان انعكست على مناحي حياتهم بما فيها الجانب الفكري عند علمائهم، فضعفت النفوس وفقدت عزَّتها بالإسلام، ورأت كلّ ما لدى أعدائها حقّ وصواب، فتسابقت لتقليده ومتابعته، والدين بأحكامه المعروفة الثابتة ينكر على أهله مسايرة غيرهم ولا يرضى إلا بالشخصية المستقلة له، فسعى الساعون لتحقيق مآربهم ومقاصدهم في نبذ أحكام الشَّرع القويم بإلصاق الشُّبه والفهم الخاطئ لهذا الدِّين؛ ليتفلتوا من أحكام الإسلام، وممَّا ذكروا:
الأول: أنَّ الفقه آراء لبعض العلماء ولا يعتبر الخروج عليه خروجاً على الشريعة؛ لذلك أجازوا لأنفسهم الخروج عن الأحكام الشرعية بحجّة الاختلاف أو عدم وجود نصّ جازم أو غير ذلك.
وهذه مغالطة عظيمة يجاب عنها بما يلي:
1.إنَّ الخروج عن الفقه هو خروج عن الدين؛ لأنَّ الفقه هو جزء من الدين ـ كما سبق ـ.
¬
(¬1) ينظر: مسّلم الثبوت 2: 362.
2.إنَّ الفقه حاله كباقي العلوم من الطّبِّ والهندسة هو اجتهاد العلماء، وترك أقوال الأطباء والمهندسين هو تركُ للطب والهندسة، فكذلك ترك أقوال الفقهاء هو تركٌ للفقه، بل الفقهُ أعلى رتبةً؛ لأنَّ أصلَه مبنيٌّ على القرآن والسُّنة، بخلاف باقي العلوم فهي اجتهاداتٌ خالصة.
3.إنَّ دور الفقيه لا يتجاوز استخراج واستنباط وبيان الأحكام من الكتاب والسنة بفهمه القويم، قال الكوثري (¬1): «أحكام الشرع هي ما فَهمه الصحابة والتابعون وتابعوهم من كتاب الله وسنة رسول - صلى الله عليه وسلم - على موجب اللسان العربي المبين، وعمل الفقهاء إنَّما هو الفهم من الكتاب والسنة، وليس لأحد سوى صاحب الشرع دخل في التشريع مطلقاً، ومَنْ عدَّ الفقهاء كمشرِّعين وجعلهم أصحاب شأن في التشريع، فقد جهل الشرع والفقه في آن واحد، وفتح بجهله باب التَقوّل لأعداء الدين.
وأما المتأخرون من الفقهاء، فليس لهم إلا أن يتكلموا في نوازل جديدة لا أن يُبدوا آراء في الشرع على خلاف ما فَهمه من النصوص رجال الصدر الأول الذين هم أهل اللسان، المطَّلعون على لغة التخاطب بين الصحابة قبل أن يعتريها تغيير وتحوير، والمتلقون للعلم عن الذين شهدوا الوحي، فما فهموه من الشرع فهو المفهوم، وما أبعدوه عن أن يكون دليلاً بعيد عن أن يتمسك به، وإنَّما الكلام فيما لم يتكلموا فيه أو اختلفوا في حكمه».
¬
(¬1) في مقالته: (شرع الله في نظر المسلمين) من مقالاته ص184.
4.إنَّ هذه الآراء لا بُدَّ أن تكون معتمدة على نصٍّ شرعيٍّ من كتاب الله - عز وجل - أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى إنَّ الآراء المعتمدة على الإجماع والقياس وغيرها من الأدلة المساندة لا بُدَّ أن ترجع إلى كتاب الله - عز وجل - أو سُنّة رسوله، فالإجماع مثلاً لا بُدَّ أن يكون له سندٌ من نصّ قرآنيّ أو سنّة مقبولة, والأحكام النابعة من القياس لا بُدَّ أن ترجع إلى أصلٍ من الكتاب أو السّنة؛ لأنَّ القياس: هو إلحاقُ مسألةٍ لم يرد فيها نصٌّ بمسألةٍ أُخرى ورد فيها نصٌّ؛ لإثبات حكم شرعيّ لجامع بينهما, وهذا الجامع هو العلة، وهكذا (¬1).
5.إنَّ إرادةَ الله - جل جلاله - اقتضت أن تكون غالبيّة الأحكام الفقهيّة ظنيّة ومَحلّ اجتهاد لأهل النّظر؛ إذ أنَّه سبحانه تعبّدنا فيها باجتهادات الفقهاء ولم يخص كلاً منها بنصٍ من عنده، فلو لم تكن ممثلة للشرع لما كان هذا، ويبدو للمتأمل حِكَمٌ من ذلك، منها:
أ. أنَّه لو وجد نصٌّ في كل مسألة فقهية لعظم حجم القرآن أو السنة بصورة يصعب حفظها.
ب. أنَّ كثيراً من المسائل الفقهية متغيّرة ومستجدّة على حسب الزمان والمكان، فلو ذكرت النّصوص مفصّلة؛ لكانت سبباً للطَّعن في القرآن والسُّنّة، فمثلاً وجد في زماننا الطائرات والسيارات والاتصالات، فلو ذكرت أحكامها في العصور الأولى التي لا يتصور أمثال هذه الأشياء لكانت مطعنة كبيرة في الشرع.
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 20 - 21، وغيرها.
ولذلك كانت الأحكام التي هي أساس الدين، سواء ما يتصل منها بالعقيدة أو الأمور العملية قد وردت فيها آيات محكمة؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون هذه الأمور ثابتة على مرِّ العصور: كأكثر أحكام المواريث, وأصول أحكام الأحوال الشخصية، وآيات الحدود والقصاص.
أما المسائل القابلة للتطور، فقد جاء القرآن الكريم في شأنها موضحاً الخطوط الرئيسة, وكانت محلاً لاختلاف الأنظار، واختلاف النظر إذا لم يكن مبنياً على الهوى والتشهي فهو رحمة للأمة، ومع ذلك لو جاءت النصوص الشرعية كلها قطعية لقال قائلهم: هلا كان لنا مجال للاجتهاد حتى لا تجمد عقولنا, ونصبح أمام نصوص جامدة (¬1).
وهذه الشُبهة أثارها المصلحون للأزهر الحديث، وتبعهم مَنْ تبعهم (¬2)، وحقيقتها التَّفلت من أحكام الشرع؛ إذ أنَّ غالبَها مبنيٌّ على الاجتهاد والنظر، ولله المشتكى.
الثاني: إنَّ الفقه غير الدِّين، فإن خالفوا شيئاً من الأحكام الفقهية فإنَّهم لا يخالفون الدِّين.
ويتأتى الكلام في دحض الشبهة السابقة في ردِّ هذه الفرية، وإنَّما خصصتها بالذكر؛ لئلا يعلق بالذهن أنَّها مختلفة عنها، ولأضيف على ما سبق ما قاله
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 19.
(¬2) ينظر: مقالات الكوثري ص178 - 179، والموسوعة الفقهية المصرية 1: 13، وغيرهما.
الكوثري (¬1): «أم أيّ صاح يستسيغ أن يفوه بأنَّ الفقه غير الدين في كتاب الله، يغايره ويباينه مطلقاً مفهوماً وصدقاً وتحققاً؛ ليستبيح بذلك انتهاك حرمة الفقه في الدين، مع أنَّ الفقه ما هو إلا معرفة الدين، فلا تُتصوّر مغايرة علم الدين للدين، ولا مخالفة العلم لمعلومه إلا عند مَنْ لا يميّز بين الأشخاص فضلاً عن المعاني بغفوته، ولا بين المقدم والمؤخر ببالغ غفلته ... أم يمكن أن يرى عاقل تنافي الشيء والعلم به؛ ليمكنه إنكار فقه الدين مطلقاً بدون إنكار الدين، وهذا مبدأ إليه المنتهى في السخف».
فهذا تأكيدٌ على أنَّ الفقه جزءٌ من الدين، فهما شيءٌ واحد، ولا يتصوّر أن يكون الفقهُ مخالفاً للدين فيخالف الشيء نفسه إلا عند غير العقلاء.
الثالث: إنَّ الفقه الإسلامي لم يعالج مشاكل العصر وما جدَّ من أحداث.
إنَّ هذه دعوى كذَّبها التاريخ؛ لأنَّ هذا الفقه حكمت به دول وشعوب مختلفة في مشارق الأرض ومغاربها على مدى تاريخ الإسلام، ولم يعجز عن إيفاء حاجاتها من الأحكام وتنظيم أمورها وتسيير حياتها على أروع صورة، ولولا إبعاد هذا الفقه عن حياة المسلمين بقصد أو بغير قصد لما وجدنا مشكلة استعصت عليه حلّها.
ومع ذلك فإنَّ المتابع لأهل العلم والفضل يجد أنَّهم بيَّنوا حكم الإسلام في كلّ ما جدَّ من مسائل في هذا العصر، وأنَّه الحلُّ المناسب لكثير من الاضطراب والظلم الواقع بسبب تطبيق غيره من القوانين.
¬
(¬1) في مقالته: (الدين والفقه) من مقالاته ص 178 - 179.
الرّابع: إنَّ الفقه أصبح تاريخاً كتشريع الآشوريين وقدماء المصريين وغيرهم من الأمم البائدة.
ويُجاب عنه بما يلي:
1.إنَّ هذا القول لا يُعبر به قائله إلا عن هوى في نفسه، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى مخلف ظنّه, فقد رأينا أنَّ الكثرة من الشُّعوب الإسلامية تُنادي بوجوب الرّجوع إلى شريعة الله - عز وجل - المتمثّلة في الفقه الإسلامي، والذي سيصبح تاريخاً ـ إن شاء الله ـ هو القانون الوضعي الذي لم يطل أمده في البلاد الإسلامية إلا قرناً أو أقل من قرن, ومع هذا فقد ضاقت به النفوس, ولم يبق مُتعلّقاً به إلا شرذمة ترى أنَّ حياتَها مرتبطةٌ بحياته, وسعة أرزاقها منوطةٌ ببقائه (¬1).
2.إنَّ الفقه الإسلامي اعتُرِفَ به في المؤتمرات الدولية للقانون، كما في مؤتمر لاهاي للقانون الدولي المقارن المنعقد في سنة 1938م، حيث قرر المجتمعون أنَّ الشريعة الإسلامية تعتبر من مصادر التشريع العام، وأنَّها شريعة حية مرنة قابلة للتطور، وأنَّها قائمة بذاتها ليست مأخوذة من غيرها، كما قرر مؤتمر المحامين الدولي المنعقد في لاهاي سنة 1948م القرار التالي: اعترافاً بما في التشريع الإسلامي من مرونة وما له من شأن هام، يجب على جمعية المحامين الدولية أن تقوم بتبني الدراسة المقارنة لهذا التشريع ... والتشريع عليها (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 22، وغيرها.
(¬2) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص9، وغيره.
المبحث الثاني
خصائص الفقه الإسلامي
1.الجزاء دنيوي وأخروي:
إنَّ الأهم من وضع القوانين هو العملُ بها، ففي الفقه يتحقَّقُ هذا المعنى، فالقوانينُ موضوعةٌ في الفقه، وهي دينٌ للمكلّف، فيحرص أن يطبقَها ويعملَ بها، ولا يتهرّب منها، وهذه ميزةٌ لا نظير لها عند غيرنا، فلو انتبهت لها الدول لَمَا وضعت قانوناً إلا من الفقه؛ ليلتزم النّاس تطبيقه؛ لأنَّ الفقه يربط دائماً بين الجزاء الدنيوي والجزاء الأخروي.
فليس معنى انفلات الشخص من الجزاء الدنيوي انفلاته من الجزاء الأخروي، وفي كلّ مسألة في الفقه نجد أنَّ الفقهاء تكلموا على الحكم التكليفي لهذا الأمر أحلال هو أم حرام؟ أفرض هو أم مندوب؟ كما تكلّموا على أحكامه الوضعية أصحيح هو أم غير صحيح؟ أنافذ هذا التصرف أم غير نافذ؟ ولذا رأينا المتدينين لا يهمهم أن يكسبوا قضية أمام القضاء إلا إذا ارتاحت ضمائرهم أنَّ هذا الحقّ الذي أثبته لهم القضاء حقٌّ مشروع.
بينما المشتغلون بالفقه الوضعي لا يهمهم إلا الحكم الدنيوي، حتى ولو
رفضه الشرع, ولذا يتفننون في الحيل التي يكسبون بها هذا الحقّ الدنيوي (¬1)، في حين أنَّ الفقه الإسلامي نظام روحي ومدني (¬2)؛ لجمعه بين أمور الدنيا والآخرة، فالمسلم يراعي فيما يصدر عنه من أفعال العاقبة عليها في الآخرة.
2.الشمول:
فهو ينظم علاقة الإنسان مع ربّه في العبادات، وعلاقته مع زوجته من زواج وطلاق ورضاع وحضانة وغيرها، وعلاقته مع غيره في المعاملات المالية المختلفة، كما في البيع والشركات والرهن والعارية والإجارة وغيرها، بخلاف القوانين الوضعية فإنَّها لا تشمل العبادات، ومن هذه الخاصية نستخلص أهمية الفقه الإسلامي.
3.المرونة والقابلية للبقاء:
فلا يتصف بالجمود والتحجر، وإنَّما يُراعي أحوال الناس ومعيشتهم في أحكامه، إلا أن يكون فيه انتهاك لحرمات الله ومخالفة لصريح قرآنه وسنَّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم -.
وتتجسّد قابليته للبقاء في ابتناء بعض أحكامه على العرف، وفي وجود القياس وغيره من الأُصول فيه التي تُمكّنه من استحداث أحكام شرعيّة لكلّ ما يطرأ من أمور في حياة المسلمين، فلا نجد فيه عجزاً عن الوفاء بحاجات النّاس، سواء في العصور الماضية أو الحاضرة أو في الدولة المتحضّرة أو النامية أو في المدن أو الأرياف، فكلٌّ يَستقي من ينبوعه الطيب.
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 22 - 23، وغيرها.
(¬2) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 56، وغيره.
4.الثبات في أحكامه:
إنَّ ما وقع عليه الإجماع من علماء الأمة يُعدُّ من الثوابت التي لا يجوز مخالفتها ولا العمل بغيرها: كحرمة الربا ولحم الخنزير والخمر والقمار وكشف العورات للنساء، وما كان مختلفاً فيه بين الفقهاء فالأمر فيه متسع.
فالثوابت: هي الأمور المجمع عليها، والمتغيرات: هي المختلف فيها؛ لأنَّ الحرامَ ما حرَّمه الله تعالى والحلال ما أحله سبحانه في أي زمان ومكان، والأحكام المتغيرة فيه هي المبنية على العرف، وهي لا تعدوا ما بينه الفقهاء من اختلاف النقود والأوزان من بلد إلى بلد، وكذا اختلاف البناء، وثبوت خيار الرؤية برؤية غرفة منه، وغيرها من الأحكام المفصَّلة في كتب الأشباه والنظائر، وليس في شيء منها عدّ عرف طائفة شرعاً مشروعاً.
أما تغيير كثير من الأحكام بناء على تغيّر المصلحة، ففيه ما فيه من الزيغ عن الدين؛ إذ فيه تقديم للمصلحة العقلية على المصلحة الشرعية وانتقاص لشريعة السماء؛ لأنَّ المصلحة الشرعية لا سبيل لمعرفتها إلا بالشرع، والمصالح المرسلة المذكورة في كتب الأصول وكتب القواعد مما لا نص فيه، فلا يتصوّر الأخذ بها عند مخالفتها للحجج الشرعية (¬1).
¬
(¬1) أول مَنْ فتح باب تقديم المصلحة على الشرع الطوفي الحنبلي، وتبعه مَنٍ تبعه من المعاصرين اغتراراً بعقولهم، وافتقاداً لعزّة الإسلام والثقة فيه، ورد على هذه الدعاوي أجمل رد الإمام الكوثري - رضي الله عنه - في مقالاته ص186 - 188، 340 - 348، والدكتور البوطي في ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية ص202 - 216.
5.التيسير ورفع الحرج:
فأحكام الفقه قائمة على ما في قدرة الإنسان ووسعه {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} البقرة: 286، فهو في تحريمه للربا وشرب الخمر وأكل الخنزير وغيرها من أحكامه لم يكلف العباد ما لا يطيقون، بل في كل ذلك تيسير ورفع للحرج عنهم، قال - جل جلاله -: {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} المائدة: 6، وقوله - جل جلاله -: {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} الحج: 78، وقوله - جل جلاله -: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة: 185.
فالشريعةُ مبنيّةٌ على التّيسير ورفع الحرج عن النّاس، وفي ترك أحكامها من ربا وخمرٍ وخنزيرٍ وقمارٍ وتبرجٍ وكذبٍ وغيبةٍ ولهوٍ وغيرٍها يكون العسرُ والحرج، فاليسرُ بقدر القربِ من الشّريعة، والعسرُ بقدر البعدِ عن الدين.
• • •
المبحث الثالث
موضوع الفقه ومجالاته
وثمرته وفضله وحكم تعلمه
المطلب الأول: موضوع الفقه:
موضوع علم الفقه هو فعلُ المُكَلّف؛ لأنَّه يبحث فيما يعرض لأفعاله من حِلٍّ وحرمةٍ ووجوبٍٍ وندبٍ، فكلُّ ما يصدر عنه من أفعال جوارحه يدخل تحت البحث في الفقه، بخلاف الاعتقادات، فإنَّه يختصُّ بها علم الكلام، وكذلك الوجدانيات، فإنَّه يتناولها علم التصوف.
والمرادُ بالمكلّف: البالغ العاقل (¬1)، والتقييد بالمكلّف؛ لأنَّه لا جزاء عليه في الآخرة بلا بلوغ أو عقل، وليس معنى ذلك أنَّ الفقهاء لم يبحثوا أفعال الصغار والمجانين والمعاتيه، ومَن تصفّح كتب الفقه رأى فيها كثيراً من أحكامهم، حتى أنَّ الأُسرُوشَنَي (¬2) - رضي الله عنه - ألف كتاباً خاصّاً وسمّاه «جامع أحكام الصغار» (¬3).
¬
(¬1) الدر المختار 1: 26 - 27، ورد المحتار 1: 27، وغيرهما.
(¬2) وهو الإمام الفقيه مجد الدين أبو الفتح محمَّد بن محمود الأُسْرُوشَنَيّ الحنفي، وأُسْرُوشَنَة: اسم إقليم وراء النهر، قال الكفوي: كان في عصره من المجتهدين، ومن مؤلفاته: جامع أحكام الصغار، والفصول، (ت 632 هـ). ينظر: الفوائد البهية ص 327. وتاج التراجم ص 279. وكشف الظنون 1: 19.
(¬3) مطبوع بهامش جامع الفصولين 1300 هـ في مصر، وله طبعة محققّه في مجلدات طبعت في بغداد.
المطلب الثاني: مجالات الفقه:
مجالات الفقه تشتمل على تنظيم جميع جوانب حياة المسلم العملية، وهي:
1.العبادات: وهي الأحكام المتعلقة بعبادة الله تعالى من طهارة وصلاة وزكاة وصوم وحج.
2.الأحوال الشخصية: وهي الأحكام المتعلقة بالأسرة من زواج وطلاق ورضاع وحضانة ونسب ونفقات ومواريث وغيرها.
3.المعاملات: وهي الأحكام المتعلقة بأفعال الناس وتعاملهم بعضهم مع بعض في الأموال والحقوق وفصل منازعاتهم: كالبيوع والشركات والمساقاة والمزارعة والرهن والكفالة والحوالة والوقف والهبة والعارية واللقطة واللقيط والصلح وإحياء الموات والغصب.
4.السياسة الشرعية أو الأحكام السلطانية: وهي الأحكام المتعلقة بسلطان الحاكم على الرعية، وبالحقوق والواجبات المتقابلة بينهما.
5.العقوبات: وهي الأحكام المتعلقة بعقاب المجرمين وضبط النظام الداخلي بين الناس: كالحدود والتعزير والجنايات وغيرها.
6.السِّيَر: وهي الأحكام التي تنظم علاقة الدولة المسلمة بالدول الأخرى، وفي بعض كتب الفقه تسمّى الجهاد (¬1)؛ إذ يتناول كيفية القتال والموادعة ومَنْ يجوز أمانه والمغنم وقسمته واستيلاء الكفار والمستأمن وغيرها.
7.الآداب: وهي الأحكام المتعلقة بالأخلاق والحشمة والمحاسن والمساوئ (¬2)، ويتناول كثيراً منها كتاب الكراهيّة أو الحظر والإباحة من حيث الحلّ والحرمة، ولكن من حيث تطبيقها على النّفس وتربية النّفس عليها فيبحث فيه علم التّزكيّة (التّصوف)، ومِنْ كتبه: «إحياء علوم الدين»، و «عين العلم وزين الحلم»، وكتب الآداب الشرعية.
المطلبُ الثّالث: ثمرةُ الفقه وغايته:
إنَّ الثمرة اليانعة والغاية المقصودة من دراسة علم الفقه وتطبيقه في حياة المسلمين هي:
1.الفوز بسعادة الدنيا؛ وذلك بالعيش تحت ظلال الإسلام وأحكامه، وترسيخ مفاهيمه بين الناس، فمعلومٌ أنَّه لا تتحقّق السعادة في الدنيا بمال ولا جاه ولا نساء ولا بنين، وإنَّما تُنال برضا المولى - جل جلاله - الذي يكون بالتزام أوامره واجتناب نواهيه المتمثّلة بالأحكام الفقهيّة لا باتباع الهوى.
لذلك كانت الأحكام الفقهية أشبه بنصيحةٍ الله - عز وجل - لعباده في كلّ أُمور حياتهم، فمَن أخذ بالنصيحة سَعِدَ، ومَنْ تركها تَعِسَ، قال - جل جلاله -: {أَفَمَن يَمْشِي
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص 4، وغيره.
(¬2) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 55 - 56، وغيره.
مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} الملك: 22، وقوله - جل جلاله -: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون} الجاثية: 18.
2.الفوز بسعادة الآخرة، وهي حياةُ المستقرّ التي يُنال بها الصالحون جزاء أعمالهم الحسنة في الدُّنيا، قال - جل جلاله -: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} الكهف: 30 (¬1).
المطلب الرابع: فضل الفقه:
يكمنُ فضل علم الفقه بأنَّه لا غنى للمسلم عنه؛ إذ يتميز به الحلال من الحرام، والواجب من المندوب وغيرها من الأحكام الشرعية، فهو حَدٌّ حاجزٌ بين الهدايةِ والضلالِ، وقسطاسٌ مستقيمٌ لِمعرفةِ مقاديرِ الأعمالِ، وعيالمه الزاخرةِ لا يوجد لها قرار، وأخواده الشَّامخة لا يُدرك فُنونها بالأبصار (¬2).
وقد ذكروا في فضله وفضل مَنْ تعلمه كلاماً كثيراً منه:
قال الخادميُّ (¬3): «كلُّ إنسانٍ غير الأنبياء لا يَعلم ما أَراد الله له وبِهِ، وإرادته تعالى غيب إلا الفقهاء، فإنَّهم علموا إرادة الله تعالى لهم بالحديثِ الصَّادقِ
¬
(¬1) ينظر: الدر المختار 1: 26 - 27، والتعريف بالفقه الإسلامي ص 10 - 11، وغيرهما.
(¬2) ينظر: الفتاوي الهندية 1: 2.، وغيرها.
(¬3) في حاشيته على الدرر 1: 4.
المصدَّقِ: «مَنْ يُرِد اللهُ به خيراً يُفقه في الدِّين» (¬1)، وفي «التاتارخانية»: ما عُبدَ الله بشيءٍ أَفضل من فقهٍ في دين، وفقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان من ألفِ عابدٍ، ولكلِّ شيءٍ عماد وعمادُ هذا الدِّين الفقه».
وقال الكَاسَانيُّ (¬2): «فإنَّهُ لا عِلمَ بعد العلم بالله وصفاته أَشرف من علم الفقه، وهو المسمَّى بعلم الحلال والحرام وعلم الشرائعِ والأحكام، له بعث الرسل وأنزلَ الكتب؛ إذ لا سبيل إلى معرفته بالعقلِ المحضِ دون السمع، قال الله تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} البقرة: 269، قيل: في بعض وجوهِ التأويل هو علم الفقه».
وقال الكوثريُّ (¬3): «إنَّ الفقهَ تُراثٌ فاخرٌ لهذه الأمة، تستعلي به عن الأحكامِ الوضعيةِ في إصلاحِ شؤونِهم الدينيةِ، ومَنْ أَعرضَ عنه ومالَ إلى أوضاع النَّاس في تقويمِ الأَوَد وانتظر منها المدد، فهو في سبيل القضاء على الغرة الإسلامية بسعيه في الابتعاد عن الأحكام الشَّرعيَّة المستنبطة من الكتاب والسُّنَّة، فتكون عاقبة أمره وضعَ رقابِ المسلمين تحت نير المستعمرين، واندماجهم في أمّةٍ لا ترعى لهذه الأمة إلاً ولا ذمة» ..
¬
(¬1) أخرجه بهذا اللفظ البُخاري 1: 37، ومسلم 2: 718، وابن ماجه 1: 80 من حديث معاوية - رضي الله عنه -، وفي مسند أبي يعلى 1: 38 من حديثه: (إذا أراد الله بعبد خيراً يفقهه في الدِّين)، وفي مسند البَزَّار 5: 117 والمعجم الأوسط2: 266 من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: (إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدِّين وألهمه رشده)، وينظر: الدر المنثور للسيوطي2: 70.
(¬2) في بدائع الصنائع 1: 2.
(¬3) في المقدمات ص449 من مقدِّمة كتاب الغرة المنيفة.
وقال اللَّكْنَوِيّ (¬1): «لا يخفى على أرباب النُّهى أنَّ أفضل الفضائل، وأكمل الشَّمائل، هو التَّفقه في الدِّين، وإليه أَشار سيد المرسلين بقوله الذي أخرجه أئمة الدِّينِ: «مَن يُرد الله به خيراً يفقهه في الدِّين»، وهو الوصف الذي يمتازُ به المرء بين الأقران والأماثل، ويكون مشاراً إليه في الفضل والكمال بالأنامل، فطوبى لمن عَلَّمه، وتعلَّمه، وباحث، ودرس».
المطلب الخامس: حكم تعلم الفقه:
تعلم الفقه له حالان:
1.فرضٌ عين؛ وهو تعلّم ما يلزم للمسلم والمسلمة في حاله مما يقع له من مسائل: كالطهارة والصلاة والصوم على جميع المسلمين، والحيض والنفاس على النساء خاصة، وأحكام البيوع لمَن يشتغل بالتجارة، وهكذا، قال الحَصْكَفِيّ (¬2): «النَّظرُ في كتبِ أَصحابنا من غير سماع ـ أي على الشيوخ ـ أفضل من قيام الليل، وتعلم الفقهِ أفضل من تعلمِ باقي القرآن»؛ «لأنَّ حفظَ القرآن فرضُ كفاية، وتعلم ما لا بُدَّ من الفقه فرض عين» (¬3)، أي: ما يحتاجه المسلم من أحكام الطهارة والصلاة والصوم وغيرها من العبادات بالإضافة إلى ما يحتاج من الأحكام في معاملاته وحياته اليومية، فإنَّه يجب عليه أن يتعلمه، أما حفظ ما زاد عما يكفيه في صلاته من القرآن فإنَّه من فروض الكفاية.
¬
(¬1) مقدمة عمدة الرعاية 1: 4.
(¬2) في الدر المختار 1: 26 - 27.
(¬3) رد المحتار على الدر المختار 1: 27، وغيره.
2.فرض كفاية؛ وهو تعلم سائر أحكام الفقه مما لا يلزم المسلم في حاله، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ لأنَّه لا بُدَّ من حفظها وتوصيلها للمسلمين ليعملوا وينتفعوا بها، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} الحجر: 9، ومعلومٌ أنَّ حفظ الله لها يكون على أيدي المسلمين، ممن يتخصصون في تعلمه وتعليمه.
وقال تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} التوبة: 122، فالآية دالة على أننا مأمورون بأن يتفرَّغَ منا البعض لتعلم أحكام الشريعة؛ ليعلموها للناس.
وعلى ذلك وجدنا الصحابة والتابعين ومَنْ تابعهم إلى يومنا هذا، ففي كل فنًّ من الفنون وعلمٍ من العلوم نرى فيه أهل الذكر، الذين اشتغلوا في ليلهم ونهارهم على حفظه بتعلمه وتعليمه للآخرين، حتى وصلت لنا علوم الشريعة المختلفة دون انتقاص.
وهذا الحكم يكون للعالم الذي تخصص في أحد العلوم وعرف دقائقه وخباياه، وعرف حاجة الناس إليه، فإنَّ هذا العلم يكون له فرض عين يأثم إذا لم يعلمه للناس وينشره بين المسلمين إن لم يكن غيره يقوم بذلك؛ قال - جل جلاله -: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} المائدة: 67، وقال - جل جلاله -: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} الحجر: 94، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله امرأ سمع منّي
حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى مَنْ هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه» (¬1).
وما عدا العالِم يبقى لهم طلب العلم مستحبٌّ فيما عدا علم الحال.
قال السيد العلوي السَّقاف (¬2): «ينقسم العلم مَنْ حيث هو شرعيّاً كان أو غيره غالباً إلى فرض عين وفرض كفاية:
فالأوّل: وهو فرضُ العين: ما لا رخصة لمكلف في جهله، وهو علم ما تتوقف عليه صحة إيمانه من الأصول الدينية، وعلم ظواهر ما يتلبس به في الحال ولو نفلاً من الأحكام الفقهية، فعلى كل مكلّف قادر ـ أي على التعلم ـ ولو بالسفر ماشياً إن أطاقه، أن يعدّ تعلم ما لم يصح إيمانه بدونه وما يحتاجه في نحو وضوئه وصلاته وصومه وزكاة وجبت عيه وحج أراده وفيما يباشره من معاملة وصناعة ومناكحة ومعاشرة ونحوها ...
والثاني: وهو فرضُ الكفاية: ما إذا قام به البعض سقط الحرجُ عن الباقين إن حصل المقصود بفعل البعض؛ رخصة وتخفيفاً، ... والتكليف في فرض الكفاية موقوف على حصول الظن الغالب، فإن غلب على ظنِّ جماعة أنَّ غيرهم يقوم بذلك سقط عنها الطلب، ... وفرض الكفاية من العلم ما تدعو إليه ضرورة مما لا يتمّ أمر المعاش والمعاد بدونه من الأحكام الشرعية بحيث يصلح مَنْ تعلمه من المكلفين للقضاء والإفتاء ... »
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 1: 270، والمستدرك 1: 162، والمسند المستخرج 1: 40، وجامع الترمذي 5: 33، وحسنه، وغيرها.
(¬2) في الفوائد المكية ص13.
مناقشة الفصل:
أولاً: أجب عن الأسئلة الآتية مع الشرح الوافي:
1. فرِّق بين الفرض والواجب، وسنة الهدى والزوائد، مع التمثيل؟
2. مِنْ خصائص الفقه الإسلامي: أنَّ الجزاء فيه دنيوي وأخروي، تكلم عن ذلك؟
3. عدد مجالات علم الفقه؟
4. وضح الحكم الشرعي لتعلم الفقه؟
ثانياً: ضع هذه العلامة (?) أمام كل عبارة صحيحة مما يأتي:
1. عالج الفقه الإسلامي بعض مشاكل العصر والقضايا المستجدة.
2. الفقه آراء لبعض العلماء ولا يعتبر الخروج عليه خروجاً على الشريعة.
3. المتأخرون من الفقهاء ليس لهم إلا أن يتكلموا في نوازل جديدة.
ثالثاً: أكمل الفراغ في العبارات الآتية بالكلمة المناسبة:
1. المصلحة الشرعية لا سبيل لمعرفتها إلا بـ ................
2. تعلم الفقه ............ في حق مَنْ تخصص في أحد العلوم وعرف دقائقه وخباياه، وعرف حاجة الناس إليه.
3. تتجسّد قابلية الفقه للبقاء في .................
رابعاً: علل ما يلي:
1. اقتضت حكمة الله - عز وجل - أن تكون غالبيّة الأحكام الفقهيّة ظنيّة ومَحلّ اجتهاد لأهل النّظر؟
2. الأحكام التي هي أساس الدِّين قد وردت فيها آيات محكمة؟
3. لا حق في التشريع إلا لله وحده؟
• • •
الفصل الأول
أطوارالفقه
أهداف الفصل الأول:
يتوقع من الطالب بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادراً على:
أولاً: الأهداف المعرفية:
1. أن يعدِّد فوائد تقسيم الفقه إلى أطوار.
2. أن يبيِّن أقسام العهد النبوي، ويعدد مميزاته.
3. أن يذكر أدلة وقوع اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
4. أن يوضح حالات اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
5. أن يوضح مظاهر عصر الصحابة - رضي الله عنهم -، ويعدد مميزاته.
6. أن يدحض نظرية قسمة الفقهاء إلى أهل رأي وأهل حديث، ويثبت أنَّ أهل الحجاز كان عندهم رأي كثير، وأهل العراق كانت عندهم أحاديث كثيرة، ويبين متى كان بدء استخدام أهل الرأي والحديث في التاريخ.
7. أن يذكر الأمصار العلمية، ويعدد طبقات العلماء فيها من صحابة وكبار التابعين وأتباعهم، ويميز بينهم.
8. أن يعدِّد وظائف المجتهدين.
9. أن يبيِّن التقسيم الزماني لطبقات المجتهدين، ويميز بينها، ويعرف بالمجتهدين من حيث: الاسم والنسب، وتاريخ الولادة والوفاة، وأبرز الشيوخ، وأصولهم، والمكانة التي كانوا عليها.
10. أن يجيب عن بعض الشبهات التي تثار حول أئمة المذاهب الأربعة.
11. أن يبيِّن مميزات عصر المجتهد المطلق.
12. أن يوضح عمل المجتهد المنتسب والمجتهد في المذهب.
13. أن ينقض طبقات ابن كمال باشا، ويعدد أسباب ردها.
14. أن يعدد مميزات دور المجتهدين في المذهب.
ثانياً: الأهداف المهارية:
1. أن يحفظ أطوار الفقه ويجيد التمييز بينها وبين علمائها.
ثالثاً: الأهداف الوجدانية:
1. أن يحسن الظن في الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - وينزلهم منزلتهم، ويحرص على الدفاع عنهم ورد الشبه التي تثار حولهم.
2. أن يَحذر من الطعن في العلماء، لاسيما أئمة المذاهب الفقهية المعتبرة، ويرد الشبهات عنهم.
3. أن يُقدِّر الجهود الضخمة التي بذلها علماء الأمة لخدمة الفقه من طبقة الصحابي إلى طبقة المجتهد في المذهب.
دَرَجَ الباحثون على تقسيم تاريخ الفقه إلى أدوار (¬1) أو أطوار (¬2)، ولا ضير في ذلك؛ لما فيه من الفوائد، منها:
1. تيسير وتوضيح المراحل التي مَرَّ بها الفقه الإسلامي للدارسين له.
2. إثبات استقلال الفقه الإسلامي عن غيره من فقه الأمم الأخرى.
3. إثبات أنَّ كلّ دور من أدوار الفقه كان مكمِّلاً لسابقه، ومراعياً لحاجات زمانه.
4. دفع تهمة الجمود التي أُلصقت ببعض أطوار الفقه من المعاصرين.
5. بيان عظم هذا التّراث الفقهي الضخم الذي خلَّفه لنا أسلافنا.
6. بيان الوظائف والطبقات للمجتهدين.
¬
(¬1) كما في المدخل الفقهي العام ص148، والمدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص91، وغيرهما.
(¬2) كما في الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 23، وأطوار: جمع طور، وهو الحال والهيئة. ينظر: المصباح المنير ص380، وغيره.
المبحث الأول
طور العصر النبوي
المطلب الأول: أقسام العهد النبويّ:
1.العهد المكيّ: وكانت التّشريعات الفقهية قليلة نسبياً؛ لاهتمام القرآن بالأمور العقدية وترسيخ مفهوم الإسلام في النفوس، ولعدم وجود مجتمع إسلامي مفتقر للتشريعات الخاصة به.
2.العهد المدني: وفيه تجلَّت التشريعات للفردِ والمجتمعِ في العبادات والمعاملات وغيرها على الهيئة المعروفة بين أيدينا.
وبالتّالي لا يُمكننا أن نطلقَ على عصرنا بسببِ غربةِ الإسلام أننا في العهد المكّي، فنستبيح بعض المحرّمات؛ لأنَّ تلك الحقبة كانت في بدايةِ الإسلام لا غير، وبعدها اكتمل الدّين، قال - جل جلاله -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} المائدة: 3.
المطلب الثاني: مميزات العهد النبوي:
ما يصدر عن الحضرة النبوية - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث هي الفقه في هذه الحقبة المباركة، قال العثماني (¬1): «أول مَنْ قام بمنصب الإفتاء سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -، وكان يفتي بوَحْيِه المبين، وكانت فتاواه - صلى الله عليه وسلم - جوامع الكلم»، وفهم هذا يقتضي منا الاطلاع على المميزات لعهد النبوة، ومنها:
الميزة الأولى: أنَّ المرجع للأحكام الفقهية فيه هو الوحي:
فالمصدر الرئيسي للأحكام هو الوحي، وما وقع من اجتهاد من النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أو من بعض أصحابه - رضي الله عنهم - فيه فقد كان مؤيّداً بالوحي، فلو أنَّه لم يصب مراد الله تعالى لَقُوِّم إلى ما هو الصواب، فالمعتمد ما أقرّه الوحي من التشريع إلا ما كان من اجتهاد ممن بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخارج المدينة المنورة: كمعاذ - رضي الله عنه - عندما بعثه إلى اليمن، فإنَّه كان يجتهد في كلّ ما لم يجد في الكتاب والسنة دون رجوع إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ـ كما سيأتي ـ.
ويتعلّق بهذه الميّزة مسألتان، وهما:
المسألة الأولى: اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -:
إنَّ حياةَ الإسلام بالفقه، والفقه قلب الاجتهاد، فلزم على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ممارسة الاجتهاد؛ ليشاهد النّاس كيف يُطبق الإسلام وكيف تتعرّف أحكامُه، ولكيّ تتكوَّن طبقة من المجتهدين على يد النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، يعيشون الإسلام بعد وفاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -،
¬
(¬1) في أصول الإفتاء ص 29، معارف.
وينقلونه لمَن بعدهم؛ لذلك كان اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - محلّ اتفاق عند جمهور العلماء على النحو الآتي:
1. المتأخرون من الحنفية اختاروا أنَّه - صلى الله عليه وسلم - مأمور في حادثة لا وحي فيها بانتظار الوحي أولاً ما كان راجي الوحي إلى خوف فوت الحادثة بلا حكم، ثم بالاجتهاد ثانياً إذا مضى وقت الانتظار على حسب الحادثة ولم يوح إليه; لأنَّ عدم الوحي إليه فيها إذن في الاجتهاد.
فإن أُقرّ - صلى الله عليه وسلم - على ما أدّى إليه اجتهادُه عند خوف الحادثة أوجب إقرارُه عليه القطع بصحّة ما أدّى إليه اجتهادُه؛ لأنَّه لا يُقَرُّ على الخطأ، فلم يجز مخالفتُه كالنّصّ، بخلاف غيره من المجتهدين فإنَّه يجوز مخالفتُه إلى اجتهادِ مجتهدٍ آخر؛ لاحتمال الخطأ (¬1).
2. عامة الأصوليين ومالك والشافعي وأحمد وعامة أهل الحديث, ومنقول عن أبي يوسف، قالوا: إنَّه - صلى الله عليه وسلم - مأمور بالاجتهاد مطلقاً في الأحكام الشرعية والحروب والأمور الدينية من غير تقييد بشيء منها أو من غير تقييد بانتظار الوحي.
3. الأشاعرة وأكثر المعتزلة والمتكلمين، قالوا: لا يكون الاجتهاد في الأحكام الشرعية حظّه - صلى الله عليه وسلم -.
والاجتهاد في حقِّه - صلى الله عليه وسلم -، مختلف إجمالاً عن غيره من المجتهدين، ففي حقّه - صلى الله عليه وسلم -
¬
(¬1) واجتهاده - صلى الله عليه وسلم - المقر عليه وحي باطن على ما عليه فخر الإسلام وموافقوه.
يختص بالقياس فقط، وعند غيره من المجتهدين: يكون في دلالات الألفاظ على ما هو المراد منها؛ لعروض خفاء واشتباه فيها، وفي البحث عن مخصص العام وبيان المراد من المشترك وباقي الأقسام التي في دلالتها على المراد خفاء من المجمل والمشكل والخفي والمتشابه، وفي الترجيح لأحد الدليلين عند التعارض بينهما؛ لعدم علم المتأخر.
وأمّا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فهذا غير متأت في حقّه؛ لانتفاء تحقّق التّعارض بالنسبة إليه، وانتفاء عزوب تأخر المتأخر على المتقدِّم عن علمِه على تقدير وجود صورة التّعارض.
ومن أدلّة وقوع اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - هي:
1.قوله - جل جلاله -: {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} التوبة: 43، فعوتب على الإذن لما ظهر نفاقهم في التخلّف عن غزوة تبوك، ولا يكون العتاب فيما صدر عن وحي، فيكون عن اجتهاد لامتناع الإذن منه تشهياً (¬1).
2.وقوله - جل جلاله -: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيم} الأنفال: 68، فإنَّها نزلت في فداء أسارى بدر؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «فلما أسروا الأسارى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن
¬
(¬1) ينظر: حاشية العطار على شرح الجلال المحلي 2: 426، وغيره.
تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان نسيباً لعمر فأضرب عنقه، فإنَّ هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت.
فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة شجرة قريبة من نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله - عز وجل -: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} الأنفال: 67 إلى قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا} الأنفال: 69، فأحلَّ الله الغنيمة لهم» (¬1).
قال المحبوبيّ (¬2): «أي: لولا حكم سبق في اللوح المحفوظ, وهو أنَّه لا يعاقب أحد بالخطأ, وكان هذا خطأ في الاجتهاد; لأنَّهم نظروا في أنَّ استبقاءهم كان سبباً لإسلامهم وتوبتهم وأنَّ فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله وخفي عليهم أنَّ قتلهم أعزّ للإسلام وأهيب لمن وراءهم وأقل لشوكتهم».
1.وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سُقت الهدي» (¬3)، وهذا
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1385، واللفظ له، وصحيح ابن حبان 11: 115، والمستدرك 3: 24، ومسند أبي عوانة 4: 255، وجامع الترمذي 4: 213، وغيرها.
(¬2) في التوضيح 2: 31.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 632، وصحيح مسلم 2: 883، واللفظ له، والمنتقى 1: 122، وغيرها.
في حجة الوداع، حين أذن لمَن لم يسق الهدي من أصحابه في حجّتهم معه أن يجعلوها عمرةً يطوفوا ثمّ يُقصروا; لأنَّ السَّوقَ مانعٌ من التَّحلَّل حتى يبلغَ الهدي محلّه، وسوق الهدي يمنع من التحلل بين العمرة والحجّ، وكان باجتهاد من النبي - صلى الله عليه وسلم - , ولم يكن عن وحي، كما هو صريح الحديث.
2.وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «جاء رجلان من الأنصار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواريث بينهما قد دَرَستْ ـ أي: تقادمت ـ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنَّما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، وإنَّما أقضي برأيي فيما لم يَنْزل عليَّ فيه، فمَن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فلا يأخذه، فإنَّما أقطع له قطعةً من النار يأتي بها يوم القيامة على عنقه» (¬1).
3.وإنَّ الاجتهادَ منصبٌ شريفٌ حتى قيل: إنَّه أفضل درجات العلم للعباد، فلا يحرمه أفضل الخلق - صلى الله عليه وسلم - وتناله أمّته، وأكثرية الثواب؛ لأكثرية المشقة.
أما قوله - جل جلاله -: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} النجم: 3 - 4، فإنَّه مخصص بسببه، وهو نفي دعوى الكفار افتراءه - صلى الله عليه وسلم - القرآن، وحينئذ
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 6: 66، 10: 260، وسنن الدارقطني 4: 238، قال ابن أمير حاج في التقرير والتحبير3: 298: «وهو حديث حسن أخرجه أبو داود ورواته رواة الصحيح إلا أسامة بن زيد, وهو مدني صدوق في حفظه شيء وأخرج له مسلم استشهاداً». وفي صحيح البخاري 2: 952، وصحيح مسلم 3: 1337، وغيرهما بلفظ: (إنَّكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً بقوله فإنَّما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها).
فالمراد بقوله: إن هو: القرآن، فينتفي العموم، وأيضاً: أنَّ القول عن الاجتهاد ليس عن الهوى بل عن الأمر بالاجتهاد وحياً، فيكون الاجتهاد وما يستند إليه وحياً (¬1).
المسألة الثانية: اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في عصره - صلى الله عليه وسلم -:
مارس الصّحابة - رضي الله عنهم - الاجتهادَ الذي رَبَّاهم عليه النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في زمنِه - صلى الله عليه وسلم -، ففعلوه في حضرته وداخل المدينة وخارجها بإذن من النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال محمّد بن الحسن والقاضي أبو الطيب والغزاليّ والآمديّ والرازي: يجوز اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في عصره مطلقاً، سواء بحضرته أو غيبته - صلى الله عليه وسلم -، ووقوع هذا الاجتهاد على سبيل الظنّ كما اختاره الآمديُّ وابنُ الحاجب، وقال السُّبكيُّ: لم يقل أحدٌ أنَّه وقع قطعاً (¬2).
واجتهادهم - رضي الله عنهم - في زمنه له ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يكون الصحابي غائباً عن المدينة:
حصلت اجتهادات عديدة من الصحابة - رضي الله عنهم - خارج المدينة في تطبيق ما تعلَّموه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنها:
1. علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهم - حين بعثهما - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن, فيجوز اجتهادهما؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟
¬
(¬1) تفصيل مسألة اجتهاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والاختلاف فيها وأدلة كل فريق في التحرير ص525 - 528، والتقرير والتحبير 3: 294 - 301، والمستصفى ص346 - 347، وغيرها.
(¬2) وفصل بعضُهم بين الحاضر والغائب, فقال: وقع للغائب دون الحاضر. واختاره القاضي والغزالي وابن الصباغ وإليه مال إمام الحرمين، وبه قال أكثر الفقهاء والمتكلمين، وقال عبد الوهاب: إنَّ الأقوى على أصول أصحابهم.
قال: بسنَّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهدُ فيه برأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسوله» (¬1).
2.وعن زيد بن أرقم أنَّ رجلاً من أهل اليمن «حدَّث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر, فأتوا علياً يختصمون في الولد ... فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مقرع بينكم، فمن قرع فله الولد، وعليه لصاحبيه ثلثا الدية، فأقرع بينهم فجعله لمن قرع، فضحك الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه أو أضراسه» (¬2).
¬
(¬1) أخرجه أبو داود في سننه 3: 313 والترمذي في جامعه 3: 616 وأشار إلى ضعفه، وله شواهد موقوفة عن عمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس - رضي الله عنهم - أخرجها البيهقي في سننه الكبير10: 114 عقيب تخريج هذا الحديث تقوية له، كذا في مرقاة الصعود شرح سنن أبي داود للسُّيوطي. وقال الخطيب في الفقيه والمتفقه1: 188: إنَّ أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا وصية لوارث)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الدية على العاقل)، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له، وتمامه في هامش: الحدود والأحكام الفقهية ص82 - 83، وفقه أهل العراق وحديثهم ص290.
(¬2) في المستدرك 2: 225، وصححه، وسنن البيهقي الكبير 10: 267، وسنن أبي داود 2: 281، وسنن النسائي 3: 380، وسنن ابن ماجه 2: 786، ومصّنف ابن أبي شيبة 6: 286، وشرح معاني الآثار 4: 382، والمعجم الكبير 5: 173، وغيرها.
3.وعن جابر - رضي الله عنه - قال: «غزونا جيش الخبط (¬1) وأُمِّرَ أبو عبيدة، فجعنا جوعاً شديداً، فألقى لنا البحر حوتاً ميتاً لم نرَ مثله يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظماً من عظامه فمرّ الراكب تحته، فأخبرني أبو الزبير أنَّه سمع جابراً يقول قال أبو عبيدة - رضي الله عنه -: كلوا، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: كلوا رزقاً أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم بعضو فأكله» (¬2).
4.وعمرو بن العاص - رضي الله عنه -: «كان على سرية وأنَّه أصابهم برد شديد لم يروا مثله، فخرج لصلاة الصبح، قال: والله لقد احتلمت البارحة فغسل مَغابنه (¬3) وتوضأ وضوءه للصّلاة، ثم صلى بهم، فلما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فقال: كيف وجدتم عَمراً وأصحابه؟ فأثنوا عليه خيراً وقالوا: يا رسول الله، صلى بنا وهو جنب، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرو فسأله، فأخبره بذلك وبالذي لقي من البرد وقال: يا رسول الله، إنَّ الله قال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} النساء: 29، ولو اغتسلت مت، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرو» (¬4). (¬5)
¬
(¬1) الخبط: ما سقط من ورق الشجر بالخبط والنفض، وفي الحديث: (خرج في سرية إلى أرض جهينة فأصابهم جوع فأكلوا الخبط) فسموا جيش الخبط، كما في المعجم الوسيط 1: 216.
(¬2) في صحيح البخاري 4: 1586، واللفظ له، ومسند أحمد 3: 311، ومسند أبي عوانة 5: 22، وغيرها.
(¬3) المغبن: الْإِبِط وبواطن الأفخاذ عِنْد الحوالب جمع مغابن، كما في المعجم الوسيط 2: 644.
(¬4) في صحيح ابن حبان 4: 143، والمستدرك 1: 285، وسنن البيهقي الكبير 1: 226، وسنن الدارقطني 1: 179، وغيرها.
(¬5) ومَنْ أراد الاستفاضة في اجتهادات الصحابة - رضي الله عنهم - عنهم، فليرجع إلى الفصول في الأصول 4: 37.
ثانيهما: أن يكون الصّحابي في محلة من المدينة ولكنَّه غائب عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فله حالان:
1.أن يظفر بأصلٍ ِمِنْ كتاب أو سنة، فيجوز اجتهاده في الرجوع إليهما, ولا يلزم بالرجوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسأله عما اجتهد فيه؛ لأنَّه إذا أخذ بأصل لازم جاز أن يعمل به؛ ففي حديث ابن عمر - رضي الله عنهم -: «أنَّه نادى فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم انصرف من الأحزاب: لا يصلين أحد الظهر (¬1) إلا في بني قريظة، فتخوّف ناس فوت الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن فات الوقت، قال: فما عنف واحداً من الفريقين» (¬2).
2.وأن يعدم أصلاً من كتابٍ أو سُنّةٍ (¬3)، فلا يجوز أن يجتهد؛ فعن ابنِ عبّاس - رضي الله عنهم -: «أنَّ رجلاً أجنب في شتاء فسأل، فأمر بالغسل، فاغتسل فمات، فذكر ذلك للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ما لهم قتلوه قتلهم الله، ثلاثاً، قد جعل الله الصعيد أو التيمم طهوراً» (¬4)، فكان تعنيف الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم؛ لعدم أهليتهم للاجتهاد؛ إذ أنَّه وجد
¬
(¬1) في رواية صحيح البخاري 1: 321 لفظ: العصر.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1391، وصحيح ابن حبان 4: 320، ومسند أبي عوانة 4: 264، وسنن البيهقي الكبير 10: 119، وغيرها.
(¬3) وإن لم يرجع المجتهد إلى أصل ففي جواز اجتهاده وجهان , قال صاحب الحاوي: والذي عندي أنَّه يصح اجتهاده في المعاملات دون العبادات , لأنَّ العبادات تكليف فتتوقف على الأوامر بها , والمعاملات تخفيف فتعتبر النواهي عنها.
(¬4) في المنتقى 1: 42، وصحيح ابن خزيمة 1: 138، وصحيح ابن حبان 4: 141، والمستدرك 1: 270.
نص مانع للمريض من الغسل مع خوف التلف؛ لذلك لم يكن هذا موضعاً يسوغ الاجتهاد فيه، قال - جل جلاله -: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} البقرة: 195، وقاله - جل جلاله -: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} البقرة: 286، فأباح للمريض التّيمُّم؛ لخوف الضرر الذي يلحقه باستعمال الماء (¬1).
ثالثهما: أن يكون الصَّحابيّ حاضراً في مجلس الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، ولصحة اجتهاده حالان:
1.أن يأمره - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد، كما حكَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ - رضي الله عنه - في بني قريظة باجتهاده، فحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لقد حكمت بحكم الله أو حكم الملك» (¬2).
2.وأن لا يأمره - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد ولكنَّه علم - صلى الله عليه وسلم - به وأقره عليه, كما في حديث أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه -: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حنين، فذكر قصّته في قتله القتيل وأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه ـ أي سلاحُه وفرسُه ومالُه ـ، ... فقال رجلٌ من القوم: صدق يا رسول الله، وَسَلَبُ ذلك القتيل عندي، فأرضه عني، فقال أبو بكر جواباً لهذا القائل: لاها الله إذن لا يعمد إلى أسدٍ من أُسدِ الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سَلَبُه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: صدق» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الفصول في الأصول 4: 59 - 60، وغيره.
(¬2) في صحيح البخاري 3: 1384، وصحيح مسلم 3: 1389، وصحيح ابن حبان 15: 496.
(¬3) في صحيح البخاري 3: 1144، وصحيح مسلم 3: 1371، وغيرهما باختصار.
ووجه: أمر أبو بكر - رضي الله عنه - الرجل بإعطاء ما أخذه من السَلَب إلى مَنْ قَتل حقيقة، كما في الحديث، لا أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يدفع للقاتل من الغنيمة، والظاهر أنَّ هذا من أبي بكر - رضي الله عنه - بالاجتهاد, وهو بحضرته، وقد صوَّبه - صلى الله عليه وسلم - بتصديقه له في ذلك (¬1).
الميزةُ الثّانية: التّدرجُ في التُشريع، وفيه نوعان:
1.أنَّ الأحكامَ الشّرعيّة لم تنزل دفعة واحدة، وإنَّما نزلت في أوقات متفاوتة في مدّة نبوته - صلى الله عليه وسلم -، وهذا التّدرجُ في التّشريع يعود لرفع الحرج عن المسلمين؛ لقرب عهدهم بالكفر، واستقطاباً لقلوبهم إلى الإسلام في بدء أمره، يوم كان غضاً طرياً، أما بعد هذا العهد فقد أصبح الإسلام عزيزاً قوياً، وامتلأت قلوب المسلمين ثقة به، وصار له دولة ورجال يذودون عن حماه، فلم يعد حاجة لهذا التّدرج.
2. وتدرُّج في أحكام بعض التّشريعات: كالخمر، فإنَّها لم تحرم رأساً وإنَّما مهد لها ببيان أضرارها أوّلاً، قال - جل جلاله -: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} البقرة: 219.
ثم النهي عن قربان الصلاة في حالة السكر ثانياً، قال - جل جلاله -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} النساء: 43، ثم جاء التحريم القاطع أخيراً (¬2) قال - جل جلاله -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} المائدة: 90.
¬
(¬1) ينظر: تفصيل مسألة اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في: التحرير ص528، والتقرير والتحبير 3: 301 - 303، والبحر المحيط 8: 255 - 264، وغيرها.
(¬2) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص94، وغيره.
الميزة الثَّالثة: النسخ:
وهو أن يرد دليل شرعي متراخياً عن دليل شرعي مقتضياً خلاف حكمه (¬1)، وهذا في حَقّ البَشَر، وفي حَقِّ الشارع، بياناً لانتهاء مدّة الحكم المطلق عن تأبيدِ أو تأقيت أنَّه ينتهي في وقتِ كذا (¬2).
قال - جل جلاله - تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} البقرة: 106، و قال - جل جلاله -: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} النحل: 101، وقال - جل جلاله -: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب} الرعد: 39، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يصلي إلى بيت المقدس إلى أن نسخ الله تعالى الصلاة إلى تلك الجهة وأمره بالتوجه إلى الكعبة، بقوله - جل جلاله -: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} البقرة: 144، وقال - جل جلاله -: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} البقرة: 142.
وأيضاً: كانت عدة المتوفى عنها زوجها سنة؛ لقوله - جل جلاله -: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} البقرة:
¬
(¬1) ينظر: التوضيح 2: 62، والتلويح 2: 62، وغيرهما.
(¬2) ينظر: خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار ص155.
240 ثم نسخ منه ما عدا الأربعة الأشهر والعشرة بقوله - جل جلاله -: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} البقرة: 234 (¬1).
وهذا النّسخ لا يكون إلا في عهد النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه يحتاج إلى وحي، ولا وحي بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -.
الميّزةُ الرّابعة: أمر الشّارع بتقليد المجتهدين:
إنَّ تقليدَ العوام للعلماء المجتهدين بدأ من عصر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بأمر من الشّارع الحكيم؛ قال - جل جلاله -: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون} النحل: 43، وقام النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ببعث أصحابه إلى خارج المدينة ودربّهم على الاجتهاد ـ كما سبق ذكره في بعث معاذ وعليّ - رضي الله عنهم - إلى اليمن ـ واجتهادهم لا يكون إلا فيما لا نصّ فيه ممَّا وقع لهم من حوادث ومسائل سئلوا عنها؛ ليقلدهم النَّاس فيها.
أضف إلى ذلك إقرارُ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - لاجتهادات صحابته - رضي الله عنهم - في المدينة وتقليد غيرهم لها ـ كما سبق ـ.
قال الكوثريّ (¬2): «وقد درَّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحابة - رضي الله عنهم - على الرأي والاستنباط في أحكام النَّوازل غير المنصوص عليها من النصوص، بإرجاع النظير إلى النظير ... وكان المجتهدون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون بالرأي، وكذلك الفقهاء من التابعين».
¬
(¬1) ينظر: الفصول في الأصول 2: 215 - 220، وغيره.
(¬2) في تأنيب الخطيب ص168.
وقال العثماني (¬1): «ولم يكن أحد في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشتغل بمنصب الإفتاء غيره، غير أنَّه - صلى الله عليه وسلم - ربّما فوَّض أمر الإفتاء إلى بعض أصحابه، ولعله ليُمَرنهم على الاجتهاد والاستنباط، مثل ما رواه ابن عمرو - رضي الله عنهم -: «أنَّ رجلين اختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: لعمرو: اقضِ بينهما، فقال أقضي بينهما وأنت حاضر يا رسول الله! قال: نعم، على أنَّك إن أصبتَ فلك عشر أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر» (¬2).
وكذلك بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض الصحابة - رضي الله عنهم - إلى البلاد النائية فَأَذِنَ لهم بالإفتاء والقضاء».
ولم يكن هذا الاجتهاد لكلّ الصحابة - رضي الله عنهم -، ولكن لكبارهم ممَّن كانوا أهلاً له وبلغوا رتبته، قال سهل بن أبي حثمة - رضي الله عنه -: «كان الذي يُفتون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار: عمر وعثمان وعلي وأُبَيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت» (¬3)؛ لأنَّ أمرَ الاجتهاد عظيم، ولا يستطيع أن يفعلَه إلا مَنْ درس العلم وضبطه وكان قادراً عليه، وهذا لا يتحصل إلا في قلّةٍ نادرةٍ من النّاس.
المطلب الثالث: دعاوى وردّها:
الأولى: أنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تأثر بفقه أَجنبي من هنا أو هناك.
¬
(¬1) في أصول الإفتاء ص 29، معارف.
(¬2) في المستدرك 4: 99، وصححه.
(¬3) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص 20، وغيره.
ويجاب عنها: بأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُميٌّ لم يجلس إلى معلم قط, وقد نشأ في أمة أمية لا عهد لها بالقانون الروماني أو غيره، نعم كانت هناك أعراف اصطلح عليها الناس, فأحياناً نجد أنَّ بعض هذه الأعراف قد أقرها الشارع، وأحياناً نجد أنَّ الشارع قد أبطل هذه الأعراف: كعرف التبني، وعرف الظهار، وبعض أنواع الأنكحة التي كانت معروفة عند العرب, والربا فقد كان معروفاً بينهم, إلى غير ذلك, ولا يستطيع أي إنسان ـ مهما كان مغالياً في عدائه للإسلام ـ أن يدَّعي أنَّ التشريع في هذا العهد قد تأثر بغيره من تشريعات الأمم السابقة (¬1).
الثانية: أنَّه ينبغي الرجوع في الأحكام الفقهية إلى الله ورسوله لا إلى أقوال الفقهاء، قال - جل جلاله -: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} النساء: 59.
ويجاب عنه: بأنَّ ظاهر الآية يقتضي أنَّ التنازع واقع في غير المنصوص عليه؛ إذ كانت العادة أنَّ التنازع والاختلاف بين المسلمين لا يقعان في المذكور بعينه في نصّ قرآنيّ أو سُنة نبوية؛ لذلك أَمَرَ برد المتنازع فيه إلى كتاب الله تعالى وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - في حياته, وسنته بعد وفاته، والردُّ إلى الكتابِ والسنةِ إنَّما هو باستخراج حكمِهِ منه بالاجتهاد والنظر ...
ويَدُلُّ عليه: قوله - جل جلاله -: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} النساء: 83، وأولي الأمر، هم أولو العلم، فَأَمَرَ باستنباط ما أشكل عليه حكمه ... .
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 23 - 24، وغيرها.
ويدلّ عليه أيضاً: قوله - جل جلاله -: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} النحل: 89، وقوله - جل جلاله -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} المائدة: 3، وقال - جل جلاله -: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون} الأنعام: 38، فإذا لم نجد فيه كل حكم منصوصاً, علمنا أنَّ
بعضه مدلول عليه، ومودع في النص، نصل إليه باجتهاد الرأي في استخراجه (¬1).
الثانية: أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يأمرُ ويَنهى دون أن يفصِّل بالمراتب المعروفة لدى الفقهاء من واجب وسنة ومندوب ومكروه وغيرها، فلا حاجة لهذا التفصيل.
ويمكن الجواب عن هذا، بأنَّه غدت الحاجة للتفصيل لأسباب منها:
1.فساد الزمان وقلّة العمل وكثرة السؤال من الناس، بخلاف عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنَّه كان عصر صلاح وفلاح بفضل بركة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويشهد له قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ويحلف الرجل ولا يستحلف» (¬2)، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهنَّ في القرآن منهن: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ
¬
(¬1) ينظر: الفصول في الأصول 4: 29 - 31.
(¬2) في صحيح البخاري 3: 133، وصحيح مسلم4: 1992، جامع الترمذي3: 1335 واللفظ له، وصحيح ابن حبان15: 122، والمعجم الأوسط 2: 184، وسنن ابن ماجه 2: 791، وغيرها.
قِتَالٍ فِيهِ} البقرة: 217، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} البقرة: 222، قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم (¬1) (¬2).
2.حفظاً لعلوم الدين بعدما توسعت رقعة الإسلام.
3.تسهيلاً على المتعلمين لأحكام الشريعة والمطبقين لها.
4.تباين العلوم والتخصص في كل منها، فكانت وظيفة الفقيه هي بيان التفاريع الفقهية وحكمها على ما اصطلح عليه بدقّة متناهية.
5.إنَّه لكل فنٍّ وعلم اصطلاحاته الخاصة به التي تزداد كلما نما هذا العلم، وعلم الفقه كغيره برز وظهر بعدما كان مختلطاً بغيره في بداية الإسلام، وكان لا بدّ لتميزه من ظهور ألفاظ خاصّة به بيّنها أهله.
6.إنَّ هذه المراتب للأحكام ليست عقلية، وإنَّما أُخذت بالنظر المستفيض في نصوص الشرع، وقوة دلالتها على الأحكام، فأريد بها التعبير عن مقصود الشارع في الالتزام بهذه الأحكام.
7.إنَّ مبنى حال الشارع على التعليم والتذكير معاً: {إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر} الغاشية: 21، فكان يُعبِّر بما هو أدعى للعمل وأبعد عمّا يوجب الكسل، والصحابة
¬
(¬1) في سنن الدارمي 1: 63، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 159: رواه الطبراني في الكبير وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنَّه اختلط وبقية رجاله ثقات.
(¬2) هذا حصر إضافي وذلك بالنظر إلى ما ذكر من سؤالهم في القرآن، أما سؤالهم في السنة المطهرة فأكثر من أن يحصى. ينظر: هامش الإنصاف في أسباب الاختلاف ص17، وغيره.
- رضي الله عنهم - كانوا إذا أُمروا بشيء أخذوا بجميع مراتبه، وإذا نهوا عنه تركوه بالكلية، فلم تكن حاجة إلى البحث (¬1).
¬
(¬1) وتفصيل هذه النقطة بما ذكره العلامة محمد أنور شاه الكشميري في فيض الباري شرح صحيح البخاري 1: 280: اعلم أنَّ هناك وظفتين:
الأولى: وظيفة الواعظ والمذكِّر، فإنَّه يحرض على العمل ويرغِّب إليه، فيختار من التعبيرات ما يكون أدعى لها، ولا يلتفت إلى تحقيق المسألة واستيفاء شرائطها وموانعها، بل يرسل الكلام فيعد ويوعد ويرغِّب ويرهِّب مطلقاً ويأمر وينهى ولا يلتفت إلى مزيد التفاصيل.
والثانية: وظيفة المعلِّم والفقيه، وهو يريد تلقين العلم وبيان المسألة، أما العمل بها فبمعزل عن نظره، فيحقق البيان ويدقق الكلام ويستوفي الشروط ويختار من التعبيرات ما لا يكون موهماً بخلاف المقصود، بل يكون أدل عليه وأقرب إليه، فلا يرسل الكلام بل يذكره بشرائطه ويعد ويوعد ويرغِّب ويرهِّب بشرائطه.
فهاتان وظيفتان، ومنصب الشارع منصب المذكِّر؛ قال الله - جل جلاله -: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر} الغاشية: 21 - 22، وليس له منصب المعلِّم فقط، فهو مذكِّر ومعلم معاً، فوجب أن يعبر بما هو أدعى للعمل وأبعد عما يوجب الكسل.
وهذا هو التعليم الفطري، فإنَّ أكثر تعليماته - صلى الله عليه وسلم - مستفادة من عمله، فما أمر به الناس عمل به أولاً ثم تعلم منه الناس؛ ولذا لم يحتاجوا إلى التعليم والتعلم، ولو كان طريقه كما في زماننا لما شاع الدين إلى الأبد، ولكنَّه علَّم الناس بعمله، ثم إذا قال لهم أمراً اختار فيه الطريق الفطري أيضاً، وهو الأمر بالمطلوب والنهي عن المكروه، ولم يبحث عن مراتبه، قال - جل جلاله -: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} الحشر: 7، فهذا هو السبيل الأقوم.
أما البحث عن المراتب، فهو طريق مستحدث سلكه العلماء؛ لفساد الزمان، وأما الصحابة - رضي الله عنهم - فإنَّهم إذا أُمروا بشيء أخذوه بجميع مراتبه، وإذا نهوا عنه تركوه بالكلية، فلم تكن لهم حاجة إلى البحث.
ولو كان الشارع تعرض إلى المراتب لفاته منصب المذكِّر، ولانعدم العمل، فإنَّه إذا جاء البحث والجدل لبطل العمل، مثلاً لو قال تعالى: فاعتزلوا النساء عن موضع الطمث ولا تقربوه فقط واستمتعوا بسائر الأعضاء، لربما وقع الناس في الحرام؛ لأنَّ مَنْ يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وإنَّما أخذ الاعتزال في التعبير؛ ليكون أسهل لهم في العمل ولا يقعوا في المعصية.
وكذا إذا أحب أمراً أمر به مطلقاً؛ ليأتمر به الناس بجميع مراتبه ويقع في حيز مرضاة الله تعالى، مثلاً: قال - صلى الله عليه وسلم -: (من ترك الصلاة فقد كفر)، ولم يقل فعل فعل الكفر أو مستحلاً أو قارب الكفر، مع أنَّه كان أسهل في بادئ النظر؛ لأنَّه لو قال كذلك لفات غرضه من التشديد ولانعدم العمل؛ ولذا كان السلف يكرهون تأويله.
فالحاصل: أنَّه إذا أمرنا بشيء فكأنَّه يريد العمل به بأقصى ما يمكن بحيث لا تبقى مرتبة من مراتبه متروكة، وكذلك في جانب النهي؛ ولذا كان يقول عند البيعة: (فيما استطعتم) فبذل الجهد والاستطاعة لا يكون إلا إذا أجمل الكلام، وإذا فصَّل يحدث التهاون كما هو مشاهد في عمل العوام وعامة العلماء الذين ما لهم وجاهة عند الله وقَبول في جنابه، فهم ليسوا من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. ينظر: الرسول المعلِّم ص190 - 192.
وأجاب العلامة محمد الحسن الحجوي الفاسي (ت1367هـ) عن كيفية أخذ الفقهاء الأحكام الخمسة من القرآن بكلام طويل، أذكر بعضه، إذ قال (¬1): «غير خفي أنَّ القرآن ليس من الأوضاع البشرية الموضوعة لبيان علم من العلوم بمصطلحاته، بل هو كلام الله الذي أنزله على عبده؛ لينقذ الناس من الظلمات إلى النور، جعله في أعلى طبقات البلاغة؛ ليحصل الإعجاز وتثبت النبوة، وساقه مساق البشارة والإنذار والوعظ والتذكير؛ ليكون مؤثراً في النفوس، رادعاً لها عن
¬
(¬1) في الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 1: 116 - 117.
هواها، سائقاً لها بأنواع من التشويق إلى الطاعة وترك المعصية، والفصاحة من أعظم المؤثرات على عقول البشر بتنوع العبارة التي تؤدي بها تلك الأحكام.
ومن طبيعة البشر أن تملّ من عبارة واحدة ولا يحصل بها التأثير المطلوب، فلو قيل في كل مسألة: هذا واجب، هذا مندوب، هذا حرام، هذا مكروه، هذا جائز، لتكرر اللفظ ولم يكن هناك الفصاحة المؤثرة؛ فلذلك تجد القرآن تارة يعبر ببعض الألفاظ المصطلح عليها: كالحرمة والحلية، قال - جل جلاله -: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} المائدة: 3، ... {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} النساء: 24، ويعبر بالوجوب بمادة فرض: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} الأحزاب: 50، ... .».
• • •
المبحث الثاني
طور عصر الصحابة - رضي الله عنهم -
هذه الدعوة المُحمديّة التي خيمت بظلالها على الجزيرة العربية في عصر نبيّها - صلى الله عليه وسلم -؛ لسلوكه طريق الجهاد في سيرته؛ لإرشاد النّاس إلى الدِّين الحقّ، وبذل الغالي والنَّفيس في سبيلِ الإسلام ونشره إلى البشرية جميعاً، فَحَمل الرّاية من بعده أصحابُه البررة - رضي الله عنهم - وصدعوا بالحقّ حتى امتدت دعوتهم إلى بلاد الشام ومصر والعراق وغيرها، فدخل في الإسلام أقوام جدد لهم عاداتهم وتقاليدهم وحياتهم الخاصة بهم، واختلط العرب بغيرهم من أمم العجم في البلاد التي فتحوها.
فكثرت بذلك الأحداث والمستجدّات الجديدة التي لم تكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتي تتطلب بيان حكم الله - جل جلاله - فيها، وإلا كان الإسلام عاجزاً عن تغطية حياة الناس من الأحكام الشرعية.
فمضى الصَّحابة - رضي الله عنهم - على النَّهج الذي رَبَّاهم عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الاجتهاد، فاستمرت مسيرة الإسلام بالهيئة التي أرادها الله - عز وجل -؛ لأنَّه تكفَّل بحفظ شرعه.
وهذا الطور يمثل حقبة رأس السلف، وهم الصحابة - رضي الله عنهم -، فحريٌّ بنا أن نتوقّف معهم ملياً، ونتبيّن ما هي الخطوط العريضة التي ساروا عليها في اجتهادهم، وما هي الدُّروس التي استفادوها من حضرةِ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في تطبيقِ الإسلام؛ لتكون نبراساً لنا، ونجعلها ميزاناً في تمييز طريق الحقّ من الباطل، ونتدبّر حال مَنْ جاء بعدهم في التزام طريقهم، وذلك من خلال التفصيل الآتي:
المطلب الأول: مظاهر هذا العصر:
الأول: متابعة الصحابة - رضي الله عنهم - لهدي نبيّهم - صلى الله عليه وسلم - في الرجوع إلى القرآن ثم السّنة في معرفة الأحكام الفقهية، فإن لم يجدوا فيهما اجتهدوا برأيهم؛ لبيان مقصود الله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما لا نصّ فيه مما يجد من مسائل، وهذا هو المنهج الوارد في حديث معاذ - رضي الله عنه -، ويتجلّى ذلك في أمرين:
1.الفروع العديدة التي رويت عنهم - رضي الله عنهم -، كما في «مصنف عبد الرزاق» و «مصنف ابن أبي شيبة» وغيرها من الكتب الحديثية والفقهيّة.
2.النصوص الكثيرة الواردة عنهم - رضي الله عنهم - في اجتهادهم باستعمال رأيهم في استنباط الأحكام على مراد الشارع، ومن أمثلة ذلك:
أ. رسالة عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، قال فيها: الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن والسنة، فتعرّف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبّها إلى الله وأشبهها فيما ترى (¬1). (¬2)
ب. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنَّ رجلاً تزوج امرأة فلم يفرض لها ولم يمسّها حتى مات، قال: فردّهم، ثم قال: أقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأً فمنّي، أرى لها صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، قال: فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: أشهد أنَّك قضيت فيها بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بروع ابنة واشق، ففرح عبد الله بذلك وكَبَّر (¬3).
قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬4): «والقول المحتم أنَّ فقهاء الصحابة والتابعين
وتابعيهم جروا على القول بالرأي، بمعنى: استنباط حكم النازلة من النصّ، وهذا من الإجماعات التي لا سبيل إلى إنكارها» (¬5).
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 10: 115، وسنن الدارقطني 4: 206، 207.
(¬2) قال الشيرازي في طبقاته ص20: إنَّ مَنٍْ نظر فتاوي عمر - رضي الله عنه - على التفصيل وتأمل معاني قوله على التحصيل، وجد في كلامه من دقيق الفقه ما لا يجد من كلام أحد، ولو لم يكن إلا الفصول التي ذكرها في كتابه إلى أبي موسى - رضي الله عنه - لكفى ذلك في الدلالة على فضله.
(¬3) المنتقى 1: 179، وصحيح ابن حبان 9: 409، والمستدرك 2: 196، وسنن أبي داود 2: 237.
(¬4) في مقدمة نصب الراية ص285.
(¬5) يرى الدكتور البوطي في كتابه: السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي ص27 - 28 سبب قلّة مسائل الرأي في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - أنَّ عندهم «مزيتان هما:
أولاً: السليقة العربية الخالصة عن شوائب العجمة.
ثانياً: الفطرة الإسلامية النقية الداعية إلى التسليم.
ومن المعلوم أنَّ الحاجة إلى تحكيم أي ميزان علمي في الاستنباط من الكتاب والسنة، إنَّما تأتي وليدة ضعف في معرفة اللغة العربية وآدابها، أو جدل يثور بين الأطراف فيما يحاولون فهمه ويتداولون الرأي فيه، وكلا هذين السببين كانا مفقودين تماماً في عصر الصحابة - رضي الله عنهم -، لا سيما في القسم الأول، فإذا أضفنا إلى ذلك أنَّ المسائل الدينية التي كانت تواجههم فعلاً وتشغل بالهم لحاجتهم إلى معرفة حكم الدين فيها، كانت محدودة وقليلة، ولا تخرج في غالب الأحيان عن دائرة النصوص الصريحة الواردة في القرآن أو السنة، عرفنا حقيقة الظرف الذي أغنى ذلك الرعيل الأول عن البحث في أي ميزان علمي يحتكمون إليه للنظر والاستنباط، فإنَّهم ما كانوا يتناقشون حتى يبحثوا عما يمكن أن يحتكموا إليه، وما كانوا يعانون من أي ضعف في الملكة اللغوية والذوق العربي حتى يقعوا من ذلك في حيرة تلجئهم إلى التمسك بمقياس يستعينون به، وما كانت الأحداث ومستجدات الأمور تتكاثر من حولهم حتى تحوجهم إلى الاستعانة بسلطان القياس والرأي ... .».
الثاني: تقليدهم - رضي الله عنهم - للأعلم والأصلح فيهم فيما اجتهد به من مسائل، ويتّضح ذلك فيما يلي:
1.حض النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على ملازمة طريقة خلفائه وفهمهم - رضي الله عنهم -؛ لأنَّهم أعلم أصحابه وأورعهم وأتقاهم، وأعرفهم بمقصود الشرع الكريم؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين (¬1)، فتمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ،
¬
(¬1) أطال الإمام اللكنوي - رضي الله عنه - في تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار ص48 - 53 الكلام عن سنة الخلفاء الراشدين، وفيه فوائد جمّة لمن طالعه.
وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة» (¬1)، وفي هذا الحديث فائدة أيضاً: أنَّ تقليد هؤلاء الأئمة الخلفاء فيما ذهبوا إليه ليس من البدع المحدثة، وإنَّما البدعة في ترك تقليدهم واتباع الهوى، وليس هذا مقام بيان البدع (¬2).
نشاط: ارجع لكتاب السيد عبد الله الصديق الغماري في البدعة ولخص أهم ما جاء فيه في نقاط.
2.متابعتهم وتقليدهم - رضي الله عنهم - لأهل الفضل والعلم منهم، فلمّا سئل أبو بكر - رضي الله عنه - عن الكلالة، قال: إنّي سأقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد، فلمّا استخلف عمر - رضي الله عنه -، قال: إنّي لأستحيي الله أن أردَّ شيئاً قاله أبو بكر (¬3). فقد تابع عمرُ - رضي الله عنه - أبا بكر الصديق - رضي الله عنه -، واقتدى الصحابة - رضي الله عنهم - بنهجهما وسيرتهما وأقوالهما ـ كما سيأتي ـ.
3.إرشادهم المسلمين إلى اتباع اجتهادات العلماء الصالحين، ومِنْ أمثلة ذلك:
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 1: 179، والمستدرك 1: 174، والمسند المستخرج 1: 36، وجامع الترمذي 5: 44، وسنن الدارمي 1: 57، وغيرها.
(¬2) مَنْ أراد التفصيل في البدعة فليراجع كتب الإمام اللكنوي فإنَّها مليئة بكلام عن البدعة، يسرّ الله إخراجها في كتاب مستقل بعد أن جمعتها، وكذلك للسيد عبد الله الصديق الغماري تأليف خاص بالبدعة، وأيضاً لشيخنا العلامة الدكتور عبد الملك السعدي حفظه الله كتاب لطيف في البدعة.
(¬3) في سنن الدارمي 2: 462، وسنن البيهقي الكبير 6: 223، ومسند الربيع 1: 305، وغيرها.
أ. قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إنَّه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي، ولسنا هنالك، ثم إنَّ الله - جل جلاله - قدَّر علينا أن بَلَغْنَا ما ترون، فمَن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه، ولا يقول: إنّي أخاف وإنّي أخاف، فإنَّ الحلالَ بيِّن والحرامَ بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك (¬1).
ب. وعن الشعبي - رضي الله عنه -: أنَّ عمر - رضي الله عنه - كتب إلى شريح - رضي الله عنه - إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يغلبنك عليه الرجال، وإذا جاءك ما ليس في كتاب الله - جل جلاله - فانظر في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بها، فإن كان أمر ليس في كتاب الله - جل جلاله - ولم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانظر ما أجمع عليه الناس فخذ به، فإن كان ممَّا ليس في كتاب الله - جل جلاله - ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتكلم فيه قبلك أحد فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد رأيك وتقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخّر، ألا وإنَّ التأخير خير لك (¬2).
¬
(¬1) في سنن النسائي 3: 469، وقال النسائي: هذا الحديث جيدٌ جيدٌ، والمجتبى 8: 230.
(¬2) في الأحاديث المختارة 1: 239، وقال المقدسي: إسناده صحيح، وسنن الدارمي 1: 71، ومصنف ابن أبي شيبة 4: 543، وسنن البيهقي الكبير 10: 110، وغيرها.
ج. وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به، وإذا لم يكن في كتاب الله وقاله رسول - صلى الله عليه وسلم - قال به، وإن لم يكن في كتاب الله ولم يقله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقاله أبو بكر وعمر - رضي الله عنهم - قال به، وإلا اجتهد رأيه (¬1).
فإذا كان هذا هو نهج الصحابة - رضي الله عنهم - مع بعضهم البعض من تقديم قول الأعلم والأصلح، فيجدر بنا أن لا نُقدم أقوالنا على أئمة المذاهب: كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؛ لما اشتهر من علمهم وصلاحهم، وإلا لم نكن متبعين لطريق السلف.
الثالث: حرصهم - رضي الله عنهم - على الاجتهاد فيما جدَّ من مسائل لمَن كان أهلاً لذلك، كما اتّضح ذلك في رسالة عمر - رضي الله عنه - لأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، وكتابه إلى القاضي شريح - رضي الله عنه -، وكلام ابن مسعود - رضي الله عنه - السابق ذكره.
أما ما ورد عنهم من النهي عن الرأي: كقول أبي بكر - رضي الله عنه - عندما سئل عن آية من كتاب الله - جل جلاله -، قال: «أية أرض تقلني أو أية سماء تظلني أو أين أذهب وكيف أصنع إذا أنا قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد الله بها» (¬2)، وفي لفظ: «إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم» (¬3)، وفي لفظ: «إذا قلت في كتاب الله برأيي» (¬4).
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 10: 115.
(¬2) في سنن سعيد بن منصور 1: 168.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 6: 136.
(¬4) في شعب الإيمان 2: 424. قال الرازي في الفصول في الأصول 4: 62: إنَّما مراده منع الاجتهاد مع وجود النص أو دليله.
وقول عمر - رضي الله عنه -: «إيّاكم وأصحاب الرأي، فإنَّهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فَضَلوا وأضلوا» (¬1).
وقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شرّ منه، لا أعني عاماً أخصب من عام، ولا أمطر من عام، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيهدم الإسلام وينثلم» (¬2).
وقول علي - رضي الله عنه -: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه» (¬3)
فإنَّه إن صحّ عنهم ما نُسب إليهم من هذه الأقوال، فإنَّها محمولة على الرأي المذموم المخالف للدين القائم على الهوى دون استناد لنصٍّ وأصل وفهم شرعيّ للنصوص، بخلاف الرأي الممدوح المبيِّن لمراد الله - جل جلاله - في شرعه الكريم، ويؤيّد ذلك ما سبق ذكره مما ثبت عنهم من قولهم بالرأي وتشجيعهم عليه، وبذلك لا معارضة بين هذه الأقوال وتلك.
ويدل على أنَّ عمر - رضي الله عنه - إنَّما أراد مَنْ قال بالرأي قبل حفظ الأصول من الكتاب والسنة والإجماع، قوله: إياكم وأصحاب الرأي، فإنَّهم أعيتهم الأحاديث
¬
(¬1) في سنن الدارقطني 4: 146، واعتقاد أهل السنة 1: 123.
(¬2) في السنن الواردة في الفتن 3: 517، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 180: رواه الطبراني في الكبير، وفي مجالد بن سعيد وقد اختلط.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 1: 292، وتأويل مختلف الحديث 1: 20.
أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فخصَّ بالذم مَنْ ترك حفظ أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقدم على القول بالرأي قبل العلم بها (¬1).
وأنَّ عليّاً - رضي الله عنه - إنَّما أراد أنَّ أصول الشريعة لم تثبت من طريق القياس, وإنَّما طريقها التوقيف، وغير جائز استعمال القياس في رد التوقيف, فكان القياس أن يكون باطن الخف أولى بالمسح؛ لأنَّه يلاقي الأرض بما عليها من طين وتراب وقذر ولا يلاقيها ظاهره، إلا أنَّه لم يستعمل القياس؛ لأنَّه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ظاهر الخف دون باطنه, فهذا يدلّ على أنَّه كان مراده نفي القياس مع النصّ (¬2).
الرابع: حرصهم - رضي الله عنهم - على المشاورة في الأحكام الشرعية؛ إدراكاً منهم للفهم الصواب للمسألة، ولئلا يكون فيها نصٌّ خفي عن بعضهم.
روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: أنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي والفقه، دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار، دعا عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وَأُبَيّ بن كعب وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم -، فمضى أبو بكر - رضي الله عنه - على ذلك، ثم ولي عمر - رضي الله عنه - فكان يدعو هؤلاء النفر (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الفصول في الأصول 4: 64 - 65، وغيره.
(¬2) ينظر: الفصول في الأصول 4: 63، وغيره.
(¬3) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص21، وغيره.
وقال الشعبي - رضي الله عنه -: «مَنْ سرّه أن يأخذ بالوثيقة في القضاء، فليأخذ بقضاء عمر - رضي الله عنه -؛ فإنَّه كان يستشير» (¬1). ومِنْ أمثلة ذلك:
1.عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: أنَّ عمر - رضي الله عنه - لما استشارهم في ميراث الجد والأخوة، قال زيد - رضي الله عنه -: وكان رأيي أنَّ الأخوة أولى بالميراث من الجد، وكان عمر - رضي الله عنه - يرى يومئذٍ أنَّ الجدّ أولى بميراث ابن ابنه من إخوته، قال زيد - رضي الله عنه -: فحاورت أنا عمر - رضي الله عنه - فضربت لعمر في ذلك مثلاً وضرب علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - لعمر - رضي الله عنه - مثلاً يومئذٍ السيل يضربانه ويصرفانه على نحو تصريف زيد هذا (¬2).
2.وعن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: أنَّ عمر - رضي الله عنه - استشارهم في إملاص المرأة، فقال
المغيرة - رضي الله عنه -: قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغرّة عبد أو أمة، فشهد محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - أنَّه شهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قضى به (¬3).
وهذه المشاورة إذا انتهت بالاتفاق على رأي في المسألة كانت إجماعاً منهم على حكمها، فلا يجوز لمن جاء بعدهم أن يخالفهم فيها؛ لأنَّ اجتماعهم عليها منبئ عن وجود نصّ استندوا إليه فيها، وإن لم يصل إلينا النص.
أما إذا أفتى أحد الصحابة - رضي الله عنهم - في مسألة ولم ينقل عن غيره خلاف فيها، فإنَّه يعتبر إجماعاً سكوتياً في المسألة، ومحل تفصيل الكلام في ذلك في كتب الأصول،
¬
(¬1) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص20، وغيره.
(¬2) في المستدرك 4: 377، وصححه، وسنن البيهقي الكبير 6: 246، وغيرهما.
(¬3) في صحيح البخاري 6: 2531، ومسند أبي عوانة 4: 111.