تهذيب الاختيار .......
... لتعليل المختار
جارٍ تحميل الكتاب…
تهذيب الاختيار .......
... لتعليل المختار
تهذيب الاختيار
لتعليل المختار
للإمام الفقيه المحدث عبد الله بن محمود الموصلي الحنفيُّ
(ولد سنة 599 هـ وتُوفي سنة 683 هـ)
ومعه
تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
الجزء الأول
(الطهارة والصلاة)
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي شَرَعَ لنا ديناً قويماً، وهدانا إليه صراطاً مستقيماً، وجعلنا من أهلِهِ تَعلُّماً وتعليماً، حمد مَن عمَّته رحمتُه وإفضاله، وغمرتْه أُعطيته ونواله، وأَشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أستزيد بها وفور نعمه، وأَسترفد بها وفور كرمه.
وأَشهد أنّ محمّداً عبدُه ورسولُه، الذي جمع بمبعثه شَمل الحقّ بعد تفرُّقه، وقَمع برسالتِه حزب الباطل بعد تطوّقه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعهم الذين سلكوا سَنَن سننه وصوابه.
وبعد:
فكنتُ جمعتُ في عنفوان شبابي مختصراً في الفقه لبعض المبتدئين من
أصحابي.
وسمّيتُه: بـ «المختار للفتوى» اخترتُ فيه قول الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ إذ كان هو الأَوَّل والأَولى؛ فلمَّا تداولته أيدي العلماء، واشتغل به بعضُ الفقهاء طلبوا منّي أن أشرحه شرحاً أُشير فيه إلى عللِ مسائلِه ومعانيها، وأُبيِّن صوّرها، وأُنبه على مبانيها، وأَذكر فروعاً يحتاج إليها، ويُعتمد في النَّقل
عليها، وأَنقل فيه ما بين أَصحابنا من الخلاف، وأُعلِّله متوخياً موجزاً في الإنصاف، فاستخرتُ الله تعالى، وفوَّضتُ أَمري إليه، وشرعتُ فيه مستعيناً به ومتوكِّلاً عليه.
وسمّيتُه: «الاختيار لتعليل المختار».
وزدتُ فيه من المسائل ما تعمُّ به البَلْوى، ومن الرِّوايات ما يحتاج إليه في الفتوى، يَفتقر إليها المبتدي، ولا يستغني عنها المنتهي.
والله سبحانه وتعالى أسأل أن يُوفقني للإتمام والإصابة، ويَرزقني المغفرة والإنابة، إنّه قديرٌ على ذلك، وجديرٌ بالإجابة، وهو حسبي، ونِعم الوكيل، نِعم المولى ونِعم النَّصير.
كتاب الطَّهارة
وهي في اللّغة: مطلقُ النَّظافة (¬1).
وفي الشَّرع: النَّظافةُ عن النَّجاسات (¬2).
¬
(¬1) الطهارة: مصدرُ طَهُرَ الشيء، وطَهُرَ خلاف نَجِس، كما في المغرب ص 295، والاسم الطُّهْرُ، وهو النَّقاءُ من الدَّنَسِ والنَّجَس، وهو طاهر العرضِ: أي برئَ من العيب، ومنهُ قيل للحالة المُناقِضة للحيض: طُهْر، كما في المصباح المنير ص 379.
(¬2) أي النظافة عن الحدث أو الخبث، كما في فتح باب العناية 1: 41، والدر المختار 1: 57.
وهذا التعريف يشمل طهارة ما لا تعلق له بالصلاة كالآنية والأطعمة، وأراد بالخبث ما يعم المعنوي، فيشمل الوضوء على الوضوء بنيّة القربة؛ لأنه مطهر للذنوب، كما في رد المحتار 1: 57.
فالطهارة نوعان:
1.طهارة عن الحدث، وتسمّى طهارة حكمية، وهي أنواع: الوضوء، والغسل، والتيمم.
2.طهارة عن الخبث، وتُسمّى طهارة حقيقية، كما في البدائع 1: 2.
والوضوء في اللَّغة من الوَضاءة: وهي الحُسْن (¬1).
وفي الشَّرع: الغَسل والمسح في أعضاء مخصوصة (¬2).
وفيه المعنى اللّغوي؛ لأنّه يَحسُنُ به الأعضاء التي يقع فيها الغَسل والمسح.
فالغَسل: هو الإسالة.
والمسح: الإصابة.
¬
(¬1) الوَضاءة: هي النظافة، والحسن، والنقاوة، كما في طلبة الطلبة ص4، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده» في سنن الترمذي 4: 281،والمستدرك 3: 699، وسنن أبي داود 3: 345: أي الوضوء اللغوي، وهو الغَسل، والوضوء مما مسته النار، والوضوء من مس الذكر هذا كلّه محمول على غسل اليد.
(¬2) لقوله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ... } [المائدة: 6]؛ إذ أمر - عز وجل - بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس. فلا بد من معرفة معنى الغسل والمسح:
فالغَسْل: هو إسالة المائع على المحل.
والمسح: هو الإصابة.
فإن غَسَل أعضاء وضوئه، ولم يسل الماء، بأن استعمله مثل الدهن، لم يجز في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه يجوز. كما في البدائع 1: 3.
وسببُ فرضيّة الوضوء: إرادةُ الصّلاة مع وجود الحدث؛ لقوله تعالى:
{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ} [المائدة: 6]، قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهم -: «معناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون» (¬1).
(وفرضُه: غَسلُ الوجه، وغَسلُ اليدين مع المِرْفَقين، ومَسحُ رُبع الرَّأس، وغَسلُ الرِّجلين مع الكَعبين)؛ لما تلونا.
فالوجه: ما يُواجه به، وهو من قصاص الشَّعر إلى أَسفل الذَّقن طولاً، وما بين شحمتي الأُذنين عَرضاً.
وسقط غَسل باطن العَينين؛ لما فيه من المَشقّةِ وخوف الضَّرر بهما، وبه تَسقطُ الطَّهارة.
ويجب غَسل ما بين العِذار (¬2) والأُذن (¬3)؛ لأنّه من الوجه، خلافاً لأبي
¬
(¬1) قال ابن قطلوبغا في الإخبار1: 1: «لم أجده مصرحاً كما قال، وإنّما روى أبو جعفر الطبري في تفسيره: سأل عكرمة عن قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]، فكل ساعة يتوضأ؟ فقال: ابن عبّاس: لا وضوء إلا من حدث».
(¬2) العذار: استواء شعر الغلام، يقال: ما أحسن عذاره: أي خطّ لحيته. ينظر: لسان العرب 4: 2857، وغيره.
(¬3) هذا عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -، قال الحصكفي في الدر المختار 1: 66: وبه يفتى. وقال ابن عابدين في رد المحتار 1: 66: وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، وعليه أكثر المشايخ.
يوسف - رضي الله عنه - بعد نبات اللِّحية؛ لسقوط غَسل ما تحت العِذار، وهو أقرب منه (¬1).
قلنا: سَقَطَ ذلك للحائل، ولا حائل هنا.
وقال زُفر - رضي الله عنه -: لا يدخل المِرْفَقان والكَعبان في الغَسل؛ لأنّ «إلى» للغاية.
قُلنا: وتستعمل بمعنى «مع»، قال الله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]، فتكون مجملةً، وقد ورَدَت السُّنَّة مُفسِّرةً لها، فقد صَحّ أنّه - صلى الله عليه وسلم -: «أدار الماء على مرافقه» (¬2)، ورأى رجلاً توضّأَ ولم يوصل الماء إلى كعبيه فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للأعقاب من النَّار، وأمره بغسلهما» (¬3).
¬
(¬1) معناه أنّ ما تحت العذار من الوجه يسقط غسلُه بالاتفاق بينهم، فمن باب أولى أن يسقط غسل البياض ما بين الأذن والعذار؛ لأنّ ما تحت العذار أقرب للوجه من البياض، ورُدّ عليه: أنّ ما تحت العذار سقط لتغطيته بشعر الوجه، فلم يبق من الوجه حتى يغسل، والبياضُ بقي مكشوفاً فيُعدّ من الوجه، وكلُّ ما كان من الوجه يجب غسله.
(¬2) فعن جابر أنَّه - صلى الله عليه وسلم -: «أدار الماء على مرفقيه» في سنن الدارقطني1: 83، وسنن البيهقي الكبير1: 56، وفي إسناده متروك، ويغني عنه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أنَّه توضأ حتى أشرع في العضد، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ» في صحيح مسلم1: 216.
(¬3) فعن عبد الله بن عمرو، قال: رجعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضئوا وهم عجال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للأعقا ب من النار أسبغوا الوضوء» في صحيح
مسلم1: 214.
قال ابن قطلوبغا في الإخبار1: 12: «لم أقف عليه وأستبعد وروده لإطباق أهل اللغة على مغايرة مسمى الكعب للعقب، فأنى يتوعد أحدهما لعدم غسل الآخر ولا ملازمة بين غسليهما، على أنه لو ورد كذلك لما أفاد المطلوب إذ يقال: هذا الذي لم يصل الماء الى كعبيه إن كان غسل عقبه، لا يتوعد لما غسل، وإن كان لم يغسلهما، فالوعيد لعدم غسلهما لا للكعبين، وهذا أولى بحمل الحديث؛ إذ لا يصح أن يتوعد لما غسل. غايته: أن الراوي ذكر الكعبين اتفاقاً لا أن عدم غسلهما هو المثير؛ لورود الوعيد، ومَن لم يغسل عقبيه لم يبلغ الماء كعبيه».
وكذا الآية مجملةٌ في مسح الرَّأس تحتملُ إرادة الجميع كما قال مالك (¬1) - رضي الله عنه -، وتحمتل إرادة ما تناوله اسم المسح كما قاله الشَّافعيُّ (¬2) - رضي الله عنه -، وتحتمل إرادةُ بعضِه (¬3) كما ذهب إليه أصحابُنا، وقد صَحَّ أنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «توضّأ فمسحَ
¬
(¬1) عند مالك - رضي الله عنه -: لا بد من استيعاب الرأس. ينظر: إرشاد السالك ص6، ومصباح السالك ص25، ومختصر الأخضر وشرحه هداية المتعبد ص13،والمقدمة العزية وشرحها الجواهر المضية ص15، وعمدة البيان ص27.
(¬2) عند الشافعي: يجزئ شعرة أو ثلاث شعرات. ينظر: الدرر البهية ص12، المقدمة الحضرمية ص6، وسفينة النجاة وشرحه كاشفة السجا ص19، والرياض البديعة ص15، وغيرها.
(¬3) أي ثلاثة أصابع؛ وهي رواية هشام عن الإمام كما في درر الحكام1: 10، وقال صاحب البحر1: 15: «ذكر في البدائع أنها رواية الأصول، وفي غاية البيان أنها ظاهر الرواية وفي معراج الدراية أنها ظاهر المذهب واختيار عامة المحققين، وفي الظهيرية وعليها الفتوى ... ومع ذلك فهي غير منصورة»، وفي مراقي الفلاح 1: 95: «أنه مردود وإن صحح»، وفي حاشية الطحطاوي1: 95 والشرنبلالية1: 10: «أنها غير المنصور رواية ودراية»، وفي رد المحتار1: 67: «لكن نسبها إلى مُحمّد - رضي الله عنه - فيحمل ما في المعراج من أنّها ظاهر المذهب على أنها ظاهر الرواية عن محمد توفيقاً»، وينظر: مجمع الأنهر1: 11.
بناصيتِه» (¬1)، فكان بياناً للآية، وحجّةً عليهما.
والمختارُ في مقدار النَّاصية ما ذُكر في «الكتاب»، وهو الرُّبع (¬2).
ولا يَزيدُ على مَرةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ بالتِّكرار يَصير غَسلاً، والمأمورُ به المسح.
قال: (وسنن الوضوء:
غَسل اليدين إلى الرُّسغين ثلاثاً قبل إدخالهما في الإناء (¬3) لمَن استيقظ من
¬
(¬1) فعن المغيرة - رضي الله عنه -: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» في صحيح مسلم1: 231.
(¬2) وهو اختيار صاحب الهداية1: 15، ومنية المصلي ص14، وتحفة الملوك ص24، وملتقى الأبحر ص18، والنقاية 1: 27، ونور الإيضاح1: 95، وهدية ابن العماد وشرحه ص77 - 78، والوقاية وشرحه 1: 10 - 14، والكنز وشرحه كشف الحقائق1: 6، والنهر 1: 32، وغنية المستملي ص20، وقال البحر 1: 31 أنها أصح الروايات رواية ودراية. وفي رد المحتار1: 67: «الحاصل أن المعتمد رواية الربع وعليها مشى المتأخرون كابن الهمام وابن أمير حاج وصاحب البحر والنهر والمقدسي والتمرتاشي والشرنبلالي وغيرهم».
(¬3) التقييد بالإناء وقع اتفاقاً، والغرض إدخال اليد في الماء، كما في السِّعاية ص105،
والكراهة في الإدخال تنزيهية؛ لأنّ النهي مصروف عن التحريم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، كما في البحر1: 19.
نومه) (¬1)؛ لحديث المستيقظ (¬2).
ثمّ قيل: إن كان الإناءُ صغيراً يَرفعه بيدِه اليُسرى يُصبُّ على اليُمنى، ثمَّ باليُمنى فيُصبُّ على اليُسرى؛ لتقع البَداءة باليُمنى، كما هو السُّنَّة (¬3).
وإن كان الإناءُ كبيراً يُدخل أَصابع يَده اليُسرى مَضمومةً دون الكفّ (¬4)،
¬
(¬1) قال ابن قطلوبغا في تصحيحه ص134 - 135: «الأصح أنه سُنّة مطلقاً، نصّ عليه في شرح الهداية، وقال في الجواهر: قوله إذا استيقظ، هذا الشرط وقع اتفاقاً؛ لأنه إذا لم يكن استيقظ وأراد الوضوء، السنة غسل اليدين، وقال نجم الأئمة في الشرح: قال في المحيط والتحفة وجميع الأئمة البخاريين: إنه سنة على الإطلاق»، وصحَّح السنية عامة الكتب المعتمدة، وفي غنية المستملي ص20، «والشرط في الحديث خرج مخرج العادة فلا يعمل بمفهومه إجماعاً فيسن غسل اليدين أول الوضوء مطلقا فأنهما آلة التطهير».
(¬2) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنَّه لا يدري أين باتت يده» في صحيح البخاري ر162، وصحيح مسلم ر237.
(¬3) أي كما هو ثابت بالسنة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا توضَّأتم فابدؤوا بميامنكم» في صحيح ابن حبان: 370، وسنن ابن ماجه1: 141، والمعجم الأوسط2: 21، وموارد الظمآن
1: 350، والبداء باليمنى مستحبة.
(¬4) أي لا يدخل الكف؛ لأنه لو أدخل الكفّ صار الماء مستعملاً: أي صار الماء الملاقي للكف مستعملاً إذا انفصل لا جميع ماء الإناء. كما في البحر1: 19.
ويأخذ الماء، فيَغسل يديه؛ لوقوع الكفاية بذلك، ولا يَكتفي بدون ذلك في العادة (¬1).
قال: (وتسميةُ الله تعالى في ابتدائه)؛ لمواظبتِه - صلى الله عليه وسلم - عليها، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن توضأ وذكر اسم الله تعالى كان طهوراً لجميع بدنه، ومَن توضّأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهوراً لما أصاب الماء» (¬2).
قال: (والسِّواك)؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - واظب عليه، وقال: «أوصاني خليلي جبريل - عليه السلام - بالسِّواك» (¬3).
¬
(¬1) أي لأن دون ذلك من الماء لا يكفي لتحقيق المقصود في غسل اليد.
(¬2) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن توضأ فذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لجسده، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لأعضائه» في سنن الدارقطني1: 74، وسنن البيهقي 1: 44.
والأولى في الاستدلال بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لمَن لا وضوء له، ولا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه» في المستدرك 1: 246، وصححه، وسنن الترمذي 1: 38، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» في سنن الدارمي1: 187، ومسند عبد بن حميد 1: 285، وغيرها، والمراد نفي الفضيلة والكمال، كما في منحة السلوك1: 84.
(¬3) فعن أبي أمامة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «تسوكوا، فإن السواك مطهرة للفم، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك، حتى لقد خشيت أن يفرض علي، وعلى أمتي، ولولا أن أشق على أمتي لفرضته عليهم» في سنن ابن ماجة1: 106، وضعفه ابن قطلوبغا في التعريف1: 4.
وعن عائشة رضي الله عنها: «السِّواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» في صحيح البخاري 2: 682 معلّقاً، وسنن النَّسائي الكبرى 1: 64، والمجتبى 1: 10، وصحيح ابن حبان 3: 349.
قالوا: والأصحُّ أنّه مستحبّ (¬1).
قال: (والمضمضةُ (¬2) والاستنشاقُ (¬3) ثلاثاً ثلاثاً) يأخذ لكلِّ مرّةٍ ماءً
جديداً؛ لمواظبته - صلى الله عليه وسلم - على ذلك كذلك (¬4).
قال: (ومسحُ جميع الرَّأس (¬5) والأُذنين بماءٍ واحدٍ) (¬6)؛ لما رُوِي أنَّه - صلى الله عليه وسلم -: «توضّأ ومسح بجميع رأسه» (¬7)، وقد تقدَّم أنّه - صلى الله عليه وسلم - «مسح بناصيتِه»، فيكون
¬
(¬1) صحَّحه صاحبُ الهداية1: 12، قال اللكنوي في إحكام القنطرة في أحكام البسملة ص79: وهو قول ضعيف.
والثاني: أنها سنة، واختاره القدوري في مختصره ص2، وصاحب البناية1: 133، والدر المختار1: 74، ومراقي الفلاح ص104، ودرر الحكام1: 10.
والثالث: أنها واجبة، صحَّحه اللكنويُّ في إحكام القنطرة ص82، وابن الهمام في فتح القدير1: 22 - 23.
(¬2) وحدُّ المضمضة: استيعاب جميع الفم، والمبالغة في أن يصل المال إلى رأس الحلق، كما في فتح باب العناية 1: 37.
(¬3) وحدّه: أن يصل الماء إلى المارِن، والمبالغة فيه أن يجاوز المارِن، كما في فتح باب العناية 1: 37.
(¬4) فعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً يأخذ لكلِّ واحدةٍ ماءً جديداً» في المعجم الكبير 19: 180، قال التهانوي في إعلاء السنن1: 56: «صحح صاحب السعاية أحاديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، وأثبت احتجاج الأئمة بحديثه عن أبيه، ويؤيده سكوت أبي داود ثم المنذري عنه، وتحسين ابن الصلاح له، قال العيني: سكت عنه أبو داود، وهو دليل رضاه بالصحة».
(¬5) وكيفيته: أن يضع كفيه وأصابعه على مقدِّم رأسه ويمدّهما إلى القفا على وجه يستوعب جميع الرأس، ثم يمسح أذنيه باصبعه، ولا يكون الماء مستعملاً بهذا؛ لأن الاستيعاب بماء واحد لا يكون إلا بهذه الطريقة، كما في تبيين الحقائق 1: 5، ورد المحتار 1: 82.
(¬6) وكيفيته: أن يمسح داخلهما بالسبابتين وظاهرهما بالإبهامين، كما في عمدة الرعاية 1: 64.
(¬7) فعن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجلاً، قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى أتستطيع أن تريني، كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: «نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه فغسل مرّتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه» في صحيح البخاري1: 48.
فرضاً، ويكون مسحُ الجميع سُنَّة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الأُذنان من الرَّأس» (¬1)، والمرادُ بيان الحكم دون الخِلْقة.
قال: (وتخليل اللّحية) (¬2)؛ لما رُوِي أنّه - صلى الله عليه وسلم -: «كان إذا توضّأ شَبَّك أَصابعَه في لحيتِهِ كأنَّها أَسنان المشط» (¬3).
¬
(¬1) فعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الأذنان من الرأس» في سنن ابن ماجة 1: 152، وقال الكناني في المصباح 1: 65: «إسناده حسن»، وقال القاري فتح باب العناية 1: 55: «إسناده صحيح».
وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ... ثمّ غرف غرفةً، فمَسَحَ برأسه وأُذنيه داخلهما بالسَّبابتين، عدا بإبهاميه إلى ظاهرِ اليُسرى فمسح ظاهرهما وباطنهما» في صحيح ابن حبان 3: 367، وصحيح ابن خزيمة 1: 77.
(¬2) قال ابن عابدين في رد المحتار 1: 79: «والمتبادر منه إدخال اليد من أسفل بحيث يكون كفّ اليد للداخل من جهة العنق، وظهرها إلى الخارج؛ ليمكن إدخال الماء المأخوذ في خلال الشعر، والتخليل يكون باليد اليمنى».
(¬3) فعن جابر - رضي الله عنه -: «وضأت النبي - صلى الله عليه وسلم - غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث وأربع، فرأيته يخلل لحيته بأصابعه كأنها أنياب المشط» في الكامل لابن عدي، وفي سنده: أصرم بن غياث. قال البخاري: منكر الحديث. قال النسائي: متروك. كما في الإخبار1: 8.
وعن حسان بن بلال - رضي الله عنه - قال: «رأيت عمار بن ياسر - رضي الله عنه - توضأ فخلّل لحيته فقيل له: أتخلل لحيتك؟ قال: وما يمنعني؟ ولقد رأيت رسول - صلى الله عليه وسلم - يُخلِّلُ لحيته» في سنن الترمذي 1: 44، وسنن ابن ماجة 1: 148، والمستدرك 1: 250.
وعن أنس - رضي الله عنه -: «إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلَّلَ به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي عزَّ وجل» في سنن أبي داود (1: 36، والجامع الصغير1: 112» للسيوطي، و «المعجم الأوسط3: 221، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد1: 235: «رجاله وثقوا»
وقيل (¬1): هو سُنةٌ عند أبي يوسف - رضي الله عنه - جائزٌ عندهما؛ لأنَّ السُّنةَ إكمالُ
الفرض في محلِّه، وباطن اللحية لم يبقَ محلاً للفرض (¬2).
قال: (و) تخليل (الأصابع) (¬3)؛ لأنَّه إكمالُ الفرض في محلِّه؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «خللوا أصابعكم قبل أن تتخللها نار جهنم» (¬4).
¬
(¬1) ذكر هذا في الهداية 1: 13، واللباب شرح الكتاب 1: 10، ومنح الغفار ق7/ب، وقال صاحب الفتاوى السراجية 1: 4: والمختار قول أبي يوسف - رضي الله عنه -. وقال صاحب غنية المستملي ص23: والأدلة ترجِّحُ قول أبي يوسف، وقد رجَّحه في المبسوط، وهو الصحيح.
(¬2) معناها أنّ الأصلَ عندهما: أنّ السُّنةَ شُرعت لإكمال الفَرض وتكميله، وفي مسألة اللحية لم يَعُد هذا المعنى متحقِّق؛ لأنّ تخليل باطن اللحية لا يكمل فرضية مسح ظاهر اللِّحية، ولأنّ باطنَ اللحية لم يَعُد فرضاً حتى يكون التَّخليل إكمالاً لهذا الفرض، فقد سَقَط غَسْل الوجه بنبات اللحية، فلم يبق الوجه محلاً للغَسل المفروض.
(¬3) وكيفية تخليل أصابع اليد: أن يشبِّك الأصابع، والرجل: أن يخلل بخنصر يده اليسرى بادياً من خنصر رجله اليمنى خاتماً بخنصر رجله اليسرى، كما في عمدة الرعاية 1: 64.
(¬4) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «خللوا بين أصابعكم، لا يخللها الله - عز وجل - يوم القيامة في
النار» في سنن الدارقطني 1: 95، وإسناده واه، كما في الدراية1: 24، وعن واثلة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن لم يخلل أصابعه بالماء خللها الله بالنار يوم القيامة» في المعجم الكبير 22: 64، وروي من قول الحسن البصري - رضي الله عنه - في مصنف عبد الرزاق ر67، ومصنف ابن أبي شيبة ر95، وعن لقيط بن صبرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع» في صحيح ابن حبان 3: 368، والمستدرك 1: 248، وسنن الترمذي 3: 155.
قال: (وتثليثُ الغَسل)، فالواحدةُ: فرضٌ، والثَّالثةُ: سُنّةٌ، والثَّانيةُ: دونها في الفضيلة، وقيل: الثَّانية: سُنّةٌ، والثَّالثةٌ: إكمالُ السُّنة، وأصلُه الحديث
المشهور أنَّه - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثاً، وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» (¬1).
¬
(¬1) فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال: «جاء أعرابيّ إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثاً ثلاثاً ثمّ قال: هكذا الوضوء فمَن زاد على هذا فقد أَساء وتَعَدَّى وظَلَم» في سنن النسائي الكبرى 1: 82، وسنن النسائي 1: 88، ومسند أحمد 2: 180، وقال الأرنؤوط: صحيح وهذا إسناد حسن.
وعن ابن عمر - رضي الله عنه -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا بماء فتوضأ مرَّة مرة، ثم قال: هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلاّ به، ثم دعا بماء فتوضَّأ مرَّتين مرَّتين، ثم سكت ساعة، ثم قال: هذا وضوء مَن توضَّأ به كان له أَجرُهُ مَرَّتين، ثمّ دعا بماءٍ فتوضَّأ ثلاثاً ثلاثاً، ثمّ قال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» في سنن البيقهي الكبير 1: 80، والسنن الصغرى 1: 89، قال الوادياشي في تحفة المحتاج1: 189: فيه ضعفٌ وانقطاع، واستشهدَ به الحاكم، اهـ، وقال ابن حجر في تلخيص الحبير 1: 57: صرح بضعف هذا الحديث ابن الجوزي والمنذري وابن الصلاح والنووي وغيرهم.
وما رُوِي أنَّ عثمان - رضي الله عنه -: «توضَّأ بالمقاعد (¬1) فغَسَل وجهَه ثلاثاً ويديه ثلاثاً، ومسح برأسه مرّةً واحدةً، وغَسل رجليه ثلاثاً، وقال: هكذا توضَّأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (¬2).
قال: (ويُستحبُّ في الوضوء النّية (¬3) والتَّرتيب (¬4))؛ ليقع قربةً، وليخرج عن عهدةِ الفرض بالإجماع.
¬
(¬1) المَقَاعد: هي دكاكين عند دار عثمان بن عفان، وقيل: درج، وقيل: موضع بقرب المسجد اتخذه للقعود فيه لقضاء حوائج الناس والوضوء ونحو ذلك. ينظر: شرح النووي لمسلم3: 114.
(¬2) فعن أبي أنس: أن عثمان توضأ بالمقاعد فقال: «ألا أريكم وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ثم
توضأ ثلاثاً ثلاثاً» في صحيح مسلم1: 207.
(¬3) اختلفوا في حكم النية على أقوال:
الأول: أنَّها مستحبة، ومشى عليه القدوري، والمصنف.
والثاني: أنَّها سنة، ومشى عليه الوقاية وشرحه1: 20، وملتقى الأبحر19 - 20، والنقاية 1: 44، ونور الإيضاح 1: 113، وتحفة الملوك ص24، والكنز 1: 8، وتبيين الحقائق 1: 5، والهدية العلائيةر24، ومنية المصلي ص15، وغرر الأحكام والشرنبلالية 1: 10، والفتاوى الهندية 1: 8، والبدائع 1: 105، ورد المحتار 1: 73، وصححه في الاختيار والجوهرة النيرة 1: 7.
(¬4) كما هو مذكور في النص القرآني؛ لمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها، وهذا دليل السنية، كما في مجمع الأنهر 1: 15.
وكذا يُستَحبُّ الموالاة، وهو أن لا يشتغل بين أفعال الوضوء بغيرِها (¬1)، وليس ذلك بفرض؛ لقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ} [المائدة: 6] الآية من غير اشتراطها؛ ولأنّه ذُكر بحرف الواو، وأنّها للجمع بإجماع أئمة النّحو واللغة نقلاً عن السِّيرافي (¬2)، والزِّيادة على النَّصِّ نسخٌ، ولا يجوز نسخُ الكتاب بالخبر؛ لأنَّه راجح.
وقيل: إنّهما سنتان (¬3)، وهو الأصحُّ؛ لمواظبته - صلى الله عليه وسلم - عليهما (¬4).
¬
(¬1) هذا ما ذكره في التُّحفة 1: 13، والمصفى، فإنَّهُ على هذا الوجهِ لو جفَّفَ لتركَ الولاء؛ ولذا مَنَعَ عنه بعضُ المشايخ، كما في جامع الرموز 1: 19 - 20، وصحَّح اللكنوي في الكلام الجليل فيما يتعلق بالمنديل ص 23: عدم تركه للولاء؛ لذلك كان الأولى أن الولاء غسل الأعضاء المفروضات على سبيل التعاقب بحيث لا يجفّ العضو الأوّل عند اعتدال الهواء، فلو جفَّفَ الوجه أَو اليد بالمنديلِ قبل غسل الرِّجل لم يترك الولاء.
(¬2) وهو الحسن بن عبد الله بن المرزبان السِّيرافي، أبو سعيد، قال ابن خلكان: وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، ينسخ ويأكل منه، من مؤلفاته: «البلاغة»، و «شرح المقصورة الدريدية»، و «شرح كتاب سيبويه»، (284 - 368 هـ)، ينظر: الوفيات 2: 78، والأعلام 2: 195.
(¬3) أي النية والترتيب، ومشى عامة الكتب على سنية الترتيب، كما في الوقاية ص 83، والنقاية 1: 56، والملتقى 1: 15.
(¬4) قال في الإخبار 1: 10: «أما مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الترتيب، فمأخوذٌ من حكاية
فعله كذلك، وفي ذلك أحاديث منها: حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - متفق عليه. ومنها: حديث عثمان - رضي الله عنه - متفق عليه. ومنها: حديث ابن عباس - رضي الله عنهم - عند البخاري إلى غير ذلك».
(والتَّيامنُ) (¬1)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله تعالى يحبُّ التَّيامنّ في كلِّ شيءٍ حتى التَّنعل والتَّرجُّل» (¬2).
(ومسحُ الرَّقبة) (¬3)، قيل: سنة، وقيل: مستحبُّ (¬4).
¬
(¬1) قال القاري في فتح باب العناية1: 57: «والأصحّ أنَّ التيامن سنة»، لكن اختار استحبابه أصحاب المتون: كالوقاية ص84، والنقاية 1: 57، والملتقى 1: 16.
(¬2) فعن عائشة - رضي الله عنه - قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحبُّ التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي
ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل» في صحيح البخاري1: 165،وصحيح مسلم1: 226.
(¬3) ورد في ذلك آثار يعضد بعضُها بعضاً تفيد استحباب مسح الرقبة: منها: ما رواه طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده - رضي الله عنه -: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القَذَال»، وفي رواية: «أول القفا» في مسند أحمد 3: 481، وسنن أبي داود 1: 32، وشرح معاني الآثار 1: 30، والمعجم الكبير 19: 18، والسنن الكبير للبيهقي 1: 60، وتاريخ بغداد 6: 169، وقد أثبت المجد ابن تيمية بهذا الحديث مسح الرقبة. والقَذَال: هو جماع مؤخِّر الرأس، كما في اللسان 5: 3561، ومنها: «مسح الرقبة أمان من الغُلّ ـ أي الطوق ـ يوم القيامة»، قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء1: 159: «سنده ضعيف». وقال القاري في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص434: «سنده ضعيف، والضعيف يعمل به في فضائل الأعمال؛ ولذا قال أئمتنا: إنَّه مستحب، أو سنة». وتمام الكلام على الأحاديث في مسح الرقبة في تحفة الطلبة في تحقيق مسح الرقبة للكنوي بتحقيقي.
(¬4) جمهور الحنفية قالوا: إنَّ مسح الرقبة مستحب، كما في تحفة الطلبة ص36، ومنهم
من قال: إنَّه سنة، كالشرنبلالي، وإليه يميل الكاشغري في منية المصلي ص6 - 7.
ويُكره (¬1) أن يستعين في وضوئه بغيره إلا عند العجز؛ ليكون أعظم لثوابه
وأَخلص لعبادته.
ويُصلِّي بوضوءٍ واحدٍ ما شاء من الفرائض والنَّوافل؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - «صلَّى يوم الخندق أربع صلوات بوضوءٍ واحد» (¬2).
¬
(¬1) أي تنزيهاً؛ ففي صحيح البخاري: «إنَّ أسامة - رضي الله عنه - صبّ الماء على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في وضوئه»، وفي شرحه لمغلطاي: قال في الطبري: صحّ عن ابن عباس - رضي الله عنهم - «أنَّه صبّ على يدي عمر - رضي الله عنه - الوضوء»، وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهم - المنع عنه، والصحيح خلافه، وثبت أنَّ مجاهداً - رضي الله عنه - كان يسكب الماء على ابن عمر - رضي الله عنهم - فيغسل رجليه.
وهل يجوز أن يستدعي الإنسان الصب من غيره فيأمره به؟ فيقال له: نعم؛ لما روينا من عند الترمذي محسناً من حديث ابن عقيل عن الربيع أنَّها قالت: (أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بميضأة فقال: اسكبي فسكبت)، والاستعانة جائزةٌ في السفر والحضر؛ لما في حديث صفوان بن عسال من عند ابن ماجه بسند صحيح على شرط ابن حبّان قال: «صببت على النبي - صلى الله عليه وسلم - الماء في السفر والحضر في الوضوء».
وأمّا في حديث: «إنا لا نستعين على الوضوء بأحد»، فقد ذكر فيه النووي أنَّه حديث باطل، لكن صحّ أنَّه - صلى الله عليه وسلم - ما كان يستعين على الوضوء بأحد، فيحمل الأول على الجواز، والثاني على الاستحباب، قاله السروجي، كما في حاشية الشلبي 1: 7.
(¬2) فعن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلى الصلوات بوضوء واحد يوم الفتح ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه، قال: عمداً صنعته يا عمر» في في صحيح مسلم1: 232، ومسند أحمد38: 85.
فصل
(ويَنقضُه كلُّ ما خَرَجَ من السَّبيلين ومن غيرِ السَّبيلين إن كان نَجَساً (¬1) وسال عن رأس الجرح) (¬2)؛ لقوله تعالى: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ} [النساء: 43]، والغائطُ حقيقةً: المكان المطمئن، وليست حقيقتُه مرادةً، فيُجعل مجازاً عن الأمر المحوج إلى المكانِ المطمئن، وهذه الأشياءُ تُحوج إليه؛ لتفعل فيه تَسَتُراً عن النَّاس على ما عليه العادة، حتى لو جاء من المكانِ المطمئن من غيرِ حاجةٍ لا يجب عليه الوضوء إجماعاً.
¬
(¬1) النَّجَس: كالدم المسفوح، والقيح والصديد ـ ماء الجرح الرقيق ـ، فلا ينقض نحو المخاط والدمع والبزاق واللعاب والعَرَق، كما في فتح باب العناية 1: 61.
(¬2) أي سواء كان في الوضوء أو الغسل، فيشمل الفم والأنف لحلول الجنابة فيهم، أما
إذا لم يتجاوز مخرج القُرْحة ـ الجرح ـ فإنه لا ينقض الوضوء، وإذا تجاوزه، فإنه ينقض الوضوء سواء كان الخروج بنفسه أو أخرج بعصر أو غيره، هذا ما ذهب إليه السرخسي في جامعه وصاحب الكافي وغاية البيان والنهاية واختاره صاحب الفتاوى البزازية 4: 12، وصححه ابن الهمام في القدير 1: 48، واللكنوي في عمدة القاري 1: 70، وغيرهم، واختار عدم النقض بالعصر صاحب الهداية 1: 15 - 16، والعناية 1: 48، وفتح باب العناية 1: 61، والملتقى 1: 17، وتبيين الحقائق 1: 8، وغيرهم.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الوضوءُ من كلِّ دمٍ سائلٍ» (¬1).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قاء أو رعف في صلاته فلينصَرف وليتوضأ» الحديث (¬2).
¬
(¬1) فعن زيد بن ثابت وتميم الداري - رضي الله عنهم - في الكامل لابن عدي 1: 190، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 128: أحمد بن الفرج من رجال الحسن، والباقون كلهم ثقات. وفي سنن الدارقطني 1: 157، قال في السعاية: يزيد بن خالد ويزيد بن محمد قد اختلف فيهما، وقد وثقوه كما في الكاشف للذهبي، كما في إعلاء السنن 1: 129.
وعن عائشة رضي الله عنها: «إنَّ فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، إني أستحاض الشهر والشهرين، قال: ليس ذلك بحيض، ولكنَّه عرق فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيه، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة» في صحيح ابن حبان 4: 188، وسنن الدارقطني 1: 212، وسنن ابن ماجة 1: 204، فنبّه - صلى الله عليه وسلم - على العلة الموجبة للوضوء، وهو كون ما يخرج منها دم عرق، وهو أعم من أن يكون خارجاً من السبيلين أو غيرهما، ثم أمرها بالوضوء لكل صلاة، كما في فتح باب العناية 1: 62.
وعن إبراهيم النَّخَعيّ - رضي الله عنه - قال: «إذا سال الدم نقض الوضوء»، وعن الحسن - رضي الله عنه -: «أنَّه كان لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلاً»، وعن عطاء - رضي الله عنه - قال: «إذا برز الدم من الأنف فظهر ففيه الوضوء»، وعن الشعبي - رضي الله عنه - قال: «الوضوءُ واجبٌ من كلِّ دم قاطر، قال سمعت الحكم يقول: من كل دم سائل»، هذه الآثار وغيرها في مصنف ابن أبي شيبة 1: 127، ومصنف عبد الرزاق 1: 144.
(¬2) فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن أصابه قيء أو رعاف أو قَلَس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) في سنن ابن ماجة1: 385، قال التهانوي في إعلاء السنن1: 113: والصحيح أنَّه مرسل صحيح الإسناد، وينظر: الدراية 1: 31، ونصب الراية 1: 38، وتلخيص الحبير 1: 274، والقَلَس: ما خرج من بطنه طعام أو شراب إلى الفم وسواء ألقاه أو أعاده إلى بطنه إذا كان ملء الفم أو دونه فإذا غلب فهو قيء. كما في المصباح ص513، وطلبة الطلبة ص8.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: «إذا رعف الرجل في الصلاة، أو ذرعه القيء، أو وجد مذياً فإنَّه ينصرف ويتوضأ ثم يرجع فيتم ما بقي على ما مضى ما لم يتكلّم» في مصنف عبد الرزاق 2: 339، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 1: 114.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «يُعاد الوضوءُ من سَبْعٍ»، وعَدَّ منها: «القيءُ ملءَ الفم، والدَّمُ السَّائل، والقهقهةُ، والنَّومُ» (¬1).
ويُشترطُ السَّيلان في الخارج من غيرِ السَّبيلين؛ لأنَّ تحت كلِّ جلدةٍ دماً ورطوبةً، فما لم يسل يكون بادياً لا خارجاً، بخلاف السَّبيلين؛ لأنّه متى ظَهَرَ يكون مُنتقلاً، فيكون خارجاً.
قال: (والقيءُ ملءُ الفم (¬2)) (¬3)؛ لما تَقَدَّمَ، وهو ما لا يُمكنه إمساكُه إلا
¬
(¬1) رواه البيهقي في الخلافيات، كما في الإخبار1: 25، ونصب الراية1: 71، قال
القاري في فتح باب العناية: ولا يَضرُّ ضعفُ سهلِ بن عفَّانَ والجارودِ بن يزيد لوجود أصل الحديث عند غيرهما.
(¬2) وشرط أن يكون ملء الفم؛ لأن للفم حكم الخارج حتى لا يفطر الصائم بالمضمضة، وله حكم الداخل حتى لا يفطر بابتلاع شيء من بين أسنانه مثل الريق فلا يعطى له حكم الخارج ما لم يملأ الفم. كما في المشكاة ص23.
(¬3) فعن أبي الدرداء - رضي الله عنه -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق أنا صببت له الدفع» في سنن الترمذي 1: 143، وقال: «قد جود حسين المعلم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب، وروى معمر هذا الحديث».
بمشقّةٍ (¬1).
وإن قاءَ قليلاً قليلاً، ولو جُمِع كان ملء الفم:
***فأبو يوسف - رضي الله عنه -: اعتبر اتحاد المجلس؛ لأنَّه جامعٌ للمتفرّقات على ما عُرِف في سجدةِ التَّلاوة وغيرِها.
ومحمّد - رضي الله عنه -: اعتبر اتحاد السَّبب (¬2)، وهو الغَثيان (¬3)؛ لأنّه دليلٌ على اتحاده.
¬
(¬1) وهذا ما مشى عليه في الهداية والكافي والخلاصة وصححه فخر الإسلام وقاضي خان والزيلعي في التبيين 1: 8، وقيل: ما لا يقدر على إمساكه. قال في البدائع: وعليه اعتمد الشيخ أبو منصور وهو الصحيح. وفي الحلبة: الأول: الأشبه. ينظر: رد المحتار 1: 137، وغيره.
(¬2) وصحح النسفي في «الكافي» قول محمد لأن الأصح إضافة الأحكام إلى أسبابها. ينظر: الدر المختار1: 95.
(¬3) الغَثَيان: هو اضطراب نفسه حتى تكاد تتقيأ من خِلْط ينصب إلى فم المعدة. ينظر: المصباح المنير2: 679.
وعند زُفر - رضي الله عنه -: ينقض القليلُ أيضاً كالخارج من السَّبيلين، وقد مَرَّ جوابُه.
ولا يَنقض إذا قاءَ بَلغماً وإن ملأَ الفم (¬1)، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: إن كان من الجوفِ نقضَ؛ لأنّه محلُّ النَّجاسة، فأشبه الصَّفراء (¬2).
قلنا: البَلغمُ طاهرٌ؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم -: «كان يأخذُه بطرفِ ردائه، وهو في الصَّلاة» (¬3)؛ ولهذا لا ينقض النَّازل من الرَّأس بالإجماع، وهو للزوجتِهِ لا تتداخله النَّجاسة، وبقي ما يجاوره من النَّجاسة، وهو قليلٌ، والقليلُ غيرُ ناقض، بخلافِ الصَّفراء، فإنّها تمازجها.
¬
(¬1) أي البلغم فغير ناقض أصلاً سواء كان نازلاً من الرَّأس أو صاعداً من الجوف، وسواء كان قليلاً أو كثيراً؛ لأنّه بسبب كونه لزجاً لا تختلط معه النَّجاسة، وهو في نفسه ليس بنجس، كما في شرح الوقاية ص87، والسعاية 1: 220.
(¬2) وهي أحد الأخلاط الأربعة، وهي: الدم، والمرة السوداء، والمرة الصفراء، والبلغم، كما في رد المحتار 1: 93، وفي اللسان 6: 4176: هي إحدى الطبائع الأربع، قال ابن سيده: المِرَّة مزاج من أمزجة البدن.
(¬3) فعن أنس - رضي الله عنه -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: إن أحدكم إذا قام في صلاته، فإنّه يُناجي ربّه، أو إن رَبّه بينه وبين القبلة، فلا يبزقنّ أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدميه ثم أخذ طرف ردائه، فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا» في صحيح البخاري1: 90.
(وإن قاء دماً أو قيحاً نقضَ وإن لم يملأ الفم).
وقال مُحمّد - رضي الله عنه -: لا ينقض ما لم يملأ الفم كغيرِهِ من الأخلاط.
قلنا: المعدةُ ليست مَحلاً للدَّم، والقيحُ إنّما يسيل إليها من قُرحةٍ أو جرحٍ، فإذا خرج فقد سال من موضعِهِ فينقض، حتى لو قاء علقاً (¬1) لا ينقض ما لم يملأ الفم؛ لأنه يكون في المعدة، هكذا روى الحَسَنُ عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - (¬2).
¬
(¬1) العَلَق: لغة دم منعقد، كما هو أحد معانيه، لكن المراد به هنا سوداء محترقة، وليس بدم حقيقة، ولهذا اعتبر فيه ملء الفم، وإلا فخروج الدم ناقض بلا تفصيل بين قليله وكثيره على المختار. ينظر: «رد المحتار» (1: 93).
(¬2) حاصله ما يخرج له حالان:
1.إن يكون نازلاً من الرأس، وله وجهان:
أ. إن كان علقاً لم ينقض اتفاقاً.
ب. إن كان سائلاً نقض اتفاقاً.
2.إن يكون صاعداً من الجوف، وله وجهان:
أ. إن كان علقاً فلا اتفاقاً ما لم يملأ الفم.
ب. إن كان سائلاً فعند أبي يوسف - رضي الله عنه - ينقض مطلقاً سواء كان ملأ الفم أو لم يكن ملأ الفم؛ لأنه صار نجساً بمجاورة النجاسة، وعند محمد - رضي الله عنه - لا ينقض ما لم يملأ الفم، وذكر في البحر قول أبي يوسف مع الإمام. وقال: واختلف التصحيح فصحح في البدائع قولهما. قال: وبه أخذ عامة المشايخ. وقال الزيلعي: إنه المختار، وصحح في المحيط قول محمد، وكذا في السراج معزياً إلى الوجيز. ينظر: رد المحتار 1: 137، وغيره.
(وإذا اختلط الدَّم بالبُصاق إن غلبَه نقض) حكماً للغالب.
وكذا إذا تساويا احتياطاً (¬1).
وإن غَلَبَ البُصاق لا؛ لأنَّ القليلَ مستهلكٌ في الكثيرِ فيصيرُ عدماً.
قال: (وينقضه النَّوم مضطجعاً) (¬2)؛ لما روينا، (وكذلك المتكئ والمستند) (¬3)؛ لأنَّه مثله في المعنى، قال - صلى الله عليه وسلم -: «العينُ وكاء السه، فإذا نامت العين انحل الوكاء» (¬4).
¬
(¬1) لأنّ البصاق سائل بقوة نفسه، فكذا مساويه بخلاف المغلوب؛ لأنه سائل بقوة الغالب، ويعتبر ذلك من حيث اللون فإن كان أحمر انتقض، وإن كان أصفر لا ينتقض، كما في الوقاية وشرحها ص87، والتبيين 1: 8.
(¬2) أي أن ينام واضعاً جنبَه على الأرض. ينظر: عمدة الرعاية1: 76.
(¬3) أي لو أزيل ذلك الشيء المستند عليه لسقط النائم، وقد اختلفوا فيها:
فمنهم من ذهب إلى أنه لا ينقض كصاحب الدر المختار1: 95، وصححه صاحب البدائع1: 31، وقال: وبه أخذ عامة المشايخ، وصححه الزيلعي في التبيين1: 10، وقال: رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم -.
ومنهم من اختار أنه ناقض كصاحب «الوقاية»، وشارحها في النقاية ص5، والحلبي في ملتقى الأبحر ص3، والطحاوي في مختصره ص19، والقدوري في «مختصره ص2، وصاحب الهداية، وصاحب المحيط ص144، وهذا إذا لم تكن مقعدته زائلة عن الأرض، وإلا نقض اتفاقاً. ينظر: رد المحتار1: 96.
(¬4) فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وكاء السه العينان فمَن نام فليتوضّأ» في سنن أبي داود1: 52، وحسّنه المنذريّ وابنُ الصلاح والنوويّ، كما في نصب الراية 1: 45.
قال: (والإغماء (¬1) والجنون) (¬2)؛ لأنَّهما أبلغُ في إزالة المُسكة من النَّوم؛ لأنَّ النَّائمَ يستيقظ بالانتباه، والمجنون والمغمى عليه لا.
قال: (والنَّوم (¬3) قائماً وراكعاً وساجداً وقاعداً) لا ينقض؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء على مَن نام قائماً أو راكعاً أو ساجداً أو قاعداً، إنما الوضوءُ على مَن نام مضطجعاً» (¬4).
¬
(¬1) الاغماء: ضَرْب من المرض يُضعِفُ القوى، ولا يزيل العقل، بل يستره بخلاف الجنون فإنه يزيله، وهو كالنوم في فوت الاختيار، وفوت استعمال القدرة حتى بطلت عبارته، كما في البحر الرائق1: 41.
(¬2) وكذا السكر على أي هيئة كان؛ لأنّ للجنون والإغماء أثراً في سقوط العبادة بخلاف النوم، ولأن القياس أن يكون النوم حدثاً في الأحوال كلها فترك بالنص ولا نص في هذه الأشياء فبقيت على الأصل، كما في تبيين الحقائق 1: 10.
(¬3) النوم نفسه ليس بحدث، وإنما الحدث ما لا يخلو النائم عنه فأقيم السبب الظاهر مقامه كما في السفر ونحوه.
والنعاس نوعان:
1.ثقيل، وهو حدث في حالة الاضطجاع، وحدُّه: أنه لا يسمع ما قيل عنده.
2.خفيف: وهو ليس بحدث فيها، وحده: أنه يسمع ما قيل عنده. كما في تبيين الحقائق 1: 10.
(¬4) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «أنَّه رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نام وهو ساجد حتى غطّ أو نفخ، ثمّ قام يُصلى فقلت: يا رسول الله، إنَّك قد نمت، قال: إنَّ الوضوء لا يجب إلاّ على مَن نام مضطجعاً، فإنَّه إذا اضطجع استرخت مفاصله» في سنن الترمذي 1: 111، وسنن أبي داود 1: 52، وفي مجمع الزوائد: رجاله موثقون، كما في إعلاء السنن 1: 129.
وعن عمرو شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس على مَن نام قاعداً وضوء حتى يضع جنبه إلى الأرض» في الكامل6: 467، قال القاري في فتح باب النقاية1: 66: هذه الأحاديث وإن كانت بانفرادها لا تخلو عن ضعف، إلا أنَّها إذا تعاضدت لم تنزله عن درجة الحسن، ولم يعارضه صريح مثله، فيجوز العمل به، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «ليس على المحتبي النائم، ولا على القائم النائم، ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع، فإذا اضطجع توضأ» في سنن البيهقي الكبير1: 122، قال ابن حجر في التلخيص 1: 120: إسناده جيد، وهو موقوف، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: «مَن نام مضطجعاً وجب عليه الوضوء، ومن نام جالساً فلا وضوء عليه» في مسند الشافعي 1: 228.
قال: (ومسُّ المرأة لا ينقضُ الوضوء)؛ لرواية عائشة رضي الله عنها: «أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قبَّلَ بعضَ نسائه ثمَّ صَلَّى ولم يتوضّأ» (¬1)، والآيةُ متعارضةُ
¬
(¬1) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان يُقبل بعض أزواجه ثم يصلي فلا يتوضّأ» في سنن النسائي الكبرى1: 97، والمجتبى1: 104، وسنن الدارقطني1: 137، وفي لفظ: «كان يُقبل بعض نسائه، ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ» قال الهيثمي في مجمع الزوائد1: 247: رواه الطبرانيّ في الأوسط، وفيه سعيد بن بشير وثقه شعبة وغيره وضعفه يحيى وجماعة. وقال التهانوي في إعلاء السنن1: 150: رواه البَزّار وإسناده صحيح، وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها: «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، فقلت من هي إلا أنت، فضحكت» في مصنف ابن أبي شيبة 1: 48، وسنن الدارقطني 1: 136، ورجاله كلهم ثقات، وسنده صحيح، وقد مال ابن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، وتمامه في إعلاء السنن 1: 153.
التَّأويل، فإنَّ ابنَ عبَّاس - رضي الله عنه - قال: المرادُ باللمسِ الجماع (¬1)، وقد تأكَّد بفعل النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - (¬2).
(وكذا مسُّ الذَّكر)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لطَلْق بن عليِّ - رضي الله عنه - حين سأله: «هل في مسِّ الذَّكر وضوء؟ قال: لا، هل هو إلا بضعةٌ منك» (¬3)؟ نَفَى الوضوء، ونَبَّه على العلّة، وما رُوِي: «مَن مَسَّ ذكرَه فليتوضّأ» (¬4) ...............................
¬
(¬1) كما في تفسير الطبري7: 64، قال الأرناؤوط: سنده صحيح، كما في هامش الاختيار1: 54، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: «ليس في القبلة وضوء» في سنن الدارقطني 1: 143، وقال: صحيح.
(¬2) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما» في صحيح البخاري1: 150، وصحيح مسلم 1: 367.
(¬3) فعن طلق بن علي - رضي الله عنه -، قال: «كنّا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إنَّ أحدنا يكون في الصلاة فيحتك فيصيب يده ذكره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وهل هو إلا بضعة منك أو مضغة منك» في صحيح ابن حبان3: 403،، والمنتقى1: 18، والمجتبى1: 101، وغيرها، وفي سنن الترمذي 1: 131: «وفي الباب عن أبي أمامة - رضي الله عنه -، وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعض التابعين أنَّهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك، وهذا الحديث أحسن شيء».
(¬4) في الموطأ 1: 67، وسنن النسائي 1: 216، فالمراد به غسل اليد للتنزيه أو كان كناية عن الحدث، كما في منحة السلوك1: 99.
طَعَن فيه يحيى (¬1) بنُ معين (¬2) وغيرُه من أئمةِ الحديث (¬3).
قال: (والقَهْقَهةُ (¬4) في الصَّلاة تنقضُ)؛ لما رَوينا؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا مَن ضَحك منكم قهقهةً فليعد الوضوءَ والصَّلاةَ جميعاً» (¬5)، وأنَّه وَرَدَ في صلاةٍ
¬
(¬1) وهو يحيى بن معين بن عَوْن بن زياد بن بسطام الغَطَفَانيّ البغدادي، أبو زكريا، قال المزي: إمام أهل الحديث في زمانه والمشار إليه من بين أقرانه، قال ابن حجر: ثقة حافظ مشهورٌ إمامُ الجرح والتعديل، (ت233هـ). ينظر: تهذيب الكمال31: 543 - 568، والتقريب ص527.
(¬2) في تاريخ ابن معين3: 464: «سئل يحيى عن الوضوء من مس الذكر، فقال: لا يتوضأ منه».
(¬3) وقال الطَّحاويُّ في شرح معاني الآثار1: 77: «لم نعلم أحداً من الصَّحابة - رضي الله عنهم - أفتى بالوضوء منه، غير ابن عمر - رضي الله عنهم -، وقد خالفه أكثرهم».
(¬4) أي قهقهة مصلٍّ بالغ يقظان يركع ويسجد، ولا فرق بين أن يكون عامداً أو ناسياً، فالكل ناقض، كما في شرح الوقاية ص89 - 90، والتبيين 1: 11.
(¬5) وهو عن أبي العالية وغيره: «إنَّ أعمى تردَّى في بئر، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بأصحابه، فضحك من كان يصلِّي معه، فأمر من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصَّلاة» في سنن الدارقطني1: 167، والكامل3: 167، وتاريخ جرجان1: 405، وسنن البيهقي الكبير2: 252، ومصنف عبد الرزاق2: 376، ومصنف ابن أبي شيبة1: 341، ومراسيل أبي داود ص75، قال اللكنوي بعد أن أورد طرق الأحاديث الواردة في القهقة في الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة: «فهذه الأحاديثُ المسندة، والأخبارُ المرسلةُ دالةٌ صريحاً على انتقاضِ الوضوءِ بالقهقهة».
كاملةٍ فيقتصر عليها؛ لوروده على خلاف القياس حتى لو ضَحك في صلاةِ الجنازة وسجدةِ التَّلاوة لا ينقض الوضوء.
والقَهقهة: أن يُسمعَها جاره (¬1)، وحكمُها: انتقاضُ الوضوء والصَّلاة جميعاً.
والضَّحك: أن يَسمعَها هو لا غير (¬2)، قالوا (¬3): وتبطل الصَّلاة لا غير.
والتَّبسم: ما لا يسمعه هو ولا غيره، ولا حكم له (¬4).
¬
(¬1) حكم القهقهة في خارج الصلاة: أنه قبيح وعمل شنيع. ينظر: الهسهسة ص 100.
(¬2) وحكم الضحك في غير الصلاة: أنه مباح من غير عجب، أو إكثار، وقد ثبت ضحكه - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه في عدّة مواضع، كما في صحيح البخاري 5: 2389، وصحيح مسلم 1: 173، وغيرها. ينظر: الهسهسة ص95.
(¬3) وعبر صاحب الهداية: وهو على ما قيل: يفسد الصلاة دون الوضوء.
(¬4) وحكم التبسم في غير الصلاة: أنه مباح؛ لما روي عن جابر بن سمرة - رضي الله عنه -: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يضحك إلا تبسماً» في سنن الترمذي 5: 603، وقال الترمذي: حسن غريب ومن هذا صحيح، وفي المستدرك 1: 662، ومصنف ابن أبي شيبة 6: 328. ومسند أحمد 5: 97. ومسند أبي يعلى 13: 553. والمعجم الكبير2: 244. ينظر: الهسهسة ص95.
وإن شَكَّ في بعضِ وضوئه، فإن كان أوَّلَ شكِّه أعادَه (¬1)؛ لأنَّه تيقَّن بالحدث وشَكَّ في زواله، وإن كان يَحدث له كثيراً لم يُعد دفعاً للحرج.
ومَن أيقن بالحدث وشَكَّ في الطَّهارةِ أو بالعكس أخذ باليقين (¬2).
فصل
(فرضُ (¬3) الغُسل (¬4): المضمضةُ، والاستنشاقُ، وغَسْلُ جميع البدن).
¬
(¬1) أي أعاد غسل ذلك الموضع الذي شك فيه، وإن كثر شكه لا يتلفت إليه، كما في
حاشية الطحطاوي 1: 478.
(¬2) ومن النواقض أيضاً: المباشرة الفاحشة: وهي أن يفضي الرجل إلى امرأته ويماس بدنُهُ بدنَ المرأة مجردين مع انتشار آلته وتماس الفرجان؛ لأن مثل هذه سبب غالب لخروج المذي، وهو كالمتحقق، ولا عبرة بالنادر، فيقام السبب مقام المسبب؛ لأنها حالة ذهول، وإن خرج قليلاً انمسح، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وعند محمد - رضي الله عنه - فإنها ليست من النواقض ما لم يخرج شيء من المذي ونحوه، وعامة الكتب على الأخذ بقولهما، وفي فتح باب العناية 1: 78، وشرح النقاية ق5/ب لأبي المكارم تصحيح قول محمد - رضي الله عنه -.
(¬3) والمراد بالفرض هو الفرض العملي؛ لأنه ثابت بحديث، وهو خبر واحد، وبه لا يثبت الفرض الاعتقادي، وإطلاق الفرض عليهما شائع. كما في المشكاة ص38.
(¬4) الغسل: لغة: من غَسل الشيء: إزالة الوسخ ونحوه عنه بإجراء الماء عليه، والغُسل: اسم من الاغتسال، وهو غسل تمام الجسد واسم للماء الذي يُغتسل به أيضاً، كما في المغرب ص340، والمصباح ص447.
واصطلاحاً: الغُسل: غسل البدن.
واسم البدن يقع على الظاهر والباطن إلا ما يتعذّر إيصال الماء إليه أو يتعسّر, فصار كلٌّ من المضمضة والاستنشاق جزءاً من مفهومه فلا توجد حقيقة الغسل الشرعية بدونهما، كما في رد المحتار 1: 151.
والفرقُ بينه وبين الوضوء: أنَّه مأمورٌ بغَسْل الوجهِ في الوضوء، والمواجهة لا تقع بباطن الأنف والفم، وفي الغُسل مأمورٌ بتطهير جميع البدن، قال الله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} [المائدة: 6]، فيجبُ غسلُ جميع ما يُمكن غسلُه من البدن إلا باطن العين على ما مَرَّ، بخلافِ باطن الأنف والفم حيث يُمكن غسلُهما، ولا ضَررَ فيه، فيجب (¬1)، وقد تأكَّد ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن تحت كلِّ شعرةٍ جنابةٌ، ألا فبلُّوا الشَّعرَ، وأَنقوا البَشَرة» (¬2).
¬
(¬1) ولأنَّ الفمَ داخلٌ من وجه، خارجٌ من وجهٍ حسَّاً عند انطباقِ الفمِ وانفتاحِه، وحكماً في ابتلاعِ الصَّائم الرِّيق، فحكمه حكم الداخل إذ لا يفطر به، وهذا آية كونه داخلاً، وفي دخولِ شيءٍ في فمِه، فحكمه حكم الخارج؛ إذ يفطر الصائم به، وهذا آية كونه خارجاً، فجعلَ داخلاً في الوضوءِ، خارجاً في الغُسْل؛ لأنَّ الواردَ فيه صيغةُ المبالغة: {فاطهروا}، كما في شرح الوقاية ص91.
(¬2) فعن أبي هريرة، وابن عباس، وأبي أيوب، وعائشة، وغيرهم - رضي الله عنهم - بألفاظ متقاربة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر» في سنن الترمذي 1: 178، واللفظ له، وسنن أبي داود 1: 65، ومجمع الزوائد 1: 272، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، ومسند الربيع 1: 16، ومسند ابن راهويه 3: 964، ومسند الشاميين 1: 416، ومسند ابن الجعد 1: 35.
وعن علي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن ترك موضع شعرة من جسده من جنابة لم يصبها الماء فعل به كذا وكذا من النار» في مسند أحمد 1: 101، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 96، وسنن البيهقي الكبير 1: 227، وسنن ابن ماجه 1: 196، والمعجم الصغير2: 179، والأحاديث المختارة 2: 74. قال الخطابي: «وقد يحتج به مَن يوجب الاستنشاق في الجنابة لما في داخل الأنف من الشعر» كما في إعلاء السنن 1: 180.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إذا اغتسل الرجل من الجنابة ولم يتمضمض ولم يستنشق، فليعد الوضوء، وان ترك ذلك في الوضوء لم يعد» في الآثار 1: 13، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 183: الحديث حسن صالح للاحتجاج، و له شاهد صحيح من مرسل ابن سيرين.
ويجب إيصالُ الماء إلى أصولِ الشَّعرِ وأثنائه في اللِّحية والرَّأس (¬1)؛ لما تقدَّم، إلا إذا كان ضَفيرةً (¬2) ـ في روايةٍ (¬3) ـ ...................................
¬
(¬1) بحيث يصل إلى أصولها؛ إذ لا حرج فيه، ويجب غسل السرة والشارب والحاجب والفرج الخارج، كما في مجمع الأنهر 1: 21.
(¬2) الضَّفيرة: الذُّؤابة، وكلُّ خصلة من خصل شعر المرأة تضفر ـ أي تجمع ـ وجمعها ضفائر. ينظر: اللسان 4: 2594.
(¬3) هذا محلُّ نظر، فإن هذا هو المعتمد في المذهب حيث لا يجب إيصال الماء إلى داخل الضفيرة للمرأة، وعليه عامة المتون، وليست رواية كما ذكر الشارح، وإنما هنا قول الفقيه أحمد بن إبراهيم: أنه عليها أن تبلّ ذوائبها وتعصرها، وقال: فائدة اشتراط العصر أن يبلغ الماء شعب قرونها، كما في المحيط البرهاني ص168.
ويمكن أن يكون قصد الشَّارح أنّه في روايةٍ يجوز للرَّجل أن لا يوصل الماء إلى داخل الضَّفيرة، وهذا مجرد قول في المذهب، والمعتمد يجب عليه أن يوصل الماء لشعره؛ لأنّ سقوطَ غسل الضَّفيرة ثبت استحساناً من حديث أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قلت يا رسول الله: «إنِّي امرأة أشدّ ضفرَ رأسي أفأنقضه؛ لغسل الجنابة، قال: لا، إنما يكفيك أن تحثين على رأسك ثلاث حثيات من ماء» في صحيح مسلم 1: 259، فيقتصر فيه على ما جاء به الحديث، وهو النِّساء، قال الحلبي في غنية المستملي ص48: «فيه عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - روايتان نظراً إلى العادة، وإلى عدم الضرورة، وذكر الصَّدر الشهيد: أنه يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر في حقّهم؛ لعدم الضرورة، وللاحتياط، قال في الخلاصة: وفي شعر الرجل يفترض إيصال الماء إلى المسترسل، ولم يذكر غير ذلك، فكان هو الصحيح، عملاً بمقتضى المبالغة في الآية مع عدم الضَّرورة المخصصة في حقّهم».
للحرج (¬1).
قال: (وسننُه:
أن يَغسلَ يديه (¬2) وفرجَه (¬3)، ويُزيل النَّجاسةَ عن بدنِهِ، ثمّ يتوضَّأُ للصَّلاة، ثمّ يُفيضُ الماءَ على جميعِ بدنه ثلاثاً) (¬4)، هكذا حُكِي غُسل رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالت ميمونة رضي الله عنها: «وضعت للنَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - غسلاً فاغتسل من الجنابة فأكفأ
¬
(¬1) وهذا إذا كانت ضفائرها مفتولة، أما إذا كانت منقوضة يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر كما في اللحية؛ لعدم الحرج، كما في شرح الوقاية ص94.
(¬2) لأنّ غسل اليدين داخل في غسل سائر البدن، والمراد هنا غسل يديه قبل سائر الأعضاء؛ لكونهما آلة التطهير، وهذا بعد التسمية والنية بقلبه، ويقول بلسانه: نويت الغسل لرفع الحدث، كما في مجمع الأنهر 1: 22.
(¬3) لأنّه مظنّة النجاسة، والمرأة تغسل فرجها الخارج؛ لأنه بمنزلة الفم فيجب تطهيره، كما في تبيين الحقائق 1: 14.
(¬4) بأن يبدأ برأسه ثم منكبه الأيمن ثم الأيسر، ثم باقي سائر جسده، وهذا اختيار صاحب المراقي ص141، وفتح باب العناية 1: 87، وتحفة الفقهاء 1: 29، والبدائع 1: 34، والهداية 1: 16، وفتح القدير 1: 51، والقدوري في مختصره ص3، والتبيين 1: 14. والبحر 1: 52. وصححه في الدر المختار 1: 107، وقال: هو ظاهر الرواية.
والثاني: يفيض الماء على منكبه الأيمن ثلاثاً ثم الأيسر ثلاثاً ثم على رأسه، وعلى سائر جسده ثلاثاً، قاله الحلواني، واختاره صاحب التنوير 1: 107، وصححه في الغرر 1: 18.
والثالث: يبدأ بالأيمن ثلاثاً، ثم بالرأس، ثم بالأيسر. ينظر: التاتارخانية ق21/ب، وحاشية الشلبي على التبيين 1: 14.
الإناءَ بشمالِهِ على يمينِهِ فغسلَ كفَّيه، ثمّ أفاضَ الماءَ على فرجِهِ فغسلَه، ثمّ مال بيدِه على الحائطِ أو على الأرضِ فدَلَكَها، ثمّ تمضمضَ واستنشقَ وغَسَلَ وجهَه وذراعيه، وأَفاضَ الماءَ على رأسِه، ثمّ أَفاض على سائر جسدِه، ثمّ تنحّى فغسلَ رجليه» (¬1).
¬
(¬1) فعن ميمونة رضي الله عنها: قالت: «صببت للنبي - صلى الله عليه وسلم - غسلاً فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه وأفاض على رأسه، ثم تنحى فغسل قدميه، ثم أتي بمنديل فلم ينفض بها» في صحيح البخاري 1: 102.
وعن عائشة رضي الله عنها: (كان - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيده، ثم يفيض الماء على جلده كله» في صحيح البخاري 1: 99.
ويُستحبُّ تأخيرُ غَسل رجليه إن كانتا في مُسْتَنْقَعِ الماءِ (¬1)؛ لما روينا، وتحرُّزاً عن الماءِ المستعمل.
قال: (ويُوجِبُه: غَيْبُوبة الحَشَفة (¬2) في قُبُلٍ أو دُبُرٍ على الفاعل والمفعول به)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا التقى الختانان وتوارت الحَشَفة وجب الغُسْل أَنزل أو لم يُنزل، قالت عائشة رضي الله عنها: فعلتُه أنا ورسولُ الله فاغتسلنا» (¬3).
¬
(¬1) ذهب إلى هذا التفصيل صدر الشريعة في شرح الوقاية ص93، صاحب التبيين ص14، والمراقي ص141، والتحفة 1: 29، والبحر ص52، وتحفة الملوك ص28، والبدائع ص1: 34، والهداية 1: 16، ونبه ابن عابدين في رد المحتار 1: 106 أن الاختلاف في الأولوية لا في الجواز.
والثاني: ذهب إلى التقديم مطلقاً كصاحب الدر المختار 1: 106، وظاهر كلام النسفي في الكنز ص4.
والثالث: ذهب إلى التأخير مطلقاً وهو ظاهر كلام القدوري في مختصره ص3، والحلبي في الملتقى ص4.
(¬2) وهو ما فوق الختان، وهي رأس الذَّكَر، كما في لسان العرب 2: 887.
(¬3) فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل) في سنن الترمذي 1: 182، وقال: حسن صحيح، وصحيح ابن حبان 3: 452، وسنن النسائي 1: 108، وموطأ مالك 1: 46، وغيرها. ولفظ: «فعلته أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاغتسلنا» في سنن الترمذي1: 108.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل» في سنن ابن ماجة 1: 200، قال الكناني في المصباح 1: 82: إسناده ضعيف لضعف ابن أرطأة، وقال التهانوي في إعلاء السنن 1: 195: وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن. وفي لفظ: «وجب الغسل أنزل أو لم ينزل» في الآثار 1: 13، ومسند أبي حنيفة ص161، وغيرها.
وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال استأذنت على عائشة رضي الله عنها، فأذنت لي فقلت لها: يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل) في صحيح مسلم 1: 271.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل) في صحيح البخاري 1: 110، وصحيح مسلم 1: 271، وفي رواية: (وإن لم ينزل) في صحيح مسلم 1: 271.
وكذا في الدُّبُر؛ لأنَّه محلُّ مشتهى مقصودٌ بالوطءِ كالقُبُل، ولقول عليّ - رضي الله عنه -: «توجبون فيه الحدّ، ولا توجبون فيه صاعاً من ماء» (¬1)؟، وفي «الزِّيادات» (¬2): يجب على المفعول به احتياطاً (¬3).
¬
(¬1) أخرج عبد الرزاق في مصنفه 1: 249: «كان المهاجرون يأمرون بالغسل، وكانت الأنصار يقولون: الماء من الماء، فمن يفصل بين هؤلاء؟ وقال المهاجرون: إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، فحكَّموا بينهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فاختصموا إليه، فقال: أرأيتم لو رأيتم رجلاً يُدْخِل وَيُخْرِجُ أيجب عليه الحد؟ قال: فيوجب الحد ولا يوجب عليه صاعاً من ماء؟ فقضى للمهاجرين، فبلغ ذلك عائشة فقالت: ربما فعلنا ذلك أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقمنا واغتسلنا».
وأخرج ابن أبي شيبة (947) عن عكرمة - رضي الله عنه - قال: «يوجب القتل والرجم ولا يوجب إناء من ماء».
وأخرج أيضاً (948) و (949) عن شريح - رضي الله عنه - قال: «أيوجب أربعة آلاف، ولا يوجب إناء من ماء».
(¬2) الزيادات من كتب ظاهر الرواية لمحمد بن الحسن الشيباني، (ت189هـ).
(¬3) أي في الدبر، أما عند أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -؛ فلأنهما يوجبان الحدّ الذي فيه
للاحتياط في تركه، فلأن يوجبا الغُسل الذي الاحتياط في وجوبه أولى، وأما عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فلأنّه يحتاط في الحدّ فيتركه، ويحتاط في الغسل فيوجبه، والاحتياط في كل باب بما يناسبه، كما في العناية1: 64.
قال: (وإنزالُ المَني (¬1) على وجه الدَّفق (¬2) والشَّهوة) (¬3)؛ لأنَّه يُوجب الجنابة إجماعاً، فيجب الغُسل بالنَّصِّ، وسألت أم سليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المرأة ترى في منامها أنّ زوجها يجامعها، قال: «عليها الغُسل إذا وَجَدت الماء» (¬4).
¬
(¬1) المَنِيّ عام يشمل ماء الرجل والمرأة، وله خواص يعرف بها، وهي: الخروج بشهوة مع الفتور عقبه، والرائحة كرائحة الطلع رطباً، ورائحة البيض يابساً، الخروج بدفق ودفعات، وأنه أبيض خاثر ينكسر منه الذكر، هذا في مَنِيّ الرجل، وأما مني المرأة فهو أصفر رقيق، كما في عمدة الرعاية 1: 81.
(¬2) الدَّفَق: هو سرعة الصب من رأس الذكر لا من مقرِّه، كما في رد المحتار 1: 108.
(¬3) فعن علي - رضي الله عنه -، قال: «كنت رجلاً مذاءً فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إذا حذفت فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن حاذفاً فلا تغتسل» في مسند أحمد 1: 107، وغيره، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 186: رجاله كلهم ثقات إلا جواباً، فإنه صدوق رمي بالإرجاء، فالسند محتج به ..
وعن علي - رضي الله عنه -، قال: «كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو ذكر له. فقال لي: لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا أنضحت الماء فاغتسل «في صحيح ابن خزيمة 1: 15، وصحيح ابن حبان 3: 385، وسنن أبي داود 1: 53، والمجتبى 1: 111، وغيرها ..
وعن مجاهد سأل رجل ابن عباس - رضي الله عنه -: «إني كلما بلت تبعه الماء الدافق الذي يكون منه الولد ... فقال: أرأيت إذا كان منك، هل تجد شهوة في قلبك؟ قال: لا. قال: فهل تجد خدراً في جسدك؟ قال: لا. قال: إنما هذه بردة يجزيك منه الوضوء» أخرجه الحاكم في تاريخه وسنده حسن. ينظر: إعلاء السنن 1: 189.
(¬4) فعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: جاءت أم سليم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: «يا
رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم إذا رأت الماء» في صحيح مسلم 1: 251، وصحيح البخاري 1: 108.
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً؟ قال: يغتسل. وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللاً؟ قال: لا غسل عليه. قالت أم سلمة: يا رسول الله هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال: نعم إنّ النِّساء شقائق الرجال» في سنن الترمذي 1: 190، والسنن الصغرى 1: 112، والمنتقى 1: 33، وسنن أبي داود 1: 78، ومسند أحمد 6: 256.
ولو خَرَجَ لا على وجه الدَّفق والشَّهوة، كما إذا ضُرِب على ظَهرِه أو سَقَطَ من علوٍ أو أصابه مرضٌ يجب الوضوءُ دون الغُسل كما في المذي (¬1)، فإنّه من أجزاءِ المَنِيّ، لكن لَمَّا لم يخرج على وجهِ الدَّفق لم يجب الغُسل.
ثمّ الشَّرطُ انفصاله (¬2) عن موضعِه (¬3) عن شهوةٍ؛ لأنَّ بذلك يُعرفُ كونه
مَنياً، وهو الشَّرطُ، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه -: خروجُه عن العضو؛ لأنَّ حكمَه إنَّما يثبتُ بعد الخروج، فيعتبرُ وقتئذٍ.
¬
(¬1) وهو الماء الرقيق الذي يخرج عند الشهوة الضعيفة بالملاعبة ونحوها من غير دفق، كما في رد المحتار 1: 107.
(¬2) الشهوة شرط وقت الانفصال، هذا عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف وقت الخروج، فلو انفصل عن مكانه بشهوة، وأخذ رأس العضو حتى سكنت شهوته فخرج بلا شهوة يجب الغسل عندهما لا عنده، ولو اغتسل قبل أن يبول، ثم خرج منه بقيّة المنيّ يجب غسل ثانٍ عليه، عندهما لا عنده، كما في شرح الوقاية ص94.
(¬3) الانفصال عن موضعه ومستقره، وهو الصلب في الرجل، والترائب: أي عظام الصدر في المرأة، وهذا متعلق بقيد الشهوة لا بالدفق، فإنه لا يكون إلا عند الخروج، كما في السعاية 1: 310.
قال: (وانقطاعُ الحيضِ والنِّفاسِ) (¬1).
أمّا الحيضُ؛ فلقوله تعالى: {حَتَّىَ يَطَّهَّرْنَ} [البقرة: 222] بالتَّشديد، مَنَعَ من قربانهنّ حتى يغتسلن، ولولا وجوبه لَمَا مَنَعَ.
وأمّا النّفاسُ فبالإجماع.
وكذا يجب على المستحاضة إذا كَمُلَتْ أيام حيضها؛ لأنَّها في أحكام الحيض كالطَّاهرات (¬2).
قال: (ومَن استيقظ فوَجَدَ في ثيابِهِ مَنياً أو مَذياً فعليه الغُسْل) (¬3).
¬
(¬1) فعن معاذ - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا مضى للنفساء سبع، ثم رأت الطهر، فلتغتسل ولتصل» في المستدرك 1: 284،قال التهانوي في الإعلاء 1: 203:وإسناده صحيح على قاعدة الكنز المذكورة في خطبته.
(¬2) معناها يجب على صاحبة العذر في خروج الدم المستمر أن تغتسل بانتهاء أيام عادتها القديمة، كما لو كانت سبعة حيضاً وعشرون طهراً، فإنها تغتسل على رأس السبعة وتأخذ حكم الطاهرات في أيام الدم بعد السبعة، ومعنى أحكام الحيض كالطاهرات، هو ما سبق تفصيله بحيث تكون في أحكام الدم الزائد عن عادتها كالطاهرات.
(¬3) بلا فرق في هذا بين الرَّجل والمرأة، وعن محمد في غير رواية الأصول: إذا تذكّرت الاحتلام والإنزال والتلذذ، ولم ترَ بللاً كان عليها الغسل، قال شمس الأئمة الحَلْوانيّ: لا يؤخذ بهذه الرواية، كما في شرح الوقاية ص94، والمحيط البرهاني ص180، وقال أبو جعفر: أنه ما لم يخرج منها من الفرج الداخل لا يلزمها الغسل في الأحوال كلها وبه قال الحاكم الشهيد، كما في حلبي صغير، وظاهر كلام صاحب الفتاوى البزازية 1: 11 يدل على الأخذ بها.
أمّا المَنِيُّ؛ فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن ذَكَرَ حُلماً ولم يَر بللاً فلا غُسْل عليه، ومَن رأى بللاً ولم يَذكر حُلماً فعليه الغُسْل» (¬1).
وأمَّا المَذْيُّ ففيه خلافُ أبي يوسف - رضي الله عنه -؛ لأنّ المذيَ لا يُوجبُ الغُسْل، كما في حالة اليقظة.
ولنا: أنَّ الظَّاهرَ أنَّه مَنِيٌّ قد رَقَّ فيجب الغُسلُ احتياطاً (¬2).
والمرأةُ إذا احتلمت ولم تَر بللاً إن استيقظت، وهي على قفاها يجب الغُسل لاحتمال خروجه ثمّ عوده (¬3)؛ لأنَّ الظَّاهرَ في الاحتلامِ الخروج،
¬
(¬1) فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فرأى بللا، ولم ير أنه احتلم، اغتسل، وإذا رأى أنه قد احتلم، ولم ير بللا، فلا غسل عليه» في سنن ابن ماجة1: 200، وسنن الدارمي1: 592، والمعجم الأوسط9: 10، والسنن الكبرى للبيهقي1: 259، قال الأرناؤوط: حسن لغيره، كما حاشية الاختيار1: 61.
(¬2) رؤية المستيقظ المَنِيّ أو المَذْي وإن لم يحتلم، ففي المَنِيِّ ظاهر؛ لأن بخروجه يجب الغُسل، وأمَّا في المَذْي؛ فلاحتمالِ كونِهِ مَنِيَّاً رَقَّ بحرارةِ البدن، هذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يجب عليه حتى يتذكر الاحتلام؛ لأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب إلا بيقين، وهو القياس، وهما أخذا بالاحتياط؛ لأن النائم غافل، والمني قد يرق بالهواء، فيصير مثل المذي، فيجب عليه احتياطاً، كما في التبيين 1: 16.
(¬3) هذا المسألة من تخريجات المشايخ، قال ابن عابدين في منحة الخالق1: 60: «قال بعضهم: لو كانت مستلقيةً وقت الاحتلام يجب عليها الغُسل لاحتمال الخروج ثم العود، فيجب الغسل احتياطا، وهو غيرُ بعيد إلا من حيث إن ماءها إذا لم ينزل دفقاً بل سيلاناً يلزم، أمّا عدم الخروج إن لم يكن الفرج في صبب، أو عدم العود إن كان في صبب، فليتأمّل».
بخلاف الرَّجل فإنَّه لا يعود لضيق المحلّ، وإن استيقظت وهي على جهةِ أُخرى لا يجب.
قال: (وغُسل الجُمعة (¬1) والعيدين (¬2) ... والإحرام (¬3) سُنّةٌ) (¬4)، وقيل:
¬
(¬1) فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الغسل يوم الجمعة واجب على كلّ محتلم» في صحيح البُخاري ر858.
وعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» في صحيح البخاري ر882.
(¬2) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى» في سنن ابن ماجة ر1315.
وعن الفاكه بن سعد - رضي الله عنه -: «أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة» في سنن ابن ماجة ر1316، وذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص2: 80ـ81 عن جماعة من الصحابة أنهم فعلوه، منهم عروة بن الزبير وقال: «إنه السنة»، ونقل الحافظ عن البزار قوله: «لا أحفظ في الاغتسال في العيدين حديثاً صحيحاً».
(¬3) فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر رضي الله عنها يأمرها أن تغتسل وتهل» في صحيح مسلم ر1209.
وعن خارجة بن زيد - رضي الله عنه -: «أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تجرد لإهلاله واغتسل» في سنن الترمذي ر830.
(¬4) وكذا عرفة، فإن السنة فيها للصلاة لا لليوم على قول أبي يوسف - رضي الله عنه - خلافاً للحسن بن زياد - رضي الله عنه -. كما في ذخيرة العقبى على شرح الوقاية ص12، والسراجية 1: 10. وثمرة الخلاف تظهر أن من لا تجب عليهم الجمعة كالنساء والصبيان لو اغتسل، وفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء نال الفضل عند الحسن - رضي الله عنه - لا عند أبي يوسف - رضي الله عنهم -، قال عبد الغني النابلسي في نهاية العماد ص188: قال: «إنهم صرَّحوا بأن هذه الأغسال الأربعة للنظافة لا للطهارة مع أنه لو تخلل الحدث تزداد النظافة بالوضوء ثانياً، ولئن كانت للطهارة أيضاً فهي حاصلة بالوضوء ثانياً مع بقاء النظافة، فالأولى عندي الإجزاء وإن تخلل الحدث؛ لأن مقتضى الأحاديث الواردة في ذلك طلب حصول النّظافة فقط» في رد المحتار 1: 114، وأيده على كلامه خاتمة المحققين ابن عابدين
مُستحبٌّ (¬1)، فإنَّه يوم ازدحام، فيستحبُّ؛ لئلا يتأذى البعضُ برائحة البعضِ (¬2).
¬
(¬1) قال في الهداية: وقيل: هذه الأربعةُ مستحبّةٌ، قال العيني في البناية1: 339: وهو قول طائفة من العلماء.
(¬2) وما عدا هذه الأربعة من الغسل المسنونة يكون مندوباً، كدخول مكة والمدينة ولمجنون أفاق ولصبي إذا بلغ بالسن وعند حجامة وفي ليلة براءة أو قدر إذا رآها، وعند الوقوف بمزدلفة غداة يوم النحر، وعند دخول مِنى يوم النحر، ولطواف الزيارة، ولصلاة كسوف، واستسقاء، وفزع، وظلمة، وريح شديد؛ لورود الأدلة المفيدة لذلك، كما في مجمع الأنهر 1: 25، والهدية العلائية ص31.
وأدنى ما يَكفي من الماء في الغُسل صاعٌ، وفي الوضوء مُدٌّ، والصَّاعُ ثمانيةُ أرطال، والمدُّ رطلان؛ لما رُوِي: «إنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بالصَّاع ويتوضأُ بالمُدّ» (¬1)، ثم اختلفوا هل المدُّ من الصَّاع أم من غيره؟ وهذا ليس بتقديرٍ لازمٍ حتى لو أَسبغ الوضوءَ والغُسلَ بدون ذلك جاز، ولو اغتسل بأكثر منه جاز ما لم يُسرف، فهو المكروه (¬2).
¬
(¬1) فعن عائشة رضي الله عنها: «إنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد» في سنن أبي داود1: 23، وعن أبي بكر - رضي الله عنه -: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل بالصاع ويتطهر بالمد» في صحيح مسلم1: 258.
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ برطلين، ويغتسل بالصَّاع ثمانية أرطال» في سنن الدارقطني1: 94.
وعن موسى الجهني قال: أتي مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال فقال: حدثتني عائشة رضي الله عنها: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بمثل هذا» في المجتبى1: 127، وسنن النسائي الكبرى1: 115.
(¬2) ذكر في ظاهر الرواية مقدار الماء الذي يغتسل به بأن أدنى ما يكفي في الغسل من الماء صاع، وفي الوضوء مدّ، ثم إن محمداً - رضي الله عنه - ذكر الصاع في الغسل، والمدّ في الوضوء مطلقاً عن الأحوال، ولم يُفسره.
قال بعض مشايخنا: هذا التَّقدير في الغسل إذا لم يجمع بين الوضوء والغسل، فأمّا إذا جمع بينهما يحتاج إلى عشرة أرطال رطلان للوضوء، وثمانية أرطال للغسل.
وقال عامة المشايخ: إن الصاع كاف لهما، وروى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه قال: في الوضوء إن كان المتوضئ متخففاً، ولا يستنجي يكفيه رطل واحد لغسل الوجه واليدين ومسح الرأس، وإن كان متخففاً ويستنجي يكفيه رطلان رطل للاستنجاء ورطل للباقي.
ثم هذا التقدير الذي ذكره محمد - رضي الله عنه - من الصّاع والمد في الغسل والوضوء ليس بتقدير لازم، بحيث لا يجوز النقصان عنه أو الزيادة عليه، بل هو بيان مقدار أدنى الكفاية عادة حتى إن من أسبغ الوضوء والغسل بدون ذلك أجزأه، وإن لم يكفه زاد عليه؛ لأن طباع الناس، وأحوالهم تختلف، لكن ينبغي أن يزيد عليه بقدر ما لا إسراف فيه، كما في البدائع1: 35.
قال: (ولا يجوز للمُحْدِث والجُنُب مسُّ المصحف (¬1) إلا بغلافه) غيرِ
¬
(¬1) وكذلك الحائض والنفساء، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمس القرآن إلا طاهر» في سنن البيقهي الكبير 1: 88، وسنن الدارقطني 1: 121، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 276: «رواه الطبراني في الكبير والصغير ورجاله موثقون».
وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: لما بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قال: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» في المستدرك 3: 552، وقال: «حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، والمعجم الأوسط 3: 327، والمعجم الكبير 3: 205، 12: 313، والمعجم الصغير 2: 277، والمراسيل لأبي داود ص122، وسنن الدارمي 2: 214، والموطأ 1: 199، وفي رواية: (إلا على طهر) في مصنف عبد الرزاق 1: 341.
وعن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: قال عثمان بن أبي العاص ـ وكان شاباً ـ: وفدنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدوني أفضلهم أخذاً للقرآن وقد فضلتهم بسورة البقرة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (قد أمَّرتُك على أصحابك وأنت أصغرهم، ولا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) في المعجم الكبير 9: 44، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 277: رواه الطبراني في الكبير في جملة فيما تجب فيه الزكاة، وفيه إسماعيل بن رافع ضعفه يحيى بن معين والنسائي وقال البخاري: ثقة مقارب الحديث.
وعن عبد الرحمن بن زيد - رضي الله عنه -، قال: «كنا مع سلمان - رضي الله عنه - فانطلق إلى حاجة فتوارى عنا
فخرج إلينا، فقلنا: لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن، فقال: سلوني فإني لست أمسّه إنَّما يمسّه المطهرون، ثمّ تلا: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79]». قال الحافظ السيوطي في الدر المنثور 8: 27: «أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر والحاكم وصححه».
المُشَرَّز (¬1)؛ لقوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون} [الواقعة:79].
ولا بأس أن يمسَّه بكمِّه، وكَرهه بعضُهم (¬2).
(ولا يجوز للجُنب قراءةُ القرآن) (¬3)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقرأ الجُنُب ولا الحائضُ شيئاً من القرآن» (¬4).
¬
(¬1) أي متجاف: أي منفصل عنه.
(¬2) هذا محل نظر؛ لأن المعتمد أنه يكره تحريماً اللَّمْسُ بالكُمّ؛ لأنه تابع للماس، فاللمس به لمس بيده، كما في فتح القدير 1: 149، وهذا ما صحح في الهداية، ومشى عليه في الوقاية ص126، وغيرها، وفي ذخر المتأهلين ص144: ولو في كمه جاز كما في المحيط. قال في البحر: فهو معارضٌ لما في المحيط فكان هو أولى، كما في منهل الواردين ص144، وغيرها.
(¬3) هذا بخلاف التَّهجِّي بالقرآن والتَّعليم، فالمعلمةُ إذا حاضتْ فعند الكَرْخِيِّ تعلِّمُ كلمةً كلمة، وتقطعُ بين الكلمتين، صححه في الدر المختار 1: 116، وعند الطَّحَاوِيّ: نصف آيةٍ وتقطع، ثم تُعَلِّمُ النِّصفَ الآخر.
(¬4) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن» في سنن الترمذي1: 236، وسنن البيهقي الكبير1: 309، وقال: ليس هذا بالقوي، وصحّ عن عمر - رضي الله عنه -: «أنَّه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب»، وساقه عنه في الخلافيات بإسناد صحيح، كما في السنن الصغرى1: 564، وإعلاء السنن1: 349 - 350، وغيرها. وقال الترمذي في سننه1: 236: «وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين ومَن بعدهم، مثل: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشَّافِعيّ، وأحمد، وإسحاق، قالوا: لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئاً، إلا طرف الآية والحرف ونحو ذلك، ورخَّصوا للجنب والحائض في التسبيح والتهليل».
وعن علي - رضي الله عنه - قال: «كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يحجبه عن قراءة القرآن ما خلا الجنابة» في صحيح ابن حبان1: 510، وسنن الترمذي1: 273، وقال: «حسن صحيح»، ومصنف ابن أبي شيبة1: 99، ومسند أحمد1: 83، ومسند أبي يعلى1: 459، وقال ابن حجر في فتح الباري1: 281: «الحق أنَّه حسن يصلح للحجية»، كما في فقه سعيد بن المسيب1: 146.
وعن عليّ - رضي الله عنه - قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فقرأ آياً من القرآن، ثم قال: هكذا لمن ليس بجنب، فأمّا الجنب فلا، ولا آية» في مسند أبي يعلى1: 300، وقال المقدسي في الأحاديث المختارة2: 244: «إسناده صحيح»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد1: 276: «رجاله موثقون».
وعن عبد الله بن رواحة - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب» في سنن الدارقطني1: 120، وقال: «إسناده صالح».
وعن الطَّحاويّ (¬1) - رضي الله عنه -: أنَّه يجوز له بعضُ آية (¬2)، والحديثُ لا يُفصِّل (¬3).
ولا بأس بأن يقرأ شيئاً منه لا يُريدُ به القرآن: كالبَسْملةِ والحمدلة.
(ويجوز له الذِّكرُ والتَّسبيحُ والدُّعاءُ) (¬4)؛ لأنَّ المنعَ ورد عن القرآن خاصّة.
¬
(¬1) وهو أحمد بن محمد بن سلامة الأَزْدِي الحَجْريّ الطَّحَاوِيّ المِصْريّ، أبو جعفر، قال أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، وقال: ابن يونس: كان ثقة ثبتاً لم يخلف مثله، من مؤلَّفاته: شرح معاني الآثار، ومختصر الطحاوي، مشكل الآثار، (229 - 321هـ). ينظر: العبر2: 186، وروض المناظر ص171.
(¬2) قال الطحاوي في مختصره ص18، وشرح معاني الآثار 1: 90: «ولا يقرأ الجنب ولا الحائض الآية التامة». وهو رواية ابن سماعة عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ووجهه: إنه إن قرأ ما دون الآية لا يعد بها قارئاً. ورجحه صاحب الفتح 1: 148، والمعتمد يمنع قراءة القرآن مطلقاً سواءٌ كان آيةً، أو ما دونَها عند الكَرْخِيّ، وهو المُخْتَار، واختاره صاحب الدر المختار 1: 116،والملتقى ص4، والمراقي ص178، والكنْز ص7 وغيرها.
(¬3) أي الحديث منع من القراءة مطلقاً سواء آية أو أقلّ، فلا يكون شاهداً للطحاوي فيما قال.
(¬4) وكذا لو قرأ سائر الأدعية المأثورة، والأذكار، كما في ذخر المتأهلين ص143، وكذا قراءة دعاء القنوت لا تكره، كما في المحيط ص438، وقال صاحب الفتح 1: 149: ظاهر المذهب أنه لا يكره، وعليه الفتوى. وعند بعض المشايخ يكره، كما في شرح الوقاية ص126.
(ولا يدخل المسجد (¬1) إلا لضرورةٍ)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا أُحلّ المسجد لجنب ولا حائض» (¬2).
فإن احتاج إلى ذلك تيمَّم ودخل (¬3)؛ لأنَّه طهارةٌ عند عدم الماء.
وإن نام في المسجد فأجنب، قيل: لا يُباح له الخروج حتى يتيمَّم، وقيل: يُباح (¬4).
(والحائضُ والنُّفساء كالجُنُب) في جميعِ ذلك.
فصل
(تجوز الطَّهارةُ بالماءِ الطَّاهر في نفسِهِ المطهر لغيِرِهِ: كالمطر وماءِ العيونِ والآبار وإن تغيّر بطول المكث).
¬
(¬1) ويدخل في حكم المسجد كلّ ما أُعدَّ للصلاة من بناء المسجد، بخلاف ساحته وظلة بابه، فقد صرح ابن نُجيم في البحر الرائق1: 205: أنَّ المصلَّى لا يأخذ حكم المسجد: «فلهذا لا تمنع من دخول مصلَّى العيد والجنائز والمدرسة والرباط».
(¬2) قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنّي لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) في صحيح ابن خزيمة2: 284،
وسنن أبي داود1: 60، ومسند إسحاق 3: 1032، وسنن البيهقي الكبير2: 442.
(¬3) قال في المبسوط: مسافر مرّ بمسجدٍ فيه عين ماء، وهو جنب ولا يجد غيره، فإنّه يتيمّم لدخول المسجد، كما في العناية1: 166.
(¬4) وفي البناية1: 644: «اختلف فيمن أجنب في المسجد هل يخرج لوقته أو يتيمم ثم يخرج».
والأصلُ فيه قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا} [الفرقان: 48]. وتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آبار المدينة، وقال: «الماءُ طهورٌ لا ينجسه شيءٌ إلاّ ما غيَّر طعمه أو لونه أو ريحه» (¬1)، وطول المكث لا يُنجسه، فيبقى
طاهراً.
قال: (ويجوز بماء خالطه شيءٌ طاهرٌ فغيَّر أحدَ أوصافه) ولم يُزِل رقَّتَه: (كالزَّعفران (¬2) والأُشنان (¬3) وماء المدّ (¬4)).
¬
(¬1) فعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه -،قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» في سنن ابن ماجة1: 174، والمعجم الكبير8: 104، وسنن الدارقطني1: 32.
وعن أبي سعيد الخُدْرِي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الماء طهور لا ينجسه شيء» في سنن أبي داود 1: 17، وسنن الترمذي 1: 95، ومسند أحمد 17: 358، وغيرها.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال يا رسول الله: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء البحر، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»
(¬2) الزَّعْفَران: هذا الصِّبغ، أي معروف، وهو من الطِّيب. ينظر: «تاج العروس» (21: 428).
(¬3) الأُشْنَان: بضم الهمزة وكسرها: نبات تغسل به الثياب والأيدي وبدن الإنسان، يعمل عمل الصابون أيضاً. ينظر: هامش «فتح باب العناية» (1: 89).
(¬4) ماء المد: هو ماء السيل. ينظر: المغرب 2: 261.
وفي اللَّبن: روايتان (¬1).
(ولا تجوز بماءٍ غلب عليه غيرُه فأزال عنه طَبْع الماء: كالأشربة والخلّ وماء الوَرْد)، وطبع الماء كونه سيالاً مُرطِّباً مُسكِّناً للعطش، (وتعتبرُ الغلبةُ
بالأجزاء) (¬2).
¬
(¬1) والروايتان الواردتان في الماء إنما في قدرته على إزالة النجاسة، قال العيني في البناية1: 704: «أن يكون المائعُ الطاهرُ مزيلاً: كالخلّ وماء الورد ونحوهما، واحترز به عن الدُّهن والدِّبس واللَّبن ونحوها، فإن بها يبسط النَّجاسة ولا تزول، وفي «الذخيرة»: روى الحَسَن عن أبي يوسف - رضي الله عنه -: لو غسل الدم من الثوب بدهن أو سمن أو زيت حتى أذهب أثره جاز، ومثله رواية بشر عنه في اللبن ... ، في «المحيط»: «في اللبن: روايتان»».
(¬2) وضابط الغلبة له وجهان:
الأول: إن خالط الماء الجامدات الطاهرات بإخراجه عن رقته وسيلانه على الصحيح.
ورقته: بأنه لا ينعصر عن الثوب. وسيلانه: بأن لا يسيل على الأعضاء سيلان الماء.
وأما إذا بقي على رقته وسيلانه فإنه لا يمنع جواز الوضوء به تغير أوصافه كلها بجامد خالطه بدون طبخ كزعفران وصابون وأشنان وفاكهة وورق شجر، فعن أم هانئ رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح بأعلى مكة فأتيته فجاء أبو ذر بقصعة فيها ماء قلت: إني لأرى فيها أثر العجين، قالت: فستره أبو ذر فاغتسل، ثم ستر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا ذر فاغتسل» في صحيح ابن خزيمة 1: 119، وصحيح ابن حبان 3: 462، وغيرهما.
الثاني: إن خالط الماء المائعات، وله أربع حالات:
1) ... إن ظهر وصف واحد من مائع له وصف واحد فإنه لا يجوز الوضوء به كالقرع والبطيخ فإن ماءها لا يخالف إلا في الطعم، وكذلك ماء الورد فإنه لا يخالف إلا في الريح.
2) ... إن ظهر وصف واحد كلون أو طعم من مائع له وصفان: كاللبن فيه وصفان اللون والطعم ولا رائحة له، فإن لم ينتقل أحد الوصفين إلى الماء جاز الوضوء به، وإن وجد أحدهما لم يجز.
3) ... إن ظهر وصفان من مائع له أوصاف ثلاثة: كالخلّ له لون وطعم وريح، فأي وصفين منها ظهرا منعا صحة الوضوء، والواحد منها لا يضر لقلته.
4) ... إن غلب الوزن من مائع لا وصف له يخالف الماء بلون أو طعم أو ريح: كالماء المستعمل فإنه بالاستعمال لم يتغير له طعم ولا لون ولا ريح، وهو طاهر كما سبق، وأيضاً ماء الورد المنقطع الرائحة، فإن اختلط لتران من الماء المستعمل بلتر من الماء المطلق لم يجز الوضوء به، وإن استويا في الوزن حكمه حكم المغلوب احتياطاً. ينظر: مراقي الفلاح ص26 - 27، وغيرها.
والأصلُ فيه: أنّ الماءَ الذي خالطه شيءٌ من الطِّينِ يجوز الوضوءُ به إجماعاً؛ لبقاء اسم الماء المطلق، ولا يجوز بالخلّ إجماعاً؛ لزوال الاسم عنه، فكلُّ ما غلب على الماء وأخرجه عن طبعه ألحقناه بالخل.
وما غلب عليه الماء وطبعه باق ألحقناه بالأَوَّل؛ لأنه على حكم الإطلاق، وإضافتُه إليه كإضافته إلى العين والبئر.
وإن تَغيَّر بالطَّبخ لا يجوز كالَمرق إلا ما يقصد به التَّنظيف كالسِّدر (¬1)
والحُرض (¬2) والصَّابون ما لم يثخن، فإنّه يجوز ..........................
لورود السُّنّة (¬3) بغسل الميت بذلك.
(و) أمّا (الماءُ الرّاكد إذا وقعت فيه نجاسةٌ لا يجوز الوضوء به)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَبولنَّ أحدُكم في الماءِ الدَّائم ثمّ يتوضَّأ منه أو يشرب» (¬4).
قال: (إلا أن يكون عشرةَ أَذرعٍ في عشرةٍ) أذرعٍ (¬5).
¬
(¬1) السِّدر: وهو ورق شجر النَّبق، كما في طلبة الطلبة ص31.
(¬2) الحُرضُ: بضمة وبضمتين: الأشنان، تغسل به الأيدي على إثر الطعام، قال
الأزهري: شجر الأشنان يقال له: الحرض، وهو من النجيل، كما في تاج العروس 18: 287.
(¬3) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - خر رجل من بعيره فوقص فمات، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «اغسلوه بماء وسدر ... » في صحيح مسلم 2: 865، وصحيح البخاري 1: 425، وعن قيس بن عاصم - رضي الله عنه -: «أنَّه أسلم فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل بماء وسدر» في سنن الترمذي 2: 502، وسنن النسائي الكبرى 1: 107، والمجتبى 1: 109.
(¬4) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة» في سنن أبي داود 1: 18، وسنن النسائي 1: 197، وصحيح ابن حبان 4: 68، ومسند أحمد 15: 365، وفي صحيح مسلم 1: 236 بلفظ: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، وفي صحيح البخاري 1: 57 بلفظ: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه».
(¬5) هذا قول أبي سليمان الجوزجاني، وعليه عامّة المشايخ، واختاره قاضي خان في فتاواه 1: 5، وصاحب المراقي ص69، والوقاية ص98، والملتقى ص4، والكنْز ص4، والتبيين 1: 21، والقدوري في مختصره ص4، وغيرهم.
والأصلُ: أنّ الماءَ القليلَ ينجس بوقوعِ النَّجاسة فيه والكثير لا؛ لقوله
- صلى الله عليه وسلم -: «هو الطهور ماؤه» (¬1)، واعتبرناه فوجدناه ما لا يخلص بعضُه إلى بعض، فنقول: كلُّ ما لا يخلص بعضُه إلى بعضٍ لا ينجسُ بوقوعِ النَّجاسةِ فيه، وهذا معنى قولهم: لا يتحرَّكُ أحدُ طرفيه بتحرُّك الطَّرف الآخر.
وامتحن المشايخ (¬2) الخلوص بالمساحة، فوجدوه عشراً في عشرٍ، فقدَّروه بذلك تيسيراً.
وقال أبو مطيع البَلْخيُّ (¬3): إذا كان خمسةَ عشرَ في خمسةَ عشرَ لا يخلص، أمّا عشرين في عشرين لا أرى في نفسي شيئاً (¬4).
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء البحر، فقال - صلى الله عليه وسلم -: هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته» في صحيح ابن حبان 4: 49، وصحيح ابن خزيمة 1: 59، والمنتقى 1: 23، والمستدرك 1: 239، وسنن الترمذي 1: 101.
(¬2) معناه أن التقدير بالعشرة أخذ من التحريك، وهو مذهب المتقدمين، كما في العناية 1: 70، وفيها تفصيل في الاختلاف في التحريك، هل هو باليد، أو بالتوضؤ، أو بالاغتسال. وقال صاحب التبيين 1: 22: ظاهر المذهب التحريك. وقال صاحب البدائع 1: 72: اتفقت الروايات عن أصحابنا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك.
(¬3) وهو الحكم بن عبد الله بن مسلم البَلْخي، أبو مطيع، القاضي الفقيه صاحب الإمام، راوي كتاب الفقه الأكبر عنه، وكان ابنُ المبارك يعظمه ويحبه لدينه وعلمه، وكان قاضياً ببلخ، قال الكفوي: كان بصيراً علامة كبيراً، ومن تفرداته أنه كان يقول بفرضية التسبيح ثلاث مرّات في الركوع والسجود، (ت 8/ 199 هـ). ينظر: طبقات ابن الحنائي ص 21، والفوائد ص 117 - 118.
(¬4) العبارة هنا موهمة، والمسألة في البدائع 1: 72، ولفظها: «وإليه ذهب أبو مطيع
البلخي فقال: إن كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يجوز، وإن كان عشرين في عشرين لا أجد في قلبي شيئاً».
وإن كان له طولٌ ولا عرض له، فالأصحُّ (¬1) أنّه إن كان بحالٍ لو ضُمّ طولُه إلى عرضه يصير عشراً في عشرٍ فهو كثيرٌ.
والمختارُ في العمق ما لا ينحسر أسفله بالغرف (¬2).
¬
(¬1) وصححه في فتح باب العناية1: 70، وفي البحر1: 81: وفي التجنيس: وإذا كان الماء له طول وعمق وليس له عرض ولو قدر يصير عشراً في عشر فلا بأس بالوضوء فيه تيسيراً على المسلمين». وفي الينابيع1: 73: «ذكر عن نصير أنه قال: سألت أبا سليمان عن الماء إذا كان طوله مائة وعرضه ذراعين، فقال: لا يتوضأ فيه، وإن بال فيه إنسان أو توضأ، فإنه يتنجَّس من كلّ جانب عشرة أذرع، هذا كلُّه في حَدّ الطُّول والعَرض».
(¬2) أي منه بالكفين، هذا ما رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم -. وصححه في الهداية 1: 19. واختاره صاحب الملتقى ص4، والوقاية ص98، والمراقي ص27، وفي الجوهرة: وعليه الفتوى، كما في حاشية الطحطاوي ص27.
الثاني: إن كان بحال لو اغترف لا تصيب يده وجه الأرض، فهو عميق. الثالث: قدر شبر. الرابع: قدر ذراع. كما في الخانية 1: 5، والعناية 1: 71).
ثمّ إن كانت النَّجاسةُ مرئيةً لا يتوضّأُ من موضعِ الوقوعِ للتيقُّن بالنَّجاسةِ برؤيةِ عينِها، وإن كانت غيرَ مَرئيةٍ، فلو توضّأ منه جاز؛ لعدم التَّيقُّن بالنَّجاسةِ لاحتمال انتقالها (¬1).
¬
(¬1) أي إن كانت النجاسة مرئية لا يتوضأ من موضع النجاسة، بل من الجانب الآخر،
وإن كانت غير مرئية يتوضأ من جميع الجوانب، وكذا من موضع الغسالة، واختاره صدر الشريعة في شرح الوقاية ص98، وكذا جزم في الخانية بتنجس موضع المرئية بلا نقل خلاف.
والقول الثاني: يفرق بين المرئية وغيرها، وهذا اختيار المراقي، وبه يفتى، بحر، كما في الدر المختار 1: 191، قال في الخزائن: والفتوى على عدم التنجس مطلقاً إلا بالتغير بلا فرق بين المرئية وغيرها لعموم البلوى، حتى قالوا: يجوز الوضوء من موضع الاستنجاء قبل التحرّك كما في المعراج عن المجتبى، اهـ. وقال في الفتح: وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: أنَّه كالجاري لا يتنجس إلا بالتغير، وهو الذي ينبغي تصحيحه، فينبغي عدم الفرق بين المرئية وغيرها؛ لأنَّ الدليل إنَّما يقتضي عند الكثرة عدم التنجس إلا بالتغيّر من غير فصل، اهـ.
ويشهد له ما روي عن جابر - رضي الله عنه - قال: «انتهيت إلى غدير، فإذا فيه حمار ميت فكففنا عنه حتى انتهى إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنَّ الماءَ لا ينجسه شيء فاستقينا وأروينا وحملنا» في سنن ابن ماجة 1: 173، وفي الزوائد إسناد حديث جابر ضعيف؛ لضعف طريف بن شهاب، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّه ضعيف، وشرح معاني الآثار 1: 13، وتهذيب الآثار 7: 134].
ومنهم مَن قال: لا يجوز أيضاً (¬1)؛ لأنَّ الظَّاهرَ بقاؤها في الحال.
قال: (والماءُ الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ ولم يُرَ لها أثرٌ جاز الوضوءُ منه) من أي موضع شاء، (والأثرُ طعم أو لون أو ريح)؛ لأنّها لا تبقى مع الجريان، والجاري: ما يَعدّه النَّاس جارياً، هو الأصحّ (¬2).
ولو وقعت جيفةٌ في نهرٍ كبيرٍ لا يُتوضّأُ من أسفل الجانب الذي فيه الجيفة ويُتوضّأ من أسفل الجانب الآخر، وإن كان النَّهرُ صغيراً إن كان يجري
¬
(¬1) أي لا يجوز التوضؤ من مكان وقوع النجاسة غير المرئية، وهذا ظاهر عبارة القدوري، ففي رد المحتار 1: 191: ثم نقل في الخانية القولين في غير المرئية، وصحَّح في المبسوط عدم التوضؤ من مكان الوقوع، وصحح في البدائع 1: 71: التوضؤ من أي جانب، قال صاحب التبيين 1: 22: الأصح أنَّ موضع الوقوع يتنجس.
(¬2) صحَّحَه في غاية البيان والبناية1: 329 والبدائع والبحر1: 89، والتبيين1: 23، والعناية1: 68، وفتح القدير1: 79، والشرنبلالية1: 22، ومجمع الأنهر1: 29.
والثاني: ما يذهب بتبنة، واختاره صاحب «الهداية»، وصدر الشريعة وصاحب تحفة الملوك ص19، والكنز وغيرهم.
أكثرُ الماءعليها لا يجوز، وإن كان أقلُّه يجوز، وإن كان نصفُه يجوز، والأحوطُ التَّرك (¬1).
وعن محمّد - رضي الله عنه - في ماء المطر: إذا مَرَّ بالنَّجاسة ولا يوجد أثرها يتوضَّأ منه؛ لأنّه كالجاري (¬2).
قال: (وما كان مائيَّ المولد من الحيوان موته في الماء لا يُفسده): كالسَّمك والضِّفدع والسَّرطان؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «هو الطهورُ ماؤه الحِلُّ ميتتُه» (¬3)، فاستفدنا به عدم تنجسّه بالموت، وإذا لم يكن نجساً لا ينجس ما يجاوره؛ ولأنّه لا دم في هذه الأشياء وهو المنجس؛ إذ الدَّموي لا يتوالد في الماء.
¬
(¬1) ذكر في «واقعات الناطفي»: عن أبي يوسف - رضي الله عنه -: ساقية صغيرة فيها كلبٌ ميتٌ قد سَدَّ عرضها، فجرى الماء عليه لا بأس بالتّوضؤ أسفل منه، وذكر النَّاطفي هذه المسألة بعينها في «الأجناس» وأجاب بما أجاب في «الواقعات» ثم قال: وعندي أن هذا قول أبي يوسف. وأما على قول أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -: لا يجوز التوضؤ به، وفي «الطحاوي» و «النوازل»: لو كان القدر الذي يلاقي الجيفة من الماء دون الذي لا يلاقي الجيفة جاز التوضؤ أسفل منه، وإن كان مثله أو أكثر لا يجوز، قال: وإذا كانت الجيفة تُرى من تحت الماء لقلة الماء لا لصفائه كان الذي يلاقيها أكثر إذا كان سدّ عرض السَّاقية فيها، وإن كانت لا تُرى أو لم تأخذ أقلّ من النّصف لم يكن للذي يلاقيها أثر، كما في المحيط1: 91.
(¬2) وفيه المسألة تفصيل مذكور في المحيط1: 91ـ92.
(¬3) في صحيح ابن حبان 4: 49، وصحيح ابن خزيمة 1: 59، وجامع الترمذي 1: 101، وغيرها.
وكذا لو مات خارج الماء ثمّ وَقَعَ فيه؛ لما بَيَّنّا.
ولو مات في غير الماء كالخلّ واللَّبن رُوِي عن مُحمّد - رضي الله عنه -: أنّه لا يُفسده، وسواء فيه المنتفخُ وغيرُه (¬1).
وعنه: أنّه سوّى بين الضِّفدع البَريّ والمائيّ، وقيل: إن كان للبَريِّ دمٌ سائلٌ أفسده، وهو الصَّحيح (¬2).
قال: (وكذا ما ليس له نفسٌ سَائلةٌ كالذُّبابِ والبَعوضِ والبق) إذا مات في المائع لا يُفسدُه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وَقَعَ الذُّبابُ في طَعامِ أحدكم فامقلوه ثمّ انقلوه» (¬3) الحديث، وأنّه يموت بالمقل في الطَّعام سيما الحارّ منه، ولو كان موتُه يُنجس الطَّعام لَمَا أمر به.
¬
(¬1) في الدر المختار1: 185: «وحكم سائر المائعات كالماء في الأصح، حتى لو وقع بول في عصير عشر في عشر لم يفسد»، فكل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء، وهو الأصح «محيط» و «تحفة»، والأشبه بالفقه «بدائع»، كما في رد المحتار1: 185.
(¬2) في الدر المختار1: 185: «وضفدع إلا بريا له دم سائل، وهو ما لا سترة له بين أصابعه، فيفسد في الأصحّ»، قال ابن عابدين في رد المحتار1: 185: «وعليه فما جزم به في «الهداية» من عدم الإفساد بالضفدع البري، وصححه في «السراج» محمول على ما لا دم له سائل، كما في «البحر» و «النهر» عن «الحلبة»».
(¬3) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله» في سنن أبي داود 2: 392، وفي رواية: «فليغمسه، ثم لينْزعه، فإن في إحدى جناحيه داءً، والأخرى شفاءً» في صحيح البُخاري 3: 1206، ولفظة: «ثم انقلوه» مروية بالمعنى كما يظهر.
وعن سلمان - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا سلمان، كلُّ طعام وشراب وقعت فيه دابّةً ليس لها دم، فماتت فيه فهو حلالُ أكلُه وشربُه ووضوؤه» في سنن الدَّارقطني 1: 37، وسنن البَيْهَقيّ الكبير 1: 253.
قال: (وما عداهما يُفسدُ الماء القليل)؛ لأنَّه دمويٌّ يَنجسُ بالموت، فينجِّسُ ما يُجاوره: كالآدمي الميت إذا وقع في الماء يُنجسه؛ لأنّه تنجَّسَ بالموت (¬1).
¬
(¬1) عامة مشايخنا قالوا: إنّ بالموت ينجس الآدمي؛ لما فيه من الدم المسفوح كما تنجس سائر الحيوانات التي لها دم سائل بالموت؛ ولهذا لو وقع في البئر كالشَّاة يوجب تنجسه، ويجب نزح ما في البئر كلّه، وكذا لو حمل ميتاً قبل الغسل وصَلَّى معه لا تجوز صلاته، ولو قرأ عليه القرآن قبل غسله يكره وبعده لا يكره، ولو كان الغسلُ لأجل الحدث، ينبغي أن تجوز صلاتُه كما لو حمل محدثاً، ولا يُكره قراءته، كما لو قرأها المحدث، وكذا لا يُمسح رأس الميت، ولو كان للحدث ينبغي أن يسنّ المسح كما في الجنب، وهذا القول أقرب إلى القياس؛ لأنّه قول بثبوت النَّجاسة بعد ثبوت علتها، وهي احتباسُ الدَّم في العروق، وقول بزوال النَّجاسة بالغسل؛ لأنّ للغسل أثراً في إزالتها كما في حالة الحياة، وإن لم يكن له أثر في إزالة نجاسة الموت في سائر الحيوانات غير الآدمي، فكان موافقاً للقياس في الثبوت من كلّ وجه، وفي الزوال بالغسل من وجه، فكان فيه عمل بالدليلين بخلاف القول الأول؛ لأنه مخالف للقياس من كلّ وجه، وهو منع ثبوت النجاسة مع قيام علتها ولم نجد نجاسة لا تعمل في التنجيس في الآدمي في حالةٍ كرامةً له، فكذا بعد الممات، كذا في «المبسوط»، كما في الشلبي1: 236، فعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنجسوا موتاكم، فإن المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً» في صحيح البخاري1: 542.
وإن وَقَعَ بعد الغُسل فكذلك إن كان كافراً، وإن كان مسلماً لا يُنجسه؛ لأنّه لما حكم بجواز الصَّلاة على المسلم حُكم بطهارته، ولا كذلك الكافر فافترقا.
قال: (والماءُ المستعملُ لا يُطهِّرُ الأحداث: وهو ما أُزيل به حدثٌ، أو استعمل في البَدَن على وجه القربة) (¬1): كالوضوء على الوضوء بنيّة العبادة.
(ويصير مستعملاً إذا انفصل عن العضو)، ورَوَى النسفيُّ - رضي الله عنه -: أنّه لا يصير مستعملاً حتى يستقرّ في مكان، والأوّل المختار (¬2).
¬
(¬1) أي يكون الماء مستعملاً بأحد هذين الأمرين عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -: أحدهما: قصد التقرب، والثاني: إزالة الحدث بلا نية التقرب كمن توضأ في إناء للتبرُّد أو غسل أعضاء الوضوء للطين أو للتعليم لآخر أو لمس المصحف أو نحوه يصير الماء مستعملاً عندهما، وقال محمد: لا يصير مستعملاً إلا بنية التقرب وإن أزال الحدث. ينظر: هدية الصعلوك ص6.
(¬2) هذا اختيار مشايخ بلخ والطحاوي والظهير المرغيناني والصدر الشهيد وفخر الإسلام أن الماء يصير مستعملاً إذا زايل البدن واستقر في موضع، كما في السعاية 1: 396 - 397.
والثاني: أنّه يصير الماء مستعملاً بمجرد انفصاله عن الجسد؛ لأنّ سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال لضرورة التطهير، ولا ضرورة بعد انفصاله، وهذا اختيار صاحب الهداية 1: 20، ومشى عليه في نور الإيضاح ص23، وغيرها، وقال الطَّحطاويّ في حاشيته ص23: «هو ما عليه العامة، وصُحِّح في كثير من الكتب إنّه المذهب، كما في «البحر»».
وقال محمّد - رضي الله عنه -: لا يصير مستعملاً إلا بإقامة القربة لا غير، وإنّما يقع قربة بالنيّة.
وتظهر ثمرتُه في الجُنُب المنغمس في البئر لطلب الدَّلو (¬1)، فعند محمّد - رضي الله عنه -: طاهران؛ لأنّ النِّيةَ عنده شرطٌ في صيرورة الماء مستعملاً، وليست بشرطٍ في إزالةِ الجنابة.
وعند أبي يوسف - رضي الله عنه -: الرَّجلُ بحاله؛ لعدم الصَّبّ، والماءُ بحاله؛ لعدم إزالة الحدث.
وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: هما نجسان: الماءُ لإزالته الجنابة عن البعض، والرَّجل لبقاء الحدث في باقي الأعضاء (¬2).
وقيل: يطهر من الجنابة، ثمّ يتنجَّس بنجاسةِ الماء المستعمل، حتى يجوز له قراءة القرآن ونحوه.
¬
(¬1) أي إذا انغمس الجنب في البئر لطلب الدلو فعند أبي حنيفة: الرجل والماء نجسان، وعند أبي يوسف: كلاهما بحاله، وعند محمد: كلاهما طاهر، ينظر: التبيين1: 25.
(¬2) لأنّ بأوَّل الملاقاة تنجّس الماء، والرَّجل على حاله؛ لنجاسة الماء المستعمل عنده. كما في رمز الحقائق.
وقيل: هو طاهرٌ؛ لأنَّ الماءَ لا يصير مستعملاً إلا بعد الانفصال (¬1).
وعلى هذا لو توضّأ محدثٌ للتَّبرُّد يصير الماء مستعملاً خلافاً لمحمّدٍ - رضي الله عنه -.
ثمّ الماءُ المستعملُ طاهرٌ غيرُ طهور عند محمّد - رضي الله عنه -، وهو روايتُه عن أبي
حنيفة - رضي الله عنه -، وهو اختيارُ أكثر المشايخ (¬2)؛ لأنَّ الصحابة - رضي الله عنهم -: «كانوا يتبادرون إلى
¬
(¬1) وهو أوفق الرِّوايات عنه، كما في الهداية1: 23، وفي الرمز: وهو الأصح.
(¬2) وفي التبيين 1: 24: «وهو الأصح ... وقال الإسبيجابي: وعليه الفتوى»، وفي مجمع الأنهر1: 30: «والأصل في ذلك أنَّ محمداً - رضي الله عنه - روى في عامّةِ كتبه عن أَصحابنا جميعاً أنَّ الماءَ المستعملَ طاهرٌ غير مُطَهِّر، وهو ظاهرُ الرِّواية عن الإمام - رضي الله عنه -، وعليه الفتوى؛ لعموم البلوى».
قال القاري في فتح باب العناية 1: 89: «لم يثبت مشايخ العراق خلافاً بين الأئمة الثلاثة في أنَّ الماء المستعمل طاهر غير طهور، وأثبت مشايخ ما وراء النهر اختلاف الرواية عنهم: فعن أبي حنيفة في رواية الحسن عنه، وهو قوله: أنَّه نجس نجاسة مغلَّظة، وعن أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة: أنَّه نجس نجاسة مخففة، وعن محمد وهو رواية عن أبي حنيفة وهو الأقيس: أنَّه طاهر غير طهور، واختار هذه الرواية المحقِّقون من مشايخ ما وراء النهر وغيرهم، وهو ظاهر الرواية، وعليها الفتوى».
وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمسحون به وجوههم ولم يمنعهم» (¬1)، ولو كان نجساً لمنعهم - صلى الله عليه وسلم -، كما «منع الحجّام من شرب دمِهِ» (¬2).
ورَوَى الحسنُ عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنّه نجسٌ نجاسةً مغلّظة (¬3)؛ لأنّه أزال النَّجاسة الحكمية، فصار كما إذا أزال الحقيقة بل أولى؛ لأنَّ النَّجاسةَ الحكمية أغلظ حتى لا يُعفى عن القليل منها.
وعند أبي يوسف - رضي الله عنه -، وهي روايتُه عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنّ نجاستَه خفيفةٌ؛ لمكان الاختلاف.
وقال زُفر - رضي الله عنه -: إن كان المستعمِل محدِثاً فهو كما قال مُحمّد - رضي الله عنه -، وإن كان طاهراً فهو طهورٌ؛ لأنَّه لم يُزل النَّجاسة فلم يتغيّر وصفُه.
¬
(¬1) فعن أبي جحيفة - رضي الله عنه -، قال: «خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ، فجعل النَّاس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به» في صحيح البخاري1: 49.
(¬2) روى أبو نعيم في «معرفة الصحابة» من حديث سالم بن الحجام قال: «حجمتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلمّا فرغت شربته ... فقلت: يا رسول الله شربته، فقال: ويحك يا سالم، أمّا علمت أن الدّم حرام لا تعد»، وفي سنده أبو الحجاف، وثقة أحمد وابن معين، وقال النسائي: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وتمامه في الإخبار1: 46.
(¬3) قال صاحب مجمع الأنهر 1: 30: «وهو رواية شاذة غير مأخوذ بها».
قال: (وكلُّ إهابٍ دُبغ فقد طَهُر)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر» (¬1).
قال: (إلا جلد الآدمي؛ لكرامته)، فيحرمُ الانتفاعُ بشيءٍ من أجزائِهِ؛ لما فيه من الإهانة، (و) إلا جلد (الخنزير؛ لنجاسة عينِه)، قال الله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، وهو أقربُ المذكورات، فيُصرف إليهم.
والفيلُ كالخنزير عند مُحمّد - رضي الله عنه -، وعندهما: يُنتفع به، ويَطهر بالذَّكاة (¬2).
وعند مُحمّد - رضي الله عنه -: إذا أصلح مصارينَ ميتةٍ أو دَبَغَ المثانةَ طَهُرَت (¬3) حتى يُتخذُ منها الأوتار.
وما طَهُرَ بالدِّباغ يطهرُ بالذَّكاة (¬4)؛ لأنَّها تُزيلُ الرُّطوبات كالدِّباغ (¬5).
¬
(¬1) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» في سنن الترمذي، 4: 221، وقال: حديث حسن صحيح، وفي لفظ: «إذا دُبِغَ الإهاب فقد طَهُر» في صحيح مسلم 3: 277، وسنن أبي داود 4: 66، وسنن الدارقطني 1: 66، وغيرها.
(¬2) فيجوز بيع عظمه والانتفاع به، ويطهر جلده بالدِّباغة ولحمه بالذكاة كسائر السباع، ولكن لا يؤكل لحمه لحرمته، وقال محمد - رضي الله عنه -: إنه نجس العين؛ لأنه كالخنزير في الشكل وحرمة اللحم فلا ينتفع بشيء من أجزائه، كما في هدية الصعلوك ص8، وبدائع الصنائع 5: 142، وفي مجمع الأنهر 2: 59: والمختار قولهما.
(¬3) ومشى عليه في المنية ص88، وظاهر عامة الكتب الأخذ به، وقال أبو يوسف: هي كاللحم، كما في فتح القدير1: 93.
(¬4) اختلفوا في طهارة غير مأكول اللحم بالذكاة: فصحح صاحب التحفة1: 72، والهداية1: 21: طهارته، واختاره في البدائع1: 86، واختار صاحب التنوير1: 127، عدم طهارته، وقال صاحب الدر المختار1: 127: هذا أصح ما يفتى به، وأقرَّه ابن عابدين في رد المحتار1: 127.
(¬5) أي ما لم يطهرْ جلدُهُ بالدِّباغ لا يطهرُ بالذَّكاة، والمرادُ بالذَّكاة أن يذبحَ المسلمُ أو الكتابيُّ من غيرِ أن يتركَ التَّسميةَ عامداً، كما شرح الوقاية، وصحح الزاهدي في القنية ق11/أ أيضاً: طهارة ذبيحة المجوسي، وأقره في البحر1: 109.
والدِّباغُ (¬1) أن يخرجَه من حدِّ الفَساد سواء كان بالتُّراب أو بالشَّمس أو غيرهما.
قال: (وشعرُ الميتة وعظمُها طاهرٌ)؛ لأنّ الحياةَ لا تحلُّهما حتى لا تتألم بقطعهما فلا يحلّهما الموت، وهو المنجِّس.
وكذلك العَصبُ والحافرُ والخُفُّ والظِّلْفُ والقَرْنُ والصُّوفُ والوَبَرُ والرِّيشُ والسِّنُّ والمِنقارُ والمِخْلبُ؛ لما ذكرنا؛ ولقوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} [النحل: 80] امتنَّ بها علينا من غير فصل.
¬
(¬1) الدباغة حقيقية: كالدباغة بشيء له قيمة: كالعفص والقرظ والشث، وحكمية: كالتَّشميس والتتريب والإلقاء في الريح، فبعد الدباغة: يحكم بطهارته، وجوز الصلاة عليه، وشرب الماء فيه، في الفصلين جميعاً، كما في منحة السلوك1: 49.
(وشعرُ الإنسان وعظمُه طاهرٌ)، وهو الصَّحيحُ (¬1)، إلا أنّه لا يجوز الانتفاع به؛ لما بيّنا.
أمّا الخنزير فجميع أجزائه نجسة؛ لما مرّ، وعن محمّد - رضي الله عنه -: أنّ شعرَه طاهرٌ حتى يحلّ الانتفاع به، وجوابه: أنه رُخِّص للخرَّازين للحاجة ضرورةً (¬2).
¬
(¬1) عن محمد - رضي الله عنه -: في نجاسة شعر الآدمي وظفره وعظمه روايتان، والصحيح الطهارة، «سراج»، كما في رد المحتار1: 207.
(¬2) لأنّ خرز النعال والأخفاف الرفيعة لا يتأتى إلا به فكان فيه ضرورة. ثم لا حاجة إلى شرائه؛ لأنّه يوجد مباح الأصل، قال الفقيه أبو الليث: إن كانت الأساكفة لا يجدون الخنزير إلا بالشراء ينبغي أن يجوز لهم الشراء، ولا بأس للأساكفة أن يصلوا مع شعر الخنزير وإن كان أكثر من قدر الدرهم، كما في التبيين 4: 51. وفي العناية 6: 425: «ويجوز الانتفاع به للخرز للضرورة؛ لأن غيره لا يعمل عمله. فإن قيل: إذا كان كذلك وجب أن يجوز بيعه. أجاب: بأنه يوجد مباح الأصل فلا ضرورة إلى بيعه وعلى هذا قيل: إذا كان لا يوجد إلا بالبيع لكن الثمن لا يطيب للبائع». ومثله في مجمع الأنهر 2: 59، وفي رد المحتار 5: 72 - 73: «وقال الزيلعي: إطلاق الانتفاع به دليل طهارته، وهذا يفيد عدم تقييد حل الانتفاع به بالضرورة، ويفيد جواز بيعه؛ ولذا قال في النهر: وينبغي أن يطيب للبائع الثمن على قول محمد - رضي الله عنه - ... أما في زماننا فلا حاجة إليه؛ للاستغناء عنه بالمخارز والإبر، قال في «البحر»: ظاهر كلامهم منع الانتفاع به عند عدم الضرورة بأن أمكن الخرز بغيره».
فصل
(إذا وقعت في البئر نجاسةٌ فأُخرجت ثمّ نُزحت طَهُرَت)، والقياس: أنّه لا تطهر؛ لأنَّه إذا تنجَّس الماءُ تنجَّس الطِّين، فإذا نُزح الماءُ بقي الطِّينُ نجساً، فكلّما نَبَعَ الماءُ نجَّسَه، لكنّا خالفنا القياس بإجماع السَّلف، وما رُوِي عنهم من الآثار (¬1) غير معقول المعنى، فالظَّاهر أنّهم قالوه سَماعاً.
(وإذا وَقَعَ في آبار الفَلَوات من البَعْر والرَّوث والأَخثاء لا يُنجسها ما لم يستكثره النَّاظر)؛ لأنَّ آبار الفَلَوات بغير حواجز، والدَّواب تبعر حولها، والرِّياح تُلقيها فيها، فكان في القليل ضرورةً دون الكثير.
وحَدُّه: أن يأخذ رُبع وجه الماء عن محمّد - رضي الله عنه -، وقيل: ثلثه، وقيل: أن
لا يخلو دلو من شيءٍ منه، والمختارُ (¬2) ما ذكره في «الكتاب» وهو أن يستكثره النَّاظر، وهو المروي عن صاحب المذهب - رضي الله عنه -.
والرَّطبُ واليابسُ والصَّحيحُ والمنكسرُ سواء؛ لعموم البلوى (¬3).
¬
(¬1) وستأتي هذه الأثار عن علي وأنس وأبي سعيد الخدري وابن عباس وابن الزبير والنخعي والشعبي وغيره بعد أسطر.
(¬2) اختاره صاحبُ الهداية وتحفةُ الفقهاء ص48، وفي منحة السلوك 1: 123، والبدائع 1: 77: هو الصحيح، وفي التبيين 1: 27، والينابيع ص13: وعليه الاعتماد. وصحَّحه صاحبُ الكافي، وفي معراج الدراية: هو المُختار، كما في نفع المفتي ص132.
(¬3) وهذا ما مشت عليه عامة الكتب كالمراقي والهداية1: 24، والبدائع1: 76، ودرر الحكام1: 25، وغيرها.
وآبار الأمصار كذلك (¬1)، وقيل: يعتبر ما ذكرنا من الضَّرورة.
قال: (وخُرْءُ الحَمام والعُصفُورِ لا يُفسدُها)؛ لأنَّه ليس بنجس ـ على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ.
قال: (وإذا مات في البئر فأرةٌ أو عُصفورةٌ أو نحوُهما نُزِحَ منها عشرون دلواً إلى الثَّلاثين)؛ لما رُوي عن عليٍّ - رضي الله عنه -: «أنّه يُنْزحُ منها دلاء» (¬2)، وعن أنس - رضي الله عنه -: «عشرون دلواً» (¬3)، وعن النَّخعيِّ - رضي الله عنه - (¬4): «عشرون أو ثلاثون» (¬5)، فالعشرون للإيجابِ والثَّلاثون للاستحباب.
¬
(¬1) وصحَّحه صاحبُ التبيين 1: 27، ومعراج الدراية كما في نفع المفتي ص132، ومشى عليه في تحفة الملوك ص48، وفي الكفاية 1: 87: عن الإمام التمرتاشي الأصح التسوية.
(¬2) فعن علي - رضي الله عنه - قال: «إذا سقطت الفأرة أو الدَّابة في البئر فانزحها حتى يغلبك الماء» في شرح معاني الآثار 1: 17.
(¬3) سيأتي الكلام عليه بعد أسطر عند أثر أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -.
(¬4) وهو إبراهيم بن يزيد بن الأسود النَّخَعِيّ الكوفيّ، أبو عمران، وهو أحدُ الأئمة المشاهير، تابعي رأى عائشة ودَخَلَ عليها، قال ابنُ حَجَر: ثقةٌ إلا أنَّه يُرسل كثيراً، (46 - 96هـ). ينظر: وفيات1: 25، والتقريب ص35.
(¬5) فعن إبراهيم النخعي - رضي الله عنه -: «في فأَرة وقعت في بئر قال: يُنْزَحُ منها قدر أربعين دلواً» في شرح معاني الآثار 1: 17.
وعن محمّد - رضي الله عنه -: في الفأرتين عشرون، وفي الثَّلاث أربعون (¬1).
وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: في الفأرة عشرون إلى أربع، وفي الخمس أربعون إلى تسع، وفي العشر جميع الماء.
قال: (وفي الحَمامةِ والدَّجاجةِ ونَحوهما من أربعين إلى ستين)، هكذا رُوي عن أبي سَعيد الخُدْري - رضي الله عنه - (¬2)، ولأنَّها ضعفُ الفأرة، فضَعّفنا الواجب.
(وفي الآدميّ والشّاةِ والكَلْبِ جميعُ الماء)، هكذا حكم ابنُ عَبَّاس (¬3) وابن
¬
(¬1) أي الثلاثُ إلى الخمس كالهرة، والستُّ كالكلب، وهو ظاهرُ الرواية، ومشى على هذا في الدر المختار 1: 235، قال صاحب البحر 1: 210: «ولم يوجد التصحيح في كثير من الكتب، لكن في المبسوط أنَّ ظاهر الرواية أنَّ الثلاث كالهرة فيفيد أنَّ الست كالكلب، وبه يترجَّح قول محمد - رضي الله عنه -».
(¬2) قال الزيلعي في نصب الراية 1: 323: «قال شيخنا علاء الدين: رواهما ـ أي أثر أنس وأبي سعيد ـ الطحاوي من طرق، وهذان الأثران لم أجدهما في شرح الآثار للطحاوي، ولكنه أخرج عن حجاج ثنا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان أنه قال في دجاجة وقعت في البئر فماتت قال: ينزح منها قدر أربعين دلوا أو خمسين»، وعن الشعبي - رضي الله عنه - في الطير والسنور ونحوهما يقع في البئر قال: «ينزح منها أربعون دلواً» في شرح معاني الآثار 1: 17، وصححه ابن قُطلوبُغا في تخريج أحاديث الاختيار1: 48، و عن سلمة بن كهيل - رضي الله عنه - في الدَّجاجة تقع في البئر قال: «يستقي منها أربعون دلوا» في مصنف ابن أبي شيبة 1: 150.
(¬3) فعن ابن عباس - رضي الله عنه -: «إن زنجياً وقع في زمزم فمات، فأنزل إليه رجلاً فأَخرجه ثمّ قال: انزفوا ما فيها من ماء» في مُصنف ابن أبي شيبة1: 150، وغيرها.
الزُّبير (¬1) - رضي الله عنهم - في بئر زَمزم حين مات فيها الزِّنْجيّ؛ ولأنَّه لثِقَلِه يَنْزلُ إلى قَعْر البئر، فيُلاقي جميعَ الماء.
قال: (وإن انتفخَ الحيوانُ أو تفسَّخ نُزحَ جميعُ الماء)؛ لأنّه لا يخلو عن بَلَّةٍ نَجِسةٍ فتشيع، فصار كما إذا وَقَعَتْ ابتداءً.
ولو وقَعَ الحيوانُ في البئر ثمّ أُخرج حَيّاً، فإن كان طاهراً كالآدميِّ وما يؤكل لحمه، فإن لم يكن على بدنِهِ نجاسةٌ لم يُنْزَح شيءٌ، وإن كان على مخرجِه نجاسةٌ نُزح الجميع.
وكذلك سباع الطَّير والوَحش، وهو الصَّحيح (¬2).
وكذلك البَغْل والحمار لا يصير الماء مشكوكاً فيه؛ لأنَّ بدنَ هذه الحيوانات طاهرٌ، وإن وَصَلَ الماءُ إلى لعابِهِ أخذَ حكمَه (¬3).
¬
(¬1) فعن عطاء - رضي الله عنه -: «إن حبشياً وقع في زمزم فمات، فأمر ابن الزبير أن ينزف ماء زمزم، فجعل الماء لا ينقطع، فنظروا فإذا عين تنبع من قبل الحجر الأسود، فقال ابن الزبير: حسبكم» في شرح معاني الآثار 1: 17، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 150، وغيرها وقال ابن دقيق في الإمام: إسناده صحيح كما في إعلاء السنن 1: 264.
(¬2) أي أنه لا ينجس الماء، وصححه في «المحيط»، وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: في الإبل والبقر يُنجسان الماء؛ لبقاء النَّجاسة في أفخاذهما، غير أنّ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: ينزح عشرون، وفي الشاة: عشر؛ لأنّ نجاسة بولها حقيقية، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه -: ينزح كلّها لاستواء الخفيفة والغليظة في الماء، وقيل: لا ينزح شيء، «ينابيع»، كما في البناية1: 452.
(¬3) هذا بناء على أنّ العبرة بالسؤر، فإن كان نجساً نجس الماء، وإن كان مكروهاً
يستحب أن ينزح عشر دلاء، ولو كان مشكوكاً فيه ينزح كله، والماء مشكوك فيه، وعن أبي الليث في «خزانته»: يُنزح ماء البئر كلّه في البغل، والحمار، والكلب، والخنزير، والفهد، والنمر، والأسد، والذئب وكل ذي ناب من السباع وإن أخرج حياً، وفي «التحفة»، و «المحيط»، و «المفيد»: الصحيح أنه لا يصير مشكوكاً فيه، كما في البناية1: 452.
وذكر القُدُوريّ - رضي الله عنه -: إن كان الرَّجلُ محدثاً نُزح أربعون دلواً، وإن كان
جُنُباً فالجميع.
وقال محمّدٌ - رضي الله عنه -: إن نَوَى الغُسل أو الوضوء يصيرُ مستعملاً فيفسد، وإلا فلا (¬1).
وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه - في الكافر يُنْزَحُ جميعُ الماء، فإنّه لا يخلو بدنُه من النَّجاسة غالباً.
قال: (ويُعتبرُ في كلِّ بئرٍ دلوها) (¬2)؛ لأنَّ السَّلَفَ أطلقوا، فينصرف إلى
¬
(¬1) بناء على قول محمد - رضي الله عنه - من أن الماء لا يصير مستعملاً إلا بنية القربة.
(¬2) اعتبار دلو البئر اختيار صاحب تحفة الملوك ص48، والبحر 1: 124، والهداية، وغيرهم.
والثاني: اعتبار الدلو الوسط، وما جاوزه احتسب به، هذا اختيار صاحب الوقاية ص102، والكنز ص5، والملتقى ص5، والتنوير1: 145، ومنحة السلوك 1: 124، وغيرهم.
والقول الثالث: اختيار في كل بئر دلوها، وإن لم يكن لها دلو ينزح به، يعتبر الدلو
الوسط، كصاحب المضمرات، وتبعه اللكنوي في عمدة الرعاية 1: 92. واختار صاحب الدر المختار1: 145 إن لم يكن لها دلو فما يسع صاعاً.
المعتاد كما في النُّقود، وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنّه قدَّره بالصَّاع (¬1).
(وإذا لم يُمكن إخراج جميع الماء نُزِح منها مئتا دلو إلى ثلاثمئة)؛ لأنَّ غالبَ ماء الآبار لا يزيد على ذلك، وهذا أيسر على الناس (¬2)، وهو المرويُّ عن محمّد - رضي الله عنه -.
وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: يُنزحُ حتى يغلبَهم الماء (¬3)، ولم يُقَدِّر فيه شيئاً، فيُعمل
بغلبةِ الظَّنّ، فيُرجع إلى قولِ رجلين لهما معرفةٌ بذلك (¬4).
¬
(¬1) وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، كما في العناية1: 104.
(¬2) اختار قول محمد - رضي الله عنه - الشرنبلالي في نور الإيضاح1: 80، وصاحب الكنز ص5، وفي الملتقى ص5: «وبه يفتى»، وكان المشايخ إنما اختاروا قول محمد - رضي الله عنه - لانضباطه كالعشر تيسيراً، كما في اللباب1: 27.
(¬3) فعن عليّ - رضي الله عنه - في الفأرة تقع في البئر قال: «ينزح إلى أن يغلبهم الماء» مصنف ابن أبي شيبة 1: 149، ولكن عن النَّخعي - رضي الله عنه - في البئر تقع فيه الفأرة، قال: «ينزح منها دلاء» في شرح معاني الآثار 1: 18.
(¬4) وصحح هذا في الدرر 1: 25، والتبيين1: 30، ومنحة السلوك 1: 125، وأقرَّه صاحب الكفاية1: 93، واختاره صاحب التنوير1: 143، وهدية الصعلوك ص32، وفي الدر المختار1: 143: وبه يفتى، وهو الأحوط، وفي المراقي ص37: هو الأصح، ورجَّحه ابن عابدين في حاشيته1: 143، وفي الهداية: وهو الأشبه بالفقه.
وإذا نُزِحَ ما وَجَبَ نزحه وحُكم بطهارةِ البئرِ (¬1) طَهُر الدَّلو والرِّشا والبَكرة ونواحيها ويدِ المستقي (¬2)، مرويٌّ ذلك عن أبي يوسف - رضي الله عنه -.
فصل
(سؤرُ الآدميِّ والفَرسِ وما يُؤكل لحمُه طاهرٌ)، الأسآر أربعة:
1.طاهرٌ غيرُ مكروه، وهو سؤرُ الآدميّ جُنُباً كان أو حائضاً أو مشركاً؛ لأنّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «شرب وأعطى فضل سؤره أعرابياً عن يمينه فشرب، ثمّ شرب أبو بكر - رضي الله عنه - سؤر الأعرابيّ» (¬3).
¬
(¬1) قال الطَّحاويُّ في شرح معاني الآثار 1: 18: «فإن قال قائل فأنتم قد جعلتم ماء البئر نجساً بوقوع النجاسة فيها فكان ينبغي أن لا تطهر تلك البئر أبداً؛ لأن حيطانها قد تشربت ذلك الماء النجس واستكن فيها، فكان ينبغي أن تطم. قيل له: لم تر العادات جرت على هذا، قد فعل عبد الله بن الزبير ما ذكرنا في زمزم بحضرة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكروا ذلك عليه، ولا أنكره مَن بعدهم، ولا رأى أحد منهم طمها».
(¬2) لأنّ نجاسةَ هذه الأشياء بنجاسة البئر، فتطهر بطهارتها للحرج كدنِ الخمر يَطهرُ تبعاً إذا صار خلاً، وكيدِ المُستنجي تطهرُ بطهارةِ المحلّ، وكعروةِ الإبريقِ إذا كان في يد المستنجي نجاسةً رطبةً، كما في رد المحتار1: 212.
(¬3) فعن أنس - رضي الله عنه -: «أنّه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرب لبناً، وأتى داره، فحلبت شاةً، فشبَّت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البئر، فتناول القَدح فشَرب، وعن يَساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فأعطى الأعرابي فضله، ثم قال: الأيمن فالأيمن» في صحيح البخاري7: 109.
وأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يُصافح أبا هُريرة - رضي الله عنه - فقال: إنّي جنب، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن لا ينجس» (¬1).
وقال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها: «ناوليني الخُمرة، قالت: إني حائض، قال: ليست حيضتك في يدك» (¬2) إشارة إلى أنّ النَّجِسَ موضع الحيض، ولأنَّ بدنَ الإنسان طاهرٌ مسلماً كان أو كافراً، «فإنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنزل وفد ثقيف في المسجد» (¬3)، ولو كانت أبدانُهم نجسةً لم ينزلهم فيه تنزيهاً له.
وكذا سؤرُ ما يُؤكل لحمُه؛ لأنّه متولِّدٌ من لحمِه، فيكون طاهراً كاللبن إلاّ الدَّجاجةَ المخلاةَ والإبلَ والبقرَ الجلالة، فإنّه مكروهٌ لاحتمالِ بقاء النَّجاسة على مِنقارها وفَمها.
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت ثم جئت وهو قاعد، فقال: أين كنت يا أبا هر، فقلت له، فقال: سبحان الله يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس» في صحيح البخاري1: 65، وصحيح مسلم1: 282.
(¬2) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ناوليني الخمرة من المسجد، قالت فقلت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك» في صحيح مسلم1: 244.
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كنت أَشرب، وأَنا حائضٌ، فأناوله النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيضع فاه على موضع فِيّ» في صحيح مسلم 1: 245.
(¬3) فعن عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه -: «أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنزلهم المسجد؛ ليكون أرق لقلوبهم ... » في سنن أبي داود3: 163.
وكذا سؤرُ الفَرس (¬1)؛ لأنَّ كراهة لحمه عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لاحترامه (¬2) لا لنجاسته، وعنه: أنه مكروه كلحمِهِ.
(والثَّاني): طاهرٌ (مكروهٌ (¬3)، وهو سؤر الهِرّة والدَّجاجة المخلّاة (¬4) وسواكن البيت): كالحيّةِ والعقربِ والفأرة؛ لأنّ نجاسةَ لحمها تُوجب نجاستَه، إلاّ أنه لَمَّا لم يكن الاحترازُ عنه؛ لكونها من الطَّوافات علينا، كما أَشار
¬
(¬1) أي سؤر الفرس طاهرٌ في ظاهر الرِّواية؛ لأنَّ السُّؤر لمعنى البلوى أخفّ حكماً من اللَّحم، والكراهة التي في اللحم تنعدم في السُّؤر؛ ليظهر به خفّة الحكم، وهو قول محمد وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وروى الحَسَن بن زياد عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنَّه مكروه، كما في المبسوط 1: 50، وصحح في البدائع 1: 65 والهداية 1: 117: ظاهر الرواية.
(¬2) أي حرمته للتكريم؛ لكونه آلة الجهاد، فصارت حرمته كحرمة لحم الآدمي، ألا ترى أن لبنه حلال، قال الطحطاوي في حاشيته على المراقي ص29: «وعندهما؛ لأنه مأكول اللحم، وصح رجوع الإمام عن القول بحرمته قبل موته بثلاثة أيام، وعليه الفتوى، وذكر شيخ الإسلام وغيره إن أكل لحمه مكروه تنزيهاً في ظاهر الرواية، وهو الصحيح».
(¬3) أي كراهة تنزيه مع وجود غيره مما لا كراهة فيه، ولا يكره عند عدم الماء؛ لأنه طاهر لا يجوز المصير إلى التيمم مع وجوده، كما في السعاية 1: 465.
(¬4) وهي التي تجول في القاذورات، لا يعلم طهارة منقارها من نجاسته، فكره سؤرها تنزيهاً، وأما التي تحبس في بيت وتعلف فلا يكره سؤرها؛ لأنها لا تجد عذرات غيرها حتى تجول فيها، وهي في عذرات نفسها لا تجول، بل تلاحظ الحب بينه، كما في رد المحتار 1: 149.
إليه النّصُّ (¬1)، فقُلنا بالطَّهارة مع الكَراهة.
(و) كذا سؤرُ (سباع الطَّير) (¬2)؛ لأنّ الأصلَ طَهارةُ المِنقار، إلاّ أنّها تأكل الميتات فقُلنا: بالكراهة.
والماءُ المكروهُ إذا توضّأ به مع وجودِ الماءِ المطلق كان مكروهاً، وعند عدمِهِ لا يكون مَكروهاً.
(والثَّالثُ: نجسٌ، وهو سؤرُ الخنزير والكلبِ وسباعِ البَهائم).
أمّا الخنزيرُ فلأنّه نجسُ العينِ، ولعابه يتولَّدُ من لحمِه.
¬
(¬1) فعن كبشة بنت كعب بن مالك رضي الله عنها، وكانت تحت ابن أبي قتادة: «إن أبا قتادة - رضي الله عنه - دخل عليها فسكبت له وضوءاً فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه. فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم. فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات» في صحيح ابن خزيمة 1: 55، وصحيح ابن حبان 4: 115، وسنن الترمذي 1: 151، وصححه، وغيرها.
(¬2) مثل: الصقر والشاهين والحِدأة؛ لأنها تخالط الميتات والنجاسات فأشبهت الدجاجة المخلاة حتى لو تيقن أنه لا نجاسة على منقارها لا يكره سؤرها، وكان القياس نجاسته لحرمة لحمها كسباع البهائم، لكن طهارته استحساناً؛ لأنها تشرب بمنقارها، وهو عظم طاهر، وسباع البهائم تشرب بلسانها، وهو مبتل بلعابها مكروه للزوم طوافها، وحرمة لحمها النجس، كما في مراقي الفلاح 32.
وأمّا الكلبُ فلأنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - «أمرَ بغسل الإناءِ من ولوغه ثلاثاً» (¬1)، وفي رواية: «سبعاً» (¬2)، ولسانُه يُلاقي الماء دون الإناء، فكان أَولى بالنَّجاسة.
وأمّا سباعُ البهائم؛ فلأنّ فيه لعابها، وأنّه نجسٌ لتولدِه من لحمِ نجسٍ كاللَّبنِ، بخلافِ العَرقِ فإنّ فيه ضرورةً؛ لعموم البلوى.
(والرَّابع: مشكوكٌ فيه (¬3): وهو سؤرُ البَغلِ والحِمارِ)؛ لتعارض الأدلّة (¬4)، فإنّ حرمةَ اللّحم واللَّبن دليلُ النَّجاسة، وطهارةَ العرق دليلُ الطَّهارة، فإن
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في الكلب يلغ في الإناء أنه يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً» في سنن الدارقطني1: 65، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - موقوفاً: «إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرّات» في سنن الدارقطني1: 66، وصحّحه العيني في عمدة القاري 3: 40: «وقال الشيخ تقي الدين في الإمام: هذا إسناد صحيح».
(¬2) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار» في صحيح مسلم 1: 234.
(¬3) قال ابن أمير حاج - رضي الله عنه -: هذه التسمية لم ترو عن سلفنا أصلاً، وإنَّما وقعت لكثير من المتأخرين، فسمّاه بعضُهم مشكوكاً، وبعضُهم مشكلاً، ومرادهم بذلك التوقف في كونه يزيل الخبث، فقالوا: يجب استعماله مع التيمّم عند عدم الماء المطلق احتياطاً؛ ليخرج عن العهدة بيقين، وليس معناه الجهل بحكم الشرع، كما فهمه أبو طاهر الدبّاس، فأنكر هذا التعبير؛ لأنَّ الحكمَ فيه معلوم، وهو ما ذكرنا، والقول بالتوقف في مثل هذا لتعارض الأدلة دليلُ العلم وغلبة الورع، كما في الطحطاوي 1: 60.
(¬4) ومنها: عن أنس - رضي الله عنه -: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر منادياً فنادى: إنَّ الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنَّها رجس، فأكفئت القدور، وإنَّها لتفور باللحم» في صحيح مسلم 3: 1539، وهذا يدل على حرمة اللحم فيتنجس السؤر أيضاً؛ لأنَّ نجاسته وطهارته معتبرة بطهارة اللعاب ونجاسته، ونجاسته وطهارته معتبرة باللحم. وعن غالب بن الأبجر - رضي الله عنه -، قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: إنَّه لم يبق من مالي إلا الأحمرة، فقال: «أطعم أهلك من سمين مالك، إنَّما كرهت لكم جوالة القرية» في سنن أبي داود 3: 256، والمعجم الكبير 18: 266، وهذا يدل على إباحة لحمه المستلزمة لطهارة لعابه، المستلزمة لطهارة سؤره، وعن جابر - رضي الله عنه -: «إنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - سئل أنتوضأ بماء أفضلته الحمر، فقال: نعم» في سنن النسائي الكبرى 1: 249، وسنن الدارقطني 1: 92، ومسند الشافعي ص8.
النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «كان يركب الحمار معرورياً في حرّ الحجاز، ويُصيب العرق ثوبه، وكان يُصلِّي في ذلك الثَّوب» (¬1).
ومعنى الشَّكّ التوقُّف فيه، فلا يُنَجِّسُ الطَّاهرَ، ولا يُطَهِّرُ النَّجس.
(وعند عدم الماء يتوضّأ به ويتيمم) احتياطاً؛ للخروج عن العهدة، وأيُّهما قَدَّمَ جاز؛ لأنّ المطهرَ منهما غيرُ متيقّن، فلا فائدة في التّرتيب.
وقال زُفر - رضي الله عنه -: يبدأُ بالوضوءِ؛ ليصير عادماً للماء حقيقة.
وجوابُه: إن كان طَهوراً، فالتيمُّمُ ضائعُ قَبله أو بَعده، وإن كان غيرَ طهور فالتيمُّم معتبرٌ سواء كان قبله أو بعده، ولا معنى لاشتراط الترتيب.
¬
(¬1) فعن أبي رافع - رضي الله عنه -: «أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - غدا إلى بني قريظة على حمار عري يقال له: يعفور» في المعجم الأوسط9: 56، ومسند الروياني1: 461، وقال ابن قطلوبغا في التعريف1: 33: رجاله ثقات.