تهذيب .............
..... أحكام الوقف
جارٍ تحميل الكتاب…
تهذيب .............
..... أحكام الوقف
تهذيب
أحكام الوقف
للعلامة الفقيه مصطفى أحمد الزرقا الحنفي
ولد سنة (1904) وتوفي سنة (1999) م
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
من المعلوم أن فضيلة العلامة الأستاذ الشيخ مصفطى الزرقا هو من أبرز فقهاء هذا العصر، ولا عجب في ذلك فهو ابن العلامة الكبير أحمد الزرقا صاحب «شرح القواعد الفقهية».
فهو من الأفراد الذي يقرأ لهم في هذا الزمان فقهياً بعد أن ضاعت علم الفقه، ولم يبق من اسمه إلا الرسم، حتى أصبح فقهاؤه أندر من الكبريت.
فلا تجد شخصاً يتعامل مع الفقه كعلم له بناؤه وتأصيله وتقعيداته، وهو قادر على التعامل مع عبارات الفقهاء وكتب الفقهاء، وفضيلة
الشيخ الزرقا من أصحاب الملكة الفقهية الكاملة الذي يقرأ لهم ويقتدى بهم ويقتفى أثرهم.
وقد درست كتابه أحكام الوقف قبل سنوات عديدة لطلبة الماجستير، ولاحظت الفتح الرباني عليه في القدرة على عرض المادة بطريقة علمية صحيحة ميسورة لطلبة العلم مع المحافظة على مصطلحات العلم وقواعده، حتى يُعَدُّ كتابه من أفضل من كتب في الوقف من المعاصرين.
لكن رأيت من المناسب أن أقوم باختصاره وتهذيب وإضافة فوائدة ماتعة له من كتب سادتنا الحنفية، حتى أكمل بعض موضوعاته لطلبة العلم، وأضمّ إليه في التدرس كتابَ «الإسعاف في أحكام الأوقاف» للطرابلسي (ت 922 هـ)، الذي يُعَدُّ أفضل ما كتب في الوقف عند فقهائنا السابقين، فطبع «التهذيب لأحكام الوقف» للزرقا في بداية كتاب «الإسعاف».
وفي هذه الأيام أثناء محاولتي لجمع أعمالي العلمية رأيت أن أفصل كتاب «التهذيب» عن «الإسعاف»؛ ليظهر ويبرز ويشتهر بين طلبة العلم؛ لكثرة ما فيه من الفوائد والعلم.
وأسال الله أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه، ويرزقنا الصدق في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
عمان /صويلح
بتاريخ 8 ـ 8 ـ 2020 م
المطلب الأول
تعريف الوقف ومشّروعيته
أولاً: تعريفه:
لغةً: وقفَهُ: حبسهِ، وقَفَ دارَه أو أرضه على ولدهِ؛ لأنَّه حَبْسُ المِلْك عليه. وقيل للموقوف: وَقْفٌ تسميةً بالمصدر؛ ولذا جُمع على أوقاف، قالوا: ولا يُقال: أوقفه إلا في لغة رديّة. وقيل: يُقال: وقفَه فيما يُحْبَس باليدِ، وأوقفه فيما لا يُحبس بها (¬1).
وشرعاً: حبس العين على حكم ملك الله - جل جلاله -، أو حبسُ العين عن التمليك والتصدُّق بالمنفعة عند أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -.
وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: حبسُ العين على ملك الواقف والتصدّقُ بالمنفعة (¬2).
¬
(¬1) ينظر: المغرب 2: 366.
(¬2) ينظر: التبيين 1: 325.
ثانياً: مشّروعية الوقف:
فعموم الآيات القرآنية مُرغِّبةٌ في الإنفاق في سبيل الله، كقوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} آل عمران: 92، وكقوله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} البقرة: 177 إلى آخر الآية.
وأمَّا السنة، فالأدلة كثيرة منها:
1.عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (¬1).
2.وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً عَلَّمَهُ ونشره، وولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً
¬
(¬1) في صحيح مسلم3: 1255، وموطأ مالك 1: 74، وسنن أبي داود 3: 117، وغيرها.
ورَّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحّته وحياته تلحقه من بعد موته» (¬1).
3.وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، كان شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» (¬2).
4.وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أما خالد فقد احتبس أدراعه في سبيل الله» (¬3).
5.وعن أنس - رضي الله عنه -: «قَدِمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وأمر ببناء المسجد، فقال: يا بني النجار، ثامنوني، فقالوا: لا نطلب ثمنه، إلا إلى الله» (¬4): أي فأخذه فبناه مسجداً.
6.وعن عثمان - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من حفر بئر رومة فله الجنة، قال: فحفرتها» (¬5). وفي رواية: «لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمُدٌ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: تبيعها بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول اللّه ليس لي ولا لعيالي
¬
(¬1) في سنن ابن ماجه1: 88، وحسنه المنذري، وصحيح ابن خزيمة4: 121، وشعب الإيمان5: 121.
(¬2) في صحيح البخاري4: 28، والسنن الكبرى للنسائي 4: 320، وصحيح ابن حبان 10: 529.
(¬3) في صحيح البخاري4: 41 معلقاً.
(¬4) في صحيح البخاري3: 20، وصحيح مسلم1: 123.
(¬5) في صحيح البخاري5: 13 معلقاً، وسنن الدارقطني5: 355، وغيرها.
غيرها، فبلغ ذلك عثمان - رضي الله عنه - فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: نعم، قال: جعلتها للمسلمين» (¬1).
7.وعن أنس - رضي الله عنه -: «كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بَيْرَحاء (¬2)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} آل عمران: 92 قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إنَّ الله تعالى يقول في كتابه: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} آل عمران: 92، وإن أحبَّ أموالي إلي بَيْرَحاء، وإنَّها صدقة لله أرجو برها، وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «بخ، ذلك مال رائح، ذلك مال رائح، قد سمعت ما قلت فيها، وأرى أن تجعلها في الأقربين»، قال: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه» (¬3).
8.وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إنّي أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: إن شئت حبست
¬
(¬1) في المعجم الكبير2: 41.
(¬2) بَيْرَحاء: وهو اسم ومال وموضع بالمدينة، كما في لسان العرب 2: 412.
(¬3) في صحيح البخاري3: 102.
أصلها، وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر - رضي الله عنه - أنَّه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدّق بها في الفقراء، وفي القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السّبيل، والضَّيف لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول» (¬1).
المطلب الثاني
ركن الوقف وألفاظه وحكمه
أولاً: ركن الوقف:
هو الإيجاب فقط من الواقف بصيغته المعتبرة، فلا يحتاج إلى قَبول الموقوف عليه.
وإن كان الوقف لأشخاص معينين ثم مِن بعدهم للفقراء، فردَّ الأشخاص الوقف ارتدَّ في حقهم، وانصرف إلى الفقراء، ولا يعتبر القَبول بعد الردّ، ولا الردّ بعد القَبول.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 3: 198، وصحيح مسلم 3: 1255.
وأما الأشخاص غير المعينين: كالفقراء، وكذا الجهات الخيرية، فإنَّ الوقف عليها يصدر مبرَماً، ولا يملك أحدٌ ردَّه (¬1).
ثانياً: ألفاظ الوقف:
1.الصريح: وهو ما لا يحتا ج إلى نيّة، حيث اشتهر استعماله في
معنى الوقف، فينصرف إلى معنى الوقف بمجرد ذِكْرِه، وهما لفظان: الحبس، والوقف.
2.الكناية: وهو ما يحتمل الوقف وغيره، فيحتاج إلى النية لإرادته: كالنذر، والتصدق، وجعل المال للفقراء، أو في سبيل الله (¬2).
ثالثاً: حكم الوقف:
وهو الأثر المترتب عليه شرعاً، فإذا صدر الوقف مستوفياً جميع شرائطه، فإنَّ ملكية الواقف تسقط عن المال الموقوف ـ على رأي الصاحبين المفتى به ـ سقوطاً أبدياً، وتصبح ثمرته للموقوف عليه من جهة أو أشخاص على حسب شرط الوقف (¬3).
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للرزقا ص38.
(¬2) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص40.
(¬3) ينظر: أحكام الأوقاف ص105.
• • •
المطلب الثالث
شروط الوقف
وهي نوعان: شروط صحة، وشروط نفاذ:
أولاً: شروط الصحة:
وهي ما يتوقف عليه انعقاد الوقف من الاعتبارات بعد وجود أركانه المتقدمة؛ إذ لا فرق في باب الوقف بين الانعقاد والصحة، أو بين البطلان والفساد؛ لأنَّ باطل الوقف وفاسدّه واحد، وتفصيلها كالآتي:
1.أن تكون صيغة الوقف جازمة بالعقد، فلا ينعقد بالوعد، ولا يكون الوعد فيه ملزماً، ولا يصح الوقف مع خيار الشرط عند محمد؛ لعدم التنجيز.
2. أن تكون الصيغة منجزة، فلا تكون معلقة أو مضافة للمستقبل؛ لأنَّ الوقف من التمليكات.
3.أن لا يكون في صيغة الوقف شرطٌ يؤثر في أصل الوقف، ويُنافي مقتضاه، بأن يقول: أرضي هذه صدقةٌ موقوفةٌ على أنَّ لي أصلُها، فيبطل الوقف، وهذا في القياس، واستحساناً: يصح الوقف ويلزم وتبطل الشُّروط المنافية له.
4.أن تكون الصِّيغة مفيدةً التأبيد للوقف، بأن تخلو صيغة الوقف من التَّوقيت فلو قال: عقاري هذه صدقةٌ موقوفةٌ سَنةً على المساكين على أن يرجع إلى ملكي بعدها، فإن صرّح بالرجوع يبطل الوقف، وإن لم يُصرّح بالرّجوع يصح الوقف مؤبداً ويلغو التوقيت، أو أن تدل الصيغة على التأبيد، فعند محمد - رضي الله عنه - يشترط ذكر التأبيد صراحة أو دلالة، بأن يذكر جهة لا تنقطع كالفقراء، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - لا يشترط ذلك، بل خلو الصّيغة عمّا يُنافي التّأبيد؛ لأنَّ دلالة الوقف تدل على التأبيد، وعليه الفتوى.
5. أن يكون الواقف عاقلاً، فلا يصحُّ وقف المجنون والمعتوه والصغير غير المميز.
6. أن يكون الواقف بالغاً، فلا يصحُّ وقف الصغير المميز، ولو مأذوناً من وليه؛ لأنَّه لا يملك أن يتبرع من ماله بشيء.
7.أن يكون غير محجور لسفه، فلا يصحّ وقف المحجور لسفه، ولو أجازه وصيه؛ لأنَّه ليس أهلاً للتبرع.
8.أن لا يرتد عن الإسلام بعد الوقف، فلو ارتد بطل وقفه، ولو عاد إلى الإسلام لا يعود الوقف إلا بعقد جديد؛ لأنَّ الوقف في معنى القربة الدائمة لله تعالى.
9. أن يكون الموقوف مالاً متقوماً: بأن يكون منتفعٌ به شرعاً.
10.أن يكون الموقوف مملوكاً في ذاته، فلا يصحّ وقف المباحات قبل إحرازها، وأما كونه مملوكاً للواقف فمن شرائط النفاذ، وإن وقف ما لا يملك ثم ملكه لا يصح، ـ كما سيأتي ـ.
11.أن يكون الموقوف معلوماً حين الوقف، فلا يصح وقف الشيء المجهول، كقوله: وقفت شيئاً من مالي.
12.أن يكون الموقوف عقاراً أو منقولاً تعارف الناس وقفه والتعامل فيه: كالفأس والمصاحف والكتب والنقود والملابس.
وأصل المذهب أن يكون الموقوف ممّا لا يُنقل ولا يُحول: كالعقار ونحوه، فلا يجوز وقف المنقول مقصوداً؛ لأنَّ التأبيد شرط جوازه، ووقف المنقول لا يتأبّد؛ لكونه على شرف الهلاك، فلا يجوز وقفه مقصوداً إلاّ إذا كان تبعاً للعقار.
وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعة ببقرها وعمالها، وكذا سائر آلات الحراثة، جاز؛ لأنَّه تبعٌ للأرض في تحصيل ما هو المقصود, وقد يثبت من الحكم تبعاً ما لا يثبت مقصوداً, ومحمّد معه فيه؛ لأنَّه لما جاز إفراد بعض المنقول بالوقف عنده، فلأن يجوز الوقف فيه تبعاً أولى (¬1).
وقال مُحمّد: يجوز حبس الخيل والسِّلاح، ومعناه وقفه في سبيل الله - جل جلاله - , وأبو يوسف معه فيه على ما قالوا، وهو استحسان، والقياس: أن لا يجوز، وجه الاستحسان: الآثار المشهورة فيه؛ قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «وأما خالد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله» (¬2)، ويدخل في حكمه الإبل; لأنَّ العرب يجاهدون عليها، وكذا السلاح يحمل عليها.
وعن محمد: أنَّه يجوز وقف ما فيه تعامل من المنقولات: كالفأس والقَدُوم (¬3) والمنشار والجنازة وثيابها والقدور والمراجل والمصاحف،
¬
(¬1) ينظر: الهداية6: 216، واللباب 1: 334.
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) القَدُوم: هو المنحات، وهو من آلات النجار. ينظر: المصباح المنير 2: 492.
وعند أبي يوسف: لا يجوز; لأنَّ القياسَ إنَّما يترك بالنصّ, والنصُّ ورد في الكراع والسلاح فيقتصر عليه، ومحمّد يقول: القياس قد يترك بالتَّعامل كما في الاستصناع, وقد وجد التعامل في هذه الأشياء، وعن نصير بن يحيى: أنَّه وقف كتبه إلحاقاً لها بالمصاحف, وهذا صحيح؛ لأنَّ كلَّ واحد يمسك للدِّين تعليماً وتعلماً وقراءة, وأكثر فقهاء الأمصار على قول محمد, وما لا تعامل فيه لا يجوز عندنا وقفه (¬1).
13.أن يكون الموقوف متميّزاً غير مشاع إذا كان مسجداً أو مقبرةً، فأبو يوسف يرى صحة وقف الحصة الشائعة إلا في المسجد، فيتفق مع أبي حنيفة ومحمد في صحّة وقف المشاع؛ لأنَّ المسجد يجب أن يكون خالصاً لله تعالى.
ولا يشترط خلو الموقوف عن الشواغل: كالأمتعة أو الزرع، فيصحّ الوقفُ ويبقى الزَّرع بأَجر المثل حتى يستحصد، وأمّا الشَّجر فإن وقف مع الأرض صَحَّ، وإن استثناه من الوقف بطل الوقفُ؛ لأنَّ استثناء الشَّجر هو استثناءٌ له بمواضعه من الأرض، فيصير من الوقف المجهول.
¬
(¬1) ينظر: العناية6: 216 - 217.
14.أن يكون الموقوف عليه قربةً في نظر الشرع ونظر الواقف، فلا يصح الوقف بالمنكرات والمحرمات: كالميسر ونوادي الفحش والنواح والغناء وفنون اللهو والمبتدعين والحربيين (¬1).
15. أن تكون جهة البر في الموقوف عليه دائمة الوجود: كالفقراء، وإن وقف على قوم محصورين لا يصح الوقف؛ لأنَّهم ينقطعون، وعلى قول أبي يوسف - رضي الله عنه -: يصحّ ويجعل بعدهم للفقراء.
ثانياً: شرائط النفاذ:
وهو ما يتوقف عليه اعتبار الوقف مُبْرَماً ماضياً غير محتاج إلى إجازة أحد ورضاه، وهما يرجعان إلى الواقف والمال الموقوف، وتفصيلها كالآتي:
1.أن لا يكون الواقف محجوراً عليه لِدَين، فلا يصح أن يتصرف في ماله أيّ تصرّف يضرّ بغرمائه، ومن ذلك التبرعات: كالوقف.
أما المَدين الذي لم يَحجر عليه قضاء، ففي أصل المذهب وقفه صحيح، لكن أفتى أبو السعود بأنَّه لا يصح ولا يلزم، والقضاة ممنوعون من الحكم وتسجيل الوقف بمقدار ما شغل بالدين، ومعنى هذا: أنَّ
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف ص43 - 71.
المَدين يعتبر محجوراً عن الوقف من نفسه بالأمر السلطاني، دون حاجة إلى حجر قضائي فيما يعادل الدَّين من أمواله غير ما وقفه منها وَفْرٌ يفي بالدَّين، نفذَ الوقف، وإلا توقف على إجازة الدائنين، وهذا ما استقرت عليه فتاوي المتأخرين من الفقهاء (¬1).
وقال ابن عابدين (¬2): «وحاصله: أنَّ القاضي إذا منعه السلطان عن الحكم به كان حكمه باطلاً؛ لأنَّه وكيل عنه، وقد نهاه الموكل صيانة لأموال الناس ... وينبغي ترجيح بطلان الوقف بذلك للضرورة».
2.أن يكون الواقف غير مريض مرض الموت، وهو المرض الذي يعجز الرَّجل عن ممارسة أعماله المعتادة خارج البيت، والمرأة عن أعمالها المعتادة داخل البيت، ويتصل به الموت دون أن يستمر سنة كاملة على حال واحدة من غير ازدياد.
فالمريض المَدين ينفذ الوقف فيما يزيد عن ماله من الدين، والمريض غير المَدين وقفه مقيد نفاذه بثلث ماله، وفيما زاد على ذلك يتوقف على إجازة الورثة كالوصية، وإن وقف المريض على وارث لا يجوز، ولو كان يخرج من ثلث المال إلا بإجازة باقي الورثة.
¬
(¬1) ينظر: في أحكام الأوقاف للزرقا ص82.
(¬2) في رد المحتار4: 399.
3.أن يكون الواقف غير مرتد عن الإسلام، فإنَّه متوقف، فإذا عاد إلى الإسلام نفذ وقفه.
4.أن يكون الموقوف مملوكاً للواقف حين الوقف، فوقف الفضولي صحيح موقوف.
ويشترط لصحة الوقف أن يكون الواقف مالكاً للموقوف عند الوقف، فإن مَلَكَ الواقف الموقوف بعد أن وقفه، فإنَّه وقفه عندئد لا يكون صحيحاً، ومَن اشترى أرضاً بخيار شرط للبائع ووقفها المشتري ثم أمضى البائع البيع كان الوقف باطلاً.
5.أن لا يكون الموقوف مرهوناً لا فكاك له، فإنَّ الراهن إذا كان له مال آخر يمكن وفاء الدين منه، ينفذ وقفه في المرهون، ويجبر قضاءً على وفاء الدين، ويفك المرهون الموقوف.
6.أن لا يكون الموقوف محجوزاً قضاءً لوفاء حقّ، فلا ينفذ فيه الوقف، ولو كان للمالك المحجوز عليه مال آخر؛ لأنَّ الحجر عمل إداري لسلطة قضائية انصبت على المال، فعزلته عن سلطة ماله لوفاء الحق الذي عليه (¬1).
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف ص72 - 103.
• • •
المطلب الرابع
عمارة الوقف
الواجبُ أن يبدأ من ناتج الوقف إلى تعمير الموقوف إذا احتيج إليه، سواء شرط الواقف ذلك أم لا؛ ليبقى ما كان على ما كان، ولأنَّ في ذلك إبقاء للوقف وإدامته، ولا تجوزُ الزِّيادة عليه (¬1).
وإذا وقفَ داراً على سكنى شخص بعينه، فالإعمار والإصلاح على مَن وقفت إليه السُّكنى؛ لأنَّه هو المنتفع بها، وَلِيكون الغرم على مَن له الغنم، فإن امتنعَ من الإعمار أو كان فقيراً، يقوم القاضي بتأجيرها وعمَّرَها من أُجرتها؛ لأنَّ فيه إبقاء الوقف على ما قصده الواقف، فإذا عُمِّرَت وأُصلحت يردُّها القاضي إلى مَن وقفت له السُّكنى؛ رعاية لحقّه، ولا يجبر الممتنع على العمارة؛ لأنَّ فيه إتلاف ماله.
ولا تصحّ إجارة مَن له السكنى؛ لأنَّه غير ناظر ولا مالك، لكنَّ القاضي يؤجِّرها له أو لغيره، فيعمِّرها بأجرتها قدر ما تبقى على الصفة التي وقفها الواقف، ولا يزيد على ذلك إلا برضا مَن له السكنى؛ لأنَّها بصفتها صارت مستحقّة له، فترد إلى ما كانت عليه (¬2).
وإذا انهدم شيءٌ من بناء الوقف وآلته، فإنَّ القاضي يصرفه في إعمار الوقف إن احتاج الوقف إليه، وإن استغنى الوقف عن المنهدم، أَمْسَكَه حتى يحتاج إلى عمارتِه فيصرفه فيها؛ لأنَّه لا بد من العمارة، وإلا فلا يبقى
¬
(¬1) ينظر: البحر5: 225.
(¬2) ينظر: التبيين3: 327 - 328.
فلا يحصل صرف الغلة إلى المصرف على التأبيد، فيبطل غرض الواقف فيصرفه للحال إن احتاج إليه، وإلا يمسكه حتى يحتاج إليه كي لا يتعذر عليه أوان الحاجة (¬1).
ولا يقسمَ المنهدم بين مستحقِّي الوقف؛ لأنَّهم ليس لهم حقّ في العين ولا في جزء منها، وإنَّما حقّهم في المنافع فلا يصرف إليهم غير حقّهم، وإن تعذر إعادة عينه بيع وصرف ثمنه إلى العمارة؛ لأنَّ البدلَ يقوم مقام المبدل فيصرف مصرف البدل (¬2).
• • •
المطلب الخامس
الوقف لنفسه
¬
(¬1) ينظر: التبيين 3: 328.
(¬2) ينظر: التبيين 3: 328.
وللمسجد وغيرها
أولاً: الوقف لنفسه:
يجوز جعل الواقفُ غلّةَ الوقف لنفسه؛ لأنَّه شَرَطَ في الوقف ما هو قربة، فإنَّ نفقةَ الرَّجل في نفسه صدقة بالحديث؛ فعن طاوس - رضي الله عنه -: «ألم ترَ أنَّ حجراً المدري أخبرني أنَّ في صدقة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يأكل منها أهلها بالمعروف غير المنكر» (¬1)، ولا شكَّ أنَّ ذلك كان مشروطاً في الوقف؛ لأنَّه كان لا يأكل من غيرِ شرطٍ.
وهذا قول أبي يوسف (¬2)، ومشايخ بلخ أخذوا بقول أبي يوسف، وقالوا: يجوز الوقف والشرط جميعاً، وذكر الصدر الشهيد: أنَّ الفتوى عليه؛ ترغيباً للناس في الوقف؛ لأنَّه سيكون بعده لفقراء المسلمين.
وعند محمد: لا يجوز؛ لأنَّ الوقفَ تبرّعٌ على وجهِ التَّمليك بطريقِ التَّقرُّب إلى اللهِ - جل جلاله -، فاشتراطُه الكلّ أو البعض لنفسه يُبطله؛ لأنَّ التمليكَ من نفسِهِ لا يَتحقَّق، فصار كالصدقة المنفّذة, فإنَّه لا يجوز أن يُسلِّم قدراً من ماله للفقير على وجهِ الصدقةِ بشرط أن يكون بعضُه له (¬3).
¬
(¬1) في مصنّف ابن أبي شيبة7: 283.
(¬2) ولا يجوز على قياس قول محمد - رضي الله عنه -، وهو قول هلال الرازي - رضي الله عنه -، قال الإمام قاضي خان - رضي الله عنه - نقلاً عن الفقيه أبي جعفر - رضي الله عنه -: وليس في هذا عن محمد - رضي الله عنه - رواية ظاهرة، وأخذ به في الفتاوى الصغرى نقلاً عن شيخ الإسلام واعتمده النسفيّ وأبو الفضل الموصليّ - رضي الله عنهم -، كما في اللباب1: 336.
(¬3) ينظر: العناية6: 325 - 326.
ثانياً: وقف المسجد والسقاية والخان والرباط والمقبرة:
إذا بنى مسجداً، يزول عن ملكه بالإفراز والإذن، ومعنى الإفراز: هو أن يفرزَه عن ملكه بطريقه بأن يجعل له طريقاً، ويميّزه بجميع الوجوه عن ملكه، فلو كان العلو مسجداً والسفل حوانيت غير متعلقة بالمسجد أو بالعكس لا يزول ملكه؛ لتعلّق حقّ العبد به، والإذن يكون بأن يصلي فيه، وإذا صلَّى فيه واحدٌ زال ملكه عند أبي حنيفة، وعند محمد صلاة جماعة، والقبض يكون فيه بالصلاة، فإنَّه صدقة، وقبض كلّ شيء على حسب ما يليق به.
واشتُرط الإفراز؛ لأنَّه لا يخلص لله - جل جلاله - إلا به؛ لأنَّه ما دام حقّ العبد متعلّقاً به لم يتحرَّر لله - جل جلاله -.
وأما الصلاة فيه؛ فلأنَّه يشترط التسليم عند أبي حنيفة ومحمد، فإذا تعذَّر يقام تحقُّق المقصود مقامه أو يشترط فيه تسليم نوعه، وذلك في المسجد بالصلاة فيه، ولا يشترط فيه قضاء القاضي، ولا التعليق بالموت عند أبي حنيفة؛ لحصول المقصود به، بخلاف الوقف؛ لأنَّ المقصودَ من الوقفِ أن يتصدَّقَ بالغَلّة، ويحبس الأصل (¬1).
وقال أبو يوسف: يزول ملكُه عنه بقوله: جعلته مسجداً؛ لأنَّ الوقف عنده إزالة الملك وإسقاطه إلى غير مالكه فيصحّ بمجرد القول،
¬
(¬1) ينظر: التبيين3: 329.
ولأنَّ التسليمَ عنده ليس بشرط؛ لأنَّه إسقاط لملك العبد، فيصير خالصاً لله - جل جلاله - بسقوط حقّ العبد (¬1).
والسِّقايةُ ـ موضع يتخذ لسقي الناس ـ والخانُ ـ ينزل به المسافرون ـ والرِّباطُ ـ ما يبنى للفقراء ـ والمقبرةُ، يزول ملك الواقف فيها عند أبي يوسف بمجرد القول، وقال مُحمّد: إذا سَقَى النَّاس من السِّقاية وسَكنوا الخان والرِّباط ودَفنوا في المقبرةِ زال الملك؛ اعتباراً للقبض اللائق، وعند أبي حينفة بحكم الحاكم؛ لأنَّه لم ينقطع عن حقّ العبد; ألا ترى أنَّ له أن ينتفع به، فيسكن في الخان، وينزل في الرباط، ويشرب من السقاية, ويدفن في المقبرة، فيشترط حكم الحاكم أو الإضافة إلى ما بعد الموت كما في الوقف على الفقراء, بخلاف المسجد; لأنَّه لم يبق له حق الانتفاع به، فخلص لله تعالى من غير حكم الحاكم (¬2).
¬
(¬1) ينظر: التبيين3: 330.
(¬2) ينظر: الهداية6: 238.
• • •
المطلب السادس
ثبوت الوقف
أولاً: الإقرار بالوقف:
إذا أقر الإنسان في حال صحته بأنَّه وقف مالاً معيناً من أمواله وقفاً صحيحاً، ثبت وقفه بإقراره، ويقضى به، فيصبح ملزماً للواقف ولورثته من بعده إذا كان إقراره مستوفياً شرائط اعتباره، بأن يكون الواقف غير محجور عليه لسفه أو دَين، ولا مديناً بدَين مستغرق لماله.
وإذا أقرّ في مرض موته بأنَّه قد وقف عقاره الفلاني، يثبت الوقف بإقراره هذا، ويكون في حكم ما لو أنشأ الوقف في مرض موته، فتسري عليه أحكام وقف المريض.
وإذا أقر ورثة المتوفّى بأنَّ مورثهم قد وقف عقاره في حال حياته، صحّ الإقرار، ويثبت به الوقف فيما عدا الدَّين والوصية.
وإذا أقرّ أَجنبي بأنَّ العقار الذي في يدِه ليس في الحقيقةِ له، وإنّما هو وقف، ينظر: فإن عيّن في إقرارِه مالكاً وأسند إليه الوقف، بأن قال: هي ملك فلان وقفها، وجعلني متولياً عليها، فإنَّه يرجع إلى فلان إن كان حيّاً أو إلى ورثته إن كان ميتاً، فإن صدَّقوا ما قال ثبت الوقف، وإن أنكروا الوقف لم يثبت، وإذا صدَّقوه في الوقف وأنكروا جعل الولاية له، لا تثبت لذي اليد المقرّ ولاية، بل ينزع الوقف من يده، وأما إذا كان فلان ورثته أمواتاً أو لا وارث له، أو كان المقرّ إنَّما أقرّ بالوقف من مالك مجهول، فإنَّ الوقف يثبت بذلك.
ثانياً: الشهاد بالوقف:
الأصل في الشهاة لإثبات الحقوق أنَّها يشترط فيها لصحة تحملها معاينة الشاهد للأمر المشهود به، ويشترط لصحة أدائها سبق الدعوة وطلب المدعي.
وتقبل الشهادة بالتسامع في إثبات أصل الوقف، وهو كونه موقوفاً، ولو كانت مبنية على التسامع دون المعاينة، بأن شاع خبر هذا الوقف بسبب الضرورة.
وألحق بأصل الوقف المصرف الأصلي، وهو كل مصرف مما تتوقف عليه صحة الوقف: أي جهة البر الدائمة.
وتُقبل الشَّهادةُ حسبةً على منكر الوقف أو غاصبه؛ لإثبات وقفيّة المال، ويثبت بها الوقف، ويُنزع من يد ذي اليد الذي يزعم ملكيته وإن لم يسبق بدعوى؛ لأنَّه من حقوق الله تعالى (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص111 - 124.
المطلب السابع
السجلات العقارية
(الدفتر الخاقاني)
بحث متأخرو الفقهاء عن القوة الإثباتية في قيود الدفتر الخاقاني، وهو سجل أنشيء في عهد السلاطين المتأخرين من آل عثمان، وخاصة
السلطان سليمان والسلطان مراد الثالث، سجلت فيه جميع الأراضي والقرى والمزارع ونحوها، مما له ارتباط خيري أو تتعلق به مصالح العموم مع الحقوق المتعلقة بها، وجعل لكل عقار صحيفة على نسق السجلات العقارية الحديثة، وحفظ ذلك السجل في العاصمة القطسنطينية، في مكان محكم، من دونه أربعة أبواب حديدية، ووكل به حرس ووكيل أمناء بمسؤولية رهيبة عن حفظه، فإذا طرأ تبدل على حالة العقار ببيع أو وقف أو وارث أو غير ذلك من الأسباب، وقضي بذلك، يصدر فرمان سلطاني بموجبه، ويرسل بالطريق الرسمي إلى أمين الدفتر الخاقاني، فيفتح بمراسم مخصوصة، ويسجل في حاشية صحيفة العقار خلاصة ما قضى به الفرمان السلطاني من تعديل القيد، ويحفظ أصل الفرمان في إضبارة خاصة، وقد سمي هذا السجل أيضاً: دفتر الحديد.
وإذا هذا الترتيب قد جعل قيود هذا الدفتر موثوقة مأموناً عليها كل تصنيع أو تزوير، فاعتبرها متأخرو الفقهاء أقوى البينات الخطية التي يعتمد عليها القضاء، بلا حاجة إلى إثبات مضمونها (¬1).
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص128 - 129.
• • •
المطلب الثامن
انتقاض الوقف
من الحالات التي ينتقض فيها الوقف ويعود للموقوف ملكاً ما يلي:
1.إذا اشترى إنسان عقاراً، ووقفه على جهة أو جعله مسجداً، فظهر له شفيع وقضي له بأخذه بحق الشفعة، ولا يجب على الواقف أن يشتري بالثمن الذي يأخذه من الشفيع عقاراً آخر، ويقفه مكان الأوّل.
2.إذا وقف إنسان مالاً على زعم أنَّه ملكه بأن اشتراه مثلاً، فظهر له مستحق، وأثبت ملكيته له، فينقض ويرجع الواقف على بائعه بالثمن، ولا يجب عليه أن يقف مالاً آخر مكان الأول الذي استحقّ.
3.إذا وقف الإنسان مالاً، ثم ظهر عليه دَين سابق لا وفاء له إلا ببيع الموقوف، ينقض الوقف، ويُوفى الدَّين.
4. إذا قضى القاضي بإبطال الوقف؛ لنقصان شرائطه في مذهبه.
5.إذا طغى الماء أو الزِّلزال على أرض الوقف، فأصبحت عديمة النَّفع، يبطل الوقف وتعود إلى ملكِ الواقف أو ورثتِه، وكذا إذا احترق حانوت الوقف ولم يُمكن إيجار عرصته أو استبدالها أو الانتفاع بها.
6.إذا استبدل بعقار الوقف سواه بأحد مسوغات الاستبدال، فإنَّه يخرج عن الوقفية، فإذا كان قد استبدل به عقار مثله، حلّ الثاني محلّه، وإذا بيع بالنقود يشترى بالثمن عقاراً يحل محله في الوقفيّة.
7.إذا غصب الموقوف غاصب، وعجز المتولي عن استرداده، ورضي الغاصب أن يصالح عنه على بدل يدفعه إلى جانب الوقف، ساغ
للمتولي أخذ البدل عنه، ويملك الغاصب الموقوف قضاءً، ويشتري بثمنه ما يحلّ محله في الوقفية (¬1).
• • •
المطلب التاسع
شروط الواقفين في الوقف
أولا: الشروط الممنوعة:
1.شرط يخالف قواعد الشرع، كما لو شَرَطَ أن لا يتدخل الحكام في أمور الوقف، أو شَرَطَ استثمار غلّة الوقف بالطرق المحرمة: كالربا، أو
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص 134 - 135.
شَرَطَ إنفاق شيء من غلة الوقف في السبل المكروهة شرعاً، فكل هذه الشروط وأمثالها باطلة.
2.شرط يضرّ بمصلحة الوقف وصيانته، كما لو شرط الواقف أن لا يعمر الوقف إذا احتاج إلى التعمير، أو شرط أن لا يستبدل بعقار الوقف إذا خرب ولم يمكن تعميره والانتفاع به، فالشرط باطل.
3.شرط يضرّ بمصلحة الموقوف عليه وحقوقه، كما لو شرط أن لا يؤجر عقار وقفه بأكثر مما عيّن، فالشرط لغو، ويجب أن يؤجّر بأجر المثل.
4.شرط لا فائدة منه شرعاً، كما لو شرط الواقف أن يتصدق بشيء من غلة الوقف على مَن يسأله في مسجد كذا، فهذا الشرط لغو، وللقيِّم أن يصرف إلى سائل آخر؛ لعدم عبرة مكان السؤال، وإنَّما العبرة للفقر والاحتياج.
ثانياً: الشروط الجائزة:
فهي الشروط التي ليس في أصلها مخالفة مبدأ شرعي أو ضرر أو عبث، بل هي في ذاتها يتعلق بها غرض صحيح للواقف، على أنَّ مخالفة شرط الواقف عندما تصبح مخالفته مما تدعو إليه ضرورة المحافظة على حياة الوقف، أو حسن الانتفاع به، إنَّما تدخل في حقوق الولاية العامة
وصلاحيتها في تدبير مصالح المجتمع، على وفق ما توجبه قواعد السياسة الشرعية ومقتضى الحال، وهي:
1.شرط يؤول إلى تعطيل استثمار الوقف أو قلّة الثمرة، كما لو نص الواقف على منع الاستبدال بعقار الوقف، فإنَّه يعمل بشرطه هذا ما أمكن، فإذا تخرب، جاز استبداله.
2.شرط في مصارف الوقف قد يؤول إلى التعذر، كما لو وقف مدرسة وشَرَطَ أن يكون طلابها أو مدرسوها من قطر أو عرق معيّن كالمصريين، فإنَّه يعمل به ما أمكن، فإن لم يوجد مَن أوقف عليهم جاز صرفه لغيرهم.
3.شرط يؤول إلى غبن القائمين بأعمال الوقف الضرورية في أجورهم، كما لو شرط الواقف لمتولي الوقف أو لإمام المسجدأجراً محدداً، وكان أقل من أجر المثل المعتاد لهذا العمل، وكان في غلة الوقف سعة، جاز للقاضي إبلاغ الرواتب إلى أجور أمثالهم.
4.شرط مخالفته أسهل لتحقيق المقصود وغرض الواقف، كما لو شَرَطَ للمستحقين أرزاقاً عينية من خبز أو لحم بمقدار معيّن كل يوم، فللمتولي الخيار في أن يدفع لهم قيمة ذلك من النقد ... .
ومستند هذه المخالفة: أنَّه راجع إلى أنَّ مخالفة شرط الواقف إلى خير منه جائزة.
ثالثاً: الشروط اللازمة:
وهي شروط تعبر عن إرادة الواقف في تعيين المال الموقوف، وواجبات العاملين، وكيفية توزيع غلة الوقف في المصارف المشروعة، وليس لها علاقة باستثمار الوقف أو نحوه مما يتصور فيه طروء عوارض تستدعي مخالفة شرط الوقف، كما لو شرط الواقف في الوقف على الأولاد والذرية أن توزع غلّة الوقف بالتساوي بين جميع الذرية.
والقاعدة في الوقف: أنَّ شرط الواقف كنصّ الشارع، وتعدُّ الدستور الفقهي المتبع في شروط الواقفين، فيلزم العمل به، ويعتبر القواعد الأصولية في فهمه، ومنها:
1.إنَّ عرف الواقف في زمانه هو المعتبرُ في فهم مراده دون أصل اللغة، فيحمل كلام كل واقف وحالف وعاقد على لغته وعرفه، وإن خالفت لغة الشرع وعرفه.
2. يحمل كلام الواقف على حقيقة معناه، فإن لم يمكن فعلى المجاز، فإن لم يمكن يهمل، فلو وقف الإنسان على أولاده ومن بعدهم فإلى الفقراء، لا يتناول سوى أولاده الصلبيين دون أحفاده؛ لأنَّ حقيقة معنى الأولاد تقع على الصلبيين، إلا إذا قامت قرينة على قصده للمجاز.
3.إذا تعارض في صكِّ الوقفيّة شرطان، ولم يمكن التَّوفيق بينهما، عُمِل بالمتأخر منهما، وأُهمل المتقدّم، كما لو وقف على ذريتِهِ بالتَّساوي بين
الذُّكور والإناث في النَّصيب، ثمّ قال فيما بعد: على الفريضة الشرعيّة بينهم، كان نسخاً للأوّل، فتستحقُّ الأُنثى نصف ما يستحقُّه الذَّكر.
4.إذا تعلّق الاستحقاق بأحد الأوصاف، فمَن توفرت فيه عدّة أوصاف منها، استحقّ عدّة أنصباء بالجهات المختلفة، كما لو وقف أرضاً على قرابته وأرضاً على جيرانه، وكان بعض جيرانه قريبه، فإنَّه يستحقّ من الوقفين بالوصفين.
5.إذا ذُكرت عدّة متعاطفات وذكر معها وصفٌ صالح للجميع، فإنَّ الوصف يرجع إلى ما يقارنه فقط، لا إلى الجميع، سواء تقدّم أو تأخر، كما لو قال: وقفت على أولادي وأولاد أولادي الذكور، فإنَّ قيد الذكورة إنَّما يصرف إلى أولاد الأولاد.
6.الشرط والاستثناء بعد المفردات المتعاطفة يرجعان إلى الكلّ لا إلى الأخير فقط، وهذا عكس حكم الوصف، كما لو قال: وقفت هذه الأرض على أولادي وأقاربي وجيراني إن كان من طلبة العلم، كان طلب العلم قيداً للجميع.
7.الضمائر تعود إلى أقرب المذكورات قبلها، إلا إذا دلّت قرائن أنَّ غرض الواقف على خلاف ذلك، فلو كُتِب: إنَّ الواقف قد وقف على ابنه فلان وعلى أصهاره المحتاجين، فإنَّ الضمير المضاف إليه في أصهاره يعود إلى الابن لا إلى الواقف.
8.العطف بعد المتضايفين يعتبر عطفاً على المضاف لا على المضاف إليه، كما لو قال: وقفت على بني زيد وعمرو، دخل في الوقف عمرو مع بني زيد، ولم يدخل أبناء عمرو (¬1).
رابعاً: تغيير الشروط:
من القواعد المقررة: أنَّ شروط الواقف الجائزة هي كأصل الوقف لا يصح الرجوع عنها، ولا التغيير والتبديل فيها، فلو شرط الواقف صرف ريع وقفه بين أولاده على الفريضة الشرعية في الميراث، أي للذكر ضعف ما للأنثى، فليس له تغيير هذا الشرط وصرف الريع بالتساوي بين الذكور والإناث.
وإنَّ خروج الأمر من يد الواقف وامتناع رجوعه عن شيءٍ من الشروط التي أبرم الوقف عليها إنَّما هو فيما إذا لم يحتفظ الواقف في صك الوقفية بحق التغيير والتبديل في شروط الوقف، فإذا اشترط لنفسه أو لغيره حق التعديل في الشروط جاز.
والنواحي التي يمكن للواقفين ان يشترطوا لأنفسهم حق التعديل فيها، هي ما أطلق عليها بعض متأخري الفقهاء والموثقين اسم الشروط العشرة، وهي: الزيادة والنقصان، والإدخال والإخراج، والإعطاء والحرمان، والتغير والتبديل، والإبدال والاستبدال، ويلحق بعضهم
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص142 - 161.
شرطي: التخصيص والتفضيل. وكل هذه الشروط يدخل في التغيير والتبديل، وإنَّ التبديل عين التغيير، وكذا الإبدال عين الاستبدال، فكلها تؤول في المعنى إلى شرطين: تغيير الشروط، واستبدال الموقوف.
ومن القواعد العامة التي يجب مراعاتها في كل من الشروط العشرة، ما يلي:
1.لا يعتبر شيء من هذه الشروط إلا إذا كان مشروطاً في صلب الوقف.
2.يجوز أن يشترط الواقف هذه الشروط العشرة وما في معناها لنفسه ولغيره من متوَلٍّ أو سواه.
3.إذا اشترط الواقف لغيره شيئاً من سلطة التعديل في الشروط لا يملك الغير ذلك إلا في حياة الواقف.
4.إن اشتراط حق تعديل الشروط واستبدال الموقوف، يقع على مرة واحدة، سواء أكان مشروطاً للواقف نفسه أو لغيره، إلا إذا اشترط له حقّ تكرار التعديل كلما شاء.
5. الشروط العشرة المتقدمة جميعاً من تغيير وتعديل إنَّما موضوعها مصارف الوقف لا الولاية عليه، فإذا شرط الواقف لغيره حقّ التّغيير والتّبديل فليس للمشروط له أن يغيّر في شروط التّولية التي قرَّرها
الواقف، ولا يملك إخراج الناظر الذي له حق التولية والنظر بشرط الواقف، أما الواقف فيملك ذلك.
6.إنَّ الشروط العشرة المذكورة وما في معناها تسقط بالإسقاط، فلو قال الواقف: أبطلت أو أسقطت ما اشترطته لنفسي، يبطل حقه (¬1).
• • •
المطلب العاشر
اعتبار غرض الواقف
إنَّ لكل واقف غرضاً عاماً من وقفه يظهر من موضوع الوقف، فغرض الواقف في وقفه على أولاده ونسله تحقيق البر الدائم لجيمع الذرية بمنفعة تجري عليهم باستمرار، وفي الوقف على مدرسة علمية
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص 162 - 175.
غرضه إحياء العلم ونشره وتخريج العلماء، وفي الوقف على الفقراء غرضه إسعاف هؤلاء بالنفقة الحيوية.
وكثيراً ما يكون في عبارات وشروط الواقفين غموض وإبهام، فالنظر الفقهي يقضي بأن يحكَّم في ذلك غرض الواقف عندما لا تستطيع القواعد الأصولية تعيين أحد الاحتمالات، فما كان منها أقرب إلى غرض الواقف وجب ترجيحه والعمل به دون سواه؛ لأنَّه أقرب أن يكون مراده، ومن أمثلته:
لو جاء في صكّ الوقف أو الواقف: «وقف على ولده أحمد، وعلى من يحدث له من الأولاد، ثم على أولادهم ... الخ». ثم وُلِدَ للواقف أولاد آخرون، فإنَّ الضمير في كلمة «له» يرجع إلى الواقف لا إلى ولده أحمد، وإن كان الأصل في عود الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور، وهو هنا أحمد، لكن هذا يخالف غرض الواقف من حرمان بقية أولاده.
ولو وقف الإنسان على أولاده وأولاد أولاده وأولاد أولاد أولاده ثم من بعدهم على جهة خير، دخلت بطون ذريته كلها في الوقف؛ إذ الثلاث مبدأ الجمع الذي لا نهاية له، وهذا الموافق لغرض الواقف من تقديم ذريته على الفقراء (¬1).
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص176 - 182.
• • •
المطلب الحادي عشر
ثبوت شروط الواقفين
أولاً: الإقرار:
1.إذا أقر الواقف بأصل الوقف وبشروطه فيه بإقرار واحد، كما لو قال: إني كنت وقفت عقاري هذا على نفسي، ومن بعدي على أولادي وذريتي بالتساوي، فإنَّ إقراره هذا كما يثبت به أصل الوقف تثبت به
جميع الشروط التي أقر بها على وقف إقراره؛ لأنَّ مَن ينشئ الوقف على مَن ذكرهم بالشروط التي بيّنها، فله أن يقرّ بها؛ لأنَّ من ملك إنشاء الحق ملك الإقرار به.
ويلحظ أنَّ أصل الوقف والشروط كليهما يجب أن يكون ثبوتهما معاً بهذا الإقرار، فإن كان أصل الوقف ثابتاً قبلاً مع شروط معيّنة ثم أقر بشروط أخرى لاحقة، فإنَّ إقراره المتأخر لا يعتبر؛ لأنَّه رجوع عن الشروط السابقة، وإقرار على الغير، فلا يقبل، كما لو أقر بأنَّه وقف على ذريته بالتساوي ثم أقر بأنَّه إنَّما وقف عليهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
2.يقبل إقرار الموقوف عليه بشيء من الشروط في الوقف على نفسه دون غيره؛ لأنَّ الإقرار حجة قاصرة، كما لو كان الوقف على ذرية الواقف جميعاً ذكوراً وإناثاً، ومن بعدهم على الفقراء، فاعترفت إحدى إناث الذرية بأنَّ شرط الواقف على الذكور دون الإناث، يُحْرَمُ المُقِرُّ من الاستحقاق بمقتضى إقراره، ولا يسري ذلك على من لم يصدقه من بقية المستحقين.
وهذا مختلفٌ عن الإسقاط، بأن يقول: أسقطت حقي في هذا الوقف، فهو إنشاء للحال مع قيام سبب الاستحقاق الدائم، والوقف ليس من الحقوق القابلة للاستحقاق كالإرث، فلا يصح إسقاطه وإبطاله ولا التنازل عنه لغيره؛ لأنَّه يستحقه بشرط الواقف، وهو شرط
ثابت لازم ناشيء عن إرادة غيره، لا سلطة له عليه، فله بعد الإسقاط أن يعود إلى المطالبة (¬1).
ثانياً: الشهادة:
يثبت أصل الوقف بالشهادة ويثبت بها شروط الواقف، سواء أكان إثبات الشروط مصاحباً لإثبات أصل الوقف أو منفرداً؛ لأنَّ الشهادة حجّة متعدية.
وتختلف الشهادة في أصل الوقف عن الشهادة على شروط الوقف في أمرين:
1. أنَّها لا تقبل شهادة الحسبة على الشروط التي تثبت حقوقاً خاصة لأناس موقوف عليهم؛ لأنَّ شهادة الحسبة إنَّهما شرعت لصيانة الحقوق والحرمات العامة.
2.أنَّها لا تقبل الشهادة في إثبات شروط الواقف بالتسامع كما تقبل في إثبات أصل الوقف؛ لضرورته في إحياء الأوقاف القديمة.
ثالثاً: صكوك الوقف:
فالوقفية تعتبر في نظر القضاة حجة كافية لإثبات أصل الوقف، وهي حجة في إثبات ما تضمنته من شروط الواقف، فكل ما فيها من
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص185 - 189.
الشروط يعتبر ثابتاً، فيستحق الموقوف عليهم بمقتضاه، ويقضى لهم بموجبه، مهما تقادم عهد الوقفية.
والثبوت بالوقفيات يؤول في الحقيقة إلى الثبوت بالطريقتين السابقتين: الإقرار والشهادة؛ وذلك لأنَّ صك الوقفية نفسها إنَّما يثبت بأحدهما، فإنَّ تسجيله في سجل المحكمة يستند إما إلى إقرار الواقف، وإما إلى إثباته عليه بالشهادة، والقضاء به عند الإنكار (¬1).
رابعاً: التعامل:
وهو توارد العمل على أمر واحد في الوقف من ثلاثة قُوَّام عليه متعاقبين.
فلو جرى المتولون في وقف الجامع على أن يُسكنوا إمامه داراً معينة من دور الوقف مجاناً علاوة على مرتبه، يعتبر في الوقف تعاملاً على سكنى الإمام هذه الدار مجاناً.
وليس في أصل المذهب تحديد لعدد القوّام الذين يثبت بعملهم تعامل في الوقف، واستقر اجتهاد القضاة على ما قلنا.
ويتعلق التعامل بالحقوق والمصارف لا عبارات شروط الوقف وصيغها اللفظية؛ لأنَّ التعامل من قبيل التسامع، وشروط الوقف لا
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص194 - 197.
تثبت بالتسامع، فيثبت بالتعامل طريقة عملية في الوقف، تقوم مقام شرط الواقف نفسه.
والتعامل لا يعتبر إلا إذا توفر شرطان:
1.عدم وجود شروط ثابتة في وقفيات معتبرة تخالفه.
2.أن يكون القوّام المتعاملون إنما تولوا على الوقف تولياً صحيحاً بنصب القاضي إياهم نصباً صحيحاً، أو مَن له صلاحية النصف شرعاً (¬1).
المطلب الثاني عشر
انقطاع الشروط
يعتري شروط الواقفين الانقطاع، ومعناه: أن يتعذّر العمل بالشروط لأحد سببين:
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص 199 - 205.
1.جهالة الشروط، وهي انقطاع ثبوت الشرط، وتسمى بالوقف المنقطع، وحينئذٍ يتوقف في أمره، فلا يعطى أحد ممكن يدعي فيه حقاً ما لم يبرهن على استحقاقه
بالوسائل المقبولة، وإلا صرف للفقراء.
2.فقدان الموقوف عليه، وهي انقطاع شرط المصرف، وتسمى بالشرط المنقطع، ويأخذ حكم الوقف المنقطع في صرفه إلى الفقراء ما دام منقطعاً، وله حالان:
أ. منقطع الأول، بأن لم يوجد من يتناوله الشرط منذ ابتداء الوقف، كما لو قال الإنسان: جعلت أرضي هذه صدقة موقوفة لله - عز وجل - أبداً على ورثة فلان، على قدر مواريثهم منه، وكان فلان المسمّى حياً، فإنَّ غلة الوقف تصرف إلى الفقراء ما دام حياً، ولا شيء لورثته قبل موته؛ لأنَّهم لا يسمون ورثة فلان إلا من بعد موته، والعبرة لمن سيكون وراثاً عند الموت.
ب. منقطع الوسط: بأن وجد المستحقّ المشروط، ثم فُقِد، كما لو وقف على أولاده الحاضرين ومَن سيحدث له من الأولاد، ثم من بعد أولاده جميعاً فعلى جهة برّ عَيَّنها، فاستحق أولاده الوقف ثم ماتوا ثم حدث له أولاد، فإنَّ الوقف بين موت الحاضرين وحدوث الحادثين منقطع الوسط تصرف غلّته إلى الفقراء.
وممكن أن يكون الانقطاع في التولية في الأول والوسط، كما لو شرط الواقف التولية للأعلم أو للأسَنّ من أولاده الذكور، وليس له حين الوقف أولاد، أو ليس له سوى الإناث.
وحكم الانقطاع في شرط التولية: أنَّه يعود إلى القاضي الشرعي بمقضتى صلاحيته العامة في نَصْب متولّ على الوقف لأجل إدارته، حيث يرجع إلى القاضي بحكم ولايته العامة (¬1).
• • •
المراجع:
1. أحكام الأوقاف لمصطفى الزرقا، دار عمار، عمان، ط 2، 1998 م.
2. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت 970 هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
3. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت 743 هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط 1، 1313 هـ.
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص 209 - 219.
4. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
5. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
6. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
7. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، ت: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
8. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، ت: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
9. شعب الإيمان: لأبي بكر أحمد بن الحسن البيهقي (384 - 458هـ)، ت: محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1410هـ.
10. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
11. صحيح ابن خزيمة: لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت311هـ)، ت: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1390هـ.
12. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، ت: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
13. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
14. العناية على الهداية: لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
15. فقه استثمار الوقف في الإسلام: لعبد القادر بن عزوز، رسالة دكتوراه، جامعة الجزائر، 2003 - 2004م.
16. اللباب في شرح الكتاب: لعبد الغني الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي (1222 - 1298هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
17. لسان العرب: لأبي الفضل محمد بن مكرم الإفريقي المصري المشهور بـ (ابن منظور) (ت711هـ)، ت: عبْد الله الكبير ومحمد حسب الله وهاشم الشاذلي، دار المعارف.
18. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: لأحمد بن علي الفيومي (ت770هـ)، المطبعة الأميرية، ط2، 1909م.
19. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، ت: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
20. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، ت: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، 1404هـ.
21. المغرب في ترتيب المعرب: لناصر بن عبد السيد المُطَرِّزِىّ (616هـ)، دار الكتاب العربي.
22. موطأ مالك: لمالك بن أنس الأصبحي (93 - 179هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.
23. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.
• • •