تفصيل الكلام في مسألة ....
..... الإعانة على لاحرام
جارٍ تحميل الكتاب…
تفصيل الكلام في مسألة ....
..... الإعانة على لاحرام
تفصيل الكلام
في مسألة الإعانة على الحرام
للعلامة الفقيه مفتي باكستان محمد شفيع العثماني
ولد سنة (1314) وتوفي سنة (1396) هـ
وعليها
تحرير الكلام على تفصيل الكلام
في مسألة الإعانة على الحرام
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمدُ لله الذي علّمنا وفهّمنا وبصّرنا بشريعته الغرّاء، وفقّهنا بأصولها وفروعها الرَّحباء، والصَّلاة والسَّلام على سيّد الخلق، وإمام المجتهدين، وعلى آله وصحابته العظام الكرام إلى يوم الدّين.
وبعد:
فقد سئلت من أحد الفضلاء عن حكم صناعة أثاث لأحد قاعات الفنادق، ومعلوم أن الفنادق لا تخلو عن شرب وأكل المحرمات، فبحثت في كتب السادة الحنفية أصل لأمثال هذا، مما يكون فيه إعانة على الحرام في الظاهر، وجمعت المسائل المتعلقة بذلك، ومنها:
مسألة بيع السلاح لغير المسلمين، وفي ز من الفتن.
ومسألة بيع العنب من خمار.
ومسألة بيع الجارية المغنية.
ومسألة بيع الأمرد من لوطي.
ومسألة تعمير الكنيسية.
ومسألة رعي الخنازيز، وغيرها من عشرات التي طفحت بذكرها كتب الحنفية، وبين أصلها ومبناها.
فما كان منها عيناً منكرةً: أي لا تُستخدم إلا في محرم: كالخمر، حَرُمَ بيعُها، وكان عقدها باطلاً.
وما لم يكن عيناً منكرة: أي ما يستخدم في مباح ومحرم: كالعنب، أبيح بيعها والتصرف فيها وإن كان المشتري لها خماراً وكان البائع يعلم بذلك؛ لأن فعله في نفسه مباح، وقد تخلل بينه وبين المعصية فعل فاعل مختار، فانتفت الحرمة، وعبارة الفقهاء صريحة بذلك: ومنها عبارة القدوري: «ويجوز بيع العصير من خمار»، بدون تفرقة بين العلم وعدم العلم.
فكان مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - في الأعيان والأفعال إن تخلل فعل فاعل مختار أنه يباح بلا كراهة لذلك، ويكون الكسب طيباً، بخلاف قول الصاحبين حيث قال بالكراهة، كما هو الحال في المذاهب الأخرى.
ثم وقفتُ على رسالةٍ لطيفةٍ في الباب لمولانا العلامة الفقيه محمد شفيع العثماني خاصّة بالمسألةِ، أفاض فيها بذلك الأدلة وأقوال الفقهاء، ولكنه رحمة الله عليه لم ينتبه إلى التَّفريق بين مذهب أبي حنيفة ومذهب الصَّاحبين، فجعلهما مذهباً واحداً، فنتج عن هذا عدم تحقيق المذهب، وبالتَّالي التَّشدد في الإفتاء في هذه المسألة التي تدخل في كثير من جزئيات حياتنا، وإلحاق مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - بغيره في هذه الجزئية.
فعلقت على الرسالة بما يزيل هذا الإشكال ويَرُدُّ الأمر إلى نصابه، بحيث نستفيد من أصل الرِّسالة لهذا العالم الفاضل الجليل، ويُمَحِّصَ الأمر بهذا التعليقات العلمية اللطيفة المسمّاة بـ:
تحرير الكلام
على تفصيل الكلام
في مسألة الإعانة على الحرام
ومن فوائد فضيلة الشيخ محمد شفيع فيما ينقله عنه شيخنا محمد تقي: «طالب العلم مَن لا يخلو ذهنه عن التفكير بمسألة علمية».
سائلاً المولى - عز وجل - أن يتقبّل منّا هذا العمل، ويجعلَه خالصاً لوجهه الكريم، ويرزقنا الإخلاصَ في القول والفعل، وأن يغفرَ لنا ذنوبنا ويهدينا سواء السَّبيل، وأن يتجاوزَ عنّا وعن والدينا وأهلنا ومشايخنا ومَن له حقّ علينا وعن المسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح أبو الحاج
في صويلح، عمان الأردن
2 ـ 9 ـ 2003 م
ترجمة المصنف
العلامة الفقية المفسر المحدث المحقق
المفتي محمّد شفيع العثماني (¬1)
أولاً: نشأته:
ولد الشيخ رحمه الله لواحد وعشرين من شعبان المعظم سنة (1314) من الهجرة، وترعرع في حجر العلم والعرفان؛ إذ عكف علي تلقي العلم من العلماء الكبار منذ نعومة أظفاره، والتزم صحبة العارفين من بداية عمره.
ودخل دارالعلوم في «ديوبند» بعد ما قرأ القرآن الكريم، في سنة (1325 هـ)، وهي أكبر جامعة دينية قامت بنشر المعارف الإسلامية القيمة في الهند، وجددت فيها أنواره التي كادت تنطفيء بسبب الاستعمار الغربي.
¬
(¬1) هذه الترجمة بقلم مولانا وشيخنا العلامة الكبير والإمام الجليل، فقيه العصر، ومحدث الزمان، محمد تقي الدين العثماني ابن فضيلة الشيخ محمد شفيع العثماني، وهي منتشرة على مواقع النت، ومنها موقع الشيخ، ومذكورة في بداية: «أحكام القرآن».
وقد دخل الشيخ دارالعلوم هذه وهو في ميعة صباه، ولم يزل مشتغلاً بدراسته مدة عشر سنوات، مُكباً علي تلقي العلوم من العلماء الأفاضل الذين سارت بصيتهم الرُّكبان في أنحاء الهند وخارجها.
ولما كان حضرة الشيخ رحمه الله تبدو عليه ـ منذ اللحظة الأولى مخايل النُّبوغ وأماثر الذكاء، صار أساتذته يبذلون في تعليمه جهوداً مختصة مع كلِّ عطف وحنان، ولإخلاص نيتهم يدٌ لا تُجحد في تكوين ذوقه الفني، وتنشيط مواهبه الصالحة، وفرغ عن دراسته في سنة (1332 هـ).
ولما كان من الطلاب المتفوقين مدة دراسته، اختاره أساتذته ليكون مدرساً بدارالعلوم، فشرع في التدريس في سنة (1336 هـ)، وسرعان ما اشتهر تدريسه فيما بين الطلبة في سائر البلاد الهندية، ولم يزل يدرس الحديث والتفسير والفقه وغيرها من العلوم الدينية الرائجة مدة ست وعشرين سنة.
وتلمذ عليه في هذه المدّة خلقٌ كثيرٌ من الطلبة، استفادوا من علومه وعرفانه، فما من مدينةٍ من مدن الهند وباكستان إلا وله فيها تلامذة، وأكثرهم مشتغلون بالتدريس والخطابة وإفادة العلوم، ويعتبرون من العلماء البارزين في هذه الديار.
والعلامة الشيخ المفتي محمد شفيع رحمه الله من كبار علماء الهند وباكستان، الذين حملوا في هذه الديار لواء الدين الحنيف، وبذلوا لإعلاء كلمته حياتهم وقوتهم.
ثانياً: أشهر أساتذته:
1 - الإمام الحافظ المحدث العلامة المحقق مولانا الشيخ أنور شاه الكشميري، وكان بحراً زاخراً بالعلوم والمعارف، نابغة في كل فن، آية من آيات الله في الحفظ والإتقان، قرأ عليه الشيخ محمد شفيع «الجامع الصحيح» للبخاري، و «سنن الترمذي»، و «كتاب الشمائل» و «العلل» وكتاب «الفلسفة الجديدة» و «شرح النفيسي في الطب»، وهو من تلامذته المبرزين، وكان حضرة الإمام الكشميري رحمه الله يُحبُّه حتي جعله من أصحابه الأصفياء، الذين ساعدوه في مهمة الرَّدِّ علي (القاديانية)، وبأمره ألّف الشيخ محمد شفيع رحمه الله كتاب «ختم النبوة» باللغة الأردية، و «هدية المهديين في آيات خاتم النبيين» باللغة العربية.
2 - الإمام الفقيه مولانا الشيخ المفتي عزيز الرحمن، وكان من أعلام العلماء والفقهاء، قرأ الشيخ عليه «موطأ الإمام مالك» برواية يحيي بن يحيي، وبرواية الإمام محمد بن الحسن الشيباني، و «شرح معاني الآثار» و «تفسير الجلإلين» و «مشكاة المصابيح».
3 - الإمام الزاهد مولانا الشيخ السيد أصغر حسين الهاشمي الحسني، وكان رحمه الله من أعيان علماء عصره، فيه أنموذج صالح
للأخلاق الإسلامية الكريمة من التواضع والسذاجة وخشية الله، وله مؤلفات وجيزة نافعة قد طبع أكثرها باللغة الأردية، رحمه الله تعالي رحمة واسعة، تلقي منه الشيخ محمد شفيع رحمه الله «السنن» لأبي داود السجستاني، و «السنن الكبري «للنسائي، وشقصاً من أواخر «جامع الترمذي»، رحمهم الله تعالي.
4 - الإمام الداعية الكبير، شيخ الإسلام شبير أحمد العثماني، صاحب الشرح الجليل علي «صحيح مسلم»، وكان من نواب العلماء في العصر الأخير، له خبرة تامة بسائر المعارف والعلوم، وكان من الزعماء الممتازين في جهود بناء باكستان، ولن ينسَ الشعب الباكستاني تضحياته الغالية في هذا السبيل، وله مؤلفات قيمة معروفة حول شتي المواضيع الدينية من أشهرها «فتح الملهم بشرح صحيح مسلم»، وهو شرح حافل جليل، تلقاه الأمة الإسلامية بالقبول.
5 - الإمام الفاضل العلامة، شيخ الأدب والفقه إعزازعلي رحمه الله تعالي، وكان رحمه الله بارعاً في سائر العلوم، لا سيما العلوم الأدبية، وله تعليقات قيمة معروفة علي كثير من الكتب الدراسية، استرشاده بمشايخ الطريقة: كان الشيخ في اشتياق شديد نحو الاستفادة بصحبة أساتذته ومشايخه الكرام، فكان كثيراً ما يحضر مجالس الإمام الداعية المجاهد الكبير شيخ الهند محمود الحسن رحمه الله، ويستفيد من بحار عرفانه، ولما اعتقل شيخ الهند رحمه الله بجزيرة «مالته»، راجع شيخ مشايخ الوقت،
حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالي، وبايع علي يده بيعة السلوك في سنة (1339) من الهجرة.
وكان حكيم الأمة يُحبُّه ويعتبرُه من أصحابه الأصفياء، ويُشاروه في كل مهمة دينية.
ثالثاً: إفتاؤه:
كان لسماحة الشيخ مناسبة تامة بالفقه والفتيا منذ زمن تدريسه بدارالعلوم، فكان كثيراً ما يساعد شيخه المفتي عزيزالرحمن، رئيس هيئة الإفتاء.
ثم لما توفاه الله تعالي، جعله الأساتذة رئيس هيئة الإفتاء بدارالعلوم ليملأ الفراغ الناشي بوفاة الشيخ عزيزالرحمن، فلم يزل الشيخ محمد شفيع رحمه الله علي هذا المنصب الجليل مذ سنة (1350 هـ) إلي (1362 هـ)، وانتشرت فتاواه في هذه المدة إلي مشارق الأرض ومغاربها.
وكتب الشيخ في هذه المدة أكثر من أربعين ألف فتوى، وقد طبع منها عدد قصير في ثماني مجلدات ضخام باسم «إمداد المفتيين» وهو الوشل القليل من ذلك البحر الواسع المحفوظ في دفاتر دارالعلوم التي لم تطبع بعد.
ولا شك أنّها ذخيرة قيمة للإسلام والمسلمين.
لما هاجر إلي باكستان وأسس معهداً دينياً باسم «دارالعلوم كراتشي» في سنة (1370 هـ) ضبطت فتاواه في دفاترها مرة أُخري، وبلغ عددها اليوم زهاء ثمانين ألف فتوي.
وهذا كلُّه ما صدر منذ سنة (1381 هـ) إلي آخر حياته، سوي الأسئلة الشفاهية التي كان يجيب عنها في المقابلات وعلي الهاتف طول الليل والنهار.
وتعتبر «دارالعلوم كراتشي» ببركة الشيخ المفتي من أكبر مراكز الفتيا في ديار الهند وباكستان، يرجع إليها المستفتون من سائر البلاد والأقطار من السعوية، ومصر، والشام، والعراق، وايران، وافغانستان، وغيرها مما لا يحصي عددها.
جهوده في بناء باكستان وإقامة الدين فيها:
كان المسلمون زمن تدريس الشيخ بدارلعلوم تدور عليهم رحي الاستعمار الغربي، ولم يزل علماء دار العلوم في جهد جهيد للحرية والاستقلال.
وفي هذا المشروع بذل الإمام المجاهد شيخ الهند مولانا محمود الحسن رحمه الله جميع حياته، وابتلي بأشد ما يكون من الأذي زمن اعتقاله بجزيرة «مالته».
وكان حكيم الأمة الشيخ التهانوي يرى منذ زمان أنّه لا نجاح للمسلمين إلا بتكوين مملكة مستقلة حرّة ينفذون فيها أحكام شريعتهم،
ويعيشون فيها مسلمين صادقين، وحقق الله أمانيه بأن قام حزب «مسلم ليك» بنعرة باكستان، فأشار حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي عامة المسلمين والعلماء بتأييد هذه الدعوة، فقام بها كثير من عوام المسلمين والعلماء.
وكان في مقدمتهم الإمام الداعية شيخ الإسلام شبيرأحمد العثماني، والشيخ ظفر أحمد العثماني، وفضيلة شيخنا المفتي محمد شفيع رحمهم الله، وهم الذين أسسوا جمعية من العلماء باسم «جمعية علماء الإسلام» حتي تجاهد في هذا السبيل وتحض المسلمين علي الاتحاد لحماية الدين وتأييد فكرة باكستان.
وصرف الشيخ محمد شفيع رحمه الله في القيام بهذا المشروع لياله وأنهاره، وحينئذ صارت جميع أوقاته موقوفة علي الجهاد في بناء باكستان، فتجول لأجله في أنحاء الهند وجوانبها وأيقظ عوام المسلمين عن رقادهم بلسانه وقلمه وأخبرهم بمكايد أعدائهم الكفار.
وفي سنة (1367) من الهجرة الموافقة لسنة (1947) ميلادياً، حان أن تثمر جهودهم التي استمرت أحقاباً، وبرزت علي خريطة العالم رسوم مملكة جديدة إسلامية، فلله الحمد أولاً وآخراً.
فكان من الواجب علي العلماء المجاهدين أن يهاجروا إلي باكستان ويبذلوا جهودهم في تكوين دستور إسلامي يصلح أساساً للحكومة فيها، فاقتفي شيخنا المفتي رحمه الله سنة النبي الأمين - صلى الله عليه وسلم - وسلم وهجر
موطنه الأليف الذي حل فيه الشباب تميمته، وقضي فيها خمساً وخمسين سنة من عمره.
وقررت حكومة باكستان في سنة (1949 م) مجلساً من أكابر علمائها ليقترحوا لمجلس النواب أصولاً تتخد كأساس لدستور المملكة، واختارت الشيخ المفتي رحمه الله ليكون عضواً من أعضائه، فلم يزل يعمل فيه بكل نشاط مدة أربع سنوات.
رابعاً: مؤلفاته:
للشيخ محمد شفيع رحمه الله مؤلفات كثيرة نافعة قد جاوز عددها من مائة، معظمها باللغة الأردية في علم التفسير والحديث، والتصوف، والأدب، والكلام، والمعاشرة وغيرها. ونذكر في هذا الموضع بعض ما نجد باختصار:
1 - «معارف القرآن»: وهو تفسير نفيس للقرآن الكريم، ألفه الشيخ باللغة الأردية في ثماني مجلدات ضخام، وقد قام بترجمته إلي اللغة الفارسية الشيخ محمد يوسف حسين بور من أبرز علماء السنة في إيران.
2 - «جواهر الفقه»: وهي مجموعة قيمة لرسائل فقهية كتبها الشيخ رحمه الله علي موضوعات يكثر التسائل عنها.
3 - «ختم النبوة»: وهو كتاب حافل للرد علي الدجاجلة القاديانيين.
4 - «سيرة خاتم الأنبياء»: وهو كتاب وجيز لسيرة رسولنا الحبيب - صلى الله عليه وسلم - بجميع أنباءها الهامة.
5 - «آلات جديدة»: و هو كتاب قيم جمع فيه الشيخ أحكام المخترعات الحديثة التي لم تكن زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا في عصر الفقهاء المجتهدين.
وفاته: توفاه الله تعالي ليلة الحادية عشر من شهر شوال المكرم سنة (1396 هـ) الموافق لشهر أكتوبر من سنة (1976 م)، وقد دفن في مقبرة «دارالعلوم كراتشي»، وكان يوماً مشهوداً، شهد جنازته نحو خمسين ألف رجل.
رحمه الله تعالي رحمة واسعة وتقبل سعيه المشكور وتضحياته الغالية في سبيل إعلاء كلمة الله ونشر رسالة الإسلام.
النسخة المعتمدة في التحقيق:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد:
فإن العبدَ الضعيفَ محمّد شفيع ألّف قسطاً من «أحكام القرآن» (¬1) (الحزب الخامس والسادس) منه بأمر شيخه حكيم الأمة مولانا أشرف علي التهانوي (¬2) قدس الله سره، فلماظ وصل في سورة القصص إلى قوله
¬
(¬1) اجتمع في تأليف هذا الكتاب بأمر من حكيم الأمة كل من: الشيخ العلامة المحدث ظفر أحمد العثماني (ت 1394 هـ)، والشيخ البارع المفسر العلامة محمد إدريس الكاندهلوي (ت 1394 هـ)، والشيخ الفقيه العلامة المفتي محمد شفيع (ت 1396 هـ)، والشيخ العلام المفتي جميل أحمد التهانوي. وهو مطبوع في إدارة القران كراتشي سنة 1407 هـ.
(¬2) وهو أشرف علي بن عبد الحق الحنفي التهانوي الواعظ، حكيم الأمة، المعروف بالفضل والأثر، قرأ العلوم على الشيوخ، وصار مرجعاً في التربية والإرشاد وإصلاح النفوس وتهذيب الأخلاف، وانتهت إلى الرئاسة في تربية المريدين وإرشاد الطالبين، وكانت أوقاته منظمة لا يخل بها فإذا انظرف من صلاة الصبح اشتغل بذات نفسه، عاكفاً على الكتابة والتأليف، فإذا صلى الظهر جلس يكتب الردود على الرسائل ويقرأ بعضها للناس ويتحدث إليهم، فإذا صلى العصر انفرد عن الناس واشتغل بشؤون بيته إلى أن يصلي العشاء، وكان من كبار العلماء الربانيين الذي نفع الله بمواعظهم ومؤلفاته، وقد بلغت الثمانمئة، منها: «تنشيط الطبع في إجراء القراءات السبع»، و «بيان القرآن في الترجة والتفسير» في ثلاثين جزءاً، و «التجلي العظيم في أحسن تقويم»، (1280 ـ 1362 هـ). ينظر: نزهة الخواطر (8: 56 - 59).
تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} (¬1)، وجاء تحته (بحث الإعانة على الظلم والمعصية)، رأيته حادثة الفتوى التي تحوي فروعاً ومسائل لا تحصى، واشتدت الضرورة إليه في أيامنا؛ لعموم الفساد في المعاملات، فأردت أن أفصِّل فيه الكلام، وأجمع مباحث الفقهاء، فجاء بحمد الله جزءاً مستقلاً سمَّيتُه:
«تفصيل الكلام في مسألة الإعانة على الحرام»
وذلك في شعبان سنة 1362 هـ.
ثمّ لخّصت منه ما يُناسب «أحكام القرآن»، وجعلت هذه الخلاصة جزءاً منه بعنوان: «الاستبانة لمعنى التسبّب والإعانة»، وطبعت هذه الرسالة في «أحكام القرآن» (¬2)، وبقي أصل الرَّسالة المسمَّاة بـ «تفصيل الكلام في مسألة الإعانة على الحرام» غير مطبوع، ووقع في زاوية الخمول، والآن وبعد ثنتين وثلاثين سنة وفَّق اللهُ بعضَ الأحبابِ
¬
(¬1) من سورة القصص، الآية (17).
(¬2) أحكام القرآن (3: 74)
لطبع هذه الرسالة بالعربية مع تلخيصه بالأُردية، وذلك في الربيع الآخر من سنة (1394 هـ)، والله تعالى أسأل أن يتقبَّلَه منِّي، وينفعَ به إخواني، وهو المستعان.
العبد محمد شفيع عفا الله عنه
(15 ربيع الثاني سنة 1394 هـ)
• • •
قال الله تعالى: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} (¬1)، احتج أهل العلم بهذه الآية على المنع من معونة الظلمة وخدمتهم:
أخرج عبدُ بن حميد (¬2) وابن المُنْذر (¬3) وابن أبي حاتم (¬4) عن عبيد الله بن
¬
(¬1) من سورة القصص، الآية (17).
(¬2) وهو عبد بن حميد بن نصر الكِسِّي، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، روى له البُخاريّ في «التَّاريخ»، ومسلم في «صحيحه»، والتِّرْمِذِيّ في «جامعه»، من مؤلفاته: «منتخب مسند عبد بن حميد»، و «مسندان كبيران»، و «تفسير القرآن»، (ت 249 هـ). ينظر: الثقات (8: 401). الرسالة المستطرفة (ص 50). طبقات الحفاظ (1: 238). هدية العارفين (ص 437). معجم المؤلفين (2: 38).
(¬3) وهو محمد بن إبراهيم بن المُنْذِر النيسابوري، أبو بكر، قال الأسنوي: أحد الأئمة الأعلام، لم يقلِّد أحداً في آخر عمره، من مؤلفاته: «المبسوط»، و «الأوسط في السنن والإجماع والإختلاف»، و «الإشراف على مذاهب أهل العلم»، (242 - 319 هـ). ينظر: وفيات (4: 207). طبقات المفسرين (2: 50 - 52). طبقات الأسنوي (2: 197).
(¬4) وهو عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المُنْذِر التَّمِيميّ الرَّازيّ، المعروف بابن أبي حاتم، قال أبو يَعْلَى الخليليّ: أخذ علمَ أبيه وأبي زُرعة، وكان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال، (ت 327 هـ). ينظر: العبر 2: 208. مرآة الجنان 2: 289. الميزان 4: 315.
الوليد الوَصَّافي (¬1) أنه سأل عطاء بن أبي رباح (¬2) عن أخ له كاتب، فقال له: إن أخي ليس له من أمور السلطان شيء إلا أنه يكتب له بقلم ما يدخل وما يخرج، فإن تركَ قلمه صار عليه دينٌ واحتاج وإن أخذَ به كان له فيه غنى، قال لمن يكتب؟ قال: لخالد بن عبد الله القَسْريّ (¬3)، قال: ألم تسمع إلى ما قال العبد الصالح (¬4): {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً
¬
(¬1) وقع في الأصل: الرصافي، والمثبت من كتب ترجمته، وهو عبيد الله بن الوليد الوَصَّافي الكوفي العجلي، أبو إسماعيل، روى عن عطية العَوْفي وعطاء بن أبي رباح، قال يحيى: بيس بشيء، وقال أحمد: ليس يحكم الحديث، يكتب حديثه للمعرفة. وقال أبو زرعة والدارقطني وابن حجر: ضعيف. وقال النسائي والفلاس: متروك. ينظر: الميزان (5: 22 - 23)، التقريب (316).
(¬2) وهو عطاء بن أبي رَبَاح أسلم بن صفوان مولى بني فِهْر المَكِّيّ، أبو محمد، من أجلَّة فقهاء التابعين، (27 - 114 هـ). ينظر: وفيات (3: 261 - 263). العبر (1: 141 - 142). الأعلام (5: 29).
(¬3) وهو خالد بن عبد الله بن يزيد القَسْريّ الدمشقيّ البَجَليّ، أبو القاسم، أمير مكة للوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك، وأمير العراقين لهشام بن عبد الملك، روى عن أبيه عن جده، قال الذهبي: صدوق لكنه ناصبيّ بغيضٌ ظلوم، وقال ابن معين: رجل سوء يقع في علي. (ت نحو 126 هـ). ينظر: الميزان (2: 415، تهذيب الكمال (107 - 118).
(¬4) أي نبي الله موسى عليه السلام.
لِلْمُجْرِمِينَ} (¬1)، فلا يهتم أخوك بشيء وليرم بقلمه، فإن الله تعالى سيأتيه برزق.
وأخرجَ ابن أبي حاتم عن أبي حنظلة جابر بن حنظلة الضبي الكاتب قال: قال رجل لعامر (¬2): يا أبا عمرو إنّي رجل كاتب، أكتب ما يدخلُ وما يخرجُ، آخذ رزقاً أستغني به أنا وعيالي، قال: فلعلك تكتب في دمٍ يسفك، قال: لا، قال: فلعلك تكتب في مال يؤخذ، قال: لا، قال: فلعلك تكتب في دار تهدم، قال: لا، قال: أسمعت ما قال موسى عليه السلام: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ}، قال لقد أبلغت إليّ يا أبا عمرو، والله عزَّ وجلّ لا أخطُّ لهم بقلم أبداً، قال: والله تعالى؛ لا يدعكَ اللهُ سبحانه بغيرِ رزق أبداً.
وقد كان السلف رحمهم الله يجتنبون كلَّ الاجتناب عن خدمتِهم:
أخرج عبد بن حُميد وابن المُنْذر عن سلمة بن نُبَيْط (¬3)، قال بعث عبد
¬
(¬1) من سورة القصص، الآية (17).
(¬2) وهو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشَّعْبي الحِمْيَري، أبو عمرو، قال ابن المديني: ابن عباس في زمانه، والشَّعْبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه، (ت 103 هـ). ينظر: العبر (1: 127). مرآة الجنان (1: 244). وفيات (3: 12 - 16).
(¬3) وهو سلمة بن نُبَيْط بن شريط الأشجعيّ، روى عن أبيه، قال البخاري: يقال: اختلط بأخرة. وقال وكيع وجماعة: ثقة. ينظر: الميزان (3: 274 - 275).
الرحمن بن مسلم (¬1) إلى الضحاك (¬2)، فقال: اذهب بعطاء أهل بخارى فأعطهم، فقال: أعفني فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: ما عليك أن تذهب فتعطيهم، وأنت لا ترزؤهم شيئاً، فقال: لا أحب أن أعين الظلمةّ في شيء من أمرهم.
وإذا صَحَّ حديث: (ينادى مناد يوم القيامة أين الظلمة وأشباه الظلمة حتى من لاق لهم دواةً، أو برى لهم قلماً، فيجتمعون في تابوت من حديد، فيرمى بهم في جهنم) (¬3)، فليبك مَن عَلم أنه من أعوانهم على نفسه، وليقلع عما هو عليه قبل حلول رمسه.
ومما يقصمُ الظهر ما روي عن بعض الأكابر أن خياطاً سأله، فقال: أنا ممن يخيط للظلمة، فهل أعد من أعوانهم، فقال: لا أنت منهم، والذي
¬
(¬1) وهو عبد الرحمن بن مسلم الخراساني، أبو مسلم، مؤسس الدولة العباسية، عاش سبعاً وثلاثين سنة، بلغ بها منْزلة عظماء العالم، حتى قال فيه المأمون: أجلُّ ملوك الأرض ثلاثة، وذكره منهم. وكان فصيحاً بالعربية والفارسية، مقداماً، داهية حازماً، راوية للشعر، لم ير ضاحكاً، ولا عبوساً، تأتيه الفتوح فلا يُعرف بشره في وجهه، وينكب فلا يرى مكتئباً. (ت 137 هـ). ينظر: وفيات الأعيان (3: 145 - 155). الميزان (4: 317). الأعلام (4: 112 - 113).
(¬2) وهو الضَّحَّاك بن مُزاحم الهلالي الخُراساني، أبو القاسم، صاحب «التفسير»، وثقه أحمد وغيره، (ت 102 هـ). ينظر: العبر (1: 124)، طبقات المفسرين (1: 216).
(¬3) عن أبي هريرة رضي الله عنه في الفردوس (1: 255).
يبيعك الإبرة من أعوانهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. «روح» (¬1) بلفظه (¬2).
وحاصل المعنى حرمة الإعانة على المعصية، ولكن العون والإعانة والتسبب لأمر شيء واسع يضيق عنه دائرة الحصر، ولها درجات متفاوتة قرباً وبعداً، فإطلاق الحرمة على جميعها مطلقاً يلحق بتكليف ما لا يطاق، فإن مكاسب الإنسان كلها ينتفع بها كل إنسان برّهم وفاجرهم، ولا يمكن التحرز عنه، ألا ترى أن مَن صنع ثوباً، أو أواني، أو شيئاً آخر من الحوائج الإنسانية، لا بد أن ينتفع به برهم وفاجرهم، وحينئذ لا بُدَّ من تفصيل في الكلام، قد تصدَّى له الفقهاء رحمهم الله:
قال العبدُ الضعيفُ: وظاهرُ كلام الفقهاء رحمهم الله في هذا الباب مضطربٌ، وجزئياتُ الفتاوى في أمر الإعانة على الظلم والمعصية بظاهرها متعارضة:
¬
(¬1) تفسير روح المعاني لمحمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي، شهاب الدين، أبو الثناء، من مؤلفاته: «كشف الطرة عن الغرة في شرح درة الغواص» للحريري، و «الأجوبة العراقية والأسئلة الإيرانية»، و «حاشية على قطر الندى»، (1217 ـ 1270 هـ). ينظر: معجم المؤلفين.
(¬2) أي كل ما سبق منقول من روح المعاني (20: 56 - 57) بألفاظه، دون اختصار أو تغيير.
1. فبعضها: تقتضي الجواز.
2. وبعضها: تصرح بالحرمة.
3. وبعضها: بكراهة التحريم.
4. وبعضها: بكراهة التنْزيه.
ولا يخفى على مَن أَمعن النَّظر أنّ في الإعانةِ درجات متفاوتة، واختلاف الأحكام بحسب اختلاف الدَّرجات، نعم؛ يُشكلُ على النَّاظر في كلام الفقهاء تنقيحُ ضابطةٍ سالمةٍ عن النَّقض يُدارُ عليها الأحكام:
في (الفَنِّ الأول) من «الأشباه والنظائر» (¬1) تحت مباحث النية: أن بيعَ العصير ممن يتخذُ خمراً إن قصد به التِّجارة فلا يحرم (¬2)، وإن قَصَدَ
¬
(¬1) الأشباه والنظائر (22) وهو لإبراهيم بن محمد ابن نُجَيْم المِصْريّ، زين العابدين، من مؤلفاته: «البحر الرائق شرح كنْز الدقائق»، و «الرسائل الزينية»، و «الأشباه والنظائر»، و «وفتح الغفار شرح المنار»، قال اللكنوي عن مؤلفاته: كلُّها حسنةٌ جداً، (926 - 970 هـ). ينظر: التعليقات السنية (ص 221 - 222). الكشف (1: 385، 2: 1515). الرسائل الزينية (ص 7).
(¬2) علق عليه بيري زاده في عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر (ق 9 أ) هذا الموضع بقوله: أما الكراهة فالظاهر أن ذلك مكروه، كما قالوا في نظير ذلك، قال في «الولوالجية»: رجل له عبد أمرد أراد بيعه من فاسق يعلم أنه يعصي الله تعالى غالباً يكره هذا البيع؛ لأنه إعانة على المعصية. انتهى.
وفي «خزانة الفتاوى»: رجل أجر بيته ليتقد فيه نار أو بيعة أو كنيسة أو يبتاع الخمر لا بأس به، وكذا كل موضع تعلقت المعصية بفعل فاعل. انتهى كلام بيري زاده.
لأجل التَّخمير حرامٌ (¬1).اهـ.
فهذا صريح في أن المدارَ على النيّة، وأنه بنيّة الإعانة على المعصية حرام، وبدونه لا (¬2).
¬
(¬1) علق الحموي في «غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر» (1: 143) على هذه المسألة بأنه: فُسِّر في «مشكلات القدوري» من يتخذه خمراً بالمجوسي لا المسلم. أما بيعه من المسلم فيكره؛ يعني لأن المجوس يستحلون ذلك، ويجوز لنا أن ندعهم يتخذون الخمر ويشربونها، أما في حق المسلم ففيه إعانة على الفسق والمعصية فيكره.
وفي «فصول العلائي»: ولا بأس ببيع كرم وعنب وعصير ممن يتخذه خمراً عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله إذا باعه من ذمي بثمن لا يشتريه المسلم بذلك الثمن، فإن ابتاعه المسلم بذلك الثمن يكره عند أبي حنيفة رحمه الله. انتهى.
وهو مقيد بما نقله المصنف عن «فتاوى قاضي خان».انتهى.
وفي «السراج»: لا بأس ببيعه من المجوس؛ لأن المعصية لا تقام بعين العصير، بل بعد تغيره. انتهى.
وعلم من قوله: لا بأس أن تركه أولى؛ لأن لفظة لا بأس تكون لما تركه أولى غالباً.
فإن قلت: قد جوزوا بيع العصير ممن يتخذه خمراً ولم يجوزوا بيع الأمرد ممن يلوط به. فما الفرق؟
قلت: الفرق أن المعصية في الأمرد تقوم بعينه بخلاف العصير فإنه حلال. انتهى كلام الحموي.
(¬2) إن المؤلف الفاضل أراد من تصنيف هذه الرسالة استخراج ضابط من نصوص
المذهب، يمكن عليه تخريج مسائل الإعانة على الحرام؛ ولذلك وجدناه اعتمد على كتب المذهب الحنفي فحسب في تحقيق مرامه، وعليه فإنني سنحاول الاستدراك فيما يقول بناءً على المقصود من عبارات المذهب ومراد علمائه، فإن الاجتهاد المطلق أمر، والاجتهاد في المذهب، وتحميل نصوصه أمر آخر، لا بدّ من التفريق بينهما لكل طالب علم، والله الموفق.
وبادئ ذي بدئ فإن كلام المؤلف الفاضل فيما استخرجه من عبارة «الأشباه» غير مسلم له من وجوه:
الأول: أن عبارة «الأشباه» منقولة من «فتاوى قاضي خان» إذ قال ابن نجيم في الأشباه (22) بعد أن ذكر قاعدة: الأمور بمقاصدها: وذكر قاضي خان في «فتاواه»: أن بيع العصير ... الخ.
وعندما رجعت إلى «فتاوى قاضي خان» وجدت المسألة ذكرت في موضعين منها:
وعبارتها في الموضع الأول (2: 282): رجل باع العصير ممن يتخذه لا بأس به. انتهى.
وعبارتها في الموضع الثاني (3: 224) بعد أن ذكر المعتمد في المسألة أعقبه بصيغة التمريض: قيل، فذكر بعده توجياً لقول أبي حنيفة، وهذه عبارته: ولا بأس ببيع العصير ممن يتخذه خمراً في قول أبي حنيفة، وقال صاحباه: يكره، وقيل على قول أبي حنيفة: إنّما لا يكره إذا باعه من ذمي بثمن لا يشتريه المسلم بذلك، أما إذا وجد مسلماً يشتريه بذلك الثمن يكره إذا باعه ممن يتخذه خمراً، وهو كما لو باع الكرم وهو يعلم أن المشتري يتخذ العنب خمراً لا بأس به إذا كان قصده من البيع تحصيل الثمن، وإن كان قصده تحصيل الخمر يكره، وغراسة الكرم على هذا إذا كان يغرس الكرم بنية تحصيل الخمر يكره، وإن كان لتحصيل العنب لا يكره، والأفضل أن لا يبيع العصير ممن يتخذه خمراً. انتهى.
فالملاحظ أن ما في «الأشباه» مختلف عما في «فتاوى قاضي خان»، فعبارة قاضي خان الأولى صريحة في أنه لا اعتبار للقصد أو النية في بيع العصير، وكذلك عبارة الثانية عندما ذكر المعتمد في المذهب فهي صريحة كالأولى، ولكنه بعد أن ذكر صيغة التمريض، قيل، ذكر قولاً في المذهب، أو توجيهاً للمعتمدة أو غير ذلك، فذكر فيه القصد، فهذا القصد المذكور ليس هو المذهب، ولا المعتمد حتى عند قاضي خان، وكذلك عند ابن نجيم كما سيأتي.
الثاني: أن ابن نجيم نفسه لم يعتبر القصد والنية في شرحه على «الكنز» المسمَّى بـ «البحر الرائق»، وعبارته فيه (8: 230): (وجاز بيع العصير من خمار)؛ لأن المعصية لا تقوم بعينه، بل بعد تغيره ... ولأن العصير يصلح للأشياء كلها جائزة شرعاً فيكون الفساد إلى اختياره ـ أي المشتري ـ. انتهى.
ومعلوم أن «البحر الرائق» أفضل كتب ابن نجيم، وأكثرها قبولاً، وهو من الكتب المعتمدة في المذهب كما نبه عليه اللكنوي في «إحكام القنطرة» (ص 272)، فيكون ما فيه مقدم على ما في «الأشباه» بلا شكّ.
الثالث: أن كتاب «الأشباه والنظائر» عدَّ من الكتب المعتبر في المذهب، وإن صرح بعضهم أن عدم اعتباره لشدة اختصار عبارته، لكنه في الحقيقة راجع إلى الاختصار وإلى نقل غير الراجح والمعتمد في المذهب، قال ابن عابدين في «شرح عقود رسم المفتي»: فحيث علمت وجوب اتباع الراجح من القوال وحال المرجح له، تعلم أنه لا ثقة بما يفتى به أكثر أهل زماننا بمجرد مراجعة كتاب من الكتب المتأخرة خصوصاً غير المحررة كـ «شرح النقاية» للقهستاني، و «الدر المختار»، و «الأشباه والنظائر»، ونحوها، فإنها لشدة الاختصار والإيجاز كادت تلحق بالألغاز مع ما اشتملت عليه من السقط في النقل في مواضع كثيرة، وترجيح ما هو خلاف الراجح، ما هو مذهب الغير مما لم يقل به أحد من أهل المذهب. انتهى.
وقال محمد تقي العثماني ابن مؤلف هذه الرسالة في كتابه النافع «أصول الافتاء» (32 - 33) عند حديثه عن أسباب عدم اعتبار بعض الكتب، تحت عنوان: الاختصار المخلّ بالفهم: فإن هناك كتباً لا شكّ في جلالة قدرها والثقة على مؤلفيها، ولكن فيها إيجازاً مخلاً بالفهم، ولذلك قال العلماء إنه لا يجوز الافتاء منها كـ «الدر المختار» و «الأشباه والنظائر» وغيرها من الكتب الموجزة، ولكن ليس معناه أن هذه الكتب غير معتبر في نفسها، ولكنها لما فيها من الإيجاز لا يأمن المفتي من الوقوع ي الغلط إذا اقتصر عليها.
وحكم هذه القسم: ان لا يفتى منها إلا بعد نظر غائر، وفكر دائر، ومراجعة شروحها وحواشيها، فإن تيقّن المفتي بعد ذلك بمرادها فلا بأس حينئذٍ بالافتاء منها.
وقد ذكر العلامة ابن عابدين في «شرح عقود رسم المفتي»: إن «الدر المختار» و «الأشباه والنظائر» تشتمل على سقط في النقل في مواضع كثير وترجيح ما هو مذهب الغير مما لم يقل به أحد من أهل المذهب، وعلى هذا فإن هذه الكتب داخلة في القسم الثاني أيضاً.
وذكر محمد تقي العثماني (31 - 32) أن القسم الثاني هو: جمع المؤلف روايات ضعيفة، وحاصله: أن مؤلفي هذه الكتب وإن كانوا معروفين بالعلم والفقه، ولكنهم لم يلتزموا في هذه الكتب بالاقتصار على الروايات الصحيحة، وإنما نقلوا كل ما وجدوا من قول أو رواية من غير تحقيق وتنقيح.
وحكم هذا القسم: أن لا يؤخذ منها ما كان مخالفاً للكتب المعتمدة ... انتهى كلام محمد تقي.
فتبين من هذه النقول أمور منها:
أولاً: أنه يعول على ظاهرة عبارة «الأشباه» و «الدر المختار» ما لم تراجع الشروح والحواشي، وقد راجعناها، فلم نجدهم يعولون في المسألة على القصد والنية. ومن أراد الاطلاع على ذلك فليراجع «خلاصة الكلام في مسألة الإعانة على الحرام».
ثانياً: أنه لا يؤخذ منها ما هو مخالفٌ للكتب المعتمدة؛ وهذه المسألة في «الأشباه» و «الدر المختار» من المسائل التي خالفت ما في الكتب المعتبرة في المذهب، وتفصيل ذلك في «خلاصة الكلام».
الرابع: أن المراد من القصد كما هو ظاهر عبارة «فتاوى قاضي خان» بأن يقصد نشر الخمر وإشاعته بين الناس، فهو المحذور، أما إن قصد مجرد التجارة والربح وتحصيل الثمن، فغير محذور، وعبارته هي: لو باع الكرم وهو يعلم أن المشتري يتخذ العنب خمراً لا بأس به إذا كان قصده من البيع تحصيل الثمن، وإن كان قصده تحصيل الخمر يكره.
الخامس: أن عبارات عامة كتب المذهب المعتبرة تدل على أنه لا فرق في عدم الكراهة بأن يعلم البائع أن المشتري سيتخذ من الخمر أو لا، كما في التبيين 3: 276، 6: 28 - 29، ودرر الحكام 1: 320، والبناية 5: 903، ورمز الحقائق 1: 329، 2: 273 والبحر 8: 230، وملتقى الأبحر 2: 548، وشرح ملا مسكين 302، وفتح باب العناية 3: 23، ورد المحتار 2: 592، وفتاوى قاضي خان 3: 224، والمستصفى شرح النافع ق 188 ب، وعمدة الرعاية 2: 385، وحاشية اللكنوي على الهداية 6: 227، والمجتبى ق 357 أ، واللباب 4: 167، والهندية 3: 116، 210، بل صرح بعدم كراهيته عند أبي حنيفة وإن علم البائع بأن المشتري سيتخذه خمراً السرخسي في المبسوط 24: 3، والمرغيناني في الهداية 10: 59، والقدوري في المختصر 2: 287، وشيخ زاده في مجمع الأنهر 2: 548، وصرح النسفي في الكنز 6: 28: وجاز بيع العصير من خمّار.
السادس: أن السرخسي في المبسوط 24: 3 نص على أن المعتمد في الفساد هو قصد المشتري لا البائع، فقال بعد ذكر المسألة: لا فساد في قصد البائع، فإن قصده التجارة بالتصرف فيما هو حلال لاكتساب الربح، وإنما المحرم والفساد في قصد المشتري اتخاذ الخمر منه.
السابع: أن يحمل ما ذكره صاحب «الأشباه» على أنه تدليل على القاعدة التي ذكرها، لا أنه هو المعتمد عند أهل المذهب، وعليه فيكون تعليق كل من الحموي وبيري زاده عليه ببعض النقول هو من باب التدليل على القاعدة لا أنه هو المذهب. والله أعلم.
فهذه سبع وجوه كل منها يكفي في ردِّ ما عول عليه المؤلف الفاضل من التخريج على عبارة «الأشباه»، فما بالك إن اجتمعت معاً، وعليه فإن عبارة «الأشباه» لا تصلح؛ لأن يعول عليها؛ لأنها لا تحكي ما هو المذهب في هذه المسألة، بل المذهب على خلافها، فتكون فاسدة في عرض رأي المذهب، وما يبنى على الفاسد فاسدٌ بلا شك، والله أعلم وعلمه أحكم.
وفي (إجارة) «المبسوط» لشمس الأئمة السرخسي (¬1): ولا بأس بأن يؤاجر المسلم داراً من الذمي ليسكنها، فإن شرب فيها الخمر، أو عبد فيها الصليب، أو أدخل فيها الخنازير لم يلحق المسلم إثم في شيء من ذلك؛ لأنه لم يؤاجرها لذلك، والمعصية في فعل المستأجر، وفعله دون قصد رب الدار، فلا إثم على رب الدار في ذلك، كمن باع غلاماً ممن يقصد الفاحشة به، أو باع جارية ممن لا يستبرئها، أو يأتيها في غير المأتى لم يلحق البائع إثم في شيء من هذه الأفعال التي يأتي بها المشتري،
¬
(¬1) وهو محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، أبو بكر، شمس الأئمة، قال الكفوي: كان إماماً علامة حجَّة متكلماً مناظراً أصولياً مجتهداً، عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، من مؤلَّفاته: «شرح السير الكبير»، و «أصول السرخسي»، و «شرح مختصر الطحاوي»، توفي في حدود (500)، ينظر: تاج التراجم (ص 234)، الجواهر المضية (3: 78)، الفوائد (ص 261)، الكشف (1: 112).
وكذلك لو اتخذ فيها بيتاً أو كنيسة أو باع فيها الخمر بعد أن يكون ذلك في السواد، ويمنعون من إحداث ذلك بالأمصار. «مبسوط» (ج 16: ص 309).
فهو أيضاً كالصريح في أن المدارَ على القصد والنية (¬1).
¬
(¬1) العبارة على عكس ما توصل إليه المؤلف، فإنها صريحة في عدم اعتبار قصد البائع، وإنما اعتبرت قصد المشتري، إذ أنه بعد أن ذكر لا بأس بتأجير الدار من ذمي ليسكنها وإن فعل فيها المعاصي علل ذلك بقوله: لأنه لم يؤاجرها لذلك، والمعصية في فعل المستأجر، وفعله دون قصد رب الدار، فلا إثم على رب الدار في ذلك.
فظاهر العبارة يدل على أنه لم يؤجرها لفعل هذه المعاصي، وإنما كان أجرها ليسكنها، وهذه الأمور من مستلزمات أن يسكنها ذمي، ومع ذلك فإنه أجرها له، وهذه المعاصي هي من فعل هذا الذمي المستأجر.
وبناءً على هذا فإن جملة: وفعله دون قصد رب الدار، فلا إثم على رب الدار في ذلك. تحتمل معنيين:
الأول: فعل المستأجر للمعاصي لم يقصده المؤجر، وإنما قصد السكنى فحسب.
والثاني: فعل المستأجر للمعاصي لا اعتبار فيه لقصد المؤجر، وإنما التعويل على قصد المستأجر.
ويمكن نقض الاحتمال الأول بوجوه فيها تأييد للاحتمال الثاني، وهي:
أولاً: ما فائدة قصد المؤجر السكنى للذمي، ومعلوم أن الذي سيشرب الخمر وغيرها من المعاصي في الدار.
ثانياً: أن تمام عبارة صاحب «المبسوط» ترد على أن يكون لقصد المؤجر فائدة إذ قال: كمن باع غلاماً ممن يقصد الفاحشة به، أو باع جارية ممن لا يستبرئها، أو يأتيها في غير المأتى لم يلحق البائع إثم في شيء من هذه الأفعال التي يأتي بها المشتري.
فهي صريحة في أنه لا شيء على البائع مع أنه يعلم بأنه ببيعه للغلام أو للجارية ستكون هناك معصية من المشتري فيهما.
وهذا عجيب من المؤلف، كيف أنه التقط جملة: من دون قصد البائع. ولم ينتبه إلى باقي العبارة مع أنها صريحة كل الصراحة في عكس ما فهم. فسبحان الله.
ثالثاً: ما صرح به صاحب «المبسوط» (24: 3) نفسه في غير هذا الموضع بأنه لا تعويل على قصد البائع وإنما التعويل على قصد المشتري، وقد سبق أن نقلته وسأعيده هنا إذا قال: لا فساد في قصد البائع، فإن قصده التجارة بالتصرف فيما هو حلال لاكتساب الربح، وإنما المحرم والفساد في قصد المشتري اتخاذ الخمر منه.
وعليه فيكون المستفاد من عبارة «المبسوط» التي نقلها المؤلف، ما صرّح به بعد نقل عبارة «الخلاصة»، وهو: أنّ المدارَ بقطع نسبة المعصية عن المعين بتخلل الفاعل المختار بينه وبين عمل المعصية، ولم يتعرض للقصد، أو النية.
وفي (كراهية) «الخلاصة» (¬1): رجلٌ أجرَ بيتاً ليتخذَ فيه بيت نار، أو بيعة، أو كنيسة، أو يباع فيه الخمر، فلا بأس به، وكذا كل موضع تعلقت المعصية بفعل فاعل مختار. «خلاصة» (ج 4: ص 377).
¬
(¬1) وهو طاهر بن أحمدَ بن عبدِ الرشيد بن الحسين البُخَاريّ، افتخار الدِّين، قال: الكفوي: كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر شيخ الحنفية بما وراء النحر، من أعلام المجتهدين في المسائل، ومن مؤلفاته: «النصاب»، و «خزانة الواقعات»، و «خلاصة الفتاوي»، قال الإمام اللكنوي: وهو كتاب معتبر عند العلماء معتمد عند الفقهاء. (1/ 482 ـ 542 هـ). ينظر: الفوائد (ص 146). الجواهر (2: 276). تاج التراجم (ص 172).
هذا يستفاد منه أنّ المدارَ بقطع نسبة المعصية عن المعين بتخلل الفاعل المختار بينه وبين عمل المعصية، ولم يتعرض للقصد، أو النية.
وفي «البدائع» (¬1): مَن استأجر حمَّالاً يحملُ له الخمر فله الأجر في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: لا أجر له. كذا ذَكَر (¬2) في «الأصل» (¬3).
¬
(¬1) «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» لأبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، علاء الدين، ملك العلماء، من مؤلفاته: «الكتاب الجليل»، و «السلطان المبين»، (ت 587 هـ). ينظر: طبقات ابن الحنائي (ص 101 - 102). الفوائد (ص 91). تاج التراجم (ص 328).
(¬2) أي محمَّد بن الحسن بن فرقد الشَّيْبَانِيّ، أبو عبد الله، صاحب أبي حنيفة، قال الذَّهَبِيّ: كان من أذكياء العالم، قال الشافعي: ما رأيت أعقل ولا أفقه ولا أزهد ولا أروع ولا أحسن نطقاً وإيراداً من محمد بن الحسن. وتصانيف كثيرة، منها: «الأصل»، و «الجامع الصغير»، و «الجامع الكبير»، و «السير الكبير»، و «السير الصغير»، و «الزيادات»، (132 - 189 هـ). ينظر: بلوغ الأماني (ص 4)، مقدِّمة الهداية (14:3). والنافع الكبير (ص 34 - 38)، مقدمة السعاية (ص 37). تهذيب الأسماء (1: 80 - 83). مقدمة التعليق الممجد (1: 114 - 117).
(¬3) فالمستفاد من كلام «الأصل» أن الاختلافَ بين الإمام وصاحبيه في جواز الإجارة وبطلانها مع قطع النظر عن طرق الإثم وعدمه، فعند الإمام صحّت الإجارة ووجب الأجر المسمّى، وعندهما بطلت فلا أجر له، وكلام «الجامع الصغير» يفيد أن لا خلاف في صحّة الإجارة، بل في طيب الأجر وكراهته، فعند الإمام يطيب، وعندهما يكره. محمد شفيع رحمه الله.
أقول: ما استفاده المؤلف من كلام «الأصل» و «الجامع الصغير» فيه مؤاخذات، منها:
أولاً: أنه أصاب فيما ذهب إليه بأن عبارة «الأصل» تفيد في جواز الاختلاف بين الإمام وصاحبيه في جواز الإجارة وبطلانها، بخلاف قوله: مع قطع النظر عن طرق الإثم وعدمه ... الخ. فلولا أنه لم يكن هناك طرق للإثم عند الصاحبين لم يحصل اختلاف مع الإمام، ولم تبطل الإجارة.
ثانياً: أن في كل من عبارتي «الأصل» و «الجامع الصغير» تتميم للأخرى، وتوضيح لما خفي فيها، ولا اختلاف بينهما في شيء، فعبارة «الأصل» أقرت بأن من حمل خمراً له الأجر، فأكملتها عبارة «الجامع الصغير» بأن هذا الأجر طيب له ولا إثم فيه. وعبارة «الأصل»: أقرت بأنه لا أجر لمن حمل الخمر؛ لأنه كما بيَّنه صاحب «البدائع» وغيره: أنها إجارة على معصية، ومعلوم في المذهب أنه أجرة على المعصية، وعبارة «الجامع الصغير» أكملتها ووضحتها: بأن يكره أن يأخذ الأجرة على ذلك، ويكون عليه إثم فيه.
فمدار الخلاف بين أبي حنيفة والصاحبين أنه لم يعتبرها معصية فكان له الأجر طيباً بلا إثم، وهما اعتبراها معصية فلم يكن له الأجر عندهما، فكره له أخذه، وكان عليه الإثم بذلك.
وذَكَرَ في «الجامع الصغير» (¬1): أنه يطيب له الأجر في قول أبي حنيفة، وعندهما: يكره.
لهما: أن هذه إجارة على المعصية؛ لأن حملَ الخمرِ إعانة على المعصية، وقد قال الله عز وجل: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (¬2)، ولهذا (لعن الله تعالى عشرة منها حاملها والمحمول إليه) (¬3).
ولأبي حنيفة: أن نفس الحمل ليس بمعصية، بدليل أن حملَها للإراقة والتخليل مباح، وكذا ليس بسبب للمعصية، وهو الشرب؛ لأن
¬
(¬1) الجامع الصغير (484).
(¬2) من سورة المائدة، الآية (3).
(¬3) روي من حديث ابن عمر وابن عباس وابن مسعود وأنس. فحديث ابن عمر: في المستدرك (2: 37)، وسنن البيهقي الكبير (5: 327)، وسنن أبي داود (3: 326)، والمعجم الأوسط (8: 16)، ومسند أحمد (2: 97)، والمعجم الصغير (2: 45)، ومسند أبي يعلى (9: 431)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، وآكل ثمنها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه). وأما حديث أنس فروي في الأحاديث المختار (6: 181)، قال أبو عبد الله المقدسي: إسناده حسن. وفي سنن الترمذي (3: 589)، قال الترمذي: حديث غريب، وفي سنن ابن ماجة (2: 1122). وأما حديث ابن عباس ففي المستدرك (2: 37)، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ومسند عبد بن حميد (1: 229)، والمعجم الكبير (12: 233)، وموارد الظمآن (1: 333)، وغيرها. وينظر: نصب الراية (6: 166 - 168).
ذلك يحصل بفعل فاعل مختار، وليس الحمل من ضرورات الشرب، فكان سبباً محضاً، فلا حكم له: كعصر العنب (¬1)، وقطفه. والحديث محمول على الحمل بنيّة الشرب. وبه نقول أن ذلك معصية ويكره أكل أجرته. اهـ. «بدائع» (ج 4: ص 190).
وهذا أيضاً صريح في أن المدار على النية (¬2).
وفي آخر (باب البغاة) من «الدر المختار» (¬3): ويكره تحريماً بيعُ السلاح من أهل الفتنة إن علم؛ لأنه إعانة على المعصية، وبيع ما يتخذ
¬
(¬1) أي من الحرمة وهو لا ينافي الكراهة.
(¬2) النقل بكامله عن «البدائع» لا يوجد في صراحة بأن المدار على النية سواء على رأي أبي حنيفة أو الصاحبين، إلا ما ذكر بأن: الحديث محمول على الحمل بنية الشرب. وهو لا يفيد ما قاله بأن المدار على النية؛ إذ فيه تأويل الحديث معنى الحديث عند الإمام بأن معنى الحمل في الحديث إذا حمله على نية أن يشرب منه هو لا أن يحمله؛ لأن يشرب منه غيره.
ويؤيد هذا المعنى بداية العبارة، بأن نفس الحمل ليس بمصية؛ لأن الحمل يكون لأشياء كثيرة مباحة كإتلافها، وليس كذلك بسبب لمعصية الشرب؛ لأنها تحصل بفعل فاعل مختار، والحمل ليس من ضروراته، فعليه الحمل سبب محض لا يستلزم الشرب، فلا يأخذ الإثم.
وعليه فكلام صاحب «البدائع» و «الأصل» و «الجامع الصغير» صريحٌ فيما ذكره المؤلف عند التعليق على عبارة «الخلاصة»: أنّ المدارَ بقطع نسبة المعصية عن المعين بتخلل الفاعل المختار بينه وبين عمل المعصية، ولم يتعرض للقصد.
(¬3) «الدر المختار شرح تنوير الأبصار» (4: 268) لمحمد بن علي بن محمد الحِصْني الحَصْكَفِي الحَنَفِي، علاء الدين، قال المحبي: مفتي الحنفية بدمشق، وصاحب التصانيف الفائقة في الفقه وغيره، من مؤلَّفاته: «خزائن الأسرار شرح تنوير الأبصار»، و «الدر المنتفى شرح ملتقى الأبحر»، و «تعليقات على صحيح البخاري»، و «تعليقات على البيضاوي»، (ت 1088 هـ). ينظر: خلاصة الأثر (4: 63 - 65). طرب الأماثل (ص 564 - 566). الأعلام (7: 188).
منه كالحديد ونحوه يكره لأهل الحرب، لا لأهل البغي؛ لعدم تفرّغهم لعمله سلاحاً؛ لقرب زوالهم، بخلاف أهل الحرب. «زَيْلَعِيّ» (¬1).
قلت (¬2): وأفاد كلامهم أن ما قامت المعصية بعينه يكره بيعه تحريماً، وإلا فتنزيهاً. «نهر» (¬3).
¬
(¬1) أي الزيلعي في «تبيين الحقائق شرح كنْز الدقائق» (3: 296 - 297) والزيلعي هو عثمانُ بنُ عليّ بن محجن الصُّوفِيّ البَارِعيّ، أبو عمرو، فخر الدِّين، قال الكفوي: كان مشهوراً بمعرفة الفقه والنحو والفرائض، من مؤلفاته: «شرح الجامع الكبير»، و «بركة الكلام على أحاديث الأحكام»، و «تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق»، قال الإمام اللكنوي: وهو شرح مُعتمد مقبول، (ت 743 هـ). ينظر: تاج التراجم (ص 204). الفوائد (194 - 195).
(¬2) القائل الحصكفي رحمه الله.
(¬3) «النهر الفائق شرح كنْز الدقائق» (3: 268) لعمر بن إبراهيم بن محمد، المشهور ابن نُجَيْم المِصْريّ الحنفي، سراج الدين، أخو صاحب «البحر الرائق»، من مؤلفاته: «إجابة السائل باختصار أنفع الوسائل»، و «عقد الجواهر في الكلام على سورة الكوثر»، (ت 1005 هـ). ينظر: خلاصة الأثر (3: 306 - 307). طرب الأماثل (ص 509). الكشف (2: 516). هدية العارفين (1: 796).
قال الشَّاميُّ (¬1): فصار المراد بما تقام المعصية به ... ما كان ... عينه
منكراً (¬2) بلا عمل صنعه فيه، فخرج نحو الجارية المغنية؛ لأنها ليست عين المنكر، ونحو الحديد والعصير؛ لأنه وإن كان يعمل منه عين المنكر، لكنه بصنعه تحدث، فلم يكن عينه، وبهذا ظهر أن بيعَ الأمردِ ممن يلوطُ به مثل: الجارية المغنية، فليس ممّا تقوم المعصية بعينه خلافاً لما ذَكَرَه المصنِّف (¬3) والشارح (¬4) في (باب الحظر والإباحة).
¬
(¬1) وهو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدِّمَشْقِيّ الحَنَفِي، المشهور بابن عابدين،
قال الشطي: إنه علامة فقيه فهامة نبيه، عذب التقرير متفنن في التحرير، لم ينسج عصر على منواله، من مؤلفاته: «العقود الدرية بتنقيح الفتاوي الحامدية»، و «نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار»، ورسائله المشهورة، (1198 - 1252 هـ). ينظر: أعيان دمشق (ص 252 - 255)، الأعلام (6: 267 - 268). معجم المؤلفين (3: 145).
(¬2) فيه أنّ السلاح أيضاً ليس عينه بمنكر كالجارية المغنية والأمرد، وإنما المنكر يحصل بفعل الفاعل المختار في الكل، فلا فرق بينهما. كما صرَّح به الشامي أيضاً في (الحظر والإباحة). محمد شفيع رحمه الله.
(¬3) أي مصنف «تنوير الأبصار»، وهو التمرتاشي رحمه الله.
(¬4) أي شارح «التنوير»، وهو الحصكفي رحمه الله. وسيأتي نقل كلامهما بعد قليل.
ثمّ وفَّق (¬1) بينهما فقال: وعندي أن ما في «الخانية» (¬2): يعني كراهة بيع
الأمرد؛ محمول على كراهة (¬3) التنْزيه، والمنفي هو كراهة التحريم، وعلى هذا فيكره في الكلِّ تنْزيهاً، وهو الذي إليه تطمئنُ النفس؛ لأنه تسبب في الإعانة، ولم أر مَن ... تعرضَ ... لهذا، ... والله ... تعالى ... الموفِّق (¬4).
¬
(¬1) أي الشامي كما هو ظاهر عبارة المؤلف. والصحيح أن الذي وفق بينهما بهذا هو صاحب «النهر الفائق» (3: 268)، فالعبارة بكاملها نقلها ابن عابدين الشامي من «النهر الفائق».
(¬2) أي «فتاوى قاضي خان» (2: 181) لحسن بن منصور بن محمود الأُوزْجَنْدِي
الفَرْغَانِي الحَنَفِي، أبي القاسم، فخر الدين، المشهور بقاضي خان، قال الحصيري: هو القاضي الإمام، والأستاذ فخر الملَّة ركن الإسلام، بقيَّة السلف، مفتي الشرق، من مؤلفاته: «شرح الجامع الصغير»، و «شرح الزيادات»، و «الواقعات»، و «الأمالي»، و «المحاضر»، و «شرح أدب القضاء»، (ت 592 هـ). ينظر: الجواهر (2: 94). تاج التراجم (ص 151 - 152). الفوائد (ص 111).
(¬3) سيأتي منا في تنقيح الضابطة أنه سبب قريب للمعصية كالسلاح ولا فرق بينهما وقد صرحوا بكراهة التحريم في بيع السلاح من أهل الفتنة فكذا هذا بل التوفيق بين القولين على ما منّ به عليّ ربي بعلم البائع وعدمه فإن علم البائع أو غلب على ظنه أنه يقصد استعماله في المعصية كره تحريماً إلا حاز ويؤيد هذا كلام المبسوط الذي صرح فيه بالجواز بعد تصريحه بالحرمة قبل ذاك حيث علم به البائع. شفيع.
(¬4) وهذا محض اجتهاد من صاحب «النهر» في التوفيق لم يقله غيره كما صرح هو بذلك بقول: ولم أر من تعرض لهذا، وقد وافقه عليه صاحب «الدر المختار»، كما سبق نقله قبل أسطره.
وكتب المذهب لا تسعف صاحب «النهر» بشيء فيما ذهب إليه وإن تابعه صاحب «الدر المختار»، فهي صريحة في نفي الكراهة فيما لم تقم المعصية بعينه، وصرحت بالكراهة بما قامت المعصية بعينه كبيع السلاح من أهل الفتنة وحملها غير واحد على الكراهة التحريمية منهم: ابن نجيم في البحر الرائق (5: 154 - 155) والحصكفي في الدر المختار (4: 268)، وتابعهم ابن عابدين في رد المحتار (4: 268)، والخادمي في حاشيته على الدرر (149). وتفصيل الكلام في نفي الكراهة في «خلاصة الكلام».
«شامي» (¬1) (ج 3: ص 484).
وفي (فصل البيع) من (كراهية) «الدر المختار»: وجازَ بيع عصير عنب ممّن يعلمُ أنه يتخذه خمراً؛ لأن المعصيةَ لا تقوم بعينه، بل بعد تغيّره، وقيل: يكره لإعانته على المعصية ... إلى قوله: بحلاف بيع أمرد ممن يلوط به، وبيع سلاح من أهل الفتنة؛ لأن المعصية تقوم بعينه، ثمّ الكراهة في مسألة الأمرد مصرّحٌ بها في (بيوع) «الخانية» (¬2) وغيرها (¬3)، واعتمده المصنِّف على خلاف ... ما في الزَّيْلَعِيّ والعَيْنِيّ (¬4)، وإن أقرَّه
¬
(¬1) أي ابن عابدين في «رد المحتار»، وأهل القارة الهندية يطلقون على ابن عابدين: الشامي؛ نسبة لبلاد الشلام، كما يلاحظه المتابع لكتبهم.
(¬2) «الخانية» (2: 181)، وعبارتها: ويكره بيع الأمرد من فاسق يعلم أنه يعصي به؛ لأنه إعانة على المعصية.
(¬3) قال الولوالجي في (بيوع) «فتاواه»: رجل له عبد أمرد أراد أن يبيعه من فاسق يعلم أنه يعصي الله فيه غالباً يكره هذا البيع؛ لأنه إعانة على المعصية. وكتب ما نصُّه: ذكر في (باب بيوع أهل الذمة) من «المحيط»: المسلم الفاسق إذا اشترى عبداً أمرد، وكان ممن يعتاد اتباع الأمرد يجبرُ على بيعه دفعاً للفساد. كما في حاشية التبيين (6: 29).
وقال صاحب مجمع الأنهر (2: 529) بعد أن ذكر عن صاحب التبيين (6: 29) أن لا يكره: وهذا صريح في جواز بيع الغلام من اللوطي، والمنقول في كثير من المعتبرات أنه يكره.
وفي حاشية الخادمي (156): وكره بيع أمرد ممن يلوط به؛ لأن المعصية تقع بعينه.
(¬4) أي على خلاف ما صرح به الزيلعي في التبيين (6: 29)، و العيني في رمز الحقائق (2: 273)، والسرخسي في المبسوط (16: 39) من عدم الكراهة.
المصنِّف (¬1) في (باب البُغاة). اهـ. وجازَ تعميرُ كنيسة، وحملُ خمر ذمي بنفسه، أو بدابته بأجر، لا عصرها؛ لقيام المعصية بعينه. اهـ.
¬
(¬1) عبارة المصنف التمرتاشي في (باب البغاة) من تنوير الأبصار (117): ويكره بيع السلاح من أهل الفتنة إن علم، وبيع ما يتخذ منه كالحديد. فلا يوجد فيها إقرار لكلام الزيلعي، لكنه في منح الغفار شرح تنوير الأبصار (ج 1: ق 431 ب) ذكر كلام الزيلعي ثم أتبعه بكلام قاضي خان، فقال: وذكر الزيلعي من (الحظر والإباحة): أنه لا يكره بيع جارية لمن لا يستبرئها أو يأتيها من دبرها أو بيع غلام من الوطي. انتهى. وفي «الخانية» من (البيوع): ويكره بيع الأمرد من فاسق يعلم أنه يعصي به؛ لأنه إعانة على المعصية. انتهى.
فكما ترى لو أنه ذكر كلام الزيلعي ولم يعقبه بذكر كلام قاضي خان كان إقراراً منه، ولكنه طالماً أعقبه بكلام قاضي الذي يناقضه فلا يعتبر إقراراً منه له. والله أعلم.
قال الشَّاميُّ: فيه منافاةٌ ظاهرة لقوله سابقاً؛ لأن المعصيةَ لا تقوم بعينه (¬1).
وهو مناف أيضاً لما قدمناه (¬2) عن الزَّيْلَعِيّ (¬3) من جواز استئجاره؛ لعصر العنب أو قطفه، ولعلَّ المرادَ هاهنا عصرُ العنبِ على قصدِ الخمريّة، فإن عينَ الفعلِ معصيةٌ بهذا القصد؛ ولذا أعادَ الضميرَ على الخمر مع أن العصرَ للعنب حقيقةً (¬4)، فلا يتنافى ما مرَّ من جواز استئجاره
¬
(¬1) الكلام إلى هنا للطحطاوي كما في حاشيته على الدر المختار (4: 197)، وقد أشار إلى ذلك ابن عابدين بوضع (ط) في نهاية الجملة المنقولة.
والمنافاة هنا في قول صاحب «الدر المختار»: لا عصرها؛ لقيام المعصية بعينه. فصرح بأنه يكره عصرها لعلة قيامة المعصية بعين العصير. وقد ذكر صاحب «الدر المختار» في تعليل جواز بيع العصير ممن يعلم أن سيتخذه خمراً كما ذكره المؤلف: لأن المعصية لا تقوم بعينه ـ أي بعين العصير ـ.
فقد ناقض نفسه من مسألتي قريبتين لا يفصل بينهما إلا سطور قليلة بأن اعتبر في الأولى عين العصير ليست معصية، واعتبر في الثانية عين معصية. مع أن العصير هو هو. مما يدل على أن كتاب «الدر المختار» عدم معتبر؛ لأمرين شدة اختصار عباراته، ونقله الروايات الضعيفة في المذهب، كما سبق بيانه عند التحدث عن «الأشباه» من قبل ابن عابدين ومحمد تقي العثماني.
(¬2) أي (فصل من البيع) من (كراهية) (رد المحتار) (6: 392).
(¬3) في التبيين (6: 29)،
(¬4) هذا التعليل من ابن عابدين محاولة منه في توجيه كلام صاحب «الدر المختار»، ومحاولة تقريبه من المذهب الذي ابتعد عنه فيما ذهب إليه، ويمكن فهم هذا القصد كما مر معنا سابقاً: أن يقصد عصره ليصنع منه الخمر ليشرب منه. لا أن يقصد أن يعصره لغيره ليصنع غيره من الخمر، يدل على ذلك أنه بهذا التأويل رفع التنافي مع ما مر من استئجاره لعصر العنب، ومعلوم مما مر من المسائل أن عصر له العنب مع علمه أنه سيتخذه خمراً، والله أعلم.
على عصر العنب، هذا ما ظهر لي فتأمل (¬1). اهـ. «شامي» (ج 5: ص 386).
وفي «الدر المختار» أيضاً بعد ذلك: وجاز إجارة بيت بسواد الكوفة ... إلى قوله: ليُتَخَذَ بيتَ نار، أو كنيسة، أو بيعة، أو يباع فيه الخمر، وقالا: لا ينبغي ذلك؛ لأنه إعانة على المعصية، وبه قالت الثلاثة (¬2). «زَيْلَعِيّ».
قال العلامة الشامي تحته: وهذا ـ أي جواز إجارة البيت ... الخ ـ عنده أيضاً؛ لأن الإجارةَ على منفعة البيت؛ ولهذا يجب الأجر بمجرَّد التسليم، ولا معصيةَ فيه، وإنَّما المعصيةُ بفعل المستأجر، وهو مختارٌ، فينقطع نسبته عنه، فصار كبيع الجارية ممن لا يستبرئها، أو يأتيها من دبر، وبيع الغلام من لوطي، والدليل عليه أنه لو أجَّره للسكنى جاز، وهو لا
¬
(¬1) تأملت فيها فظهر لي أن التعليل لمسألة صاحب «الدر المختار» فيه نوع غرابة وتكلف، والأفضل أن يصرح أنه خالف فيها ما عليه المعتمد من المذهب، أو مشى فيها على ما عليه الصاحبين. والله أعلم.
(¬2) أي مالك والشافعي وأحمد.
بدّ له من عبادته فيه. اهـ. «زَيْلَعِي» (¬1) و «عَيْنِي» (¬2)، ومثله في «النهاية» (¬3)، و «الكفاية» (¬4).
قال في «المنح» (¬5): إنه صريحٌ في جواز بيع الغلام من اللوطي، والمنقول في كثير (¬6) من الفتاوى (¬7) أنه يكره، وهو الذي عوَّلنا عليه في «المختصر» (¬8). اهـ.
¬
(¬1) في تبيين الحقائق (6: 29).
(¬2) في رمز الحقائق (2: 273).
(¬3) «النهاية شرح الهداية» لحسين بن علي بن حجاج بن علي السِّغْنَاقي، حسام الدين، قال السيوطي: كان عالماً فقيهاً نحوياً جدلياً، ومن مؤلفاته: «شرح التمهيد في قواعد التواحيد» لأبي المعين المكحولي، و «الكافي شرح أصول البزدوي»، (ت بعد 710 هـ). ينظر: تاج التراجم (ص 160)، الكشف (2: 2032)، الفوائد (ص 106).
(¬4) «الكفاية شرح الهداية» (8: 493) لجلال الدين بن شمس الدين الكرلاني الكِرْمَانِيّ الخَوَارَزْميّ، من تلاميذ صاحب «النهاية»، قال الكفوي: كان عالماً فاضلاً تضرب به الأمثال، وتشد إليه الرحال. ينظر: الفوائد (ص 100)، الكشف (2: 1499).
(¬5) «منح الغفار شرح تنوير الأبصار» (2: ق 334 ب) لمحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمد التُّمُرْتَاشِي الغزِّي، شمس الدِّين، قال محب الدين: كان إماماً كبيراً حسن السمت قوي الحافظة كثير الاطلاع، ولم يبق من يساويه في الرتبة، وألف التآليف العجيبة المتقنة، من مؤلفاته: «تنوير الأبصار»، و «الوصول إلى قواعد الأصول»، و «إعانة الحقير شرح زاد الفقير»، (ت 1004 هـ). ينظر: خلاصة الأثر (4: 18 - 20). طرب الأماثل (562 - 563)، دفع الغواية (ص 11).
(¬6) ليس الاعتبار بالنقل في كثير من الكتب على أنه القول معتمد، ولا سيما إذا كان في الفتاوى الكتب غير المعتبرة والحواشي، قال ابن عابدين في «شرح عقود رسم المفتي» (13): وقد يتفق نقل قول في نحو عشرين كتاباً من كتب المتأخرين، ويكون القول خطأ أخطأ به أول واضع له فيأتي من بعده وينقله عنه، وهكذا ينقل بعضهم عن بعض كما وضع في بعض مسائل ما يصح تعليقه وما لا يصح تعليقه كما نبه على ذلك ابن نجيم في «البحر الرائق».
(¬7) كما سبق أن ذكرنا عن «فتاوى قاضي خان»، و «الفتاوى الولوالجية»، و «المحيط»، و «حاشية الخادمي».
(¬8) تنوير الأبصار (215).
أقول (¬1): هو صريحٌ أيضاً في أنه ليس ممّا تقوم المعصية بعينه؛ ولذا كان ما في الفتاوى مشكلاً كما مرّ عن «النهر» (¬2)؛ إذ لا فرق بين الغلام
¬
(¬1) القائل ابن عابدين رحمه الله تعالى، وفي كلامه هنا ردٌّ على صاحب «المنح» وعلى أصحاب والفتاوى وغيرهم ممن بكراهية بيع الأمرد من ثلاثة وجوه، هي:
الأول: أن كلام الزيعلي والعيني وغيرهما صريح في أن بيع الأمرد ممن يلوط به ليس مما تقوم المعصية بعينه، وإنما تقوم بفعل فاعل مختار، فينقطع نسبته عن بائعه. وهذا الموافق للكتب المعتبرة في المذهب في نظائرها من المسائل. ولذلك كان ما في الفتاوى من أنه يكره مشكل؛ لأنه ينقض الأصل الذي بنيت عليه نظيرها من المسائل.
الثاني: أن من قال بالكراهة بيع الأمر، لم يقل بكراهة إجارة البيت ممن يتخذه بيت نار أو لبيع الخمر أو غير ذلك، وكذلك لم يقل بكراهة بيع العصير ممن يتخذه خمراً، فهاتان المسألتان متفق على عدم الكراهة فيهما بين الكتب، بل ظاهر الرواية في المذهب ينص على ذلك، ولا فرق بينهما وبين مسألة الأمرد في شيء، فكل منهما يتوسط بين البيع والإجارة وبين المعصية فعل فاعل مختار، وفي كل منهما يكون لدى البائع والمشتري علم بأن ستكون فيه معصية. فما الذي حملكم على التقريق بينهما؟
أجيب عن السؤال: بأن الذي حملهم على التفريق أنه في مسألتي البيت والعصير ظاهر الرواية وجميع الكتب المعتبرة والمتون تنص على عدم الكراهة، فلم يتمكنوا من المخالفة بذكر الكراهة فيهما، بينما في مسألة الأمرد لا يوجد نص في ظاهر الرواية عليها وإنما هي مخرجة مسائل ظاهر الرواية، ومعلوم أن في المسألة خلاف بين الإمام وصاحبيه، فيكون قاضي خان في «فتاواه» خرجها على قول الصاحبين وتابعته باقي الكتب التي نقلتها، وقد سبق أن ذكرنا عن ابن عابدين أن نقل المسألة في بعض الكتب لا يدل على اعتبارها إذا خالفت المعتبر في المذهب.
ويؤيد ما أجبت به ما قاله أبو السعود في حاشيته على شرح ملا مسكين 3: 406 بعد نقل كلام الولوالجي و «المحيط» السابق ذكره: ومن هنا ظهر أن ما ذكره الولوالجي من كراهة بيع الأمر ممن يعصي فيه أشبه بمذهب الصاحبين، وما ذكره الزَّيْلَعِيّ من عدم الكراهة أشبه بمذهب الإمام ...
الثالث: أن كان ينبغي لمصنف «التنوير» وهو صاحب «المنح» أن يعول في مسألة بيع الأمرد على ما ذكر في الشروح؛ لأن ما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى، كما أن ما في المتون مقدم على ما في الشروح، وهذه من القواعد المهمة المرسومة في كتب رسم المفتي كما في النافع الكبير (23)، والمنهج الفقهي (176)؛ لذلك فإن ما ذكره في هذه المسألة غير مقبول منه، وإنما التعويل على الكتب المعتبرة والشروح المعتمدة في المذهب، وهذه المسألة ليست المسألة الوحيدة التي خالف فيها مصنف «التنوير» المعتبر في المذهب، فقال اللكنوي في طرب الأماثل (563): «التنوير» وإن كان أحسن الكتب المصنّفة في الفن، لكن بعض المسائل المذكورة فيه وقعت في غير موقعها: كمسألة أفضلية كثرة الركوع والسجود من طول القيام، وهي وإن كان ذهب إليها صاحب «البحر» وغيره، لكنه مخالف لجمهور الفقهاء، وكمسألة انتقاض وضوء مدمن الخمر بعرقه، وغير ذلك كما لا يخفى على من طالعه.
(¬2) عبارة النهر الفائق (3: 268): لا يكره بيع ما لم تقم المعصية بعينه كبيع الجارية المغنية ... وما في (بيوع) «الخانية» من أنه يكره بيع الأمرد من فاسق يعلم أنه يعصي به مشكل ... وعندي أن ما في «الخانية» محمول على كراهة التنْزيه، والمنفي هو كراهة التحريم
وبين البيت والعصير، فكان ينبغي للمصنِّف التعويل على ما ذكره الشرّاح، فإنه مقدّمٌ على ما في الفتاوى.
نعم على هذا التعليل (¬1) الذي ذَكَرَه الزَّيْلَعِيُّ يشكلُ الفرقُ (¬2) بين ما تقوم المعصية بعينه [وبين ما لا تقوم المعصية بعينه] (¬3)، فإن المعصية في
¬
(¬1) التعليل الذي ذكره الزيلعي قبل أسطر هو: أن الإجارةَ على منفعة البيت؛ ولهذا يجب الأجر بمجرَّد التسليم، ولا معصيةَ فيه، وإنَّما المعصيةُ بفعل المستأجر، وهو مختارٌ، فينقطع نسبته عنه، فصار كبيع الجارية
(¬2) وجه الاشكال أنه على تعليل الزيلعي يكون معنى ما تقوم المعصية بعينه هو ما لا يتخلل بينه وبين المعصية فعل فاعل مختار، وما لا تقوم المعصية بعينه هو أن يتخلل بينه وبين المعصية فعل فاعل مختار.
(¬3) سقطت من الأصل، وأثتبتها من رد المحتار (6: 392).
السلاح (¬1) والمُكَّعَب (¬2) المُفَضَّض (¬3) ونحوه (¬4)، وإنّما هي بفعل الشاري (¬5)، فليتأمل في وجه الفرق، فإنّه لم يظهر لي (¬6)، ولم أر مَن نبَّه عليه.
¬
(¬1) وبه علم أن التوفيق الذي ذكره العلامة ـ أي ابن عابدين ـ في باب البغاة غير مستقيم. محمد شفيع رحمه الله.
والتوفيق الذي ذكره هو: المراد بما تقام المعصية به ما كان عينه منكراً بلا عمل صنعه فيه، فخرج نحو الجارية المغنية؛ لأنها ليست عين المنكر، ونحو الحديد والعصير؛ لأنه وإن كان يعمل منه عين المنكر، لكنه بصنعه تحدث، فلم يكن عينه، وبهذا ظهر أن بيعَ الأمردِ ممن يلوطُ به مثل: الجارية المغنية، فليس ممّا تقوم المعصية بعينه.
أقول: بل هو توفيق مستقيم، وسيأتي التدليل على ذلك.
(¬2) الكراهة في بيع المكعب المفضض مذكورة في «المحيط» ونقلها عنه صاحب البحر (8: 230)، والتبيين (6: 29)، ومجمع الأنهر (2: 530)، ورد المحتار (6: 392)، وفي الخلاصة نسبها لها في الهندية (3: 209).
(¬3) المكعب المفضض: أي الثوب المطويّ الشديد الإدراج. ينظر: تاج العروس 4: 153.
(¬4) كمسألة: لو أن إسكافياً أمره إنسان أن يتخذ له خفاً على زي المجوس أو الفسقة أو خياطاً أمره إنسان أن يخيط له قميصاً على زي الفسّاق يكره له أن يفعل ذلك. وهي أيضاً من مسائل المحيط نقله عنه صاحب البحر (8: 230)، والتبيين (6: 29)، ومجمع الأنهر (2: 530)، ورد المحتار (6: 392)
أقول: الظاهر أن مسألتي المكعب المفضض واتخاذ الخف والقميص الكراهة فيهما أشبه بقول الصاحبين بخلاف أبي حنيفة، فإن عدم الكراهة أشبه بقوله؛ لأن المعصية ليست بعين المكعب المفضض؛ لأن عينه ليست منكراً؛ وإنما باستعمال المحظور، وأما في الخف والقميص، فإن عمله ليس بمعصية، وإنما المعصية بفعل فاعل مختار، فانقطع عنه، ويؤيد ما ذكرت في هذه المسألة بما يلي:
أولاً: في نسخة المحيط 260 التي عندي منقولة عن «واقعات الناطفي»، والمثبت فيها في مسالة الخف والقميص: له أن يفعل ذلك. ولم يذكر كراهة، وإن نبه المحقق في الهامش أنه في نسخة: فإني لا أرى أن يفعل ذلك. ثم ذكر مسألة المكعب بعدها، فقال: قالوا: وبيع المكعب المفضض من الرجال إذا علم أنه يلبس مكروه.
وثانياً: أنه ذكر في المحيط 231: الإناء المضبب وكذلك الكرسي المضبب بالذهب والفضة لا بأس عليه عند أبي حنيفة إذا لم يقعد على موضع الذهب، وكذلك جعل المصحف مذهباً أو مفضضاً لا بأس به عند أبي حنيفة وكره عند أبي يوسف، وقياس قول أبي حنيفة أن لا يكره في الثياب والسرج واللجام، وقول محمد مثل قول أبي يوسف، ولأبي حنيفة أن الأصل في المخلوقات إباحة الانتفاع بها، والحرمة لعارض، والنص ورد في تحريم الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة، فكل ما كان يشبه المنصوص عليه في الاستعمال يلحق بالمنصوص عليه، وما لا يشبه المنصوص عليه يبقى على أصل الإباحة، وهناك يتصل الذهب والفضة ببدنه وهنا لم يتصل ببدنه، فلم يكن نظير المنصوص عليه في الاستعمال، فالحاصل أن أبا حنيفة على هذا الوجه اعتبر حرمان الاستعمال فيما يتصل ببدنه صورة، والثاني: أن هذا تابع فلا يكره، كالجبة المكفوفة بالحرير، والعلم في الثوب، وقياساً على لاشرب من يده على خنصره خاتم فضة، فإن ذلك لا يكره. انتهى. فتبين من هذه المسألة أن لا كراهة عند في المكعب المفضض، فكيف يكره بيعه، والله أعلم.
(¬5) أي أن المعصية في بيع السلاح والمكعب المفضض إنما هي بفعل المشتري، لا بفعل البائع، فلما صرَّحوا فيهما إذاً بالكراهة بناءاً على تعليل الزيلعي السابق ذكره، أما في المكعب المفضض فقد عرفت الجواب فيما ذكرنا، وأما في بيع السلاح فسيأتيك.
(¬6) تأملت في وجه الفرق، وظهر لي بتوفيق من الله تعالى بعد طول نظر وتدقيق فكر، وأسال الله تعالى أن أكون وفقت فيه، فأقول: إن مسائل بيع السلاح أربع نصَّ في ظاهر الرواية في ثلاث منها بالكراهة، وواحدة بعدم الكراهة.
أما الثلاثة التي نصّ فيها بالكراهة فهي:
الأولى: بيع السلاح من أهل الفتنة لمن علم ذلك، وعلل ذلك؛ بأنه من باب الإعانة على الإثم والعدوان والمعصية، وهو منهي عنه؛ قال تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، ولما روي من حديث عمران بن الحصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع السلاح في الفتنة) في صحيح البخاري (2: 741) معلقاً، سنن البيهقي (5: 327)، وقال: رفعه وهم، والموقوف أصح. والجرح والتعديل (8: 102)، والكامل (2: 51)، وضعفاء العقيلي (4: 139)، وتاريخ بغداد (3: 278) ومسند البزار (9: 63)، وقال ابن حجر في التلخيص (3: 18): ضعيف، والصواب وقفه. ولأن الواجب قلع سلاحهم بما أمكن حتى لا يستعملوه في الفتنة فالمنع أولى، ولأن المعصية تقوم بعينه فيكون إعانة لهم وتسبيباً، ولأن في ذلك معونة علينا، ولأن بيع السلاح في أيام الفتنة اكتساب سبب تهييجها , وقد أمرنا بتسكينها. قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها) [قال النجم: رواه الرافعي في «أحاليه» عن أنس - رضي الله عنه -، وعند نعيم بن حماد في كتاب «الفتن» عن ابن عمر - رضي الله عنهم - بلفظ: (أن الفتنة راتعة في بلاد الله تطأ في خطامها لا يحل لأحد أن يوقظها، ويل لمن أخذ بخطامها) كما في كشف الخفاء (2: 108)، وفي التدوين في تاريخ قزوين (1: 291) عن أنس - رضي الله عنه - مرفوعاً، كما صرح بذلك صاحب البدائع 5: 232، 7: 142 والهداية 4: 364، والجوهرة 2: 286، ومجمع الأنهر 1: 701، والمجتبى ق 357 أ، وشرح الوقاية 1: 329، وعمدة الرعاية 2: 385، والمستصفى شرح النافع ق 188 ب، وكشف الحقائق 1: 329، وشرح محمود بن إلياس زاده 2: 152، وغيرهم.
الثانية: بيع السلاح من أهل الحرب، وعللوا ذلك؛ بأنه يتقوون بالكراع والسلاح على قتال المسلمين، وقد أمرنا بكسر شوكتهم، وقتل مقاتلتهم؛ لدفع فتنة محاربتهم، كما قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَة} [البقرة: 193] فعرفنا أنه لا رخصة في تقويتهم على محاربة المسلمين، كما صرح به الطحاوي في مختصره 442، وصاحب المبسوط 4: 1410، وفتح القدير 5: 461، والهندية 2: 197 - 198، وغيرهم.
الثالثة: بيع ما يتخذ منه السلاح كالحديد وغيره من أهل الحرب. والفرق في جواز بيعه لأهل البغي وعدم جوازه لهم أن أهل البغي لا يتفرغون لاستعمال الحديد سلاحاً؛ لأن فسادهم على شرف الزوال بالتوبة أو بتفريق جمعهم بخلاف أهل الحرب فإنهم يتفرغون له؛ لإعداده لقتال المسلمين وكسر شوكتهم. كما صرح به صاحب التبيين 3: 297، والشرنبلالية 1: 306، والدر المختار 4: 268
أما المسألة التي نص فيها بعدم الكراهة فهي:
بيع ما يتخذ منه السلاح كالحديد وغيره من أهل الفتنة لمن يعلم ذلك، وعللوا ذلك؛ بأنه لا يصير سلاحاً إلا بالعمل وصنعة فيه، ولأن المعصية تقع بعين السلاح بخلاف الحديد، كما صرح به صاحب البدائع 7: 142، والتبيين 3: 296 - 297، والهداية 4: 364، وغيرها.
فالذي ظهر لي أن الثلاثة الأولى كرهت بالدرجة الأولى للنصوص القرآنية والحديثية الواردة فيها، وهذا مخالف للقياس؛ إذ أن الأصل في المعاملات الإباحة؛ لذلك اقتصر على ما وردت فيه النصوص وتضمنته، فهي واردة بيع السلاح من أهل الفتنة فمن باب أولى يدخل فيها بيعه من أهل الحرب؛ لأن فتنتهم أشد على أهل الإسلام، ودخل في ذلك بيع ما يتخذ منه السلاح من أهل الحرب؛ لما فيه من تقويتهم، وخرج من ذلك بيع ما يتخذ منه السلاح من أهل الفتنة؛ لأنه خارج عن النصّ، ولا يحصل فيه ضرر على المسلمين، فلا تقوم المعصية به بخلاف السلاح منهم.
وعليه فيكون الفرق كما عرفت في المكعب المفضض، وفي السلاح بما ورد فيه من النصوص الشرعية التي أخرجت عن القاعدة التي في الباب. والله أعلم.
نعم يظهرُ الفرقُ على ما قدَّمه الشارحُ (¬1) تبعاً لغيره من التعليل؛ لجواز بيع العصير بأنه لا تقوم المعصيةُ بعينه، بل بعد تغيره، فهو كبيع الحديد من أهل الفتنة؛ لأنه وإن كان يعملُ، [منه] (¬2) السلاحُ لكن بعد تغيّره أيضاً إلى صفة أخرى، وعليه يظهرُ كون الأمردِ ممَّا تقومُ بعينه كما قدَّمناه (¬3). فليتأمل (¬4). اهـ. «شامي» (ج 5: ص 387).
فهذه كلمات الفقهاء يوجد فيها نوعان من الاضطراب (¬5):
الأول: اختلافهم في حكم بعض الجزئيات: كبيع الأمرد ممن يعصي به (¬6):
¬
(¬1) أي صاحب «الدر المختار»، وهو الحصكفي شارح «التنوير».
(¬2) ساقطة من الأصل، والمثبت من رد المحتار (6: 392).
(¬3) إذ لا يحصل تغيير عليه بعد بيعه، فتكون المعصية قائمة بعينه.
(¬4) تأملت فيه، فظهر أن ما قاله الزيلعي وغيره هو الصواب، الموافق لظاهر الرواية، والمعتمد في المذهب، إذ أنه وإن قامت المعصية بعينه، ولكنها بفعل فاعل مختار، فانقطعت عن البائع، وسيأتي تفصيل ذلك.
(¬5) سبق منا دفع الاضطراب الذي توهمه المؤلف، وسيأتي زيادة بيان.
(¬6) سبق أن ذكرنا أن الكراهة التي وردت في بعض الفتاوى والحواشي غير معتبرة كما صرح بذلك ابن عابدين والطحطاوي، فهي مخالفة لظاهر الرواية؛ ولذلك لا يوجد اختلاف حقيقي في المسألة بناءاً على أصل المذهب بأنه لا كراهة في بيع الأمرد ممن يعصي به.
فبعضهم: أدرجوه فيمن قامت به المعصية بعينه، فلم يجوِّزه.
وبعضهم: أخرجوه منه فجوَّزوه.
ووفق بينهما الشامي (¬1) بكراهة التحريم والتنْزيه كما مرَّ، وفيه ما فيه.
والثاني: اضطرابهما في تنقيح الضابطة في أمر الإعانة (¬2).
فالمستفاد من بعضِ كلماتهم أن مناطَ الأمر (¬3): هو القصد والنية فحيث قصد الإعانة على المعصية ونواها، كان محظوراً، وحيث لم يقصده كان مباحاً. كما هو مصرَّح في عبارة «الأشباه» و «المبسوط» و «البدائع» وغيره. ولكنه منقوضٌ بكثير من الجزئيات المذكورة على
¬
(¬1) سبق أن ذكرنا أن الذي وفق هو صاحب النهر (3: 268)، وابن عابدين الشامي نقل هذا التوفيق عنه.
(¬2) ما رأيته أن الكتب متفقة على تنقيح ضابطة الإعانة، وإنما تحتاج إلى إمعان نظر في فهمها لا غير، وسيأتي حقيقة ذلك بعد قليل.
(¬3) ما فهمه المؤلف هنا محض توهم لا حقيقة له، وقد سبق أن بينا أن عبارة «المبسوط» و «البدائع» لا تدل لا شيء من هذا بل على عكسه ما فهمه المؤلف، أما عبارة «الأشباه» فقد دفعنا هذا ظاهر عبارتها التي لا تحكي المذهب المعتمد بسبعة وجوه كل واحد منها يصلح لرد هذا الفهم.
ظاهرها، فإنّ بيعَ السلاح من أهل الفتنة مكروه قصدَ إعانتهم أم لا، وكذا إجارة البيت ممن صرّح بقصده أنه يتخذه بيت نار، أو يبيع فيه الخمر، فإنّه لا يجوز بعد هذا التصريح نوى الإعانة، أو لم ينو. كذا في (إجارة) «المبسوط» (ج 16 ص 38).
والمذكور في «الخلاصة» و «الدر المختار» و «رد المحتار» وغيره من الضابطة (¬1): هو أن ما قامت المعصية بعينه مكروه تحريماً، وما لم تقم بعينه فتنْزيهاً.
ثم اضطربت كلماتهم في تفسير هذه الضابطة (¬2):
¬
(¬1) هذه الضابطة غير مذكورة في «الخلاصة» ولم تفده عبارتها، وها هي عبارتها: رجلٌ أجرَ بيتاً ليتخذَ فيه بيت نار، أو بيعة، أو كنيسة، أو يباع فيه الخمر، فلا بأس به، وكذا كل موضع تعلقت المعصية بفعل فاعل مختار. انتهى
فكما يلاحظ لا يوجد فيها دلالة من قريب أو بعيد على هذه الضابطة، ولعله سبق قلم من المؤلف.
أما صاحب «الدر المختار» فقد نقل هذه العبارة عن «النهر الفائق» ونسبها إليه باختصار، فقام صاحب «رد المحتار» بنقلها كاملة عن «النهر» ليطلع عليها القارئ. ولذلك هي في الحقيقة محض اجتهاد من صاحب «النهر» لم أطلع أنه سبقه به أحد، ولم أر أنه أيده أحد فيها، سوى نقل صاحب «الدر المختار» لها. والله أعلم.
(¬2) لم أر اضطراباً في الكتب في تفسير هذه الضابطة الرئيسية، وهي: أن ما قامت المعصية بعينة مكروه، وما لم تقم بعينه فلا يكره.
وإنما الذي حصل هو تفسيرها بما تقضيه المسألة المذكورة فيها، على هيئة يمكن أن تفهم به المسألة، وإليك بيان ذلك في كل المسائل المذكورة في الباب:
ففي مسألة بيع ما يتخذ منه السلاح من أهل الفتنة، وما يتخذ منه المزامير، والعصير، والعنب، والكرم، والجارية ممن لا يستبرئها، أو يأتها من غير المأتى، والأمرد ممن يلوط به، والكبش النطوح، والديك المقاتل، والحمامة الطيارة، وإجارة بيت ممن يتخذه بيت نار، أو كنيسة، أو بيعة، أو يبيع فيه الخمر، وحمل الخمر، والعمل في كنسية أو تعميرها، ورعي الخنازير، صرحوا بعدم الكراهة، وتتفق علة ذلك بينهما؛ بأنها ليست مما تقوم المعصية بعينها؛ أي أن عينها ليست منكراً، فلا يمكن استخدامها إلا في الحرام، بل تستخدم فيما هو مباح، ولذلك كان المنكر في استخدامها المحظور، وهو فعل فاعل مختار، تنقطع النسبة بفعله عن البائع والمؤجر.
وعليه يكون تفسير ضابط: ما لم تقم المعصية به؛ عندهم: أي ليست عينه منكراً، ويتخلل بينه وبين فعله فعل فاعل مختار.
لكن اقتصرت بعض الكتب بتفسير هذا الضابط في بعض المسائل ببعض هذا التفسير؛ لكونه أظهر فيه من الباقي، أو لأن ذلك معروف ومسلم فيه فلا حاجة لذكره، أو لأنه ذكره في مسألة فلا حاجة إلى تكراره؛ لأنه علم أو غير ذلك.
وكذلك قولهم: ما تقم المعصية بعينه بل بعد تغير؛ يشتمل لما ذكرنا، من أنه ليست عينه منكراً، وأنه احتاج إلى فاعل مختار في ذلك فانقطع نسبته عن البائع، والله أعلم.
وفي مسألة بيع الخمر والمزامير صرحوا بالكراهة؛ وعلة ذلك؛ أنها مما تقوم المعصية بعينها: أي أن عينها منكرٌ، ولا تستخدم إلا في المنكر.
أما مسائل السلاح فقد سبق منا الكلام فيها، وأن فيها نص شرعياً، فخرج به عن القاعدة بعض الشيء.
فالمستفاد من كلام «الدر المختار» في (باب البغاة) و (الحظر والإباحة): أن المرادَ بما قامت المعصيةُ بعينه: هو العين الذي يستعمل في المعصية بدون تصرف وصنعة من العامل: كالسلاح. فما استعمل في المعصية بعد إحداث صنعة: كالحديد والعصير، خرج عنه.
وعلى هذا: فالأمرد والجارية المغنية والكبش النطوح والبيت وأمثالها (¬1) داخل في الأول (¬2).
وعصير العنب والحديد وأمثالها داخل في الثاني (¬3).
¬
(¬1) لكن صاحب «الدر المختار» لم يذكر الجارية المغنية والكبش النطوح في كتابه، وإنما ذكرهما ابن عابدين في حاشيته عليه (4: 268) وصرح بعدم الكراهة فيهما؛ لأنه لا تقوم المعصية بعينهما؛ أي لأن عينها ليست منكراً وإنما المنكر استعمالها المحظور. أما الأمرد فقد مر الكلام فيه والتعليق على ما ذكره صاحب «الدر المختار» فلا حاجة لإعادته، وأما البيت فقد صرح صاحب الدر المختار (6: 392) بأنه لا كراهة فيه.
وعليه فيكون معنى: هو العين الذي يستعمل في المعصية بدون تصرف وصنعة من العامل: أي ما تكون عينه منكراً، ولا يمكن استعمالها إلا في محظور كالخمر والمزامير. وبذلك يخرج ما أدخله المؤلف من الأمرد والجارية والكبش النطوح والبيت؛ لأن عينها ليست منكراً، وإنما المنكر استعمالها المحظور. والله أعلم.
(¬2) أي فيما قامت المعصية بعينه.
(¬3) أي فيما لم تقم المعصية بعينه بل بعد تغيره بإحداث صنعة فيه.
ولكن المستفاد من كلام «المبسوط» و «البدائع» والزَّيْلَعِيّ والعَيْنِيّ و «العناية» و «الكفاية» و «الخلاصة» و «المنح» و «رد المحتار»: هو أن المراد بما قامت المعصية بعينه: هو ما قامت المعصية بعين فعل المعين، من دون أن يتخلل بينه وبين فعله فاعل مختار، بحيث ينقطع نسبته عن المعين، سواء عمل المعصية بعين المحل الموجود، أو بعد إحداث صنعة فيه. وما تخلل فيه فاعل مختار لم تقم المعصية بعين فعله، بل بفعل ذلك الفاعل، سواء ارتكب المعصية بالعين الموجود أو بعد إحداث صنعةٍ فيه (¬1).
فسائر الجزئيات المذكورة حينئذٍ داخلةٌ في القسم الثاني.
والعلامة الشامي لما اختارَ كلامَ الزَّيْلَعِيّ وغيرَه في تفسير الضابطة، ورأى الجزئيات المذكورة كلها في القسم الأول أشكل عليه فقال: نعم على هذا التعليل الذي ذكره الزَّيْلَعِيّ يشكل الفرق بين ما تقوم المعصية
¬
(¬1) لكن جميع من ذكرهم صرحوا بأن ما لم تقم المعصية بعينه بل بعد تغيره، وهي تفيد أن عينه ليس منكراً، وتخلل فعل فاعل مختار، وصرحوا أيضاً: بأن عينها ليست منكراً، وإنما المنكر في استعمالها المحظور. وغير ذلك من العبارات التي تنفي ما حكاه المؤلف عنهم فحسب، إذ صرحوا بما قال وبغيره مما ذكرت، وهذا يدل على أن كلام المؤلف هنا ليس بدقيق حتى يعتمد ويبنى عليه، ومن ثم كان استنتاجه عليه مخالف للصواب؛ إذ أنه ادعى بأنه صرحوا بذلك، وعليه تدخل جميع الجزئيات، ومن تلك الجزئيات كما معروف بيع الخمر والمزامير، ولم يصرح أحدٌ بجوازها.
بعينه وبين ما لا تقوم بعينه، فإن المعصيةَ في السلاح والمُكَعَّب المُفَضَّض إنَّما هي بفعل الشاري، فليتأمل في وجه الفرق، فإنّه لم يظهرْ لي ولم أر مَن نبَّه عليه (¬1).اهـ. (فصل البيع) من (حظر) «رد المحتار».
قال العبد الضعيف (¬2): والذي ظهر لي بفضل الله وكرمه في الفرق بينهما هو أن ما قامت المعصية بعينه: هو ما كانت المعصية في نفس فعل المعين بحيث لا تنقطع عنه نسبتها بفعل ذلك الفاعل المختار (¬3)، وذلك بثلاث وجوه:
الأول: أن يقصدَ الإعانةَ على المعصية، فإن مَن باعَ العصيرَ بقصد أن يتخذَ منه الخمر أو أمرد بقصد أن يفسقَ به، كان عاصياً في نفس هذا البيع بهذه النية والقصد، وكذا مَن أجَّرَ بيتاً بقصد أن يباعَ فيه الخمرُ
¬
(¬1) الإشكال الذي بدا لابن عابدين إنما هو مسألة السلاح والمكعب المفضض فحسب، وقد سبق منا ذكره توجيه وصرفه بما لا يدع وجه للشك.
(¬2) أي مؤلف الرسالة.
(¬3) منشأ ما ظهر لمؤلف الرسالة من الخلط أمران:
الأول: أن أقحم القصد والنية في المسألة مع أن جميع الكتب متفقة على إخراجها، مما جعله يتقول بعض النصوص ما لم تقل، كما مر بيانه.
والثاني: أن تعامل مع مذهب أبي حنيفة والصاحبين على أنهما واحد، وهما في هذا المسألة اثنان، فما كان يقوله يمكن أن ينطبق على مذهب الصاحبين، لكنه لا يمكن أن ينطبق على مذهب الإمام.
فقامت المعصية بعين هذه الإجارة مع قطع النظر عن فعل فاعل مختار؛ لاقتران هذه النيّة. كما مرّ مُصَرَّحاً (¬1) في «الأشباه»، و (حظر) «رد المحتار».
والثاني: بتصريح المعصية في صلب العقد: كمَن قال: بعني هذا العصير؛ لأتخذه خمراً، فقال: بعته. أو أجر لي بيتَك؛ لأبيع فيه الخمر، فقال: أجرته. فإنّه بهذا التصريح تضمَّن نفس العقد معصيةً مع قطع النظر عمَّا يحدث بعد ذلك من اتخاذه خمراً وبيع الخمر فيه، وذلك لما في (إجارات) «المبسوط» للسَّرَخسيّ: وإذا استأجر الذمي من المسلم بيتاً؛ ليبيع فيه الخمر لم يجز؛ لأنه معصيةٌ فلا ينعقد العقد عليه، ولا أجر له عندهما، وعند أبي حنيفة رحمه الله: يجوز، والشافعي يجوِّز هذا العقد؛ لأن العقدَ يردُ على منفعةِ البيتِ ولا يتعيَّن عليه بيعُ الخمر، فله أن يبيعَ فيه شيئاً آخر يجوِّز العقد لهذا، ولكنا نقول تصريحهما بالمقصود لا يجوِّز اعتبار معنى آخر فيه، وما صرحا به معصية. اهـ. «مبسوط» (ج 16: ص 38).
قلت (¬2): وقول أبي حنيفة له الأجر؛ لا يستلزم أيضاً جواز هذا الفعل بمعنى رفع الإثم، بل ظاهر اللفظ بمعنى تصحيح العقد فقط. كما صرَّح به في عبارة «الأصل»: فجاز (¬3).
¬
(¬1) سبق منا رد التصريح في هذه الكتب، فتنبه.
(¬2) القائل هو مؤلف الرسالة.
(¬3) كما تلاحظ فإن عدم الجواز هو رأي الصاحبين، وأبو حنيفة قال: يجوز. وهو صريح في نفي ما حمله عليه المؤلف، أما تأويل قول أبي حنيفة بأن لا يعني رفع الإثم، بل هو تصحيح للعقد فحسب واستدل بما في «الأصل»، وقد مرَّ معنا عند ذكر عبارة «الأصل» أنه لا تفيد ما يقول أبداً، بل فيها وفي عبارة «الجامع الصغير» أنه يطيب له الأجر، ولا كراهة في ذلك، وجميع كتب الحنفية متفقة على التصريح بعدم الكراهة عند أبي حنيفة.
والثالث: بيعُ أشياء ليس لها مصرف إلا في المعصية، فيتمحضُ بيعها وإجارتها وإن لم يصرَّح بها (¬1).
ففي جميع هذه الصور قامت المعصية بعين هذا العقد، والعاقدان كلاهما آثمان بنفس العقد (¬2)، سواء استعمل بعد ذلك في المعصية أم لا، سواء استعملها على هذه الحالة أو بعد إحداث صنعة فيه، فإن استعملَها في المعصية كان ذلك إثماً آخر على الفاعل خاصّة.
ولك أن ترجعَ الوجوه الثلاثة إلى وجه واحد: وهو القصد والنية (¬3).
فإن القصدَ في الوجه الأول موجودٌ صراحة.
¬
(¬1) وهذا صحيح منه إن كان عينها منكراً، كما في بيع الخمر والمزامير.
(¬2) لو كان كلامه هنا صحيحاً ما فائدة ذكر الكتب عند ذكر تلك المسائل: أنها لا تكره، والتصريح بالجواز، وأنه يطيب الأجر إلا العبث وزيادة الكلام الذي لا طائل تحته.
(¬3) وهذا يؤكد ما سبق أن قلته من منشأ الخلط عند المؤلف نشأ من إقحام القصد والنية مع الكتب لم تصرح بذلك، مما يجعل مدار كل المسائل على ما أقحمه. والله أعلم.
وفي الثاني والثالث: حكماً ومعنىً، كما قد عرفت: أن التصريح باللفظ يقوم مقام النيّة شرعاً في عامة المعاملات من النكاح والطلاق والعتاق والبيوع وأمثالها، فإذا صرَّحَ لفظاً كان كمَن نوى قصداً، وكذلك المحلّ إذا تخصَّصَ لفعل المعصية، قامَ تداوله مقامَ قصد المعصية حكماً، وعلى هذا اتفقت كلماتُ القوم كلُّها، فإن مَن قال: إن المدار على قيام المعصية بعينه أو بغيره، رَجَعَ قولُه إلى مَن قال: إن المدار على القصد والنيّة (¬1) كما قد عرفت ولله الحمد.
فهذا تصويرُ ما قامت المعصية بعينه، وما ليس كذلك لم تقم المعصية بعين فعل المعين، وسائر الجزئيات المذكورة من: بيع العصير، والأمرد، والجارية المغنية، والكبش النطوح، والحمامة الطيّارة، وإجارة البيت لبيع الخمر، أو اتخاذه بيت نار، أو كنيسة، وإجارة نفسه، أو دابته لحمل الخمر، وأمثاله، ومثله بيع الأسلحة من أهل الفتنة كلُّها داخلة في هذا القسم
¬
(¬1) لو كان كلامه صحيحاً لم يكن هناك فائدة مما صرّح به الفقهاء عند ذكر المسائل السابقة: ممن يعلم أنه يتخذه خمراً، أو كذا، أو كذا. ففي كل منها علم عند البائع أو المؤجر فعل المعصية من المشتري أو المستأجر، مع ذلك اتفقوا على إطلاق عدم الكراهة، أما في حالة عدم العلم لا تكون هناك كراهة لا عند الإمام ولا عند الصاحبين.
أعني ما لم تقم المعصية بعينه بشرط أن لا ينوي بها معصية، ولا يصرِّح بها في العقد، ولا يتمحضُ استعمالها في المعصية كما قلنا (¬1).
وعلى هذا فخرجت هذه الجزئيات كلها من باب الإعانة على المعصية حقيقة، ومن ثم أطلقَ الفقهاءُ رحمهم الله تعالى فيها لفظ الجواز (¬2) ـ بمعنى صحة العقد ـ مع كون الإعانة على المعصية حراماً بنصِّ القرآن (¬3).
¬
(¬1) لكن هذه المسائل مذكورة في الكتب الفقهية ومصرحاً فيها بالعلم والقصد لدى المشتري والمؤجر ومع ذلك أدخلوها في قسم ما تقم المعصية بعينه، ولم يشترطوا هذا الشرط الذي شرطه المؤلف.
(¬2) نعم خرجت من باب الإعانة على المعصية بأن لم تقم المعصية بعينها على رأي أبي حنيفة؛ ولذلك أطلق عليها الفقهاء الجواز ونفوا عنها الكراهة؛ لا بما شرطت.
(¬3) المذكور في القرآن: هو قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] وقوله: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 3]، وهما كما ترى ليست دلالتهما قطعية؛ لإفادة التحريم؛ لذلك صرح فقهاء الحنفية فيه بالكراهة، أما تحديد ضابط الإعانة المعصية الذي فيه هذه الكراهة، فقد حُدِد عند أبي حنيفة: بما قامت المعصية بعينه، وقد سبقه الكلام في شرحه.
وقد يظهر للناظر لأول وهلة في تحديد هذا الضابط في إعانة على المعصية عند الإمام نوع بشاعة وبعد، وهذا من الناحية النظرية. وأما من يعمق النظر ويدقق الفكر ويسبر المسائل يجد فقاهة إمامنا الأعظم في ذلك، إذ لو فسرت الإعانة على المعصية بغير ما يقول به؛ لوقع الناس في حرج عظيم جداً في معاشهم وعياتهم، إذ أغلب حياة الناس وأرزاقهم موصلة إلى الإعانة إلى الحرام بطريق أو أخرى؛ ولذلك احتيج لضابط يفرق بين الإعانة وغيرها في ذلك، وهذا ما فعله الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه.
لكن هناك معنى آخر يقارب معنى الإعانة وهو التسبب، وهو أيضاً لا يخلو عن حرمة وكراهة إذا كان سبباً للمعصية، كما سيأتي تصريحُه من «شرح السير».
بيان معنى التسبب وأقسامه وأحكامه
وتفصيله على ما أدَّى إليه نظري والله الموفق والمعين أن الإنسانَ إذا صار سبباً لخيرٍ أو شرٍّ يحتسب له تدلُّ عليه نصوصُ القرآن والسنّة؛ لقوله تعالى {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} (¬1) وقال تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} (¬2) على تفسير مَن قال: إن الآثارَ هي ثمراتُ الأعمالِ المترتِّبة عليها بعد الأعمال (¬3) الجارية إلى ما شاء الله: كالصدقات الجارية.
¬
(¬1) من سورة النساء، الآية (85).
(¬2) من سورة يّس، الآية (12).
(¬3) في الأصل: العمل، وما أثبته متوافق مع سياق الكلام.
وقال صلى الله عليه وسلم: (مَن سنَّ سنةً حسنةً كان له أجرُ مَن عَمِلَ بها) أو كما قال عليه السلام (¬1).
وقال تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} (¬2) فنهى اللهُ سبحانه عن سبِّ الآلهة الباطلةِ حذراً أن يكون سبباً لسبِّ الإله الحقِّ جلَّ وعلا شأنه.
وقال الله تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} (¬3).
ولها أمثال في الكتاب والسنة.
فالتسبب للخير يفيدُ الثواب نوى أو لم ينو، كما ورد في الحديث لغارس الشجر إن له أجراً بكل طائر أخذ من ثمره شيئاً وبكل من استظل بظله (¬4)، وظاهرٌ أن الغارس لم ينو أن يأكل منها الطائر، وكذلك
¬
(¬1) في صحيح مسلم (4: 2059)، وصحيح ابن خزيمة (4: 112)، وغيرهما: قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بها بعدهُ كُتِبَ له مثلُ أجرِ مَن عَمِلَ بها ولا يَنْقُصُ من أُجورهم شيء).
(¬2) من سورة الأنعام، الآية (108).
(¬3) من سورة الأحزاب، الآية (32).
(¬4) الحديث عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة) في صحيح مسلم (2: 1188)، واللفظ له، وصحيح البخاري (2: 817)، وغيرهما.
مَن كان سبباً لشر كان عليه وزر ذلك نوى أو لم ينو، فعلم أن كون المرء سبباً لخير أو شر يحتسب له أو عليه ولا يشترط فيه النيّة (¬1).
أقسام السبب وأحكامه:
ثم السبب على قسمين:
1. قريب.
2. وبعيد.
ثم القريب على قسمين:
سبب محرك للمعصية؛ بحيث لولاه لما أقدم الفاعل على هذه المعصية: كسبّ آلهة الكفّار بحيث يكون سبباً مفضياً؛ لسبّ الله سبحانه
¬
(¬1) وهذا الكلام من المؤلف في غاية العجب والغرابة، بل هو قياس مع الفارق الكبير، بأن ساوى بين الخير والشرّ في وجود النية وعدمها، وقد فرق بينهما الله تعالى كما في الحديث القدسي عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة) في صحيح مسلم (1: 117)، وصحيح ابن حبان (2: 104)، وغيرهما. فكم يصدر من الإنسان أفعال بلا قصد منه، تعود بالشر عليه أو على من حوله، فلو أنه احتسب عليه بها الوزر والإثم، لما نجى إنسان. فسبحان من هو أرحم بعباده من عباده.
وتعالى، ومثله: نهي أمهات المؤمنين عن الخضوع في الكلام للأجانب، ونهي النِّساء عن ضرب أرجلهن؛ لكون ذلك الخضوع وضرب الأرجل سبباً جالباً للمعصية، وإن خلا عن نيّة المعصية (¬1)، كما هو ظاهر عن شأن أمهات المؤمنين ونساء المؤمنين (¬2).
وسبب ليس كذلك، ولكنه يعين لمريد المعصية ويوصله إلى ما كان يهواه: كإحضار الخمر لمن يريد شربه، وإعطاء السيف بيد مَن يريد قتلاً بغير حقّ، ومثلها سائر الجزئيات المذكورة سابقاً، فإنها ليست أسباباً محركةً وباعثةً على المعصية، بل أسباب تعين لباغي الشرِّ على شرِّه.
فهذه ثلاثة أقسام للسبب:
1. قريب محرك.
2. وقريب موصل غير محرك.
¬
(¬1) لكن فيه أن كلاً من الخضوع وضرب الأرجل صار محرماً؛ لأنه منهي عنه في القرآن، لا لأنه يفضي إلى جلب معصية، فهو معصية في ذاته؛ ولذلك اقحمام المؤلف للنية هنا مما لا ينبغي.
(¬2) قال ابن عاشور في التحرير والتنوير (22: 8) في تفسير: {ولا تخضعن بالقول ... } فرع على تفضيلهن وترفيع قدرهن إرشادُهُن إلى دقائق من الأخلاق قد تقع الغقلة عن مراعاتها لخفاء الشعور بآثارها؛ ولأنها ذرائع خفية نادرة تفضي إلى ما لا يليق بحرمتهن في نفوس بعض ممن اشتملت عليه الأمة، وفيها منافقون.
3. وبعيد.
فالقسم الأول: من السبب القريب حرامٌ بنصِّ القرآن، قال تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} (أنعام) (¬1). روى ابن جرير (¬2) عن ابن عباس رضي الله عنه، قالوا: (يا محمد لتنتهينَّ عن سبِّك آلهتنا أو لنهجونّ ربّك، فنهاهم الله تعالى أن يسبّوا أوثانهم) (¬3).
¬
(¬1) من سورة الأنعام، الآية (108).
(¬2) وهو محمد بن جرير بن يزيد الطَّبَرِيّ، أبو جعفر، قال ابن خزيمة: ما أعلم أحداً على وجه الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة. قال ابن الشحنة: كان من المجتهدين، من مؤلفاته: «التاريخ»، و «جامع البيان في تفسير القرآن»، و «اختلاف الفقهاء»، (224 - 310 هـ)، ينظر: الوفيات (4: 191 - 192)، روض المناظر (ص 168 - 169)، الأعلام (6: 294).
(¬3) في تفسير ابن جرير الطبري (7: 309). قال ابن عاشور في التحرير والتنوير (7: 428): روى الطري عن قتادة، قال: كان المسلمون يسبون أوثان الكفار فيردون ذلك عليهم فنهاهم الله أن يستسبوا لربهم. وهذا أصح ما روي في سب نزول هذه الآية، وأوفقه بنظم الآية، أما ما روى الطبري عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه لما نزل قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصبن جهنم}، قال المشركون: لئن لم تنته عن سبّ آلهتنا وشتهما لنهجون إلهك. فنزلت هذه الآية في ذلك، هو ضعيف؛ لان علي بن أبي طلحة ضعيف، وله منكرات ولم يلق ابن عباس. ومن البعيد أن يكون ذلك المراد من النهي في ذه الآية؛ لأن ذلك وقاع في القرآن فلا يناسب أن ينهى عنه بلفظ: {ولا تسبوا}، وكان أن يقال: ولا تجهروا بسبّ الذي يدعون من دون الله الله مثلاً
ولا يشكل عليه قوله تعالى {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} (¬1)، وأمثالها من الآيات التي يتضمن على تنقص آلهتهم، فإن السبَّ ذكر المساوئ؛ لمجرد التحقير والإهانة، وما في هذه الآيات إنّما ورد للاستدلال على عدم صلوحها للألوهية والمعبودية، وبينهما بون بعيد، نعم يدخل فيه تلاوة أمثال هذه الآيات خاصّة في وجود الكفار على قصد السب والإغاظة، فإنّها ممنوعة أيضاً، كما في «روح المعاني» (¬2).
وفيه أنه يستدل بهذه الآية على أن الطاعةَ إذا أدت إلى معصية راجحة وجبَ تركها، فإن ما يؤدّي إلى الشرِّ شرّ. «روح» (¬3) ملخصاً.
ويؤيدُه حديثُ (¬4) قيسِ بن سعد أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن أكبرَ الكبائر أن يشتمَ الرجلُ والديه، قال: وكيف
¬
(¬1) من سورة الأنبياء، الآية (98).
(¬2) تفسير روح المعاني (7: 252).
(¬3) روح المعاني (7: 252).
(¬4) لكن فيه أنا نهينا عن السب في أحاديث كثيرة منها: (سباب المسلم فسوق) في صحيح البخاري (5: 2247)؛ ولذلك كان السبب في ذاته معصية سواء كان فيه سب الوالدين أم غيرهما.
يشتمهما يا رسول الله، قال: يشتم أبا الرجل) (¬1)، رواه الطَّبَرانِيّ (¬2)، ورجاله رجال الصحيح غير طاهر بن خالد، وهو ثقة وفيه لين. «مجمع الزوائد» (ج 8: ص 73).
ومثله قوله تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً} (أحزاب) (¬3)، فإن الخضوعَ بالقول سببٌ محرك (¬4) للفتنة، بحيث لو كفَّ عنه، كفَّ عن الابتلاء بها، فنهى الله سبحانه وتعالى عنه، وجعله معصيةً؛ لهذا السبب.
ومثله قوله تعالى: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} الآية (¬5)، فإن تبرج النساء للرجال سببٌ محركٌ للفتنة والمعصية، وإن كنّ بمعزل عن قصدِها ونيَّتِها، فالخضوعُ بالقول والتبرج للرجال إن كان بقصد الفتنة،
¬
(¬1) الحديث في صحيح مسلم (1: 62)، والمسند المستخرج (1: 166)، وسنن الترمذي (4: 312)، ومسند أحمد (2: 162)، المعجم الكبير (18: 353)، وغيرها.
(¬2) وهو سليمانُ بنُ أحمدَ بنِ أَيُّوبٍ اللَّخْمِيّ الطَّبَرَانِيّ، أَبو القَاسِم، قال الذهبي: مسند العصر، واسع الحفظ بصيراً بالعلل والرجال والأبواب، من مؤلفاته: «المعجم الكبير»، و «المعجم الأوسط»، و «المعجم الصغير»، (260 - 360 هـ). ينظر: العِبَر (3: 315 - 316). مرآة الجنان (3: 372).
(¬3) من سورة الأحزاب، الآية (32).
(¬4) في الأصل: محركة، والمثبت متناسق مع السياق.
(¬5) من سورة الأحزاب، الآية (33).
فهو معصيةٌ بنفسها، وإن عرى عن النية، فهو معصية بنفسها، وإن عرى عن النيّة، فهو معصية؛ لكونها سبباً محركاً للفتنة (¬1).
فالسبُّ لآلهة الكفّار والخضوع بالقول من النساء والتبرج للرجال كلُّها سببٌ قريب للمعصيةِ ومحركٌ عليها، فكان حراماً بنصِّ القرآن، وجعله في الحديث المذكور أكبر الكبائر.
والقسم الثاني من السبب القريب: أعني ما لم يكن محرّكاً وباعثاً، بل موصلاً محضاً فحرمته وإن لم تكن منصوصة، ولكنه داخلٌ فيه باشتراك العلّة، وهي الإفضاء إلى الشر والمعصية؛ ولهذا أطلق الفقهاء رحمهم الله عليها لفظ: كراهة التحريم؛ لا الحرمة، كما في سائر الجزئيات المذكورة سابقاً، فإنّهم قالوا: إنّها تكره كراهة التحريم. كما صرِّح به في «الخانية» جزماً (¬2)، واختارَه كثيرٌ من أرباب الفتوى.
¬
(¬1) فيه أنه صار معصية لكونه ورد النهي عنه في الشرع؛ ولذلك لم يعد يلتفت فيه إلى النية. والله أعلم.
(¬2) ما رأيته أن الذي صرَّح بالكراهة التحريمية في بيع السلاح من أهل الفتنة هو ابن نجيم في البحر الرائق (5: 154 - 155)، والحصكفي في الدر المختار (4: 268)، وتابعهم ابن عابدين في رد المحتار (4: 268)، والخادمي في حاشيته على الدرر (149).
أما قاضي خان فصرح في الخانية بكراهية بيع الأمرد ممن يلوط فيه. ووافقه البعض. ولكن سبق منا أن بينا أن هذا خلاف المعتمد والمعتبر، وأنه ليس على أصل الإمام، وإنما على أصل الصاحبين.
ومن أطلقَ عليه لفظ الجواز، فيحملُ على جواز العقد بمعنى الصحّة دون رفع الإثم، كما هو معهودٌ عند فقهائنا في مواضع لا تحصى، كما يشير إليه كلام «البدائع» و «مبسوط السرخسي» معزياً «للأصل» (¬1).
ومن هذا القبيل بيع الأسلحة لأهل الفتنة وأهل الحرب، فإنه سبب قريب وصورة إعانة المعصية بحيث لا يحتاج فيها إلى إحداث صنعة، بل تستعمل في المعصية بعينها وبحالتها الموجودة (¬2)، وقد صرَّحَ به في «السير الكبير» حيث قال: فإن اشتروا دوراً؛ للسكنى، فأرادوا أن يتخذوا داراً منها كنيسة أو بيعة أو بيت نار يجتمعون فيه؛ لصلواتهم، منعوا من ذلك، ولا ينبغي لأحد من المسلمين أن يؤاجرهم بيتاً لشيء من ذلك؛ لما فيه صورة الإعانة إلى ما يرجع إلى الاستخفاف بالمسلمين، فإن أجرَهم فأظهروا شيئاً من ذلك في تلك الدار، منعهم صاحبُ البيت وغيرُه من ذلك، على سبيل النهي عن المنكر، وهو في ذلك كغيره ولا يفسخ عقد الإجارة بهذا، بمنزلة ما لو أجرَ بيتَه من مسلمٍ فكان يجمعُ الناسَ فيه على
¬
(¬1) سبق أن ذكرنا هذا الكلام من الإمام غير دقيق، وأن كلام «البدائع» و «المبسوط» لا يدل على شيء مما يقول البتة، وقد صرح في المسائل بعدم الكراهة وطيب الأجر.
(¬2) سبق أن ذكرنا أن مسألة السلاح استثنيت بعض الشيء من القاعدة؛ لما ورد فيها من نصوص شرعية، فكانت خلاف القياس.
الشراب أو يبيع المسكر فيه، فإنّه يمنعه من ذلك على سبيل النهي عن المنكر، ولا تفسخ الإجارة لأجله. «متن سير كبير من شرح السَّرَخسي» (¬1) له (ج 3: ص 255).
¬
(¬1) المسألة في شرح السير الكبير (4: 1536 - 1537) كالآتي: ولو ظهر الإمام على قوم من أهل الحرب، وعلى أرضهم، فرأى أن يجعلهم ذمة كما فعلَه عمر رضي الله عنه بأهل سواد الكوفة فهو جائز مستقيم ... ثم لا يمنعون بعد ذلك من بناء بيعة: أو كنيسة ولا من إظهار بيع الخمور والخنازير في قراهم وأمصارهم؛ لأن المنع من ذلك مختصٌّ بأمصار المسلمين التي تقام فيها الحدود والجمع، ... فإن مصَّر الإمامُ في أراضيهم مصراً للمسلمين، كما مصر عمر رضي الله عنه البصرة والكوفة، فاشترى بها أهل الذمة دوراً وسكنوا مع المسلمين لم يمنعوا من ذلك ـ أي السكنى ـ؛ لأنا إنما قبلنا منهم عقد الذمة ليقفوا على محاسن الدين، فعسى أن يؤمنوا واختلاطهم بالمسلمين في السكنى معهم يحقِّق هذا المعنى ... فإن اشتروا دورا للسكنى فأرادوا أن يتخذوا داراً منها كنيسة أو بيعة أو بيت نار يجتمعون فيها لصلاتهم منعوا من ذلك؛ لما في إحداث ذلك من صورة المعارضة للمسلمين في بناء المساجد للجماعات، وفيه ازدراء بالدين واستخفاف بالمسلمين. وكذلك يمنعون من إظهار بيع الخمور والخنازير ونكاح ذوات المحارم في هذا المصر؛ لأن في هذا الإظهار معنى الاستخفاف بالمسلمين، ومقصودهم يحصل بدون الإظهار. ولا ينبغي لأحد من المسلمين أن يؤاجرهم بيتاً لشيء من ذلك؛ لما فيه من صورة الإعانة إلى ما يرجع إلى الاستخفاف بالمسلمين، فإن آجرهم فأظهروا شيئاً من ذلك في تلك الدار منعهم صاحب البيت وغيره من ذلك، على سبيل النهي عن المنكر، وهو في ذلك كغيره، ولا يفسخ عقد الإجارة بهذا، بمنزلة ما لو أجر بيته من مسلم فكان يجمع الناس فيه على الشراب أو يبيع المسكر فيه، فإنه يمنعه من ذلك على سبيل النهي عن المنكر ولا تفسخ الإجارة لأجله؛ لأن المنع من هذا ليس لمعنى يتصل بعقد الإجارة.
فالملاحظ أن المسألة مذكورة في معرض بيان أحكام أهل الذمة الذين مصَّر الإمام في أراضيهم مصراً للمسلمين، فإنهم يمنعون فيه من شراء دوراً ليتخذوها كنيسة أو بيعة أو لبيع الخمور، ويمنعون من إظهار بيع الخمور ونكاح المحارم، ولا ينبغي لأحد من المسلمين أن يؤجرهم لفعل ذلك؛ وكل من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لما فيه من الاستخفاف في الدين.
وأيضاً: لا يحقّ لهذا المؤجر أن يفسخ عقد الإيجار بسبب هذه المعاصي؛ لأن المنع من هذه المعاصي ليس لمعنى يتصل بعقد الإجارة، وإنما من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى كلِّ فإن المسألة هذه هنا مذكورة على رأي محمّد، لا علي رأي أبي حنيفة الذي لا يقول بذلك كما صرحت به عبارة «الأصل» و «الجامع الصغير» من كتب ظاهر الرواية، وكل كتب متون وكتب المذهب، فلا وجه للاستناد بهذا النقل بشيء، وإنما محل النِّزاع فيما مع المؤلف الفاضل هو في تحرير رأي أبي حنيفة ورأي المذهب المعتمد.
فهذا كلام الإمام محمد رحمه الله أفادَ أن إجارةَ البيت من الذي يعلم (¬1) بعد العلم بأنه يريد اتخاذه كنيسة ليست من الإعانة (¬2)؛ لأن المعصيةَ
¬
(¬1) ساقطة من الأصل، ويقتضي السياق وجود كلمة، فلعلها ما أثبت.
(¬2) بل العكس صرح الإمام محمد بأنه لا ينبعي لما فيه من صورة إعانة.
لم تقم بفعل المؤجِّر، ولكنّه سبب قريب وصورة إعانة للمعصية، فيكره لأجله، فظهر به تفسير قيام المعصية بالعين ما هو، كما بيَّنا (¬1).
وأيضاً: أفادَ كلامه جواز الإجارة إذا لم يعلم بقصده، وهذا هو التوفيق الحسن بين كلام المانعين كقاضي خان والمجوزين كالزَّيْلَعِيّ وغيره بأن المنعَ عند العلم والجوازَ عند عدمه (¬2).
وأما السبب البعيد؛ كبيع الحديد من أهل الفتنة، وبيع العنب ممن يتخذه خمراً، وبيع الآجر والحطب ممن يتخذها كنيسة، أو بيعة، وكذا
¬
(¬1) لم أر فيه أي بيان لتفسير قيام المعصية بالعين، وإنما كل ما فيه هو بيان مذهب الصاحبين من كراهة تأجير العين لمن سيتخذها للمعصية، وقد نصت عليه كثير من كتب المذهب، فلا جديد في هذا النقل.
(¬2) في عبارته هنا مؤخذتان، منها:
الأول: أن قاضي خان ليس من المانعين، إلا ما ورد عنه في مسألة بيع الأمرد، التي نقل فيها رأي الصاحبين.
الثاني: أن حمل المنع عند العلم والجواز عند عدمه، لم يجرأ على التوفيق به إلا المؤلف؛ لأن عبارات كتب المذهب صريحة في الجواز مع العلم، أما عند العلم فيرتفع النِّزاع بين الإمام والصاحبين في الجواز.
إجارة الدابة لمن يريد سفر معصية، وأمثالها (¬1)، إذا علم فتكره تنزيهاً، كما يستفادُ من كلام «الدر» (باب البغاة) معزياً «للنهر» وغيره.
وفي «شرح السير الكبير»: ولا بأس بأن يبيعَ المسلمونَ من المشركين ما بدا لهم من الطعام والثياب وغير ذلك إلا السلاح والكراع والسبي، سواء دخلوا إليهم بأمان، أو بغير أمان؛ لأنهم يتقوون بذلك على قتال المسلمين، ولا يحلّ للمسلمين اكتساب سبب تقويتهم على قتال المسلمين، وهذا المعنى لا يوجد في سائر الأمتعة. «شرح السير» (ج 3: ص 25).
وفيه أيضاً: ولو أصاب المستأمن معدن حديد في دار الحرب، فإنه يكره له أن يعمل فيه ويستخرج منه الحديد إذا كان يؤخذ منه بثمن أو بغير ثمن؛ لأن الحديد أصل السلاح، فالحكم فيه كالحكم في عمل السلاح. «شرح سير» (ج 3: ص 218).
ففي ظاهر هذين الكلامين تدافع في أمر الحديد، فإن الأول يجوز بيع الحديد، والثاني يكرهه (¬2).
¬
(¬1) لم أر وجهاً للتفريق بين المسائل التي ذكرها المؤلف في السبب القريب غير المحرك للمعصية وبين السبب البعيد، فكلها في القرب والبعد من المعصية على سواء، وكذلك كتب المذهب لم تفرق بينها في الكراهة وعدمها، أو في الكراهة التحريمية والكراهة التنزيهية، ولا أظن هذا التفريق إلا في ذهن المؤلف، لا في الواقع.
(¬2) لا يوجد أي تدافع في النقلين في أمر الحديد، وإنما هو محض توهم؛ إذ إن العلماء فرَّقوا فيما يدخل إلى دار الحرب بين ما يمكن أن يستخدم للسلاح وبين غيره، فكرهوا كل ما يستفاد منه في السلاح، وأجازوا غيره من الطعام واللباس وغير ذلك للحديث الوارد فيه، كما هو مذكور في «خلاصة الكلام»، ولكن لعدم تفريق المؤلف بين المسألتين وقع في الخلط فتوهم التدافع، وفي نفس شرح السير الكبير (4: 1409 - 1410) صرح بكراهية بيع الحديد، فقال: وكذلك الحديد الذي يصنع منه السلاح ـ أي يكره ـ؛ لأنه مخلوق لذلك في الأصل في قوله تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} والمصنوع منه وغير المصنوع في كراهية الحمل إليهم سواء، وهذا لأن الحديد أصل السلاح، والحكم الثابت فيما يحصل من أصل يكون ثابتاً في الأصل، وإن لم يوجد فيه ذلك المعنى.
قلت: التوفيق بينهما يمكن بحمل الكراهة في الحديد على التنْزيه، ويجوز تعبيره بالجواز (¬1)، وروايات الحديث في الاحتياط والاجتناب عن الأسباب البعيدة للمعاصي أيضاً غير قليل، كما لا يخفى على المتبصر.
فتنقيح الضابطة في هذا الباب (¬2) على ما مَنَّ به عليَّ ربِّي:
¬
(¬1) ظاهر الرواية في المذهب لم تفرق في الكراهة بين بيع السلاح والحديد من أهل الحرب، كما نص على ذلك الحاكم ونقله عنه ابن الهمام في فتح القدير (5: 461)، وكما صرح به صاحب التبيين (3: 297)، والشرنبلالية (1: 306)، والدر المختار (4: 268)، وعليه كان توفيق المؤلف لما في ذهنه، لا لاختلاف حقيقي موجود في الواقع.
(¬2) سبق منا أن نقضنا كل الأسس التي بنا عليها هذه الضابطة، وأنها لا تتوافق مع ما جاء في المذهب، فهي فاسدة في التعبير عنه، وما بني على الفاسد فهو فاسد، ولا حاجة لإعادة ما سبق هنا.
أن الإعانة على المعصية حرامٌ مطلقاً بنصِّ القرآن أعني قوله تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (¬1)، وقوله تعالى {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} (¬2)، ولكن الإعانة حقيقة هي ما قامت المعصية بعين فعل المعين، ولا يتحقق إلا بنيّة الإعانة، أو التصريح بها، أو تعينها في استعمال هذا الشيء، بحيث لا يحتمل غير المعصية، وما لم تقم المعصية بعينه لم يكن من الإعانة حقيقة، بل من التسبب، ومَن أطلق عليه لفظ الإعانة فقد تَجَوَّزَ؛ لكونه صورة إعانة. كما مرَّ من «السير الكبير».
ثمّ السببُ إن كان سبباً محرّكاً وداعياً إلى المعصية، فالتسبب فيه حرام: كالإعانة على المعصية بنصّ القرآن: كقوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} (¬3)، وقوله تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} (¬4)، وقوله تعالى: {وَلا تَبَرَّجْنَ} الآية (¬5)، وإن لم يكن محرِّكاً وداعياً بل موصلاً محضاً، وهو مع ذلك سبب قريبٌ بحيث لا يحتاج في إقامة المعصية به إلى إحداث صنعة من الفاعل: كبيع السلاح من أهل الفتنة، وبيع العصير ممن يتخذه خمراً، وبيع الأمرد ممن يعصي به، وإجارة البيت ممن يبيع فيه
¬
(¬1) من سورة المائدة، الآية (2).
(¬2) من سورة القصص، الآية (17).
(¬3) من سورة الأنعام، الآية (108).
(¬4) من سورة الأحزاب، الآية (32).
(¬5) من سورة الأحزاب، الآية (33).
الخمر، أو يتخذها كنيسة، أو بيت نار وأمثالها، فكلُّه مكروه تحريماً بشرط أن يعلمَ به البائعُ والآجر من دون تصريح به باللسان، فإنّه إن لم يعلم كان معذوراً، وإن علم وصرّح كان داخلاً في الإعانة المحرمة.
وإن كان سبباً بعيداً بحيث لا يفضي إلى المعصية على حالته الموجودة، بل يحتاج إلى إحداث صنعة فيه: كبيع الحديد من أهل الفتنة وأمثالها فتكره تنْزيهاً.
ومن هاهنا علمت أن اختلافهم في تفسير قيام المعصية بعينه على قولين (¬1) كما مرَّ من (حظر) «رد المحتار»، إنّما هو اختلاف لفظ، يحتمل تصحيح القولين بجعلهما في محلين مختلفين:
أحدهما: في الإعانة.
والآخر: في التسبب.
وإنما نشأ الالتباس من كلام بعض الحواشي، وبهذا التنقيح أيضاً اندفع التدافع والاضطراب عن كلمات الفقهاء بأسرها.
فإن مَن قال: بكراهة بيع الجارية المغنية أو الأمرد ممن يعصي به وأمثاله، فقد أصاب حيث أدخله في السبب القريب الموصل إلى المعصية، فإن المعصية تقام بعين هذا السبب من غير تغيير وإحداث صنعة.
¬
(¬1) علمت في مكانه أن لم يكن هناك اختلاف، فراجعه.
ومَن قال: بجوازها أرادَ جوازَ العقد بمعنى الصحّة، لا الجواز بمعنى رفع الإثم، وهذا وإن خالفه كلمات بعض المحشِّيين، ولكنه مؤيّدٌ منصورٌ بكلام الأئمة كـ «الأصل» للإمام محمد رحمه الله و «البدائع» (¬1) وغيره.
وكيف وقد جعل التسبب شتم الوالدين من أكبر الكبائر في الحديث المذكور (¬2).
ومَن صرَّح برفع الإثم أيضاً كما في عبارة «المبسوط» المذكور أولاً (¬3)، فهو مقيّدٌ بما إذا لم يعلم أن شرائه أو استئجاره؛ لفعل المعصية قصداً: كإجارة البيت من الذمي أو الفاسق، فإن الإجارة وقعت على نفس السكنى قصداً، ولا إثم فيه، ثمّ إن صلّى فيه الذمي على مذهبه، أو عمل فيه الفاسق بالمعاصي فكان ذلك تبعاً، أو لعدم علم البائع والمؤجر بقصد المشتري والمستأجر، كما يدل عليه كلام «السير الكبير» المذكور.
وكذلك من قال: إن المناط في هذا الباب على النيّة، كما في
¬
(¬1) عرفت فيما سبق أن عبارة «الأصل»، و «البدائع» لا تدل على شيء مما يقول المؤلف.
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) علمت سابقاً أن عبارة المبسوط تدل على عكس ما يستدل به المؤلف، فتنبه.
«الأشباه»، ويؤيِّده بعضُ كلمات «المبسوط» و «رد المحتار» (¬1)، فهو صحيح في الإعانة، فإنها لا تتحقق إلا بالنية غير أنه إن صرّح بلسانه سقطَ اعتبار النية. كما في سائر العقود والمعاملات، وكذا إذا تعيّنت المعصية مصرفاً له، وهو لا ينافي كونه مع عدم النيّة داخلاً في التسبب ومحظوراً أو مكروهاً لأجله، فإن التسبّبَ يتحقق بدون النيّة، وهو محظور، وإن لم يقصد به المعصية.
ومن مال أن الضابط: هو قيام المعصية بعينه، وأراد به عين فعل المعين، فقد أصاب، فإن مرادَه الإعانة بفعل تقوم المعصية بهذا الفعل، بحيث لا ينقطع نسبته عن المعين مع وقوع أصل المعصية عن فاعل مختار آخر، كما مرَّ تحقيقه (¬2).
ومَن قال: أن المراد بقيام المعصية بعينه هو قيامها بالمحلِّ الذي هيّأه المعين بلا تغير وتصرّف وإحداث صنعة من العامل، فذلك في التسبب وبيان لكونه سبباً قريباً.
ومَن قال: بكراهة التنزيه صراحة أو بصيغة لا ينبغي، فهو محمولٌ على السبب البعيد.
¬
(¬1) علمت سابقاً أن عبارة «المبسوط» و «رد المحتار» لا تؤيد عبارة «الأشباه»، بل عبارة «الأشباه» منقوضة من وجوهٍ عديد سبق ذكرها.
(¬2) ومر منا ردّه ونقضه بما لا يدل مجالاً للشك.
هذا ما أدَّى إليه نظري بعدما بذلت جهدي في التنفير عنه (¬1)، وإنّما فعلت ما فعلت وأطنبت الكلام فيه لأمرين:
الأول: أنه أصلٌ كبيرٌ تتفرعُ عليه مسائل لا تحصى، وقد اشتدت الضرورة إلى هذه المسائل في هذه الأيام، ولا سيما في بلاد تسلَّطَ عليها الكفّار والفجّار، وملأوا الدواوين والمعامل والأسواق كلها بالمعاصي والفجور، حتى لا يجدَ المُتَدَيِّنُ سبيلاً إلى الكسب الحلال يخلو عن الإعانة والتسبب للمعصية، وإلى الله المشتكى.
والثاني: لوقوع الاضطراب الشديد في ظاهر كلام الفقهاء في هذا الباب، فجاء بحمد الله يروي الغليل، ويشفي العليل، والله سبحانه وتعالى حسبي ونعم الوكيل.
العبد محمد شفيع عفا الله عنه
شعبان 1362 هـ
¬
(¬1) وأنا أشهد أن المؤلف رحمه الله تعالى قد بذل جهداً وفكراً كبيرين في تتميم هذا الرسالة فجازه الله كل خير عن الإسلام والمسلمين؛ إلا أنه خلط بين رأي الإمام والصاحبين، ولم يحقق المسألة في المذهب كما هي، وقد تكلف فيها كثيراً جداً على ما رأيت، فجزاه الله خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين،، والله أعلم وعلمه أحكم.
استراح القلم من تحقيق هذه الرسالة والتعليق عليها في عصر يوم 5/رجب/1424 هـ الموافق 2/أيلول/2003 م.
المراجع:
1. الأحاديث المختارة: لمحمد بن عبد الواحد المقدسي (567 - 643 هـ)، تحقيق: عبد الملك عبد الله، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط 1، 1410 هـ.
2. إحكام القنطرة في أحكام البسملة: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304 هـ)، مطبع جشمة فيض، لكنو، 1305 هـ، وأيضاً: بتحقيق: الدكتور صلاح محمد سالم أبو الحاج، مؤسسة الرسالة، 2001 مـ.
3. الأشباه والنظائر: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت 970 هـ)، تحقيق: محمد مطيع الحافظ، دار الفكر، دمشق، ط 2، 1403 هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 هـ.
4. أصول الإفتاء: لمحمد تقي الدين العثماني، مصورة عن نسخة بخط اليد من الهند.
5. الأعلام: لخير الدين الزَّركلي، ط 15، دار العلم للملايين. 2002 م.
6. أعيان دمشق في القرن الثالث عشر ونصف القرن الرابع عشر: لمحمد جميل الشطي، دار البشائر، ط 1، 1414 هـ.
7. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت 970 هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
8. بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني: لمحمد زاهد بن الحسن الكوثري (1296 - 1371 هـ)، المكتبة الأزهرية للتراث، 1998 مـ.
9. البناية في شرح الهداية: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855 هـ)، دار الفكر، ط 1، 1980 مـ.
10. تاج التراجم: لأبي الفداء قاسم بن قُطْلُوبُغَا (ت879هـ)، تحقيق: محمد خير رمضان، دار القلم، دمشق، ط1، 1992مـ.
11. تاج العروس من جواهر القاموس: للسيد محمد مرتضى الزُّبَيْدِيّ (ت1205هـ)، طبعة الكويت.
12. تاريخ بغداد: لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب (393 - 463هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
13. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت743هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط1، 1313هـ.
14. التحرير والتنوير: لمحمد الطاهر ابن عاشور، طبعة مصر.
15. التدوين في أخبار قزوين: لعبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني، تحقيق: عزيز الله العطاردي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987مـ.
16. التعليقات السنية على الفوائد البهية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، تحقيق: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ط1، 1998م، وأيضاً: طبعة السعادة، مصر، ط1، 1324هـ.
17. تفسير الطبري: لمحمد بن جرير الطبري (ت310هـ)، دار الفكر، بيروت، 1405هـ.
18. تقريب التهذيب: لأحمد بن علي ابن حَجَر العَسْقَلاني (ت852هـ)، تحقيق: عادل مرشد، مؤسسة الرسالة، ط1، 1996مـ.
19. تنوير الأبصار وجامع البحار: لمحمد بن عبد الله الخطيب التُّمُرْتاشي الغَزَّي الحَنَفي (ت1004هـ)، مطبعة الترقي بحارة الكفارة، 1332هـ.
20. تهذيب الأسماء واللغات: لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النَّوَوِيّ الشَّافِعِيّ (631 - 676هـ)، المطبعة المنيرية.
21. الثقات: لأبي حاتم محمد بن حبان التميمي البستي (ت354هـ)، تحقيق: السيد شرف الدين أحمد، دار الفكر، ط1، 1395هـ.
22. الجامع الصغير: لمحمد بن الحسن الشيباني (ت189هـ)، عالم الكتب، ط1، 1406هـ، مطبوع مع النافع الكبير.
23. الجرح والتعديل: لعبد الرحمن بن أبي حاتم (ت327هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1271هـ.
24. الجواهر المضية بشرح العزية: لصالح عبد السميع الآبي الأزهري، بهامش المقدمة العزية، 1362هـ.
25. حاشية الدرر على الغرر: لمحمد بن مصطفى الخادمي، مطبعة عثمانية، دار سعادت، 1310هـ.
26. حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: لأبي العباس أحمد بن يونس بن محمد الحنفي المعروف بـ (ابن الشلبي) (ت 947هـ)، مطبوعة بهامش تبيين الحقائق، المطبعة الأميرية بمصر، ط1، 1313هـ.
27. حاشية الطَّحْطَاوي على الدر المختار: لأحمد بن محمد الطَّحْطَاوِيّ الحنفي (ت1231هـ)، دار المعرفة، بيروت، 1975مـ.
28. حاشية الهداية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ). ديوبند سهارنيور. 1401هـ.
29. حاشية كشف الحقائق: لعبد الحكيم الأفغاني، المطبعة الأدبية بمصر، ط1، 1318هـ.
30. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر: لمحمد أمين المحبي (ت1699م)، دار صادر.
31. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
32. درر الحكام شرح غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز بن علي الحنفي المعروف بـ (مُلا خسرو) (ت885هـ)، الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ، وأيضاً: طبعة در سعادت، 1308هـ. وأيضاً: دار إحياء الكتب العربية
33. دفع الغواية الملقبة بـ (مقدمة السعاية): لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، باكستان، 1976م.
34. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
35. الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة: لمحمد بن جعفر الكتاني، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة.
36. الرسائل الزينية: لإبراهيم بن محمد بن نجيم (ت970هـ): تحقيق: خليل الميس، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1400هـ.
37. رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، مطبعة وادي النيل، مصر، 1299هـ، وأيضاً: مطبعة الصفدي في المنبئ، 1307هـ.
38. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: لمحمود الألوسي (ت1270هـ)، دار إحياء التراث، بيروت.
39. روض المناظر في علم الأوائل والأَواخر: لمحمد بن محمد ابن الشحنة (815هـ)، تحقيق: سيد محمد مهنى، دار الكتب العلمية، ط1، 1417هـ.
40. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
41. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
42. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
43. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
44. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385هـ)، تحقيق: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ.
45. شرح السير الكبير: لمحمد بن أحمد السرخسي (ت 590هـ)، تحقيق: الدكتور صلاح المنجد، مطبعة شركة الإعلانات الشرقية، 1971هـ.
46. شرح محمود بن إلياس زاده على النقاية، مطبع فتح الكريم، بمبئ، 1301هـ.
47. شرح ملا مسكين على كنْز الدقائق: لمعين الدين الهروي المعروف بـ (ملا مسكين) (ت954هـ)، المطبعة الخيرية، مصر، 1324هـ.
48. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
49. صحيح ابن خزيمة: لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت311هـ)، تحقيق: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1390هـ.
50. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، تحقيق: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
51. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
52. ضعفاء العقيلي: لمحمد بن عمر العقيلي (ت322هـ)، تحقيق: الدكتور عبد المعطي قلعجي، دار المكتبة العلمية، بيروت، ط1، 1404هـ.
53. طبقات الحفاظ: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي جلال الدين (849 - 911هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1403هـ.
54. طبقات الحنفية: لعلي بن أمر الله قنالي زاده المشهور بـ (ابن الحنائي) (ت979هـ)، مطبعة الزهراء الحديثة، الموصل، ط2، 1380هـ.
55. طبقات المفسرين: لمحمد بن علي الداودي (ت945هـ)، تحقيق: علي محمد، مكتبة وهبة، مصر، ط1، 1392هـ.
56. طرب الأماثل بتراجم الأفاضل: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، تحقيق: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ط1، 1998م، وأيضاً: طبعة مطبع دبدبة أحمدي، لكنو، 1303هـ.
57. العبر في خبر من غبر: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، تحقيق: الدكتور صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت، 1963مـ.
58. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، المطبع المجتبائي، دهلي، 1340هـ، وأيضاً: ت: د. صلاح أبو الحاج، دار الكتب العلمية، ط1، 2008م.
59. غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر: لأحمد بن محمد الحموي (ت1098هـ)، دار الطباعة العامرة، مصر، 1290هـ.
60. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
61. الفتاوى الخانية (فتاوى قاضي خان): لحسَن بن مَنْصُور بن مَحْمُود الأُوزْجَنْدِيّ (ت592هـ)، مطبوعة بهامش الفتاوي الهندية، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، 1310هـ.
62. الفتاوي الهندية: للشيخ نظام الدين البرهانفوري، والقاضي محمد حسين الجونفوري، والشيخ علي أكبر الحسيني، والشيخ حامد بن أبي الحامد الجونفوري، وغيرهم، المطبعة الأميرية ببولاق، 1310هـ.
63. فتح باب العناية بشرح النقاية: لأبي الحسن علي بن سلطان محمد القاري الهروي (930 - 114هـ)، تحقيق: محمد نزار وهيثم نزار، دار الأرقم، ط1، 1418هـ.
64. الفردوس بمأثور الخطاب: لشيرويه بن شهردار الديلمي (445 - 509)، تحقيق: سعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1986م.
65. الفوائد البهية في تراجم الحنفية: لعبد الحي الكنوي (1264 - 2304هـ)، تحقيق: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ط1، 1998م، وأيضاً: طبعة السعادة، مصر، ط1، 1324هـ.
66. الكامل في ضعفاء الرجال: لعبد الله بن عدي أبو أحمد الجُرْجاني (277 - 365هـ)، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، دار الفكر، بيروت، ط3، 1409هـ.
67. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث: لإسماعيل بن محمد العجلوني (ت1162هـ)، تحقيق: أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط4، 1405هـ.
68. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي (1017 - 1067)، دار الفكر.
69. الكفاية على الهداية: لجلال الدين الخوارزمي الكرلاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
70. كنْز الدقائق: لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، اعتنى به: إبراهيم الحنفي الأزهري، طبع بالمطبعة الحميدية المصرية بالمناصرة بمصر، 1328هـ.
71. اللباب في شرح الكتاب: لعبد الغني الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي (1222 - 1298هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
72. المبسوط: لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
73. متن القدوري: لأحمد بن محمد القدوري (ت428هـ)، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، ط 3، 1377هـ.
74. المجتبى شرح القدوري: لمختار بن محمود الزَّاهِدِيّ الغَزمِيْني (ت658هـ)، من مخطوطات المكتبة القادرية.
75. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316.
76. مختصر الطحاوي: لأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت321هـ)، تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، دار الكتاب العربي، 1370هـ.
77. مرآة الجنان وعبر اليقظان في ما يعتبر من حوادث الزمان: لعبد الله بن أسعد اليافعي (ت768هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1970م.
78. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
79. المستصفى شرح النافع: لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، من مخطوطات دار صدام، برقم (9029).
80. مسند أبي يعلى: لأحمد بن علي أبي يعلى الموصلي (ت307هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط1، 1404هـ.
81. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.