تأصيل زكاة دخول الموظفين والمهن الأحرة ....
...... في المذهب الحنفية قواعد وتطبيقات
جارٍ تحميل الكتاب…
تأصيل زكاة دخول الموظفين والمهن الأحرة ....
...... في المذهب الحنفية قواعد وتطبيقات
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
تأصيل زكاة دخول الموظفين
والمهن الحرة في المذهب الحنفي
قواعد وتطبيقات
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* ألقي في مؤتمر: «زكاة دخول الموظفين والمهن الحرة»، كلية الشريعة، جامعة النجاح الوطنية، فلسطين، سنة (2011م).
خلاصة البحث:
تعرضت في هذا البحث لاستخراج قواعد السادة الحنفية التي يُمكن الاعتماد عليها في معرفة أحكام زكاة دخول الموظفين وأصحاب المهن الحرة ثمّ قمت بتوضيحها وشرحها والتدليل عليها باقتضاب، ثمّ فرَّعت عليها تطبيقات ما يتعلَّق بموضوعات المؤتمر الموقر.
وخلص البحث إلى أن الزكاة تفرض على الموظفين وأصحاب المهن المكلّفين المالكين للنصاب، وهو (100) غراماً ذهباً، فائضاً عن الحاجة الأصلية، وحال عليه الحول، والمعتبر في الحول طرفيه، بشرط أن يكون المال نامياً، والنماء في الذهب والفضة هو الثمنية، وفي البقر والغنم هو رعيها أكثر الحول، وفي عروض التجارة نيةُ بيعها والتجارة بها عند مِلْكها.
ويشترط أن يكون المال مملوكاً ملكاً تامّاً: أي ذاتاً للمزكِّي وتصرّفاً بحيث يستطيع أن يفعل به ما يشاء، وأن لا يكون على المزكي ديناً لآدمي سواء أكان حالاً أو مؤجلاً.
ووجوب دفع الزكاة يكون على التراخي، ويصحُّ دفعُها بنيّة مقارنة عند الدفع أو عزل مقدار الزكاة.
ونصاب الذهب (100) غراماً غالبها ذهب، ونصاب الفضة (700) غراماً غالبها فضة، ونصاب العروض والنقود هو قيمة نصاب الذهب.
ويدفع زكاتها (2.5) %، ولا يزكي الكسور وهي ما كانت أقلّ من خمس النصاب، ويَجمع الذهب والفضة والعروض والنقود مع بعضها عند الزكاة باعتبارها أنها أقرب جنساً، ويجوز دفع القيمة بأي شيء له قيمة عند الناس والشرع.
وإذا هلك المال كلّه أو بعضه بآفة سماوية من الله - عز وجل - بعد حولان الحول تسقط زكاة الهالك بخلاف إن استهلكه الإنسان فلا تسقط زكاته، ويجوز التعجيل لسنوات ولنصب بشرط ملك النصاب.
ويزكِّي كلُّ ما يخرج من الأرض قلّ أو كثر، فيدفع (10) % في البعل، و (5) % في السقي قبل إخراج المصاريف والنفقات، ويخرج زكاة العسل مطلقاً (10) %.
والقواعد التي استخرجت في البحث واعتمد عليها الباحث هي:
قاعدة (1): تفرض الزكاة على المكلَّف.
قاعدة (2): أن يملك نصاباً.
قاعدة (3): أن يكون فائضاً على الحاجة الأصلية.
قاعدة (4): حولان الحول على النصاب.
قاعدة (5): المعتبرُ طرفي الحول في اشتراط حولان الحول.
قاعدة (6): أن يكون المال نامياً.
قاعدة (7): أن يكون مملوكاً ملكاً تامّاً ذاتاً وتصرّفاً.
قاعدة (8): كلُّ دين لآدمي يمنعُ بقدره حالاً كان أو مؤجلاً.
قاعدة (9): تجب الزكاة على التراخي.
قاعدة (10): يصحُّ الدفعُ بنيّةٍ مقارنةٍ أو لعزل مقدار الزّكاة.
قاعدة (11): نصاب الذهب (100) غراماً غالبٌ عليها الذهب.
قاعدة (12): نصاب الفضة (700) غراماً غالبٌ عليها الفضة.
قاعدة (13): زكاة الذهب والفضة والنقود والعروض (2.5%).
قاعدة (15): الناقص عن مقدار خمس النصاب لا زكاة فيه.
قاعدة (16): جميع هيئات الذهب والفضة من حُليٍّ أو آنيةٍ أو تِبْرٍ إن غلب عليها الذهب والفضة تجب فيها زكاة الذهب الخالص، وإن غلب عليها غير الذهب والفضة تزكى على قدر نسبة الذهب والفضة فيها، وإن لم يكن يخلص منها الذهب والفضة تعامل معاملة عروض التجارة.
قاعدة (17): نصابُ عروض التجارة أن يبلغَ قيمتها قيمة نصاب الذهب (100) غراماً.
قاعدة (18): يُضمُّ الذهبُ والفضّةُ والعروض بعضُها إلى بعضٍ بالقيمة.
قاعدة (20): نصابُ البقر والجواميس ثلاثون، ويكون فيها تَبيعٌ إلى أربعين، ومن ستين إلى سبعين مسنة، ومن ثمانين إلى تسعين تبيعان، وهكذا في كلّ عشرة.
قاعدة (21): نصابُ الغنم أَربعون، ويكون فيه شاةٌ: إلى مئةٍ وإحدى وعشرين، ومنه إلى مئتين يجب شاتان، ومن مئتين إلى أربعمئة ثلاث شياه، ثمّ في كلِّ مئةٍ شاةٌ.
قاعدة (22): يجوز دفعُ القيمةِ في الزّكاة.
قاعدة (23): الزّكاة واجبة في النصاب دون العفو فلا يسقط شيء بهلاك العفو.
قاعدة (24): هلاك النصاب بعد وجوب الزّكاة بحولان الحول يسقطها، ولو هَلَكَ بعض النصاب تسقط الزكاة بقدره، بخلاف لو استهلكه المالكُ فإنّها لا تسقط.
قاعدة (25): يصحُّ التعجيل لسنين ولنصب أيضاً بعد ملك النصاب.
قاعدة (26): يجب زكاة كلّ ما ينبت من الأرض إلا ما لا ينتفع به.
قاعدة (27): يجب عشرُ نابت سُقي بغيرِ فعل البشر، ونصف عشر سقي بفعل البشر.
قاعدة (28): إن سُقِي بفعل البشر وبغيرِ فعل البشر فالحكم لأكثر الحول.
قاعدة (29): يجب في العسل العشر وإن كان في الجبل.
قاعدة (30): تخرج زكاةُ الخارج قبل إخراج المصاريف والنفقات.
* * *
Research Summary
A Summary of this Study:
I have laid out in this study the specific guidelines in the Hanafi school of jurisprudence regarding zakat (almsgiving). Specifically, these rules regard taking out the zakat of the salaries of staff workers and the self-employed. I have taken the time to clarify and explain these guidelines and their sources in a concise manner. Then, I applied these rules to specific circumstances relating the subjects of the conference to help elucidate this issue to other researchers and readers.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
إنه لمَن دواعي سروري أن يكون لي مشاركة في أي عمل يتعلّق في أرض الإسلام والمسلمين، أرض العزّة والأنفة والدين، بفلسطين الحبيبة التي تملأ علينا قلوبنا وعقولنا، ونترنم على ذكرها، ونحيا على سماع صوتها، ونعيش لعودها.
فما أن سمعت عن إمكانية المساهمة بمؤتمركم العامر حتى طاقت النفس لتقديم عمل متواضع يكون لنا فيه شرف التواصل معكم يا أهل الثبات والرباط.
وأحببت أن أسعى في بحثي إلى تحقيق ما يلي:
1.تأصيل موضوعات مؤتمركم العامر على أحد مذاهب أهل السنة المشهورة، وهو المذهب الحنفي؛ لتعريف الباحثين والطالبين بحكم هذه الجزئيات في المذهب الحنفي.
2.بيان القواعد الرئيسية التي بُنيت عليها الزكاة على المذهب الحنفي.
4.بيان حكم كثير من الفروع المتعلّقة بالموظفين وأصحاب والمهن على المذهب الحنفي.
5.الإفتاء بالمسائل المستجدة المتعلّقة بموضوع البحث على المذهب الحنفي، وإيضاح الصورة العلمية لبناء هذه الفروع على القواعد.
6.تنبيه الباحثين إلى أهمية البحث والتأصيل على مذهب فقهيّ واحد يُسهِّلُ علينا معرفة الفروع الكثيرة التي نحتاجها في حياتنا، وييسر علينا معرفة الأحكام المستجدة، ويُخرج المفتي والمستفتي من الضياع والتشويش والتخبط، ويُمَكِّن طالب العلم من الدراسة والضبط.
ومنهجي في كتابة هذا البحث كانت متمثلة باستخراج القواعد العامّة التي اعتمد عليها الحنفية في الزكاة، ثمّ توضيحها باختصار والتدليل عليها أحياناً، ثمّ بيان التطبيقات المتعلّقة بزكاة الموظفين والمهن الحرّة، واقتصرتُ على القواعد التي تخدم موضوع بحثنا دون ما سواها، ولم أَقصد الاستيعاب لأنّ المقامَ سيطول بما يُمكن أن يخرجه عن المقصود.
ومن المعلوم أنّ زكاة دخول الموظفين والمهن الحرة مندرجةٌ ضمن زكاة النقود، وهي تشبه ما يُبحث قديماً تحت اسم الفلوس: أي العملة
المصنوعة من النُّحاس، والفلوس ملحقة حكماً بالدينار ـ أي المصنوع من الذهب ـ والفضة ـ أي المصنوعة من الفضة ـ، فبحثنا في النقود متعلق ببحث زكاة الأموال الذهب والفضة والعروض، وكلُّ ما ذكر فيه من قواعد يُمكن تطبيقها على النقود، ومن ثمّ على دخول الموظفين والمهن الحرّة، وعَرَّجتُ على زكاة البقر والغنم باعتبار اقتنائها من المهن الحرّة واعتماد بعض الناس عليها كعملٍ ومصدرِ دخلٍ، وأَعرضتُ عن الكلام في الإبل لندرتها.
وهذا أوان الشروع في البحث، وهو على هيئةِ قواعد وشرحها والتطبيق عليها سائلاً الله - عز وجل - أن ينالَ إعجابكم، والله الموفق:
قاعدة (1)
تفرض الزكاة على المكلَّف
توضيح:
تجب الزكاة على المسلم البالغ العاقل؛ لأنها عبادة محضة لكونها أحد أركان الدين، والمجنون والصغير ليسا بمخاطبين فلا تجب عليهما كما لا تجب عليهما سائر أركانه (¬1)، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «ليس في مال اليتيم زكاة» (¬2).
تطبيق:
وعليه فلا زكاة على الموظفين وأصحاب المهن من غير المسلمين.
وأمّا مَن عَمِل قبل سنِّ البلوغ وكسب مالاً فلا زكاة عليه، والبلوغ في الذكر يقدر بالاحتلام، وفي الأنثى بالحيض، وإن لم تر هذه العلامات فيكون خمسة عشرة سنة هجرية على المفتى به.
¬
(¬1) ينظر: الزيلعي، عثمان بن علي، تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق، المطبعة الأميرية بمصر، ط.1. 1313هـ، 1: 252.
(¬2) في آثار محمد ص46 عن التهانوي، ظفر أحمد العثماني، إعلاء السنن. ت: حازم القاضي. دار الكتب العلمية. ط1. 1997م، 9: 6.
وأَمّا إن عمل المجنونُ الأصليُّ ـ وهو مَن بلغ وهو مجنون ـ فلا زكاة عليه، ولكن إن أفاق من جنونه فتستحقُّ الزكاة عليه بعد مرور سنة من إفاقته إن كان مالكاً للنصاب كما سيأتي.
وأمّا إذا أَصابه الجنون بعد بلوغ وهو ما يُسمّى بالمجنون الطارئ، فإنّها تسقط عنه الزكاة إن استوعب جنونه سنة، وإن لم يمرَّ على جنونه سنة كاملة فلا تسقط الزكاة عنه ويجب عليه أداؤها في موعدها لعدم تأثير هذا الجنون ما دام لم يصل إلى سنة كاملة (¬1)، ويعود وجوب الزكاة عليه إذا أفاق من جنونه واستمرّت إفاقتُه سنة فعليه زكاتها.
* * *
¬
(¬1) ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق1: 252 - 253، وغيرها.
قاعدة (2)
أن يملك نصاباً (¬1)
توضيح:
لا تجب الزكاة على مَن لا يملك النصاب الشرعي، وهو عشرون ديناراً ذهباً، ودينار الذهب يساوي (5) غرامات، فيكون النصاب (100) غراماً، كما سيأتي.
وكيفية معرفة ملكه للنصاب بأن يجمع كلّ ما معه من نقود وذهب وفضة وعروض ـ أي من السلع التي اشتراها للتجارة بها ـ فإن كان مجموعها يساوي نصاباً أَصبح من الأغنياء الذي أوجب الله - جل جلاله - عليهم الزكاة.
تطبيق:
وعليه: فلا زكاة على الموظفين وأصحاب المهن ممن لم يملكوا النصاب؛ لأن مَن لا يملكه يُعَدُّ من الفقراء، والفقراءُ تجب لهم الزكاة لا عليهم.
¬
(¬1) ينظر: ابن عابدين، محمد أمين بن عمر، ردّ المحتار على الدر المختار، دار إحياء التراث العربي. بيروت. 2: 8، وابن نجيم، إبراهيم بن محمد، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار المعرفة. بيروت.2: 222.
وأَمّا مَن كان له دخلٌ جيدٌ من وظيفته أو حرفته ولكنه ينفقه في حياته مباشرة ولا يجتمع لديه النصاب فإنه يبقى في دائرة الفقراء الذي لا تجب عليه الزكاة؛ لأنّ الحدَّ الفاصلَ بين الفقر والغنى هو النصاب، فمَن مَلَكه غنيٌّ، ومَن لم يملكه فقيرٌ.
* * *
قاعدة (3)
أن يكون فائضاً على الحاجة الأصلية
توضيح:
وهذه القاعدة تكملة لقاعدة ملك النصاب؛ إذ لا تجب الزكاة إلا على مَن مَلَكَ نصاباً زائداً على الحاجة الأصلية، والمقصود بالحاجة الأصلية: الأطعمة، والثِّياب، وأثاث المنزل، وسيارات الرُّكوب، ودور السُّكْنَى، وآلات المحترفة؛ لأنّ المشغول بحاجته الأصلية كالمعدوم (¬1).
تطبيق:
وعليه: فلا تجب الزكاةُ على الموظفين وأَصحابِ المهنِ إلا بملكِ النصابِ بدون أن يجمع معه ما عنده من أَطعمةٍ وأَشربةٍ وأَلبسةٍ وأثاثِ داره وسيارتهِ وبيته بغضِّ النظرِ عن قيمةِ هذه الأشياء طالما أنه من حوائجة الأصلية.
وأصحابُ المهنِ والحرفِ المختلفة لا يعتبرون أدواتهم وآلاتهم التي يستخدمونها من ضمن النصاب، بل نحتاج إلى نصاب فائضاً عنها؛ لأنها تعدُّ من الحاجة الأصلية، فمثلاً الطبيب لا يعدُّ الأدوات التي يستخدمها
¬
(¬1) ينظر: ابن عابدين، رد المحتار 2: 8، وابن نجيم، البحر الرائق 2: 222، وغيرها.
في عيادته، والمحامي لا يعتبر آثار مكتبه، والمهندس لا يعتبر الآلات التي يستخدمها في البناء، والميكانيكي والحداد لا يعتبران أدواتهما، وصاحب التكسي لا يعتبر سيارته.
وأصحابُ المصانع والمحاجر والمناشير والمخابز والمطاعم والمناجر لا يعتبرون الماكنات التي يستخدمونها، ولكنّ المواد الخام والمصنوعة تعتبر من نصاب الزكاة ويجب عليهم زكاتها كما سيأتي.
وأصحاب البقالة والصيدلية والنوفتيه لا يعتبرون الأثاث من رفوف ومكاتب وثلاجات وأشباهها، ولكن المنتجات المعروضة للبيع تعتبر من نصاب الزكاة ويجب زكاتها، كما سيأتي.
* * *
قاعدة (4)
حولان الحول على النصاب
توضيح:
وهذا القاعدةُ تكملة لقاعدتي النصاب والحاجة الأصلية؛ إذ لا تجب الزكاة إلا بمرورِ سنةٍ كاملةٍ على ملك النصاب الفائض عن الحاجة الأصلية (¬1)؛ لأن سبب الزكاة المال النامي لكون الواجب جزء من الفضل لا من رأس المال؛ لقوله - جل جلاله -: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219]: أي الفضل، والنمو إنما يتحقق في الحول غالباً؛ لاختلاف الأسعار فيه غالباً عند اختلاف الفصول فأُقيم السبب الظاهر، وهو الحول مقام السبب وهو النمو (¬2)، فعن علي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا كانت لك مئتا درهم وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء، يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون
¬
(¬1) ينظر: القاري، علي بن سلطان، فتح باب العناية بشرح النقاية، ت: محمد نزار وهيثم نزار. دار الأرقم. ط1. 1418هـ.1: 505.
(¬2) ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق1: 253، وغيرها.
ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصفُ دينار) (¬1)، وعن القاسم - رضي الله عنه -: «إن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - لم يكن يأخذ من مالِ زكاة حتى يحول عليه الحول» (¬2)، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم - كان يقول: «لا تجب في مال زكاة حتى يحول عليه الحول» (¬3).
تطبيق:
وعليه فلا تجب الزكاة على الموظفين وأَصحاب المهنِ ممن يَمْلِكُ نصاباً إلاّ إذا مَرَّ على ملكِهِ للنصاب سنةً هجريةً كاملةً من يومِ بَلَغَ المال لديه النصاب.
ولا يشترط حولان الحول على كلِّ المال، بل على النّصاب فحسب؛ لذا لو مَلَكَ الموظفين وأَصحاب المهن نصاباً في أَوّلِ حولِ الزَّكاة ثمّ في آخر الحول ملكوا أضعاف النصاب مثلاً فإنهم يزكون على كلِّ المال الموجود بين أيديهم مما يجب فيه الزكاة.
¬
(¬1) أبو داود، سليمان بن أشعث السجستان. ت: محمد محيي الدين عبد الحميد. دار الفكر. بيروت. 2: 100، والمقدسي، محمد بن الواحد، الأحاديث المختارة، ت: عبد الملك عبد الله، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط1، 1410هـ. 2: 154.
(¬2) مالك، ابن أنس، موطأ. ت: محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي. مصر.1: 245.
(¬3) مالك، الموطأ. 1: 246.
قاعدة (5)
المعتبرُ طرفي الحول
في اشتراط حولان الحول
توضيح:
تجب الزكاة وإن نقص النصاب في الحول؛ لأنّ نقصان النِّصاب في الحَوْلِ هَدْرٌ، فلو كان معه في أَوَّل الحولِ (100) غرام ذهب، ثُمَّ نقصَ في أثناءِ الحول، ثُمَّ عادت (100) غرام ذهب في آخر الحولِ فإنّها تجب عليه الزَّكاة (¬1).
تطبيق:
وعليه فإنَّ مَن مَلَكَ نصاباً من الموظفين وأَصحاب المهن في أَوّل حول الزّكاة لا يشترط أن يستمرَّ معه ملك النصاب طوال السنة فلو نقصَ في وسطِها لا يَضُرُّ ما لم يصل إلى الصفر، فحينئذٍ يبدأُ حولاً جَديداً إذا مَلَكَ نصاباً مَرّةً أُخرى.
* * *
¬
(¬1) ينظر: أبو الحاج، الدكتور صلاح محمد سالم، المشكاة في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة، دار الوراق، ط1،2005م. ص321.
قاعدة (6)
أن يكون المال نامياً
توضيح:
النماء هو الثَّمنيَّةُ في الثَّمنين: أي الذَّهب والفضَّة، أو السَّوم (¬1) في الأنعام، أو نيَّة التِّجارة في غيرهما، فلا تجب الزكاة في دار ليست للسُّكْنَى إن لم ينوِ التِّجارةَ بها، وإن حالَ عليهما الحول (¬2).
وما عدا الذهب والفضة والسَّوائم إنِّما تَجِبُ فيها الزَّكاةُ بنيَّةِ التِّجارة، وهذه النية إنما تعتبر إذا وجدت زمان حدوثِ سببِ الملك،
¬
(¬1) السَّوم: من سامت تسوم سوماً: أي رعت. ينظر: النسفي، عمر بن محمد، طلبة الطلبة، ت: محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ. ص34. السائمة: هي الراعية التي تكتفي بالرعي، فإذا علفت فهي علوفة، والعبرة في ذلك لأكثر السنة. ينظر: قاضي خان، حسن بن منصور، الفتاوى الخانية. الطبعة الأميرية ببولاق. مصر. 1310هـ. بهامش الفتاوي الهندية. 1: 245
(¬2) ينظر: صدر الشريعة، عبيد الله بن مسعود، شرح الوقاية، تحقيق: الدكتور صلاح أبو الحاج، دار الوراق، 2005م، ط1. ص206، وبرهان الدين، محمد بن أحمد، المحيط البرهاني. ت: يوسف أحمد البالكي. إشراف: د. جمال الباجوري. رسالة ماجستير. جامعة بغداد. 1421هـ. ص83 - 84، والمرغيناني، علي بن أبي بكر، الهداية شرح بداية المبتدي. مطبعة مصطفى البابي.1: 96، واللكنوي، عبد الحي بن عبد الحلليم، عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية، المطبع المجتبائي. دهلي. 1340هـ.1: 267.
حتى لو نَوَى التجارة بعد حدوث سببِ الملك لا تجبُ فيه الزكاة بنيّة التِّجارة ما لم يبعه، فإذا أخرجَ سيارة وغيرها عن التِّجارةِ ونوى اقتناءها فلا تكون للتِّجارة وإن نواه لها، إلا أن يبيعها (¬1).
ولا بُدَّ أن يكون سببُ الملك سبباً اختيارياً، حتى لو نوى التجارة زمان تملُّكِهِ بالإرث لا تجب فيه الزَّكاة، ولا يجبُ أن يكونَ هذا السبب شراء، بل كلُّ عملٍ موجبٍ للملك إذا اقترنت به نيَّة التِّجارةِ يكفي كالملك بالهبة أو الوصية (¬2).
تطبيق:
وعليه فيجب على الموظفين وأصحاب الحرف تزكية ما يملكون من ذهب وفضة وإن لم يقوموا بتشغيلها وتنميتها حقيقة؛ لأنها كما سبق نامية بذاتها، فعدم تنميتها من مالكها تقصيرٌ منه فلا يُكافئ عليه بعدم أداء زكاتها، ويلحق بها في الحكم النقود والعملات المختلفة لأنّ لها حكم الذهب والفضّة فتجب تزكيتُها مُطلقاً شغلها مالكها أو لم يشغلها.
¬
(¬1) ينظر: الحصكفي، الدر المختار شرح تنوير الأبصار، طبعة دار الكتب العلمية. 2: 10.
(¬2) القَوَد: القِصاص. ينظر: الفيروزآبادي، طاهر محمد بن يعقوب، القاموس المحيط والقابوس الوسيط الجامع لما ذهب من كلام العرب شماطيط. مؤسسة الرسالة. ط2. 1407هـ.1: 343.
وأَمّا مَن كان يَملك حيوانات فلا تجب عليه الزكاة إلا في ثلاثة أنواع وهي الغنم والبقر والإبل، ويشترط في وجوبها النماء ويكون بأن تكون سائمة بأن ترعى أكثر الحول: أي لا تعتمد على العلف في أكثر السنة، وأما ما عدا هذه الأنواع الثلاثة فلا تجب فيها الزكاة بذاتها إلا إذا كانت عروضاً للتجارة، ويشترط فيها شرط النماء في عروض التجارة.
وأمّا ما يملكون من عروض تجارة، ويقصد بها كلّ متاع منقول وغير منقول ما عدا الذهب والفضة والنقود والأبقار والأغنام والإبل فإنه لا تجب زكاتها إلا إذا دخلت في ملكه بنيّة بيعها، كأن يشتري سيارةً أو أرضاً بنيّة أن يبيعَها فيجب عليه زكاتها، بخلاف ما إذا اشتراها لأجل إجارتها أو اقتنائها ثمّ بيعها في المستقبل فإنّها ليست نيّة التجارة.
ويكون الزكاة لكلّ ما توفّر فيه شرط النماء من عروض التجارة إذا بقي في يد مالكه ولم يبعه حتى جاء موعد استحقاق الزكاة على الموظف أو صاحب المهنة، ففي تاريخ حولان الحول عند كلّ واحد منهم ممن مَلَكَ نصاباً يقوم بجمع قيمة ما لديه من ذهب أو فضة أو نقود أو عروض تجارة ويخرج عنها الزكاة.
* * *
قاعدة (7)
أن يكون مملوكاً ملكاً تامّاً ذاتاً وتصرّفاً
توضيح:
وهو أن تكون عينُه له ويقدرُ على التَّصرُّفِ فيه، فلا تجب في الملك الناقص حيث لا تجب زكاة في المبيع قبل القبض، وثمن المتاع إذا كان ديناً (¬1)، ويُكمل فهم هذه القاعدة قاعدةٌ أُخرى وهي:
* * *
¬
(¬1) ينظر: العيني، بدر الدين محمود، منحة السلوك في شرح تحفة الملوك. ت: محمد فاروق البدري. بإشراف د. محيي هلال السرحان. رسالة ماجستير. جامعة بغداد. ج2. 1421هـ. 2: 120.
قاعدة (8)
كلُّ دين لآدمي يمنعُ بقدره
حالاً كان أو مؤجلاً
توضيح:
فمن شروط وجوب الزّكاة أن يكون فارغاً عن الدين، فلا تجبُ على المديونِ بقدر ما يكون ماله مشغولاً بالدَّين؛ لأنّ الزكاةَ تجب على الغني لإغناء الفقير، ولا يتحقق الغنى بالمال المستقرض ما لم يقضه، ولا فرق في الدين المؤجل والحال، والمراد بالدين دين له مطالب من جهة العباد حتى لا يمنع دين النذر والكفارة، ودين الزكاة مانع حال بقاء النصاب؛ لأنه ينتقص به النصاب (¬1)، فعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى تحصل أموالكم فتؤدوا منها الزكاة» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: ابن كمال باشا، أحمد بن سليمان، إيضاح الإصلاح. من مخطوطات مكتبة الأوقاف العامة ببغداد برقم (10642). ق26/ب، وملا خسرو، محمد بن فراموز، درر الحكام شرح غرر الأحكام، الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.1: 172، وابن عابدين، رد المحتار2: 5، واللكنوي، عمدة الرعاية1: 269، والزيلعي، تبيين الحقائق1: 254.
(¬2) مالك، موطأ، 1: 253، والبيهقي، أحمد بن الحسين، سنن البَيْهَقِي الكبير، ت: محمد عبد القادر عطا. 1414هـ. مكتبة دار الباز. مكة المكرمة.4: 148، والشافعي، محمد بن إدريس، مسند الشافعي. دار الكتب العلمية. بيروت.1: 97، وابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد، المصنف في الأحاديث والآثار، ت: كمال الحوت. ط.1. مكتبة الرشد. الرياض. 1409هـ.2: 414، وعبد الرزاق بن همام، المصنف، ت: حبيب الرحمن الأعظمي. ط.2. المكتب الإسلامي. بيروت. 1403هـ.4: 92.
ولا زكاة في مال الضمار: وهو ما لا يرجى رجوعه (¬1) كمالٍ مفقود، وساقطٍ في بحر، ومغصوبٍ لا بيِّنةَ عليه، ومدفونٍ في مكان نسيه، ودين جحدَهُ المديونُ سنين ثُم أقرّ بعدها عند قوم، وما أُخِذَ مصادرةً (¬2) ووصلَ إليه بعد سنين، بناءً على اشتراطِ الملكِ التَّام، فهو مملوكٌ رقبةً لا يداً (¬3).
وأَمّا الدينُ إن كان يُرجى رجوعُه بأن كان مُقرٍّ مليء، أو معسر، أو مفلس، أو جاحد عليه ببيِّنة، فإنها إذا وَصَلَت هذه الأموالُ إلى مالكِها تجبُ زكاةُ الأيَّامِ الماضيَّة (¬4).
¬
(¬1) ينظر: ابن منظور، محمد الإفريقي، لسان العرب، ت: عبد الله الكبير ومحمد حسب الله وهاشم الشاذلي. دار المعارف. 4: 2607.
(¬2) مصادرة: وهو ما يأخذُهُ السُّلطانُ من رعيته من غيرِ حقّ، والفرقُ بينَهُ وبينَ الغصبِ أنَّ الغصبَ أخذُ المالِ مباشرةً قهراً، والمصادرةُ أن يأمرَهُ بأن يأتيَ به. ينظر: اللكنوي، عمدة الرعاية، 1: 270.
(¬3) وعند الشافعي: تجب الزكاة في الضمار بعد وصوله إلى مالكه. ينظر: الشيرازي، إبراهيم بن علي، التنبيه، ت: عماد الدين أحمد، عالم الكتب، بيروت، ط1، 1403هـ. ص37، والشيرازي، إبراهيم بن علي، المهذب، دار الفكر، بيروت. 1: 142، والشاشي، محمد بن أحمد، حلية العلماء في معرفة مذاهب العلماء الفقهاء، ت: د. ياسين درادكه. ط.1. 1400هـ. مؤسسة الرسالة ودار الأرقم. الأردن. 3: 13.
(¬4) ينظر: صدر الشريعة، شرح الوقاية، ص208.
تطبيق:
وعليه فإنه يجب الزكاة على الموظَّفين وأَصحابِ المهن إذا كانوا المالُ الذي بين أَيديهم مملوكاً لهم حقيقةً لا إن كان ديوناً لغيرهم، وهو بين أَيديهم ويتصرَّفون فيه كيف شاءوا، فإن كان عليه ديونٌ بسببِ شرائه لبضاعةٍ أو أجورِ عملٍ لغيرِه عليه فإنّه يُنقص مقدار هذه الديون من المال الذي بين يديه فيدفع زكاة الفائض عن مقدار الديون فقط.
ولو كان معهم مالٌ ولكنّه في يدِ غيرهم ديناً فلا يستطيعون التصرّف فيه ولا استثماره والاستفادة منه فلا يجب تزكية عليهم إذا كان لا يرجى رجوعه في ظنّ صاحبه فإن رجع زكّاه عن السنة التي رجع فيها فحسب، وإن كان يُرجى رجوعُه فعليه تزكيته عند رجعته عن كلّ السنوات السابقة.
فلو كان موظف عنده قرض من بنك مثلاً لتمويل شقة أو أرض أو سيارة بمبلغ (20000) مقسط على عشر أو عشرين سنة وكان بحوزته (5000) فإنها لا يزكيها؛ لأن الدين أكثر من المال الذي يملكه.
ولو كان عليه دين بقيمة (5000) ويملك (10000) فإنه يزكي (5000) فحسب لكون الباقي مشغول بالدين الذي عليه.
ولو كان أصحاب الحرف عليه ديون بسبب شراء بعض الآلات فحكمها ما سبق من أنه لا يزكي إلا المال الفائض عن مقدار الدين الذي عليه.
ولو كان لأصحاب المهن ديون في السوق على زبائنهم فعليهم أن يقسموها على ما سبق إلى دين يرجى رجوعه ودين لا يرجى رجوعه، فكلُّ ما ظنُّوا أنه يمكن أن يرجع بسبب صدق صاحبه أو وجود إثبات عليه فعند قبضه من صاحبه يزكيه عن السنوات السابقة، وأمّا إن ظَنُّوا عدمَ إمكانيةِ رجوعه بسبب إنكار صاحبه أو عدم وجود إثبات لهم على صاحب الدين ثمّ دفعه صاحب الدين بعد سنوات فلا تجب عليهم زكاته إلا في السنة التي دفعه لهم فيها.
ولو أضاع واحد ماله ولا يعرف أين وضعه ثم وجده بعد سنين فلا يزكيه إلا عن السنة التي وجده فيها.
ولو سُرِق مال واحد ثم أعاده سارقه بعد سنين فلا يجب زكاته إلا عن سنة رجوعه.
ولو كان الموظَّفُ أو صاحبُ المهنة لم يدفع زكاةَ ماله لسنواتٍ فهي تبقى دينٌ لله - جل جلاله - في ذمّته، فمثلاً لو كان مقدارُ الزكاة التي استحقّت ديناً لله - جل جلاله - عليه (5000)، وهو يملك (10000)، فإنه يُزكِّي العشرةَ كاملة، ولا يُنقص منها دينُ الله - جل جلاله -؛ لأنّ الذي ينقصُ من الزّكاة هو الدين للآدمي فحسب.
قاعدة (9)
تجب الزكاة على التراخي
توضيح:
معنى التراخي أنها تجب مطلقاً عن الوقت غير عين، ففي أي وقت أدّى يكون مؤدياً للواجب، ويتعيّن ذلك الوقت للوجوب وإذا لم يؤدِّ إلى آخر عمره يتضيق عليه الوجوب بأن بقي من الوقت قدر ما يُمكنه الأداء فيه وغَلَبَ على ظنِّه أنه لو لم يؤدِّ فيه يموت فيفوت، فعند ذلك يتضيق عليه الوجوب، حتى أنه لو لم يؤد فيه حتى مات يأثم (¬1).
تطبيق:
وعليه فلو كان (15) من رمضانِ موعدُ أداءِ الزّكاةِ من الموظفين
¬
(¬1) ينظر: الكاساني، أبو بكر بن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. دار الكتب العلمية.2: 4، وصححه الباقاني عن التاتارخانية، ينظر: ابن عابدين، رد المحتار 2: 271، وذكره الجصاص وعليه عامة المشايخ، والقول الثاني: تجب على الفور فيأثم بالتأخير، وهو قول الكرخي، قال الطحطاوي في حاشيته على المراقي. ت: محمد عبد العزيز الخالدي. دار الكتب العلمية. ط1. 1418هـ. 2: 713: «وهي واجبة على الفور، وعليه الفتوى فيأثم بتأخيرها بلا عذر وترد شهادته»، وعليه الفتوى، ينظر: التمرتاشي، محمد بن عبد الله، تنوير الأبصار وجامع البحار. مطبعة الترقي. مصر. 1332هـ. 2: 271،، والحصكفي، الدر المختار 2: 271.
وأَصحابِ المهنِ فلا يأثم أحدُهم بالتأخير عن الأداءِ فيه، وإنّما يُستحبُّ له ذلك خشيت الموت أو فوت المال، ويَبْقَى هذا المال دين لله - جل جلاله - عليه إلى أن يؤديه، ويكون عليه الإثم بالتأخير إن مات ولم يؤده إلا إذا أَوصى بإخراجه من التركة، فيجب على الورثة دفعه منها طالما أنه لم يجاوز ثلث التركة فإن جاوز مقدار الزكاة ثلث التركة احتاج إلى موافقة الورثة في إخراج الزائد عن الثلث.
* * *
قاعدة (10)
يصحُّ الدفعُ بنيّةٍ مقارنةٍ
أو لعزل مقدار الزّكاة
توضيح:
الزَّكاةُ عبادةٌ فلا تصحُّ بدون النيّة, والأصلُ فيه الاقترانُ بالأداءِ كسائرِ العباداتِ إلا أن الدفعَ يتفرَّق فيخرج باستحضارِ النيّة عند كلِّ دفع فاكتفي بوجودها حالة العزل دفعاً للحرج; لأن العزلَ فعلٌ منه فجازت النيّة عنده (¬1).
تطبيق:
وعليه فلا يَصِحُّ دفع الموظفين وأَصحاب المهن إلا بالنية عند إعطاء المال للفقير أو عند عزلهم لمقدار الزّكاة الواجبة عليهم، وعند دفعه للمسكين لا يحتاجون إلى نيّة جديدةٍ لذلك.
ولو دفع أحدُهم الزكاةَ إلى فقيرٍ ولم ينوِ أو نسي النيّةَ عند الدفعِ فيجزئه عن الزكاةِ إن نَوَى ما دام المالُ في يد الفقير بحيث لم يستهلكه، وأمّا إذا تصرّف فيه فلا تصحّ نيته بعدها.
¬
(¬1) ينظر: أبو الحاج، المشكاة ص309.
قاعدة (11)
نصاب الذهب (100) غراماً
غالبٌ عليها الذهب
توضيح:
النصاب في الذهب هو عشرون مثقالاً، والمثقالُ هو دينارُ الذهب قديماً، والدينار يساوي خمس غرامات، فيكون النصاب (100) غراماً (¬1)، فعن علي - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار) (¬2).
وليس بشرط أن تكون ذهباً خالصاً بل يكفي أن يكون غالبها ذهباً؛ لأن الأكثر له حكم الكلّ، فما كان أكثره ذهباً أخذ حكم الذهب في
¬
(¬1) هذا ما حرره أمين فتوى حمص العلامة المقرئ الفقيه الشيخ عبد العزيز عيون السود (ت1399هـ) في رسالته المقادير الشرعية، ينظر: بكداش، الدكتور سائد، حاشية اللباب في شرح الكتاب للقدوري، دار البشائر الإسلامية، ط1، 1431هـ. 2: 341.
(¬2) أبو داود، السنن، 2: 100، وسكت عنه، والمقدسي، الأحاديث المختارة، 2: 154، والبيهقي، السنن الكبير، 4: 137.
وجوب تزكيته كاملاً، وأما إذا كان مساوي لغيره من المعادن بنسة (50) %، فاختلف في وجوب تزكتيها، والمختار لزومها احتياطاً (¬1).
تطبيق:
وعليه: فمَن كان يملك من الموظفين وأَصحاب المهن (100) غراماً ذهباً من عيار (14) أو (18) أو (21) أو (22) أو (24) فيجب عليه زكاته؛ لأنه الذهب فيها غالب على غيره من المعادن، فعيار (14) نسبة الذهب فيه (575) بالألف، وهي أكثر من النصف، وأما إذا كان عيار الذهب (12) فنسبة الذهب فيه (500) بالألف، وهي التساوي، ويجب تزكيته على الراجح، وأمّا إذا كانت عياره أقل من (12) فيكون الذهب مغلوباً فلا يزكى تزكية الذهب، وإنما يعامل معاملة العروض على سيأتي تفصيله.
* * *
¬
(¬1) ينظر: التمرتاشي، التنوير، 2: 32.
قاعدة (12)
نصاب الفضة (700) غراماً
غالبٌ عليها الفضة
التوضيح:
النصابُ في الفضة (200) درهم، والدرهمُ يُساوي (3.5) غراماً (¬1)، فيكون النصاب يساوي (700) غراماً، فعن علي - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (هاتوا ربع العشور من كل أربعين درهماً، و ليس فيما دون المئتين شيء، فإذا كانت مئتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى ذلك الحساب) (¬2).
وما سَبَقَ تفصيله من اعتبار الغالب في الذهب معتبرٌ في الفضّة؛ لأنّ الأكثرَ له حكمُ الكلّ، وأما إن كانت الفضة مغلوبة بالنسبة للمعادن الأخرى فتزكّى تزكيةَ العروض على ما يأتي.
¬
(¬1) هذا ما حرره أمين فتوى حمص العلامة المقرئ الفقيه الشيخ عبد العزيز عيون السود في رسالته المقادير الشرعية، ينظر: بكداش، حاشية اللباب، 2: 338.
(¬2) ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، الصحيح، ت: د. محمد مصطفى الأعظمي. 1390هـ. المكتب الإسلامي. بيروت. 4: 34، وأبو داود، السنن، 1: 492.
تطبيق:
وعليه فمَن كان يملك من الموظفين وأصحابِ الحرف (700) غراماً فضةٍ وجب عليهم تزكيتُها؛ لأنها تعتبرُ نصاباً وإن كانت قيمتُها في هذا الزمان متدنية جداً، فقيمة نصابها يساوي بمعدل عشر قيمة نصاب الذهب، فمَن ملك ذات الفضة وجب عليه تزكيتها إن بلغت النصاب مهما كانت قيمتها منخفضة.
* * *
قاعدة (13)
زكاة الذهب والفضة
والنقود والعروض (2.5%)
توضيح:
هذا الحكم مشهور ومعروف، وتشهد له الأحاديث المذكورة في القواعد السابقة.
تطبيق:
وعليه فعلى الموظفين وأصحابِ المهن أن يحسبوا ما لديهم من ذهبٍ وفضةٍ ونقودٍ وعروض، ويُخرجوا (2.5) % منه في سبيل الله - جل جلاله - زكاة لأموالهم.
* * *
قاعدة (15)
الناقص عن مقدار خمس النصاب
لا زكاة فيه
توضيح:
يعني إذا زاد على المئتين درهم في الفضّة لا شيء فيه حتى يبلغ أربعين درهماً، فإذا بلغ أربعين درهماً ففيه درهم؛ لأنّ الزكاةَ لا تجب في الكسور إلا إذا بلغ خمس النصاب (¬1)، فعن عمرو بن حزم - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (في كلّ خمس أواق من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كلّ أربعين درهماً درهم) (¬2).
وفي الذهب لا تجب الزكاة في الزائد على النصاب إلا إذا بلغ خمس النصاب وهو أربعة مثاقيل: أي بما يساوي (20) غراماً.
¬
(¬1) هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -،وقال أبو يوسف ومحمد: ما زاد على المئتين فبحسابه، ينظر: العيني، المنحة، 2: 125، وأبو الحاج، المشكاة ص320.
(¬2) الحاكم، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين، ت: مصطفى عبد القادر. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1411هـ.1: 553، والبيهقي، السنن الكبير، 4: 89، وصححه أحمد. ينظر: الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، 1407هـ. دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي. بيروت.3: 72.
وفي النقود يكون الحكم كذلك أيضاً فلو فرضنا أن النصاب فيها (2500) ديناراً أردنيّاً، فلا يزكّى الزائد على النصاب إلا إذا بلغ خمس النّصاب وهو يساوي (500) ديناراً أردنياً، فمن ملك (2700) ديناراً أردنياً يزكّي (2500) ديناراً، ولا يزكي (200) ديناراً؛ لأنها أقل من خمس النصاب.
وكذلك مَن مَلَكَ (10400) ديناراً فيزكي (10000) ديناراً فقط، ولا يزكي (400) ديناراً لأنها كسر؛ إذ هي أقل من خمس النصاب الذي يساوي (2500) ديناراً كما سبق.
تطبيق:
وعليه فلا يجب الزكاة على الموظفين وأصحاب المهن فيما يزيد عن النصاب إذا لم يبلغ خمس النصاب في الذهب إن كان ما يملكه ذهباً، والفضة إن كان ما يملكه فضة، والنقود إن كان ما يملكه نقوداً؛ لأنه من الكسور التي لا تعتبر.
* * *
قاعدة (16)
جميع هيئات الذهب والفضة من حُليٍّ أو آنيةٍ أو تِبْرٍ إن غلب عليها الذهب والفضة تجب فيها زكاة الذهب الخالص، وإن غلب عليها غير الذهب والفضة تزكى على قدر نسبة الذهب والفضة فيها، وإن لم يكن يخلص منها الذهب والفضة تعامل معاملة عروض التجارة (¬1)
توضيح:
وجبت زكاة الحُليّ وغيره لما سبق ذكره من أنّ علّةَ النماء في الذهب والفضّة هي الثمنية، وهي موجودةٌ في جميعِ هيئات الذهب والفضة، ويشهد لها القرآن في قوله - جل جلاله -: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم} [التوبة:34]، فلم يفرق بين نوعٍ ونوعٍ في اعتباره من الكنز المذموم إذا لم يؤد حقّه من الزكاة، وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - صريحة في لزوم زكاتها، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم -: (إن امرأة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن
¬
(¬1) ينظر: ابن ملك، محمد بن عبد اللطيف، شرح الوقاية، من مخطوطات وزارة الأوقاف العراقية برقم (962). ق61/أ، والتمرتاشي، التنوير، 2: 32.
يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار، قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقالت: هما لله ولرسوله) (¬1)، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتخات ـ أي خواتم ـ من ينوي فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، قال: أتؤدين زكاتهن، قلت: لا أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار) (¬2)، وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: (كنت ألبس أَوضاحاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله أَكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدِّي زكاته فزكِّي فليس بكنز) (¬3).
والمقصودُ بالآنيةِ كلُّ ما يصنع من الذهبِ والفضةِ من أواني وغيره،
¬
(¬1) أبو داود، السنن،2: 95، والنسائي، أحمد بن شعيب، سنن النَّسَائيّ الكبرى، ت: د. عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن. ط1. 1411هـ. دار الكتب العلمية. بيروت.2: 19، وابن راهويه، إسحاق الحنظلي، المسند، ت: عبد الغفور عبد الحق. مكتبة الإيمان. المدينة المنورة. ط1. 1995م. 1: 177، وابن حنبل، أحمد، المسند، مؤسسة قرطبة. مصر.6: 455، والطبراني، سليمان بن أحمد. ت: حمدي السلفي. ط2. 1404هـ مكتبة العلوم والحكم. الموصل. 24: 161، وصححه ابن القطان، وقال النووي: إسناده حسن. ينظر: ابن حجر، أحمد بن علي، الدراية في تخريج أحاديث الهداية. دار المعرفة. بيروت.1: 258.
(¬2) أبو داود، السنن، 2: 95، والحاكم، المستدرك1: 547، وقال الحاكم: إسناده صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(¬3) أبو داود، السنن، 2: 95، والحاكم، المستدرك، 1: 547، وصححه الحاكم، والطبراني، المعجم الكبير، 23: 281، وغيرها.
والمقصود بالتبر الذهب والفضة قبل أن يصاغ ويستعمل (¬1)، فكله يُعامل معاملة الذهب الخالص.
وأمّا ما غلب من الذهب والفضة فيه الغش فإنه يعامل معاملة العروض، فلا تجب فيه الزكاة من غير نيّةِ التجارة، وذلك بأنّها لا تنطبع بلا غش فمَسَّت الضرورة إلى إهدار القليل، ولا ضرورة في الكثير ففصلنا بالغلبة بأن يزيد على النصاب؛ إذ المغلوب في مقابلة الغالب كالمعدوم (¬2).
تطبيق:
وعليه فيجب على الموظفات وصاحبات المهن تزكية ما يملكن من حُلي إن كان يزيد على (100) غراماً، وكذلك إن كان أقل من (100) غراماً ولكن معها نقود أخرى لو جمعت معه تبلغ قيمته (100) غراماً ذهباً فأكثر.
ولو فرضنا أن أحداً من الموظفين وأصحاب المهن ملك إناءً مصنوعاً من الذهب الخالص (100) % وزنه (1000) غراماً وأرادنا زكاته تكون الزكاةُ على الوزن كاملاً، وإن كانت نسبةُ الذهب فيه
¬
(¬1) ينظر: ابن منظور، اللسان،1: 416، والرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، ت: حمزة فتح الله، مؤسسة الرسالة، 1417هـ. ص74.
(¬2) ينظر: ابن ملك، شرح الوقاية ق61/أ.
(60) % تكون الزكاةُ على الوزن كاملاً أَيضاً؛ لأنّ للأكثر حكم الكل، وإن كانت نسبة الذهب فيه (40) % تكون الزكاة على مقدار الذهب فيه وهي (400) غراماً لإمكانية خلوصه منه، وهو أكثر من النصاب الشرعيّ، وأما إن كانت نسبة الذهب (5) % فيزكَّى (50) غراماً من الإناءِ بشرط أن يوجد عنده مالاً آخر من ذهبٍ أو فضةٍ أو ذهبٍ يبلغ مع هذه الخمسين نصاباً، وإن لم يوجد إلا هذه الخمسين فلا تزكّى، وأمّا إذا كان الذهب مغلوباً أي أقل من (50) % كما في الأمثلة السابقة وكان الإناء معروضاً للبيع فإن الزكاة تكون على قيمته الإجمالية التي يباع فيها في السوق ولا تكون الزكاة خاصة بالذهب الموجود في داخله.
* * *
قاعدة (17)
نصابُ عروض التجارة
أن يبلغَ قيمتها قيمة نصاب الذهب
(100) غراماً (¬1)
توضيح:
كلُّ ما اشترى إنسانٌ بنيّة بيعه والتجارة فيه يعتبر من عروضِ التجارة، وتُزكَّى عروضُ التجارة إن كانت قيمتُها (100) غراماً ذهباً؛ لأنه الأنفع للفقراء من نصاب الفضة؛ إذ أنه قليل جداً في هذا الزمان فلو قدر به لأصبح عامة الناس الزكاة واجبة عليهم، ولا يجوز لهم أخذ الزكاة من غيرهم، فكان التقدير بالذهب أولى بالفقراء، فعن سمرة بن جندب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (كان يأمرنا أن نخرج الصدقة عن الذي يعد للبيع) (¬2)، وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (في البز صدقة) (¬3)، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -،
¬
(¬1) ينظر: صدر الشريعة، شرح الوقاية ص217 - 218.
(¬2) أبو داود، السنن، 2: 95، وسكت عنه، والطبراني، المعجم الكبير،7: 253، والبيهقي، السنن الكبير، 4: 146.
(¬3) أخرجه أحمد والدارقطني والحاكم، وإسناده حسن. ينظر: ابن حجر، الدراية، 1: 261.
قال: (ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة) (¬1).
تطبيق:
وعليه فيجب على أصحاب التجارات المختلفة أن يحسبوا قيمة كلّ العروض الموجودة بين أيديهم عند مجيء موعد زكاتهم ويجمعونه مع الأموال النقدية الأخرى معهم، فيخرجون الزكاة عن الكلّ.
ويجب على أصحاب الحرف من النجارين والحدادين وغيرهم أن يحسبوا المواد الخام التي يستخدمونها في صنعتهم؛ لأنها من عروض التجارة ويزكونها مع أموالهم الأخرى.
ويجب على أصحابِ المصانعِ المختلفةِ أن يحسبوا المواد الخام المستخدمة في صناعتهم والمصنوعات عندهم التي لم تبع بعد؛ لأنه معروضة للبيع فتأخذ حكم عروض التجارة وتجمع مع الأموال الأخرى.
ويجب على المقاولين في البناء أن يحسبوا قيمة الشقق والبيوت المبنيّة التي لم تبع بعد حتى جاء موعد إخراجهم للزكاة، ويخرجون الزكاة عنها.
* * *
¬
(¬1) البيهقي، السنن الكبير، 4: 147، وصححه، وابن أبي شيبة، المصنف، 2: 406.
قاعدة (18)
يُضمُّ الذهبُ والفضّةُ والعروض
بعضُها إلى بعضٍ بالقيمة
توضيح:
تضمُّ قيمةُ العروض إلى الذهب والفضة، ويضم الذهب إلى الفضة بالقيمة فيكمل به النصاب؛ لأنّ الكلَّ جنسٌ واحد؛ لأنها للتجارة (¬1).
تطبيق:
وعليه فمَن كان يملك من الموظفين وأصحابِ المهن أقلّ من (100) غراماً ذهباً ومعه نقود أخرى لو جمع معها يبلغ نصاباً يجب عليه الزكاة.
ومَن كان يملك عرضاً للتجارة ككمبيوتر للبيع وهو أقل من قيمة النصاب ويملك معه نقوداً أخرى بحيث يبلغان مع بعضهما البعض نصاباً يجب عليه زكاة الكلّ.
ومَن كان يملك عرضاً للتجارة وذهباً وفضةً ونقوداً لو جُمِعت مع
¬
(¬1) ينظر: صدر الشريعة، شرح الوقاية ص218، وغيره.
بعضِها البعض تبلغ نصاباً فإنّها تُجمعُ ويجب عليه الزكاة وإن كان كلُّ واحدٍ منها أقلّ من النصاب بوحده.
* * *
قاعدة (20)
نصابُ البقر والجواميس ثلاثون، ويكون فيها تَبيعٌ (¬1) إلى أربعين، وفي الأربعين مسنة (¬2)، وستين إلى سبعين تبيعان، وسبعين إلى ثمانين تبيع ومسنة، ومن ثمانين إلى تسعين ثلاثة أتبعة، وهكذا في كلّ عشرة
توضيح:
لا تجب الزكاة على مَن ملك أقلّ من ثلاثين بقرةٍ، فإن بَلَغَت ثلاثين كان فيها بقرةٌ أَكملت سنةً وتُسمّى تبيعةً، ويبقى هذا حتى تبلغ تسعاً وثلاثين، وفي الأربعين فيكون فيها بقرةٌ أَكملت سنتين وتُسمَّى مسنةً، وما بين أربعين إلى ستين عفوٌ أَيضاً فلا يجب فيه شيء (¬3)، وإنّما يتغيّر
¬
(¬1) وهو الذي تمَّ عليه الحول، والتبيعة أنثاه. ينظر: أبو الحاج، المشكاة ص312.
(¬2) أي في كل أربعين مسنّ أو مسنة، والمسن: هو الذي تمَّ عليه الحولان، والمسنّة أثناه. ينظر: أبو الحاج، المشكاة ص312.
(¬3) هذا قول الصاحبين، وهو رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وهو قولهما، وهو اختيارُ صاحب الملتقى ص30، وجوامع الفقه، وفي المحيط: وهو أعدلُ الأقوال، وفي الينابيع، والاسبيجابي: وعليه الفتوى. ينظر: ابن عابدين، رد المحتار، 2: 18.
والقول الثاني: يجب الزكاة فيما بين الأربعين والستين، ففي الواحدة ربع عشر مسنة، وفي الاثنين نصف عشر مسنة، وفي الثلاثة ثلاثة أرباع عشر مسنة، وفي الأربعة عشر مسنة وهكذا؛ لأن العفو ثبت نصاً بخلاف القياس ولا نصّ هنا، هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - في رواية الأصل 2: 55 - 56، وهو اختيار البرهاني في الوقاية 210، والموصلي، عبد الله بن محمود، المختار، ت: زهير عثمان. دار الأرقم. 1: 139 والنسفي، عبد الله بن أحمد، كنز الدقائق، اعتنى به: إبراهيم الحنفي الأزهري، طبع بالمطبعة الحميدية المصرية بالمناصرة بمصر. 1328هـ. ص27، والطرابلسي في مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة، من مخطوطات وزراة الأوقاف العراقية، ق50/أ.
والقول الثالث: أنه لا يجب في الزيادة شيء حتى تبلغ خمسين، ثم فيها مسنة وربع مسنة، أو ثلث تبيع؛ وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأن مبنى هذا النصاب على أن يكون بين كل عقدين وقص، وفي كل عقد واجب. ينظر: ابن عابدين، رد المحتار، 2: 18.
المقدار إذا بلغت ستين فيجب تبيعان، ويبقى هذا حتى تبلغ تسعاً وستين، ثم ما بين سبعين وتسعاً وسبعين يكون تبيعة ومسنة، وما بين ثمانين وتسعاً وثمانين يكون مسنتان، وما بين تسعين وتسعاً وتسعين يكون ثلاثة أتبعة، وهكذا يتغيّر مقدار الزكاة في كلّ عشرةٍ إلى ما لا نهاية، فعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: (بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة) (¬1).
تطبيق:
وعليه فلا تجب الزكاةُ على أصحاب الأبقار إلا إذا بلغت نصاباً وهو ثلاثين بقرة، ويكون زكاتُها على التفصيل السابق، ولا يجمع البقر
¬
(¬1) الترمذي، محمد بن عيسى، السنن، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت. 3: 20، وحسنه، والحاكم، المستدرك، 1: 555، وابن خزيمة، الصحيح، 4: 19.
مع غيره من الأنصبة سواء أكان ذهباً أو فضة أو نقوداً أو غنماً، وإنما لها نصاب خاصّ بها إن بلغته أخرجت زكاتها وإلا فلا زكاة فيه إلا إذا ملك بقراً للتجارة فإنها تعامل معاملة عروض التجارة، وتزكَّى مع عروض التجارة، وتدفع زكاتُها كما تدفع زكاة عروض التجارة.
* * *
قاعدة (21)
نصابُ الغنم أَربعون، ويكون فيه شاةٌ: إلى مئةٍ وإحدى وعشرين، ومنه إلى مئتين يجب شاتان، ومن مئتين إلى أربعمئة ثلاث شياه، ثمّ في كلِّ مئةٍ شاةٌ (¬1)
توضيح:
لا تجب الزكاة في الغنم والماعز إلا إذا بلغت أربعين شاة فيكون زكاتُها شاة عمرُها سنة فأكثر، ويبقى هذا إلى أن تبلغ (120) شاة، ثمّ ما بين (121) شاة و (200) شاة تكون زكاتُها شاتين، وثم ما بين (201) شاة و (399) شاة يكون زكاتها ثلاث شياه، ثم ما بين (400) شاة و (499) شاة يكون زكاتها أربع شياه، وهكذا نزيد شاة في كل مئة جديدة، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - في تكملة كتاب رسول الله السابق: (وفي الشاة في كلّ أربعين شاة شاة إلى عشرين ومئة، فإذا زادت فشاتان إلى مئتين، فإذا زادت فثلاث شياه إلى ثلاث مئة شاة، فإذا زادت على ثلاث مئة شاة ففي كل مئة شاة شاة، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة ... ) (¬2)، وعن
¬
(¬1) ينظر: العيني، المنحة، 2: 133.
(¬2) الترمذي، السنن، 3: 17، وحسنه، والحاكم، المستدرك، 1: 549، وأبو داود، السنن،2: 98.
أنس - رضي الله عنه -: (إن أبا بكر - رضي الله عنه - كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين ملكاً أمر الله بها رسوله فمَن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط .. في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاثمائة، ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمئة ففي كل مئة شاة ... ) (¬1).
تطبيق:
وعليه فمَن كان من أصحاب الأغنام فلا يجب عليهم الزكاة حتى تبلغَ أَغنامهم (40) شاةً، ومن ثمّ زكاتها على التفصيل السابق، وتُجمع الغنم والماعز مع بعضِها البعض؛ لأنها جنسٌ واحد، كما تجمعُ البقرُ والجواميسُ مع بعضِها البعضِ؛ لأنها جنسٌ واحد، ولكن لا تجمع الأغنام مع غيرها من الأجناس كما سَبَق في الكلام في البقر، إلا إذا كانت عَرْضاً للتجارة فتجمع مع عروض التجارة وتُزَكَّى زكاةَ عروض التجارة.
* * *
¬
(¬1) البخاري، محمد بن إسماعيل، الصحيح، ت: د. مصطفى البغا. ط3. 1407هـ. دار ابن كثير واليمامة. بيروت.2: 573.
قاعدة (22)
يجوز دفعُ القيمةِ في الزّكاة
توضيح:
الأمرُ بأداء الزَّكاةِ إلى الفقير؛ لأجل إيصال الرِّزقِ إلى الفقراء، ويستوي فيه العين وقيمته، ولم يوجد دليلٌ يمنعُ أداء القيمة (¬1)، ويستدل على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه - عند بعثه إلى اليمن: (خذ الحب من الحب والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر) (¬2)، ومع هذا التعيين الصريح منه - صلى الله عليه وسلم -، إلا أن معاذاً - رضي الله عنه - قال لأهل اليمن: ((ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير)) (¬3)، لعلمه - رضي الله عنه - أنّ المرادَ سَدّ حاجة الفقراء لا خصوص هذه الأعيان، ولذلك قال - رضي الله عنه -: ((فإنّه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة)) (¬4)، وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على
¬
(¬1) ينظر: اللكنوي، عمدة الرعاية،1: 276.
(¬2) الحاكم، المستدرك،1: 546، وصححه، وأبو داود، السنن، 2: 109، وابن ماجة، محمد بن يزيد، السنن. ت: محمد فؤاد عبد الباقي. دار الفكر. بيروت.1: 508.
(¬3) البخاري، الصحيح، 2: 525.
(¬4) الدَّارَقُطْنِي، علي بن عمر، السنن، ت: السيد عبد الله هاشم. دار المعرفة. بيروت. 1386هـ.2: 100.
ذلك، ولو كان خلاف الشرع المفترض لما أقرّه، ولأمره برد ذلك إلى أهله ونهاه عنه، وعن عمر - رضي الله عنه -: ((كان يأخذ العروض في الصدقة من الورق وغيرها)) (¬1)، والورق: أي الفضة؛ إذ كان - رضي الله عنه - يأخذ قيمة صدقة الفضة عروضاً. وعن عليّ - رضي الله عنه -: ((كان يأخذ العروض في الجزية من أهل الإبر الإبر، ومن أهل المال المال، ومن أهل الحبال الحبال)) (¬2)؛ إذ أنه - رضي الله عنه - كان يأخذ قيمة الجزية من كل قوم بما يناسبهم. قال أبو عبيد (¬3) بعد ذكر الروايات السابقة: ((قد رخصا ـ أي عمر وعلي - رضي الله عنهم - ـ في أخذ العروض والحيوان مكان الجزية، وإنّما أصلها الدراهم والدنانير والطعام، وكذلك كان رأيهما - رضي الله عنهم - في الديات من الذهب والورق والإبل والبقر والغنم والخيل، وإنما أرادا التسهيل على الناس فجعلا على أهل كل ما يمكنهم))، وقال العَيْني (¬4): ((واعلم أن دفع القيمة في الزكاة جائز عندنا، وكذا في الكفارة وصدقة الفطر والعشر والخراج والنذر، وهو قول عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وطاوس - رضي الله عنهم -، وقال الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها، وهو مذهب
¬
(¬1) ابن أبي شيبة، المصنف،2: 404.
(¬2) ابن أبي شيبة، المصنف،2: 404.
(¬3) في كتاب الأموال ص510.
(¬4) العيني، محمود بن أحمد، عمدة القاري شرح صحيح البخاري. دار إحياء التراث العربي. بيروت. مصورة عن الطبعة المنيرية.9: 8.
البخاري، وإحدى الروايتين عن أحمد، ولو أعطى عرضاً عن ذهب وفضة، قال: أشهب يجوز، وقال الطرطوشي: هذا قول بيِّن في جواز إخراج القيم في الزكاة، قال وأجمع أصحابنا ـ من المالكية ـ على أنه لو أعطى فضة عن ذهب أجزأه، وكذلك إذا أعطى درهماً عن فضة عند مالك - رضي الله عنه - ... وهو وجه للشافعية، وأجاز ابن حبيب دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين)).
تطبيق:
وعليه: فمَن أَراد من الموظفين وأَصحاب المهن أن يخرج زكاته فلا يجب عليه إخراجها من الجنس الذي هي منه فحسب أو من النقود فقط، وإنّما يجوز أن يخرجَها من أي شيءٍ له قيمة.
فيجوز للموظفةِ التي تملك ذهباً أن تخرجَ قيمةَ زكاتِها نقوداً، وكذلك أَصحاب العروض المختلفة.
ويجوز أن يخرجوا قيمةَ زكاتهم كُتُباً أو طعاماً أو لباساً أو سيارات أو غيرها من كلّ ما له قيمة معتبرة بين الناس وفي الشرع.
* * *
قاعدة (23)
الزّكاة واجبة في النصاب دون العفو
فلا يسقط شيء بهلاك العفو
توضيح:
المقصود بالعفو ما بين النصابين، فإنه إذا مَلَكَ ثمانين شاة، فالواجبُ وهو شاة واحدة إنِّما هو في الأربعين لا في المجموع، حتى لو هَلَكَ أربعين بعد الحولِ كان الواجبُ على حاله، وإنّما سُمِي عفواً لوجوب الزكاة قبل وجوده (¬1)، وهذا العفوُ خاصٌّ بأنصبةِ الحيوانات لتعلّق الزكاة بأعدادٍ معيّنةٍ كلّما زادت زاد زكاتُها لا بنسبة شائعة تدفع مهما زاد العدد كما هو الحال في الذهب والفضة والعروض والنقود.
تطبيق:
وعليه: فمن كان يملك بقراً أو غنماً وهلك شيءٌ من العفو مما بين كلّ نصابين ولو بعد حولان الحول فإنّه لا يسقط شيءٌ من الزكاة، فمَن كان يملك ثمانين شاة فإنّه يدفع زكاتها شاة، ولا يختلف الحكم لو هلك بعد الحول أربعين شاة طالما أن الباقي معه نصاب فيه شاة.
¬
(¬1) وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وقال محمد وزفر - رضي الله عنهم -: في مجموع النصاب والعفو. ينظر: القاري، فتح باب العناية 1: 505.
قاعدة (24)
هلاك النصاب بعد وجوب الزّكاة بحولان الحول يسقطها، ولو هَلَكَ بعض النصاب تسقط الزكاة بقدره، بخلاف لو استهلكه المالكُ فإنّها لا تسقط
توضيح:
التقييدُ بالهلاك؛ لأنّ واجب الزكاة لا يسقط باستهلاك النصاب بفعل ربّ المال، أما لو استهلكه قبل تمام الحول فلا زكاة عليه؛ لعدم الشرط (¬1).
تطبيق:
وعليه فمَن ملك نصاباً من الموظفين وأصحاب المهن سواء أكان نصاب ذهب أو فضة أو نقوداً أو عروضاً أو بقراً أو غنماً ثم هلك بعد حولان الحول ووجوب الزكاة بآفة سماوية من غير فعله فإن الزكاة تسقط عنه فلا يجب عليه شيء.
وأمّا إذا هَلَكَ بعضُ النصاب بعد حولان الحول فإنّه يسقط عنه زكاةُ الهالك، فمَن كان يملك (10000) ديناراً وهلك منها بعد الحول
¬
(¬1) ينظر: ابن عابدين، رد المحتار،2: 21، وابن ملك، شرح الوقاية، ق54/أ-ب.
(4000) ديناراً فيجب عليه زكاة الباقي وهو (6000) ديناراً فحسب.
وأما إذا حال الحول على (10000) ديناراً ثم استهلكها بزواجٍ أو شراءٍ أو أكلٍ فلا يسقط عنه شيءٌ من زكاتها وعليه زكاتُها كاملة.
* * *
قاعدة (25)
يصحُّ التعجيل لسنين ولنصب أيضاً
بعد ملك النصاب
توضيح:
يجوز تعجيل زكاة مَن مَلَكَ نصاباً سواء كان لحول أو أكثر، أم كان لنصاب واحد أو أكثر؛ لأنّ السببَ هو المال النامي، فالمالُ أصلٌ والنماءُ وصفٌ له، فجاز تأديته بعد وجود أصله، ولأنّ المالَ النَّامي سببٌ لوجوبِ الزَّكاة، والحولُ شرطٌ لوجوب الأداء، فإذا وُجِدَ السَّبب يصحُّ الأداءُ مع أنه لم يجب، فإذا وجدَ النصاب يصحّ الأداءُ قبل الحول، وكذا إذا كان له نصابٌ واحدٌ كمئتي درهمٍ مثلاً، فيؤدِّي لأكثر من نصاب واحد؛ لأن النصاب الأول أصل السببية وما زاد عليه تبع، حتى إذا مَلَكَ الأكثرَ بعد الأداء أجزأهُ ما أدَّى من قبل، أَمَّا إذا لم يملكْ نصاباً أصلاً لم يصحّ الأداء (¬1)، فعن عليّ - رضي الله عنه -: (إنّ العبّاسَ - رضي الله عنه - سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -
¬
(¬1) ينظر: صدر الشريعة، شرح الوقاية، ص217، واللكنوي، عمدة الرعاية،1: 284، والزيلعي، التبيين،1: 275 - 276.
عن تعجيل صدقة قبل أن تحلّ فَرَخَّصَ في ذلك) (¬1).
تطبيق:
وعليه فيجوز للموظفين وأصحاب المهن دفع زكاة أموالهم في أي وقت شاؤوا بدون تقيد بتاريخ بعينه بشرط أن يكون مالكاً للنصاب فحسب، فصحّ تقديمه قبل مرور سنة على النصاب مثلاً.
ويجوز لهم دفعُ الزكاةِ عن عدّةِ أنصبةٍ وإن لم يكن مالكاً إلا لنصابٍ واحد، فمن كان يملك (2500) ديناراً وهو النصاب مثلاً، ودفع الزكاة عن (10000) دينارٍ جاز له ذلك، ويكون ما يدفعه عن زكاة تجب عليه المستقبل، فلو كان يملك في آخر السنة (15000) ديناراً يكون قد دفع عن (10000) دينارٍ منها، وإن لم يكن يملك في آخر السنة إلا (5000) ديناراً فإنه يكون دفع عن السنوات القادمة زكاة (5000) ديناراً، وهكذا.
* * *
¬
(¬1) الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن، السنن، ت: فواز أحمد وخالد العلمي. ط1. 1407هـ. دار التراث العربي. بيروت. 1: 470، والباجي، سليمان بن خلف، المنتقى شرح الموطأ. دار الكتاب الإسلامي.1: 98، وابن خزيمة، الصحيح، 4: 48، والحاكم، المستدرك، 3: 375.
قاعدة (26)
يجب زكاة كلّ ما ينبت من الأرض
إلا ما لا ينتفع به
توضيح:
لا يشترط في زكاة الأرض نصاب (¬1) أو حولٍ أو عقل أو بلوغ، فإنها تجب على المجنون والصبيّ؛ لأنه مؤنةُ الأرض النامية كالخراج، بخلاف الزكاة؛ لأنها عبادة (¬2).
ولا يجب في الحطب والقصب والحشيش؛ لأنّ الأراضي لا تستنمي بهذه الأشياء، فإن جعل أرضَه محطبةً أو مقصبةً أو مُحتشاً وَجَبَ العشر؛ لوجود الاستنماء (¬3).
¬
(¬1) أي من غير تقدير بقدر كخمسة أوسق كما عند الشافعية. ينظر: الشافعي، محمد بن إدريس، الأم، دار المعرفة. بيروت ط2. 1393هـ.2: 38، والأنصاري، يحيى بن زكريا، الغرر البهية في شرح البهجة الوردية، المطبعة اليمنية.2: 149، والرملي، محمد بن أحمد، نهاية المحتاج إلى شرح ألفاظ المنهاج. دار الفكر.3: 74.
(¬2) ينظر: ابن ملك، شرح الوقاية، ق66/ب.
(¬3) ينظر: ابن ملك، شرح الوقاية، ق67/أ.
تطبيق:
وعليه فيجب على المزارعين تزكيةُ كلُّ ما تخرجُ أراضيهم سواءٌ أكان حبوباً أو خضاراً أو فاكهةً مهما كانت قدرها ولو كان قليلاً.
ولو ورث صغيرٌ أرضاً وجبَ إخراج زكاتها.
ولو جُنّ مزارعٌ لا تسقط زكاته أرضه.
ولو نَبَتَ في الأرض ما لا يُنتفعُ به من الحشيسِ وغيره فلا تجب الزكاة فيه.
* * *
قاعدة (27)
يجب عشرُ نابت سُقي بغيرِ فعل البشر
ونصف عشر سقي بفعل البشر
توضيح:
يجب (10) % من زكاةِ الزُّروعِ والثمارِ التي سُقيت من ماءِ السماءِ مباشرةً أو من سيل بدون أن تَحمُّل جهدٍ في سقيها من المزارعِ أو يَتَكلّف نفقات مُعيّنة بسببِ ذلك، فإن سقاها بيده أو أنفق على سقيها كان زكاتها (5) %، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عشرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر) (¬1).
تطبيق:
وعليه فتجب زكاةُ ما يخرج من الأرضِ على المزارع سواء (10) % أو (5) % على حسب الحال من هل بذل جهداً أو دفع نفقة لسقي الأرض أم لا؟ فكلُّ ما يتحمل فيه جهداً أو مالاً لأجل السقي تكون زكاته (5) % كوضع أنابيب لسقي الخضار والأشجار، وإن لم يَتَكلَّفْ شيئاً من ذلك إلا حراثة الأرض وزراعتها فتكون زكاتُه (10) %.
¬
(¬1) البخاري، الصحيح، 2: 540.
قاعدة (28)
إن سُقِي بفعل البشر وبغيرِ فعل البشر
فالحكم لأكثر الحول
توضيح:
إن سُقي الزرعُ في أكثرِ السنة بالسيل ففيه العشر، وإن سقي أكثر السنة بآلة ففيه نصف العشر، وإن سقي نصف السنة بآلة ونصفها بغير آلة، ففيه نصفه أيضاً نظراً للمالك كالسائمة (¬1).
تطبيق:
وعليه فيجب على المزارع نصف العشر أو العشر باعتبار الأكثر من السقي أو عدمه، فلو كان الزرع يبقى في الأرض أربعة أشهر فسقاه ثلاثة يجب عليه نصف العشر ولو سقاه واحداً وَجَب عليه العشر، ولو سقاه اثنين وجب عليه نصفُ العشر مراعاة لحقّ المزارع.
* * *
¬
(¬1) ينظر: الزيلي، محرم بن محمد، هدية الصعلوك شرح تحفة الملوك. ايدنمشدر. 1295هـ. ص130.
قاعدة (29)
يجب في العسل العشر
وإن كان في الجبل
توضيح:
تجب زكاة العسل كما هو الحال في الأرض، وتكون زكاته (10) % دائماً لعدم وجود نفقة للسقي كما في الأرض ولو كان نحل العسل يعيش في الجبال، فعن أبي سيّارة المتقي - رضي الله عنه - قال: قلت: (يا رسول الله إن لي نحلاً، قال: أدّ العشر، قلت: يا رسول الله احمها لي فحماها لي) (¬1).
تطبيق:
وعليه فيجب على أصحابِ النحلِ تزكية (10) % ممّا يُخرج نحلهم سواء كان يعيش في بيوتهم أو مزارعهم أو الجبال، ولا فرق في ذلك بين أرض وأرض.
* * *
¬
(¬1) ابن ماجة، السنن،1: 584، وابن أبي شيبة، المصنف، 2: 373، وأحمد، المسند،4: 263.
قاعدة (30)
تخرج زكاةُ الخارج
قبل إخراج المصاريف والنفقات
توضيح:
لا ترفع مؤنة الزرع، فلا يخرج ما صرف للزرع من نفقة العمال والحرث وكري الأنهار وغيرها مما يحتاج إليه في الزرع (¬1).
تطبيق:
وعليه فيجب على المزارع أن يحصر ما أنتجته أرضه من زرع أو خضار أو شجر، ويدفع زكاته (10) % أو (5) % بحسب الشرط السابق قبل أن ينقص مصاريف العمال والبقر والحصاد والحراثة وغيرها، فالزكاةُ تخرج عن كلِّ ما أَخرجت الأرض.
وأكتفي بما ذكر من قواعد فإن المقام يطول والاستيعاب فيه عسير يدخل الباحث والقارئ في حيثيات يحسن تجنبها في هذا المقال، والله المعين.
¬
(¬1) ينظر: زاده الرومي، عبد الرحمن بن محمد، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر، دار الطباعة العامرة. 1316. 1: 216.
الخاتمة:
تفرض الزكاة على الموظفين وأصحاب المهن المكلّفين المالكين للنصاب، وهو (100) غراماً ذهباً، فائضاً عن الحاجة الأصلية، وحال عليه الحول، والمعتبر في الحول طرفيه، بشرط أن يكون المال نامياً، والنماء في الذهب والفضة هو الثمنية، وفي البقر والغنم هو رعيها أكثر الحول، وفي عروض التجارة نيةُ بيعها والتجارة بها عند مِلْكها.
ويشترط أن يكون المال مملوكاً ملكاً تامّاً: أي ذاتاً للمزكِّي وتصرّفاً بحيث يستطيع أن يفعل به ما يشاء، وأن لا يكون على المزكي ديناً لآدمي سواء أكان حالاً أو مؤجلاً.
ووجوب دفع الزكاة يكون على التراخي، ويصحُّ دفعُها بنيّة مقارنة عند الدفع أو عزل مقدار الزكاة.
ونصاب الذهب (100) غراماً غالبها ذهب، ونصاب الفضة (700) غراماً غالبها فضة، ونصاب العروض والنقود هو قيمة نصاب الذهب.
ويدفع زكاتها (2.5) %، ولا يزكي الكسور وهي ما كانت أقلّ من
خمس النصاب، ويَجمع الذهب والفضة والعروض والنقود مع بعضها عند الزكاة باعتبارها أنها أقرب جنساً، ويجوز دفع القيمة بأي شيء له قيمة عند الناس والشرع.
وإذا هلك المال كلّه أو بعضه بآفة سماوية من الله - عز وجل - بعد حولان الحول تسقط زكاة الهالك بخلاف إن استهلكه الإنسان فلا تسقط زكاته، ويجوز التعجيل لسنوات ولنصب بشرط ملك النصاب.
ويزكِّي كلُّ ما يخرج من الأرض قلّ أو كثر، فيدفع (10) % في البعل، و (5) % في السقي قبل إخراج المصاريف والنفقات، ويخرج زكاة العسل مطلقاً (10) %. والله ولي التوفيق.
* * *