الجزء 1 · صفحة 1
رسالة في بيان الاقتداء بالشافعية والخلاف في ذلك
تأليف الشيخ الإمام شيخ الإسلام السندي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي أُفْتُتِحَ بحمده في كلِّ رسالة ومقالة، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد صاحب النبوة والرسالة.
قال مولانا العالم الإمام العلامة، الحبر البحر الفهّامة، شيخ الإسلام وبركة الأنام، تلميذ المحقِّق الهُمام رحمة الله الشيخ علي السندي الحنفي، عاملَه اللهُ بلطفه الخفي:
إخواني رحمكم الله وأبقاكم، ونصركم وبصّركم وأواكم سألتموني أن أجمع لكم أقوال العلماء السادة الحنفية في بيان الاقتداء بالشافعية(1)، وعن الصحيح المنقول في ذلك، فأقول وبالله التوفيق:
اعلم أنه قد اختلف علماؤنا - رضي الله عنهم - قديماً وحديثاً في جوازه على أربعة أقوال:
(1) في الأصل: الشفعوية، وهذا خطأ من حيث اللغة، والصحيح الشافعية؛ لما عرف من وجوب حذف ياء النسب إذا نسب إلى ما هي فيه، ووضع الياء الثانية مكانها حتى تتحد الصورة قبل النسبة الثانية وبعدها والتمييز حينئذ من خارج فالياء المشددة فيه ياء النسبة لا آخر الكلمة ككرسي. ينظر: ((العناية))(1: 437)، و((فتح القدير))(1: 437)، و((البحر))(2: 49)؛ لهذا صححتها في المواضع التي وردت فيها في الرسالة بالشافعية.
الجزء 1 · صفحة 2
القول الأول: إنه يجوزالاقتداء إذا كان يحتاطُ في مواضع الخلاف، وإلا فلا، وعلى هذا أكثر المشايخ - رضي الله عنهم - منهم الإمام شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ، وصدر الإسلام، وأبو الليث السَّمَرْقَنْديّ(1)، وصاحب ((الهداية))، وصاحب ((الكافي))، وقاضي خان، والتُّمُرْتاشي(2)، وصاحب(3) ((التاتارخانية))، والصدر الشهيد، وتاج الشريعة(4)، وصاحب(5)
(1) وهو نصر بن محمد بن أحمد السَّمَرْقَنْدِيّ الحنفي، أَبو الليث الفقيه، إمام الهدى، قال الداودي: هو الإمام الكبير صاحب الأقوال المفيدة، والتصانيف المشهورة. ومن مؤلفاته: ((مختارات النوازل))، و((خزانة الفقه))، و((عيون المسائل))، (ت375هـ). ينظر: ((تاج التراجم))(ص310)، ((طبقات المفسرين))(2: 345)، ((الفوائد))(ص362).
(2) وهو أحمد بن إسماعيل التُّمُرْتَاشِيّ الخَوَارَزْمِيّ، أبو العبَّاس، ظهير الدين، قال الكفوي: إمام جليل القدر، عالي الإسناد، مطَّلع على حقائق الشريعة، من مؤلفاته: ((شرح الجامع الصغير))، وكتاب ((التراويح)). ينظر: ((الجواهر))(1: 147-148)، ((الفوائد))(ص35).
(3) وهو عالم بن علاء الحنفي الأندريتي، فريد الدين، قال الحسني عنه: الشيخ الإمام العالم الكبير، أحد العلماء المبرزين في الفقه والأصول والعربية. صنَّف ((الفتاوى التَّاتارخانيَّة)) بإشارة الخان الأعظم القهرمان المعظم تاتارخان، وسمَّاه باسمه، (ت786هـ). ينظر: ((نزهة الخواطر))(2: 64-65)، ((الكشف))(1: 268)، ((معجم المؤلفين))(2: 26).
(4) وهو عمر بن أحمد بن عبيد الله المحبوبي الحنفي، تاج الشريعة، قال طاشكبرى زاده: عالم فاضل حبر كامل، من مؤلفاته: ((نهاية الكفاية في دراية الهداية))، (ت بعد 673هـ). ينظر: ((مفتاح السعادة))(2: 240-241)، و((دفع الغواية))(1: 2-6)، و((هدية العارفين))(1: 787)، و((مقدمة منتهى النقاية))(1: 37).
(5) وهو يوسف بن عمر بن يوسف الصُّوفِيّ الكادوري البَزَّار الحنفي، قال الكفوي: شيخ كبير وعالم نحرير جمع علمي الحقيقة والشريعة، من مؤلفاته: ((جامع المُضْمَرات والمشكلات شرح مختصر القُدُوريّ)) قال الإمام اللكنوي: وهو شرح جامع للتفاريع الكثير، وحاوٍ على المسائل الغزيرة، (ت832هـ). ينظر: ((الكشف))(2: 1632). ((الفوائد))(ص380). ((الأعلام))(9: 321).
الجزء 1 · صفحة 3
((المضمرات))، وصاحب ((النهاية))، وقوام الدين(1) شارح ((الهداية))، وفخر الدين شارح ((الكنز))، وشيخنا المحقِّق كمال الدين ابن الهُمام شارح ((الهداية)) المسمّى بـ((فتح القدير))، وغيرهم من المشايخ رحمة الله عليهم أجمعين.
والأصلُ في هذا أن المذهبَ الصحيحَ الذي عليه المشايخ سلفاً وخلفاً أن العبرةَ في جواز الصلاة وعدمه لرأي المقتدي في حقِّ نفسه لا لرأي إمامه، فلو عَلِمَ المقتدي من الإمام ما يُفسدُ الصلاةَ على زعم الإمام كمسِّ المرأةِ وغيره يجوز الاقتداء؛ لأنه يرى جوازها، والمعتبر في حقِّه رأيه لا غير فوجب القول بجوازها.
ولو عَلِمَ منه ما يفسد الصلاة عنده لا عند الإمام لا يجوز الاقتداء به؛ لما قلنا إن العبرةَ لرأي المقتدي وأنه لم يرى الاقتداء به جائزاً فوجبَ القولُ بعدم الجواز، فإن صلى معه يعيدُ صرح به الصدر الشهيد - رضي الله عنه -.
وهذا هو الأصل الذي لا محيد عنه للحنفي، فإنه إما أن يُسَلِّمَ هذا الأصلَ أو لا، فإن كان الثاني فلا خطاب معه لتركه المذهب، وإن كان الأول فلا محيص عنه أو يُسَلِّمَ في مسائل دون أخرى، فيحتاج إلى الفرق.
فإن قيل: قد ذَكَرَ بعضُهم ما يوجبُ أن المعتبرَ رأيَ الإمام عند جماعةٍ من المشايخ كما سيأتي.
(1) وهو أمير كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي الإَِتْقَانيّ الفَارَابي الحَنَفي، أبي حنيفة، قوام الدين، قال الكفوي: كان رأساً في الحنفية بارعاً في الفقه واللغة، كثير الإعجاب بنفسه شديد التعصّب على مَن خالفه، من مؤلفاته: ((غاية البيان ونادرة الأقران شرح الهداية))، و((شرح البزدوي))، و((التبيين شرح المنتخب الحسامي)(685-758هـ). ينظر: ((النجوم الزاهرة))(10: 325-326)، و((الكشف))(2: 2033)، و((الفوائد))(ص87-90).
الجزء 1 · صفحة 4
أجيب: بأن المرادَ من قولهم ذلك أنه يعتبر عند تلك الجماعة رأي الإمام أيضاً كما يعتبر رأي المأموم لا أن المعتبر رأي الإمام فقط، بل في اعتبار رأي المأموم الاتفاق، وفي رأي الإمام الاختلاف(1).
ومنشأ هذا السؤال قولهم فيما إذا شاهد من الإمام ما يفسد الصلاة عنده أو ينقض الوضوء كالنجاسة القليلة، ومسّ الذَّكَر والمرأة، فالأكثر على أنه يجوز، وهو الأصح، ومختار الهِنْدُوَانيّ وجماعة أنه صلاته كالفصد والحجامة وغيرهما مما لا يجوز الاقتداء به.
وقال صاحبُ ((النهاية)): اقتداءُ الحنفيِّ بالشافعيِّ غيرُ جائز؛ لوجود المفسد فيها عنده، فكأنه يقتدي بمَن هو خارج الصلاة.
وقال صاحبُ ((الخانية)) أيضا: إذا قال شافعي المذهب إلهي ما عرفناك حق معرفتك، أو يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو يقول العمل من الإيمان يزيد وينقص(2)
(1) وهذا ما ذكره العلامة نوح أفندي في ((حواشي الدرر)) أن من قال إن المعتبر في جواز الاقتداء بالمخالف رأي الإمام عند جماعة منهم الهندواني أراد به رأي الإمام والمأموم معا لا رأي الإمام فقط كما فهمه بعض الناس فإن الاختلاف في اعتبار رأي الإمام لا في اعتبار رأي المأموم فإن اعتبار رأيه في الجواز وعدمه متفق عليه ثم قال فالحنفي المقتدي إذا رأى في ثوب الشافعي الإمام منيا لا يجوز له الاقتداء به اتفاقا لأن المني نجس على رأي الحنفي وإذا رأى في ثوبه نجاسة قليلة يجوز له الاقتداء عند الجمهور ولا يجوز عند البعض لأن النجاسة القليلة مانعة على رأي الإمام والمعتبر رأيهم. ينظر: ((منحة الخالق))(2: 52).
(2) فصَّل ابن نجيم الكلام في مسألة الاستثناء وأجابه عنه وقال ما حاصله في ((البحر الرائق))(2: 50): إن عباراتهم قد اختلفت في هذه المسألة:
فذهب طائفةٌ من الحنفية إلى تكفير مَن قال: أنا مؤمن إن شاء الله ولم يقيدوه بأن يكون شاكاً في إيمانه، ومنهم الأتقاني...
وذهب طائفة إلى تكفير مَن شكّ منهم في إيمانه بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله على وجه الشكّ لا مطلقاً، وهو الحقّ؛ لأنه لا مسلم يشكّ في إيمانه.
وقول الطائفة الأولى: أنه يكفر غلط؛ لأنه لا خلافَ بين العلماء في أنه لا يقال: أنا مؤمن إن شاء الله للشكّ في ثبوته للحال، بل ثبوته في الحال مجزوم به كما نقله المحقق ابن الهُمام في ((المسايرة))، وإنما محلّ الاختلاف في جوازه لقصد إيمان الموافاة، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منعه وعليه الأكثرون، وأجاز كثير من العلماء منهم الشافعي وأصحابه؛ لأن بقاءه إلى الوفاة عليه، وهو المسمّى بإيمان الموافاة غير معلوم، ولما كان ذلك هو المعتبر في النجاة كان هو الملحوظ عند المتكلّم في ربطه بالمشيئة، وهو أمر مستقبل، فالاستثناء فيه اتباع؛ لقوله تعالى {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الله}[ الكهف:23].
وقال أئمة الحنفية: لما كان ظاهر التركيب الإخبار بقيام الإيمان به في الحال مع اقتران كلمة الاستثناء به كان تركه أبعد عن التهمة، فكان تركه واجباً، وأما مَن علم قصده فربما تعتاد النفس التردد لكثرة إشعارها بترددها في ثبوت الإيمان واستمراره، وهذه مفسدة؛ إذ قد يجر إلى وجوده آخر الحياة الاعتياد خصوصاً، والشيطان منقطع مجرد نفسه لسبيل لا شغل له سواك، فيجب ترك المؤدي إلى هذه المفسدة اهـ.
فالحاصل أنه لا فائدة في هذا الشرط، وهو قول الطائفة الثانية أن لا يكون شاكاً في إيمانه؛ إذ لا مسلم يشكّ فيه، وأما التكفير بمطلق الاستثناء فقد علمت غلطه)).
الجزء 1 · صفحة 5
، أو يتوضّأ من القلتين(1)، أو جرح دم من عضده، أو ترك المضمضة والاستنشاق في غُسل الجنابة، أو مسح رأسه أقلّ من الربع في الوضوء فلا تجوز الصلاة خلفه.
وقال صاحبُ ((التاتارخانية)): لو عَلِمَ المقتدي من الإمام ما يمنعُ جواز الصلاة لا يجوز الاقتداء به؛ لأنه العبرةَ في حقِّ جوازه الصلاة وعدم الجواز لرأي المقتدي، وهو قول الأكثر، وهو الأصحّ على ما صرَّح به المحقِّق شيخنا كمال الدين بن الهُمام(2)، وغيره.
وقال تاجُ الشريعة: إذا كان الشافعيّ يُصلِّي عند الطلوع، ويُصلِّي الوتر أكثر من ثلاث ركعات، أو يبسط يديه في دعاء القنوت، أو يرفع يديه في تكبيرات الركوع لا يجوز الاقتداء به(3).
وقال الصدرُ الشهيد: المقتدي إذا رأى بثوب الإمام نجاسة، وهو يرى أنه لا يجوز الصلاة معها، والإمام يرى الجواز، فالمقتدي يعيد الصلاة؛ لأنه لم ير الاقتداء به جائزاً، فإن رأى الإمامُ الصلاةَ فاسدةً والمقتدي يراها جائزة لا يعيد. انتهى.
وهذا أيضاً قول الأكثر، وهو الأصحّ. وأما ما اختارَه الهِنْدُوانيّ ومَن معه من أنه يعيد؛ لأنه اعتقاد الإمام أنه ليس في الصلاة ولا بناء على المعدوم، فالجواب عنه ما مرَّ من أن المعتبرَ في حقِّ المقتدي رأي نفسه لا رأي الإمام على الأصحّ.
(1) مسألة التوضّؤ من القلتين ليست على إطلاقها بل تحتاج تقييد كما قال ابن نجيم في ((البحرالرائق))(2: 49): ((التوضؤ من القلتين صحيح عندنا إذا لم يقع في الماء نجاسة ولم يختلط بمستعمل مساو له أو أكثر، فلا بد أن يقيد قولهم بالقلتين المتنجس ماؤهما أو المستعمل بالشرط المذكور لا مطلقاً))..
(2) في ((فتح القدير))(1: 437).
(3) سبق تحرير أن الرفع غير ناقض مطلقاً، وإنما هذا قول شاذ، وقد خصها جمال الدين القونوي (ت770هـ) برسالة خاصة سمّاها ((مقدمة في رفع اليدين))، بيَّن فيها عدم فساد الصلاة برفع اليدين، وشذوذ رواية مكحول كما قال اللكنوي في ((الفوائد))(ص339).
الجزء 1 · صفحة 6
وقال شمسُ الأئمة السَّرَخْسِيُّ - رضي الله عنه -: إذا قال شافعي المذهب: أنا مؤمن إن شاء الله لا يجوز للحنفي الذي يقول: أنا مؤمن حقّاً أن يقتدي به.
وقال في ((المبسوط)): الصلاة خلف الشافعيّ جائزة إذا كان يحتاط جميع مواضع الخلاف بأن لا يميل عن القبلة ميلاً فاحشاً(1)، ويجوّز الوضوء عند الفصد والحجامة، ويغسلُ ثوبه من المني، ولا يقطع وتره ونحو ذلك، ولم يكن مُتعصِّباً(2)، ولا شاكاً في إيمانه.
وذكر الإمام التُّمُرْتَاشيّ عن شيخ الإسلام المعروف بخُوَاهَرْ زَادَه - رضي الله عنه -: إذا لم تعلم منه هذه الأشياء بيقين يجوز الاقتداء به، ويكره.
وقال في ((النهاية شرح الهداية)) في (باب الإمامة): وتكره الصلاة خلفَ الشافعي إن احتاط مواضع الخلاف وإلا ففاسدة. ومثلُه في ((شرح المجمع)) لابن فرشته(3)، وهذا النقل كاف في بابه.
(1) إن الانحراف المانع عندنا أن يجاوز المشارق إلى المغارب كما نقله في ((فتح القدير)) في استقبال القبلة، والشافعية لا ينحرفون هذا الانحراف. ينظر: ((البحر الرائق))(2: 50).
(2) إن التعصب على تقدير وجوده منهم إنما يوجب الفسق لا الكفر، والفسق لا يمنع صحّة الاقتداء، والظاهر من الشارطين لعدمه أنه يوجب الكفر؛ لكونه في الدين، وهو بعيد كما لا يخفى. قاله ابن نجيم في ((البحر الرائق))(2: 50).
(3) وهو عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين بن فرشتا الكِرْمَانِيّ، المعروفِ بابن مَلَك، وفرشتا: الملك، قال الكفوي: كان أحد المشهورين بالحفظ الوافر من أكثر العوم، وأحد المبرزين في عويصات العلوم، من مؤلفاته: ((شرح المجمع))، و((شرح المنار))، و((مبارق الأزهار فِي شرح مشارق الأنوار))، (ت801هـ). ينظر: ((الضوء اللامع))(4: 329). ((الفوائد))(ص181). ((الشقائق))(30).
الجزء 1 · صفحة 7
وقال صاحبُ ((مجمع الفتاوى)): الاقتداء بالشافعي يجوز إذا لم يكن متعصّباً ولا شاكّاً في إيمانه ولا يميل عن القبلة ميلاً فاحشاً بأن جاوز المغارب، ولا يتوضّأ من الماء الذي وقع فيه نجاسة، وهو قدر القلتين، وقولنا: ولا شاكاً في إيمانه بأن قال: أنا مؤمن إن شاء الله، أما لو قال: أموت مؤمناً إن شاء الله فإنه يُصلَّى خلفَه.
وقال صاحبُ ((المضمرات)): اقتداء الحنفي بالشافعي جائز إذا لم [يكن] متعصّباً ولا شاكاً في إيمانه، ويحتاط مواضع الخلاف بأن لا يُصلِّي الوتر ركعة، ولا يُصلِّي بعد الافتصاد قبل الوضوء، ولا يتوضّأ بماء مستعمل ونحو ذلك.
وقال الإمام صدر الإسلام أبو اليسر: اقتداءُ الحنفيّ بالشافعيّ غير جائز من غير أن يطعن في دينهم؛ لما روى مكحولُ النَّسفيِّ في كتاب له سمّاه ((السماع)) عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: إن رفعَ اليدين عند الركوع والرفع منه مفسدٌ بناءً على أنه عملٌ كثيرٌ حيث أقيم باليدين، وجُعِلَ ذلك عملٌ كثيرٌ فصلاتُه فاسدة عندنا فلا يصحّ الاقتداء به لهذا.
وقال الإمامُ حسامُ الدين الشهيد شارح ((الجامع الصغير)) في مسألة جواز الاقتداء بمَن يقنت في الفجر، قال بعضُ مشايخنا: دلَّت المسألةُ على أنّ الاقتداءَ بشافعي المذهب جائز إذا كان يحتاط في مواضع الخلاف، وأنكر آخرون ذلك لما روى مكحول النَّسفيّ صاحب الكتاب المسمّى بـ((اللؤلؤيات)) عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن مَن رفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه تفسد صلاته؛ لأنه عملٌ كثيرٌ فصلاتُهم فاسدةٌ عنده، فلا يصحّ هذا الاقتداء.
الجزء 1 · صفحة 8
وقال القاضي الصدر الشهيد: وظنّ بعضُ العلماء أن المسألة تدلّ على أن اقتداء الحنفي بالشافعي جائز، ولكن هذا ظنّ فاسد، فإن الشافعي لم يكن يومئذٍ من جملة المجتهدين ولا كان يقول بقنوت الفجر، فإنه اشتغل بتعلم الفقه بعدما صنَّفَ أبو يوسف - رضي الله عنه - ((الجامع الصغير))(1)، ولم يكن مجتهداً في زمن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وأما اقتداءُ الحنفيّ بالشافعيّ فغيرُ جائز؛ لما روى مكحول النَّسفيّ. انتهى.
فعلى هذا تحمل مسألة جواز الاقتداء بمَن يقنت على غير مذهب الشافعي.
فمَن لا يرى رفع اليدين عند الركوع، ويحتاط مواضع الخلاف كمالك - رضي الله عنه - لا يرى رفع اليدين في الأصحّ عنه، بل كرهه؛ ولأنه كان مجتهداً في زمن أصحابنا، فظهر أن الحمل على هذا أولى من خلافه، ولكن هذا أيضاً مقيّدٌ بشروط الاختلاف كما صرَّحَ به الإمام حسام الدين الشهيد في القانت. فتأمل.
ثم بهذا الحمل أيدفع ما قيل إن رواية مكحول عارضها رواية صحّة الاقتداء بمَن يقنت؛ لأنها سلمت عن التعارض بما ذكرنا.
وقال المحقِّقُ شيخنا كمال الدين ابن الهُمام: ويجوزُ الاقتداء بالشافعيّ بشروط نذكرها فذكرها كغيره.
وفي بعض الكتب كـ((الإرشاد)): والصلاة منفرداً أفضل من الصلاة خلف الشافعي، والصلاةُ مع الجم الكثير أفضل من الصلاة منفرداً ما لم يكن الإمام شافعياً أو مبتدعاً.
ثم هؤلاء العلماء كلّ واحد منهم قطب من لأقطاب، ينبوع العلم والزهد والتقى والفتوى، بل بحر محيط بالشريعة، مشهور في أقطار البلدان بالاجتهاد، فلم يرو عن واحد منهم جواز الاقتداء به بلا شرط فكيف يصحّ مخالفة هذا الجمّ الغفير، والجمع الكثير مع أنه معهم ما يساعدهم من الرواية والدراية، والاحتياط.
(1) الجامع الصغير)) من تصانيف محمد بن الحسن بإشارة من أبي يوسف - رضي الله عنهم -.
الجزء 1 · صفحة 9
فإن قيل: الرفع ليس بمفسد على ما صححه بعضهم كصاحب ((الذخيرة))، و((الكافي))؛ لشذوذ رواية مكحول، وصرح بشذوذها صاحب ((النهاية)).
أجيب: بأنه كما قال بعضٌ بعدم الفساد فقد قال بالفساد طائفة من الفقهاء منهم الإمامُ أبو اليسر وصاحبُ ((المبسوط))، وقاضي خان، وشمسُ الأئمة الكردري(1)، والإمام حميد الذين الضرير(2)، وصاحب ((البدائع))، وتاج الشريعة، والقاضي الصدر الشهيد، وقوام الدين الاتقاني، وغيرهم، حتى قال قوام الدين على ذلك أدركت مشايخي بما وراء النهر وغيرهم، وعدّ منهم عشرة وأكثر، ولم أر أحداً منهم يرى رفع الأيدي، بل كلهم كانوا ينكرون ذلك أشدّ الإنكار ويفتون بفساد صلاة مَن يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه قال: وأنا شاهد على فتاويهم. انتهى. وقد صنَّفَ رسالةً مستقلّةً في ذلك.
ثم اعلم أنه إذا إذا احتاط جميع مواضع الخلاف، ولم يعلم منه مفسد هل يجوز الاقتداء به بلا كراهة أو بها، وهل عليه إساءة أم لا؟
ففي ((الكفاية شرح الهداية))، و((شرح المجمع))، و((مفتاح السعادة)): أنه مع الكراهة.
وفي ((فتاوى قاضي خان)): ومع هذا لو صلَّى الحنفيّ خلف الشافعي كان مسيئاً. وفي بعض كتب أخر: وتكره خلفَ الشافعيّ المحترز عمّا يبطلها عندنا، وهو المختار.
(1) وهو عبد الغفور بن لقمان بن محمد الكَرْدَرِي، أبو المفاخر، تاج الدين، شمس الأئمة، وصفه ابن أبي الوفاء بأنه إمام الحنفية، من مؤلفاته: ((شرح الجامع الصغير))، و((شرح الجامع الكبير))، و((شرح الزيادات))، (ت562هـ). ((الجواهر))(2: 443-444)، ((الفوائد))(ص167-168).
(2) وهو علي بن محمد بن علي الرَّامُشِيّ البُخَارِيّ، الضرير، نجم العلماء، حميد الدين، من مؤلفاته: ((الفوائد في شرح الهداية))، و((شرح المنظومة النسفية))، و((شرح النافع))، و((شرح الجامع الكبير))، (ت666هـ). ينظر: ((الجواهر))(2: 598). ((تاج التراجم))(ص215)، ((الكشف))(2: 2032).
الجزء 1 · صفحة 10
وفي ((الفتاوى الغياثية)): ((من مشايخنا من قال: الأولى أن لا يصلي خلفَه))(1)، وقال في ((الغياثية)) أيضاً: ((الأولى أن لا يُصلِّي خلفَ مَن يقنت في الفجر))(2).
القول الثاني: أنه يجوز الاقتداء بالشافعي إذا [لم](3) يعلم منه المخالفة فيما تقدم من الشروط، وهذا القول مختار ركن الإسلام علي السُّغْدي(4)، وذكره التُّمُرتاشيّ وصحَّحه شيخُ الإسلام خُوَاهَرْ زَادَه.
القول الثالث: أنه لا يجوز الاقتداء به مطلقاً على ما ذكرَه في ((التجنيس)) لصاحب ((الهداية)) من أن الفرض لا يتأدّى بنيّة النفل، فهذا يقتضي أنه لا يجوز الاقتداء بمَن كان في اعتقاده نفليّة الفرض، فإنه وإن راعى مواضع الخلاف لكن لا يؤدّي ذلك بنيّة الفرض، بل بنية النفل والاستحباب، فإنه إذا لم يقطع الوتر وأدّاه ثلاثاً بتسليمة واحدة، فإنّه إنما يؤدّيه بنيّة النفل، فلم يصحّ اقتداء الحنفي به.
(1) انتهى من ((الفتاوى الغياثية))(ص31).
(2) انتهى من ((الفتاوى الغياثية))(ص31).
(3) غير موجودة في الأصل، ومذكورة في ((خلاصة التحقيق))(ص5).
(4) وهو علي بن الحسين بن محمد السُّغْدِيّ، أبو الحسن، شيخ الإسلام، قال الكفوي: كان إماماً فاضلاً فقيهاً مناظراانتهت إليه رئاسة الحنفية، ورحل إليه في النوازل والواقعات، من مؤلفاته: ((النتف في الفتاوى))، و((شرح الجامع الكبير))، (ت461هـ). ينظر: ((الجواهر))(2: 567)، ((طبقات ابن الحنائي))(ص73)، ((الفوائد))(1ص203).
الجزء 1 · صفحة 11
وبناءً على ما نصَّ عليه الإمام الإسْبِيجَابيّ(1) وصاحب ((البدائع)) أن الصلاة إذا دارت بين الجواز والفساد، فالحكم بالفساد أولى، وإن كان للجواز وجوه وللفساد وجه واحد؛ لأن الوجوبَ كان ثابتاً بيقين فلا يسقط بالشكّ؛ ولأن الاحتياطَ فيما قلنا؛ لأن إعادةَ ما ليس عليه أولى من تركِ ما عليه.
القول الرابع: أنه يجوز الاقتداء به مطلقاً قياساً على قول أبي بكر الرازي، فإنه قال: إن اقتداءَ الحنفي بمَن يُسَلِّم على رأس الركعتين في الوتر يجوز أي الاقتداء به، ويُصلِّي معه بقيّته؛ لأن إمامَه لم يخرجْه بسلامه عنده؛ لأنه مجتهد فيه كما لو اقتدى بمَن رعف فهذا يقتضي صحّة الاقتداء به وإن عَلِمَ منه ما يزعم به فسادَ صلاته بعد كون الفعل مجتهداً فيه، قاله المحقِّقُ شيخنا كمال الدين ابن الهُمام في ((فتح القدير))(2).
ثمّ اعلم أن هذا القول انفردَ به الرازي، وخالفَ فيه جمهورَ العلماءِ لما مَرَّ؛ فلهذا قال صاحبُ ((الإرشاد)) لا يجوز الاقتداء به في الوتر بإجماع أصحابنا؛ لأن اقتداء المفترض بالمتنفل غير صحيح.
قال الزَّيْلَعِيُّ في ((شرح الكنز)): ((وهو الصحيح))(3). ولم يعتبر قول الرازي لمخالفته الأكثر حتى قال صاحبُ ((الدرر)): وخلافُ الواحد في مسألةٍ واحدةٍ لا يكون مُعتبراً ويكون ردّاً عليه.
(1) وهو عليُّ بن محمد بن إسماعيل الإسْبِيجَابِيّ السَّمَرْقَنْدِيّ، أبو الحسن، المعروف بشيخ الإسلام، قال الكفوي: لم يكن أحد يحفظ مذهب أبي حنيفة ويعرف مثله في عصره، عمَّر العمر الطويل في نشرالعلم، من مؤلفاته: ((شرح مختصر الكرخي))، و((المبسوط))، (454-535هـ). ينظر: ((الجواهر))(2: 591)، ((هدية العارفين))(1: 697)، ((الفوائد))(ص209).
(2) فتح القدير))(1: 437).
(3) انتهى من ((تبيين الحقائق))(1: 171).
الجزء 1 · صفحة 12
قال المحقِّقُ شيخنا كمال الدين ابنُ الهُمام: ((وكان شيخنا سراج الدين قارئ ((الهداية)) يعتقد قول الرازي، وأنكر مرّة بأن يكون فساد الصلاة بذلك مروياً عن المتقدِّمين حتى ذكرته بمسألة ((الجامع الصغير)) المتفق عليها في الذين تحروا في الليلة المظلمة، وصلى كلّ إلى جهة مقتدين بأحدهم، فإن جواب المسألة أن مَن عَلِمَ منهم بحاله فسدت صلاته لاعتقاده أن إمام على الخطأ)). انتهى(1).
والحاصلُ أن الاحتجاجَ بقول الرازيّ لا يكاد يصحّ لمرجوحيَّته، وقد قالوا: المرجوحُ بمقابلة الراجح بمنزلة المعدوم فاعلم هذا.
ثمّ اعلم أن القولَ الثالثَ لا يبلغ مبلغ ما قبله في القوّة غير أنه أحوط الأقوال فمَن تمسَّكَ به وعمل فيه فقد خَرَجَ عن الإشكال بالإجماع بلا نزاع، وأما القولان الأولان فقويّان، والأول أولى؛ لأنه أحوط من الثاني.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن جوازَ الاقتداء على القول الأوّل متعذِّرٌ أو متعسِّر لعدمه أو لقلّة رعايته مواضع الخلاف لفساد الزمان وتغيير الأحوال.
وأما على القول الثاني فأيضاً كذلك؛ لأنه لم يشاهد بعضاً فقد شاهد بعضاً البتة، لأن بعضَ ما يوجب الفساد عندنا هو سُنّةٌ عندهم كقطع الوتر ورفع اليدين عند الركوع فأنّى يتركه، فإنّ تركَ فلا كلام، وإن لم يترك فقد انعدمَ الشرطُ فينعدم المشروط، فبقي أن يقال عن الفساد بالرفع قول البعض دون البعض.
وأجيب بأنه صار فيه اختلاف، وقد قالوا إن أقلَّ درجات الاختلاف إيراث الشبهة والكراهة، بل الكراهةُ ثابتةٌ وإن لم يشاهد شيئاً على الصحيح، فكيف لم يشاهد مع وجود قولهم إن الصلاةَ إذا فسدت من وجهٍ واحدٍ يُحكمُ بفسادها، وإن كان للجواز وجوه.
(1) من ((فتح القدير))(1: 437).
الجزء 1 · صفحة 13
فظهر أن الاحتياطَ عدمُ الاقتداءِ بالشافعيِّ مطلقاً بلا خلاف؛ إذ ما من صورةٍ إلا وفيها الاختلاف في الصحّةِ أو الفسادِ أو الكراهة، والاجتناب عن الكراهة واحتمال الفساد أولى وأوجب، والأخذ بالأحوط أحرى وأحقّ، والله سبحانه وتعالى وليّ الحقّ، ولا ريب فيما قلنا إلا من لم يهتد إلى ما ذكرنا(1).
والمنكرُ مكابرٌ فعلُه لقلّة إنصافهِ وفرطِ جوره واعتسافه، يطعن في علماء المذهب بالتعصُّب لاشتراطهم الشروط بجواز الاقتداء، وكفى للبطلان مكابرةً وإفساداً رغم طعنه في مثلهم.
أفلا ينظرون إلى ما رفع إليه قدرهم، ونشره لهم علمهم في الآفاق، وبلغهم مبلغ الاجتهاد، وأقام الدين بهم في سائر البلاد، فكيف يصحّ الطعن فيهم، وأنّى يسوغ له مخالفتهم مع أنه لم يؤتَ معشارَ ما أوتوا من العلم والتقوى، ولو كان للطعن فيهم مجال أو وجه لنبَّه عليه أحدٌ من المتأخِّرين المحقِّقين، بل كلُّهم أذعنوا لأقوالهم، ولم يسعهم إلا اتباعهم لعلّهم يراؤن عمّا لا يليق بهم فلا جرمَ إنما يُنكر هذه المسألة عنهم مع ما فيها من الاحتياط والخروج من الخلاف إلا المائل إلى الهوى قليل الورع عديم المبالاة بالشرع.
(1) تعقَّب القاري في ((الاهتداء)) رحمة الله السندي في كلامه هذا فقال: ((وأمّا قوله رحمة الله: إن الإنفراد أفضل من هذه الجماعة المكروهة، فما أبعده عن التحقيق، فإنه كيف يترك السنة المؤكدة، بل الواجبة، بل فرض الكفاية، بل فرض العين على الأعيان؛ لكونه من شعائر أهل الأيمان؛ لوقوع تكرار جماعة من أهل العلم والإتقان.
وأي محذور في ذلك، وأي محظور ترتب على ما هنالك حتى يكون الانفراد المحرم الذي أقوى المنكرات، ومن شعائر أهل البدع والنفاق، وأرباب البطالات أفضل من تكثير الطاعات وتعدد الجماعات لا سيما إذا اقتدى كلّ طائفة خلفَ مَن اختار من الأئمة، والله وليّ دينه، وناصر سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -)).
الجزء 1 · صفحة 14
وأما مَن يكون من أهل العلم والتقوى والورع تابعاً للشرع، فيحسن هذه الاحتياطات غاية التحسين، بل يرى اتباعه واجباً، بل فرض عين، ومن ذلك ما قاله بعض فضلاء المالكية في ((رسالته)) عند نقل الشروط التي ذكرها الأصحاب في جواز الاقتداء بالمخالف في المذهب: هذا الكلام في غاية الحسن مؤسَّساً على قواعد مذهب إمامهم متحافظين فيه عمّا يدخل الفساد عليهم في عبادتهم، وهذا الواجب الذي لا يحيد عنه ومَن لم يعتقد ذلك، ويفعله فليس بتابع لإمامة. انتهى.
فهذا طريقُ علماء الحقّ والصدق، ثمّ إن لم يرجع عن اعتقاده الفاسد، ولم يقبل قول علماء مذهبه، فالينظر رغماً لأنفه مقالةَ علماء الشافعية وساداتهم فقد قال حجة الإسلام الغَزالي: مَن اعتقد حقيقة إمام ولم يبلغ درجة الاجتهاد لا يجوز له العمل بمذهب غيره لا سيما في العبادات؛ لأن التقليدَ في حقِّه كالاجتهاد في حقِّ المجتهد حيث لا يجوز له العمل بخلاف اجتهاده، فكذلك المقلّد في المذهب.
وقال الرافعيّ(1): المذهبُ أن لا يصحّ اقتداء أحد بمَن يعتقد بطلان صلاته.
وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: إذا تشوَّشَ قلبُ المقتدي فانتفى خشوعه بواسطة اقتدائه بمَن لا يوافقه في المذهب، فالانفرادُ له أولى من ذلك الاجتهاد.
وقال أبو إسحاق الشافعيّ الاسفرايني: الصلاة منفرداً أفضل من الصلاة خلف الحنفي.
وقال النوويّ: وهذا تفريع على صحة الصلاة خلف الحنفي.
(1) وهو عبد الكريم بن محمد بن الفضل الرَّافِعِيّ الشافعي، أبو القاسم، قال النووي: كان من الصالحين المتمكنين، وكانت له كرامات كثيرة ظاهرة، من مؤلفاته: ((الشرح الكبير للوجيز))، و((شرح مسند الشافعي)). (ت623هـ). ينظر: ((طبقات الأسنوي)) (1: 281-282). ((تهذيب الأسماء))(2: 264). ((مرآة الجنان))(4: 56).
الجزء 1 · صفحة 15
وقال صاحبُ ((الأنوار)): ولو عَلِمَ الشافعيُّ أن الحنفيَّ حافظ على جميع ما يعتقد الشافعي وجوبه ولم يعلم منه الوقوع في الخلاف والاختلاف وحسن الظن فيما بينه وبين الله تعالى صحّ اقتداؤه به وإلا فلا.
فهذه أقوال علماء المذهبين ومشايخ الفريقين، والله الموفق، وهو يهدي السبيل، ولا هادي لمَن أضل، ولو تليت عليه التوراه والإنجيل.
ثمّ إذا ثبتَ هذا يعني الفساد أو الكراهة على كلِّ حال إذا لا يخلو الحال عن أحدهما بلا مقال، فلو صَلَّى خلفَه فعليه إعادتها بلا كراهة لما قالوا كل صلاة أُدِّيت على وجه الكراهة تعادُ على غير وجه الكراهة، فإن كانت كراهة تحريم فحتماً، وأما على القول بالتنزيه فندباً(1)، وأما على القول بالفساد فلا إشكال.
ومما يتصل بهذا ما تفعله العوامُّ من الاقتداء بالمخالف أولاً وبالموافق ثانياً وهو على وجوه:
الأول: أن يقتديَ بالأول مفترضاً وبالثاني كذلك، فهذا غيرُ مشروع قصداً؛ لأنه تكرار الفرض، وهو منهيّ عنه، ومكروهٌ بلا عذر.
فإن قيل: هذا عذرٌ، وهو الشكّ في الأول.
أجيب عنه: بأن الشروعَ في الصلاة مع الاحتمال للفساد أو الكراهة قبيحٌ ومكروهٌ لما فيه من تعرض العمل على البطلان أو النقصان، فتعيّن الاحترازُ عنه.
(1) قال ابن عابدين في ((منحة الخالق))(2: 50): إن هذه الكراهة تنزيهية... إذا وجد جماعة للحنفية غير جماعة الشافعية؛ لأنه إذا كان شافعي تقي يحتاط لم توجد فيه علة الكراهة المذكورة هنا، وإذا كانت الجماعة أفضل خلف فاسق مع أنه غير مأمون على الدين فما بالك بشافعي تقي، والحاصل أن الظاهرَ ما قاله الرملي ويدل عليه أيضاً نفي المؤلف الكراهة، والظاهر أن المراد بها التنزيهية الثابتة في غيره.
الجزء 1 · صفحة 16
الثاني: أن يقتدي بالأول بنيّة السُنّة، وبالثاني بنيّة الفرض، وهو أيضاً لا يخلو عن الفساد أو الكراهة(1)؛ لعدم سقوط النيّة؛ لما قال في ((منهاج المصلِّين)): إذا صَلَّى التراويحَ مُقتدياً بمَن يُصلِّي المكتوبة، أو بمَن يُصلِّي نافلةً غير التراويح اختلفوا فيه، والصحيح أنه لا يجوز قال: فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز أداء السُنة خلفَ مَن يصلي المكتوبة.
الثالث: أن يقتدي بالأول متنفلاً وبالثاني مفترضاً، وهو أيضاً لا يخلو عن الكراهة، فكان الاحترازُ عن جميع ذلك أولى وأفضل كما لا يخفى إلا على مَن غَلَبَ عليه الهوى، خصوصاً إذا فعل ذلك في أوقات الكراهة وتحريم التنفل بثلاث في المغرب على ما صرَّح به قاضي خان في ((شرح الجامع الصغير))، وكذا يحرمُ مخالفة الإمام إن ضمّ رابعة.
فإن قلت: كان الحسن - رضي الله عنه - يشارك الإمام - رضي الله عنه - ويُصلِّي بعد فراغه الرابعة كما رُوي عن أبي يوسف - رضي الله عنه -.
قلنا: لا يحسن ذلك؛ لأن فيه مخالفة الإمام.
فإن قلت: هذه مخالفة بعد الفراغ فلا بأس بها كمقيم إذا اقتدى بمسافر يُصلِّي ركعتين بعد فراغ الإمام.
قلنا: صلاة المسافر والمقيم كانت واحدة بالنظر إلى الأصل، وهنا ليس كذلك، كذا في ((العناية شرح الهداية))(2).
(1) تعقَّبَ القاري في ((الاهتداء)) السندي في هذه المسألة فقال: وأما ما ذَكَرَه رحمة الله - رضي الله عنه - من أنه لا يخلو عن الفساد أو الكراهة، فغيرُ مطابق للرواية ولا موافق للدراية...؛ لأن النوافل أمرها أوسع من جهة الرواية والدراية، ولم أر مَن صرَّحَ بالمنع أو الكراهة، بل في المتون المصححه وردت العبارات المصرّحه بأنه يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض، والنفلُ يشمل السنن المؤكدة والمستحبّة كما تدلّ عليه المقابلة، وقد سمعت شيخنا بدر الدين الشهاوي الحنفي المفتي بالحرم المكي: إن الاقتداء نفلاً لا يكره أصلاً.
(2) العناية))(1: 474).
الجزء 1 · صفحة 17
فإن قيل: إذا كانت الصلاةُ مع الجماعة الأولى مكروهة أو فاسدة، ومخالفة الجماعة أيضاً مكروهة، والتأخّر عنها كذلك فما المخلص.
أجيب: بأن مخالفةَ المخالف في المذهب ليس بمكروه فلا يُصلِّي لاحتمال الفساد أو الكراهة، بل الصلاة خلاف الموافق الثاني أولى وأفضل من الأول؛ لأنه لا خلاف في صحّة الاقتداء به بخلاف الأول، وإنما تكره المخالفة إذا أقيمت الصلاة الأولى على وجه السُنّة في حقِّه، أما إذا لم تقم كذلك لا تكره؛ لأن جماعةَ المخالف لم تقم على وجه السُنّة والفريضة في حقّ الحنفيّ؛ لأنها فرادى.
وأما تأخيرُ المغرب إنّما يكره إلى اشتباك النجوم، والذي ذكرناه هنا أولى بذلك من ذلك؛ لأن عذرَه في الثاني أعظم من الأول لعدم صلاحية الاقتداء بالمخالف من جهة الفساد أو الكراهة، وكلّ ذلك مانع، وهنا عذر ظاهر لا ينكره عالم ماهر، بل جاهلٌ فاجرٌ، والضروراتُ تبيح المحظورات، ولا عيب على المعذور، والله أعلم بذار الصدور، والحمدُ الله وحده، وصلَّى اللهُ وسَلَّمَ على مَن لا نَبِيَّ بعده(1).
(1) وقع في آخر نسخة الرسالة: ووافق الفراغ من نسخ هذه الرسالة وقت عصر يوم الأربعاء المبارك رابع عشر محرم الحرام افتتاح سنة تسع وتسعين وألف أحسن الله ختامها، [و]غفر الله لكاتبها ومالكها وقارئها وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنّك سميع قريب مجيب الدعوات، أمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد النبيّ الأميّ وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريّته وعترته وأهل بيته الطيبين الطاهرين، [و]على من والهم إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.