بديع الفروح ........
... في أحكام البيوع
جارٍ تحميل الكتاب…
بديع الفروح ........
... في أحكام البيوع
بديع الفروع
في أحكام البيوع عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
هذا الكتاب مأخوذٌ من كتابي «المنهاج المفصل في فقه المعاملات»، ورغبتُ بفصل مادة البيوع في كتاب مستقل؛ لأنها المعتمدةُ في تدريس مادة البيوع لطلبة الماجستير في كليتنا الموقرة، وهو مستخلصٌ من «بدائع الصنائع» و «شرح الوقاية»، فشتمل مادته على خلاصة شافية لما فيها، مع زيادات وفوائد من شروح «المجلة» وغيرها من كتب الحنفية يطربُ بها السّامع، حتى غدت كجوهرة متلألئة في جوف ليلة مظلمة.
وقد كان ينقصها إضافةُ تخريجها للمسائل العصرية، فنظرت إلى أعظم المعاصرين قامة فيها، وأكثرهم ممارسة لها، وأطولهم باعا بها، فلم أجد سوى شيخنا العلامة الكبير محمد تقي العثماني ـ حفظه الله ورعاه من كل مكروه ـ،
قد أودع خلاصة تجربته فيها في عقود عديدة في كتابه النافع الماتع: «فقه البيوع» في مجلدين كبيرين، وقد كان أهداني إياه مؤتمر آل البيت سنة 2019 م.
فعكفتُ عليه أستخلص منه المسائل وأستبصر به الدلائل، فأخرخت منه ما ينوف عن خمسين مسألة جديدة، وافقته في تخريج وبناء أكثرها، وخالفتُه في بناء كثير منها؛ لما لاح لي من وجوه أُخرى تُبنى عليها المسألة على مذهب سادتنا الحنفية، فتكون أيسر وأسهل في العمل والتطبيق.
وقد الشيخ اعتنى بعرض هذه المسائل على المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها، ولكن وجدتُ في الاقتصار في تخريجها على مذهب الحنفية ما هو أفضل وأحسن، حتى أنني لم أحتج للجوء لغيره في بنائها؛ لما يُعرف من سعة مذهبنا، مع الإجلال والاحترام لكلّ مذاهبنا السُّنية، وإمكانية الاستفادة منها عند الضَّرورة والحاجة.
وسميته:
بديع الفروع
في أحكام البيوع عند الحنفية
سائلاً المولى - عز وجل - أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ولمشايخي وآبائي وأزواجي وكل مَن له حقّ علينا وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
في صويلح، عمان، الأردن
25 ـ 1 ـ 2021 م
الفصل التمهيدي
التعريفات والملكية
والمميزات للمعاملات
أهداف الفصل التمهيدي والأول:
يتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادراً على:
أولاً: الأهداف المعرفية:
1. أن يعرِّف الفقه والمعاملات والملكية.
2. أن يوضح مميزات المعاملات.
3. أن يعرِّف البيع ويوضح مشروعيته وصفته وحكمه ومحله.
4. أن يعدد أركان البيع.
5. أن يذكر ألفاظ انعقاد البيع.
6. أن يذكر صيغ انعقاد البيع.
7. أن يعدد شروط البيع ويميز بين شروط انعقاده ونفاذه وصحته ولزومه.
8. أن يبيِّن أقسام الخيار باعتبار نوعه وباعتبار ثبوت الخيار للمتعاقدين وباعتبار كونه موروثاً أو غير موروث وباعتبار الأجل.
9. أن يعدد أنواع البيع.
10. أن يعرف الربا ويذكر أدلة تحريمه وحكمة عدم مشروعيته وشروطه وأنواعه ورد الشبهات التي تثار حوله.
11. أن يعرف الاستصناع ويبين صورته ويذكر حكمه وشرائط جوازه وصفته ومبطله.
12. أن يبين أنواع بيع الحقوق وأحكامها.
13. أن يعرِّف بيع الوفاء ويبين صورته ويذكر حكمه.
14. أن يعرِّف الإقالة ويبين مشروعيتها وركنها وحكمها وشرائطها وموانعها.
15. أن يعرِّف السلم ويبين مشروعيته ومقوماته وركنه وشرائطه.
16. أن يعرِّف الصرف ويبين صوره وشرائطه.
17. أن يعرِّف الشفعة ويبين سببها وشرائط وجوبها ويبين كيفية طلبها ومبطلاتها وشروط تملكها.
ثانياً: الأهداف المهارية:
1. أن يصحح معاملات النَّاس بما لا يُخالف الشَّريعة.
2. أن يحرر المعاملة بما يحفظ حقّ جميع الأطرف من المتعاقدين.
3. أن يسعى لتحقيقِ العدل بين المُتعاقدين.
4. أن ينقح المعاملة بما يجعلها أكثر نجاحاً وملائمةً للواقع، ويساهم في تطويرِها بحكمِ التجربةِ الواقعيةِ والتَّاريخية، ويبدع في معاملاتِ جديدةٍ مستفادةٌ من تراث الأمة.
ثالثاً: الأهداف الوجدانية:
1. أن يستشعر عظمة هذا الدين وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان.
2. أن يقدر الجهد العظيم الذي بذله علماؤنا من أجل بناء هذا الصرح العظيم والتراث الضخم.
3. أن يحذر من خطورة التعامل بالربا.
• • •
المبحث الأول
تعريف الفقه
والمعاملات والملكية
الأول: الفقه:
لغةً: هو الفهم مطلقاً، وهو ما يدلُّ على إدراكِ الشيء، والعلم به، والفهمِ له (¬1)، قال - جل جلاله -: {قَالُواْ يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ} هود: 91: أي لا نفهم، وأما تخصيصُه بفهم الأشياء الدَّقيقة كما ذهب إليه أبو إسحاق الشيرازي - رضي الله عنه - في «شرح اللمع»، فخلاف الصواب كما صرَّح به الأسنوي - رضي الله عنه -.
واصطلاحاً: له معنيان عند الفقهاء والأصوليين:
فإنَّ أصحاب كلِّ علم ينظرون إلى المعنى من الجانبِ الذي يخدم علمهم، فالأصوليون اتجهتْ عنايتهم إلى بيانِ مفهومِ الفقه من جهة استنباط
¬
(¬1) ينظر: المصباح ص 479، والعين 2: 70، ومفردات القرآن ص 398، ومعجم مقاييس اللغة 4: 442.
الفروع من الأدلة، والفقهاء اتجهت عنايتهم بالفقه من جهة التطبيق على المكلفين.
وعند الأصولين: هو العلم بالأحكام الشَّرعيَّة العملية المكتسب من أدلتها التَّفصيليَّة (¬1).
والأدلة التفصيلية: هي الأدلة الجزئية التي يتعلّق كلّ دليل منها بمسألة معيّنة وينص على حكم خاص بها (¬2): كقوله - جل جلاله -: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ} الإسراء: 33، فهي دليل جزئي يتعلّق بحكم قتل النفس بغير حق.
وخرج بالأحكام: العلم بالذوات والصفات والأفعال، وبالشرعية: العقلية، والمراد بها ما يتوقف معرفتها على الشرع، وبالعملية: عن العلمية: ككون الإجماع وخبر الواحد حجّة (¬3).
وعند الفقهاء: هو علم يبحث فيه عن أحوالِ الأعمالِ من حيث الحلِّ، والحرمةِ، والفساد، والصِّحة (¬4).
¬
(¬1) ينظر: نهاية السول في شرح منهاج الأصول للبيضاوي 1: 8.
(¬2) ينظر: المدخل إلى دارسة الشريعة الإسلامية ص55.
(¬3) ينظر: البحر المحيط 1: 34، وشرح الكوكب المنير ص11، وحاشية العطار 1: 52.
(¬4) ينظر: حاشيته على الدرر ص3، ومقدمة ابن خلدون ص312.
فلمّا كانت نظرةُ الفُقهاء إلى بيانِ حكم فعل المكلَّف من الحلِّ والحرمة بغض النظر عن الدليل، اهتموا بتعريف الفقه من هذه الحيثية.
ثانياً: المعاملات:
لغةً: جمع معاملة، من عمل، وعاملت الرجلَ أعاملُهُ مُعاملة (¬1).
واصطلاحاً:
عند الفقهاء: وهي ما كان المقصود منها في الأصل قضاء مصالح العباد: كالبيع، والكفالة، والحوالة، ونحوها (¬2).
فالمعاملات من حقوق العباد، ويقابلها حقوق الله التي تشمل: العبادات، والعقوبات، والكفّارات؛ إذ المقصود من العبادات ابتداءً تقرّب العبد إلى الملك المعبود ونيل الثّواب.
والبيع والشِّراء يقصد منهما ابتداءً تحصيل مصالح العبد وإن كانت مع النية تكون عبادة تبعاً فالنظر للأصل في تقدير أنها عبادات أو معاملات لا للتبع، وتذكر في كتب الفقه بعض العبادات مع المعاملات: كالأضحية؛ لمناسبتها للذبائح.
واختلفوا في المناكحات هل هي من العبادات أو المعاملات؟ فالبنظر
¬
(¬1) ينظر: لسان العرب 4: 3208.
(¬2) في رد المحتار 4: 2.
إلى أن المقصود الأَصلي منها هو العبادة: وهي تحصين النّفس عن المحرمات، وتكثير المسلمين كانت عبادة، ولكن يتحقق هذا المعنى في البيوع من تحصيل حاجات الإنسان وتقوية المسلمين وغيرها من المعاني العبادية، والأولى أن يكون المقصود الأصلي منها قضاء مصالح العباد، والتعبّد تبعاً لمن ينويه؛ لذا ذكرها المحقّقُ ابنُ عابدين مع المعاملات في كتاب الطّهارة مع أنَّه ذكرها في كتاب البيوع مع العبادات (¬1)؛ فقال (¬2): «اعلم أنَّ مدارَ أُمور الدّين على الاعتقادات والآداب والعبادات والمعاملات والعقوبات، والأوّلان ليسا ممّا نحن بصدده.
والعبادات خمسة: الصّلاة، والزّكاة، والصّوم، والحج، والجهاد.
والمعاملات خمسة: المعاوضات المالية، والمناكحات، والمخاصمات، والأمانات، والتركات.
والعقوبات خمسة: القصاص، وحد السرقة، والزنا، والقذف، والردة».
وعند المعاصرين: الأحكام المنظمة لتعامل الناس في الأموال (¬3)، حيث أصبحت خاصة فيما يتعلق بالأموال، فتشمل المعاوضات: من بيع وإجارة، والتبرّعات: من هبة ووقف ووصية، والإسقاطات: كالإبراء من الدين، والمشاركات والتوثيقات: من رهن وكفالة وحوالة.
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير 5: 454، ورد المحتار 4: 2، وغيرهما.
(¬2) في رد المحتار 1: 79.
(¬3) في المعاملات المالية المعاصرة ص10.
ثالثاً: المِلكية:
لغةً: مصدر صناعي من المِلك، ومَلَكه يَملِكه من باب ضرب: وهو احتواءُ الشَّيء والقدرةُ على الاستبدادِ به (¬1).
والمقصود بالاستبداد: الانفراد بالتصرّف.
وعليه فالملك والملكية لغةً: حيازة الشيء مع القدرة على الانفراد بالتَّصرُّف فيه (¬2).
واصطلاحاً: القدرةُ على التَّصرُّف في الشَّيء ابتداءً إلا لمانع، أو الاختصاص الحاجز (¬3).
فخرج بقولنا: بالابتداء؛ قدرة الوكيل والوصيّ والمتولي.
وخرج بقولنا: إلا لمانع؛ أمور منها:
1.المبيع المنقول قبل القبض مملوك للمشتري، ولا قدرة له على بيعه قبل قبضه لمانع النّهي الوارد في حديث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام - رضي الله عنه -: «إذا ابتعت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: لسان العرب10: 492، والقاموس1: 954، والكليات1: 856، والمخصص4: 37، وغيرها.
(¬2) ينظر: الملكية العامة للسعدي ص267.
(¬3) ينظر: البحر5: 278، رد المحتار3: 182.
(¬4) في صحيح ابن حبان 11: 358،361، وسنن النسائي 4: 37، ... والمجتبى 7: 286،
والمنتقى 1: 154، ومصنف ابن أبي شيبة 4: 387، ومصنف عبد الرزاق 8: 43، وغيرها.
2. المحجور عليه كالصَّغير والمجنون، فإنَّه مالكٌ ولا قدرة له على التَّصرُّف بسبب الحجر (¬1).
فالحاصل أنَّ تعريفها الشرعي مبني على التعريف اللغوي إذ أنَّه: اختصاص بالشيء يمكِّن صاحبه من التصرف به ابتداءً ما لم يوجد مانع.
فالاختصاصُ يفيد أنَّ الملكية تمنع غير المالك عن التصرف، والتصرف أشمل من الانتفاع حيث يشمل القدرة على البيع والهبة مع الاستعمال والاستغلال (¬2).
وللملك صورتان: تامّ وناقص:
فالملك التام: من شأنه أن يتصرّف به المالك تصرّفاً مطلقاً في ما يملكه عيناً ومنفعةً واستغلالاً، فينتفع بالعين المملوكة وبغلّتها أو ثمارها ونتاجها ويتصرّف في عينها بجميع التصرُّفات الجائزة.
وإذا كانت العين مشتركة بين اثنين أو أكثر، فلكلُّ واحد من الشركاء حقّ الانتفاع بحصّته والتصرّف فيها تصرّفاً لا يضرُّ بالشَّريك، وله استغلالُها وبيعُها مشاعةً حيث كانت معلومةً القدر بغير إذن الشريك (¬3).
¬
(¬1) ينظر: البحر5: 278، والأشباه والنظائر وغمز العيون 3: 461، ورد المحتار3: 182.
(¬2) ينظر: الملكية العامة للسعدي ص267.
(¬3) ينظر: مرشد الحيران ص3.
والملك الناقص؛ مثاله: المبيع قبل القبض، والدية على العاقلة، والمهر إذا كان ديناً، وبدل الخلع، وبدل الصلح عن دم العمد، فلا تجب فيه زكاة (¬1)، وأيضاً منه: ملك المكاتب فإنَّه يملك البيع ولا يملك العتق؛ لأنَّ ملكه ناقص (¬2).
وللتملك ثلاثة أسباب، وهي كالآتي:
1.سبب مثبت للملك: وهو الاستيلاء، ويكون في المباحات؛ إذ المملوك لا يُملك؛ لأنَّ اجتماع الملكين في محلٍّ واحدٍ محالٌ فلا بُدّ وأن يكون المحلُّ الذي ثبت الملك فيه خالياً عن الملك، والخالي عن الملك هو المباح، والمثبتُ للملك في المباح الاستيلاء لا غير، وهو طريق الملك في جميع الأموال؛ لأنَّ الأصل الإباحة فيها، ومن شرط الاستيلاء خلو المحلّ عن الملك.
2.سبب ناقل للملك: وهو البيع والهبة ونحوها، فينتقل الملك الحاصل بالاستيلاء إليه، ومن شرط البيع شغلُ المبيع بالملكِ حالة البيع حتى لم يصحَّ في مباح قبل الاستيلاء.
وهذا القسم أوسع أسباب التملُّك فمن صوره:
المعاوضات المالية كالبيوع وغيرها.
¬
(¬1) ينظر: منحة السلوك2: 120.
(¬2) ينظر: البناية 11: 238.
والمهر للزواج.
والخلع من المرأة للرجل عند إنهاء النكاح.
والهبات من الناس لبعضهم.
والصدقات التي تقدم للفقراء.
والوصايا التي يقدمها المرء بعد موته في أبواب الخير وغيرها.
ومنافع الوقف؛ لأنَّ رقبة الوقف لا تملك؛ لأنَّ الملك في الوقف يزول عن المالك لا إلى مالك، ولا يدخل في ملك الموقوف عليه ولو كان معيّناً.
والغنيمة لمال غير المسلمين بعد الانتصار عليهم في المعارك.
والإحياء للأرض الموات بزراعتها بإذن الإمام.
وتملك اللقطة بشرط الإعلان عنها مدة حتى يغلب عدم مجيء صاحبها، فيتملكها إن كان فقيراً.
ودية القتيل يملكها المقتول أوّلاً ثمّ تنقل إلى الورثة، ومن الدية: الغرة يملكها الجنين فتورث عنه.
والغاصب إذا فعل بالمغصوب شيئاً أزال به اسمه وأعظم منافع ملكه، أو إذا خلط المثلي بمثلي بحيث لا يتميّز مَلَكه.
3.سبب خلافة الملك: وهو الميراث والوصية حيث تحصل الخلافة عن الميت كأنّه حيٌّ لا الانتقال، حتى ملك الوراث الردَّ بالعيبِ لبائع مورثه،
بخلاف المشتري فلا يملك الردّ على البائع لبائعه، ومما ظهرت فيه فائدة الخلافة جواز إقالة الوارث والموصى له، ومنها الخصومة في إثبات الدين (¬1).
ومن القواعد العامة في الملكية (¬2):
الأول: الأصل في ملك الإنسان أن يكون باختياره إلا في حالات منها:
1.الإرث؛ فيملكه ورثة الميت بلا اختيار منهم.
2.موت الموصى له بعد موت الموصي قبل قبول الوصية، فيدخل الموصى به في ملك الموصى له إذا مات استحساناً، والقياس أن تبطل الوصية؛ لأنَّ أحداً لا يقدر على إثباتِ الملك لأحدٍ بدون اختياره، فصار كموتِ المشتري قبل القبول بعد إيجابِ البائع، وجه الاستحسان: أنَّ الوصيةَ من جانب الموصي قد تمَّت بموتِهِ تماماً، فلا يلحقه الفسخ من جهته، ولأنَّ لها شبهان: شبهٌ بالهبةِ فلا بُدّ من القبول، وشبه بالميراث فلا يتوقَّف الملك على القبض، وإذا وقع اليأس من القبول اعتبرت ميراثاً، فلا تتوقَّف على القبول.
3.الوصية للجنين؛ فيدخل الموصى به في ملكه من غير قبول استحساناً؛ لعدم من يلي عليه حتى يقبل عنه، فلا تصحُّ الهبةُ للحمل؛ لأنَّ الهبةَ من شرطها القبول والقبض، ولا يتصور ذلك من الجنين ولا يلي عليه أحدٌ حتى يقبض عنه.
¬
(¬1) ينظر: البحر5: 278، ردّ المحتار3: 182.
(¬2) هذه القواعد حاصل ما ذكره ابن نجيم في الأشباه والحموي في غمز العيون3: 461 - 479.
4.غلَّة الوقف؛ فيملكها الموقوف عليه وإن لم يقبل.
5.نصف الصَّداق بالطلاق قبل الدُّخول يملكه الزوج، لكن يستحقُّه الزوج إن كان قبل القبض مطلقاً بدون قضاء ورضاء بين الزوجين، وبعده لا يملكه إلا بقضاء أو رضاء.
6.المعيب إذا رُدّ على البائع، لكن إن كان قبل القبض انفسخ البيع مطلقاً بدون قضاء أو رضاء بين المتعاقدين، وإن كان بعده فلا بُدّ من القضاء أو الرضاء.
7.الشفيع إذا تملَّك بالشفعة، فيدخل ثمن المبيع في ملك المأخوذ منه الشفعة جبراً.
8.المبيع إذا هلك في يد البائع، فإنَّ الثمن يدخل في ملك المشتري جبراً.
9.نماء ما يملك من ولد الحيوانات وثمار الأشجار، فهي تدخل في ملكه جبراً.
10.البيع المشروط فيه الخيار للمشتري أو البائع، فلو مات من له الخيار قبل الإجازة، دخل الثمن في ملك البائع أو المبيع في ملك المشتري جبراً.
11.الماء النابع في ملكه (¬1) وما كان من إنزال الأرض، ونُزْل الأرض ريعُها وهو ما يحصل منها وعين بها الأرزاق: كالحنطة ونحوها، إلا الكلأ والحشيش والصيد الذي باض في أرضه، فإنَّه لا يملكه ويبقى مباحاً حتى يضع يده عليه (¬2).
الثاني: يملك المشتري المبيع بالإيجاب والقبول إلا إذا كان في البيع خيار الشرط: فإن كان خيار الشرط للبائع لم يملكه المشتري اتفاقاً، وإن كان خيار الشرط للمشتري فكذلك عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنَّ الثمن باق على ملكه فلو دخل المبيع أيضاً لاجتمع في ملكه عوضان، وهو لا يصحّ، وعند الصاحبين - رضي الله عنهم -: يدخل في ملك المشتري؛ لأنَّ المبيع قد خرج من ملك البائع فلو لم يملكه المشتري يكون زائلاً لا إلى مالك، ولا عهد لنا به في الشرع، فعلى قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - يكون الملك موقوفاً، فإن تمَّ البيع كان الملك للمشتري؛ فتكون زَّوائد المبيع للمشتري من حين العقد، وإن فسخ العقد فالملك للبائع، وزوائد المبيع للبائع، ويقرب منه: ملك المرتدّ، فإنَّه يزول عنه زوالاً موقوفاً، فإن أسلم تبيّن أنَّه لم يزل، وإن مات أو قُتِل بان أنَّه زال ملكه من وقت الردّة (¬3).
¬
(¬1) هذا مخالف لقولهم في كتاب الشرب: إنَّه ليس له منع من يريد الشفة، يعني شرب بني آدم ولو ملكه لكان له المنع. ينظر: غمز العيون 3: 465.
(¬2) ينظر: الأشباه وغمز العيون 3: 465، والبناية3: 441، وغيرها.
(¬3) ينظر: الأشباه وغمز العيون 3: 464، وغيرها.
الثالث: يملك الموصى له الموصى به بالقبول بعد موت الموصي إلا في مسألتين: موت الموصى له بعد موت الموصي قبل قبوله، والوصية للجنين.
وإذا قبل الموصى له بعد موت الموصي ثمَّ ردَّها على الورثة، فإن قبلوها انفسخ ملكه، وإن لم يقبلوا لا يجبروا على القبول، والملك بقبول الموصى له يستند إلى وقت موت الوصي، فلو أوصى رجل بحصان لإنسان، والموصى له غائب، فنفقته في مال الموصي، فإن حضر الغائب إن قبل رُجِع على الموصى عليه بالنَّفقة إن فعل ذلك بأمر القاضي، وإن لم يقبل الموصى له يكون الحصان ملك الورثة.
الرابع: تثبت دية القتل للمقتول ابتداءً ثمَّ تنتقل إلى ورثته، فهي كسائر أموالِه، فتقضى منها ديونُه وتنفذ وصاياه، ولو أوصى بثلث ماله دخلت.
والقصاص بدلٌ عن الدية، فيورث كسائر أمواله؛ ولهذا لو انقلب مالاً تقضى به ديونه وتنفذ وصاياه.
الخامس: الملكُ في الوقف يزول عن المالك لا إلى مالك، وأنَّه لا يدخل في ملكِ الموقوفِ عليه ولو كان مُعيَّناً.
السادس: وقت دخول التركة في ملك الوارث: اختلفوا فيه، فقال مشايخ العراق: الإرثُ يثبت في آخر جزء من أجزاء حياة المورث، وقال مشايخ بلخ: الإرثُ يثبت بعد موت المورث، وفائدةُ هذا الاختلاف إنَّما تظهر في رجل تزوج بأمةِ الغير، ثمَّ قال لها: إذا مات مولاك فأنت حرّةٌ فمات
المولى والزوج وارثه هل تعتق؟ فعلى قول مَن يقول بأنَّ الإرث يجري في آخر جزء من أجزاء حياة المورث تعتق بعد الموت، وهو قول زفر - رضي الله عنه -، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: لا تعتق (¬1).
والدين المستغرق للتركة يمنع ملك الوارث، فلو استغرقها دين لا يملك الوارث التركة بإرث إلا إذا أبرأ الميتَ غريمُه أو أدّاه وارثه بشرط التبرّع وقت الأداء، أما لو أداه من مال نفسه مطلقاً بشرط التبرع أو الرجوع، يجب له دين على الميت فتصير مشغولة بدين فلا يملكها، ولا ينفذ بيع الوارث التركة المستغرقة بالدين وإنَّما يبيعه القاضي.
ثمَّ اعلم أنَّ ملك الوارث بطريق الخلافة عن الميت، فهو قائمٌ مقامه كأنَّه حيّ، فيردُّ المبيع بعيبٍ ويردُّ عليه، ويصحُّ إثبات دين الميت على الوارث ويتصرَّف وصي الميت بالبيع في التركة مع وجود الوارث.
وأمّا ملك الموصى له فليس خلافة عنه بل بعقدٍ يملكُه ابتداءً فلا يردّ بالعيب ولا يردّ عليه، وإذا لم يكن خليفة لا يملك المدعي إثبات دين عليه.
السابع: يملك الصداق بالعقد، فالزوائد للزوجة قبل القبض، وإنَّما الكلام في تنصيف الزِّيادة مع الأصل بالطلاق قبل الدخول، فيعود النصف إلى ملك الزَّوج بالطلاق قبل الدُّخول قبل القبض مطلقاً، وبعده بقضاء أو رضاء، وفائدته في الزوائد.
¬
(¬1) ينظر: البحر الرائق8: 557.
الثامن: يستقرّ الملك في البيع الخالي عن الخيار بالقبض، والمراد من الاستقرار في البيع الأمن من انفساخه بالهلاك.
التاسع: يستقرُّ الملك في الصَّداق بالدُّخول أو الخلوة أو الموت، والمرادُ من الاستقرار في الصَّداق الأمن من تشطيره بالطلاق وسقوطه بالرِّدةِ وتقبيل ابن الزوج قبل الدّخول، ولا يتوقَّف استقراره على القبض؛ لأنَّه لو هلك لم ينفسخ النِّكاح، ولا فرق في الصداق بين أن يكون ديناً مما يثبت في الذمة أو عيناً مما يتعيّن بالتعيين.
العاشر: جميع الديون بعد لزومها مستقرّةٌ إلا دين السَّلم لقبوله الفسخ بالانقطاع، بخلاف ثمن المبيع فإنَّه لا يقبل الفسخ بالانقطاع؛ لجواز الاعتياض عنه.
الحادي عشر: يستند الملك في المغصوبِ والمستهلكِ إلى وقتِ الغصبِ والاستهلاك، فإذا غُيِّب المغصوبُ وضَمِن قيمتَه مَلَكَه عندنا مستنداً إلى وقتِ الغصب، وفائدته تملّك الاكتساب ونفوذ البيع.
والتحقيق عندنا: أنَّ الملك يثبت للغاصب بشرط القضاء بالقيمة، لا حكماً ثابتاً بالغصب مقصوداً، ولذا لا يملك الولد، بخلاف الزيادة المتصلة.
تنبيه: إنَّ زوال المغصوب عن ملك المالك عند أداء الضمان عندنا يستند إلى وقت الغصب في حقّ المالك والغاصب، وفي حقّ غيرهما يقتصر على التضمين؛ إلا إذا تعلّق بالاستناد حكم شرعي وهو نفاذ البيع يمنعنا من أن
نجعل الزَّوال مقصوراً على الحال، فحينئذٍ يستند في حقِّ الكلّ؛ لأنَّ الزَّوال في حقِّ المالك والغاصب استند لا لكون الغصب سبباً للملك وضعاً حتى يستند في حقّ الكلّ، بل ضرورة وجوب الضمان من وقت الغصب، فلا يظهر ذلك في حق غيرهما إلا إذا اتصل بالاستناد حكم شرعي؛ لأنَّ الحكم الشرعي يظهر في حق الكل فيظهر الاستناد في حق الكل، فلو أودع الغاصبُ العين ثمَّ هلكت عند المودَع ثمَّ ضمَّن المالكُ الغاصبَ فلا رجوع له على المودَع؛ لأنَّه ملكها بالضمان فصار مودعاً مال نفسه.
الثاني عشر: الملك إما للعين والمنفعة معاً وهو الغالب، أو العين فقط، أو للمنفعة فقط: كالشقة الموصى بمنفعتها أبداً رقبتها للوارث، وليس له شيء من منافعها، ومنفعتها للموصى له، فإذا مات الموصى له عادت المنفعة إلى المالك، والولد والغلة والكسب للمالك، وليس للموصى له الإجارة.
الثالث عشر: تُملك الهبة والصدقة بالقبض، ويستقرُّ الملك في الهبة بوجود مانع من الرُّجوع من سبعة معلومة في الفقه، وفي الصدقة بالاستيلاء، وهو طريق الملك في جميع الأموال؛ لأنَّ الأصلَ الإباحة فيها.
الرابع عشر: تملّك العقار للشَّفيع بالأخذ بالتراضي أو قضاء القاضي، فقبلهما لا ملك له، فلا تورث عنه لو مات، وتبطل إذا باع ما يشفع به.
تنبيه: قد علمت أنَّ الموصى له وإن ملك المنفعة لا يؤجر، وينبغي أنَّ له الإعارة، وأما المستأجر فيؤجّر ويعير ما لا يختلف باختلاف المستعمِل، والموقوف عليه السكنى لا يؤجر ويعير، والشّافعية جعلوا لذلك أصلاً،
وهو: أنَّ مَن مَلَكَ المنفعةَ ملكَ الإجارة والإعارة، ومَن مَلَكَ الانتفاع ملك الإعارة لا الإجارة، ويجعلون المستعير والموصى له بالمنفعة مالكا للانتفاع فقط، وهذا يناسب قول الكرخي من أنَّ الإعارة إباحة المنافع لا تمليكها، والمذهب عندنا أنَّها تمليك المنافع بغير عوض، فهي كالإجارة تملك المنافع، وإنَّما لا يملك المستعير الإجارة؛ لأنّه مَلَكَ المنفعةَ بغيرِ عوضٍ فلا يملك أن يملكها بعوض، ولأنَّه لو ملك الإجارة لملك أكثر ممّا مُلك، فإنَّه ملك المنفعة بلا عوض فيملكها نظير يملك.
الخامس عشر: الملك في القسمة لا يستقر لواحد من الشركاء في سهم بعينه بنفس القسمة، بل يتوقَّف بإحدى معان أربع: إمّا بالقبض أو قضاء القاضي أو القرعة أو بأن يوكلوا رجلاً يلزم كلُّ واحد منهم سهماً.
وأنواع الملكيّة:
1.الملكيّةُ الخاصّة، وتشتمل على ما يلي:
أ. ملكيّةُ الأعيان: ويدخل فيها: البيعُ والهبةُ والمزارعةُ والمساقاةُ والرَّكازُ والوراثةُ والوصيةُ والكفالةُ والحوالةُ واللُّقطةُ وغيرُها.
ب. ملكيّةُ المنافع: ويدخل فيها: الإجارةُ والإعارةُ والوقفُ وغيرُها.
ج. ملكيّةُ الحقوق: ويدخل فيها الشُّفعةُ والوديعةُ والشربُ والمسيلُ والمرورُ والجوارُ وغيرها.
2.الملكيّةُ العامّة، وتشتمل على ما يلي:
أ. ما لا يتعلّق به حَقُّ العامّة: إحياءُ الموات والصَّيدُ وغيرها.
ب. ما يتعلق به حقّ العامّة.
المناقشة:
أولاً: وضح المقصود مما يلي:
الربا، القمار، العين، المنفعة، العقود الحقيقية، مقتضى العقد، العقد الفاسد، العقد الباطل.
ثانياً: أجب عن الأسئلة الآتية مع الشرح الوافي:
1. فرِّق بين تعريف المعاملات عند الفقهاء وعند المعاصرين.
2. الأصل في ملك الإنسان أن يكون باختياره إلا في حالات، اذكرها.
3. تتميز المعاملات بأنَّها: تنظيمية لا تربوية، وبأنَّها تقوم على أساس رفع النزاع، وبلزوم العوض فيها في مقابل عين أو منفعة، وضح ذلك.
4. هاتِ أمثلة تؤكد محاربة الشريعة الغراء للعقود الوهمية.
5. ما هي طبيعة عمل الفقيه في المعاملات؟
6. العرف من الجانب التَّطبيقي للفقه، وليس من الجانب الاستنباطي للحكم، بيِّن ذلك مع التمثيل.
7. يجوز الاستفادةَ من المذاهب الفقهيّة المعتبرة للمكلّف والمجتمعات والدُّول بشروط، وضِّح ذلك.
ثالثاً: ضع هذه العلامة (?) أمام كل عبارة صحيحة مما يأتي:
1. إنَّ المعاملاتَ مبنيّةٌ على عللٍ يجب مراعاتها عند قراءة فروعها.
2. النَّصوصُ الشَّرعيةُ الواردةُ في أبوابِ المعاملات أكثر بكثيرٍ من النُّصوص الواردة في العبادات.
3. الذي يضع المعاملة هو الفقيه وليس المتخصِّص في الصناعة والتجارة وغيرها.
4. العرف لا يكون مغيّراً للحكم الشرعي أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً.
5. المعاملات والأنظمة والقوانين غير مقعدة على مذهب معين لكي نستفيد من باقي المذاهب.
رابعاً: أكمل الفراغ في العبارات الآتية بالكلمة المناسبة:
1. يملك الموصى له الموصى به بالقبول بعد موت الموصي إلا في مسألتين: .. ، و ..
2. يُمثلُ ......... أبرز قاعدة بُنيت عليها المعاملات.
3. الجهالة مردها إلى ...........
4. الأصلُ في المعاملات الإباحة ما لم تخالف ..............................
5. إنَّ أكثر قاعدة تُراعى في الفتوى والتَّطبيق هي النَّظرُ إلى .............
6. الحكم الشرعي له طرفان: طرف في كيفية استنباطه، ويكون بـ ....... ، وطرف في كيفية تطبيقه، ويكون بـ ..........
7. يباح لك اشتراط ما تريد من الشروط في العقد وتكون لازمة على الطَّرفين بشرط: ....
خامساً: علل ما يلي:
1. ملاحظةُ أنَّ المعاملات من الجانب التّنظيمي للإسلام أمرٌ في غايةِ الأهمية.
2. إدراك كون المعاملات مبينة على تحقيق مصالح البشر يورث الثقة الكاملة في المعاملات.
3. شبهة الربا ملحقة بالربا في الحرمة.
4. إن لزمت من العقد مضرة لم يكن لازماً، وجاز فسخه.
5. قسمُ البيع الفاسد مُفيدةٌ للغاية في حيويةِ العقود.
• • •
المبحث الثاني
مميزات المعاملات في الفقه
إنَّ هذا الإقبال الإسلامي والعالمي على دراسة المعاملات الشرعية لم يأت من فراغ، بل لِما امتازت به من خصائص عديدة تميزها عن غيرها، ومن تجربتي لسنوات طويلة في تدريس المعاملات عند السادة الحنفية من كتبهم الأصيلة، تحصَّلت لدي فكرةٌ عامّة عن المعاملات، تُمثِّل الخطوط العريضة التي يسلكها فقهاؤنا في تقرير أبواب المعاملات، وتعتبر أسباباً لنجاح المعاملات الشرعية في تلبية أغراض الناس.
وأحاول في هذا البحث عرضها بصورة مختصرة؛ لأنَّ تمام بيانها وتفاصيلها وأمثلتها تتحقق بدراسة الأبواب الفقهية المختلفة، فهي تمثل التصور العام والكلي للمعاملات عند الفقهاء، فيسهل على الطالب فهم البناء الفقهي لمسائل المعاملات.
وهذه الميزات متداخلةٌ فيما بينها، ومع ذلك أَفردت كلاً منها بنقطةٍ مستقلةٍ؛ لتميّزها عن غيرها، ولإظهارها وتسليط الضوء عليها أكثر، وهي:
الأولى: أنَّ المعاملات تنظيمية لا تربوية:
إنَّ التشريع الإسلامي له جانبان: تربوي، وتنظيمي.
أمّا التربوي: فهو يتجسد بصورةٍ واضحةٍ في العبادات التي تسعى سعياً حثيثاً إلى الارتقاءِ بإنسانيةِ الإنسانِ إلى أَعلى مراتبها، وتخليصِهِ من الصفاتِ الحيوانيةِ الذميمة، فعلى قدر التزام المسلم بدينه يرتقي سلوكه وأخلاقه وتصرفاته إلى أعلى مستويات الإنسانية، ويؤكد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (¬1)، والعبادات هي المحقِّقةُ لأفضل المكارم الخلقيةِ بالتخلصِ من الصفاتِ الذميمةِ والإخلاصِ للهِ تعالى.
فمثلاً في الصلاة يتعود الإنسان على الإخلاص لله - جل جلاله - والتركيز الكامل في أفعال الصلاة أثناء أدائها وهو ما يسمّى الخشوع، ومن أعظم أسرار النجاح في أي عمل هو الإخلاص له والتركيز الكلي فيه، فالمسلم يأخذ كل يوم خمس دروس في ترسيخ هذا السلوك في شخصيته، بحيث يكون جزءاً من حياته وَيُمَكِّنُه من النجاح الكامل في كل أموره.
والصلاة تنظم الأوقات للمسلم وتعرّفه أنَّ كل وقت له عمل، وهذا سبيل الناجحين في حياتهم، فمَن كان أقدر على تنظيم وقته وترتيب حياته
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 8: 4، وسنن الدارقطني 3: 304، وسنن أبي داود 2: 283، ومسند أحمد 2: 182، ومكارم الأخلاق ص78، قال الحاكم: صحيح الإسناد. ينظر: خلاصة البدر المنير 2: 257.
وجعل لكل وقت عملاً كان أنجح في حياته.
والصلاة تخرج المسلم من رغبات النفس وتحفزها على النشاط والهمة، فعليه أن يستيقط من الفجر ويترك رغبة النفس بالنوم، ومطالب في كل وقت أن يتوضأ ويصلي ويطرد وساوس النفس وزخرفها، وهكذا، ففوائد الصلاة لا تعد ولا تحصى.
وعلى كلٍّ الكلام لا نهاية له فيما يتعلق بأسرار التشريع وفوائده، وقد كثر التأليف فيها بما فيه غنى، وإنَّما أردت التمثيل هاهنا؛ للتنبيه على أنَّ الله غنيٌّ عن عباده كما هو معلوم لكلّ مسلم، وكلُّ ما يشرع لنا من الأحكام يكون لتحقيق المصلحة لنا ودفع المفسدة عنا لا غير، فلو عايش هذه الحقيقة ـ المعلومة لكل منا ـ في حياته، سيجد من الحكم والفوائد لهذا التشريع ما لا يعدّ ولا يحصى، وَلَسعى بجدّ إلى التزام أحكامه ولم يتردد في تطبيقه؛ لأنَّها شرعت لمصحلته الدنيوية والأخروية معاً.
وبقي أمرٌ لا بد من الحديث عنه وهو أنَّ النظريات التربوية يتعرّف عليها بالتجربة؛ لأنَّها تتعامل مع طبيعية إنسانية وتقدم حلولاً لمشاكل فيها، ويظهر مع الزَّمن أنَّ هذه الحلول أكثر جدوى، فهي تقاس بالتجربة والتطبيق أكثر من قياسها بمنظور العقل في ترتيب النتائج على المقدمات، ولذلك تجد أنَّ العقل لا يدرك العبادات في نفسها في ترتب النتائج عليها، ولكن التجربة أثبتت أنَّها قادرة على تعديل سلوك الإنسان إلى ما هو أقوم وأفضل، فالله - جل جلاله - خلق الإنسان وهو أعلم بحاله وبما يحسن تصرفاته وأخلاقه.
وأما الجانب التنظيمي في التشريع: فهو يتمثل في النكاح والطلاق والمعاملات والقضاء والسير والمواريث وغيرها، ففيها يسعى الفقهاء إلى تقديم أفضل حلول للحياة الإنسانية، ومَن قدَّم لنا أفضل مما عندنا لن نتوانا في الاستفادة والأخذ منه؛ لأنَّ المقصود منها إيجاد أفضل حياة بشرية.
والفقيهُ في تحقيق ذلك له نوران: نور العقل، ونور الشرع.
فأما نور العقل: فبه يبذل قصارى جهده في تقديم الطريق الأرشد والأفضل في حلّ المشاكل الحياتية، ويضيف إليه التجربة التاريخية العميقة في هذا الجانب من قِبَل الفقهاء، ملاحظاً معرفة أهل الاختصاص في هذا الميدان، فما يقدمه غير المسلم في تنظيم الحياة الإنسانية لا يعدو كونه من نور العقل البشري، ومثلُه موجود بكماله عند الفقهاء ويضاف إليه تجارب غيرهم من الفقهاء عبر التاريخ حيث تعتبر مادة خصبة جداً من التجارب البشرية.
وأما نور الشرع: فهو يتمثَّل في أمور لا يُمكن للعقل إدراكها بنفسه لأول وهلة، وإنَّما تدرك بالنظر إلى آثارها بعد مدة مديدة، فالشرع اختصر علينا الطريق وعرّفنا بها ابتداء، فلا حاجة لنا إلى عملها حتى نتعرَّفَ على ضررها، ومثال ذلك:
تبرج المرأة والزنا يجر على المجتمع من الويلات ما لا يعلمه إلا الله - جل جلاله -، وهذا ظاهر في المجتمعات الشرقية والغربية من انتشار الأمراض وحرمان المرأة من حقِّها في الزاوج ـ نتيجة تحقيق الرجل رغبته بالزنا واستغنائه عن المرأة ـ وخروج أجيال بلا أسرة تنتفع بتربيتها وتستمتع بحنانها، فمنعت
الشريعة هذا السلوك ابتداء، لا بعد أن تتعذب أجيال بذلك ثم نكتشف هذه الحقيقة المرة.
وأيضاً: الرّبا، والقمار، وبيع الدين بالدِّين، وبيع ما لا تملك، ففيه من المضار التي علمت في هذا الزمان بسبب الكارثة الاقتصادية ما لا يخفى، فالشريعة عرفتنا به ابتداءً وإن كانت لا تدرك بالعقل إلا بآثاره حتى نتعذب دهراً قبل نتوصل إلى هذه الحقيقة، وقس على هذا غيرها من الأحكام الشرعية.
وعلى كلٍّ تسعى الشريعة إلى تنظيم الحياة البشرية بهذين النورين، اللذين لا يوجدان بتمامها عند غير المسلم المسترشد بنور الله - جل جلاله -، فيتوصَّل إلى أبدعِ تنظيمٍ وترتيبٍ لكلِّ جوانب حياته.
وملاحظةُ أنَّ المعاملات من الجانب التّنظيمي للإسلام أمرٌ في غايةِ الأهمية؛ لأنَّ تعاملنا معها على أنَّها تنظيماتٌ يُسهِّلُ علينا كثيراً فهم فروعها، ويُمكننا من تصورِها جيداً، ويُساعدنا في معرفةِ الرَّاجح فيها، ويُمكننا من تخريج المستجدات ـ كما سيأتي ـ.
الثانية: أنَّ أحكام المعاملات معلَّلة لا تعبديّة:
إنَّ المعاملاتَ مبنيّةٌ على عللٍ يجب مراعاتها عند قراءة فروعها، والأحكام متعلِّقة بهذه المعاني، وما يذكره الفقهاء من مسائل هي أمثلةٌ لقواعد مقرَّرة في كلِّ باب من أبواب الفقه عامّة والمعاملات خاصّة؛ إذ من
طريقتِهم في التَّأليف أنَّهم يذكرون القاعدة بالمثال، فمن فهم المثال وتصوَّر بناءه الصَّحيح، عرف القاعدة التي بُنى عليها.
ومَن لم ينتبه لهذا وبقي يقرأ مسائل الفقه مجردةً عن كونها معلَّلة بمعاني وأصول، فلن يكون قادراً البتة على فهم الفقه، وغير قادر على ربط الفروع ببعضها، ومعرفة حكم المستجدات، فعلينا أن ندرك تماماً أنَّ ما بين أيدينا هي ألفاظ موصلة إلى معاني، والمعاني هي الغايات، فإنَّ هذه المعاني هي أسس وقواعد في كل باب بُنيت عليها الأحكام، وقد استنبطت من القرآن والسنة وآثار الصحابة والقواعد العامة التي آتى بها الإسلام واستفيدت من العقل السليم الذي يسير على المنهج المستقيم في تقدير الأمور بما يعود على البشرية بالنفع والخير.
وكيفية القراءة الصحيحة للمسائل هو بالسؤال الدائم قبل كل فرع لما هكذا؟ حتى يتبيّن لنا علته، وكذلك نفعل مع النُّصوص الشرعية من القرآن والسنة بالسؤال لما هكذا؟ حتى ندرك علته.
فكل الأحكام معلَّلة بمعاني معتبرة علينا إدراكها من أجل فهمها جيداً وإمكانية الاستفادة منها.
وهذا الأمر ظاهر في فقهِ الحنفيّة، وكان من أسبابِ نجاحه وتفوقه في المعاملات، قال الزنجاني (¬1): «ذهب المنتمون إلى أبي حنيفة - رضي الله عنه - من علماء
¬
(¬1) في تخريج الفروع على الأصول ص41.
الأصول إلى أنَّ الأحكام الشرعية ... أثبتها الله تعالى وشرعها معللة بمصالح العباد لا غير، ... فالشافعي رأى أنَّ التعبد في الأحكام هو الأصل، فغلّب احتمال التعبد، وبني مسائله في الفروع عليه، وأبو حنيفة - رضي الله عنه - حيث رأى أنَّ التعليل هو الأصل، بنى مسائله في الفروع عليه».
وقال الآمدي (¬1): « ... خلاف إجماع الفقهاء على أنَّ الحكم لا يخلو عن علّة».
وقال الكرديُّ (¬2): «المتتبع للأحكام الشرعية يعلم أنَّ أحكام الله سبحانه وتعالى كلَّها معلَّلة بمصالح العباد؛ لأنَّ الله حكيم، والحكمةُ معناها وضع الأمور في مواضعها وتشريع الأحكام وفق الحاجة إليها، فكان مقصود الشارع لذلك إنَّما هو عين المصلحة التي يراها الناس مصلحة ويتعارفون عليها، لا فارق بينهما في واقع الحال، ولكنَّ إرادة الله سبحانه وتعالى قضت أن يُشرِّع لنا أحكاماً نستطيع فهم علتها، فندرك بذلك معنى المصلحة القائمة فيها، وتسمى هذه أحكاماً معقولة المعنى، ويشرع لنا أحكاما أخرى نعجز عن إدراك معنى المصلحة فيها، وهذا لا يعني بحال أنَّها لا مصلحة فيها، فإنَّ حكمة الله تنافي ذلك، ولكنَّه يعني أنَّ عقولنا تعجز عن إدراك مواطن المصلحة فيها، وتسمى هذه أحكاماً غير معقولة المعنى، ومن هذا النوع الثاني أكثر الأحكام التعبدية، ومن النوع الأول أكثر أحكام المعاملات، وما إخفاء
¬
(¬1) في الإحكام3: 264.
(¬2) في بحوث في علم الأصول للكردي ص110.
الله سبحانه وتعالى عنا مواطن المصلحة في مواطن العبادة إلا لتكون عبادتنا أقرب إلى الإخلاص له وإظهار الطاعة التامة بين يديه، وما إظهاره المصلحة لنا في أكثر أحكام المعاملات إلا لتطمئن نفوسنا وترضى بهذه الأحكام، مناً منه وكرماً، وليكون ذلك أسهل على النفس في الانقياد إلى بارئها».
وقال شبير (¬1): «والأصل الذي ينبغي أن يستقر في أذهان الفقهاء أنَّ غالبية العبادات تعبدية غير معقولة المعنى، أو غير معللة بعلة معينة، وإنَّما يطلب من المكلف الالتزام بها ولو لم يدرك لها علة: كتقبيل الحجر الأسود، وأمّا المعاملات: فإنَّ غالبيتها غير تعبدية، أو معقولة المعنى، أو معللة بعلة معينة يدركها المجتهد، يقول الشاطبي: «الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد» دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات (المعاملات) الالتفات إلى المعاني»».
والأدلة على تعليل الأحكام:
قال - جل جلاله -: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} الإسراء: 9، علل القرآن بالهداية.
وقال - جل جلاله -: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} النساء: 165، وقال - جل جلاله -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} الأنبياء: 107، علل إرسال الرسل بالتبشير والإنذار والرحمة.
¬
(¬1) في تكوين الملكة الفقهية ص98.
وقال - جل جلاله -: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج: 78، ... وقال - جل جلاله -: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة: 185، وقال - جل جلاله -: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} النحل: 90، علَّل الشرع بعدم الحرج واليسر والعدل.
وقال - جل جلاله -: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} البقرة: 183، علل الصوم بتحصيل التقوى.
وقال - جل جلاله -: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ} البقرة: 222، علل الاعتزال بالأذى.
وقال - جل جلاله -: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ... لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} الحج: 27 - 28.
وقال - جل جلاله -: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} الأنفال: 39.
وقال - عز وجل -: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِيْ الأَلْبَابِ} البقرة: 179.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله» (¬1).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ... ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنَّه له وجاء» (¬2).
¬
(¬1) في المعجم الكبير10: 86، ومسند الشهاب2: 255، وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 1018، وصحيح البخاري 2: 673، وغيرهما.
وقال - صلى الله عليه وسلم - عن الهرة: «إنَّها ليست بنجس إنَّها من الطوافين عليكم والطوافات» (¬1).
وأطلنا في هذا النقطة تأكيداً على هذا المبدأ العام في التعامل مع المعاملات في كونها مبنية على علل ومعاني يجب مراعاتها عند فهمها والبناء عليها، ومدار كل عللها على تحقيق مصالح العباد بلا شك، وهو ما سنتكلم عنه في النقطة التالية.
الثالثة: أنَّها مبنية على تحقيق المصالح للبشر:
فمَن تأمّل في حِكَمِ التَّشريعِ يصل إلى أنَّها إما جالبة للمصالح وإما دارئة للمفاسد، وينبغي أن يكون هذا الأمر مسلَّما؛ لكون الله غنيٌّ عن العباد وحكيمٌ، فلا يريد من تشريعاتِه إلا تحقيق الخير للبشريّة في المعاملات وغيرها، قال الشَّاطبيُّ (¬2): «إنَّ القاعدةَ المقرَّرةَ أنَّ الشرائعَ إنَّما جيء بها لمصالح العباد، فالأمرُ والنهيُ والتخييرُ جميعاً راجعةٌ إلى حَظِّ المكلَّفِ ومصالحِه؛ لأنَّ اللهَ غنيٌّ عن الحظوظِ منزّه عن الأغراض».
ومن أبدع مَن تكلَّم على هذا الجانب باستفاضة الإمام العز ابن عبد السلام في كتابه النافع الماتع المسمَّى بـ «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»،
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 153، وقال: حسن صحيح، وسنن أبي داود 1: 67، موطأ مالك 1: 22، وغيرها.
(¬2) في موافقاته1: 148.
فقد أولاه عناية فائقة وبرهن عليه وبَيِّن قواعدَه وضوابطَه وتفريعاته بما لا مثيل له؛ إذ خصَّه بكتاب كامل، فمَن أراد الوقوف عليه فليرجع له؛ ولذلك أقتصر هاهنا على أمور عامة تشير إليه وتدّلُ على وجوده وتُبيِّنُه.
قال صدر الشريعة (¬1): «حكمة مقصودة للشارع في شرعه الحكم، من جلب نفع للعباد أو دفع ضرٍّ عن العباد، وهذا مبني على أنَّ أفعال الله تعالى معلَّلة بمصالح العباد».
وقال التميميّ (¬2): «لا خلاف أنَّ الأصول كلها معللة».
وقال ابنُ أمير الحاج (¬3): «أفعال العباد وأحكامه تعالى معللة برعاية مصالح العباد كما تنادى به تعليلاتهم في شرعية المعاملات والعقوبات».
وفي ذلك يقول الشاطبي (¬4): «إنَّ وضعَ الشرائع إنَّما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً ... والمعتمدُ إنَّما هو أنا استقرأنا من الشريعةِ أنَّها وضعت لمصالح العباد استقراء ... {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} الأنبياء: 107 ... {إنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} العنكبوت: 45 ... فنحن نقطع بأنَّ الأمرَ مستمرٌ في جميع تفاصيل الشريعة».
¬
(¬1) في التوضيح2: 126.
(¬2) في الطبقات السنية1: 130.
(¬3) في التقرير والتحبير3: 234.
(¬4) في موافقاته2: 7 - 8.
وفي هذا يقول السيوطيّ (¬1): «لا شكّ أنَّ الشرائعَ كلها متفقةٌ على النظر إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، وكذا أحكام القضاء والقدر جارية على سنن ذلك، وإن خفي وجه ذلك على الناس في كثير منها».
ويقول الغماريّ (¬2): «إنَّ مراعاة المصالح من أعظم أصول الشريعة، وعلَّلَ أحكامَها التي ينبني عليها جميعها، وحيثما دارت تدور معها، فالشريعةُ كلُّها مبنيّةٌ على جلب المصالح ودرء المفاسد».
والمصلحة في الأحكام ليست بخاصة في حكم دون حكم، وإنَّما تشمل كلَّ الأحكام في جميع الأبواب الفقهية، قال الشاطبي (¬3): «مقاصد الشارع في بثّ المصالح في التشريع أن تكون مطلقة عامة لا تختص ببابٍ دون باب، ولا بمحلٍّ دون محلٍّ، ولا بمحل وفاق دون محل خلاف، وبالجملة الأمر في المصالح مطرد مطلقاً في كليات الشريعة وجزئياتها».
فإنَّ إدراك هذه الحقيقة الكبيرة يورث الثقة الكاملة في أحكام المعاملات، والرغبة في الإقبال عليها علماً وعملاً، وإفناء العمر في الاستفادة من كنوزها وخيراتها؛ لينتفع الناس بهذه النعمة الكبرى عليهم؛ لأنَّ المرء يسعى في مصالحه، فإن علم أنَّ مصلحته متحققة بهذا فلن يدخر جهداً في
¬
(¬1) في الحاوي للفتاوى1: 445.
(¬2) في تحقيق الآمال ص131.
(¬3) في موافقاته2: 365.
السعي وراء تحققها في حياته.
الرابعة: أنَّها تقوم على مبادئ عامّة:
النَّصوصُ الشَّرعيةُ الواردةُ في أبوابِ المعاملات أقلُّ بكثيرٍ من النُّصوص الواردة في العبادات، فلم تكثر الأحاديث فيها كما كثرت في العبادات، وليس مرجع هذا عدم اهتمام الشَّارع الحكيم بها، وإنَّما السَّبب هو كون العبادات غير معقولة المعنى؛ لأنَّها تربية، بخلاف المعاملات فإنَّها معقولة المعنى؛ لأنَّها تنظيم ـ كما سبق ـ.
وإنَّما كانت طريقةُ الشَّريعة فيها هي تأسيس قواعد عامّة تسير عليها المعاملات وتنضبط بها، فكانت إمكانية التطبيق فيها أكثر، ومرونة العمل أوسع، وقدرة الاجتهاد فيها أعظم، فمَن لم يكن يسير على أصولٍ محكمةٍ في الفقه، لن يستطيع المنافسة في أبواب المعاملات؛ لأنَّ ظواهر الأحاديث التي كان يَبني عليها كلامَه في العبادات لم تَعُد متوفرةً إلا قليلاً.
وسطحيةُ الاجتهاد في المعاملات تكشف عواره، وتهلك المجتمع، وتكون سبباً رئيسياً في التفلت من الأحكام الشرعية في المعاملات؛ لعدم عقلانية الأحكام الصادرة من بعض المفتين، فلا يستطيع المسلم الالتزام بها: كالفتوى بعدم جواز التَّقسيطِ في البيع مطلقاً؛ احتجاجاً بحديث: «النهي عن بيع وشرط» (¬1)، فهي تغلقُ باباً واسعاً في البيوع وغيرِها، وتعسّر البيع، فتكون
¬
(¬1) في مسند أبي حنيفة ص160، والمعجم الأوسط4: 335.
المعاملات سبباً للحرج لا للفرج والتيسير.
فعدم الانتباه لهذه الميزة العظيمة في المعاملات يربك المشتغل بها، والتفات الحنفية إليها أكثر من غيرهم هو الذي جعل أحكام المعاملات في مذهبهم سهلة في العمل والتطبيق، وجعل فيها تيسيراً كبيراً ورفعاً للحرج عن الناس؛ لأنَّهم يحتكمون فيها للمبادئ العامّة التي تظافرت عليها النصوص الشرعية.
ومن هذه القواعد: الرضا، وعدم الرّبا، وعدم القمار، وإزالة الجهالة، وغيرها، مما سيأتي تمام الكلام في مناقشته في الميزات التالية.
الخامسة: أنَّها تقوم على أساس التراضي بين النَّاس:
يُمثلُ التَّراضي أبرز قاعدة بُنيت عليها المعاملات، ولو لم يكن في النصوص الشرعية إلا هذا الأساس في التعامل لكان كافياً للدلالة على عظم هذا التشريع، فهي تجري في كافة التصرُّفات التِّجارية مجرى الرُّوح في الجسد، فلا حياة لجسدٍ بلا روح، ولا اعتبار لمعاملةٍ بدون رضا.
قال - جل جلاله -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} النساء: 29، إذ في الآية إباحة سائر التجارات الواقعة عن تراض، والتجارة اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح؛ قال - جل جلاله -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ
أَلِيم} الصف: 10، فسمّى الإيمان تجارةً على وجه المجاز تشبيهاً بالتجارات المقصود بها الأرباح (¬1).
وأكد هذا المعنى الوارد في الآية النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إنَّما البيع عن تراض» (¬2).
فخلو العقد عنها ابتداءً عند التعاقد أو بقاءً بعد التعاقد يسبب خللاً ظاهراً فيه يمنع من صحّة العقد، ويوجب الفسخ لفساده.
والرِّضا هو أكثرُ فكرةٍ مراعاةٍ في العقود، فعليها مدارُ التَّعاملات، فهي القاعدةُ العظمى والمرتكز الأساسي فيها، فتدخل في عامة متعلقات المعاملات من شروط وخيارات وعيوب وجهالة، ومن أمثلة ذلك:
1.إدخال البعض للرضا في التعريف للبيع، حيث جعلوه: مبادلة مال بمال عن تراض، وإن كان المعتمد عدم دخولها في التعريف؛ لكونها شرطاً لا ركناً.
2.ثبوت خيار الرؤية للمشتري حتى يحصل له تمام الرضا؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إن رآه» (¬3)، فإن اشترى مبيعاً ولم يشاهده
¬
(¬1) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 2: 245، وغيره.
(¬2) في سنن ابن ماجة2: 727، وصحيح ابن حبان11: 340، والسنن الكبرى للبيهقي6: 29، وغيرها.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 5: 268، وسنن الدارقطني 3: 4، ومصنف ابن أبي شيبة 4:
268، وشرح معاني الآثار 4: 9، وغيرها، وينظر: إعلاء السنن 14: 61 - 65، وغيره.
(2) في صحيح مسلم 3: 1153، وصحيح البخاري 2: 754، وغيرهما.
يبقى له الحقّ في رؤيته حتى يتم البيع بتحقق الرضا فيه.
3.ثبوت خيار العيب، فإن تبيّن أنَّ في المبيع عيباً ينقص قيمته عند التجار ولم يره المشتري عند البيع يثبت له الحق بردّ المبيع؛ إذ السلامة لما كانت مرغوبة للمشتري، ولم تحصل، فقد اختل رضاه، وهذا يوجب الخيار؛ لأنَّ الرضا شرط صحّة البيع، فانعدام الرضا يمنع صحة البيع، واختلاله يوجب الخيار فيه؛ إثباتاً للحكم على قدر الدليل؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن اشترى شاةً محفَّلة فردَّها فليرد معها صاعاً من تمر» (¬1)، والصَّاعُ من التَّمر كأنَّه قيمة اللبن الذي حلبه المشتري، علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق المشاهدة.
4.ثبوت خيار الشرط؛ لتحقيق تمام الرضا من البائع والمشتري، بثبوت حقّ فسخ العقد لكلّ واحد من المتعاقدين في ثلاثة أيام إن اشترطا ذلك عند التعاقد؛ لأنَّ الإنسان محتاج إلى التأمّل والتفكر فيما يشتريه ويبيعه، حتى لا يتضرر في ذلك، ولا يكون ذلك إلا بخيار الشرط (¬2)، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا أو يكون البيع خياراً» (¬3).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 755، ومصنف عبد الرزاق 8: 198، وغيرهما.
(¬2) ينظر: درر الحكام 1: 290.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 742، وغيره.
السادسة: أنَّها تقوم على أساس رفع النزاع:
وهذه قاعدةٌ كبيرةٌ في المعاملات، يُعبَّر عنها كثيراً بعبارة: كلُّ جهالةٍ تُفضي إلى النِّزاع تُفسدُ البيع، فميزوا بين الجهالةِ المعفوةِ وغيرِ المعفوة بتحقُّقِ النِّزاع فيها، فعامّة الفروع في الفساد يعلِّلون فسادها بالجهالة أو بالنِّزاع.
والجهالةُ متفاوتةٌ جداً من زمانٍ إلى زمانٍ، ومكانٍ إلى مكانٍ، لكنَّ مردُّها إلى النزاع، فيكفينا مثلاً في بلدة أن نذكر في المبيع بعضَ الأوصاف وتكون كافيةً بعدم حصول التَّنازع، وفي بلدةٍ أُخرى لا يكفينا ذكر مثل هذه الأوصاف فيحصل تنازع إن لم يبيِّن أكثر، فيكون البيع في البلد الذي لا يتنازعون صحيح وفي الآخر فاسد.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الغرر» (¬1)، قال الإمام السَّرَخْسِيّ - رضي الله عنه - (¬2): «الغرر ما يكون مستور العاقبة»، فلا بد أن يكون ما في العقد واضحاً بيِّناً ومحدَّداً لكلِّ واحدٍ من المتعاقدين.
وعلى المشتغل بالمعاملات أن ينتبه دائماً إلى تحقُّقِ هذا الأصل في المعاملة، بأن لا يكون فيها جهالة مفضية إلى النزاع، وإلا فسدت، وليس مردُّ الجهالة إلى النظرية والعقل، وإنَّما إلى الواقع والتطبيق، فكم من المسائل نحكم
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 753، وصحيح مسلم 3: 1153، وصحيح ابن حبان 11: 327، وغيرها.
(¬2) في المبسوط 13: 68.
بجهالتها عقلاً، لكن لا يتنازعون فيها في الواقع، فلا نحكم بالفساد بسبب هذا الجهالة، ومن أمثلة ذلك:
1.جواز بيع القمح في سنبله والباقلاء في قشره؛ لكونه معتاداً ولا يفضي للنزاع.
2.جواز أخذ أجرة الحمّام رغم جهالة كمية الماء المستخدمة؛ لأنَّهم اعتادوا ذلك، ولا يتنازعون فيه.
3.جواز بيع وشرط في كثير من البلاد رغم الجهالة؛ لتعارفهم إيَّاه، وعدم التَّنازع بسببه.
السَّابعة: أنَّها تقوم على أساس أخذ المال بالحقِّ دون الباطل:
فطرقُ الحصول على المال متعددةٌ، منها ما هو مشروع، ومنها ما هو غير مشروع، وما كان غيرَ مشروع منها ما هو محل توافق بين المجتمعات: كالسَّرقة، والخيانة، والغصب، ومنها ما تمنعه قوانين لدول وتبيحه أُخرى على حسبِ ثقافاتٍ ومنافع ومَضارّ تُحدِّدها تلك الأنظمة.
وفي نظامنا الإسلامي أدخلنا فيه كلَّ ما كان مُضرّاً بالأفراد والمجتمع مما لا نفع فيه، ونجعله من المحظورات: كالربا، والقمار، والغناء، وثمن الخمر، وغيرها.
وأكَّد الشَّارعُ هذه الميِّزة بقوله - جل جلاله -: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ
وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} البقرة: 188، قال الإمام الجصاص - رضي الله عنه - (¬1): «أكل المال بالباطل على وجهين:
أحدهما: أخذه على وجه الظَّلم والسَّرقة والخيانة والغصب وما جرى مجراه.
والآخر: أخذه من جهة محظورة، نحو: القمار، وأجرة الغناء، والقيان، والملاهي، والنائحة، وثمن الخمر والخنزير والحر، وما لا يجوز أن يتملكه وإن كان بطيبة نفس من مالكه».
ويُمكن ضبط ذلك بأنَّ كلَّ التَّصرُّفات الممنوعة شرعاً تكون من أكل المال بالباطل؛ لأنَّها منعت لما فيها من مفاسد، فلم تعتبر الشريعة أنَّ كسبها حلالاً؛ ليمتنعَ النَّاس عن القيامِ بها، وإن كان النَّهي شديداً في حقِّها، يكون الكسب النَّاتج عنها خبيثاً، بحيث لا يحلُّ أكلُ وشربُ وضيافةُ وميراثُ صاحبها؛ لأنَّه ملكَه بطريق باطل، ومن أمثلةِ ما نصُّوا على أنَّ كسبه خبيث:
1.الغاصب إذا أجر المغصوب، فالأجرة له، ولكن يتصدق به؛ لأنَّه حصل له بكسب خبيث (¬2).
2.من غَدر بأهل الكفر في بلادهم وأخذ مالهم وأخرجه إلى دار الإسلام، كره للمسلم شراءه منه إذا علم ذلك؛ لأنَّه حصّله بكسب خبيث،
¬
(¬1) في أحكام القرآن 1: 344.
(¬2) ينظر: المبسوط5: 70.
وفي الشراء منه إغراء له على مثل هذا الكسب، وهو مكروه للمسلم (¬1).
3.مَن صَيَّر ما ليس بمال من ملك الغير مالاً بفعله، كان ذلك المال له: كمن اتخذ كوزاً من تراب غيره وباعه، ولكن ينبغي له أن يتصدق به؛ لأنَّه حصّله بكسب خبيث (¬2).
واعتبار الكسب خبيثاً طريقٌ لطيف في صرف النَّاس عن سلوك طرق فاسدة في كسب المال؛ حفظاً للمجتمع من الانحراف والسير في طريق المهالك.
الثّامنة: محاربة الربا والحض على الابتعاد عنه وعن شبهته:
وهذه ميزة عظيمة جداً؛ لأنَّ الربا مهلكة الاقتصاد؛ لما فيه من تضييع المجتمع في زيادة الفقير فقراً وزيادة الغني غنىً بتحقيقه للتضخم المستمر في أنواع السِّلع.
وتعريفُه العامّ: هو زيادةٌ خاليةٌ عن عوض (¬3)، فطالما أنَّه لا يوجد عوض لم يعد أخذه بحقّ، ولم يعد الرّضا بتمامِه موجوداً، بل أحدُ الطَّرفين منتفعٌ والآخرُ متضرر؛ لهذه الأسباب وغيرها وجدنا القرآن حارب الربا محاربة شديدة، فقال - جل جلاله -: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
¬
(¬1) ينظر: المبسوط10: 97.
(¬2) ينظر: المبسوط11: 27.
(¬3) ينظر: المبسوط12: 117، والتقرير3: 116.
مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} البقرة: 275.
فكان أثره السيء في التعاملات المالية كأثر الزنا في العلاقات بين الرجال والنساء، فكما مُنِع من كلِّ الطُّرق الموصلة للزّنا: كالتبرج والاختلاط، كذلك مُنِع من كلِّ الطُّرق الموصلة للرِّبا، فكانت شبهة الربا ملحقة بالربا في الحرمة؛ غلقاً لهذا الباب، وسدّاً لكلّ المنافذ الموصلة له؛ لخطورته الشديدة على المال.
فمثلاً منع أبو حنيفة - رضي الله عنه - من بيع الزيتون بالزيت والسِّمسم بالشيرج حتى يكون الزيت والشيرج أكثر مما في الزيتون والسمسم؛ ليكون قدره بمثله، والزائد بالثَّجير (¬1)؛ لاتحاد الجنس بينهما معنى باعتبار ما في ضمنهما، وإن اختلفا صورة، فيثبت بذلك شبهة المجانسة، والربا يثبت بالشبهة، فلو لم يكن الدهنُ الخالص أكثر من الذي في الآخر، كان الثجير بلا عوض يقابله فيحرم، ولو لم يعلم أنَّ الخالص أكثر لا يجوز؛ لأنّ المتوهم في الرِّبا كالمتحقِّق (¬2).
ومن الأدلة النقلية على إلحاق الشبهة بالربا:
1.عن جابر - رضي الله عنه - إنَّه - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر» (¬3).
¬
(¬1) الثجير: وهو ثُفْل كل شيء يعصر. ينظر: مجمع الأنهر2: 89، وغيرها.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص548، وتبيين الحقائق 4: 96، وغيرها.
(¬3) في صحيح مسلم 3: 1162، والمستدرك 2: 44، وغيرهما.
2. وعن عمر - رضي الله عنه -: «إنَّ آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبض ولم يفسرها، فدعوا الربا والريبة» (¬1)، قال الطِّيبِي: «يعني إنَّ هذه الآيةِ ثابتةٌ غيرُ منسوخةٍ، غير مشتبهة؛ فلذلك لم يفسِّرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فأَجروه على ما هي عليه، ولا ترتابوا فيها واتركوا الحيلةَ في حلِّ الرّبا» (¬2).
3. وعن عليّ - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «كل قرض جر نفعاً فهو ربا» (¬3)، وعن فضالة بن عبيد الله - رضي الله عنه - موقوفاً: «كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا» (¬4).
ونخلص من ذلك: أنَّه ينبغي الابتعاد كلَّ البعد عن كلِّ معاملةٍ فيها ربا أو مورثة للرِّبا، بأن تحتوي على فضل خالٍ عن عوضٍ، وهو مخالفٌ لمبنى المعاوضات من مقابلةِ الشَّيءِ بشيءٍ لا أن يكون خالياً عمّا يُقابله؛ لأنَّه أكل حَقِّ الغير لحاجته واضطراره، فيمنع منه، ويمنع من كلِّ الطُّرُق الموصلة له من شبهة الرِّبا.
¬
(¬1) في مسند أحمد 1: 36، 49، وسنن ابن ماجة 2: 764، وقال الكناني في المصباح 3: 35: رجاله ثقات.
(¬2) ينظر: عمدة الرعاية 1: 59.
(¬3) في مسند الحارث 1: 500، ضعفه المناوي في فيض القدير 5: 28، وجعله العزيزي في السراج المنير 3: 86 حسناً لغيره
(¬4) في سنن البيهقي الكبير 5: 350، وغيره، قال اللكنوي في الفلك المشحون ص 22: «وهو وإن كان مُتَكَلَّمَاً فيه سنداً لكنه تأيَّدَ بآثارِ الصَّحابةِ وعَمَلِ الأئمة».
التَّاسعة: لزوم العوض في مقابل عين أو منفعة:
مرَّ معنا في الربا قريب من هذا المعنى من عدم وجود المعاوضة على تمامها، فكانت زيادة بلا مقابل، مع أننا في عقدِ معاوضات لا تبرُّعات ـ وهي التي تبنى على عدمِ المعاوضة ـ.
وهنا كلامنا في بحث ليس بأقل أهمية من الربا، وهو يدخل في المعنى العام للربا، وهو القمار، ومعناه العامّ: تعليق أصل الاستحقاق على الحظّ (¬1)؛ إذ لا يقابل المال فيه حقٌّ معتبر من منفعة أو عين.
والمقصود بالعين: الأعيانُ التي يُضاف إليها عقد البيع وأمثاله، والمقصودُ بالمنفعة: المنافعُ التي يُضاف إليها عقدُ الإجارة وأمثاله.
ففي العقودِ المعتبرةِ يكون المالُ مُستحقّاً بإزاءِ تقديمِ عينٍ أو منفعةٍ؛ لأنَّ بها تمام العدل في مقابلة الشيء بقيمته المتوافق عليه بين المتعاقدين، ويكون لازماً على كلِّ طرفٍ تقديم ما يلزم عليه قضاءً، بخلاف ما يكون قماراً، فكيف يلزم عليه أن يُقدِّمَ شيئاً ولم يأخذ في مقابلِهِ عوضاً، ولذلك لا يُقضى عليه به؛ لعدم استحقاقِهِ له، وهذا كمال العدل.
ونهى الله تعالى عن القمار في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} المائدة: 90،
¬
(¬1) ينظر: المبسوط7: 75، وفتح القدير9: 440، وعبارته: «أصل الاستحقاق في القمار يتعلق بما يستعمل فيه»، ومثله في البناية11: 433، وغيرها.
والميسر: هو القمار مشتق من اليسر؛ لأنّه أخذ المال بسهولة من غير تعب ولا كدّ (¬1).
وتوضيحاً لمفهوم القمار المراد عند الفقهاء أورد بعض المسائل التي عللو تحريمها بأنَّ فيها قماراً، وهي:
1.إن شرط شخصان جعلاً من كلِّ واحد، بأن قال لصاحبه: إن سبقتني أعطيتك كذا، وإن سبقتك تعطيني كذا، فهو القمار بعينه، والقمار حرام، إلا أن يكون بينهما محلل (¬2)، وهذا لأنَّ القمار مشتق من القمر الذي يزداد وينقص، سمي القمار قماراً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المقامرين ممن يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه، ويستفيد مال صاحبه، فيزداد مال كل واحد منهما مرة وينتقص أُخرى، فإذا كان المال مشروطاً من الجانبين كان قماراً، والقمار حرام، ولأنَّ فيه تعليق تمليك المال بالخطر، وإنَّه لا يجوز (¬3)؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فلا بأس، ومَن أدخل فرساً بين فرسين وهو يؤمن أن يسبق فذلكم القمار» (¬4).
2. بيع الملامسة والمنابذة وإلقاء الحجر، فمنعوا منها؛ لما فيها من القمار، وبيانه: أنَّ بيع الملامسة: هو أن يتساوم الرجلان في السلعة فيلمسها المشتري
¬
(¬1) تعليقات البغا على البخاري7: 104.
(¬2) ينظر: شرح السير الكبير1: 85.
(¬3) ينظر: المحيط البرهاني5: 323.
(¬4) في شرح معاني الآثار5: 155، وسنن الدارقطني5: 551.
بيده فيكون ذلك ابتياعاً لها رضي مالكها بذلك أو لم يرض، وبيع المنابذة هو أن يتراوض الرجلان على السلعة فيحب مالكها إلزام المساوم له عليها إياها فينبذها إليه فيلزمه بذلك، ولا يكون له ردها عليه. وبيع إلقاء الحجر: هو أن يتساوم الرجلان على السلعة فإذا وضع الطالب لشرائها حصاة عليها تمّ البيع فيها على صاحبها ولم يكن لصاحبها ارتجاع فيها. وهذه كانت بيوعا في الجاهلية فنهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1)؛ لأنَّ فيها تعليقاً بالخطر، والتمليكات لا تحتمله لأدائه إلى معنى القمار؛ لأنَّه بمنزلة أن يقول البائع للمشتري: أي ثوب ألقيت عليه الحجر فقد بعته، وأي ثوب لمسته بيدك فقد بعته، وأي ثوب نبذته إلي فقد اشتريته (¬2).
3.إضافة البيع، وإجازته، وفسخه، والقسمة، والشركة، والهبة، والنكاح، والرجعة، والصلح عن مال، والإبراء عن الدين إلى المستقبل، فإنَّ هذه الأشياء تمليكات فلا يجوز إضافتها إلى الزمان، كما لا يجوز تعليقها بالشرط؛ لما فيه من معنى القمار (¬3).
وصور القمار في هذا الزَّمان عديدة جداً: كاليانصيب، وكلُّ لعب يُحقِّق معناه (¬4)، كالعديدِ من المسابقات التلفزيونية والإذاعية التي تعتمد على الحظّ؛
¬
(¬1) في صحيح البخاري2: 754، وصحيح مسلم 3: 1151، وغيرها.
(¬2) ينظر: العناية6: 417.
(¬3) درر الحكام2: 202.
(¬4) تعليقات البغا على البخاري7: 104.
إذ يسألوا سؤالاً سهلاً وتلزم بدفع مال بطريق الاتصال ويفوز واحد ويخسر الباقون قيمة اتصالاتهم، ومثلُه كثير يحصل برسائل على الهاتف بطرق متعددة، يتلاعبون فيها بجمع المال، فالحذر الحذر من كلِّ هذا؛ لأنَّه قمارٌ، وهو مُحرَّم.
العاشرة: أنَّ العقود حقيقة لا وهمية:
ونقصد بذلك أنَّها ليست مجرد مضاربات تحصل في البورصات وغيرها يُجنى من ورائها أرباح طائلة دون أن يكون فيها فائدة تعود على المجتمع بإنتاجِ عينٍ أو تقديمِ منفعةٍ، ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ فحسب، بل يكون لها أثر سلبيٌّ بحصول تضخم في الأسعار، مما يلحق ضرراً بليغاً بالمجتمعات لحساب أفرادٍ معيّنين، ممَّا جعل بعض الاقتصاديين يُطالب الدُّول إن أرادت أن تحل مشكلة التعثّر الاقتصادي أن تترك وتبتعدَ عن العقود الوهمية.
هذه الكيفيات لم تقبلها الشريعة، وحاربتها وسلكت وسائل تجعل العقود حقيقة تعود بالنفع على الأفراد والجماعات بالإنتاج والعمل والاستثمار الحقيقي، فلا نريد عقداً بدون عين أو منفعة.
ومن أمثلةِ تحقيقِ الفقه لذلك:
1.المنع من بيع شيء لم يقبض؛ تأكيداً على تحقق العقد بانتقال المبيع ووجود الضمان له؛ فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: «قلت: يا رسول الله، إنّي رجل أشتري المتاع فما الذي يَحِلّ لي منها وما يَحْرُم عليَّ؟ فقال: يا ابن أخي،
إذا ابتعت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه» (¬1).
2.المنع من بيع السلعة قبل تملكها؛ مبالغة في حصول البيع بحق، وابتعاداً عن أسباب النزاع؛ فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: «أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق، ثم أبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك» (¬2).
3.إبطال عقد الصرف والسَّلَم إن لم يحصل تقابض في نفس المجلس، وجعل القبض فيها مستحقاً شرعاً؛ سعياً لإيجاد هذه العقود حقيقة، وخروجاً من أسباب النزاع بسبب التغير السريع في الأثمان؛ فعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» (¬3)، وعن عمر - رضي الله عنه -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الورق بالذهب أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك حتى يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الربا» (¬4).
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان11: 358،361، وسنن النسائي الكبرى4: 37، والمجتبى7: 286، والمنتقى1: 154، ومصنف ابن أبي شيبة4: 387، ومصنف عبد الرزّاق8: 43.
(¬2) في جامع الترمذي 3: 534، وحسنه، وسنن أبي داود 3: 283، والمجتبى 7: 289.
(¬3) في صحيح البخاري 2: 761، وصحيح مسلم 3: 1208، وغيرها.
(¬4) في الموطأ2: 634، وسنن البيهقي الكبير 5: 284، وغيرها.
4.المنع من بيع الدين بالدين إلا ممن عليه الدين، فلا يجوز بيع ديوني على زيد لعمر مثلاً، وصوره عديدة، وكل هذا تحقيق لعقود حقيقة لا وهمية؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» (¬1): أي النسيئة بالنسيئة.
الحادية عشر: أنَّ الأصلُ في المعاملات الإباحة ما لم تخالف نهي الشارع المبيّن في كتب أئمتنا الفقهاء:
إنَّ اعتبارَ أئمة الفقه قاطبةً (¬2) أنَّ الأصلَ في المعاملات الإباحة مَيِّزةٌ كبيرةٌ جداً، فيه تيسيرٌ، ورفعٌ للحرج، وابتعادٌ عن التَّعقيدات والتَّقييدات، وهذا متوافقٌ مع كونِ المعاملات من التَّنظيمات.
ومعنى هذا أنَّ الذي يضع المعاملة هو المتخصِّص في الصناعة والتجارة وغيرها وليس الفقيه، فالفقيه أشبه ما يكون عملُه بالقانونيّ الذي ينظر في موافقةِ أنظمة المعاملة أو الشَّركة لقوانين الدَّولة وما هو الأنسبُ والأفضلُ منها بحفظِ الحقوق، ويكون عنده نوعُ مساعدةٍ في وضع العقود، لكن وضعها ابتداء فهو من قبل أهل كلِّ فنٍّ هي فيه.
¬
(¬1) في سنن الدارقطني 3: 71، والموطأ 2: 797، وشرح معاني الآثار 4: 21، والمستدرك 2: 65، وصححه الحاكم، وقال الدارقطني: ليس في هذا حديث يصح، لكنَّ إجماع الناس على أنَّه لا يجوز بيع دين بدين. ينظر: تلخيص الحبير 3: 26، وغيرها.
(¬2) نقل الدكتور نايف الجريدان في بحثه الأصل في المعاملات الإباحة: اتفاق المذاهب الفقهية على هذه القاعدة مع مخالفة ابن حزم.
وعمل الفقيه يتميّزُ أيضاً عن عملِ القانونيّ أنَّ المعاملةَ مع موافقتِهِا لنظام الدولة نحتاج أن تكون موافقةً للشريعة، وبحكم التراث الفقهي الضخم عبر التاريخ، والتجارب الهائلة في الدول المتعاقبة في الحكم بالشريعة، أصبحت لدى الفقه صوراً من العقودِ والمعاملاتِ لا تُعدُّ ولا تُحصى، فيستطيع أن يفيدَ منها مجتمعه والبشرية جمعاء.
وبالتَّالي يكون عملُ الفقيه تصحيح معاملات النَّاس بما لا يُخالف الشَّريعة، وتَحرير المُعاملة بما يحفظ حقّ جميع الأطرف، والسَّعي في تحقيقِ العدل بين المُتعاقدين، والتَّنقيح بما يجعلها أكثر نجاحاً وملائمةً للواقع، والإسهام في تطويرِها بحكمِ التجربةِ الواقعيةِ والتَّاريخية، والإبداع في معاملاتِ جديدةٍ مستفادةٌ من تراث الأمة.
وهذا الإباحةُ مندرجةٌ في قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة (¬1)، ويستنثى منها الفروج؛ إذ الأصل فيها التحريم، قال العلامة شيخي زاده - رضي الله عنه - (¬2): «واعلم أنَّ الأصلَ في الأشياء كلِّها سوى الفروج الإباحة، قال - جل جلاله -: {هُوَ
¬
(¬1) صرح في التحرير بأنَّ المختار أنَّ الأصل الإباحة عند الجمهور من الحنفية والشافعية، اهـ. وتبعه تلميذه العلامة قاسم، وجرى عليه في الهداية من فصل الحداد، وفي الخانية من أوائل الحظر والإباحة، وقال في شرح التحرير: وهو قول معتزلة البصرة وكثير من الشافعية وأكثر الحنفية لا سيما العراقيين. قالوا: وإليه أشار محمد فيمن هدد بالقتل على أكل الميتة أو شرب الخمر فلم يفعل حتى قتل بقوله: خفت أن يكون آثما؛ لأنَّ أكل الميتة وشرب الخمر لم يحرما إلا بالنهي عنهما، فجعل الإباحة أصلا والحرمة بعارض النهي. اهـ. ونقل أيضا أنَّه قول أكثر أصحابنا وأصحاب الشافعي للشيخ أكمل الدين في شرح أصول البزدوي. ينظر: رد المحتار 1: 105، 4: 161، 6: 458، وغيره.
(¬2) في مجمع الأنهر 2: 568.
الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} البقرة: 29، وقال - جل جلاله -: {كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} البقرة: 168، وإنَّما تثبت الحرمة بمعارضة نص مطلق أو خبر مروي، فما لم يوجد شيء من الدلائل المحرمة فهي على الإباحة».
والمقصود بالفروج: هي العلاقات بين الرجال والنساء، فإنَّ الأصل فيها المنع؛ لما يترتب عليها من الفساد، إلا ما أباحه الشارع من الزواج، والحاجيات المقيدة بضوابط الشرع.
ويضاف لذلك أيضاً: المأكولات من اللحوم، فإنَّ الأصل فيها المنع؛ لقوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} المائدة: 3، فيباح منه ما يكون ذكاة شرعية أو كان صيداً بشروطه، وأن لا يكون من ذي ناب أو مخلب؛ لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «عن أكل ذي ناب من السباع، وعن أكل ذي مخلب من الطير» (¬1).
وما قيدتُ به من كونِ الإباحةِ مقيَّدةٌ بعدمِ مخالفة النَّهي في الكتبِ الفقهيّة لا النَّهي في الكتاب والسنّة؛ تنبيهٌ على أمرٍ في غايةِ الأهمية، وهي أنَّ الكتبَ الفقهيّة هي تفسيرٌ وتوضيحٌ وتبيينٌ من قبل المجتهدين لنهي الشَّارع وإباحتِهِ في النصوص الشرعية، وهم الأقدرُ على فهم مراد الشارع بأصولهم المقرَّرة المشهورة، فلا ينبغي لغير المجتهد أن يبيحَ لنفسِهِ فهم مقصود الشّارع
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1543، وسنن أبي داود2: 383.
كيفما أراد، وتأويل الآيات والأحاديث على حسب رغبته، وإنَّما يرجع لمن تخصص في هذا، وهم الفقهاء.
ومن أدلة الأصل في الأشياء الإباحة:
1.قال - جل جلاله -: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا .. } الأنعام: 151؛ حصر الشارع المحرمات بأنواع وأوصاف، فما لم يعلم فيه تحريم يجري عليه حكم الحل.
2.قال - جل جلاله -: {َوأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} البقرة: 275، أفادت حل عموم البيع باستثناء الربا.
3.قال - جل جلاله -: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} الأنعام: 119، فصَّل الشارع الحكيم لنا ما حرم علينا، فما كان من هذه الأشياء حراماً فلابد أن يكون تحريمه مفصلاً، وبقي ما عداه مباحاً.
وبالتالي فإنَّ الأصلَ في المعاملات الإباحة حتى يدل الدليل على تحريمه، فكونها مباحة هو ما قامت عليه العديد من الأدلة الشرعية، فما لم يصرح فقهاؤنا بتحريم شرط وعقد ومعاملة؛ لمنع من قبل الشارع، لما يترتب عليها من المخاطر والمحظورات، فإنَّها تبقى الأصل من الإباحة.
وكونها مباحةً في الأصل يقتضي أنَّ مَن يدَّعي الحرمةَ عليه أن يُقدِّمَ الدليلَ عليها لا مَن يدَّعي الإباحة وإلاّ لبقيت على إباحتها، بمعنى: أنَّه لو اختلف اثنان في معاملة من المعاملات، هل هي حلال أم حرام، فإنَّ الذي
يُطالَب بالدليل هو الذي يقول: أنَّ هذه المعاملة حرام، أما الذي يقول: أنَّها حلال فلا يُطالَب بالدليل؛ لأنَّ الأصل معه.
الثَّانية عشر: أنَّها مبنيّةٌ على العرف:
إنَّ أكثر قاعدة تُراعى في الفتوى والتَّطبيق هي النَّظرُ إلى عرف المجتمع، فيختلف الحكم من مكانٍ إلى مكانٍ وزمانٍ إلى زمانٍ على ما حسب ما يقتضيه عرف الناس، قا ل الجويني (¬1): «ومَن لم يمزج العرف في المعاملات بفقهها، لم يكن على حظٍّ كاملٍ فيها»، وقال (¬2): «والتعويل في التفاصيل على العرف، وأعرف الناس به أعرفهم بفقه المعاملات».
والعرفُ من أبرز أصول رسم المفتي الذي سنناقشه في الميزة التّالية، فهو من الجانب التَّطبيقي للفقه، وليس من الجانب الاستنباطي للحكم كما يظنه عامة المعاصرين، ومَرَدُّه إلى أمرين:
1.فهمُ مراد المتكلِّم من كلامِه، فنحن نستخدم ألفاظ ونريد بها معاني معينة تعارفنا في إطلاقها عليها وإن كان اللفظ عاماً يشمل غيرها، مثل: اللحم يشمل لحم سائر الحيوانات من الطيور والبقر والغنم وغيرها، ولكن تعارفنا عند إطلاقها على إرادة لحم البقر والغنم لا الطيور مثلاً، فإذا قال شخص: والله لا آكل لحماً، ثمّ أكل دجاجاً لا يحنث؛ لأنَّه لا يعتبر لحماً عرفاً،
¬
(¬1) في نهاية المطلب في دراية المذهب 11: 382.
(¬2) في نهاية المطلب للجويني11: 416.
فاستفدنا من العرف معرفة مقصود المتكلم من كلامه، وقس عليه.
2.معرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم، فالحكم في نفسه ثابت من الشارع الحكم، والعرف لا يغير الحكم، لكن الحكم مبني على علّة، وهذه العلة تحتاج إلى محلّ في تطبيقها، فالعرف يساعدنا على تطبيق ذلك:
المثال الأول: أنَّ الحكم أنَّه لا تقبل إلا شهادة العدل، كما شهد القرآن: {ِممَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} البقرة: 282، والعرف يُساعدنا في معرفةِ العدل، ففي زمن أبي حنيفة - رضي الله عنه - لم يَحتج للتزكية في العدالة؛ لأنَّ النّاس عدول، وفي زمن الصَّاحبين تغيّرت أحوال النّاس، فنحتاج لتحقُّق علّة الحكم من العدالة بالتَّزكية، فمَن لم يكن عدلاً لا تُقبل شهادته، هذا هو الحكم، ولكن كيف نتعرَّف على العدالة، حيث أمكن ذلك بالعرف.
المثال الثاني: الحكمُ بثبوتِ خيار الرُّؤية لمَن لم ير المقصود من المبيع حتى يتحقَّق تمام الرِّضا، ففي عرف أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لتشابه الدُّور يُمكن معرفة الدَّار بالنَّظر إليها من ساحتِها بدون الدُّخول في غرفِها؛ لأنَّ الدُّورَ عندهم متشابهة، وفي زمن زُفر - رضي الله عنه - لم تعد الدُّور متشابهة، فلا يُمكن الوقوف على المقصودِ إلا بالدُّخول في غرفِ الدَّار، فالحكمُ ثابتٌ وهو ثبوتُ الخيار حتى يقفَ على المقصودِ من المبيع، والعلّة هي التحقَّق من المقصود من المبيع، والعرف عرَّفنا أنَّ العلّة في زمن أبي حنيفة تتحقَّق بالنَّظر من السَّاحة، وفي زمن زُفر - رضي الله عنه - بدخول الغرف.
وبالتالي لا يخرج العرف عن هذين المعنين البتة، فلا يكون مغيّراً للحكم الشرعي أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً، وإنَّما هو معرّف للحكم ببيان مقصود المتكلم من كلامه، ومعرفة صلاحية المحل لعلة الحكم.
وتَبيُّن أنَّ المحلّ صالح للحكم أمر مهم جداً؛ إذ نحتاج قبل تطبيق كلِّ حكم أن نتعرّف على علّته أوَّلاً ثمّ ننظر هل المحلّ مناسب لها أم لا؟ فإن لم يكن مناسباً لها فإنَّ الحكم لا يطبق هنا.
ومثال ذلك: نهي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - «عن بيع وشرط» (¬1)، فعلَّتُه وجود الرّبا والنِّزاع، فإذا نظرنا للمحلِّ ولم نجد تحقُّق الرِّبا به ولا حصول النِّزاع بسبب تعارف النَّاس عليه، حيث يُضيفون عوضاً للعقدِ الثَّاني فانتفى الرِّبا، وشيوعُه بينهم نَفَى حصول التَّنازع بسببِه، فالعلَّةُ التي مُنِع الحكمُ بسببها لم تَعُد موجودةً، وبالتَّالي لم يَعُد الحكم موجوداً.
قال البابرتيّ (¬2): «يقال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - «عن بيع وشرط»، وهو بإطلاقه يقتضي عدم جوازه؛ لأنَّه في الحقيقة ليس بشرط حيث أفاد ما أفاده العقد المطلق ... وهو ما كان متعارفاً: كبيع النعل مع شرط التشريك كذلك؛ لأنَّ الثابت بالعرف قاض على القياس، لا يقال: فساد البيع شرط ثابت بالحديث والعرف ليس بقاض عليه؛ لأنَّه معلولٌ بوقوع النزاع المخرج للعقد عن
¬
(¬1) في مسند أبي حنيفة ص160، والمعجم الأوسط4: 335.
(¬2) في العناية 6: 442.
المقصود به، وهو قطع المنازعة، والعرف ينفي النزاع فكان موافقاً لمعنى الحديث، فلم يبق من الموانع إلا القياس على ما لا عرف فيه بجامع كونه شرطاً، والعرف قاض عليه».
ولعلَّ ممَّا يؤكد هذا أنَّ ما ورد من النهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «عن بيع وشرط» محمولٌ على النِّزاع، هو الاختلاف الحاصل فيما نُقل عنه - صلى الله عليه وسلم -: فقد رُوى الطَّبَرَانِي في «معجمه الأوْسَطِ» عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمَة، فسألت أبا حنيفة عن رجلٍ باع بيعاً وشرط شرطاً، فقال: البيع باطلٌ والشرط باطلٌ، ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائزٌ، والشرط باطلٌ، ثم أتيت ابن شُبْرُمَة فسألته فقال: البيع جائزٌ والشرط جائزٌ، فقلت: سبحان الله، ثلاثةٌ من فقهاء العراق اختلفوا في مسألةٍ واحدةٍ، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا: حدّثني عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيعِ وشرطٍ»، البيع باطلٌ والشرط باطلٌ، ثمّ أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا: حدّثني هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن اشتري بَرِيرَة فأُعْتقها»، البيع جائزٌ والشرطُ باطلٌ، ثم أتيت ابن شُبْرُمَة فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا: حدّثني مِسْعَر بن كِدَام، عن مُحَارب بن دِثَارٍ، عن جابر - رضي الله عنه - قال: «بعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ناقةً وشرط لي حملانها إلى المدينة»، البيع جائزٌ والشرطُ جائزٌ (¬1).
الثالثة عشر: مراعاتها قواعد رسم المفتي:
إنَّ الأصول على نوعين:
1.أصول للمجتهد المطلق: يستنبط بها الأحكام من الكتاب والسنة والآثار، وهي المتمثلة بقواعد علم الأصول من القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها.
2.أصول للمجتهد في المذهب: يطبق فيها الفقه على الأفراد والجماعات والمجتمعات، وهي المسمّاة بـ (قواعد رسم المفتي)، وهي المتمثلة: بالضرورة، والتيسير، ورفع الحرج، وتغير الزمان، والعرف، والمصلحة، وأشباهها.
وبعض هذه القواعد مؤثرة في تغير الحكم الشرعي: كالضرورة؛ لقوله - جل جلاله -: {ِإلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الأنعام: 119.
فالحكم الشرعي له طرفان: طرف في كيفية استنباطه، ويكون بأصول الفقه، وطرف في كيفية تطبيقه ويكون برسم المفتي.
وهذا الترتيب يعطي للمعاملات ميزة عظيمة جداً بمراعاة قواعد رسم المفتي عند تطبيقها، فيتحقق العدل المطلوب، والمطابقة المرجوة، قال ابن
¬
(¬1) أفاض الشيخ عوامة في هامش أثر الحديث ص157ـ162 في صلاحية هذه القصة للاحتجاج.
عابدين (¬1): «وكثيرٌ منها ما يُبَيِّنُه المجتهدُ على ما كان في عرفِ زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً؛ ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: أنَّه لا بُدّ فيه من معرفةِ عادات الناس.
فكثيرٌ من الأحكام تختلفُ باختلافِ الزَّمان؛ لتغيّر عرف أهله، أو لحدوثِ ضرورةٍ، أو فساد أهلِ الزّمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أَوّلاً للزم منه المشقّة والضرر بالناس، ولخالف الشَّريعة المبنيّةَ على التّخفيف والتَّيسير ودفع الضرر والفساد؛ لبقاء العالم على أتمّ نظام وأحسن إحكام».
وقال أيضاً (¬2): «لا بُدّ للحاكمِ من فقه في أحكام الحوادث الكليّة، وفقه في نفسِ الواقع وأحوال النّاس، يميِّز به بين الصادق والكاذب، والمحقّ والمبطل، ثمّ يُطابقُ بين هذا وهذا، فيُعطى الواقعَ حكمَه من الواجب، ولا يَجعل الواجبَ مُخالفاً للواقع.
وكذا المفتي الذي يُفتي بالعُرف لا بُدّ له من معرفة الزّمان وأحوالِ أَهلِه ومعرفة أنَّ هذا العرفَ خاصٌّ أو عامٌ، وأنَّه مخالفٌ للنصِّ أو لا، ولا بد له من التخرُّج على أُستاذٍ ماهرٍ ولا يَكفيه مجردُ حفظ المسائل والدلائل، فإنَّ المجتهدَ لا بُدّ له من معرفةِ عاداتِ الناس، كما قدمناه فكذا المفتي.
ولذا قال في آخر «منية المفتي»: لو أنَّ الرَّجلَ حفظ جميعَ كتب أَصحابنا
¬
(¬1) في نشر العرف 2: 123.
(¬2) في نشر العرف2: 126.
لا بُدّ أن يَتَّلْمَذَ للفتوى حتى يهتدي إليها؛ لأنَّ كثيراً من المسائلِ يُجاب عنه على عادات أهل الزَّمان فيما لا يُخالف الشريعة».
الرَّابعة عشر: استفادتها من اختلاف الفقهاء:
فهذا الاختلاف جعل عندنا ثروة فقهية في المعاملات وغيرها لا تُضاهى، فأعظم ثروةً يدَّعيها الأوربيون هو القانون الرُّوماني، ولو وُزِنَ ما جاء عن الرومان ما عَدل عُشر مِعشار ما ترَكَه الفقهاء المسلمون من عيون الفقه ومسائله المشتملة على ما لا يدخل تحت حصرٍ من الحلول الجزئيَّة والقواعد الكليَّة، بما يغني الإنسانية إنْ بغت الخير لنفسها، واتَّجهت إلى ما ينفعها ويعلو بها، فلا عجب أنْ قيل: إنَّ ممَّا أسهم في نموِّه واتِّساعه هو الاختلافُ الذي أدَّى إلى تقصِّي الحقيقة، وهذا من أهمِّ آثار الاختلاف على الفقه (¬1).
ومعلومٌ أنَّ الاستفادةَ من المذاهب الفقهيّة المعتبرة للمكلّف والمجتمعات والدُّول جائزةٌ بشروطٍ ليس هنا محلُّ بيانها، ففي موضع الضَّرورة يجوز لنا العمل بمذهب الغير؛ لاجتماع دليل الضرورةِ مع أدلّة الغير، فيتقوَّى على مذهبنا في حَقِّ هذه المسألةِ فجاز العمل به، وهذه توسعةٌ كبيرةٌ على الأمة، وهذه الاستفادة أكثر ما تظهر في المعاملات؛ لكونها تنظيم، فكل مذهب يسعى لتقديم تنظيم لنا، فما رأيناه أنسب للواقع وأكثر فائدة
¬
(¬1) ينظر: علم الأصول لعبد الوهاب ص249 - 253.
وإحكاماً أخذنا به.
لذا شاع وذاع على لسان كثير من السلف: أنَّ اختلاف الأئمة في الفروع هو ضرب من ضروب الرحمة، فروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اختلاف أمتي رحمة» (¬1)، وقال القاسم بن محمد: «كان اختلافُ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحمةً لهؤلاء النّاس» (¬2)، وقال عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -: «ما يَسُرُني أنَّ لي باختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - حُمُر النِّعم» (¬3).
والاطلاعُ على اختلافِ الفُقهاء في داخلِ المذهب وخارجه توسعُ الصَّدر وتفتحُ المدارك، بحيث لا يتشدَّد الفقيه في مواضع الخلاف ولا يُنكر فيها، وإنَّما يتشدَّد فيما حَقُّه التَّشدد من مواضع الإجماع بين العلماء، وتكون فتواه فيها تسامحٌ وتيسيرٌ ورفعٌ للحرج على مقتضى ما قرَّرته الشريعة، قال ابن أبي عروبة - رضي الله عنه -: «مَن لم يسمع الاختلاف فلا تعدُّوه عالماً» (¬4)، وقال هشام بن
¬
(¬1) قال العراقي تخريج أحاديث الإحياء1: 74: «ذكره البيهقي في «رسالته الأشعرية» تعليقاً وأسنده في «المدخل» من حديث ابن عباس بلفظ «اختلاف أصحابي لكم رحمة»، وإسناده ضعيف».
(¬2) في حلية الأولياء7: 119، والطبقات الكبرى5: 189، والطبقات الكبير7: 188.
(¬3) في جامع العلوم والحكم2: 901، والإبانة الكبرى2: 566، والطبقات الكبير7: 371.
(¬4) في جامع بيان العلم2: 815، والكامل 4: 449، والميزان152، وسير أعلام النبلاء6: 413.
عبيدالله الرازي - رضي الله عنه -: «مَن لم يعرف اختلافَ الفقهاء فليس بفقيه» (¬1)، وقال قتادة - رضي الله عنه -: «مَن لم يعرف الاختلاف لم يشمَّ الفقه بأنفه» (¬2).
فهذا الاختلافُ يستفيد منه الفقيه في حسنِ نظره للأُمور وموازنته لها، ويكون فيه سعةً كبيرةً على الأمة باختياره ما يُناسبها من أقوال الفقهاء، ونمى الفقه بسببه نمواً هائلاً فأفادنا كثيراً في المعاملات المتنوّعة والمستحدثة.
الخامسة عشر: لزوم شروط المتعاقدين ما لم تخالف مقتضى العقد ونهي الشارع الحكيم:
ومعنى مقتضى العقد: ما يقتضيه: أي ما عُقِد العقد من أَجل تحقيقِه، فهو مقصودُ العقد، فعندما يشترطُ شرطاً منافياً لهذا المقتضى، فإنَّ كلامَه تناقض، فمثلاً عقد البيع يقتضي التَّمليك وهو يشترط أن يبقى المبيعُ عنده مُدّةً من الزَّمن مثلاً، وهو يخالف تحقُّق التَّمليك الكامل الموجود في العقد، فيتناقض المقتضى مع الشَّرط، ولا شكّ بقوّة المقتضى على الشَّرط؛ لأنَّه ما قام عليه العقد لا ما أُضيف إليه.
وقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الشروط في حديث بريرة رضي الله عنها عندما اشترط سيدها عند بيعها للسيدة عائشة رضي الله عنها أن يبقى الولاء، وهذا مخالف لمقتضى العقد من انتقال الملك للمشتري، والولاء تبع له؛ فعن
¬
(¬1) في جامع بيان العلم2: 816.
(¬2) في ترتيب الأمالي للشجري ص70، وجامع بيان العلم2: 814.
عائشة رضي الله عنها دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اشتري وأعتقي، فإنَّ الولاءَ لمَن أَعتق، ثمّ قام النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من العشي فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثمّ قال: ما بال أناس يشترطون شروطاً ليس في كتاب الله، مَن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن اشترط مئة شرط، وشرط الله أَحقّ وأَوثق» (¬1).
ومعنى الولاء: أنَّ العبدَ بعد عتقه يتحمّل سيده جنايته، ويرثه سيده إن لم يكن له عصبة من أبناء أو آباء أو أُخوة أو أعمام، فولاء العتاقة هو آخر العصبات؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الولاءُ لحمة كلحمة النَّسب، لا يُباع ولا يُوهب» (¬2).
ووجه دلالة الحديث السَّابق: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اعتبر أنَّ اشتراط شروطٍ مُخالفة لمقتضى العقد يُخالف إباحة القرآن للعقود المختلفة من البيع والنِّكاح والرَّهن وغيرها، فتكون شروطاً ليست في كتاب الله؛ لأنَّ الذي في القرآنِ هو العملُ بمقتضى هذه العقودِ مُطلقاً، وهو المتوافقُ مع ما اتفق عليه المتعاقدان ...
وهذه الشروط التي تكون مخالفة لمقتضى العقد منها ما يكون فيه منفعة
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 756.
(¬2) في صحيح ابن حبان11: 326، والمستدرك4: 379، والمعجم الأوسط2: 82، ومعجم الشيوخ1: 312، وسنن البيهقي6: 240.
للبائع: كاشتراطه عدم تسليم المبيع مباشرة، أو منفعة للمشتري: كاشتراطه خياطة الثوب الذي اشتراه، ومرَّ سابقاً أنَّ علّة هذه الشروط هي الربا والنزاع، فإن تعارفوا هذه الشروط انتفى الأمران وجازت.
وأما الشروط الموافقة لمقتضى العقد، مثل: اشتراط الرهن أو الكفالة أو غيرها مما يؤكد مقتضى العقد ويكون ملائماً له، فهي لا تفسد العقد، بل تثبته، فتكون داخلة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو شرطاً أحل حراماً» (¬1).
والشروط التي نهى عنها الشارع، مثل: أن يكون العقد ربا أو قماراً وأمثالها، فإنَّها ممنوعة.
وبالتالي تكون هذه ميزة للمعاملات، بأن يباح لك اشتراط ما تريد من الشروط وتكون لازمة على الطَّرفين بشرط أن لا تكون مناقضة لما اقتضاه العقد أصلاً، حتى لا يتحقق التناقض، إلا إن جرى عرف في ذلك.
السادسة عشر: دفع الضرر بفسخ العقد إن لزم منه:
فالعقد وجد لتحقيق المنفعة لا لجلب مضرّة، فإن لزمت منه مضرة لم يكن لازماً،
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 794 معلقاً، والمستدرك 2: 57، وسنن البيهقي الكبير 6: 79، واللفظ له، وسنن الدارقطني 3: 27، وشرح معاني الآثار 4: 90، وغيرها.
وجاز فسخه، ويظهر هذا جلياً في الإجارات؛ إذ الأصل فيها: أنَّ كلَّ موضع لا يقدر العاقد على المضي في موجب العقد إلاّ بضرر، لم يلزمه العقد، فهو عذر في فسخه؛ لأَنَّ الضرَّرَ مدفوعٌ شرعاً: كما لو استأجر؛ لقلع ضرسه، ثمّ زال الوجع، فإنَّه يتعذَّر المضي في العقد إلا بضرر، فلا يلزم هذا الضرر (¬1).
ومثاله في البيوع: بيع ذراع من ثوب يضرّه التبعيض، أو بيع جذع من سقف؛ لأنَّه لا يمكنه تسليمه إلا بضرر لم يلتزمه، فلو قطع الذِّراعَ من الثَّوبِ أو قلع الجذعَ من السَّقفِ وسَلَّم قبل فسخ المشتري عاد صحيحاً (¬2).
ومثاله المعاصر: لو أنَّه باع الحديد الذي في داخل بنائه أو أسلاك الكهرباء في داخل الجدران، فإنَّه لا يلزمه التَّسليم؛ لعظيم الضرر الواقع عليه، حيث يخسر أضعاف ما يربح بسبب هدمه للبناء أو إفساده، فلم يكن لازماً رغم الاتفاق، ويجوز لهما الفسخ.
فهذه ميزة بإلغاء اللزوم في العقد إن ترتب عليه ضرر بسببه؛ لأنَّ مقصود العقود تحقيق النفع للعاقدين، فإن لزم بالعقد ضرر ظاهر فسد العقد، بحيث لا يلزم الاستمرار فيه، ويجوز لمَن يلحقه الضَّرر أن يفسخَ العقد؛ لأنَّ من المُقرَّر عند الفقهاء أنَّ الضرر يُزال.
¬
(¬1) ينظر: خلاصة الدلائل 2: 77.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية 4: 33، واللباب 2: 24.
السَّابعةَ عشرَ: تحقيقها لكمال النفع للمتعاقدين بحفظ حقهما:
هذه الميزة استفيدت من التجارب السابقة في التاريخ الفقهي من تطبيق المعاملات، حيث استمرّ تحسين العقود والتصرفات لتصل للكمال في تحقيق النفع لكل من العاقدين، والقابلية للاستمرار في المعاملة لحصول النفع لهما.
فمثلاً: منعوا بقاء الأرض في يد المالك في عقد المزارعة؛ لأنَّه سيكون مانعاً من تمام تصرف العامل فيها.
ومنعوا من بقاء مال المضاربة في يد المضارب؛ لتقييده حرية المضارب في التصرف، فلا يتحقق النفع المقصود من العقد.
وغيرها من التقييدات العديدة التي ذكروها في العقد؛ سعياً لتحقيق الاستفادة لكل من العاقدين؛ لأنَّه ما لم ينتفع كلٌّ منهما ويستفيد فلن يستمر في العقد، وسيسعى للتهرب منه بشتى الطرق.
فرعاية حقِّ كلّ من المتعاقدين على تمامه، وعدم الإفراط ولا التفريط فيه، هو مقصود كلّ واحدٍ من المتعاقدين، فإن لم تكن المعاملة مهتمة بتحقيقه لا تكون ناجحة، ونلمس هذا جلياً في عمل الفقهاء من سعيهم الحثيث في حفظ حقوق المتعاقدين بالكمال والتمام.
الثّامنة عشر: العدل بين المتعاقدين:
فهذه ميزة مكملة للميزة السابقة، فَمِن حفظ حقوق العاقدين هو العدل بينهما، فلا نميز غني على فقير ولا مسؤول على غيره، ولا بائع على
مشتري أو بالعكس، فالكل سواء في التعاقد، ويلزم على كلّ واحد منهم ما يلزم على المتعاقدين من حقوق وواجبات.
فمثلاً: إن كان العقد عقد صرف واختلفا من يُسلِّم أولاً سلما معاً؛ اعتباراً للمعادلة، وإن كان مبيعاً بمبيع واختلفا سلما معاً، وإن كان مبيعاً وثمن واختلفا، سلم المشتري الثمن أولاً؛ لأنَّ البائع قام بتعيين المبيع، فعلى المشتري أن يقابله بعمل آخر وهو تسليم الثمن، وكل هذا مبني على المساواة وتحقيق العدل بينهما؛ لأنَّه لا مزية لأحدهما على الآخر (¬1).
التاسعة عشر: مقصودُها تقديم أفضل وأحسن حلّ وهيئة للمعاملة الماليّة:
إنَّ المعاملات الإسلامية هي أفضلُ حلول تُقدَّمُ لتنظيم حياة النَّاس، وهذه هي نظرةُ الفقيه أثناء عملِه وتفكيرِه بتقريرِ المعاملة، وهذا تأكيداً على معنى التَّنظيم الذي مَرَّ سابقاً.
وهذه النَّظرةُ تجعل الاختيار بين أقوال الفقهاء أوسع من غيرِه من الأبواب لاسيما العبادات؛ لأنَّ مسعاه هاهنا الحصول على أكمل وأتم وأحسن هيئة، فإن وجد مثلها في غير مذهبه أمكنه الاستفاد منه، فما كان من المذاهب أقدر على أحسن حل للمشكلة، وأيسر في التطبيق، وأنجح في الواقع، كان أجدر بأن يختار في العمل، حتى أننا لو رأينا هيئة أفضل لأي
¬
(¬1) ينظر: خلاصة الدلائل 1: 422.
معاملة في أي قانون لا مانع لنا من الاستفادة منه ما لم يكن محظوراً.
وهذا الأمور التنظيمية تشبه الصناعات التي وُجِدت لتسهيل وتيسير الحياة البشرية، وليست حكراً على مجتمع دون مجتمع، بل يُمكن الاستفادةُ منها في كافة المجتمعات، ولكن في المجتمعات المسلمة نحتاج عند أخذ أي معاملةٍ من غيرِ المسلمين أن نُصحِّحها ونُهذِّبَها بما يتلائم مع قواعدنا الفقهيّة وأحكام شريعتنا.
ولا يعني كلامي أن لا تكون المعاملات والأنظمة والقوانين غير مقعدة على مذهب معين، بل هو الأصل، وبدون ذلك ضياع وتشتيت، والمذهب لا يمنعنا من الاستفادة من غيره فيما فيه حاجة وضرورة ومصلحة وتيسير؛ لأنَّه يسعى لذلك في عملِهِ، فإن استطاع غيرُه أن يُقدِّم أفضل منه في التَّطبيق أشار إلينا علماء المذهب بالأخذ به، فالبناء والتأصيل لا بدّ له من مذهب واحد، وإن احتجنا إلى غيره في العمل والتطبيق فلا مانع منه.
العشرون: الأصل في المعاملات الحريّة لا التقييد:
فإنَّ مبنى التَّعاملات ليس على المنعِ كما مرّ معنا في الإباحة، بل على الحريّة، فنعطيه حقّ أن يُسعِّرَ ويشتري ويبيع ويملك ويتملَّك كيفما شاء فلا نضع عليه موانع وقيود لا معنى لها، وإنَّما نمنع ما فيه إضراراً عاماً بالمجتمع؛ لأنَّ المصلحةَ الخاصّة لا تُقدَّم على المصلحة العامّة، ومن أمثلة ذلك: المنع من الربا أو القمار أو المخالف للمصلحة العامة أو بيعٍ غير مملوك أو معدومٍ أو لم
يقبض أو بيع دين بدين أو جهالةٍ تفضي للنِّزاع أو عقدين في عقد غير متعارفين بحيث يسببان نزاعاً أو ربا.
وفيما عداها إجمالاً كان الميدان واسعاً في النِّشاط بحريّة تامّة، فإن منعنا من شيء أو قيدنا به كان لمصلحة ظاهرة تعود على الفرد أو المجتمع، حيث يكون التغليب للمصلحة العامة.
وهذا الميزةُ مختلفةٌ عن ميزةِ الإباحة من جهةِ أنَّها تتكلَّم عن حرية التصرّفات وعدم تقييدها، ولا تتكلَّم عن الأصل في المعاملات الإباحة، ففيها الكلام عن عدم التَّضييق بالشروط والموانع في كل معاملة، وفي الإباحة الكلام عن أنَّ أصل المعاملة مباحة.
الحادي والعشرون: تقسيمُ العقود إلى صحيح وباطل وفاسد ومكروه وغيرها:
إنَّ هذه ميزةٌ عظيمةٌ جدّاً لم تكن العقود فيها صحيحة وباطلة فحسب، بل جعلنا فيها الفاسد، وهو ما كان صحيحاً في أصله لا في وصفه على المشهور، بخلاف الباطل ما لم يكن صحيحاً لا بأصله ولا بوصفه.
ويهمنا هنا أنَّ الباطل حكمُه كالعدم، فلا نرتب عليه حُكماً، ويُعتبر كأنَّه لم يفعل أصلاً فلا يحصل فيه ملك.
وأمَّا الفاسد فيملك بالقبض ويصحّ التصرّف فيه، ويقسم إلى قسمين: متمكن وغير متمكن.
والمتمكِّن لا يلحقه التَّصحيح، بل يبقى لازماً فيه الفسخ، مثاله: شرط الربا في العقد، والأجل الفاحش في الثمن، مثل: هبوب الريح ونزول المطر، فلا يصح العقد بإلغاء الشرط، وإنَّما علينا تجديد العقد.
وغيرُ المتمكِّن يلحقُه التَّصحيح، بأن نرفعَ سبب الفساد فينقلب صحيحاً، مثاله: أي شُرط فيه منفعةٌ لأحد المتعاقدين أو الأجل غير الفاحش للثمن: كوقت الحصاد وقدوم الحاجّ، فإذا ارتفع شرط الفساد انقلب العقد صحيحاً.
وأمّا المكروه فالعقدُ فيه صحيحٌ وإنَّما يلحقُه إثم لما فيه من غرر وضرر.
فقسمُ البيع الفاسد مُفيدةٌ للغاية في حيويةِ العقود، وانقلابها من فاسدة إلى صحيحة بعد إزالة المفسد، وهذا يجعل لها ميزة كبيرة.
الثانية والعشرون: الشمول والمرونة والثبات:
فهو يشمل كامل التعاملات المالية التي تلزم الإنسان من البيع والشركات والرهن والعارية والإجارة وغيرها.
وفيه مرونة وقابلية للبقاء، فلا يتصف بالجمود والتحجُّر، وإنَّما يُراعي أحوال الناس ومعيشتهم في أحكامه إلا أن يكون فيه انتهاك لحرمات الله ومخالفة لصريح قرآنه وسنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وتتجسَّد قابليته في البقاء في ابتناء بعض أحكامه على العرف، واستخدام علم رسم المفتي في تطبيقه ـ كما سبق ـ، وفي
وجود القياس والتخريج وغيره من الأصول فيه التي تمكّنه من استحداث أحكام شرعيّة لكل ما يطرأ من أمور في حياة المسلمين.
وفيه الثبات في الأحكام؛ إذ إنَّ الحرامَ ما حرّمه الله تعالى والحلال ما أحله سبحانه في أي زمان ومكان، والأحكام المتغيرة فيه هي المبنيّة على العرف، وكل ما يتعلق بالأمور المجمع عليها لا نخالفها أبداً، أما ما كان فيه اختلاف بين المذاهب أمكننا الاستفادة (¬1) منه ـ كما سبق ـ.
• • •
¬
(¬1) المدخل ص 22 - 24.
المناقشة:
أولاً: وضح المقصود مما يلي:
الربا، القمار، العين، المنفعة، العقود الحقيقية، مقتضى العقد، العقد الفاسد، العقد الباطل.
ثانياً: أجب عن الأسئلة الآتية مع الشرح الوافي:
1. فرِّق بين تعريف المعاملات عند الفقهاء وعند المعاصرين.
2. الأصل في ملك الإنسان أن يكون باختياره إلا في حالات، اذكرها.
3. تتميز المعاملات بأنَّها: تنظيمية لا تربوية، وبأنَّها تقوم على أساس رفع النزاع، وبلزوم العوض فيها في مقابل عين أو منفعة، وضح ذلك.
4. هاتِ أمثلة تؤكد محاربة الشريعة الغراء للعقود الوهمية.
5. ما هي طبيعة عمل الفقيه في المعاملات؟
6. العرف من الجانب التَّطبيقي للفقه، وليس من الجانب الاستنباطي للحكم، بيِّن ذلك مع التمثيل.
7. يجوز الاستفادةَ من المذاهب الفقهيّة المعتبرة للمكلّف والمجتمعات والدُّول بشروط، وضِّح ذلك.
ثالثاً: ضع هذه العلامة (?) أمام كل عبارة صحيحة مما يأتي:
1. إنَّ المعاملاتَ مبنيّةٌ على عللٍ يجب مراعاتها عند قراءة فروعها.
2. النَّصوصُ الشَّرعيةُ الواردةُ في أبوابِ المعاملات أكثر بكثيرٍ من النُّصوص الواردة في العبادات.
3. الذي يضع المعاملة هو الفقيه وليس المتخصِّص في الصناعة والتجارة وغيرها.
4. العرف لا يكون مغيّراً للحكم الشرعي أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً.
5. المعاملات والأنظمة والقوانين غير مقعدة على مذهب معين لكي نستفيد من باقي المذاهب.
رابعاً: أكمل الفراغ في العبارات الآتية بالكلمة المناسبة:
8. يملك الموصى له الموصى به بالقبول بعد موت الموصي إلا في مسألتين: .. ، و ..
9. يُمثلُ ......... أبرز قاعدة بُنيت عليها المعاملات.
10. الجهالة مردها إلى ...........
11. الأصلُ في المعاملات الإباحة ما لم تخالف ............
12. إنَّ أكثر قاعدة تُراعى في الفتوى والتَّطبيق هي النَّظرُ إلى .............
13. الحكم الشرعي له طرفان: طرف في كيفية استنباطه، ويكون بـ ........ ، وطرف في كيفية تطبيقه، ويكون بـ .........
14. يباح لك اشتراط ما تريد من الشروط في العقد وتكون لازمة على الطَّرفين بشرط: ...
خامساً: علل ما يلي:
6. ملاحظةُ أنَّ المعاملات من الجانب التّنظيمي للإسلام أمرٌ في غايةِ الأهمية.
7. إدراك كون المعاملات مبينة على تحقيق مصالح البشر يورث الثقة الكاملة في المعاملات.
8. شبهة الربا ملحقة بالربا في الحرمة.
9. إن لزمت من العقد مضرة لم يكن لازماً، وجاز فسخه.
10. قسمُ البيع الفاسد مُفيدةٌ للغاية في حيويةِ العقود.
• • •