أنواع المقاصد .................
. عند الفقهاء والأصوليين
جارٍ تحميل الكتاب…
أنواع المقاصد .................
. عند الفقهاء والأصوليين
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
أنواع المقاصد
عند الفقهاء والأصوليين
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة الأصول في جامعة صاقريا.
ملخص البحث:
بينتُ هذا البحث أن للمقاصد الشرعية أنواع متعددة، فبدأت البحث بتمهيد في تعريف المقاصد لغةً واصطلاحاً، ثُمَّ فصَّلت الكلام في أنواع المقاصد، وقسمتها لثلاثة أقسام: الأول: مقاصد متعلّقة بالوسائل: واشتمل على: الملكة الفقهية، وقواعد رسم المفتي، والثاني: مقاصد متعلّقة بالمعاني الرَّبَّانيّة للتَّشريع: وتكلمت فيه عن العلّة الخاصة والعامة للحكم، والمبنى الفقهيّ للمسألة والباب، والاستحسان، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، والثالث: المقاصدُ المتعلِّقةُ بالغايات للأحكام الشَّرعيّة: واشتمل على: حِكَم التَّشريع وفوائده، وجلب المصالح ودفع المضار، وحفظ الكليّات الخمس.
* * *
Types of Higher Objectives (Maqasid) According to Jurists and Legal Theoreticians
Abstract:
I show in this paper that the higher objectives (maqasid) of Islamic law are of many types. I commence by introducing the meaning of maqasid linguistically and terminologically. Then I discuss the types of maqasid in detail, dividing them into three types. The first are maqasid that pertain to intermediary means (wasa'il), and these include legal acumen (al-malaka al-fiqhiyya) and the principles of producing fatwa (rasm al-mufti). The second are higher objectives that pertain to the divine will embodied in sacred law. I discuss the specific and general legal factor that determines rulings (al-'illa al-khassa and al-'amma), the legal meanings
that underlie legal rulings and topics, juristic preference (al-istihsan), blocking the means to the illicit (sadd al-dhara'i'), and general advantages (al-masalih al-mursala). The third are those that pertain to the desired outcomes (ghayat) of Islamic legislation. This includes the wisdom underlying Islamic legislation, warding of detriment and acquiring benefit, and preserving the five global categories maintained by Islamic law.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
إن المقاصد الشرعية من أكثر الموضوعات اهتماماً بين الباحثين والمهتمين في العلوم الشرعية؛ لما يرون في هذه الشريعة العظيمة من أسرار لا تحصى.
وإن الصرح الفقهي له ثلاثة محاور لا غنى عنها، وهي الاستنباط والبناء والتطبيق، وهي مراحله الثلاثة، ففي الأول نستنبط الحكم من مصادره، وفي الثاني نبني على ما استنبطناه بالتأصيل له والتّفريع عليه، وفي الثّالث نُطبقه الحكم على الواقع.
وعلم المقاصد هو من الجانب التطبيقي للفقه، وإن كان له اتصال بأصول الاستنباط والبناء كما سيأتي، ولكن هذا الاستنباط والبناء ليس مقصوداً بذاته بقدر ما هو مقصود في تطبيقه.
وأهمية البحث: تظهر باهتمامه بموضوع المقاصد الشرعية، وبتصحيح خطإ شائع بين الباحثين من التعامل مع المقاصد من أحد جوانبها وهو الغايات إجمالاً، وإهمالهم لجانبين مهمين جداً، وهما: الوسائل والمباني.
فلا نستطيع أن نتوصل إلى الغايات في المقاصد إن لم نكن نملك الوسائل من الملكة الفقهية ورسم المفتي، وإن لم نكن نعرف المباني: من مبنى المسألة ومبنى الباب، والعلة الخاصة والعلة العامة والاستحسان وغيرها من مباحث الأصول.
ففي هذه البحث نُسلط الضوء على أنّ للمقاصد الشرعيّة أنواعٌ عديدةٌ اعتنى بها العلماءُ السَّابقون، وينبغي أن نُركز عليها في الأبحاث حتى يكتمل طور علم المقاصد، ويُصبح واضح المعالم يُمكن توظيفُه بطريقةٍ صحيحةٍ في تطبيقِ الشريعة عند الدارسين.
ومشكلة البحث تكمن في الإجابة عن سؤال هل المقاصد أنواع متعددة؟ وينبى عليه هل المقاصد محصورة في الغايات أم هي أشمل وأعم؟
والدراسات السابقة: لم أقف على دراسة سابقة تبيّن الجوانب المختلفة للمقاصد وتظهر الأنواع المتعددة لها.
واتبعتُ في بحثي المنهج الاستقرائي بجمع المقاصد من طيات كتب الفروع والأصول، والمنهج الوصفي في عرض المادة وتوضيحها.
هذا وقد خلص البحث بتوفيق الله - عز وجل - إلى تمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة:
تمهيد: في تعريف المقاصد.
المبحث الأول: في المقاصد المتعلّقة بالوسائل، وفيه مطلبين:
المطلب الأول: في الملكة الفقهية.
والمطلب الثاني: في علمُ تطبيق الفقه.
المبحث الثاني: في المقاصد المتعلّقة بالمعاني، وفيه سبعة مطالب:
والمطلب الأول: في العلّة الخاصة للحكم (المؤثر).
والمطلب الثاني: في العلّة العامة للحكم (الملائم).
والمطلب الثالث: في المبنى الفقهيّ للمسألة.
والمطلب الرابع: في المبنى الفقهيّ للباب.
والمطلب الخامس: في الاستحسان.
والمطلب السادس: في سدّ الذرائع.
والمطلب السابع: في المصالح المرسلة.
المبحث الثالث: في المقاصد المتعلّقة بالغايات، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في حِكَم التشريع وفوائده.
والمطلب الثاني: في جلب المصالح ودرء المفاسد.
والمطلب الثالث: في الكليات الخمس (المقاصد العامة).
والخاتمة.
سائلاً المولى - عز وجل - التوفيق والسداد.
* * *
تمهيد: في تعريف المقاصد:
أولاً: المقاصد لغةً: من المَقْصِد، مصدرٌ ميميٌ من قَصَدْتُ الشَّيْءَ ولَهُ وإِلَيْهِ قَصْداً من بابِ ضَرَبَ، طَلَبْتُهُ بِعَيْنِهِ وإِلَيْهِ قَصْدِي ومَقْصِدِي (¬1)، قال ابنُ فارس (¬2): «تدلُّ على إتيان الشَّيء وأمِّه»، ومنه قوله تعالى: {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} النحل: 9.
فيكون معناه: التَّوجهُ والطَّريقُ والغاية: أي توجَّه وسلك الطَّريق واعتمده لتحقيق غايته ومراده، فيشتمل على نفس التَّوجه، وعلى نفس الطريق، وعلى نفس الغاية، فتطلق المقاصد على التوجه ابتداءً والطريق ثانياً والغاية انتهاءً، والله أعلم.
وهذه الاستخدامات ملاحظة في المعنى الشَّرعيّ لها ـ كما سيأتي ـ.
ثانياً: المقاصد اصطلاحاً: هي المعاني الرَّبانيّة للتَّشريع والغاياتُ من الأحكام والوسائل لتطبيقها.
فيشتمل هذا التعريف على ثلاثة أمور، وهي:
¬
(¬1) ينظر: المصباح المنير2: 504.
(¬2) في معجم مقاييس اللغة5: 95.
1.الوسائل لتطبيق الأحكام، وتحتوي على: رسم المفتي والملكة الفقهية.
2.المعاني الرَّبَّاينة للتشريع، وتحتوي على: مبنى المسألة، والعلّة الخاصة للحكم، والعلّة العامة للأحكام، والاستحسان، وسَدّ الذّرائع، والمصالح المرسلة، وغيرها.
3.الغايات للأحكام، وتحتوي على: حِكَم التشريع وفوائده، وجلب المصالح وحفظ الكليّات الخمس، وغيرها.
وعرَّفت المقاصد بهذا التَّعريف؛ لموافقته لاستخدام السَّلف والخلف لهذا المصطلح، ولاستيعابه للمقاصد المذكورة في كتب الأصول والفروع، فكان أولى من تعريف المعاصرين المقتصر على الغايات فحسب؛ لمنافاته لحقيقتها، وعدم شموله لأنواعها المختلفة، واقتصاره على بعضها دون بعض، ممَّا سبب إرباكاً كبيراً في النظر للشَّريعة وطريقة التعامل معها وفهم أحكامها، وانحرافاً واضحاً في مسلكها، وطعناً بيِّناً في علماءِ الأُمَّة وكُتبها، وليس هذا البحث محلّاً للمناقشة فيها.
ولا شَكَّ أنَّ ما كان موافقاً لما سار عليه علماء الأمّة في كتبهم، وشاملاً لاستخداماتهم، وقادراً على تفسير نصوصهم المختلفة، ومستوعباً لعلومهم المتنوعة أولى بالاتباع؛ لأنّه هذه الأمة محفوظة بسيرها وسلوكها: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر: 9، فكلُّ ما كان مطابقاً لسير الأمّة فهو المعتبر، وسواه المتروك حتى نكون مُصدِّقين للقرآن.
المبحث الأول
المقاصد المتعلّقة بالوسائل
إنَّ عامَّة مَن تكلَّم عن المقاصدِ أغفل الكلام عن هذا النَّوع من المقاصد، والذي يُعتبر بمثابة الأبوين للمقاصد أجمع، وما سواهما من المقاصد تتفرّع عليهما، وفقدانُهما يفقدنا بقيَّة المقاصد.
وأقصد بهما هنا نوعان من المقاصد، وهما:
1.الملكية الفقهية، التي تعتبر بمثابة الأم للمقاصد.
2.قواعد رسم المفتي، التي تعتبر بمثابة الأب للمقاصد، إن صحّ التعبير والتصوير؛ للمكانة الرفيعة التي لهما.
والكلامُ فيهما طويلٌ ومتشعبٌ جداً، وإنَّما نقتصر هنا بوصفٍ عامٍّ يُظهر كلاً منهما، فنتحدّث عن كلٍّ منهما في مطلب مستقل.
المطلب الأول: في الملكة الفقهية:
إنَّ تطبيق الفقه في الواقع يحتاج إلى اجتهادٍ، فالفكرةُ التي لا بُدّ من تقريرِها في ذهنِ كلِّ متعلِّمٍ للفقه: أنَّ الفقهَ حالُه مثل سائر العلوم، يحتاج إلى دراسةٍ لمعرفةِ قواعدِه وأسسِه ومبادئِه وأمّهات مسائلِه، كما هو الحال في علمِ الهندسةِ أو الطبّ أو غيرِها.
والحقيقة أنَّ موضوع الموازنة بين المصالح والمفاسد ليس بسيطًا وسهلاً، وإنَّما فيه كد واجتهاد وممارسة عملية، يعمل على ترسيخ الملكة الفقهية (¬1)، قال الإمام الشاطبي: (¬2): «وهو مجال للمجتهد صعب الورود، إلا أنَّه عذب المذاق، محمود الغب (العاقبة)، جار على مقاصد الشريعة».
ويمكن تعريف الملكة الفقهية: بأنَّها القدرة على التخريج والترجيح والتمييز والتقرير للأحكام الشرعية من فقيه النفس.
وهذه الملكةُ تتحصَّل بقدر توفيق الله - عز وجل - من مصاحبةِ العلماءِ والبحثِ والتَّدريسِ والإفتاءِ والقدرةِ العقليّة وإكثارِ المطالعة في كتب التَّاريخ والطَّبقات والفتاوى والشُّروح وغيرها، وذكروا في قواعد المفتي والمستفتي: «لا يجوز الإفتاء لكلّ مَن تعلَّمَ الفقه لدى الأساتذة حتى تحصل له ملكة فقهيّة، وهذه المَلَكة يعرف بها أصول الأحكام وقواعدها
¬
(¬1) ينظر: تكوين الملكة الفقهية ص86.
(¬2) في الموافقات5: 178.
وعللها ويميِّز الكتب المعتبرة من غيرها، ودليل حصول هذه المَلَكة أن يأذن له مشايخه المهرة بالإفتاء» (¬1)، قال مالك:: «ما أفتيتُ حتى شَهد لي سبعون أنّي أهلٌ لذلك» (¬2).
فكان الغرض من الدراسة الفقهية توصل الطَّالب من خلالها إلى تكوين الملَكَة العلميّة، وتعرفه على طريقة أهل العلم في الفهم والبناء وتحليل الأمور، وبقدرِ اجتهادِ الشَّخص بالدِّراسة الذَّاتية والالتقاء بالأساتذة وتحقُّق الذَّكاء لديه يستطيع أن يتوصَّل إلى تكوين الملَكَة في العلم الذي تخصَّص فيه.
وتطبيق المرء للعلم في حياتِه وإفادةِ مجتمعه به وزيادتِه لمسائلِه راجعٌ إلى مقدارِ الملَكَة التي كوَّنها فيه، وهذا الأمرُ متحقِّق في الفقه؛ لأنَّه علمٌ كسائر العلوم تكوَّن من اجتهاداتِ العلماءِ فيه، وهذه الاجتهاداتُ منبعُها الملَكَات، وبقدرِ تحصيلها يستطيع أن يتصرَّفَ في هذا العلم ويُضيف إليه معارف وإفادات مبنيّة على أُسس العلم التي تَمَكَّن منها.
وما لم تتكون لدى الفقيه الملكة الفقهية القادرة على بلوغ الدرجة العلمية الرَّفيعة والفهم العميق للواقع، فلن يكون قادراً على تحصيل مقاصد الشريعة بتمامها.
¬
(¬1) ينظر: أصول الإفتاء ص28.
(¬2) ينظر: الفقيه والمتفقه 2: 154.
قال الإمام الغَزَاليُّ (¬1): «فقه النفس لا بُدّ منه، وهو غريزةٌ لا تتعلّق بالاكتساب»، فلا بُدّ أن يكون لصاحب الملكة هبةٌ خاصّةٌ من الله تعالى بالقدرةِ العقليّة الكاملة في دقّة الفهم، وإلا فلن يصل إلى كمال الملكة، وإنَّما يحصل بعضها.
وقال ابنُ خلدون (¬2): «إنَّ الحذق في العلم والتّفنّن فيه والاستيلاء عليه إنَّما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله، وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفنّ المتناول حاصلاً».
وليس كلُّ عالم فيه يبدأُ من جديدٍ، بل يستمرُّ في البناءِ على علمِ مَن سبقه حتى يعظم بنيان العلم وتُشيَّدُ قواعدُه وأُسُسُه وتَزدادُ فروعُه ومسائلُه، فيكون علماً مرغوباً فيه، نافعاً للمجتمعات، ولو بدأ كلُّ عالم فيه من البدايةِ واجتهد فيما قاله غيرُه، لبقي العلم في محلِّه ولم يُكمل بُنيانُه، وهذا يقتضي حصول مرحليّة في الاجتهادِ في العلم، تنقلُه من طورِ إلى طور.
وهذا يكون في الفقه بتحقيق وظائف المجتهد؛ لأنَّ الاجتهاد في نفسِهِ موجودٌ لا محالة؛ لأنَّه روحُ العلم وبه حياتُه وتطبيقُه، وبدونه ينعدم
¬
(¬1) في المنخول ص573.
(¬2) في مقدمة ابن خلدون1: 543.
العلم، ولكنَّه يَمرُّ بمراحل في نشأةِ العلوم وتكوّنِها، فينتقلُ من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، فالعلمُ في كلِّ مرحلةٍ فيه يحتاج إلى نوعٍ جديدٍ من الاجتهاد؛ لأنَّ المرحلةَ السَّابقة اكتملت، والعلمُ في استمرارِ وزيادةٍ وإلا لم يكن علماً.
وهذه عشرة وظائف للمجتهد، وكلُّ وظيفة فيها تشتمل على درجات عديدةٍ يتفاوت العلماءُ في تحصيلها، حتى الاجتهاد المستقل درجات، وبيانها كالآتي:
الأولى: استنباط الأحكام من الكتاب والسُّنة وآثار الصَّحابة - رضي الله عنهم -، نوعان:
1.الاعتمادُ على أصولٍ استخرجها المجتهدُ بنفسِه.
2.الاعتمادُ على أصولٍ مُقرّرةٍ في المذهبِ استخرج أُسسها أئمّتُه.
الثّانية: التَّخريج على أقوال أئمّة المذهب، نوعان:
1.حملُ قولِ المجتهد المطلق على محمل معيّن بأن يكون كلامُه من الفرائض أو الواجبات أو السُّنن أو المبطلات أو غيرها.
2.التَّفريعُ على مسائلِ المجتهدِ وقواعدِه في المسائل المستجدة.
الثَّالثة: التَّرجيح والتَّصحيح بين أقوالِ علماءِ المذهب، نوعان:
1.التَّرجيح بين الأقوال اعتماداً على الأصول والقواعد والمعاني وأسس الأبواب الفقهية: أي من حيث قوّة البناء الفقهي والأُصولي.
2.التَّرجيحُ بين الأقوال بناء على قواعدِ رسم المفتي من المصلحة والعرف والتيسير وتغيّر الزَّمان والضرورة والحاجة: أي من حيث الأنسب في التَّطبيق في الواقع.
الرابعة: التمييز والتفضيل بين الأقوال والرِّوايات، نوعان:
1.تمييز أصل المذهب (ظاهر الرواية) عن غيره من الأقوال.
2.تمييز بين الأقوى والقويّ، والصَّحيح والضَّعيف: أي المعتمد في المذهب عن غيره من الأقوال.
الخامسة: التَّقرير والتَّطبيق في العمل والإفتاء والقضاء بالمناسب للواقع، نوعان:
1. تقرير ما هو الأنسب والأرفق والمفتى به بناء على قواعد رسم المفتي من عرف وضرورة وغيرها.
2.تقريرُ المسألة بعد تصوِّرها جيداً، وإدراك أنَّها هي المناسبة للواقعة، وفهم علَّتها ومبناها وأصلها ومحلها في الإفتاء والعمل.
فما نريد تقريره في علم الفقه أنه كسائر العلوم يبدأ الاجتهاد بدرجته الأدنى من قدرة الدارس على تصور المسائل وتطبيقها على نفسه وإفتاء غيره بها، وهو في ذلك درجات، ويبقى يرتقي في تحصيله لكلّ وظيفةٍ إلى مُنتهاها وإلى قدرتِه على تحصيل وظائف أُخرى من الاجتهاد، من التَّمييزِ والتَّرجيح والتَّخريج، حتى يتمكَّن من معرفة ما لم يُنصّ عليه من المستجدات ممَّا درس من الفروع والقواعد.
والعلماءُ في التَّخريج للمستجدات متفاتون جداً، وإلاّ لما رُئِي هذا التَّفاوت الكبير في تخريجات الفُقهاء في داخلِ المذهب؛ لذلك كانت تَخريجات علماء القَرَن الثَّالث والرَّابع أقوى من غيرهم، ومن باب أولى أن يكونوا متفاوتين جداً في الترجيح والتصحيح، فكان ترجيح علماء القرن الخامس والسادس أقوى من غيرهم.
وهذه الوظائف والدرجات حاصلةٌ في كلِّ زمانٍ ومكان، ولا إشكال في ذلك، وتمثل مقدار الملكة لصاحبها، وإنَّما القضية المهمّة التي ينبغي أن تكون محلّ اهتمام الطلبة والعلماء هي مقدارُ تحقيقهم للوظيفة في كلّ منها، فهل ما زال في الدرجة الأدنى من الاجتهاد أو بلغ الدَّرجةَ الأعلى، وهل حصَّل كلَّ وظيفةٍ على تمامِها، فيتحقق فيه وصف القرآن: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} الأنبياء: 7.
فتفاوت المشتغلين في الفقه على قدر تحصيلهم لهذه الوظائف بالملكة الفقهية، والأهمُّ هو قدرتُهم على أداءِ كلّ وظيفةٍ بتمامها، بأن يبلغوا أعلى مراتب الاجتهاد فيها، فيتحقق فيهم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ العلماء هم ورثة الأنبياء» (¬1).
وإنَّ ضبط مَن هو الفقيه المفتي من أهل الملكة الفقهية أمرٌ مهمٌّ للغاية، وقد بذلت جهدي في وضع ضوابط عامّة له، وهي:
1.أن يكون تقياً، ورعاً، عاملاً بعلمه: إذ أنَّه مخبر عن الله - جل جلاله - أحكام شريعته، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنَّه قال: «ليس العلم بكثرة الحديث، ولكن العلم الخشية» (¬2).
2.أن يكون عالماً بما يقول: بأن يفهمَه ويعيَه ويضبطَه ويعرفَ كنهه، وضابط ذلك: أنَّه لو سئل عمّا يقول في بيان سببه ودقائقه وقواعده أبان وأوضح بأجلى وأنضر صورة وهيئة (¬3).
3.أن يكون عارفاً بأحد المذاهب الفقهيّة: بأن يكون ضابطاً لقواعده، متمكّناً من مسائله.
¬
(¬1) في سنن أبي داود2: 341، وسنن الترمذي5: 48، وصحيح ابن حبان1: 289.
(¬2) في حلية الأولياء1: 131.
(¬3) ينظر: تفسير الرزاي1: 463.
4.القدرة على معرفة المعتمد من المذهب الذي تخصص فيه؛ لأنَّ المعتبرَ هو القولُ الرَّاجح.
5. أن لا يخرج في فتواه عن المذاهب الأربعة: فإنَّه وقع الاتفاق بين العلماء على قَبولها (¬1).
6.أن لا يأخذ بالشاذّ من العلم: إذ الشَّاذّ ما خالف فيه صاحبه أقوال سائر الفقهاء (¬2).
المطلب الثاني: في علمُ تطبيق الفقه المسمى بـ (رسم المفتي):
فما مرَّ معنا في الملكة يمثل القدرة الذاتية لتحقيق مقصد الشريعة، وأداته في تحقيقها هي هذا مقصد «رسم المفتي»، فهو يمثل الجانب العمليّ التطبيقيّ للفقه، فلا سبيل لنا للترجيح بين الأقوال الفقهية إلا به، ولا فهم الخلاف الحاصل بين علماء المذهب إلا من خلاله، ولا إعمال الفقه في الواقع بدونه، فهو أقربُ ما يكون بالروح للفقه؛ إذ بدونه لا حياة له.
¬
(¬1) في البحر المحيط 8: 242.
(¬2) ينظر: معجم لغة الفقهاء ص255.
وهذا العلم يُمثِّلُ الحلقة ما بين المسائل الفقهيّة المدوّنة في الكتب وما بين الواقع المعاش للناس في كافّة مناحي الحياة، فمَن فقده فهو فاقدٌ للعلم حكماً؛ إذ لا خير في علمٍ بلا عمل، وفاقدُه فاقدٌ للعمل به لنفسه ولغيره.
وأحوج ما نحتاج إليه في هذه الأيام هو إظهارُ رسم المفتي في علمٍ مستقلٍّ له قواعدُه وأسسُه ومبادئه، بحيث تتيسر دراسته لكلِّ المتفقهة.
وفي ظنِّي أنَّ هذا التراجعَ الذي حَصَلَ لعلم الفقه في هذا الزمان حتى أصبح علماً نظرياً في حياتنا الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة والقضائيّة لهو عائد لأمرين:
1.ترك الدراسة المتعمّقة المتمكنة في الفقه.
2.إهمال علم رسم المفتي، فمَن لم يضبطه ويُدركه لن يتمكَّن من تطبيقِ الفقه واختيارِ الأنسب للواقع وفهم كيفيةِ التعاملِ معه.
لذلك أقول: إنَّ دراسةَ الفروع كما مَرَّ تُكوِّن (50%) من علم الفقيه، و (50%) هي قواعدُ رسم الإفتاء، وهي على قسمين: جانب نظري لقواعد الإفتاء يمثل (25%) من علم الفقه، وجانب عملي: وهو المعرفة الحقيقية المتبصّرة بالواقع الذي يريد الإفتاء به وتنظيمه وترتيبه على أجمل طريقة وأحسنِ سلوك تمثل (25%) من علم الفقه؛ لذلك كَثُرَ قولُهم: مَن لم يكن عالماً بأهلِ زمانه فهو جاهل.
وهذا العلمُ هو الأصولُ التي يعتمدُ عليها المجتهدُ في المذهبِ في الترجيح والتفريع والتطبيق والإفتاء، كما يعتمد المجتهدُ المستقلّ على أصولِ الفقه لاستخراج الأحكام من الكتاب والسنة والآثار والترجيح بينها، فكما لا غنى للمجتهد المطلق عن أصول الفقه ـ فهي القواعد التي تُمَكّنه من القيامِ بعمله واستفراغ جهده في استنباط الأحكام، وهي آلته في ذلك ـ فكذلك العالم في المذهب، فإنَّ رسمَ المفتي هو الأداة التي يتمكَّن بها من القيام بعمله، وبذل جهده في إنزال الفقه على الواقع، والخروج من دائرة الخلاف، وتلبية حاجات مجتمعه، فهي الوسيلة لذلك.
وكما أنَّ أُصولَ المجتهد المطلق تدور في محاور رئيسيّة فيها العديد من القواعد الأصوليّة وهي: الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس، فكذلك فإنَّ أصولَ المجتهد في المذهب لها محاور رئيسيةٌ مليئةٌ بقواعدِ للإفتاء، وهذه المحاور: هي الضرورة، والتيسير، ورفع الحرج، والعرف، والمصلحة، وتغيّر الزمان، فهذه هي الأُصول الكبرى في رسم المفتي التي يرتكز عليها المفتي في فهمه وضبطِهِ وتطبيقِهِ للفقه.
وكلُّ أصل من أصول هذا العلم هو مقصد للشريعة بعينه، فالضرورة مقصد، والتيسير مقصد، ورفع الحرج مقصد، وهكذا، وليس هذا البحث للتفصيل، وإنَّما للتنبيه عليها والإشارة إليها.
والكلام في هذا العلم مؤسَّسٌ في القرآن من اعتبار الضَّرورة: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الأنعام: 119، والتيسير: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة: 185، ورفع الحرج: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج: 78.
قال ابن عاشور (¬1): «من طرائق الاستدلال على المقاصد ... أدلة القرآن الواضحة الدلالة التي يضعف احتمال أن يكون المراد منها غير ما هو ظاهرها بحسب الاستعمال العربي ... مثل ما يؤخذ من قوله تعالى {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} البقرة: 205، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} النساء: 29، وقوله: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام: 164، وقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} المائدة: 91، وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة: 185، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج: 78، ففي كل آية من هذه الآيات تصريح بمقصد شرعي أو تنبيهٌ على مقصد».
والسُّنَّةُ النبويّةُ طافحةٌ بتطبيقاته: كحديث طهارة سؤر الهرة: «إنَّها
¬
(¬1) في مقاصد الشريعة ص 28.
ليست بنجس، إنَّما هي من الطوّافين عليكم أو الطوّافات» (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يسّروا ولا تعسّروا» (¬2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الدين يسر» (¬3)، وقول السيدة عائشة رضي الله عنه: «ما خيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً» (¬4)، وغيرها.
قال ابن عاشور: (¬5) بعد عرض أيات التيسير: «فمثل هذا الاستقراء يخوِّل الباحث عن مقاصد الشريعة أن يقول: إنَّ من مقاصد الشريعة التيسير؛ لأنَّ الأدلة المستقرأة في ذلك كله عمومات متكرَّرة، وكلها قطعية النسبة إلى الشارع؛ لأنَّها من القرآن، وهو قطعي المتن».
وينبغي التنبيه أنَّ الحرج والتيسير المقصود في الشرع خارج عن التكاليف؛ لأنَّها هي عين التيسير ورفع الحرج عن الناس، قال الشاطبيّ (¬6): «الشارع إنَّما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلف عن اتِّباع هواه حتى يكون عبداً لله، فإنَّ مخالفة الهوى ليست من المشقَّات المعتبرة فى التَّكليف، وإن كانت شاقة فى مجاري العادات؛ إذ لو كانت معتبرة
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 153، وقال: حسن صحيح، وسنن أبي داود 1: 67، وموطأ مالك 1: 22، وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري5: 2269، وصحيح مسلم3: 1359، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري1: 23.
(¬4) في صحيح البخاري7: 101، وصحيح مسلم4: 1813، وغيرها.
(¬5) في مقاصد الشريعة ص70.
(¬6) في موافقاته 2: 455.
حتى يشرع التَّخفيف لأجل ذلك لكان ذلك نقضاً لما وُضِعَت الشَّريعة له، وذلك باطل فما أدى إليه مثله».
وقال أيضاً (¬1): «لا ينازع فى أنَّ الشارع قاصد للتكليف بما يلزم فيه كلفة ومشقّة ما ولكن لا تُسمَّى فى العادة المستمرة مشقّة كما لا يُسمَّى فى العادة مشقَّةً طلب المعاش بالتحرُّف وسائر الصَّنائع؛ لأنَّه ممكنٌ معتادٌ لا يقطع ما فيه من الكلفةِ عن العمل فى الغالب المعتاد، بل أهل العقول وأرباب العادات يَعدُّون المنقطع عنه كسلان ويذمونه بذلك فكذلك المعتاد فى التكاليف».
* * *
¬
(¬1) في موافقاته2: 123.
المبحث الثاني
المقاصد المتعلّقة بالمعاني
الرَّبَّانيّة للتَّشريع
وعامّةُ مفردات هذا المبحث لم ينتبه لها المشتغلون فيظ المقاصد؛ لصعوبة مباحثها ودقَّة معانيها، وهي الأساسُ للوصول للغايات من المقاصد، ولولا ذلك لما نزل إلينا الشرع مفصَّلاً في أحكامه، ولأنزل علينا عمومات وطالبنا بالعمل بها، فالجزئيات مطلوبة للوصول للكليات، حتى تقيد عمومها، وتفصح عن حالها.
قال ابنُ عاشور (¬1): «خبايا في بعض مسائل أصول الفقه أو في مغمور أبوابها المهجورة عند المدارسة أو المملولة، ترسُبُ في أواخر كتب الأصول، لا يصل إليها المؤلفون إلا عن سآمة، ولا المتعلمون، إلا الذين رزقوا الصبر على الإدامة، فبقيت ضئيلة ومنسية، وهي بأن تعدَّ في علم المقاصد حَرِية، وهذه هي مباحث المناسبة والإخالة في مسائل العلة،
¬
(¬1) في مقاصد الشريعة ص 6.
ومبحث المصالح المرسلة، ومبحث التواتر، والمعلوم بالضرورة، ومبحث حمل المطلق على المقيد إذا اتحد الموجِب والموجَب أو اختلفا».
فقواعد علم الأصول العامة مندرجة في المقاصد: كالعلّة الخاصة، والاستصحاب، وسد الذرائع، والاستحسان، وغيرها، ولكن البحث يطول في سردها، فنذكر أبرزها في المطالب الآتية:
المطلب الأول: في العلّة الخاصة للحكم (المؤثر):
فالعلة: هي الوصف الصالح المؤثر في ثبوت الحكم في الأصل متى وجد مثله في الفرع يثبت مثل ذلك الحكم فيه قياساً عليه (¬1).
ومثالها: الطواف لسؤر الهرة، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّها ليست بنجس، إنَّما هي من الطوافين عليكم والطوافات» (¬2).
وإدراك العلّة الخاصّة للحكم هو الأصل في القدرة على تطبيقه في نفسه صحيحاً، وقياس غيره عليه، قال ابن عاشور: (¬3): «يمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع، فتقاس فروع كثيرة على مورد لفظ
¬
(¬1) ينظر: ميزان الأصول 2: 833 - 834.
(¬2) في موطأ مالك 1: 22، وسنن أبي داود 1: 67، وسنن الترمذي 1: 153، وغيرها.
(¬3) في مقاصد الشريعة ص5.
منها، باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلّها على الوصف الذي اعتقدوا أنَّه مراد من لفظ الشارع، وهو الوصف المسمى العلة».
واستقراء العلِّل الخاصَّة من أكبرِ العوامل التي تساعد على تكوين الملكة الفقهيّة التي نقدر بها على تطبيق الفقه، وإدارك مقاصده، بل هذه العلِّل الخاصّة تُمثّل المقاصد الخاصّة في كلّ حكم، وهي الطَّريق للوصول إلى المقاصدِ العامَّة المقصودة عند الشَّارع الحكيم، قال ابن عاشور (¬1): «من طرائق الاستدلال على المقاصد ... استقراء أدلَّة أحكام التي اشتركت في علّة بحيث يحصل لنا اليقين بأنَّ تلك العلّة مقصدٌ مرادٌ للشَّارع».
فهي الأساسُ في التَّكوين العلمي والمقصدي للشَّريعة، ومَن فقدها خرج من مقاصدِ الشَّريعة إلى مقاصد عقله، ومَن لم يتربَّ عليها لن يشمّ رائحة التَّشريع الإلهي؛ لأنَّ دارستها تشكل (50%) من الرَّصيد العلمي للعلم الشَّرعي ومقاصده، فهي الفاصلُ بين العقل المصلحي الشرعي والعقل المصلحي البشري، وبقدر إدراكها ينتقل من الثاني إلى الأوَّل.
قال ابن عاشور (¬2): «استقراء العلِّل يحصل العلم بمقاصد الشريعة بسهولة؛ لأننا إذا استقرأنا عللاً كثيرة متماثلة في كونها ضابطاً لحكمة
¬
(¬1) في مقاصد الشريعة ص 28.
(¬2) في مقاصد الشريعة ص27.
متحدة أمكن أن نستخلص منها حكمة واحدة فنجزم بأنَّها مقصد شرعي ...
مثاله: أننا إذا علمنا علة النهي عن المزابنة ... في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح لمن سأله عن بيع التمر بالرطب: «أينقص الرُّطبُ إذا جفَّ؟ قال: نعم، قال: فلا إذن»، حصل لنا أن علة تحريم المزابنة هي الجهل بمقدار العَوَضَيْن، وهو الرطب المبيعُ باليابس، وإذا علمنا النهي عن بيع الجزاف بالمكيل، وعلمنا أنَّ علَّتَه جهل أحد العوضين بطريق استنباط العلة، وإذا علمنا إباحة القيام بالغبن، وعلمنا أنَّ علّته نفي الخديعة بين الأمة بنصّ قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي قال له: إني أُخدع في البيوع: «إذا بايعت فقل: لا خلابة» (¬1) إذا علمنا هذه العلَلَ كلَّها استخلصنا منها مقصداً واحداً، وهو إبطال الغرر في المعاوضات، فلم يبق خلاف في أنَّ كلَّ تعاوض اشتمل على خطر أو غرر في ثمن أو مثمن أو أجل فهو تعاوض باطل».
وطرق اعتبار الشارع الوصف علة:
1. أن يظهرَ تأثيرُ عين الوصف في عين ذلك الحكم؛ إذ لا يبقى بين الفرع والأصل مباينة إلا تعدد المحلّ، ومثاله: تأثير عين الكيل وهو علّة في ثبوت حكم الربا في التمر، فالجصُّ ملحقٌ به بلا شبهة؛ إذ لا يبقى إلا
¬
(¬1) في صحيح البخاري 3: 65، وصحيح مسلم 3: 1165.
اختلاف عدد الأشخاص التي هي مجاري المعنى، ويكون ذلك كظهور أثر الوقاع في إيجاب الكفارة على الأعرابي؛ إذ يكون التركي والهندي في معناه.
2. أن يظهر تأثير عين الوصف في جنس ذلك الحكم: والمراد من الجنس المجانس، والمجانسان هما المتحدان من حيث الجنس، فمثلاً حرج الاستئذان ليس بمقول على حرج النجاسة وغيره من الأنواع حتى لا يكون جنساً لهما، لكنَّهما يتحدان في مطلق الحرج، فأمكن أن يعتبرا متجانسين، ومثاله: تأثير عين وصف الأخوة لأب وأم وهو علة في التقديم في الميراث، في جنس حكم التقديم في الميراث وهو التقديم في ولاية الإنكاح، فيقاس عليه؛ لأنَّ الولاية ليست هي عين الميراث لكن بينهما مجانسة في الحقيقة (¬1).
وأقسام العلة بحسب الإفضاء إلى المقاصد:
إنَّ حصولَ المقصود من شرعِ الشارعِ الحكم عند الوصف لجلب مصلحة للعبد أو دفع مفسدة عنه أو لكليهما تحصيلاً لأصل المقصود أو تكميلاً له في الدنيا أو جلباً للثواب أو دفعاً للعقاب في الأخرى، وهو على أقسام:
¬
(¬1) ينظر: سبيل الوصول إلى علم الأصول ص 157 - 158.
1.أن يكون يقيناً: كالبيع الصحيح لثبوت الملك في البدلين حلالاً للمالك، فإنَّه يحصل منه يقيناً.
2.أن يكون ظنّاً: كالقصاص للانزجار عن القتل العمد العدوان، فإنَّ المقصودَ من شرعيته صيانة النفوس المعصومة عن الهلاك، وهذا يحصل ظنّاً منه.
وهذان القسمان متفق عليهما.
3.أن يكون شكاً: بأن يتساوى فيه حصوله ونفيه، ولا مثال له في الشَّرع على التَّحقيق بل على التَّقريب كحدّ الخمر، فإنَّه شرع للزجر عن شربها لحفظ العقل، وقد ثبت حدُّها مع الشكّ في الانزجار عن شربها به؛ لأنَّ استدعاء الطباع شربها يُقاوم خوف عقاب الحدّ.
4.أن يكون وهماً: فرخصة السفر شرعت للمشقة، والنكاح شرع للنسل، وقد جاز الترخص المذكور والنكاح مع ظَنّ العدم لكلّ من المشقة والنسل في سفر مَلكٍ مرفه ونكاح آيسة، فعلم أنَّ المعتبر في كون الوصف علّةً في إفضائه للحكم الحصول في جنس الوصف لا في كلِّ جزئيٍّ ولا في أكثر الجزئيّات.
وهذان القسمان مختلف فيهما، والمختار فيهما الاعتبار.
5.أن يكون يقين العدم: كإلحاق ولد مغربيّة بمشرقيّ تزوج بها، وقد علم عدم تلاقيهما؛ جعلاً للعقد مظنّةَ حصول النطفة في الرّحم.
وهذا مختلفٌ فيه، والجمهور على منع اعتبار هذا الطّريق؛ لأنَّه لا عبرة بمكان ظنِّ وجود الحكمة مع العلم بانتفاءِ نفس الحكمة، ومُجيزه هذا أبو حنيفة: لا صاحباه، وإنَّما أجازه نظراً إلى ظاهر العلّة التي هي العقد لا إلى ما تضمنته العلّة من الحكمة التي هي حصول النسل (¬1).
المطلب الثاني: في العلّة العامة للحكم (الملائم):
وهي الجنس للعلة الخاصة، أو الوصف الجامع لمجموعة أوصاف خاصة للحكم.
وطريق الوصول للعلة العامة (جنس الوصف) وتحقيقها لمقصدها:
1.ملائمة جنس الوصف لعين ذلك الحكم، ومثاله: ملائمة جنس وصف لزوم الحرج والمشقة بعارض سماوي لعين حكم سقوط قضاء الصلاة الكثيرة، وهذا الجنس للوصف استفيد من عين وصف الجنون والحيض يؤثر في عين حكم سقوط قضاء الصلاة الفائتة الكثيرة، فيندرج في هذا الجنس الإغماء لمجانسته إيّاها فتسقط الصّلاة به: أي رغم أنَّه لم يرد اعتبار الشارع علة للسقوط، لكنَّه اعتبر ما هو جنسه، فيقاس الإغماء
¬
(¬1) ينظر: التقرير والتحبير شرح التحرير3: 145 - 146.
على الجنون والحيض، ويعتبر علة لإسقاط قضاء الصلاة الفائتة عن المغمى عليه (¬1).
2.ملائمة جنس الوصف لجنس ذلك الحكم، ومثاله: وملائمة جنس وصف الحرج والمشقة لجنس حكم التخفيف في الأحكام، وهذا الجنس للوصف مستفاد من عين وصف الحيض والسفر والمرض، وجنس الحكم مستفاد من عين حكم سقوط القضاء بالحيض، وإباحة الفطر وقصر الصلاة وغيرها بالسفر، وإباحة الفطر والصلاة قاعداً ومؤمئاً وغيرها بالمرض، فكأنَّ الشارع اعتبر كلّ جنس من أجناس مظانّ الحرج علّة لكلّ جنس من أجناس الأحكام التي فيها تخفيف.
ولا ريب في أنَّ قضاء أوقات الصلوات الفائتة للحائض من أجناس مَظانّ الحرج، وسقوط قضائها عن الحائض من أجناس الأحكام التي فيها تخفيف، فيكون جنس الوصف قد اعتبر علّة لجنس الحكم لا لعينه؛ لأنَّ عين الحكم في المقيس عليه هي الإفطار في رمضان، وقصر الصلاة في السفر، وقد أُبيحا لعلّة مَظِنّة الحرج؛ بقصد دفعه، والتخفيف عن المريض والمسافر، وتكليف الحائض بقضاء الصلوات التي فاتتها أثناء الحيض فيه حرج ومشقة، وهو من جنس الحرج الذي يَلحق
¬
(¬1) ينظر: حاشية الرهاوي 2: 791.
المسافر والمريض، ولذلك أسقط عنها للتخفيف ودفع الحرج والمشقة (¬1)، فنتجت قاعدة: المشقة تجلب التيسير.
ومن ملائمةِ جنس الوصف لجنس الحكم تستفاد القواعد الفقهية، فمثلاً عرفنا من التطبيقات السابقة كيف خرجت القواعد بالنظر لعلل عديدة متجانسة وأحكامها، بحيث نحتكم لها في غيرها.
والقاعدة الفقهية قضيةٌ شرعية عملية كليّة، يتعرف منها أحكام جزئياتها، وهي ضروريّة لتكوين الملكة الفقهية لدى الفقيه (¬2) في معرفة مقاصد الفقه، والفهم الصحيح له، والتخريج لفروعه ومسائله المستجدة، قال السُّيوطيُّ (¬3): «إنَّ فنَّ الأشباه والنظائر فنٌ عظيمٌ، به يطلع على حقائق الفقهِ ومداركهِ ومآخذهِ وأسراره، ويتمهَّر في فهمِهِ واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتَّخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مر الزمان».
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 3: 383، ونور الأنوار وقمر الأقمار 2: 144، وفتح الغفار 3: 21، وشرح ابن ملك 2:790 - 791، وأصول الفقه الإسلامي لشاكر بك ص333، وغيرها.
(¬2) ينظر: تكوين الملكة الفقهية ص72.
(¬3) في الأشباه والنظائر1: 6.
ويُسهِّل دراسة الفقه بقواعده حفظِ وضبطِ المسائل الفقهيّة، قال القَرَافيّ: (¬1): «ومَن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظِ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليّات»، ولا يكتفى بدراسة القواعد لوحدها؛ لضرورةِ معرفةِ تطبيقاتها حتى يكون فهمها صحيحاً، ومعرفة المسائل المستثناة منها.
المطلب الثالث: في المبنى الفقهيّ للمسألة:
نقصد هاهنا بمبنى المسألة: هو الأصل والضابط الذي بنيت عليه هذه المسألة وأمثالها من المسائل التي تشبهها، فالمسألة دائما هي تطبيق لأصل، وهذا الأصل عادة يشتمل مجموعة من المسائل المتشابهة.
«وهي مقاصد كل حكم على حدته من أحكام الشريعة من إيجاب أو ندب أو تحريم أو كراهة أو شرط، مثال ذلك قولنا: الصداق في النكاح مقصوده إحداث المودة بين الزَّوج والزَّوجة، والإشهاد مقصوده تثبيت عقدة النّكاح دفعاً للتنازع والجحود» (¬2).
فإنَّ المسائل الفقهيّةَ مبنيّةٌ على ضوابط وقواعد، تُدرس من أجل تحصيلها، وعامّة المذكور في كتب الفقه فيما عدا أبواب العبادات، فإنَّها
¬
(¬1) في الفروق1: 7.
(¬2) ينظر: المدخل ص12.
عبارةٌ عن أمثلةٍ وليست مقصودةً بذاتها، وإنَّما هي تطبيقٌ في زمن ومكانٍ مُعيّن، بالتالي مَن لا يدرس المسائل الفقهية ملاحظاً لمبانيها وقواعدها وأسسها، فإنَّه لا يقدر على فهم حقيقةِ الفقه والعيش في كنفه، وإنَّما يبقى متعلِّقاً بقشورٍ بدون قدرةٍ على ضبطٍ وتمكُّن فيه، ولا يصل إلى الملكة الفقهية التي بها نطبق الفقه، ولا يقدر على إدراك مقاصد التشريع.
قال ابن عاشور: (¬1): «وربما يجد المطلع على كتب الفقه العالية من ذكر مقاصد الشرعية كثيراً من مهمّات القواعد لا يجد منه شيئاً في علم الأصول، وذلك يخصّ مقاصد أنواع المشروعات في طوالع الأبواب دون مقاصد التشريع العامة».
وارتباط المسائل بأصولٍ ومبانٍ دقيقة يُعرِّفنا بانتفاء العشوائية في الأحكام وانتظامها وترتيبها، بما يورث الثِّقة من الدَّارس والعامل بها، في تحقيقها لمقصد الشريعة، ويجعل الأحكام متسقة مع بعضها مع بعض.
وقد أَبدع قاضي خان في شرحه على «الزيادات» عندما صرَّح في بداية شرحه لكل مجموعة من المسائل للأصل الذي بنيت عليه، ومن أمثلتها في البيوع:
¬
(¬1) في مقاصد الشريعة ص6.
1.سلامة المبيع للمشتري توجب سلامة الثمن للبائع، ويترتب عليه استحقاق المبيع على المشتري يوجب الرجوع بالثمن على البائع تحقيقاً لمقتضى المعاوضة والمساواة (¬1).
2.محل البيع هو المال المملوك، ومحل الإجارة المنفعة؛ لأنَّها وضعت لتمليك المنفعة، فيقتضي قيام المنفعة، فمثلاً لو اشترى أرضاً سبخة أو مهراً صغيراً جاز، ولو استأجر ذلك لا يجوز (¬2).
3.الواحد في المعاوضات المالية لا يصلح عاقداً من الجانبين؛ لأنَّ حقوق العقد فيها ترجع إلى العاقد، فيصير الواحد مطالِباً ومطالَباً، وذلك محال (¬3).
المطلب الرابع: في المبنى الفقهيّ للباب:
ونقصد به أنَّ كلَّ باب من الأبواب الفقهية له فكرة رئيسية يسعى لتحقيقها، وتدور مسائله على تطبيقها، وهذا ما يعرف بالقياس في الباب، الذي يقابله الاستحسان، فالفقه قياس واستحسان، والقياس هو القاعدة في الباب التي تنطبق عليه عامة مسائله، والاستحسان هو
¬
(¬1) ينظر: شرح الزيادات لقاضي خان2: 678.
(¬2) ينظر: شرح الزيادات لقاضي خان2: 728.
(¬3) ينظر: شرح الزيادات لقاضي خان2: 736.
الاستثناء من هذه القاعدة، فالفروع التي خرجت عن القياس بنصّ أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو غيره، نسميها استحسان، ومن أمثلته:
القياس في الوضوء: غسل الأعضاء الثلاثة: الوجه واليدين والرجلين، ومسح الرأس، والاستحسان: هو المسح على الخف الثابت بالحديث المشهور.
والقياسُ في الغُسل: إيصالُ الماءِ إلى ما لا حرج فيه من الجسم، والاستحسان: هو سقوط غسل الشعر للمرأة صاحبة الضفيرة، والاكتفاء بوصول الماء إلى أصول الشعر؛ لحديث أم سلمة المشهور.
والقياس في نواقض الوضوء: وجوبها بخروج النجس، والاستحسان: النقض بالقهقهة في الصلاة لحديث الضرير المشهور.
والقياس في الصلاة: وجوبها في الأقاوت المحددة لها، والاستحسان: الجمع بينها في عرفة ومزدلفة.
والمبنى العام في أبواب المعاملات يمثل المبادئ العامة التي تسير عليها المسائل؛ لأنَّ النَّصوصُ الشَّرعيةُ الواردةُ فيها أقلُّ بكثيرٍ من النُّصوص الواردة في العبادات، فكانت طريقةُ الشَّريعة فيها هو تأسيس قواعد عامّة تسير عليها وتنضبط بها، فكانت إمكانية التطبيق فيها أكثر، ومرونة العمل أوسع، وقدرة الاجتهاد فيها أعظم، فمَن لم يكن يسير على أصولٍ محكمةٍ في الفقه، لن يستطيع المنافسة في أبواب المعاملات؛ لأنَّ
ظواهر الأحاديث التي كان يَبني عليها كلامَه في العبادات لم تَعُد متوفرةً إلا قليلاً.
وسطحيةُ الاجتهاد في المعاملات تكشف عواره، وتهلك المجتمع، وتكون سبباً رئيسياً في التفلت من الأحكام الشرعية في المعاملات؛ لعدم عقلانية الأحكام الصادرة من بعض المفتين، فلا يستطيع المسلم الالتزام بها: كالفتوى بعدم جواز التَّقسيطِ في البيع مطلقاً؛ احتجاجاً بحديث: «النهي عن بيع وشرط» (¬1)، فهي تغلقُ باباً واسعاً في البيوع وغيرِها، وتعسّر البيع، فتكون المعاملات سبباً للحرج لا للفرج والتيسير.
المطلب الخامس: في الاستحسان:
وهو عدولُ المجتهد عن قياس جلي إلى قياس خفي، أو عدول المجتهد عن حكم كلِّي إلى حكم استثنائي بدليل انقدح في عقله رجح له هذا العدول (¬2).
فالقياس هو القواعد التي تسير عليها المسائل في الأبواب المختلفة، والاستحسان هو الاستثناء من هذه الأبواب سواء بالنص من
¬
(¬1) في مسند أبي حنيفة ص160، والمعجم الأوسط4: 335.
(¬2) ينظر: المدخل إلى دراسة الفقه ص69.
القرآن أو السنة أو القياس أو الإجماع أو الضرورة أو العرف أو غيرها ـ كما سبق ـ.
فكان الاستحسانُ هو المنقذُ من غلو القياس، والميسرُ للتطبيق فيما تعسَّر بالقواعد؛ لأنَّ العلم لا بدّ فيه من قواعد يحتكم لها، والتزام هذه القواعد مطلقاً موقع في حرج عظيم، فالاستحسانُ يكون المخرج للخروج ممَّا عَسُرَ العمل به قياساً، بأن نعمل به استحساناً، ومن أمثلته:
القياس في إفطار الصائم: هو دخول مفطر معتبر من منفذ معتبر إلى جوف معتبر مع وصول معتبر، لكنَّهم حكموا بصحّة الصيام مع الأكل أو الشرب ناسياً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أكلَ أو شرب ناسياً فلا يفطر، فإنَّما هو رزق رزقه الله» (¬1)، وإن كان القياسُ يوجب الإفطار؛ لأن يكون ممّا يدخل إلى الجوف المعتبر من منفذ معتبر وقد حصل، ولكن رد الإمام أبو حنيفة: القياس لهذه الرواية كما نقل عنه، فكان استحساناً بالحديث.
والقياس في عدم جواز بيع ما لا تملك؛ فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبع ما ليس عندك» (¬2)، ولكن لما كان للناس حاجة إلى السَّلَم؛ لأنَّ أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم
¬
(¬1) في سنن الترمذي 3: 98، ومسند أحمد 2: 491، وصحيح ابن حبان 8: 286.
(¬2) في جامع الترمذي 3: 534، وحسنه، وسنن أبي داود 3: 283، والمجتبى 7: 289، وغيرها.
وعليها؛ لتكمل, وقد تعوزهم النفقة, فجوز لهم السلم؛ ليرتفقوا, ويرتفق المسلم بالاسترخاص (¬1)؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (¬2).
فكلُّ ما تعارفه الناس وكان لهم به حاجة، وخلى عن الربا والقمار والمحرمات الظاهرة، كان للفقهاء فرصة بإجازته للناس وتيسير الأمر به عليه، ومثل ذلك ما حصل ببيع الوفاء، حيث أنَّه بيع مؤقت، وصورته: أن يقول البائع للمشتري: بعت منك على أن تبيعه مني متى جئت بالثمن (¬3)، وهذا ممتنع عند الفقهاء، ولكن لما كانت للناس به حاجة كبيرة وجدنا جمعاً من الفقهاء يجوزونه، فقالوا: فاسد في حق بعض الأحكام, حتى ملك كل منهما الفسخ، صحيح في حق بعض الأحكام: كمنافع المبيع, ورهن في حق البعض، حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه وسقط الدين بهلاكه، فهو مركب من العقود الثلاثة، وجوز لحاجة الناس إليه بشرط سلامة البدلين لصاحبهما (¬4).
¬
(¬1) ينظر: المغني 4: 185، وغيره.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1226، وصحيح البخاري 2: 781، وغيرها.
(¬3) ينظر: تبيين الحقائق 5: 173، ورد المحتار 5: 276، ومجمع الأنهر 2: 430، وغيرها.
(¬4) وشيوعه وانتشاره جعل مجلة الأحكام العدلية تستحسن الأخذ به، كما في (المادة 118). وينظر: رد المحتار 2: 276 - 277، ودرر الحكام 2: 207، وتبيين الحقائق 5: 183 - 184، ومجمع الأنهر 2: 430، وحاشية الشلبي 5: 184، والهداية 9: 236 - 237، والشرنبلالية 2: 207، والعناية 9: 236 - 237، وغيرها.
وإنَّ كل ما قال فيه الحنفية بالاستحسان، قالوه مقروناً بدلائله وحججه، لا على جهة الشهوة واتباع الهوى، ووجوه دلائل مسائل الاستحسان موجودة في كتبهم، وتقديمهم الاستحسان على القياس؛ لقوة أثره؛ لأنَّ المدار على قوة التأثير وضعفه لا على الظهور والخفاء (¬1).
فالحاصل أنَّه أساس في البناء عند الحنفية، وعند غيرهم موجودٌ ضمناً من خلال التطبيقات أو بمسميات أخر (¬2).
المطلب السادس: في سدّ الذرائع:
هي ما كان ظاهره الإباحة ويُتوصَّلُ به إلى فعل محظور (¬3).
هذا المركب لقب في اصطلاح الفقهاء لإبطال الأعمال التي تؤول إلى فساد معتبر، وهي في ذاتها لا مفسدة فيها، فمقصد سد الذرائع مقصد تشريعي عظيم استفيد من استقراء تصرّفات الشريعة في تفاريع أحكامها، وفي سياسة تصرفاتها مع الأمم (¬4).
¬
(¬1) وتفصيل مسائل الاستحسان في الفصول 4: 234 - 249، وكشف الأسرار للبخاري 4: 2 - 8.
(¬2) ينظر: المدخل إلى دراسة الفقه وأصوله ص71 - 72.
(¬3) ينظر: البحر المحيط 8: 89.
(¬4) ينظر: المقاصد لابن عاشور ص201 - 203.
فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة منع الإمام مالك: من ذلك الفعل في كثير من الصور (¬1)، قال القُرطبيُّ: «سد الذرائع ذهب إليه مالك: وأصحابه وخالفه أكثر الناس تأصيلاً، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلاً» (¬2)، ومن أمثلته:
الزواج بقصد التحليل: فذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ الزواج بقصد التحليل من غير شرط في العقد صحيح مع الكراهة، وتحل المرأة بوطء الزوج الثاني للأول؛ لأنَّ النية بمجردها في المعاملات غير معتبرة، فوقع الزواج صحيحاً لتوافر شرائط الصحة في العقد، وتحل للأول، كما لو نويا التأقيت وسائر المعاني الفاسدة، وذهب المالكية والحنابلة إلى أنَّ الزواج بقصد التحليل ولو بدون شرط في العقد باطل، وذلك بأن تواطأ العاقدان على شيء مما ذكر قبل العقد، ثُمَّ عُقِدَ الزواج بذلك القصد، ولا تحل المرأة به لزوجها الأول؛ عملاً بقاعدة سد الذرائع؛ ولحديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم بالتيس المستعار، قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: هو المحلل، لعن الله المحلل، والمحلل له» (¬3) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الفروق 2: 32.
(¬2) ينظر: البحر المحيط 8: 89.
(¬3) في سنن ابن ماجه 1: 623، وسنن أبي داود 2:227.
(¬4) ينظر: الموسوعة الفقهية 10: 257.
وبيع العنب من خمار: فذهب الجمهور إلى تحريمه؛ لأنَّه إعانة على الحرام، فيحرم سداً للذريعة، وأجازه أبو حنيفة والثوري وعطاء والحسن؛ لأنَّ العين غير منكرة، فهي تستعمل في الحلال والحرام، وفعل البائع ـ وهو البيع ـ مباحٌ في نفسه، وفعل المشتري ـ وهو التحويل إلى خمر ـ محرم، فانقطعت الحرمة عن البائع، والمعصية حصلت بفعل فاعل مختار (¬1).
فشرط أبو حنيفة لتحريم المسائل التي فيها إعانة على الحرام، أن تكون العين منكرةً لا تُستعمل إلاّ في المحرَّم: كالخمر والخنزير، فيكون البيعُ فيها باطلاً، ويمنع منها سداً للذريعة، وأمَّا ما تكون العينُ فيه غيرَ منكرةٍ بأن تُستعمل في الحلال والحرام، وتخلَّلها فعلُ فاعل مختار، فلا تمنع، فأجاز تأجير البيت ليعمل فيه معبد لليهود أو النصارى، وأباح العمل في تعمير الكنيسة؛ لأنَّه لا معصية في عين العمل (¬2)، وكذلك رعي الخنازير لذمي؛ لأنَّها مال متقوم في حقهم بمنزلة الشاة والبعير في حقنا (¬3).
واستثنى من هذه القاعدة بيع السلاح وكلُّ ما يُستفاد منه في تقويةِ الكُفَّار على المسلمين سواء كُنَّا معهم حَرْباً أو سِلْماً، وأيضاً منع من بيعِ
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية 9: 208 - 209.
(¬2) ينظر: الهداية6: 165 - 166، والمبسوط 16: 38 - 39، والدر المختار6: 391 - 292، وغيرها.
(¬3) ينظر: المبسوط16: 39، و التبيين6: 29، ورمز الحقائق2: 273، وغيرها.
السِّلاح من أهل الفتنة؛ لما يترتيب عليهما من قتل المسلمين (¬1)؛ فعن عمران بن الحصين - رضي الله عنه -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السلاح في الفتنة» (¬2).
فالحاصلُ عند أبي حنيفة أنَّ ما قامت المعصية بعينه فحرام كبيع الخمر، ومعنى بعينه: أن عينه منكراً لا تقبل إلا الفعل المحظور، وإن ما لم تقم المعصية بعينه فغير مكروه، ويطيب أجره، ومعنى ذلك؛ أنَّ عينه ليست منكراً، بأن يكون المقصود الأصلي منها ليس المعصية، وإنَّما هي أمر عارض يحصل بفعل فاعل مختار فتنقطع نسبته عن البائع أو غيره، أما في الأعمال فيكفي فيما لم تقم المعصية بعينه أن يتوسط فعل فاعل مختار، كما في رعي الخنازير وتعمير الكنيسة.
ومَن تأمَّل قول أبي حنيفة: وَجَدَ أنَّه فيه في هذا الزمان خاصة تيسيراً وفرجاً كبيراً؛ بسبب عدم قيام الدول على شعائر الدين، واختلاط الحرام بالحلال وكثرة المعاصي والفجور، فتكون رخصةٌ كبيرةٌ؛ لتحليل أموال المسلمين.
¬
(¬1) ينظر: البدائع5: 232، 7: 142، ودرر الحكام1: 306، ورمز الحقائق1: 329، وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري2: 741 معلّقاً، سنن البيهقي5: 327، وقال: رفعه وهم، والموقوف أصح.
المطلب السابع: في المصالح المرسلة:
وهي كلُّ منفعة داخلة في مقاصد الشارع دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء (¬1).
والمنفعةُ التي قصدها الشَّارعُ الحكيمُ لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم طبق ترتيب معيّن فيما بينها (¬2).
وسُميت مرسلة لإرسالها: أي إطلاقُها عمّا يدلّ على اعتبارها أو إلغائها شرعاً، والمختار عند أكثر العلماء رَدُّها مطلقًا؛ إذ لا دليل على اعتبار الشَّارع إيّاها، قال القرافيُّ: «إنَّ ما جُهِل حالُه من الإلغاء والاعتبار هو المصلحة المرسلة التي تقول بها المالكية» (¬3).
فيشترط أن يعلم كونها مقصودة للشرع بالكتاب أو السنة أو الإجماع إلا أنَّها لم يشهد لها أصل معين بالاعتبار، وإنَّما يعلم كونها مقصودة لا بدليل واحد، بل بمجموع أدلة وقرائن أحوال وأمارات متفرّقة، ومن أجل ذلك تُسمّى مصلحة مرسلة، ولا خلاف في اتباعها
¬
(¬1) ينظر: ضوابط المصلحة ص330، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي ص156، والاستصلاح والمصالح المرسلة للزرقا ص39.
(¬2) ينظر: ضوابط المصلحة ص24.
(¬3) ينظر: التقرير والتحرير3: 151.
إلا عندما تعارضها مصلحة أخرى، وعند ذلك يأتي الخلاف في ترجيح إحدى المصلحتين.
قال الشَّاطبيُّ: (¬1): «المراد بالمصلحة عندنا ما فُهِم رعايتُه في حقِّ الخلق من جلبِ المصالح ودرءِ المفاسد على وجهٍ لا يستقلُّ العقلُ بدركِهِ على حال، فإذا لم يشهد الشَّرع باعتبار ذلك المعنى بل يردُّه كان مردوداً باتفاق المسلمين».
وأقسام المصلحة من حيث اعتبار الشارع لها وعدمه، هي:
1.مصلحةٌ معتبرة: أي اعتبرها الشَّارع وأمر بها، مثل: تشريع القصاص لمصلحة حفظ الأنفس، وحد الزاني لمصلحة حفظ الإنسان، وقطع يد السارق لمصلحة حفظ الأموال، وحد الشارب لمصلحة حفظ العقول، وهكذا.
2.مصلحةٌ ألغاها الشارع؛ لأنَّ في غيرها مصلحة أكبر أو أنفع، مثل: إعطاء البنت كالابن في الميراث، فيه مصلحة للبنت إلا أن هذه المصلحة ألغتها الآية وهي قوله - جل جلاله -: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} النساء: 11؛ لأنَّ مصلحة إعطاء الذكر أكثر من الأنثى تفوق مصلحة إعطائها مثله لما يترتب على الابن من متطلبات لا تترتب على البنت،
¬
(¬1) في الاعتصام2: 169.
والاستسلام للعدو فيه مصلحة حفظ النفوس من قتل المحاربين، ولكن تفوت به مصلحة أعظم وهي حفظ البلاد وذلّ سكانها تحت نير احتلالهم.
3.مصلحةٌ لم يأت دليل من الشارع بإلغائها أو اعتبارها، وهي ما يستجد من أمور بعد انقطاع الوحي، والمصلحة للناس فيها ظاهرة ولم يأت بتشريعها الشرع ولم يأت شيءٌ فيه بإلغائها، وهي التي أطلق عليها المصلحة المرسلة (¬1).
ومثالها: أنَّ الكفار إذا تترسوا بالأسرى المسلمين، وكان بحيث لو كففنا عنهم لغلبونا على دار الإسلام وقتلوا أهلها أو الجيش ويقتلون الأسرى أيضاً، ولو رميناهم لقتلنا الأسرى الذين لم يذنبوا وهم معصومو الدم ولا دليل في الشرع يبيحه، فيجوز أن يقول قائل الأسرى مقتولون على كل حال، فحفظ أهل القطر أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعاً أنَّ قصده تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، وحيث لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل، فهي مصلحة لم يكن بالضرورة أنها مقصود الشرع لا بأصل واحد معيّن، بل بأدلة خارجة عن الحصر مع أن تحصيلها بهذه الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد
¬
(¬1) ينظر: المدخل إلى الفقه وأصوله ص73، والمصالح المرسلة للشنقيطي ص14 - 15.
له أصل معين، لكنَّها توفرت فيها شروط ضرورية وقطعية وكلية لأهل القطر كله، فيعمل بها قطعاً (¬1).
وبهذا يعلم أنَّ المصلحة المرسلة المقصودة هنا مختلفة عن المصحلة العقلية المنافية للشريعة بحيث تقدم ما يستحسنه العقل على الشرع، قال الكوثري (¬2): «ومن جملة أساليبهم الزائفة في تغيير الشرع بمقتضى أهوائهم قول بعضهم: إنَّ مبنى التشريع في المعاملات ونحوها على المصلحة، فإذا خالف النص المصلحة يترك النصّ ويؤخذ بالمصلحة، فياللعار والشنار على ما ينطق لسانه بمثل هذه الكلمة ويجعلها أصلاً يبني عليه شرعه الجديد».
وهذا المصلحة يندرج جزءٌ منها تحت الاستحسان عند الحنفية ـ كما سبق ـ ويندرج جزءٌ آخر تحت قواعد رسم المفتي، فهي إحدى قواعده، ويندرج قسم ثالث تحت الملكة الفقهية؛ إذ كلَّما ارتقت الملكةُ الفقهيّةُ أدرك مصالح الشَّرع، وكان أقدر في الوقوف والإفتاء بها، فيتمكن من تطبيق قاعدة المصلحة في أصول الإفتاء، والاستحسان بها.
* * *
¬
(¬1) ينظر: الفكر السامي 2: 155 - 15، وغيرها.
(¬2) في مقالة أثر العرف والمصلحة في الأحكام ص342 - 343.
المبحث الثَّالثُ
في المقاصدُ المتعلِّقةُ
بالغايات للأحكام الشَّرعيّة
ويشتمل هذا المبحث على ثلاثة مطالب: حِكَم التَّشريع وفوائده، وجلب المصالح ودفع المضار، وحفظ الكليّات الخمس.
المطلب الأول: في حِكَم التشريع وفوائده:
وهي أبرز ما يطلق عليه المقاصد عند المعاصرين؛ إذ أنَّها تمثل الفوائد المترتبة على تشريع الأحكام الشرعية.
ومدار هذه الحِكَم راجع إلى أنَّ التشريع له جانبان: تربوي، وتنظيمي.
أمّا التربوي: فهو يتجسد بصورةٍ واضحةٍ في العبادات التي تسعى سعياً حثيثاً إلى الارتقاءِ بإنسانيةِ الإنسانِ إلى أَعلى مراتبها، وتخليصِهِ من
الصفاتِ الحيوانيةِ الذميمة، فعلى على قدر التزام المسلم بدينه يرتقي سلوكه وأخلاقه وتصرفاته إلى أعلى مستويات الإنسانية، ويؤكد قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (¬1)، والعبادات هي المحقِّقةُ لأفضل المكارم الخلقيةِ بالتخلصِ من الصفاتِ الذميمةِ والإخلاصِ للهِ تعالى.
فمثلاً في الصلاة يتعود الإنسان على الإخلاص لله - جل جلاله - والتركيز الكامل في أفعال الصلاة أثناء أدائها وهو ما يسمّى الخشوع، ومن أعظم أسرار النجاح في أي عمل هو الإخلاص له والتركيز الكلي فيه، فالمسلم يأخذ كل يوم خمس دروس في ترسيخ هذه السلوك في شخصيته، بحيث يكون جزءاً من حياته ويمكنه من النجاح الكامل في كل أموره.
والصيامُ يقهر النفس ويجعل الإنسان أقوى منها، فيتحكم بها ولا يتركها تتحكم فيه، وأظنُّ بقدرِ قدرةِ المسلم على التحكُّم بنفسِهِ والسيطرةِ عليها بقدر ما يمكنه أن يكون ناجحاً في دنياه وأخراه، فكم من أناس غلبتهم أنفسهم في حب الطعام فهم يعانون من مشاكل عديدة في الصحة، وكم من غلبتهم أنفسهم في حب المال فوقعوا في مشاكل
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 8: 4، وسنن الدارقطني 3: 304، وسنن أبي داود 2: 283، ومسند أحمد 2: 182، ومكارم الأخلاق ص78، قال الحاكم: صحيح الإسناد. ينظر: خلاصة البدر المنير 2: 257.
عديدة متعلقة بذلك، وهكذا، فقهر النفس من أعظم المقاصد لكل مَن أراد سبيل النجاح، وهذا فائدة من الفوائد العظيمة للصوم.
والزكاة تطهر نفس صاحبها من البخل الذي هو من أعظم الشرور، {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الحشر: 9، وتشيع المحبة والتواصل والتواد بين أفراد المجتمع على اختلاف طبقاتهم، ويكفي أنَّها تعالج أهم قضايا المجتمع وهي الفقر، فهو سبب رئيسي في كثير من مشاكل المجتمعات من الفساد الخلقي وشيوع الجريمة والجهل، ففي الزكاة حلّ لهذه المعضلة.
وعلى كلٍّ الكلام لا نهاية له فيما يتعلق بأسرار التشريع وفوائده، وقد كثر التأليف فيها بما فيه غنى، وإنَّما أردت التمثيل هاهنا للتنبيه على أنَّ الله غنيٌّ عن عباده ـ كما هو معلوم لكلّ مسلم ـ، وكلُّ ما يشرع لنا من الأحكام يكون لتحقيق المصلحة لنا ودفع المفسدة عنا لا غير، فلو عايش المسلم هذه الحقيقة ـ المعلومة لكل منا ـ في حياته، سيجد من الحكم والفوائد لهذا التشريع ما لا يعدّ ولا يحصى، ولسعى بجدّ إلى التزام أحكامه ولم يتردد في تطبيقه؛ لأنَّها شرعت لمصحلته الدنيوية والأخروية معاً.
وأحبُّ دائماً أن أُعرفَ الأحكامَ الشرعيةَ بصورةٍ عامّةٍ: أنَّها نصيحةُ الله - جل جلاله - لعباده في أفضل سبيل وأحسن طريق وأجمل اختيار لهم في كلّ
أمر من أمور حياتهم، {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الملك: 22، فهي تمثل السبيل الأقوم والأحسن للإنسان، وعلى قدر التزام المسلم بها يكون الرشاد الحقيقي في هذه الدنيا، فهنيئاً لمن اتخذها سبيلاً.
وبقي أمرٌ لا بد من الحديث عنه وهو أنَّ النظريات التربوية يتعرّف عليها بالتجربة؛ لأنَّها تتعامل مع طبيعية إنسانية وتقدم حلولاً لمشاكل فيها ويظهر مع الزمن أي هذه الحلول أكثر جدوى، فهي تقاس بالتجربة والتطبيق أكثر من قياسها بمنظور العقل في ترتيب النتائج على المقدمات، ولذلك تجد أن العبادات في نفسها العقل لا يدركها في ترتب النتائج، ولكن التجربة أثبتت أنَّها قادرة على تعديل سلوك الإنسان إلى ما هو أقوم وأفضل، فالله - جل جلاله - خلق الإنسان وهو أعلم بحاله وبما يحسن تصرفاته وأخلاقه.
وأما الجانب التنظيمي في التشريع: فهو يتمثل في النكاح والطلاق والمعاملات والقضاء والسير والمواريث وغيرها، ففيها يسعى الفقهاء إلى تقديم أفضل حلول للحياة الإنسانية، ومَن قدَّم لنا أفضل مما عندنا لن نتوانا في الاستفادة والأخذ منه؛ لأنَّ المقصود إيجاد أحسن حياة بشرية.
قال ابن عاشور (¬1): «إذا نحن استقرأنا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع، استبان لنا من كليات دلائلها من جزئياتها المستقرأة: أنَّ المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه ـ وهو نوع الإنسان ـ ويشمل صلاحُه صلاحَ عقله، وصلاحَ عمله، وصلاحَ ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه».
والفقيهُ في تحقيق ذلك له نوران: نور العقل، ونور الشرع.
فأما نور العقل: فبه يبذل قصارى جهده في تقديم الطريق الأرشد والأفضل في حلّ المشاكل الحياتية، ويضيف إليه التجربة التاريخية العميقة في هذا الجانب من قِبَل الفقهاء، وملاحظاً معرفة أهل الاختصاص في هذا الميدان، فما يقدمه غير المسلم في تنظيم الحياة الإنسانية لا يعدوا كونه من نور العقل البشري، ومثله يستفاد منه بكماله عند الفقهاء، أضف إليه تجارب غيرهم من الفقهاء.
وأما نور الشرع: فهو يتمثل في أمور لا يُمكن للعقل إدراكها بنفسه لأول وهلة، وإنَّما تدرك بالنظر إلى آثارها بعد مدة مديدة، فالشرع اختصر علينا الطريق وعرّفنا بها ابتداء، فلا حاجة لنا إلى عملها حتى نتعرَّفَ على ضررها، ومثال ذلك:
¬
(¬1) في مقاصد الإجارة ص103.
تبرج المرأة والزنا يجر على المجتمع من الويلات ما لا يعلمه إلا الله - جل جلاله -، وهذا ظاهر في المجتمعات الشرقية والغربية من انتشار الأمراض وحرمان المرأة من حقِّها في الزاوج ـ نتيجة تحقيق الرجل رغبته بالزنا واستغنائه عن المرأة ـ وخروج أجيال بلا أسرة تنتفع بتربيتها وتستمتع بحنانها، فمنعت الشريعة هذا السلوك ابتداءً، لا بعد أن تتعذب أجيال بذلك ثم نكتشف هذه الحقيقة المرة.
وأيضاً: الرّبا، والقمار، وبيع الدين بالدِّين، وبيع ما لا يملك، ففيه من المضار التي علمت في هذا الزمان بسبب الكارثة الاقتصادية ما لا يخفى، فالشريعة عرفتنا بها ابتداءً وإن كانت لا تدرك بالعقل إلا بآثاره حتى نتعذب دهراً قبل نتوصل إلى هذه الحقيقة، وقس على هذا غيرها من الأحكام الشرعية.
وعلى كلٍّ تسعى الشريعة إلى تنظيم الحياة البشرية بهذين النورين، اللذين لا يوجدان بتمامها عند غير المسلم المسترشد بنور الله - جل جلاله -، فيتوصَّل إلى أبدعِ تنظيمٍ وترتيبٍ لكلِّ جوانب حياته.
المطلب الثاني: في جلب المصالح ودرء المفاسد:
مَن تأمّل في حِكَم التشريع يصل إلى أنَّها إما جالبة للمصالح وإما دارئة للمفاسد، وإنَّما خصصتها بنوع على حدة؛ لأنَّ المختصين في كثير من الأحيان يطلقون المقاصد ويقصدون بها هذا النوع لا الحِكَم الموصلة لها، ومرادنا في هذا البحث بيان المقصود بإطلاق مصطلح المقاصد عند أهل الشأن.
وهذا النوع من المقاصد يكثر استعماله عند أهل المقاصد، وهو قريب في معناه من الأول، إلا أنَّ الأول يتكلم عن الفوائد التفصيلية للتشريع في كلّ حكم من الأحكام الشرعية، والثاني يتكلّم عن الفائدة الكلية الجامعة لكلّ الفوائد الجزئية في تحقيق المصلحة للإنسان.
ومِن أبدع مَن تكلَّم على هذا الجانب باستفاضة الإمام العز ابن عبد السلام في كتابه النافع الماتع المسمَّى بـ «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»، فقد أولاه عناية فائقة وبرهن عليه وبَيِّن قواعدَه وضوابطَه وتفريعاته بما لا مثيل له؛ إذ خصَّه بكتاب كامل، فمَن أراد الوقوف عليه فليرجع له؛ لذلك أقتصر هاهنا على أمور عامة تشير إليه وتدّلُ على وجوده وتُبيِّنُه.
قال صدر الشريعة (¬1): «حكمة مقصودة للشارع في شرعه الحكم من جلب نفع العباد أو دفع ضر ّعن العباد، وهذا مبني على أن أفعال الله تعالى معلَّلة بمصالح العباد».
وقال التميميّ (¬2): «لا خلاف أنَّ الأصول كلها معلَّلة».
وقال ابنُ أمير الحاج (¬3): «أفعال العباد وأحكامه تعالى معلَّلة برعاية مصالح العباد كما تنادى به تعليلاتهم في شرعية المعاملات والعقوبات».
وفي ذلك يقول الشاطبي (¬4): «إنَّ وضعَ الشرائع إنَّما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً ... والمعتمدُ إنَّما هو أنا استقرأنا من الشريعةِ أنَّها وضعت لمصالح العباد استقراء ... {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء: 107 ... {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} العنكبوت: 45 ... فنحن نقطع بأنَّ الأمرَ مستمرٌ في جميع تفاصيل الشريعة».
¬
(¬1) في التوضيح2: 126.
(¬2) في الطبقات السنية1: 130.
(¬3) في التقرير والتحبير3: 234.
(¬4) في الموافقات2: 7 - 8.
وفي هذا يقول السيوطيّ (¬1): «لا شكَّ أنَّ الشرائعَ كلها متفقةٌ على النظر إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، وكذا أحكام القضاء والقدر جارية على سنن ذلك وإن خفي وجه ذلك على الناس في كثير منها».
والسبب وراء أنَّ الشريعة وجدت لمصالح العباد: أنَّ الله غنيٌّ عن عباده أجمعين، وإنَّما يريد لهم ما في خيرهم وصلاحهم، قال الشاطبيُّ (¬2): «إنَّ القاعدةَ المقرَّرةَ أنَّ الشرائعَ إنَّما جيء بها لمصالح العباد، فالأمرُ والنهيُ والتخييرُ جميعاً راجعةٌ إلى حَظِّ المكلَّفِ ومصالحِه؛ لأنِّ اللهَ غنيٌّ عن الحظوظِ منزّه عن الأغراض».
والمصلحة في الأحكام ليست بخاصة في حكم دون حكم، وإنَّما تشمل كلَّ الأحكام في جميع الأبواب الفقهية، قال الشاطبيّ (¬3): «إنَّ المعلومَ من الشريعةِ أنَّها شرعت لمصالح العباد، فالتكليف كلُّه إما لدرء مفسدة وإما لجلب مصلحة أو لهما معاً».
فالحاصلُ من ذلك: أنَّ المصالحَ المعتبرة شرعاً أو المفاسد المعتبرة شرعاً هى خالصة غير مشوبة بشىء من المفاسد لا قليلاً ولا كثيراً، وإن توهم أنَّها مشوبة فليست فى الحقيقة الشرعية كذلك؛ لأنَّ المصلحة
¬
(¬1) في الحاوي للفتاوى1: 445.
(¬2) في الموافقات1: 148.
(¬3) في موافقاته1: 199.
المغلوبة أو المفسدة المغلوبة إنَّما المراد بها ما يجري فى الاعتياد الكسبي من غير خروج إلى زيادة تقتضي التفات الشارع إليها على الجملة، وهذا المقدار هو الذى قيل إنَّه غير مقصود للشارع فى شرعية الأحكام (¬1).
ولا بُدّ من جهةٍ في تقدير المصالح: كجهة تكثير المال، أو زيادة الجاه، أو تحقيق الشهوات، أو غيرها من الجهات التي ينظر إليها في تحقيق المصالح، فالشريعة الكريمة لم تعتبر شيئاً من هذا؛ لأنَّها فانية لا قيمة لها، وإنَّما اعتبرت تحقق المصلحة من جهة الآخرة، قال الشاطبيّ: (¬2): «المصالح المجتلبة شرعاً والمفاسد المستدفعة إنَّما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية ... ».
¬
(¬1) الموافقات2: 26ـ 37 بتصرف واختصار.
(¬2) الموافقات2: 38ـ 40 باختصار.
المطلب الثالث: في الكليات الخمس (المقاصد العامة):
وهي المقاصد التي تمَّت مراعاتها وثبتت إرادةُ تحقيقها على صعيد الشريعة كلها (¬1).
وتكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:
الأول: ضرورية: وهي ما لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقِدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين (¬2).
ووصفت بالضرورية؛ لأنَّها ما انتهت الحاجة فيها إلى حدّ الضرورة، فتتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمس التي لم تختلف فيها الشرائع, بل هي مطبقة على حفظها، وهي:
1.حفظ الدين بشرعية القتل والقتال, فالقتل بسبب الردة وغيرها من موجبات القتل؛ لأجل مصلحة الدين, والقتالُ في جهاد أهل الحرب، وعقوبة الداعي إلى البدع، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} التوبة: 29الآية.
¬
(¬1) ينظر: مدخل إلى مقاصد الشريعة ص11.
(¬2) ينظر: الموافقات2: 8.
2.حفظ النفس بشرعية القصاص، فإنَّه لولا ذلك لتهارج الخلق واختل نظام المصالح، كما يشير إليه قوله - جل جلاله -: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} البقرة: 179.
3.حفظ العقل بشرعية الحد على شرب المسكر, فإنَّ العقل هو قوام كلّ فعل تتعلّق به مصلحة, فاختلاله مؤدٍّ إلى مفسدةٍ عظمى.
4.حفظ النسب بكلٍّ من حرمة الزنا وحدّه؛ لأنَّ المزاحمة على الأبضاع تفضي إلى اختلاط الأنساب، المفضي إلى انقطاع التعهد من الآباء، المفضي إلى انقطاع النسل وارتفاع النوع الإنساني من الوجود؛ ولأنَّ الأنساب داعيةٌ إلى التناصر والتعاضد والتعاون الذي لا يتأتى العيش إلا به عادة.
5.حفظ المال بإيجاب الضمان على المعتدي فيه، وبالقطع بالسرقة، فإنَّ المال قوام العيش.
وتسمّى هذه بالكليات الخمس: وهي حفظُ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وكلٌّ منها دون ما قبله، وشرعت الحدود؛ حفظاً لها (¬1).
¬
(¬1) ينظر: حاشية العبادي 8: 101، والبيجرمي3: 209.
وحصر المقاصد في هذه ثابت بالنظر إلى الواقع وعادات الملل والشرائع بالاستقراء (¬1)، قال الغَزاليّ: (¬2): «المصلحة: فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة, ولسنا نعني به ذلك, فإنَّ جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم, لكنّا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم, فكلُّ ما يتضمَّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة, وكلُّ ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدةٌ ودفعها مصلحة».
6.حفظ العرض، زادها الطوفيُّ والسبكيُّ (¬3)، وذكرها الزركشيُّ وغيره، فقال (¬4): «حفظ الأعراض, فإنَّ عادة العقلاء بذل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم, وما فدي بالضروري أولى أن يكون ضرورياً، وقد شرع في الجناية عليه بالقذف الحد, وهو أحق بالحفظ من غيره, فإنَّ الإنسان قد يتجاوز من جنى على نفسه وماله, ولا يكاد أحد يتجاوز عن الجناية على عرضه».
¬
(¬1) ينظر: التقرير والتحبير2: 144، والبحر المحيط6: 267.
(¬2) في المستصفى ص174.
(¬3) ينظر: التقرير والتحبير2: 144، والبحر المحيط6: 267.
(¬4) في البحر المحيط6: 268.
الثاني: حاجية: وهي المفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلّفين على الجملة الحرج والمشقّة، ولكنَّه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة (¬1).
وسميت بالحاجية؛ لأنَّها لم تنته الحاجة إليها إلى حدّ ضرورة شرع الحكم لها، نحو: البيع لملك العين بعوض مال، والإجارة لملك المنفعة بعوض مال، والمضاربة للشركة في الربح بمال من واحد وعمل فيه من آخر، والمساقاة لدفع الشجر إلى من يعمل فيه بجزء من ثمره.
فإنَّ هذه المشروعات لو لم تشرع لم يلزم فوات شيء من الضروريات الخمس إلا قليلاً: كالاستئجار لإرضاع مَن لا مرضعة له وتربيته وشراء المطعوم والملبوس؛ للعجز عن الاستقلال بالتَّسبب في وجودِ هذه الأشياء، فاحتيج إلى دفع حاجة المحتاج إليها بهذه العقود، فهذه المستثنيات من قبيل الضَّروريّ؛ لحفظ النَّفس؛ لأنَّ الهلاكَ قد يحصل بتركها فلا جرم أن عدَّها الآمدي منه.
فالتسمية إطلاق الحاجي على هذه المشروعات باعتبار الأغلب، فإنَّ غالب الشراءات والإجارات محتاجٌ إليه لا ضروريّ، فدعوى إمام الحرمين أنَّ البيعَ ضروريٌّ لم يوافق عليها.
¬
(¬1) ينظر: الموافقات2: 11.
ومكمِّل الحاجي في نفسه: كوجوب رعاية الكفّارة، ومهر المثل على الوليّ في تزويج موليته الصغيرة، فإنَّ أصل المقصود من شرع النِّكاح وإن كان حاصلاً بدونها، لكنَّهما أشدُّ إفضاءً إلى دوام النِّكاح وإتمام الأُلفة والازدواج بينهما، ودوامه من مكمِّلات مقصوده فوجب رعايتهما (¬1).
الثالث: تحسينية: وهي الأخذُ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق (¬2).
وإن لم يتعلَّق بها ضرورةً ولا حاجةً ولا تكميل لإحداهما بل إجراء للناس على ما أَلفوه من العادات المستحسنة في ذلك (¬3).
وحفظ المهجة مهم كليّ وحفظ المروءات مستحسنٌ، فحَرُمَت النجاسات؛ حفظاً للمروءات وإجراءً لأهلها على محاسنِ العادات، فإن دعت الضرورةُ إلى إحياءِ المهجة بتناولِ النجسِ كان تناوله أولى (¬4).
وسميت بالتحسينية؛ لأنَّها من قبيل رعاية أحسن المناهج في محاسن العادات، والحث على مكارمِ الأخلاقِ والتزام المروءة، ونبينا - صلى الله عليه وسلم -
¬
(¬1) ينظر: التقرير والتحبير3: 144.
(¬2) ينظر: الموافقات2: 11.
(¬3) ينظر: التقرير والتحبير3: 144.
(¬4) ينظر: الموافقات 2: 14.
موصوف بتشريع ذلك، فقال تعالى في وصفه: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} الأعراف: 157، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (¬1).
بعد الكلام عن هذه المقاصد الثلاثة، بقي أن نبين أنَّ مصالح الدين والدنيا مبنيةٌ على المحافظة على الأمور الخمسة، فإذا اعتبر قيام هذا الوجود الدنيوي مبنيّاً عليها حتى إذا انخرمت لم يبق للدنيا وجودٌ ـ أعني ما هو خاصٌّ بالمكلفين والتكليف ـ وكذلك الأمور الأخروية لا قيام لها إلا بذلك، فلو عدم الدين عُدِم ترتب الجزاء المرتجى، ولو عُدِم المكلّف لعدم مَن يتدين، ولو عدم العقل لارتفع التدين، ولو عُدِم النسل لم يكن في العادة بقاء، ولو عدم المال لم يبق عيش ـ وأعني بالمال ما يقع عليه الملك كالطعام والشراب واللباس ـ فلو ارتفع ذلك لم يكن بقاء، وهذا كلُّه معلومٌ لا يرتاب فيه من عَرَفَ ترتيب أحوال الدنيا وأنَّها زاد للآخرة (¬2).
وإذا ثبت هذا، فالأمور الحاجية إنَّما هي حائمةٌ حول هذا الحمى؛ إذ هي تتردَّدُ على الضروريات تُكملها بحيث ترتفع في القيام بها واكتسابها المشقات، وتميل بهم فيها إلى التوسُّط والاعتدال في الأمور حتى تكون
¬
(¬1) سبق تخريجه.
(¬2) ينظر: الموسوعة الفقهية: 210.
جاريةً على وجهٍ لا يميلُ إلى إفراطٍ ولا تفريطٍ ... وهكذا الحكم في التحسينية؛ لأنَّها تكمل ما هو حاجيّ أو ضروري، والمكمل للمكمل مكملٌ، فالتحسينيةُ إذاً كالفرعِ للأصل الضروري ومبنيّ عليه (¬1).
قال ابن النجار (¬2): «تُقدَّمُ المقاصد الضرورية الخمسة على غيرها من المقاصد، ومكمل الخمسة الضرورية على الحاجية، وتقدم المصلحة الحاجية على التحسينية, ويُقدَّم حفظ الدين على باقي الضرورية».
ودليل ذلك استقراء الشريعة، والنظر في أدلتها الكليّة والجزئية، وما انطوت عليه من هذه الأمور العامة على حد الاستقراء المعنوي الذي لا يثبت بدليل خاصّ بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعِها أمرٌ واحد تجتمع عليه تلك الأدلة.
فلم يعتمد الناس في إثبات قصد الشارع فى هذه القواعد على دليل مخصوص ولا على وجه مخصوص، بل حصل لهم ذلك من الظواهر والعمومات والمطلقات والمقيدات والجزئيات الخاصّة في أعيان مختلفة ووقائع مختلفة في كلِّ باب من أبواب الفقه وكلُّ نوع من أنواعه، حتى ألفوا أدلّة الشريعة كلها دائرة على الحفظ على تلك القواعد (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الموافقات2: 17.
(¬2) في شرح الكوكب المنير ص661.
(¬3) ينظر: الموافقات2: 51.
الخاتمة:
وفي ختام هذا البحث توصلت إلى هذه النتائج ويمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
1.المقاصد لغةً: تأتي بمعنى التَّوجهُ والطَّريقُ والغاية، واصصلاحاً: هي المعاني الرَّبانيّة للتَّشريع والغاياتُ من الأحكام والوسائل لتطبيقها، وهذا التعريف موافقٌ لاستخدام السَّلف والخلف لهذا المصطلح، وهو أولى من تعريف المعاصرين المقتصر على الغايات فحسب.
2.تعدُّ المقاصد الشرعية من الجانب التطبيقي للفقه وإن كان لهها تعلّق بالجانب الاستنباطي والبنائي.
3.تشتمل المقاصد على ثلاثة محاور: الوسائل والمباني والغايات، وهذا يعطي صورة أكمل وأوضح عنها، ويساعد في التعامل معها والاستفادة منها أكثر.
4. للمقاصد أنواع عديدة، وليست مقتصرة على أنواع الغايات فقط، بل لها أنواع للوسائل، وأنواع للمباني.
5. تعدُّ الملكة الفقهية ورسم المفتي هي جهة الوسائل في المقاصد، والملكة الفقهية: هي القدرة على التخريج والترجيح والتمييز والتقرير للأحكام الشرعية من فقيه النفس، وهي تمثل القدرة الذاتية لتحقيق مقصد الشريعة، وكلَّما ارتقت لدى الفقيه كان أقدر على إدراك مصالح الشَّرع وتطبيق قاعدة المصلحة. ويمثل رسم المفتي الحلقة ما بين المسائل الفقهيّة المدوّنة في الكتب وما بين الواقع المعاش للناس في كافّة مناحي الحياة، والأداة التي تستخدم لتحقيقها.
6.المباني في المقاصد: هي المبنى الفقهيّ للمسألة: هو الأصل والضابط الذي بنيت عليه المسألة، والمبنى الفقهيّ للباب: هو الفكرة الرئيسية التي يسعى لتحقيقها، وتدور مسائله على تطبيقها، والعلة الخاصة. والعلة العامة، والاستحسان، والمصالح المرسلة وغيرها.
7.الغايات للمقاصد: هي حِكَم التشريع، وجلب المصالح ودرء المفاسد، والكليات الخمس.
المراجع:
1. الاستصلاح والمصالح المرسلة في الشريعة الإسلامية وأصول فقهها: لمصطفى الزرقاء، دار القلم، دمشق، ط1، 1408هـ.
2. الأشباه والنظائر: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، ت: محمد مطيع الحافظ، دار الفكر، دمشق، ط2، 1403هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 1405هـ.
3. أصول الإفتاء: لمحمد تقي الدين العثماني، مصورة عن نسخة بخط اليد من الهند.
4. أصول الفقه الإسلامي: لشاكر بك الحنبلي، اعتنى به رفعت ناصر، المكتبة المكية، مكة المكرمة، ط1، 2002م.
5. الاعتصام: لإبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المعروف بـ (الشاطبي) (790هـ)، مطبعة السعادة بمصر.
6. أنوار البروق في أنواء الفروق: لأبي العباس أحمد بن إدريس المالكي شهاب الدين الشهير بالقرافي (ت: 684هـ)، عالم الكتب، بدون طبعة وبدون تاريخ.
7. البحر المحيط في أصول الفقه: لمحمد بن بهادر الزركشي (ت794هـ)، ت: الدكتور عمر الأشقر، ط1، 1989م، الكويت، وأيضاً: طبعة دار الكتبي.
8. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط2، 1402هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
9. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت743هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط1، 1313هـ.
10. تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال: لأحمد بن محمد بن الصديق الغماري، المطبعة المهدية، تطوان، المغرب، 1362هـ.
11. التذكرة الحمدونية، إصدار الموسوعة الشعرية.
12. تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (التفسير الكبير): لفخر الدين محمد بن عمر الرازي (544 - 606هـ)، دار الغد العربي، القاهرة، ط1، 1412هـ.
13. التقرير والتحبير شرح التحرير: لأبي عبد الله، محمد بن محمد الحَلَبِيّ الحنفي شمس الدين المعروف بـ (ابن أمير الحاج) (825 - 879هـ)، دار الفكر، بيروت، ط1، 1996مـ.
14. تكوين الملكة الفقهية: لمحمد عثمان شبير، العدد (72) من كتاب الأمة رجب 1420 هـ، السنة التاسعة عشرة.
15. التوضيح شرح التنقيح: لعبيد الله بن مسعود المحبوبي صدر الشريعة (ت747هـ)، دار الكتب العربية الكبرى، 1327هـ، وأيضاً: المطبعة الخيرية، مصر، ط1، 1324هـ.
16. جامع الترمذي: لمحمد بن عيسى (279هـ)، ت: أحمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
17. حاشية الرهاوي على شرح المنار: ليحيى الرهاوي، مطبعة عثمانية، در سعادت، 1315هـ.
18. حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: لأبي العباس أحمد بن يونس بن محمد الحنفي المعروف بـ (ابن الشلبي) (ت 947هـ)، مطبوعة بهامش تبيين الحقائق، المطبعة الأميرية بمصر، ط1، 1313هـ.
19. الحاوي للفتاوي: لعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت: 911هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، 1424 هـ - 2004م.
20. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت430هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1403هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، ط4، 1405هـ.
21. خلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير للرَّافِعِي: لعمر بن علي بن المُلَقِّن (723 - 804هـ)، ت: حمدي السلفي، مكتبة الرشد، الرياض، ط1، 1410هـ.
22. درر الحكام شرح مجلة الأحكام: لعلي حيدر، تعريب: المحامي فهمي الحسيني، دار عالم الكتب، الرياض، طبعة خاصة، 1423هـ - 2003م.
23. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
24. رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، مطبعة وادي النيل، مصر، 1299هـ، وأيضاً: مطبعة الصفدي في المنبئ، 1307هـ.
25. روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: لأبي محمد موفق الدين بن قدامة الجماعيلي المقدسي (ت: 620هـ)، مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 1423هـ-2002م.
26. سبيل الوصول إلى علم الأصول: للدكتور صلاح أبو الحاج، دار الفاروق، عمان، الأردن، 2006م.
27. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
28. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)،ت: محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
29. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، ت: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
30. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
31. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385هـ)، ت: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ.
32. شرح الزيادات لحسن بن منصور الأوزجندي، قاضي خان، (ت 592هـ)، ت: د. قاسم أشرف، دار إحياء التراث العربي. بيروت، لبنان، ط1، 1426هـ.
33. شرح الكوكب المنير: لمحمد ابن النجار الحنبلي (ت972هـ)، مطبعة السنة المحمدية.
34. شرح المنار: لعبد اللطيف بن عبد العزيز الكرماني ابن ملك (ت801هـ)، المطبعة العثمانية في دار الخلافة، 1316هـ.
35. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
36. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، ت: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
37. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
38. ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية: للدكتور محمد سعيد البوطي، مؤسسة الرسالة، ط4، 1402هـ.
39. الطبقات السنية في تراجم الحنفية: لتقي الدين بن عبد القادر التميمي، ت: الدكتور عبد الفتاح الحلو، دار الرفاعي، الرياض، 1403هـ.
40. العناية على الهداية: لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
41. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
42. فتح الغفار بشرح المنار: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط1، 1355هـ.
43. الفصول في الأصول: لأحمد بن علي الرازي الجصاص (305 - 370هـ)، الطبعة الثانية لوزارة الأوقاف الكويتية.
44. الفقيه والمتفقه: لأحمد بن علي الخطيب (ت463هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1395هـ.
45. الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي: لمحمد الحسن الحجوي الفاسي (ت1376هـ)، دار الكتب العلمية، ط1، 1416هـ.
46. قواعد الأحكام في مصالح الأنام: لأبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء (ت: 660هـ)، ت: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، 1414 هـ - 1991م.
47. كشف الأسرار شرح أصول البَزْدَوي: لعبد العزيز بن أحمد البخاري الحنفي علاء الدين (ا730هـ)، طبعة اسطنبول، 1308هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب الإسلامي.
48. الكشكول: للبهاء العاملي، إصدار الموسوعة الشعرية.
49. المبسوط: لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
50. المجتبى من السنن: لأبي عبد الله أحمد بن شعيب النسائي (215 - 303)، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406هـ.
51. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316هـ.
52. المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي: للدكتور صلاح محمد أبو الحاج، دار الجنان، عمان، ط1، 2004م.
53. المدخل إلى مقاصد الشريعة: للدكتور أحمد الريسوني، دار السلام، القاهرة، ودار الإيمان، الرباط، ط1، 1431هـ.
54. المستصفى من علم الأصول: لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي (450 - 505هـ)، دار العلوم الحديثة، بيروت.
55. مسند أبي حنيفة: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (336 - 430هـ)، ت: نظر محمد الفاريابي، مكتبة الكوثر، الرياض، ط1، 1415هـ.
56. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
57. مسند الربيع: للربيع بن حبيب بن عمر الأزدي، ت: محمد بن إدريس، وعاشور بن يوسف، دار الحكمة، مكتبة الإستقامة، بيروت وعُمان، ط1، 1415هـ.
58. مسند الشاميين: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، ت: حمدي السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1405هـ.
59. المصالح المرسلة: لمحمد الأمين الشنقيطي، مركز شؤون الدعوة، السعودية، 1410هـ.
60. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: لأحمد بن علي الفيومي (ت770هـ)، المطبعة الأميرية، ط2، 1909م.
61. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، ت: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
62. المعجم الأوسط: للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260 - 360هـ)، ت: طارق بن عوض الله، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.
63. معجم لغة الفقهاء: د. محمد رواس قلعه جي، ود. حامد صادق، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1408هـ.
64. معجم مقاييس اللغة: لأحمد بن فارس بن زكريا (ت395هـ)، ت: عبد السلام هارون، دار الكتب العلمية.
65. المغني في أصول الفقه: لعمر بن محمد الخبازي (629 - 691هـ)، ت: الدكتور محمد مظهر بقا، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط1، 1403هـ.
66. المقاصد: لابن عاشور، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 2011م.
67. مقالات الكوثري: لمحمد زاهد بن الحسن الكوثري (1296 - 1371هـ)، المكتبة الأزهرية للتراث، 1994م.
68. مقدمة ابن خلدون: للعلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الأشبيلي (ت808هـ)، دار ابن خلدون.
69. مكارم الأخلاق: لعبد الله بن محمد القرشي (208 - 281هـ)، ت: مجدي السيد، مكتبة دار القرآن، القاهرة، 1411هـ.
70. المنخول من تعليقات الأُصول: للغزالي، ت: د. محمد حسن هيتو، دمشق، دار الفكر، بيروت، دار الفكر المعاصر، ط3، 1419هـ.
71. الموافقات: لإبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت790ه)، ت: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط2، 1417ه - 1997م.
72. الموسوعة الفقهية الكويتية: لجماعة من العلماء، تصدرها وزارة الأوقاف الكويتية.