أنوار الحياة على ...
مقدمة الصلاة
جارٍ تحميل الكتاب…
أنوار الحياة على ...
مقدمة الصلاة
الطبعة الأولى
1441 هـ ـ 2020 م
أنوار الحياة
على مقدمة الصلاة
للفقيه أبي الليث نصر بن محمد السَّمْرَقْنديّ الحنفي
توفي سنة (375 هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، المصطفى الأمين، وعلى آله وصحابته الغرّ الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
قبل سنوات اشتغلت برهة من الزمان بتحقق «مقدمة الصلاة» المشهورة للفقيه أبي الليث السمرقندي، المتوفى سنة (ت375هـ).
وهي من أكثر كتب أبي الليث شهرة وانتشاراً، قال اللكنوي في «مقدمة السعاية» عند ذكرها: «والمقدمة المشهورة بين الناس»، وقد كانت محط أنظار العلماء، فتتبعوا كل ما ورد فيها، ومن أمثلة ذلك:
1. الاحتجاج بما فعله الفقيه أبو الليث في «المقدمة» من ذكر الوقت من شروط الصلاة، قال ابن عابدين (¬1): «منها الوقت ... ، قال في «الإمداد»: وقد ترك ذكره في عدة من المعتبرات كالقدوري و «المختار» و «الهداية» و «الكنز» مع ذكرهم له أول كتاب الصلاة، وكان ينبغي لهم
¬
(¬1) في رد المحتار1: 402.
ذكره هنا ليتنبه المتعلم على أنه من الشروط كما في «مقدمة أبي الليث» و «منية المصلي».
2.الاحتجاج بما ذكره الفقيه أبو الليث في «المقدمة» من أن عيادة المرض فرض كفاية، قال ابن عابدين (¬1): «فإن هذه فرض كفاية كما في مقدمة أبي الليث فافهم».
3.بيان حال الأحاديث التي احتج بها في «المقدمة»، ومنها:
أ. قال ابنُ أمير حاج: «سئل شيخنا حافظ عصره شهاب الدين ابن حجر العسقلاني عن الأحاديث التي ذكرت في «مقدمة أبي الليث» في أدعية الأعضاء، فأجاب: بأنها ضعيفة والعلماء يتساهلون في ذكر الحديث الضعيف والعمل به في الفضائل، ولم يثبت منها شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا من قوله ولا من فعله، اهـ، وطرقُها كلُّها لا تخلو عن متهم بوضع، ونسبة هذه الأدعية إلى السلف الصالح أولى من نسبتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حذراً من الوقوع في مصداق: (مَن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، قال الهندي وغيره: ولم يثبت منه إلا الشهادتان بعد الفراغ منه» (¬2).
¬
(¬1) في رد المحتار3: 736.
(¬2) ينظر: في حاشية الطحطاوي على المراقي 1: 117.
ب. قال الشرنبلالي (¬1): «قراءة سورة القدر ثلاثاً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من قرأ في إثر وضوئه إنا أنزلناه في ليلة القدر مرة واحدة، كان من الصديقين ومن قرأها مرتين كتب في ديوان الشهداء، ومن قرأها ثلاثا حشره الله محشر الأنبياء» أخرجه الدَّيلميُّ، ولما ذكره الفقيه أبو الليث في «مقدمته».
قال الطَّحطاويُّ (¬2): «قوله: «ولما ذكره الفقيه أبو الليث في «مقدمته»، ذكره الشرنبلالي في «كبيره» قال في «المقاصد الحسنة»: حديث قراءة إنا أنزلناه عقب الوضوء لا أصل له انتهى، ويعني به ما ذكر في «المقدمة ولفظه يدل على وضعه».
وقد أقبل أكابر من العلماء على شرحها، ومنهم: السرماري والقرماني والعلقمي والولوني والكنجاني وابن عرب شاه وغيرهم (¬3).
ونال بعض هذا الشروح شهرةً عظيمةً، واعتماداً كبيراً، ومنها:
1. «التقدمة شرح مقدمة أبي الليث» لجبريل بن حسن بن عثمان بن محمود بن عثمان الكنجاني، (ت752هـ)، قال حاجي خليفة: وهو شرح مفيد (¬4).
¬
(¬1) ينظر: في المراقي ص70.
(¬2) ينظر: في حاشيته على المراقي 1: 79.
(¬3) ينظر: كشف الظنون2: 1795.
(¬4) ينظر: الكشف2: 1796، ومعجم المؤلفين1: 476.
2. «التوضيح شرح مقدمة الصلاة» لمصلح الدّين مصطفى بن زَكَرِيَّا بن آي طوغمش القراماني، قال طاشكبرى زاده: «وهو كتاب مَقْبُول مشتَمل على فوائِد» (¬1).
وفي هذه الأيام رغبت أن أُقدمها للطلبة والكملة مع تعليقات مختصرة، تظهر دررها، وتنقح غرائبها، مع أنها تحتاج لمزيدٍ من الخدمة في التعليق والتوضيح، لكن ضيق الوقت لا يسمح بذلك، ونرجو من الله - عز وجل - أن ييسر في قابل الأيام ذلك.
وذكرت ترجمة موجزةً لمؤلفها نظهر فيه حاله، ونذكر فيها مقاله، ونبين مآثره وآثاره، ونوجه الهمم للإنصراف إلى دراسته.
وسميتُ هذه التعليقات:
أنوار الحياة
على مقدمة الصلاة
¬
(¬1) ينظر: الشقائق ص130.
وأسال الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، ويَرزقنا الصدق في القول والعمل، وأن يرشدنا سبيلَه وطريقه، وأن يعفو عنا وعن مشايخنا وآبائنا، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
صويلح، عمان، الأردن
بتاريخ17 ـ 7 ـ 2020م
المطلب الأول: اسمه ونسبته ولقبه وكنيته:
أولاً: اسمه ونسبته:
اتفق عامّةُ مَن ترجم له (¬1) على أن اسمه ونسبه: نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم (¬2) السَّمرقنديُّ الحنفيُّ.
ثانياً لقبه وكنيته وشهرته:
واشتهر كنيتُه: بأبي الليث، حتى صار علماً عليه إذا أُطلق، وكلُّ من ترجم له (¬3) ذكره هذه الكنية.
وكان شهرته بالفقيه؛ لما أنه مدرسة بنفسه في اجتهاده وتخريجه وترجيحه وتصحيحه واختياره، فلكثرة ما شاهدوا من فقهه وتصرفه لقبوه بالفقيه، فكان إطلاق الفقيه في المذهب علماً عليه؛ للمكانة التي
¬
(¬1) ينظر: الفوائد ص220، والجواهر المضية2: 196، وتاج التراجم ص310، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92، والسير16: 323، وطبقات المفسرين للداودي2: 346، والأعلام8: 27، ومعجم المؤلفين13: 91.
(¬2) في الوافي بالوفيات27: 54: ذكر اسمه نصر بن محمد بن إبراهيم.
(¬3) ينظر: الفوائد ص220، والجواهر المضية2: 196، وتاج التراجم ص310، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ر88، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92، والسير16: 323، وطبقات المفسرين للداودي2: 346، والأعلام8: 27، ومعجم المؤلفين13: 91.
بلغها، ولذلك نرى من ترجمه له (¬1) ذكره بهذا اللقب، والله أعلم.
في سبب تسميته الفقيه قال اللكنوي في «مقدمة السعاية»: «سماه رسول اللّه فقيهاً لما روى انه لما صنف كتابه المسمى بـ «تنبيه الغافلين» عرضه إلى الروضة النبوية، وبات الليلة فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يعطيه كتابه ويقول له: هذا كتابك يا فقيه، فانتبه فوجد فيه مواضع ممحوة».
أما اشتهاره بإمام الهدى، فقد نافسه غيره فيه، وكان اشتهاره به أكثر من أبي الليث، وهو الإمام الماتريدي المشهور، فإذا إطلق إمام الهدى، فهو علم عليه وينصرف إليه، ورغم ذلك نجد عامة من ترجم (¬2) لأبي الليث أطلق عليه إمام الهدى، قال اللكنوي في «السعاية»: «كان يعرف بامام الهدى ولكنه مشهوراً بالكنية والفقيه».
* * *
¬
(¬1) ينظر: الفوائد ص220، والجواهر المضية2: 196، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ر88، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92، والسير16: 323، وطبقات المفسرين للداودي2: 346، والأعلام8: 27، ومعجم المؤلفين13: 91.
(¬2) ينظر: الفوائد ص220، والجواهر المضية2: 196، وتاج التراجم ص310، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ر88، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92، والسير16: 323، وطبقات المفسرين للداودي2: 346، والأعلام8: 27.
المطلب الثاني: شيوخه وسنده:
أولاً: شيوخه:
لا شكّ أنّ هذا الإمام الكبير تلقى علمه على ما لا يحصى من الشيوخ، لكن كتب التراجم تقتصر عادة على أشهر هؤلاء الأساتذة؛ لأن عظم مقام التلميذ من عظم مقام أستاذه، وقد تتلمذ فقيهنا على أَبرز أئمة وفقهاء الحنفية، وهو أبو جعفر الهندواني (¬1)، وهو المشهورُ في كتب الحنفية إذا أُطلق بأبي جعفر.
واسمه محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمَّدِ بن عُمُرَ البَلْخي الهِنْدُوَانيّ، أبو جعفر، نسبةً إلى هِنْدُوَان، محلةٌ ببلخ.
قال الكفوي: شيخ كبير، وإمام جليل القدر، كان على جانب عظيم من الفقه والذكاء والزهد والورع، ويقال له: أبا حنيفة الصغير لفقهه، حدث ببلخ وأفتى بالمشكلات وأوضح المعضلات، (ت362هـ) (¬2).
¬
(¬1) في تاج التراجم ص310، والجواهر المضية2: 196، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ر88، وطبقات المفسرين للداودي2: 346.
(¬2) ينظر: العبر2: 328، والجواهر1: 192، والفوائد ص295.
وذكره الذهبي (¬1) أنه يروي عن محمد بن الفضل بن أنيف البخاري وجماعة.
روى عنه: أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الترمذي وغيره.
والفقيه أبو الليث رغم روايته للحديث عن هؤلاء الأكابر لكن ظاهر جداً أنّ الحديث ليس فنُّه، ولا علمُه الذي عُرف فيه؛ لذلك اشتهر عنه التَّساهل في روايةِ الأحاديث وذكرها في كتبهم رغم ضَعفها أو عدم
ثبوتها، قال الذَّهبيُّ (¬2): «وتروج عليه الأحاديث الموضوعة».
ثانياً: سنده الفقهي:
لما كان هذا العلم يؤخذ بالسَّماع كابر عن كابر، فقد اشتهر في عامة ترجم فقهاؤنا ذكر سنده المتصل بالعلم إلى أصله، والفقيه أبو الليث كان من الطبقات العليا، فكان سنده المتصل بأئمة المذهب عال جداً، فلم يكن بينه وبين أئمة المذهب سوى أربعة رجال.
فقد أخذ عن أبي جعفر الهِندواني عن أبي القاسم الصَّفار عن نصير ابن يحيى عن محمد بن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - (¬3).
¬
(¬1) في السير16: 323.
(¬2) ينظر: السير16: 323.
(¬3) ينظر: الفوائد ص220.
المطلب الثالث: ثناء العلماء عليه ودرجته الاجتهادية:
أولاً: ثناء العلماء عليه:
يعتبر الفقيه أبي الليث من أعظم فقهاء المذهب العظام، وقد بلغ مقام ورفعة قلّ مَن وصل إليها، ومن كلمات الثَّناء عليه:
قال القُرشيُّ (¬1) وابن الحنائيُّ (¬2) والداوديُّ (¬3): «وهو الإمام الكبير صاحب الأقوال المفيدة والتَّصانيف المشهورة».
وقال الذهبيُّ (¬4): «الإمام، الفقيه، المحدث، الزاهد».
وقال الزَّركليُّ (¬5): «علامةٌ من أئمةِ الحنفية، من الزُّهاد المتصوفين، له تصانيف نفيسة».
ثانياً: درجته الاجتهادية:
من نظر في طبقات المجتهدين يجد أن في المذهب ثلاثة طبقات رئيسية، وهي:
¬
(¬1) في الجواهر المضية2: 196
(¬2) في طبقات الحنفية لابن الحنائي ر88.
(¬3) في طبقات المفسرين للداودي2: 346.
(¬4) في السير16: 323.
(¬5) في الأعلام8: 27.
1. المجتهد المطلق، وكان في القرن الأول والثاني، وكان مصدرها في الاجتهاد الكتاب والسنة والآثار، ومنها أئمة المذهب، أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وزفر والحسن بن زياد، ويطلق عليهم الأصحاب.
2. المجتهد المنتسب، وكانت في القرن الثالث والرابع، وهم تلاميذ الأصحاب وتلاميذهم، ويطلق عليهم عادة طبقة المشايخ أو المتأخرين، وكان اجتهادهم بالدرجة الأولى بالتخريج على قواعد الأصحاب، والتفريع عليها، وأحيانا يستنبطون قواعد جديدة من الكتاب والسنة والآثار ويخرجون عليها، لكنه قليل بالنسبة للتخريج.
3. المجتهد في المذهب، وكانت من القرن الرابع إلى يومنا، وهم يعتمدون في اجتهاد على التخريج من قواعد الأئمة في كلِّ ما يستجد من مسائل، ولا يُعتبرُ الاستنباط من جديدٍ لهم من القرآن والسُّنة؛ لعدم الحاجة، ووجودِ الكفايةِ فيما خُرِّجَ من القواعد؛ لأنّه لم يبقَ وجهٌ من وجوهِ البناء والاستنباط إلا واستخرج، وكما التفصيل في الطبقات في «المدخل المفصل للفقه الحنفي»، وبحث «التقسيم الزماني للمجتهدين» وبحث «وظائف المجتهدين عند الحنفية».
والفقيه أبو الليث من أهل الطبقة الثانية، وهم المجتهدون المنتسبون، واختياراته وترجيحاته وتصحيحات منتشرة في عامة كتب
المذهب، وقد بلغت المئات، ويعد أبو الليث مدرسة من مدارس المذهب من كثرته تصرفه واجتهاده، وله أصوله الخاصة التي يرجحها خلالها، ويستحق أن يفرد بدراسات خاصة لبيان اختياراته وتصحيحات وتخريجهاته ومنهجه وأصول التي يسلكها.
ولعل الله ييسر هذا الأمر لبعض الأفاضل للقيام بهذا الواجب العلمي للإفادة من مدرسة أبي الليث، وفي هذا المطلب من هذه الترجمة الموجزة رغبت أن أظهر هذا الأمرة ليكون له ما بعده، ولذلك أعرض بعض اختياراته المذكورة في الهداية للتنبيه على ذلك، بدون مناقشة؛ لأن المقام لا يتسع لذلك، فمنها:
1. مسألة: مَن حلف لا يدخل هذه الدار فوقف على سطحها حنث؛ لأن السطح من الدار، ألا ترى أن المعتكف لا يفسد اعتكافه بالخروج إلى سطح المسجد، وقيل: في عرفنا لا يحنث، وهو اختيار الفقيه أبي الليث (¬1).
2. مسألة: لا تقبل شهادة شهود الفرع إلا أن يموت شهود الأصل أو يغيبوا مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً أو يمرضواً مرضاً لا يستطيعون معه حضور مجلس الحاكم؛ لأن جوازها للحاجة، وإنما تمس عند عجز الأصل، وبهذه الأشياء يتحقق العجز، وإنما اعتبرنا السفر؛
¬
(¬1) ينظر: الهداية 2: 322.
لأن المعجز بعد المسافة، ومدة السفر بعيدة حكماً حتى أدير عليها عدة من الأحكام، وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: أنه إن كان في مكان لو غدا لأداء الشهادة لا يستطيع أن يبيت في أهله صح الإشهاد إحياء لحقوق الناس، قالوا: الأول أحسن، والثاني أرفق، وبه أخذ الفقيه أبو الليث (¬1).
3. إن لم تكن العين حاضرة ذكر قيمتها ليصير المدعى معلوماً؛ لأن العين لا تعرف بالوصف، والقيمة تعرف به، وقد تعذر مشاهدة العين، وقال الفقيه أبو الليث: يشترط مع بيان القيمة ذكر الذكورة والأنوثة (¬2).
4. لا يتجوز الأضحية التي ذهب أكثر أذنها وذنبها، وإن بقي أكثر الأذن والذنب جاز؛ لأن للأكثر حكم الكل بقاء وذهاباً، ولأن العيب اليسير لا يمكن التحرز عنه فجعل عفواً.
واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في مقدار الأكثر. ففي «الجامع الصغير» عنه: وإن قطع من الذنب أو الأذن أو العين أو الألية الثلث أو أقل أجزأه، وإن كان أكثر لم يجزه؛ لأن الثلث تنفذ فيه الوصية من غير رضا الورثة فاعتبر قليلاً، وفيما زاد لا تنفذ إلا برضاهم فاعتبر كثيرًا، ويروى عنه الربع؛ لأنه يحكي حكاية الكمال على ما مرّ في الصلاة،
¬
(¬1) ينظر: الهداية3: 130.
(¬2) ينظر: الهداية3: 154.
ويروى الثلث لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الوصية: «الثلث والثلث كثير» (¬1)، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا بقي الأكثر من النصف أجزأه اعتباراً للحقيقة على ما تقدم في الصلاة، وهو اختيار الفقيه أبي الليث (¬2).
5.يكره أن يقول الرَّجل في دعائه: أسألك بمعقد العزّ من عرشك؛ لأنّه يوهم تعلق عِزِّه بالعرش، وهو محدث والله تعالى بجميع صفاته قديم. وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: أنه لا بأس به، وبه أخذ الفقيه أبو الليث رحمه الله؛ لأنه مأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. روي أنه كان من دعائه: «اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك؛ ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامة» (¬3)، ولكنا نقول: هذا
¬
(¬1) فعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، قال: «جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: يرحم الله ابن عفراء، قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلت: فالشطر، قال: لا، قلت: الثلث، قال: فالثلث، والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من نفقة، فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك، فينتفع بك ناس ويضر بك آخرون» في صحيح البخاري4: 3.
(¬2) ينظر: الهداية4: 358.
(¬3) فعن عبد الله بن حسان العنبري، أن جدتيه، صفية ودحيبة ابنتا عليبة أخبرتاه أن قيلة بنت مخرمة كانت إذا أخذت حظها من المضجع بعد العتمة، قالت: «بسم الله وأتوكل على الله وضعت جنبي لربي ... اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وجدك الأعلى، واسمك الأكبر، وكلماتك التامات التي لا يجاوزهن بر، ولا فاجر أن تنظر إلينا نظرة مرحومة، لا تدع لنا ذنبا، إلا غفرته، ولا فقرا إلا جبرته» في المعجم الكبير25: 12.
خبر واحد فكان الاحتياط في الامتناع (¬1).
* * *
¬
(¬1) ينظر: الهداية4: 380.
المطلب الرابع: مؤلفاته:
كثرت المؤلفات للفقيه أبي الليث في علوم شتى من التفسير والفقه والوعظ والعقائد والتصوف، ووقفت في هذا العجالة على بعضها، ولقيت تصانيفه قبولاً كبيراً عند أهل العلم، واشتهرت اشتهاراً كبيراً، قال اللكنوي (¬1): «وقد طالعت من تصانيفه «البستان» و «تنبيه الغافلين» و «خزانة الفقه»، وكلُّها مفيدة»
ومن تصانيفه:
1. «تفسير القرآن» (¬2) أربع مجلدات.
2. «النوازل» (¬3)، قال الكفوي: «وأول كتاب جمع فيه مما علم النوازل، فإنه كتاب ألفه الفقيه أبو الليث السمرقندي المعروف بإمام الهدى، وجمع فيه فتاوى المتأخرين المجتهدين من مشايخه وشيوخ
¬
(¬1) في الفوائد ص220.
(¬2) ينظر: الفوائد ص220، والجواهر المضية2: 196، وتاج التراجم ص310، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ر88، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92، وطبقات المفسرين للداودي2: 346، والأعلام8: 27، ومعجم المؤلفين13: 91.
(¬3) ينظر: الفوائد ص220، والجواهر المضية2: 196، وتاج التراجم ص310، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ر88، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92، وطبقات المفسرين للداودي2: 346، والأعلام8: 27، ومعجم المؤلفين13: 91.
مشايخه: كمحمد بن مقاتل الرازي ومحمد بن سلمة ونصير بن يحى وذكر فيها اختياراته أيضا» (¬1).
3. «عيون المسائل» (¬2).
4. «الفتاوى» (¬3).
5. «خزانة الفقه» (¬4)، وسماها بعضهم (¬5) «خزانة الأكمل»،
6. «بستان العارفين» (¬6).
7. «شرح الجامع الصغير» (¬7).
8. «تنبيه الغافلين» (¬8).
¬
(¬1) ينظر: النافع الكبير ص7.
(¬2) ينظر: الفوائد ص220، وتاج التراجم ص310، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92
(¬3) ينظر: الفوائد ص220.
(¬4) ينظر: الفوائد ص220، والجواهر المضية2: 196، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ر88، وطبقات المفسرين للداودي2: 346، والأعلام8: 27، ومعجم المؤلفين13: 91.
(¬5) ينظر: تاج التراجم ص310،، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92
(¬6) ينظر: الفوائد ص220، والجواهر المضية2: 196، وتاج التراجم ص310، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ر88، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92، وطبقات المفسرين للداودي2: 346، والأعلام8: 27، ومعجم المؤلفين13: 91.
(¬7) ينظر: الفوائد ص220، والأعلام8: 27.
(¬8) ينظر: الفوائد ص220، والجواهر المضية2: 196، وتاج التراجم ص310، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ر88، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92، وطبقات المفسرين للداودي2: 346، والأعلام8: 27، ومعجم المؤلفين13: 91.
9. «تأسيس النظائر» (¬1).
10. «مقدمة الصلاة» (¬2).
ووصفها ابن قطلوبغا (¬3) بالمشهورة، ونسب محمد بن عبد الباقي الزرقانى المالكي في «شرح المواهب اللدنية» المقدمة المشهورة بمقدمة أبي الليث في الصلاة إلى أحمد بن أبي حفص النسفي، أبي الليث، (ت553هـ)، وهو خطأ منه، فإن المقدمة المشهورة لأبي الليث الفقيه نصر بن محمد (¬4).
11. «عمدة العقائد» (¬5).
12. «فضائل رمضان» (¬6).
13. «دقائق الأخبار في بيان أهل الجنة وأهوال النار» (¬7).
14. «مختلف الرواية» في الخلافيات بين أبي حنيفة ومالك والشافعيّ (¬8).
¬
(¬1) ينظر: تاج التراجم ص310، وطبقات المفسرين للأدنه وي1: 92
(¬2) ينظر: طبقات المفسرين للأدنه وي1: 92، والأعلام8: 27.
(¬3) ينظر: تاج التراجم ص310.
(¬4) ينظر: الفوائد ص 29.
(¬5) ينظر: الأعلام8: 27.
(¬6) ينظر: الأعلام8: 27.
(¬7) ينظر: الأعلام8: 27.
(¬8) ينظر: الأعلام8: 27.
15. «شرعة الإسلام» (¬1).
16.و «رسالة في أصول الدين» (¬2).
المطلب الخامس: وفاته:
ذكر بعض مَن ترجم له (¬3) أن وفاته كانت ليلة الثلاثاء لاحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، واختلفوا في السنة على النحو الآتي:
1.سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، ذكره ابنُ قُطْلوبُغا (¬4)، وصاحبُ «مدينة العلوم» (¬5)، والأدنة وين (¬6)، والداودي (¬7)، وكحالة (¬8).
2.سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، ذكره الصفدي (¬9)، وصاحب «الكشف» عند ذكر «البستان» و «التفسير» و «تنبيه الغافلين» (¬10)، قال
¬
(¬1) ينظر: الأعلام8: 27.
(¬2) ينظر: الأعلام8: 27.
(¬3) ينظر: الفوائد ص220 والجواهر المضية2: 196،
(¬4) في تاج التراجم ص310.
(¬5) ينظر: الفوائد ص220.
(¬6) في طبقات المفسرين للأدنه وي1: 92
(¬7) في طبقات المفسرين للداودي2: 346.
(¬8) في معجم المؤلفين13: 91.
(¬9) في طبقات المفسرين للأدنه وي1: 92.
(¬10) ينظر: الفوائد ص220.
الذهبي (¬1): «نقلت وفاته من خط القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن عبد الحق في جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين وثلاث مائة».
3.سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، ذكره الكفوي والقرشي (¬2) وصاحب «الكشف» عند ذكر «شرح الجامع» (¬3).
4. سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، ذكره ابن الحنائي (¬4) وصاحب «الكشف» عند ذكر «خزانة الفقه» (¬5).
والقول الثاني أكثرها شهرة، والله أعلم.
* * *
¬
(¬1) في السير16: 323.
(¬2) في الجواهر المضية2: 196.
(¬3) ينظر: الفوائد ص220.
(¬4) في طبقات الحنفية لابن الحنائي ر88.
(¬5) ينظر: الفوائد ص220.
النص المحقق
الصفحة الأولى من النسخة (أ):
الصفحة الأخيرة من النسخة (أ):
الصفحة الأولى من النسخة (ب):
الصفحة الأخيرة من النسخة (ب):
الصفحة الأولى من النسخة (جـ):
الصفحة الأخيرة من النسخة (جـ):
بسْمِ اللهِ الرحمن الرحيم
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وَالعَاقِبَةُ للمُتَقِينَ، وَلا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى خَيْرِ البَرِيَّةِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قَالَ الفَقِيهُ أبو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رحمة الله عليه:
اِعْلَمْ بِأنَّ الصَّلاةُ فَرِيضَةٌ قَائِمَةٌ، وَشَرِيعَةٌ ثَابِتَةٌ، عُرِفَتْ فَرَضِيْتُهَا بِالكِتَابِ وَالسُّنَةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ.
أَمَّا الكِتَابُ:
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (¬1)، فاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَنَا بِإقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالأَمْرُ مِنَ اللهِ تَعَالَى يَدُلُّ عَلَى الوجوب.
¬
(¬1) البقرة: من الآية43.
[وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} (¬1)، أَلا وَهِي العَصْرُ، وَيُقَالُ: المَرُادُ مِنَهَا مُحَافَظَةُ الخَمْسِ كُلِّهَا، فاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَنَا بِمُحَافَظَةِ خَمْسِ صَلَوات، وَالأَمْرُ مِنَ اللهِ تَعَالَى يَدُلُّ عَلَى الوُجُوبِ] (¬2).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} (¬3): [أَي فَرْضَاً مَوَقَّتَاً] (¬4).
فاللهُ سُبُحانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الصَّلاةَ عَلَى المُؤْمِنِينَ (¬5) فَرْضَاً مُوَقَّتَاً، [وهذا أيضاً يدل على الوجوب] (¬6).
وَأمَّا السُّنَّةُ:
فَمَا رُوِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ وَجَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللهِ البجلي - رضي الله عنهم - عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهَ قَالَ: (بُنِي الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَه إلا اللهِ،
¬
(¬1) البقرة: من الآية238.
(¬2) غير موجودة في أ.
(¬3) النساء: من الآية103.
(¬4) غير موجودة في ب.
(¬5) في أ: على أهل الإيمان.
(¬6) غير موجودة في أ.
وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُه، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَان، وَحَجُّ البَيْتِ مَنْ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) (¬1).
وقَدْ جَاءَ ِفي خَبَرٍ آخَرَ عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ: (صَلُّوا خَمْسَكَمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَحُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ طَيِّبَةً بِها أَنْفُسكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِكُمْ بِلا حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ) (¬2).
وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه قَالَ: (الصَّلاةُ عِمَادُ الدِّينِ فَمَنْ أَقَامَها فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ، وَمَنْ تَرَكَها فَقَدْ هَدَمَ الدِّينَ) (¬3).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 12، وصحيح مسلم 1: 45، وسنن الترمذي 5: 4، وغيرها.
(¬2) لفظ: (اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم) في سنن الترمذي 2: 516، ومسند أحمد 5: 251 قال الشيخ شعيب: إسناده صحيح على شرط مسلم، والمستدرك 1: 52، وصحيح ابن خزيمة 4: 12، وصحيح ابن حبان 10: 426، ولفظ: (وحجوا بيتكم) في مسند الشاميين 1: 380، ولفظ: (طيبة بها أنفسكم وأطيعوا ولاة أمركم تدخلوا بها الجنة) في المعجم الكبير 8: 115، 136، ومسند الشاميين 1: 310، ولفظ: بلا حساب ولا عذب في حديث آخر في الفوائد 2: 16: عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بلا حساب ولا عذاب مع كل ألف سبعين وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل).
(¬3) بلفظ: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) عن ابن عمر في سنن الترمذي 5: 11، وسنن النسائي الكبرى 6: 428، ومسند أحمد 5: 231، ومسند عبد بن حميد 1: 68، وغيرها، أما بلفظ: (الصلاة لوقتها و من ترك الصلاة فلا دين له و الصلاة عماد الدين) عن ابن عمر في شعب الإيمان 3: 39، وهو ضعيف وتمامه في كشف الخفاء 2: 608، وفيه: ورواه الطبراني والديلمي عن علي رفعه بلفظ: (الصلاة عماد الدين والجهاد سنام العمل والزكاة بين ذلك) , وينظر: تخريج أحاديث الإحياء 1: 96، وتلخيص الحبير 1: 173،
وأما إجماع الأمة:
فإن الأمة قد اجتمعت على فرضية الصلاة والزكاة من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، من غير نكير منكر، ولا ردّ راد.
وإجماع الأمة هو من أقوى الحجج بدليل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا تجتمع أمتي على الضلالة) (¬1).
* * *
¬
(¬1) بلفظ: (إن الله لا يجمع أمتي على الضلالة) في المستدرك (1: 199)، وجامع الترمذي (4: 466)، وسنن ابي داود (4: 98)، وسنن ابن ماجه (2: 1303)، والأحاديث المختار (4: 466)، وقال المقدسي: إسناده صحيح، ومصباح الزجاجة (4: 169). وينظر: تلخيص الحبير (3: 141).
فصل
ثم اعلم بأن الفرض على نوعين:
فرض العين.
وفرض الكفاية.
أمّا فرض العين: فهو ما إذا قام به البعض لا يسقط عن الباقي (¬1): كالصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ، [والوضوء للصلاة]، والاغتسال من الجنابة، والحيض والنفاس، والجهاد إذا كان النفير عاماً (¬2).
¬
(¬1) وبعبارة أخرى: فرض العين على كل أحد إقامته نحو أركان الدين. ينظر: المبسوط 30: 263، وغيره.
(¬2) وفي تبيين المحارم: لا شك في فرضية علم الفرائض الخمس وعلم الإخلاص; لأن صحة العمل موقوفة عليه وعلم الحلال والحرام وعلم الرياء; لأن العابد محروم من ثواب عمله بالرياء, وعلم الحسد والعجب إذ هما يأكلان العمل كما تأكل النار الحطب, وعلم البيع والشراء والنكاح والطلاق؛ لمن أراد الدخول في هذه الأشياء، وعلم الألفاظ المحرمة أو المكفرة, ولعمري هذا من أهم المهمات في هذا الزمان; لأنك تسمع كثيراً من العوام يتكلمون بما يكفر وهم عنها غافلون, والاحتياط أن يجدد الجاهل إيمانه كل يوم ويجدد نكاح امرأته عند شاهدين في كل شهر مرة أو مرتين؛ إذ الخطأ وإن لم يصدر من الرجل فهو من النساء كثير. ينظر: رد المحتار 1: 42، وغيره.
وأما فرض الكفاية: فهو ما إذا قام به البعض يسقط عن الباقي (¬1): كردّ السلام، وتشميت العاطس (¬2)، وعيادة المريض (¬3)، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬4)، وصلاة الجنازة، والأمر بالمعروف، والنهي عن ..................
¬
(¬1) لحصول المقصود، وإن اجتمع الناس على تركه كانوا مشتركين في المأثم كالجهاد, فإن المقصود به إعلاء كلمة الله تعالى، وإعزاز الدين, فإذا حصل هذا المقصود من بعض المسلمين سقط عن الباقين, وإذا قعد الكل عن الجهاد حتى استولى الكفار على بعض الثغور اشترك المسلمون في المأثم بذلك، وكذا غسل الميت، والصلاة عليه، والدفن كل ذلك فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين, وإن امتنعوا من ذلك حتى ضاع ميت بين قوم مع علمهم بحاله كانوا مشتركين في المأثم، فأداء العلم إلى الناس فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود, وهو إحياء الشريعة وكون العلم محفوظاً بين الناس بأداء البعض, وإن امتنعوا من ذلك حتى اندرس شيء بسبب ذلك كانوا مشتركين في المأثم. ينظر: المبسوط 30: 262 - 263، وبدائع الصنائع 1: 311، وغيرها.
(¬2) ويرد السلام ويشمت العاطس على الفور، ويجب ردّ جواب كتاب التحية كرد السلام. ولو قال لآخر: أقرئ فلاناً السلام يجب عليه ذلك, ويكره السلام على الفاسق، لو معلناً، وإلا لا يكره، كما يكره على عاجز عن الرد حقيقة كآكل، أو شرعاً كمصل وقارئ، ولو سلم لا يستحق الجواب. كما في الدر المختار 6: 414 - 415، وغيره.
(¬3) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز) في صحيح مسلم 4: 1704، وصحيح البخاري 1: 418، وسنن الترمذي 5: 80، وغيرها.
(¬4) فعن علي - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي) في صحيح ابن حبان 3: 189، قال الشيخ شعيب: إسناده قوي. وسنن الترمذي 5: 551، وقال: حسن صحيح غريب، والمستدرك 1: 734، وصححه، وسنن النسائي الكبرى 5: 34، وغيرها.
المنكر (¬1)، والجهاد إذا لم يكن النفير عاماً (¬2).
* * *
¬
(¬1) وذكره من فروض الكفاية صاحب الهداية والعناية 7: 260، وغيرها. فعن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) في صحيح مسلم 1: 69، وصحيح ابن حبان 1: 540، وغيرها.
(¬2) إن فريضة الجهاد على نوعين:
أحدهما: عين على كل من يقوى عليه بقدر طاقته، وهو ما إذا كان النفير عاماً قال - جل جلاله -: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} [التوبة: من الآية41]، وقال - جل جلاله -: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ... } [التوبة: من الآية38].
وثانيهما: فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ لحصول المقصود وهو كسر شوكة المشركين وإعزاز الدين؛ لأنه لو جعل فرضاً في كل وقت على كل أحد عاد على موضوعه بالنقض، والمقصود أن يأمن المسلمون ويتمكنوا من القيام بمصالح دينهم ودنياهم، فإذا اشتغل الكل بالجهاد لم يتفرغوا للقيام بمصالح دنياهم؛ فلذلك قلنا إذا قام به البعض سقط عن الباقين. وتمامه في المبسوط 10: 2، وبدائع الصنائع 7: 98، وتبيين الحقائق 3: 241 - 242، وغيرها.
فصل
ثم اعلم بأن الصلاة من الله تعالى: الرحمة والمغفرة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين الدعاء (¬1).
وفي اللغة: عبارة عن الدعاء (¬2).
وفي الشريعة: عبارة عن أركان معلومة، وأفعال مخصوصة (¬3).
* * *
¬
(¬1) وهذا معنى قوله - جل جلاله -: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب:56].
(¬2) لقوله - جل جلاله -: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: من الآية103]: أي ادع لهم. وأيضاً: الصلاة فعالة من صلى، واشتقاقها من الصلا، وهو العظم الذي عليه الأليتان؛ لأن المصلي يحرك صلويه في الركوع والسجود، وسمي الدعاء صلاة؛ لأنه منها. ينظر: المصباح ص347، والمغرب ص272، وغيره.
(¬3) هذا ما مشى عليه في مراقي الفلاح ص172، وفي الاختيار 1: 51: عبارة عن أركان مخصوصة وأذكار معلومة بشرائط محصورة في أوقات مقدّرة.
فصل
ثم اعلم بأن الحدث على نوعين:
1.حدث حقيقي.
2.وحدث حكمي.
أما الحدث الحقيقي (¬1): كالبول، والغائط، والدم، [والرعاف (¬2)]، والقيح، والصديد (¬3)، وما أشبه ذلك.
¬
(¬1) وهي مصداق النجاسة حقيقة من غير احتياج إلى جعل الشارع كالغائط والبول ونحو ذلك. ينظر: عمدة الرعاية 1: 156، وغيرها.
(¬2) الرعاف: وهو خروج الدم من الأنف. ينظر: المصباح ص230، وغيره.
(¬3) وهو ماء الجرح الرقيق، فهذه تنقض الوضوء إن سالت إلى موضع يجب تطهيره بخلاف المخاط والدمع والبزاق واللعاب والعَرَق فإنها لا تنقض. فعن تميم الداري وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: (الوضوء من كل دم سائل) في الكامل لابن عدي 1: 190، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 128: أحمد بن الفرج من رجال الحسن، والباقون كلهم ثقات. وفي سنن الدارقطني 1: 157، قال في السعاية: يزيد بن خالد ويزيد بن محمد قد اختلف فيهما، وقد وثقوه كما في الكاشف للذهبي. ينظر: إعلاء السنن 1: 129، وغيره. ينظر: فتح باب العناية 1: 61: وغيرها.
وأما الحدث الحكمي (¬1): كالنوم (¬2)، والإغماء، والجنون (¬3)، والقهقهة في كلِّ صلاة ذات ركوع وسجود (¬4).
* * *
¬
(¬1) وهي التي حكم الشارع بها، وثبت ذلك بجعلها كنجاسة الجنب والمحدث. ينظر: عمدة الرعاية 1: 156، وغيرها.
(¬2) أي نوم مضطجع ـ أي أن ينام واضعاً على جنبيه على الأرض ـ ومتكئ ـ أي بأحد وركيه ـ ومستند إلى ما لو أزيل ذلك الشيء لسقط النائم، فلا ينتقض وضوء غيره هذه، كالنوم قائماً، أو قاعداً، أو راكعاً، أو ساجداً في الصلاة وغيرها. ينظر: مجمع الأنهر 1: 20، وعمدة الرعاية 1: 76، وغيرها.
(¬3) أي الإغماء والجنون والسكر على أي هيئة كان ناقض للوضوء؛ لأنه أبلغ في إزالة المسكة من النوم؛ لأن النائم يستقظ بالانتباه، والمجنون والمغمى عليه لا يستقيظ بالانتباه. ينظر: الاختيار 1: 17، وشرح الوقاية ص89، وغيرها.
(¬4) فينقض الوضوء قهقهة مصلٍّ بالغ يقظان يركع ويسجد، ولا فرق بين أن يكون عامداً أو ناسياً، فعن أبي العالية - رضي الله عنه -، وغيره: (إنَّ أعمى تردَّى في بئر، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بأصحابه، فضحك من كان يصلِّي معه، فأمر من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصَّلاة) في سنن الدارقطني (1: 167)، وتاريخ جرجان (1: 405)، وسنن البيهقي الكبير (2: 252)، ومصنف عبد الرزاق (2: 376)، ومراسيل أبي داود (ص75)، قال اللكنوي بعد أن أورد طرق الأحاديث الواردة في القهقهة في الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة: فهذه الأحاديثُ المسندة، والأخبارُ المرسلةُ دالةٌ صريحاً على انتقاضِ الوضوءِ بالقهقهة. ينظر: شرح الوقاية ص89 - 90، والتبيين 1: 11، وغيرها.
فصل
ثم اعلم بأن الطهارةَ على نوعين:
1.طهارة غليظة.
2.وطهارة خفيفة.
أمّا الطهارة الغليظة: كالاغتسال من الجنابة، والحيض، والنفاس.
وأمّا الطهارة الخفيفة: كالوضوء للصلاة.
* * *
فصل
ثم اعلم بأن الماء على نوعين:
1.ماء مطلق.
2.وماء مقيد.
أمّا الماء المطلق: فهو كل ماء لو نظر إليه الناظر سمّاه ماءً على الإطلاق (¬1): كالماء الذي نزلَ من السماء، وماء العيون، وماء الآبار، وماء
¬
(¬1) وبعبارة أخرى: هو الذي تتسارع أفهام الناس إليه عند إطلاق اسم الماء, كماء الأنهار, والعيون , والآبار, وماء السماء, وماء الغدران, والحياض, والبحار, فيجوز الوضوء بذلك كله سواء كان في معدنه, أو في الأواني; لأن نقله من مكان إلى مكان لا يسلب إطلاق اسم الماء عنه , وسواء كان عذباً أو ملحاً; لأن الماء المالح يسمى ماء على الإطلاق، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال يا رسول الله: إنا نركب البحر القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء البحر، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) في صحيح ابن حبان 4: 49، وصحيح ابن خزيمة 1: 59، والمنتقى 1: 23، والمستدرك 1: 239، وجامع الترمذي 1: 101، وغيرها. وقال - جل جلاله -: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} [الفرقان: من الآية48]، وقال - جل جلاله -: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: من الآية11]. ينظر: بدائع الصنائع 1: 15، وغيرها.
الغُدْران (¬1) (¬2)، وماء الحِياض (¬3)، وما أشبه ذلك.
فحكمه: إنه طاهر وطهور يزيل النجاسة الحقيقية والحكمية عن الثوب والبدن ويجوز الوضوء به في قولهم جميعاً.
وأما الماء المقيد (¬4): فهو كلّ ماء يستخرج بالعلاج: كماء الورد،
¬
(¬1) في ب: الجار.
(¬2) الغُدْران: جمع غدير، وهو النهر. ينظر: المصباح المنير ص443، وغيره.
(¬3) الحياض: جمع حَوض الماء. ينظر: المصباح ص156، وغيرها.
(¬4) فهو ما لا تتسارع إليه الأفهام عند إطلاق اسم الماء، وهو الماء الذي يستخرج من الأشياء بالعلاج: كماء الأشجار، والثمار وماء الورد ونحو ذلك، ولا يجوز التوضؤ بشيء من ذلك.
وكذلك الماء المطلق إذا خالطه شيء من المائعات الطاهرة كاللبن، والخلّ، ونقيع الزبيب، ونحو ذلك على وجه زال عنه اسم الماء بأن صار مغلوباً به، فهو بمعنى الماء المقيد, ثم ينظر إن كان الذي خالطه مما يخالف لونه لون الماء كاللبن، وماء العصفر، والزعفران، ونحو ذلك تعتبر الغلبة في اللون، وإن كان لا يخالف الماء في اللون، ويخالفه في الطعم كعصير العنب الأبيض، وخله تعتبر الغلبة في الطعم، وإن كان لا يخالفه فيهما تعتبر الغلبة في الأجزاء. فإن استويا في الأجزاء؟ لم يذكر هذا في ظاهر الرواية، وقالوا: حكمه حكم الماء المغلوب احتياطا هذا إذا لم يكن الذي خالطه مما يقصد منه زيادة نظافة , فإن كان مما يقصد منه ذلك، ويطبخ به أو يخالط به كماء الصابون، والأشنان يجوز التوضؤ به، وإن تغير لون الماء، أو طعمه، أو ريحه؛ لأن اسم الماء باق، وازداد معناه، وهو التطهير، وكذلك جرت السنة في غسل الميت بالماء المغلي بالسدر، والحرض فيجوز الوضوء به إلا إذا صار غليظا كالسويق المخلوط؛ لأنه حينئذ يزول عنه اسم الماء، ومعناه أيضا. ينظر: بدائع الصنائع 1ظ: 15، وغيرها.
والقِثَّاء (¬1)، وماء الحُرُض (¬2) (¬3)، وماء البطيخ، وماء القرع، وما أشبه ذلك.
فحكمه: إنه طاهر وطهور يزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن (¬4)، ولا يجوز الوضوء والاغتسال به، هكذا ذكر الكَرْخيّ (¬5) في
¬
(¬1) القِثَّاء: وهو اسم لما يسميه الناس الخيار والعجور والفقوس. ينظر: المصباح ص490، وغيره.
(¬2) في ب: الزرج.
(¬3) الحُرُض: الأشنان. ينظر: المغرب ص 112، وغيره.
(¬4) عند الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - إنه يجوز إزالة النجاسات بالمائعات الطاهرة سوى الماء في الثوب والبدن جميعاً؛ لأن الثوب قبل إصابة النجاسة كان طاهراً، وبعد الإصابة الواجب إزالة عين النجاسة حتى لو قطعه بالمقراض بقي الثوب طاهراً، وإزالة العين كما تحصل بالماء تحصل بسائر المائعات، وربّما يكون تأثير الخلّ في قلع النجاسة أكثر من تأثير الماء، فإذا زالت به عين النجاسة، يبقى كما كان بخلاف ما لا ينعصر فإنه يتشّرب في الثوب فتزداد به النجاسة ولا تزول، وفي بول ما يؤكل لحمه فقد قال بعض مشايخنا - رضي الله عنه -: إن النجاسة الأولى تزول به لكن تبقى نجاسة البول حتى يكون التقدير فيه بالكثير الفاحش، والأصح أن التطهير بالنجس لا يكون لما بين الوصفين من التضاد، فأما الطهارة عن الحدث فطهارة حكمية فيها معنى العبادة فلا تجوز إلا بما تعبّدنا به وإنّما تعبدنا بالماء; لأنه أهون موجود لا يلحق الناس حرج في إفساده بالاستعمال بخلاف سائر المائعات فإنها أموال يلحق الناس حرج في فسادها بالاستعمال. ينظر: المبسوط 1: 96، وغيره.
(¬5) وهو الإمام العلامة الفقيه الأصولي عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دَلَهْم، أبو الحسن الكَرْخِي، نسبة إلى كَرْخ قرية بنواحي العراق، قال الكفوي: انتهت إليه رئاسة الحنفية. وعدَّه الإمام اللكنوي من أصحاب الوجوه في حين عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، من مؤلفاته: المختصر وشرح الجامع الكبير وشرح الجامع الصغير، (260 - 340هـ). ينظر: تاج التراجم (ص200)، الفوائد البهية (ص183). الجواهر المضية (2: 493 - 494).
«مختصره»، والطَّحَاويّ (¬1) في «كتابه» (¬2)، وهذا هو المختار.
وقال محمّد بن الحَسَن - رضي الله عنه -: إنه طاهر غير طهور لا يزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن (¬3) ... (¬4)، ولا يجوز الوضوء والاغتسال به،
¬
(¬1) وهو الإمام العلامة الفقيه المحدث أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأَزْدِي الحَجْريّ الطَّحَاوِيّ المِصْريّ، أبو جعفر، نسبةً إلى طَحَا، قال أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، وقال: ابن يونس: كان ثقة ثبتاً لم يخلف مثله، من مؤلَّفاته: شرح معاني الآثار، ومختصر الطحاوي، ومشكل الآثار، وأحكام القرآن، واختلاف الفقهاء، (229 - 321هـ). ينظر: وفيات الأعيان (1: 71 - 72). العبر (2: 186). روضة الناظر (ص171)، التعليقات السنية (ص59).
(¬2) ذكر الطحاوي في مختصره ص15: وليس لما اعتصر من الشجر والثمر في ذلك حكم الماء.
(¬3) عند محمد وزفر - رضي الله عنهم - لا يجوز في الثوب والبدن؛ لقوله - جل جلاله - {وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً}، فقد خصّ الماء بكونه مطهراً واعتبر إزالة النجاسة بإزالة الحدث; لأن كل واحد منهما طهارة، وهي شرط الصلاة، فإذا كان أحدُهما لا يحصل إلا بالماء، فكذلك الآخر، ولا عبرة بزوال العين, فكما تزول بالأشياء الطاهرة تزول بالأشياء النجسة كبول ما يؤكل لحمه ولم يعتبر ذلك, فهذا مثله. ينظر: المبسوط 1: 96، وغيره.
(¬4) في أ: في قولهم جميعاً. وهذا مخالفٌ للخلاف في المسألة كما في الكتب المعتبرة: كالمبسوط 1: 96، وغيره.
وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - (¬1).
وذكر الفقيه أبو الليث - رضي الله عنه - في «مختلفه»، وفي كتاب «العيون»: إنه لا يزيل النجاسة الحقيقية والحكمية عن البدن، وإنما الاختلاف يظهر في الثوب عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -. وعند محمد - رضي الله عنه - لا يزيل، وهو قول زفر (¬2) والشافعي (¬3) - رضي الله عنهم -.
وقال محمد - رضي الله عنه - في رواية أخرى هذه المسألة كما قال الكَرخيُّ في «مختصره» والطحاوي، والأصحُّ ما قالاه.
وروى عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنّه ذكر في «الأمالي»: إن كل ثوب إذا أصابته نجاسة (¬4)، فالحكم فيه إن كل شيء ينعصر بالعصر، فإن يزيل النجاسة عنه: كالخلّ، وماء الورد، واللبن، وما اشبه ذلك، وكل شيء لا
¬
(¬1) ينظر: النكت 1: 8، وغيره.
(¬2) وعبارته في عيون المسائل ص7: وإذا أصاب ثوبه نجاسة فغسله بعسل أو بدهن لا يطهر، ولو غسل بلبن أو بخل أو بعصير فإنه يطهر، هكذا روى أبو سليمان عن أبي يوسف، وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف أنه يطهر من ذلك كله، ولو كانت النجاسة في البدن فإنه لا يطهر إلا بالماء، وفي قول زفر يطهر سواء كان على الثوب أو على البدن إلا بالماء، وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - مثل قول أبي يوسف - رضي الله عنه -، وروي عن محمد - رضي الله عنه - مثل قول زفر - رضي الله عنه -.
(¬3) ينظر: النكت 1: 6، وغيرها.
(¬4) في أ: النجاسة.
ينعصر بالعصر، فإنه لا يزيل النجاسة عنه، كالعسل، والسمن، والدهن، والدبس، وما أشبه ذلك (¬1).
* * *
¬
(¬1) فأبو يوسف - رضي الله عنه - عن روايتين إحداهما كما عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، والأخرى فصلَ بين الثوب والبدن لا تزول النجاسة عنه إلا بالماء، وفي الثوب تزول عنه بكلّ مائع طاهر ينعصر بالعصر، فأما ما لا ينعصر كالدهن والسمن لا تجوز إزالة النجاسة به؛ للمعنى المذكور لأبي حنيفة فرق بين النجاسة على البدن وعلى الثوب فقال: ما كان على البدن فهو نظير الحدث الحكمي; لأن في تطهير البدن معنى العبادة بخلاف ما لو كان على الثوب. ينظر: المبسوط 1: 96، وغيره.
فصل
ثم اعلم بأن للصلاة شرائط، وأركاناً، وواجباتاً، وسنناً، وأداباً؛ لصحّة الشروع في الصلاة.
أما شرائطها فستّةٌ:
1.الطهارة من الحدث.
2.والطهارة من النجاسة.
3.وستر العورة (¬1).
4.واستقبال القبلة (¬2).
¬
(¬1) والشرط سترها من جوانبه على الصحيح، فعليه ستر ربع عضو فأكثر من أعضاء العورة قدر أداء الركن فأكثر من جوانبه الأربعة وأعلاه، لا من أسفل العضو عن غير صاحبه لا عن نفسه بساتر لا يصف ما تحته. ينظر: الجوهر الكلي ق6/ب، والمراقي ص210 - 211، وغيرها،
(¬2) ففرض المكي المشاهد للكعبة إصابة عينها؛ لقدرته عليه يقيناً، وفرض غير المشاهد البعيد والقريب إصابة جهة الكعبة.
وجهتها هي التي إذا توجه إليها الإنسان يكون مسامتاً للكعبة، أو لهوائها تحقيقاً، أو تقريباً.
ومعنى التحقيق أنه لو فرض خط من تلقاء وجهه على زاوية قائمة إلى الأفق يكون ماراً على الكعبة أو هوائها.
ومعنى التقريب أن يكون ذلك منحرفاً عن الكعبة أو هوائها انحرافاً لا تزول به المقابلة بالكلية بأن يبقى شيء من سطح الوجه مسامتاً لها أو لهوائها. ينظر: مراقي الفلاح ص212 - 213، وغيرها.
5.والوقت (¬1).
6.والنيّة (¬2).
وأما أركانُها فستّةٌ أيضاً:
تكبيرة الإفتتاح (¬3).
¬
(¬1) قال في الإمداد: وقد ترك ذكره في عدة من المعتبرات كالقدوري والمختار والهداية والكنز مع ذكرهم له أول كتاب الصلاة, وكان ينبغي لهم ذكره هنا ليتنبه المتعلم على أنه من الشروط كما في مقدمة أبي الليث ومنية المصلي, وكذا يشترط اعتقاد دخوله, فلو شك لم تصح صلاته وإن ظهر أنه قد دخل. اهـ. ينظر: رد المحتار 1: 402، وغيره.
(¬2) وهي أن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي، ولا عبرة باللسان، لكن التلفظ بها مستحب؛ لما فيها من استحضار نيته؛ لاختلاف الزمان وكثرة الشواغل على القلوب، ولو كان المصلي بحال إن سئل: أي صلاة تصلي؟ أجاب في الفور من غير تكلّف جازت صلاته، وهو الأصح. ينظر: الوقاية ص143، وعمدة الرعاية 1: 159، وهداية ابن العماد ص456، والدر المختار 1: 415، ونفع المفتي ص237، والمراقي ص217، 237، وغيرها.
(¬3) وهي عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - كل جملة تدل على تعظيم الله تعالى ولو بغير العربية، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - لا بد من الله أكبر، أو الله الأكبر، أو الله كبير، أو الله الكبير، أو الله الكبار، ومحمد مع أبي حنيفة في كل ما أفاد التعظيم ومع أبي يوسف في عدم الجواز بغير العربية. فتعيين التكبير لافتتاح كل صلاة واجب عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -. ينظر: الجوهر الكلي ق7/ب، والمراقي ص252، والدر المختار ورد المحتار 1: 315، وحاشية الطحطاوي ص252، وغيرها.
والقيام (¬1).
والقراءة (¬2).
والركوع (¬3).
والسجود (¬4).
¬
(¬1) وهو للقادر عليه وعلى السجود، وهو ركن في الفرض دون النفل، وحد القيام: أنه لو مدّ يديه لا ينال ركبتيه، وهذا أدناه، أما تمامه فهو الانتصاب. ينظر: التبيين 1: 104، والهدية العلائية ص62، والدر المختار 1: 298، والمراقي ص224، وحاشية الطحطاوي ص225، وغيرها.
(¬2) وهو أن يقرأ آية طويلة كانت أو قصيرة مركبة من كلمتين في كلٍّ من ركعتي الفرض، وفي كلّ من ركعات الوتر والنفل، لكن مَن يكتفي في القراءة بآية مسيءٌ آثم؛ لتركه الواجب وهو قراءة الفاتحة، وحدّ القراءة: أن يسمع نفسَه لو لم يكن مانع. ينظر: فتح باب العناية 1: 226 - 227، والهدية العلائية ص62 - 63، والمراقي ص225، وغيرها.
(¬3) ويكون بانحناء الظهر والرأس جميعاً، وأدناه أن يكون إلى الركوع أقر من القيام، ويعرف ذلك بأنه لو مد يديه ينال ركبتيه، وتمام الركوع: أن يبسط ظهره ويساوي رأسه بعجزه. ينظر: ينظر: المراقي ص228، وحاشية الطحطاوي ص229، والهدية العلائية ص63، وغيرها.
(¬4) والفرض منه وضع جزء من الجبهة وإن قل على الأرض، أما أكثر الجبهة فواجب كما في رد المحتار 1: 300، لكن ظاهر عبارة الوقاية ص144، فرض السجود يكون بالجبهة والأنف، وفي النقاية 1: 228: وبه يفتى، فلو سجد على الجبهة وحدها، أو على الأنف وحده من غير عذر، لا يكون آتياً بالفرض. قال ابن ملك في شرح الوقاية ق26/ب: وأفتى المتأخرون به ولم يجزوا الاقتصار على الأنف من غير عذر. ينظر: فتح باب العناية 1: 228، وغيره. قال - صلى الله عليه وسلم -: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة، وأشار بيده على كلاهما، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين) في صحيح البخاري 1: 280، وغيره.
والقعدة الأخيرة مقدار التشهد (¬1).
والخروج من الصلاة بفعل المصلِّي (¬2) فرضٌ عند أبي حنيفة (¬3) - رضي الله عنه -، وعند أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -: ليس بفرض.
¬
(¬1) وهي بمقدار ما يسع فيه قراءة التشهد، ويشترط تأخير القعود الأخير عن الأركان؛ لأنه شرع لختمها فيعاد لسجدة صلبية تذكرها. ينظر: فتح باب العناية 1: 230، والمراقي ص235، وغيرها.
(¬2) وهو أن يخرج المصلي من الصلاة قصداً بقول أو عمل ينافي الصلاة بعد تمامها فإنه فرض سواء كان ذلك قوله: السلام عليكم، أو أكل، أو شرب، أو مشى، وإنما كان مكروهاً كراهة تحريم؛ لكونه مفوتاً للواجب، وهو السلام. ينظر: البحر الرائق 1: 311، وفتح باب العناية 1: 230، وغيرها.
(¬3) هذا عند أبي حنيفة على تخريج البردعي؛ لأن للصلاة تحريماً وتحليلاً، فلا يخرج منها إلا بالصنع كالحج، وأما على تخريج الكرخي فليس بفرض. ينظر: فتح باب العناية ص1: 230، وغيره.
ثمّ تكبيرة الافتتاح ليست من الصلاة (¬1) عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وقال محمد (¬2) - رضي الله عنه -: هي من الصلاة (¬3).
* * *
¬
(¬1) لقوله - جل جلاله -: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:15] عطف الصلاة على الذكر، والمراد به التحريمة ومقتضى العطف المغايرة؛ إذ الشيء لا يعطف على نفسه، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (تحريمها التكبير) فأضاف التحريم إلى الصلاة، والمضاف غير المضاف إليه; لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه. ينظر: تبيين الحقائق 1: 103، وغيره.
(¬2) اختلفوا في التحريمة هل هي شرط أو ركن؟ ففي الحاوي هي شرط في أصح الروايتين وجعله في البدائع قول المحققين من مشايخنا, وفي غاية البيان قول عامة المشايخ وهو الأصح، واختار بعض مشايخنا منهم عصام بن يوسف والطحاوي أنها ركن. ينظر: البحر الرائق 1: 306، وغيره.
قال ابن عابدين في رد المحتار 1: 443 - 444: في السراج جعل الخلاف بين الإمامين ومحمد, ولعله رواية عن محمد, فإن المشهور أن القائل بركنية التحريمة هو الشافعي وبعض أصحابنا.
(¬3) أي ركن من أركان الصلاة، قال الزيلعي في الرد على الشافعي القائل بركنية التحريمة في التبيين 1: 104: وقوله: يشترط لها ما يشترط للصلاة ممنوع، فإنه لو أحرم حاملاً للنجاسة فألقاها عند فراغه منها، أو مكشوف العورة فسترها عند فراغه من التكبير بعمل يسير، أو شرع في التكبير قبل ظهور الزوال مثلاً، ثم ظهر عند فراغه منها، أو منحرفاً عن القبلة فاستقبلها عند الفراغ منها جاز، ولئن سلم فإنما يشترط لما يتصل به من الأداء، لا لأن التحريمة من الصلاة. ينظر: رد المحتار 1: 443، وغيره.
فصل
وإنّما قلنا: بأن الطهارةَ من الحدث شرط بالكتاب والسنة:
أما الكتاب: فقوله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} (¬1)، فالله سبحانه وتعالى أمرنا بغسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، والأمر من الله تعالى يدلّ على الوجوب.
وأمّا السنة: فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لكل شيء مفتاح، ومفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) (¬2).
* * *
¬
(¬1) المائدة: من الآية6.
(¬2) في سنن أبي داود 1: 63، وسنن الترمذي 1: 8، وسنن ابن ماجة 1: 101، ومسند أحمد 1: 123، وقال الشيخ شعيب: صحيح لغيره وإسناده حسن. وفي سنن الدارمي 1: 186، وغيرها بدون لفظ: (لكل شيء مفتاح). وهذا اللفظ حديث: (لكل شيء مفتاح ومفتاح السماوات قول لا اله الا الله) في المعجم الكبير 20: 215، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 10: 89: وفيه أغلب بن تميم وهو ضعيف.
فصل
وإنما قلنا: بأن الطهارة من النجاسة شرط بالكتاب والسنة:
أمّا الكتاب؛ قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (¬1)، وقيل في التفسير: أي قصره.
وأمّا السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا يقبل الله تعالى صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول) (¬2)، والغلول: هي الخيانة في المغنم.
* * *
¬
(¬1) المدثر:4.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 1: 42، وحلية الأولياء 7: 176، ومسند أحمد 2: 51، قال الشيخ شعيب: إسناده حسن.
فصل
وإنّما قلنا: بأن ستر العورة شرط بالكتاب والسنة:
أما الكتاب، قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (¬1)، والمراد من الزينة: إنما هو ستر العورة.
وأما السنة: فما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في ثوب واحد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أوكلكم يجد ثوبين) (¬2)، وفي رواية أخرى: (أولكلكم ثوبان (¬3)) (¬4).
* * *
¬
(¬1) الأعراف: من الآية31.
(¬2) في النسخ: (أويجد كلكم ثوبين)، والمثبت من صحيح ابن حبان 6: 73، وسنن أبي داود 1: 170، ومسند الربيع 1: 111، وشرح معاني الآثار 1: 378، وغيرها.
(¬3) قال الخطابي: لفظه أستخبار ومعناه الأخبار عما هم عليه من قلة الثياب ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى كأنه يقول: إذا علمتم إن ستر العورة فرض والصلاة لازمة وليس لكل أحد منكم ثوبان فكيف لم تعلموا إن الصلاة في الثوب الواحد جائزة أي مع مراعاة ستر العورة به. وقال الطحاوي معناه: لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبا واحداً. ينظر: فتح الباري 1: 470، وغيره.
(¬4) في صحيح البخاري 1: 141، وصحيح مسلم 1: 367، وغيرها.
فصل
وإنما قلنا: بأن استقبالَ القبلة شرط بالكتاب والسنة.
أمّا الكتاب: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (¬1).
وأمّا السنة: فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال حين علم الأعرابي أركان الصلاة وأمره في ذلك باستقبال القبلة (¬2).
* * *
¬
(¬1) البقرة: من الآية144.
(¬2) ولفظ الحديث في صحيح البخاري 5: 2307: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: إن رجلا دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد فصلى ثم جاء فسلم عليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل. فرجع فصلى ثم جاء فسلم فقال: وعليك السلام فارجع فصل فإنك لم تصل. فقال في الثانية أو في التي بعدها علمني يا رسول الله فقال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تستوي قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها).
فصل
وإنما قلنا: الوقت شرط بالكتاب والسنة:
أمّا الكتاب؛ قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ} (¬1)، والمراد به حفظ أوقات الصلاة، هكذا ذكر في التفسير.
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أمّني جبريل بإزاء باب الكعبة في يومين، فصلى الفجر في اليوم الأول حين طلع الفجر الثاني وصلى الظهر حين زالت الشمس مقدار شراك النعل، وصلى العصر حين صار ظلّ كلّ شيء مثله، وصلى المغرب حين غربت الشمس، وصلى العشاء حين غاب الشَّفق ـ «والشفق: هو البياض الذي في الأفق بعد الحمرة عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي - رضي الله عنهم -: هو الحمرة» ـ وصلى الفجر في اليوم الثاني حين أسفر جداً، وصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله سوى في الزوال، وصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى المغرب حين يفطر الصائم،
¬
(¬1) الروم:18.
وصلى العشاء حين مضى ثلث الليل، ثم التفت إليَّ فقال: يا محمّد هذا وقتك، ووقت الأنبياء من قبلك، ووقت أمّتك من بعدك ما بين هذين الوقتين) (¬1).
* * *
¬
(¬1) وقريب منه لفظ المستدرك 1: 306: عن ابن عباس قال: (أم جبرائيل النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت مرتين، فصلى به الظهر حين زالت الشمس، وكانت قدر الشراك، ثم صلى به العصر حين كان ظل كل شيء بقدره، وصلى به المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى به العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى به الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم ثم صلى به الظهر من الغد حين كان ظل كل شيء بقدره كوقت العصر بالأمس ثم صلى به العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى به المغرب حين أفطر الصائم ثم صلى به العشاء لثلث الليل الأول ثم صلى به الفجر حين أسفر، ثم قال يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت ما بين هذين الوقتين)، ومثله في سنن الترمذي 1: 279، وصحيح ابن خزيمة 1: 168، وصحيح ابن حبان 4: 335، وغيرها. وفي لفظ: (جاءه الصبح حين أسفر جداً) في المستدرك 1: 310، وصحيح ابن حبان 4: 336، وغيرها.
فصل
وإنّما قلنا: بأن النيّة شرط بالكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ قوله تعالى: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (¬1)، والإخلاص لا يحصل إلا بالنيّة.
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، ـ يعني فضيلتها لا تحصل إلا بالنيّة ـ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى الدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فجرته إلى ما هاجر إليه) (¬2):
* * *
¬
(¬1) غافر: من الآية14.
(¬2) في صحيح البخاري (1: 3)، وصحيح مسلم (3: 1515)، وغيرهما.
فصل
وإنّما قلنا: بأن تكبيرة الافتتاح شرط بالكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ قوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} (¬1)، وقوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} (¬2).
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبيرة، وتحليلها التسليم) (¬3).
* * *
¬
(¬1) الأعلى:15.
(¬2) المدثر:3.
(¬3) سبق تخريجه.
فصل
وإنما قلنا: بأن القيام ركن بالكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ فقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬1): أي خاشعين.
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (يصلى المريض قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فمستلقياً على قفاه، ويجعل الرجلين إلى القبلة، يؤمى برأسه إيماءً، فإن لم يستطع فالله سبحانه وتعالى أولى بالتجاوز والكرم) (¬2).
* * *
¬
(¬1) البقرة: من الآية238.
(¬2) ولفظه في صحيح البخاري 1: 376 وسنن الترمذي 2: 208: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، وفي سنن البيهقي الكبير2: 308، وسنن الدارقطني 2: 43: عن بن عمر قال: (يصلي المريض مستلقياً على قفاه تلي قدماه القبلة) قال البيهقي: وهذا موقوف، وهو محمول على ما لو عجز عن الصلاة على جنبه وبالله التوفيق. وفي المعجم الأوسط 4: 210: عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (يصلي المريض قائماً، فإن نالته مشقة صلى جالساً، فإن نالته مشقة صلى نائماً يومئ برأسه، فإن نالته مشقة سبح).
فصل
وإنما قلنا: بأن القراءة ركن بالكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (¬1).
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا صلاة إلا بقراءة) (¬2).
* * *
¬
(¬1) المزمل: من الآية20.
(¬2) في المنتقى 1: 57، ومسند أبي عوانة 1: 451، ومصنف عبد الرزاق 2: 120، والفوائد 3: 280، وغيرها.
فصل
وإنما قلنا: بأن الركوع والسجود ركن بالكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (¬1).
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال حين علم الأعرابي أركان الصلاة وعلمه في ذلك الركوع والسجود (¬2).
* * *
¬
(¬1) الحج:77.
(¬2) سبق ذكره وتخريجه.
فصل
وإنما قلنا: بأن القعدة الأخيرة ركن بالكتاب والسنة:
أما الكتاب؛ قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} (¬1).
وأما السنة؛ فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا أحدث الإمام بعدما قدر التشهد فقد تمت صلاته وصلاة من خلفه إن كان حالهم مثل حاله) (¬2).
¬
(¬1) آل عمران: من الآية191.
(¬2) ورد بهذا المعنى عدة أحاديث منها لفظ: (إذا أحدث يعني الرجل وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته) في سنن الترمذي 2: 261،وسنن أبي داود 1: 167، ومصنف ابن أبي شيبة 2: 233، وحسنه التهانوي في إعلاء السنن 3: 146.ولفظه عن علي - رضي الله عنه - قال: (إذا جلس مقدار التشهد، ثم أحدث فقد تمت صلاته) في سنن البيهقي الكبير 2: 173، وإسناده حسن كما في إعلاء السنن 3: 144،، وفي لفظ: (إذا جلس الإمام في الرابعة، ثم أحدث فقد تمت صلاته فليقم حيث شاء) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 233، وفي لفظ ابن مسعود - رضي الله عنه -: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده وعلمه التشهد ... وقال: فإذا فعلت ذلك أو قضيت هذا فقد تمت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد) في شرح معاني الآثار 1: 275، وغيره.
فصل
وأما واجباتها فسبعة:
1. تعيين فاتحة الكتاب.
2. ومعها شيء من القرآن في الركعتين الأوليين.
3. والقعدة الأولى.
4. وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة.
5. والقنوت في التوتر.
6. والجهر فيما يجهر فيه، والمخافتة فيما يخافت فيه.
7. وتعديل الأركان.
وقال بعضهم: هما واجبتان.
وقال بعضهم: هما سنتان.
والاختلاف إنما يظهر في وجوب سجدتا السهو، إذا تركهما عامداً لا يجب عليه سجدتا السهو، وإن تركهما ساهياً:
قال بعضهم: يجب عليه سجدتا السهو.
وقال بعضهم: لا يجب عليه سجدتا السهو.
* * *
فصل
وأما سننها فاثنتا عشر:
1. الثناء.
2. والتعوذ.
3. والتسمية.
4. والتأمين.
5. والتسميع.
6. والتحميد.
7. وتسبيحات الركوع.
8. وتسبيحات السجود.
9. وقراءة التشهد في القعدة الأولى.
10. وقراءة الفاتحة في الركعتين الأخريين.
11. والتكبيرات التي تتخلل في خلال الصلاة سوى تكبيرة الافتتاح.
12. وإصابة لفظة السلام.
وما سوى ذلك فيكون آداباً.
* * *
فصل
ولو ترك شيئاً ممّا سمّيناه شرطاً لا يصح دخوله في الصلاة سواء كان عامداً أو ناسياً.
* * *
فصل
ولو ترك شيئاً مما سمّيناه ركناً [إن كان ممّا يمكن قضاؤه يقضى] (¬1)، وإن كان ممّا لا يمكن قضاؤه {في الصلاة} فسدت صلاتُه.
* * *
¬
(¬1) في أ: وهو أن يكون في الصلاة قضى.
فصل
ولو ترك شيئاً ممّا سمّيناه واجباً، إن كان عامداً لا يجب سجدتا (¬1) السهو، ولكن تكون صلاته صحيحة مع النقصان، وقد أساء، وإن كان ناسياً يجب عليه سجدتا السهو.
* * *
¬
(¬1) في ب: سجدة. وهكذا في كل المواضع.
فصل
ولو ترك شيئاً مما سمَّيناه سنة لا يجب عليه سجدتا السهو سواء كان عامداً أو ناسياً، ولا تفسد صلاته، إلا أنه إذا كان عامداً يكون مسيئاً.
وما سوى ذلك يكون آداباً لا يجب عليه بتركه شيئاً.
فصل
ثم اعلم بأن للوضوء فرائض، وسنناً، ونوافل، ومستحبات، وآداباً، وكراهيات، ومنهيات:
أمّا فرائضته فأربعة:
1.غَسل الوجه: وهو ما يواجه الإنسان، وهو من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن، ومن شحمة الأُذن إلى شحمة الأذن.
والعذاران يدخلان في الغَسل عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: لا يدخلان في الغَسل، وهو قول الشافعي - رضي الله عنه -.
2.وغَسل اليدين إلى المرفقين.
3.ومسح الرأس.
4.وغَسل الرجلين إلى الكعبين.
بدليل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى
الْكَعْبَيْن} (¬1)، فالله سبحانه وتعالى أمرنا بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، والأمر من الله تعالى يدل على الوجوب.
والمرفقان والكعبان يدخلان في الغَسل عند علمائنا الثلاثة - رضي الله عنهم -، وعند زفر والشافعي - رضي الله عنهم - لا يدخلان في الغَسل.
وأمّا سنته فعشرة:
1. تسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء.
2. وغسل اليدين ثلاثاً قبل إدخالهما في الإناء.
3. والاستنجاء بالماء عند وجود الماء أو بالحجر أو بالمدر أو بالتراب عند عدم الماء.
4. والسواك.
5. والمضمضة.
6. والاستنشاق.
7. ومسح الأذنين.
8. وتخليل اللحية
9. والأصابع.
¬
(¬1) من المائدة:6.
10. وغسل الأعضاء المفروضة ثلاثاً (¬1).
* * *
¬
(¬1) في أ: في المرة الثالثة.
فصل
وأمّا نوافل الوضوء فستة:
1.مسح اليد على الحائط بعد الاستنجاء.
2.وغَسل اليدين بعد المسح الحائط.
3.وذكر الدعاء عند غَسل كلّ عضو.
4.ومسح الرقبة.
5.وغَسل الأعضاء المفروضة في المرة الثانية (¬1).
6.ورش الماء على الفرج والسراويل بعد الفراغ من الوضوء.
* * *
¬
(¬1) في ب: الثالثة.
فصل
وأما مستحبّ الوضوء فستة:
1.النيّة في ابتداء الوضوء.
2.والبداية بما بدأ الله سبحانه تعالى بذكره.
3.والبداية بميامنة.
4.ومراعاة الترتيب.
5.ومراعات الموالات قبل أن تقرب إلى الجفاف.
6.واستيعلب جميع الرأس بالمسح.
* * *
فصل
وأما آداب الوضوء فستة:
1.ترك استقبال القبلة واستدبارها، وترك استقبال عين الشمس والقمر واستدبارهما.
2.وترك الكلام سوى الأدعية التي يدعى بها عند عسل كلّ عضو.
3.والمضمضة.
4.والاستنشاق بيده اليمنى.
5.والامتخاط بيده اليسرة.
6.وستر العورة بعد الاستنجاء.
* * *
فصل
وأما كراهية الوضوء فستة:
1.تعنيف ضرب الماء على الوجه.
2.والنظر إلى العورة.
3.وإلقاء البزاق والامتخاط في الماء.
4.والمضمضة.
5.والاستنشاق بيده اليسرى والامتخاط بيده اليمنى، إلا من عذر.
6.والكلام عند الاستنجاء.
* * *
فصل
وأما منهيات الوضوء فستة:
كشف العورة بعد الاستنجاء.
وإلقاء البول والغائط في الماء.
والاستنجاء بيده اليمنى إلا من عذر.
وإسراف الماء في الوضوء.
والاغتسال في الماء الدائم.
وغسل أعضاء الوضوء أكثر من ثلاثة مرات أو أقلّ.
والمسح على الرجلين بغير خف، وكذلك المسح على المسح على الخفين بخرق كبير.
* * *