الهسهسة بنقض ..........
.... الوضوء بالقهقهة
جارٍ تحميل الكتاب…
الهسهسة بنقض ..........
.... الوضوء بالقهقهة
الهسهسة
بنقض الوضوء بالقهقهة
للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الحنفي
ولد سنة (1264) وتوفي سنة (1304 هـ)
حققه وخرج أحاديث وعلق عليه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي أضحكَ وأبكى، وخلقَ فسوَّى، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيدنا محمَّدٍ المبعوثِ لسعادةِ العالمين، وإخراجهم من الظُّلماتِ إلى النُّور، وعلى آله وصحابتِه الغرِّ المحجَّلين، وعلى مَن تبعهم ومشى على مشيهم إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فهذه رسالةٌ صغيرةٌ في حجمِها، كبيرةٌ في مضمونِها، حقَّق فيها مؤلِّفُها مسألةً يكثرُ السُّؤالُ والجدلُ فيها، وهي مسألةُ نقض الوضوءِ بالقهقهة في الصَّلاة، والمسألةُ هي إحدى المسائل التي تثارُ على السَّادة الحنفيّة؛ بأنه يعوزهم الدَّليلُ في قولهم هذا.
فبسط المؤلِّف الكلام فيها بعرضٍ لأقسامِ الضَّحكِ وحدوده، ثمَّ ذكرَ اختلافَ الفقهاءِ في نقض الوضوء بالقهقة في الصلاة، وأدلَّةَ كلّ منهم،
وفصَّلَ فيما أُورِدَ من الشُّبهات على الأحناف فيها، وأجاب عنه واحدةً واحدة، فبيَّن بأنَّ الدَّليل معهم فيما ذهبوا إليه، والأحاديث توافقهم، وأنَّ أبا حنيفة - رضي الله عنه - عمل فيها بالحديث الضَّعيف، وتركَ القياسَ كما هو منهجُهُ بالتَّمسُّكِ بالسُنَّة، ثمَّ ذكرَ رحمه الله عبارةً جامعةً مانعةً تمثِّلُ رأيَ الأحنافِ في المسألةِ وشرحَها كلمةً كلمةً على طريقةِ الفقهاء في تأليفِ المتونِ الفقهيَّةِ وشرحها، ثمَّ ختمَ الرِّسالة بخاتمة في حكم التَّبسُّم والضَّحك والقهقهة.
ومؤلِّفُها هو مَن توافقَ النّاسُ على ارتضاءِ قوله وقبولِ رأيه في كلّ ما يمحِّصُهُ ويدقِّقه؛ لما عُرِفَ عنه من الإنصاف التام، وإعطاءِ البحث حقّه، وطولِ نفسه، وبُعْدِ نظره، وهو مجدِّدُ المئة الثَّالثةِ عشرةَ الهجريّة، الإمامُ الفقيهُ المحدّث محمَّدٌ عبدُ الحيِّ اللَّكْنَويُّ الأنصاريُّ الهنديُّ (ت 1304 هـ)، وقد أثرى رحمه الله المكتبةَ الإسلاميَّةَ بتآليفهِ النَّافعة في مختلفِ العلوم، وكان له اهتمامٌ خاصٌّ في نصرةِ الأئمَّةِ الأعلام، ولا سيما أبا حنيفةَ النُّعمان، ببيانِ قوَّة حجَّتِهِ فيما يذهبُ إليه، وقد ألَّفَ في مسائلَ شبيهة بهذه المسألة رسائل عديدة، مثل: ((إمام الكلام في القراءة خلف الإمام))، و ((القول الجازم في سقوط الحدِّ بنكاح المحارم))، و ((تحفة الطَّلبة في تحقيقِ مسح الرَّقبة))، و ((رفع السِّتر عن
كيفيَّة إدخال الميِّت وتوجيهه إلى القبلة في القبر))، و ((إحكام القنطرة في أحكام البسملة)).
ونسبةُ هذا التَّأليفِ ثابتةٌ للإمام اللَّكْنَويّ رحمه الله، فقد نسبَها لنفسه في مطلعها، ونسبها لنفسه في غير مؤلَّفٍ من مؤلفاته، مثل: ((الفوائد البهيَّة)) (ص 61). و ((دفع الغواية)) (ص 42).و ((مقدِّمة التعليق المُمَجَّد)) (ص 28). و ((مقدِّمة عمدة الرعاية)) (ص 31). و ((النَّافع الكبير)) (ص 63).
والأصلُ المعتمدُ عليه في إخراجِ هذا الرِّسالةِ هو طبعةٌ حجريَّةٌ طُبِعَتْ في حياةِ المؤلِّفِ رحمه الله تعالى سنة (1303 هـ) في مطبع بدبدبه أحمدي الواقع في لكنو ضمنَ مجموعةِ الرَّسائلِ السِّتِّ التي ذكرتُها في مقدِّمة رسالةِ ((رفع السِّتر)) السَّابقِ ذكرها.
والمنهجُ الذي سرتُ عليه في تحقيقِها كما يبدو بين يدي القارئ الكريم باختصارٍ هو: ضبطُ كلماتِها، وتفصيلُ جملها وعباراتها، وتقطيعُ فقراتها إلى مقاطعَ قصيرة، وتخريجُ ما ورد فيها من الأحاديث، وتوثيقُ النُّصوصِ الواردةِ فيها من مظانِّها، وترجمةُ ما وردَ فيها من الأعلام، وعملُ فهارس علميّة لها تسهِّلُ الرُّجوع لما فيها.
وفي الختام، أسألُ الله تعالى أن يتقبَّل هذا العملَ منّي؛ ليكون في ميزانِ حسناتي يومَ لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا مَن أتى ربَّه بقلبٍ سليم، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبهِ وسلم.
وكتبه
في 8 شوال 1421 هـ ... صلاح محمّد أبو الحاج
الموافق 3 كانون الثاني 2001 مـ ... شارع حيفا/بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ فسوَّى، وقدَّر فهدى، أشهدُ أنَّهُ لا إله إلا هو أضحَكَ وأَبْكَى، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِهِ المصطفى وعلى آلهِ وصحبِهِ أئمّةِ الهدى.
وبعد:
فيقولُ الرَّاجي عفوَ ربِّهِ القويّ، أبو الحسنات محمَّدٌ عبدُ الحيِّ اللَّكْنَويّ، أضحَكَ اللهُ سنَّهُ يومَ يُسْئَلُ عن كلِّ خفيِّ وجليّ:
قد جَرَى بحضرتي في بعضِ أيَّامِ تدريسي كلامٌ فيما ذَهَبَ إليه أصحابُنا من فسادِ الصَّلاة، وانتقاضِ الوضوءِ بالقهقهة.
فقال بعضُهم: لا يثبتُ في هذا البابِ حديثٌ صحيح، ولا يتحقَّقُ فيهِ أثرٌ صريح.
وقال بعضُهم: الحديثُ الواردُ فيه من أخبارِ الآحاد، مع كونِهِ ضعيف الإسناد، فالعملُ به مخالفٌ لما تقرَّرَ في أصولِ الحَنَفيَّةِ من أنَّ الحديثَ إذا كانَ من أخبارِ الآحاد، ويكونُ القياسُ مخالفاً له، فعلى القياسِ الاعتماد، إلا أن يكونَ راويه فقيهاً، وناقلُهُ نجيحاً.
فقلتُ: هذا كلُّهُ كلامٌ سقيم، لا يقبلُهُ الرَّأيُ السَّليم، ولمَّا لم يكنْ مجرَّدُ التَّقريرِ لنِزاعهم دافعاً، ولشكوكهم رافعاً، أردتُ أن أصنِّفَ في هذه المسألةِ رسالةً مستقلَّةً تكونُ حاويةً للدَّلائل، محيطةً بالمسائل، مسمِّياً لها بـ:
((الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة))
وقد رتَّبتُها على: مقدَّمة، ومقصدَيْن، وخاتمة.
* * *
المقدّمة
في تقسيم الضّحك
وذكر حدوده
اعلمْ رَحِمَنا اللهُ ورحمَك، وأضحَكَ سنَّنا وسنَّك، أنَّ الضَّحكَ معدودٌ عندهم في خواصِّ الإنسان، وهو على ثلاثةِ أقسام:
1.أعلاها القَهْقَهَة:
وهو أن يقولَ في ضحكِه: قه قه.
وقيل بمعناه: قه أيضاً.
وقد يُقْلَبُ فيقال: هقهقة، كذا قال الجَوْهَرِيُّ (¬1) في ((صحاحِ اللَّغة)) (¬2).
¬
(¬1) هو إسماعيل بن حماد الجَوْهَرِيّ الفَارَابي، أبو نصر، من فاراب، قال السُّيُوطيّ: في مزهر اللغة: أول من التزم الصحيح مقتصراً عليه الجوهري، ولهذا سمي كتاب الصِّحاح، من مؤلفاته: الصحاح، والعروض، ومقدمة في النحو، (ت 393 هـ). انظر: النجوم الزاهرة (4: 207 - 208). الكشف (2: 1072).
(¬2) صحاح اللغة (2: 352).
وفي ((القاموس)) (¬1): قَهْقَهَه: رَجَعَ في ضحكِه، أو اشتدَّ ضَحِكُه، وقَهْ (¬2) قال في ضَحِكِه: قَهْ، فإذا كرَّرَهُ قيل: قَهْقَه. انتهى (¬3).
ومن هاهنا عرَّفَها بعضُ الفقهاءِ بما يظهرُ فيه القافُ والهاءُ مكرَّرتَيْن، وروى الحَسَنُ (¬4) عن أبي حنيفةَ على ما في ((الغُنْية)) (¬5): إنَّ القَهْقَهَةَ ما يكونُ مسموعاً له ولجيرانِه، أي لمَن عنده سواءٌ بَدَتْ نَواجِذُهُ أو لا.
¬
(¬1) القاموس المحيط لمحمد بن يعقوب بنِ محمد الفَيْرُوزآبادي الشِّيرازِيّ الشَّافعيّ، أبو طاهر، مجد الدين، من مؤلفاته: سفر السعادة، شرح صحيح البخاريّ، وطبقات الحنفيَّة، (729 - 817هـ). انظر: الضوء اللامع (10: 79). بغية الوعاة (1: 273). البدر (2: 280).
(¬2) وقع في الأصل: وقد، والمثبت من القاموس.
(¬3) من القاموس المحيط (4: 293).
(¬4) هو الحسن بن زياد اللُّؤْلُؤي الكُوفِيّ، أبو عليّ، صاحب الإمام أبي حنيفة، من مؤلَّفاته: المقالات، والجرد، (ت204هـ). انظر: الجواهر (2: 56 - 57). طبقات طاشكبرى (ص18 - 19).
(¬5) غنية المستملي شرح منية المصلي لإبراهيم بن محمَّد بنِ إبراهيم الحلبي، الإمام والخطيب بجامع السلطان محمَّد خان بقسطنطينية، قال اللكنوي: في الغنيةما أبقى شيئاً من مسائل الصلاة إلا أورد فيه مع ما فيه من الخلافيات على أحسن الوجوه. وله مختصر لها مشهور بحلبي صغير، وله: ملتقى الأبحر، (ت956هـ). انظر: الشقائق (ص295 - 296)، طرب الأماثل (ص443).
ونقلَ عن شمسِ الأئمَّةِ الحُلْوَانِيّ (¬1): إنَّهُ إذا بدتْ نواجذُه: أي الأضراس، ومنعَهُ الضَّحكُ من القراءةِ فهو قَهْقَهَه (¬2). (¬3)
وقال صاحبُ ((البحر)) (¬4): رأيتُ في كلامِ بعضِهم: إنَّه لو أتى بحرفَيْن من قَهْ قَهْ انتقضَ الوضوءُ عملاً بعدمِ تبعيضِ الحدث؛ لأنَّهُ إذا وَقَعَ بعضُهُ وقعَ كلُّهُ قياساً لوقوعِهِ على ارتفاعِه، وقد يقال: إنَّ الحكمَ وهو النَّقضُ متعلِّقٌ بالقَهْقَهَة، فإذا وجدَ بعضُها لا يوجدُ الحُكْم، لما عُرِفَ في الأصولِ أنَّ المشروطَ لا يتوزَّعُ على أجزاءِ الشَّرط. انتهى (¬5).
قلتُ (¬6): الذي يقتضيه النَّظرُ الدَّقيقُ هو الانتقاضُ بحرفَيْن أيضاً، بل
¬
(¬1) وهو عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحُلْوَانِيّ، نسبة إلى بيع الحلوى، إمام الحنفية في وقته ببخارى، من مؤلفاته: المبسوط، والنوادر، والفتاوي (ت456هـ). انظر: تاج التراجم (ص190)، الفوائد (ص162).
(¬2) في الأصل: قهقهة.
(¬3) انتهى من غنية المستملي شرح منية المصلي (ص143).
(¬4) البحر الرائق شرح كنْز الدقائق لإبراهيم بن محمد ابن نُجَيْم المصريّ، زين العابدين، ومن مؤلفاته:، الرسائل الزينية، والأشباه والنظائر، وفتح الغفار شرح المنار، والفتاوي، قال الإمام اللكنوي عن مؤلفاته: كلُّها حسنةٌ جداً، (926 - 970هـ). انظر: التعليقات السنية (ص221 - 222). الكشف (2: 1515). الرسائل الزينية (ص7).
(¬5) من البحر الرائق شرح كنْز الدقائق (1: 44).
(¬6) القائل هو الإمام اللكنوي رحمه الله.
بمطلقِ خروجِ الصَّوت؛ فإنَّ انتقاضَ الطَّهارةِ بها إنَّما هو زَجْراً على فعلٍ ما يُنافي الصَّلاةَ على الأصحّ، فيتعلَّقُ بنفسِ خروجِ الصَّوت.
2.وأوسطها:
أن يكونَ مسموعاً له دونَ جيرانِه، ويختصُّ باسمِ الضِّحْك: بكسرِ الضَّادِ المعجمة، وسكونِ الحاءِ المهملة، على ما هو الأشهر، وجازَ فيه فتحُ أوَّلِهِ مع سكونِ ثانيهِ وكسرهما، وفتحُ أوَّلِهِ وكسرِ ثانيه، كجوازِهِ في نحو فخذٍ من كلِّ ما كان عينُهُ حرفاً حلقياً، على ما يفهمُ من ((القاموس)) (¬1).
3.وأدناها:
التَّبسُّم؛ وحدُّهُ: أن لا يكونَ مسموعاً أصلاً لا لهُ ولا لجيرانِه، يقال: بَسَمَ بالفتحِ يَبْسِم بالكسرِ بَسْمَاً فهو مُتَبَسِّم.
وقال ابنُ أميرِ حاج (¬2) ... في ... ((حَلْبَةِ ... المُجَلِّي ... شرح مُنْية المُصَلِّي)) (¬3):
¬
(¬1) القاموس المحيط (3: 321).
(¬2) هو محمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي الحَلَبِيّ الحنفي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن أمير حاج، وبابن الموقت، هو تلميذُ للشيخِ ابنِ الهُمَام والحافظ ابنِ حجرٍ، قال الإمام اللكنوي: وشرحه للمُنْيَةِ يدلُّ على تبحرِه، وسعةِ نظرِه، ورجحانِ فِكْرِه، ولو جُعِلَ من أربابِ التَّرْجيحِ فهو رأيٌ نجيح، وقال العلامة حيوة السّنديّ المدنيّ في رسالته فتح الغفور في وضع الأيدي على الصدور: أَنه تلا شيخه ابن الهُمَام في التَّحقيقِ وسعةِ الاطلاعِ، ومن مؤلفاته: التقرير والتحبير شرح التحرير لابن الهُمَام، وذخيرة القصر في تفسير سورة والعصر، (825 - 879هـ). انظر: الضوء اللامع (9: 210 - 211). كشف الظنون (358:1). المستطرفة (ص146 - 147).
(¬3) وقع في الأصل: اسم الكتاب حلية المحلي شرح منية المصلي، وقد حقَّق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في إحدى تعليقاته على كتاب الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة (ص197 - 201) أن اسم الكتاب هو حَلْبَةُ المُجَلِّي وبغية المهتدي في شرح منية المصلي وغنية المبتدي، وأن اسم حلية المحلي تحريف قطعاً، ونبَّه أن هذا التحريف وقع في كثير من كتب الفقه الحنفي من حاشية ابن عابدين، فلينتبه له.
لم أقفْ على التَّصريحِ باشتراطِ إظهارِ القافِ والهاءِ في القَهْقَهة، بل الذي تواردَ عليهِ كثيرٌ من المشايخِ كصاحب (¬1) ((المحيط)) (¬2)، و ((الكافي)) (¬3)، وغيرهم: إنَّهُ ما يكونُ مسموعاً لهُ ولجيرانِه، وظاهرُهُ التَّوسُعُ في إطلاقها على ما لهُ صوتٌ وإن عريَ عن ظهورِ القافِ والهاء أو أحدهما.
¬
(¬1) هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز مازه البخاري، برهان الدين، من مؤلفاته: المحيط البرهاني، وذخيرة الفتاوي المشهورة بالذخيرة البرهانية، (ت616). انظر: الجواهر (3: 233 - 234). الفوائد (ص291 - 292). الكشف (2: 1619).
(¬2) في المحيط البرهاني في (كتاب الطهارات) (ص150): في حدِّ القهقة اختلاف المشايخ: قال بعضُهم: القهقهة ما يكون مسموعاً له ولجيرانه، وقال بعضُهم: ما يظهر فيه القاف والهاء. ا. هـ.
(¬3) الكافي شرح الوافي لعبد الله بن أحمد بن محمود النَّسفيّ، أبو البركات، حافظ الدين، ومن مؤلفاته: الوافي، والكنْز، والمنار في الأصول، قال الإمام اللَّكنوِيّ: وكل تصانيفه نافعة معتبرة عند الفقهاءِ، مطروحة لأنظار العلماءِ، (ت701هـ). انظر: الجواهر المضية (2: 294). تاج (ص174). الفوائد (ص102).
المقصد الأوّل
في ذكر اختلاف المذاهب
في انتقاض الوضوء بالقهقهة
وأدلّة كلّ مذهب منها
اعلم أنَّهم اختلفوا في ذلكَ على ثلاثةِ مذاهب:
الأوّل
أنّها لا تنقضُ الوضوء
به قال ابنُ مسعود، وجابر، وعُرْوَةُ بن الزُّبير (¬1)، والقاسمُ بن محمَّد (¬2)،
¬
(¬1) هو عروة بن الزُّبير بن العوام بن خُويلد الأسديّ المدني، أبو عبد الله، قال ابن حجر: ثقة فقيه مشهور، قال الذهبي: كان يصوم الدهر، ومات وهو صائم، وكان يقرأ كلّ يوم ربع الختمة في المصحف، ويقوم الليل، قال الزُّهرِيّ: رأيت عروة بحراً لا يَنْزف، (ت 94 هـ). انظر: العبر (1: 110 - 111). التقريب (ص 329).
(¬2) هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصَّديق التَّيْميّ المَدَنِيّ، نشأ في حجر عمَّته عائشة فأكثر عنها، قال يحيى بن سعيد: ما أدركنا أحداً نفضَّله بالمدينة على القاسم، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان أمر الخلافة إليّ لما عدلت عن القاسم، (ت 106 هـ). انظر: العبر (1: 132). التقريب (ص 387).
وسعيدُ بن المسيَّب (¬1)، وأبو بكرٍ بن عبدِ الرَّحمن (¬2)، وسليمانُ بن يَسَار (¬3)، ومحكول (¬4).
وإليه ذهبَ مالك (¬5)، وأحمد (¬6)، .......................................
¬
(¬1) هو سعيد بن المسيب بن حَزْن بن أبي وهب المَخزُوميّ القُرَشيّ، أبو محمد، سيد التابعين، أحد الفقهاء السبعة، وكان من أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته حتى سمي راوية عمر (13 - 94هـ). انظر: وفيات (2: 378). طبقات الشيرازي (ص39). وللوقوف على حياته وفقهه ينظر فقه سعيد بن المسيب للدكتور هاشم جميل، مطبوع في أربع مجلدات.
(¬2) هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني، وكان يقال له راهب قريش لعبادته وفضله، وكان مكفوفاً، وهو أحد الفقهاء السبعة، (ت94هـ). انظر: العبر (1: 111). مرآة الجنان (1: 189).
(¬3) وقع في الأصل: بشار، والمثبت هو الصحيح، وهو سليمان بن يَسَار الهلاليّ المَدَنِيّ، أخو عطاء، وهو مولى ميمونة، وقيل: أمِّ سَلَمة، كان أحد الفقهاء السبعة، قال الحسن بن محمد بن الحنفية: سليمان بن يسار عندنا أفهم من سعيد بن المسيب، (ت107هـ). انظر: العبر (1: 131). التقريب (ص195).
(¬4) هو مكحول بن عبد الله أبي مسلم شهراب بن شاذل الهذليّ الشَّاميّ، أبو عبد الله، قال الزُّهريّ: لم يكن في زمانه أبصر منه بالفتيا، (ت112هـ). انظر: وفيات (5: 280 - 283). طبقات الشيرازي (ص70).
(¬5) انظر: الكافي (1: 66)، والقوانين الفقهية (1: 52).
(¬6) انظر: المبدع (1: 517).
وأبو ثَوْر (¬1)، والشَّافِعِيّ (¬2)، وداود (¬3)، وغيرهم، كذا حكاهُ العَيْنِيُّ (¬4) في ((البنايةِ شرحِ الهدايةِ)) (¬5).
واستدلُّوا على ذلكَ:
بأنَّ القياسَ يأبى انتقاضَ الوضوءِ بها؛ لأنها ليستْ بنجسٍ خارجٍ حتى
¬
(¬1) هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكَلْبِيّ البَغْدَادِيّ، أبو ثور، والكَلبْي نسبة إلىكَلْب بطن من قضاعة ومن بني ليث ومن بجيلة، قال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وورعاً وفضلاً، صنف الكتب وفرّع على السنن، وذب عنها، يتكلم في الرأي فيخطئ ويصيب، (ت240هـ). انظر: الميزان (1: 148 - 189). النجوم الزاهرة (2: 301 - 302). الأعلام (1: 30 - 31).
(¬2) انظر: حلية العلماء (1: 154)، والوسيط (1: 313)، وحواشي الشرواني (1: 140).
(¬3) وهو داود بن علي بن خلف الأصْبَهَانِيّ، أبو سليمان، الملقَّب بالظَّاهري، وسمي بذلك لأخذه بظاهر الكتاب والسنة وإعراضه عن التأويل والرأي والقياس، وعرف بالأصبهاني لأن أمه أصبهانية، وكان عراقياً، كذا قال ابن حزم، (201 - 270هـ). انظر: الميزان (3: 26 - 28). وفيات (2: 255 - 257).
(¬4) هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العنتابي العَينيّ الحلبيّ القاهريّ الحنفيّ، أبو محمد، بدر الدين، وكان أبوه قاضياً بعين تاب، فنسب إِليه، ومن مؤلفاته: رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق، وشرح شرح معاني الآثار، ومنحة السَّلوك شرح تحفة الملوك، (762 - 855هـ). انظر: الضوء اللامع (10: 131 - 135). الفوائد البَهيَّة (ص399). البدر الطالع (2: 294 - 295).
(¬5) البناية في شرح الهداية (1: 227).
تكونَ حَدَثاً، ألا ترى إلى أنَّها لا تنقضُ الوضوءَ خارجَ الصَّلاة، فكذا فيها.
والجواب عنه: إنَّهُ لا مجالَ للعقلِ بعد ورودِ النَّقل، والقياسُ إنَّما يَجْرِي في الأحكامِ القياسيَّةِ لا في الأمورِ التي وردَ الشَّرعُ بها، وهي مخالفةٌ للقياس.
وقال العينيُّ في ((البناية)): إن قُلْتَ ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ (¬1) عن الشَّافِعِيِّ أنَّهُ لو ثَبَتَ حديثُ الضَّحكِ في الصَّلاةِ لقالَ به.
وقال ابن الجَوْزِي (¬2): قال أحمدُ: ليسَ في الضَّحكِ حديثٌ صحيح.
قلتُ (¬3): مذهبُ الشَّافعيِّ أنَّ المرسلَ إذا أُرْسِلَ من وجه، وأُسْنِدَ من
¬
(¬1) هو أحمد بن الحسين بن علي الخُسْرَوْجِرْدي البَيْهَقِيّ، أبو بكر، نسبة إلى خُسْرَوْجِرْد وهي قرية من ناحية بَيْهَق، وبَيْهَق بفتح الباء اسم لناحية من نواحي نيسابور مشتملة على عدة قرى، قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي في عُنُقِهِ منَّة إلا البيهقي، فإن له المنّة على الشافعي نفسه، وعلى كل شافعي لما صنفه في نصرة مذهبه من ترجيح الأحاديث، كالسنن الكبير، والسنن الصغير، ومعرفة السنن والآثار، وجمعه لنصوصه في كتابه المسمَّى بالمبسوط، وتصنيفه في مناقبه، (ت458هـ). انظر: العبر (3: 242). طبقات الأسنوي (1: 98 - 99).
(¬2) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد القُرْشِيّ التَّيْمِي البَكْرِي البَغْدَادِيّ الحَنْبَلِيّ، أبي الفرج، جمال الدِّين، المعروف بابن الجَوْزِي، يعود نسبه إلى أبي بكر - رضي الله عنه -، والجَوْزِيّ: نسبة إلى فرضة الجوز، حكي مرَّة أن مجلسه حُزِرَ بمئة ألف، له: زاد المسير، والمنتظم، والموضوعات، (508 - 597). انظر: وفيات (3: 140). مرآة الجنان (3: 489). تذكرة الحفاظ (4: 1342).
(¬3) القائل هو البدر العيني رحمه الله.
وجهٍ آخرَ يقولُ به (¬1)، والحديثُ الذي وردَ في هذا البابِ أُرْسِلَ من وجوهٍ وأُسْنِدَ من وجوهٍ، فيلزمُهُ أن يقولَ به.
وقال ابنُ حَزْم (¬2): كان يلزمُ المالكيّين والشَّافعيّين لشدَّةِ تواترِهِ عمَّن عدَّ من مراسيله (¬3).
قلتُ (¬4): وكذا يلزمُ الحنابلةَ أيضاً؛ لأنَّهم يحتجُّونَ بالمراسيل، وعلى تقديرِ أنَّهمْ لا يحتجُّون به، يقالُ لهم: إنَّ أقلَّ أحوالِهِ أن يكونَ ضعيفاً، وهو مقدَّمٌ عندهم على القياس.
والعجبُ منهم أنَّهم يقولون لعلمائنا: أصحابُ الرَّأي، وينسبونَهم (¬5) إلى تركِ كثيرٍ من الأحاديثِ بالقياس، وهم تركوا حديثاً رواهُ جماعةٌ من الصَّحابة.
¬
(¬1) انظر: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للسيوطي (1: 104).
(¬2) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح الظَّاهِريّ، أبو محمد، من مؤلفاته: المحلى، والفصل في الملل والأهواء والنحل، والإحكام لأصول الأحكام، (384 - 456هـ). انظر: وفيات (3: 325 - 330). العبر (3: 239). معجم الأدباء، (235 - 257).
(¬3) في الأصل: مراسله.
(¬4) القائل هو البدر العيني رحمه الله.
(¬5) في الأصل: ينسيونهم.
وأمَّا قولُ أحمد، والذَّهَبِيّ (¬1) فنفيّ، وما ذَكَرَهُ أصحابُنا إثبات، وهو مقدَّمٌ على النَّفيِّ على أنَّا نقول: عدم علمِ الشَّخصِ بشيء، لا (¬2) يكونُ حجَّةً على مَن علمه قبله. انتهى كلامه (¬3).
* * *
¬
(¬1) قول الذهبي كما في البناية (1: 234): لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الضحك في الصلاة خبر. ا. هـ.
(¬2) في الأصل: ولا، والمثبت من البناية.
(¬3) من البناية في شرح الهداية (1: 234).
المذهب الثاني
أنها ناقضة للوضوء إذا كانت في الصّلاة
وبه قال أبو موسى الأَشْعَرِيّ، والحَسَنُ البَصْرِيّ (¬1)، والثَّوْرِيّ (¬2)، ومحمَّدُ بنُ سيرين (¬3)، والأَوْزَاعِيّ (¬4)، .........................................
¬
(¬1) هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع كل فنّ من علم وزهد وورع وعبادة، (21 - 110هـ).انظر• (وفيات (2: 69)، الأعلام (1: 242).
(¬2) هو سُفْيان بن سعيد بن مسروق بن سعيد الثَّوْرِي الكوفي، أبو عبد الله، والثَّوْرِيّ نسبة إلى بني ثور من عبد مناة من مضر، قال ابن معين: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، (95 - 161هـ). انظر: وفيات (2: 386 - 391). مرآة الجنان (1: 361).
(¬3) هو محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر، شيخ البصرة مع الحسن، مع عمران بن حصين، وطائفة، قال ابن عُوْن: لم أر مثل محمد بن سيرين، وقال ابن حجر: ثقة ثبت عابد كبيرة القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، (ت110هـ). انظر: التقريب (ص418). العبر (1: 135).
(¬4) هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمِد الأَوْزَاعيّ، أبو عمر، نسبة إلى الأَوْزَع، وهي بطن من ذي الكَلاع من اليمن، وقيل: الأوزع قرية من دمشق على طريق باب الفراديس، ولم يكن منهم، وإنما نزل فيهم فنسب إليهم، وقيل غير ذلك، إمام أهل الشام، وكان يسكن بيروت، ويقدر ما سئل عنه بسبعين ألف مسألة أجاب عليها، وكانت الفتيا بالأندلس تدور على رأيه إلى زمن الحكم بن هشام. (88 - 157هـ). انظر: وفيات (3: 127). مرآة الجنان (1: 251).
وعبيدِ الله (¬1). كذا قال العَيْنِيُّ (¬2).
وهو قولُ النَّخَعِيّ (¬3)، كما في ((مسندِ الإمامِ أبي حنيفة)) الذي جمعَهُ الخُوَارَزْمِيّ (¬4): أبو حنيفة عن حمَّادٍ (¬5) عن إبراهيمَ النَّخَعِيّ: في الرَّجلِ يُقُهْقِهُ في
¬
(¬1) لعلَّه: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بن عاقل بن حبيب الهُذَلِيّ، والهُذَليّ بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وبعدها لام، هذه النسبة إلى هُذَيل بن مدركة، وهي قبيلة كبيرة، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، (ت94هـ). انظر: وفيات (3: 115 - 116). التقريب (ص313).
(¬2) في البناية (1: 235).
(¬3) هو إبراهيم بن يزيد بن الأسود النَّخَعِيّ الكوفيّ، أبو عمران، والنَّخَعي نسبة إلى جَسر بن عمرو أحد جدوده، سمي جسر بالنَخَع؛ لأنه انتخع من قومه: أي بعد عنهم. وهو أحد الأئمة المشاهير، تابعيّ رأى عائشة ودخل عليها، (46 - 96هـ).انظر: وفيات (1: 25). التقريب (ص35).
(¬4) هو محمد بن محمود بن محمد بن حسن الخُوَارَزْمِيّ الخطيب، أبو المؤيد، الإمام، وليَّ قضاء خُوارَزْم وخطابتها، صنَّف مسانيد الإمام أبي حنيفة، في مجلدين، جمع فيهما بين خمسة عشر مصنَّفاً، (593 - 655هـ). انظر: الجواهر (3: 365). تاج (ص278).
(¬5) هو حماد بن أبي سليمان مسلم الأَشْعَرِيّ، أبو إسماعيل الكوفي، روى له مسلم، وأصحاب السنن (ت120هـ). انظر: تهذيب الكمال (7: 269 - 279). العبر (1: 151).
الصَّلاة، قال: يعيدُ الوضوءَ والصَّلاة، ويستغفرْ؛ فإنه أشدُّ الحدثِ (¬1).
وإليهِ ذهبَ أصحابُنا مستدلِّينَ بالحديثِ الذي رواهُ جماعةٌ من الصَّحابة، والحديثُ مقدَّمٌ على القياس.
فروى الطَّبَرَانِيُّ (¬2) في ((معجمِهِ)) عن أحمدَ بن زهير، حدَّثنا محمَّدٌ بن عبدِ الملك، حدَّثنا محمَّدٌ بن أبي نُعَيْمٍ الواسطيّ، حدَّثنا مهدي بن ميمون، حدَّثنا هشامٌ بن حسَّان، عن حفصةَ بنت سيرين، عن أبي العالية (¬3)، عن أبي موسى الأشعري قال: (بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاس، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَتَردَّى فِي حُفْرَةٍ كَانَتْ فِي المَسْجِد، وَكَانَ فِي بَصَرِهِ ضَرَر، فَضَحِكَ كَثِيرٌ مِنَ القَوْمِ وَهُمْ فِي الصَّلاة، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم مَنْ ضَحِكَ أَنْ يُعِيدَ الوُضُوء، وَيُعِيدَ الصَّلاة) (¬4).
¬
(¬1) انتهى من مسانيد الإمام أبي حنيفة للخوارزمي (1: 248).
(¬2) هو سليمانُ بنُ أحمدَ بنِ أَيوبٍ اللَّخْمِيّ الطَّبَرَانِيّ، أَبو القَاسِم، نسبةً إلى طَبَرية، مدينةٌ من الأردنِ، قال اللكنوي: صاحب المعاجم كان ثقةً صدوقاً عارفاً واسعَ الحفظِ بصيراً بالعللِ والرِّجالِ، كثيرَ التصانيفِ النَّافعةِ، (260 - 360هـ). انظر: مرآة الجنان (3: 372). التحفة (ص27).
(¬3) هو رُفَيْع بن مهران الرِّياحيّ البصري، أبو العالية، قال الذهبي: دخل على أبي بكر - رضي الله عنه -، وقرأ القرآن على أبيّ - رضي الله عنه -، قال أبو العالية: كان ابن عباس يرفعني على السرير وقريش أسفل. قال ابنُ حَجَر: ثقةٌ كثير الإرسال، (ت93هـ). انظر: العبر (1: 108 - 109). التقريب (ص150).
(¬4) انظر: سنن الدارقطني (1: 167).
وروى الدَّارَقُطْنِيُّ (¬1) عن عبدِ العزيزِ بن حصين، عن عبدِ الكريمِ بن أبي أميَّة، عن الحَسَنِ عن أبي هريرة مرفوعاً: (إِذَا قَهْقَهَ أَعَادَ الوُضُوءَ وَالصَّلاة) (¬2).
وروى ابن عَدِيٍّ (¬3) في ((الكامل)) من حديثِ بقيَّةَ عن أبيه، عن عمرو بن قيس السَّكُونِيّ، عن عطاء، عن ابنِ عمرَ مرفوعاً: (مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلاةِ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الوُضُوءَ وَالصَّلاة) (¬4).
وروى الدَّارَقُطْنِيُّ عن داودَ عن أيوبَ عن قتادةَ عن أنسٍ رضي الله عنه قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا، فَجَاءَ رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ فَتَرَدَّى فِي حُفْرَةٍ كَانَتْ فِي المَسْجِد ... ) (¬5) الحديث بمثلِ الأوَّل.
¬
(¬1) هو علي بن عمر بن أحمد بن مَهْدي الدَّارَقُطْنِيّ البَغْدَادِيّ الشَّافِعِيّ، أبو الحسن، من مؤلفاته: السنن الكبرى، والمختلف والمؤتلف، والأفراد، قال أبو الطيب الطَبَري: الدَّارَقُطْنِيّ أمير المؤمنين في الحديث. (306 - 385هـ). انظر: الكامل في التاريخ (7: 174). طبقات الشافعية الكبرى (2: 312). الأنساب (2: 437 - 439).
(¬2) في سنن الدارقطني (1: 164،165).
(¬3) هو عبد الله بن عَدِيّ بن عبد الله بن محمد الجُرْجَانيّ، أبو أحمد، ويعرف بابن القطَّان، قال السَّهْمي: كان حافظاً متقِّناً، لم يكن في زمانه مثله، من مؤلفاته: الكامل في ضعفاء الرجال، (ت365هـ). انظر: العبر (2: 337). ومرآة الجنان (2: 381).
(¬4) في الكامل في ضعفاء الرجال (3: 167).
(¬5) في سنن الدارقطني (1: 163) ولفظه فيها: حدثنا داود بن المحبر، نا أيوب بن خوط، عن قتادة، عن أنس، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فجاء رجل ضرير البصر فوطىء في خبالٍ من الأرض، فصرع، فضحك بعض القوم، فأمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة).
قولُه: رجلٌ ضريرُ البصر: أي ذاهبُ البصر، يقال: رجلٌ ضريرٌ إذا ذهبَ بصرُه، وقولُه: تردَّى: أي سقط.
وروي أيضاً (¬1) عن عبدِ الرَّحمن بن عمرو، حدَّثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن أبي العالية مرسلاً: (إنَّ أَعْمَى تَرَدَّى) الحديث، وقال: لم يروِهِ عن سلام غير عبدِ الرَّحمن بن عمرو، وهو متروكُ الأحاديث.
ثمَّ أخرجَهُ (¬2) عن سفيانَ بن محمَّد، عن عبدِ اللهِ بن وهب، عن يونس، عن الزُّهْرِيّ (¬3)، عن سليمان بن أرقم، عن الحَسَن، عن أنس نحوه.
وقال: سفيانٌ هذا سيِّءُ الحال، وأحسنُ حالاتِهِ أن يكونَ وهمَ على ابنِ وهب، أعني قولُهُ فيهِ عن أنس، فقد رواهُ غيرُ واحدٍ عن ابن وهب، منهم: خالُه، وموهبُ بن يزيد، وأحمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن وهب، وغيرهم، لم يذكروا فيه أنسَ بن مالك.
¬
(¬1) أي الدارقطني في السنن (1: 162).
(¬2) أي الدارقطني في السنن (1: 165).
(¬3) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزُّهْريّ القُرَشِيّ، أبو بكر، نسبة إلى بني زهرة، وهم بطن من بطون قريش، قال ابن حجر: متفق على جلالته وإتقانه، (51 - 124هـ). انظر: طبقات الشيرازي (ص47 - 48). التقريب (ص440). الإمام الزهري وأثره في السنة (ص260 - 261).
ثمَّ أخرجَ (¬1) أحاديثهم، ثمَّ أخرجَ عن الزُّهْرِيِّ أنَّه قال: لا وضوءَ في القهقهة، قال: فلو كانَ هذا صحيحاً عندَهُ لما أفتى بخلافِهِ.
وروى أبو القاسمِ حمزةَ بن يوسفَ السَّهْمِيّ (¬2) في ((تاريخِ جرجان)): حدَّثنا الأمامُ أبو بكر أحمدَ (¬3) بن إبراهيم الإِسْمَاعيليّ، حدَّثني أبو عمرو محمَّد بن عمرو بن شهاب، حدَّثنا أبو جعفر، أحمد بن فورك، حدَّثنا عبيدُ اللهِ بن أحمدَ الأشعريّ، حدَّثنا عمَّارُ بن يزيدٍ البصري، حدَّثنا موسى بن هلال، حدَّثنا أنسٌ مرفوعاً: (مَن قَهْقَهَ فِي الصَّلاةِ قَهْقَهَةً شَدِيدَةً فَعَلَيْهِ الوُضُوءُ وَالصَّلاة) (¬4).
وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن محمَّدٍ بن يزيدٍ بن سنان، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمشُ عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم: (مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فِي صَلاتِهِ فَلْيَتَوَضَّأ، ثُمَّ لِيُعِدْ الصَّلاة) (¬5).
وروى أيضاً عن إسماعيلَ بن عيّاش، عن عمرَ بن قيس، عن عمرو بن
¬
(¬1) الدارقطني في السنن (1: 166).
(¬2) هو حمزة بن يوسف بن إبراهيم القرشي السَّهْمِيّ، أبو القاسم، من مؤلفاته: تاريخ جرجان، ققال الذهبي: كان من أئمة الحديث حفظاً ومعرفة وإتقاناً، (340 - 427هـ). انظر: العبر (3: 161 - 162). معجم المؤلفين (1: 657).
(¬3) في الأصل: وأحمد.
(¬4) في تاريخ جرجان (1: 405).
(¬5) في سنن الدارقطني (1: 172).
عبيد، عن الحسن، عن عمرانَ بن حصين مرفوعاً: (مَن ضَحِكَ فِي الصَّلاةِ قَهْقَهَةً (¬1) فَلْيُعِدْ الوُضُوءَ وَالصَّلاة) (¬2).
ورواهُ البَيْهَقِيُّ أيضاً عن عبدِ الرَّحمن بن سلام، عن عمرَ بن قيس به (¬3).
وروى ابن عَدِيّ (¬4)، عن بقيَّة، عن محمَّدٍ الخُزَاعيّ، عن الحسن، عن عمران: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّم، قال لرجلٍ ضَحِكَ في الصَّلاة: (اعِدْ وُضُوءك).
وروى الدَّارَقُطْنِيُّ من حديثِ محمَّدٍ بن إسحاق، عن الحَسَنِ بن دينار، عن الحَسَنِ البَصْرِيّ، عن أبي المليحِ بن أسامة، عن أبيه، قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّم إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ ضَرِير البَصَر ... ) (¬5) بمثلِ حديثِ أبي موسى.
وقال ابنُ إسحاق (¬6): حدَّثنا الحَسَنُ بن عمارةَ عن خالِهِ الحذَّاء، عن أبي المليح، عن أبيه مثله.
¬
(¬1) في السنن: قرقرة.
(¬2) في سنن الدارقطني (1: 165).
(¬3) انظر: سنن البيهقي الكبير (2: 252).
(¬4) في الكامل في الضعفاء (3: 166).
(¬5) في سنن الدارقطني (1: 161).
(¬6) هو محمد بن إسحاق بن يَسَار المُطَّلِبيّ المدنيّ، قال الذهبي: كان بحراً من بحور العلم، ذكيَّاً حافظاً، طلاَّباً للعلم، اخباريَّاً نسَّابةً، قال شعبة: هو أمير المؤمنين في الحديث، قال ابن حجر: إمام المغازي، صدوق يدلّس، ورُمي بالتشيع والقدر، (ت150هـ).انظر: العبر (1: 216). التقريب (403).
وروى الأمامُ أبو حنيفة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن معبد بن أبي معبد مرفوعاً: (مَنْ قَهْقَهَ فِي صَلاتِهِ أَعَادَ الوُضُوءَ وَالصَّلاة)، أخرجَهُ الدَّارَقُطْنِيِّ (¬1) من طريقِه.
وروى الطَّبَرَانِيُّ والدَّارَقُطْنِيُّ من طريقِ خالدِ بن عبدِ اللهِ الواسطيّ، عن هشام بن حسَّان، عن حفصة، عن أبي العالية عن رجلٍ من الأنصار: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم كَانَ يُصَلِّي فَمَرَّ رَجُلٌ فِي بَصرِهِ سُوءٌ فَتَردَّى فِي بِئْر، فَضَحِكَ طَوَائِفُ مِنَ القَوْم، فَأَمَرَ مَنْ كَانَ ضَحِكَ أَنْ يُعِيدَ الوُضُوءَ وَالصَّلاة) (¬2).
وروى عبدُ الرَّزاقِ في ((مصنَّفِه)) عن معمَّر، عن قتادة، عن أبي العالية مرسلاً: (إِنَّ أَعْمَى تَرَدَّى فِي بِئْر، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بأَصْحَابِه، فَضَحِكَ مَنْ كَانَ يُصَلِّي مَعَه، فَأَمَرَ مَنْ كَانَ ضَحِكَ مِنْهُمْ أَنَ يُعِيدَ الوُضُوءَ وَالصَّلاة) (¬3).
وأخرجَهُ الدَّارَقُطْنِيِّ أيضاً من طريقِ خالد الحذاء، وأيوب السختياني،
¬
(¬1) في سننه (1: 167).
(¬2) في سنن الدارقطني (1: 169).
(¬3) في مصنَّف عبد الرزاق (2: 376).
وهشام بن حسان، والوراق، وحفص بن سليمان، عن حفصةَ بنتُ سيرين، عن أبي العالية، ومن طريقِ شريك ومنصور، عن أبي هاشم عنه.
ورواه ابنُ أبي شَيْبَة (¬1)، وأبو داودَ في ((مراسيلِه)) (¬2) أيضاً من جهةِ شريك.
وروى الدَّارَقُطْنِيُّ عن أبي معاويةَ عن الأعمشِ عن إبراهيمَ النَّخعيّ قال: (جَاءَ رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَر، وَالنَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي) (¬3) الحديث.
وروى أيضاً (¬4) عن يونس، عن ابن شهابٍ الزُّهْرِيّ، عن الحَسَنِ البصريّ.
ورواه أيضاً محمَّدٌ (¬5) في كتاب ((الآثار)) (¬6) عن الإمامِ أبي حنيفة، عن
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة (1: 341).
(¬2) مراسيل أبي داود (ص75).
(¬3) في سنن الدارقطني (1: 171).
(¬4) أي الدارقطني في سننه (1: 162).
(¬5) هو محمَّد بن الحَسَن بن فرقد الشَّيْبَانِيّ، أبو عبد الله، صاحب أبي حنيفة، ومدون فقهه، وكتبه هي الأصول في المذهب الحنفي، قال الذَّهَبِيّ: كان من أذكياء العالم، من مؤلفاته: المبسوط، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الكبير، السير الصغير، والزيادات، (132 - 189هـ). انظر: مقدِّمة الهداية (14:3). والنافع الكبير (ص34 - 38). بلوغ الأماني (ص4).
(¬6) الآثار للشيباني (1: 28).
منصور، عن الحسن.
ورواه الشَّافعيُّ في ((مسنده)): أخبرنا الثِّقةُ يحيى بن حسَّان، عن معمر، عن ابن شهاب، عن سليمانَ بن أرقم، عن الحَسَنِ مرسلاً، ثمَّ قال: وهذا لا يقبلُ لأنَّهُ مرسل (¬1).
وقال ابنُ دَقِيقِ العَيد (¬2): إذا آلَ الأمرُ إلى توسُّطِ سليمانَ بن أرقمَ بين الزُّهْرِيِّ وبين الحَسَن، وهو عندهم متروكٌ تعلَّل. انتهى.
ومن المراسيل أيضاً: مرسلُ الزُّهْرِيّ ذكرَهُ ابنُ عَدِيٍّ في ((الكامل)) (¬3).
وروى ابنُ حِبَّانٍ (¬4) في كتابِ ((الضُّعفاء)) من حديثِ محمَّدٍ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ مرفوعاً: (إِذَا ضَحِكَ الرَّجُلُ فِي صَلاتِهِ فَعَلَيْهِ الوُضُوءُ وَالصَّلاة، وِإِذَا تَبَسَّمَ فَلا شَيءَ عَلَيْه).
¬
(¬1) انتهى من مسند الشافعي (ص244).
(¬2) هو محمَّدِ بنِ عليِّ بنِ وهب القُشَيريّ المنفلوطيّ المصريّ، أبو الفتح، تقي المعروف بابنِ دقيق العيد الشَّافعيّ، وسبب تسميته أن جد أبيه كان عليه طيلسان شديد البياض في يوم عيد، فقيل: كأنه دقيق العيد، فلقب به، له: الإمام، الإلمام، وشرح على مختصر أبي شجاع، (625 - 702هـ).انظر: الدرر الكامنة (4: 91). طبقات الأسنوي (2: 102). النجوم الزاهرة (8: 206).
(¬3) الكامل في ضعفاء الرجال (3: 165).
(¬4) هو محمد بن حِبَّان بن أحمد بن حِبَّان بن معاذ التَّمِيمِيّ البُسْتيّ الشَّافِعِيّ، أبو حاتم، قال ابن السَّمْعَانِيّ: كان إمام عصره تولَّى قضاء سمرقند مدَّة، من مؤلفاته: الصحيح والثقات، ومعرفة المجروحين، (ت354هـ). انظر: العبر (2: 300). طبقات الأسنوي (1: 201).
فهذهِ الأحاديثُ المسندة، والأخبارُ المرسلةُ دالةٌ صريحاً على انتقاضِ الوضوءِ بالقهقهة.
وممَّا ينبغي أن يعلمَ أنَّهُ وقعَ في كتبِ الأصولِ نسبةُ روايةِ هذا الحديثِ إلى زيدٍ بن خالدٍ الجهنيّ، ولم أجدْهُ من روايتِه.
والعلاَّمتان الزَّيْلَعِيُّ (¬1) والعَينِيُّ مع بسطِهِما طرقَ هذا الحديث، أيضاً لم يذكراهُ من روايتِه.
وقال قاسم (¬2) في ((شرحِ مختصرِ المنار)): أمَّا قولُهُم أنَّ زيدَ بن خالدٍ الجُهَنِيِّ (¬3) رواهُ فمَّمَا لم يوجدْ في شيءٍ من الكتبِ التي بأيدي أهلِ العلمِ الآن.
¬
(¬1) هو عبد الله بن يوسف بن محمد الزَّيْلَعِيِّ، جمال الدين، نسبة إلى زيلع بلدة بساحل بحر الحبشة، له: نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، قال الإمام اللكنوي: هذا الكتاب هو أحسن تخاريج أحاديث الهداية، (ت762هـ). انظر: حسن المحاضرة (1: 203). غيث الغمام (ص18).
(¬2) هو قاسم بن قُطْلُوبُغَا بن عبد الله السُّودُونيّ المصريّ الحنفيّ، أبو العدل، زين الدين، والسُّودُونيّ نسبة لمعتق أبيه سودون الشيخوني نائب السلطان الحنفي، من مؤلفاته: تحفة الإحياء بتخريج أحاديث الإحياء، والترجيح والتصحيح على القدوري، وشرح المجمع، (802 - 879هـ). انظر: الضوء اللامع (5: 184 - 190). التعليقات السنية (ص167 - 168).
(¬3) هو زيد بن خالد الجُهَنِيّ المَدَنِيّ، صحابي مشهور، مات بالكوفة سنة (68هـ)، وله خمس وثمانين سنة. انظر: التقريب (ص163).
وقد رواهُ الأئمةُ عن أبي حنيفةَ من غيرِ طريقِ زيد؛ فرواهُ محمَّدٌ (¬1) من مرسلِ الحَسَن، ورواهُ غيرُهُ من طريقِ معبد (¬2). انتهى كلامه.
وللخصومِ على هذهِ الوجوهِ وجوهٌ من الإيراد:
بعضُها إلزاميَّة.
وبعضُها تحقيقيَّة.
وبعضُها إجماليَّة.
وبعضُها تفصيليَّة.
فمنها
ما أوردَهُ البَيْهَقِيُّ في ((الخلافيَّات)) بعدَ ذكرِهِ مسندَ أبي موسى: من أنَّ جماعةً من الثِّقاتِ رووهُ عن هشام، عن حفصة، عن أبي العاليةَ مرسلاً، ولم يذكروا فيهِ أبا موسى.
والجوابُ عنهُ: أنَّهم اختلفوا في قبولِ المرسلِ من الأخبار وعدمِ قبولِه، فذهبَ مالك، وأحمد، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، وغيرهم إلى قبولِهِ (¬3).
¬
(¬1) أي محمد بن الحسن الشَّيْبَانِيّ في الآثار (1: 28).
(¬2) في سنن الدارقطني (1: 167).
(¬3) انظر: ميزان الأصول (2: 644 - 649). والباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (ص46). وتدريب الراوي (1: 103 - 104). وقواعد في علوم الحديث (ص138).
وذهبَ طائفةٌ من أهلِ الحديثِ إلى أنَّ المرسلَ في حكمِ الحديثِ الضَّعيف، فلا يقبلُ إلا إذا أسندَ من وجهٍ آخر، لو أرسلَهُ مَن أخذَ عن غيرِ رجالِ المرسلِ الأوَّل.
وهو مذهبُ الشَّافعيِّ وأصحابِهِ.
واستدلُّوا على ذلك:
بأنَّ من شرطِ الحديثِ الصَّحيحِ ثقةُ رجالِه.
والمرسلُ سقطَ منهُ رجلٌ لا يعلمُ حالُه، وإن اتَّفقَ أنَّ الذي أرسلَهُ كان لا يروي إلا عن ثقة، فالتَّوثيقُ في المبهمِ غيرُ كافٍ.
وأجابَ عنهُ أصحابُنا:
بأنَّ الكلامَ إنَّما هو في إرسالِ الثَّقة، فهو لا يرسلُ الخبرَ إلا بعدَ توثيقِ مَن أخذَ عنهُ فلا اشتباهَ في المرسل، بل المرسلُ فوقَ المسند؛ فإنَّ الرَّاوي الثِّقةَ إذا اعتمدَ على وثوقِ شيخِه، ولم يبقَ لهُ اشتباهٌ فيه أرسلَه، وزيادةُ تفصيلِ هذه الأصولِ مبسوطةٌ في علمِ الأصول (¬1).
إذا عرفتَ هذا فنقول: لو سلَّمنا أنَّ الرِّوايةَ المذكورةَ من مرسلاتِ أبي العالية، فالمرسلُ مقبولٌ عندنا، وكذا عندكم أيُّها المالكيَّةُ والحنابلةُ فلمَ لا
¬
(¬1) انظر: مرآة الأصول في شرح مرقاة الوصول (2: 20 - 21). وقمر الأقمار على نور الأنوار شرح كشف الأسرار شرح المنار (2: 25 - 27).
تعملونَ به!
قال العَيْنِيُّ في ((البناية)): العجبُ من أحمدَ أنَّ مذهبَهُ تقديمُ الحديثِ الضَّعيفِ على القياس، هكذا حكاهُ عنهُ ابنُ الجَوْزِيُّ في ((التَّحقيق))، وقد أخذَ بالقياسِ هاهنا، وتركَ أحدَ عشرَ حديثاً، والمرسلُ حجَّةٌ عندَ مالك أيضاً. انتهى (¬1).
مع أنَّ الحديثَ المذكورَ قد أسندَ من وجوهِ آخرَ أيضاً، فينبغي أن يعتضدَ إرسالُهُ بها عند الشَّافعيّ، ويعملُ به.
لا يقالُ قد أسندَ الدَّارَقُطْنِيُّ عن عاصم قال: قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيلَ الحَسَن وأبي العالية، وما حدَّثتموني فلا تحدِّثوني عنهما، فإنَّهما لا يباليان (¬2) عمَّن أخذا (¬3).
وأسندَ أيضاً عن ابن عون قال: قال محمَّدٌ بن سيرين: أربعةٌ لا يبالونَ ممَّن يسمعون: الحسن، وأبو العالية، وحميدُ بن هلال (¬4)، ولم يذكرْ الرَّابع (¬5).
¬
(¬1) من البناية في شرح الهداية (1: 229).
(¬2) وقع في الأصل: يبالان، والمثبت من السنن.
(¬3) انتهى من سنن الدارقطني (1: 171).
(¬4) هو حُمَيْد بن هلال العَدَوي البصريّ، أبو نصر، قال الذهبي: من أجلَّة التابعين وثقاتهم بالبصرة، قال ابن حجر: ثقة عالم، توقَّف فيه ابن سيرين لدخوله في عامل السلطان. انظر: الميزان (2: 391). التقريب (ص122).
(¬5) انتهى من سنن الدارقطني (1: 171).
وذكرَهُ غيرُهُ فسمَّاهُ أنسَ بن سيرين (¬1).
لأنا نقولُ في صحَّةِ هذه الحكايةِ ارتيابٌ كيفَ لا، وكانَ ابنُ سيرين من معرِّفِي الحَسَن البصريّ، ويقرُّ بفضلِهِ وشرفِهِ على نفسِه، فكيفَ يقولُ هذا في حقِّه!
وعلى تقديرِ صحَّتها لا يقبلُ قولُ ابن سيرين فيهما، فإنَّ جلالتَهما ورفعةَ مكانهما مشهور، وعلى أَلْسِنَةِ المحدِّثينَ مذكور.
وقد نقلَ صاحبُ ((التَّهذيب)) عن ابنِ مَعين (¬2)، وأبي زُرْعَة (¬3)، في حقِّ أبي العالية: واسمُهُ رُفَيْعُ بنُ مَهْران: إنَّهُ ثقة، وعن اللاَّلكائيّ (¬4): إنَّهُ مجمعٌ على ثقتِه (¬5).
¬
(¬1) هو أنس بن سيرين الأنصاري البصريّ، أبو موسى، قال ابن حجر: ثقة، (ت118هـ). انظر: التقريب (ص54).
(¬2) هو يحيى بن معين بن عَوْن بن زياد بن بسطام الغَطَفَانيّ البغداديّ، أبو زكريا، قال المزيّ: إمام أهل الحديث في زمانه والمشار إليه من بين أقرانه، قال ابن حجر: ثقة حافظ مشهور، إمام الجرح والتعديل، (ت233هـ). انظر: تهذيب الكمال (31: 543 - 568). التقريب (ص527).
(¬3) هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد المخزومي الرازيّ، أبو زُرْعة، قال أبو حاتم: لم يخلف بعده مثله فقهاً وعلماً وصيانة وصدقاً، وهذا ممَّا لا يُرتاب فيه، ولا أعلم في المشرق والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله. وقال ابن رَاهَوَيْه: كل حديث لا يحفظه أبو زرعة ليس له أصل، له: مسند، (200 - 264هـ). انظر: العبر (2: 29). التقريب (ص313).
(¬4) هو هبة الله بن حسن بن منصور الطبريّ الرازيّ اللاَّلكائيّ الشافعيّ، أبو القاسم، من مؤلفاته: مذاهب أهل السنة، و شرح أصول اعتقاد أهل السنة الجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وكتاب رجال الصحابة، والسنن، (ت418هـ). انظر: طبقات الأسنوي (2: 191). العبر (3: 130). معجم المؤلفين (4: 54).
(¬5) انتهى من تهذيب التهذيب لابن حجر (3: 246).
وقال في ((البناية)): قولُ ابنِ عَدِيّ إنَّما قيلَ في أبي العالية، ما قيلَ لحديثِ
الضَّحكِ وإلا فسائرُ أحاديثِهِ صالحة (¬1).
يردُّ قولَ ابن سيرين فيه، وإذا صَلُحَ سائرُ أحاديثِهِ فلا مانعَ من صلاحِ الحديثِ المذكور، وقد رواهُ غيرُهُ أيضاً.
ومَن أسندَ الحديثَ إلى إنسانٍ فقد شهدَ عليه أنَّه رواه، فإذا أرسلَهُ فقد شهدَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ بأنَّهُ قالَه، وكيف يجيزُ الشَّهادةَ عليه بالباطل، وذلك قادحٌ في دينِه، فضلاً عن عدالتِه، والحَسَنُ، وأبو العاليةَ من أعلامِ الدِّين. انتهى ملخصاً (¬2).
ومنها
ما ذكرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (¬3) بعدَ روايةِ مسندِ أبي هريرة - رضي الله عنه -: عبدُ العزيز
¬
(¬1) انتهى من الكامل في ضعفاء الرجاللابن عدي (3: 169).
(¬2) من البناية في شرح الهداية (1: 228 - 229).
(¬3) في السنن (1: 193 - 164).
ضعيف، وعبدُ الكريم متروك، وفيهِ انقطاعٌ بينَ الحَسَن وأبي هريرة، فإنَّه لم يسمعْ منه (¬1).
والجوابُ عنه:
أمَّا عن ضعفِ عبدِ العزيز، وتركِ عبدِ الكريم، فهو أنَّ الضَّعيفَ إذا تعدَّدتْ طرقُهُ انجبرَ ضعفُهُ كما هو مبسوطٌ في كتبِ الأصول.
وهذا الحديثُ كذلك؛ فإنَّ إسنادَهُ هذا وإن كان ضعيفاً لكنَّ لهُ طرقٌ أخر أيضاً تزيلُ (¬2) الضَّعف.
وأمَّا عن الانقطاعِ فبوجهين:
أحدُهما: ما ذَكَرَهُ العَيْنِيُّ من أنَّهُ لمَّا عدَّ في ((التَّهذيبِ)) (¬3)، وغيرِهِ مَن روى
¬
(¬1) انظر: علل الدارقطني (8: 248).
(¬2) في الأصل: يزيل.
(¬3) تهذيب الكمال في أسماء الرجال ليوسف بن عبد الرحمن بن يوسف القُضاعيّ المزيّ الدِّمشقيّ، أبي الحجاج، جمال الدين، والمزيِّ نسبة إلى المزّة بكسر الميم، قرية بظاهر دمشق، قال الأسنوي: كان أحفظ أهل زمانه، لا سيما الرجال المتقدمين، وانتهت إليه الرحلة من أقطار الأرض لروايته ودرايته، وكان إماماً في اللغة و التصريف، خيِّراً طارحاً للتكلّف فقيراً، قال الإمام اللكنوي عن كتابه تهذيب الكمال: هو كتاب لا نظير له في معرفة الرجال، ومن مؤلفاته: تحفة الأشراف في معرفة الأطراف، (654 - 742هـ). انظر: الوفياتلابن رافع السلامي (1: 396 - 397). طبقات الأسنوي (2: 257 - 258). التعليقات السنية (ص 119).
عنه، قال: وعن أبي هريرة، وقيل: لم يسمعْ منه (¬1).
ولا يضرُّنا هذا الخلاف؛ لأنَّ المثبتَ مقدَّمٌ على النَّافي (¬2).
قلتُ (¬3): هذا الوجهُ ليسَ بذاك، فإنَّ بعضَهم وإن أثبتَ للحَسَنِ سماعاً من أبي هريرة، لكنَّ جمهورهم، منهم: الأمامُ أحمدُ بن حنبل، وابنُ أبي حاتم (¬4)، وأبو زُرْعة، ويونسُ بن عبيد، وأبو حاتم (¬5) لم يثبِّتُوه، بل قال بعضُهم: إنَّهُ لم يرَهُ أيضاً، كما هو مبسوطٌ في ((تهذيبِ التَّهذيبِ)) (¬6)، وغيرِه (¬7).
وفي ((سننِ النَّسَائِيّ)) في (بابِ الخلع): حدَّثنا اسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا المَخْزُومِيُّ وهو المُغيرةُ بن سَلَمة قال: حدَّثنا وُهَيْب، عن أيوب، عن
¬
(¬1) انتهى من تهذيب الكمال للمزي (6: 99).
(¬2) انتهى من البناية (1: 229).
(¬3) القائل هو الإمام اللكنوي رحمه الله.
(¬4) هو عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المُنْذِر التَّمِيميّ الرَّازيّ، المعروف بابن أبي حاتم، قال أبو يَعْلَى الخليليّ: أخذ علمَ أبيه وأبي زُرعة، وكان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال، (ت327هـ). انظر: العبر (2: 208). مرآة الجنان (2: 289).
(¬5) هو محمد بن إدريس بن المُنْذِر الحَنْظَليّ الرَّازِيّ، أبو حاتم، قال الذهبي: حافظ المشرق، من أوعية العلم، وكان جارياً في مضمار البخاري وأبي زرعة، قال ابن حجر: أحد الحفَّاظ، (ت277هـ). انظر: العبر (2: 58). التقريب (ص403).
(¬6) تهذيب التهذيب (2: 233).
(¬7) مثل: تهذيب الكمال (6: 123). والميزان (2: 281).
الحَسَن، عن أبي هُرَيْرَة، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ أنَّه قال: (المُنْتَزِعَاتُ وَالمُخْتَلِعَاتُ (¬1) هُنَّ المُنَافِقَات) (¬2).
قال الحَسَن: لم أسمعْهُ من غيرِ أبي هريرة، قال (5أبو (¬3) عبدِ الرَّحمنِ النَّسَائيّ: الحَسَنُ لم يسمعْ منه شيئاً. انتهى (¬4).
ونقلَهُ الحافظُ ابن حَجَرٍ في ((تهذيبِ التَّهذيب)) بلفظ: قال الحَسَن: لم أسمعْ من أبي هُرَيْرةَ غيرَ هذا الحديث، ثُمَّ قال: هذا إسنادٌ لا مَطْعَنَ فيه من أحدٍ من رواتِه، وهو يريدُ أنَّهُ سمعَ من أبي هريرةَ في الجملة. انتهى (¬5).
لكنِّي لم أجدْ هذا اللَّفظَ (¬6) في ((سننِ النَّسَائيّ)).
¬
(¬1) المنتزعاتُ والمختلعاتُ: يعني اللاتي يطلبنَ الخلعَ والطَّلاق من أزواجهن بغير عذر، وكونها المنافقات، أي أنَّها كالمنافقات في أنَّها لا تستحق دخول الجنة مع من يدخلها أو لا، والله تعالى أعلم. انظر: شرح السيوطي على سنن النسائي (4: 168). وحاشية السندي (4: 168).
(¬2) في السنن الكبرىللنسائي (3: 368).والمجتبى (6: 168).وسنن سعيد بن منصور (1: 373).
(¬3) سقطت من الأصل، وأثبتها من السنن.
(¬4) من السنن الكبرىللنسائي (3: 368). والمجتبى (6: 168).
(¬5) من تهذيب التهذيب (2: 235).
(¬6) أي قول الحسن: لم أسمع من أبي هريرة غير هذا الحديث. فالموجود في سنن النسائي هو: قال الحَسَن: لم أسمعْهُ من غيرِ أبي هريرة. والله أعلم.
وبالجملةِ سماعُ الحَسَنِ منه غيرُ معتمدٍ عليه عند نقَّادِ الفنّ، وصاحبُ البيتِ أدرى بما فيه، وما ذَكَرَهُ من أنَّ المثبتَ مقدَّمٌ على النَّافي، فهو إنَّما هو لو كانَ المثبتُ بدليلٍ يُعْتَمدُ عليه، وإذ ليسَ فليس.
وثانيهما: إن عَدَّ سماع الحَسَنِ عن أبي هُرَيْرةَ ليسَ بقادح، فإنَّ مراسيلَ الحَسَنِ مقبولةً إذا رواها عنهُ الثِّقات، كما ذَكَرَهُ ابن (¬1) المَدِيني (¬2)، وغيرِه.
ومنها
إنَّ في مسندِ ابن عمر ضعفاً لما ذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ في ((العللِ المتناهية)) بعدَ ذكرِهِ: إنَّهُ حديثٌ لا يصحُّ، فإنَّ بقيَّةَ من عادتِهِ التَّدليس، وكأنَّهُ سمعَهُ من بعضِ الضُّعفاء فحذفَ اسمَه. انتهى (¬3).
وفي ((تهذيبِ التَّهذيب)): بقيَّةٌ بن الوليد: قال ابنُ المُبارك (¬4): كانَ
¬
(¬1) هو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السَّعْديّ البصريّ، أبو الحسن، المشهور بابن المديني، حتى قال البُخَاريّ: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني، وقال شيخه ابن عيينة: كنت أتعلَّم منه أكثر مما يتعلّم مني، (ت234هـ). انظر: التقريب (ص342).
(¬2) قال علي بن المديني: مرسلات الحسن البصريّ التي رواها عنه الثقات صحاحُ ما قلَّ ما يسقط منها. انظر: تهذيب الكمال (6: 124).
(¬3) العلل المتناهية (1: 368).
(¬4) هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحَنْظَليّ بالولاء، التَّميميّ المروزيّ، أبو عبد الرحمن، قال شعبة: ما قدم علينا مثله، وقال الذهبي: كان رأساً في الذكاء، رأساً في الشجاعة والجهاد، رأساً في الكرم، ومن مصنَّفاته: الجهاد، والرَّقائق، (118 - 181هـ). انظر: وفيات (3: 3234). العبر (1: 280 - 281). طبقات الشيرازي (ص107 - 108).
صدوقاً، ولكنَّهُ يكتبُ ممَّن أقبلَ وأدبر.
وقال الحاكم (¬1): ثقةٌ في حديث، إذا حدَّثَ عن الثِّقات، لكنَّهُ ربَّما روى عن أقوامٍ مثلَ الأَوْزَاعِيِّ والزَّبِيدِيِّ أحاديثَ شبيهةً بالموضوعة (¬2)، أخذَها عن محمَّد بن عبدِ الرَّحمنِ، ويوسف، وغيرهما من الضُّعفاء، ويسقطَهم من الوسط.
وقال البَيْهَقِيُّ في ((الخلافيَّات)): أجمعوا على أنَّ بقيَّةَ ليسَ بحجَّة.
وقال ابنُ القطَّان (¬3): بقيَّةُ يدلِّسٌ عن الضُّعفاء، ويستبيحُ ذلك. انتهى ملخصاً (¬4).
¬
(¬1) هو محمد بن عبد الله بن محمد الضَّبِّي الطَّهْمَان النَّيْسابوريّ، أبو عبد الله، المعروف بالحاكم، وإنما عرف بالحاكم لتقلده القضاء، له: المستدرك، ومعرفة علوم الحديث، وفضائل الشافعي، (321 - 405هـ). انظر: انظر: وفيات (4: 280). طبقات ابن قاضي شهبة (1: 197).
(¬2) وقع في الأصل: الموضوع، والمثبت من التهذيب.
(¬3) هو علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحِمْيَري الفاسي، أبو الحسن، المشهور بابن القَطَّان الفاسي، من مؤلفاته: بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، والنظر في أحكام النظر، نظم الجمان، (562 - 628هـ). انظر: المستطرفة (ص133). الأعلام (8: 152).
(¬4) من تهذيب التهذيب (1: 419).
وفي ((التَّبيين لأسماءِ المدلِّسين)) للحافظِ برهانِ الدِّين الحَلَبِيِّ (¬1): بقيَّةُ بن الوليد: مشهورٌ بالتَّدليس، مكثرٌ، له عن الضعفاء. انتهى (¬2).
والجوابُ عنه
إنَّهم اختلفوا في قبولِ روايةِ المدلِّس:
فجعلَهُ فريقٌ مجروحاً بذلك، وقالوا: لا تقبلُ روايتُهُ بحالٍ بيَّنَ السَّماع، أو لم يبيِّن.
والصَّحيحُ التَّفصيل:
وهو أنَّ ما رواهُ المدلِّسُ بلفظٍ محتملٍ لم يبيِّنْ فيه السَّماعَ والاتِّصال، حكمُهُ حكمُ المرسل.
وما رواهُ بلفظٍ مبيِّن للاتِّصال، نحو: سمعت، أو حدَّثنا، أو أخبرنا، ونحوها، فهو مقبولٌ محتجٌّ به، كذا ذكرَهُ ابن الصَّلاحِ (¬3) ....................
¬
(¬1) هو إبراهيم بن محمد بن خليل الطَّرابُلْسِيّ الحَلَبِيّ الشَّافِعِيّ، المعروف بسبط ابن العجمي، أبو الوفاء، برهان الدِّين، من مؤلفاته: الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث، والتلقيح لفهم قارئ الصحيح، والتبيين لأسماء المدلسين، والاغتباط بمن رمي بالاختلاط، (753 - 841هـ). انظر: الضوء اللامع (1: 138 - 145). والبدر الطالع (1: 28 - 30).
(¬2) من التبيين لأسماء المدلسين (ص47).
(¬3) هو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكرديّ الشَّهْرَزُورِيّ الشَّرَخانيّ
الدِّمَشِقيّ، أبو عمرو، تقي الدين، المعروف بابن الصَّلاح، وشَرَخَان: بفتح الشين المثلثة والراء، والخاء المعجمة، وبعد الألف نون، قرية من أعمال إربِلَ قريبة من شَهْرَزُوز، قال: الأسنوي: كان إماماً في الفقه والحديث، عارفاً بالتفسير والأصول النحو، ورعاً زاهداً، ملازماً لطريقة السلف الصالح لا يمكن أحداً في دمشق من قراءة المنطق والفلسفة، والملوك تطيعه في ذلك، (577 - 643هـ). انظر: طبقات الأسنوي (2: 41). طبقات ابن هداية الله (ص220 - 221). روض المناظر (ص253).
في ((مقدِّمَتِه)) (¬1).
وزادَ بعضُهم: إنَّما يقبلُ بلفظٍ مبيِّن للاتِّصال إذا كانَ المدلِّسُ ثقة، ولا ريبَ في كونِ بقيَّةَ ثقة، كيف لا؟ وقد أخرجَ له مسلمُ حديثاً واحداً شاهداً، متنُهُ: (مَنْ دُعِي إِلَى عُرْسٍ وَنَحْوِهِ فَلْيُجِبْ) (¬2).
وقد صرَّحَ في الحديثِ المتنازعِ فيهِ بالتَّحديث، حيثُ قال: حدَّثنا أبي كما نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ في ((نصبِ الرَّايةِ في تخريجِ أحاديثِ الهداية)) (¬3)، فلا مجالَ لعدمِ قبولِه.
¬
(¬1) انظر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (ص51).
(¬2) في صحيح مسلم (2: 1053). والمستخرج على صحيح مسلم (4: 99). ومسند أبي عوانة (3: 62).
(¬3) نصب الراية (1: 48).
ومنها
أنَّهُ قال الدَّارَقُطْنِيُّ بعدَ روايةِ مسند أنس: داودُ متروك، وأيوبُ ضعيف.
والصَّوابُ من ذلك قول مَن رواهُ عن قتادة عن أبي العالية مرسلاً (¬1).
والجوابُ عنهُ
أنَّهُ غيرُ مضرٍّ لوجودِ شاهدِهِ من طريقٍ آخر؛ وهو ما أخرجَهُ حمزة (¬2).
ومنها
أنَّه قال الدَّارَقُطْنيُّ بعد روايتِهِ مسندَ جابر - رضي الله عنه -: يزيدُ بن سِنَانٍ ضعيف، ويكنَّى بأبي فروةَ الرُّهَاوِيّ، وابنُهُ أيضاً ضعيف، وقد وَهِمَ في موضعين:
أحدُهما: في رفعِهِ إيَّاه.
والآخرُ: في لفظِه.
والصَّحيح: عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابرٍ - رضي الله عنه - من قولِه: (مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلاةِ أَعَادَ الصَّلاة، وَلَمْ يُعِدْ الوُضُوء)، كذلكَ رواهُ جمعٌ من
¬
(¬1) انتهى من سنن الدارقطني (1: 163).
(¬2) أي حمزة بن يوسف في تاريخ جرجان (1: 405)، كما مرَّ.
الثِّقات: منهم الثَّوريّ، وأبو معاوية الضَّرير (¬1)، ووكيع (¬2)، وعبدُ اللهِ بن داود (¬3)، وعمرُ بن علي (¬4)، وغيرهم (¬5).
والجوابُ عنهُ
على ما ذَكَرَهُ العَيْنِيُّ بوجهين:
أحدُهما: إنَّ هذا المسند، وإن كان ضعيفاً، فقد اعتضدَ بغيِرِهِ من الأحاديثِ المرويَّةِ في هذا الباب.
¬
(¬1) هو محمد خازم الضَّرير الكُوفِيّ، أبو معاوية، عمي وهو صغير، قال ابن حجر: ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، ورمي بالإرجاء، (ت195هـ). انظر: العبر (1: 318). التقريب (ص411).
(¬2) هو وَكِيع بن الجَرَّاح بن مَليح الرُّؤاسي الكوفي، أبو سفيان، قال ابن معين: كان وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه، قال الصيمريّ: كان يفتي بقول أبي حنيفة، وممن كان يفتي برأي أبي حنيفة يحيى بن سعيد القطَّان، وابن المُبارك، من مؤلفاته: التفسير، والسنن، والمعرفة والتاريخ، (129 - 197هـ). انظر: تهذيب الكمال (30: 462). العبر (1: 342). الجواهر (3: 577).
(¬3) هو عبد الله بن داود بن عامر الهَمْدانيّ الخُرَيْبِيّ الكُوفِيّ، أبو عبد الرحمن، قال ابن حجر: ثقة عابد، (ت213هـ).العبر (1: 364). والتقريب (244).
(¬4) هو عمر بن علي بن عطاء بن مُقَدِّم البصري الواسطيّ، أبو حفص، قال ابن حجر: ثقة، وكان يدلِّس شديداً، قال الذهبي: كان حافظاً مدلِّساً، كان يقول: ثنا، سمعت، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عُرْوَة، وينوي القطع، (ت190هـ). انظر: العبر (306). التقريب (ص354).
(¬5) انتهى من سنن الدارقطني (1: 172).
وثانيهما: إنَّهُ حجَّةٌ لنا، سواءٌ كان موقوفاً أومرفوعاً، ولا يمكنُ لجابرٍ أن يقولَ برأيهِ في مثلِ هذا الموضع (¬1).
ومنها
إنَّ في مسندِ عمرانَ ضعفاء، فقال الدَّارَقُطْنِيُّ بعدَ روايةِ مسندِ عمران: عمرُ بنُ قيسٍ المكيِّ ضعيفٌ ذاهبُ الحديث، وعمرُ بنُ عبيد، قيل فيه: إنَّهُ كذَّاب. انتهى (¬2).
وقال ابن عَدِيّ: محمَّد الخُزَاعِيُّ من مجهولي مشايخِ بقيَّة. انتهى (¬3).
وفي ((تهذيبِ التَّهذيب)): عمرُ بن قيسٍ المعروفُ بسندٍ له: قال أبو طالب عن أحمد: متروك.
وقال البُخَارِيُّ: منكرُ الحديث.
وقال الجُوزَجَانِيُّ (¬4): ساقط.
وقال النَّسَائيّ: ليسَ بثقة.
¬
(¬1) انتهى من البناية (1: 230).
(¬2) من سنن الدارقطني (1: 165).
(¬3) من الكامل في الضعفاء (3: 167).
(¬4) هو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجُوزَجانيّ السعديّ الدّمشقيّ، أبو إسحاق، قال الذهبي: كان من كبار العلماء، من مؤلفاته: كتاب الضعفاء، وكتاب في الجرح والتعديل، وأحوال الرجال، (ت259هـ) انظر: العبر (2: 18). التقريب (ص35).
وقال البَزَّارُ (¬1): ضعيفُ الحديث. انتهى ملخصاً (¬2).
وفيه أيضاً: عمرو بن عبيد التَّمِيميّ، روى عن الحَسَنِ وغيرِه.
قال أبو حاتمٍ: متروكُ الحديث.
وقال النَّسَائِيُّ: ليس بثقة.
وقال الطَّيَالِسيُّ (¬3) عن شُعْبة (¬4) عن يونس: كان ممَّن يكذبُ في الحديث. انتهى ملتقطاً (¬5).
¬
(¬1) هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البَصْرِيّ البَزَّار، أبو بكر، والبَزَّارُ نسبةً لمن يخرج الدهن من البزور ويبيعه، قال الدَّارَقُطْني: ثقة يخطئ ويتَّكلُ على حفظه. من مؤلفاته: المسند، (ت292هـ). انظر: العبر (2: 92)، الكشف (2: 1682).
(¬2) من تهذيب التهذيب (7: 431 - 432).
(¬3) هو سليمان بن داود بن الجارود الطَّيَالسيّ البصريّ، أبو داود، قال الفلاس: ما رأيت أحفظ منه، من مصنفاته: المسند (133 - 204هـ). انظر: مرآة الجنان (2:29). روض المناظر (ص148).
(¬4) هو شُعْبَةُ بن الحَجَّاج بن الوَرْد العَتَكِي الواسطيّ البصري، أبو بسطام، قال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، وقال الثوري: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتَّشَ بالعراق عن الرجال، وذَبَّ عن السنة، وكان عابداً، (ت160هـ). انظر: التقريب (ص208). مرآة الجنان (1: 340 - 341).
(¬5) من تهذيب التهذيب (8: 62).
وأجابَ عنه العينيّ
بأنَّ عمروَ بنَ عبيدٍ كان جالسَ الحَسَن، وحفظَ عنه، واشتهرَ بصحبتِه، فالكذبُ عنهُ بعيد، ومحمَّد الخُزِاعِيّ: هو ابنُ راشد، وقد وثَّقَهُ أحمد، وابنُ مَعين.
وقال عبدُ الرَّزاق (¬1): ما رأيتُ أحداً أورعُ منه في هذا الحديث (¬2).
ومنها
أنَّ الحَسَنَ بن دينار، وابنَ عمارة: في مسندِ أبي المليح عن أبيه: ضعيفان وكلاهما أخطأ في الإسناد، وإنَّما رواهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عن حفصٍ ابن سليمان، عن أبي العالية مرسلاً.
فأمَّا قولُ الحَسَن بن عمارة، عن خالد، عن أبي المليح، عن أبيه، فَوَهْمٌ قبيح، وإنَّما رواهُ خالد الحَذَّاء، عن حفصةَ بنتُ سيرين، عن أبي العالية مرسلاً.
رواهُ عنهُ كذلكَ الثَّوريّ، ووَهْب، وحمَّادُ بن سَلَمة، وغيرُهم.
¬
(¬1) هو عبد الرزاق بن همّام بن نافع الحِمْيَري الصَّنْعَاني، أبو بكر، والصَّنْعَانِيُّ نسبةً إلى مدينة صَنْعاء، قال ابن السَّمْعَاني: قيل ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما رحلوا إليه، له: المصنف، (126 - 211هـ). انظر: وفيات الأعيان (3: 216) الأعلام (4: 126).
(¬2) انتهى من البناية للعيني (1: 231).
وقد اضطربَ ابنُ إسحاقَ في روايتِهِ عن الحَسَنِ بنِ دينار هذا الحديث:
فمرَّةً رواهُ عنهُ عن الحَسَنِ البصريّ.
ومرَّةً رواهُ عنهُ عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه.
وقتادةُ إنَّما رواهُ عن أبي العالية مرسلاً.
رواهُ عنه سعيدُ بن أبي عروبة، معمر (¬1)، وأبو عوانة، وسعيدُ بن بشير، وغيرُهم، كذا قال الدَّارَقُطْنِيّ (¬2).
ثمَّ ذَكَرَ أحاديثَهم (¬3).
ثمَّ قال (¬4): هؤلاءٍ ثقاتٌ رووه عن قتادة، عن أبي العالية مرسلاً.
ثمَّ قال (¬5): الحَسَنُ بن دينار متروكُ الحديث، وحديثُهُ هذا بعيدٌ من الصَّواب. انتهى (¬6).
وأجابَ عنه العينيّ
بأنهُ قيلَ عن ابنِ عُيَيْنَةَ (¬7): كان الحَسَنُ بنُ عمارة يحفظ.
¬
(¬1) وقع في الأصل: مسلم، والمثبت من السنن.
(¬2) في سنن الدارقطني (1: 161).
(¬3) في السنن (1: 162 - 163).
(¬4) أي الدارقطني في السنن (1: 162).
(¬5) أي الدارقطني في السنن (1: 163).
(¬6) من سنن الدارقطني1: 161 - 163).
(¬7) هو سفيان بن عُيَيْنَةَ بن أبي عمران الهلاليّ الكُوفِيّ المَكَّيّ. أبو محمد، قال ابن سعد: كان إماماً عالماً ثبتاً حجَّةً زاهداً ورعاً مجمعاً على صحَّة حديثه وروايته، حجَّ سبعين حجَّة، (107 - 198هـ). انظر: وفيات الأعيان (2: 391 - 393)، التقريب (ص184).
وقال عيسى بن يونس (¬1): سمعت سويداً يقول: كنتُ عندَ الثَّوريّ فذُكِرَ الحَسَنُ بنُ عمارةَ فغمزَه.
فقلتُ: يا أبا عبدِ الله هو عندي خيرٌ منك.
قال: وكيف ذاك؟
قلتُ: جلستُ معهُ غيرَ مرَّة، فما يذكرُكَ إلا بخير.
قال أيوب (¬2): فما ذَكَرَ سفيانُ الحَسَنَ بعد ذلك إلا بخير (¬3).
¬
(¬1) هو عيسى بن يونس بن أبان الرَّمْلي الفاخوري، أبو موسى، قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ، وقال النسائي: ثقة، وقال أبو داود: صدوق، (ت264هـ). انظر: تهذيب الكمال (23: 60 - 62). التقريب (ص377).
(¬2) هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيانيّ البَصْرِيّ، أبو بكر، قال ابن سعد: كان ثقة ثبتاً في الحديث، جامعاً، كثير العلم، عدلاً، وقال شعبة: كان سيد الفقهاء، وقال: ما رأيت مثل أيوب ويونس بن عبيد وابن عون، قال ابن حجر: ثقة ثبت حجَّة من كبار الفقهاء العباد، (ت131هـ). انظر: تهذيب الكمال (3: 457 - 464). التقريب (ص57).
(¬3) انتهى من البناية (1: 231).
وأنتَ تعلمُ أنَّ هذا القدرَ لا يكفي في الجوابِ عن العلَّةِ المذكورة، بل الحقُّ أن يقال: إنَّا لا ندَّعي أنَّ كلَّ طريقٍ من طرقِ الحديثِ المتنازعِ فيه سالمٌ عن العلل، بل الغرضُ أنَّ للحديثِ أصلاً، وهو حاصل.
ومنها
ما ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بعد إخراجِهِ مسندَ مَعْبَد: وَهِمَ فيه أبو حنيفةَ على منصور، وإنَّما رواهُ منصور، عن محمَّدٍ بن سيرين، عن مَعْبَد.
ومعبد هذا لا صحبةَ له، ويقال: إنَّهُ أوَّلُ مَن تكلَّمَ بالقدرِ من التَّابعين.
حدَّثَ به عن منصورٍ غيلانُ بنُ جامع (¬1)، وهُشَيْمُ بنُ بشير (¬2)، وهما أحفظُ من أبي حنيفةَ للإسناد. انتهى (¬3).
وذَكَرَ ابنُ عَدِيِّ نحوَه، وقال: لم يقلْ في إسنادِهِ عن مَعْبَدٍ إلا أبو حنيفة،
¬
(¬1) هو غيلان بن جامع بن أشعث المحاربي الكوفي، أبو عبد الله، قال ابن معين: ثقة، قال ابن حجر: ثقة. (ت132هـ). انظر: تهذيب الكمال (23: 126 - 130). التقريب (ص379).
(¬2) هو هُشَيم بن بشير بن القاسم بن دينار السُّلَمِيّ الواسطيّ، أبو معاوية، قال يحيى القطان: هو أحفظ من رأيت بعد سفيان وشعبة، وقال ابن مهدي: هشيم أحفظ للحديث من الثوري، قال ابن حجر: ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفيّ، (ت183هـ). انظر: العبر (1: 286). التقريب (ص504).
(¬3) من سنن الدارقطني (1: 161).
وأخطأَ فيه، وقال لنا ابن حمَّاد، وكان يميلُ إلى أبي حنيفة: هو مَعْبَد ابن هَوْذَة (¬1) (¬2)، وهذا غلطٌ منه؛ لأنَّ مَعْبَدَ بنَ (¬3) هَوْذَة (¬4) أنصاريّ، وهذا جُهَنِيّ (¬5).
وأجابَ عنه العينيُّ
بأنَّهُ ذَكَرَ ابنُ مَنْدَهْ (¬6) في ((معرفةِ الصَّحابة)): مَعْبَدُ بنُ أبي مَعْبَد، رأى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم، وهو صغير، ثمَّ ذَكَرَ ابنُ مَنْدَهْ (¬7): مرور النَّبيِّ
¬
(¬1) وقع في الأصل: هوزة، والمثبت من الكامل.
(¬2) معبد هذا قد ذَكَره البخاري في كتاب (تسمية الصحابة من الصحابة)، وفي الكاشف للذهبي معبد بن هوزة روى عنه أبيه وعنه يعمر، صحابي، قال ابن معين: حديثه في التكميل منكر. منه سلمه الله. [أي من الإمام اللكنوي رحمه الله].أ.
(¬3) في الأصل: ين.
(¬4) مَعْبَدُ هذا قد ذَكَره البخاري كتاب تسمية الصحابة من الصحابة، وفي الكاشف للذَّهَبِيّ [2: 178]: مَعْبَدُ بنُ هَوْذَة، روى عنه أبيه، وعنه ابنه نعمان، صحابيّ، قال ابن معين: حديثه في الكحل منكر. منه رحمه الله.
(¬5) انتهى ملتقطاً من الكامل في ضفعاء الرجال (3: 167).
(¬6) في الأصل: مندة، وهو محمد بن يحيى بن مَنْدَهْ العبدي، أبو عبد الله، ومَنْدَهْ بفتح الميم والدال المهملة بيهما نون ساكنة وفي الآخر هاء ساكنة، لقب جده واسمه إبراهيم بن الوليد، والعبدي نسبة إلى عبد يا ليل كانت أم المترجم منهم، فنسب إلى أخواله، من مؤلفاته: تاريخ أصبهان، ومعرفة الصَّحَابَة، (ت301هـ). انظر: وفيات (4: 289). الأعلام (8: 3).
(¬7) في الأصل: مندة.
صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم بخيمتي أمِّ مَعْبَد، وأنَّهُ بعثَ مَعْبَداً وكان صغيراً ... الحديث (¬1).
ثم قال: روى أبو حنيفةَ عن منصور بن زاذان الخ.
ثم قال: وهو حديثٌ مشهور عندَهُ رواه أبو يوسفَ القاضي (¬2)، وأسد بن عمرو (¬3)، وغيرهما.
فظهرَ من هذا أن مَعْبَدَ المذكورَ في هذا الحديثِ ليسَ هو الذي يُتَكَلَّمُ فيه في القدر.
¬
(¬1) في دلائل النبوة للأصبهاني (1: 60).
(¬2) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خُنَيْس بن سعد بن حَبْته بن معاوية، أبو يوسف، صاحب أبي حنيفةَ، سعد بن حَبْته من الصحابة أتي يوم الخندق إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فدعا له ومسح على رأسه، قال الذهبي: أبو يوسف قاضي القضاة، وهو أول من دعي بذلك، وكان مع سعة علمه أحد الأجواد الأسخياء. وقال: ابن سماعة: كان أبو يوسف يصلي بعدما ولي القضاء في كل يوم مئتي ركعة، من مؤلفاته: الأمالي، النَّوادر، والآثار، والخراج، (113 - 183هـ). النجوم الزاهرة (2: 107 - 708)، العبر (1: 284)، الفوائد (ص372).
(¬3) هو أسد بن عمرو بن عامر بن عبد الله القُشَيْرِيّ البَجَلِيّ الكُوفِيّ، والبَجْلي بفتح الباء وسكون الجيم نسبة إلى بَجْلة من سليم، وأما البَجَلي بفتحتين فهو نسبة إلى جرير بن عبد الله البَجَلي الصحابي، أبو المُنْذِر، سمع أبا حنيفة، وتفقَّه عليه، (ت190هـ). انظر: العبر (1: 305). الجواهر (1: 376 - 378). الفوائد (ص78 - 79).
ثمَّ لو سلَّمنا أنَّهُ الجُهَنِيُّ الذي تَكَلَّمَ فيه في القَدَر، فلا نسلِّمُ أنَّهُ لا صحبةَ له.
قال أبو عمرو بنُ عبدِ البَرّ (¬1) في كتابِ ((الاستيعاب)): ذَكَرَهُ
الوَاقِدِيُّ (¬2) في ((الصَّحابة)) وقال: أسلمَ قديماً وهو أحدُ الأربعةِ الذينَ حملوا ألويةَ الجُهَنِيَّة يومَ الفتح.
قال: وقال أبو أحمد (¬3) في ((الكنى))، وابنُ أبي حاتم كلاهما: له صحبة (¬4).
¬
(¬1) هو يوسف بن عبد البرِ بنِ محمّد بنِ عبد البرّ بنِ عاصمٍ النمريّ القرطبيِّ المالكيّ، قال الباجي: لم يكن بالأندلسِ مثله في الحديث، وقال ابن حزمٍ: لا أعلم في الكلامِ على فقه الحديث مثله، من مؤلفاته: الاستذكار، والتمهيد، والاستيعاب في أحوال الأصحاب، قال الإمام اللكنوي: قد طالعت شرحه الاستذكار، وهو نفيس جداً، يستحسنه الأخيار، مبسوط كافٍ، مع اختصاره بسيط، وافٍ مغنٍ عن غيره، (368 - 463هـ). انظر: وفيات (7: 66 - 71). الكشف (1: 81). مقدمة التعليق الممجد (ص22).
(¬2) هو محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي المدني الواقدي، أبو عبد الله، قال الذهبي: أحد أوعية العلم، وكان يقول: حفظي أكثر من كتبي، وقد تحوَّل مرَّة وكانت كتبه مئة وعشرين حملاً، من مؤلفاته: تاريخ الفقهاء، وتفسير القرآن، وفتوح العراق، وفتوح الشام، (130 - 207هـ). انظر: العبر (1: 353). مرآة الجنان (2: 36 - 37).
(¬3) هو الحاكم (ت405هـ)، كما في الاستيعاب، سبقت ترجمته.
(¬4) انتهى من الاستيعاب (3: 1426).
وقال الذَّهبيُّ (¬1) في ((تجريد (¬2) الصَّحابة)): مَعْبَدُ بن خالدٍ الجُهَنِيّ، أبو رقاعة، شهدَ الفتح، له رواية.
وقال (¬3): مَعْبَدُ بنُ صبيح بصري مرويٌّ عند إسحاق حديثُهُ في الوضوءِ من القهقهة، ولا يثبت. انتهى كلامه (¬4).
وقال الحَلَبِيُّ في ((غُنْيَةِ المُسْتَمْلِي)): الذي لا صحبةَ له هو مَعْبَدُ البَصْرِيّ الجُهَنِيّ الذي كانَ يقولُ الحَسَنُ فيه: إيَّاكم ومَعْبَداً، فإنَّهُ ضالٌّ ومضلٌّ، ومَعْبَدُ هذا هو الخُزَاعِيّ، كما صرَّحَ به في ((مسندِ أبي حنيفة)).
ولا شكَّ في صحبتِه، ذكرَهُ ابن مَنْدَه (¬5)، وأبو نُعَيم (¬6) في ((الصَّحابة))، ورويا له حديثَ جابرٍ لمَّا هاجرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ وأبو
¬
(¬1) هو محمد بن أحمد بن عثمان التُّركمانيّ الفارقيّ الدِّمشقيّ الذّهبيّ الشَّافعيّ، أبو عبد الله، شمس الدين، من مؤلفاته: سير أعلام النبلاء، والعبر، تاريخ الإسلام، (673 - 748هـ). انظر: الدرر الكامنة (3: 336). النجوم الزاهرة (10: 182). فوات الوفيات (3: 315 - 316).
(¬2) وقع في الأصل: تجربة، والمثبت من البناية.
(¬3) أي الذهبي رحمه الله، كما في البناية (1: 232).
(¬4) من البناية (1: 232).
(¬5) في الأصل: مندة.
(¬6) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد الأَصبهاني، أبو نُعَيْم، قال الذَّهَبِيُّ: تفرَّد في الدنيا بعلُوِّ الإسناد مع الحفظ والاستبحار من الحديث والفنون، له: حلية الأولياء، وتاريخ أصبهان، دلائل النبوة، (336 - 430هـ). انظر• (وفيات (1: 91). مرآة الجنان (3: 52). النجوم الزاهرة (5: 30).
بكرٍ مرَّا بخيمة أمِّ مَعْبَد، وكان مَعْبَدُ صغيراً، فقال: (ادعُ هذه الشَّاة ... ) (¬1) الحديث.
ولو سُلِّمَ فإذا صحَّ المرسل، وهو حجَّةٌ عندنا فلا بدَّ من العملِ به (¬2).
قلتُ (¬3): الظَّاهرُ أنَّ معبداً المذكورُ في الرِّوايةِ المذكورةِ معبدُ بن صبيح، لما في ((مسندِ الإمامِ)) الذي جمعَهُ أبو المؤيَّد محمَّد بن محمود الخُوَارَزْمِيّ: أبو حنيفة، عن منصور بن راذان، عن الحَسَن، عن مَعْبَدِ بن صبيح، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم: (أنَّهُ كَانَ فِي الصَّلاةِ فَأَقْبَلَ أَعْمَى يُرِيدُ الصَّلاةَ فَوَقَعَ فِي زَبِيَّة (¬4)، فَضَحِكَ بَعْضُ القَوْمِ حَتَّى قَهْقَهَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم قَالَ: (مَنْ قَهْقَهَ فَلْيُعِدْ الوُضُوءَ وَالصَّلاة) (¬5).
وقال الخُوَارَزْمِيُّ عند ذِكْرِ مناقبِ الإمام: يقولُ الخَطِيبُ (¬6)، وأمثالُه: إنَّ
¬
(¬1) في دلائل النبوة للأصبهاني (1: 60).
(¬2) انتهى من غنية المستملي شرح منية المصلي (ص141).
(¬3) القائل هو الإمام اللكنوي رحمه الله.
(¬4) في الأصل: ركية، والمثبت من المسند.
(¬5) في جامع مسانيد أبي حنيفة (1: 247).
(¬6) هو أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مَهْدِي، المعروف بالخَطيب البَغْداديّ، أبي بكر، من مؤلفاته: تاريخ بغداد، والكفاية في علم الرواية، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (392 - 463هـ). انظر: معجم الأدباء (4: 13 - 45).، وطبقات ابن هداية الله (ص164 - 166). النجوم الزاهرة (5: 87 - 88).
أبا حنيفةَ كان يستعملُ القياسَ دونَ الأخبار، وهذا لغلبةِ الهوى، وقلَّةِ الوقوفِ على الفقه، والوجهُ لإبطالِ ما قال: أنَّ مَن عَرَفَ مأخذَ أبي حنيفةَ وأصحابَه، عرفَ بطلانَ ما قالَه.
وبيانُ ذلك من حيث التَّفصيل: إنَّ أبا حنيفةَ قال بأنَّ القهقهةَ ناقضةٌ؛ لحديثِ الأعمى الذي وَقَعَ في الزّبيَّةِ (¬1)، وهو وإن كان ضعيفاً، فقد قال به أبو حنيفةَ وتركَ بهِ قياسُ القهقهة في الصَّلاةِ على غيرِ الصَّلاة، خلافاً للشَّافِعِيّ فإنَّهُ أخذَ بالقياس. انتهى كلامه (¬2).
ومنها
ما ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بعدَ إخراجِهِ مسندَ الأنصاريّ: هكذا رواهُ خالد، ولم يسمِّ الرَّجل، ولا ذكرَ أَلَهُ صحبةٌ أم لا؟ وقد خالفَهُ خمسةٌ حفَّاظٍ ثقات، وقولُهُم أولى بالصَّواب (¬3).
¬
(¬1) في الأصل: الركية، والمثبت من المسند.
(¬2) أي الخوارزمي في جامع مسانيد أبي حنيفة (1: 43).
(¬3) انتهى من سنن الدارقطني (1: 169).
وأجابَ عنه الزَّيْلَعيُّ
في ((نصبِ الرَّايةِ في تخريجِ أحاديثِ الهداية)) (¬1): إنَّ زيادةَ خالد هذا الرَّجل الأنصاريّ زيادةٌ عدل، لا يعارضُها نقضُ مَن نقضَها (¬2).
ومنها
أنَّ مرسلَ النَّخْعيّ، ومرسلَ الحَسَن، ومرسلَ الزُّهْرِيّ كلُّها ترجعُ إلى مرسلِ أبي العاليةِ مع ما فيها من العللِ القادحة، فقد أسندَ الدَّارَقُطْنِيُّ عن عليِّ بن المَدِينيّ، قال: قلت: لعبدِ الرَّحمن بن مَهْدِي (¬3): روى هذا الحديثَ إبراهيمُ مرسلاً، فقال: حدَّثني شريكٌ عن أبي هاشم قال: أنا حدَّثتُ به إبراهيمَ عن أبي العالية، فَرَجَعَ حديثُ إبراهيمَ النَّخْعيِّ إلى أبي العالية (¬4).
وهكذا ذَكَرَهُ ابنُ عَدِيِّ في ((الكامل)) (¬5).
¬
(¬1) نصب الراية (1: 51).
(¬2) العبارة في الأصل: نقص من نقصها، والمثبت من نصب الراية.
(¬3) هو عبد الرحمن بن مَهْدي بن حَسَّان بن عبد الرحمن العَنْبَريّ البَصْرِيّ اللُّؤلؤيّ، أبو سعيد، قال ابنُ المَدِينيّ: ما رأيت أعلم منه، وكان يختم في كل ليلتين، فكان ورده في كل ليلة نصف القرآن. (ت198هـ). تهذيب الكمال (17: 430 - 442). التقريب (ص293).
(¬4) انتهى من سنن الدارقطني (1: 171).
(¬5) الكامل في ضعفاء الرجال (3: 168).
ثمَّ أسندَ (¬1) عن يحيى بن مَعين، أنّه قال: مراسيلُ إبراهيمَ صحيحةً إلا حديثَ تاجرِ البحرين، وحديثَ القهقهة.
قال الزَّيْلَعِيُّ في ((نصبِ الرَّاية)): أمَّا حديثُ القهقهة فقد عرفت، وأمَّا حديثُ تاجرِ البحرين: فأخرجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ في ((مصنَّفِه)): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: جاءَ رجلٌ فقال: (يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي رَجُلٌ تَاجِر، اخَتْلِفُ إِلَى البَحْرَيْن، فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْن) (¬2) يعني القصر. انتهى كلامه (¬3).
وأسندَ ابن عَدِيّ أيضاً عن عليِّ بنِ المَدِيني قال: قال لي عبدُ الرَّحمنِ بن مهدي، وكان أعلمَ النَّاسِ بحديثِ القهقهة: إنَّهُ كلُّهُ يدورُ على أبي العالية.
فقلت له: إنَّ الحَسَنَ يرويهِ مرسلاً، فقال عبدُ الرَّحمن: حدَّثنا حمَّاد بن زيد، عن حفصٍ بن سليمان قال: أنا حدَّثتُ به الحَسَنَ عن حفصةَ عن أبي العالية.
فقلت له: قد رواهُ إبراهيمُ مرسلاً، فقال عبدُ الرَّحمن: حدَّثنا شريكٌ عن أبي هاشم قال: أنا حدَّثتُ به إبراهيمَ عن أبي العالية.
فقلت له: قد رواهُ الزُّهْرِيُّ مرسلاً، فقال عبدُ الرَّحمن: قرأتُ هذا
¬
(¬1) أي ابن عَدِيّ في الكامل (3: 168).
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة (1: 204).
(¬3) أي الزيلعي في نصب الراية (1: 51).
الحديثَ في كتابِ ابن أخي الزّهريّ، عن الزّهريّ، عن سليمان بن أرقم، عن الحَسَن (¬1).
وفي ((سننِ البَيْهَقيّ)): قال الإمامُ أحمد: لو كان عند الزُّهْرِيِّ والحَسَنِ فيه حديثٌ صحيحٌ لما استجازَ القولُ بخلافِه.
وقد صحَّ عن قتادةَ عن الحَسَنِ أنَّهُ كان لا يرى من الضَّحكِ في الصَّلاةِ وضوء.
وعن شعيبٍ بن أبي حمزة (¬2)، وغيرِه، عن الزُّهْرِيِّ كذلك (¬3).
وأجيبَ عنه
أمَّا عن رجوعِ سائرِ المراسيلِ إلى مرسلِ أبي العالية، فهو أنَّهُ ليسَ بقدح؛ فإنَّ مراسيلَ أبي العالية مقبولة، وجميعُ أحاديثِهِ مستقيمة، وما الدَّاعي إلى ردِّ حديثِهِ هذا، وقبولِ سائرِ أحاديثِه!
وأمَّا عن صحَّةِ خلافِ ما يثبتُ بالحديثِ عن الحَسَنِ وغيرِه، فهو أنَّ عملَ الرَّاوي بخلافِ الحديثِ لا يُوجِبُ جَرْحاً فيه، كيفَ وقد روى
¬
(¬1) انتهى من الكامل لابن عدي (3: 169).
(¬2) هو شعيب بن أبي حمزة دينار القرشيّ الأمويّ الحمصيّ، أبو بشر، قال ابن مَعين: من أثبت الناس في الزُّهُرِيّ، (ت 162هـ). انظر: تهذيب الكمال (12: 516). التقريب (ص208).
(¬3) انتهى من سنن البيهقي الكبير (1: 147).
الدَّارَقُطْنيُّ (¬1) بسندٍ صحيحٍ عن أبي هريرةَ أنّه قال: إذا ولغَ الكلبُ في الإناء فأهرقْهُ ثمَّ اغسلْهُ ثلاثاً، ولم يجعلوا ذلكَ جرحاً (¬2) في روايتِهِ مرفوعاً: (الغَسْلُ سَبْعَاً) (¬3).
مع أنَّ عدمَ صحَّةِ حديثٍ في هذا الباب عند الحَسَنِ والزُّهْرِيّ لا ينفي الصحَّةَ في الواقعِ كما لا يخفى.
ومنها
إنَّهُ لم يكنْ في مسجدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ بئر، ولا حفرة، فكيف يصحُّ الخبرُ بوقوعِ الأعمى فيها؟
والجوابُ عنه
إنَّهُ اختلفتْ الرِّواياتُ فيه:
ففي بعضِها: وقعَ لفظُ البئر.
وفي بعضِها: الحفرة.
وفي بعضِها: الزبيّة (¬4).
¬
(¬1) في سننه (1: 66).
(¬2) في الأصل: حرجا.
(¬3) في صحيح البخاري (1: 75)، وصحيح مسلم (1: 234)، ولفظه له: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليرقْه، ثم ليغسلْه سبعَ مرار).
(¬4) في الأصل: الركية، والمثبت من جامع المسانيد.
والظَّاهرُ أنه من تصرُّفِ الرُّواة، ووقوعُ الأعمى كان في حفرةٍ صغيرةٍ عند المسجدِ كان يجتمعُ فيها المطر.
ومنها
إنه لا يُتَوَهَّمُ على أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ الضَّحكَ في الصَّلاةٍ قهقهةً خصوصاً خلفَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم.
والجواب عنه
إنَّهُ لا بُعْدَ في ذلك، فقد كان يصلِّي خلفَهُ الأعرابُ والمنافقون، وأحداثُ الصَّحابةِ الذين لا مهارةَ لهم في مسائلِ الصَّلاة.
وهذا من بابِ حُسْنِ الظَّنِّ بهم، وإلا فليسَ الضَّحكُ كبيرة، وهم ليسوا من الصَّغائرِ بمعصومينَ ولا من الكبائر، على تقديرِ كونِهِ كبيرة، كذا قال صاحبُ ((العناية)) (¬1).
وقال صاحبُ ((البحر الرَّائقِ)) مشيراً إلى الإيرادِ عليه المنقولِ في الأصول: إنَّ الصَّحابةَ كلُّهم عُدُول، فهم محفوظونَ عن المعاصي. انتهى (¬2).
¬
(¬1) العناية على الهداية (1: 46)، وهي لمحمد بن محمد بن محمود الروميّ البابرتيّ، أبي عبد الله، أكمل الدين، نسبة إلى بابرتا بالقصر قرية بنواحي بغداد، من مؤلفاته: حواشي الكشاف، وشرح الفرائض السراجية، وشرح ألفية ابن معطٍ، وشرح أصول البزدوي، (714 - 786هـ). انظر: تاج التراجم (ص276)، الفوائد (ص320).
(¬2) من البحر الرائق شرح كنْز الدقائق (1: 44)،
قلتُ: المرادُ بالعدالة: التَّحَفُظُ عن الكذب، لا التَجنُّبُ عن المعاصي مطلقاً، كيف لا وقصةُ زناء ماعزٍ رضيَ اللهُ عنه، ومواقعةُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ في ليلةِ رمضانَ مع النَّهي عنه، ونحو ذلك مشهور، وهذا كلُّهُ من الكبائر، غايةُ الأمرِ أنَّهم تابوا فصاروا كأنَّهم لم يفعلوا.
وقالَ بعضُ أعيانِ الدِّهْلِيّ: حقيقةُ العدالةِ المرادةِ في الكلَّيةِ المذكورة: التَّجنُّبُ عن تعمُّدِ الكذبِ في الرِّواية، وهو سيرة الصَّحابةِ كلُّهم حتَّى مَن دخلَ منهم في الفتنةِ والمشاجرات، والدَّليلُ على ذلك: إنَّ هذه العقيدةَ لا توجدُ في كتبِ العقائدِ القديمة، ولا كتبِ الكلام، وإنَّما ذَكَرَها المحدِّثونَ في أصولِ الحديثِ في بيانِ تعديلِ طبقاتِ الرُّواة، وإنَّما نقلُ هذهِ العقيدةَ من تلك الكتبِ في كتبِ العقائد، وإنَّما فعلَ ذلك مَن خَلَطَ منهم في الحديثِ والكلامِ من غيرِ تعمُّقٍ ولا شُبْهةَ أنَّ العدالةَ التي يتعلَّقُ بها غرضُ الأصوليِّ هي العدالةُ في الرِّوايةِ لا غير، وعلى هذا فلا إشكال (¬1). انتهى كلامه.
¬
(¬1) وأشار الإمام اللكنوي في ظفر الأماني (ص486 - 487) إلى هذا المعنى في عدالة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فقال: وقد تجيء العدالة بمعنى ما يقابل الكذب في الرواية، فيقال لمن هو مجتنبٌ عنه: عادلٌ بعد أن يكون مسلماً عاقلاً، وإن لم يكن سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وبهذا المعنى يقال: إن الصحابة كلَّهم عدول، حتى من دخل منهم في المشاجرات والمخاصمات.
وفهم من قولهم هذا جمعٌ من أبناء عصرنا أنهم معصومون عن الكبائر، محفوظون عن جملة الصغائر، فلم يسلِّموا هذه الكلية، وقالوا: الصحابة بعضهم عدول، وبعضهم ليسوا بعدول، وهو قول فاسد، مبنيٌّ على فهمِهم الكاسد. ا. هـ.
ومنها
ما نُقِلَ عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: لو كانت القهقهةُ حَدَثاً في الصَّلاةِ لكانت (¬1) حَدَثاً خارجِها أيضاً؛ لأنَّ نواقضَ الطَّهارةِ سوى فيهما: الصَّلاةُ، وخارجُها، كما في سائرِ الأحداث.
والجوابُ عنه
ما ذَكَرَهُ العَيْنِيُّ من أنَّ الفرقَ بينهما ظاهر، وهو أنَّ المصلِّي في مناجاةِ الرَّبّ، والمقصودُ بالصَّلاةِ إظهارُ الخشوع، فالضَّحكُ قهقهةً فيها جنايةٌ عظيمة، فناسبَ ذلك انتقاضَ وضوئهِ زَجْراً له، وهذه المعاني لا توجدُ خارجَ الصَّلاة، ولأنَّ النَّصَّ إذا وردَ على خلافِ القياسِ لا يقاسُ على غيرِه، بل يقتصرُ على موردِه. انتهى (¬2).
قلت: حاصلُ إيرادِ الشَّافعيَّ أنَّهُ لو كانتْ القهقهةُ حَدَثاً في الصَّلاةِ لكانتْ حَدَثاً خارجَها أيضاً، لكن ليست حَدَثاً خارجَها فلا تكونُ حَدَثاً فيها أيضاً.
¬
(¬1) في الأصل: كان.
(¬2) من البناية (1: 233).
والجوابُ عنه من طريقيْن:
أحدُهما: بمنعِ الملازمة (¬1)؛ وهو الذي ذَكَرَهُ العَيْنِيُّ (¬2) بقولِه: ولأنَّ النَّصَّ ... الخ.
يعني أنَّ الملازمةَ بين كونِها حَدَثاً في الصَّلاةِ وبين كونِها حَدَثاً خارجَها غيرُ مسلَّمة؛ لأنَّ النَّصَّ قد وردَ بالأوَّلِ على خلافِ القياس، ولم يردْ بالثَّاني.
وثانيهما: بتسليمِ المقدِّمتَيْن (¬3)، والمطلوبِ، وعدمِ مضرَّتِه، وهو الذي ذكرَهُ العَيْنِيُّ (¬4) بقولِه: الفرقُ بينهما ظاهرٌ ... الخ.
وحاصلُهُ أنَّا سلَّمنا الملازمةَ (¬5) وما خرجَ منها، لكنَّا نقول: انتقاضُ الوضوءِ بالضَّحكِ في الصَّلاةِ ليسَ لكونِهِ حَدَثاً، بل زَجْراً على الجنايةِ الموجبةِ لعدمِ الخشوعِ المنافيةِ لحالةِ الصَّلاة.
¬
(¬1) أي منع الملازمة بين كل ما ينقض الطهارة داخل الصلاة ينقض خارجها.
(¬2) في البناية (1: 233).
(¬3) المقدمة الأولى: القهقهة حدثاً في الصلاة، والمقدمة الثانية: الأحداث ناقضة للطهارة في الصلاة وخارجها.
(¬4) في البناية (1: 233).
(¬5) أي الملازمة فيما يكون حَدَثاً في الصلاة يكون حَدَثا خارجِها.
ومنها
ما أسندَهُ ابنُ عَدِيٍّ في ((الكامل)) في ترجمةِ الحَسَنِ بن زياد: إلى الشَّافِعِيِّ أنَّهُ ناظرَ الحَسَنَ بن زيادٍ يوماً، فقال له: ما تقولُ في رجلٍ قَذَفَ محصنةً (¬1) في الصَّلاة، قال: تبطلُ صلاتُه، قال: فوضوؤه؟ قال: وضوؤهُ على حالِه، قال: فلو ضحكَ في الصَّلاة؟ قال: تبطلُ صلاتُهُ ووضوؤه، فقال الشَّافِعِيُّ: فيكونُ الضَّحكُ في الصَّلاةِ أسوءُ حالاً من قذفِ المحصنات (¬2)، ففحمه (¬3).
وفي ((ميزانِ الاعتدال)) للذَّهَبِيِّ في ترجمتِه: قال البُويْطيُّ (¬4) سمعتُ الشَّافعيَّ يقول: قال لي الفَضْل (¬5): أنا اشتهي مناظرتكَ مع الحَسَنِ بن زيادِ
¬
(¬1) وقع في الأصل: محصن، والمثبت من الكامل.
(¬2) وقع في الأصل: محصن، والمثبت من الكامل.
(¬3) كذا في الكامل (2: 319).
(¬4) هو يوسف بن يحيى القُرَشِي البويطيّ، أبو يعقوب، نسبة إلى بُويْط، وهي قرية من صعيد مصر الأدنى، قال الشافعيّ: ليس أحد أحق بمجلسي من أبي يعقوب، وليس أحد من أصحابي أعلم منه، قال الأسنوي: كان خليفة الشافعي في حلقته، وكان متقشفاً، كثير القراءة. (ت231هـ). انظر: طبقات الأسنوي (1: 22 - 23). طبقات ابن هداية الله (ص16 - 19).
(¬5) هو الفضل بن الربيع بن يونس، أبو العباس، حاجب الرشيد وابن حاجب المنصور، وهو الذي قام بأعباء خلافة الأمين، (138 - 208هـ). انظر: العبر (1: 355). الأعلام (5: 353).
اللُّؤلؤي، فقلت: ليس هناك، قال: فاحضرَنا، وأُتِيْنا بطعامٍ (¬1) فأكلنا، فقال رجلٌ معي: ما تقولُ في رجلٍ قذفَ محصنةً في الصَّلاة؟ قال: بطلتْ صلاتُه، قال: وطهارته؟ قال: بحالها، فقال له: قذفُ المحصناتِ أيسرُ من الضَّحكِ في الصَّلاة، فأخذَ اللُّؤلؤيُّ نعليهِ وقام، فقلت للفضل: قد قلتُ لك: إنَّهُ ليس هنالك. انتهى (¬2).
والجوابُ عنه على ما أقول
إنَّ سكوتَ الحَسَنِ بن زيادٍ عن الجوابِ لا يضرُّ المذهب، فلعلَّهُ لم يكنْ بلَغَهُ حديثُ الباب (¬3)، فلم يهتدِ إلى الجوابِ بالصَّواب، وليسَ للعقلِ مجالٌ بعدَ ورودِ النَّقل.
وبالجملةِ فليس نقضُ الوضوءِ بالقهقهةِ عندنا لكونها كبيرةً حتى يردَّ النَّقضَ بغيرها، بل لورودِ النَّصِ فيها، وعدمِهِ في غيرِها.
ومنها
أنَّهُ روى التِّرْمِذِيّ، وقال: حسنٌ صحيح، وأحمد، وابن ماجه، والبَيْهَقيّ، وغيرهم من حديثِ أبي هريرة مرفوعاً: (لا وُضُوءَ إلا مَنْ صَوْتٍ أَوْ رِيح) (¬4)، فهذا يدلُّ على أنَّهُ لا وضوءَ في القهقهة.
¬
(¬1) وقع في الأصل: لطعام، والمثبت من الميزان.
(¬2) من ميزان الاعتدال (2: 239).
(¬3) وهو حديث القهقهة السابق ذكره.
(¬4) في صحيح ابن خزيمة (1: 18)، وسنن الترمذي (1: 109)، وابن ماجه (1: 172)، ومسند أحمد (2: 471)، ومسند الطيالسي (1: 318)، ومسند ابن الجعد (1: 40)، والمنتقى (1: 14). والمعجم الأوسط (7: 86). وسنن البيهقي الكبير (1: 117).
والجوابُ عنه من وجوه
أحدُها: أنَّ ظاهرَ هذا الحديثِ متروكٌ بالإجماع؛ لأنَّ في البولِ والغائطِ يجبُ الوضوء، وإن لم يوجدْ الصَّوتُ والرِّيح، وكذا في الدَّمِ والقيحِ إن خرجا من المخرجِ المعتاد.
وثانيهما: أنَّ مسَّ الذَّكَرِ ببطنِ الكف، ومسِّ بشرةِ المرأةِ تنقضُ الوضوءَ عندَ الشَّافِعِيِّ (¬1) وأصحابِه، فانتقضَ الحصرُ به.
فإنَّ قالوا: إنَّما أبطلنا الحصرَ بهذهِ الصُّورِ لوجودِ النُّصوصِ الأُخر فيها، ولا نصَّ في نقضِ الوضوءِ بالقهقهة.
قلنا: النُّصوصُ في القهقهةِ أيضاً موجودةٌ كما بسطناها، غايةُ ما في البابِ أنَّها مرسلةٌ أو ضعيفة، وهو لا يضرُّ المقصود.
وثالثهما: وهو الحلّ، إنَّ الحديثَ المذكورَ وردَ في حقِّ مَن شكَّ في خروجِ الرِّيحِ ولا تعلُّقَ له بنفي غيرِه.
ومنها
إنَّ الحدثَ إنَّما هو الخارجُ النَّجس، والقهقهةُ ليستْ بخارجٍ نجس.
¬
(¬1) انظر: منهاج الطالبين للنووي (1: 34 - 35).
والجوابُ عنه
إنَّ مسَّ الذَّكرِ أيضاً ليسَ بخارجٍ نجسٍ على أنه قد تقرَّرَ في مقرِّهِ (¬1) أنَّ كلَّ خارجٍ نجسٍ حدث، ولم يتقرَّرْ أنَّ كلَّ حدثٍ فهو نجسٌ خارج، ومَن ادَّعى فعليهِ البيان.
ومنها
إنَّ خبرَ الواحدِ فيما يتكرَّرُ ويعمُّ بهِ البلوى لا يثبتُ الوجوب، إلا إذا اشتهرَ أو تلقَّاهُ الأمَّةُ بالقبول عند عامَّةِ الحنفيَّة، ومنهم الكَرْخِيُّ (¬2) كما تقرَّرَ في أصولِهم، ولا ريبَ في أنَّ خبرَ القهقهةِ كذلك، فكيفَ يقبلُ عندهم.
والجوابُ عنه
على ما أشارَ إليه ابنُ الهُمَامِ (¬3) في ((تحريرِ الأصولِ)) (¬4) وغيرِه: إنَّ خبرَ
¬
(¬1) انظر: (ص20).
(¬2) هو عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دَلَهْم، أبو الحَسَن الكَرْخِي، نسبة إلى كَرْخ قرية بنواحي العراق، وقد انتهت إليه رئاسة الحنفية، وكان قانعاً متعففاً عابداً كبير القدر، من مؤلفاته: المختصر وشرح الجامع الكبير وشرح الجامع الصغير، (260 - 340هـ). انظر: تاج (ص200)، الفوائد (ص183).
(¬3) هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السَّكَنْدَرِيّ السِّيوَاسِيّ القَاهِريّ الحنفيّ، نسبة إلى سيواس الشهير بابن الهُمَام، كمال الدين، من مؤلفاته: فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية وصل فيه إلى كتاب الوكالة، والمسايرة في العقائد، وزاد الفقير مختصر في مسائل الصَّلاة، (790 - 861هـ).الضوء اللامع (6: 127). والفوائد (ص296 - 298). الكشف (1: 358).
(¬4) التحرير (ص350).
القهقهةِ ليسَ من جنسِ أخبارِ الآحادِ الواردةِ فيما يعمُّ به البلوى، فإنَّ المرادَ بعمومِ البلوى؛ أن يكثرَ وقوعُه، ويعمُّ عروضُهُ للنَّاس، ويشتدُّ إليه الحاجة، والقهقهةُ في الصَّلاةِ إمَّا أن تعرضَ لبعضِ الأمراضِ كالخفقان، أو لأمرٍ نادرٍ عجيب، فتكونُ من النَّوادر، فلم يكنْ للعملِ بما وردَ في كونِها ناقضةً للوضوءِ احتياجٌ إلى بلوغِهِ حدَّ الاشتهار.
بالجملة؛ فالحنفيَّةُ إنَّما اشترطوا الاشتهارَ في الخبرِ الواقعِ في ما يعمُّ به البلوى، ويكثر وقوعُهُ لا في العوارضِ النَّادرة، فلا يلزمُ عليهم شيء.
ومنها
أنَّهُ قد فُصَّلَ في أصولِ الحنفيَّة أنَّ الرَّاوي إن عُرِفَ بالفقه، والتَّقدمِ في الاجتهادِ كالخلفاءِ الرَّاشدين كان حديثُهُ حجةً يُتْركُ به القياس.
وإن عُرِفَ الرَّاوي بالعدالةِ دونَ الفقه، فإن وافقَ القياسَ حديثُهُ قُبِل، وإن خالفَهُ لم يتركْ إلا للضَّرورة، ومثَّلوهُ بخبرِ المُصَرَّاةِ (¬1) المرويِّ في ((صحيحِ مسلم)) وغيره، وهو ما رواهُ أبو هُرَيْرةَ مرفوعاً: (لا تُصِرُّوا الإبِلَ والغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظِريْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا، وَصَاعَاً مِنْ تَمْر) (¬2)، فهذا الحديثُ مخالفٌ للقياسِ من كلِّ
¬
(¬1) المُصَرَّاةُ: هي الناقة أو البقرة أو الشاة يُصَرَّى اللَّبَنُ في ضرعها، أي يجمع ويحبس. انظر: اللسان (3: 2441).
(¬2) في صحيح البخاري (2: 755)، وصحيح مسلم (3: 1155)، وصحيح ابن حبان (11: 343)، وغيرها.
وجه، وراويهِ أبو هريرةَ وهوَ غيرُ فقيه، فلم يقبلْ عندهم.
ولا شكَّ في أنَّ خبرَ القهقهةِ أيضاً كذلك، فإنَّهُ مخالفٌ للقياسِ من كلِّ وجه، ومن رواتِه، أبو هريرة، وهو غيرُ فقيه، فكيفَ قبلوه؟
والجوابُ عنه من وجوه
أحدُها: ما ذَكَرَهُ ابنُ مَلَكٍ (¬1) في ((شرحِ المنار))، وتَبِعَهُ مَن شرحَهُ بعدَه (¬2): بأنّا إنَّما قبلنا حديثَ القهقهةِ لروايةِ غيرِ أبي هريرة أيضاً، مثل: جابر، وأنس، وغيرِهما من كبراءِ الصَّحابة، وعَمِلَ بهِ كثيرٌ من الصَّحابةِ والتَّابعين، ولهذا قُدِّمَ على القياس.
وثانيها: إنَّ عدَّ أبي هريرة - رضي الله عنه - غير فقيه، وإن صدرَ عن جمعٍ من الفضلاءِ لكنَّهُ غيرُ صحيحٍ عندَ محقِّقي أصحابنا، فقد ذَكَرَ ابْنُ الهُمَامِ في ((التَّحرير)) (¬3): إنَّهُ من الفقهاء، وكان لا يعملُ بفتوى غيره، وأفتى في زمنِ الصَّحابة، وعارضَ أجلَّةَ الصَّحابةِ كابنِ عَبَّاس، وغيرِه، فالقولُ بأنَّهُ غيرُ فقيهٍ ازدراءٌ في حقِّه.
¬
(¬1) هو عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين بن فرشتا الكَرْمَاني المعروفِ بابن مَلَك، وفرشتا: الملك، قال الإمام اللَّكْنَوِيّ: طالعت من تصانيفه: شرح المجمع، وشرح المنار، ومبارق الأزهار فِي شرح مشارق الأنوار، وكلُّها لطيفةٌ نفيسةٌ (ت801هـ). انظر: الضوء اللامع (4: 329)، الفوائد (ص181)، دفع الغواية (ص6).
(¬2) مثل صاحب نور الأنوار (2: 14
(¬3) التحرير (ص319).
وأمَّا قولُ صاحبِ ((نورِ الأنوار)) (¬1) عند بحث حديثِ المُصَرَّاة: هذا
ليس ازدراءً بأبي هريرة، واستخفافاً به، معاذَ الله، بل بياناً لنكتةٍ في هذا المقام. انتهى (¬2).
فلا ينفعُ شيئاً، فإنَّ بيانَ النُّكتةِ على وجهٍ يستلزمُ خلافَ الواقعِ يستلزمُ الازدراءَ قطعاً.
ومن غرائبِ الحكاياتِ ما أوردَهُ العلاَّمةُ الدَّمِيرِيُّ (¬3) في (فصلِ الحيَّة) من ((حياةِ ... الحيوان)) ... بقولِه: ... في ((رحلة ... ابن ... الصَّلاح))، ... و ((تاريخِ ... ابن
¬
(¬1) نور الأنوار في شرح المنار لأحمد بن أبي سعيد بن عبيد الله بن عبد الرزَّاق المكيّ الصالحيّ اللكنويّ الصديقيّ الميهويّ الحنفيّ، المعروف بملا جيون، وكان ذا حافظة قوية، يقرأ عبارات الكتاب صفحة صفحة، وورقة ورقة فيستوعبها، وكان يحفظ القصيدة الطويلة لمجرد سماعها، من مؤلفاته: إشراق الأبصار في تخريج أحاديث نور الأنوار، والتفسيرات الأحمدية في بيان الآيات الشرعية، (1047 - 1130هـ). انظر: أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص511).
(¬2) كذا في نور الأنوار (2: 13).
(¬3) وهو محمد بن عيسى الدَّمِيرِيّ المصريّ الشَّافِعِيّ، والدَّمِيريُّ بفتح الدال وكسر الميم، كمال الدين، من مؤلفاته: شرح المنهاج، والديباج شرح سنن ابن ماجه، وحياة الحيوان، قال اللكنوي: هو مجموع لطيف، وجامع شريف فيه فوائد مُستعذبة، ولطائف مُتسغربة، وقال السيوطي: هو نفيس مع كثرة الاستطراد فيه من شيء إلى شيء، وأتوهم أن فيه ما هو مدخول لما فيه من المناكير، وقد جرده التقي الفاسي، ونبَّه على أشياء مهمة يحتاج الأصل إليها، (ت808هـ). انظر: التعليقات السنية (ص333 - 334). الكشف (1: 696).
النَّجَّار (¬1))) في ترجمةِ يوسفَ بن عليِّ بن محمَّدِ الزّنجانيّ، الفقيهِ الشَّافِعِيّ (¬2)، قال: حدَّثنا الشَّيخُ أبو إسحاقٍ الشِّيرَازِيِّ (¬3) عن القاضي الإمامِ أبي الطَّيبِ (¬4) أنه قال: كنَّا بحلقةِ النَّظرِ بجامعِ المنصورِ ببغداد، فجاءَ شابٌّ خُرَاسانيٌّ يسألُ
¬
(¬1) هو محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن، أبو عبد الله، محب الدين، المعروف بابن النَّجَّار، من مؤلفاته: الكمال في معرفة الرجال، وذيل تاريخ بغداد، و العقد الفائق في عيون أخبار الدنيا ومحاسن الخلائق، (578 - 643هـ). انظر: المستطرفة (ص45). الأعلام (7: 307 - 308).
(¬2) هو يوسف بن علي بن محمد بن الحسين الزنجانيّ الشَّافِعِيّ، أبو القاسم، قال السلفي: كان من أئمة أصحاب الشافعي، وفحول النظار إماماً في الفقه، مرضي الطريقة، وكان الهراسي يفضله على جميع فقهاء بغداد، (439 - 500هـ). انظر: طبقات الأسنوي (1: 306).
(¬3) هو إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازيّ الفيروزآباديّ الشافعيّ، أبو إسحاق، قال الأسنوي: شيخ الإسلام علماً وعملاً، وورعاً وزهداً وتصنيفاً وإملاءً وتلاميذاً واشتغالاً، كانت الطلبة ترحل من الشرق والغرب إليه، والفتاوى تحمل من البر والبحر إلى بين يديه، من مؤلفاته: المهذب، والتنبيه، واللمع، والنكت في الخلاف، والمعونة في الجدل، (393 - 446هـ). انظر: وفيات (1:29 - 31). طبقات الأسنوي (2: 7 - 9).
(¬4) هو طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبريّ الشافعيّ، أبو الطيب، قال أبو إسحاق: هو شيخنا وأستاذنا، لم أرَ ممّن رأيت أكمل اجتهاداً وأشد تحقيقاً وأجود نظراً منه، (450هـ). انظر: العبر (3: 222)، طبقات الأسنوي (2: 58).
عن مسألةِ المُصَرَّاة، ويطالبُ بالدَّليل، فاحتجَّ المستدلُّ بحديثِ أبي هريرةَ الثَّابتُ في ((الصَّحيحَيْن)) وغيرهما، فقال الشَّابُّ ـ وكان حنفيَّاً ـ: أبو هريرةَ غيرُ مقبولِ الحديث.
قال القاضي: فما استتمَّ كلامُهُ حتى سقطتْ عليهِ حيَّةٌ عظيمةٌ من سقفِ الجامع، فهربَ النَّاسُ وتبعتْ الشَّابَّ دونَ غيرِه، فقيل له: تبْ تبْ، فقال: تبت، فغابتْ الحيَّةُ ولم يبقَ لها أثر.
قال ابن الصَّلاح: هذا إسنادٌ ثابتٌ فيه ثلاثةٌ من صالحي أئمَّة المسلمين؛ القاضي أبو الطَّيب، وتلميذُهُ أبو إسحاق، وتلميذُهُ أبو القاسم.
قال الدّمِيرِيُّ: ويقربُ من هذا ما رواهُ أبو اليمن الكنديّ، حدَّثنا أبو منصورٍ القزاز قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الخطيب، قال: حدَّثنا الأزهريُّ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بن محمَّدٍ بن حمدان، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمَّدٌ بن القاسمِ النَّحويّ، قال: أخبرنا الكريميّ قال: حدَّثنا يزيدُ بن قرَّة الدّراع يرفعُهُ إلى عمرَ بن حبيب (¬1)، قال: حضرتُ مجلسَ الرَّشيدِ (¬2) فجرتْ مسألةُ المُصَرَّاة،
¬
(¬1) هو عمر بن حبيب بن محمد العدويّ، ولي قضاء الشرقية للمأمون، قال وكيع: كان إذا جلس للقضاء، قام الجند عن يمينه وشماله سماطين، فلم يكن قاض أهيب منه، (ت207هـ). انظر: تهذيب الكمال (21: 290). العبر (1: 352). الأعلام (5: 201).
(¬2) هو هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور العباسيّ، أبو جعفر، خامس خلفاء الدولة العباسية في العراق، وأشهرهم، قال ابن دحية: وفي أيامه كملت الخلافة بكرمه وعدله وتواضعه وزيارته العلماء في ديارهم، قال الذهبي: كان شهماً شجاعاً حازماً جواداً ممدّحاً فيه دين وسنة، وكان يصلي في اليوم مئة ركعة إلى أن مات (149 - 193هـ). انظر: العبر (1: 312 - 313). وروض المناظر (ص145).
فتنازعَ الخصومُ فيها، وعَلَتْ أصواتُهم، فاحتجَّ بعضُهم بالحديثِ الذي رواهُ أبو هريرة مرفوعاً، فردَّ بعضُهم الحديث، وقال: أبو هريرةَ متَّهمٌ فيما يرويه، ونحا نحوَهُ الرَّشيدِ ونصرَ قولَه.
فقلت: أمَّا الحديثُ فصحيح، وأبو هريرةَ صحيحُ النَّقلِ فيما يرويه.
فنظرَ إليَّ الرَّشيدُ نظرَ مغضب.
فقمتُ من المجلسِ إلى منْزلي، فلم يستقرَّ بي الجلوسُ حتَّى قيل: صاحبُ الشُّرطةِ بالباب، فدَخَلَ عليَّ فقال: أجبْ أميرَ المؤمنينِ إجابةَ مقتول، وتَحَنَّط وتَكَفَّن.
فقلت: اللَّهمَّ إنَّك تعلمُ أنَّي قد دافعتُ عن صاحبِ نبيِّكَ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم، وأجللتُ نبيَّكَ أن يُطْعَنَ على الصَّحابةِ فسلِّمني منه.
فأدخلتُ على الرَّشيد فإذا هو جالسٌ على كرسيٍّ من ذَهَب، حاسراً (¬1) عن ذراعيه، وبيدِهِ السَّيف، فلمَّا رآني قال: يا ابن حبيب، ما تلَّقاني أحدٌ بالرَّدّ، ودفعَ قولي مثلَ ما تلقيتني به.
فقلت: يا أميرَ المؤمنين، إن الذي حاولت عليه، فيه ازدراءٌ على رسولِ اللهِ وعلى ما جاءَ به.
¬
(¬1) في الأصل: حاسر.
فقال: كيف ويحك؟!
قلت: لأنَّهُ إذا كانَ أصحابُهُ كذَّابين، فالشَّريعةُ باطلةٌ والفرائضُ والأحكامُ كلُّها غيرُ مقبولة، لأنَّهم رواتُها، ولا تعرفُ إلا بواسطتهم، فرجعَ الرَّشيدُ إلى نفسِه.
وقال: الآن أحييتني أحياك الله، ثمَّ أمر لي بعشرةِ الآف درهم (¬1).
وثالثها: وهو أقواها، إنَّ اشتراطَ فقاهةِ الرَّاوي لقَبُولِ الحديثِ المخالفِ للقياسِ إنَّما هو مشربُ بعضِ الحنفيَّة، وإنَّما يرى أكثرُ كتبِ المتأخرين مشحونةً به، لأنَّ فخرَ الإسلامِ عليَّاً البَزْدَوِيِّ (¬2) مشى عليه في أصولِه (¬3)، فتبعَهُ المتأخِّرون لكونِهم لا يمشون إلا حيثُ مشى فخرُ الإسلام، ويظنُّونَ أنَّ كلَّ ما نصَّ عليه طريقٌ إلى دارِ السَّلام.
¬
(¬1) انتهى من حياة الحيوان (1: 280 - 281).
(¬2) وهو عليُّ بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البَزْدَوِيّ، أبو الحسن، فخر الإسلام، نسبة إلى بَزْدَة قلعة حصينة على ستة فراسخ من نَسَفَ، قال الكفوي: الإمام الكبير، الجامع بين أشتات العلوم، إمام الدنيا في الفروع والأصول، له تصانيف كثيرة معتبرة، وقال السمعاني: فقيه ما وراء النهر وأستاذ الأئمة وصاحب الطريقة على مذهب أبي حنيفة، من مؤلفاته: المبسوط، وأصول البَزْدَويّ، وشرح الجامع الكبير، وشرح الجامع الصغير، (400 - 482هـ). انظر: الجواهر (2: 594 - 595). تاج التراجم (ص205). كتائب أعلام الأخيار (ق156/ب-157/ب).
(¬3) ينظر: أصوله البزدوي وشرحه كشف الأسرار (2: 380).
وأمَّا قدماءُ الحنفيَّة، ومحقِّقوا متأخِّريهم فلم يذهبوا إلى اشتراطِهِ كما أشارَ إليه ابنُ الهُمَام.
وفي ((شرحِ المنار)) لابنِ مَلَك: اعلمْ أنَّ اشتراطَ فقهِ الرَّاوي لتقديمِ الخبرِ على القياسِ مذهبُ عيسى بن أبان (¬1)، واختارَهُ القاضي أبو زيد (¬2)، وخَرَّجَ عليه حديثَ المُصَرَّاة، وتابَعَهُ أكثرُ المتأخِّرين (¬3).
وأمَّا عندَ الكَرْخِيِّ ومن تابَعَه من أصحابِنا (¬4) فليس بشرطٍ بل خبرُ كلِّ عدلٍ مقدَّمٌ على القياس، ما لم يكنْ مخالفاً للكتابِ والسُنَّةِ المشهورة، وإليهِ مالَ
¬
(¬1) هو عيسى بن أبان بن صَدَقة، أبو موسى، قال القرشي: الإمام الكبير تفقَّه على محمد بن الحسن، قال: هلال بن يحيى: ما في الإسلام قاضٍ أفقه منه في وقته، قال أبو حازم: ما رأيت أحداً مثله، فتمنَّيت أن أكون مثله إلا محمد بن سماعة، وما رأيت قط فقيهيْن متواضعيْن كل واحد منهما يوجب لصاحبه كإيجابه لنفسه، من مؤلفاته: كتاب الحج، (ت221هـ). انظر: الجواهر (2: 278 - 280). طبقات طاشبرى زاده (ص32).
(¬2) لعلَّه: حمَّاد بن دُلَيْل، أبو زيد، قاضي المدائن، وهو أحد الإثنى عشر، من أصحاب الإمام أبي حنيفة الذين أشار إليهم أنهم يصحلون القضاء، قال أبو داود: ليس به بأس، ذكره ابن حبَّان في الثقات، ووثَّقه يحيى. انظر: تهذيب الكمال (7: 236 - 238). الجواهر (2: 147 - 148).
(¬3) مثل: النسفي في كشف الأسرار (2: 12 - 13). وملا خسرو في مرآة الأصول (2: 17 - 18).
(¬4) انظر: قمر الأقمار (2: 12 - 14). ونور الأنوار (2: 14).
أكثرُ العلماء، ولهذا قبلَ عمرُ رضي الله عنه حديثَ ابن مالكٍ في الجنين (¬1)، مع أنَّهُ لم يكن فقيهاً وقضى به، وإن كان مخالفاً للقياس.
وأجابوا عن حديثِ المُصَرَّاة (¬2)، بأنَّه إنَّما لم يعملوا به لمخالفتِهِ للكتاب، وهو قولُهُ تعالى: ?فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ? (¬3)، ويمنعُ أنَّ أبا هريرةَ لم يكن فقيهاً، لأنَّهُ كان يفتي في زمنِ الصَّحابة، وما كان يفتي في ذلك الزَّمانِ إلا فقيهٌ مجتهدٌ. انتهى كلامه (¬4).
¬
(¬1) في سنن أبي داود (4: 191): عن ابن عباس عن عمر أنّه سأل عن قضية النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: (كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة، وأن تقتل)، قال أبو داود: قال النضر بن شميل: المسطح هو الصوبج، قال أبو داود: وقال أبو عبيد: المسطح عود من أعواد الخباء. ا. هـ.
(¬2) في قمر الأقمار (2: 13): وفي التحقيق عندنا التصرية ليست بعيب، وليس للمشتري ولاية الرد بسببها من غير شرط؛ لأن البيع يقتضي سلامة المبيع وبقلة اللبن لا تفوت صفة السلامة؛ لأن اللبن ثمرة، وبعدمها لا تنعدم صفة السلامة، فبقلتها أولى. ا. هـ.
(¬3) من سورة البقرة، الآية (194).
(¬4) من شرح المنار لابن ملك (ص210 - 211).
ومنها
إنَّ راويَ الحديثِ إذا كان مجهولاً لا يقبلُ حديثُهُ سيما إذا كان مخالفاً للقياسِ من كلِّ وجه، وحديثُ القهقهةِ من هذا القبيل، فإنَّ راويهِ مَعْبَدُ الجهنيّ، وهو مَجْهُول.
والجوابُ عنه
إنَّ المرادَ بالمجهولِ في الأصل المذكور (¬1): مَن لم تعرفْ عدالتُه (¬2).
وقد مرَّ (¬3) أن مَعْبَدَ معدودٌ في الصَّحابة، والصَّحابةُ كلُّهم عدول، مع أنَّ روايتَهُ ليست مقتصرةً على مَعْبَد فقط، بل قد رواهُ غيره أيضاً.
ومنها
إنَّهُ قد فُصِّلَ في أصولِ الحنفيَّة: إنَّ عملَ الصَّحابيِّ الذي روى حديثاً بخلافِهِ لا يعتبر، وأمَّا عملُ صحابيِّ آخرَ بخلافهِ فيسقطُه عن درجةِ الاعتبار، كما روى عبادةُ بن الصَّامت مرفوعاً: (البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلُدُ مِئةٍ وَتَغْرِيبُ عَام) (¬4) أخرجَهُ مسلم، وغيره، وقد عملَ عمرُ رضيَ اللهُ عنه، بخلافِهِ وتركَ العملَ به.
¬
(¬1) الأصل، هو: إن راوي الحديث إذا كان مجهولا لا يقبل حديثه ولا سيما إذا ... .
(¬2) انظر: نور الأنوار (2: 14).
(¬3) في (ص49).
(¬4) في صحيح مسلم (3: 1316)، وصحيح ابن حبان (10: 213)، وغيرهما.
كما روى عبدُ الرَّزاقِ في ((مصنَّفه)) عن ابن المسيَّبِ إنَّ عمر رضي الله عنه، نفى رجلاً، وهو ربيعة، فتنَّصرَ فألحقَ بالرُّوم، فحلفَ عمرُ أن لا ينفي أحداً أبداً (¬1).
فَتَرْكُ عمرُ رضي الله عنه العملَ به، أسقطَه عن درجةِ الاعتبارِ عندَ الحنفيَّة، ولذا لم يعملوا به، ولم يدخلوا النَّفيَ في الحدِّ بل جعلوه من أمورِ السَّياسة.
وكذلكَ حديثُ القهقهةِ فإنَّه وإن رواهُ جابرٌ وأنسٌ وغيرهما، إلا أنَّ أبا موسى الأشعريّ قد عملَ بخلافِه، ولم يعتبرْ به، فينبغي أن لا يقبل.
والجوابُ عنه من وجوه
أحدُها: ما ذكرَهُ صدرُ الشَّريعةِ (¬2) في ((التَّوضيح))، وغيره من الأصوليّين: هو إن عَمِلَ صحابيّ بخلافِ الحديثِ إنَّما يكونُ جرحاً، إذا كان الحديثُ ممَّا لا يحتملُ الخفاءَ كحديثِ الحدِّ المذكور، فإنَّهُ لا يحتملُ الخفاء، لا
¬
(¬1) انتهى من مصنف عبد الرزاق (7: 314).
(¬2) هو عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة محمود المَحْبُوبِيّ البُخَاريّ الحَنَفيّ، قال طاشكبرى زاده: كان رحمه الله بحراً زاخراً لا يدرك له قرار، وطوداً شامخاً لا يرتقي إلى قنته و لا يصار، ولقد كان آية كبرى في الفضل والتدقيق، وعروة وثقى في الإتقان والتحقيق، من مؤلفاته: التوضيح في حل غوامض التنقيح، وشرح الوقاية، والنقاية، وتعديل العلوم، (ت747هـ). انظر: تاج التراجم (ص203). مفتاح السعادة (2: 162،170 - 171). الفوائد (ص185 - 189). الكشف (1: 495).