المعتمد الفقهي عند الحنفية ....
..... دراسات نظرية وتطبيقة
جارٍ تحميل الكتاب…
المعتمد الفقهي عند الحنفية ....
..... دراسات نظرية وتطبيقة
الطبعة الأولى
1445 هـ ـ 2024 م
المعتمد الفقهي عند الحنفية
«دراسات نظرية وتطبيقية»
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
معلومٌ أنّ المذهبَ الحنفي أوسعُ مذاهب الإسلام، وهو المنتشرُ في رُبع الأرض شرقاً وغرباً، وكان المطبقُ في سائر العظمى في حضارة المسلمين، مما أوجد فيه سعةً وقدرةً على تلبيةِ حاجةِ الدولةِ والأفرادِ والمجتمعات والمؤسساتِ على مرِّ الأزمانِ والعصور.
وتولدت فيها اختلافات في جميع طبقات من زمن إمامه إلى يومنا هذا؛ لكثرة علمائه، وتعدد قواعده، ومراعاته للواقع، وهذا الاختلاف الواسع جداً في داخله كان من أبرز ميزات حيوية ونجاحة في مواكبة أغراض الإنسان.
وقدرتُها في الاستفادة من المذهب راجعة إلى فهم الاختلاف الواقع بين علمائه؛ لأنه بسببه نجَّحوا، وكيف يمكن لنا أن نختار من أقواله ما يُناسبنا، بما ينفعنا ولا يضرنا، وهذا بمعرفة الراجح منه، وهي مرحلة ووظيفة لا يكون المرءُ فقيهاً إن لم يحقِّقها، فلا يَقدر على فهم المذهب، ولا التدريس له، ولا الإفتاء به من غير معرفة معتمده من غيره.
فعلى المشتغلين بالفقه الحنفي إدراكُ أنّ الفقه لا يَقِفُ عند مجردِ تصوُّر المسائل، والقدر على شرحها، هذه مرحلةٌ أُولى في طلب العلم، ولا بُدّ لكلِّ المشتغلين من معرفةِ راجحه من مرجوحه، والقدرة على الوصول لمعتمده، وبغير هذا ليس هم من زمرة الفقهاء، وفي كثير من الأحيان ضررهم للمذهب أكثر نفعهم لعدم ضبطهم وتمكنهم منه.
قال ابنُ عابدين (¬1): «إنَّ معرفةَ راجح المختلف فيه من مرجوحِه ومراتبِه قوّة وضعفاً هو نهايةُ آمال المُشمِّرين في تحصيل العلم».
وهذا المعرفةُ للراجح من المذهب لها طرق:
أوَّلها: ملازمةُ الدروس المتخصِّصة المُفصَّلة لدراسة كتب الحنفية في مراحلها الشّتى؛ لأنّ مثلَ هذا الأمر يُتلقى من أَهله من الفقهاء الضَّابطين المشتغلين في العلم.
ثانيها: كثرة التدريس لكتبه بإتقان وفهم، بحيث يُصوِّر مسائله ويضبط فروعه، ويفهم مبنى الاختلاف بينهما، ويقرر راجعه.
ثالثها: البحثُ المستمرُ في مسائله، والتعرُّف على الرَّاجح من أقواله، ومعرفة المعتبر من آرائه، فهو جانبٌ عمليٌّ تطبيقيٌّ لا يُمكن ضبط المذهب بغيره، وهذا سبيلُ الفقهاءِ عبر التاريخ في اتقان مذهبهم.
¬
(¬1) في تحبير التحرير في إبطال القضاء بالفسخ بالغبن 2: 81.
فهناك جانبٌ معرفي لفهم الاختلاف، ومعرفة الراحج، ومعرفة طبقات مجتهديه وكتبه ومسائله وأقوال فقهائه ودرجاتهم.
وربعها: جانب نظري، في المعرفة النظرية لطبقات المجتهدين وطبقات الكتب وطبقات المسائل وطبقات الأقوال ودرجات الفقهاء، وهذا المعرفة تُبَيِّنُ التَّصور العام للمذهب، وتوضح الاختلاف الحاصل في داخله، وتُظهر كيفية التطبيق الواقعي لمسائله، وتشرح سبب الاختلاف بين علمائه، وتُساعد على معرفة الراجح من أقوالهم، وتشير إلى القوانين التي راعاها الفقهاء في بنائه.
فالجانب العملي لا بّد له من جانب نظري يسير عليه الباحث يجمع من التأصيل النظري الحاصل من الاستقراء في كتب المذهب، وهذا ما سعيت له في سنوات طوال، بحيث ننقل المفهوم من تصرفات الفقهاء إلى مكتوب، ونجمع شتات ما ذكروه في طيات كتبهم، ونظهر القوانين التي ساروا عليها.
وإنني جمعتُ في هذا الكتاب الفريد في بابه الذي لم يُنسج على منوال عبر الزمان مجموعة من الأبحاث، بعضها كتبتها قديماً ونشرتها في بعض تأليفاتي كالمدخل المفصل للفقه الحنفي ومقاصد الشريعة وغيرهما، وبعضها حديثة كتبتها لطلبة الدكتوراه في مادة «المعتمد الفقهي».
ورأيتُ أن أجمع جميع هذه الأبحاث معاً في تأليف واحدٍ؛ لأنها مدارها على فكرة واحدة متعلِّقة بكيفية معرفة القول المعتمد، من خلال
معرفة الطبقات والدرجات على اختلاف أنواعها التي أفردت كل منها بدراسة أصيلة لم أسبق لمثلها، وهذا من فضل ربي.
مع الاهتمام بدراسات عملية تطبيقية، حيث كان محلّ هذه الدراسات الإمام الموصليّ وشرحه «الاختيار» ومتنه «المختار»، في كيفية الوصول للقول المعتمدة، وكيفية معرفة الدرجة الاجتهادية للفقيه.
وهذه الأبحاث التي جمعها في هذا السفر، هي:
البحث الأول: في الانتقادات على طبقات ابن كمال باشا، حيث تمّ نقض مضمون هذه الطبقات التي شاعت في الكتب وقبلها كثير من الفضلاء، وكان لها أثراً سلبياً جداً؛ لأنها ليست بصحيحة بكلِّ ما فيها، وهي تمثل نظرية خاطئة طرحها ابنُ كمال باشا في بيان طبقات الفقهاء، وأنّ مثلَها ضرره كبير في إضاعة الفهم الفقهي.
والبحث الثاني: في وظائف المجتهدين عند الحنفية، حيث بينت الوظائف للمجتهدين الحاصلة من الاستقراء للأعمال التي يقومون بها، فكانت لا تخرج عن الاستنباط والتخريج والترجيح والتمييز والتطبيق، وعامّةُ الفقهاء يقومون بها على تفاوت قدرتهم في تحقيقها.
والبحث الثالث: في التقسيم الزماني لطبقات المجتهدين، حيث بيَّنتُ أنّ تقسيم الطبقات راجع للزمان، وهي ثلاث طبقات رئيسية:
طبقة المجتهد المطلق في القرن الأول والثاني، وطبقة المجتهد المنتسب، وهي في القرن الثالث والرابع، وطبقة مجتهد في المذهب، وهي في القرن الخامس فما بعده، وهي على قسمين مقدمون: وهم علماء القرن الخامس والسادس والسابع والثامن، ومتأخرون: وهم علماء التاسع فما بعده، ولكلٍّ منها وظائفه إجمالاً.
والبحث الرابع: في الدرجات الاجتهادية في الطبقات الحنفية، حيث بينت أن كلّ طبقة كان الفقهاء فيها على خمسة درجات على حسب الملكة الفقهية التي بلوغها، فكان أعلاها فقيه النفس صاحبُ الملكة الكاملة، ثمّ الفقيه، ثم المُحقِّق، ثمّ المفتي ثمّ العالم، ولا شكّ أنّ في كلَّ واحدة منها درجات متعددة يختلفون فيها أيضاً.
فمدارُ رتبة القول ورُجحانه راجعٌ للقوة الاجتهادية عند قائله، فمَن علا اجتهاده قُدِّم قولُه، وبالتالي تحديد الدرجة الاجتهادية في غاية الأهمية في معرفة الراجح من الأقوال.
والبحث الخامس: في طبقات كتب الفقهاء عند الحنفية، حيث بيَّنتُ فيه أنّ للكتب ثلاث طبقات: معتمدة، ومقبولة، ومردودة، ولكلٍّ منها أوصافها وشروطها الخاصة للأخذ والاستفادة منها، فرجحان القول يرجع للكتاب الذي ذكر فيه، فليست كتب ظاهر الرواية كغير ظاهر الرواية، وليست المتون كغيرها، وهكذا.
والبحث السادس: في طبقات مسائل كتب الحنفية، حيث فصلتُ فيه الطبقات للمسائل لكلِّ طبقة من الفقهاء: ابتداءً بطبقة الأصحاب، ثم بطبقة المشايخ، ثم بطبقة الفقهاء، وذكرت لها أقساماً موجودة من ناحية عملية في الكتب، بدون تصريح بها، فمنها ما هو من التخريجات أو المستنبطات، ومنها ما هو معتبرٌ أو ضعيفٌ أو خاطئٌ، وكلُّ هذه التقسيمات تُسهِّلُ على الدارس والعالم معرفةُ المعتمد من غيره، وهذا مفيدة جداً في تصور أحوال المسائل وكيفية التعامل، وهو أساس كبير في معرفة الراجح من الأقوال.
والبحث السابع: في درجات أقوال فقهاء الحنفية، حيث بينت فيه أن للأقوال بعد تصحيحها أو ردها درجات، وهي معتمدة، ثم معتبرة، ثم مُصحَّحة، ثم قول، ثمّ ضعيفٌ، ثم خاطئٌ، ثم شاذٌّ، مع بيان قواعد الترجيح بين الأقوال، ودرجة القول نتعرف من خلالها متى يُمكن العمل بالقول أو لا.
وهذا هو الجانب النظري، وفي الجانب العملي كانت دراسة لمسائل وشخصية حيث تَمّ دراسة المخالفات الواقعة من الإمام الموصلي في «الاختيار» و «المختار»، وبيان الدرجة الاجتهادية التي بلغها.
آملين أن تكون هذه الأبحاث النظرية والتطبيقية بداية مرحلة جديدة للفهم الناضج للفقهي، وكيفية التعامل معه والاستفادة منه والتطبيق له في حياة المسلمين أفراداً وجماعات ودولاً.
وهذا الأبحاث التي كتبتها مفردة أجمعها تحت باسم:
«المعتمد الفقهي عند الحنفية دراسات نظرية وتطبيقية»
سائلاً المولى عز وجل أن يتقبله، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا الصدق في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور
صلاح محمد سالم أبوالحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
28 ـ 6 ـ 2024 م
في صويلح، عمان، الأردن
القسم الأول
الأبحاث النظرية
ويشتمل على الأبحاث الآتية:
البحث الأول: الانتقادات على طبقات ابن كمال باشا
البحث الثاني: وظائف المجتهدين عند الحنفية
البحث الثالث: القسيم الزماني لطبقات المجتهدين
البحث الرابع: الدرجات الاجتهادية في الطبقات الحنفية
البحث الخامس: طبقات كتب الفقهاء عند الحنفية
البحث السادس: طبقات مسائل كتب الحنفية
البحث السابع: طبقات أقوال فقهاء الحنفية
البحث الأول
الانتقادات على طبقات ابن كمال باشا
تقدمة:
إنَّ طبقات الحنفية لابن كمال باشا تُعدُّ الأكثر شهرةً وتداولاً بين العلماء والباحثين، وهذه الطَّبقات عليها انتقاداتٌ من كبار الفقهاء المحقِّقين كثيرةٌ جداً، سواء في التَّقسيم لها أو في الرِّجال، ممّا يؤدّي إلى رَدّها ورفضها وعدم التَّسليم بما جاء فيها.
وهذا الأمر غفل عنه أكثر الدارسين، فكان له أثراً سلبياً على سير الفقه وفهمه وطريقة التعامل، فظاهر الطبقات منع من الاجتهاد المطلق من الكتاب والسنة من غير الأئمة الأربعة، وهذا بعيدٌ جداً يتناقض مع حقائق تاريخية، ويمنع من فهم الفقه فهماً صحيحاً.
وتُصرح الطبقات بأنَّ آخر طبقات التفقه كانت من أصحاب المتون، وهم علماء القرن السابع والثامن، وكلُّ مَن جاء بعدهم مقلدين جامدين، حيث قال (¬1): «طبقةُ المُقلّدين الذين لا يقدرون على ما ذُكِر، ولا يُفرِّقون بين
¬
(¬1) ابن كمال باشا طبقات الفقهاء ق 1\أ.
الغثِّ والسَّمين، ولا يُميزون الشِّمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل».
فإذا كان حال علماء الإسلام منذ ستّة قرون هكذا، فكيف يكون هذا الدين محفوظاً: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} الحجر: 9؛ لأنّه بدون الاجتهاد لا يُمكن تطبيق الأحكام الشّرعية على الإفراد والمجتمع والدُّول، فيعاش الإسلام بالاجتهاد، فلا يملك القاضي الحكم إلا بنوع من الاجتهاد، ولا يستطيع المفتي أن يفتي إلا بنوع من الاجتهاد، فحياة الفقه والإسلام بالاجتهاد فيه، وهكذا.
وكيف كان يطبق في الدولة العثمانية والدول الأخرى، وكيف كان يعاش؟
وما تفسير وجود هذه الكتب في الفتاوى في هذه الأزمنة، وكثرة الاجتهادات والترجيحات وغيرها من وظائف المجتهدين في كل هذه القرون؟
نعم كانت هذه الطبقات عائقاً كبيراً في طريق فهم الفقه وعدم صحة النظرة إليه؛ لأنَّها تخالف الواقع، والأدهى من ذلك أنَّ كثيراً من العلماء السابقين تأثروا بها، فكان لها تأثيرها السلبي عليهم وعلى طريقتهم في التعامل مع الفقه، قال المرجاني (¬1): «كان ما فعلَه ـ أي ابن كمال باشا ـ حَدّاً لمَن بعده من المقلّدة، فلا يجاوزون ما ذكره، ولا يتعدّون طواره في تنزيل العالي
¬
(¬1) المرجاني، ناظورة الحق ص 213.،
عن درجته، ورفع غيره فوق رتبه، فلوا نُقِل إليهم شيء عن كبار العلماء رُبّما يقولون: إنّه ليس من المجتهدين؛ لأنَّه ليس بمذكور في طبقاته.
وغير مستور عن أهل الشأن أنَّ ما أورده الرجل منهم في كتابه كنغبة من دأماء، وتربة في يهماء (¬1)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننزل الناس منازلهم»، وصحَّحه الحاكم وغيره، وكلُّهم أئمة الدين، ودعاة الحقِّ في الأرض، ولكنّ الله - جل جلاله - فضَّلَ بعضَهم على بعض».
وتكمن أهمية البحث: في كشف الستر عن حال طبقات ابن كمال باشا، وبيان كلمات الثقات فيها؛ ليرجع الأمر إلى نصابه، ويوضع كل إنسان في المقام الذي يليق به.
ولتحقيق المقصود من هذا البحث قسمته إلى تمهيد ومبحثين:
التمهيد: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في طبقات الحنفية لابن كمال.
والمطلب الثاني: في علاقة الطبقات بوظائف المجتهدين.
والمبحث الأول: في منزلة طبقات الحنفية لابن كمال باشا، وفيه مطلبان:
المطلبُ الأوّل: في طبقات ابن كمال باشا بين القَبول والردّ.
والمطلبُ الثّاني: في سبب ردّ طبقات ابن كمال من نظر المرجاني.
¬
(¬1) النُّغبة: الجرَعة، ودَأماء: البحر، ويَهْماء: الفلاة لا يهتدي فيها. هامش الناظورة ص 213.
والمبحث الثاني: في جمع الانتقادات على الطبقات، وفيه مطالب:
المطلب الأول: انتقادات الطبقة الأولى.
والمطلب الثاني: انتقادات الطبقة الثانية.
والمطلب الثالث: انتقادات الطبقة الثالثة.
والمطلب الرابع: انتقادات الطبقة الرابعة.
والمطلب الخامس: انتقادات الطبقة الخامسة.
والمطلب السّادس: انتقاد الطبقة السادسة.
والمطلب السَّابع: انتقاد الطبقة السابعة.
سائلاً المولى تعالى أن يوفقنا في تحقيق المقصود.
* * *
تمهيد:
يحسن بنا قبل الولوج في طيات البحث أن نذكر طبقات ابن كمال باشا بتمامها، والوظائف للمجتهد مختصرة؛ حتى يتحقَّق لنا التصور لما يرد من المناقشة حول الطبقات في المباحث الآتية.
المطلب الأول: طبقات الحنفية لابن كمال باشا:
ذكر ابنُ كمال هذه الطَّبقات في بعض رسائله (¬1)، ووجد لهذه الطبقات نسخٌ مخطوطة منفردة على حدة، مما يدلُّ على أنّه أفردها بتصنيف مستقل، ولفظها:
«اعلم وفقني الله وإياك أنَّ الفقهاءَ سبعةُ طبقات:
الأولى: طبقةُ المجتهدين في الشَّرع: كالأئمةِ الأربعةِ، ومَن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول، واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس، على حسب تلك القواعد، من غيرِ تقليدٍ لأحدٍ لا في الفروعِ ولا في الأصول.
والثانية: طبقةُ المجتهدين في المذهب: كأبي يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -، وسائر أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنهم -، القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلّة المذكورة على حَسَب مقتضى القواعد التي قرَّرها أُستاذُهم أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فإنِّهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع، لكنّهم يقلِّدونه في قواعد الأصول، وبه
¬
(¬1) منها: رسالة: «وقف أولاد البنات»، مخطوطة في المكتبة القادرية، وهي ضمن مجموع (1500)، وطبقات الفقهاء لابن كمال باشا، من مخطوطات معهد الثقافة الإسلامية بجامعة طوكيو.
يمتازون عن المعارضين في المذهب ويفارقونهم كالشافعي - رضي الله عنه - ونظائره المخالفين لأبي حنيفة - رضي الله عنه - في الأحكام غير مقلدين له في الأصول.
والثالثة: طبقةُ المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحبِ المذهب: كالخصّاف، وأبي جعفر الطحاويّ، وأبي الحسن الكرخيّ، وشمس الأئمة الحلوانيّ، وشمس الأئمة السَّرَخْسِيّ، وفخر الإسلام البَزْدِويّ، وفخر الدين قاضي خان، وأمثالهم، فإنَّهم لا يقدرون على المخالفةِ للشيخ لا في الأصول ولا في الفروع، لكنَّهم يستنبطون الأحكام من المسائل التي لا نصّ فيها عنه على حسب أصول قرَّرها ومقتضى قواعد بسطها.
والرابعةُ: طبقةُ ... أَصحاب ... التخريج من المُقلِّدين: كالرَّازيّ وأضرابه، فإنَّهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنَّهم لإحاطتهم بالأَصول، وضبطهم للمأخذ، يقدرون على تفصيلِ قولٍ مجملٍ ذي وجهين، وحكمٍ محتملٍ لأمرين، منقولٍ عن صاحب المذهب، أو عن أحدٍ من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع. وما وقع في بعضِ المواضع من «الهداية» من قوله: «كذا في تخريج الكرخيّ - رضي الله عنه -»، و «تخريج الرازيّ» - رضي الله عنه - من هذا القبيل.
والخامسة: طبقةُ أصحاب الترجيح من المُقَلِّدين: كأبي الحَسَن القُدُوريّ - رضي الله عنه -، وصاحبِ «الهداية»، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الرِّوايات على بعضٍ آخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصحُّ رواية، وهذا أوضح، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للنَّاس.
والسَّادسةُ: طبقةُ المُقلِّدين: القادرين على التمييز بين القولين الأقوى والقوي والضَّعيف، وظاهر الرِّواية وظاهر المذهب والرِّواية النّادرة: كأصحابِ المتون المعتبرة من المتأخرين مثل: صاحب الكنز، وصاحب المختار، وصاحب الوقاية، وصاحب المجمع، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والرِّوايات الضَّعيفة.
والسابعة: طبقةُ المُقلّدين الذين لا يقدرون على ما ذُكِر، ولا يُفرِّقون بين الغثِّ والسَّمين، ولا يُميزون الشِّمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويلُ لمَن قلَّدهم كلّ الويل».
المطلب الثاني: علاقة الطّبقات بوظائف المجتهدين:
يلزمنا ذكر لمحة سريعة عن الوظائف؛ وذلك لأنَّ أبرز فائدة تؤخذ من الطبقات هي ذكر بعض الوظائف للمجتهد، حتى اعتبرها العثماني وظائف للمجتهدين وليست طبقات ـ كما سيأتي ـ.
وبعد التأمّل تبين أنَّ التّصرّفات الصّادرة عن الفقهاء لا تخرج عن الوظائف الآتية:
الأولى: استنباطُ الأحكام من الكتاب والسُّنة وآثار الصَّحابة - رضي الله عنهم -، وهو نوعان:
1.الاعتمادُ على أصول استخرجها المجتهد بنفسه، ذكرها ابن كمال في الطبقة الأولى لأئمة المذاهب الأربعة، وهم المجتهد المطلق، والصواب: أنَّه
يقوم بها أيضاً المجتهد المطلق والمجتهد المطلق المنتسب والمجتهد المنتسب ـ كما سيأتي ـ.
2.الاعتمادُ على أصول مقرّرةٍ في المذهب استخرج أُسسها أئمته، ذكرها ابن كمال في الطبقة الثانية، وهم تلاميذ أبي حنيفة: أبو يوسف ومحمد، والصواب أنَّهم يقومون بالوظيفة الأولى؛ لأنَّهم من طبقة المجتهد المطلق لا المجتهد في المذهب كما قال ابن كمال، وهذه الوظيفة يقوم بها المجتهد المنتسب ـ كما سيأتي ـ.
الثانية: التّخريج على أقوال أئمة المذهب، وهو نوعان:
1.حملُ قول المجتهد المطلق على محملٍ مُعيّنٍ بأن يكون كلامُه من الفرائضِ أو الواجبات أو السُّنن أو المبطلات أو غيرها، ذكرها ابن كمال في الطبقة الرابعة، وجعلها طبقة أصحاب التخريج: كالرازيّ، والصواب: أنَّ هذه الوظيفة يقوم بها المجتهد المطلق والمجتهد المنتسب والمجتهد في المذهب، وإن كانت أظهر في حقّ المجتهد المنتسب ـ كما سيأتي ـ.
2.التفريعُ على مسائلِ المجتهد وقواعدِه في المسائل المستجدة، قال النّوويّ (¬1) والمرداويّ (¬2): «يتّخذ نصوصَ إمامِه أُصولاً يستنبطُ منها كفعلِ المستقلّ بنصوص الشَّرع». ذكرها ابن كمال في الطبقة الثالثة طبقة المجتهدين في المسائل التي رواية فيها، والصواب: أنَّ هذه الوظيفة يقوم بها المجتهد
¬
(¬1) النووي، المجموع 1: 76.
(¬2) المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 12: 260.
المطلق والمجتهد المنتسب والمجتهد في المذهب، وإن كانت جهود المجتهد المنتسب فيها أظهر وأكثر ـ كما سيأتي ـ.
الثالثة: التَّرجيح والتَّصحيح بين أقوال علماء المذهب، وهو نوعان:
1.التَّرجيح بين الأقوال بناءً على الأصول والقواعد والمعاني وأسس الأبواب الفقهية: أي من حيث قوّة البناء الفقهيّ والأُصوليّ، ذكرها ابن كمال في الطبقة الخامسة طبقة أصحاب التَّرجيح من المقلدين، والصَّواب: أنَّ هذه الوظيفة يقوم بها المجتهد المطلق والمجتهد المنتسب والمجتهد في المذهب، وإن كان المجتهد في المذهب على درجات عديدة، أعلاها علماء القرن الخامس والسَّادس، وقد اشتهروا بهذه الوظيفة أكثر من غيرهم.
2.التَّرجيحُ بين الأقوال بناءً على قواعدِ رسم المفتي من المصلحة والعرف والتيسير وتغير الزَّمان والضرورة والحاجة: أي من حيث الأنسب في التَّطبيق في الواقع، قال ابنُ عابدين (¬1): «تتغيّر الأحكام لاختلاف الزَّمان في كثيرٍ من المسائل على حسب المصالح». ويرد فيه نفس الكلام فيما قبلها؛ لأنّ ابنَ كمال ذكر التَّرجيح فحسب بدون أن يُبيِّن طريقَه هل هو بالاعتماد على الأصول أو الرّسم.
الرَّابعة: التَّمييز والتَّفضيل بين الأقوال والرِّوايات، وهو نوعان:
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار2: 47.
1.تمييز أصل المذهب (ظاهر الرواية) عن غيره من الأقوال، ذكرها ابن كمال في الطبقة السَّادسة، طبقة المقلّدين القادرين على التمييز، وحصرها بأصحاب المتون، والصَّواب: أنَّها وظيفة يقوم بها المجتهد المنتسب والمجتهد في المذهب، وإن كان أصحاب المتون المشهورة هم أبرز مَن قاموا بها.
2.تمييز بين الأقوى والقوي، والصَّحيح والضَّعيف: أي المعتمد في المذهب عن غيره من الأقوال، والكلام فيها كما في سابقتها؛ لأنَّ ابن الكمال ذكرهما مع بعضهما بدون تفريق.
الخامسة: التقرير والتطبيق في العمل والإفتاء والقضاء بالمناسب للواقع، وهو نوعان:
1.تقريرُ ما هو الأنسب والأرفق والمفتى به بناءً على قواعدِ رسم المفتي من عرفٍ وضرورةٍ وغيرها، وهذه الوظيفة لم يشر لها ابن كمال، وقام بها كل المجتهدون بلا استثناء.
2.تقرير المسألة بعد تصوّرها جيداً، وإدراك أنَّها هي المناسبة للواقعة، وفهم علَّتها ومبناها وأصلها ومحلها في الإفتاء والعمل، وذكر ابنُ عابدين (¬1) مطلباً مهماً: «والتحقيقُ: المفتي في الوقائع لا بدّ له من ضرب اجتهاد ومعرفة
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار2: 398.
بأحوال الناس»، ونقل هذا عن ابن الهُمام (¬1)، والكلام فيها كسابقتها؛ لعدم ذكر ابن كمال لها.
فهذه عشرة وظائف للمجتهد، وكلُّ وظيفة منها تشتمل على درجات عديدةٍ يتفاوت العلماءُ في تحصيلها، حتى الاجتهاد المستقل درجات.
وقد وُجد مجتهدون مستقلون في القرنين الأَولين، ولم تحفظ اجتهاداتهم لمَن بقي بعدهم، فلم تنقل اجتهاداتهم إلا في مسائل متناثرة في كتب الفقه المختلفة، بخلاف الأئمة الفقهاء الأربعة فقد وصلت اجتهاداتهم؛ لارتفاع درجتهم في الاجتهادِ عن غيرِهم.
والعلماءُ في التَّخريج للمستجدات مُتفاوتون فيه جدّاً، وإلاّ لما رُئِي هذا التَّفاوت الكبير في تخريجات الفقهاء في داخل المذهب؛ لذلك كانت تخريجات علماءِ القرنِ الثَّالثِ والرَّابع أقوى من غيرهم.
ومن باب أولى أن يكونوا مُتفاوتين جدّاً في التَّرجيح والتَّصحيح، فكان ترجيح علماء القرن الخامس والسادس أقوى من غيرهم، قال ابنُ عابدين (¬2): «ولا يخفى أنَّ المتأخرين ... كصاحب «الهداية» وقاضي خان وغيرهما من أهل الترجيح هم أعلم بالمذهب منّا، فعلينا اتباع ما رجَّحوه وما صحَّحوه كما لو أَفتونا في حياتهم».
¬
(¬1) ابن الهمام، فتح القدير 2: 334، وينظر: شيخي زاد، مجمع الأنهر1: 246.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار1: 192.
وكذلك تتفاوت درجاتهم في التمييز بين الأقوال، حتى عدّوا أصحاب المتون أبرز مَن قاموا بذلك فقدّمت متونُهم على غيرها من الكتب.
فهذه الوظائف والدرجات حاصلةٌ في كلِّ زمانٍ ومكان، ولا إشكال في ذلك، وإنَّما الإشكال ما هو مقدارُ تحقق هذه الوظائف للعالم، فهل ما زال في الدَّرجةِ الأدنى من الاجتهاد أو بلغ الدَّرجةَ الأعلى؟ وهل حصَّل كلَّ وظيفةٍ على تمامِها؟.
* * *
المبحثُ الأوّل
منزلة طبقات الحنفية لابن كمال باشا
المطلبُ الأوّل: طبقاتُ ابن كمال باشا بين القَبول والردّ:
لاقت طبقات ابن كمال انتشاراً وقبولاً كثيراً رغم رَدِّ المحقِّقين لها؛ لما اشتملت عليه من الأغاليط، سواء في التّقسيم أو في تصنيف الفقهاء فيها، وسبب هذا القبول ما اشتملت عليه من حسن الترتيب والاختصار وذكر الوظائف، لكنَّ هذه الأمور يغتر بها مَن لم يكن من العلماء الضابطين، أو مَن لم يدقِّق النظر فيها وإن كان من المحقِّقين.
فممن ذكروها في كتبهم: ابنُ الحنائي، والقاريُّ، والأزهريّ، والكفويّ، والحَصْكفيّ، وابنُ عابدين، والتَّميميّ، وغيرهم.
أمّا ابنُ الحنائيّ: فقد ذكرها في كتابه: «طبقات الفقهاء» الذي اعتمد فيه الترتيب الزماني، وجعلهم على عشرين طبقة، إلا أنَّه في بدايته ذكر أنَّ للفقهاء سبعة طبقات، وذكرهم على ترتيب ابن كمال مع تغيير قليل فيه، وقال في نهايته (¬1): «كذا حققه بعض الفضلاء من المتأخرين»، ومما غيره: أنَّه جعل
¬
(¬1) ابن الحنائي، طبقات الحنفية ص43.
المجتهدين في الشرع ستّة بدل أربعة، فأضاف لهم (¬1): سفيان الثوري وداود الظاهري، وقال في نهاية الطبقة (¬2): «وهي الطبقة العليا من طبقات الاجتهاد، وحال السلف متفاوتة في تلك الطبقة: كالأئمة السِتّة المذكورة».
وأضاف في الطبقة الثانية: المجتهدون في المذهب فقال (¬3): «وكالمُزَنيّ والبويطي للشافِعِيّ، وعلى هذا القياس غيرهم»، وقال في نهاية الطبقة (¬4): «فهذه الطبقة هي الطبقة الوسطى من طبقات الاجتهاد».
وأضاف في الطبقة الثالثة: المجتهدون في المسائل (¬5): «ومَن في طبقتِهم من الأئمّة الشافعيّة والمالكيّة وغير ذلك من الأئمّة المعارضين في المذهب»، وقال في نهاية الطبقة (¬6): «فهذه الطبقة هي الطبقة السفلى من طبقات الاجتهاد».
فالظاهر أنَّه وافق على التقسيم، وزاد عليه تفريعاً من الشافعية، وزاد بياناً بأنَّ طبقات الاجتهاد هي عليا ووسطى وسفلى، فلا يكون سواه من الاجتهاد.
وأما القاريُّ (¬7) والأزهريُّ (¬8): فاقتصروا على ذكرها لا غير.
¬
(¬1) ابن الحنائي، طبقات الحنفية ص36.
(¬2) ابن الحنائي، طبقات الحنفية ص37.
(¬3) ابن الحنائي، طبقات الحنفية ص37.
(¬4) ابن الحنائي، طبقات الحنفية ص38.
(¬5) ابن الحنائي، طبقات الحنفية ص39.
(¬6) ابن الحنائي، طبقات الحنفية ص39.
(¬7) القاري، شم العوارض في ذم الروافض ص111.
(¬8) اللكنوي، عمدة الرعاية 1: 32.
وأما الكَفويُّ: فقد جعلهم خمس طبقات بدلاً من سبع طبقات (¬1)، فحذف الطبقة الأولى والأخيرة، وسمّى الأولى: طبقة المتقدِّمين من أصحابنا، وسَمَّى الثانية: طبقة أكابر المتأخرين من الحنفية، وأضاف إليها: «الصدر الأجل برهان الدين محمود صاحب «الذخيرة» و «المحيط البرهاني»، والشيخ طاهر بن أحمد صاحب «النصاب» و «الخلاصة»، وأمثالهم». وأضاف للطبقة الخامسة: طبقة المقلدين على القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي: «شمس الأئمة محمد الكَرْدَريّ وجمال الدين الحَصيريّ».
والاختلاف بين التَّقسيم الخماسيّ للطبقات والسُّباعيّ لا قيمة له، قال اللَّكنويّ (¬2): «لا منافاةَ بين التَّخميس والتَّسبيع، فإنّ مَن خمَّسَ اقتصرَ على الفقهاءِ الذين لم يبلغوا درجةَ الاجتهادِ المطلق، ولم يخطوا عن درجةِ التَّمييز بين الضَّعيف والقويّ، ولم يصلوا إلى درجةِ التَّقليدِ المطلق، ومَن سبّع عمَّم، فأدخلَ في القسمةِ المجتهدين المطلقين والعلماء الغير المميزين».
وأمّا الحَصكَفيُّ: فلم يذكرها صريحاً بل أشار إليها بقوله (¬3): «وقد ذكروا أنَّ المجتهد المطلق قد فُقد، وأما المقيد فعلى سبع مراتب مشهورة». واعترض
¬
(¬1) الكفوي، كتائب أعلام الأخيار ق2\ب.
(¬2) اللكنوي، عمدة الرعاية 1: 33.
(¬3) الحصكفي، الدر المختار1: 77.
عليه ابن عابدين بقوله (¬1): «فيه أمران: الأول: أنَّ المجتهد المطلق أحد السبعة. الثاني: أنَّ بعض السبعة ليسوا مجتهدين خصوصاً السابعة، فكان عليه أن يقول والفقهاء على سبع مراتب» , وردّ كلامه اللكنوي (¬2)، فقال: «وقد زلَّ قدمُ صاحبِ «الدرّ المختار» ... فإنّ المجتهدَ المطلقَ داخلٌ في المراتب السبع لا خارج عنها، والمرتبةُ السابعةُ ليست من مراتبِ الاجتهاد لا المطلق والمقيد، فالصوابُ أن يقول: وأمّا المقيّد فعلى خمس مراتب مشهورة».
وأمّا ابنُ عابدين: فقد ذكرها (¬3) باختصار في «ردّ المحتار» في توضيح عبارة الحصكفي: «سبع مراتب مشهورة»، وأعاد ذكرها في «شرح عقود رسم المفتي»، والظّاهر أنَّه لم يحقّقها، وإنَّما نقلها ولم يحررها، فاضطرب منهجه في التعامل معها، فمرّة يبني عليها ومرّة يعترض عليها، فمثلاً قال (¬4): «إنّ الإمامَ لَمّا أَمَر أَصحابَه بأن يأخذوا من أقواله بما يتَّجه لهم منها الدليل عليه صار ما قالوه قولاً له لابتنائه على قواعدِهِ التي أَسَّسَها لهم، فلم يكن مرجوعاً عنه من كلِّ وجه»، فبنى كلامه على ما قال ابن كمال، وذكر عكسه في موضع آخر (¬5)، فقال: «والظاهرُ أنّ نسبةَ المسائل ... فكثيرٌ منها مبنيٌّ على قواعد لهم خالفوا فيها قواعد الإمام؛ لأنَّهم لم يلتزموا قواعده كلّها كما يعرفه
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار1: 77.
(¬2) اللكنوي، عمدة الرعاية 1: 33.
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار1: 77.
(¬4) ابن عابدين، شرح عقود رسم المفتي ص78.
(¬5) ابن عابدين، شرح عقود رسم المفتي ص87.
مَن له معرفة بكتب الأصول». فبيّن أنَّ لهم أصولاً خاصة بهم، وقال في موضع آخر (¬1): «المراد بالمجتهد في المذهب هم أهل الطبقة الثالثة من الطبقات السبع المارّة، وأنّ الطبقة الثانية وهم أصحابُ الإمام أهلُ اجتهاد مطلق إلاّ أنّهم قلَّدوه في أغلب أصوله وقواعدِه بناءً على أنّ المجتهد له أن يُقَلِّدَ آخر»، حيث جعلهم مجتهداً مطلقاً، وأما قوله في تقليدهم له في أغلب أصوله وقواعده ففيه مسامحة ظاهرة؛ لأنَّ نظرهم وافق نظره فيها لا غير، حتى ينتظم الكلام، ويؤيد هذا ما قاله بعدها بقليل (¬2): «نقل مثل هذا عن بعض الأئمة الشافعيّة كالقفال والشيخ أبي عليّ والقاضي حسين أنّهم كانوا يقولون: لسنا مقلِّدين للشافعيّ، بل وافق رأينا رأيه، يُقال مثله في أصحابِ أبي حنيفة، مثل: أبي يوسف ومحمّد بالأولى، وقد خالفوه في كثيرٍ من الفروع، ومع هذا لم تخرج أقوالهم عن المذهب».
وأما التَّميميّ: فقال بعد ذكرها (¬3): «هو تقسيمٌ حسنٌ جداً»، وتعقَّبه المرجانيُّ (¬4) بقوله: «بل هو بعيدٌ عن الصحّة بمراحل فضلاً عن حسنه جداً، فإنّه تحكُّمات باردة وخيالات فارغة، وكلماتٌ لا روح لها وألفاظٌ غير محصّلة
¬
(¬1) ابن عابدين، شرح عقود رسم المفتي ص112.
(¬2) ابن عابدين، شرح عقود رسم المفتي ص113.
(¬3) التميمي، الطبقات السنية 1: 12.
(¬4) المرجاني، ناظورة الحق ص192.
المعنى، ولا سَلَف له في ذلك المدَّعى، ولا سبيل له في تلك الدَّعوى، وإن تابعَه مَن جاء من عَقِبِه من غيرِ دليلٍ يتمسَّك به، وحُجّة تلجئه إليه.
ومهما تسامحنا معهم في عَدّ الفقهاء والمتفقهة على هذه المراتب السَّبع، وهو غيرُ مُسَلَّم لهم، فلا يتخلصون من فحشِ الغلط والوقوع في الخطأ المفرط في تعيين رجال الطَّبقات وترتيبهم على هذه الدَّرجات» (¬1)، وكرَّر عامة هذا الكلام المطيعيّ (¬2) بدون نسبته للمرجانيّ.
فقد جعل المرجانيّ هذه الطَّبقات مجردُ خيال لا يؤيِّده الواقع، ولا يشهد عليه شاهدٌ، ولا يقوم عليها دليلٌ، ولم يفعله أحدٌ قبل ابن كمال باشا، وهي غيرُ مُسلّمةٍ من حيث مراتبها، ولا من حيث مَن وُضِع فيها من الرِّجال.
وهذا ما أيّده الكوثري، فقال (¬3): «لم يُصِب في أحد الأمرين، لا في ترتيب الطبقات ولا في توزيع الفقهاء عليها، وإن لقي استحساناً من المقلّدة بعده، وكان في نفس الشيخ عبد الحيّ وقفة في صنيع ابن كمال باشا، وقد شفى ما في نفسه عمل الناقد العصامي المرجاني في كتابه ناظورة الحقّ من تعقّب يهدم الأمرين: الترتيب، والتوزيع معاً، فعاد الأمر إلى نصابه بتحقيقه، فجزاه الله عن العلم خيراً».
¬
(¬1) الكوثري، حسن التقاضي ص192.
(¬2) المطيعي، إرشاد الملة إلى إثبات الأهلة ص365.
(¬3) الكوثري، حسن التقاضي ص29.
وقال اللكنوي (¬1): «وكذا ذَكَرَ ـ أي الطبقات ـ مَن جَاء بَعدَ ـ أي: ابن كمال باشا ـ مُقلِّداً لَهُ، إِلَّا أنَّ فيه أنظاراً شتى من جِهة إدخال من الطَّبقة الأَعْلَى في الأدنى، قد أبداها الفاضل هارون بهاء الدِّين شهاب الدِّين المرجانيّ الحنفيّ».
وهذا كلام نفيس من اللكنويّ والكوثريّ، حيث اعتبرا أنَّ هذا الاستحسان من بعض الفقهاء هو محضُ تقليد بدون تفكر أو تحقيق أو تحرير للمسألة، وبالتالي فلا قيمة لهذا الاستحسان، وأما العلماء المحققون: كاللكنوي والمرجاني فلم يقبلوه وردّوه.
وبنقض المرجاني بطل هذا التقسيم وعاد الأمر إلى نصابه: أي إلى حالته الأصيلة الأولى، وهي اعتبار التَّسلسل الزَّمني للطبقات والتقسيم الكلي للطبقات من مطلق ومنتسب وفي المذهب ـ كما سيأتي ـ.
وبذلك يتبيّن لنا أنَّ هذه الطَّبقات مردودةٌ بالكليّة من قبل هؤلاء الأفاضل: المرجانيّ واللكنويّ والكوثريّ.
لكن العثماني وجّه هذا الطبقات بحيث جعلها وظائف، فقال (¬2): «إن كان التَّقسيم الذي ذكره ابنُ كمال باشا للوظائف لا للأشخاص، فربَّما يرتفع الإشكال الذي ذكره الإمامان اللكنوي والمرجانيّ، حيث إن كونَ القُدُوريّ وصاحب «الهداية» من أصحابِ التَّرجيح لا يُنافي كونَهما من المجتهدين في
¬
(¬1) اللكنوي، النافع الكبير ص11.
(¬2) العثماني، أصول الإفتاء ص104 - 105، معارف.
المسائل، وأنَّ سببَ ذكرهما في عدادِ أصحاب التَّرجيح راجعٌ إلى ما كثُر في كتبهما من ترجيح بعض روايات المذهب على بعض، وليس معنى ذلك أنَّهما غير قادرين على الاجتهاد في المسائل».
وهذا توجيهٌ لطيفٌ، لكنَّه غيرُ مُسلَّمٍ مُطلقاً؛ لأمور منها:
1.إنَّ ابنَ كمال باشا جعلها طبقاتاً لهم لا وظائف بحيث يمكنه أن يقوم بوظيفة أُخرى ونقبلها منه، حيث ذكرها ليميز طبقة كلِّ واحدٍ منهم عن الآخر، فيُقدِّم صاحب الطَّبقة الأعلى على الأدنى.
2.عدم صحّة اعتبار أنَّ للصَّاحبين وظيفة استخراج الأحكام على أصول أبي حنيفة؛ لأنَّهم مجتهدان مطلقان يستخرجان على أصولهم ـ كما سبق، وسيأتي تحرير ذلك ـ.
3.جَعل ابنُ كمال للطحاويَّ والكرخيّ ومَن كان في مرتبتهم بعض أصول خالفوا فيها أُصول الإمام ـ كما سيأتي ـ وبالتالي خالفوه في الفروع أيضاً، فلو جعلناها وظائف لا يستقيم هذا.
4.جعل ابنُ كمال الجصاصَ ممن يخرج: أي يُفسّر قول المجتهد المطلق، وصرّح بأنّه لا يقدر على الاجتهاد أصلاً، فهو نفى عنه وظائف المجتهد.
وبالتّالي سيبقى الإشكال في حال هذه الطَّبقات ولو جعلناها وظائف ـ كما رأيت ـ ولن يزول.
وأتفق مع فضيلة الشَّيخ العثماني في أنَّ أبرز فائدة في هذه الطَّبقات هي ذكره لبعض وظائف الاجتهاد، وهي الاستنباط والتخريج والترجيح والتمييز.
وأيضاً: في أنَّ بعض مَن ذكره تمثل الطبقة التي جعله فيها أبرز وظيفة اجتهادية قام بها من بين الوظائف الاجتهادية، فمثلاً أصحاب المتون أبرز وظيفة اجتهادية قاموا بها التّمييز بين ظاهر الرواية وغيرها، وصاحب «الهداية» والقُدُوريّ أبرز وظيفة اجتهاديّة قاموا بها هي التَّرجيح، كما سيأتي، والله أعلم.
المطلبُ الثّاني: سببُ ردّ طبقات ابن كمال من نظر المرجاني:
لمّا كان المرجانيّ هو العمدةُ في نقدِ هذه الطبقات، رأيتُ أن أخص بالذكر الأسباب التي دفعته لردِّها، وهي على النحو الآتي:
1. عدم ظهور تفريق بين الطبقات، فقال (¬1): «لم يحصل من بيانه فرقٌ بين آخر طبقتين، وليت شعري بأي قياس قاسهم ووجد هذه التفاوت بينهم».
2.عدم وجود الدراية الكاملة عند ابن كمال بفقهاء المذهب، فقال (¬2): «وهو قليلُ الممارسة في الباب، كليلُ المؤنسة بمَن ذكره في الكتاب، ولا يعرف كثيراً منهم، وربَّما يجعل الواحد اثنين ويعكس الأمر، ويُقدِّمُ على ما هو عليه
¬
(¬1) المرجاني، ناظورة الحق ص 211.
(¬2) المرجاني، ناظورة الحق ص 211.
ويؤخِّر، ويَنسبُ كثيراً من الكتب إلى غير أصحابها، فكيف يعرف طبقاتهم ويميِّزُ في الفقه درجاتهم.
3.عدم تميّيز حال الفقهاء، فهم مشتركون بأكثر الأوصاف، فيصعب رفع أحدهم وإنزال آخر، قال (¬1): «والحالُ أنَّ العلم بهذه الكلية كالمتعذَّر بالنسبة إلى أجلّة الفقهاء وأئمة العلماء، فإنّهم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها على ما يشير إليه قوله: {وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} الزخرف: 48، يريدُ والله أعلم أنَّ كلّ آية إذا جرّدَ النظرَ إليها قال الناظر: هي أكبرُ الآيات، وإلاَّ فلا يتصوَّر أن يكون كلَّ آيةٍ أكبر من الأخرى من كلِّ جهةٍ؛ للتناقض».
4.توهمه بالنظر إلى الألقاب التي ترجع للعرف، وليست للمكانة العلمية، قال (¬2): «ولكن لَمَّا كان الغالبُ على فقهاء العراق السّذاجة في الألقاب، وعدم التلّون في العنوانات، والجدّ في الجري على منهاج السَّلف في التَّجافي عن الألقاب الهائلة والأوصاف الحافلة، والتحاشي عن الترفُّع وتنويه النفس وإعجاب الحال تديُّناً وتصلُّباً، وتورُّعاً وتأدُّباً، كما كان الغالبُ عليهم الخمول والاجتناب عن ولاية القضاء، وتناول الأعمال السلطانية؛ لأنّ منازعَ الاتباع ما كانت مفارقة عنهم، ولا شعارهم متحولاً إلى شعار غيرهم، فكانوا يذهبون مذهبهم في الاكتفاء بالتميّز عن غيرهم بأسماء ساذجة يبتذلها
¬
(¬1) المرجاني، ناظورة الحق ص 211.
(¬2) المرجاني، ناظورة الحق ص 212 - 213.
العامة، ويمتهنها السوقة من الانتساب إلى الصناعة أو القبيلة أو القرية أو المحلّة أو نحوه ذلك: كالخصَّاف (ت261هـ) والجصَّاص (ت370هـ) والقُدُوريّ (ت428ه) والثَّلجي (ت256هـ) والطَّحاوي (ت321هـ) والكَرْخي (ت340هـ) والصَّيْمَريّ (436هـ)، فجاء المتأخرون منهم على منهاجهم في الاكتفاء بها، وعدم الزيادة عليها في الحكاية عنهم.
وأمّا الغالب على أهل خُراسان ولا سيما ما وراء النهر في القرون الوسطى والمتأخرة، فهو المغالاةُ في الترفُّع على غيرهم وإعجاب حالهم، والذهاب بأنفسهم عجباً وكبراً، والتصنّع بالتواضع سمعةً ورياءً، يستصغرون الأحاديث عمَّن سواهم ولا يسترمون في معمورة الأرض مثوىً غير مثواهم، قد تصوَّر كلٌّ منهم في خلده أن الوجودَ كلّه يصغرُ بالإضافةِ إلى بلده، فلا جرم جرى عرقٌ منهم في علمائهم، فلقِّبوا بالألقاب النبيلة، ووسموا بالأوصاف الجليلة، مثل: شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وصدر الشريعة.
واستمرت الحال في أخلافهم على ذلك المنوال من الإتراف والغلوّ في تنويه أسلافهم، والغض من غيرهم، فإذا ذكروا واحداً من أنفسهم بالغوا في وصفه، وقالوا الشيخ الإمام الأجل الزاهد الفقيه ونحو ذلك، وإذا نقلوا كلاماً عن غيرهم فلا يزيدون على مثل قولهم: قال الكَرْخيّ والجَصَّاص.
وربَّما يقتدي بهم مَن عداهم ممَّن يتلقَّى منهم الكلام، فيظنُّ الجاهل بأحوال الرجال، ومراتبهم في الكمال وطبقات العلماء ودرجات الفقهاء ظنّ
السوء، فيأخذ بالاستدلال بنباهة الأوصاف على نباهة الموصوف، فيحمله ذلك على الإنكار لمَن عداهم واستخفاف رجال الله سواهم.
وقد كان ابنُ الكمال على ولاية عمل الإفتاء من جهةِ الدَّولة، فأحوجه ذلك إلى مراجعة كتب الفتاوى، والإكثار من مطالعة ما فيها في تحصيل إربه، والتخلص عن كربه، ووقع في نظره فيما سار به أهل ما وراء النهر من رفع أنفسهم، والوضع من غيرهم، فنَزع إليهم، وصار ذلك طبيعة له وسبباً لاندفاعه إلى هذه التحكّمات الباردة والتعسّفات الشاردة».
وأَقرَّه على هذا اللَّكنويُّ (¬1) والكوثري (¬2) وغيرهما.
* * *
¬
(¬1) اللكنوي، الفوائد البهية 1: 51.
(¬2) الكوثري، حسن التقاضي ص92 - 94.
المبحث الثاني
نقض الطبقات ورجالها
أتناول في هذا المبحث النقد الذي وجه لطبقات ابن كمال على التفصيل، بحيث أعرض كلّ طبقة في مطلبٍ خاصٍّ أذكر في أوّله كلامِ ابن كمال، ثُمَّ أذكر الانتقادت عليها من العلماء المحقِّقين؛ حتى تتضح الصُّورة كاملة بخصوص هذه الطبقات.
وقبل ذلك ذكر ابن كمال باشا مقدمة للطبقات وهي: «لا بُدَّ للمفتي المُقلِّد أن يعلم حال مَن يفتي بقوله، ولا نعني بذلك معرفتُه باسمِه ونسبِه ونسبتِه إلى بلد من البلاد؛ إذ لا يُسمن من ذلك ولا يغني، بل معرفته في الرواية ودرجته في الدراية وطبقته من طبقات الفقهاء؛ ليكون على بصيرة وافية في التمييز بين القائلين المتخالفين، وقدرة كافية في الترجيح بين القولين المتعارضين، فنقول: إنّ الفقهاءَ على سبع طبقات».
ولا يُسلَّم لابن كمال عدم أهمية معرفة الاسم والنّسب والنسبة، ففي ظاهر عبارته مسامحة؛ للحاجة على وجه العموم لمعرفة الاسم والنسب والنسبة للتمييز بين العلماء ومعرفة مدارسهم الفقيهة بمعرفة بلادهم والشيوخ الذين تأثروا بهم والعرف الذي أثر في فتواهم وغيرها مما يطول
ذكره، ولكن هذا أقلّ درجة في الأهمية من معرفة مرتبته وطبقته العلمية، فيحمل الكلام عليه.
وكلام ابن كمال في أهمية معرفة الطبقات في غاية القوة، قال اللكنوي (¬1): «إنَّ مَن لا يعرف مراتب الفقهاء ودرجاتهم، يقع في الخبط بتقديم مَن لا يستحق التقديم، وتأخير مَن يليق بالتَّقديم، وكم من عالمٍ من علماءِ زماننا ومَن قبلنا لم يعلم بطبقات فقهائنا، فرجّح أقوال مَن هو أدنى، وهَجَر تصريحات مَن هو أعلى، وكم من فاضلٍ ممَّن عاصرنا، وممّن سبقنا، اعتمد على جامعي الرَّطب واليابس، واستند بكاتبي المسائل الغريبة والروايات الضعيفة كالناعس».
المطلب الأول: انتقادات الطبقة الأولى:
قال ابن كمال: «الأولى: طبقةُ المجتهدين في الشرع: كالأئمةِ الأربعةِ ومَن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة من غيرِ تقليدٍ لأحد لا في الفروع ولا في الأصول».
وينتقد بأنَّ المجتهدين المطلقين لم يكن عندهم أي تقليد لأحد؛ لأنَّ المجتهد المستقل له نوع تقليد، قال العثماني (¬2): «تقليد مجتهد مطلق، وهو إن كان مستقلاً في استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، ولكن لا محيص له من نوع من التقليد، وهو أنَّه ينظر في أقوالِ السلف من الصحابةِ
¬
(¬1) اللكنوي، النافع الكبير ص7.
(¬2) العثماني، أصول الإفتاء ص 18.
والتابعين - رضي الله عنهم - ويتمسّك بها في شرح أحكام القرآن والسنة، فرُبَّما لا يوجد نصٌّ صريحٌ من الكتابِ والسُّنةِ ولكن يوجد قولٌ من أحدِ الصَّحابة أو التَّابعين، فيُقدِّمه على رأيه الخاصّ، وهذا كما أنّ الإمام أبا حنيفة - رضي الله عنه - أخذ كثيراً بقول إبراهيم النخعي - رضي الله عنه -، والإمام الشافعي - رضي الله عنه - بقول ابن جريج - رضي الله عنه -، والإمام مالك - رضي الله عنه - بقول أحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة».
والأدق من هذا أن يُقال: إنَّ أئمة المذاهب نشأووا في مدارس فقهيّة في أصولها وفروعها من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، كلُّ يزيد في تأصيلها وتفريعها متمِّماً لعمل مَن سبقه، وهذا يقتضي أنّ هؤلاء الأئمة هم نقلةُ ومنظموا ومرتبوا ومقعدوا ومفرّعوا لكيان مدرسةٍ هم أعظم مَن اشتهر فيها فنسبت إليهم بذلك، فالتَّقليدُ حاصلٌ لهم في الأُصول والفروع، ولكن بنظرٍ وتأصيلٍ منهم متأثرٍ بمَن سبقه، وهذا ظاهر في المذهب الحنفي والمالكيّ.
قال الدكتور مصطفى الخن (¬1): «ولكنَّ المشكلة: الظنّ بأنّ أئمة المذاهب هم واضعوها!! والواقع أنّ أبا حنيفة - رضي الله عنه - متبعٌ لإمامه ابن مسعود، ومالكٌ لإماميه ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم -، والشافعيُّ لهؤلاء ... ، والصحابة - رضي الله عنهم - هم الذي اصطفاهم الله - جل جلاله - لتبليغ الرسالة وحمل الأمانة التي بلغها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... وما فعله الأئمة إنما هو تحرير لقواعدهم ولأصولهم الاجتهادية، والتي تخيروها وفق ما فهموه من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة واجتهاداتهم ... ».
¬
(¬1) اليافعي، التمذهب ص7، في تقديمه له.
المطلب الثاني: انتقادات الطبقة الثانية:
قال ابن كمال: «الثانية: طبقةُ المجتهدين في المذهب: كأبي يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم - وسائر أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنهم - القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على حَسَب القواعد التي قرَّرها أُستاذُهم، فإنِّهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع لكنّهم يقلِّدونه في قواعد الأصول».الانتقاد متوجه على هذه الطبقة من جهتين:
الأول: عدم وصول الصاحبين لدرجة الاجتهاد المطلق؛ لأنَّ عبارة كبار المحقِّقين توافقت على أنَّهما وصلوا لدرجة المجتهد المطلق، قال اللَّكْنَوِيّ (¬1): «المصرَّحُ في كلام كثير أنَّ أبا يوسف ومُحمَّداً - رضي الله عنهم - مجتهدان مطلقان منتسبان؛ لأنَّ مخالفتهما للإمام في الأصول غير قليلة، وهو مخالفٌ لعدِّهما من المجتهدين في المذهب، والظاهر هو هذا».
وقال أيضاً (¬2): «فالحقُّ أن يقال: إنَّهما مجتهدان مستقلان، وقد بلغا مرتبة الاجتهاد المطلق، إلا أنَّهما لحسن تعظيمها لأستاذهما وفرط إجلالهما له أصّلا أصلَه، وتوجّها إلى نقل مذهبه وانتسبا إليه».
وقال أيضاً (¬3): «محمَّدُ بن الحسن الشَّيْبَانِيّ - رضي الله عنه - عدَّه ابن كمال من طبقةِ المجتهدينَ في المذهب الذي لا يخالفونَ إمامهم في الأصولِ وإن خالفوه في
¬
(¬1) اللكنوي، النافع الكبير ص15.
(¬2) اللكنوي، مقدمة عمدة الرعاية 1: 11.
(¬3) اللكنوي، التَّعليقات السنية ص163.
بَعضِ المسائلِ، وكذا عدَّ أبا يوسف - رضي الله عنه - منهم، وهو متعقبٌ عليه، فإنَّ مخالفتهما للإمامِ في الأصولِ كثيرة غير قليلة، فالحقُّ أنَّهما من المجتهدين المنتسبين».
وانتقده المرجانيُّ (¬1) فقال: «حالهم في الفقه وإن لم يكن أرفع من مالك والشافعي - رضي الله عنهم - فليسوا بدونهما، وقد اشتهر في أفواه الموافق والمخالف، وجرى مجرى الأمثال، قولهم: أبو حنيفة أبو يوسف، بمعنى أنّ البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة أبو يوسف ...
ولكلِّ واحد منهم أُصول مختصّةٌ تفردوا بها عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وخالفوه فيها، ومن ذلك: أنَّ الأصل في تخفيف النجاسة تعارضُ الأدلة عند أبي حنيفة، واختلافُ الأئمة عندهما، بل قال الغزالي - رضي الله عنه -: إنَّهما خالفا أبا حنيفة - رضي الله عنه - في ثلثي مذهبه، وقال الجويني: إن كلّ ما اختاره المزني أرى أنَّه تخريج ملحق بالمذهب لا كأبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -، فإنَّهما يخالفان أصول صاحبهما»، وأقرَّ الكوثريُّ (¬2) المرجانيَّ في انتقاده.
وإنَّ انتسابَهما لأبي حنيفة - رضي الله عنه - لا يُنقصُ من اجتهادهما؛ لأنَّه عرفانٌ منهما بمكانته ووفاءٌ لشيخهما في الانتساب إليه، من انتسابِ التلميذِ لشيخِهِ وعرفانِهِ بجميلِهِ، وقد كانت لهم الفضل في نشرِ مذهبِ شيخِهم، قال
¬
(¬1) المرجاني، ناظورة الحق ص193.
(¬2) الكوثري، حسن التقاضي ص85 - 86.
الكوثريّ (¬1): «والحقُّ أن الاجتهاد له طرفان أعلى وأدنى وفيما بين الطرفين درجات متفاوتة جد التفاوت، ومنازل متخالفة كلّ التخالف، فلا تظهر منزلة الفقيه بمجرد عدّه من طبقة أهل الاجتهاد المطلق المستقل، وكم بين الذين حافظوا على الانتساب مَن هو أعلى منزلة من الذي حاولوا الاستقلال، على أن الاستقلال بالمعنى الصحيح لا يوجد بين الأئمة المتبوعين، فضلاً عمّن بعدهم؛ لأنّ أبا حنيفة - رضي الله عنه - تابع في معظم اتجاهه طريقة فقهاء العراق من أصحاب عليّ وابن مسعود - رضي الله عنهم - وأصحاب أصحابهم ولا سيما إبراهيم النَّخعي، وأمّا مالك بن أنس - رضي الله عنه - فيجري على منحى ابن عمر وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - وأصحابهما وأصحاب أصحابهما إلى الفقهاء السبعة بالمدينة وأصحابهم ولا سيما ربيعة الرأي ... ».
ومُحمدٌ - رضي الله عنه - قرن رأيه ورأي أبي يوسف - رضي الله عنه - مع رأي أبي حنيفة - رضي الله عنه - في مسائل كتب ظاهر الرواية التي خالفاه فيها، مما يوضح أنهما كانا يعتقدان أن لهما أهلية في الاجتهاد مثل شيخهما، ولكنهما آثرا نشرَ مذهبهم جميعاً؛ لأنّ مذهب الجماعة أقوى من مذهب الفرد، ولما فيه من التيسير على غيرهما فيما اختلفا فيه، واعترافاً منهما بمكانةِ أبي حنيفة - رضي الله عنه - ودرجتِهِ العالية في الفقه، وهما يتوافقان مع الإمام في السير على أصول مدرسة الكوفة من ابن مسعود وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - ثم علقمة وإبراهيم النخعيّ، وقال الدِّهلوي: «وَإِنَّمَا عد مَذْهَب أبي حنيفَة مَعَ مَذْهَب أبي يُوسُف وَمُحَمّد رَحِمهم الله تَعَالَى وَاحِدًا مَعَ
¬
(¬1) الكوثري، حسن التقاضي ص25 - 26.
أَنَّهُمَا مجتهدان مطلقان مخالفتهما غير قَليلَة فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع لتوافقهم فِي هَذَا الأَصْل ولتدوين مذاهبهم جَمِيعًا فِي الْمَبْسُوط وَالْجَامِع الْكَبِير» (¬1).
وقال اللكنوي (¬2): «وإنّما عُدّ مذهب أبي يوسف ومُحمّد مع مذهب أبي حنيفة مذهباً واحداً مع أنّهما مجتهدان مستقلان؛ لأنّهما مع مخالفتهما له في الأُصول والفروع لم يتجاوزا عن محجّة إبراهيم وغيره من علماء الكوفة».
الثانية: أنَّهما يقلدان أبا حنيفة في الأصول؛ لأنَّ لهم أصولهم المستقلة عن إمامهم، ومما يدلُّ عليه: أنّ الدَّبوسيّ - رضي الله عنه - (ت430هـ) ألَّفَ كتابَ «تأسيس النظر»، وبيَّنَ فيه الأصول والقواعد التي خالف فيها الصاحبان أبا حنيفة - رضي الله عنه - أو خالف كلّ منهما الآخر فيها، مما ابتنى عليها مسائل فرعية عديدة.
وردَّ المرجانيّ (¬3) فكرة عدم وجود أصول عند الصاحبين بكلام طويل، منه قوله: «فليت شعري ما معنى قوله: إنّ أبا يوسف ومُحمّداً وزُفر وإن خالفوا أبا حنيفة في الأحكام لكنَّهم يقلِّدونَه في قواعد الأصول، ما الذي يريد من الأصول؟ فإن أراد منه الأحكام الإجمالية التي يبحث عنها في كتب الفقه: فهي قواعد عقليَّة وضوابطَ برهانية يعرفها المرءُ من حيث إنه ذو عقل، وصاحب فكر ونظر، سواءٌ كان مجتهداً أو غير مجتهد، ولا تعلُّقَ لها بالاجتهاد
¬
(¬1) اللكنوي، النافع الكبير ص13.
(¬2) اللكنوي، النافع الكبير ص13.
(¬3) المرجاني، ناظورة الحق 192 - 200.
قطّ، وشأن الأئمةِ الثلاثةِ أرفعُ وأجلُّ من أن لا يعرفوها كما هو اللازمُ من تقليدِ غيرهم فيها، فحاشاهم ثمَّ حاشاهم عن هذه النقيصة ....
فكيف يكون هو من المجتهدين في الشرع دون أبي يوسف ومحمد وزفر ضراغمِ غاباتِ الفقه وليوث غياض النظر، غير أنّهم لحسن تعظيمهم للأستاذ وفرط إجلالهم لمحلِّه ورعايتهم لحقِّه تشمَّروا على تنويه شأنه، وتوغَّلوا في الانتصار والاحتجاج لأقواله، وروايتها للناس، ونثلها لهم وردهم إليها، والافتاء عند وقوع الحوادث بها، تجرَّودوا لتحقيق فروعها وأصولها، وتعيين أبوابها وفصولها، وتمهيد قواعد محكمة، ومقاييس متقنة يستفاد بها الأحكام، واستنباط قوانين صحيحة، وطرائق قويمة يتعرَّفُ بها المعاني في تضاعيف الكلام، وأجروا ذلك في تصحيح مذهبه، وبيانه لمن يتمسّك به لاعتقادهم أنه أعلم وأورع وأحقُّ للاقتداء به والأخذ بقوله، وأوثق للمفتي وأرفق للمستفتي على ما قال مسعر بن كدام: مَن جعل أبا حنيفة بينه وبين الله تعالى رجوت أن لا يخاف عليه، ولم يكن فرط على نفسه في الاحتياط. انتهى.
ومقامُه في الفقه مقام لا يُلْحَق، شهدَ له بذلك أهل جلدته، وخصوصاً مالك والشافعي.
ومن ذلك الوجه امتازوا عن المخالفين كالائمة الثلاثة والأوزاعي وسفيان وأمثالهم، لا لأنهم لم يبلغوا رتبة الاجتهاد المطلق في الشرع، ولو أنهم أولعوا بنشر آرائهم بين الخلق وبثِّها في الناس والاحتجاج لها بالنصّ
والقياس، لكان كلُّ ذلك مذهباً منفرداً عن مذهب الإمام أبي حنيفة مخالفاً له.
هذا وإن أراد منه الأدلة الأربعة وأصول الشريعة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس في الأخذ عنها والاستنباط منها فلا سبيل إلى ذلك؛ لأن أصولَ الشريعة مستند كلِّ الأئمة وملجؤهم في أخذ الأحكام فلا يتصوَّر مخالفة غيره له فيها.
فإن قيل: لعلَّ مرادَه أنهم يقلدون أبا حنيفة في كون قولِ الصحابيِّ والمراسيل حجّة دون الاستصحاب والمصالح المرسلة، وأمثال ذلك.
قلت: هذا ليس من التقليد في شيء، بل إنّما وافق رأيهم في ذلك رأيه، وقامت الحجّة عندهم كما قامت عنده.
ألا ترى أنّ مالكاً لا يلزمه تقليدُ أبي حنيفة من قوله بحجية المراسيل، ولا الشافعي في القول بنفي الحجية عن المصالح المرسلة، ولا تقليد بعضهم لبعض من الاتفاق في كون الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة، فإنّه إنّما أنكرَ حجيّة الإجماع بعضُ المبتدعة، وحجيةَ القياس داودُ الظاهري وغيرُه من الشذوذ» (¬1).
¬
(¬1) الكوثري، حسن التقاضي ص85 - 89.
وأيّد هذه الانتقادات العثمانيّ فقال (¬1): «ومَن هنا يظهر وجاهة ما قاله العلامة المرجاني والشيخ اللكنوي من أنه لا يصحّ كون الإمام أبي يوسف ومحمد من المجتهدين في المذهب، وإنما كلُّ واحد منهما مجتهدٌ مطلقٌ منتسب إلى أبي حنيفة، والظاهر أن الإمام زفر كذلك».
وأختم الكلام في هذه الطبقة باعتراض أبو زُهرة على ما قاله ابن كمال، فقال (¬2): «هذا الكلام فيه نظر، فإن أبا يوسف ومحمداً وزفر - رضي الله عنهم - وغيرهم من الأصحاب كانوا مستقلين في تفكيرهم الفقهي كل الاستقلال، وما كانوا مقلدين لشيخهم بأي نحو من نواحي التقليد، وكونهم درسوا آراءه أو تلقوها عليه، وتثقفوا في أولى دراساتهم عليه لا يمنع استقلال تفكيرهم، وحرية اجتهادهم وإلا كان من يتلقى على شخص لا بد أن يكون مُقلّداً له ... ».
المطلب الثالث: انتقادات الطبقة الثالثة:
قال ابن كمال: «الثّالثة: طبقةُ المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحبِ المذهب: كالخصّاف، وأبي جعفر الطَّحاويّ، وأبي الحسن الكَرخيّ، وشمس الأئمة الحَلْوانيّ، وشمس الأئمة السَّرَخْسِيّ، وفخر الإسلام البَزْدِويّ، وفخر الدين قاضي خان، وغيرهم، فإنّهم لا يقدرون على مخالفةِ الإمامِ لا في الأصول ولا في الفروع، لكنّهم يستنبطون الأحكام من
¬
(¬1) العثماني، أصول الإفتاء ص100، معارف.
(¬2) أبو زهرة، أبي حنيفة ص444 - 445.
المسائل التي لا نصّ فيها عنه على حسب أصول قرَّرها ومقتضى قواعد بسطها».
والانتقادات على هذه الطبقة متوجهةٌ من جهتين، وهما:
الأولى: جعله الخصّاف والطحاوي والكرخي لا يخالفون في الأصول والفروع؛ لأنَّهم مجتهدون منتسبون في المذهب خالفوا أبا حنيفة في بعض الأصول وبعض الفروع.
قال المرجاني (¬1): «وقوله: الخصّاف (ت261هـ) والطحاويّ (ت321ه) والكرخيّ (ت340هـ) أنهم لا يقدرون على مخالفة أبي حنيفة - رضي الله عنه - لا في الأصول ولا في الفروع ليس بشيء؛ فإنّ ما خالفوه فيه من المسائل لا يُعدُّ ولا يحصى ولهم اختيارات في الأصول والفروع، وأقولاً مستنبطة بالقياس والمسموع، واحتجاجات بالمنقول والمعقول على ما لا يخفى على مَن تتبع كتب الفقه والخلافيات والأصول.
وقد انفردَ الكَرْخي عن أبي حنيفة وغيره في أنّ العامَّ بعد التخصيص لا يبقى حجةً أصلاً، وإن خبر الواحد الوارد في حادثة تعمُّ به البلوى ومتروك المحاجة عند الحاجة ليس بحجّة قط، وانفرد أبو بكر الرازي في أن العامَّ
¬
(¬1) المرجاني، ناظورة الحق ص202.
المخصوصَ حقيقةٌ إن كان الباقي جمعاً وإلا فمجاز، أليس هذا من مسائل الأصول» (¬1).
وقال المرجاني (¬2) في انتقاده فيما يتعلق بالطحاوي: «نقل عن أبي بكر القفال وأبي علي بن خيران والقاضي حسين من الشافعية أنهم قالوا: لسنا مقلِّدين للشافعي بل وافق رأينا رأيه، وهو الظاهر من حال الإمام أبي جعفر الطّحاويّ في أخذه بمذهب أبي حنيفة واحتجاجه له وانتصاره لأقواله على ما قال في أول كتاب «شرح الآثار»: أذكر في كلِّ كتاب ما فيه من الناسخ والمنسوخ وتأويل العلماء واحتجاج بعضهم على بعض وإقامة الحجّة لمَن صحّ عندي قوله منهم ريثما يصحّ فيه مثله من كتاب أو سنّة أو إجماع أو تواتر من أقاويل الصَّحابة أو تابعيهم» (¬3).
وقال اللَّكْنَوِيّ (¬4): «الطّحاويّ (ت321هـ) عدَّهُ ابن كمال باشا وغيره من طبقةِ مَن يقدرُ على الاجتهادِ في المسائل التي لا رِواية فيها، ولا يقدرُ على مخالفةِ صاحبِ المذهبِ لا في الفروعِ، ولا في الأصولِ، وهو منظورٌ فيه؛ فإنَّ له درجةً عالية، ورتبةً شامخة، قد خالفَ بِها صاحبَ المذهبِ في كثيرٍ من
¬
(¬1) الكوثري، حسن التقاضي ص89.
(¬2) المرجاني، ناظورة الحق ص200 - 202.
(¬3) الكوثري، حسن التقاضي ص85.
(¬4) اللكنوي، التَّعليقات السنية ص31 - 32.
الأصولِ والفروعِ، ومَن طالعَ «شرح معاني الآثار» وغيره من مصنفاتِه يجدُهُ يختار خلاف ما اختارَهُ صاحبُ المذهبِ كثيراً إذا كان ما يدلُّ عليه قوياً.
فالحقُّ أنّه من المجتهدينَ المنتسبينَ الذين ينتسبونَ إلى إمامٍ معيَّن من المجتهدين، لكن لا يقلِّدونَهُ لا في الفروع ولا في الأصول؛ لكونِهم متصفينَ بالاجتهادِ، وما انتسبوا إليه إِلا لسلوكِهم طريقه في الاجتهادِ، وإن انحطّ عن ذلك فهو من المجتهدينَ في المذهبِ القادرينَ على استخراج الأحكام من القواعدِ التي قَرَّرها الإمام، ولا تنحطُ مرتبتهُ عن هذه المرتبة أبداً على رغمِ أنف مَن جعلهُ منحطاً، وما أَحسن كلام المولى عبد العزِيز المُحدّث الدِّهْلَوِيّ في بستان المحَدِّثِينَ، حيث قال ما معربه: إنَّ مختصرَ الطّحاويّ يدلُّ على أنه كان مجتهداً ولم يكن مقلِّداً للمذهبِ الحنفيّ تقليداً محضاً، فإنّه اختار فيه أَشياء تخالف مذهبَ أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - لما لاح له من الأدلةِ القويَّة. انتهى. وفي الجملة فهو في طبقة أبي يوسف ومحمَّدٍ - رضي الله عنهم -، لا ينحطُّ عن مرتبتهما على القولِ المُسدَّدِ».
ولكن سير الطحاويّ الظّاهر في كتبه على أصول وفروع أبي حنيفة - رضي الله عنه - بخلاف محمّد بن الحسن - رضي الله عنه - الذين قَرَن قولَه وقولَ أبي يوسف مع قولِ أبي حنيفة - رضي الله عنهم - في عامّة المسائل يظهر تفاوت المرتبة بين الطحاويّ المقلّد للإمام في الجملة وبينهم في استقلالهم عنهم في الجملة.
الثانية: عدّه الحلوانيّ والسَّرَخْسيّ والبَزْدويّ وقاضي خان من طبقة الخصّاف والطَّحاويّ والكَرخيّ؛ لأنَّهم من طبقة المجتهدين في المذهب، بخلاف أولئك فإنَّهم مجتهدون منتسبون كما سبق، ومجتهد المذهب لا يخالف
الإمام لا في الأصول والفروع، بل يقوم بالوظائف الأخرى التي مرّت معنا من التخريج والترجيح والتمييز والتقرير.
وتنقيح فخر الإسلام البزودي وشمس الأئمة السرخسي لأصول المذهب ظاهر، حتى جعل كتاب «أصول البزدوي» عمدة لمن جاء بعده، قال ابنُ خلدون (¬1): «وأحسنُ كتابة المتأخرين فيها تأليفُ فخر الإسلام البَزْدويّ من أئمتهم وهو مستوعبٌ». وقال ملا جيون (¬2): «وهذا كلُّه من تفننِ فخر الإسلام - رضي الله عنه -، والنّاس أتباع له».
والتزام السَّرَخْسيّ المذهب في «المبسوط» ظاهرٌ، وانصرافُه همّه للتَّدليل له والتَّفريع عليه واضحٌ، ولا يختار فيه ما يخالفه، ويشهد لهذا قول السَّرَخْسيّ (¬3): «إذا كان عاملاً بما يعلم فهو الفقيه المطلق ... وهو صفة المقدمين من أئمتنا أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -، ولا يخفى ذلك على مَن يتأمّل في أقوالهم وأحوالهم عن إنصاف، فذلك الذي دعاني إلى إملاء شرح في الكتب التي صنَّفها محمد بن الحسن بآكد إشارة وأسهل عبارة، ولما انتهى المقصود من ذلك رأيت من الصَّواب أن أُبين للمقتسبين أصول ما بنيت عليها شرح الكتب؛ ليكون الوقوف على الأصول معيناً لهم على فهم ما هو الحقيقة في الفروع ومرشداً لهم إلى ما وقع الإخلال به في بيان الفروع».
¬
(¬1) ابن خلدون، مقدمته ص319 - 320.
(¬2) ملا جيون، نور الأنوار 2: 143.
(¬3) السرخسي، أصول الفقه 1: 10.
المطلب الرابع: انتقادات الطبقة الرابعة:
قال ابنُ كمال: «الرَّابعةُ: طبقةُ أَصحاب التَّخريج من المُقلِّدين: كالرَّازيّ، وأضرابه، فإنّهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنّهم لإحاطتهم بالأَصول وضبطهم للمأخذِ يقدرون على تفصيلِ قولٍ مجملٍ ذي وجهين، وحكمٍ محتملٍ لأمرين منقولٍ عن صاحب المذهب أو عن أحدٍ من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع. وما وقع في بعضِ المواضع من «الهداية» من قوله: كذا في تخريج الكرخيّ وتخريج الرَّازيّ من هذا القبيل».
والانتقادات على هذه الطبقة متوجهة من وجهين:
الأولى: عدّه للرَّازيّ من طبقة التخريج فحسب، وهذا يعني أنَّه مجتهد مذهب في حين هو مجتهد منتسب كالطحاوي والكرخي.
قال المرجاني (¬1): «وعدَّ أبا بكر الرازيّ الجصّاص (ت370هـ) من المقلِّدين الذي لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، وهو ظلمٌ عظيمٌ في حقِّه، وتنزيل له عن رفيع محلِّه وغضٌ منه وجهل بيِّنٌ بجلالة شأنه في العلم وباعه الممتدّ في الفقه، وكعبه العالي في الأصول، ورسوخ قدمه، وشدّة وطأته وقوّة بطشه في معارك النظر والاستدلال.
¬
(¬1) المرجاني ناظورة الحق ص204.
الثانية: تأخير طبقة الرّازي عمّن بعده ممّن يقلدونه كالحلواني والبزدوي والسرخسي، وعدَّهم أعلى منه رتبة، قال المرجاني (¬1): «مَن تتبعَ تصانيفَه والأقوال المنقولة عنه عَلِمَ أنّ الذين عدَّهم من المجتهدين من شمس الأئمة ومَن بعدهم كلُّهم عيالٌ على أبي بكر الرازي، ومصداقُ ذلك دلائلُه التي نصبَها لاختياراته، وبراهينه التي كشفَ فيها عن وجوه استدلالاته.
نشأ ببغداد التي هي دار الخلافة، ومدار العلم والرشاد، ومدينة السلام ومعقل الإسلام، ورحل في الأقطار، ودخل الأمصار ولقي العلماء أولي الأيدي والأبصار، وأخذ الفقه والحديث عن المشايخ الكبار، وقال شمس الأئمة الحَلْوانيّ (ت448هـ) فيه: «هو رجل كبير معروف في العلم، وإنّا نقلده ونأخذ بقوله». انتهى، فكيف يصحّ تقليدُه المجتهد للمقلِّد؟
وذكر في «الكشف الكبير» ما يدلُّ على أنه أفقه من أبي منصور الماتُريديّ (ت333هـ).
وقال قاضي خان (ت592هـ) في التوكيل بالخصومة (¬2): «يجوز للمرأة المخدرة أن توكِّل، وهي التي لم تخالط الرجال بكراً كانت أو ثيباً، كذا ذكره أبو بكر الرازيّ».
وفي «الهداية» (¬3): «ولو كانت المرأة مخدرة قال الرازيُّ: يلزم التوكيل منها، ثم قال: وهذا شيء استحبَّه المتأخرون».
¬
(¬1) المرجاني، ناظورة الحق ص204 - 208.
(¬2) قاضي خا، فتاواه 3: 7، بهامش الهندية.
(¬3) المرغيناني، الهداية 3: 137.
وقال ابنُ الهمام في «فتح القدير» (¬1): هو الإمام الكبير أبو بكر الجصاص أحمد بن علي الرازي، يعني أنه على ظاهر إطلاق الأصل وغيره عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - لا فرق بين البكر والثَّيب المخدَّرة والبَرْزَة، والفتوى على ما اختاروه من ذلك، وحينئذٍ فتخصيص الرازي ثمّ تعميم المتأخرين ليس إلا لفائدة أنه المبتدئ بتفريع ذلك وتبعوه». انتهى كلامه.
وقد أكثر شمسُ الأئمة السَّرَخْسِيّ (ت483هـ) في كتبه النقل عن أبي بكر الرازيّ والاستشهاد به والمتابعة لآرائه.
ثمّ الحَلْوانيُّ ومَن ذكره بعدهم وعدَّهم من المجتهدين في المسائل كلُّهم تنتهي سلسلةُ علومهم إلى أبي بكر الرازيّ، فقد تفقه عليه أبو جعفر الأُسْترُوشَنِي وهو أستاذُ القاضي أبي زيد الدَّبوسي (ت430هـ)، وأبو عليّ الحسين بن خضر النَّسَفيّ (ت424هـ)، وهو أستاذُ شمس الأئمة الحَلْوانِيّ (ت448هـ)، ومعلوم أن السَّرَخْسِيّ من تلاميذه وقاضي خان من أصحاب أصحابه.
فلعلَّه نظر إلى قوله: إنه كذلك في تخريج الرازيّ، فظنَّ أن وظيفتَه في الصناعة هي التخريج فحسب، وأن غايةَ شأوه هذا القدر.
¬
(¬1) ابن الهمام، فتح القدير 7: 509.
وقد خرَّجَ أبو حنيفة وأصحابه قول ابن عباس - رضي الله عنهم - في تكبيرات العيدين أنّها ثلاث عشرة تكبيرة بحمل أنّها على هذا العدد بإضافة التكبيرات الأصلية، والشافعيّ وأتباعه بحملها على الزوائد.
وخرَّجَ أبو يوسف - رضي الله عنه - قولَ الشعبي: إن للخنثى المشكل من الميراث
نصفَ النصيبين بأن ذلك ثلاث من سبعة، ومحمّد بأنه خمس من اثني عشر.
وخرَّجَ أبو الحسن الكَرْخيّ قول أبي حنيفة ومحمّد - رضي الله عنهم - في تعديل الركوع والسجود وجعله واجباً، وأبو عبد الله الجُرْجاني خرَّجه وحمله على السنة، ونظائر ذلك كثيرة وقعت من كبار المجتهدين فما ضرَّهم ذلك في اجتهادهم، ولا نزَّلهم من شأنهم فكيف ينزل أبا بكر الرازي إلى الرتبة النازلة عن منزلته» (¬1).
فقيام هؤلاء الأئمة بوظيفة التخريج لم يمنعهم من ممارسة وظائف الاجتهاد الأخرى السابق ذكرها.
المطلب الخامس: انتقادات الطبقة الخامسة:
قال ابن كمال: «الخامسة: طبقةُ أصحاب الترجيح من المُقَلِّدين: كأبي الحَسَن القُدُوريّ - رضي الله عنه - وصاحبِ «الهداية» وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم: هذا أولى، وهذا أصحُّ رواية، وهذا أوضح، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للناس».
¬
(¬1) الكوثري، حسن التقاضي ص89 - 91.
والانتقادات المتوجهه لهذه الطبقة من ثلاث جهات:
الأولى: تأخير القدوريّ عن قاضي خان والسرخسي مع أنه أقدم زماناً وأعلى درجة، قال المرجانيّ (¬1): «جعل القُدُوريّ (ت428هـ) وصاحبُ «الهداية» (ت593هـ) من أصحاب التَّرجيح وقاضي خان (ت592هـ) من المجتهدين مع تقدُّم القُدُوريّ على شمس الأئمة (ت483هـ) زماناً وكونه أعلى منه كعباً وأطول باعاً، فكيف لا يكون أعلى من قاضي خان».
الثانية: تقديم قاضي خان على المرغينانيّ، مع أنّه عصريّه، وهو أشهر منه، وأعلى درجات قاضي خان أن يكون في رتبة المرغيناني.
قال المرجانيّ (¬2): «وأما صاحبُ «الهداية» فهو المشارُ إليه في عصره، والمعقود عليه الخناصر في دهره وفريد وقته، ونسيج وحده.
وقد ذكر في «الجواهر» (¬3) وغيره: «أنّه أقرَّ له أهلُ عصره بالفضل والتقدُّم كالإمام فخر الدين قاضي خان والإمام زين الدين العتابي وغيرهما، وقالوا: إنه فاق على أقرانه حتى على شيوخه في الفقه، وأَذعنوا له به»، فكيف ينزلُ شأنه عن قاضي خان - رضي الله عنه - بمراتب، بل هو أحقُّ منه بالاجتهاد وأثبت في أسبابه وألزمه لأبوابه» (¬4).
¬
(¬1) المرجاني، ناظورة الحق ص 210.
(¬2) في ناظورة الحق ص211.
(¬3) القرشي، الجواهر المضية2: 627.
(¬4) الكوثري، حسن التقاضي ص91 - 92.
الثالثة: عدّه القُدُوريّ من أهل الترجيح فحسب، وهذا بعيدٌ في حاله، بل قام بالوظائف الأخرى للمجتهد، وهي التخريج والترجيح والتمييز والتقرير، من وظائف المجتهد في المذهب، بل بلغ في هذه الوظائف أعلى الدرجات، ألا ترى مختصره في الفقه أشهر كتب الفقه على الإطلاق، وكل مَن جاء بعده من أصحاب المتون اعتمدوا عليه وكان ركيزتهم الأولى.
المطلب السّادس: انتقاد الطبقة السادسة:
قال ابن كمال: «السّادسة: طبقةُ المُقلِّدين القادرين على التّمييز بين الأقوى والقوي والضّعيف وظاهر الرِّواية وظاهر المذهب والرِّواية النّادرة كأصحاب المتون المعتبرة كصاحب «الكنز» وصاحب «المختار» وصاحب «الوقاية» وصاحب «المجمع»، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والرِّوايات الضَّعيفة».
ويُنتقد بقَصره عمل أصحاب المتون على التمييز فحسب، بل هي وظيفة من وظائفهم، وهم من أهل الاجتهاد في المذهب، فيقومون بالوظائف الأخرى ما عدا الاستناط؛ لأنَّه عمل المجتهد المطلق والمنتسب، قال اللكنوي (¬1): «النّسفيّ ... عَدَّهُ ابن كمال باشا من طبقة المقلدينَ القادرين على التَّمييز بين القويّ والضَّعيف، الذين شَأنهم أن لا يَنقلوا في كُتُبِهم الأقوال المردودة، والرِّوايات الضَّعيفة، وهي أَدنى طَبقات المتفقهينَ، منحطة عن
¬
(¬1) اللكنوي، التعليقات السنية ص 101 - 102.
درجة المجتهدين والمخرجينَ، وعدَّهُ غيره من المجتهدينَ في المذهب، قال: إنه اختتم به، ولم يوجد بعده مجتهد في المذهب».
المطلب السَّابع: انتقاد الطبقة السابعة:
قال ابن كمال: «السابعة: طبقةُ المُقلّدين الذين لا يقدرون على ما ذُكِر، ولا يُفرِّقون بين الغثِّ والسمين، ولا يُميزون الشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويل لمَن قلَّدهم كلّ الويل»، انتهى مع حذفِ شيء يسير.
وينتقد بأنَّ الاجتهاد الذي هو روح الفقه، وبه حياته، لا يمكن قصره على هؤلاء الأكابر الذين ذكرتهم، بل هو مستمر إلى يوم القيامة، ولا بُدّ من وجود المجتهدين فيه في كل زمان ومكان لنتمكن من تطبيق الإسلام وعيشه.
وبالتّالي فالاجتهادُ ملازمٌ للتّفقه والفقهاء، وهم على درجاتٍ للقيام به، لا أنَّ سوى ما ذكرهم لا يميزون شيئاً، فهذا مجانب للصواب تماماً، وانعكس على مَن أهل الفقه انعكاساً سلبياً جداً، بالتسليم من كثيرين بأنَّ الاجتهاد توقف، وانتهى الابداع في الفقه، فلم تنهض هممهم للاشتغال به على كمال واكتفوا فيه بقراءة كتاب أو كتابين، مما أثر على فهم الإسلام وتطبيقه بصورة واضحة.
* * *
الخاتمة:
بعد هذه الاستفاضة في مناقشةِ الطَّبقات نتوصل إلى ما يلي:
1.إنّ الفائدةَ الحقيقيّة لهذه الطبقات هي التَّنبيه على بعض وظائف المجتهدين، والإشارة إلى أبرز وظيفة لبعض الطبقات.
2.إنّ بعضَ المؤلفين والعلماء والباحثين ممن لم يحقِّقوا في قضية الطَّبقات أخذوا بطبقات ابن كمال باشا، ولكنَّ كبار المحقِّقين: كالمرجانيّ، واللَّكنوي، والكوثريّ، والمطيعي، وأبو زهرة ردُّوها ورفضوا ما جاء فيها من التَّقسيم أو الرِّجال.
3. يرجع سبب خطأ ابن كمال - رضي الله عنه - في الطبقات إلى عدم ظهور تفريق واضح بين الطبقات، وعدم وجود الدراية الكاملة عنده بفقهاء المذهب، وعدم تميّز حال الفقهاء له، فهم مشتركون بأكثر الأوصاف، فيصعب رفع أحدهم وإنزال آخر، وتوهمه بالنظر إلى الألقاب التي ترجع للعرف، وليست للمكانة العلمية.
4.تبين للباحث بعد النقد التفصيلي لطبقات ابن كمال - رضي الله عنه - أنَّ ابن كمال ظهرت منه أخطاء في جميع الطبقات، وفي عامة الرجال المذكورين فيها، بحيث لم تعد علمياً صالحة للبناء عليها.
5.أَثّر شيوع هذه الطبقات سلبياً على فهم العلم والتعامل معه؛ لأنّها أوقفت الاجتهاد المطلق بعد الأئمة الأربعة، وأوقفت الاجتهاد في المذهب
بعد الصاحبين، وأوقفت التفقه والضبط للفقه بعد عصر المتون، فصار علم الفقه علماً جامداً، وعلماؤه مقلّدون جامدون لا يميزون شيئاً من العلم، وهذه النَّظرة أضرت بالفقه كثيراً جداً، والله أعلم.
* * *
البحث الثاني
وظائف المجتهدين عند الحنفية
تقدمة:
إنَّ الاجتهاد من أكثر القضايا إثارةً بين المتخصِّصين بالعلم الشرعي، وهو من أكثر الأمور غموضاً وخفاءً، كما لا يخفى على المختصين، والبحث فيه شائك ومتشعبٌ جداً، وبعد تفكّر وتأمّل في الأمر لسنوات، رأيت سبب هذه الخفاء والإشكال هو عدم تصور حقيقة الاجتهاد، ولا أقصد معناه الاصطلاحي؛ لأنَّه معلومٌ لكل أحد.
وإنَّما قصدت بحقيقته معرفته من خلال الوظائف التي يقوم بها المجتهد، فهي أكثر شيء تُصوره وتبيِّنه، فصرفت عنان التّفكير للتَّدبّر في ذلك، واستقصاء واستقراء ما يتعلَّق بتصرّفات فقهائنا وأئمتنا، فوجدتها تنحصر في خمس رئيسية يتفرع عليها غيرها: وهي استنباط وتخريج وترجيح وتمييز وتقرير.
وأهمية البحث: تنبع من أهمية الاجتهاد في الشريعة الذي يُمثل روحها وجوهرها؛ لأنَّ حياة الإسلام في الواقع بالاجتهاد، وهذا البحث يتحدثّ
عن أهم أمور الاجتهاد ببيان الوظائف للمجتهد، وتوضيح الصورة التي يحصل الاجتهاد فيها، وهي متعدّدة، تبدأ بالاستنباط وتنتهي بالتطبيق للحكم.
وهذه المعرفة للوظائف توقظ الهمّة والرغبة للباحث والطالب أن يسلكها ويسعى لتحصيلها، وتمكنه من فهم الاجتهاد الحاصل في التّاريخ والمراحل التي مرّ بها، وتبصّره بكيفيّة الاجتهاد لما يَجِدُّ من مسائل، وتجعل قضيّته ممكنةً ومقدورةً، بعيداً عن النظرة النظرية للمسألة.
وتحقيقاً للمقصودِ من البحث، سعيتُ في قسمته إلى تمهيدٍ ومبحثين وخاتمة:
المبحث الأول: في الترجيح والطبقات عند الحنفية، وفيه مطالب:
المطلب الأول: في الترجيح شرط العمل.
المطلب الثاني: في طبقات المجتهدين عند الحنفية.
المبحث الثاني: في وظائف فقهاء الحنفية.
الخاتمة: في بيان أبرز نتائج البحث.
تمهيد:
أولاً: تعريف الاجتهاد:
الاجتهاد لغةً: بذل الوسع والمجهود (¬1).
واصطلاحاً: استفراغُ الفقيه الوسعَ لتحصيل ظنٍّ بحكم شرعيٍّ فرعيٍّ (¬2).
وقد وقع لبس كبير في قضية الاجتهاد، بحيث لا يتصور إلا بصورته المطلقة الموجودة في المجتهد المطلق الذي يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، وفي الحقيقةِ فإن الاجتهاد المطلق هو نوعٌ من أنواع الاجتهاد، ولا يمثل جميع أنواع الاجتهاد، بل هو أنواع متعدّد، كما هو ملاحظٌ من التَّعريف أوّلاً، ومما سيأتي من كلام.
ومَن لا ينتبه لهذه النُّكتة لا يعيش الفقه والإسلام بحقيقته العملية،
فيكون بعيداً عن الواقع، والذي نريده هاهنا أن يكون الكلام في وظائف المجتهد استقراء للواقع لا مجرد فرضيّات عقليّة:
¬
(¬1) الرازي، محمد بن أبي بكر. (1420هـ). مختار الصحاح. ط5. الدار النموذجية، بيروت، ص63، ج هـ د.
(¬2) الفناري، محمد بن حمزة. (1289هـ).فصول البدائع في أصول الشرائع. مطبعة يحيى أفندي. ج2/ص 474.
فمن حيث الاستقراء: مضى على اجتهادات علماء الأمّة ما يزيد عن 14 قرناً، سَلَكتْ فيه مناهج وطُرُق في التَّوصلِ إلى الأحكامِ الشرعيّةِ والتعرّف عليها والإفتاء بها والتقنين منها، فيريد الباحث من حيث استقراء التَّاريخ الفقهيّ أن ندركَ ذلك ونقرِّرَه.
ومن حيث الواقع: أننا نعيش الإسلام في حياتنا ونجتهد في تطبيقِه على أنفسِنا وأهلينا ومجتمعنا، والإسلام العمليّ التطبيقيّ مرجعه إلى الفقه بالدرجة الأولى، فكلُّ أعمال جوارحنا معالجتها في الفقه، وإن كان للتَّربيةِ الأثرُ البالغ على أفعال الحواسّ، لكن في النَّتيجة هي تصرّفات تحتاج أحكاماً، ومعرفتُها مردُّها للفقه.
ثانياً: الاجتهاد حقيقة واقعيّة:
إنَّ عيشَ وتطبيقَ أي علم يحتاج إلى اجتهادٍ فيه؛ لتمييزِ صحيحِه من سقيمِه، وتَصَوُّر كيفيةِ العملِ به، وتخريج المسائل المستجدّة على أصول أئمّتنا في الاجتهاد.
وهذا أمرٌ لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان، وإلاّ لكان العلمُ نظريّاً خياليّاً لا يُطبّقُ ولا يُعاش، فطالما نريده علماً عمليّاً في حياتنا لا بدّ فيه من الاجتهاد، وقدر المتخصّصين فيه يتميَّز بقدر اجتهادهم، وهذا يظهر في مختلف العلوم حتى عند أربابِ الصَّنائع.
إذن فالواقعُ يفرضُ علينا أنَّه لا بُدَّ من الاجتهادِ في العلمِ طالما أنَّه يُعاشُ في الحياة، لكن على درجاتٍ وصورٍ متفاوتةٍ فيه.
فالفكرةُ الشَّائعةُ بين الطلبةِ من توقّف الاجتهاد وإغلاق بابه، وهل يوجد مجتهد في هذا الزَّمان؟ اعتقد أنَّ طرحها وسؤالها خطأٌ؛ لأنَّ هذه حقيقةٌ كالشَّمس، كيف يكون علمٌ معاشٌ ومطبّقٌ بدون اجتهاد، كيف يُفهمُ ويُميّزُ ويُعملُ بالعلم بدون اجتهاد، قال ابن قُطْلُوبُغا: «إن قلت: قد يحكون أقوالاً بلا ترجيح، وقد يختلفون في الصَّحيح، قلت: يُعملُ بمثل ما عَملوا به من اعتبارِ تغيُّر العرفِ وأَحوالِِ النَّاس، وما هو الأرفق، وما ظهرَ عليه التَّعامل، وما قَوِيَ وجهُه، ولا يخلو الوجودُ عَمَّن يُميّزُ هذا حقيقةً لا ظَنّاً، وعلى مَن لم يُميِّز أن يرجعَ لمَن يميّز؛ لبراءةِ ذمّتِهِ» (¬1).
وعليه فإنَّ تطبيق الفقه في الواقع يحتاج إلى اجتهادٍ، فالفكرةُ التي لا بُدّ من تقريرِها في ذهنِ كلِّ مُتعلِّمٍ للفقه: أنَّ الفقهَ حالُه مثل سائر العلوم، يحتاج إلى دراسةٍ لمعرفةِ قواعدِه وأسسِه ومبادئِه وأمّهات مسائلِه، كما هو الحال في علمِ الهندسةِ أو الطبّ أو غيرِهما.
وتدرس العلوم المختلفة من أجل التوصل إلى تكوين الملَكَة العلميّة، ويتعرّف طريقة أهل العلم في الفهم والبناء وتحليل الأمور، وبقدرِ اجتهادِ الشَّخص بالدِّراسة الذَّاتية والالتقاء بالأساتذة وتحقُّق الذَّكاء لديه يستطيع أن يتوصَّل إلى تكوين الملَكَة في العلم الذي تخصَّص فيه.
¬
(¬1) ابن قطلوبغا، قاسم. (2002م). التصحيح والترجيح على مختصر القدوري. ط1. دار الكتب العلمية. بيروت. تحقيق: ضياء يونس، ص131 - 132، وينظر: الحصكفي، محمد بن علي بن محمد. (د. هـ). الدر المختار شرح تنوير الأبصار. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج1/ص 78.
وتطبيق المرء للعلم في حياتِه وإفادةِ مجتمعه به وزيادتِه لمسائلِه راجعٌ إلى مقدارِ الملَكَة التي كوَّنها فيه، وهذا الأمرُ متحقِّق في الفقه؛ لأنَّه علمٌ كسائر العلوم تكوَّن من اجتهاداتِ العلماءِ فيه، وهذه الاجتهاداتُ منبعُها الملَكَات، وبقدرِ تحصيلها يستطيع أن يتصرَّفَ في هذا العلم ويُضيف إليه معارف وإفادات مبنيّة على أُسس العلم التي تَمَكَّن منها.
فعلى الرَّاغبِ في الفقه عموماً، وفي الفقه الحنفي خصوصاً أن يَجِدَّ ويجتهد في طلبِه بما قلتُ، ويَسعى جاهداً لتكوين مَلَكَةٍ فقهيّةٍ قويّة، يستطيع بها تطبيقَه على نفسِهِ ومَن حولَه، وعلى تحقيقِ مسائلِهِ وتحريرِها وبيان حكم ما جَدَّ منها.
ثالثاً: الاستقراءُ التَّاريخي للطَّبقات:
ممَّا سبق يتبيَّن أنَّ الاجتهاد في نفسِهِ موجودٌ لا محالة؛ لأنَّه روحُ العلم، وبه حياتُه وتطبيقُه، وبدونه ينعدم العلم، ولكنَّه يَمرُّ بمراحل في نشأةِ العلوم وتكوّنِها، فينتقلُ من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، فالعلمُ في كلِّ مرحلةٍ فيه يحتاج إلى نوعٍ جديدٍ من الاجتهاد؛ لأنَّ المرحلةَ السَّابقة اكتملت، والعلمُ في استمرارِ وزيادةٍ، وإلا لم يكن علماً.
وليس كلُّ عالم فيه يبدأُ من جديدٍ، بل يستمرُّ في البناءِ على علمِ مَن سبقه حتى يعظم بنيان العلم وتُشيَّدُ قواعدُه وأُسُسُه وتَزدادُ فروعُه ومسائلُه، فيكون علماً مرغوباً فيه، نافعاً للمجتمعات، ولو بدأ كلُّ عالم فيه من البدايةِ واجتهد فيما قاله غيرُه، لبقي العلم في محلِّه ولم يُكمل بُنيانُه.
وهذا يقتضي حصول مرحليّة في الاجتهادِ في العلم، تنقلُه من طورِ إلى طور، وهو ما نقصدُه بالاستقراءِ التَّاريخي للعلم لا سيما في المذهب الحنفي، حيث نلحظ فيه هذا التَّطوُّر الاجتهادي وانتقالُه من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، وهو واضحٌ جَليٌّ في علمِِ الفقه ـ كما سيظهر ذلك في الدراسة التالية ـ.
ويُخرجنا من مُشكلةِ تقسيم الطَّبقات لابن كمال باشا التي هي وظائف في الحقيقة لا طبقات، كما يُقرِّرَه شيخنا العثماني، حيث يقول: «إنَّ هذه الأقسام للوظائف لا للأشخاص، والمرادُ أنَّ وظائف الفقهاء تنقسم إلى هذه الأقسام ... ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون الرَّجل الواحدُ يتولَّى جميع هذه الوظائف أو بعضَها في وقتٍ واحدٍ، وهذا كما أنَّ العلماءَ ينقسمون إلى مفسّرٍ ومُحدِّثٍ وفقيهٍ ومُتكلّمٍ، ولكن رُبّما يقع أنَّ الرَّجلَ الواحدَ تصدُق عليه جميعُ هذه الأَلقاب، فهو من حيث اشتغاله بالقرآن مُفسِّرٌ، ومن حيث اشتغاله بالحديث مُحدِّثٌ، ومن حيث اشتغاله بالفقه فقيهٌ، فكذلك يجوز أن يكون الرَّجلُ الواحدُ مجتهداً في المسائل وأهلاً للتَّخريج والتَّرجيح في وقتٍ واحدٍ» (¬1).
وتقريراً لما سبق نحتاج قبل الكلام في الوظائف أن نعرض موجزاً في مبحث مستقل لأبرز أسباب الاجتهاد، وهو الترجيح؛ لأنَّه شرط العمل، وكذلك بيان تعدد أنواع الاجتهاد، وهو المرحلية التاريخية التي مرّ بها.
* * *
¬
(¬1) العثماني، أصول الإفتاء ص 101 - 102.
المبحث الأول
في الترجيح والطبقات عند الحنفية
المطلب الأول: الترجيح شرط العمل (الحقُّ واحدُ عند الله لا متعدِّد):
في هذ المطلب نعرض لأحد أهم أسباب الاجتهاد، وهو عدم جواز العمل بقول إلا بعد ترجيحه بالاجتهاد فيه، فالاجتهاد هو الطريق للوصول للراجح من القول للعمل، وبالتّالي الاجتهاد بطريق الاستنباط من الكتاب والسنة وطريق التَّخريج من فروع وقواعد الفقهاء نسعى فيه للوصول للحقّ عند الله - عز وجل -؛ لأنَّه واحد، فنحتاج أن نُميزه عن غيره لتطبيقه، وهذا يمثل الوظيفتين الأُولى والثّانية.
وأمّا الوظيفتين الثَّالثة والرَّابعة وهما: الترجيح والتمييز، فهذا المطلب يتحدَّث عن سببهما، وهو عدم جواز العمل إلا بالرَّاجح؛ لأنَّ المرجوحَ في مقابل الرَّاجح كالعدم، وبالتَّالي وجودهما مبنيٌّ على الوقوف على الحقّ؛ لأنَّه واحدٌ لا متعددٌ.
وأمّا الخامسةُ، وهي التَّقرير، فلا يكون التثبت من مناسبة الحكم للمكلّف أو الواقع إلا بالاجتهاد، وهذا لسعيه لإصابة ما هو الحقّ عند الله تعالى، فيكون الكلام فيها كالكلام في الوظيفة الأولى والثانية.
ومما يُلمس أن كثيراً من المشتغلين على الفقه في المؤسسات العلمية ممن لم يدرسوا الفقه على أساتذة وعامّة الطلبة الدّارسين له سلكوا مذهب المعتزلة القائلين بتعدّد الحقّ (¬1)، حتى صارت نظرتُهم إلى أقوال الفقهاء المختلفة أنَّها محلّ اختيار كلّ واحد منهم، فيحقُّ له أخذ ما شاء منها، وترك ما شاء؛ لأنَّها كلُّها حقّ، ففي كلّ مسألةٍ يدرسونها يأخذون فيها عدّة آراء فقهيّة: منها: مَن يقول: بالحلّ، ومنها: مَن يقول: بالحرمة، ومنها: مَن يقول: بالكراهة، وهكذا، دون بيانٍ للرّاجح منها في الغالب، فيكون هذا الطالب المبتدئ هو المختار لما يُريد بما تمليه عليه نفسه على حسب حاجته، فيوماً يقول: بالحرمة، ويوماً يقول: بالإباحة، وغيرها على حسب المصلحة العقليّة.
أولاً: أقوال العلماء في الحق عند الله - جل جلاله -:
القول الأول: قول المعتزلة وبعض المتكلّمين (¬2): المجتهدُ مصيبٌ، والحقُّ
¬
(¬1) البصري، محمد بن علي. (1403هـ). المعتمد في أصول الفقه. ط1، دار الكتب العلمية، بيروت. ج2 ص376.
(¬2) منهم القاضي حسين، ينظر: الزركشي، محمد بن بهادر الزركشي. (1989م). البحر المحيط في أصول الفقه. ط1. الكويت. تحقيق: الدكتور عمر الأشقر، ج 8/ص 284.
عند الله متعدّد؛ لأنَّ الحكمَ ما أدّى إليه اجتهاد كلُّ مجتهد، فإذا اجتهدوا في حادثةٍ فالحكم عند الله تعالى في حقّ كلّ واحد ما اجتهد به.
واحتجوا بالآتي:
1.إنَّ اجتهد جماعةٌ في القبلةِ كان اجتهادُهم صواباً، حتى تأدّى الفرض عنهم جميعاً، ولا يتأدّى الفرض عنهم إلا بإصابة المأمور به مع
إحاطة العلم بخطأ من استدبر الكعبة (¬1).
والمناقشة له:
إنَّ المتحرّي يخطئ ويصيب أيضاً كغيره من المجتهدين؛ إذ لو صلّى جماعة وتحرّوا القبلة واختلفوا، فمَن علم منهم حال إمامه وهو مخالفه فسدت صلاته؛ لأنَّه مخطئ للقبلة عنده، ولو كان الكلُّ صواباً والجهات قبلة لَمَا فسدت (¬2).
¬
(¬1) السغناقي، حسام الدين حسين بن علي. (1422هـ). الكافي شرح البزدوي. ط1. مكتبة الرشد، ج 4/ص 1847 - 1848.
(¬2) السغناقي، الكافي شرح البزدوي، ج 4/ص 1847 - 1848، و التَّفْتَازَانِيّ، سعد الدِّين مسعود بن عمر بن عبد الله. (1324هـ).التلويح في حل غوامض التنقيح. ط1. المطبعة الخيرية، مصر ج2/ص 238 ..
2.إنَّ الأحكام تختلف عند اختلاف الرُّسل بين قومين في زمان واحد: كإبراهيم - عليه السلام - ولوط - عليه السلام - (¬1).
والمناقشة له:
إنَّ الشَّيءَ الواحد جاز أن يكون حراماً لشخص حلالاً لشخص
آخر: كأم المرأة حرام على زوج ابنتها حلال لغيره، وكذلك سائر المحرّمات من الأمّ والبنت وغيرها، وكذلك المال لمالكه حلال ولغيره حرام، فكذلك يجوز أن تثبت الحرمة في حقّ أُمّةٍ، والحلّ في حقّ أمّةٍ أُخرى.
قال الكوثريّ: «والرأي الذي يُنسب إلى المعتزلة، يبيح لغير المجتهدِ الأخذُ بما يروقه من الآراء للمجتهدين، لكن أقلّ ما يجب على غير المجتهد في باب الاجتهاد أن يتخيَّر لدينه مجتهداً يراه الأعلم والأورع، فينصاع لفتياه.
وأمّا تتبّعه الرُّخص من أقوال كلِّ إمام، والأخذ بما يوافق الهوى من آراء الأئمّة، فليسا إلا تشهّياً محضاً، وليس عليهما مسحة من الدّين أصلاً، كائناً من كان مبيح ذلك؛ ولذلك يقول الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ الإمام عن تصويب المجتهدين مطلقاً: «أوله سفسطة وآخره زندقة» (¬2)؛ لأنَّ
¬
(¬1) الكوثري، محمد زاهد بن الحسن. (1994م). مقالات الكوثري. المكتبة الأزهرية للتراث. ـ مقالة اللامذهبية قنطرة اللادينية ـ ص223 - 225.
(¬2) الزركشي، البحر المحيط. ج8 ص290.
أقوالهم تدور بين النفي والإثبات، فأنى يكون الصواب في النفي والإثبات معاً ... ؟
نعم إنَّ من تابع هذا المجتهد في جميع آرائه، فقد خرج من العهدة، أصاب المجتهد أم أخطأ، وكذا المجتهدون الآخرون؛ لأنَّ الحاكم إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» (¬1).
القول الثاني: قول عامّة الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: المجتهدُ يُخطئ ويُصيب، والحقُّ عند الله واحدٌ، وإن لم يتعيَّن لنا فهو عند الله مُتعيِّن؛ لأنَّ حكمَ الاجتهاد الإصابة بغالب الرأي، وليس القطع بالوصول إلى الحقّ؛ لأنَّ الحقَّ في موضع الخلاف واحد (¬2).
واحتجوا بالآتي:
1.قال - جل جلاله -: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} (¬3)، ... وإذا
¬
(¬1) الكوثري، مقالات الكوثري. ص223 - 225، والبُخَارِيّ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي (1407هـ). صحيح البخاري. ط3. دار ابن كثير واليمامة. بيروت. تحقيق: الدكتور مصطفى البغا. ج6/ ص 2676،
(¬2) ابن أمير الحاج، أبو عبد الله محمد بن محمد الحَلَبِيّ. (1996مـ). التقرير والتحبير شرح التحرير. ط1. دار الفكر، بيروت، ج3/ص 306 - 307، والزركشي، البحر المحيط. ج8 ص290، وأبو يعلى، محمد بن الحسين، ابن الفراء، (1410هـ). العدة في أصول الفقه، ط2، والقرافي، شرح تنقيح الفصول. ج2 ص470.
(¬3) سورة الأنبياء: الآية79.
اختصَّ سليمان - صلى الله عليه وسلم - بالفهم، وهو إصابة الحقّ بالنّظر فيه كان الآخر خطأً (¬1).
2.وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -: «إنَّ رجلين اختصما إلى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لعمرو: اقض بينهما، فقال: أقضي بينهما وأنت حاضر يا رسول الله، قال: نعم، على إنَّك إن أصبت فلك عشر أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر» (¬2).
3.وعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر» (¬3).
4.وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حين سئل عن الكلالة قال: «إنّي سأقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد، فلمّا استخلف عمر - رضي الله عنه -، قال: إنّي
لأستحيي الله أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر» (¬4).
¬
(¬1) البزدوي، علي بن محمد بن حسين (د. هـ). أصول البزدوي. دار الكتاب الإسلامي، ج 4/ص 17.
(¬2) الحاكم، محمد بن عبد الله. (1411هـ). المستدرك على الصحيحين. ط1. دار الكتب العلمية. بيروت. تحقيق: مصطفى عبد القادر، ج4/ص 99، وقال ابن قطلوبغا: ورجاله رجال الصحيح. ابن قطلوبغا، قاسم، تخريج أحاديث البزدي، مركز العلماء العالمي للدراسات، الاردن، ص280
(¬3) مسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (د. هـ). صحيح مسلم. دار إحياء التراث العربي. بيروت. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ج 1/ص 134.
(¬4) الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن. (1407هـ). سنن الدارمي. ط1. دار التراث العربي، بيروت. تحقيق: فواز أحمد وخالد العلمي، ج 2/ص 462، البَيْهَقِي، أحمد بن الحسين بن علي. (1414هـ). سنن البَيْهَقِي الكبير. مكتبة دار الباز. مكة المكرمة. تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ج6، ص 223، والأزدي، ربيع بن حبيب بن عمر. (1415هـ). مسند الربيع. ط1. دار الحكمة. بيروت. تحقيق: محمد بن إدريس، وعاشور بن يوسف، ج1، ص 305.
5.وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «إذا حاصرتم أهل حصن فأرادوكم على أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم على حكم الله، فإنَّكم لا تدرون ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم احكموا فيهم ما شئتم ... » (¬1).
وجه الدلالة: وجود حكم واحد لله، وليس كلُّ ما يقول المجتهد حكم الله - جل جلاله -؛ لأنّه لا يدري حكم الله يقيناً، وبالتَّالي لا يُسلِّموا لهم أنّ ما قالوه حكم الله - جل جلاله -، ويدعون غيره.
قال التفتازانيّ: «وأمّا السنّة والأثر فالأحاديث والآثار الدّالة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ، وهي وإن كانت من قبيل الآحاد، إلا أنَّها ... متواترة ... من جهة المعنى، وإلا لم تصلح للاستدلال على
الأصول» (¬2).
¬
(¬1) ابن منصور، سعيد. (1414هـ). سنن سعيد بن منصور. ط1. دار العصيمي. الرياض. تحقيق: الدكتور سعد أل حميد، ج2/ص 230، والبيهقي، السنن الكبير، ج 9/ص 96.
(¬2) التفتازاني، التلويح، ج 2/ص 239.
6. والإجماع، قال علاء الدّين السمرقنديّ: «إنَّ الصّحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على جواز القياس مع مخالفة البعض في جواب المسائل والتّخطئة، حتى شدّدوا على عبد الله بن عبّاس - رضي الله عنهم - في جواز ربا النّقد (¬1) ... فالصّحابة الذين جوّزوا القياس أجمعوا على جواز الخطأ على القياس، وإجماع الصّحابة - رضي الله عنهم - حجّة قاطعة» (¬2).
ونَقل الإجماع أيضاً شيخ الإسلام شمس الدين الفناريّ (¬3).
فلم تكن مناقشةٌ حقيقيةٌ لأدلتهم؛ لقوتها وظهورها؛ ولذلك كان
مذهب الأئمة الأربعة (¬4)، واتفق عليه الفقهاء، فحقَّ له أن يُقدّم ولا يُلتفت لغيره.
¬
(¬1) قال الدكتور عبد الملك السعدي في تعليقه على الميزان ج2/ص 1055: «استدل على ذلك بما رواه الشيخان: أنَّه روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنَّما الربا في النسيئة» انظر: البخاري، الصحيح، ج3/ص 21، ومسلم، الصحيح، ج2/ص 6218، وقد رجع عن رأيه هذا حينما بلغه حديث أبي سعيد الخدري في تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - ربا الفضل. انظر: حديث أبي سعيد في البخاري، الصحيح، ج3/ص 310، ومسلم، الصحيح، ج3/ص 1214، وانظر رجوع ابن عباس وكيفية الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد في شرح مسلم للنووي ج11/ص 22».
(¬2) السمرقندي، محمد بن أحمد. (1407هـ). ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه. ط1. طباعة وزارة الأوقاف العراقية. تحقيق: الدكتور عبد الملك السعدي، ج2/ص 1056.
(¬3) الفناري، فصول البدائع، ج2/ص 417.
(¬4) ابن أمير الحاج، التقرير والتحبير شرح التحرير ج3/ص 306 - 307، والزركشي، البحر المحيط. ج8 ص290، وأبو يعلى، العدة في أصول الفقه، ط2، والقرافي، شرح تنقيح الفصول. ج2 ص470.
المطلب الثّاني: طبقات الاجتهاد عند الحنفية:
نعرض فيه لأبرز أسباب تعدد الاجتهاد من طريق الاستنباط إلى طريق التخريج، وهو المرحلية التي مرّ بها الفقه بحيث انتقل من طور إلى طور.
ونُفسِّر سبب ظهور الحاجة للوظائف الأخرى من ترجيح وتمييز؛ لكثرة الأقوال الحاصلة لتعدّد طبقات الاجتهاد، وبالتالي نحتاج أن نميز بينها ونرجح بين أقوالها.
المشهور عند العلماء (¬1) تقسيم طبقات المجتهدين إلى ثلاث طبقات، وزيدت طبقة رابعة وجدت في مذهب الحنفية، وهي متحقّقة في تلاميذ أبي حنيفة، حيث وصلوا لدرجة الاجتهاد المطلق، إلا أنَّهم آثروا البقاء في مذهب شيخهم، وهذه الطبقات هي:
أولاً: مجتهد مطلق:
¬
(¬1) الكوثري، محمد بن زاهد (1368هـ).حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي. دار الأنوار للطباعة والنشر، مصر، ص24، وأبو الحاج، صلاح محمد. (1422هـ). المنهج الفقهي للإمام اللكنوي. دار النفائس. عمان، ص161 - 168، والعثماني، أصول الإفتاء، ص19 - 22.
وهو مَن استقلّ بأصوله عن اجتهاد منه، وإن تأثّر في بعضها من شيوخه ومدرسته التي نشأ فيها، وبنى عليها الفروع، مثل: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد - رضي الله عنهم -.
ثانياً: مجتهد مطلق منتسب:
وهو مَن استقل بأُصوله عن اجتهاد منه، ووافق في بعض أصوله
أصول مَن انتسب لمذهبه؛ لموافقة رأيه رأي إمامه فيها، وبَنَى عليها فُرُوعاً، مثل: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، والحسن بن زياد - رضي الله عنهم -، فقد وصلوا درجةِ الاجتهادِ المطلق وإن آثروا الانتساب إلى إمامهم أَدباً معه وسعوا في نشر مذهبه مع أقوالهم، وهذا ما أيّده المرجانيّ (¬1) واللكنويّ (¬2) والكوثريّ (¬3).
ثالثاً: مجتهدٌ منتسبٌ:
وهو الذي مَشَى على أصول إمامه وفروعه، إلا أنَّه قد يُخالفه في أصولٍ وفروع عن اجتهادٍ منه، فيستنبط بها من الكتاب والسنة، فشرطه «ضبطُ
¬
(¬1) المرجاني، شهاب بن بهاء الدين. (1287هـ). ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق. طبعة قازان، ص58.
(¬2) اللكنوي، عبد الحي. (1406هـ). النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير. ط1. عالم الكتب، ص15.
(¬3) الكوثري، حسن التقاضي، ص85 - 86.
أصولِ مقلِّدِه؛ لأنَّ استنباطَه على حسبها» (¬1)، وهذا مثل: أبي جعفر الطحاويّ وأَمثاله من علماء القرن الثالث والرابع.
قال ابنُ الحسين المالكيّ (¬2): «الجمهورُ على أنَّ شروط الاجتهاد المطلق المذكورة لم تتحقَّق في شخصٍ من علماء القرن الرَّابع فما بعده، وأنَّ مَن ادّعى بلوغها منهم لا تُسلَّم له دعواه ضرورة أنّ بلوغَها لا يثبت بمجرد الدَّعوى ... ».
رابعاً: طبقة المجتهدين في المذهب:
ويتمثل في علماء المذهب من بعد القرن الرابع إلى يومنا، قال الفناريّ: «فممارسةُ الفقه طريقٌ إلى تحصيلِ الاجتهادِ في زماننا هذا» (¬3)، ويتلخص عملهم فيما يلي:
1.التخريج على فروع وقواعد أئمة المذهب خاصّة دون الكتاب والسنة؛ لاهتمامهم بضبط أُصول المذهب، فبنوا عليه كثيراً من الفروع المستجدة.
2.الترجيحُ والتصحيحُ بين أَقوالِ أئمّةِ المذهب على حسبِ قواعدِ رسم المفتي.
¬
(¬1) الفناري، فصول البدائع، ج2/ص 475.
(¬2) المالكي، محمد على حسين. (1431 - 2010). تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية. وزارة الأوقاف السعودية، مطبوع بهامش الفروق للقرافي، ج2، ص 188.
(¬3) الفناري، فصول البدائع، ج2/ص 475.
4.التقعيد والتأصيل لفروع المذهب.
5.حفظ المذهب وتمييز ما هو المعتمد فيه من ظاهر الرواية والنوادر ومسائل النوازل.
وهذا التقسيم أولى بالقبول من طبقات ابن كمال باشا، وأقرب إلى الحقّ في فهم الفقه ومراتب أئمته، وأرى أنَّه أفضل تقسيم في معرفةِ درجات وطبقات فقهاء المذهب، وفهم اجتهاداتهم وترجيحاتهم، وتصوُّر التّسلسل التّاريخيّ في نموّ المذهب وتطوُّره وانتقاله من مرحلةٍ إلى مرحلة.
* * *
المبحث الثاني
وظائف فقهاء الحنفية
بعد تقرير الحاجة الواقعية للاجتهاد، والحقيقة التّاريخة بحصوله في كلّ عصر وزمان، نتيقَّن بحقيقته، وندرك أنَّها الحلقة المهمة للدارس للفقه والعامل به، حيث يسعى الطالب للحصول على هذه الوظائف، وترتفع همته لذلك، ويسعى العامل بالفقه إلى الاستفادة منها في تطبيق الفقه واستخراج كنوزه.
وهذه الوظائف للمجتهدين هي:
أولاً: استنباط الأحكام من الكتاب والسُّنة وآثار الصَّحابة - رضي الله عنهم -، نوعان:
الأول:.الاعتمادُ على أصولٍ استخرجها المجتهدُ بنفسِه، قال ابنُ كمال باشا: «طبقة المجتهدين ... في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع عن الأدلّة الأربعة ... » (¬1).
¬
(¬1) العثماني، أصول الإفتاء، ص 87عن الطبقات.
وأبرز مَن قام بهذه الوظيفة الأئمة الأربعة، فهم وإن كانوا مستقلين في استنباطِ الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسنة، ولكن لا محيص له م من نوع من التقليد، وهو أنَّه ينظر في أقوال السلف من الصحابة والتابعين ويتمسّك بها في شرح أحكام القرآن والسنة، فربما لا يوجد نصٌّ صريحٌ من الكتاب والسُّنة، ولكن يوجد قول من أحدِ الصحابة أو التابعين، فيقدّمه على رأيه الخاصّ، وهذا كما أنَّ الإمام أبا حنيفة أخذ كثيراً بقول إبراهيم النخعي، والإمام الشافعي بقول ابن جريج، والإمام مالك بقول أحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة (¬1).
وفي الحقيقة هذه الاستقلاليّة لهم كانت ضمن مدارس فقهيّة تربوا فيها، ومشوا على أصولها وقواعدها وفروعها، مع تقرير وتقعيد وتأصيل منهم لما توارثوه، كما هو ظاهر في أفعال أبي حنيفة مع مدرسة الكوفة، ومالك مع مدرسة المدينة.
فإثبات أصول خاصّة بهم في الاستنباط لا يمنع تأثرهم بها في مدارسهم فنقحوها وحققوها أكثر فأكثر حتى نسبت إليهم.
وكذلك قام بهذه الوظيفة طبقة المجتهد المطلق المنتسب المتحققة بأصحاب أبي حنيفة: كأبي يوسف ومحمد، قال الكوثري: «اشتهر في أفواه الموافق والمخالف، وجرى مجرى الأمثال، قولهم: أبو حنيفة أبو يوسف، بمعنى أنَّ البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة أبو يوسف ...
¬
(¬1) العثماني، أصول الإفتاء، ص17 - 18.