المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي
للدكتور صلاح محمد أبو الحاج
الأستاذ المساعد في كلية أصول الدين الجامعية
جامعة البلقاء التطبيقية
دار الجنان
الأردن، عمان
جارٍ تحميل الكتاب…
المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي
للدكتور صلاح محمد أبو الحاج
الأستاذ المساعد في كلية أصول الدين الجامعية
جامعة البلقاء التطبيقية
دار الجنان
الأردن، عمان
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونصلي على رسوله المصطفى الكريم، المبعوث بالشرع القويم لهداية العالمين، وعلى آله وصحابته الغرّ الميامين المنقادين لأوامره والسائرين على طريقه العظيم، وعلى التابعين لهم بإحسان من العلماء العاملين، المحافظين على دينه ونهجه المستقيم إلى يوم الدين.
وبعد:
إن من أهم المهمات في هذا الزمان أن تصحح كثير من المفاهيم الإسلامية في مختلف مناحي الحياة بسبب الغربة الدينية التي نعيشها؛ لسيطرة الكفار وانتشار الغزو الفكري الذي خيم على حياتنا.
ومن أبرز هذه المفاهيم التي حصل خلط وخبط كبير في فهمها هو الفقه الإسلامي الذي حكم به المسلمون وارتضوه طوال خمسة عشر قرناً في حياتهم كافة، فكان يواكب ما يجد عليهم من أحداث، ويقدم لهم الحلول الشرعية في كل مشكلاتهم العبادية والاجتماعية والمالية؛ إذ كانت نظرتهم إلى الفقه نظرت تسليم وتوقير واحترام وتقدير؛ لثقتهم بعلم وتقوى أئمته، وأنهم نصبوا أنفسهم لتتبع الأحكام الشرعية من أدلته التفصيلية بكل أمانة وورع.
وهذه النظرة من أهل الإسلام لدينهم كانت تغيض أعداءهم، وتعيق تمرير أفكارهم وسلوكياتهم بين المسلمين؛ لذلك قام الاستعمار بزعزعة ثقة الناس بالفقه وأئمته؛ بالتشكيك في استمداده من أدلته، حتى وصل الأمر بهم إلى اعتباره أقوال رجال، ووجهات نظر، ونحن غير ملزمين بها وبتطبيقها.
وأخذت حركة الإصلاح في الأزهر على عاتقها الترويج لهذا الفكر والدعوة إليه ، ومن ثم تأثرت كليات الشريعة في العالم الإسلامي به؛ لأنها أنشأت على غرار الأزهر، وجمهرة من أساتذتها هم من خريجي الأزهر.
لذلك فإن كتب المدخل للفقه تصوّر الفقه بمفهومه المعاصر بعد حركة الإصلاح، ولا تعطي صورة حقيقية عن حقيقة الفقه الإسلامي الذي عرفه المسلمون في تاريخهم الطويل واعتزوا به، وهذا ظلم اعتساف لا يرضاه أهل الإنصاف؛ لأنه كما هو معلوم أن صلاح آخر هذه الأمة لا يكون إلا بما صلح به أولها، وكان صلاح أولها بالفقه بصورته المعروفة لديهم من الالتزام الفقهي، لا بصورته الحالية؟!
فكان من الواجب علينا التنبيه والتحذير من الانحراف الذي حصل في المنهج، والسعي إلى إعادة الأمور إلى سابق عهدها باعتدال يقرّ به أصحاب العقل السليم والفطرة القويمة؛ لأنه ليس من العدل أن نقذف المتأخرين من علماء الأمة الأفذاذ في القرون العشرة الأخيرة في زمن دولة الإسلام وعزته بجمود القرائح والتقليد الأعمى، ونعتبر عصرنا عصر نهضة علمية وفقهية ونحن في زمن غابت فيه الخلافة الإسلامية وسيطر الاستعمار وانتشرت أفكاره وجهر فيه بالفسق والمعاصي.
وليس من الإنصاف أن نتهم الصحابة - رضي الله عنهم - وعلى رأسهم عمر - رضي الله عنه - بتغيير شرع الله على حسب ما يريدونه، ونعتبر أنفسنا حراساً على الشرع في إعادته إلى نصابه.
وليس من العدل أن نتهجّم على الأئمة الفقهاء الأربعة - رضي الله عنه - بترك الأدلة في بعض مسائلهم مع أن الأمة خضعت لهم وتلقت اجتهادهم بالقبول؛ لعلم علمائها بأنهم كانوا أحرص الناس على التزام النصوص الشرعية وفهمها كما فهمها مَن سبقهم من التابعين والصحابة - رضي الله عنهم -، ونعتبر أنفسنا حكاماً على فقههم في رد ما نشاء منه بحجّة المخالفة للكتاب والسنة مع أن المتابع لهؤلاء المحاكمين للأئمة يلاحظ أن أحدهم يعجز عن تخريج حديث من مظانه، حتى آل الأمر بسبب هذا الطعن إلى أن اعتمد جمهور من المسلمين في أحكام دينهم على كتب جمعت على هيئة غريبة عجيبة لم تعهد من قبل في التلفيق بين المذاهب والترجيح بينهما على حسب المصلحة العقلية المجرّدة بعبارات إنشائية فيها تنقيص لعظماء الأمة وفقههم في مقابل رجال اشتهروا بالمخالفة والمنافرة والجرأة على دين الله تعالى.
وليس من الإنصاف أن نقسم الفقهاء إلى مدرستين مدرسة أهل حديث ومدرسة أهل رأي من غير حجة وبرهان، ونعتبر أن أهل الرأي سموا بذلك لقلة الأحاديث بينهم، فهل يعقل أن نرمي هؤلاء الأعلام بدينهم وأنهم يتجرؤون على القول في دين الله من غير نص شرعي، ومن ثم يكون لنا الحقّ في رد فقههم لعدم استناد كثير منه إلى النصوص الشرعية.
وليس من العدل أن نحمل بعض الكلمات البريئة عن الأئمة كقولهم: إذا صح الحديث فهو مذهبي. ونعتبرها طعناً فيهم وفي فقههم وفيمن قلدهم، فنرد كثيراً من أقوالهم بسببها، مع أنه ألفت كتب خاصة في بيان معناها، ونقل هذه العبارات كبار الفقهاء والمحدثين إلينا دون أن يحملوها على ما حملناها عليه.
وليس من الإنصاف أن ننظر إلى الفقه على أنه وجهات نظر، يحقّ لنا أخذ ما شئنا منه ونترك ما شئنا بغير حجة؛ لأن هذا فتح لباب التلاعب والمزاجية في الشريعة، فمن متى كان الفقهاء مشرعين؛ إذ من المعلوم أن المشرع هو الله تعالى فقط، والفقهاء عبارة عن مبينين لحكم الله - جل جلاله - ومراده لا غير، فكل منهم يجتهد لتحقيق ذلك بقدر وسعه، أما اعتبار الفقه أقوال رجال، وكل مسألة لا يوجد فيها آية أو حديث صريح نعتبرها مجرد قول لا قيمة له ، فهذا عجيب ؛ لأن جلّ المسائل الفقهية مأخوذة من عمومات القرآن والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -، وليس بشرط أن يوجد نصّ في كل منها، ولو كان نص في كل مسألة لما احتجنا للفقه، ولكنا مكتفيين بالأحاديث فقط، ولا عاقل يقول بذلك؛ لأن الأحاديث محدودة جداً والمسائل الفقهية غير متناهية.
وهذا المذكور من الظلم وعدم الإنصاف الواقع على علمائنا وفقهائنا وأئمتنا غيض من فيض، وقد نبهت على كثير منه في هذا الكتاب، وليس لي مقصد من هذه الدراسة إلا مخاطبة العقول النابغة والقلوب الحية في إقرار الحقّ، وإنزال الفقه وأهله منزلته المرموقة.
وسيجد القارئ الكريم ما يشفي وما يروي في فهم التسلسل التاريخي للفقه كما فهمه أهله السابقون واللاحقون، وسيتضح له التدرج المرحلي الذي مرّ به الفقه إلى أن بني منه هذا الصرح العظيم الذي نباهي به الدنيا، فنجد أن أهل القانون في المؤتمرات الدولية يعترفون بمكانته، ويقرون باعتباره أحد المصادر في استقاء القوانين في دولهم.
كما أنه سيعلم الأسباب التي أدت بالأمة إلى تقليد المذاهب الأربعة دون سواها وأن هذا كان من حفظ لله تعالى لدينه من التحريف والتبديل كما صرّح بذلك جمع من الفضلاء، وستقف على الأهمية لهذا التقليد مع الحجج والبراهين الساطعة عليه.
وإنه ينبغي لأي مشتغل بالفقه أن يعرف الكتب المعتمدة في المذاهب وغير المعتمدة، وأسباب عدم اعتبار الكتب، وكيفية الأخذ من الكتب غير المعتبرة، بالإضافة إلى الوقوف على اصطلاحات الفقهاء في كتبهم، مع معرفة قواعد عامة في التفقه وفهم المسائل واستنباطها من أصولها وغير ذلك مما فصلته في هذا الكتاب؛ إلا أنه لما كانت المسائل المعروضة في هذه الدراسة كثيرة اقتصرت على الأهم فالأهم منها، مع التركيز على المذهب الحنفي؛ لأن التوسع والتفصيل فيها في كل المذاهب، وفي عرض المباحث والفصول بما تستحقه من البيان والتوضيح سيحتاج إلى مجلدات، وهذا يخالف المقصد من تأليف المادة لتدريسها في كلية شريعة كمدخل للفقه الإسلامي، وما لا يدرك كله لا يترك كله.
وفي الختام أسأل الله عز وجل أن يتقبّل منّي هذا العمل، ويجعله خالصاً لوجه الكريم، ويرزقني الإخلاص في القول والعمل، ويغفر لي ولوالدي وأجدادي وشيوخي وزوجتي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
... ... ... ... ... وكتبه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
في يوم الاثنين 28/رجب/1425هـ
الموافق 13/أيلول/2004م
عمان/صويلح
المبحث الأول
تعريف الفقه
المطلب الأول: المعنى اللغوي:
قال الفراهيديّ - رضي الله عنه -: ((فقِهَ يفْقَهُ فِقْهاً إذا فَهِمَ))(1) .
وقال ابن فارس - رضي الله عنه -: ((فقه: الفاء والقاف والهاء أصلٌ واحد صحيح، يَدُلُّ على إدراكِ الشّيء والعلم به))(2).
وقال ابن منظور - رضي الله عنه -: ((الفقه: العلمُ بالشَّيء والفَهْمُ له))(3) .
وقال الكفويّ - رضي الله عنه -: ((الفقه: العلم بغرضِ المُخاطبِ من خِطابه))(4).
وقال الرّمليّ - رضي الله عنه -: ((فَقِهَ بكسر القاف، إذا فَهِم، وبفتحها إذا سبق غيره إلى الفَهِم، وبضمها إذا صار له سَجية))(5).
فالحاصلُ من كل ما تقدم أن الفقه: هو الفهم مطلقاً فهو ما يَدُلُّ على إدراكِ الشّيء ، والعلم به ، والفهمِ له ، والعلمِ بغرض المخاطب من خطابه : أي فهم غرض المتكلم من كلامه، وقد وردت آيات عديدة فيه، منها:
قوله - جل جلاله -: (فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً((6).
وقوله - جل جلاله -: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ((7).
وقوله - جل جلاله -: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ((8).
وأما تخصيصه بفهم الأشياء الدقيقة كما ذهب إليه أبو إسحاق الشيرازي - رضي الله عنه - في ((شرح اللمع))، فخلاف الصواب كما صرَّح به الأسنوي - رضي الله عنه -(9)، ويؤيِّده ما سبق نقله من معاجم اللغة.
المطلب الثاني: التطور الدلالي:
(1) العين 2: 70، وينظر: مفردات القرآن ص398.
(2) معجم مقاييس اللغة 4: 442.
(3) لسان العرب 5: 3450.
(4) الكليات ص67.
(5) ينظر: رد المحتار 1: 25-26، وغيره.
(6) النساء: من الآية78.
(7) الأنعام: من الآية25.
(8) هود: من الآية91.
(9) ينظر: نهاية السول في شرح منهاج الأصول للبيضاوي 1: 8، وغيره.
يشبه علماء اللغة الألفاظ والمفردات بالكائن الحي من حيث الولادة والنشوء والهرم والموت، فالألفاظ يعتريها التطور والتغيير من وقت إلى آخر، وهذا ما نجده في كثير من الألفاظ الشرعية، إذ نقلت دلالتها اللغوية إلى مصطلحات شرعية لا يعرفها العرب.
ومن هذه الألفاظ كلمة: ((فقه)) فقد أصابها ما أصاب أخواتها من الألفاظ في حصول التطور الدلالي لها، إذ نقلت من المعنى اللغوي: وهو الفهم مطلقاً إلى معنى اصطلاحي.
وهذا المعنى الاصطلاحي اعتراه التطور؛ إذ كانت في صدر الإسلام تحمل معنى شمولي لمفردات الدين من عقائد وفروع وتصوف وغيرها(1)، وهذا الموافق لقوله - جل جلاله -: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ((2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن يرد الله به خيراً يفقه في الدين)(3).
وبعد توسّع رقعة الإسلام ، ودخول أفواجٍ من غير أقوام العرب في الإسلام ،
ظهرت في الأمة أفكارٌ جديدة، فاحتاجت الأمة إلى فرز العلوم بعضها عن بعض وإطلاق الأسماء المتنوعة على تلك المسميات، وخصصت كلمة: ((فقه)) على العلم بفروع الدين، فأصبح خاصاً بهذا المعنى بعد أن كان شاملاً للمفردات كلَّها.
المطلب الثالث: المعنى الاصطلاحي:
(1) ينظر: موسوعة الفقه المصرية 1: 9، وغيرها.
(2) التوبة:122.
(3) في صحيح البخاري1: 37، وصحيح مسلم2: 718، وسنن ابن ماجه1: 80، وغيرها.
إن أصحاب كل علم ينظرون إلى المعنى اللغوي والشرعي من الجانب الذي يخدم علمهم؛ لذلك وجدنا الأصوليين والفقهاء اختلفوا في تعريف الفقه اصطلاحاً، فالأصوليون اتجهتْ عنايتهم إلى بيانِ مفهومِ الفقه في اصطلاحهم بالمعنى الوصفي: أي الحالُ التي إذا وجِدَ عليها المرءُ سمِّي فقيهاً، ولم يعرضوا لمعناه الاسمي: أي المسائل والأحكام التي يُطلقُ عليها اسم الفقه(1) .
فعرّفه الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه -: معرفةُ النَّفسِ ما لها، وما عليها عملاً.
ولفظ: عملاً زاده أصحابه - رضي الله عنهم -؛ لتخرجَ الاعتقادات والوجدانيات، فيخرج الكلام والتَّصوف.
والمعرفة إدراكُ الجزئياتِ عن دليل.
ومعنى ما لها وما عليها: ما يجوز لها، وما يحرم عليها، فيشملان جميع الأصناف(2) .
وعرَّفه الأصوليون بتعاريف كثيرة أشهرها: العلم بالأحكام الشَّرعيَّة العملية المكتسب من أدلتها التَّفصيليَّة(3). وهو منقول عن أصحاب الإمام الشافعي - رضي الله عنه -.
(1) ينظر: الموسوعة الفقهية1: 10، وغيرها.
(2) التوضيح1: 10-11. وينظر: حاشية نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار ص10.
(3) ينظر: نهاية السول 1: 22، وحاشية قمر الأقمار على كشف الأسرار علىالمنار1: 2، والتعريفات ص147، والمستصفى 1: 4، والدر المختار 1: 26-27، وفواتح الرحموت بشرح مُسَلَّم الثُّبُوت 1: 12، والكليات ص690، والميزان الكبرى 1: 107، وأصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي1: 19، وأصول الفقه تاريخه ورجاله ص10، وعلم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص11، ومحاضرات في أصول الفقه لفتضل شاكر ص4، وأصول الفقه الاسلامي لبدران أبو العينين ص25، وأصول الفقه لمحمد الطاهر النيفر ص2، وغيرها.
فالأدلة التفصيلية: هي الأدلة الجزئية التي يتعلّق كلّ دليل منها بمسألة معيّنة وينص على حكم خاص بها(1) كقوله - جل جلاله - : (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ((2)، فهي دليل جزئي يتعلّق بحكم قتل النفس بغير حق.
وخرج بالأحكام: العلم بالذوات والصفات والأفعال، وبالشرعية: العقلية, والمراد بها ما يتوقف معرفتها على الشرع. وبالعملية : عن العلمية, ككون الإجماع وخبر الواحد حجة(3).
والأحكام الشرعية العملية هي التي تتعلق بأفعال المكلفين من العبادات والمعاملات، وهي:
الفرض: وهو إن كان الفعل أولى من الترك مع منع الترك الثابت بدليل قطعي. وحكمه: أنه يعاقب تاركه إلا أن يعفو الله عنه.
الواجب: وهو إن كان الفعل أولى من الترك مع منع الترك الثابت بدليل ظني. وحكمه: أنه يعاقب تاركه إلا أن يعفو الله عنه.
والفرق بين الفرض والواجب: أن الفرضَ لازم علماً وعملاً حتى يكفر جاحده، والواجب لازم عملاً لا علماً, فلا يكفر جاحده، بل يفسق إن استخف بأخبار الآحاد غير المؤولة, وأما المؤولة فلا.
السنة: وهو إن كان الفعل أولى من الترك بلا منع الترك، وهذا إذا كان الفعل طريقة مسلوكة في الدين وإلا فنفل ومندوب. وحكمها: أن السنة نوعان:
الأولى: سنة الهدى: وتركها يوجب إساءة وكراهية؛ كالجماعة والأذان والإقامة ونحوها.
والثانية: سنة الزوائد؛ وتركها لا يوجب ذلك كسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - في لباسه وقيامه وقعوده.
الحرام: وهو إن كان الترك أولى من الفعل مع منع الفعل الثابت بدليل قطعي. وحكمه العقاب على فعله.
المكروه: وهو إن كان الترك أولى من الفعل مع منع الفعل الثابت بدليل ظنيّ. وحكمه: أن المكروه نوعان:
(1) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص55، وغيره.
(2) الأنعام: من الآية151.
(3) ينظر: البحر المحيط 1: 34، والتقرير والتحبير 1: 19، وشرح الكوكب المنير ص11، وحاشية العطار 1: 52، وغيرها.
الأول: مكروه كراهة تنزيه: وهو إلى الحل أقرب.
والثاني: مكروه كراهة تحريم: وهو إلى الحرمة أقرب.
المباح: وهو ما استوى فيه الفعل والترك(1).
وعرّف الفقهاء الفقه: بأنه علم يبحث فيه عن أحوالِ الأعمالِ من حيث الحلِّ، والحرمةِ، والفساد، والصِحة(2). ويطلق على: حِفظ جملة من الفروع(3). ويطلق أيضاً على: مجموعة من الفروع(4).
فالحاصل أن الفقه في الأصول: علم الأحكام من دلائلها…، فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم، وإطلاقه على المُقلِّد الحافظ للمسائل مجاز، لكن صرح الأصوليون بأن الحقيقة تترك بدلالة العادة، وحينئذٍ فينصرف كلام الواقف الموصي للفقهاء إلى ما هو المتعارف في زمنه؛ لأنه حقيقة كلامه العرفية، فتترك به الحقيقة الأصلية، ويكون حقيقة في عرف الفقهاء.
وتكلّموا في المقدار الأدنى الذي يجب أن يحفظه الشخص حتى يطلق عليه لقب: الفقيه؛ وانتهوا إلى أن هذا متروك للعرف، ونستطيع أن نقرّر أن عرفنا الآن لا يطلق لقب: فقيه إلا على من يعرف موطن الحكم من أبواب الفقه المتناثرة بحيث يسهل عليه الرجوع إليه(5).
المطلب الرابع: ألفاظ ذات صلة بالفقه:
الأول: الدين: وهو الطاعة لله فيما أمر به من الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح والخلق القويم. أو وضع إلهيّ سائق للبشر إلى ما هو خيرٌ لهم في الدارين(6).
(1) ينظر: التوضيح 2: 248-251، وانظر: فواتح الرحموت 1: 57، وغيره.
(2) ينظر: حاشية الخادمي على شرح الدرر ص3، وغيره.
(3) الدر المختار 1: 26-27، وعند أَهل الحقيقة الجمع بين العلمِ والعمل، لِقول الحسن البصريّ: إنَّما الفقيه المعرض عن الدنيا الزاهد في الآخرة، البصير بعيوب نفسهِ.
(4) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 55، وغيره.
(5) ينظر: رد المحتار 1: 26، وحاشية الخادمي ص3، والموسوعة الفقهية الكويتية 1: 14، والمنهج الفقهي للإمام اللكنوي ص20-21، وغيرها.
(6) ينظر: مقالات الكوثري ص179.
فالفقه على معناه الأول هو معرفة جميع جوانب الدين، وعلى المعنى الاصطلاحي هو معرفة الجانب العملي من الدين وهو العمل؛ قال - جل جلاله -: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ((1).
الثاني: الشرع: وهو ما سنّه الله لعباده من أحكام عقائدية أو عملية أو خلقية(2). قال - جل جلاله -: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ((3).
وهو بهذا المعنى مرادف للدين.
الثالث: الشريعة, والشرعة: لغة : العتبة ومورد الشاربة. واصطلاحاً لها معنى الشرع، قال - جل جلاله -: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ((4). وقال: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً((5).
وشاع في عصرنا الحاضر إطلاق لفظ الشريعة على الأحكام الفقهية حتى سمي قسم الفقه وأصوله في بعض الكليات المتخصصة لدراسة العلوم الإسلامية بقسم الشريعة، فالمقصود منها هاهنا هو المعنى الاصطلاحي للفقه، في حين كثر تسمية الكليات التي تدرّس فيها هذه العلوم الإسلامية بكليات الشريعة، وهذا على المعنى العام للشريعة، ومبدأ هذه التسمية كان في مدرسة الحقوق في مصر، ومن ثم انتقل إلى غيرها(6).
(1) التوبة: من الآية122.
(2) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 16.
(3) الشورى: من الآية13.
(4) الجاثية:18.
(5) المائدة: من الآية48.
(6) ينظر: الموسوعة الفقهية المصرية 1: 13، وغيرها.
الرابع: التشريع: هو خطاب الله تعالى المتعلق بالعباد طلباً أو تخييراً أو وضعاً. ومن هنا ينبغي أن يعلم أنه لا حق في التشريع إلا لله وحده, كقوله - جل جلاله -: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ((1)، فليس لأحد ـ كائناً من كان ـ أن يشرع حكماً, سواء ما يتّصل بحقوق الله أو حقوق العباد؛ لأن هذا افتراء على الله, وسلب لما اختص به نفسه: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ((2)، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ مع علو مكانته ـ ليس له حق التشريع وإنما له حق البيان, وعليه واجب التبليغ، قال - جل جلاله -: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ((3)، وقال: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( (4)، وقال - جل جلاله -: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ((5).(6)
الخامس: الاجتهاد: بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظنيّ(7).
وهو بذلك موافق للمعنى الاصطلاحي عند الأصوليين، أما عند الفقهاء فهو أعم إذ يشمل الظني والقطعي.
المطلب الخامس: دعاوى وردّها:
(1) الأنعام: من الآية57.
(2) النحل:116.
(3) المائدة: من الآية67.
(4) النحل:64.
(5) النحل:44.
(6) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 17-18، وخصائص التشريع الإسلامي ص17-18.
(7) ينظر: مسلم الثبوت 2: 362.
معلوم أن المسلمين في هذا العصر يعيشون في ذلّة وهوان انعكست على مناحي حياتهم بما فيها الجانب الفكري عند علمائهم، فضعفت النفوس وفقدت عزّتها بالإسلام، ورأت كلّ ما لدى أعدائها حقّ وصواب، فتسابقت لتقليده ومتابعته، والدين بأحكامه المعروفة الثابتة ينكر على أهله مسايرة غيرهم ولا يرضى إلا بالشخصية المستقلة له، فسعى الساعون لتحقيق مآربهم ومقاصدهم في نبذ أحكام الشرع القويم بإلصاق الشبه والفهم الخاطئة لهذا الدين؛ ليتفلتوا من أحكام الإسلام، ومما ذكروا:
الأول: أن الفقه آراء لبعض العلماء ولا يعتبر الخروج عليه خروجاً على الشريعة؛ لذلك أجازوا لأنفسهم الخروج عن الأحكام الشرعية بحجّة الاختلاف أو عدم وجود نصّ جازم أو غير ذلك.
وهذه مغالطة عظيمة يجاب عنها بما يلي:
أن دور الفقيه لا يتجاوز استخراج واستنباط وبيان الأحكام من الكتاب والسنة بفهمه القويم، قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه -(1): ((أحكام الشرع هي ما فهمه الصحابة والتابعون وتابعوهم من كتاب الله وسنة رسول - صلى الله عليه وسلم - على موجب اللسان العربي المبين، وعمل الفقهاء إنما هو الفهم من الكتاب والسنة، وليس لأحد سوى صاحب الشرع دخل في التشريع مطلقاً، ومن عدّ الفقهاء كمشرعين وجعلهم أصحاب شأن في التشريع فقد جهل الشرع والفقه في آن واحد، وفتح من جهله باب التقول لأعداء الدين.
وأما المتأخرون من الفقهاء فليس لهم إلا أن يتكلموا في نوازل جديدة لا أن يبدوا آراء في الشرع على خلاف ما فهمه من النصوص رجال الصدر الأول الذين هم أهل اللسان، المطلعون على لغة التخاطب بين الصحابة قبل أن يعتريها تغيير وتحوير، والمتلقون للعلم عن الذي شهدوا الوحي، فما فهموه من الشرع فهو المفهوم، وما أبعدوه عن أن يكون دليلاً بعيد عن أن يتمسك به، وإنما الكلام فيما لم يتكلموا فيه أو اختلفوا في حكمه)).
(1) في مقالته: (شرع الله في نظر المسلمين) من مقالاته ص184.
أن هذه الآراء لا بد أن تكون معتمدة على نص شرعي من كتاب الله أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إن الآراء المعتمدة على الإجماع والقياس وغيرها من الأدلة المساندة لا بد أن ترجع إلى كتاب الله أو سنة رسوله. فالإجماع مثلاً لا بد أن يكون له سند من نص قرآني أو سنّة مقبولة, والأحكام النابعة من القياس لا بد أن ترجع إلى أصل من الكتاب أو السنة؛ لأن القياس: هو إلحاق مسألة لم يرد فيها نص بمسألة أخرى ورد فيها نص لإثبات حكم شرعي لجامع بينهما, وهذا الجامع هو العلة، وهكذا(1).
أن إرادة الله - جل جلاله - اقتضت أن تكون غالبيّة الأحكام الفقهية ظنيّة ومحلّ اجتهاد لأهل النظر؛ إذ أنه سبحانه تعبّدنا فيها باجتهادات الفقهاء - رضي الله عنهم - ولم يخص كلاً منها بنص من عنده، فلو لم تكن ممثلة للشرع لما كان هذا، ويبدو للمتأمل حكمٌ من ذلك منها:
أنه لو وجد نصٌّ في كل مسألة فقهية لعظم حجم القرآن أو السنة بصورة يصعب حفظها.
أن كثيراً من المسائل الفقهية متغيّرة ومستجدّة على حسب الزمان والمكان، فلو ذكرت النصوص مفصّلة؛ لكانت سبباً للطعن في القرآن والسنة، فمثلاً وجد في زماننا الطائرات والسيارات والاتصالات فلو ذكرت أحكامها في العصور الأولى التي لا يتصور أمثال هذه الأشياء لكانت مطعنة كبيرة في الشرع.
(1) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 20-21، وغيرها.
ولذلك كانت الأحكام التي هي أساس الدين سواء ما يتصل منها بالعقيدة أو الأمور العملية قد وردت في آيات محكمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون هذه الأمور ثابتة على مر العصور كأكثر أحكام المواريث, وأصول أحكام الأحوال الشخصية, وآيات الحدود والقصاص. أما المسائل القابلة للتطور فقد جاء القرآن الكريم في شأنها موضحاً الخطوط الرئيسة, وكانت محلاً لاختلاف الأنظار. واختلاف النظر ـ إذا لم يكن مبنياً على الهوى والتشهي ـ فهو رحمة للأمة. ومع ذلك لو جاءت النصوص الشرعية كلها قطعية لقال قائلهم : هلا كان لنا مجال للاجتهاد حتى لا تجمد عقولنا , ونصبح أمام نصوص جامدة(1).
وهذه الشبهة أثارها المصلحون للأزهر الحديث، وتبعهم من تبعهم(2)، وحقيقتها التفلت من أحكام الشرع؛ إذ أن غالبها مبنيٌّ على الاجتهاد والنظر، ولله المشتكى.
الثاني: إن الفقه غير الدين، فإن خالفوا شيئاً من الأحكام الفقهية فإنهم لا يخالفون الدين.
ويتأتى الكلام في دحض الشبهة السابقة في ردّ هذه الفرية، وإنما خصصتها بالذكر لئلا يعلق بالذهن أنها مختلفة عنها، ولأضيف على ما سبق ما قاله الإمام الكوثري - رضي الله عنه -:(3) ((أم أي صاح يستسيغ أن يفوه بأن الفقه غير الدين في كتاب الله، يغايره ويباينه مطلقاً مفهوماً وصدقاً وتحققاً؛ ليستبيح بذلك انتهاك حرمة الفقه في الدين مع أن الفقه ما هو إلا معرفة الدين فلا تتصوّر مغايرة علم الدين للدين ولا مخالفة العلم لمعلومه إلا عند مَن لا يميّز بين الأشخاص فضلاً عن المعاني بغفوته، ولا بين المقدم والمؤخر ببالغ غفلته… أم يمكن أن يرى عاقل تنافي الشيء والعلم به ليمكنه إنكار فقه الدين مطلقاً بدون إنكار الدين، وهذا مبدأ إليه المنتهى في السخف)).
(1) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 19.
(2) ينظر: مقالات الكوثري ص178-179، والموسوعة الفقهية المصرية 1: 13، وغيرهما.
(3) في مقالته الدين والفقه من مقالاته ص 178-179.
الثالث: إن الفقه الإسلامي لم يعالج مشاكل العصر وما جد من أحداث.
إن هذه دعوى كذبها التاريخ؛ لأن هذا الفقه حكمت به دول وشعوب مختلفة في مشارق الأرض ومغاربها على مدى تاريخ الإسلام، ولم يعجز عن إيفاء حاجاتها من الأحكام وتنظيم أمورها وتسيير حياتها على أروع صورة، ولولا إبعاد هذا الفقه عن حياة المسلمين بقصد أو بغير قصد لما وجدنا مشكلة استعصت عليه حلها، ومع ذلك فإن المتابع لأهل العلم والفضل يجد أنهم بيَّنوا حكم الإسلام في كل ما جدّ من مسائل في هذا العصر، وأنه الحل المناسب لكثير من الاضطراب والظلم الواقع بسبب تطبيق غيره من القوانين.
الرابع: إن الفقه أصبح تاريخاً: كتشريع الآشوريين وقدماء المصريين وغيرهم من الأمم البائدة.
ويجاب عنه بما يلي:
إن هذا القول لا يعبر به قائله إلا عن هوى في نفسه. ولكن الله سبحانه وتعالى مخلف ظنه, فقد رأينا أن الكثرة من الشعوب الإسلامية تنادي بوجوب الرجوع إلى شريعة الله المتمثّلة في الفقه الإسلامي. والذي سيصبح تاريخاً ـ إن شاء الله ـ هو القانون الوضعي الذي لم يطل أمده في البلاد الإسلامية إلا قرنا أو أقل من قرن, ومع هذا فقد ضاقت به النفوس, ولم يبق متعلقاً به إلا شرذمة ترى أن حياتها مرتبطة بحياته, وسعة أرزاقها منوطة ببقائه(1).
(1) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 22، وغيرها.
إن الفقه الإسلامي قد اعترف به في المؤتمرات الدولية للقانون، ففي مؤتمر لاهاي للقانون الدولي المقارن المنعقد في سنة 1938م حيث قرر المجتمعون أن الشريعة الإسلامية تعتبر من مصادر التشريع العام، وأنها شريعة حية مرنة قابلة للتطور وأنها قائمة بذاتها ليست مأخوذة من غيرها، كما قرر مؤتمر المحامين الدولي المنعقد في لاهاي سنة 1948م القرار التالي : اعترافاً بما في التشريع الإسلامي من مرونة وما له من شأن هام، يجب على جمعية المحامين الدولية أن تقوم بتبني الدراسة المقارنة لهذا التشريع… والتشريع عليها(1).
- - -
(1) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص9، وغيره.
المبحث الثاني
خصائص الفقه الإسلامي
الجزاء دنيوي وأخروي:
فإنه يربط دائماً بين الجزاء الدنيوي والجزاء الأخروي، فليس معنى انفلات الشخص من الجزاء الدنيوي انفلاته من الجزاء الأخروي. وفي كل مسألة في الفقه نجد أن الفقهاء تكلموا على الحكم التكليفي لهذا الأمر أحلال هو أم حرام ؟ أفرض هو أم مندوب ؟ كما تكلموا على أحكامه الوضعية أصحيح هو أم غير صحيح ؟ أنافذ هذا التصرف أم غير نافذ ؟ ولذا رأينا المتدينين لا يهمهم أن يكسبوا قضية أمام القضاء إلا إذا ارتاحت ضمائرهم أن هذا الحق الذي أثبته لهم القضاء حق مشروع , بينما المشتغلون بالفقه الوضعي لا يهمهم إلا الحكم الدنيوي حتى ولو رفضه الشرع , ولذا يتفننون في الحيل التي يكسبون بها هذا الحق الدنيوي(1)، في حين أن الفقه الإسلامي نظام روحي ومدني(2)؛ لجمعه بين أمور الدنيا والآخرة، فالمسلم يراعي فيما يصدر عنه من أفعال العاقبة عليها في الآخرة.
الشمول:
فهو ينظم علاقة الإنسان مع ربه في العبادات، وعلاقته مع زوجته من زواج وطلاق ورضاع وحضانة وغيرها، وعلاقته مع غيره في المعاملات المالية المختلفة كما في البيع والشركات والرهن والعارية والإجارة وغيرها ، بخلاف القوانين الوضعية فإنها لا
تشمل العبادات، ومن هذه الخاصية نستخلص أهمية الفقه الإسلامي.
المرونة والقابلية للبقاء:
(1) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 22-23، وغيرها.
(2) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 56، وغيره.
فلا يتصف بالجمود والتحجر، وإنما يراعي أحوال الناس ومعيشتهم في أحكامه إلا أن يكون فيه انتهاك لحرمات الله ومخالفة لصريح قرآنه وسنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وتتجسد قابليته في البقاء في ابتناء بعض أحكامه على العرف، وفي وجود القياس وغيره من الأصول فيه التي تمكّنه من استحداث أحكام شرعية لكل ما يطرأ من أمور في حياة المسلمين، فلا نجد فيه عجزاً عن الوفاء بحاجات الناس سواء في العصور الماضية أو الحاضرة أو في الدولة المتحضّرة أو النامية أو في المدن أو الأرياف، فكلّ يستقي من ينبوعه الطيب.
الثبات في أحكامه:
إن الحرامَ ما حرّمه الله تعالى والحلال ما أحله سبحانه في أي زمان ومكان، والأحكام المتغيرة فيه هي المبنية على العرف، وهي لا تعدوا ما بينه الفقهاء من اختلاف النقود والأوزان من بلد إلى بلد، وكذا اختلاف البناء، وثبوت خيار الرؤية برؤية غرفة منه، وغيرها من الأحكام المفصلة في كتب الأشباه والنظائر، وليس في شيء منها عدّ عرف طائفة شرعاً مشروعاً.
أما تغيير كثير من الأحكام بناء على تغيّر المصلحة، ففيه ما فيه من الزيغ عن الدين؛ إذ فيه تقديم للمصلحة العقلية على المصلحة الشرعية وانتقاص لشريعة السماء؛ لأن المصلحة الشرعية لا سبيل لمعرفتها إلا بالشرع، والمصالح المرسلة المذكورة في كتب الأصول وكتب القواعد مما لا نص فيه فلا يتصوّر الأخذ بها عند مخالفتها للحجج الشرعية(1).
التيسير ورفع الحرج:
(1) أول من فتح باب تقديم المصلحة على الشرع الطوفي الحنبلي، وتبعه من تبعه من المعاصرين اغتراراً بعقولهم، وافتقاداً لعزّة الإسلام والثقة فيه، ورد على هذه الدعاوي أجمل رد الإمام الكوثري - رضي الله عنه - في مقالاته ص186-188، 340-348، والدكتور البوطي في ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية ص202-216.
فأحكام الفقه قائمة على ما في قدرة الإنسان ووسعه (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا((1)، فهو في تحريمه للربا وشرب الخمر وأكل الخنزير وغيرها من أحكامه لم يكلف العباد ما لا يطيقون، بل في كل ذلك تيسير ورفع للحرج عنهم، قال - جل جلاله -: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ((2)، وقوله - جل جلاله -: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ((3). وقوله - جل جلاله -: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر((4).
- - -
(1) البقرة: من الآية286
(2) المائدة: من الآية6.
(3) الحج: من الآية78.
(4) البقرة: من الآية185.
المبحث الثالث
موضوع الفقه ومجالاته
وثمرته وفضله وحكم تعلمه
المطلب الأول: موضوع الفقه:
موضوع علم الفقه هو فعل المُكَلّف؛ لأنه يبحث فيما يعرض لأفعاله من حِلٍّ وحرمة ووجوب وندب، فكل ما يصدر عنه من أفعال جوارحه تدخل تحت البحث في الفقه، بخلاف الاعتقادات فإنه يختص بها علم الكلام، وكذلك الوجدانيات فإنه يتناولها علم التصوف.
والمرادُ بالمكلّف: البالغ العاقل(1)، والتقييد بالمكلّف؛ لأنه لا جزاء عليه في الآخرة بلا بلوغ أو عقل، وليس معنى ذلك أن الفقهاء لم يبحثوا أفعال الصغار والمجانين والمعاتيه، ومن تصفّح كتب الفقه رأى فيها كثيراً من أحكامهم، حتى أن الأُسرُوشَنَي(2) - رضي الله عنه - ألف كتاباً خاصّاً وسمّاه ((جامع أحكام الصغار))(3).
المطلب الثاني: مجالات الفقه:
مجالات الفقه تشمل على تنظيم جميع جوانب حياة المسلم العملية، وهي:
العبادات: وهي الأحكام المتعلقة بعبادة الله تعالى من طهارة وصلاة وزكاة وصوم وحج.
الأحوال الشخصية: وهي الأحكام المتعلقة بالأسرة من زواج وطلاق ورضاع وحضانة ونسب ونفقات ومواريث وغيرها.
المعاملات : وهي الأحكام المتعلقة بأفعال الناس وتعاملهم بعضهم مع بعض في الأموال والحقوق وفصل منازعاتهم كالبيوع والشركات والمساقاة والمزارعة والرهن والكفالة والحوالة والوقف والهبة والعارية واللقطة واللقيط والصلح وإحياء الموات والغصب.
(1) الدر المختار 1: 26-27، ورد المحتار 1: 27، وغيرهما.
(2) وهو الإمام الفقيه مجد الدين أبو الفتح محمَّد بن محمود الأُسْرُوشَنَيّ الحنفي، وأُسْرُوشَنَة: اسم إقليم وراء النهر، قال الكفوي: كان في عصره من المجتهدين، ومن مؤلفاته: جامع أحكام الصغار، والفصول، (ت632هـ). ينظر: الفوائد البهية ص327. وتاج التراجم ص279. وكشف الظنون 1: 19.
(3) مطبوع بهامش جامع الفصولين 1300هـ في مصر ، وله طبعة محققّه في مجلدات طبعت في بغداد.
السياسة الشرعية أو الأحكام السلطانية: وهي الأحكام المتعلقة بسلطان الحاكم على الرعية وبالحقوق والواجبات المتقابلة بينهما.
العقوبات: وهي الأحكام المتعلقة بعقاب المجرمين وضبط النظام الداخلي بين الناس، كالحدود والتعزير والجنايات وغيرها.
السير: وهي الأحكام التي تنظم علاقة الدولة المسلمة بالدول الأخرى، وفي بعض كتب الفقه تسمّى الجهاد(1)؛ إذ يتناول كيفية القتال والموادعة ومن يجوز أمانه والمغنم وقسمته واستيلاء الكفار والمستأمن وغيرها.
الآداب: وهي الأحكام المتعلقة بالأخلاق والحشمة والمحاسن والمساوئ(2)، ويتناول كثيراً منها كتاب الكراهية أو الحظر والإباحة، والكتب الخاصة بها ككتاب ((إحياء علوم الدين))، و((عين العلم وزين الحلم))، وكتب الآداب الشرعية.
المطلب الثالث: ثمرة الفقه وغايته:
إن الثمرة اليانعة والغاية المقصودة من دراسة علم الفقه وتطبيقه في حياة المسلمين هي:
الفوز بسعادة الدنيا؛ وذلك بالعيش تحت ظلال الإسلام وأحكامه، وترسيخ مفاهيمه بين الناس، فمعلوم أنه لا تتحقّق السعادة في الدنيا بمال ولا جاه ولا نساء ولا بنين، وإنما تنال برضا المولى - جل جلاله - الذي يكون بالتزام أوامره واجتناب نواهيه المتمثّلة بالأحكام الفقهيّة لا باتباع الهوى، قال - جل جلاله -: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ((3)، وقوله - جل جلاله -: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ((4).
(1) ينظر: شرح الوقاية ص4، وغيره.
(2) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 55-56، وغيره.
(3) الملك:22.
(4) الجاثية:18.
الفوز بسعادة الآخرة، وهي حياة المستقرّ التي ينال بها الصالحون جزاء أعمالهم الحسنة في الدنيا، قال - جل جلاله -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً((1).(2)
المطلب الرابع: فضل الفقه:
يكمنُ فضل علم الفقه بأنه لا غنى للمسلم عنه؛ إذ يتميز به الحلال من الحرام، والواجب من المندوب وغيرها من الأحكام الشرعية، فهو حَدٌّ حاجزٌ بين الهدايةِ والضلالِ، وقسطاسٌ مستقيمٌ لِمعرفةِ مقاديرِ الأعمالِ، وعيالمه الزاخرةِ لا يوجد لها قرار، وأخواده الشَّامخة لا يُدرك فُنونها بالأبصار(3) . وقد ذكروا في فضله وفضل من تعلمه كلاماً كثيراً منه:
قال الخادمي - رضي الله عنه -(4): ((كلُّ إنسانٍ غير الأنبياء لا يَعلم ما أَراد الله له وبِهِ، وإرادته تعالى غيب إلا الفقهاء، فإنَّهم علموا إرادة الله تعالى لهم بالحديثِ الصَّادقِ المصدَّقِ: (مَنْ يُرد الله به خيراً، يُفقهه في الدِّين)(5)، وفي ((التاتارخانية)): ما عُبدَ الله بشيءٍ أَفضل من فقهٍ في دين، وفقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان من ألفِ عابدٍ، ولكلِّ شيءٍ عماد وعمادُ هذا الدِّين الفقه)).
(1) الكهف:30.
(2) ينظر: الدر المختار 1: 26-27، والتعريف بالفقه الإسلامي ص10-11، وغيرهما.
(3) ينظر: الفتاوي الهندية 1: 2.، وغيرها.
(4) في حاشيته على الدرر 1: 4.
(5) أخرجه بهذا اللفظ البُخاري 1: 37، ومسلم 2: 718، وابن ماجه 1: 80 من حديث معاوية - رضي الله عنه -، وفي مسند أبي يعلى 1: 38 من حديثه: (إذا أراد الله بعبد خيراً يفقهه في الدين)، وفي مسند البَزَّار 5: 117 والمعجم الأوسط2: 266 من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - : (إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده)، وينظر: الدر المنثور للسيوطي2: 70.
وقال الكَاسَاني - رضي الله عنه -(1): ((فإنَّهُ لا عِلمَ بعد العلم بالله وصفاته أَشرف من علم الفقه، وهو المسمَّى بعلم الحلال والحرام وعلم الشرائعِ والأحكام ، له بعث الرسل وأنزلَ الكتب إذ لا سبيل إلى معرفته بالعقلِ المحضِ دون السمع، قال الله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا((2)، قيل: في بعض وجوهِ التأويل هو علم الفقه)).
وقال الكوثري - رضي الله عنه -(3): ((إنَّ الفقهَ تُراثٌ فاخرٌ لهذه الأمة، تستعلي به عن الأحكامِ الوضعيةِ في إصلاحِ شؤونِهم الدينيةِ ومَن أَعرضَ عنه ومال إلى أوضاع النَّاس في تقويمِ الأود وانتظر منها المدد، فهو في سبيل القضاء على الغرة الإسلامية بسعيه في الابتعاد عن الأحكام الشَّرعيَّة المستنبطة من الكتاب والسُّنَّة، فتكون عاقبة أمره وضعَ رقابِ المسلمين تحت نير المستعمرين، واندماجهم في أمّةٍ لا ترعى لهذه الأمة إلاً ولا ذمة))..
وقال اللَّكْنَوِيّ - رضي الله عنه -(4): ((لا يخفى على أرباب النُّهى أن أفضل الفضائل، وأكمل الشَّمائل، هو التَّفقه في الدِّين، وإليه أَشار سيد المرسلين بقوله الذي أخرجه أئمة الدِّينِ: (مَن يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ، وهو الوصف الذي يمتاز به المرء بين الأقران والأماثل، ويكون مشاراً إليه في الفضل والكمال بالأنامل، فطوبى لمن علمه، وتعلمه، وباحث، ودرس)) .
المطلب الخامس: حكم تعلم الفقه:
(1) في بدائع الصنائع 1: 2.
(2) من سورة البقرة، الآية(269).
(3) في المقدمات ص449 من مقدِّمة كتاب الغرة المنيفة .
(4) مقدمة عمدة الرعاية 1: 4.
إن تعلم ما يحتاجه المسلم والمسلمة من علم الفقه فرض عين كالطهارة والصلاة والصوم على جميع المسلمين، والحيض والنفاس على النساء خاصة، وأحكام البيوع لمن يشتغل بالتجارة وهكذا، قال الحَصْكَفِيّ - رضي الله عنه -(1): ((النَّظرُ في كتبِ أَصحابنا من غير سماع ـ أي على الشيوخ ـ أفضل من قيام الليل، وتعلم الفقهِ أفضل من تعلمِ باقي القرآن))؛ ((لأنَّ حفظَ القرآن فرضُ كفاية، وتعلم ما لا بد من الفقه فرض عين))(2)، أي ما يحتاجه المسلم من أحكام الطهارة والصلاة والصوم وغيرها من العبادات بالإضافة إلى ما يحتاج من الأحكام في معاملاته وحياته اليومية، فإنه يجب عليه أن يتعلمه، أما حفظ ما زاد عما يكفيه في صلاته من القرآن فإنه من فروض الكفاية.
أما تعلم سائر أحكام الفقه فهو فرض كفاية على المسلمين، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ لأنه لا بد من حفظها وتوصيلها للمسلمين ليعملوا وينتفعوا بها، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ((3)، ومعلوم أن حفظ الله لها يكون على أيدي المسلمين، ممن يتخصصون في تعلمه وتعليمه.
وقال تعالى: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ((4). فالآية دالة على أننا مأمورون بأن يتفرَّغَ منا البعض لتعلم أحكام الشريعة؛ ليعلموها للناس.
وعلى ذلك وجدنا الصحابة والتابعين وما تابعهم إلى يومنا هذا، ففي كل فنًّ من الفنون وعلم من العلوم نرى فيه أهل الذكر، الذين اشتغلوا في ليلهم ونهارهم على حفظه بتعلمه وتعليمه للآخرين، حتى وصلت لنا علوم الشريعة المختلفة دون انتقاص.
(1) في الدر المختار 1: 26-27.
(2) رد المحتار على الدر المختار1: 27، وغيره.
(3) الحجر:9.
(4) التوبة:122.
وهذا الحكم يكون للعالم الذي تخصص في أحد العلوم وعرف دقائقه وخباياه، وعرف حاجة الناس إليه، فإن هذا العلم يكون له فرض عين يأثم إذا لم يعلمه للناس وينشره بين المسلمين إن لم يكن غيره يقوم بذلك، قال - جل جلاله -: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ((1)، وقال - جل جلاله -: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ((2)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (رحم الله امرأ سمع منّي حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه)(3).
قال السيد العلوي السقاف(4): ((ينقسم العلم من حيث هو شرعياً كان أو غيره غالباً إلى فرض عين وفرض كفاية:
فالأول: وهو فرض العين: ما لا رخصة لمكلف في جهله، وهو علم ما تتوقف عليه صحة إيمانه من الأصول الدينية، وعلم ظواهر ما يتلبس به في الحال ولو نفلاً من الأحكام الفقهية، فعلى كل مكلّف قادر: أي على التعلم ولو بالسفر ماشياً إن أطاقه أن يعدّ تعلم ما لم يصح إيمانه بدونه وما يحتاجه في نحو وضوئه وصلاته وصومه وزكاة وجبت عيه وحج أراده وفيما يباشره من معاملة وصناعة ومناكحة ومعاشرة ونحوها…
والثاني: وهو فرض الكفاية: ما إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين إن حصل المقصود بفعل البعض رخصة وتخفيفاً،… والتكليف في فرض الكفاية موقوف على حصول الظن الغالب فإن غلب على ظنّ جماعة أن غيرهم يقوم بذلك سقط عنها الطلب، … وفرض الكفاية من العلم ما تدعو إليه ضرورة مما لا يتمّ أمر المعاش والمعاد بدونه من الأحكام الشرعية بحيث يصلح مَن تعلمه من المكلفين للقضاء والإفتاء…)).
- - -
(1) المائدة: من الآية67.
(2) الحجر: من الآية94.
(3) في صحيح ابن حبان 1: 270، والمستدرك 1: 162، والمسند المستخرج 1: 40، وجامع الترمذي 5: 33، وحسنه، وغيرها.
(4) في الفوائد المكية ص13.
درج الباحثون على تقسيم تاريخ الفقه إلى أدوار(1) أو أطوار(2)، ولا ضير في ذلك؛ لما فيه من الفوائد، منها:
تبسيط وتيسير وتوضيح المراحل التي مر بها الفقه الإسلامي للدارسين لها.
إثبات استقلال الفقه الإسلامي عن غيره من فقه الأمم الأخرى.
إثبات أن كل دور من أدوار الفقه كان مكملاً لسابقه، ومراعياً لحاجات زمانه.
دفع تهمة الجمود التي ألصقت ببعض أطوار الفقه من المعاصرين.
بيان عظم هذا التراث الفقهي الضخم الذي خلفه لنا أسلافنا.
التنبيه على أولوية الالتزام بالمذاهب الفقهية.
وهذه الأطوار للفقه هي:
المبحث الأول
طور العصر النبوي
المطلب الأول: أقسام العهد النبوي:
العهد المكي: وكانت التشريعات الفقهية قليلة نسبية؛ لاهتمام القرآن بالأمور العقدية وترسيخ مفهوم الإسلام في النفوس، ولعدم وجود مجتمع إسلامي مفتقر للتشريعات الخاصة به.
العهد المدني: وفيه تجلت التشريعات للفرد والمجتمع في العبادات والمعاملات وغيرها على الهيئة المعروفة بين أيدينا.
المطلب الثاني: مميزات هذا العصر:
الميزة الأولى: أن المرجع للأحكام الفقهية فيه هو الوحي:
فمصدر الأحكام الوحي وإن حصل اجتهاد من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو من بعض أصحابه - رضي الله عنهم - فيه إلا أن هذا الاجتهاد كان مؤيّداً بالوحي، فلو أنه لم يصب مراد الله تعالى لقوِّم إلى ما هو الصواب، فالمعتمد ما أقره الوحي من التشريع إلا ما كان من اجتهاد ممن بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخارج المدينة المنورة كمعاذ عند بعثه إلى اليمن فإنه كان يجتهد في كل ما لم يجد في الكتاب والسنة دون رجوع إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما سيأتي.
(1) كما في المدخل الفقهي العام ص148، والمدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص91، وغيرهما.
(2) كما في الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 23، وأطوار: جمع طور، وهو الحال والهيئة. ينظر: المصباح المنير ص380، وغيره.
ويتعلق بهذه الميّزة مسألتان، وهما:
المسألة الأولى: اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -:
فالمختار عند الحنفية المتأخرين أنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور في حادثة لا وحي فيها بانتظار الوحي أولاً ما كان راجي الوحي إلى خوف فوت الحادثة بلا حكم، ثم بالاجتهاد ثانياً إذا مضى وقت الانتظار على حسب الحادثة, ولم يوح إليه; لأن عدم الوحي إليه فيها إذن في الاجتهاد.
فإن أقر - صلى الله عليه وسلم - على ما أدى إليه اجتهاده عند خوف الحادثة أوجب إقراره عليه القطع بصحة ما أدى إليه اجتهاده؛ لأنه لا يقرّ على الخطأ، فلم يجز مخالفته كالنص بخلاف غيره من المجتهدين فإنه يجوز مخالفته إلى اجتهاد مجتهد آخر لاحتمال الخطأ(1).
والاجتهاد في حقه - صلى الله عليه وسلم - يختص بالقياس بخلاف غيره من المجتهدين فيكون في دلالات الألفاظ على ما هو المراد منها لعروض خفاء واشتباه فيها وفي البحث عن مخصص العام وبيان المراد من المشترك وباقي الأقسام التي في دلالتها على المراد خفاء من المجمل والمشكل والخفي والمتشابه وفي الترجيح لأحد الدليلين عند التعارض بينهما؛ لعدم علم المتأخر.
وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا غير متأت في حقه لانتفاء تحقق التعارض بالنسبة إليه وانتفاء عزوب تأخر المتأخر على المتقدم عن علمه على تقدير وجود صورة التعارض.
وذهب عامة الأصوليين ومالك والشافعي وأحمد وعامة أهل الحديث, ومنقول عن أبي يوسف أنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور بالاجتهاد مطلقاً في الأحكام الشرعية والحروب والأمور الدينية من غير تقييد بشيء منها أو من غير تقييد بانتظار الوحي.
وقال الأشاعرة وأكثر المعتزلة والمتكلمين: لا يكون الاجتهاد في الأحكام الشرعية حظه - صلى الله عليه وسلم -.
وأدلة وقوع اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - هي:
(1) واجتهاده - صلى الله عليه وسلم - المقر عليه وحي باطن على ما عليه فخر الإسلام وموافقوه.
قوله - جل جلاله -: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ((1) فعوتب على الإذن لما ظهر نفاقهم في التخلّف عن غزوة تبوك ولا يكون العتاب فيما صدر عن وحي فيكون عن اجتهاد لامتناع الإذن منه تشهياً(2).
قوله - جل جلاله -: (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ((3)، فإنها نزلت في فداء أسارى بدر فعن ابن عباس - رضي الله عنه -: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر ما ترون في هؤلاء الأسارى، فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما ترى يا ابن الخطاب، قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه وتمكني من فلان نسيباً لعمر فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر قاعدين يبكيان قلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة شجرة قريبة من نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله عز وجل: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ((4) إلى قوله: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً((5)، فأحل الله الغنيمة لهم)(6)
(1) التوبة: من الآية43.
(2) ينظر: حاشية العطار على شرح الجلال المحلي 2: 426، وغيره.
(3) الأنفال:68.
(4) الأنفال: من الآية67.
(5) الأنفال: من الآية69
(6) في صحيح مسلم 3: 1385 ، واللفظ له ، وصحيح ابن حبان 11: 115 ، والمستدرك 3: 24، ومسند أبي عوانة 4: 255، وجامع الترمذي 4: 213، وغيرها.
.
قال صدر الشريعة(1): ((أي لولا حكم سبق في اللوح المحفوظ , وهو أنه لا يعاقب أحد بالخطأ, وكان هذا خطأ في الاجتهاد; لأنهم نظروا في أن استبقاءهم كان سبباً لإسلامهم وتوبتهم وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله وخفي عليهم أن
قتلهم أعزّ للإسلام وأهيب لمن وراءهم وأقل لشوكتهم)).
قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي)(2)، وذلك حين أذن لمن لم يسق الهدي من أصحابه في حجتهم معه أن يجعلوها عمرة يطوفوا ثم يقصروا; لأن السوق مانع من التحلل حتى يبلغ الهدي محله، وسوقه الهدي متعلق حكم المندوب فهو مندوب، وهو الندب حكم شرعي, ولو لم يكن عن وحي; لأنه ليس له أن يبدّله من تلقاء نفسه, ولا بالتشهي لامتناعه عليه فكان بالاجتهاد.
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : (جاء رجلان من الأنصار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواريث بينهما قد درست فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي وإنما أقضي برأيي فيما لم يَنْزل علي فيه فمَن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعةً من النار يأتي بها يوم القيامة على عنقه)(3).
(1) في التوضيح 2: 31.
(2) في صحيح البخاري 2: 632، وصحيح مسلم 2: 883، واللفظ له، والمنتقى 1: 122، وغيرها.
(3) في سنن البيهقي الكبير 6: 66، 10: 260، وسنن الدارقطني 4: 238، قال ابن أمير حاج في التقرير والتحبير3: 298: ((وهو حديث حسن أخرجه أبو داود ورواته رواة الصحيح إلا أسامة بن زيد , وهو مدني صدوق في حفظه شيء وأخرج له مسلم استشهاداً)). وفي صحيح البخاري 2: 952، وصحيح مسلم 3: 1337، وغيرهما بلفظ: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها).
إن الاجتهاد منصب شريف حتى قيل: إنه أفضل درجات العلم للعباد، فلا يحرمه أفضل الخلق وتناله أمّته، وأكثرية الثواب؛ لأكثرية المشقة.
أما قوله - جل جلاله - : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى((1)، فإنه مخصص بسببه وهو نفي دعوى الكفار افتراءه القرآن، وحينئذ فالمراد بقوله: إن هو: القرآن؛ فينتفي العموم، وأيضاً: أن القول عن الاجتهاد ليس عن الهوى بل عن الأمر بالاجتهاد وحياً، فيكون الاجتهاد وما يستند إليه وحياً(2).
المسألة الثانية: اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في عصره - صلى الله عليه وسلم -:
ذهب الأكثر كمحمد بن الحسن والقاضي أبو الطيب والغزالي والآمدي والرازي إلى جواز اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في عصره مطلقاً سواء بحضرته أو غيبته - صلى الله عليه وسلم -، ووقوع هذا الاجتهاد على سبيل الظن كما اختاره الآمدي وابن الحاجب، وقال السبكي: لم يقل أحد أنه وقع قطعاً(3).
واجتهادهم - رضي الله عنهم - في زمنه له ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يكون الصحابي غائباً عن المدينة، مثاله:
(1) النحل، الآيتات 3-4.
(2) تفصيل مسألة اجتهاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والاختلاف فيها وأدلة كل فريق في التحرير ص525-528، والتقرير والتحبير 3: 294-301، والمستصفى ص346-347، وغيرها.
(3) وفصَّل بعضُهم بين الحاضر والغائب, فقال : وقع للغائب دون الحاضر. واختاره القاضي والغزالي وابن الصباغ وإليه مال إمام الحرمين. وبه قال أكثر الفقهاء والمتكلمين، وقال عبد الوهاب : إن الأقوى على أصول أصحابهم.
بعثه - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل حين بعثهما إلى اليمن , فيجوز اجتهادهما , لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنَّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهدُ فيه برأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسوله)(1).
(1) أخرجه أبو داود في سننه 3: 313 والترمذي في جامعه 3: 616 وأشار إلى ضعفه وله شواهد موقوفة عن عمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس أخرجهما البيهقي في سننه الكبير10: 114 عقيب تخريج هذا الحديث تقوية له. كذا في مرقاة الصعود شرح سنن أبي داود للسُّيوطي. وقال الخطيب في الفقيه والمتفقه1: 188: إن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (لا وصية لوارث)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : (الدية على العاقل)، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له. وتمامه في هامش: الحدود والأحكام الفقهية ص82-83، وفقه أهل العراق وحديثهم ص290.
عن زيد بن أرقم أن رجلاً من أهل اليمن (حدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر , فأتوا علياً يختصمون في الولد … فقال: أنتم شركاء متشاكسون إني مقرع بينكم فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية فأقرع بينهم فجعله لمن قرع, فضحك الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه أو أضراسه)(1).
عن جابر - رضي الله عنه - قال: (غزونا جيش الخبط وأُمِّرَ أبو عبيدة، فجعنا جوعاً شديداً، فألقى لنا البحر حوتاً ميتاً لم نر مثله يقال له: العنبر فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظماً من عظامه فمرّ الراكب تحته، فأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابراً يقول قال أبو عبيدة - رضي الله عنه -: كلوا فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال كلوا رزقاً أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم فأتاه بعضهم بعضو فأكله)(2).
(1) في المستدرك 2: 225، وصححه، وسنن البيهقي الكبير 10: 267، وسنن أبي داود 2: 281، وسنن النسائي 3: 380، وسنن ابن ماجة 2: 786، ومصنف ابن أبي شيبة 6: 286، وشرح معاني الآثار 4: 382، والمعجم الكبير 5: 173، وغيرها.
(2) في صحيح البخاري 4: 1586، واللفظ له ، ومسند أحمد 3: 311، ومسند أبي عوانة 5: 22، وغيرها.
أن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: (كان على سرية وأنه أصابهم برد شديد لم يروا مثله، فخرج لصلاة الصبح قال: والله لقد احتلمت البارحة فغسل مغابته وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم فلما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فقال: كيف وجدتم عمراً وأصحابه فأثنوا عليه خيراً وقالوا يا رسول الله صلى بنا وهو جنب فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرو فسأله فأخبره بذلك وبالذي لقي من البرد وقال يا رسول الله: إن الله قال: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ((1)، ولو اغتسلت مت فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرو)(2).(3)
ثانيهما: أن يكون الصحابي في محلة من المدينة ولكنه غائب عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فله حالان:
أولاً : أن يظفر بأصل من كتاب أو سنة فيجوز اجتهاده في الرجوع إليهما, ولا يلزم بالرجوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسأله عما اجتهد فيه؛ لأنه إذا أخذ بأصل لازم فجاز أن يعمل به؛ ففي حديث ابن عمر - رضي الله عنه -: (أنه نادى فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم انصرف من الأحزاب: لا يصلين أحد الظهر(4) إلا في بني قريظة فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة. وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن فات الوقت. قال : فما عنف واحداً من الفريقين)(5).
(1) النساء: من الآية29.
(2) في صحيح ابن حبان 4: 143، والمستدرك 1: 285، وسنن البيهقي الكبير 1: 226، وسنن الدارقطني 1: 179، وغيرها.
(3) ومن أراد الاستفاضة في اجتهادات الصحابة - رضي الله عنهم - عنهم فليرجع إلى الفصول في الأصول 4: 37 وما بعدها، وغيره.
(4) في رواية صحيح البخاري 1: 321 لفظ: العصر.
(5) في صحيح مسلم 3: 1391، وصحيح ابن حبان 4: 320، ومسند أبي عوانة 4: 264، وسنن البيهقي الكبير 10: 119، وغيرها.
ثانياً: أن يعدم أصلاً من كتاب أو سنة(1) فلا يجوز أن يجتهد في حقّ غيره لعدم ولايته عليهم.
فعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (أن رجلاً أجنب في شتاء فسأل فأمر بالغسل فاغتسل فمات فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ما لهم قتلوه قتلهم الله ثلاثاً، قد جعل الله الصعيد أو التيمم طهوراً)(2)، فكان تعنيف الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم لعدم أهليتهم للاجتهاد؛ إذ أنه وجد نص مانع للمريض من الغسل مع خوف التلف؛ لذلك لم يكن هذا موضعاً يسوغ الاجتهاد فيه، قال - جل جلاله -: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ( (3)، وقاله - جل جلاله -: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا((4)، فأباح للمريض التيمم لخوف الضرر الذي يلحقه باستعمال الماء(5).
وأما في حقّ نفسه فإن كان ممّا يخاف فواته ففيه وجهان:
لا يجوز أن يجتهد إن لم يكن من أهل الاجتهاد؛ لأنه لا يصح منه أن يشرع.
يجوز إن كان أهلا للاجتهاد، ولا يجوز لغيره أن يقلده فيه؛ لوجود ما هو أقوى منه، ويلزم المجتهد إذا قدم الرسول أن يسأله .
ثالثهما: أن يكون الصحابي حاضراً في مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولصحته حالان:
(1) وإن لم يرجع المجتهد إلى أصل ففي جواز اجتهاده وجهان , قال صاحب الحاوي: والذي عندي أنه يصح اجتهاده في المعاملات دون العبادات , لأن العبادات تكليف فتتوقف على الأوامر بها , والمعاملات تخفيف فتعتبر النواهي عنها .
(2) في المنتقى 1: 42، وصحيح ابن خزيمة 1: 138، وصحيح ابن حبان 4: 141، والمستدرك 1: 270 وغيرها.
(3) البقرة: من الآية195.
(4) البقرة: من الآية286.
(5) ينظر: الفصول في الأصول 4: 59-60، وغيره.
الأول: أن يأمره - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد, كما حكّم النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ - رضي الله عنه - في بني قريظة باجتهاده فحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لقد حكمت بحكم الله أو حكم الملك)(1).
الثاني: أن لا يأمره - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد ولكنّه علم - صلى الله عليه وسلم - به وأقره عليه, كما في حديث أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه -: (خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حنين فذكر قصته في قتله القتيل وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من قتل قتيلا فله سلبه,… فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه عني، فقال أبو بكر جواباً؛ لهذا القائل: لاها الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: صدق)(2) فإن الظاهر أن هذا من أبي بكر - رضي الله عنه - بالاجتهاد, وهو بحضرته,وقد صوبه - صلى الله عليه وسلم - بتصديقه له في ذلك(3).
الميزة الثانية: التدرج في التشريع، وفيه نوعان:
الأول: أن الأحكام الشرعية لم تنْزل دفعة واحدة، وإنما نزلت في أوقات متفاوتة في مدة نبوته - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا التدرج في التشريع يعود لرفع الحرج عن المسلمين؛ لقرب عهدهم بالكفر، واستقطاباً لقلوبهم إلى الإسلام في بدء أمره، يوم كان غضاً طرياً، أما بعد هذا العهد فقد أصبح الإسلام عزيزاً قوياً، وامتلأت قلوب المسلمين ثقة به، وصار له دولة ورجال يذودون عن حماه، فلم يعد حاجة لهذا التدرج.
(1) في صحيح البخاري 3: 1384، وصحيح مسلم 3: 1389، وصحيح ابن حبان 15: 496.
(2) في صحيح البخاري 3: 1144، وصحيح مسلم 3: 1371، وغيرهما باختصار.
(3) ينظر: تفصيل مسألة اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في التحرير ص528، والتقرير والتحبير 3: 301-303، والبحر المحيط 8: 255-264، وغيرها.
الثاني: تدرّج في أحكام بعض التشريعات: كالخمر فإنها لم تحرم رأساً وإنما مهد لها ببيان أضرارها أولاً (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا( (1)، ثم النهي عن قربان الصلاة في حالة السكر ثانياً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ((2)، ثم جاء التحريم القاطع أخيراً(3)(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ((4).
الميزة الثالثة: النسخ:
وهو أن يرد دليل شرعي متراخياً عن دليل شرعي مقتضياً خلاف حكمه(5).
(1) البقرة: من الآية219.
(2) النساء: من الآية43.
(3) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص94، وغيره.
(4) المائدة:90
(5) ينظر: التوضيح 2: 62، والتلويح 2: 62، وغيرهما.
قال - جل جلاله - تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا((1)، وقال - جل جلاله -: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ((2)،وقال - جل جلاله -:(يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ((3) وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي إلى بيت المقدس إلى أن نسخ الله تعالى الصلاة إلى تلك الجهة وأمره بالتوجه إلى الكعبة بقوله تعالى : (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ((4)، وقال: - جل جلاله -: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ((5).
وأيضاً: كانت عدة المتوفى عنها زوجها سنة؛ لقوله - جل جلاله -: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ((6) , ثم نسخ منه ما عدا الأربعة الأشهر والعشرة بقوله - جل جلاله -: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً((7).(8)
وهذا النسخ لا يكون إلا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛لأنه يحتاج إلى وحي ولا وحي بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -.
الميّزة الرابعة: إقرار الشارع لتقليد المجتهدين:
(1) البقرة: من الآية106.
(2) النحل: من الآية101.
(3) الرعد:39.
(4) البقرة: من الآية144.
(5) البقرة:142.
(6) البقرة: من الآية240.
(7) البقرة: من الآية234.
(8) ينظر: الفصول في الأصول 2: 215-220، وغيره.
إن تقليد العوام للعلماء المجتهدين بدأ من عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإرشاد من الشارع الحكيم قال - جل جلاله -: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ((1)، وقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ببعث أصحابه إلى خارج المدينة وأرشدهم إلى الاجتهاد كما سبق ذكره في بعث معاذ - رضي الله عنه - وعلي - رضي الله عنه - إلى اليمن، واجتهادهم لا يكون إلا فيما لا نص فيه مما وقع لهم من حوادث ومسائل سئلوا عنها؛ ليقلدهم الناس فيها.
أضف إلى ذلك إقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لاجتهادات صحابته في المدينة وتقليد غيرهم لها كما سبق، قال سهل بن أبي حثمة - رضي الله عنه -: كان الذي يفتون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت(2).
المطلب الثالث: دعاوى وردها:
الأولى: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تأثر بفقه أجنبي من هنا أو هناك.
ويجاب عنها بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمي لم يجلس إلى معلم قط, وقد نشأ في أمة أمية لا عهد لها بالقانون الروماني أو غيره. نعم كانت هناك أعراف اصطلح عليها الناس, فحينا نجد أن بعض هذه الأعراف قد أقرها الشارع, وأحياناً نجد أن الشارع قد أبطل هذه الأعراف: كعرف التبني وكعرف الظهار وبعض أنواع الأنكحة التي كانت معروفة عند العرب, وكالربا فقد كان معروفاً بينهم, إلى غير ذلك, ولا يستطيع أي إنسان ـ مهما كان مغالياً في عدائه للإسلام ـ أن يدعي أن التشريع في هذا العهد قد تأثر بغيره من تشريعات الأمم السابقة(3).
(1) النحل: من الآية43.
(2) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص20، وغيره.
(3) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 23-24، وغيرها.
الثانية: أنه ينبغي الرجوع في الأحكام الفقهية إلى الله ورسوله لا إلى أقوال الفقهاء قال - جل جلاله -: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ((1).
ويجاب عنه: بأن ظاهر الآية يقتضي أن التنازع واقع في غير المنصوص عليه؛ إذ كانت العادة أن التنازع والاختلاف بين المسلمين لا يقعان في المذكور بعينه في نص قرآني أو سنة نبوية؛ لذلك أمر برد المتنازع فيه إلى كتاب الله تعالى وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - في حياته, وسنته بعد وفاته. والرد إلى الكتاب والسنة إنما هو باستخراج حكمه منه بالاجتهاد والنظر ….
ويدل عليه قوله - جل جلاله - أيضاً: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم((2), وأولي الأمر، هم أولو العلم، فأمر باستنباط ما أشكل عليه حكمه ….
ويدلّ عليه أيضاً: قوله - جل جلاله -: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء((3)، وقوله - جل جلاله -: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم((4)، وقال - جل جلاله -: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ((5)، فإذا لم نجد فيه كل حكم منصوصاً, علمنا أن بعضه مدلول عليه, ومودع في النص, نصل إليه باجتهاد الرأي في استخراجه(6).
الثالثة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر وينهى دون أن يفصِّل بالمراتب المعروفة لدى الفقهاء من واجب وسنة ومندوب ومكروه وغيرها، فلا حاجة لهذا التفصيل.
ويمكن الجواب عن هذا بأنه غدت الحاجة للتفصيل لأسباب منها:
(1) النساء: من الآية59.
(2) النساء: من الآية83.
(3) النحل: من الآية89.
(4) المائدة: من الآية3.
(5) الأنعام: من الآية38.
(6) ينظر: الفصول في الأصول 4: 29-31.
فساد الزمان وقلّة العمل وكثرت السؤال من الناس بخلاف عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان عصر صلاح وفلاح بفضل بركة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويشهد له قوله - صلى الله عليه وسلم -: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ويحلف الرجل ولا يستحلف)(1)، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهنّ في القرآن منهن: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ((2) (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ((3)، قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم(4).(5)
حفظاً لعلوم الدين بعدما توسعت رقعة الإسلام.
تسهيلاً على المتعلمين لأحكام الشريعة والمطبقين لها.
تباين العلوم والتخصص في كل منها، فكانت وظيفة الفقيه هي بيان التفاريع الفقهية وحكمها على ما اصطلح عليه بدقّة متناهية.
أنه لكل فنٍّ وعلم اصطلاحاته الخاصة به التي تزداد كلما نما هذا العلم، وعلم الفقه كغيره برز وظهر بعدما كان مختلطاً بغيره في بداية الإسلام، وكان لا بدّ لتميزه من ظهور ألفاظ خاصّة به بيّنها أهله.
(1) في صحيح البخاري 3: 1335، وصحيح مسلم4: 1992، جامع الترمذي3: 1335 واللفظ له، وصحيح ابن حبان15: 122، والمعجم الأوسط 2: 184، وسنن ابن ماجه 2: 791، وغيرها.
(2) البقرة: من الآية217.
(3) البقرة: من الآية222.
(4) في سنن الدارمي 1: 63، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 159: رواه الطبراني في الكبير وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط وبقية رجاله ثقات.
(5) هذا حصر إضافي وذلك بالنظر إلى ما ذكر من سؤالهم في القرآن، أما سؤالهم في السنة المطهرة فأكثر من أن يحصى. ينظر: هامش الإنصاف في أسباب الاختلاف ص17، وغيره.
أن هذه المراتب للأحكام ليست عقلية، وإنما أخذت بالنظر المستفيض في نصوص الشرع، وقوة دلالتها على الأحكام، فأريد بها التعبير عن مقصود الشارع في الالتزام بهذه الأحكام.
أن مبنى حال الشارع على التعليم والتذكير معاً: (إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ((1)، فكان يعبر بما هو أدعى للعمل وأبعد عمّا يوجب الكسل، والصحابة - رضي الله عنهم - كانوا إذا أمروا بشيء أخذوا بجميع مراتبه، وإذا نهوا عنه تركوه بالكلية، فلم تكن حاجة إلى البحث(2)
(1) الغاشية: من الآية21.
(2) وتفصيل هذه النقطة بما ذكره العلامة محمد أنور شاه الكشميري في فيض الباري شرح صحيح البخاري 1: 280: اعلم أن هناك وظفتين:
الأولى: وظيفة الواعظ والمذكر، فإنه يحرض على العمل ويرغب إليه فيختار من التعبيرات ما يكون أدعى لها ولا يلتفت إلى تحقيق المسألة واستيفاء شرائطها وموانعها بل يرسل الكلام فيعد ويوعد ويرغب ويرهب مطلقاً ويأمر وينهى ولا يلتفت إلى مزيد التفاصيل.
والثانية: وظيفة المعلم والفقيه، وهو يريد تلقين العلم وبيان المسألة أما العمل بها فبمعزل عن نظره، فيحقق البيان ويدقق الكلام ويستوفي الشروط ويختار من التعبيرات ما لا يكون موهماً بخلاف المقصود بل يكون أدل عليه وأقرب إليه فلا يرسل الكلام بل يذكره بشرائطه ويعد ويوعد ويرغب ويرهب بشرائطه.
فهاتان وظيفتان ومنصب الشارع منصب المذكر قال الله تعالى (إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ( [الغاشية: 21-22] وليس له منصب المعلم فقط، فهو مذكر ومعلم معاً فوجب أن يعبر بما هو أدعى للعمل وأبعد عما يوجب الكسل.
وهذا هو التعليم الفطري فإن أكثر تعليماته - صلى الله عليه وسلم - مستفاد من عمله فما أمر به الناس عمل به أولاً ثم تعلم منه الناس ولذا لم يحتاجوا إلى التعليم والتعلم ولو كان طريقه كما في زماننا لما شاع الدين إلى الأبد ولكنه علم الناس بعمله ثم إذا قال لهم أمراً اختار فيه الطريق الفطري أيضاً وهو الأمر بالمطلوب والنهي عن المكروه ولم يبحث عن مراتبه، قال - جل جلاله -: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا([الحشر: من الآية7]، فهذا هو السبيل الأقوم.
أما البحث عن المراتب فهو طريق مستحدث سلكه العلماء لفساد الزمان، وأما الصحابة - رضي الله عنهم - فإنهم إذا أمروا بشيء أخذوه بجميع مراتبه وإذا نهوا عنه تركوه بالكلية، فلم تكن لهم حاجة إلى البحث.
ولو كان الشارع تعرض إلى المراتب لفاته منصب المذكّر ولانعدم العمل، فإنه إذا جاء البحث والجدل لبطل العمل، مثلاً لو قال تعالى: فاعتزلوا النساء عن موضع الطمث ولا تقربوه فقط واستمتعوا بسائر الأعضاء لربما وقع الناس في الحرام لأن من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه وإنما أخذ الاعتزال في التعبير ليكون أسهل لهم في العمل ولا يقعوا في المعصية.
وكذا إذا أحب أمراً أمر به مطلقاً ليأتمر به الناس بجميع مراتبه ويقع في حيز مرضاة الله تعالى مثلاً، قال: (من ترك الصلاة فقد كفر) ولم يقل فعل فعل الكفر أو مستحلاً أو قارب الكفر مع أنه كان أسهل في بادئ النظر لأنه لو قال كذلك لفات غرضه من التشديد ولانعدم العمل؛ ولذا كان السلف يكرهون تأويله.
فالحاصل أنه إذا أمرنا بشيء فكأنه يريد العمل به بأقصى ما يمكن بحيث لا تبقى مرتبة من مراتبه متروكة وكذلك في جانب النهي؛ ولذا كان يقول عند البيعة: (فيما استطعتم) فبذل الجهد والاستطاعة لا يكون إلا إذا أجمل الكلام، وإذا فصّل يحدث التهاون كما هو مشاهد في عمل العوام وعامة العلماء الذين ما لهم وجاهة عند الله وقبول في جنابه فهم ليسوا من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. ينظر: الرسول المعلم ص190-192.
.
وأجاب العلامة محمد الحسن الحجوي الفاسي (ت1367هـ) عن كيفية أخذ الفقهاء الأحكام الخمسة من القرآن بكلام طويل، أذكره بعضه، إذ قال(1): ((غير خفي أن القرآن ليس من الأوضاع البشرية الموضوعة لبيان علم من العلوم بمصطلحاته، بل هو كلام الله الذي أنزله على عبده لينقذ الناس من الظلمات إلى النور، جعله في أعلى طبقات البلاغة؛ ليحصل الإعجاز وتثبت النبوة وساقه مساق البشارة والإنذار والوعظ والتذكير؛ ليكون مؤثراً في النفوس رادعاً لها عن هواها سائقاً لها بأنواع من التشويق إلى الطاعة وترك المعصية، والفصاحة من أعظم المؤثرات على عقول البشر بتنوع العبارة التي تؤدي بها تلك الأحكام.
ومن طبيعة البشر أن يملّ من عبارة واحدة ولا يحصل بها التأثير المطلوب، فلو قيل في كل مسألة: هذا واجب، هذا مندوب، هذا حرام، هذا مكروه، هذا جائز، لتكرر اللفظ ولم يكن هناك الفصاحة المؤثرة فلذلك تجد القرآن تارة يعبر ببعض الألفاظ المصطلح عليها كالحرمة والحلية، قال - جل جلاله -: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ((2)،… (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ((3)، ويعبر بالوجوب بمادة فرض: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِم((4)، ….)).
- - -
(1) في الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 1: 116-117.
(2) المائدة: من الآية3.
(3) النساء: من الآية24.
(4) الأحزاب: من الآية50.
المبحث الثاني
طور عصر الصحابة - رضي الله عنهم -
هذه الدعوة المحمدية التي خيمت بظلالها على الجزيرة العربية في عصر نبيها - صلى الله عليه وسلم -؛ لسلوكه طريق الجهاد في سيرته؛ لإرشاد الناس إلى الدين الحقّ، وبذل الغالي والنفيس في سبيل الإسلام ونشره إلى البشرية جميعاً، فحمل الراية من بعده أصحابُه البررة - رضي الله عنهم - وصدعوا بالحقّ حتى امتدت دعوتهم إلى بلاد الشام ومصر والعراق وغيرها، فدخل في الإسلام أقوام جدد لهم عاداتهم وتقاليدهم وحياتهم الخاصة بهم، واختلط العرب بغيرهم من أمم العجم في البلاد التي فتحوها.
فكثرت بذلك الأحداث والمستجدّات الجديدة التي لم تكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والتي تتطلب بيان حكم الله - جل جلاله - فيها وإلا كان الإسلام عاجزاً عن تغطية حياة الناس من الأحكام الشرعية، وكان الأمر في تفصيل هذه الأحكام ملقى على عاتق مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم - على التفصيل التالي:
المطلب الأول: مظاهر هذا العصر:
الأول: متابعة الصحابة - رضي الله عنهم - لهدي نبيّهم - صلى الله عليه وسلم - في الرجوع إلى القرآن ثم السنة في معرفة الأحكام الفقهية فإن لم يجدوا فيهما اجتهدوا برأيهم؛ لبيان مقصود الله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما لا نصّ فيه مما يجد من مسائل، ويتجلّى ذلك في أمرين:
الفروع العديدة التي رويت عنهم - رضي الله عنهم - كما في ((مصنف عبد الرزاق)) و((مصنف ابن أبي شيبة)) وغيرها من الكتب الحديثية والفقهية.
النصوص الكثيرة الواردة عنهم - رضي الله عنهم - في اجتهادهم باستعمال رأيهم في استنباط الأحكام على مراد الشارع، ومن أمثلة ذلك:
رسالة عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، قال فيه: الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن والسنة فتعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك واعمد إلى أحبّها إلى الله وأشبهها فيما ترى(1).(2)
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رجلاً تزوج امرأة فلم يفرض لها ولم يمسّها حتى مات قال: فردّهم، ثم قال: أقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأً فمنّي، أرى لها صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث، قال: فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: أشهد أنّك قضيت فيها بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بروع ابنة واشق، ففرح عبد الله بذلك وكَبَّر(3).
قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه -(4): ((والقول المحتم أن فقهاء الصحابة والتابعين وتابعيهم جروا على القول بالرأي بمعنى: استنباط حكم النازلة من النصّ، وهذا من الإجماعات التي لا سبيل إلى إنكارها))(5)
(1) في سنن البيهقي الكبير 10: 115، وسنن الدارقطني 4: 206، 207.
(2) قال الشيرازي في طبقاته ص20: إن من نظر فتاوي عمر - رضي الله عنه - على التفصيل وتأمل معاني قوله على التحصيل وجد في كلامه من دقيق الفقه ما لا يجد من كلام أحد، ولو لم يكن إلا الفصول التي ذكرها في كتابه إلى أبي موسى - رضي الله عنه - لكفى ذلك في الدلالة على فضله.
(3) المنتقى 1: 179، وصحيح ابن حبان 9: 409، والمستدرك 2: 196، وسنن أبي داود 2: 237، وغيرها.
(4) في مقدمة نصب الراية ص285.
(5) يرى الدكتور البوطي في كتابه السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي ص27-28 سبب قلّة مسائل الرأي في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - أن عندهم ((مزيتان هما:
أولاً: السليقة العربية الخالصة عن شوائب العجمة.
ثانياً: الفطرة الإسلامية النقية الداعية إلى التسليم.
ومن المعلوم أن الحاجة إلى تحكيم أي ميزان علمي في الاستنباط من الكتاب والسنة، إنما تأتي وليدة ضعف في معرفة اللغة العربية وآدابها، أو جدل يثور بين الأطراف فيما يحاولون فهمه ويتداولون الرأي فيه، وكلا هذين السببين كانا مفقودين تماماً في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - لا سيما في القسم الأول، فإذا أضفنا إلى ذلك أن المسائل الدينية التي كانت تواجههم فعلاً، وتشغل بالهم لحاجتهم إلى معرفة حكم الدين فيها، كانت محدودة وقليلة، ولا تخرج في غالب الأحيان عن دائرة النصوص الصريحة الواردة في القرآن أو السنة عرفنا حقيقة الظرف الذي أغنى ذلك الرعيل الأول عن البحث في أي ميزان علمي يحتكمون إليه للنظر والاستنباط، فإنهم ما كانوا يتناقشون، حتى يبحثوا عما يمكن أن يحتكموا إليه وما كانوا يعانون من أي ضعف في الملكة اللغوية والذوق العربي حتى يقعوا من ذلك في حيرة تلجئهم إلى التمسك بمقياس يستعينون به، وما كانت الأحداث ومستجدات الأمور تتكاثر من حولهم حتى تحوجهم إلى الاستعانة بسلطان القياس والرأي….)).
.
الثاني: تقليدهم - رضي الله عنهم - للأعلم والأصلح فيهم فيما اجتهد به من مسائل، ويتّضح ذلك فيما يلي:
حض النبي - صلى الله عليه وسلم - على ملازمة طريقة خلفائه وفهمهم - رضي الله عنهم -؛ لأنهم أعلم أصحابه وأورعهم وأتقاهم، وأعرفهم بمقصود الشرع الكريم، قال - صلى الله عليه وسلم -: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين(1) فتمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة)(2)، وفي هذا الحديث فائدة أيضاً أن تقليد هؤلاء الأئمة الخلفاء فيما ذهبوا إليه ليس من البدع المحدثة، وإنما البدعة في ترك تقليدهم واتباع الهوى، وليس هذا مقام بيان البدع(3).
(1) أطال الإمام اللكنوي - رضي الله عنه - في تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار ص48-53 الكلام عن سنة الخلفاء الراشدين، وفيه فوائد جمّة لمن طالعه.
(2) في صحيح ابن حبان 1: 179، والمستدرك 1: 174، والمسند المستخرج 1: 36، وجامع الترمذي 5: 44، وسنن الدارمي 1: 57، وغيرها.
(3) من أراد التفصيل في البدعة فليراجع كتب الإمام اللكنوي فإنها مليئة بكلام عن البدعة، يسرّ الله إخراجها في كتاب مستقل بعد أن جمعتها، وكذلك للسيد عبد الله الصديق الغماري تأليف خاص بالبدعة، وأيضاً لشيخنا العلامة الدكتور عبد الملك السعدي حفظه الله كتاب لطيف في البدعة.
متابعتهم وتقليدهم - رضي الله عنهم - لأهل الفضل والعلم منهم، فلمّا سئل أبو بكر - رضي الله عنه - عن الكلالة فقال: إنّي سأقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمنّي ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد والولد، فلمّا استخلف عمر - رضي الله عنه -، قال: إنّي لأستحيي الله أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر(1). فقد تابع عمرُ - رضي الله عنه - أبا بكر الصديق - رضي الله عنه -، واقتدى الصحابة بنهجهما وسيرتهما وأقوالهما كما سيأتي.
إرشادهم المسلمين إلى اتباع اجتهادات العلماء الصالحين، ومن أمثلة ذلك:
قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثم إن الله - جل جلاله - قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمَن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه ولا يقول: إنّي أخاف وإنّي أخاف، فإن الحلالَ بيِّن والحرامَ بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك(2).
(1) في سنن الدارمي 2: 462، وسنن البيهقي الكبير 6: 223، ومسند الربيع 1: 305، وغيرها.
(2) في سنن النسائي 3: 469، وقال النسائي: هذا الحديث جيد جيد، والمجتبى 8: 230.
عن الشعبي - رضي الله عنه - أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى شريح - رضي الله عنه - إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يغلبنك عليه الرجال، وإذا جاءك ما ليس في كتاب الله - جل جلاله - فانظر في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بها، فإن كان أمر ليس في كتاب الله - جل جلاله - ولم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانظر ما أجمع عليه الناس فخذ به، فإن كان ممَّا ليس في كتاب الله - جل جلاله - ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتكلم فيه قبلك أحد فاختر أي الأمرين شئت إن شئت أن تجتهد رأيك وتقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخّر ألا وإن التأخير خير لك(1).
عن ابن عباس - رضي الله عنهم - إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به، وإذا لم يكن في كتاب الله وقاله رسول - صلى الله عليه وسلم - قال به، وإن لم يكن في كتاب الله ولم يقله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقاله أبو بكر وعمر - رضي الله عنهم -، قال به وإلا اجتهد رأيه(2).
الثالث: حرص الصحابة - رضي الله عنهم - على الاجتهاد فيما جدّ من مسائل لمَن كان أهلاً لذلك، كما اتّضح ذلك في رسالة عمر - رضي الله عنه - لأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، وكتابه إلى القاضي شريح - رضي الله عنه -، وكلام ابن مسعود - رضي الله عنه - السابق ذكره.
(1) في الأحاديث المختارة 1: 239، وقال المقدسي: إسناده صحيح، وسنن الدارمي 1: 71، ومصنف ابن أبي شيبة 4: 543، وسنن البيهقي الكبير 10: 110، وغيرها.
(2) في سنن البيهقي الكبير 10: 115.
أما ما ورد عنهم من النهي عن الرأي كقول أبي بكر - رضي الله عنه - عندما سئل عن آية من كتاب الله - جل جلاله - قال: أية أرض تقلني أو أية سماء تظلني أو أين أذهب وكيف أصنع إذا أنا قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد الله بها(1)، وفي لفظ: إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم(2)، وفي لفظ: إذا قلت في كتاب الله برأيي(3).
وقول عمر - رضي الله عنه -: إيّاكم وأصحاب الرأي، فإنّهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا(4).
وقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شرّ منه، لا أعني عاماً أخصب من عام ، ولا أمطر من عام ، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ، ثم يحدث قوم
يقيسون الأمور برأيهم، فيهدم الإسلام وينثلم(5).
وقول علي - رضي الله عنه -: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه(6).
فإنّه إن صحّ عنهم ما نسب إليهم من هذه الأقوال، فإنها محمولة على الرأي المذموم المخالف للدين القائم على الهوى دون استناد لنص وأصل وفهم شرعيّ للنصوص، بخلاف الرأي الممدوح المبيِّن لمراد الله - جل جلاله - في شرعه الكريم، ويؤيّد ذلك ما سبق ذكره مما ثبت عنهم من قولهم بالرأي وتشجيعهم عليه، وبذلك لا معارضة بين هذه الأقوال وتلك.
(1) في سنن سعيد بن منصور 1: 168،.
(2) في مصنف ابن أبي شيبة 6: 136.
(3) في شعب الإيمان 2: 424. قال الرازي في الفصول في الأصول 4: 62: إنما مراده منع الاجتهاد مع وجود النص أو دليله.
(4) في سنن الدارقطني 4: 146، واعتقاد أهل السنة 1: 123.
(5) في السنن الواردة في الفتن 3: 517، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 180: رواه الطبراني في الكبير، وفي مجالد بن سعيد وقد اختلط.
(6) في سنن البيهقي الكبير 1: 292، وتأويل مختلف الحديث 1: 20.
ويدل على أن عمر - رضي الله عنه - إنما أراد من قال بالرأي قبل حفظ الأصول من الكتاب والسنة والإجماع قوله: إياكم وأصحاب الرأي , فإنهم أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها, فقالوا بالرأي. فخص بالذم من ترك أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحفظها وأقدم على القول بالرأي قبل العلم بها(1).
وأن علياً - رضي الله عنه - إنما أراد أن أصول الشريعة لم تثبت من طريق القياس, وإنّما طريقها التوقيف، وغير جائز استعمال القياس في رد التوقيف, فكان القياس أن يكون باطن الخف أولى بالمسح؛ لأنه يلاقي الأرض بما عليها من طين, وتراب, وقذر ولا يلاقيها ظاهره إلا أنه لم يستعمل القياس؛ لأنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ظاهر الخف دون باطنه, فهذا يدلّ على أنه كان مراده نفي القياس مع النصّ(2).
الرابع: حرصهم على المشاورة في الأحكام الشرعية، إدراكاً منهم للفهم الصواب للمسألة، ولئلا يكون فيها نصٌّ خفي عن بعضهم.
روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر - رضي الله عنه - كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي والفقه دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار، دعا عمر وعثمان وعلياً وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - فمضى أبو بكر - رضي الله عنه - على ذلك، ثم ولي عمر - رضي الله عنه - فكان يدعو هؤلاء النفر(3).
وقال الشعبي - رضي الله عنه -: من سرّه أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذ بقضاء عمر - رضي الله عنه - فإنه كان يستشير(4). ومن أمثلة ذلك:
(1) ينظر: الفصول في الأصول 4: 64-65، وغيره.
(2) ينظر: الفصول في الأصول 4: 63، وغيره.
(3) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص21، وغيره.
(4) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص20، وغيره.
عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أن عمر - رضي الله عنه - لما استشارهم في ميراث الجد والأخوة قال زيد - رضي الله عنه -: وكان رأيي أن الأخوة أولى بالميراث من الجد، وكان عمر - رضي الله عنه - يرى يومئذٍ أن الجدّ أولى بميراث ابن ابنه من إخوته قال زيد - رضي الله عنه -: فحاورت أنا عمر - رضي الله عنه - فضربت لعمر في ذلك مثلاً وضرب علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - لعمر - رضي الله عنه - مثلاً يومئذٍ السيل يضربانه ويصرفانه على نحو تصريف زيد هذا(1).
عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أن عمر - رضي الله عنه - استشارهم في إملاص المرأة، فقال المغيرة - رضي الله عنه -: قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغرّة عبد أو أمة، فشهد محمد بن مسلمة أنه شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى به(2).
وهذه المشاورة إذا انتهت بالاتفاق على رأي في المسألة كانت إجماعاً منهم على حكمها فلا يجوز لمن جاء بعدهم أن يخالفهم فيها؛ لأن اجتماعهم عليها منبئ عن وجود نصّ استندوا إليه فيها، وإن لم يصل إلينا النص.
أما إذا أفتى أحد الصحابة - رضي الله عنهم - في مسألة ولم ينقل عن غيره خلاف فيها، فإنه يعتبر إجماعاً سكوتياً في المسألة، ومحل تفصيل الكلام في ذلك في كتب الأصول، ومن إجماعاتهم: إجماعهم على توريث الجدة الصحيحة السدس إذا انفردت, واشتراك الجدات فيه إذا تعددن, وإجماعهم على حرمة تزويج المسلمة للكتابي مع حل تزوج المسلم للكتابية، وإجماعهم على جمع القرآن في المصاحف(3).
(1) في المستدرك 4: 377، وصححه، وسنن البيهقي الكبير 6: 246، وغيرهما.
(2) في صحيح البخاري 6: 2531، ومسند أبي عوانة 4: 111،
(3) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ص26، وغيرها.
وما يهمنا هنا أن إمكانية الإجماع في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - كانت متيسرة بخلاف غيره من العصور؛ لأن المجتهدين من الصحابة - رضي الله عنهم - معروفون ومشار إليهم بالبنان، وكان عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - حريص على إبقائهم في المدينة المنورة؛ لاستشارتهم.
الخامس: تحرِّيهم في قبول السنة، فليس كل من نسب شيئاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذون به دون أن ينظروا موافقته لغيره من نصوص الشرع العظيم، فمثلاً: قالت فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فردّ عمر - رضي الله عنه -: لا نترك كتاب الله وسنّة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة، قال الله - جل جلاله -: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ((1).(2)
السادس: حصول اختلاف بينهم في كثير من المسائل الفقهية دون إنكار منهم لذلك؛ لعلمهم أن لكل مجتهد نصيب ما دام من أهل الاجتهاد ويبتغي تحصيل حكم الله في المسألة، وكتب الفقه والحديث تطفح بخلافتهم - رضي الله عنهم - في ذلك، فمثلاً:
ذهب الخلفاء الأربعة وسعد بن أبي وقاص ومعاذ بن جبل وحذيفة وابن مسعود - رضي الله عنهم - إلى القول بجواز المزارعة. وذهب ابن عباس - رضي الله عنه - إلى عدم جوازها(3).
ذهب عمر - رضي الله عنه - ومعاوية - رضي الله عنه - إلى وقوع طلاق السكران، وذهب عثمان - رضي الله عنه - إلى عدم وقوعه(4)، وهكذا.
(1) الطلاق: من الآية1.
(2) في صحيح مسلم 2: 1118، واللفظ له باختصار، وصحيح ابن حبان 10: 63، وجامع الترمذي 3: 484، وغيرها.
(3) ينظر: فقه سعيد بن المسيب 3: 107-108، وغيره.
(4) ينظر: فقه سعيد بن المسيب 3: 338-339، وغيره.
السابع: مراعاتهم - رضي الله عنهم - لعلل النصوص وضوابطها ومخصّصاتها ومبيّناتها لا لظواهرها فحسب، فإنهم - رضي الله عنهم - عاشوا عصر التشريع مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفهموا الأحكام الشرعية على حقيقتها وكنهها، فطبقوها على مراد الشارع منها، ولا يكون إلا ذلك من الصحابة - رضي الله عنهم - لمن أنْزلهم منْزلتهم من العلم والتقوى والورع، فلا يليق بهم - رضي الله عنهم - أن يقدموا أفهام أنفسهم على أوامر الشارع، والمصلحة المبنيّة على العقل على مصلحة المشرع، ومَن ادّعى ذلك فقد جازف وضلّ عن سواء السبيل. ومن الأمثلة على ذلك:
إلغاء عمر - رضي الله عنه - لسهم المؤلفة قلوبهم، قال - جل جلاله -: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ((1)؛ لأن الله أناط الزكاة بثماني فئات من الناس منهم الذي تتألف قلوبهم من الداخلين حديثاً في الإسلام؛ لما فيه من استجلاب لقلوبهم، فعنى: (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ(: أي الذين تستجلبون قلوبهم بالألفة والمودّة، فاستجلاب قلوبهم ليس حكماً ثابتاً بالشرع، وإنما هو مناط لحكم علقه الله عليه، فكلما تحقق هذا المناط تحقق الحكم المتعلق به، وهو اعطاؤهم من الزكاة، وكلما فقد سقط ما علّق عليه، فوصف التعليق للقلب شأنه كوصف الفقر والعمل على جمع الزكاة والجهاد في سبيل الله في أنها هي مناط استحقاق الزكاة في تلك الأصناف لا أعيانهم المجردة.
فكان اجتهاد عمر - رضي الله عنه - معلقاً بتحقيق المناط ، فقد رأى أن الإسلام وصل شأنه إلى
(1) التوبة:60.
القمة في القوة والمنعة(1) في جميع مناحيه حتى صار فخراً لمن ينتسب إليه، فعزّته بالإسلام الذي خيم على الأرض فيه استجلاب لقلبه أكثر ممّا سيقدّم له من مال، فلم يعد لدفع المال لهم من الزكاة حاجة.
إذ انعدام الحكم لعدم المعنى الداعي إليه لا بالناسخ؛ فانتهاء شرعية إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيباً من الزكاة بانتهاء سببه، وهو ضعف المسلمين وحصول إعزاز الدين به، فإن تأليفهم على الإسلام بإعطاء المال ودفع أذاهم عن المسلمين به كان إعزازاً للدين في ذلك الزمان فلمّا قوي أمر الإسلام كان إعطاؤهم دنية في الدين لا إعزازاً له فانتهى بانتهاء سببه(2).
عدم قطع عمر - رضي الله عنه - يد السارق عام المجاعة، قال - جل جلاله -: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا( (3)؛ لأن هذه الآية من قبيل العام الذي له مخصصاته كأن يبلغ النصاب المقدر للقطع عليه، وأن يكون المكان المأخوذ منه خفية، وأن لا يكون في المال شبهة حقّ للسارق، فالتمسك بظاهر الآية وحدها دون النظر إلى ما يتعلق بها من مخصصات ومبينات في السنة الصحيحة إنما هو تنكب عن جملة الدليل كقوله - صلى الله عليه وسلم - : (ادرأوا الحدود بالشبهات)(4)، وبلفظ: (ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير له من أن يخطىء في العقوبة)(5)، وبلفظ: (ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعاً)(6).
(1) ينظر: ضوابط المصلحة ص143-144، وغيره.
(2) ينظر: كشف الأسرار 3: 167، وغيره.
(3) المائدة: من الآية38.
(4) في جامع مسانيد أبي حنيفة2: 182.
(5) في سنن البيهقي الكبير 8: 238.
(6) في سنن ابن ماجة 2: 850، وتمام الكلام في ألفاظه وطرقه وحكمها في كشف الخفاء 1: 73-74، والدراية 1: 94، وغيرهما.
فما فعله عمر - رضي الله عنه - هو إيقاف الحد لوجود الشبهة وهي المجاعة؛ لأن للمضطر أن يأخذ من مال غيره ما يسد ضرورته ولو من دون إذنه(1)، وفي القاعدة المشهورة: الضرورات تبيح المحظورات(2).
قتل عمر - رضي الله عنه - الجماعة بالواحد، قال - جل جلاله -: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى((3)؛ فهي إنكار ما كان عليه العرب في جاهليتهم إذ كانوا يأخذون البريء بظلم القاتل عندما يقدمون على الثأر لمن قتل منهم إمعاناً في التشفي والتعاظم، فهي ليست نصّاً في عدم قتل الجماعة بالواحد.
أما قوله - جل جلاله -: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ((4)؛ فهي تتحدث عن شريعة موسى - عليه السلام -، وهي ليست في صدد نفي قتل الجماعة بالواحد أو إثباته، وإنما هي بصدد تعداد أنواع القصاص، وهي: النفس والعين والأذن…
فالعلّة في الآيتين هي القصاص بالقتل على قتل مثله، فتقتل النفس بقتل النفس ويقتل الحرّ بقتل الحرّ، ومما لا ريب فيه أن كل واحد من الجماعة اشترك في قتل الواحد، فقام بالفعل المزهق للروح، فيكون النصّ دالاً على أن الجماعة تقتل بالواحد بحكم تنصيصها على العلة وبحكم وجود العلّة كاملة في كلّ من أفراد الجماعة على حدة(5).
(1) ينظر: ضوابط المصلحة ص145-147، وغيره.
(2) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص103-104، وغيره.
(3) البقرة: من الآية178.
(4) المائدة: من الآية45.
(5) ينظر: ضوابط المصلحة ص149-150 باختصار.
الثامن: شيوع الاتباع والتقليد، حتى سمّي مَن بعدهم بالتابعين، ولا يكون ذلك إلا لشدّة الملازمة والمتابعة لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كانوا عليه، فالصحابة - رضي الله عنهم - انتشروا في البلاد المفتوحة واستقروا فيها، كما سنفصل ذلك في الدور التالي؛ ليعلموا الناس دينهم، ويفتوهم فيما جدّ عليهم من مسائل، وينقلوا لهم كلّ ما تلقوه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قرآن وسنة وفقه.
فصار للصحابة - رضي الله عنه - في البلاد التي انتقلوا إليها أصحاب وتلاميذ يتعلمون على أيديهم وينقلوا علومهم وفتاويهم، وصار الغالب على أهل كل بلد فقه مَن عاش فيه من الصحابة - رضي الله عنه -، وكان حال العامّة هو التقليد لمذاهب هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - كلٌ على حسب ما يصل إليه من علم، ولا يصل إليهم في العادة إلا علم وفتاوى من هم بين أظهرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - في بلدتهم.
وهذا التقليد والاتباع لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولمن جاء بعدهم من العلماء المجتهدين لأنه كما يقول العلامة تقي الدين العثماني(1): ((إن الطاعة بالذات لا تصلح في الشريعة الإسلامية إلا لله سبحانه ورسوله، وإن أحكام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مبيّنة في الكتاب والسنة إما صراحة وإما تضمناً كما بسطه الأصوليون في كتبهم، فكل حكم وجد في الكتاب والسنة صريحاً ولا يحتمل إلا المعنى الظاهر منهما ولا يعارضه حكم آخر في الكتاب والسنة، فإن ذلك الحكم يجب العمل به عند الأمة جميعاً، وليست تلك المسألة محلاً للاجتهاد أو التقليد مثل فرضية الصلاة والأركان الأخرى وحرمة الزنا وشرب الخمر وأكل الربا والكذب في الكلام وأمثال ذلك، فإن جميع هذه الأحكام ثابتة بالكتاب والسنة لا مجال فيها للاجتهاد ولا حاجة فيها إلى التقليد.
(1) في أصول الافتاء ص15-17.
ولكن هناك أحكاماً كثيرة في الكتاب والسنّة يوجد فيها شيء من الإجمال أو الإبهام أو احتمال أكثر من معنى واحد أو يعارضها أحكام أخرى في نفس الكتاب والسنّة، وهناك طريقان للعمل بمثل هذه الأحكام ولا ثالث لهما:
الطريق الأول: أن يبذل الرجل قصارى جهده في معرفة مراد الشارع ورفع هذا الإبهام أو التعارض بملكته العلمية الراسخة التي تؤهله لذلك، فهذا هو الاجتهاد.
الطريق الثاني: أن لا يجتهد الرجل بنفسه في الوصول إلى النصوص بل يعتمد في ذلك على من يزعمه أعلم وأفقه من نفسه عملاً بقوله سبحانه وتعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ((1).
وليتنبه هاهنا أنه قد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف التقليد:
فعرّفه بعضهم بقوله: العمل بقول الغير من غير معرفة دليله.
وعرفه الآخرون بقولهم: هو العمل بقول الغير من غير مطالبة دليله.
وهذا الثاني هو الأصح، فلا يشترط للمقلد أن يعرف دليل إمامه ولكن يشترط أن لا يطالبه بذلك.
ثم إن عيّن المقلّد إماماً مخصوصاً للرجوع إليه في كل مسألة دون أن يرجع إلى إمام آخر في مسألة من المسائل، فإنه يسمّى تقليداً شخصياً.
وإن لم يلتزم المقلّد ذلك بل يرجع في كلِّ مسألة إلى ما تيسر له، فإنه يسمّى تقليداً مطلقاً.
(1) النحل: من الآية43.
ثم وإن كان التقليد موجوداً في عهد الصحابة والتابعين بنوعيه المذكورين، ولكن معظم الصحابة والتابعين الذين وجودوا أنفسهم قاصرين عن الاجتهاد كانوا يعملون بالتقليد المطلق من غير التزام لمذهب معيّن وكان التقليد الشخصي فيهم نادراً، ولكن لما تغيّرت الزمان وكثرت الأهواء وفسدت الأفكار اختار العلماء لغير المجتهدين أن يلتزموا مذهب إمام معين، لا لأنه كان حكماً شرعياً، بل لكف الناس عن اتباع الهوى، فإن الرجل العامي إذا حصلت له الحرية في أن ينتقي من أقوال الفقهاء ما يوافق أهواءه لصار الدين لعبة في أيدي المتطفلين، تتلاعب به أهوائهم وهذا مما لا يبيحه أحد، فكان حكم التقليد الشخصي سداً لذريعة لا تشريعاً لما لم يثبت من الصحابة والتابعين، قال شيخ الهند: التقليد الشخصي ليس بحكم شرعي، بل هو فتوى انتظامي)).
وهذا الكلام في غاية الدقة والروعة إلا أنه يستدرك عليه بأن التقليد الشخصي هو الغالب أيضاً في عصر الصحابة - رضي الله عنهم -، بدليل أن أهل كلّ بلد كانوا يقلّدون مَن فيها من الصحابة - رضي الله عنه - أو العلماء فيما بعد، ولم يكن شائعاً عندهم فتوى غيرهم مثل فتاويهم، إلا أنه لم يكن منتشراً مفهوم مذهب، بمعنى أنني على مذهب فلان، وإن كان حقيقة هو الواقع بتقليده لفلان، فهؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - لم يدعوا لأنفسهم مذاهب ويحملوا الناس عليها، ومثلهم مَن أتى بعدهم من العلماء، وإن كان العامة يقلدونهم، فحاصل الأمر أن اصطلاح مذهب لم يوجد في هذا العصر وإنما عرف متأخراً.
وهذه الملازمة لأهل كلِّ بلد لمن حلّ فيها من الصحابة - رضي الله عنهم - وغيرهم من المجتهدين كانت لمعرفتهم بهم ووثوقهم بمروياتهم، فليس من السهل عليهم التحول عما ألفوه وعرفوه وساروا عليه، كما لا يحسوا بالحاجة الملحة الشديدة إلى معرفة فقه غير بلدهم وبحث ما عند فقهائه، وهكذا نجد كل قطر يلزم فتاوى وأقضية فقهائه، فأهل المدينة أكثر ما يتبعون عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - وأهل الكوفة فتاوى ابن مسعود وتلامذته علقمة النخعي والأسود بن يزيد وإبراهيم النخعي، وأهل البصرة فتاوى أبي موسى الأشعري وأنس بن مالك ومحمد بن سيرين، وأهل الشام فتاوى معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وتلامذتهم كأبي إدريس الخولاني وعمر بن عبد العزيز، وأهل مصر فتاوى عبد الله بن عمرو بن العاص(1).
قال ولي الله الدَّهْلَويّ(2): ((رأى كل صحابي ما يسرّه الله له من عبادته وفتاواه وأقضيته - صلى الله عليه وسلم - فحفظها وعَقَلها وعرف لكل شيء وجهاً من قبل حُفُوف القرائن به، فحمل بعضها على الإباحة وبعضها على الاستحباب وبعضها على النسخ؛ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده، ولم يكن العمدة عندهم إلا وجود الاطمئنان والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال ، كما ترى الأعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم ، وتثلجُ
صدورهم بالتصريح والتلويح والإيماء من حيث لا يشعرون.
فانقضى عصره الكريم وهم على ذلك، ثم إنهم تفرقوا في البلاد وصار كل واحد منهم مقتدى في ناحية من النواحي. فكثرت الوقائع ودارت المسائل، فاستفتوا فيها فأجاب كل واحد حسب ما حفظه أو استنبطه، وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبطه ما يصلح للجواب اجتهد برأيه وعرف العلّة التي أدار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه الحكم حيثما وجدها لا يألو جهداً في موافقة غرضه - صلى الله عليه وسلم -)).
(1) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص113، وغيره.
(2) في الإنصاف في أسباب الاختلاف ص22-23.
تاسعاً: الكفُّ عن الاجتهاد إلا لمن كان أهلاً لذلك، ورأى في إمكانه الاجتهاد فيما سئل عنه، فلم يكن باب الاجتهاد مفتوحاً على مصرعيه لكلّ أحد، فزمانهم زمان ورع ودين، فلا يتجاسر شخص فيه على أحكام الشرع إلا إذا ظنّ قدرته على الوفاء بهذا الواجب العظيم، وفيما روينا عن ابن مسعود - رضي الله عنه - من تردده مرات في الاجتهاد فيمن مات عنها زوجها ولم يسمِّي لها مهراً، ولما روي (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار)(1).
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى - رضي الله عنه - ، قال: أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل أحدهم عن المسألة, فيردّها هذا إلى هذا, وهذا إلى هذا, حتى ترجع إلى الأول. وفي رواية: أدركت عشرين ومئة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فما كان منهم محدّث إلا ودّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا(2)
وعن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم -: من أفتى عن كل ما سئل فهو مجنون(3).
(1) رواه ابن عدي عن عبد بن جعفر مرسلاً. ينظر: كشف الخفاء 1: 51، وغيره.
(2) في الزهد لابن المبارك 1: 19 وقال: أخرجه ابن سعد من طريق سفيان وشعبة. وينظر: جامع الترمذي 5: 504، والمجموع 1: 73، وأصول الإفتاء ص3. والآداب الشرعية 2: 59، وكشاف القناع 6: 299، والموسوعة الفقهية الكويتية 32: 22، وغيرهم.
(3) ينظر: المجموع 1: 73، وأصول الإفتاء ص3، وغيرهما.
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يسمح لأي من الصحابة بتحديث الناس وتعليمهم، فها هو أبو هريرة الصحابي الجليل - رضي الله عنهم - ينهاه عن التحديث، فيقول له: (لتتركنَّ الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب: لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة)(1).
قال الإمام ابن كثير(2) - رضي الله عنه -: ((وهذا محمول عن عمر - رضي الله عنه - على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربّما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك)).
المطلب الثاني: عدد مجتهدي الصحابة:
إن عدد المجتهدين من الصحابة - رضي الله عنهم - لا يتجاوز العشرين،قال الإمام ابن الهُمام- رضي الله عنه -(3): ((لا تبلغ عدة المجتهدين الفقهاء منهم أكثر من عشرين كالخلفاء والعبادلة(4) وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأنس وأبي هريرة - رضي الله عنهم - وقليل والباقون يرجعون إليهم ويستفتون منهم)).
(1) في تاريخ أبي زرعة 1: 286، والبداية والنهاية 8: 106، وتاريخ ابن عساكر 19: 117/2كما في سير أعلام النبلاء 2: 600-601، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.
(2) في البداية والنهاية 8: 106.
(3) في فتح القدير 3: 469.
(4) وهم: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم -. ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص32، وغيرها.
وأيّده الإمام الكوثري - رضي الله عنه -(1) فقال: ((ومن أحاط خبراً بأدلة الجمهور من الكتاب والسنة وأقوال السلف وبأحوال الصحابة - رضي الله عنهم -، يدرك مبلغ قوة كلام ابن الهمام في عدّة المجتهدين من الصحابة، وإن سعى ابن حزم في تكثير عددهم جداً في ((أحكامه)) بأن حشر في عدادهم كلّ مَن روي عنه مسألة أو مسألتين في الفقه لا إجلالاً لمنْزلة الصحابة في العلم، بل ليتمكَّن من معاكسة الجمهور في مسائل الإجماع باشتراط النقل عن كلٍّ منهم، وأنى لمن لم يرو عنه إلا مسألة أو مسألتان في الفقه، أو حديث أو حديثان في السنة أن يعدّ في المجتهدين كائناً من كان، وإن كانت مَنْزلة الصحابة - رضي الله عنهم - في الصحبة عظيمة القدر جداً)).
هذه المبالغة من ابن جزم - رضي الله عنه - في تضخيم عدد المجتهدين من الصحابة كان محلّ انتقاد من العلماء، قال العلامة ابن القيم - رضي الله عنه -: ((وما أدري بأي طريق عدّ ابن حزم معهم الغامدية وماعزاً)) أي من المجتهدين، قال العلامة الحجوي - رضي الله عنه -(2): ((وفي ذكر مَن تروى عنهم إلا المسألة والمسألتان نظر)).
وهذا موافق لما نقل عن مسروق - رضي الله عنه - قال: شافهت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت علمهم انتهى إلى هؤلاء الستة: عمر وعلي وعبد الله وأبيّ وأبي الدرداء وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم -(3).
المطلب الثالث: مميزات هذا العصر:
الأول: أن الاجتهاد فيه كان معتمداً على نصوص من الكتاب والسنة، بخلاف ما سيأتي في بعض الأدوار القادمة من اعتماد الاجتهاد على نصوص إمام المذهب كما سيأتي تفصيله.
(1) في الإشفاق ص33.
(2) في الفكر السامي 1: 341-342.
(3) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص26، وغيرها.
الثاني: إمكانية تحقّق الإجماع بكل جلاء ووضوح بخلاف العصور اللاحقة؛ إذ أن الإجماع: وهو اتفاق مجتهدي الأمة المحمدية في عصر من العصور على أمر شرعي(1)، متعسرٌ نوعاً ما؛ لصعوبة جمعهم من أقطار الأرض كافة، وصعوبة الوقوف على رأيهم في مسألة معينة، أما المجتهدون من الصحابة فكانوا محصورين ومعروفين فجمعهم متيسر والوقوف على رأيهم كذلك كما سبق.
الثالث: الواقعية في الاجتهاد، فلم يكن الصحابة - رضي الله عنهم - يميلوا إلى فرض مسائل فقهيّة والإجابة عنها، بل يكتفون بما يقع للناس من مسائل فحسب(2). أما في العصور التي جاءت بعدهم فكانوا يميلون إلى الفقه الافتراضي (التقديري)؛ لأن الفقه صار علماً مستقلاً ، له المختصون به درساً وتدريساً ؛ فبذلوا قصارى جهدهم في تأصيل قواعده وبناء الفروع عليها؛ تسهيلاً لطالب العلم في تناولها(3)، وسيأتي زيادة في بيان ذلك.
المطلب الرابع : دعوى وردّها:
وهذه الدعوى هي: إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نسخ أحكاماً في القرآن والسنة، أو خالف الكتاب والسنة، أو قدم المصلحة على الكتاب والسنة وهكذا.
(1) ينظر: المستصفى 1: 173، والإرشاد ص71، والميزان2: 710، ومسلم الثبوت2: 211، وغيرها.
(2) ينظر أمثلة على ذلك في الإنصاف في أسباب الاختلاف ص46-47.
(3) وزيادة تفصيل الكلام في الفقه التقديري في كتاب منهج السلف في السؤال عن العلم للشيخ عبد الفتاح أبو غدة - رضي الله عنه - ص44 وما بعدها.
ويجاب عنها بما سبق ذكره في مسألة إلغاء حد السرقة وقتل الجماعة بالواحد وإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم، بالإضافة إلى مسألة الطلاق الثلاث التي طال لسان كثير من الناس فيها على عمر - رضي الله عنه - واعتبروه فيها خالف المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وقدَّمَ رأيه على الشرع ورضي بالمصلحة التي رآها للمسلمين على نص الشرع الحكيم، وهيهات هيهات لهذه المجازفة في حقِّ مثل عمر - رضي الله عنه -، وإنما هي قصر النظر وقلّة الفكر وعدم إنزال أمثاله من الصحابة - رضي الله عنهم - منزلتهم، وملخص هذه المسألة(1)؛ ليتضح ما اقترفوه في حق هذا الصحابي الجليل وحقّ الشرع الكريم كالآتي:
(1) ومن أراد أن يطلع على المسألة بتفاصيلها فليرجع إلى كتابي مئة دليل ودليل على وقوع الطلاق الثلاث بالدليل، والإشفاق في أحكام الطلاق للكوثري وشفاء العليل في الرد على من أنكر وقوع الطلقات الثلاث المجموعة بمرّة أو بمرات بدون رجعة بينها للملا أبي عبيدي، ولزوم طلاق الثلاث دفعة بما لا يستطيع العالم دفعه لمحمد الخضر الشنقيطي، و أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد أمين الشنقيطي وأبغض الحلال إلى الله للدكتور نور الدين عتر والأنوار القدسية في الأحوال الشخصية للعلامة عبد الكريم المدرس وتكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم للعلامة محمد تقي العثماني وضوابط المصلحة للدكتور البوطي وغيرهم من كبار فطاحل هذا العصر الذين فصلوا الكلام في هذه المسألة وأعادوا الحق إلى نصابه.
إن الأمة المحمدية اتفقت وأجمعت على وقوع طلاق من قال: أنت طالق ثلاثاً بأنه يقع ثلاثاً وتبيين منه زوجته بينونة كبرى، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، وكان هذا الحكم في عهد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ومن جاء بعدهم فلم يخالف فيه أحد من أهل الخلاف، فهو مذهب المالكية(1). والشافعية(2)، والحنفية(3)، وابن حزم الظاهري(4)؛ لأن صريح القرآن وظاهره شاهد له، وكذا السنة النبوية والإجماع وآثار الصحابة والتابعين والعقل واللغة حتى قال العلامة ابن الهُمام(5): ((لو حكم حاكم بأن الثلاث بفم واحد واحدة لم ينفذ حكمه; لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه فهو خلاف لا اختلاف)).
ومن الفروق بين الخلاف والاختلاف كما بيَّن أبو البقاء الكفوي(6): ((إن الاختلاف ما يستند إلى دليل، والخلاف ما لا يستند إلى دليل، والاختلاف من آثار الرحمة..، والخلاف من آثار البدعة، ولو حكم القاضي بالخلاف، ورُفِع لغيره، يجوز فسخه، بخلاف الاختلاف، فإن الخلاف هو ما وقع في محلّ لا يجوز فيه الاجتهاد، وهو ما كان مخالفاً للكتاب والسنة والإجماع)).
والدليل من القرآن: هو الآيات الواردة في الطلاق عامة تشمل وقوع الطلاق سواء
(1) كما في المنتقى 4: 3-5، والحنابلة كما في المغني 7: 282، ودقائق أولي 3: 80-81، و كشف القناع 5: 241-242 و مطالب أولي النهى 5: 334-335.
(2) كما في مغني المحتاج 4: 503-504، وغيره.
(3) كما في التبيين 2: 190-191، وغيره.
(4) كما في المحلى 9: 384-400.
(5) في فتح القدير 3: 470.
(6) في الكليات ص61، وينظر: أدب الاختلاف ص8-9، وغيره.
كانت مجموعاً أو متفرّقاً، دون تفريق، منها: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ((1)، و(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً((2).
ومعنى (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ(: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه لوقوع البينونة فلو كانت الثلاث لم تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعياً فلا يندم(3). وكذلك من يخالف أوامر الله في هذه الآية وغيرها كأن أوقع الطلاق في الحيض أو جمع الثلاث فقد عرض نفسه للضرر فلو لم يكن طلاقه واقعاً ما كان ظالماً لنفسه(4).
وأما من السنة: وردت فيها أحاديث عديدة تنصّ على وقوع الطلقات الثلاث ثلاثاً في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، منها:
حديث لعان عويمر العجلاني مع امرأته، وفي آخره: أنه قال: (كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : وأنا مع الناس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)(5).
(1) البقرة:241.
(2) الطلاق:1.
(3) ينظر: لزوم طلاق الثلاث ص30، وغيره.
(4) ينظر: شفاء العليل ص27، وغيره.
(5) في صحيح مسلم 2: 1129، وصحيح البخاري 5: 2014، والمنتقى 1: 183، وغيرها.
حديث فاطمة بنت قيس أخبرت أن أبا حفص المخزومي طلَّقها ثلاثاً، ثمّ انطلق إلى اليمن، فقال لها أهله: ليس لك علينا نفقة، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت ميمونة، فقالوا: إن أبا حفص طلَّق امرأتَه ثلاثاً، فهل لها من نفقة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليست لها نفقة….(1)، ورواية طلاقها آخر ثلاث تطليقات شذَّ فيها الزهري عن باقي الحفاظ الذي رووا هذا الحديث،فلا يؤخذ بها.
حديث رفاعة بن سموأل طلَّق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثاً فنكحت عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسَّها ففارقها فأراد رفاعة أن ينكحَها وهو زوجها الأول الذي كان طلَّقَها، فذُكِرَ ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهاه عن تزويجها، وقال: لا تحل لك حتى تذوق العسيلة(2).
حديث ابن عمر - رضي الله عنه -: كان عبد الله إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم: أما أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني بهذا وإن كنت طلقتها ثلاثاً فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجاً غيرك، وعصيت الله فيما أمرك من طلاق امرأتك(3).
(1) في صحيح مسلم2: 1115، وسنن أبي داود 2: 286، وغيرهما.
(2) في الموطأ 2: 521، وصحيح ابن حبان 9: 430، وغيرهما.
(3) في صحيح مسلم 2: 1093، وصحيح البخاري 5: 2015، وغيرهما.
حديث الحسن بن علي - رضي الله عنه -، عن سويد قال كانت عائشة بنت الفضل عند الحسن بن علي، فلما بويع بالخلافة هنأته، فقال الحسن: أتظهرين الشماتة بقتل أمير المؤمنين، أنت طالق ثلاثاً، ومتعها بعشرة آلالف ـ ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جدي أو سمعت أبي يحدث عن جدي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً عند الأقراء أو طلقها ثلاثاً مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لراجعتها(1). قال ابن رجب: إسناده صحيح.
حديث محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان، ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل، وقال: يا رسول الله ألا أقتله(2). قال ابن كثير: إسناده جيد. وقال الحافظ ابن حجر: رواته موثقون.
حديث ركانة أنه طلَّقَ امرأته سهيمة المزنية البتة ثمّ أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا
(1) في سنن الدارقطني 4: 30، وسنن البيهقي الكبير 7: 336، وغيرهما.
(2) في سنن النسائي3: 349، والمجتبى 6: 142، وغيرهما.
رسول الله إني طلَّقت امرأتي سهيمة البتة ووالله ما أردت إلا واحدة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لركانة: والله ما أردت إلا واحدة. فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة. فردّها إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطلَّقها الثانية في زمان عمر - رضي الله عنه -، والثالثة في زمان عثمان - رضي الله عنه -(1)، فهذه الرواية وردت بطريقين وقد صححها الحفاظ كالشافعي وأبو داود والحاكم والبيهقي والدارقطني وابن حبان وأبو بكر الشيباني وأبو يعلى والطنافسي بخلاف رواية طلقها ثلاثاً التي اعتمد عليها المخالف فقد ردها وأعلها أهل الشأن كأبي داود وأحمد وابن الجوزي والجصاص وابن عبد البر والزيلعي وابن الهمام والنووي.
وأما الآثار عن الصحابة والتابعين فقد بلغت العشرات دون أي مخالفة فيما بينهم في ذلك، ولولا الإطالة لذكرتها.
وأما الإجماع فقد نقله ابن العربي وابن التين وأبو الوليد الباجي ومحمد الخضر الشنقيطي(2)، وغيرهم.
(1) في مسند الشافعي ص268، وسنن أبي داود 2: 262، والمستدرك 2: 218، وغيرها.
(2) ينظر: المنتقى لأبي الوليد الباجي 4: 4، ولزوم الطلاق ص6، وغيرهما.
وخالف العلامة ابن تيمية وتبعه تلميذه ابن القيم ولحق بهم الشوكاني والصنعاني - رضي الله عنهم - وكثيرٌ من المعاصرين، وقالوا: بوقوعه واحداً؛ محتجين بأن هذا الخلاف وقع في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لكنه لا يثبت هذا القول عن أحد يعتد به قبلهم على من يمحص ويدقق، وقد حقق هذا الدكتور هاشم جميل(1) والكوثري(2)، وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة)): اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سبق بلفظ واحد(3).
واحتجوا بقوله - جل جلاله -: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (: أي مرة بعد مرة , كما إذا قيل للرجل: سبح مرتين. أو سبح ثلاث مرات. أو مئة مرة. فلا بد أن يقول: سبحان الله، سبحان الله. حتى يستوفي العدد.
والآية لم يحملها أحد من المفسرين المعتبرين على ما حملوها عليه، بل قال الطبري(4) والكلبي(5) والرازي(6) وابنُ الجوزيّ(7) وابنُ عطيّة(8) وغيرهم: إنها لبيان سنّة الطلاق، وهو أن يوقع في كل قرء طلقة، أو أنها لبيان الطلاق الذي يملك معه الرجعة.
(1) في فقه سعيد بن المسيب 3: 319.
(2) في الإشفاق في أحكام الطلاق ص62-63.
(3) عن السير الحثيث إلى الطلاق الثلاث للحافظ جمال الدين بن عبد الهادي الحنبلي من محفوظات الظاهرية بدمشق برقم (99 مجاميع) عن الإشفاق ص34.
(4) في تفسيره 2: 456.
(5) في تفسيره 1: 82.
(6) في التفسير الكبير 3: 385.
(7) في زاد المسير 1: 263.
(8) في المحرر الوجيز 1: 306.
وقال العلامة الكوثري(1): ((ومحاولة القياس في مورد النص سخف على أن أجرها على قدر التكبير والتلاوة والصلاة ونحوها، فالعدد فيها للتعبد، وفي اللعان والقسامة والإقرار بالزنا فالعدد فيها للتأكيد، ولا يحصل ذلك إلا بإتيان العدد المنصوص…)).
واحتجوا أيضاً بما روي عن طاووس عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة, فقال عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة, فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم.
وأجيب عنه بأجوبة عديدة منها:
الأول: أخرجه أبو داود بلفظ: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأة ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة... الحديث، فتمسَّك بهذا السياق من أعلّ الحديث، وقال: إنما قال ابن عباس - رضي الله عنه - ذلك في غير المدخول بها، وهو جواب إسحاق بن راهويه - رضي الله عنه - وجماعة، وبه جزم زكريا الساجي - رضي الله عنه - من الشافعية.
الثاني: دعوى شذوذ رواية طاوس - رضي الله عنه - وهي طريقة البيهقيّ - رضي الله عنه - فإنه ساق الروايات عن ابن عباس - رضي الله عنه - بلزوم الثلاث ثمّ نقل عن ابن المنذر أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً ويفتي بخلافه فيتعيَّن المصير إلى الترجيح، والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم. وقال ابن العربي: هذا حديث مختلف في صحّته فكيف يقدّم على الإجماع.
(1) في الإشفاق ص27.
الثالث: دعوى أنه ورد في صورة خاصة، فقال ابن سريج وغيره: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ كأن يقول أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وكانوا أولا على سلامة صدورهم يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد فلمَّا كثر الناس في زمن عمر - رضي الله عنه - وكثر فيهم الخداع ونحوه مما يمنع قبول من ادعى التأكيد حمل عمر - رضي الله عنه - اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاء عليهم، وهذا الجواب ارتضاه القرطبي وقواه بقول عمر - رضي الله عنه - أن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، وكذا قال النووي: أن هذا أصح الأجوبة.
الرابع: تأويل قوله: واحدة وهو أن معنى قوله كأن الثلاث واحدة أن الناس في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يطلقون واحدة فلما كان زمن عمر كانوا يطلقون ثلاثاً، ومحصله أن المعنى أن الطلاق الموقع في عهد عمر ثلاثاً كان يوقع قبل ذلك واحدة؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلاً أو كانوا يستعملونها نادراً، وأما في عصر عمر - رضي الله عنه - فكثر استعمالهم لها، ومعنى قوله فأمضاه عليهم وأجازه وغير ذلك أنه صنع فيه من الحكم بايقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة الرازي، وكذا أورده البيهقي بإسناده الصحيح إليه، قال النووي: وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة لا عن تغير الحكم في الواحدة.
الخامس: حمل قوله: ثلاثاً على أن المراد بها لفظ: ألبتة كما تقدَّم في حديث ركانة سواء وهو من رواية ابن عباس أيضاً، وهو قويّ ويؤيّده إدخال البخاري في هذا الباب الآثار التي فيها ألبتة والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا أن أراد المطلّق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتة على الثلاث؛ لاشتهار التمويه بينهما فرواها بلفظ الثلاث، وإنّما المراد لفظ البتة وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال أردت بالبتة الواحدة، فلما كان عهد عمر أمضي الثلاث في ظاهر الحكم.
وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء أعني قول جابر: أنها كانت تفعل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال ثم نهانا عمر عنها فانتهينا. فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر - رضي الله عنه - على ذلك ولا يحفظ أن أحداً في عهد عمر - رضي الله عنه - خالفه في واحدة منهما، وقد دلّ إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خَفِيَ عن بعضهم قبل ذلك، حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر - رضي الله عنه -، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق(1).
وهذه أكثر مسألة أثيرت حولها الشبهات، فإذا ثبت أن الحقّ خلاف ما يقولون فيها وأن ما قالوه مجرد أوهام لا حقيقة لها، ثبت أنه لا محلّ لهذه الشبهات مطلقاً. والله أعلم.
- - -
(1) ينظر: فتح الباري 9: 363-365.
المبحث الثالث
طور المذاهب الفقهية
يبدو من الأنسب جعل الدور الثالث في المذاهب الفقهية بعد أن سبق التمهيد بتفصيل حال الفقه في عصر النبوة وعصر الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لأننا كثيراً ما نقرأ بأن سلفنا خلَّفَ لنا بنياناً شامخاً في الفقه نباهي به الأمم، وننتفع به في حياتنا، وهذا البناء تمّ على مدى القرون السابقة، فكان التحضير والتجهيز له في عصر النبوة، وأسس بنيانه في عصر الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، وتم بناء هيكله في عصر الأئمة المستقلين في الاجتهاد، وتكامل هذا الصرح الفقهي العظيم في هيئته وزخرفته في عصر الأئمة المجتهدين في المذاهب على حسب مقتضيات أحوالهم وأزمانهم.
وتجلية للأدوار التي مرَّ بها الفقه الإسلامي، نعرض هذا الطور في ثلاثة أدوار:
درو التأسيس: وفيه بيان لأساس كلِّ مذهب من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -؛ إذ أن الصحابة - رضي الله عنهم - انتشروا في البلاد المفتوحة؛ ليعلموا أهلها هذا الدين الحنيف، فتكوَّن لديهم التلاميذ الذي حملوا فقههم إلى مَن بعدهم حتى وصل إلى أئمة المذاهب، حيث ارتكزوا فيما ذهبوا إليه من مسائل على فقه هؤلاء الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -.
دور الأئمة المجتهدين المستقلين: وفيه بيان لأئمة المذاهب الفقهيّة المتبوعة، والأصول التي اعتمدها كلٌ منهم في اجتهاده، وغير ذلك.
دور الأئمة المجتهدين في المذاهب: وفيه بيان للدور الذي قاموا به من تكملة هذا البناء الفقهي، وسدّ حاجات زمانهم، والقيام بواجبهم في حفظ الدين، وغير ذلك.
المطلب الأول
دور التأسيس للمذاهب
الفقهية
أولاً: تمهيد في دعاوى وردها:
قبل الولوج في عرض حقيقة ما كان عليه هذا الطور، فإنه ينبغي التنبيه على شبهات درج الكاتبون في المدخل إلى الفقه على ذكرها دون تدقيق وتمحيص منهم للخطر الجسيم الذي تحمله على الفقه الإسلامي؛ لذلك وجب علينا عرضها مع بيان وجوه ردها حفاظاً على مكانة فقهنا وفقهائنا الرفيعة، وهذه الشبه هي:
الأولى: تقسيم دور التابعين ومَن بعدهم إلى مدرستين: مدرسة أهل الحديث، ومدرسة أهل الرأي، فالأولى تعتمد على النصوص الشرعية في استنباط الأحكام؛ لتوافرها لديها، والثانية: اعتمادها على الرأي والقياس؛ لقلّة الأحاديث بين يديها.
والجواب عنها على التفصيل التالي:
بعد أن وقعت جلّ الدول الإسلامية تحت وطأة المستعمرين في مطلع القرن العشرين، كان لا بدّ من حيلة لهم للسيطرة على المسلمين واستمرار الولاء لهم أمام تمسّك الناس بدينهم وأحكامه الثابتة ووقوف الأزهر ـ الذي كان يعتبر منارة المشرق الإسلامي في القرون المتأخرة ـ سداً منيعاً في وجههم، حملت هذه الحيلة شعارات براقة في ظاهرها: كفتح باب الاجتهاد، والرجوع إلى الكتاب والسنة، والسير على طريق السلف، ودراسة الفقه المقارن؛ من أجل الإصلاح الديني والاجتماعي كما يزعمون، لكن الواقع يثبت أن خلافه الذي حصل؛ لما تحويه من السم الذي دسَّ في الباطن.
وكان من أكبر الدعاة لهذه الحركة محمّد عبده وتلميذه محمّد رشيد رضا (ت1935م)(1) الذي أصدر مجلة ((المنار)) لبث هذه الأفكار، وألف كتاباً سمّاه ((يسر الإسلام وأصول التشريع العام))(2)
(1) له ((تفسير القرآن الكريم)) 12مجلد ولم يكمله، و((تاريخ الشيخ الإمام محمد عبده)) 3مجلدات، و((مجلة المنار)) 34مجلداً، و((نداء للجنس اللطيف))، و((الوحي المحمدي))، و((الخلافة))، و((الوهابيون والحجاز))، و((محاورات المصلح والمقلد)). ينظر: الأعلام 6: 362.
(2) وصف الإمام الكوثري - رضي الله عنه - في مقدمة نصب الراية ص288-289 هذا الكتاب فقال: ((والغريب أن بعض أصحاب المجلات ممن لم ينشأ نشأة العلماء، اتّخذ مجلته منبراً يخطب عليه الدعوة إلى مذهب، لا يدري أصله ولا فرعه، فألَّف قبل عشر سنوات رسالة في ((أصول التشريع العام)) وجمع فيها آراء ابن حزم في نفي القياس، وآراء بعض مثبتيه، على طريق غير طريق الأئمة المتبوعين، وآراء أخرى لبعض الشذاذ، يبني مذهبه على ما يعده مصلحة فقط، وإن خالف صريح الكتاب والسنة، فصار بذلك جامعاً لأصول متضادة، تتفرع عليها، فروع متضادة، لا يجتمع مثلها، إلا في عقل مضطرب، وما هذا إلا من قبيل محاولة استيلاد البشر من البقر، ونحوه.
فترى ابن حزم يحتج في نفي القياس بحديث "نعيم بن حماد" الذي سقط نعيم بروايته، عند جمهرة النقاد، وليس ابن حزم على علمٍ من ذلك! وهذا مما يعرفه صغار أهل الحديث من المشارقة، وهو حديث قياس الأمور بالرأي، وفي سنده أيضاً ((حريز الناصبي))، وان كان الصحافي -المتمجهد!- يجعله: جريراً، ويزيد على حجة ابن حزم حجة أخرى، وهي حديث: سبايا الأمم في ((ابن ماجه)) ويرى -الصحافي- أنه حسن، مع أن في سنده ((سويداً))، وفيه يقول ابن معين: حلال الدم، وأحمد: متروك الحديث. وفيه أيضاً ابن أبي الرجال، وهو متروك، عند النسائي، ومنكر الحديث، عند البخاري)).
وكلام الإمام الكوثري - رضي الله عنه - هذا في غاية الدقة والروعة في وصف كثير مما يكتب في هذا العصر من رسائل الماجستير والدكتوراه وأبحاث الترقية والكتب المؤلفة؛ ولا غرابة في ذلك، فالحركة العلمية العصرية تأثرت بحركة الإصلاح في مصر، ومحمد رشيد من قادتها، وغالبية الأكاديميين من حركة الإصلاح إلى الآن يدعون إلى مذهب جديد لا يعرف إلى حد الآن ما حقيقته، وما ظهر من علاماته سوى التلاعب والتملص من غالبية أحكام الشرع بحجة الاجتهاد والترجيح.
قال العلامة محمد عوامة حفظه الله في أدب الاختلاف ص159: ((إن هذا الشذوذ العلمي الذي يعجّ عجّاً في أيامنا ، لهو من نتائج بعد المتكلمين في العلم عن هذين الخلقين: التقلي للعلم
والتدرج في تحصيله.
ذلك أنك تجد أول ما يمسكه الشاب المثقف المتدين من كتب العلم: ((سبل السلام))، وفي اليوم الثاني يرتقي إلى ((نيل الأوطار))، وفي اليوم الثالث: إلى ((المحلى))، فماذا بقي عليه من العلم وأمهات مصادره؟!. ومن أين يأتيه الأدب مع المخالفين، وما من صفحة في ((المحلى))إلا وفيها سبّ الأئمة وشتمهم؟! ومن أين يتهيّب الخروج عن مذاهب الأئمة الأربعة، أو الأربعين، وهو يقرأ تقريع الإجماع ومدّعيه في ((نيل الأوطار))؟! إلى غير ذلك من مناصرة للأقوال الشاذة في الكتب الثلاثة)).
ولطيف من الإمام الكوثري - رضي الله عنه - والعلامة عوامة تشخيص المرض بأنه بسبب عدم لزوم طريقة العلماء في الدراسة والتدريس، فإن هذه الدعوة تنشأ ممن لم يدرسوا على العلماء الكتب العلمية التي تكون لديهم ملكة علمية قوية في مختلف العلوم، وتؤدبهم بأدب العلم وأهله.
جعل الفقهاء فيه قسمين: أهل حديث وأهل رأي.
يقول الإمام الكوثري(1) - رضي الله عنه - عن محمد رشيد رضا في كتابه هذا: ((ويتصوّر فريقين من الفقهاء، أهل رأي، وأهل حديث، وليس لهذا أصل بالمرّة، وإنما هذا خيال بعض متأخري الشذاذ، أخذاً من كلمات بعض جهلة النقَلة، بعد محنة أحمد.
وأما ما وقع في كلام إبراهيم النخعي وبعض أهل طبقته من القول: بأن أهل الرأي أعداء السنن، فبمعنى الرأي المخالف للسنة المتوارثة في المعتقد، يعنون به الخوارج، والقدرية، والمشبهة، ونحوهم من أهل البدع، لا بمعنى الاجتهاد في فروع الأحكام، وحمله على خلاف ذلك تحريف للكلم عن مواضعه، فكيف! والنخعي نفسه، وابن المسيِّب نفسه من أهل القول بالرأي في الفروع، رغم انصراف المتخيلين، خلاف ذلك)).
فما تخيّله وتصوره محمد رشيد رضا من وجود مدرستين: مدرسة أهل الحديث ممثلة بالمدينة وعلى رأسها الإمام مالك - رضي الله عنه -، ومدرسة أهل الرأي ممثلة بالكوفة وعلى رأسها الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، مشى عليه من جاء بعده(2) وتوسَّعوا في الكلام والتعليل له بما يطول الكلام فيه، فإن ثبت أن هذا التصور غير صحيح، ثبت سقوط كلّ ما أحيط به من الهالة، وتحقيق ذلك بالنقولات التالية:
ذكر ابن قتيبة في كتاب ((المعارف)) الفقهاء بعنوان أصحاب الرأي، ويَعدُّ فيهم الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس - رضي الله عنهم -.
وذكر الحافظ محمد بن الحارث الخشني، أصحاب مالك - رضي الله عنه - في ((قضاة قرطبة)) باسم أصحاب الرأي.
وهكذا فعل أيضاً الحافظ أبو الوليد بن الفرضي في ((تاريخ علماء الأندلس)).
(1) في مقدمة نصب الراية ص289.
(2) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 167 والمدخل العام لدراسة الشريعة الإسلامية ص114، والمدخل إلى أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامي ص157، والمدخل للتشريع الإسلامي ص150.
وكذلك الحافظ أبو الوليد الباجي، يقول في شرح حديث الداء العضال من ((الموطأ)) في صدد الردّ على ما يرويه النقلة عن مالك - رضي الله عنه -، في تفسير الداء العضال(1): ((ولم يرو مثل ذلك عن مالك أحد من أهل الرأي من أصحابه))، يعني من أهل الفقه، من أصحاب مالك - رضي الله عنه -، إلى غير ذلك، مما لا حاجة إلى استقصائه هنا(2).
وقد بيَّن العلامة أبو زهرة - رضي الله عنه - زيف هذه النظرية، وانتقد المعاصرين القائلين فيها، فقال(3): ((قد وجدنا أن كتاب تاريخ الفقه في عصرنا يعدون مالكاً - رضي الله عنه - فقيه أثر لا فقيه رأي، وسايرناهم في بعض كتابتنا السابقة في هذا المقام، وقلنا أن طريقة فقهاء المدينة في الاستنباط تقابل طريقة فقهاء العراق، وأن أهل المدينة يعتمدون على الأثر في أغلب استنباطاتهم وأن العراقيين يغلب على فقههم الرأي، ولكنا عند دراسة مالك خاصة وجدناه فقيه رأي كما هو فقيه أثر، وأن ما يقال عن فقه المدينة في كتابات بعض المعاصرين لا ينطبق تمام الانطباق على فقه مالك - رضي الله عنه - الذي طبع به الفقه المدني في عصره، وإن كان الرأي الذي ارتضاه مالك - رضي الله عنه - ليس هو الرأي الذي اختاره أبو حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم - وسائر العراقيين من كل الوجوه، فالفرق بينهما في طريقة الاستنباط لا في مقداره.
وتلك قضية قد لمحناها في دراستنا السابقة، وفحصناها في الدراسة، فوجدنا أن ما أدركناه بلمح النظر، وهو ما انتهينا إليه بعد ترديد البصر….
(1) في الموطأ 2: 975: حدثني مالك: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أراد الخروج إلى العراق فقال له كعب الأحبار: لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإنّ بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجنّ وبها الداء العضال.
(2) ينظر هذه النقولات في مقدمة نصب الراية ص286-287.
(3) في كتاب مالك حياته وعصره ص 17-18.
وبذلك تنهار النظرية التي تقرِّر أن سببَ الإكثار من الرأي هو قلّة العلم بالحديث، فما كان علم مالك - رضي الله عنه - بالحديث قليلاً، بل كان كثيراً ولكنّ الحوادث التي وقعت، والمسائل التي سئل فيها كانت أكثر بقدر كبير جداً، فكان لا بُدّ من الرأي، ولا بُدّ من الإكثار منه، ما دام يفتي ويستفتي، ويجيء إليه الناس من الشرق والغرب سائلين مستفتين)).
وممّا يؤيِّد سقوط مثل هذه النظرية أن ربيعة الرأي سمّي بذلك لاشتهاره في القول بالرأي مع أنه كان أحفظ الناس لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن الماجشون - رضي الله عنه -: ((والله ما رأيت أحداً أحفظ لسنَّة من ربيعة))(1).
وقال أبو زهرة أيضاً(2): ((إننا في هذه الدراسة سنرى أن مالكاً - رضي الله عنه - لم يكن في اعتماده على الرأي مقلاً كما توهم عبارات الذي كتبوا في الفقه الإسلامي، حتى إنهم ليقسموا الفقه إلى فقه الأثر، وفقه الرأي، ويعدون موطن الأول المدينة، ويعدون موطن الثاني العراق، ويذكرون أن مالكاً فقيه أثر، وأن أبا حنيفة - رضي الله عنه - فقيه رأي.
وقلنا أن هذه القضية تلوح لنا غير صادقة بالنسبة لمالك - رضي الله عنه - وإن كانت صادقة بالنسبة لأبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقلنا أنا وجدنا ابن قتيبة يعدّ مالكاً فقيه رأي، وذكرنا في بيان حياة مالك - رضي الله عنه - أن معاصريه كانوا يعتبرونه فقيه رأي)).
ومن هؤلاء المعاصرين ما ذكره ابن عبد البر - رضي الله عنه -(3): ((قال ابن لَهيعة: قدم علينا أبو الأسود في سنة إحدى وثلاثين ومئة، فقلت: من للرأي بعد ربيعة بالمدينة؟ قال: الغلام الأصبحي)).
(1) ينظر: العبر1: 183. والميزان 3: 68، ,غيرهما.
(2) في مالك حياته وعصره ص251.
(3) في الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء ص59.