القياس عند الحنفية .........
...... بطريقة معاصرة
جارٍ تحميل الكتاب…
القياس عند الحنفية .........
...... بطريقة معاصرة
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
القياس عند الحنفية
بطريقة معاصرة
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة المدونة التابعة لمجمع الفقه الإسلامي في الهند.
ملخص البحث:
إنَّ القياس أصلٌ عظيم الشأن جليل القدر له دور كبير في استنباط الأحكام الشرعية، والعمل به من ضروريات استمرارية التشريع الإسلامي وحيويته وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان، وفي بحثي اقتصرت على أهم مباحث القياس عند الحنفية مما لا ينبغي جهلها، فبدأت بتعريف القياس وحجيته، ثُمَّ وضحت شروط القياس، ثُمَّ فصَّلت الكلام في العلة أحد أركان القياس الأربعة التي تعتبرِ سِرُّ الشريعة العظيم الذي تتسابق أفهام العظام لإدراكها، ثُمَّ ختمت البحث بأهم النتائج.
* * *
Research Summary:
The analogy is a great and respected origin, which has major role in the deriving of legal provisions. And work with it is one of the necessities of the continuity of Islamic legislation, vitality and validity of the application in every time and place. In my research I talked about the most important sections of analogy for hanafi, which should not be ignored, I began to define analogy and authoritative, then I sacrificed analogy conditions, then I t talked about one of the four pillars of analogy which is «alellah», which is the great secret of the law who the greatest understood races to realize, then I concluded with the most important results in the research.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومَن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحابته ومن سَار على طريقه واهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ الشريعة الإسلامية التي هي خاتمة الشرائع السماوية وجدت؛ لحماية مصالح البشرية في كل زمان ومكان، وهذه المصالح لا بدّ متطورة ومتغيّرة، ولما كانت الشريعة الإسلامية شريعة البشرية من يوم أرسل الله بها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يوم يرث الله - جل جلاله - الأرض ومَن عليها، التي كتب لها البقاء والخلود إلى يوم القيامة، كان لا بُدّ لها ـ لتتضمن وتؤمن مصالح البشر دائماً ـ من أن تكون نصوصها مرنة تحتمل هذا التطور وتواكبه، وتتجسَّد مرونتها وقابليتها للبقاء والاستمرارية في وجود القياس والتخريج وغيره من الأصول التي تمكّن المجتهد من استحداث أحكام شرعيّة لكل ما يطرأ من أمور في حياة المسلمين.
فاقتضت حكمة الله - عز وجل - أن تكون نصوص الشرع محدودة وحوادث الدهر ممدودة وغير معدودة، فما ورد من نصوصٍ في الكتاب والسنة هي محدودة بالنسبة لما يستجد من حوادث وأمور هي بأمس الحاجة إلى إعطاء حكم شرعي لها، وعندما نرجع إلى الكتاب والسنة لا نجد لها دليلاً نعتمده فيها، ولم يقم عليها إجماع، ولكننا نجد أنَّ لها مثيلاً له حكم في الآية أو الحديث، فيصل المجتهد باجتهاده إلى أنَّ هذا الأمر المستجد يشترك مع ذلك المثيل بعلّة، فيعطى حكم هذا المثيل لتلك الحادثة المستجدة، وبذلك يجد المجتهد وسيلة من الوسائل التي تعينه على إعطاء الحكم لكثير من المسائل المستجدة بما يسمى بـ «القياس».
فإنَّ القياس أصلٌ عظيم الشأن جليل القدر له دور كبير في استنباط الأحكام الشرعية؛ ولهذا كان الأصل الرابع بعد الكتاب والسنة والإجماع، وتأخيره عنها لا يقلِّل من أهميته أبداً؛ إذ هو عكاز الفقيه الذي يتوكأ عليه إذا لم يجد نصاً أو إجماعاً في المسألة المستجدة.
دلَّ على مكانته ومسيس الحاجة إليه: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - طبقه بنفسه الشريفة تطبيقاً عملياً في بعض الوقائع؛ ليعلمه لأصحابه - رضي الله عنهم - ويمرنهم عليه، فكان العمل به من ضروريات استمرارية التشريع الإسلامي وحيويته وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان، ولولاه لتوقفت حركة التشريع وجمدت، ولوقع الناس في ضيق وحرج شديد، إذ يجدون
أنفسهم أمام حوادث ولا أحكام لها، والقرآن يخبرنا أنَّه تبيان لكل شيء: {تبياناً لكل شيء} النحل: 89، {ما فرطنا في الكتاب من شيء} الأنعام: 38، فيكون تبياناً بقياس غير المنصوص على المنصوص حتى نكون مطبقين ومصدقين، ولا نعطي لأدعياء التقدمية مجال للزعم بأنَّ مسايرة العصر تقتضي البعد عن كل موروث والارتماء في أحضان المناهج البشرية الضالة.
فكان البحث فيه غاية في الأهمية؛ ووقوع الالتباس والغموض في شروطه وضوابطه وعلته ـ التي هي سِرُّ الشريعة العظيم الذي تتسابق أفهام العظام لإدراكها ـ لأن يعيننا على تغطية كل ما يستجد من الحوادث وكل ما يحدث من الوقائع.
ثُمَّ إني لم أجد مَن بحث في القياس وعرضه مقتصراً على المذهب الحنفي، فرأيتُ لزاماً علي أن أبحث فيه عندهم وأعرضه بطريقة معاصرة، مع التنقيح والتحرير والترتيب.
واتبعتُ في بحثي المنهج الاستقرائي من كتب الأصول، ثم المنهج الوصفي في عرض المادة العلمية.
ولأنَّ الكلام في القياس طويل الذيل، وفيه مباحث كثيرة شائكة، لا يليق بمثل هذا البحث الخوض فيها؛ لما يترتب عليها من تشتيت
للذهن؛ فاقتصرت فيه على أهم مباحث القياس مما لا ينبغي جهلها، مما اقتضى تقسيم البحث إلى تمهيد ومبحثين وخاتمة:
تمهيد: في تعريف القياس، وحجيته.
المبحث الأول: في شروط القياس.
المبحث الثاني: في العلة.
خاتمة.
* * *
تمهيد في تعريف القياس وحُجيّته:
أولاً: تعريفه:
لغةً: تقدير الشيء على مثاله، فيقال: قس الشيء بغيره، وعلى غيره، فانقاس: أي قدّره على مثاله، ومن هنا سمي المقدار مقياساً (¬1).
واصطلاحاً: عرف بتعاريف عديدة تبيّن حدوده، أقتصر منها على اثنين، وهما:
1.تقديرُ الفرع بالأصل في الحكم والعلة (¬2).
ومعنى تقدير: أي إلحاق الفرع بالأصل، وجعله مماثلاً له.
والحكم: هو الثابت بالأدلة الثلاثة، وهي القرآن والسنة والإجماع.
والعلة: هي العلة الشرعية الجامعة المشتركة التي تعلق بها الحكم التي لا تدرك بمجرد اللغة (¬3).
¬
(¬1) ينظر: المصباح المنير ص521، ومباحث العلة في القياس عند الأصوليين ص15.
(¬2) ينظر: المنار 2: 113، وغيره.
(¬3) ينظر: قمر الأقمار 2: 113، وغيرها.
2.إبانة مثل حكم أحد المذكورين مثل علته في الآخر (¬1).
واختار لفظ الإبانة دون الإثبات؛ لأن القياس مظهر لا مثبت؛ لأن المثبت هو الله - جل جلاله -، أما القياس ففعل القائس، وهو تبيين وإعلام أن حكم الله - جل جلاله - كذا وعلته كذا، وهما موجودان في الموضع المختلف فيه (¬2).
وبهذا يعلم أنَّ للقياس أربعة أركان، وهي: الفرع والأصل والحكم والعلة، كما سيأتي، ويكون القياس باشتراك العلة بين الأصل والفرع، فنعدي حكم الأصل المصرح به في القرآن والسنة في الفرع الحادث، فيكون فعل المجتهد هو إظهار حكم الله تعالى في الفرع.
ثانياً: حجية القياس:
معلومٌ أنَّ القياس هو المصدرُ الرابع من مصادر التّشريع الفقهي، وأنَّ العمل به محلّ اتفاق في المذاهب الفقهيّة المعتبرة؛ لأنَّ به حياة الشريعة وحيويتها، وقدرتها على مواجهة المستجدات الحياتية، فبه يعرف حكم عامة المسائل الفقهية؛ لأنَّ المنصوص منها من القرآن والسنة بالنسبة لغير المنصوص من المسائل الفقهية قليلة جداً – كما سبق- ولذلك ثبتت أدلة عديدة في إثبات حجية القياس، ومنها:
¬
(¬1) ينظر: ميزان الأصول 2: 794، وغيره.
(¬2) ينظر: شرح ابن ملك ص750، وميزان الأصول 2: 791، وغيرها.
1. قال - جل جلاله -: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَار} الحشر: 2، والاعتبار: هو النظر فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِوقياس غيره عليه، فكأنه قال: قيسوا الشيء على نظيره، وهو شامل لكل قياس: كقياس الفروع الشرعية على الأصول، فيكون إثبات حجية القياس ثابتاً بالنص (¬1).
2. قال - جل جلاله -: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} النساء: 59: أي ردوه إلى حكم الله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شكّ أنَّ التنازع إنَّما يقع في الأمر الخفي الذي يحتاج فيه إلى الرأي دون الحكم الظاهر الجلي؛ ولهذا قال الله - عز وجل -: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} النساء: 83، فكأنَّ الأمر بالردّ إلى حكم الله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بواسطة الرأي والاجتهاد يكون أمراً بالمقايسة (¬2).
3. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه -: «بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد فيه برأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله بما يرضى به رسوله» (¬3)، ولو لم يكن القياس حجة موجبة للعمل بعد
¬
(¬1) ينظر: نور الأنوار 2: 115، وميزان الأصول 2: 804، وغيرها.
(¬2) ينظر: ميزان الأصول 2: 804، وغيره.
(¬3) في سنن أبي داود 3: 313 وجامع الترمذي 3: 616 وأشار إلى ضعفه، وله شواهد موقوفة عن عمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس - رضي الله عنهم - أخرجهما البيهقي في سننه الكبير10: 114 عقيب تخريج هذا الحديث تقوية له. كذا في مرقاة الصعود شرح سنن أبي داود للسيوطي. وقال الخطيب في الفقيه والمتفقه1: 188: إن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم ... وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ - رضي الله عنه - لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له. وتمامه في هامش: الحدود والأحكام الفقهية ص82 - 83، وفقه أهل العراق وحديثهم ص290.
الكتاب والسنة لأنكر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولما مدحه به، ولما حمد الله - جل جلاله - بتوفيقه لمعاذ - رضي الله عنه - بالعمل بالرأي والاجتهاد (¬1).
4. عن عمر - رضي الله عنه - قال: «هششت يوماً فقبلت وأنا صائم فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: صنعت اليوم أمراً عظيماً، فقبلت وأنا صائم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ قلت لا بأس بذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ففيم» (¬2)، إذ قاس النبي - صلى الله عليه وسلم - القبلة من غير إنزال وإيلاج في نفي الفساد على المضمضة من غير ابتلاع (¬3).
5. سئل أبو بكر - رضي الله عنه - عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد
¬
(¬1) ينظر: نور الأنوار 2: 115، وميزان الأصول 2: 805، وغيرها.
(¬2) في السنن الكبرى للنسائي 3: 293، وصحيح ابن خزيمة 3: 245.
(¬3) ينظر: ميزان الأصول 2: 805، وغيره.
والولد، فلما استخلف عمر - رضي الله عنه -، قال: إني لأستحيي الله - عز وجل - أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر (¬1).
6. رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال فيها: «الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن والسنة فتعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك واعمد إلى أحبّها إلى الله وأشبهها فيما ترى» (¬2).
7. قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: مَن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه ولا يقول: إنّي أخاف وإنّي أخاف، فإن الحلالَ بيِّن والحرامَ بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك (¬3).
8.
9. * * *
¬
(¬1) في سنن الدارمي 2: 462، وسنن البيهقي الكبير 6: 223، ومسند الربيع 1: 305، وغيرها.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 10: 115، وسنن الدارقطني 4: 206، 207.
(¬3) في سنن النسائي 3: 469، وقال النسائي: هذا الحديث جيد جيد، والمجتبى 8: 230.
المبحث الأول
شروط القياس
يذكر الأصوليون من الحنفية شروطاً للقياس المعتبر في استخراج الأحكام، وهي خمسة شروط، وتفصيلها كالآتي:
الأول: أن لا يكون الأصل مخصوصاً: أي بسبب آخر يدلُّ على اختصاص المقيس عليه بحكمه، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بحكاية حال: أي حكم خاص بهذه الحادثة لا يقاس عليه غيره، وهو كثير.
ومن أمثلة ذلك:
1. ما روي: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ابتاع فرساً من أعرابي فاستتبعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقضيه ثمن فرسه فأسرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إن كنت مبتاعاً هذا الفرس، ولا بعته، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سمع نداء الأعرابي فقال: أوليس قد ابتعته منك؟ فقال الأعرابي: لا والله ما بعتكه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بلى قد ابتعته
منك، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيداً! فقال خزيمة بن ثابت - رضي الله عنه -: أنا أشهد أنَّك قد بايعته، فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - على خزيمة. فقال: بمَ تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة خزيمة بشهادة رجلين» (¬1).
فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادة خزيمة كشهادة رجلين كرامة وتفضيلاً على غيره، مع أنَّ النصوص أوجبت اشتراط العدد من رجلين أو رجل وامرأتين في حق العامة، فلا يقاس عليه غيره؛ لأنَّ الحكم مقصوراً عليه بالنص (¬2)؛ فينبغي أن لا يقاس عليه غيره ممن هو أعلى حالاً منه كالخلفاء الراشدين؛ إذ تبطل حينئذ كرامة اختصاصه بهذا الحكم (¬3).
2. إنَّه حلَّ زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - تسع نسوة إكراماً له، فلم يصح تعليله والقياس عليه.
الثاني: أن لا يكون حكم الأصل معدولاً به عن القياس، بأن لا يكون الأصلُ مخالفاً للقياس؛ إذ لو كان هو بنفسه مخالفاً للقياس، فكيف
¬
(¬1) في سنن أبي داود 3: 331، ومسند أحمد 5: 215، والمستدرك 2: 21، وصححه، وسنن النسائي الكبرى 4: 48، والمعجم الكبير 22: 379، وغيرها.
(¬2) المراد بالنص هاهنا الدليل من قبيل ذكر الخاص وإرادة العام كتاباً كان أو سنة أو إجماعاً. ينظر: قمر الأقمار 2: 127.
(¬3) ينظر: نور الأنوار 2: 127 - 129، وغيره.
يُقاس عليه غيره؟ لأنّ حاجتنا إلى إثبات الحكم بالقياس، فإذا جاء مخالفاً للقياس لم يصح إثباته به، وهذا هو الاستحسان بالنصّ.
ومن أمثلته:
بقاءُ الصوم مع الأكل والشرب ناسياً، فإنه مخالف للقياس؛ إذ يقتضي فساد الصوم به؛ لدخول الطعام أو الشراب إلى الجوف المعتبر من المنفذ المعتبر حقيقة، إلا أن الشارع الكريم اعتبره صائماً حكماً استحساناً؛ لما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا نسي فأكل وشرب فليتمَّ صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) (¬1)؛ لذلك لا يقاس عليه الخاطئ والمكره (¬2).
وجواز السلم رغم أن المبيع فيه معدوماً؛ لأنّ القياس أن يكون المبيع محلاً مملوكاً مقدوراً، قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تبع ما ليس عندك) (¬3)، وجوز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السلم، فقال: (من أسلف في شيء ففي كيل معلوم إلى
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 682، وصحيح مسلم 2: 809، وسنن الترمذي 3: 100، وغيرها.
(¬2) ينظر: كشف الأسرار للنسفي 2: 129، ونور الأنوار 2: 128 - 129، وشرح ابن ملك ص767، وغيرها.
(¬3) في سنن أبي داود 2: 305، وسنن الترمذي 3: 532، وسنن النسائي 2: 727، ومسند أحمد 3: 402، وصححه الأرنؤوط، والمعجم الكبير 3: 194، وغيرها.
أجل معلوم) (¬1)، وما ثبت بهذا النص بعدم ملك المحل إلا مؤجلاً يكون خارجاً عن القياس (¬2)، وثابتاً استحساناً بالنص.
الثالث: أن يتعدّى الحكم الشَّرعي الثابت بالنصّ بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نصّ فيه، ويتضمن هذا الشرط أربعة شروط (¬3)، ولكنها كلها راجعةٌ إلى تحقيق التعدّي فإنه لا يتم إلا بالجميع، وهي:
1.أن يكون الحكم شرعياً لا لغوياً، فلا يجوز القياس في اللغة بأن يوضع لفظ لمسمّى مخصوص باعتبار معنى يوجد في غيره، فيطلق ذلك اللفظ على ذلك الغير.
ومن أمثلته:
عدم صحّة إثبات حكم الزنا للواطة؛ بإثبات اسم الزنا للواطة؛ لأنه ليس بحكم شرعي؛ لأن الزنا وإن كان سفح ماء محرم، وهذا المعنى موجود في اللواطة، بل هي فوق الزنا في الحرمة والشهوة؛ لأنّ الإيلاجَ
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 781، وصحيح مسلم 3: 1226، وغيرهما.
(¬2) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 3: 337، وغيره.
(¬3) جعلها ابن ملك في شرحه على المنار 2: 767 ستة شروط، واستدرك عليه ملاجيون في نور الأنوار 2: 131: وقد ابتدع بعض الشارحين فقال: إنه يتضمن ستة شروط الأربعة منها هي المذكورة، والاثنان التعدي وكون الحكم الشرعي ثابتاً بالنص لا فرعاً لشيء آخر، وهذا وإن كان مما يستقيم لكن ليست له ثمرة صحيحة.
في الدبر لا يحل قطعاً بخلاف الإيلاج في القبل فإنّه يحل بالنكاح، فيجري على اللواطة اسم الزنا وحكمه، وهذا لا يجوز؛ لأنه قياس في اللغة (¬1).
وعدم إعطاء النبيذ حكم الخمر؛ بأن يعطى اسم الخمر لكل ما يخامر العقل، فيقال: بعدم جواز النبيذ المثلث المسكر ـ وهو المطبوخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ـ وأنّ حكمه حكم الخمر؛ لأن النبيذ المسكر في معنى الخمر، فإثبات اسم الخمر لذلك المائع المسكر يكون إثباتاً بتعدية الاسم لغة، وهذا قياس فاسد؛ لأن الاسم متى وضع لعين خاصة بهيئة مخصوصة وصفات معلومة فلا يقاس عليه ما سواه في المعنى المقصود منه مع المخالفة في الصورة، بل المعتبر فيه وضع اللغة، فلو عدي الاسم من الوضع إلى غيره باعتبار المساواة في المعنى المقصود الظَّاهر يُسمَّى مجازاً لا حقيقة، فالمجاز استعارة العرب الاسم لاسم، وطريق الاستعارة فيما بين أهل اللغة غير طريق التعدية في أحكام الشرع، فلا يكون هذا النوع من القياس الذي يدرك به حكم الشرع (¬2).
¬
(¬1) ينظر: المنار نور الأنوار وقمر الأقمار 2: 131، وغيرها.
(¬2) ينظر: ميزان الأصول 2: 911، وكشف الأسرار للنسفي 2: 162، وفصول الحواشي على أصول الشاشي ص322.
وعدم إعطاء حكم السارق للنباش ـ من يحفر القبر، ويأخذ الكفن ـ بأن نثبت اسم السارق للنبّاش باعتبار أنّ كلّ واحد منهما آخذ مال الغير على سبيل الخفية؛ لما أن القطع لا يجب بالإجماع بدون اسم السرقة، وقد عُدِم الاسم في النباش؛ لأنّ السرقةَ اسمٌ للأخذ على وجهٍ يُسارق عين صاحبه، وهذا لا يتصوُّر في أخذ الكفن؛ لأن صاحبه ميت، فكيف يُسارق عينه، فلا يقاس النباش على السارق (¬1).
2.أن يُعدّى الحكمُ بعينه بلا تغيير، فإن تغيّر الحكم بعد التعدية لم يصح القياس.
ومن أمثلته:
عدم صحّة ظهار الذمي قياساً على ظهار المسلم؛ لعدم تعدية الحكم بعينه؛ لكون هذا التَّعليل تغييراً للحكم من التأقيت للتأبيد؛ لأنّ الحرمةَ في الظِّهار توجب الكفارة، والذمي غير قادر على الكفارة، فظهار المسلم ينتهي بالكفارة، وظهار الذمي يكون مؤبداً؛ إذ ليس هو أهلاً للكفارة التي هي دائرة بين العبادة والعقوبة، فإن المقصود بالكفارة التطهير والتكفير، فلا تتأدى الكفارة إلا بنية العبادة، والكافر ليس بأهل للعبادة (¬2).
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار للنسفي ص132، وغيره.
(¬2) ينظر: نور الأنوار وقمر الأقمار 2: 133، كشف الأسرار 2: 133، وغيرها.
3.أن يكون الفرعُ نظيراً للأصل لا أدون منه: أي أقل منه فلا يصح قياسه عليه.
ومن أمثلته:
عدم تعدي حكم النّاسي في الفطر إلى المكره والخاطئ لكونهما ليسا بعامدين في نفس الفعل كالنّاسي؛ لأنّ عذرَهما أقل من عذر الناسي، فإن النسيان يقع بلا اختيار، وهو منسوب إلى الله تعالى، وفعل الخاطئ والمكره من الإنسان، فإنّ الخاطئ يذكر الصوم، ولكنّه يقصِّر في الاحتياط في المضمضة حتى دخل الماء في حلقه، والمكره أَكرهه الإنسان وألجأه إليه، فلم يكن عذرهما كعذر الناسي فيفسد صومهما، وتفريع المكره والمخطئ هنا لا يعارض تفريعهما فيما سبق على كون الأصل مخالفاً للقياس؛ لأن أكثر المسائل تتفرّع على أصول مختلفة (¬1).
4.أن لا يوجد في الفرع نصٌ، فإن وجد نصّ في الفرع لم يصح قياسه على غيره.
ومن أمثلته:
عدم صحة اشتراط الإيمان في رقبةِ كفّارة القتل: {فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} النساء: 92 إلى كفارة اليمين والظهار؛
¬
(¬1) ينظر: نور الأنوار 2: 135 - 136، وغيره.
لوجود النصّ المطلق فيهما عن قيد الإيمان، قال - جل جلاله - في كفارة اليمين: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} المائدة: 89، وقال - جل جلاله - في كفارة الظهار: {َتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} المجادلة: 3؛ لأنَّه لا يحتاج إلى القياس مع وجود النصّ في الفرع (¬1).
الرابع: أن يبقى الحكم في الأصل بعد التعليل على ما كان قبله، والمراد بالتغيير تغيّر المعنى المفهوم من النص لغة دون التغيير الحاصل من الخصوص إلى العموم، فإن هذا التغيير من ضرورات القياس؛ إذ لا فائدة للقياس إلاّ تعميم حكم النص (¬2).
ومن أمثلته:
عدم جواز اشتراط التّمليك في الإطعام في الكفّارات قياساً على الكسوة؛ لأنَّه تغيير لحكم النصّ؛ لأنَّ الإطعام اسم لفعل يُسمّى لازمه طعماً، وهو الأكل، ويتحقق الأكل بالتمليك والإباحة للطعام، وتخصيصه بالتمليك دون الإباحة تغييراً لحكم الأصل: {إطعام عشرة مساكين} المائدة: 89؛ لأنَّها عامة تشتمل التمليك والإباحة، فلم يصح
¬
(¬1) ينظر: نور الأنوار وقمر الأقمار 2: 136، وغيرها.
(¬2) ينظر: قمر الأقمار 2: 137، وغيره.
اشتراط التمليك قياساً على الكسوة (¬1).
ولا يقال: إنَّكم خصصتم القليل، وهو بيع الحفنة بالحفنتين من الربا كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل) (¬2) مع عمومه للقليل والكثير؛ لأنّ المرادَ من التساوي التساوي في الكيل شرعاً بالإجماع، والحفنة لم تدخل في المكيال الشرعي، وهو نصف صاع، فلم تكن معتبرةً؛ لأنّ التَّفاضل إنما يكون عند وجود الفضل على أَحدِ المتساويين، والمجازفةُ عبارةٌ عن عدم العلم بالمساواة كيلاً، والكلُّ لا يتأتى إلاّ في الكثير، فلم يكن فيه تغيير المنصوص عليه (¬3).
الخامس: أن لا يكون التعليل متضمناً إبطال شيءٍ من ألفاظ المنصوص؛ لأنّ النصَّ مقدمٌ على القياس بلفظه ومعناه، فكما لا يُعْتَبَرُ القياس في معارضة النّصّ بإبطال حكمه لا يعتبر في معارضته بإبطال لفظ النّصّ (¬4).
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار للنسفي 2: 136، وشرح ابن ملك 2: 776 - 777، وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري 3: 1214، ومسند أحمد 6: 400، وصحيح ابن حبان 11: 385.
(¬3) ينظر: حاشية الرهاوي 2: 776 - 777، وحاشية عزمي زاده 2: 778، وغيرها.
(¬4) ينظر: أصول السرخسي 2: 150 - 151، هذا الشرط لم يذكره صاحب المنار وكأنه داخل ضمناً في الشرط الرابع.
ومن أمثلته:
عدم جواز قياس السباع سوى الخمس المؤذيات على الخمس بطريق التعليل في إباحة قتلها للمحرم وفي الحرم؛ لأن النصّ الحديث: (خمس فواسق يقتلن في الحرم: الفأرة، والعقرب، والحِدأة (¬1)،والغراب (¬2)، والكلب العقور (¬3)) (¬4)
فإذا تعدى الحكم إلى محلّ آخر يكون أكثر من خمس فكان في هذا التعليل إبطال لفظ من ألفاظ النص، بخلاف حكم الرّبا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل في الرّبا ستّة أشياء: (الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء، والشَّعير بالشعير رباً
¬
(¬1) حِدأة: بالكسر: وهي طائر من الجوارح، وهو أخس الطير، يغلبه أكثر الطيور، وينقض على الجُرْذان والدواجن، والغراب يسرق بيض الحدأة ويترك مكانه بيضه فالحدأة تحضنها فإذا فرخت فالحدأة الذكر تعجب من ذلك ولا يزال يزعق ويضرب الأنثى حتى يقتلها، وكنيته أبو الخطاف وأبو الصلت، ينظر: حياة الحيوان 1: 229، وعجائب المخلوقات 2: 259، والمعجم الوسيط ص159.
(¬2) وهو الغراب الأبقع الذي يأكل الجيف دون ما يأكل الزرع، والأبقع: ما خالط بياضه لون آخر. ينظر: فتح باب العناية 1: 715، وغيرها.
(¬3) العقور: وهو كُلّ سَبُعٍ يَعْقِرُ من الأسد والفهد والنمر والذئب وعقر: أي جرح. ينظر: الصحاح 2: 137، والمصباح 422، والتبيين 2: 67، وغيرها.
(¬4) في صحيح البخاري 3: 1204، وسنن الترمذي 3: 197، وغيرها.
إلا هاء وهاء) (¬1)، ولكن ذكر حكم الرّبا في أشياء فلا يكون في تعليل ذلك النص إبطالُ شيء من ألفاظ النصّ (¬2).
* * *
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 750، وغيره.
(¬2) ينظر: أصول السرخسي 2: 170 - 171.
المبحث الثاني
العلّة
تمهيد:
إن أهمَّ موضوعات الأصول هو القياس، وأهمّ شيءٍ في القياس هو العلّة، فهي في الحقيقةِ سِرُّ الشريعة العظيم الذي تتسابق أفهام العظام لإدراكها، فهي محطّ الأنظار، ومرمى الأفئدة، ومنتهى العقول، وهي أحد أركان القياس الأربعة، وهي:
1. الأصل المقيس عليه: وهو ما يبتنى عليه غيره كالبُرّ الوارد في حديث الربا المشهور.
2. الفرع المقيس: وهو ما يبتني على غيره كالذَّرة، فإننا إذا قسنا الذرة على البُرّ في حرمة الربا، فالأصل هو البر، والفرع هو الذرة لابتنائها عليه في الحكم.
3. حكم الأصل: وهو ما أفاده النص كتاباً كان أو سنة أو إجماعاً، كوجوب التساوي التقابض في الربويات، وأما حكم الفرع فهو ثمرة القياس ونتيجته لا ركنه (¬1).
4. العلّة: وهي الوصفُ الجامعُ بين الأصل والفرع: كالجنس والقدر (الوزن أو الكيل) في الرَّبويات.
وبالتَّالي كلُّ ما وجد فيه علّة الرِّبا، وهي الجنسُ والقدر من الفروع كالأرز بالأرز والعدس وبالعدس والحديد بالحديد والنحاس بالنحاس أُلحق بحكم الأصل، وهو جوب التساوي والتقابض فيها، قياساً له على الأصل من الحنظة والذَّهب وغيره.
وتفصيل الكلام في العلّة في المطالب الآتية:
¬
(¬1) ينظر: التلويح 2: 104، ومرآة الأصول وحاشية الإزميري 2: 294،
المطلب الأول: في تعريف العلّة وصورها:
أولاً: تعريفها:
عرفت بعدة تعاريف تتفاوت بحسب النظرة إليها، ومنها:
1.ما جعلت علماً على حكم النصّ مما اشتمل عليه النصّ، وجعل الفرع نظيراً له في حكمه بوجودها فيه (¬1).
فالعلة هي المعنى الجامع، وجعلت ركناً للقياس؛ لأنّ مدارَ القياس عليها فلا يقوم القياس إلا بها، وسميت علماً؛ لأن علل الشرع: أمارات ومعرِّفات للحكم، وعلامة عليه، والموجب الحقيقي هو الله - جل جلاله -.
ومعنى: ما اشتمل عليه النصّ: أي حال كون ذلك العلم مما اشتمل عليه النص إمّا بصيغته كاشتمال نص الربا على الكيل والجنس، أو بغير صيغته كاشتمال نص النهي عن بيع العبد الآبق كما في حديث (لا تبع ما ليس عندك) (¬2) على العجز عن التسليم، فعجز البائع عن التسليم علّة للنهي عن بيع الآبق، ولا ذكر لهذا العجز صريحاً في نص ذلك النهي إلا
¬
(¬1) ينظر: المنار 2: 141 - 142.
(¬2) سبق تخريجه.
أنه مستنبط منه، فإن البيع مذكور فيه، ولا بدّ له من بائع، والعجز صفته، فإذا لم يقدر على التسليم، فكيف تتحقق المبادلة (¬1).
2.الوصف الصَّالح المؤثّر في ثبوت الحكم في الأصل متى وُجد مثلُه في الفرع يثبت مثل ذلك الحكم فيه قياساً عليه.
وسيأتي معنا مفصَّلاً معنى الصَّالح والتأثير، فإن مدارَ العلّة على التَّأثير، فهي في نظر المجتهد كانت السَّببَ في حكم الأصل فلمّا وجدت في الفرع استحقّ نفس الحكم.
والقياس لما كان ردّ الفرع إلى الأصل لإثبات حكم الأصل فيه، ولا يُمكن إثبات حكم الأصل في الفرع بالنصّ؛ لأنّ النصَّ خاصٌّ لا يتناول الفرع، فلا بُدّ أن يكون في الأصل وصف يجب به الحكم شرعاً، حتى يثبت مثله بمثل ذلك الوصف؛ إذ لو لم يكن هكذا لا يمكن إثبات الحكم في الفرع؛ لأنّ الحكمَ لا بُدّ له من دليل، وليس فيه نصٌّ ولا إجماع، ولو كان فيه نصٌّ أو إجماعٌ يكون إثبات الحكم نصّاً لا قياساً (¬2).
¬
(¬1) ينظر: نور الأنوار وقمر الأقمار 2: 141 - 142.
(¬2) ينظر: ميزان الأصول 2: 833 - 834.
ثانياً: الوصف الذي هو ركن العلة له صور:
1. أن يكون لازماً: وهو ما لا ينفك عن الأصل: كالثمنية (¬1) علّة لوجوب الزكاة في الذهب والفضة فإنها لا تنفك عنهما؛ لأنهما خلقا في الأصل على معنى الثمنية، وهي مشتركة بين مضروب الذهب والفضة وتبرهما (¬2) وحليهما (¬3)، فتكون في حُليّ النّسيئة الزّكاة لعلّة الثّمنية.
¬
(¬1) ومعنى الثمنية أن يكون الذهب والفضة بحال يقدّر به مالية الأشياء. ينظر: شرح ابن ملك 2: 786.
(¬2) وهي الذهب والفضة قبل أن يصاغ ويستعمل، ينظر: اللسان 1: 416،والمختار ص74.
(¬3) وهي ما يعمل من الذهب والفضة من الحلي فإنه تجب فيه الزّكاة إذا بلغ نصاباً، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم -: (إن امرأة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار، قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقالت: هما لله - عز وجل - ولرسوله) في سنن أبي داود 2: 95، وسنن النسائي الكبرى 2: 19، ومسند إسحاق بن راهويه 1: 177، ومسند أحمد 6: 455، والمعجم الكبير 24: 161، وصححه ابن القطان، وقال النووي: إسناده حسن. ينظر: الدراية 1: 258، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتخات من ينوي فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، قال: أتؤدين زكاتهن، قلت: لا أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار) في سنن أبي داود 2: 95، والمستدرك 1: 547، وقال الحاكم: إسناده صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: (كنت ألبس أوضاحاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز) في سنن أبي داود 2: 95،والمستدرك 1: 547،وصححه الحاكم، والمعجم الكبير 23: 281، وغيرها.
2. أن يكون عارضاً: كقوله - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة (¬1) في بيان علّة انتقاض الطهارة: (إنما ذلك عرق) (¬2)، أي دم عرق انفجر، فالانفجار صفة عارضة غير لازمة؛ لأنّ الدم موجود في العروق بدون صفة الانفجار، فلا يلزم أن يكون كلُّ دم عرق منفجراً، فأينما وُجِد انفجار الدم سواء كان للمستحاضة أو لغيرها من غير السبيلين يجب به الوضوء (¬3).
3. أن يكون اسماً: كحرمةِ الخمر ثبت باسم الخمر: هو علّتُها، لا وصف الإسكار حتى لا يتعدّى إلى النبيذ المثلث، وحتى يثبت في قليل الخمر؛ لوجود الاسم وإن لم يُسكر (¬4).
4. أن يكون جلياً: وهو ما يفهمه كلُّ أحد بحيث لا يحتاج إلى النظر الكثير كالطواف لسؤر الهرة، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنها ليست بنجس، إنّما هي من الطوافين عليكم والطوافات) (¬5).
¬
(¬1) المستحاضة: هي التي ترى الدم من قبلها في زمان لا يعدّ من الحيض ولا من النفاس. ينظر: قمر الأقمار 2: 142.
(¬2) في صحيح البخاري 1: 117، وصحيح مسلم 1: 262، والموطأ 1: 61، وغيرها.
(¬3) ينظر: كشف الأسرار للنسفي 2: 142، ونور الأنوار 2: 142، وغيرها.
(¬4) قال السمرقندي في الميزان 2: 834: لكنا نقول: إن عنى به أنه تعلق بعين الاسم لا يصح؛ لأن الاسم يثبت بوضع أرباب اللغة، ولهم أن يسموا الخمر باسم آخر. وإن عنى به المعاني القائمة بالذات التي بها استحق هذا الاسم، وهو كون المائع النيء من ماء العنب بعدما غلى واشتدّ، فهذا مسلم، ولكن حينئذ يكون هذا تعليق الحكم بالمعنى لا بالاسم.
(¬5) في موطأ مالك 1: 22، وسنن أبي داود 1: 67، وسنن الترمذي 1: 153، وغيرها.
5. أن يكون خفياً: وهو ما يفهمه بعض دون بعض، وهو لا ينال إلا بالنظر والتأمل، كما في علة الربا عند الحنفية: القدر والجنس، وعند الشافعية: الطعم في المطعومات، والثمنية في الأثمان: أي الذهب والفضة، وعند الماليكة: الاقتيات والادخار في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرّ، والشعيرُ بالشعير، والتمرُ بالتمر، والملحُ بالملح مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) (¬1).
6. أن يكون حكماً شرعياً: أي جامعاً بين الأصل والفرع: كالتَّعليل بالدينية الثابتة في الذمّة في جواز أداء الدين عن الميت، كما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: (جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله إنّ أمِّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمِّك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحقّ أن يقضى) (¬2)، فقاس النبي - صلى الله عليه وسلم - الصيام على دين العباد، والمعنى الجامع بينهما هو الدين، وهو عبارة عن حق ثابت في الذمة، واجب الأداء، والوجوب حكم الشرعي.
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1210، وغيره.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 804، وصحيح البخاري 2: 690، وغيرها.
7. أن يكون فرداً: فالوصفُ الفرد كالعلّة بالقدر وحده أو الجنس وحده لحرمة ربا النسيئة.
8. أن يكون عدداً: فالوصف العدد كالقدر مع الجنس علّة لحرمة التفاضل (¬1).
9. أن يكون منصوصاً: أي الوصف مذكوراً في النصّ كما في طواف الهرة مثلاً.
10. أن يكون غير منصوص: ولكنه ثابت بالنص كالأمثلة السابقة من اشتمال النهي عن بيع الآبق على العجز عن التسليم (¬2).
* * *
¬
(¬1) قال ملا جيون في نور الأنوار 2: 143: «والحاصل أن قوله: اسماً وحكماً لا شبهة في أنه مقابل للوصف، وأن قوله: لازماً وعارضاً لا شكّ في أنه قسم للوصف، وأما الجلي والخفي، وكذا الفرد والعدد فقد أورد على سبيل المقابلة والتداخل، والظاهر أنه قسم للوصف إذ لم نجد له مثالاً إلا في قسم الوصف، وقد يسمى المعنى الجامع الوصف مطلقاً في عرفهم سواء كان وصفاً أو اسماً أو حكماً، وهذا كله من تفنن فخر الإسلام والناس أتباع له».
(¬2) ينظر: شرح ابن ملك 2: 786 - 788، وكشف الأسرار للنسفي 2: 142 - 143، ونور الأنوار وقمر الأقمار 2: 142 - 143، وغيرها.
المطلب الثاني: مسالك العلة:
إنَّ مسالك العلة: هي الطرق الدالة على كون الوصف المعين علَّة للحكم.
وهناك مسالك صحيحة، ومسالك يتوهّم صحّتها.
والمسالك الصحيحة عند الحنفية ثلاثة: النص والإجماع والمناسبة، وما عداها من المسالك كالسبر والتقسيم (¬1) وتنقيح المناط (¬2) والدوران والشبه (¬3) مما يتوهم صحتها.
¬
(¬1) السبر والتقسيم: هو اختبار الأوصاف التي يجدها المجتهد في الأصل المقيس عليه، ثم النظر إليها ليميز ما يصلح للعلية منها، ثم يحصر العلة في واحد منها ويلغي الأخرى، فلأجل اختبار الأوصاف الصالحة يقال لهذا الطريق السبر، ولأجل حصر العلية في واحد منها كحصر المقسم في الأقسام يقال له: التقسيم. ينظر: أصول الفقه للبدخشاني ص222 - 223.
(¬2) تنقيح المناط: هو النظر في تعيين ما دل النص على كونه علة للحكم ولم يعينه، نحو تعليل الكفارة بوقوع فعل مفطر في نهار رمضان عمداً، كما ورد في حديث الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان عمداً، فأمره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بإعتاق رقبة، فعلم أن لهذا الحكم إعتاق الرقبة علة، ولكن الشارع لم يعيّنها، فبعد النظر والاجتهاد تعيّن أن العلة هو الوقاع في نهار رمضان عمداً، لا كونه أعرابياً، أو راغباً في الوقاع، أو غير ذلك من سائر الأوصاف. ينظر: أصول الفقه للبدخشاني ص225.
(¬3) الشبه: أي المشابهة، وهو الوصف الذي لا تظهر مناسبته للحكم إلا بعد البحث التام، ولكن عُرف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام، فصار مشابه بالعلة، مثاله: كوصف الطهارة إذا جعل علة لوجوب النية في التيمم ليقاس عليه الوضوء، وتجعل النية فيه أيضاً لازمة، فإن الطهارة لا تناسب اشتراط النية، وإلا لكان اعتبار النية في إزالة النجاسة عن الثوب أو البدن أيضاً لازماً، مع أنه ليس كذلك، ولكن الطهارة عبادة فيناسبها اشتراط النية من حيث العبادة، فيعتبر اشتراط النية في بعض العبادات دون بعض: أي لا بد من النية في العبادات القصدية الأصلية، ولا تكون لازمة في العبادات الآلية التي تكون وسيلة للعبادات المقصودة. ينظر: أصول الفقه للبدخشاني ص224.
وتفصيل الكلام في المسالك الثلاثة المعتبرة كالآتي:
الأول: الإجماع: وهو اتفاق المجتهدين في عصر من الأعصار على كون وصف معيّن علّة للحكم المعيّن، مثاله: الصِّغر في ولايةِ مال الصّغير، فإنّه علّةٌ لها بالإجماع، ثمّ يُقاس عليه ولايةُ النِّكاح.
الثاني: النصُّ: بأن تكون العِلية ثابتة بالنص، وهو قسمان:
أولاً: الصريح: وهو ما دلَّ بوضعه على العِلة، وله مراتب:
المرتبة الأولى: التعليل بلفظ؛ وهي أقواها ما صرَّح فيه بالعليّة بأن يذكر لفظاً لا يستعمل في غير العلة مثل أن يقول: لعلّة كذا، أو لأجل كذا، أو كي يكون كذا، أو إذا يكون كذا، كما في قوله - جل جلاله -: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ} الحشر: 7، يقال: صار الفيء دولة بينهم يتداولونه بأن يكون مرة لهذا، ومرة لذلك، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنّما نهيتكم من أجل الدافّة التي دفَّت عليكم فكلوا، وتصدقوا، وادخروا) (¬1)، فعلّة النهي هنا صريحة، وهي إطعام القافلة.
¬
(¬1) في الموطأ 2: 484، وصحيح البخاري 6: 2503، وصحيح مسلم 3: 1561، وغيرها.
المرتبة الثانية: التعليل بحرف؛ وهي ما ورد فيه حرفٌ ظاهرٌ في التَّعليل، مثل: لكذا، أو بكذا، أو إن كان كذا، وهذه المرتبة دون ما قبلها، فإن هذه الحروف وإن كانت ظاهرة في التَّعليل لكن «اللام» تحتمل العاقبة، و «الباء» تحتمل المصاحبة، و «إن» تحتمل مجرد الشرط والاستصحاب، مثل: قوله - جل جلاله -: {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} الإسراء: 78، وقوله - جل جلاله -: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ} آل عمران: 159، وقوله - جل جلاله -: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا} النساء: 160، وقوله - جل جلاله -: {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} النور: 33، وغيرها من ألفاظ التعليل، فاللام والباء يحتملن التعليل كما يحتملن معنى آخر في هذه الآيات.
المرتبة الثالثة: ذكر الفاء من الشارع؛ لأن الفاء يستفاد منها التعليل وإن كانت مستعملة في غيره، فتدخل الفاء في كلام الشارع: إمّا في الوصف فاستفيد الإشارة إلى العلية، كقوله - صلى الله عليه وسلم - في قتلى أحد: (زملوهم بدمائهم، فإنه ليس كلم يكلم في الله إلا يأتي يوم القيامة يدمى لونه لون الدم، وريحه ريح المسك) (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل خَرَّ من بعيره فوقص فمات: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبه، ولا تخمروا رأسه، فإن الله
¬
(¬1) في المجتبى 4: 78، ومسند أحمد 5: 431، ومسند الشافعي 1: 357، وغيرها.
يبعثه يوم القيامة ملبياً) (¬1)، وإما تدخل الفاء في كلام الشارع في الحكم فاستفيد الإشارة للعلية كما في قوله - جل جلاله -: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} المائدة: 38؛ لأنَّ الأصل في الفاء التعقيب، ودلالتها على العلية استدلالية (¬2).
المرتبة الرابعة: ذكر الفاء في لفظ الرواي؛ بأن تكون الفاء من رواي الحديث في وصف الحادثة لا من كلام الشارع، فتفيد نوع من العلية، كقول عمران بن حصين - رضي الله عنه -: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بهم فسها فسجد سجدتين) (¬3)، وهذه أقل مراتب الصريح؛ لاحتمال الغلط من الراوي.
ثانياً: الإيماء: وهو أن يلزم من مدلول اللفظ العِلة، وله وجوه:
الأولى: أن يقترن وصف بحكم غير مناسب معه إن لم يكن علّة؛ بحيث لو لم يكن هذا الوصف أو نظيره يفيد التعليل لكان الكلام
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 426، وصحيح مسلم 2: 865، وغيرهما.
(¬2) قال صدر الشريعة في التوضيح 2: 138: «والحق أن هذا صريح؛ لأن الفاء في مثل هذه الصورة للتعليل، فصار كاللام فمعناه؛ لأنه يحشر»، وقال التفتازاني في التلويح 2: 138: «وبالجملة كلمة إن مع الفاء أو بدونها قد تورد في أمثلة الصريح، وقد تورد في أمثلة الإيماء ويعتذر عنه بأنه صريح باعتبار إن والفاء وإيماء باعتبار ترتب الحكم على الوصف».
(¬3) في سنن أبي داود 1: 339، وسنن الترمذي 2: 240، وحسنه، المجتبى 3: 26، وصحيح ابن خزيمة 2: 124، وغيرها.
مستبعداً، فيحمل على التعليل مراعاة لتوافق كلام الشارع، بأن يرتب الحكم على الوصف فيفهم لغةً أن الوصف علّة لذلك الحكم، ومتى صدر من الشّارع يجب أن يكون الوصفُ مناسباً للحكم، وإلاّ كان عبثاً، والشارع مُنزَّهٌ عنه.
ومثال: الوصف بالحكم علة قصة الأعرابي، حيث قال: (وقعت على أهلي في رمضان؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: فأعتق رقبة) (¬1)، فإن الوقاع مختلف عن الاعتاق، فذكرهما مع بعضهما يكون غريباً إن لم يكن الوقاع علة للاعتاق، حملاً للكلام على التوافق والمناسبة، فيكون غرض الشارع من ذكر المواقعة بيان حكمها، وذكر الحكم جواباً له ليحصل غرضه؛ لئلا يلزم إخلاء السؤال عن الجواب، فيكون السُّؤال مقدراً في الجواب كأنّه قال: واقعت فكفر. وهذا يفيد أنّ الوقاع علّة للإعتاق إلا أن الفاءَ ليست محقّقة؛ ليكون صريحاً، بل مقدَّرةً فيكون إيماء مع احتمال عدم قصد الجواب كما إذا قال الابن: طلعت الشمس، فيقول الأب: اسقني ماء.
ومثال: نظير الوصف المقترن علّة حديث ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: (جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله إنّ أمِّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمِّك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال:
¬
(¬1) في صحيح البخاري 5: 2053.
نعم، قال: فدين الله أحقّ أن يقضى) (¬1)،فإن الرجل سأل دين الله - جل جلاله -، فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - نظيره وهو دين الآدمي، فنبَّه - صلى الله عليه وسلم - على كونه علَّة للنَّفع، وإلا لزم العبث، ففهم منه أنَّ نظيره في المسؤول عنه، وهو دين الله - جل جلاله - كذلك علّة لمثل ذلك الحكم، وهو النفع.
الثانية: أن يقترن وصف بحكم مناسب معه فيفيد العلية: كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يقضي أحد بين اثنين وهو غضبان) (¬2)، ففيه تنبيهٌ على عليّةِ الغضب؛ لشغله للقلب، ونحو قولك: أكرم العلماء، ففيه تنبيه على أن العلمَ علّةٌ للإكرام؛ لأنه وصف مناسب للإكرام، كما أن الجهل وصف مناسب للإهانة.
الثالثة: أن يفرق بين شيئين في الحكم بصيغة صفة، وله صورتان:
أولهما: أن يذكر حكمان ويأتي بصيغة دالّة على الوصف، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: (للفارس سهمين، وللراجل سهم) (¬3)، فذكر - صلى الله عليه وسلم - حكمان أحدهما إعطاء سهم واحد، والآخر إعطاء سهمين، والصفة التي فرقت بين الشيئين هنا هي صفة الفروسية وضدّها، فيؤمئ أنها علّة للحكم.
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 804، وصحيح البخاري 2: 690، وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1342، وصحيح البخاري6: 2616، وغيرها.
(¬3) في سنن الدارقطني 4: 105، ولفظه في صحيح البخاري 4: 1545، وصحيح مسلم 3: 1383: (للفرس سهمان، وللراجل سهم).
وثانيهما: أن يذكر أحد الحكمين فقط، وله وجوه:
1.أن تذكر صفة توجب الفرق، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: (القاتل لا يرث) (¬1)، فذكر - صلى الله عليه وسلم - حكماً واحداً ولم يذكر الثّاني، وهو أنّ غيرَ القاتل يرث، فتخصيص القاتل بالمنع من الإرث مع سابقة الإرث يُشعر بأن علّة المنع القتل.
2.أن تذكر صفة تدلّ على الغاية، مثل قوله - جل جلاله -: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} البقرة: 222، فيؤمئ أن الطهارة علّة جواز القربان، فقد فرَّق في هذه الآية بين الحائض وغيرها في جواز القُربان وعدمه بالطهارة.
3.أن تذكر صيغة تدلّ على الاستثناء، نحو قوله - جل جلاله -: {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} البقرة: 237، فيومئ أن العفوَ علّةً لسقوطِ المفروض من المهر، فقد فَرَّقَت صيغة الاستثناء بين الزَّوجة التي عفت عن مهرها والتي لم تَعْفُ، ففهمت العلية من العفو.
4.أن تذكر صيغة تدلّ على الشرط، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: (مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم) (¬2)، فيومئ أن اختلاف الجنس يكون علّة لجواز البيع، وفهم هذا من صورة شرط.
¬
(¬1) في سنن الترمذي4: 425، وسنن ابن ماجة 2: 883، وسنن الدارمي 4: 96، والمعجم الأوسط 8: 298، وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 120، وغيره.
والمقصود ههنا بيان وجوه دلالة النص على العلية سواء أمكن بها القياس، أو لم يمكن، لا بيان ما يصحُّ به القياس، وإلا فلا يستقيم بيانها؛ لأنّ العليّة في بعض هذه المواضع غير مسلمة نحو: (واقعت امرأتي)؛ لأنه وإن نسب الحكم إلى المواقعة لكن يمكن أن تكون العلّة شيئاً يشمل علية المواقعة كهتك حرمة الصوم مثلاً.
وبعض تلك العلل لا يمكن بها القياس أصلاً نحو: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} المائدة: 38؛ لأنَّ السرقة إن كانت علّة فكلّما وجدت يثبت الحكم القطعيّ نصّاً لا قياساً
وأيضاً النصّ يدل على ترتب الحكم على تلك القضية في (واقعت امرأتي) ونحوها لا على كونها مناطاً فإنه يمكن أن يكون هتك حرمة الصوم.
وأيضاً الغاية والاستثناء لا يدلان على العلية (¬1).
¬
(¬1) ينظر: التوضيح والتلويح 137 - 139، ومرآة الأصول وحاشية الإزميري 2: 314 - 318، وأصول الفقه لشاكر بك ص327 - 330.
الثالث: المناسبة بشرط الملائمة (¬1):
شبَّه الأصوليون العلة بالشاهد فتعتبر شهادته بصلاحه وعدالته، والصلاح يكون بوجود العقل والبلوغ والحرية والإسلام، والعدالة بأن يكون مجتنباً عن محظورات دينه ليصح منه الأداء، وإلا لا تقبل شهادته.
وكذلك في العلة تكون معتبرة بأن يدلّ على كون هذا الوصف علّة صلاحه وعدالته، بأن يكون صالحاً للحكم بوجود الملاءمة، ومن عدالته بوجود التأثير (¬2).
وعليه فيكون الكلام في المناسبة بشرط الملائمة من وجهين:
أولاً: صلاح الوصف:
والمرادُ بصلاح الوصف ملائمته بأن يشتمل على وصفين:
1.المناسبة: هي مناسبته للحكم بأن يصحّ إضافة الحكم إليه، ولا يكون نابياً عنه: كإضافةِ ثبوتِ الفُرقة في إسلامِ أحد الزوجين إلى إباء الآخر عن الإسلام؛ لأنه يُناسبُه لا إلى وصفِ الإسلام؛ لأنه ناب عنه؛
¬
(¬1) أي ملائمة العلل للعلل المنقولة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعن السلف؛ لأن كون الوصف مناطاً أمر شرعي فلا بُدّ أن يكون الوصف والحكم الذي نعتبره من جنس ما اعتبروه من الوصف والحكم. ينظر: مرآة الأصول 2: 322.
(¬2) ينظر: كشف الأسرار للنسفي 2: 145، كشف الأسرار للبخاري 3: 382، وشرح ابن ملك 2: 890.
لأنّ الإسلامَ عُرِفَ عاصماً للحقوق لا قاطعاً لها، وكذا المحظور يصلح سبباً للعقوبة، والمباح سبباً للعبادة، ولا يجوز عكسه لعدم الملائمة.
2.الموافقةُ: بأن يكون الوصفُ على موافقةِ العلِّل المنقولةِ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن السَّلفِ من الصَّحابةِ والتَّابعين - رضي الله عنهم -، فإنّهم كانوا يُعلِّلون بأوصافٍ ملائمةٍ للأحكام غير نابية عنها، فما كان موافقاً لها يصلح أن يكون علّة وما لا فلا (¬1).
ومثاله: التَّعليلُ بالصِّغر في ولايةِ النّكاح لما يتصل به من العجز، فإنّه مؤثرٌ في إثبات الولاية في مال الصّغير؛ لأنّ الصبا مظنة العجز، وهذا التأثير كتأثير الطواف لما يتصل به من الضرورة؛ إذ التعليل بالصغر موافق للعلل المنقولة؛ لأنه مثل الطواف الذي علل به النبي - صلى الله عليه وسلم - سقوط النجاسة عن الهرة في قوله: (إنها ليست بنجس، إنّما هي من الطوافين عليكم والطوافات) (¬2)، فالطواف منشأ للضرورة، وهي تعذر صون الأواني عن الهرة، والضَّرورة مؤثِّرة في إسقاط النجاسة.
وكذا الصغر منشأ للعجز، والعجز مؤثر في إثبات الولاية، فكان التعليل بالصغر موافقاً لتعليل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬3)؛ لأن العلة في إحدى
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 3: 382.
(¬2) في موطأ مالك 1: 22، وسنن أبي داود 1: 67، وسنن الترمذي 1: 153، وغيرها.
(¬3) ينظر: شرح ابن ملك 2: 793، وخلاصة الأفكار ص61، وغيرها.
الصورتين: العجز، وفي الأخرى: الطواف، فالعلّتان وإن اختلفتا لكنهما مندرجتان تحت جنس واحد، وهو الضرورة، والحكم في إحدى الصورتين الولاية، وفي الأُخرى الطّهارة، وهما مُختلفان لكنّهما مندرجان تحت جنس واحد، وهو الحكمُ الذي يندفع به الضرورة، فالحاصلُ أنّ الشرعَ اعتبر الضرورة في إثباتِ حكم يندفع به الضرورة أَي اعتبر الضرورة في حَقّ الرُّخص (¬1).
ثانياً: عدالة الوصف:
وهي تثبت بالتّأثير، والوصفُ المؤثّر: ما جُعِلَ له أَثرٌ في الشَّرع، بأن يكون لجنس ذلك الوصف تأثيرٌ في إثباتِ جنس ذلك الحكم في مورد الشرع، فيدلّ عليه بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع: أي يثبت أثر هذا الوصف بهذه الحجج، وذكرَ بعضُ الأصوليين أنّ أَعلى أنواع القياس
¬
(¬1) ينظر: التوضيح 2: 139، وحاشية عزمي زاده 2: 793، وفتح الغفار 2: 22، وتعقب هذا الكلام بأنه يجب في الملائم أن يكون جنس الوصف أخص من مطلق الضرورة، بل من ضرورة حفظ النفس ونحوه أيضاً، فالأولى أن يقال: الحاجة ماسة إلى تطهير الأعضاء عن النجاسة بالماء، وإلى تطهير العرض عن النسبة إلى الفاحشة بالنكاح، ونجاسة سؤر الطوافين مانع يتعذر الاحتراز عنه من تطهير العضو كالصغر عن تطهير العرض، فالوصف الشامل للصورتين دفع الحرج المانع عن التطهير المحتاج إليه، والحكم الذي هو جنس الطهارة والولاية هو الحكم الذي يندفع به الحرج المذكور. ينظر: التلويح 2: 139.
المؤثر، وهو باعتبار النظر إلى عين العلّة وجنسها، وعين الحكم وجنسه أَربعة أَقسام:
1. أن يظهرَ تأثيرُ عين الوصف في عين ذلك الحكم؛ إذ لا يبقى بين الفرع والأصل مباينة إلا تعدد المحلّ
ومن أمثلته:
تأثير عين الكيل وهو علّة في ثبوت حكم الربا في التمر، فالجصُّ ملحقٌ به بلا شبهة؛ إذ لا يبقى إلا اختلاف عدد الأشخاص التي هي مجاري المعنى، ويكون ذلك كظهور أثر الوقاع في إيجاب الكفارة على الأعرابي؛ إذ يكون التركي والهندي في معناه.
وتأثير عين الطواف وهو علّة في ثبوت عين حكم طهارة سؤر الهرة، فسواكنُ البيوت ملحقةٌ بها من الفأرةِ والحيةِ وغيرهما لوجود علّة الطواف فيها.
وتأثير عين الصغر وهو علّةُ ثبوت عين حكم الولاية على البكر الصغير، ومثلها الثيب الصغيرة والصغير؛ لأنَّ الصغر علّة للحكم بعينه.
2. أن يظهر تأثير عين الوصف في جنس ذلك الحكم: والمراد من الجنس المجانس، والمجانسان هما المتحدان من حيث الجنس، فمثلاً حرج الاستئذان ليس بمقول على حرج النجاسة وغيره من الأنواع حتى لا
يكون جنساً لهما، لكنهما يتحدان في مطلق الحرج، فأمكن أن يعتبرا متجانسين.
ومن أمثلته:
تأثير عين وصف الأخوة لأب وأم وهو علة في التقديم في الميراث، في جنس حكم التقديم في الميراث وهو التقديم في ولاية الإنكاح، فيقاس عليه؛ لأن الولاية ليست هي عين الميراث لكن بينهما مجانسة في الحقيقة.
وتأثير عين وصف الطواف في سواكن البيوت من الهرة والفأرة والحية وهو علة في سقوط حرج حكم النجاسة في جنس هذا الحرج، وهو سقوط حرج الاستئذان فيما ملكت أيماننا؛ قال - جل جلاله -: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} النور: 58؛ لأنَّ حرج الاستئذان من جنس حرج النجاسة لا عينه.
وتأثير عين وصف الصغر وهو علّة في ثبوت حكم ولاية النكاح للولي، في جنس حكم النكاح، وهي الولاية مطلقاً، فيثبت حكم ولاية المال للولي.
3. أن يؤثر جنس الوصف في عين ذلك الحكم: وهو الذي خصّوه بالملائم، وخصّوا اسم المؤثر بما ظهر تأثير عينه.
ومن أمثلته:
ملائمة جنس وصف لزوم الحرج والمشقة بعارض سماوي لعين حكم سقوط قضاء الصلاة الكثيرة، وهذا الجنس للوصف استفيد من وصف عين وصف الجنون والحيض يؤثر في عين حكم سقوط قضاء الصلاة الفائتة الكثيرة، فيندرج في هذا الجنس الإغماء لمجانسته إيّاها فتسقط الصّلاة به: أي رغم أنه لم يرد اعتبار الشارع علة للسقوط، لكنه اعتبر ما هو جنسه، فيقاس الإغماء على الجنون والحيض، ويعتبر علة لإسقاط قضاء الصلاة الفائتة عن المغمى عليه (¬1).
وملائمة جنس الوصف المضمضة وهو عدمُ دخول شيءٍ للجوف إلى عينٍ حكم عدمِ فسادِ الصَّوم، فإنَّ الوصف الذي هو المضمضة اعتبر في عين الحكم الذي هو عدم الإفساد، بل اعتبر جنسه وهو عدم دخول شيء إلى الجوف في غير ذلك الحكم.
وملائمة جنس وصف الحيض وهو الخارج من السبيلين إلى عين حكم حرمة الصلاة لا في جنس الحكم وهو حرمة القراءة مطلقاً، فتجوز القراءة بدون تلفظ (¬2).
¬
(¬1) وتقييد الجنس بالقريب هنا مطابق للمثال، فإن عذر الإغماء وعذر الجنون والحيض متجانسان في العوارض السماوية فيكون تجانسهما أقرب من تجانس الإغماء والسفر مثلاً لكونه من العوارض الكسبية، فأما إن وجد مثالٌ آخر لم يكن كذلك، فالأولى الإطلاق. ينظر: حاشية الرهاوي 2: 791.
(¬2) ينظر: التقرير والتحبير3: 152.
4. ما ظهر أثر جنس الوصف في جنس ذلك الحكم:
ومن أمثلته:
ملائمة جنس وصف الحرج والمشقة لجنس حكم التخفيف في الأحكام، وهذا الجنس للوصف مستفاد من عين وصف الحيض والسفر والمرض، وجنس الحكم مستفاد عين حكم سقوط القضاء بالحيض، وإباحة الفطر وقصر الصلاة وغيرها بالسفر، وإباحة الفطر والصلاة قاعداً ومؤمئاً وغيرها بالمرض، فكأن الشارع اعتبر كلّ جنس من أجناس مظانّ الحرج علّة لكلّ جنس من أجناس الأحكام التي فيها تخفيف.
ولا ريب في أن قضاء أوقات الصلوات الفائتة للحائض من أجناس مَظانّ الحرج، وسقوط قضائها عن الحائض من أجناس الأحكام التي فيها تخفيف، فيكون جنس الوصف قد اعتبر علّة لجنس الحكم لا لعينه؛ لأن عين الحكم في المقيس عليه هي الإفطار في رمضان، وقصر الصلاة في السفر، وقد أُبيحا لعلّة مَظِنّة الحرج، بقصد دفعه، والتخفيف عن المريض والمسافر، وتكليف الحائض بقضاء الصلوات التي فاتتها
أثناء الحيض فيه حرج ومشقة، وهو من جنس الحرج الذي يَلحق المسافر والمريض، ولذلك أسقط عنها للتخفيف، ودفع الحرج والمشقة (¬1).
ومن ملائمة جنس الوصف لجنس الحكم تستفاد القواعد الفقهية، فمثلاً عرفنا من التطبيق السابق كيف خرجت قاعدة المشقة تجلب التيسير، بالنظر لعلل عديدة متجانسة وأحكامها، بحيث نحتكم لها في غيرها، وعليه فقس.
وملائمة جنس وصف الضرورة لجنس حكم إباحة المحظورات، وهذا الجنس للوصف مستفاد عين وصف الطواف لسواكن البيوت والمضطر للأكل وغيرها، وجنس الحكم مستفاد من طهارة النجاسة للطواف وإباحة أكل الميتة للمضطر وغيرها، وظهر أثره في مخالطة نجاسة يشقّ الاحترازُ عنها في طهارة آبار الفلوات للضرورة، ومن هذا نتجت قاعدة الضرورات تبيح المحظورات.
وملائمة جنس وصف إيقاع العداوة والبغضاء لجنس حكم الحرمة والزاجر، وهذا الجنس للوصف مستفاد من السكر والقذف وغيره، وجنس الحكم مستفاد الحرمة والزجر للسكر والقذف؛ لأنّ
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 3: 383، ونور الأنوار وقمر الأقمار 2: 144، فتح الغفار 3: 21، وشرح ابن ملك 2:790 - 791، وأصول الفقه الإسلامي لشاكر بك ص333، وغيرها.
السَّكر لَمّا كان مظنة للقذف صار المعنى المشترك بينهما، وهو إيقاع العداوة والبغضاء مؤثراً في وجوب الزاجر.
وملائمة جنس وصف الأذى لجنس حكم حرمة الجماع مطلقاً، وهذا الجنس للوصف مستفاد من عين وصف الحيض والنفاس وغيرها، وجنس الحكم مستفاد حرمة القربان للحيض والنفاس، فتدخل حرمة اللواط.
وملائمة جنس وصف العجز لثبوت الولاية مطلقاً، وهذا الوصف مستفاد من عين وصف الجنون المطبق والصغير وغيره، وجنس الحكم مستفاد من عين حكم ولاية النكاح وولاية المال (¬1).
المطلب الثالث: الفرق بين العلة والحكمة:
سبق بيان أنَّ العلةَ هي الوصف الصالح المؤثر في ثبوت الحكم في الأصل متى وجد مثله في الفرع.
أما الحكمة فهي الفائدة التي يتوقع حصولها من العمل بالحكم: أي الباعث على تشريع الحكم من المصلحة التي قصدها الشارع، وقد تكون تلك المصلحة جلب منفعة على العباد، وقد تكون دفع مفسدة عنهم، أو
¬
(¬1) ينظر: التقرير والتحبير3: 152.
تقليل المفسدة، وتكميل المنفعة.
وهذا مثل حرمة شرب الخمر، فإن حرمة الشرب حكم وكون المشروب خمراً علّة، وصيانة الإنسان عما يذهب عقله حكمة، فيدور حكم الحرمة على علّته: يعني كون المشروب خمراً فمهما وجدت الخمر ثبت حكم الحرمة، ولا يدور مع الحكمة، فلو وجد رجل لا يذهب عقله بشرب الخمر لا ينتفي حكم الحرمة في حقه؛ لأن العلّة وهي كون المشروب خمراً باقية.
وكذلك حكم قصر الصلاة علّته السفر وحكمته الاحتراز عن المشقّة، فيدور الحكم على علّته، وهو السفر دون حكمته، وهي المشقة فلو وجد مسافر لم تحصل له أية مشقة كما في عصرنا في سفر الطائرات والسيارات السريعة لا ينتفي حكم القصر؛ لأن العلّة باقية، وهي السفر، وبالعكس لو حصلت لرجل مشقّة شديدة في بلده أو وطنه الأصلي لا يجوز له أن يقصر الصلاة؛ لأن العلّة منتفية وهي السفر.
فتبيّن بما ذكرنا أنَّ الحكم لا يتغير بتغير الحكمة، وإنمَّا يتغيَّر بتغير العلّة، ومثال ذلك: ما ذكره الفقهاء من أن بيع الماء لسقي المزارع ممنوع، ولكن علّة هذا المنع عدم ضبط مقدار الماء، واليوم قد وجدت عدادات يمكن ضبط مقدار الماء بها فحيث وجدت هذه العدادات انتفت علة المنع، فجاز بيع الماء (¬1).
¬
(¬1) ينظر: أصول الإفتاء ص52، وأصول الفقه للمبتدئين ص217، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي ص279 - 280، وغيرها.
الخاتمة:
وفي ختام هذا البحث نخلص إلى هذه النتائج، ويمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
أولاً: إنَّ القياس أصلٌ عظيم الشأن جليل القدر، وهو مصدر معتبر من مصادر التشريع الإسلامي، فهو الدليل الرابع من أدلة أصول الفقه.
ثانياً: إنَّ تعريف القياس لغةً: هو تقدير الشيء على مثاله، واصطلاحاً: عُرِّف بتعاريف عديدة منها: تقديرُ الفرع بالأصل في الحكم والعلة.
ثالثاً: إنَّه يشترط لصحة القياس خمسة شروط، وهي: أن لا يكون الأصل مخصوصاً، وأن لا يكون حكم الأصل معدولاً به عن القياس، وأن يتعدّى الحكم الشرعي الثابت بالنصّ بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نصّ فيه، وأن يبقى الحكم في الأصل بعد التعليل على ما كان قبله، وأن لا يكون التعليل متضمناً إبطال شيء من ألفاظ المنصوص.
رابعاً: إنَّ أركان القياس أربعة، وهي: الأصل المقيس عليه، والفرع المقيس، وحكم الأصل، والعلّة.
خامساً: إنَّ العلة عرفت بعدة تعاريف تتفاوت بحسب النظرة إليها، منها: ما جعل علماً على حكم النصّ مما اشتمل عليه النصّ، وجعل الفرع نظيراً له في حكمه بوجوده فيه.
سادساً: إنَّ مسالك العلة: هي الطرق الدالة على كون الوصف المعين علة للحكم.
سابعاً: إنَّ للعلة مسالك صحيحة، ومسالك يتوهّم صحّتها، والمسالك الصحيحة ثلاثة: النص، والإجماع، والمناسبة، وما عداها من المسالك: كالسبر، والتقسيم، وتنقيح المناط، والدوران والشبه، مما يتوهم صحتها.
ثامناً: إنَّ الحكمة تختلف عن العلة، فهي الفائدة التي يتوقع حصولها من العمل بالحكم، فالحكم يدور مع العلة فمهما وجدت ثبت الحكم، ولا يدور مع الحكمة، فالحكم لا يتغير بتغير الحكمة، وإنَّما يتغيَّر بتغير العلّة.
* * *
المراجع:
1. أصول الإفتاء: لمحمد تقي الدين العثماني، مصورة عن نسخة بخط اليد من الهند.
2. أصول السرخسي: لمحمد بن أحمد السرخسي (ت 590هـ)، تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، دار المعرفة، بيروت. 1342هـ.
3. أصول الفقه للمبتدئين لمحمد أنور بدخشاني، مكتبة الإيمان، كراتشي، ط1، 1420.
4. أنوار الحلك على شرح المنار لابن ملك: لمحمد بن إبراهيم ابن الحلبي (ت971هـ)، مطبعة عثمانية، در سعادت، 1315هـ.
5. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت743هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط1، 1313هـ.
6. تسهيل أصول الشاشي، لمحمد أنور البدخشاني، بيت العلم، كراتشي، ط6، 1422م.
7. التقرير والتحبير شرح التحرير: لأبي عبد الله، محمد بن محمد الحَلَبِيّ الحنفي شمس الدين المعروف بـ (ابن أمير الحاج) (825 - 879هـ)، دار الفكر، بيروت، ط1، 1996مـ.
8. التلويح في حل غوامض التنقيح: لمسعود بن عمر بن عبد الله التَّفْتَازَانِيّ سعد الدِّين (712 - 793هـ)، المطبعة الخيرية، مصر، ط1، 1324هـ، وأيضاً: مطبعة صبيح بمصر.
9. التلويح في حل غوامض التنقيح: لمسعود بن عمر بن عبد الله التَّفْتَازَانِيّ سعد الدِّين (712 - 793هـ)، المطبعة الخيرية، مصر، ط1، 1324هـ، وأيضاً: مطبعة صبيح بمصر.
10. التوضيح شرح التنقيح: لعبيد الله بن مسعود المحبوبي صدر الشريعة (ت747هـ)، دار الكتب العربية الكبرى، 1327هـ، وأيضاً: المطبعة الخيرية، مصر، ط1، 1324هـ.
11. جامع الترمذي: لمحمد بن عيسى (279هـ)، ت: أحمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
12. حاشية الرهاوي على شرح المنار: ليحيى الرهاوي، مطبعة عثمانية، در سعادت، 1315هـ.
13. حاشية عزمي زاده على شرح المنار: لمصطفى بن بير علي عزمي زاده (ت1040هـ)، مطبعة عثمانية، در سعادت، 1315هـ.
14. حاشية مرآة الأصول: للإزميري، المطبعة العامرة، شركة الصحافية العثمانية، 1393هـ.
15. حياة الحيوان الكبرى: لمحمد بن عيسى الدَّميريّ المصري الشَّافعيّ (ت808هـ)، المكتبة الإسلامية.
16. الدراية في تخريج أحاديث الهداية: لأبي الفضل أحمد بن علي ابن حَجَر العَسْقَلاني (773 - 852هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
17. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
18. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
19. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، ت: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
20. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
21. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385هـ)، ت: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ.
22. سنن الدارمي: لعبد الله بن عبد الرحمن أبي محمد الدارمي (ت255هـ)، ت: فواز أحمد وخالد العلمي، ط1، 1407هـ، دار التراث العربي، بيروت.
23. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، ت: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
24. الصحاح: لإسماعيل بن حماد الجَوْهَريّ (ت393هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور، دار العلم للملايين، ط1، 1979.
25. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
26. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، ت: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
27. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
28. عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات: لزكريا بن محمد بن محمود القزويني، المكتبة الإسلامية.
29. فتح العناية بشرح النقاية: لأبي الحسن علي بن سلطان محمد القاري الهروي (930 - 114هـ)، ت: محمد نزار وهيثم نزار، دار الأرقم، ط1، 1418هـ.
30. فتح الغفار بشرح المنار: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط1، 1355هـ.
31. فصول الحواشي لأصول الشاشي، المطبع المجتبائي. دهلي. 1345هـ.
32. الفقيه والمتفقه: لأحمد بن علي الخطيب (ت463هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1395هـ.
33. قمر الأقمار على كشف الأسرار على المنار: محمَّد عبد الحليم اللَّكْنَوِيّ (ت1285هـ)، المطبعة الأميرية ببولاق، 1316هـ.
34. كشف الأسرار شرح أصول البَزْدَوي: لعبد العزيز بن أحمد البخاري الحنفي علاء الدين (ا730هـ)، طبعة اسطنبول، 1308هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب الإسلامي.
35. كشف الأسرار شرح المنار: لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، مصر، ط1، 1316هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1986م.
36. لسان العرب: لأبي الفضل محمد بن مكرم الإفريقي المصري المشهور بـ (ابن منظور) (ت711هـ)، ت: عبْد الله الكبير ومحمد حسب الله وهاشم الشاذلي، دار المعارف.
37. مباحث العلة في القياس عند الأصوليين للدكتور عبد الحكيم السعدي، دار البشائر الإسلامية، ط1، 1986م.
38. المجتبى من السنن: لأبي عبد الله أحمد بن شعيب النسائي (215 - 303)، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406هـ.
39. محاضرات في أصول الفقه: لفاضل شاكر، طبع مكتب بابل، الباب المعظم، بغداد.
40. مختار الصحاح: لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (ت666)، ت: حمزة فتح الله، مؤسسة الرسالة، 1417هـ.
41. المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي: للدكتور صلاح محمد أبو الحاج، دار الجنان، عمان، ط1، 2004م.
42. مرآة الأصول في شرح مرقاة الوصول: لمحمد بن فرامُوز بن علي ملا خسرو (ت885هـ)، مطبعة الحاج محرم أفندي البوسنوي، 1291هـ.
43. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، ت: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
44. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
45. مسند إسحاق بن راهويه: لإسحاق بن إبراهيم الحنظلي (ت238هـ)، ت: عبد الغفور عبد الحق، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، ط1، 1995م.
46. مسند الربيع: للربيع بن حبيب بن عمر الأزدي، ت: محمد بن إدريس، وعاشور بن يوسف، دار الحكمة، مكتبة الإستقامة، بيروت وعُمان، ط1، 1415هـ.
47. مسند الشافعي: لمحمد بن إدريس الشافعي (150 - 204هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
48. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: لأحمد بن علي الفيومي (ت770هـ)، المطبعة الأميرية، ط2، 1909م.
49. المعجم الأوسط: للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260 - 360هـ)، ت: طارق بن عوض الله، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.
50. المغرب في ترتيب المعرب: لناصر بن عبد السيد المُطَرِّزِىّ (616هـ)، دار الكتاب العربي.
51. المنار في أصول الفقه: لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، در سعادت، 1326هـ.
52. موطأ مالك: لمالك بن أنس الأصبحي (93 - 179هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.
53. ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه: لمحمد بن أحمد السمرقندي (ت539هـ)، ت: الدكتور عبد الملك السعدي، طباعة وزارة الأوقاف العراقية، ط1، 1407هـ.
54. نور الأنوار شرح المنار: لأحمد بن أبي سعيد الصديقي الميهوي الحنفي المعروف بـ (ملا جيون) (ت1130هـ)، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، 1316هـ.
* * *