الجزء 1 · صفحة 1
العقائد الدرية
شرح
متن السنوسية
تأليف
الأستاذ الكامل الشيخ محمد الهاشمي
أحد علماء الأزهر الشريف
حسب ما قرر لطلاب المعاهد الدينية الإسلامية
الطبعة الثالثة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين؛ والصلاة والسلام على سيد المرسلين؛ وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم إلى يوم الدين.
وبعد: فهذا كتاب أبنت فيه متن السنوسية راجياً قبوله عند الله وعند إخواني أهل العلم عسى أن أبلغ بذلك الآمال إنه سميع مجيب.
المخلص
محمد الهاشمي
المبادئ
التوحيد معناه في اللغة: العلم بأن الشيء واحد، وفي الاصطلاح: علم يبحث في عن إثبات العقائد الدينية بالأدلة اليقينية.
موضوعه: المعلومات التي يحمل عليها ما تصير به عقيدة دينية أو مبدأ لذلك، كقولنا: الله تعالى قديم، والجسم مركب من الجواهر الفردة.
وثمرته: الفوز بالسعادة الأبدية، إذ به يصير الإيمان بالأحكام الشرعية ثابتاً محكماً.
ونسبته: إلى غيره من العلوم أنه أفضلها بلا خلاف لكونه متعلقاً بذات الله وذات رسله عليهم السلام.
وواضعه: أبو الحسن الأشعري ومن تبعه، و أبو منصور الماتريدي ومن تبعه.
واسمه علم التوحيد، وعلم الكلام، والفقه الأكبر وعلم أصول الدين.
واستمداده: من الأدلة النقلية والعقلية.
وحكم الشرع فيه: معرفته فرض عين على كل مكلف ولو بأدلة إجمالية كأن يعرف وجوده تعالى بكونه خالقاً للعالم، وأما الأدلة التفصيلية التي يقدر بها على دفع الشبه ففرض كفاية، إذ قام بها بعض الأمة سقط الطلب عن الباقين.
ومسائله: قضاياه الباحثة عن ثلاثة أشياء: إلهيات: وهي ما تتعلق بالإله واجب وجائز ومستحيل. ونبوّات وهي ما تتعلق بالأنبياء مما يجب لهم، وما يستحيل وما يجوز. وسمعيات وهي ما دلّ عليها النقل فقط ولا مدخل للعقل فيها كالحشر والنشر و الجنة إلى آخره.
قال المصنف وهو أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف السنوسي الحسنى، رحمة الله تعالى عليه:
الحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله
الجزء 1 · صفحة 2
اعلم أن (الحمد) عند اللغويين هو الثناء بالكلام على الجميل الاختياري من الأوصاف والأفعال، وأما في العرف فهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً، وللحمد أركان وأقسام، فأركانه خمسة: حامد، ومحمود، ومحمود عليه، ومحمود به، و صيغه مثلاً: أنت حمدت محمداً لكونه أكرمك، فقت: محمد عالم، فأنت حامد، ومحمد محمود، و الإكرام محمود عليه، و ثبوت العلم لمحمد محمود به. وقولك: محمد عالم صيغة. وأما أقسامه فأربعة: حمدان قديمان، وهما حمد الله نفسه، كقوله {الحمد لله رب العالمين} وحمده بعض عبيده، كقوله تعالى {نعم العبد إنه أوّاب}، وحمدان حادثان، وهما حمدنا لبعضنا، وحمدنا لله تعالى.
وأما الشكر لغة فهو الثناء باللسان أو بغيره على المنعم بسبب ما أوصل إلى الشاكر من النعم. وأما عرفاً فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه، وهو: اليد، واللسان، والسمع، والبصر وغيرها فيما خلق لأجله وهو العبادة و (الله) علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد (والصلاة) من الله على نبيه زيادة تكرمة له وإنعام (والسلام) زيادة تأمين، و تحية طيبة و تعظيم له و (رسول الله) المراد به هنا هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
مقدمة
اعلم أن الحكم العقلي ينحصر في ثلاثة أقسام، الوجوب، والاستحالة، والجواز
الجزء 1 · صفحة 3
اعلم أن الحكم في ذاته هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنخ كإثبات الوجود لمحمد في قولك: محمد موجود، أو نفي الوجود عنه في قولك: محمد ليس بموجود، والحاكم بمتعلق هذا الإثبات، إما الشرع أو العادة أو العقل، فلها انقسم الحكم إلى ثلاثة أقسام: حكم شرعي، وحكم عادي، وحكم عقلي. فالحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل العبد بالطلب أو الإباحة أو الوضع لهما، كطلب الصوم، وطلب صلاة كرعتي الضحى، وطلب ترك الزنا، وطلب ترك قراءة القرآن في الركوع، والتخيير بين البيع وعدمه. والوضع لهما: أي المطلب، والإباحة عبارة عن نصب الشارع سبباً أو شرطاً أو مانعاً لما ذكرنا. والحكم العادي هو إثبات الربط بين أمرين وجوداً وعدماً مع صحة التخلف كإثبات الربط بين الشبع والأكل في قولك: الأكل مشبع مع صحة تخلف الشبع عن الأكل فقد تأكل ولا تشبع. والحكم العقلي هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه من غير توقف على تكرار ولا وضع واضع، وهذا هو الذي حصره المصنف في الوجود والاستحالة والجواز بمعنى أنه لا يخرج عنها، فكل ما حكم به العقل من إثبات أو نفي يرجع إليها.
فالواجب ما لا يتصور في العقل عدمه، و المستحيل ما لا يتصور في العقل وجوده، والجائز ما يصح في العقل وجوده وعدمه
الجزء 1 · صفحة 4
المعنى – (الواجب) هو الأمر الذي لا يدرك في العقل عدمه. وينقسم قسمين: واجب ضروري، وواجب نظري. فالواجب الضروري هو الذي لا يحتاج العقل في إدراكه إلى فكر وتأمّل كأخذ الجسم مقداراً من الفراغ. والواجب النظري هو الذي يحتاج العقل في إدراكه إل فكر و تأمل كثبوت القدرة لله تعالى. وحكمه عدم طروّ العدم عليه أصلاً (والمستحيل) هو الأمر الذي لا يدرك في العقل وجوده. وينقسم أيضاً إلى قسمين: مستحيل ضروري وهو الذي لا يحتاج العقل في إدراكه إلى فكر وتأمّل، كخلق الجسم عن الحركة والسكون معاً، و مستحيل نظري وهو الذي يحتاج العقل في إدراكه إلى الفكر وتأمّل كثبوت الشريك لله تعالى، وحكمه عدم طروّ الوجود عليه أصلاً (والجائز) هو الممكن، وهو الأمر الذي يصحّ عند العقل وجوده بدلاً عن عدمه. وينقسم أيضاً إلى قسمين: جائز ضروري، وهو الذي لا يحتاج العقل في إدراكه إلى فكر وتأمّل كاتصاف الجسم بخصوص الحركة مثلاً أو السكون. وجائز نظري وهو الذي يحتاج العقل في إدراكه إلى فكر وتأمّل كتعذيب الشخص الذي أطاع ربه وإثابة الذي عصاه. وحكمه أن الوجود و العدم مستويان في حقه، فلا بدّ من سبب يرجح أحدهما على الآخر.
وإذ قد عرفت تعريف الواجب والجائز والمستحيل تعلم أيضاً تعريف الوجوب والجواز والاستحالة. فالوجوب هو عدم قبول الانتفاء. والجواز قبولهما على البدل. والاستحالة عدم قبول الثبوت.
ويجب على كل مكلف شرعاً أن يعرف ما يجب في حق مولانا عز وجل وما يستحيل وما يجوز، وكذا يجب عليه أن يعرف مثل ذلك في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام
الجزء 1 · صفحة 5
المعنى- يفرض ويحتم من جهة الشرع على كل فرد من أفراد المكلفين وهم البالغين العقلاء سليمو الحواس المطلوب منهم ما فيه كلفة ومشقة، الذين فيهم أهلية النظر، وقد بلغتهم دعوة الرسول الذي أرسل إليهم (أن يعرف) أي يجزم جزماً موافقاً للواقع عن دليل بجميع ما يثبت لذات الباري سبحانه وتعالى من الصفات الكمالية، وما يستحيل عليه النقائص، وما يجوز أن يثبت لذاته تعالى، لكن المولى سبحانه وتعالى رأفة منه ورحمة لم يكلفنا باعتقاد جميع ذلك لأنها لا تحصى، بل كلما نصت الأدلة النقلية أو العقلية على اعتقاد شيء بخصوصه كالصفات العشرين الآتية كلفنا باعتقادها مفصلة وما لم تنص الأدلة على اعتقاده بخصوصه، بل نصت على اتصافه بكمالات من غير تعيين، لم يكلفنا باعتقادها مفصلة، بل نعرفها كما هي من غير تعيين. فيجب علينا اعتقاد أنه تعالى متصف بكمالات لا نهاية لها وإن لم نعرف خصوص كلّ واد منها، وكلما نصت الأدلة على تنزهه عن صفات بخصوصية كالعشرين صفة أضداد العشرين الأولى كلفنا باعتقاد تنزهه عنها مفصلة. وكلما نصت الأدلة على تنزهه عنها من غير تعيين كلفنا باعتقادها كذلك. فيجب اعتقاد أن هناك نقائص لا نهاية لها يجب تنزه الباري عنها.
ومثل ما تقدم جميعه يقال في حق الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيجب اعتقاد ما نصت عليه الأدلة تفصيلاً أو إجمالاً بالنسبة لما يجب لذاتهم، وما يستحيل من النقائص عليهم وما يجوز في حقهم، وسيأتي الكلام على ذلك.
ومما تقدم من تعريف المكلفين بأنهم هم البالغون العقلاء سليمو الحواس المطلوب منهم ما فيه كلفة الذين فيهم أهلية النظر وقد بلغتهم دعوة رسولهم تعلم أن أهل الفترة ناجون من عذاب النار، وأهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة النبيّ السابق ولم يرسل إليهم النبيّ اللاحق كالذين بين موسى وعيسى من بني إسرائيل أو بين إسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام من العرب.
الجزء 1 · صفحة 6
وبما تقدم أيضاً من بيان المعرفة بأنها الجزم الموافق للواقع عن دليل اختلف في إيمان المقلد في عقائد التوحيد على أقوال كثيرة: أصحها أنه مؤمن عاص إن كان فيه أهلية النظر ولم ينظر، ومؤمن غير عاص إن لم يكن فيه أهلية النظر. والمقلد هو الآخذ بقول الغير الجازم به جزماً موافقاً للواقع من غير دليل. والدليل المطلوب من المكلف هو الدليل الإجمالي وهو المقدور على تقريره وحل شبهه، وهو فرض عين على كل مكلف. وأما الدليل التفصيلي. وهو المقدور على تقريره وحل شبهه ففرض كفاية يجب في كلّ مسافة قصر عالم بذلك، والله أعلم.
أسئلة على ما تقدم
عرّف الحكم واذكر أقسامه؟ بين الفرق بين الحكم العادي والعقلي ومثل لذلك؟ ما هو الحكم العقلي وما أقسامه؟ عرف الواجب وبين أقسامه مع التمثيل لما تذكر؟ اذكر حكم الواجب؟ ما هو المستحيل وما أقسامه؟ بين حكم المستحيل مع التمثيل؟ اذكر الفرق بين الواجب والوجوب وكذا المستحيل مع الاستحالة؟
عرف أهل الفترة؟ واذكر حكمهم؟ عرف المقلد واذكر حكم إيمانه؟ بين الدليل المطلوب من المكلف واذكر حكمه؟
فما يجب لمولانا جلَّ وعزَّ عشرون صفة: وهي الوجود
المعنى- الصفات الكمالية الثابتة لله تعالى التي يجب اعتقادها تفصيلاً بالدليل الذي دل عليها بخصوصها عشرون، وقد تفضل علينا المولى سبحانه وتعالى بإسقاط التكليف بالباقي الذي لم ينصب لنا عليه دليلاً رأفة منه ورحمة، لأن صفاته الكمالية لا نهاية لها كما علمت سابقاً.
الجزء 1 · صفحة 7
واعلم أن هذه الصفات العشرين وهي: الوجود، والقدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس، والوحدانية، والقدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، وكونه قادراً، ومريداً، وعالماً، وحياً، وسميعاً، وبصيراً، ومتكلماً. تنقسم إلى أربعة أقسام: نفسية، وسلبية، ومعان، ومعنوية. فالصفة النفسية هي ما يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها وهي الوجود. والصفات السلبية هي ما يكون مدلولها عدماً كما سيأتي لا أنها مسلوبة عن الله تعالى وهي الخمسة التي بعد الوجود، وصفات المعاني هي كل صفة موجودة قائمة بموجود توجب له حكماً، وهي السبعة التي بعد الخمسة. والصفات المعنوية هي الحال الواجبة للذات ما دامت الذات معللة بعلة.
واعلم أن كون الصفات عشرين بناءاً على القول بثبوت الأحوال، وهي الواسطة بين الموجودات الخارجية والمعدومات، وبعضهم قال بأنها ثلاث عشرة صفة بناءاً على عدم ثبوت الأحوال، وأن كونه تعالى قادراً ومريداً إلى آخر الصفات السبعة المعنوية أمور اعتبارية، وهي ما لها ثبوت في الذهن منتزعة من الموجود خارجاً، فكونه قادراً مثلاً عبارة عن قيام القدرة بالذات فقط لا أمر زائد عليها، وهكذا بقية المعنوية، وهذا هو الحقّ من أنه لا حال وأن الحال محال، فتكون الأشياء ثلاثة: موجودات، ومعدومات، وأمور اعتبارية بخلافها على القول الأول فإنها أربعة بزيادة الأحوال، ومعنى نفي الأحوال نفي زيادتها على المعاني لا نفيها نفسها بإثبات أضدادها، لأنه كفر والعياذ بالله تعالى.
واعلم أن هذه الصفات بعضها ثابت بالدليل العقلي وهو: الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والحياة، ولوازم هذه الأربعة، وهي السمع والبصر والكلام ولوازمها، وبعضها مختلف فيه والحق أن دليله عقلي وهو الوحدانية.
الجزء 1 · صفحة 8
وقد بدأ المصنف بالوجود لابتناء باقي الصفات عليه، وقد علمت أنه صفة نفسية نسبة للنفس: أي الذات، ونسبت للذات لأنها لا تعقل إلا بها. وقد عرّفها السعد بأنها صفة ثبوتية يدلّ الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها، واختلف فيه فقيل هو نفس الذات، وعلى هذا فلا يكون صفة، وهو مذهب الأشعري، وقد تسامح في عده صفة لأن الصفة زائدة على الذات لا نفس الذات غاية الأمر لما كانت الذات توصف بالوجود في اللفظ، فيقال: ذات الله موجودة عده صفة. وقيل هو زائد على فلا تسامح في عده فلا تسامح في عده صفة وهو مذهب الفخر الرازي. وهنا أقوال أُخر وأدلة على الأقوال لم يسمح الوقت بذكرها، ولا حاجة للمكلف بها فإنه يكفيه الإيمان بوجوده تعالى ولا يجب عليه اعتقاد كون الوجود عيناً أو غيراً لأن ذلك لم يأمر به الشرع، وسكت عنه الصحابة والتابعون، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
والقِدم، والبقاء، ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه تعالى بنفسه: أي لا يفتقر إلى محل ولا مخصص
الجزء 1 · صفحة 9
المعنى- الصفة الثانية (القدم) وهي أول الصفات السلبية التي تنفي عن الذات العلية أمر لا يليق به تعالى، ويعرف بالنسبة له بأنه هو الذي لا أول لوجوده ولا افتتاح له، ومعناه بالنسبة للحادث طول المدة وقدّر بسنة، فإذا قلت: كلّ من كان قديماً من عبيدي فهو حرّ عتق من كان له سنة فأكثر. ويجوز إطلاق القديم عليه تعالى بالإجماع لوروده في بعض الروايات بدل الأول في أسمائه الحسنى. والتحقيق أن القديم والأزلي بمعنى واحد، وهو ما لا أول له وجودياً أو عدمياً، وذهبت طائفة إلى أن القديم هو الموجود الذي لا أول لوجوده، والأزلي ما لا أول له مطلقاً سواء كان وجودياً أو عدمياً. الصفة الثانية من صفات السلوب (البقاء) وهو الذي لا انتهاء لوجوده ولا يلحق وجوده عدم، فالله باق: أي لا انتهاء لوجوده. الصفة الثالثة من صفات السلوب (مخالفته تعالى للحوادث) وهي عدم مماثلته لها في شيء منها، فليس جوهراً ولا عرضاً ولا متحركاً ولا ساكناً، ولا يوصف بالصغر وهي قلة الأجزاء ولا بالكبر وهي كثرتها ولا غير ذلك. وإن ورد ما يوهم مماثلته للحوادث يؤوّل بمعنى يناسب ذاته تعالى. الصفة الرابعة من صفات السلوب (قيامه تعالى بنفسه) أي ذاته وقد فسره المصنف بقوله (أي لا يفتقر إلى محلّ ولا مخصص) يعني أن ذاته غنية عن محلّ: أي ذات تقوم بها فليس صفة، لأن الصفة لا بدّ أن تقوم بذات. وغنية أيضاً عن المخصص: أي الفاعل فلا يكون حادثاً بل، قديماً لأن الحادث هو الذي يحتاج إلى فاعل.
والوحدانية: أي لا ثاني له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فهذه ست صفات. الأولى نفسية وهي الوجود والخمسة بعدها سلبية
الجزء 1 · صفحة 10
المعنى- الصفة الخامسة من صفات السلوب (الوحدانية) وهي منسوبة إلى الوحدة من نسبة الشيء إلى نفسه مبالغة، ومعنى الوحدة لله تعالى سلب التعدد في الذات والصفات والأفعال، فوحدة الذات تنفي الكمّ المتصل والمنفصل فيها فليست ذاته مركبة من أجزاء متصلة بعضها ببعض، وليست هناك ذات أخرى تماثل الذات العلية في الألوهية. ووحدة الصفات تنفي الكمّ في حقيقة كلّ منها اتصالاً وانفصالاً فليس له صفتان من جنس واحد، فعلم الله تعالى واحد وحياته واحدة وهكذا. وقيام الصفات بالذات من جنس واحد منزل منزلة التركيب وإلا فليس تركيب في ذلك وليس لغيره تعالى صفة تشبه صفة من صفاته. ووحدة الأفعال تنفي الكمّ المتصل والمنفصل فيها أيضاً، وذلك بأن لا تكون هناك مشاركة لغيره له في فعل من الأفعال وعدم وجود فعل لغيره تعالى. إلى هنا تمت الكموم الست واتضح معنى الوحدانية. و الكمّ معناه في جميع ما تقدم المقدار متصلاً أو منفصلاً، وعلى ذلك فسرها المصنف بقوله (أي لا ثاني له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله) أي ليس هناك تركيب في ذاته تعالى ولا ذات أخرى تماثل ذاته وليس هناك تعدد في صفاته ولا صفة تشبه صفاته وليس هناك من يشاركه في فعله ولا فعل لغيره تعالى. وقد انتهت صفات السلوب الخمسة وتقدمها الصفة النفسية التي هي الوجود فيكون المجموع ستاً وهذا معنى كلام المصنف (فهذه ست صفات: الأولى نفسية وهي الوجود، والخمسة بعدها سلبية) وتقدم معنى النفسية والسلبية فلا إعادة، والله أعلم.
أسئلة على ما تقدم
الجزء 1 · صفحة 11
بين ما يجب اعتقاده من الصفات التي قام عليها الدليل تفصيلاً؟ اذكر أقسام الصفات؟ عرّف الصفة النفسية وبين ما تعرفه من الخلاف؟ والواجب على المكلف اعتقاده فيها؟ عرّف صفات المعاني واذكر الفرق بينها وبين صفات المعنوية؟ بين معنى الحال؟ ثم قسم الصفات بناء على عدم ثبوتها؟ واذكر ما تعرفه من الحق في ذلك؟ بين الصفات التي تثبت بالدليل النقلي وكذا بالعقلي؟ عرّف القدم في حق المولى ثم في حق الحادث؟ وهل يجوز إطلاق القديم عليه تعالى أو لا؟ بين ما تعرفه من الكلام على القديم والأزلي؟ اذكر معنى مخالفته تعالى للحوادث؟ عرّف الوحدة؟ واذكر ما ينتفي بها من الكموم؟ بين معنى نفي الكمّ المتصل والمنفصل في الأفعال؟
ثمّ يجب له تعالى سبع صفات تسمّى صفات المعاني: وهي القدرة، والإرادة المتعلقتان بجميع الممكنات
المعنى- يثبت لله تعالى من الصفات الكمالية التي قام عليها الدليل تفصيلاً بعد معرفتك الصفات السابقة: سبع صفات وتسمى صفات المعاني وهي في اللغة ما ليس بذات، وفي الاصطلاح كل صفة موجودة قائمة بموجود توجب له حكماً كالقدرة مثلاً فإنها قائمة بالذات توجب لها حكماً، وهو كونه قادراً، وهكذا بقية المعاني.
واعلم أن الصفات كلها تنقسم بحسب التعلق وعدمه إلى قسمين: قسم لا يتعلق بشيء وهو سبع صفات: الوجود، والقدم، والبقاء، ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه بنفسه، والوحدانية، والحياة. ومعنى عدم تعلقها بشيء أنها لا تطلب أمراً زائداً على القيام بالذات فلا تطلب تخصيص الأشياء ولا إيجادها ولا كشفها ولا الدلالة عليها كما يكون ذلك للصفات الأخرى الآتية. وقسم له تعلق بالأشياء وهو ست صفات كلها من صفات المعاني وهي: القدرة، والإرادة، والعلم، والسمع، والبصر، والكلام. ومعنى تعلقها طلبها أمراً زائداً على قيامها بالذات، فالقدرة مثلاً بعد قيامها بالذات تطلب التأثير في الممكن وهكذا.
الجزء 1 · صفحة 12
وأول صفات المعاني السبع (القدرة) وهي في اللغة القوة والاستطاعة، وفي الاصطلاح صفة وجودية أزلية قائمة بذاته تعالى يتأتى بها إيجاد كل ممكن و إعدامه على وفق الإرادة. الثاني منها (الإرادة) هي والمشيئة بمعنى شيء واحد، وهي في اللغة مطلق القصد، وفي الاصطلاح صفة وجودية أزلية قائمة بذاته تعالى تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه. والقدرة والإرادة تتعلقان بالممكنات لا تتعلقان بالواجبات والمستحيلات. فالقدرة تتعلق بالممكن تعلق تأثير بإيجاده أو بإعدامه على وفق ما تعلقت به الإرادة في الأزل. وللقدرة تعلقان: صلوحي قديم وهو صلاحيتها في الأزل للإيجاد والإعدام فيما لا يزال. وتنجيزي حادث وهو تأثيرها بالفعل، هذا بحسب الإجمال. وأما بحسب التفصيل فسبع: الأول صلوحي قديم. الثاني كون الممكن فيما لا يزال قبل وجوده في قبضة القدرة إن شاء أبقاه الله على عدمه وإن شاء أوجده بها. الثالث إيجاد الله تعالى الشيء بها فيما لا يزال. الرابع كون الممكن حال وجوده في قبضة القدرة إن شاء أبقاه الله على وجوده وإن شاء أعدمه بها. الخامس إعدام الشيء الله الشيء بالفعل. السادس كون الممكن حالة عدمه في قبضتها إن شاء أبقاه على عدمه وإن شاء أوجده بها. السابع إيجاد الله الشيء بها حين البعث والنشور. والإرادة تتعلق بالممكن تعلق تخصيص، فيخصص الله بها في الأزل الممكن ببعض ما يجوز عليه كأن يخصص الله في الأزل محمداً بأن يوجد على صفة كذا في زمن كذا ومكان كذا إلى غير ذلك من المخصصات، وبهذا التخصيص يجب أن يكون هذا الممكن على ما خصصه الله تعالى به بإرادته فإذا جاء الزمن مثلاً الذي تعلقت إرادة الله تعالى بإيجاد محمد فيه أوجده سبحانه وتعالى فيه بقدرته على الصفة التي خصصه بها بإرادته وفي المكان الذي خصص له وغير ذلك. وللإرادة تعلقان أيضاً على الصحيح: صلوحي قديم، وهو صلاحيتها في الأزل لتخصيص كل ممكن بأي أمر من الأمور.
الجزء 1 · صفحة 13
وتنجيزي قديم، وهو تخصيصها في الأزل الممكن الذي سيوجد بأحد الأمرين بعينه، ولا حاجة للتعلق التنجيزي الحادث لإغناء التنجيزي القديم عنه وإن قال بعضهم به.
واعلم أن الإرادة والأمر متغايران ومنفكان عند أهل السنة فقد يريد الشيء ويأمر به كإيمان أبي بكر رضي الله عنه، وقد يأمر به ولا يريده كإيمان أبي جهل إذ لو أراده لوقع، وقد يريده ولا يأمر به ككفر أبي جهل، وقد يأمره ولا يريده ككفر سائر المؤمنين، والله أعلم.
والعلم المتعلق بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات. والحياة، وهي لا تتعلق بشيء، والسمع والبصر المتعلقان بجميع الموجودات، والكلام الذي ليس بحرف ولا صوت، ويتعلق بجميع ما يتعلق به العلم من المتعلقات
الجزء 1 · صفحة 14
المعنى- الصفة الثالثة من الصفات السبع (العلم) وهو صفة وجودية أزلية قائمة بذاته تعالى لها تعلق بالشيء على وجه الإحاطة على ما هو عليه دون سبق خفاء، وليس له إلا تعلق واحد تنجيزي قديم وهو تعلقه بالشيء بالفعل في الأزل، فليس له تعلق صلوحي قديم ولا تنجيزي حادث لما يلزم عليه من اتصافه تعالى بالجهل، ويتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق انكشاف لأنه ليس من صفات التأثير. الصفة الرابعة (الحياة) وهي صفة وجودية أزلية قائمة بذاته تعالى تصحح اتصافه بصفاته الجليلة، كالقدرة والإرادة وهي شرط في جميع صفات المعاني يلزم من عدمها عدم جميع صفات المعاني (وهي لا تتعلق بشيء) أصلاً، فلا تطلب أمراً زائداً على قيامها بالذات، الصفة الخامسة (السمع) وهو صفة وجودية أزلية قائمة بذاته تعالى ينكشف به كل موجود سواء كان قديماً كذاته تعالى أو حدثاً كسائر الحوادث، فيسمع تعالى السواد والبياض والأصوات، وبعضهم قال: يتعلق بالأصوات فقط، والقول الأول للأشعري. الصفة السادسة (البصر) وهو صفة وجودية أزلية قائمة بذاته تعالى ينكشف له به كل موجود سواء كان قديماً أو حدثاً، فيبصر ذاته تعالى وصفاته والأصوات والسواد والبياض وغير ذلك. ومعنى (المتعلقان بجميع الموجودات) الطالبان لجميع الموجودات بالانكشاف، وليس سمع الله بأذن، ولا بصره بحدقة وأجفان، ولكل من السمع والبصر ثلاث تعلقات: تنجيزي قديم وهو تعلقهما بذاته تعالى وصفاته، وصلوحي قديم وهو تعلقهما بالممكنات الموجودة قبل وجودها. وتنجيزي حادث وهو تعلقهما بها بعد وجودها.
الجزء 1 · صفحة 15
واعلم أنه يجب علينا اعتقاداً أن انكشاف السمع غير انكشاف البصر وإن كان كل منهما يتعلق بالموجودات، وغير انكشاف العلم وإن كان لا يعلم حقيقة كل إلا الله تعالى. الصفة السابعة (الكلام) وهو صفة وجودية أزلية قائمة بذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت، تدل على الواجبات والجائزات والمستحيلات، مثل انكشاف العلم عنها، يفهم بها الله ما يريد إفهامه لأحد من عبيده.
واعلم أن للكلام باعتبار كونه ليس أمراً ولا نهياً بل خبراً أو استخباراً أو وعداً أو وعيداً تعلقا تنجيزياً قديماً، وأما تعلقه باعتبار كونه أمراً أو نهياً فهو تنجيزي حادث عند وجود المأمور أو المنهي. وصلوحي قديم، وهو صلاحية في الأزل للدلالة على طلب الفعل والترك ممن سيوجد.
تنبيه
كون صفات المعاني المتقدمة سبعاً هو مذهب الأشاعرة، أما الماتريدية فزادوا صفة ثامنة وسموها صفة التكوين، فهي عندهم صفة قديمة قائمة بذاته تعالى بها الإيجاد والإعدام زائدة على القدرة وغيرها من بقية الصفات، فإن تعلقت بالحياة تسمى إحياء أو بالموت تسمى إماته أو بالرزق تسمى رزقاً وهكذا فوظيفتها عندهم إبراز الممكنات، ووظيفة القدرة تهيئة الممكن وجعله قابلاً للتأثير فيه. وأما الأشاعرة فلا يعدّونها من الصفات القديمة بل من صفات الأفعال الحادثة وليس لها التأثير أصلاً، بل التأثير للقدرة.
واعلم أن صفات السمع والكلام تسمى بالصفات السمعية لأنها مسموعة عن الشارع. قال تعالى (وهو السميع البصير). وقال (وكلم الله موسى تكليما) وأما العقل فلا يهتدي إليها تمام الهدى وحده بل لا بدّ له من معونة الشرع.
أسئلة على ما تقدم.
الجزء 1 · صفحة 16
بين صفات المعاني الثابتة لله تعالى؟ عرف صفات المعاني مع التمثيل لذلك؟ بين أقسام الصفات بحسب التعلق؟ عرف القدرة؟ ثم بين ما تتعلق به؟ اذكر تعلقات القدرة؟ عرّف الإرادة واذكر تعلقاتها؟ بين ما يتعلق به العلم ثم السمع والبصر؟ واذكر تعلقات كل؟ عرّف الكلام وبين تعلقاته؟ بين ما تعرفه من صفات المعاني السمعية؟
ثم سبع صفات تسمى صفات معنوية وهي ملازمة للصفات السبع الأولى وهي: كونه تعالى قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسمعياً وبصيراً ومتكلماً
المعنى- يثبت لله تعالى سبع صفات يجب اعتقادها بعد الثلاث عشرة صفة السابقة، وهذه الصفات تسمى صفاتاً معنوية نسبة للمعاني، ونسبت إليها لأنها لا تعقل إلا بعد اتصاف الذات بالمعاني أولاً: فمثلاً تقوم بالذات القدرة ثم توصف بكونها قادرة، وهكذا البقية، وتعرف الصفات المعنوية بأنها الحال الواجبة للذات ما دامت الذات معللة بعلة، ومعنى التعليل: التلازم، لأن هذه الصفات لازمة لصفات المعاني السبع (فكونه تعالى قادراً) يلازم القدرة (ومريداً) يلازم الإرادة (وعالِماً) يلازم العلم (وحياً) يلازم الحياة (وسميعاً) يلازم السمع (وبصيراً) يلازم البصر (ومتكلماً) يلازم الكلام.
واعلم أن زيادة الصفات المعنوية السبع مبنية على رأي مثبت الأحوال، وهي الواسطة بين الموجود والمعدوم، وأما على رأي من لا يثبتها، فالصفات كلها ثلاث عشرة صفة، والصفات المعنوية ليست زائدة على صفات المعاني، فالكون قادراً عبارة عن قيام القدرة بالذات وهكذا، لا أمر زائد.
الجزء 1 · صفحة 17
ومما يستحيل في حقه تعالى عشرون صفة: وهي أضداد العشرين الأولى، وهي: العدم، والحدوث، وطروّ العدم، والمماثلة للحوادث، بأن يكون جرماً: أي تأخذ ذاته العلية قدراً من الفراغ أو يكون عرضاً يقوم بالجرم، أو يكون في جهة للجرم أو له هو جهة أو يتقيد بمكان أو زمان أو تتصف ذاته العلية بالحوادث أو يتصف بالصغر أو الكبر أو يتصف بالأغراض في الأفعال أو الأحكام، وكذا يستحيل عليه تعالى أن لا يكون قائماً بنفسه بأن يكون صفة يقوم بمحل أو يحتاج إلى مخصص، وكذا يستحيل عليه تعالى أن لا يكون واحداً بأن يكون مركباً في ذاته، أو يكون له مماثل في ذاته أو صفاته أو يكون معه في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال
الجزء 1 · صفحة 18
المعنى- بعض الصفات التي يجب على المكلف اعتقاد استحالة إثباتها لله تعالى عشرون صفة أضداد العشرين السابق ذكرها، وهذه العشرون هي التي قام الدليل التفصيلي على استحالها. والمراد من الضد هنا مطلق المنافي. لأن بعض هذه الصفات نقيض وبعضها ضد، وهاك أضداد الصفات المتقدمة على الترتيب السابق، فنقيض الوجود (العدم) ونقيض القدم (الحدوث) لأن القدم عبارة عن نفي العدم السابق على الوجود، والحدوث عبارة عن الوجود بعد عدم فيستلزم سبق العدم اللاحق للوجود، وطروّ العدم وهو الفناء عبارة عن ثبوت العدم اللاحق للوجود، ونقيض المخالفة للحوادث (المماثلة للحوادث) لأن المماثلة عبارة عن الإنفاق في جميع صفات النفس فيما يجب ويستحيل وما يجوز، والمخالفة عبارة عن نفي هذه المماثلة، والحوادث جمع حادث وهو الموجود بعد عدم، وينحصر في الجواهر والأعراض والجواهر هي الأجرام، والجرم ما شغل قدراً من الفراغ كالشجر والحجر والحيوانات، فيستحيل عليه تعالى أن يكون جرماً تأخذ ذاته العلية قدراً من الفراغ أو يكون عرضاً يقوم بالجرم. والعرض كل صفة حادثة كالبياض والسواد. وكذا يستحيل عليه تعالى ما يستلزم مماثلته للحوادث بأن يكون في جهة للجرم بأن يكون فوقه أو تحته أو يمينه أو شماله. وكذا يستحيل عليه تعالى أن يكون له جهة لأن الجهة من لوازم الجرم. وكذا يستحيل عليه تعالى أن يكون موصوفاً بالصغر والكبر لأن الصغير ما قلت أجزاؤه والكبير ما كثرت أجزاؤه. وكذا يستحيل عليه أن يتصف بالأغراض لأنه لا يفعل كذلك إلا المقهور.
الجزء 1 · صفحة 19
ونقيض قيامه تعالى بنفسه عدم قيامه بنفسه بأن يكون صفة يقوم بمحل: أي ذات أو يحتاج إلى مخصص: أي فاعل يوجده، لأن هذه من أمارات الحوادث، وهو محال عليه تعالى، ونقيض الوحدانية (أن لا يكون واحداً بأن يكون مركباً في ذاته)، وهذا هو الكم المتصل في الذات (أو يكون له مماثل في ذاته) وهذا هو الكم المنفصل فيها، أو يكون هناك صفتان من جنس واحد، وهو الكم المتصل في الصفات، أو يكون لأحد صفة كصفته تعالى، وهو الكم المنفصل فيها، أو يكون هناك مشاركة له في فعله وهو الكم المتصل في الأفعال، أو يكون هناك فعل مؤثر كفعله وهو الكم المنفصل فيها، وكل هذا محال تنزه الباري تعالى عنه. إلى هنا تمت أضداد الصفة النفسية والصفات السلوب.
وكذا يستحيل عليه تعالى العجز عن ممكن ما، وإيجاد شيء من العالم مع كراهته لوجوده: أي عدم إرادته له تعالى أو مع الذهول أو الغفلة أو بالتعليل أو بالطبع، وكذا يستحيل عليه تعالى الجهل وما في معناه بمعلوم ما، والموت والصمم والعمى والبكم، وأضداد الصفات المعنوية واضحة من هذه
المعنى- ضد الصفات التي يجب على المكلف اعتقاد إثباتها لله تعالى سبع صفات، وهي أضداد صفات المعاني المتقدمة، فضد القدرة (العجز عن ممكن ما) أي العجز عن كل ممكن. وضد الإرادة لشيء (إيجاد شيء من العالم مع كراهته لوجوده: (أي عدم إرادته له تعالى، أو مع الذهول، أو الغفلة، أو بالتعليل، أو بالطبع) يعني أن الله يوجد شيئاً من العالم كالكفر، أو المعاصي أو غير ذلك وهو لا يريدها، تنزه الله عن ذلك لأنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد.
الجزء 1 · صفحة 20
ويستحيل عليه تعالى إيجاد شيء من العالم مع الذهول، أو الغفلة عنه. والذهول عدم العلم بالشيء مع تقدمه، والغفلة عدم العلم بالشيء سواء تقدم أولاً. ويستحيل عليه تعالى أيضاً إيجاد شيء من العالم بالتعليل، أو بالطبع بمعنى أن يكون وجوده تعالى ينشأ عنه وجود المخلوقات من غير أن يكون له إرادة واختيار فيه، والفرق بين الإيجاد بالطبع والإيجاد بالتعليل: أن الإيجاد بالطبع يتوقف تأثيره على وجود الشروط، وانتفاء الموانع كالنار للإحراق، فيتوقف تأثيرها عند القائل بذلك على وجود الشرط، وهو مماستها للحطب وانتفاء المانع وهو البلل. والإيجاد بالتعليل لا يتوقف تأثيره على شيء من ذلك كحركة الإصبع فإنه علة لحركة الخاتم، فيلزم من حركة الإصبع حركة الخاتم بدون توقف على شيء. وضد العلم (الجهل وما في معناه بمعلوم ما) والذي في معنى الجهل: الشك، والظن، والوهم، لأنها لا ينكشف بها المعلوم. وضد الحياة (الموت) وضد السمع (الصمم) وضد البصر (العمى) وضد الكلام (البكم. وأضداد الصفات المعنوية واضحة من هذه) أي من أضداد صفات المعاني، لأنك إذا علمت أن ضد القدرة العجز تعلم أن ضد كونه قادراً: كونه عاجزاً وإذا عرفت أن ضد الإرادة الكراهة تعرف أن ضد كونه مريداً كونه كارهاً وهكذا بقية الصفات.
وأما الجائز في حقه تعالى ففعل كل ممكن أو تركه
الجزء 1 · صفحة 21
المعنى- القسم الثالث مما يجب على المكلف معرفته في حق الله تعالى اعتقاد ما يجوز لذاته أن تفعله وأن تتركه، وتقدم القسم الأول وهو الواجب في حقه، والقسم الثاني وهو المستحيل عليه تعالى، فيجوز على الله تعالى (فعل كل ممكن أو تركه) أي فعل كل ما قضى العقل بإمكانه: أي باستواء طرفيه الوجود والعدم، وتركه سواء كان خيراً أو شراً، وسواء كان فعلاً اختياراً للعبد أم لا، فيدخل في كل ممكن الثواب للمطيع والعقاب للعاصي، ويدخل بعثة الرسل للعباد ورؤية الله عز وجل لأن هذه كلها لا يجب شيء منها على الله تعالى ولا يستحيل، بل وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء، والله أعلم.
أسئلة على ما تقدم
عرف الصفات المعنوية؟ وبين ملازمتها للمعاني؟ بين نقيض البقاء؟ واذكر وجه ذلك؟ بين نقيض الوحدانية؟ اذكر نقيض القدرة؟ وبين الفرق بين الإيجاد بالتعليل والإيجاد بالطبع مع التمثيل لذلك؟ بين الجائز في حق الله تعالى؟
أما برهان وجوده تعالى فحدوث العالم لأنه لو لم يكن له محدث بل حدث بنفسه لزم أن يكون احد الأمرين المتساويين مساويا لصاحبه راجحا عليه بلا سبب وهو محال، ودليل حدوث العالم ملازمته للأعراض الحادثة من حركة أو سكون أو غيرهما و ملازم الحادث حادث، ودليل حدوث الأعراض مشاهدة تغيرها من عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم
الجزء 1 · صفحة 22
اعلم أنه لما كان ذكر الصفات مجردة عن الأدلة لا يكفي في عقائد الإيمان لأنه تقليد وهو غير مطلوب في هذا الفن. شرع المصنف في الاستدلال على كل صفة فقال: (أما برهان وجوده تعالى فحدوث العالم إلى آخره) يعني أن الدليل على وجود الله تعالى وجود العالم بعد عدم، وذلك لأنه لا يخفى على كل عاقل أن السموات و الأرض وما بينهما أجرام ملازمة للأعراض التي تقوم بها من حركة وسكون وغيرهما، وهما حادثان لمشاهدة تغيرهما من عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم، والحركة والسكون ملازمان للجرم، وقد ثبت الحدوث للأعراض بالمشاهدة فيثبت للأجرام أيضا لملازمتها لها، وإذا ثبت أنها حادثة فلا بد أن تحتاج إلى محدث لان العالم لو حدث بنفسه لزم اجتماع المتنافيين. وبيان ذلك أن الوجود والعدم متساويان بالنسبة للعالم، فلو ترجح الوجود على العدم بلا مرجح، والفرض أنهما متساويان لزم اجتماع المتنافيين، وهما مساواة الوجود للعدم ورجحانه عليه بنفسه من غير مرجح وهو المحال فلا بد من مرجح موجود يرجح احدهما على الآخر ولا مرجح إلا الله عز وجل فثبت المطلوب. وهنا أدلة أخرى وكلام كثير لا حاجة لنا به.
وأما برهان وجوب القدم له تعالى فلأنه لو لم يكن قديما لكان حادثا فيفتقر إلى محدث فيلزم الدور أو التسلسل
الجزء 1 · صفحة 23
المعنى- الدليل على القد لله تعالى: أنه لو لم يكن قديما لكان حادثا ولو كان حادثا لافتقر إلى محدث لما تقدم أن كل حادث لابد له من محدث، ثم ننقل الكلام إلى هذا المحدث: فإما أن يكون قديماً أو حادثاً، فإن كان قديماً فهو المطلوب، وإن كان حادثاً فلا بد له من محدث، ومحدثه محتاج إلى محدث، وهكذا إلى غير نهاية فيلزم التسلسل وهو ترتب أمور لا نهاية لها من غير دوران ورجوع إلى الأول، فإن دار ورجع إلى الأول لزم الدور و هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه كتوقف المحدث الأول على الثاني و الثاني على الأول. والدور والتسلسل محالان، وإذا كان الحدوث يلزم منه الدور أو التسلسل المحالان فيكون محالاً، لأن ما أدى إلى المحال يكون محالاً وإذا كان الحدوث محالاً تعين القدم لأنه لا واسطة بين الحدوث والقدم وثبت المطلوب.
و أما برهان وجوب البقاء له تعالى فلأنه لو أمكن أن يلحقه القدم لانتفى عنه القدم لكون وجوده حينئذ جائزا لا واجبا و الجائز لا يكون وجوده إلا حادثا كيف و قد سبق قريبا وجوب قدمه تعالى و بقائه
المعنى- الدليل على ثبوت البقاء لله تعالى أنه لو أمكن أن يلحقه العدم لزم أن يكون من جملة الممكنات التي يجوز عليها الوجود والعدم، فينتفي عنه القدم لكون وجوده حينئذ جائزاً لا واجباً، وكونه من جملة الممكنات باطل لأنه يكون حادثاً، فبطل ما أدى إليه وهو إمكان لحوق العدم له تعالى، وثبت نقيضه وهو البقاء وهو المطلوب.
و أما برهان وجوب مخالفته تعالى للحوادث فلأنه لو ماثل شيئا منها لكان حادثا مثلها و ذلك محال لما عرفت قبل من وجوب قدمه تعالى و بقائه
الجزء 1 · صفحة 24
المعنى- الدليل على ثبوت مخالفة الله تعالى الحوادث أنه لو ماثلها مولانا عز وجل لوجب له مثل ما وجب لها من الحدوث، واستحالة القدم لأن كل مثلين يجب لكل واحد منهما ما وجب للآخر، ويجوز عليه ما جاز على الآخر وقد وجب للحوادث الحدوث مثلاً فيكون أيضاً حادثاً مثلها فيفتقر إلى محدث فيلزم الدور أو التسلسل المحالان فيبطل ما أدى إليه، وهو المماثلة للحوادث و يثبت نقيضه وهو المخالفة لها وهو المطلوب.
وأما برهان وجوب قيامه تعالى بنفسه فلأنه تعالى لو احتاج إلى محل لكان صفة والصفة لا تتصف بصفات المعاني ولا المعنوية ومولانا عز وجل يجب اتصافه بهما فليس بصفة ولو احتاج إلى مخصص لكان حادثا كيف وقد قام البرهان على وجوب قدمه تعالى و بقائه
المعنى- الدليل على ثبوت قيامه تعالى بنفسه بمعنى عدم احتياجه إلى المحل والمخصص (أنه لو احتاج إلى محل) أي ذات (لكان صفة) لأنه لا يحتاج إلى المحل إلا الصفات (والصفة لا تتصف بصفات المعاني) وهي الصفات الوجودية كالقدرة (ولا المعنوية) وهي الأحوال الثابتة الملازمة للمعاني كالكون قادراً ومريداً (ومولانا عز وجل يجب اتصافه بهما فليس بصفة) فلا يحتاج إلى ذات. (ولو احتاج إلى مخصص) أي فاعل (لكان حادثاً) وكونه حادثاً باطل لما يلزم عليه من الدور أو التسلسل، فبطل ما أدى إليه وهو احتياجه إلى مخصص و يثبت نقيضه وهو عدم الاحتياج إلى مخصص و هو المطلوب.
وأمّا برهان وجوب الوحدانية له تعالى فلأنه لو لم يكن واحداً لزم أن لا يوجد شيء من العالم للزوم عجزه حينئذٍ
اعلم أن ثبوت الوحدانية لله تعالى ينفي ستة كموم كما قدّمنا، فينفي الكم المتصل والمنفصل في الذات، وينفي الكم المتصل والمنفصل في الصفات، وينفي الكم المتصل والمنفصل في الأفعال. وكل من هذه الستة يحتاج إلى دليل.
الجزء 1 · صفحة 25
أمّا الدليل على نفي الكم المتصل في الذات فيقال: لو تركبت الذات من أجزاء لاحتاجت إلى كل جزء من أجزائها، واحتياج الذات إلى الأجزاء باطل لأن الاحتياج من أمارات الحدوث، وحينئذ يلزم عليه الدور أو التسلسل المحالان، وما لزم عليه المحال يكون محالاً، فيكون التركيب محالاً، فثبت الوحدانية في الذات اتصالا.
والدليل على نفي الكم المتصل فيها أن يقال: لو أمكن إلهان مؤثران على سبيل الاجتماع لأمكن التمانع بينهما، وهو أن يريد أحدهما حركة زيد مثلاً والآخر سكونه لأن الفرض أن كلا منهما تام القدرة والإرادة، ولو أمكن لزم التمانع المحال، لأنه إما أن ينفذ مراد كل ّ منهما، فيجتمع الضدّان، وهما الحركة والسكون، أو ينفذ مراد أحدهما فيلزم عجز الآخر ويلزم منه عجز الأول أيضاً لأن الفرض لأنهما متماثلان، أو لم ينفذ مراد كل ّمنهما فيلزم عجزهما، والكل محال لأنه يلزم عليه عدم وجود شيء من المخلوقات، وهو محال بالمشاهدة، وما أدى إلى المحال وهو التعدد محال فيثبت نقيضه وهو الوحدانية في الذات انفصالا.
والدليل على نفي الكم المتصل في الصفات أن يقال: لو تعددت القدرة، أو الإرادة مثلاً فإما أن تتعدد الذات أيضا التي قامت بها الصفات أو تتحدد، فإن تعددت الذات لزم التركيب فيها فتكون حادثة، فيلزم الدور أو التسلسل المحالان، فيكون التعدد محالاً فتكون الذات واحدة، فلا تعدد في الصفات وهو المطلوب، وإن اتحدت الذات كان تعدد الصفة لا حقيقة له، فتكون واحدة وهو المطلوب.
وأما الدليل على نفي الكم المنفصل في الصفات والمتصل في الأفعال والمنفصل فيها فمثل الدليل على نفي الكم المنفصل في الذات فاعرفه مما تقدم.
وأما برهان وجوب اتصافه تعالى بالقدرة والإرادة والعلم والحياة فلأنه لو انتفى شيء منها لما وجد شيء من الحوادث
الجزء 1 · صفحة 26
اعلم أن تأثير قدرة الله تعالى متوقف عقلاً على إرادته تعالى لذلك الأثر، وأن الإرادة يتوقف تأثيرها على العلم لأنه القصد إلى تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه، والقصد مشروط بالعلم، والاتصاف بالقدرة والإرادة والعلم متوقف على الحياة، فوجود الحادث متوقف على اتصاف محدثه بهذه الصفات الأربع، فلو انتفى شيء منها لما وجد شيء من الحوادث وهو خلاف المشاهد، فإنه لو لم يتصف بالقدرة لاتصف بضدها وهو العجز، وحينئذ لا يوجد شيء من الحوادث، ولو لم يتصف بالإرادة لاتصف بضدها وهو الكراهة وحينئذ فلا يكون قادراً فيكون عاجزاً، فلا يوجد شيء من المخلوقات وهو باطل بالمشاهدة، ولو لم يتصف بالعلم لاتصف بالجهل وحينئذ فلا يكون مريداً فلا يكون قادراً فيكون عاجزاً فلا يوجد شيء من العالم وهو باطل، ولو لم يكن حيا لكان ميتا فلا يوجد شيء من الحوادث وهو باطل. ولما كان مؤدى الأدلة الأربعة واحداً وهو عدم وجود شيء من الحوادث استدل المصنف على الصفات الأربع بدليل واحد.
وأما برهان وجوب السمع له تعالى والبصر والكلام فالكتاب والسنة والإجماع وأيضا لو لم يتصف بها لزم أن يتصف بأضدادها وهي نقائص والنقص عليه تعالى محال
المعنى- الدليل على ثبوت السمع والبصر لله تعالى (الكتاب) وهو القران المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى: - وهو السميع البصير -. (والسنة) وهي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وهو قوله عليه الصلاة والسلام " أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً وإنما تدعون سميعا بصيرا ". ومعنى أربعوا على أنفسكم: أشفقوا على أنفسكم ولا تجهدوها برفع الصوت في الدعاء فإنكم لا تدعون إلى آخره. (والإجماع) وهو اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام على حكم من الأحكام وقد ورد عن كثير من العلماء انعقاد الإجماع على انه سميع بصير.
الجزء 1 · صفحة 27
والدليل على ثبوت الكلام له تعالى الكتاب أيضا هو قوله تعالى: - وكلم الله موسى تكليما - وقد ورد في السنة جملة أحاديث تدل على أنه متكلم، وانعقد الإجماع على أنه تعالى متكلم أيضا. ولك أن تستدل بالدليل العقلي أيضا فتقول: لو لم يكن سميعا بصيرا متكلما لكان أصم أعمى أبكم، وذلك نقص في حقه تعالى لاحتياجه إلى من يكمله فيكون حادثاً وهو محال.
وأما برهان كون فعل الممكنات أو تركها جائزا في حقه تعالى فلأنه لو وجب عليه تعالى شيء منها عقلا أو استحال عقلا لانقلب الممكن واجبا أو مستحيلا وذلك لا يعقل
اعلم أن الممكن هو الجائز عند علماء التوحيد، وهو الذي يصح عند العقل وجوده وعدمه، فلو وجب على المولى وجود شيء من الممكنات كالثواب مثلاً، أو استحال عليه وجود شيء منها عقلاً كالكفر والمعاصي لانقلب الممكن واجبا لا يتصور في العقل عدمه، أو مستحيلاً لا يتصور في العقل وجوده وذلك محال لأنه قلب للحقائق والله أعلم.
أسئلة على ما تقدم
عرف الوجود؟ واذكر الدليل على ثبوته لله تعالى؟ بين معنى قيام المولى بنفسه واستدلّ على ذلك؟ اذكر معنى الوحدانية لله مع الاستدلال على ثبوتها له؟ عرّف القدرة، ثم الإدارة؟ واذكر الدليل عليهما؟ بين معنى العلم وكذا السمع؟ واذكر الفرق بينهما؟ ثم استدل على ثبوتهما لله؟ عرّف الكلام واستدل عليه بالدليل النقلي والعقلي؟ بين الدليل على كون فعل الممكنات أو تركها جائزا في حقّ المولى مع التمثيل لما تذكر؟
وأما الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام فيجب في حقّهم الصّدق والأمانة وتبليغ ما أمروا بتبليغه للخلق
الجزء 1 · صفحة 28
اعلم أن الرسل جمع رسول، وهو إنسان ذكر حرّ أوحى الله إليه تعالى بشرع وأمره بتبليغه للخلق، فإن لم يؤمر بتبليغه سمي نبيا فقط، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسول، ويجب الإيمان بما يجب لهم وما يستحيل عليهم وما يجوز في حقهم عليهم الصلاة والسلام. فيجب لهم (الصدق) وهو الإخبار بما يطابق الواقع فيكون جميع ما بلغوه عن الله موافقاً للواقع. والمراد من الصدق هنا الصدق في دعوى الرسالة وفيما يبلغونه عن الله تعالى أما غيره فداخل في الأمانة، ويجب لهم (الأمانة) وهي العصمة ومعناها: حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بمعصية، فيحفظون ظاهراً من الزنا، وشرب الخمر والكذب وغيرها من المنهيات الظاهرة، ويحفظون باطناً من الكبر، والحسد، والرياء، وغيرها من المنهيات الباطنة، وكلّ نص أوهم وقوع أحدهم في المعصية، فيؤول تأويلا حسناً. ويجب لهم (تبليغ ما أمروا بتبليغه للخلق) فيوصلون للخلق جميع ما أمرهم الله بإيصاله إليهم ولم يكتموا منه حرفا. ويجب لهم الفطانة أيضا وهي التيقظ والتنبه.
ويستحيل في حقهم عليهم الصلاة والسّلام أضداد هذه الصّفات وهي: الكذب والخيانة بفعل شيء مما نهوا عنه نهى تحريمٍ أو كراهةٍ أو كتمان شيء ممّا أمروا بتبليغه للخلق
المعنى- يستحيل أن يثبت لذاتهم أضداد هذه الصفات المتقدّمة، فيستحيل عليهم ضدّ الصدق وهو (الكذب) وهو عدم مطابقة الخبر للواقع، وضدّ الأمانة وهو (الخيانة) وهي عدم حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بالمعاصي كأن يحصل منهم زنا أو شرب خمر أو كبر أو حسد أو غيرها، وضدّ التبليغ، وهو (كتمان ما أمروا بتبليغه للخلق)، وضدّ الفطانة وهو الغفلة وعدم التيقظ.
ويجوز في حقّهم عليهم الصّلاة والسّلام ما هو من الأعراض البشريّة التي لا تؤدّي إلى نقص في مراتبهم العليّة كالمرض ونحوه
الجزء 1 · صفحة 29
واعلم أن الرسل بشر مثلنا فيجوز في حقهم جميع الأعراض البشرية التي لا تخلّ بمنصب الرسالة ولا تكون منفرة للخلق عن الإجمّاع بهم والأخذ عنهم، وذلك كالأكل والشرب، ومباشرة النساء حلالاً، والأمراض غير المنفرة. وأما الأمراض التي تخّل بمقام الرسالة، أو تنفر الخلق عنهم، فهي مستحيلة عليهم، وذلك كالجنون والجذام والبرص والعمى، ولم يثبت أن شعيباً عليه السلام كان أعمى، وما كان بأيوب عليه السلام من المرض فهو ألم تحت الجلد غير منفر، وجميع ما يسمع من الحكايات المنفرة فهو باطل.
فائدة
السهو ممتنع على الرسل فيما يبلغونه عن الله تعالى وفي غيره من الأقوال لأنه لو وقع منهم لأورث الشبهة في قلوب الضعفاء، وهو ينافي منصب الرسالة. أما السهو في أفعالهم كالسهو في الصلاة وغيرها فهو جائز لحكمة.
واعلم أن جميع ما ذكر في حقّ الرسل من الوجوب والاستحالة والجواز يلزمنا أن نعتقده في حق الأنبياء أيضا، وهم الذين أوحى الله تعالى إليهم بشرع ولم يأمرهم بتبليغه للخلق، لأنه ربما يرجع إليهم الناس في الاستفتاء عن أحكام شرائع الرسل قبلهم.
أمّا برهان وجوب صدقهم عليهم الصلاة والسلام فلأنهم لو لم يصدقوا للزم الكذب في خبره تعالى لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النّازلة منزلة قوله تعالى: صدق عبدي في كلّ ما يبلّغ عنّي
اعلم أن المعجزة التي خلقها الله تعالى على أيدي الرسل، وهي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي مع عدم المعارضة. والتحدي هو دعوى الرسالة تنزل من الله عز وجل منزلة قوله تعالى: "صدق عبدي في كل مايبلغ عني". فلو جاز الكذب في حق الرسل لجاز الكذب في حق الله تعالى، لأن تصديق الكاذب كاذب والكذب على الله تعالى محال، فما أدى إليه وهو جواز الكذب على الرسل محال، فيثبت نقيضه وهو ثبوت الصدق لهم.
الجزء 1 · صفحة 30
واعلم أنه إذا ظهر الأمر الخارق للعادة على يد الرسول قبل دعواه النبوة أو الرسالة سمي إرهاصاً: أي تأسيساً للرسالة. وإذا ظهر على يد ظاهر الصلاح و العدالة وليس عنده دعوى النبوة و الرسالة سمي كرامة، وكرامة الأولياء ثابتة لورود النصوص الشرعية بذلك، وإذا ظهر على يد فاسق ظاهر الفسق سمى استدراجاً، وإذا ظهر على يد مستور الحال لا يعلم أنه صالح أو فاسق سمي معونة: أي إعانة من جانب الله تعالى وبذلك تعلم الفرق بين كل واحد من الخمسة والله أعلم.
وأما برهان وجوب الأمانة لهم عليهم الصلاة و السلام، فلأنهم لو خانوا بفعل محرم أو مكروه لانقلب المحرم أو المكروه طاعة في حقهم، لأن الله تعالى أمرنا بالإقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم ولا يأمر الله تعالى بفعل محرم ولا مكروه وهذا بعينه، هو برهان وجوب الثالث
المعنى _ الدليل على ثبوت الأمانة للرسل عليهم الصلاة و السلام: أنهم لو خابوا بفعل محرم أو مكروه لكنا مأمورين بالإقتداء بهم في غير ما يختص بهم، وكوننا مأمورين بالمحرمات أو المكروهات لا يصح شرعاً لقوله تعالى: "قل إن الله لا يأمر بالفحشاء" فيكون فعل الرسل المحرم والمكروه غير صحيح شرعاً أيضاً من باب أولى، فتثبت لهم الأمانة و هو المطلوب (وهذا بعينه هو برهان وجوب الثالث) يعني أن هذا الدليل الذي علمته هو بعينه دليل وجوب الثالث وهو التبليغ. وبيان ذلك أنهم لو لم يبلغوا لكتموا، ولو كتموا لكنا مأمورين بالإقتداء بهم في الكتمان. والكتمان محرم ملعون فاعله والله تعالى لا يأمر بمحرّم ولا مكروه، فلا يصح منا شرعاً فأيضاً لا يصح من الرسل شرعاً من باب أولى فيثبت وجوب التبليغ لهم وهو المطلوب.
الجزء 1 · صفحة 31
وأما الدليل جواز الأعراض البشريّة عليهم فمشاهدة وقوعها بهم إما لتعظيم أجورهم، أو للتشريع أو للتسلي عن الدنيا أو للتنّبّه لخسّة قدرها عند الله تعالى وعدم رضاه بها دار جزء لأنبيائه وأوليائه باعتبار أحوالهم فيها عليهم الصّلاة والسّلام
المعنى- الدليل على جواز الأعراض البشرية على الرسل عليهم الصّلاة والسّلام مشاهدة وقوعها بهم ممن عاصرهم وبلوغ ذلك بالتواتر لمن بعدهم، وليس بعد العيان بيان، لأنهم عليهم الصّلاة السّلام مرضوا وأكلوا وشربوا وتزوجوا. ثم بين المصنف فوائد وقوع الأعراض البشرية بهم وهي كثيرة: منها تعظيم أجرهم في مرضهم و أذية الخلق لهم. ومنها تشريع الأحكام كما علمنا أحكام السهو من سهو نبينا عليه الصلاة والسلام، وعلمنا كيف نؤدي الصلاة في المرض والخوف من فعله عليه الصلاة والسلام عند ذلك. ومنها التسلي عن الدنيا ووجود اللذة والراحة عند فقدها. ومنها التنبه لخسة قدر الدنيا عند الله تعالى بما يراه العاقل من مقاساة هؤلاء الرسل الكرام لشدائدها وقد أعرضوا عن زخرفها الذي غرّ كثيراً من الحمقى. فإذا نظر العاقل في أحوال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدنيا علم أنها لا قدر لها عند الله لأنها لو كانت دار جزاء لجعلهم فيها لأنهم أكثر الخلق عبادة وأشدهم طاعة والله أعلم.
أسئلة على ما تقدم
عرّف الرسول؟ واذكر الفرق بينه وبين النبي؟ بين الواجب في حقّ الرسل؟ ثم ما يجوز في حقهم؟ عرف الصدق؟ واذكر الدليل على ثبوته للرسل؟ بين معنى الأمانة؟ واذكر الدليل على ثبوتها للرسل؟ عرف المعجزة والإرهاص؟ واذكر الفرق بينهما؟ بين ما تعرفه من الكلام على سهو الرسل هل يجوز ثبوته لهم أو يمتنع؟ اذكر الدليل على جواز الأعراض البشرية على الرسل؟
الجزء 1 · صفحة 32
ويجمع معاني هذه العقائد كلها قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، إذ معنى الألوهية استغناء الإله عن كلّ ما سواه وافتقار كلّ ما عداه إليه، فمعنى لا إله إلا الله: لا مستغنى عن كلّ ما سواه ومفتقراً إليه كلّ ما عداه إلا الله تعالى
المعنى- هذه العقائد كلها التي تقدمت تندرج تحت معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويبين ذلك بتفسير معنى الألوهية أن معناها (استغناء الإله عن كل ما سواه وافتقار كل ما سواه إليه) ومعنى الجملة كلها (لا مستغني عن كل ما سواه ومفتقراً إليه كل ما عداه إلا الله تعالى). وهذا كلام ظاهر.
أما استغناؤه جل و عز عن كل ما سواه فهو يوجب له تعالى الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والتنزه عن النقائص، ويدخل في ذلك وجوب السمع له تعالى والبصر والكلام إذ لو لم تجب له هذه الصفات لكان محتاجا إلى المحدث أو المحل أو من يدفع عنه النقائض
اعلم أن المصنف لما ذكر معنى الألوهية المشتملة على معنيين أحدهما: استغناؤه تعالى عن كل ما سواه، والثاني افتقار كل ما سواه إليه تعالى، أخذ يذكر ما يندرج من عقائد الإيمان تحت المعنى الأول ثم ما يندرج منها تحت المعنى الثاني، فذكر أنه يندرج تحت المعنى الأول (الوجود، والقدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس، والتنزه عن النقائص، ويدخل في ذلك) أي في تنزهه تعالى عن النقائص (السمع، والبصر، والكلام) ولوازمها وهي كونه تعالى: سميعاً، وبصيراً، ومتكلماً ثم بين وجه استلزام استغنائه تعالى عن كل ما سواه بقوله: (إذا لو لم تجب له هذه الصفات إلى آخره) يعني لو لم تجب له هذه الصفات لم يكن مستغنياً عن كلّ ما سواه، بل يكون محتاجاً إلى المحدث أو المحل: أي الذات أو إلى من يدفع عنه النقائص والكل باطل.
ويؤخذ منه تنزهه تعالى عن الأغراض في أفعاله وأحكامه، وإلا لزم افتقاره إلى ما يحصل غرضه، كيف وهو جلّ وعزّ الغني عن كلّ ما سواه
الجزء 1 · صفحة 33
المعنى- يندرج تحت المعنى الأول أيضاً تنزهه تعالى عن الأغراض بمعنى أنه لا غرض له في الأفعال ولا حكم من الأحكام الخمسة، وهي: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والتخيير، والغرض الذي تنزه الله تعالى عنه عبارة عن وجود باعث يبعثه تعالى على إيجاد فعل من الأفعال، أو على حكم من الأحكام الشرعية من مراعاة مصلحة تعود عليه، أو على خلقه، وكلا الأمرين محال في حقه تعالى. أما عودها عليه فقد أبطله بقوله: (وإلا لزم افتقاره إلى ما يحصل غرضه إلى آخره) أي فلا يكون مستغنياً عن كلّ ما سواه تعالى وهو باطل.
ويؤخذ منه أيضاً أنه لا يجب عليه فعل شيء من الممكنات ولا تركه، إذا لو وجب عليه تعالى شيء منها عقلاً كالثواب مثلاً لكان جلّ وعزّ مفتقراً إلى ذلك الشيء ليتكمّل به غرضه إذ لا يجب في حقه تعالى إلا ما هو كمال له كيف وهو جلّ وعزّ الغني عن كل ما سواه
المعنى- يندرج تحت المعنى الأول أيضاً القسم الثاني من الغرض، وهو الذي يعود على خلقه، والدليل على تنزهه عنه قد ذكره المصنف بقوله: (إذ لو وجب عليه إلى آخره) يعني لو لم يتنزه عن الأعراض بل كان يجب عليه تعالى فعل شيء من الممكنات أو تركه لزم احتياجه إلى من يدفع عنه النقص وهو تلك المصلحة فيكتمل بها وهو محال في حقه تعالى.
وأما افتقار كلّ ما عداه إليه جلّ وعزّ فهو يوجب له تعالى الحياة وعموم القدرة والإرادة والعلم. إذ لو انتفى شيء منها لما أمكن أن يوجد شيء من الحوادث فلا يفتقر إليه شيء كيف وهو الذي يفتقر إليه كلّ ما سواه
المعنى- القسم الثاني من معنى الألوهية، وهو افتقار كلّ ما سواه إليه تعالى يستلزم الحياة: وعموم القدرة، والإرادة، والعلم، إذ لو انتفى شيء منها لم يتأتّ له إيجاد ولا إعدام فلا يفتقر إليه شيء وكيف لا يفتقر إليه شيء! وهو الذي يفتقر إليه كلّ ما سواه.
الجزء 1 · صفحة 34
ويوجب له تعالى أيضاً الوحدانية، إذ لو كان معه ثان في الألوهية لما افتقر إليه شيء للزوم عجزهما حينئذٍ، كيف وهو الذي يفتقر إليه كلّ ما سواه
المعنى- يندرج تحت القسم الثاني من معنى الألوهية (الوحدانية) لأنه تقدّم أن وجود ثان يستلزم عجزهما معا، والعاجز لا يتأتى أن يوجد شيئاً فلا يفتقر إليه شيء، وكيف ذلك مع أنه الذي يفتقر إليه كلّ ما سواه، فقد دخل في استغنائه تعالى عن كلّ ما سواه ثلاث عشرة صفة من الواجبات في حقه تعالى، ودخل فيه أيضا مثل عددها من المستحيلات، ودخل فيه الجائز في حقه تعالى، ودخل في وجوب افتقار كلّ ما سواه إليه السبعة الباقية مما يجب في حقّ الله تعالى، واستلزم ذلك استحالة أضدادها عليه، فقد كمل الواجب والجائز والمستحيل.
ويؤخذ منه أيضا حدوث العالم بأسره إذ لو كان شيء منه قديما لكان ذلك الشيء مستغنياً عنه تعالى، كيف وهو الذي يجب أن يفتقر إليه كلّ ما سواه
المعنى- يندرج تحت القسم الثاني أيضاً حدوث العالم جميعه، وهو وجوده بعد العدم. بيان ذلك أنك علمت سابقا أن ما ثبت قدمه استحال عدمه، فلو كان شيء من العالم قديما لكان واجب الوجود لا يقبل العدم، وإذا كان لا يقبل العدم يكون مستغنيا عنه تعالى كيف ذلك وكلّ ما سواه مفتقر إليه، فوجب الحدوث لكلّ ما سواه.
ويؤخذ منه أيضاً أته لا تأثير لشيء من الكائنات في أثر ما وإلا لزم أن يستغني ذلك الأثر عن مولانا جلّ وعزّ كيف وهو الذي يفتقر إليه كلّ ما سواه عموماً على كلّ حال، هذا إن قدّرت أن شيئاً من الكائنات يؤثر بطبعه، وأما إن قدّرته مؤثراً بقوة جعلها الله فيه كما يزعمه كثير من الجهلة فذلك محال أيضاً لأنه يصير حينئذٍ مولانا جلّ وعزّ مفتقراً في إيجاد بعض الأفعال على واسطة، وذلك باطل لما عرفت من وجوب استغنائه جلّ وعزّ عن كلّ ما سواه
الجزء 1 · صفحة 35
اعلم أنه لو خرج عن قدرته أيّ ممكن بأن لم تؤثر فيه قدرته تعالى لزم عدم افتقاره إليه تعالى، بل إنما يفتقر إلى من أوجده فقط، كيف ذلك وكلّ ما سواه مفتقر إليه تعالى كلّ الافتقار، وبهذا يبطل مذهب القدرية القائلين بتأثير قدرة الشخص في الأفعال الاختيارية، ويبطل مذهب الطبائعيين القائلين بتأثير الطبائع، والأمزجه ككون الطعام مشبعا والماء مرويا، وهم مختلفون في اعتقادهم تأثير تلك الأمور، فمنهم من يعتقد أن تلك الأشياء تؤثر بطبعها ولا خلاف في كفرهم، ومنهم من يعتقد أنها تؤثر بقوة جعلها الله تعالى فيها وتبعهم على هذا كثير من عامّة المؤمنين، وإليه أشار المصنف بقوله: (كما يزعمه كثير من الجهلة) ولا خلاف في بدعتهم، ولكن الواجب علينا أن نعتقد أن هذه الأشياء لا تأثير لها أصلاً. وبهذا ظهر أن قول من قال: إنها تؤثر بطبعها يبطل بافتقار كلّ ما سواه إليه، لأنها لو كانت تؤثر بطبعها لزم أن يفتقر ذلك الأثر إلى الطبيعة فحينئذٍ يستغنى عن الله تعالى، وهو محال لافتقار كل ما سواه إليه. وأما من قال أنها تؤثر بقوة جعلها الله فيها فيبطله قوله باستغنائه تعالى عن كل ما سواه لأنه لو كان كذلك لزم أن يكون الله تعالى لا يقدر على فعل شيء من الممكنات إلا بواسطة القوة، فيكون مفتقرا إليها وهو محال لاستغنائه عن كل ما سواه.
فقد بان لك تضمن قول لا اله إلا الله للأقسام الثلاثة التي يجب على المكلف معرفتها في حق مولانا جل وعز وهي ما يجب في حقه تعالى وما يستحيل وما يجوز
المعنى- قد ظهر أن معنى لا إله إلا الله قد اشتمل على الصفات العشرين الواجبة لله تعالى وأضدادها العشرين المستحيلة عليه تعالى والجائز في حقه تعالى التي يجب على المكلف اعتقادها. فقد عرفتها تفصيلاً فيما تقدم، وإجمالاً في معنى لا إله إلا الله.
الجزء 1 · صفحة 36
وأما قولنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدخل فيه الإيمان بسائر الأنبياء والملائكة والكتب السماوية واليوم الآخر لأنه عليه الصلاة والسلام جاء بتصديق جميع ذلك كلّه
المعنى- تصديق النبيّ عليه الصلاة والسلام في أنه رسول الله بسبب ما دلّت عليه معجزاته التي لا تحصى يستلزم التصديق بكل ما جاء به، ومن جملة ما جاء به التصديق بوجود جميع الأنبياء وعصمتهم، وأن الله تعالى أوحى إليهم الشرائع وأيدهم بالمعجزات الدّالة على صدقهم. والتصديق بوجود الملائكة، وبأنهم عباد الله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم أجسام مخلوقه من نور لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناكحون، ولا ينامون، ولا يحاسبون. والتصديق بوجود الكتب السماوية ونزولها على الرسل في الألواح أو على لسان ملك، والتصديق بوجود اليوم الآخر، وهو يوم القيامة، وما اشتمل عليه من البعث، والحساب، والصراط والميزان. والتصديق بإحياء هذه الأبدان من القبور بأعيانها المسمى بالنشر، ثم سوقها إلى المحشر وهو المسمى بالحشر. والتصديق بحوضه عليه الصلاة والسلام ترده هذه الأمة كلها، ويطرد عنه الكفار وغيرهم، فيشربون منه، ولا يجوعون، ولا يظمئون بعده أبدا. والتصديق بشفاعته عليه الصلاة والسلام وغيره من الأنبياء والعلماء والصالحين، فيشفع صلى الله عليه وسلم لإراحة الخلق ولو كفاراً من طول الموقف ليعجل الله حسابهم. والتصديق بالصراط، وهو جسر ممدود على ظهر جهنم أرق من الشعرة وأحدّ من السيف يمرّ عليه الأنبياء والملائكة وغيرهم ذاهبين إلى الجنة. والتصديق بالميزان وهو على هيئة ميزان الدنيا توزن فيه الأعمال. والتصديق بغير ذلك.
الجزء 1 · صفحة 37
ويؤخذ منه وجوب صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام واستحالة الكذب عليهم، وإلا لم يكونوا رسلاً أمناء لمولانا العالم بالخفيات جلَّ وعزَّ، واستحالة فعل المنهيات كلها لأنهم أرسلوا ليعلموا الناس بأقوالهم وأفعالهم وسكوتهم، فيلزم أن لا يكون في جميعها مخالفة لأمر مولانا جلَّ وعزَّ الذي اختارهم على جميع خلقه وأمنهم على سر وحيه
اعلم أن علم المولى سبحانه وتعالى محيط بما لا نهاية له، والجهل وما في معناه مستحيل عليه فيلزم أن تصديقه تعالى المرسل مطابق لما في علمه من الصدق والأمانة الثابتين لهم، فيستحيل أن يكونوا في نفس الأمر على خلاف ما علم الله تعالى، وقد أمرنا الله تعالى بالإقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم، فيلزم أن يكون جميعها على وفق ما يرضاه تعالى لأنهم أماء مبلغون الرسالة عن الله تعالى، وهو الذي اختارهم على جميع الخلق وأمنهم على سر وحيه، فلا يكونون مخالفين له في شيء أصلاً وهو المطلوب.
ويؤخذ منه جواز الأعراض البشرية عليهم، إذ ذاك لا يقدح في رسالتهم وعلو منزلتهم عند الله تعالى بل ذاك مما يزيد فيها. فقد بان لك تضمن كلمتي الشهادة مع قلة حروفها لجميع ما يجب على المكلف معرفته من عقائد الإيمان في حقه تعالى وفي حق رسله عليهم الصلاة والسلام
اعلم أن معنى محمد رسول الله، الرسالة ثابتة لمحمد عليه الصلاة والسلام وبالقياس عليه تثبت الرسالة لإخوانه المرسلين، فلا يمتنع في حقهم عليهم الصلاة والسلام إلا ما يقدح في رتبة الرسالة. ولا يخفى أن الأعراض البشرية من الأمراض ونحوها لا تخلّ بشيء من مراتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فظهر لك من هذا كله أن معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله اشتمل على الواجب في حق الله، وفي ضمنه المستحيل عليه تعالى والجائز في حقه. والواجب للرسل، وفي ضمنه المستحيل عليهم، والجائز في حقهم، وجميع السمعيات من الحشر والنشر والصراط والميزان إلى آخره.
الجزء 1 · صفحة 38
ولعلها لاختصارها مع اشتمالها على ما ذكرناه جعلها الشرع ترجمة على ما في القلب من الإسلام ولم يقبل من أحد الإيمان إلا بها
المعنى- لعل السر الإلهي في اختيار هذه الكلمة المشرفة في قبول الإيمان بها دون غيرها مما يدل على ثبوت الوحدانية له تعالى والرسالة لرسوله عليه الصلاة والسلام أنها اشتملت على أمرين اختصار حروفها والاشتمال على جميع معاني عقائد التوحيد، وذلك من جملة ما خصّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكلم الجوامع التي لا تحصى معانيها.
فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها مستحضراً لما احتوت عليه من عقائد الإيمان حتى تمتزج مع معناها بلحمه ودمه، فإنه يرى لها من الأسرار والعجائب إن شاء الله تعالى ما لا يدخل تحت حصر. وبالله التوفيق، لا رب غيره ولا معبود سواه، نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وأحبتنا عند الموت ناطقين بكلمة الشهادة عالمين بها. وصلى الله على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين
الجزء 1 · صفحة 39
المعنى- إذا كان قدر هذه الكلمة المشرفة من أعظم الأمور تعين على العاقل الذي يريد الفوز بالنعيم أن يكثر من ذكر هذه الكلمة المشرفة في كل وقت، وأراد المصنف بقوله: حتى تمتزج إلى آخره غلبة النطق بها على لسانه فلا يلهج إلا بها، ومعناها على قلبه حتى لا يفتر اللسان عن الذكر، ولا القلب عن استحضار معناها، وقوله: (فإنه يرى لها الأسرار والعجائب إن شاء الله تعالى ما لا يدخل تحت حصر) أراد بالأسرار ما يزين الله به باطنه من المعارف والأوصاف المحمودة: فمنها الاتصاف بالزهد، والمراد به تجرد القلب من ميله إلى التعلق بالأمور الفانية من مال وبنين. ومنها التوكل وهو في اللغة: العجز والاعتماد على الغير، وفي الاصطلاح: ثقة القلب بالله تعالى بحيث يسكن عن الانزعاج والقلق عند تعذر المعيشة، ولا يضر في توكله تلبس ظاهره بالأسباب كالصنعة، والتجارة، وتعاطي الدواء للصحة لأن التوكل محله القلب وحركة الظاهر لا تنافيه. ومنها الحياء، وهو في اللغة: انقباض وخشية يجدها الإنسان من نفسه عند ما يطلع منه على قبيح، وفي الاصطلاح: تعظيم الله تعالى بدوام ذكره، وامتثال أمره ونهيه. ومنها الغنى، والمراد به هنا: غنى القلب بسب سلامته من كل ما يشغله عن الله تعالى من مال وبنين فلا يعترض على الأحكام بلو ولا بلعل لعلمه بمن صدرت منه عزّ وجلّ المنفرد بالخلق والتدبير. ومنها الإيثار على نفسه بما لا يذمّه الشرع وغير ذلك، وأراد المصنف بالعجائب والكرامات، وهي الأمور الخارقة للعادة. والمراد من التوفيق في كلامه خلق قدرة الطاعة في العبد. وفقنا الله تعالى جميعاً لما فيه رضاه والحمد لله أولاً وآخراً.
تم تلخيص هذا الكتاب في شهر ذي الحجة آخر شهور سنة 1330 هجرية، على صاحبها أفضل السلام وأزكى التحية.
فهرس
الموضوع صفحة
- خطبة الكتاب 2
- مبادئ علم التوحيد ... 3
- مقدمة في الحكم العقلي وأقسامه وتعريف كل قسم ... 4
- الصفات الواجبة لله تعالى ... 6
الجزء 1 · صفحة 40
- المستحيل في حقه تعالى ... 12
- الجائز في حقه تعالى ... 13
- براهين الصفات الواجبة له تعالى ... 14
- الصفات الواجبة للرسل عليهم الصلاة والسلام ... 18
- المستحيل والجائز في حقهم ... 19
- براهين الصفات الواجبة لهم ... 20
- دليل جواز الأعراض البشرية عليهم ... 21
- بيان أن كلمة التوحيد تجمع العقائد كلها ... 21
- بيان أن قولنا "محمد رسول الله" يدخل فيه الإيمان بسائر الأنبياء
والكتب السماوية واليوم الآخر 25
- ويؤخذ منه وجوب صدق الرسل واستحالة الكذب عليهم 26
- ويؤخذ منه جواز الأعراض البشرية عليهم، عليهم الصلاة والسلام 26