التدريب أقوى الوسائل ......
. في مكافحة الفكر المتطرف
جارٍ تحميل الكتاب…
التدريب أقوى الوسائل ......
. في مكافحة الفكر المتطرف
التدريب أقوى وسائل
في مكافحة الفكر المتطرف
(التجربة الأردنية نموذجاً)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
* علة الإرهاب:
يعتبر الفهم الخاطئ للدين منبعاً للفكر المتطرف، وينتج هذا الفهم من خلال تلقيه من مرجعيات غير مؤهله تعمل على الرجوع للكتاب والسنة مباشرة لأخذ الحكم الشرعي، أو الأخذ من جميع المذاهب بلا ضابط ولا دراسة متخصصة.
* طريقة الفهم الصحيح للدين:
يتم الفهم الصحيح لأحكام الدين من خلال اتباع المنهجية العلمية والتي تتمثل في السير على طريقة المذاهب الأربعة في الفقه والأصول
والعقيدة، وتدريب المسلمين عليها وإشاعتها بينهم للعمل بها مثل العصور التاريخية السابقة.
وتنبع أهمية الفهم الصحيح للدين ــ في محاربة الفكر المتطرف ـ من كونه المؤثر الأقوى في سلوك الأفراد والمجتمعات؛ فبالدين يتغلب الإنسان على ضعفه من خلال الرجوع لله تعالى القوي، فكلما ازداد تديناً ازداد قوة.
و الدين مصدراً أساسيا ً لمعرفة الصواب والخطأ في كل التصرفات فيختار به الأفضل، فيصل بذلك لأعلى درجات الرقي الإنساني.
* آثار الفهم الخاطئ للدين:
نتج عن الفهم الخاطئ للدين آثاراً سلبية عديدة، أوجبت على أهل الاختصاص العمل بشكل سريع لمحاربة هذه الآثار التي كان التطرف والإرهاب من أهمها، فعملوا على إحداث برامج متعددة منها الدبلومات التدريبية المتخصصة في دراسة المذاهب الفقهية المعتبرة والتي من يتم الفهم الصحيح للدين كما سبق.
ولقد تعدد مشكلات المجتمعات المسلمة بسبب الانحراف في فهم الدين، ويمكن تلخيص هذه المشكلات بما يأتي:
1 ـ انتشار الجهل في فهم الأحكام الشرعية والمعرفة بالأمور الدينية.
2 ـ الفوضى الدينية العارمة في المعارف الدينية ومصادرها المعتمدة.
3 ـ التخبط الكبير في طرق الوصول للفتاوى الشرعية.
4 ـ ظهور الأحزاب الإسلامية الداعية لتطبيق الشريعة مع فقدانها الخطة والمنهجية العلمية الصحيحة في ذلك.
5 ـ بروز الجماعات التكفيرية وتأثر الشباب المتدين بها.
6 ـ ضعف الجانب التربوي الديني لدى الأفراد والأسر والجماعات.
7 ـ غياب الأدوات الإصلاحية الاقتصادية النابعة من الشريعة الاسلامية.
8 ـ قلة بضاعة الفرد والأسرة بالثقافة الدينية اللازمة للإصلاح الاجتماعي.
9 ـ شيوع التحلل والتفكك الأسري نتيجة انتشار المفاهيم الخاطئة عن الحياة.
10 ـ خروج فئة متدينة في المجتمع بطقوس وهيئات معينة ترسم صورة الدين بهذا النمط.
11 ـ ارتفاع معدل الجريمة في الحق العام للدولة والمجتمع بسبب ضعف الوازع الديني، والاعتماد على فتاوى غير المختصصين فيما يتعلق بممتلكات العامة للدولة.
* سبب انتشار الفهم الخاطئ للدين:
هذا ويمكن ارجاع سبب انتشار الفهم الخاطئ للدين، وشيوعه بهذه الطريقة بين الأفراد والمجتمعات إلى تراجع دور المؤسسات الرسمية في نشر الفهم الصحيح للدين بين الناس، وترك الساحة لفئات الفكر الخاطئ لنشر أفكار تسببت في تلك الآثارالتي يعاني منها المجتمع الآن.
وفي نفس الوقت لقيت هذه الفئات دعماً كبيراً معنوياً ومادياً، وفتحت لها الجامعات لنشر أفكارها، ونقلت أفكارها للمناهج المدرسية، وبسطت نفوذها على شبكات التواصل الاجتماعي، والمحطات الإعلامية المختلفة، والمواقع الالكترونية المتعددة، بالإضافة إلى التسجيلات الصوتية، والمنشورات الورقية، والكتب المجانية التي نشرت ووزعت على مختلف العالم الإسلامي كل هذا بالإضافة إلى توليهم منصب القضاء والافتاء في بعض الدول، فكان كل ذلك سبباً في
إظهار الدين والتدين سبباً عاملاً رئيساً في زيادة المشكلات الاقصادية والسياسية والاجتماعية.
فمنهج هذه الفئات يخالف المنهج الموروث لفهم الدين عبر التاريخ، والذي تناقلته الأجيال جيلاً عن جيل، وتلقته الأمة بالقبول، وعملت به على مر العصور، وكان سبباً في تطورها في مختلف العلوم، والمتمثل بمنهج أهل السنة والجماعة المعتمد على نقل القرآن والسنة، والفهم لهما عن الصحابة والتابعين وأئمة الدين من أصحاب المذهب الفقهية الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة)،والمذاهب العقدية (الأشعرية والماتريدية وفضلاء الحنابلة).
ففرعت هذه المذاهب الفروع الدّقيقة في كافة مناحي الحياة من عبادات ومعاملات وأحوال وقضاء وغيرها، فكفت الدول والجماعات والأفراد، وقعّدت القواعد الصّحيحة، وأصّلت الأصول المتينة التي يمكن الاعتماد عليها في تلبية كل الحاجات المستجدة، والمسائل المستحدثة في التكنولوجيا المعاصرة بما يتوافق مع تطلعات المسلم وازدهار مجتمته وتطوره، ولا يخالف دينه ومصالحه الدّنيوية وفقاً للقواعد الفقهية.
* مدرستا الفكر المنحرف:
ترجع الأزمة الدّينية التي تعصف بالمجتمعات إلى مدرستين معاصرتين ظهرتا نتيجة تغييب المدرسة السّنية الأصيلة، وهما: مدرسة التحلل (الإباحة) ومدرسة التّشدد (التّحريم)، وكل منهما لها خطر جسيم على المجتمع، وبمنهج الفهم الخاطئ أوصلتا المجتمع إلى ما نحن عليه من شتات وضياع واضطراب وإرهاب، وتخبط ديني.
فمدرسة التّحلل (الإباحية) تعتمد في فهم الأحكام الشّرعية على العقل المجرد الخالي عن القواعد الفقهية والأصولية؛ لعدم اعتماد أصحابها على مذهب من المذاهب دراسة وضبطاً لأنّ أربابها لا يدرسون مذهباً من المذاهب بعينه ويضبطونه، فكامل اعتمادهم على الثّقافة الشّرعية العامّة من هنا وهنا بدون ضبط، وتمكّن من قواعد العلم، فكانت الأحكام الشّرعية أهواء على حسب رغبة القائل؛ لأنّها لا تنطلق من قاعدة علمية، وإنّما من هوى النّفس، فأفتوا بإباحة المحرّمات ـ المتفق على حرمتها ـ، ولم يكن سلوك بعضهم سوياً لخلوه من المنهجية العلمية، وغياب الجانب التربوي، وكانت هذه الطريقة بلاء على المجتمع في زيادة التّخبط والاضطراب وإفقاد الثّقة بالدّين وعلمائه، وحافزاً للبعض في التّوجه نحو التّشدد (الإرهاب)؛ لأنّه رأى في الصورة السّابقة إضاعة للدّين، وأنّ التّدين يكون بالتّمسك بالظّواهر والتّزمت في الاحكام.
وأما مدرسة التّشدد فتعتمد على الأخذ بظواهر النّصوص القرآنية والنّبوية، وتفسيرها كيفما شاءت؛ فقد غفلت عن الشّق الثّاني من منهجية أهل السّنة في التعامل مع النصوص، وهو نقل الفهم المستقيم لهما من الصّحابة والتّابعين وأئمة الدّين من خلال المذاهب الفقهية والعقدية السنية.
فوقعت في خلط شديد كسائر الفرق الضّالة في التّاريخ التي تمسّكت بجانب بالقرآن والسّنة وفهمتهما بهواها كما حصل من الخوارج حيث كفّروا الصّحابة والتّابعين وقاتلوهم نتيجة عدم أخذهم مع القرآن والسّنة بالفهم الموروث لهما، فهذه نقطة فاصلة بين أهل السّنة وغيرهم، بها تميّز أهل السّنة بوجود الفهم الصّحيح للدّين وضلّت غيرهما بتركها وتفسير الدّين برغباته.
فهذه المدرسة أفرغت الدّين من محتواه وصار مجموعة طقوس ومظاهر، وصارت تقدم لهم صوراً وهيئات متعددة على حسب فهم القائل، بسبب فقدها للقواعد الفقهية والأصولية والفروع الفقهية الصّحيحة، وإنّما هي نظرات لقائلها في القرآن والسّنة غير منضبطة بضابط، مما أوقعنا في كارثة دينية بتقديم فتاوى غريبة ممن ليس أهلاً للأحكام الشّرعية، فخرجت من بطنها كل الجماعات التّكفيرية، وكانت
سببا لظهور الانحرافات لدى الجماعات الإسلامية والفشل في تقديم الحلول الاقتصادية والاجتماعية.
* علة انحراف مدرستي التحلل والتشدد:
ومرد الانحراف عند المدرستين هو فقدان المنهجية العلمية في فهم النصوص الدينية؛ وذلك بترك القواعد والأصول التي تم تحقيقها من قبل أصحاب المذاهب الأربعة لفهم الشريعة.
فعدم اعتماد منهج مذهب من المذاهب معناه:
عدم دراسة الشّريعة بطريقة علمية صحيحة تُكَوِّن للطالب ملكة علمية مبنية على قواعد مدرسة فقهية وعقدية، وهذا يؤدي إلى:
أولاً: تُكَوِّن ثقافات عامّة في الشّريعة بقول من هذا المذهب أو هذا المذهب، وكثير من هذه الثّقافات تكون خاطئة؛ لانعدام قدرتهم على استخراج قول من أقوال المذهب من كتبه المعتمدة؛ لعدم دراسته له ومعرفته بقواعده، فكانت بالتالي ثقافات شرعية خاطئة.
ثانياً: النّظر في القرآن والسّنة من غير المجتهد فلا يقدر على الجمع بين النّصوص الشّرعية، ودفع التّعارض بينها، وتقديم الفهم الصّواب لكل حرف وكلمة وجملة فيها على حسب قواعد علمية مبينة في أصول
الفقه يضمن لنا عدم الانحراف في فهمها، وعدم الخروج عن فهم الصّحابة والتّابعين وأئمة الدّين.
أما المذاهب الفقهية الأربعة فقد قدّمت لنا جميع الاحتمالات الصحيحة في فهم القرآن والسنة؛ لأنَّ كل مذهب منها هو مدرسة كبيرة جمعت ما لا يحصى من علماء السّلف والخلف، فكانت جامعة لكل الأفهام الصّحيحة للدّين كما أجمعت عليها الأمّة، ففي «الفروع» (¬1): «إنَّ الإجماع انعقد على تقليد كلّ مِنَ المذاهب الأربعة وأنَّ الحقّ لا يخرج عنهم».
ففتح الباب لغير السائرين على طريق المذاهب الأربعة لإعادة النظر في القران والسنة من جديد هو عنوان ضياع العلم الشرعي، وتحوله إلى أهواء وأمزجة من كل أحد، وضياع العلم ضياع للدين، فمن يسير على غير قواعد المذاهب ويعتمد على فهمه المنفرد يُشكل خطراً على العامة والخاصة، وانعداماً للتخصصية في العلوم الشرعية، ومركزاً للتطرف والإرهاب.
¬
(¬1) الفروع للمرداوي 6: 421.
* طريق الإصلاح مدرسة الفكر السليم (المذاهب الفقهية):
من خلال ما تقدم تبيّن لنا وجود ثلاث مدارس في فهم الدّين وهي: مدرسة التّحلل، والتّشدد، والتّوسط.
وأنّ المدرستين الأولتين يمثّلان الفهم الخاطئ للدّين الذي أوصل الإسلام إلى هذه الصّورة البشعة من الإرهاب، وفقدان دوره الإيجابي في الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسّياسي، وقد سبق بيان سبب انتشار كل منها.
ويعد من أكبر عوامل تقليل الآثار السلبية لمدرستي الفكر المنحرف هو مزاحمة مدرسة التّوسط لهما في هذه المناحي، ولكن تأثيرهما السّلبي بقي منتشراً في البلاد.
ومدرسة التّوسط هي مدرسة المذاهب الفقهية والعقدية المنضبطة المعروفة عند أهل الّسنة عبر التّاريخ، والتي حُفظ بها الدّين ونُقل إلينا، وكان يُحكم بها العالم كاملاً من خلال الدّول المتعاقبة من أموية وعباسية وسلجوقية وغزنوية ومملوكية وأيوبية وعثمانية، وقد أثبتت عبر التّاريخ قدرتها على تقديم الصّورة المشرقة للإسلام، والقدرة على تقديم الحلول الدّينية لكل المشاكل المجتمعية.
* خطوات مكافة الفكر المنحرف:
وطريقنا لحل المشكلة الدّينية والانحراف هو:
أولاً: إزالة الفهم المنحرف للدّين الذي نتج من خلال هاتين المدرستين الجديدتين في سرقة الإسلام وتحريف أحكامه,
ثانياً: التّمسك بالعلمية والمنهجية من خلال مدرسة التّمذهب.
وهذا يحتاج إلى مرحلتين أساسيتين يكون فيهما إعادة تأهيل كل المشتغلين بالجانب الدّيني في المجتمع، ويبنى عليها وسائل متعددة فيما بعد، وهما:
الأولى: تقديم الفهم السّني للدّارس المتمثّل في مدرسة التّوسط من المذاهب الفقهية والعقدية، وتفنيد كل شبهات مدرسة الإباحة ومدرسة التّشدد، حيث يُقدم برنامج أولي قصير كدبلوم تدريبي أو دورة تدريبة في توضيح منهج أهل السّنة الوسطي، وإزالة جميع الشّبهات التي تُطرح عليه ومناقشتها حتى يتمسَّك الدّارس به، وفي أثنائه تفنّد عامة أفكار وفتاوى المدرستين المنحرفتين، كما سيأتي.
الثانية: التّمكن من الفهم السّني بتملك الأدوات التي تمكّنه من التّغيير والتّأثير والمناظرة والتّطبيق من خلال الدّراسات المتعمّقة لهذه المذاهب، ويكون هذا عن طريق ببرامج دراسية متكاملة تعتمد على
دراسة مذهب وضبطه، تشكّل كافّة صورالدراسات الجامعية المعروفة من دبلوم متوسط وبكالوريوس ودبلوم عالٍ وماجستير ودكتوراه.
فمتى استطعنا أن نحرر جميع الدّراسات الجامعية من فساد المدرسيتن السّابقتين أعدنا للإسلام روحه، ورجع علماً منضبطاً له قواعد وأصول يُبنى عليها ويُحتكم إليه بدل أن يكون ثقافات خاطئة وعواطف لا ضابط لها.
ونكون قد خرجنا من مشكلة تقليد الأفراد والتعصب لهم ــ سواء أكانوا معاصرين أو قدامى ــ إلى اتباع علوم مقعّدة منظّمة في فهم الدّين، تشتمل على آلاف العلماء يصحح بعضهم علم بعض، فنكون أمام علم صافي نقي، بخلاف تقليد الأفراد فإنّ احتمالية الخطأ كبيرة مما يوقعنا في مشاكل كثيرة.
* الاردن الأولى عالمياً في مواجهة الفكر المنحرف:
بسبب التحديات التي تواجهنا في الأردن بحكم موقعنا العالمي والعربي والإسلامي، ونتيج انتشار الفكر المنحرف، فإننا كنا أول من يقدم برامج متكاملة في مواجهة الفكر المنحرف، وهذا ما استطعنا أن نحققه في جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن حيث استطعنا أن
نفتح عدة كليات متخصصة في دراسة الشّريعة، وهي كلية الفقه الحنفي، وكلية الفقه المالكي، وكلية الفقه الشّافعي.
وكل واحدة من هذه الكليات تشتمل على جميع البرامج السّابق ذكرها حتى نتمكن من تخريج علماء قادرين على فهم الشّريعة بطريقة صحيحة مبنية على قواعد منضبطة، وذلك من خلال إحياء المنهجية العلمية التي توارثتها الأمة كابراً عن كابر في فهم الدّين، بدراسة المذهب من كتبه المعتمدة بإعانة أستاذ متخصيص فيه مع مراعاة المرحلية في الدّراسة من كتب مبتدئة إلى متوسطة إلى عالية.
ففي مرحلة البكالوريوس تدرس الكتب المبتدأة والمتوسطة، وفي الدراسات العليا تدرس الكتب العالية، فيتخرج الطالب متمكناً ضابطاً للعلم بفروعه وقواعده وأصوله، وبفضل من الله تعالى تفردت الأردن بعمل هذه البرامج العلمية من بين الدول المعاصرة بحيث تكون متوافقة مع النّظام المعاصر، وقد كانت في الدّول السّابقة ضمن مدارسهم الدّينية.
* تجربتنا الأردنية في التنفيذ:
لتحقق الأهداف المرجوة من هذه الدراسة فقد سرنا في المراحل الآتية:
أولاً: تجهيز كوادر تدريسية من حملة الدكتوراه، حيث خضعوا لثلاثة مستويات تدريبية لمدة سنتين درسوا فيها منهج أهل السّنة بطريقة مفصّلة من كتبهم الفقهية والعقدية، وطرحت لهم جميع الشّبهات وأجيب عنها، وتستمر برامج التّطوير معهم بصورة مستمرة، وهذا أساس النّجاح في البرامج، وهو الأستاذ المؤهل الضّابط للفكرة والمتمكّن منها، فلذلك كان أداؤنا مع المتدربين في أعلى مستوياته المطلوبة وكان النّجاح باهراً بفضل الله تعالى.
ثانياً: تحديد الفئة المستهدفة، وهي جميع المشتغلين في الجانب الدّيني من أئمة ومؤذنين وواعظات ومشرفات القرآن ومعلمي التّربية الاسلامية والقائمين على جمعيات التّحفيظ للقرآن؛ فهؤلاء يمثلون الواجهة الدينية لأفراد المجتمع، وهم أدوات للفكر المنحرف من حيث لا يشعرون. حيث أنّ أكثر من 95% يحملون الفكر الظلامي لمدرسة التّحلل والتّشدد، وينشرونه في المجتمع؛ لأنهم لم يجدوا من يعلّمهم الفكر المتوسط المعتدل للمدرسة المذهبية.
وسبب ذلك الابتعداد عن منهج الفكر المعتدل المتمثل بالمذاهب الأربعة، نتيجة غيابه من مراكز التعليم الرسمية وغير الرسمية في الدولة.
وقد دربنا في خلال سنتين ما يقارب 12000 متدرباً ومتدربة، ورأينا لديهم استجابة مذهلة وتشّوق شديد للفكر المعتدل، طالما أنّهم وجدوا من هو قادر على طرحه والتنظير له، وقد تجاوزت نسبة التّغيير أكثر من 90% على حسب التّقييمات التي كنا نجريها نهاية كل دفعة؛ فقد كان عامتهم حملة لهذا الفكر الخاطئ المنتشر في الجامعات والفضائيات ومواقع النت.
فعندما وجدوا غيره ولاحظوا قوته وفائدته تبرؤوا من هذا الفكر، إلا قليلاً ممن ترسخ الفكر الظلامي في قلبه، فمن الصّعب جداً أن يتركه، إلا أن خطره قلَّ نقلل خطره على المجتمع من خلال سماعه الصواب، ودخول التساؤلات العديدة على فكره في القيام؛ لأنّه فقد رأى وسمع منهجاً آخر قوياً جداً لم يستطع مناظرته والوقوف أمامه، وعادة من يعتقد هذا الفكر أصالة لا يتجاوز 5% من المتدينين، لكن بسبب تملكهم لوسائل الإعلام المختلفة يظهر عددهم أكثر من ذلك.
ثالثاً: تجهيز منهاج متكامل يكون بين يدي المتدربين، ويشتمل على ثلاث وحدات:
الوحدة الأولى: في المقدّمات الأصولية، حيث تشتمل على دفع أبرز شبهات المدرستين السّابقتين وتثبيت منهج أهل السّنة، وذكرنا خلالها:
الأُولى: في بيان أنَّه لا اجتهاد بلا أصول، وأنَّ عامّة ما نرى من اجتهادات معاصرة تعتمد على الهوى؛ لأنَّ مَن يقومون بها لا يسيرون على أصول، وإنَّما يفتون بلا ضبط، فكانت المخرجات التي نرى هذه الأيام فيها انحراف فكري وديني.
والثَّانية: في تعرّف مسالك العلل للأحكام وتتبعها في النُّصوص الشَّريعة؛ لأنَّ الأحكام التي بين أيدينا تفرَّعت على علل النُّصوص لا على ظواهرها فحسب، فما يفعلُه كثيرٌ من المعاصرين هو الاعتماد على الظَّواهر لا غير، وهذا خطأٌ كبيرٌ.
والثَّالثة: في بيان أنَّ الاجتهادَ في كلِّ ما يستجد من مسائل طريقه التَّخريج على أصول البناء والقواعد الفقهية عند الفقهاء، فمَن درس مذهباً فقهيّاً تمكّن من التَّعرُّف على ما يلزم من أحكام مستجدة لمجتمعه؛ لقدرته على تخريجها من مذهبه، وأنَّ طريق الاستنباط للأحكام من القرآن والسُّنة من جديد ممن ليس أهلاً له كان سبباً في عامّة المشاكل التي نعيش.
والرَّابعةُ: في بيان معنى قول الإمام الشافعيِّ - رضي الله عنه -: «إذا صحَّ الحديثي فهو مذهبي»، وبيان أنَّ الاستدلال به على ضعف أدلة المذاهب والحثّ على العمل بالحديث المخالف للمذهب خطأٌ فاحشٌ.
والخامسة: في بيان أنَّ هذه المذاهب الفقهية التي بين أيدينا لها طرقٌ متعدِّدة في البناء، فالمذهب الحنفي والمالكي اعتمد على النَّقل المدرسي، والمذهب الشَّافعيّ والحنبليّ اعتمد على النَّقل الحديثيّ، فمَن عرف ذلك عظمت هذه المذاهب في عينه، وعَلِم سبب الاختلاف بينها، وقِوى دليل كلٍّ منها فيما ذهب إليه.
والسَّادسة: في بيان طبقات المجتهدين والوظائف التي يقومون بها، وأنَّه لا حياة للدِّين بدون الاجتهاد، ولكن الاجتهاد له صور متعدِّدة من استنباط وتخريج وترجيح وتميييز وتقرير، واقتصار المعاصرين في الاجتهاد على الاستنباط كان من أبرز أسباب الضَّياع والشَّتات، وأنَّ هذا النَّوع كان في مرحلة في مراحل الاجتهاد لا غير.
والسَّابعة: في بيان أنَّ للفقهاء مدرسة متكاملة في تصحيح الأحاديث وتضعفيها، وأنَّ عدم الانتباه لذلك أوقعنا في مهلكةٍ كبيرةٍ في سوءِ الظَّنِّ بهم وعدم الثِّقة بما قدَّموه لنا من علم؛ لأنَّ التَّصحيح للأحاديث أمرٌ اجتهاديّ يرجع للأصول التي وضعها المجتهد في
الحديث للتَّصحيح، فالتَّحاكم لمدرسة المحدّثين فقط جعلنا نحكم بضعف أدلة الفقهاء، ولو تعرّفنا على مدرستهم لعلمنا قوَّة أدلّتهم.
والثَّامنة: في بيان أسباب تقليد المذاهب الفقهية عند أهل السُّنّة دون غيرهم من الاجتهادات التي ظهرت عند السَّلف.
والتاسعة: بيان أهمية الالتزام بالمهذب فقهي للخروج من الفوضى الفقهية، وعدم التلاعب بأحكام الدين، وبيان صعوبة وعسر استنباط الأحكام من القرآن والسنة للمتأخرين، ويسر استخراجها من الأصول والقواعد وأقوال الفقهاء، وبيان أنه فائدة عملية تعود علينا بترك الالتزام المذهبي والدعوة إلى الاجتهاد لكل أحد.
والتنبيه أنَّ هذه المذاهب أصبحت علوماً مستقرّة لها أصولها وفروعها، تعدّ من أوسع العلوم التي عرفتها البشرية، واستطاعت الأُمَّة أن تبني من خلالها أقوى الحضارات البشرية.
والعاشرة: في بيان الفرق بين التَّعصب والتَّمذهب، فإنَّ التَّعصبَ مذمومٌ بلا شكٍّ، وهو مختلفٌ تماماً عن الالتزام بمذهبٍ فقهيٍّ؛ لأنَّه واجبٌ لتنظيم العلم وترتيب أمور النَّاس للخروج من الفوضى واللعب، وأنَّ مَن يَتهمون غيرهم بالتَّعصب هم في الحقيقة أكثر مَن يقوم بالتَّعصب.
والحادية عشرة: في بيان أهمية دراسة فقه الاختلاف، وبيان الفرق بين فقه الاختلاف وعلم الاختلاف والفقه المقارن، وأنَّ فقه الاختلاف هو ما نحتاج له، وأما الفقه المقارن فدراسته الخاطئة أوقعتنا في مشاكل كثيرة؛ لذلك كانت الدَّعوة لضرورة الدِّراسة المذهبية فحسب، وأنَّها السَّبيل للخروج من هذا الانحراف العلمي والفكري والدِّيني.
وتحتاج هذه الوحدة إلى (18) ساعة تدريبية.
الوحدة الثانية: في بيان العقائد السّنية للمذاهب العقدية الأشاعرة والماتريدية وفضلاء الحنابلة، وتبيين أنّ عقائد أهل السّنة لا تخرج عن هذه المذاهب، وتوضيح فكرة التّجسيم التي شاعت عند أرباب مدرسة التّشدد، وإقامة البراهين على بطلانها.
وهذه الوحدة تحتاج إلى (6) ساعات تدريبية.
الوحدة الثّالثة: دراسة العبادات على مذهب فقهي من طهارة وصلاة وصيام وزكاة وحجّ، وبيان عامّة تفاصيله التي يحتاج إليها الدّارس، بحيث يستغني عن فتاوى المدرستين السّابقتين.
وكان التّركيز أثناء تدريسها على كل المسائل المطروحة في تلك المدرستين وإقامة الأدلّة العديدة على عدم صحتها بحيث لا تبقى شبهة عند الدّارس في فسادها وفساد أدلتها المزعومة، وإرجاع الدّارس إلى المنهجية الصّحيحة في فهم الأحكام الشّرعية.
وكانت هذه الوحدة تستغرق (48) ساعة تدريبية.
رابعاً: تقييم الطلاب الكترونيا بحيث تم تجهز بنك أسئلة يشتمل على ألف سؤال، يجيب الطالب على 50 سؤالاً منها، نتعرف من خلالها مستوى الطالب.
خامساً: الزام الطالب بحفظ منظومة علمية في المادة التي درسها من (150) بيتاً شعرياً، وهي مفيدة جداً في ترسيخ كل ما درس من قواعد؛ لذلك قالوا: من حفظ المتون حاز العلوم.
سادساً: اعتماد أسلوب المحاورة والمناقشة العلمية؛ لأنه أفضل الوسائل في مواجهة الفكر الظلامي هو مقابلة بالفكر النوراني، ومقابلة الشّبهة بالحجة الدّامغة، بحيث يترك هذا الفكر كل من هو راغب في البحث عن الحقيقة.
* التطلعات المستقبلية:
1 ـ أن يشمل هذه البرنامج كل فئات المجتمع الرّاغبة بتعلّم الأحكام الشرعية، حتى نلبي حاجيات كل الرّاغبين بطريقة صحيحة، ولا يتلقون الدّين بطريقة خاطئة.
2 ـ تعميم هذه التّجربة في كافة دول العالم؛ لأنا وجدناها أفضل أسلوب لمواجهة الفكر الظلامي المتطرف ودفع جميع شبهاته وتلبية حاجة المتدينين بتعلم الدين بطريقة سليمة.
3 ـ تصحيح المناهج المدرسية بحيث لا تخرج في مضمونها عن الفهم السني من خلال المذاهب الفقهية والعقدية.
4 ـ انضباط الفتوى في دور الإفتاء فلا تخرج عن المذاهب السنية.
5 ـ إعادة النظر في قوانين الأحوال الشخصية بحيث لا يخالف الإجماعات.
6 ـ فتح المراكز الشرعية التي تعلم الفقه والعقائد والتزكية لأفراد المجتمع بالطريقة السنية.
7 ـ فتح برامج تدريبية دورية للمشتغلين في الجانب الديني من المدرسين والأئمة والمفتين والقضاة.
8.الحرص على توظيف الكوادر المتخرجة في المساجد لنشر فكر المذاهب الأربعة للعامة والخاصة، لأثر الإمام الكبير في المجتمع، وإصلاح الأئمة الآخرين من خلال الدورات العلمية لابعاد الفكر المنحرف من المجتمع ومؤسساته.
9 ـ تغيير مناهج جميع كليات الشّريعة بحيث تكون علمية مذهبية متوافقة مع التجربة الحضارية للأمة الإسلامية على مذهب فقهي وعقدي منتشر وشائع في ذلك البلد، ولا تعتمد في مناهجها ودراستها على مدرسة التحلل ومدرسة التشدد؛ لأن هذه الانحراف الديني نابع منهما.
10 ـ تدريب جميع دكاترة الشريعة على المذاهب الفقهية والعقدية ودفع جميع الشبهات لديهم بخصوصها حتى لا يكونوا أدوات لنشر الفكر المنحرف من حيث لا يشعرون؛ فتقصير كليات الشريعة ومدرسيها في القيام بواجبهم من خلال تدريس المناهج السنية هو سبب رئيس في تفاقهم المشكلة؛ لعدم قدرتهم على تأهيل أجيال تحمل الدين بطريقة صحيحة، فكان طلبة الشريعة على أحد حالين: إما فارغين علميا، وهذا حال الأكثر، وبالتالي يتلقون الفكر المنحرف من الخارج وينشرونه من غير وعي، وإما دارسين لهذا الفكر المنحرف ومدافعون عنه.
ولا يمكن أن يتغير حال المسلمين إن لم تتحمل كليات الشريعة مسؤولياتها وتُخرج لنا علماء ربانيين يقودوا المجتمع إلى برّ الأمان على قواعد علمية رصينة، بحيث يصبح الدين الصحيح هو أكبر أدوات حفظ المجتمع وتثبيت أركانه، وأن أثر مدرس الدين وإمام المسجد
ودكتور الشريعة لا يماثله أثر في تقوية المجتمع والحفاظ عليه، بحيث لا فعلى الدول أن لا تدخر جهداً في زيادة عدد الشرعيين والإنفاق على تدريسهم وبرامجهم ومشاريعهم؛ لما في ذلك من حفظ الأمن القومي للمجتمع وزيادة الطاقة الانتاجية فيه، والتخلص من الانحلال الاجتماعي، وكل هذا يحصل من خلال التدين الصحيح على منهج أهل السنة بالتزام مذاهبهم الفقهية والعقدية المتبعة.
• • •
الخاتمة:
لا يمكن مواجهة الفكر الظلامي إلا بالفكر النوراني، الذي يعمل على إزالة الفكر المنحرف، فسيل الجهل لا يوقفه إلا سدُّ العلم المتمثل بتعليم الفكر السني من خلال المتمثل بالمذاهب الفقهية والعقدية والسلوكية، التي تعطي المسلم كافة احتياجاته الدينية بطريقة سليمة وتحصنه ضد الفكر المتطرف، وتصنع منه عنصر بناء لا هدم في المجتمع.
وإننا في الأردن أول من استطاع أن يقدم برامج علمية عملية متكاملة في ذلك، ودربنا عليها آلاف الشرعيين في وزارتي التربية والأوقاف، وحققنا نتائج مذهلة جداً في التغيير الفكري إلى الأحسن وإقصاء الفكر الإرهابي.
ونرغب بتعميم فكرتنا في كافة دول العالم، ونمد يد العون لكل الراغبين في مواجهة الفكر المنحرف من أجل نقل التجربة الأردنية وتدريب المدربين الشرعيين من جميع الدول حتى نملكهم الأدوات التي ملكناها في سنوات عديدة من خلال دبلومات تدريبية متخصصة.
• • •