البهجة الوردية ......
.. في الحياة الزوجية
جارٍ تحميل الكتاب…
البهجة الوردية ......
.. في الحياة الزوجية
بسم الله الرحمن الرحيم
البهجة الوردية
في الحياة الزوجية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله على نعمة الإسلام، وهداية الأديان، وبناء الأُسر، وإعمار الأوطان، والصّلاة والسّلام على سيد الأنام، معلِّم البشرية للآداب والأحكام، وناشر الخير والمعروف بين الإنس والجان.
وبعد:
فإنَّ من عظيم نعم الله تعالى علينا نعمة هذا الدّين الحنيف، وتشريعاته المعتدلة، وقوانينه المنتظمة، التي ارتقت بالإنسان إلى أعلا الكمالات، وأخرجت للبشرية خير الأُمم، قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110].
فنحن أمام أعظم أمّة عرفها التّاريخ، وأمام أعظم حضارة للبشرية، فلا تُقاس الحضارات بالصّناعة والعمران، وإنَّما بعدلها وإنسانيتها ورقيها وإسعادها للإنسان، وتركها للظلم، وتحقيقها لحاجات البشرية باعتدال وغيرها من صفات الكمال.
فالأفهام للحياة متعددةٌ تختلفُ بين الأَخ والأَخ والصديق والصديق والجار والجار والقرية والقرية والمدينة والمدينة والدّولة والدّولة، ولكن من بين هذه الأفهام ما هو الفهم الصّحيح للحياة؟ وما هو الفهم الذي يُقدِّمُ السّعادة للبشر؟ ما هو الفهم المُجَرَّب في التّاريخ في إسعاد الإنسان؟
لا شك ولا ريب أنّه لكلِّ مسلم عاقل عزيز، هو فهم دينه الذين اختاره وأحبّه، وإلا فليختر ديناً آخر، وهو فهم القرآن والسّنة، وفهم ربّ العزّة وفهم نبي البشر - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا الفهم جمعه العلماء في علوم كبيرة عظيمة من الفقه والتزكية والعقيدة وغيرها من علوم الإسلام، التي تمثّل الفهم المراد للمولى سبحانه وتعالى في تصوّر الكون، وكيفية الحياة، وكيفية العمل والسّلوك.
فلا عمل لعلمائنا إلا بيان مراد الله تعالى، ومراد نبيّه - صلى الله عليه وسلم - للبشر بشرحه وتوضيحه، حتى قَعَّدوا لها القواعد ووضعوا له الأصول، وألّفو فيه الكتب وأكثروا فيه من الفروع، فلا تبقى شاردةٌ ولا واردةٌ إلا ذكروها.
ولم يتركوا للعابثين دوراً في أن يتلاعبوا بشريعة الله تعالى، ويُقدّموا لها أفهاماً كيف شاءوا، بل نظّموا العلم ورتّبوا العلوم بحيث من خرج عن مضمارها خرج من دائرةِ أهل السُّنة في فهم الدّين، وهي تمثّلُ الفهم الحقّ لهذا الدّين.
وبالتالي لا بُدّ من التّفريق بين أمرين:
الأول: وهو كلُّ أمر وقع فيه إجماعٌ؛ لقطعيّة النّصوص فيه من القرآن والسنة والآثار، بحيث يمثّل الثّوابت في هذا الدّين، ولا يجوز المخالفة فيه، ومَن يعترض عليه يُخشى عليه في دينه؛ لأنّه يمثّل أمر الله تعالى القاطع الواجب العمل به والاعتقاد له.
ومن هذا: اختلاف الرّجال والنّساء في الأحكام، وتعدد الزّوجات، وثبوت الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، ووجود القوامة للرجل، ومعرفة حق الزوج في التّأديب الشّرعي، وكبيرة الزنا، وحرمة كشف المرأة لغير الوجه والكفين، وحظر سفر المرأة بغير محرم، وحرمة الاختلاط المحظور بين الرّجال والنّساء، وجواز العقد للنكاح على الصّغير والكبير، ولزوم النّفقة على الرجل للأسرة، وأحقية الزّوج في الطلاق، وإثم الزوجة إن امتنعت عن فراش زوجها بغير حق، وأحقية المرأة بالمهر، وبشاعة اللواط، وشناعة السّحاق، وحظر التّحول الجنسي وغيرها.
فإن صدرت هذه الأفعال من مسلم فهو مرتكب لمعصية وكبيرة، أما إن كان يعتقدها فهو على خطر شديد؛ لأنّ شرب الخمر وفعل الزنا حرام، ولكنّ اعتقاد حلّيته كُفر بالله تعالى، فعلى العاقل أن يدرك أين هو؟، وأين مكانه؟، وما هو حاله؟.
فهل أنت ممن ترضى بشرع المولى سبحانه وتعالى، وتسعى للعمل فيه، فأنت من الفائزين، أم أنت من المخالفين له التّاركين لطريقه الشّاكين به المعترضين عليه فأنت من الهالكين في الدّنيا والآخرة، أم أنت من المتساهلين المقصّرين الجاهلين بأحكام الشّرع، فيجب عليك التّعلم والالتزام والعمل
وترك أفعالك المخالفة للشرع حتى لا تكون من الصنف الثاني، فتهلك وتهلك.
فإما أنت تكون مسلم صالح مصلح، كما في القسم الأول، وإما أن تكون ضال مضل ويمكن أن تكون خرجت من الدين، كما في القسم الثاني، وإمّا أن تكون مسلم فاسق عاص، كما في القسم الثالث.
والثاني: أن يكون الأمرُ مختلَفاً فيه، والنّصوص القرآنية والنبوية فيه ظنيّة، وقد اختلف العلماء فيه، فمثلُه يجوز المخالفة فيه بحيث يكون عملك وقولك موافق لأحد الأقوال المنقولة عن الأئمة؛ لأنك إن خرجت عنها أصبحت داخلاً في الأمر الأول، وهو المتفق عليه؛ لأنك أَتيت بما هو خارج عما اتفقوا عليه من أقوال.
وفعل المسلم الموافق لأحدِ المذاهب المعتبرة لا يُنكر عليه فيه؛ لأنها من المتغيّرات والمختلفات في الدّين، فيكون الأمر فيه واسعاً.
إذا عرفت هذا فعليك أن تُدرك المتفق عليه والمختلف فيه، فلا تتجرأ على مجاوزة المتفق والاعتراض عليه لكي لا تهلك فتَضِل وتُضِل، وفي المختلفِ التزام مذهب والعمل به، وعدم الخروج لغيره إلا لحاجة، حتى يَستقيم حالك، وتنتظم حياتك.
وفيما يتعلّق بموضوعنا من الناحية الفكرية والتربوية والفقهية لفهم حال الرجل والمرأة وكيفية العلاقة بينهما، ففيها كما سبق العديد من المسلّمات التي لا يجوز تجاوزها، فلا يكون قيمة للأفهام الشرقية والغربية المقدّمة من هنا
وهناك ولو كانت من الأمم المتحدة التي تُعدّ أبرز الأدوات المعاصرة لظلم البشر وإفساد الإنسان وتدمير المجتمعات؛ لسيطرة ثلة من الأثرياء عليها.
وهؤلاء الفاسدون يعلمون أنهم لا يقدرون على حكم البشرية إلا بإفسادها، فكل جهدهم مركّز على تدمير بنية الإنسان، فينشرون الأفكار الغريبة، ويجعلونها من اتفاقيات الأمم المتحدة التي تسري على الدّول، كاتفاقية سيداو.
حيث تقدّم أفهاماً عجيبة غريبة، لا يُوافق عليها العقلاء، فكيف بأرباب الدّين الذين يثقون بالفهم الرباني للحياة الإنسانية ويسيرون عليه، ويريدون من هذه الأفهام الشاذة التي قدمونها أن يجبر عليها الناس، فأي شيء أعظم من الدين، ومع ذلك لا يكون فيه الإكرام، قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:265]، وإنما يكون البيان والتوضيح فمن شاء أسلم ومن شاء لا.
وإنّ هذا التّعالي من فئة تحكم الأرض، وتُجبر على أفكارها وأفهامها لهو عين التّجبر والتّكبير، فأين كلامكم من الحرية؟ وكيف تكون الحرية بإلزام غيركم برأيكم؟ رغم أنّهم لا يدينون بدينكم، ولا يسيرون على عاداتكم، فعامة ما تدعون له هو الحرية، وأنتم بفعلك تنقضون ذلك.
فعلينا أن نكون أحراراً حقاً، ونفعل ما يُناسب كلّ منا، ولكن حريتك محدودة بما اخترته، فإذا اخترت العمل بشركة، فعلينا الالتزام بنظامها وأخذ الأوامر من المسؤولين فيها، ومَن رغب بدين عظيم كالإسلام فحريته
محدودة بنظامه؛ لأنّه دَخله ورَضي به، وإلا فعليه أن لا يَدخله، هكذا نظام الحياة.
أما أن نفعل المتناقضات ونعتقد المتعارضات فهذا خارج عن طور العقلاء، فلا يصلح أن تقول: أنا مسلم أفعل ما أريد؛ لأن أوّل الكلام مناقضٌ لخاتمته، ولا يصلح أن تنادي بالحرية وتُلزم غيرك برأيك؛ لأن هذا معارضٌ للحرية.
فالتزامُنا بقواعد العقول يُخرجنا من عامّة ما نرى من العجائب، فعلينا أن نتفكّر أين نحن؟ وما لنا وعلينا؟ حتى نتكلّم ونعرف صفنا، ونلتزم بالحق في حياتنا.
وفي هذا الكتاب بعد أنّ حددنا صفّنا من أننا من المسلمين المتّبعين للشّرع الحكيم؛ للثقة العظيمة برب العالمين ونبيه الكريم - صلى الله عليه وسلم -، بذلت قصارى جهدي للبحث عن الفهم الصّحيح للرجل والمرأة وحقيقة العلاقة وكيفية التوصل بينهما في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والفهم المتوارث المنقول عن الصحابة وأئمة الدّين جيلاً بعد جيل؛ لأقدّمه للرّاغبين في العمل بشرعهم الكريم، بعد أن اختلطت الأفهام وتعارضت الأراء وكَثر القيل والقال من كل صغير وكبير.
فكان لا بد من إنهاء السّجال، والوصول إلى الغاية والمرام، بإحقاق الحق وكشفه وردّ الباطل وأهله، فحرصت كل الحرص على بيان كيفية تحقيق
الرّغبة الفطرية بالاتصال بين الرّجل والمرأة بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالخير، كما فهمته الأمّة المعصومة في تكوين علاقة زوجية مقدّسة.
وسميت هذا الكتاب:
«البهجة الوردية في الحياة الزوجية»
ويشتمل على وحدتين:
الوحدة الأولى: في الإرشادات التربوية في الحياة الزوجية، وفيها محاور:
المحور الاول: الاستعداد للحياة الزوجية، وفيه جانبان:
الجانب الأول كيف نستعد للزواج.
والجانب الثاني: النظرة الشرعية للعلاقة بين الجنسين قبل الزواج.
والمحور الثاني: لماذا نتزوج؟
الجانب الأول: دعوة الإسلام إلى الزواج.
والجانب الثاني: ما هي دوافع الزواج.
والمحور الثالث: كيف تختار شريك الحياة؟ وفيه ثلاثة جوانب:
الجانب الأول: ما هي أكمل الصفات في الزوجة؟
والجانب الثاني: ما هي أكمل الصفات في الزوج؟
والجانب الثالث: هل يباح زواج القريبة؟
والمحور الرابع: ما هو حكم الزواج وأحكام الخطبة؟ وفيه ثلاثة جوانب:
الجانب الأول: معنى الزواج بين الفقهاء والمعاصرين.
والجانب الثاني: ما هو حكم التزوج؟
والجانب الثالث: ما هي أحكام الخطبة؟
والمحور الخامس: كيف يكون الزفاف؟ وفيه جانبان:
والجانب الأول: ما هي آداب الزفاف؟
والجانب الثاني: بماذا توصى الفتاة عند زفافها؟
والمحور السادس: كيف يكون زواجك مثالياً؟ وفيه ثلاثة جوانب:
الجانب الأول: كيف تكون زوجاً مثالياً؟
والجانب الثاني: كيف تكوني زوجة مثالية؟
والجانب الثالث: كيف نربي أولادنا؟
والمحور السادس: ما هي آداب الإنفصال بين الزوجين؟
والوحدة الثانية: الأحكام الفقهية في الحياة الزوجية، وفيها محاور:
والمحور الأول: الزواج، وفيه جوانب:
الجانب الأول: ما هي أركان الزواج وشروطه؟
والجانب الثاني: ما هي شروط الزواج؟
والجانب الثالث: ما هي الشروط في الزواج؟
والجانب الرابع: ما هي الأنكحة المترتبة على الشروط في الزواج؟
والجانب الخامس: ما هن المحرمات في الزواج؟
والجانب السادس: لمن الولاية في الزواج؟
والجانب السابع: ما هي الكفاءة في الزواج؟
والجانب الثامن: ما هي أنواع المهر؟
والجانب التاسع: ما هي النكاح الباطل والفاسد والموقوف؟
والمحور الثاني: الطلاق، وفيه جوانب:
الجانب الأول: ما معنى الطلاق وحكمه ومحاسنه.
والجانب الثاني: ما هو الطلاق البدعي والسني؟
والجانب الثالث: ما هي شروط الطلاق؟
والجانب الرابع: ما هي صيغ الطلاق؟
والجانب الخامس: ما هي أنواع الطلاق؟
والجانب السادس: متى يكون اللعان؟
والجانب السابع: ما هو الإيلاء؟
والجانب الثامن: متى يكون الظهار؟
والجانب التاسع: متى يكون التفريق بين الزوجين؟
والجانب العاشر: ما هي أحكام العدة؟
والجانب الحادي عشر: ما هي الحضانة؟
والوحدة الثانية هي جانبي تكميلي لمن أراد أن يتعرف على بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالزواج والطلاق، ذكرت فيها الأحكام الفقهية التي ينبغي أن يطلع عليها الأزواج.
وفي الختام أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا الفهم الصّحيح والفكر الناضج، وأن يبصّرنا بما هو خيرنا واستقامة أمرنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
في تاريخ 2 ـ 6 ـ 2022 م
في صويلح، عمان، الأردن
الوحدة الأولى
الإرشادات التربوي في الحياة الزوجية
المحور الأوّل: الاستعداد للحياة الزّوجية؟
الجانب الأول: كيف نستعد للزواج؟
ينبغي لكلِّ أَب وأُم أن يُجهّزَ ابنَه وابنتَه لليوم الذي يستقلُّ كلُّ واحدٍ منهم في بيتٍ لوحدِه، فلا يبقى تحت مسؤولية والديه، بل يُصبح مسؤولاً عن غيره، بحيث يكون قادراً على القيام بحياته المستقلة على أتمّ وجهٍ.
وهذا يقتضي منا مسؤولية اتجاه ذلك، واهتماماً خاصاً به، وليس هذا محلّ بحثنا هاهنا؛ لأنّه سيكون كتاب آخر متعلّق بحقوق الآبناء والآباء.
وإنّما يقتصر كلامنا عن مسؤولية الفرد في الاستعداد لحياته الزّوجية، وبما عليه أن يهتم قبل أن يبدأ مشوار هذه الحياة التي يقضي فيها عامّة دُنياه، وما قبلها مجرد استعداد وتهيؤ لها.
وبالتالي لا يمكن حصر جوانب هذه الاستعداد لحياة تمتد لعشرات السّنوات، وإنّما نقتصر هاهنا على أبرز ثلاثة أمور يجب أن يهتم بها الرّجل،
وأبرز ثلاثة أمور يجب أن تهتم بها المرأة، والأمر الأوّل مشتركٌ بين الرّجل والمرأة، وهو التّربية الرّوحية لكل منهما، ولا يختلف الكلام فيها بينهما.
فإنّ عامة المشاكل في حياتنا يرجع للنقص التّربوي لدينا، فلا تكاد مشكلة تحصل معنا إلا ويكون لنا سببٌ في وجودها عادةً؛ لأنّ حصول المشاكل أمرٌ طبيعيّ، والحياة مبنيةٌ عليه، ولكن المشكلة كيف نتعامل مع هذه المشاكل ونحلُّها.
ولا شَكَّ أنّ هذا يحتاج إلى تربيةٍ نفسيةٍ وقلبيةٍ ولسانيةٍ بحيث نكون قادرين على التّعامل مع المشاكل بطريقةٍ صحيحةٍ، فتصبح لنا لا علينا، وترتفع بها أسهمنا في نظر غيرنا لا سبباً في تدمير بيوتنا؛ لأنّ الإنسان مواقف: أي قدره ومكانته بمقدار قدرته على التّعامل مع الأمور المختلفة في حياته، فإن أحسن التّعامل ارتفع، وإن أساء التَّصرُّف سقط.
وقُدرتنا على حسن التّصرف تحتاج إلى جهدٍ واستعدادٍ لمدةٍ مديدةٍ ووقتٍ طويلٍ؛ لأنّه ارتقاء بالسّلوك الإنساني لأعلى درجاته، ولا يصل للكمال فيه إلا مَن قضى عُمره في سلوكه لله مع أخذ الأسباب الصحيحة فيه ونال توفيق الله تعالى.
وبالتالي سيكون سعينا قبل الزّواج في تحصيل شيء من هذا السّلوك السّليم الذي سنستمر به بعد زواجنا وإلى آخر حياتنا، مع استحضار أنّ النقص يَعترينا، قال تعالى: {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28]، وأنّ الكمال لله تعالى، وأننا نَسعى لتحصيل شيءٍ منه، ونسلك سبيله.
وفائدة استحضار هذا المعنى في أُمور منها:
أ. اهتمامنا في ترقية سلوكنا ومتابعة ذلك، والأخذ بالأسباب المعينة عليه.
ب. شعورنا بالنّقص الدّائم في أنفسنا، واتهامها المستمر بالتّقصير، بحيث نجعل أنفسنا سبباً في المشكلة، فلا نتشدد ولا نتكبَّر، ونتساهل مع شريك حياتنا.
ج. معرفة أنَّ كلَّ ما يحدث في حياتنا سببه ذنوبٌ منا، وتقصيرٌ في حقّ الله تعالى، فنتوب إلى الله تعالى ونستغفره على الدّوام.
ولا سبيل لنا للسّيطرة على سلوكنا إلا بالقرب من الله تعالى، ويكون هذا بأن يكون محط أنظارنا هو الإرتقاء بالسّلوك، ويكون بكثرة القرب له سبحانه وتعالى، فكلّما زادت عبادتنا نقت نفوسنا، وطَهرت قلوبنا، وتخلصنا من أمراضنا القلبية وآفاتنا اللسانية.
ويكون قُربنا من الله تعالى بأن نجعله محور حياتنا، ومدار اهتمامنا، بأن نعيش كلّ لحظاتنا لوجهه الكريم، ولا نفعل شيئاً إلا ونقصد رضاه ومرضاته، فنعمل لله ونترك لله.
وليس تحقيق هذا بالشّيء الهين علينا، بل يحتاج إلى مجاهدةٍ كبيرةٍ؛ لأنّها تجردٌ عن شهواتنا وتحكيمٌ لشرعنا، وهذا خلافُ هوى الأنفس، ولكن به سعادتنا؛ لأننا به نتحرر من النّفس والشّيطان، ونقترب من الرّحمن، ويَسعد الإنسان بقدر تحرُّره من شهواته.
وهذه السَّعادة تقتضي من صاحبها أن يُحافظَ على فرائض صلواته في أوقاتها، ولا يترك سننها المؤكّدة، ويَزيد عليها بقدر طاقته من النوافل من صلاة ضحى وغيرها.
ويكون له نصيباً من نفل الصّيام والصّدقة وغيرها من القُرب.
ولا يهجر قراءة القرآن، فيكون عنده ورد يومي لا يتركه أبداً.
ويحافظ على ورده من الذّكر صباحاً ومساء، فلا يترك الورد العام من مئة استغفار ومئة تهليل ومئة صلاة على النّبي مع الإخلاص والمعوذات والكرسي والفاتحة ثلاثاً، ويزيد عليه بما يسرّ الله تعالى له.
وهذا القُربُ من الله تعالى يصحّح نظرتنا للحياة الزّوجية في أمور، منها:
أ. أنّها لا يبقى الزواج غايتنا وهدفنا، وإنما وسيلة لتحقيق رضا الله تعالى، وتصحيح تفكيرنا من الغاية إلى الوسيلة في حقها يُبقينا مع الله تعالى في تعلّق الأمل والرّجاء، فلا يكون عندنا تعلّق بغيره مهما كان، ولا أَمل لنا في غير الله تعالى، وهذا نافعٌ جداً في عدم بناء آمال على الحياة الزّوجية تكون ضرباً من الخيال، ولا تعلّق من الزوج بالزوجة ولا الزوجة بالزوج، بحيث يظن أنّه المُنقذ والمُسعد له، فالواقع لن يكون هكذا، فتبدأ المشاكل التي لا تنتهي لخطأ تفكيرنا وتصورنا عن الحياة.
فلا أمل بغير الله تعالى، ولا تعلّق بسوى الله تعالى، وما سواه سبحانه وسائل وطرق لتحقيق رضاه، فيكون إنزال للأمور منزلتها وتعامل لها على حقيقتها، فهذا هو الصّواب، وما سواه سراب.
ب. أن نزهد في الدّنيا، ولا نلهث وراء شهواتنا، ونجمع من حطامها، وعامّة المشاكل الزّوجية راجعة لهذا، فمن أخرج الدّنيا من قلبه ارتاح من مشاكلها.
فاختلاف الأزواج يكون بطلب الشهوات سواء كان في المسكن أو المركب أو المطعم أو الملبس أو غيرها، فمن ترقّى بنفسه استغنى عنها، ولم يَعد يُنازع فيها، ولا يطلب إلا ما يُعينه على مرضاة ربه تعالى.
ج. أن ندرك حقارة الدّنيا، وأنّها لا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة، وهذا نافعٌ جداً بأن نتجاوز عن عامّة المشاكل الحياتية، ونتغافل عنها، ولا نشدّد فيها؛ لأنّها من الدّنيا.
وأبرز الوسائل في حلّ المشاكل هو التّغافل والتّجاوز عنها، فالتتبع لكلّ شيء والمحاسبة عليه لا يُطاق؛ لأنّ مبنى حياة الإنسان على الخطأ، والطّباع مختلفة بين الزوجين فلا بُد من الاختلاف، فكل ما يمكن التّجاوز فيه نتجاوز ما لم يكن له أثر سلبيّ مستقبليٌ على الأسرة والأولاد، فلا يُسكت عنه؛ لأنّها لا تحلّ المشاكل بالهروب منها وإنّما بمواجهتها، ولكن هذه المواجهة لها بما تستحقُّه فلا ننزلها أكبر من منزلتها، وكلُّ هذا راجع لإدراك حقيقة الدّنيا.
والكلام في هذه النّقطة طويل ولا يَنتهي، ولكن المقصود هاهنا الإشارة للفكرة، وتمامُها في علم خاصٍّ متعلِّق بذلك، وهو علمُ التزكية والتصوف، فعلى كلِّ واحدٍ منا الاهتمام به.
أولاً: كيف تستعد المرأة للزواج؟
ما سبق ذكره من التّربية الرّوحية يشترك في الرّجل والمرأة، وتختصّ المرأة بأمور للزّواج يطول ذكرها، نقتصر منها على أمرين، وهما:
الأول: إتقان عمل البيت:
ويُقصد بشؤون البيت حوائجه من طبخ وشرب ونظافة وترتيب
وغيرها، ولا يُراد به مجرد معرفة كيفية القيام بها، بل إتقانها على أكمل ما يكون؛ ليتحقق السّرور والسكينة بين الزّوجين بحصولها.
فوظيفة المرأة الرئيسية في الحياة هي أنّها زوجة وأم، وكلُّ ما عداه من أعمال لها من طب أو هندسة أو غيرها شيء زائدٌ، فلا يُمنع منه، ولكنّه لا يكون على حساب وظيفة الزّوجية لها، حتى لو تعارض مع هذه الوظيفة الرّبانية أي عمل آخر تُقدَّم عليه؛ لأنّ بها حياة المرأة وسعادتها.
وهذه الوظيفة للمرأة تَفرض عليها إتقان أمور البيت، والقيام بها على أحسن هيئة وصورة، بحيث تكون محلّ اهتمامها الأوّل، فلا تدّخر جُهداً ولا وقتاً في تعلّمها وإتقانها، ومعرفة تفصيل كل عمل منها.
ويجب على المرأة أن لا تستهين بها، ولا تستحقرها؛ لأنَّ مدارَ الحياة الزّوجية عليها، فهي حاجات لا غنى عنها، وكلّما وُجدت وتحقَّقت على وجه أكمل ظهرت السّعادة والطّمأنينة بين الزّوجين.
فعلينا أن ننزّل الأمور منزلتها، ونعطيها حقّها من العناية بقدر حاجتنا لها، فأمور البيت تتكرر كلّ يوم مرّات، ولا يُمكن الاستغناء عن فعلها، فهي مقدّمة على كلِّ ما سواها مما نُعطيه وقتاً وجُهداً ومالاً مع قلّة حاجتنا له ونفعه لنا.
فمثال ذلك أنّ الفتاة تقضي في التّعليم المدرسي والجامعي سنوات عديدة جداً، وتكون فائدته في حياتها الزّوجية محدودةً جداً، فلا بدّ من موازنة الأمور فلا تَصرف وقتها بكامله لهذا التّعليم، وتبخل بوقتها على إتقان أُمور البيت الذي به سعادتها وعيشها وراحتها.
فإنّ من أكثر مداخل السّعادة والسّرور بين الزّوجين هو إتقان الطّعام والشّراب، حتى قالوا مفتاح قلب الزّوج من معدته، فكيف ستكون راحة وطمأنينة بلا طعام، وكيف يُقبل الطّعام إن لم يكن لذيذاً، وهذا يحتاج إلى تعلّم وتفنّن ومتابعة لما يتعلّق بأنواعه وكيفية إتقانه وكيفية تقديمه وتزيينه.
ولا راحة في الحياة الزّوجية بلا نظافة ونظام وترتيب، وهذا يشمل تنظيف كل شيء في البيت من أواني وجدران وأرضيات وحمامات وخزانات وملابس وغيرها، بحيث لا تقع عين الزوج إلا على كل ما هو جميل، فيدخل السّرور إلى قلبه ويشتاق إلى بيته.
أما اعتناء المرأة بنظافة نفسها وحُسن مظهرها وملبسها، فهو أهمّ ما في الحياة الزّوجية؛ لأنّ العلاقة بين الزّوجين نفسية، فلو رأى منها شيئاً أو شم لها رائحة قد يقع في قلبه النّفرة منها، فلا يبقى حاجة للزّوج بالزّوجة، ولم يبق
له رغبة بها، فتكون الحياة بينهما كأخوة لا كأزواج، وتبدأ المشاكل الزّوجية التي لا تنتهي أبداً بسبب هذه التقصير.
وكل هذا بسبب تقصير المرأة وعدم إدراكها لوظيفتها الأساسية وقيامها بواجبها تجاه زوجها وبيتها، فتُصادم الفطرة البشرية والحاجة الإنسانية بسبب استسلامها لكسلها، وعدم قيامها بمسؤوليتها، فتخسر حياتها وزوجها، فلا يجب أن يكون للمرأة أولوية مقدّمة على أولوية العناية بنفسها ومتابعة شؤون بيتها على أكمل ما يكون، فسعادتها مقترنةٌ بقدر اهتمامها بوظيفتها الحقيقة في بيتها.
الثاني: فهم الزّوج والحياة الزّوجية:
إنّ من أبرز أسباب المشاكل الزّوجية عدم فهم كل من الرّجل والمرأة للآخر، بسبب الثّقافة الخاطئة التي تنتشر بين المسلمين بسبب الغزو الفكري، فأصبحنا في ضياع وشتات، فلا يعرف واحد منا نفسه ولا يعرف غيره، وبدأ التّخبط في التّعامل مع قضايا الحياة الزوجية.
ولذلك وَجَبَ على المرأة فهم الرّجل، وعلى الرّجل فهم المرأة، حتى يمكن لهم العيش مع بعضهم البعض بسعادة، ونشير هاهنا إلى شيء من ذلك:
أ. أن تُدرك المرأة أنّ الزّوج مختلفٌ عن الأخ في كيفية التّعامل بالنّدية ـ وإن كان بينهما اشتراك في الصّفات؛ لأنّهم رجال ـ، لكن يمكن أن تستفيد من رؤية والدها وأخيها وعمها وخالها معرفة صفات الرّجال وأحوالهم
وكيفية تفكيرهم، فيساعدها هذا في تكوين صورة صحيحة عن حقيقة الرّجل.
فمدار سعادة الزّوجة في حياتها بقدر احترامها لزوجها وتقديرها له، فكلما تعلّمت الأدب معه أكثر، كلما زادت سعادتها في حياتها مع زوجها، ولا حدود لزيادة الأدب؛ لأنّه خيرٌ كُله.
ب. أن تعلم أنّ القاعدة الحياتية بين الرّجل والمرأة التي توارثها العرب وأقرها الإسلام في كيفية التّعامل مع الزوج: كوني له أمةً يكون لك عبداً.
ومعناها: بقدر طاعة المرأة لزوجها وتقديرها له تكون طاعته لها واحترامه لها، وبالتالي تنجح الحياة الزّوجية وتستمر في رغد وهناء.
فلا تقوم الحياة الزّوجية على النّدية والمعاندة والمكابرة، وإنّما على الطّاعة والتّأدب والتّلطف والاحترام، وهذا يوصلنا إلى النقطة الآتية.
ج. أن تتمسك بأنوثتها، فهي سِرّ قوتها، لا سيما أنَّ مبنى حياة الرّجل على المعاندة فلا يصلح أن تعانده المرأة فتخسره وتفقد حياتها، وإنّما ضعفها وأُنوثتها سرّ قوتها وسيطرتها وأخذ مُبتغاها، وذلك مثل الصّغير، فقوته في طفولته، بحيث كل من حوله يقدّم له ما يريد مع زيادة، وهذه سُنّة الله تعالى في كونه.
فكان على المرأة تحقيق صفة الأنوثة في نفسها بكل طاقتها؛ لأنّها ميزةً لها، وبسببها رغب الزّوج بها، وعليها أن تُكثر من التّودد والتّحبب لزوجها بكل طاقتها، وتعتني به بكل قدرتها، وتُلاطفه بفعلها وقولها طوال وقتها.
فهذا سرّ أن يصبح زوجها عبداً مُطيعاً لها، لا يُغضها ويقوم على أمرها، ويُعطيها حقها وزيادة، ويعتني بها، ولا يَبخل عليها بمال أو قول أو فعل.
فتحرص كل الحرص على عدم التّشبه بالرجال محافظة على أنوثتها؛ فعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم -، قال: «لعن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المخنثين من الرِّجال، والمترجّلات من النِّساء» (¬1).
قال العيني (¬2): «والمترجّلات أي: النّساء الشبيهات بالرِّجال المتكلفات في الرُّجولة وهو بالحقيقة ضد المخنثين؛ لأنَّهم المتشبهون بالنّساء» (¬3).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرَّجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرَّجل» (¬4).
وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منّا مَن تشبّه بالرِّجال من النِّساء، ولا من تشبّه بالنِّساء من الرِّجال» (¬5): أي لا يفعل ذلك من هو من أشياعنا المقتفين لآثارنا (¬6).
¬
(¬1) في صحيح البخاري7: 159.
(¬2) في عمدة القاري24: 14.
(¬3) ينظر: عمدة الرِّعاية22: 42.
(¬4) في سنن أبي داود4: 60، والسنن الكبرى للنسائي8: 297، وصحيح ابن حبان13: 62، ومسند أحمد14: 61، والمستدرك4: 214، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
(¬5) في مسند أحمد11: 461، والمعجم الكبير13: 461، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد8: 103: «رواه أحمد. والهذلي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. ورواه الطبراني باختصار، وأسقط الهذلي المبهم، فعلى هذا رجال الطبراني كلهم ثقات».
(¬6) ينظر: التيسير بشرح الجامع الصغير2: 329.
د. أن تُعظّم زوجها، فعليه مدار حياتها؛ لأنّها لا تقدر على العيش معه بدون الاحترام والتّقدير، حتى كَره الفقهاء أن تنادي زوجها باسمه المفرد يا: زيد، وإنما تناديه بكنيته: يا أبا خالد؛ تعظيماً لشأنه.
فكما أنّ المرأةَ تُحبّ أن تُمدح بجمالها فالرجل يحبُّ أن يُمدح بعظمته ومكانته، فعلى الزوجة أن تحرص على الثّناء على زوجها في كل صفاته وأفعاله وأقواله، ويجوز لها في تعظيم زوجها أن تصفه وتمدحه بما ليس فيه؛ لأنّ من الكذب المباح تحبب كل من الزّوج والزّوجة للآخر، فيدخل فيه وصفه بما ليس فيه؛ لأنّه لا غنى في الحياة الزوجية عن تلطف وتكلّف كل من الزوجين للآخر.
د. أن تعلم أنّ الرّجل مختلفٌ عنها في عامّة صفاته وأحواله، فنفسيته مختلفة واهتمامه مختلف ونظرته للأشياء كذلك، وبالتالي عليها أن تحترم كلّ هذا، فتحاول فهم كيفية تفكيره وفهمه للأشياء ونوع اهتماماته، فتحرص على التّقرب منه بموافقته في فهمه.
وكلما زاد اهتمامها باهتمامات زوجها زادت القُربة والمواضيع المشتركة بينهما، بحيث يزيد التّفاهم والنّقاش وقضاء الوقت بينهما، فعليها أن تحرص
أن يجد زوجها ما يحبُ في نفسه فيها، بحيث أنّها تحبّ ما يُحبّ، وتهتمّ بما يهتمّ، وهذا مقيّدٌ بأن لا يكون فعل زوجها مخالفٌ للشّرع.
هـ. أن تعلم أنَّ القوامة في البيت للزّوج، ومعناها: القيادة والإدارة، قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء:34]، فتطيع زوجها في ذلك، ولا تخرج عن أمره ما لم يأمر بما يخالف الشّرع الحنيف.
فتدرك أنّها تابعة لزوجها في تصرُّفاتها، فلا تتقدَّم عليه، ولا تكسر كلامه، وهذا أمرٌ إداري لا بدّ منه في أي مؤسسة؛ لأنّ الأُسرة مؤسسة، فلا بدّ لها من قائد يديرها ويقرر فيها، ومؤسسة بلا مدير مصيرها الفشل، والحال في البيت لا يختلف، وقد فطر الله تعالى الزوج على صفات تمكّنه من ذلك، كما في قوله تعالى: {بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}، وكذلك كان حق الإدارة له؛ لأنّه من يدفع المهر وينفق المال، فكانت المرأة تعيش في ملكه، فحقُّه أن يديرَ بما يراه مناسباً، وهي قد رضيت أن تكون زوجة له، فتكون راضية بقوامته وإدارته.
ثانياً: كيف يستعدّ الرّجل للزّواج؟
بعد أن خصصنا المرأة بذكر نقطتين فيما تحتاج أن تستعد به للزواج، فنذكر للرجل نقطتين فيما يكون له به استعداد للزواج، رغم أنّ النقاط في ذلك كثيرة، لكن لا ما لا يُدرك كله لا يُترك كله.
الأوّل: القدرة على كسب المال:
فكما يجب على المرأةَ أن تتعلّم عمل داخل البيت؛ لأنّه به قوام البيت، فعلى الرجل أن يتعلّم عمل خارج البيت؛ ليتمكّن به من الكسب والإنفاق؛
لكفاية نفسه وزوجته وأولاده.
فعلى الرجل أن يتحمّل مسؤوليته كما طلبنا من المرأة أن تتحمل مسؤوليتها، فيتفكَّر دائماً كيف يكون قادراً في الإنفاق على بيت الزوجية، ويتخذ الأسباب لذلك، ويجتهد كلّ الاجتهاد في الوصول لمقصوده، فلا يتفكّر بأن يعتمدَ على المرأة في النَّفقة على البيت، فهو نقصٌ في رجولتِه وقوامتِه ومسؤوليتِه؛ لأنَّ المرأةَ غيرُ مطالبة بالعمل والإنفاق، وإنّما هذا فضلٌ منها.
فكما أنَّ رأس مال المرأة جمالها وحُسنها ولطفها، وبه تُطلب وتَتزوّج ويُنفق عليها ويَحصل لها البيت والولد، فكذلك رأس مال الرجل بِجدِّه واجتهاده، وترتقي مكانته بقدر ذلك، فلا بُدّ أن يكون مالكاً للمال قادراً على النّفقة.
فالمرأة أَعطت الرجل ما أعطاها الله تعالى من الجمال والحسن؛ ليعطيها قوته باجتهاده في كسب المال، فهذه معادلة الحياة الطبيعية التي أقرها الشرع
الحيكم وتُوافق الفطرة البشرية السّلمية، وما سواها من نظرات فيها شقاء وعناء على كلِّ من الزّوجين والأولاد.
وبالتالي على الرّجل أن يجعل كفاية بيته محلَّ نظره واهتمامه، ولا يَدّخر جهداً للقيام بهذا الواجب الشّرعي، فإن جَد واجتهد وأخذ بالأسباب فليعلم أنّ الله تعالى سيكفيه؛ لأنّه سبحان تكفّل في آياتٍ عديدة بأن يكون رزقنا عليه، قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام:151]، وقال تعالى: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون} [الذاريات:22]، لكن بعد الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله تعالى.
الثاني: فهم الزّوجة والحياة الزّوجية:
فكما اختلط الأمر على المرأة في فهم الرجل اختلط الأمر على الرجل في فهم المرأة، ومعرفة حاجتها، والقيام بها، وكما طالبنا الزوجة بالاستعداد والاهتمام بزوجها فعليه العناية والاهتمام بها، فعليه أن يعطف عليها ويرحمها مع التّودد والمحبة.
فلا يغيب عن عينيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «استوصوا بالنساء» (¬1)، وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من الدّنيا وهو يذكّر به، وكلُّ هذا تنبيهٌ للرجال على أن لا يَظلموا النساء، وأنهنّ في أمانتهم، فلا يجوز لهم خيانة الأمانة.
¬
(¬1) رواه البخاري ومسلم وغيره. ينظر: الترغيب للمنذري3: 49.
وقاعدة مُعاملة الزوج لزوجته في إعطائها حقَّها: أن يُعاملها كما يُحبُّ أن تُعامَلَ أُخته وابنته، فكلُّ تصرُّفٍ لا يَرضاه لأُخته وابنتِه لا يجوز أن يَرضاه لزوجته؛ لأنّه ظلمٌ، والظّلم ظلماتٌ يوم القيامة.
وعليه أن يدرك أنَّ القوامة في البيت له والمسؤولية في ذلك عليه، وأنّ زوجته تحت مسؤوليته فعليه أن يتحمّل هذه المسؤولية، ولا يتهرّب منها، فيعامل زوجته كما يُعامل نَفسَه، فإن أَطلق العنان لنفسِه فسدت وأَوقعته في المهالك، والحالُ كذلك للزوجة والابن، فلا يُطلق العِنان حفاظاً عليهم، بل يكون مُتوسطاً في الأُمور فلا يشدُّ بحيث تُكسر زوجتُه، وتنتهي علاقتُه بها، ولا يُرخي بحيث يَفلت زمام البيت، وتضيع القوامة، ويُدمر بيتَه وأُسرتَه.
وبالتالي لا بُدَّ للرجل أن يكون حازماً في موضع الحزم، بحيث يَهابه أَهل بيتِه من زوجتِه وأولاده، وحَنوناً في موضع المحنة والمحبة، بحيث تُبنى العلاقة بينه وبين أُسرته على المحبة، والمحبةُ لا تخالف الخوف، فعلاقتنا مع ربنا سبحانه مبنية على الخوف والرَّجاء، فمع شدّة محبتنا لله سبحانه إلا أننا نخافه ونهابه، وهي ميزانٌ مستقيم في علاقة الزوج والزوجة والأولاد، ولله المثل الأعلى.
الجانب الثّاني: النّظرة الشّرعية للعلاقة بين الجنسين قبل الزّواج؟
يُعَدُّ هذا الموضوع من أكثر الموضوعات طرحاً في هذه الأيام؛ لما طرأ على حياة المسلمين من تغيّر نتيجة الغزو الفكري الذي نعايشه، حتى غدا هذا الأمر مشكلاً عند غالبية الناس، يكثرون من الاستفسار عنه، مع تقبُّلٍ
عجيبٍ منهم للأفكار المستوردة فيه، واستغراب لتفصيل الإسلام له، وإن هذا الأمر كان في غابر الزمان بدهي للناس لا يحتاج إلى سؤال وجواب؛ لتسليم الناس بأحكام دينهم واعتقاد صدقها وصحتها وثقتهم الكبيرة به.
وتحقيقاً للمقصود من بيان النظرة الشرعية للعلاقة بين الجنسين قبل الزواج نضع أصولاً وأسساً متفقة لدى العقلاء لبناء هذا الحكم عليها.
أولاً: قاعدتي بناء الحياة:
القاعدة الأول: إنّ حكمة الله - جل جلاله - اقتضت خلق الأرض وإرادة إعمارها بجعل بني الإنسان خلائف فيها، كل منهم يخلف مَن بعده في القيام بهذا الواجب، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ} [الأنعام: 165]، {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ} [يونس: 14]، {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْه} [هود: 61]، ولا يمكن حصول هذا الاستخلاف والاستعمار لها؛ إلا بديمومة الجنس البشري فيها، وهو مكوّن كباقي الأجناس من ذكر وأنثى، ولا يحصل التكاثر بينهما إلا بالالتقاء، وهذا الالتقاء يحتاج إلى شوق كل منهما للآخر وميله له وإلا لم يحصل التعاشر بينهما، ولزهدا في بعضهما البعض، ولم يحصل التناسل والتكاثر الذي به يرتبط وجود الإنسان.
فحقيقة اشتياق الجنسين لبعضهما أمر لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان للحكمة المترتبة عليه، وقد قرّر الله - جل جلاله - هذه الحقيقة في مواطن عديدة:
أ. أنه - جل جلاله - عدَّ النساء من الشهوات المحبوبة للرجال، فقال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} [آل عمران: 14].
ب. أنه عبَّر - جل جلاله - عنهما بالنفس الواحدة؛ لتمام الانسجام الحاصل بينهما؛ ولعدم تكامل الإنسان في تلبية حاجياته إلا باجتماعهما، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} [النساء: 1]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً} [الأعراف: 189].
ج. أنه - عز وجل - بيَّن أن السكن والاستقرار والراحة يكون بالتقاء الجنسين، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].
إذا استحضرنا هذا فإنّ انتباه واهتمام وميل كل من الجنسين إلى الآخر أمر طبيعي، جُبلنا وفُطرنا عليه ليستمر الوجود البشري، ولا استنكار لذلك، وإن من أعظم ما تتميّز به الشريعة الربانية المنسجمة مع الفطرة البشرية أنها نظّمت العلاقة ما بين هذين الطرفين؛ لأن في ترك اجتماعهما بلا حدود وقيود ما لا تُحمد عقباه بتحقق الظلم على البشرية، ومن صوره:
أ. إن في اتصالهما لا بد من حصول التوالد الذي من أجله جعل الاشتياق بينهما، وهذا التناسل يحتاج إلى العناية والاهتمام، ولا يكون ذلك حقيقة إلا بوجود أب وأم ينعم في الحياة بينهما حتى تتكامل حاجاته النفسية
والعاطفية والجسدية والتربوية مع بعضها البعض، فمهما حاولوا من إيجاد المؤسسات المختصة برعاية أولاد الزنا، فلن توفر لهم ما يمكن أن يوجد لدى الأبوين، إضافة لما يكون عليه من النظرة لمجتمعه عندما يفقد أسمى معاني الحياة من وجود أسرة وأهل، وعندما يعرف أنه كان وليد شهوة عابرة لا مبالية.
ب. إن في تقديم المرأة نفسها للرجال بلا مقابل ظلم كبير لها، فكل يقضي وطره منها ويمضي، وهي تتحمل أعباء هذا الحمل الذي لا تعرف ممن حصل، وإن عرفت فلا أحد يستطيع إلزامه بشيء، فبدل أن تقضي مدة الحمل مدللة فرحة بمولود سيأتي لها، تقضيه منغصة مهمومة متعبة فلا أحد يعترف لها به ولا أحد يعينها ويواسيها، ولا أحد يتحمل مشاق تربيته، مما يؤدي بها إلى أن تتخلص منه بأي وسيلة دون أي رحمة يحملها البشر. وهذا غيض من فيض.
إذا تمهّد هذا عُلِمَ عظم تشريع الإسلام للتزاوج بين البشر، وأنه الوسيلة الوحيدة لاجتماع هذين الجنسين المشتاقين لبعضهما، وقد شجعت عليه في نصوص كثيرة كما سبق، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (¬1).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 1018، وصحيح البخاري 5: 1950، والمنتقى 1: 169، وغيرها.
وفي نفس الوقت الذي يقرر فيه الإسلام هذه الحقيقة بين الجنسين من رغبة كلّ منها الشديدة بالآخر قرر أساس آخر وهو الآتي.
القاعدة الثانية: إنّ الإسلام حرص تمام الحرص في تشريعاته على المحافظة على المجتمع أن يبقى طاهراً نقياً بعيداً عن كلِّ أسباب الفساد التي تنتج عن هذا الميل العاطفي والجنسي بينهما، ومن ذلك:
أ. إنه أباح الزواج مبكراً، قال تعالى: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْن} [الطلاق: 4].
ب. إنه أباح التعدد، قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاع} [النساء: 3].
ج. إنه أمر بغض البصر بينهما، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور:30]، وقال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31].
د. إنه أمر بحفظ الفروج، قال تعالى: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور:30]، وقال تعالى: {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31].
هـ. إنه أمر المرأة بالحجاب والاحتشام، قال تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31].
و. إنه حرم عليها التبرج، قال تعالى: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33].
ز. إنه حرم عليها إبداء زينتها لغير محارمها، قال تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ ... } [النور: 31].
ح. إنه حرم عليها القيام بأي فعل فيه إثارة لمن حولها ولفت لانتباههم وإن كان ذلك بإخراج صوت عند المشي: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].
ط. إنه أمرها بعدم الخروج من بيتها إلا للضرورة والحاجة: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33]
ففي ضوء هاتين الحقيقتين العظيمتين: ميل الجنسين، وطهارة المجتمع، يمكننا أن نخوض هذه المسألة الحسّاسة للغاية، وهي هل أجازت الشريعة تكوين علاقة بين الجنسين قبل الزواج؟ وهذا في النقاط الآتية
ثانياً: الحب: لا يكون إلا بعد معرفة المحبوب:
إنّ هذه العلاقة يمكن أن يطلق عليها الحب أو التعارف، فإنهم يقولون: إنه ينبغي لكل مَن يتزوجا أن يكونا متحابين أو أن يقوم كل طرف منهما بدراسة عن الآخر، فيرى هل يناسبه في طبائعه وأحواله وصفاته أم لا؛ لأنهما إن لم يكن بينهما جسور قوية من المحبة أو الانسجام والتوافق في الطبائع والصفات كيف يمكن لهما أن يتعايشا طوال عمرهما مع بعضهما البعض، فإننا إن أردنا أُسراً متماسكة تنعم بالسعادة والهناء فلا بدّ من ذلك.
إن هذا الكلام في ظاهره براقٌ وله قبول، لكننا إذا دقَّقنا النظر فيه وجدنا فيه مسامحات لا تُغتفر ومُجانبة للحقّ والصواب، وبيان ذلك فيما يأتي:
أننا إذا رجعنا إلى معنى الحب في كتب اللغة فإنه نجده بمعنى: «الوداد ونقيض البغض» (¬1)، وإن أردنا أن نخرج بمعنى عام للحبّ نتحاكم إليه، فيمكن القول أنه يدور بين: الاشتياق والميل والرغبة والأنس واللذة والإعجاب.
وهذه الأمور متوفرة بين الجنسين بصورة عامة بطبيعة فطرتهما وخلقتهما، فهما يشتاقان لبعضهما البعض، ويميل كل منهما للآخر، ويرغب فيه، ويأنس به، ويتلذذ معه، ويعجب بهيئته.
وللإمام الغزالي تقسيم لطيف في المحبوبات وغيرها؛ إذ يقول (¬2): «المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه، وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه، وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام وإلذاذ، فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك، وما في إدراكه ألم لهو مبغوض عند المدرك، وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة لا يوصف بكونه محبوباً ولا مكروهاً، فإذن كل لذيذ محبوب عند الملتذ به، ومعنى كونه محبوباً أن في الطبع ميلاً إليه، ومعنى كونه مبغوضاً أن في الطبع نفرة عنه، فالحب عبارة عن ميل
¬
(¬1) ينظر: القاموس 1: 52، واللسان 1: 742، وغيرهما.
(¬2) في إحياء علوم الدين 4: 313 - 314.
الطبع إلى الشيء الملذ، فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقاً، والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب، فإذا قوي سمي مقتاً، فهذا أصل في حقيقة معنى الحبّ لا بد من معرفته».
فما يظهر على أحدنا من هذه الأحوال نحو الطرف الآخر هو موافق للفطرة، لا لأنه يتبادل معه شعوراً يَفقده الآخرون، حتى لو ترك الخيالات التي تُوحيها المسلسلات والأفلام والأغاني وعاش على سجيته من تقرير لهذا الواقع، فإنه سيجد أن هذا الشعور متجدّدٌ لديه لدى أطرف كثيرة يراها ويسمعها.
وهذا لا يلغي تفاوت توفر هذه الأمور ما بين شخص وآخر، وإنما أردنا تقرير أنها موجودة بصورة عامة بين الجنسين، فإذا أعجب أحد الجنسين بالآخر ومال إليه بدرجة عالية، فهل يجوز له مصارحته بهذا الأمر؟ وهذا ما نطلع في عليه في النقطة الآتية:
ثالثاً: حديث «مَن عَشِقَ وكتم وعفّ ومات، فهو شهيد»:
إننا لو طرحنا التساؤلات السابقة على مجموعة من أهل عصرنا لوجدنا بينهم اختلافاً عجيباً في الإجابة بين موافق ومعارض، فكل يجيب على حسب ثقافته وبيئته وتربيته، لكن الشارع الكريم أراحنا من عبء هذا الاختلاف،
ورجّح لنا أحد الجانبين، فقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَن عَشِقَ وكتم وعفّ ومات، فهو شهيد» (¬1).
ومعنى ذلك إن حصل العشق فعلاً من طرف لآخر بغض النظر عن سببه هل كان بسبب قرابة أو جوار أو دارسة أو عمل أو غيره فإنه في هذا الموضع لا يهمنا تفحيص ذلك؛ لأنه يحتاج إلى تفصيل وبيان خاصّ ليس هنا محله، وإنما الذي يهمنا أنه لو حصل هذا، فإن الحديث يرشدنا أن عليه أن يكتم ذلك ويعفّ حتى لو مات كاتماً عفيفاً فإنه شهيد بذلك، فيا هل ترى ما هو السبب لهذا الكتمان وهذه العفة، ولِمَ نال بها درجة الشهادة؟
يبدو لي والله أعلم أنّ في الكتمان والعفة إشارة لما سبق أن ذكرناه من شوق وميل وإعجاب كل من الجنسين ببعضهما فلا يعني حصوله هو المجاهرة به والسير في الطرق المحظورة بحجة حصوله، بل هو محض وهم وخيال ينبغي دفعه والابتعاد عنه.
لكنه رغم هذه الإشارة فإنّه يقرر جازماً أن من حصل منه هذا العشق فعلاً، فإن عليه أن يكتم هذا؛ لأمور منها:
¬
(¬1) أفرد الحافظ السيد أحمد الصديق الغماري هذا الحديث بكتاب خاص في إثباته سمّاه: درء الضعف عن حديث من عشق فعفّ.
أ. إنه أمر خفي لا يمكن لأحد أن يطلع عليه، فهو أمر قلبي، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله تعالى، ففي إباحة الإخبار به لعبٌ بمشاعر الناس بما لا يستطيع أحد معرفة صدقه أو كذبه، ودخول في متاهات لا أول لها من آخر.
ب. إنه من باب سدّ الذريعة؛ إذ أن كثيراً من الناس سيستغلونه في تحقيق مآربهم وشهواتهم الشخصية؛ ويدرك حقيقة هذا من يتابع الواقع الذي نعيشه، فإن من بين عشرات أو مئات قصص الحبّ التي تمارس يمكن أن تصدق واحدة، والباقي هي مجرد تسلية أو لمصلحة شهوانية يقصد تحقيقها.
ج. أن في إباحته تعريض لانتهاك أعراض الناس وسلب لشرفهم؛ إذ أن كثيراً من الفتيات تسلم نفسها بمجرد الثقة العمياء بمَن أمامها، ولا تدرك أنها أضحوكة بيد مَن تخصصوا بالاصطياد واللعب.
د. أن في إباحته تعليق لطرف بآخر، ممكن أن تكون هناك عوائق ـ ليس هنا محل ذكرها ـ تحول بين زواجهما، مما يجعل حسرة وندماً وفجعاً في القلب على ذلك، يؤدّي إلى تعاسة وتنغيص في حياة كل منهما مع من كان من نصيبه.
هـ. إن في إباحته صرف للخطّاب عن التقدم لهذه الفتاة، ويمكن أن يكون بعضهم أفضل من هذا الشخص، ولديه رغبته بها أكثر منه؛ لأن معرفة الآخرين بعلاقة بين رجل وامرأة، فتح باب شر بالكلام في شرف هذه الفتاة وعفتها وغير ذلك.
و. أنه لا فائدة حقيقية من التصريح به سواء للفتاة أو لغيرها؛ لأنه يفترض أن ينتهي بالزواج، والزواج ما زال في علم الغيب لعدم حدوثه وعدم معرفة نصيب كل منهما، فلا أحد يعلم هذه الأقدار الآتية لهما، فلو أننا جدلاً قلنا أنه لو أخبرها فإنها ستنتظره، فالأولى بدل هذا الإخبار أن يتقدم لخطبتها إن كان صادقاً، فيكون انتظار كل منهما الآخر شرعياً.
أما أن تنتظره حتى يكمل دراسته أو يكوِّن نفسه فتمنع نفسها عن كل مَن يخطبها، فإنّ فيه ضرراً عظيماً؛ إذ أنه كما هو معلوم أن للفتاة مرحلة زهو يرغب فيها الناس بها، فإن مضت هذه المدّة قلَّ خطابها، حتى أنها لو رفضت الزواج بسببه دون أي روابط شرعية بينهما ولكن على أمل أن يخطبها فإنها قد تتجاوز سن الزواج، وكثيراً ما يحصل عوارض تمنع من خطبته لها سواء من أهله أو أهلها أو منه كرؤيته وإعجابه بغيرها كما أُعجب بها، وهذا كثير الوقوع لمن يعايش الناس.
وهذا شيء يسير من الحكم الكثيرة وراء هذا الكتمان، وعليه فيكون معنى الحديث من أُعجب أو مال أو اشتاق لطرف من الجنس الآخر، فلم يتحدث بذلك وجعله سراً بينه وبين خالقه، وابتعد عن هوى النفس في تحقيق رغبتها وشهوتها منه، فصبر واحتسب عند الله تعالى، ولو أوصله شدّة اشتياقه إلى الموت وهو على تلك الحال، فإنه له منْزلة الشهادة عند الله - جل جلاله -؛ لأنه ابتلي فاحتمل وصبر، ولم يجعل أعراض المسلمين عرضة للتفكه والتسلي،
ولم يجر وراء نزوات نفسه وطلباتها، فحق له أن يكون من الصادقين عند ربهم.
إذا اتّضح شرعاً وعقلاً عدم جواز فتح علاقة بين الجنسين بدون رابطة شرعية، فإننا نضيف إلى ما سبق أنّ هذا الحبّ حقيقية لا يكون إلا بمعرفة المحبوب، قال الغزالي (¬1): «إنه لا يتصوَّر محبة إلا بعد معرفة وإدراك، إذ لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه ... ».
وهذه العلاقة مهما فُتحت وطُوّرت، فإنها لا تبيِّن حقيقة كلٍّ من الطرفين للآخر، حتى ولو كانت بينهما خطوبة؛ لأن كلَّ طرف منهما يسعى لإظهار أفضل وأجمل ما عنده للآخر، ولا يتكلم إلا بألطف الكلام وأحلاه من الغزل والغرام معه، وهذا لا يصور ما عليه طبيعة كل منهما؛ إذ أنها لا تُعرف إلا بالعشرة الزوجية التي تشتمل على مصاعب حياتية كثيرة من الحمل، والولادة، والتربية، والتنظيف، والصبر على شدّة الحال وضيقه، والشكر على فرج الله تعالى، وحُسن التصرف في المواقف المختلفة، وصيانة المال والنفس، وغيرها.
وإدراك مثل هذه الأمور يحتاج أشهر من الزواج أو سنوات، فمَن كان معدنه طيب ومن أصل خير ورُبّي تربية حسنة وعنده خُلق ودين كان تَوَفُّر هذه الخصال لديه أكثر، وكانت قابليته للحياة مع شريكه أكبر.
¬
(¬1) في إحياء علوم الدين 4: 313.
فالحياة الزوجية السعيدة لراغبها أحوج ما تكون للدين دون غيره كما أرشد إليه المصطفى الحبيب - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك» (¬1).
ومَن تدبَّر في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - خطب امرأة فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما» (¬2) عرف الهدي النبوي في هذه المسألة؛ إذ لم يقل له اذهب فتعرف عليها وادرس حالها وانسجام شخصيتها مع شخصيتك وكوِّن علاقة من الحب معها، حتى إنه لم يقل - صلى الله عليه وسلم - له: اذهب فحدثها، بل اعتبر أن النظر يكفي لمن أراد أن يتزوَّج امرأة؛ لأن به يتحقق المقصود من القبول للصورة والهيئة الخارجية مع الألفة لها أو النفرة عنها في هذه النظرة؛ لأن في الحديث: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (¬3).
ومَن تأمل في حياة آبائنا وجد أنها أمتع وأهنأ وأوفق بكثير من حياتنا؛ لأن مجتمعهم أقل فساداً، ولم تكن هذه الأفكار الغربية منتشرة فيه، فكان أحدهم يتزوج بلا علاقة مسبقة مع زوجته، فكل علاقتهما تبنى بعد الزواج على الأسس التي سبق ذكرها، فكان الطلاق قليلاً بينهم جداً مقارنة مع ما في
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 1087، وغيره.
(¬2) في صحيح ابن حبان 9: 531، والمنتقى 1: 170، والمستدرك 2: 179، وجامع الترمذي 3: 397، وغيرها.
(¬3) في صحيح مسلم 4: 2031، وصحيح البخاري 3: 1213 وغيرهما.
وقتنا رغم هذه العلاقة المفتوحة بين الرجال والنساء، والطلاق علامة على فشل الزواج وقلة السعادة فيه، فماذا أفادتنا هذه العلاقات غير الشرعية بين الجنسين إلا كثرة الفساد والزنا قبل الزواج، والتعاسة والطلاق بعد الزواج، ومن يتابع إحصائيات الطلاق يجد أن أكثر حالاتها بين المتعارفين والمتحابين قبل الزواج.
ونختم هذا المبحث بنصيحة للعلامة محمد رشيد رضا ـ صاحب تفسير «المنار» ـ للرجال والنساء في العلاقة قبل الزواج، أذكرها بطولها لما تضمنته من الفوائد الجمّة بعد التجربة الطويلة له في ذلك، وهو من المختصين في شؤون المرأة، إذ يقول (¬1): «إنني منذ ثلث قرن ونيف أدرس مسألة النساء والحياة الزوجية وأناقش فيها أهل العلم والرأي وأقرأ ما صنِّف فيها من الكتب وأتتبع ما تنشره الصحف وأتدبّر أخبار الإفرنج فيها.
وكتبت فيها شيئاً كثيراً أهمه تفسير آيات القرآن الحكيم في موضوعها ومقالات الحياة الزوجية التي نشرت في مجلد «المنار» الثامن وآخرها هذه الرسالة، وناظرت الدعاة إلى المساواة بين النساء والرجال في الجامعة المصرية فحكمت لي الأكثرية الساحقة بالفلج ـ أي النصر والغلبة ـ وإصابة صميم الحق.
وإنني أعتقد بعد هذا الدرس الطويل العريض العميق، وما اقترن به من الاختيار الدقيق أن ما يراه الكثيرون من أهل الغرب والشرق من نوط السعادة الزوجية بتعارف الزوجين قبل الزواج وعشق كل منهما للآخر هو رأي أفين ـ أي ناقص ـ أثبت الاختبار بطلانه وإن تحابّ الشبيبة فإنه لا ثبات له بعد الزواج غالباً، بل كانت العرب تقول: إن الزواج يفسد الحبّ.
وإنما القاعدة الصحيحة لهناء الزوجية ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لامرأة خاصمت زوجها إليه وصرحت له بأنها لا تحبّه فقال لها: «إذا كانت إحداكن لا تحب الرجل منّا فلا تخبره بذلك، فإن أقلّ البيوت ما بني على المحبّة، وإنّما يتعاشر الناس بالحسب والإسلام»، يعني أن التزام كل من الزوجين لحفظ شرف الآخر والعمل بما يرشد إليه الإسلام من الواجبات والآداب الزوجية هو الذي تنتظم به الحياة الزوجية، ويعيش الناس به العيشة الهنية.
وينبغي لكل من الزوجين أن يتكلّف التحبب إلى الآخر بأكثر ممّا يجده له في قلبه، فإن التطبع يصير طبعاً، ورحم الله علية بنت المهدي أخت هارون الرشيد حيث قالت: «تحبّب فإن الحبّ داعية الحب»، فإنه في معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «العلم بالتعلم والحلم بالتحلم» (¬2).
¬
(¬1) نداء للجنس اللطيف في حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام ص 138 - 139.
(¬2) في المعجم الأوسط 3: 118، والزهد لهناد 2: 605، ولفظ: (العلم بالتعلم) في صحيح البخاري 1: 37، ومصنف ابن أبي شيبة 5: 284، وغيرهما.
هذه نصيحتنا نزفّها إلى الرجال والنساء في هذا العصر الذي يشكو فيه العقلاء إعراض الشبان عن الزواج، فمَن وفَّقه الله تعالى للعمل بها منهم فسيرونها أغلى وأفضل نصيحة يستحقّ صاحبها منهم الدعاء والشكر ومن الله عز وجل المثوبة والأجر».
* * *
المحور الثاني: لماذا نتزوج؟
النكاح حاجة إنسانية لا يُستغني عنها؛ لما فيه من تحقيق الأنس والسكينة والطمأنينة والجماعة والنسل وغيرها مما يطول ذكره؛ لذلك ستكون وقفة في الحثّ عليه والترغيب فيه من خلال مدى تحقُّق الضرورة الحياتية به، وإظهار الآثار الإيجابية له من خلال الجانبين التاليين:
الجانب الأول: دعوة الإسلام إلى الزواج؟
وتظهر في النقاط الآتية:
أولاً: النكاح سنّة الإسلام الكبرى:
فليس النكاح مجردّ سنّة في الإسلام، بل هو مقصدٌ رئيسيٌّ، وهدفٌ أسمى يَسعى الإسلام لتحقيقه؛ لما يحتويه من الخير الكبير والأثر العظيم الذي يظهر على كافة مناحي الحياة، ومما يدل على ذلك:
1.أنّه يُسَنّ التّزوج في حالة الاعتدال: أي لا يكون في شدّة الاشتياق إلى التزوّج، ولا في غاية الفتور عنه (¬1).
فعن عبيد الله بن سعد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أَحبَّ فطرتي فليستنَّ بسُنتي، ومن سُنَّتي النكاح» (¬2)، وهذا في بيانٌ أنّ النِّكاحَ من أَعظم سنن الإسلام، وهو
سبيلٌ عظيمٌ لتطبيق أحكامه.
وعن أبي أيوب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أربعٌ من سنن المُرسلين: الحناء، والتعطر، والسِّواك، والنكاح» (¬3).
2.أن يُعجّل بالزَّواج للقادر عليه، تحقيقاً للسُّنة، وحفظاً لنفسه.
¬
(¬1) ينظر: الاختيار 3: 109.
(¬2) في مصنف عبد الرزاق 6: 169، وسنن البيهقي الكبير 7: 77، ومسند أبي يعلى 5:
133، وشعب الإيمان 4: 381، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 252: رجاله ثقات ... .
(¬3) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. كما في ترغيب المنذري 3: 40.
فعن أبي نجيح - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قدر على أن ينكح فلم ينكح فليس منّا» (¬1)، وفي لفظ: «مَن كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس منا» (¬2)، فمن لم يتزوّج مع القدرة على الزّواج كأنّه على غير طريق الإسلام؛ لأنّ الإسلامَ يهتم اهتماماً بالغاً بالزواج؛ لما فيه من منافع على الفرد والمجتمع.
3.أن يصوم إن لم يقدر على التّزوج؛ فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كان ذا طَول منكم فليتزوج، ومن لا فليصم فإن الصوم وجاء قاءه للعرق» (¬3)، وفي لفظ: عن عائشة رضي الله عنها قال - صلى الله عليه وسلم -: «النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس منى وتزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ومَن كان ذا طول فلينكح، ومَن لم يجد فعليه بالصيام فإنّ الصوم له وجاء» (¬4).
ففي الصيام إضعاف للقوة الشّهوانية، وصرف التّفكير لعبادة الله تعالى، وليس الصوم بالشيء الهين، فكان في الزواج خروجاً من هذه المعاناة والمكابدة.
¬
(¬1) في سنن الدارمي 2: 177، ومسند الحارث 1: 539، وغيرها.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 7: 78، ومصنف ابن أبي شيبة 3: 453، وشعب الإيمان 4: 382، ومراسيل أبي داود ص180، وغيرها.
(¬3) في الأحاديث المختارة 5: 104، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 252: رواه البزار والطبراني ورجال الطبراني ثقات.
(¬4) في سنن ابن ماجة 2: 94، قال الكناني في المصباح 2: 94: هذا إسناد ضعيف لضعف عيسى بن ميمون المديني لكن له شاهد صحيح، وله شاهد في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود.
4.أن يستجيب لأمر الله تعالى بالزواج، بأن يتزوَّج الرجل المرأة الصالحة، وأن تتزوَّج المرأة الرجل الصالح؛ لأنّ به تحصل السّعادة والتّذكرة للآخرة والطمأنينة في الدنيا؛ قال - عز وجل -: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32]؛ إذ فيه أمرٌ وإرشادٌ من الله تعالى بأن نزوّج مَن يحقّ لنا زواجهنّ من الصالحين، وهم مَن توفّر فيهم ما سبق دون التفات إلى المال وغيره؛ لأنّ الله تعالى يُغني ويرزق مَن يشاء بفضله وكرمه، فليس الفقر معوّق لتزويج الصّالحين المتدينين الخلوقين، والله أعلم وعلمه أحكم.
5.أن لا تُمنع المرأة من الرّجوع لزوجها إن تحقَّق التراضي بينهما، فلا يكون الأهل مانعاً من استمرار حياتها الزوجية كبراً وعناداً، قال - عز وجل -: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 232]، وهذا منع من العضل ونهي عنه.
6. أنّ النّكاح من أعظم السّبل لمرضاة الله تعالى بتحقيق السّنة والابتعاد عن المعاصي وحفظ النفس وتحمل المسؤولية، فكان على كلِّ متزوج أن يستعين بالزَّواج على تحصيل طريق الآخرة، والثبات عليه، والإعانة فيه، والزَّوجة الصَّالحة أكثر ما يساعد عليه.
فعن ثوبان - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة» (¬1)، فانظر كيف جمع بينها وبين الذّكر والشّكر.
ثانياً: التّهيؤ للرّعاية والولاية:
ففي النكاح تبدأ حياة الإنسان في فهم لها وتصور صحيح للغاية والهدف منها، ويظهر هذا من خلال:
1.أن يتحمَّل مسؤوليته الحياتية، ويبدأ بالجدية فيها، ولا يكون هذا عادةً إلا بعد الزواج؛ لغلبة الطَّيش قبلها؛ لتشويش القلب بالرغبة بالزَّواج، والسَّعي خلفَ ما لا قيمة له، فإن تزوَّج تحمَّل المسؤولية ونظر نظرةً صحيحةً للحياة، وأَصبح يُفكّر بمستقبله الأُخروي والدُّنيوي بحقٍّ.
وقيمة الإنسان بقدر تحمله لمسؤوليته؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... الرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم» (¬2).
2.أن يجاهد نفسه ويروضها بالرّعاية والولاية للقيام بحقوق الأهل، والصبر على أخلاق الزوجة، واحتمال الأذى منها، والسّعي في إصلاحها،
¬
(¬1) في سنن ابن ماجة 1: 596،والمعجم الأوسط 2: 376،ومسند أحمد 5: 282، ومسند الروياني 1: 406، وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1459، وصحيح البخاري 1: 304، وغيرهما.
وإرشادها إلى طريق الدّين، والاجتهاد في كسب الحلال لأجلها، والقيام بتربيته لأولاده، وكل هذه أعمال عظيمة الفضل.
وليس مَن اشتغل بإصلاح نفسه وغيره كمَن اشتغل بإصلاح نفسه فقط، ولا مَن صبر على الأذى، كمَن رفّه نفسه وأراحها، فمُقاساة الأهل والولد بمنزلة الجهاد في سبيل الله تعالى (¬1).
فعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك» (¬2) (¬3)، فكانت مجاهدته في جمع المال لطعام أهله فيها أَجر وثواب وطريق لرضا الله تعالى.
ثالثاً: زيادة الرزق والمال بالزواج:
إنّ الزّواج طريقٌ مهمٌ لتحقيق الزّيادة المالية؛ لأن الرزق مكفولٌ من الله تعالى، وبالزواج أضيف له مع رزقه رزقُ زوجته وأولاده، ولوجود الجدية في السّعي لتحمل المسؤولية، وكلُّ هذا مقيَّدٌ بأن تكون النَّفقة في سبيلها بدون تبذير وإسراف.
¬
(¬1) ينظر: الإحياء2: 32.
(¬2) في صحيح البخاري 3: 1006، وصحيح مسلم 3: 1251، وغيرهما.
(¬3) هذه الفوائد مستخلصة من إحياء علوم الدين 3: 28 - 37، وينظر: أحكام القرآن للجصاص 3: 365 - 368، وغيرها.
ولذلك علينا أن نطلب الرزق بالتّزوج؛ لأنّ فيه فتح باب الرزق وإغناء المتزوج إن كان يريد العفاف لا المباهاة والتفاخر، قال - عز وجل -: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32].
وعن عروة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «انكحوا النساء، فإنّهنّ يأتينكم بالمال» (¬1)، وهذا صريح من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنّ الزواج سبب في إيجاد الرزق وسعته، فليس على الراغب بالزواج أن يمتنع منه خشية عدم القدرة في الإنفاق على الزوجة؛ لأنّ الرزقَ مكفول من الله تعالى، وما علينا إلا أن نأخذ بأسبابه، ونؤديه في مكانه من غير إسراف وتبذير.
رابعاً: إكمال الدّين بالزّواج:
فالنكاح طريقنا لإكمال ديننا لتحقُّق الاستقرار والطمأنينة في حياتنا، وتحصين فروجنا، فتنصرف أَرواحنا لله تعالى، ويظهر هذا فيما يلي:
1.أن يستعين الله تعالى على نصفه دينه بالزَّواج، لا سيما من الزوجة الصالحة، ففضيلته لأجل التحرز من المخالفة تحصناً من الفساد، فكأن المفسد لدين المرء في الأغلب فرجه وبطنه، وقد كفى بالتزويج أحدهما (¬2).
¬
(¬1) في مراسيل أبي داود ص180، وقال الشيخ شعيب: رجاله ثقات رجال الشيخين.
(¬2) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 25 - 26، وغيره.
فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني» (¬1)، وفي لفظ: «مَن تزوّج فقد استكمل نصف الإيمان فليتق الله في النصف الباقي» (¬2).
2.أن يستكمل الرجل والمرأة دينه إن كان الزواج خالصاً لوجهه الكريم، وكل ما سوى هذه النية يكون تبعاً لا أصلاً.
فعن معاذ بن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أعطى لله، ومنع لله، وأحبّ لله، وأبغض لله، وأنكح لله فقد استكمل الإيمان» (¬3).
الجانب الثاني: ما هي دوافع الزواج؟
تكثر الدوافع للزّواج ويصعب حصرها، وهاهنا نقتصر على أبرزها:
¬
(¬1) في المستدرك 2: 175، وصححه، وشعب الإيمان 4: 383، وغيرهاا.
(¬2) في المعجم الأوسط 7: 337، 8: 335، ومعجم الشيوخ 1: 222، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 252: رواه الطبراني في الأوسط باسنادين وفيهما يزيد الرقاشي وجابر الجعفي وكلاهما ضعيف وقد وثق.
(¬3) في المستدرك 2: 178، وصححه، وجامع الترمذي 4: 670، وحسنه، والمعجم الأوسط 9: 41، ومسند أحمد 3: 438، ومسند أبي يعلى 3: 60، وغيرها.
أولاً: طمأنينة النّفس وراحة البال:
إنّ النكاح من أبرز السّبل لتحقيق الطمأنينة والاستقرار والسكينة النفسية، ويظهر ذلك من خلال ما يلي:
1.أنه تطمئن نفسه ويستقر باله بالزّواج؛ ليؤدي عباداته على تمامها، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: «لا يتم نسك الناسك حتى يتزوّج»؛ إذ لا يسلم قلبه لغلبة الشهوة إلا بالتزويج، ولا يتم النسك إلا بفراغ القلب (¬1).
2.أنه يُحقِّقَ الاستقرارَ الحياتي والسّكينة، فلا استقرار بلا زوجة، ولا سكينة بلا زواج، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف:189].
4.أنه يفرغ قلبه من تدبير المنزل، والتّكفل بشغل الطبخ، والكنس، والفرش، وتنظيف الأواني، وتهيئة أسباب المعيشة، فإنّ الإنسان لو لم يكن له شهوة الوقاع لتعذر عليه العيش في منزله وحده؛ إذ لو تكفل بجميع أشغال المنزل لضاع أكثر أوقاته، ولم يتفرغ للعلم والعمل، فالمرأة الصالحة للمنزل عون على الدين، واختلال هذه الأسباب شواغل ومشوشات للقلب، ومنغصات للعيش.
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 26، وغيره.
وقال القرظي في معنى قوله - جل جلاله -: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [البقرة: 201]: المرأة الصالحة، وفسَّر بعضُهم: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} بالزوجة الصالحة (¬1).
5.أنّه يروح نفسه، ويؤنسها بالمجالسة، والنظر، والملاعبة؛ إراحةً للقلب، وتقوية له على العبادة، فإنّ النّفس ملول، وهي عن الحق نفور؛ لأنه على خلاف طبعها، فلو كلفت المداومة بالإكراه على ما يخالفها جمحت وثابت، وإذا روحت باللذات في بعض الأوقات قويت ونشطت، وفي الاستئناس بالنساء من الاستراحة ما يزيل الكرب ويروح القلب، وينبغي أن يكون لنفوس المتقين استراحات بالمباحات.
فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لكل عامل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى» (¬2)، والشرة الجد والمكابدة بحدة وقوة، وذلك في ابتداء الإرادة، والفترة الوقوف للاستراحة.
وعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «حُبِّب إليّ النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة» (¬3)، وهذه الفائدة يدركها من جرّب إتعاب نفسه في الأفكار، والأذكار، وصنوف الأعمال (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الإحياء2: 34.
(¬2) في مسند البزار 6: 338، ومسند أحمد 2: 210، ومسند الحارث 1: 342، والسنة لابن أبي عاصم 1: 28، وقال إسناده صحيح على شرح الشيخين.
(¬3) في المستدرك 2: 1741، وصححه، وسنن النسائي الكبرى 5: 280، والأحاديث المختارة 4: 428، وغيرها. وقال العراقي المغني 35: إسناده جيد.
(¬4) ينظر: الإحياء2: 30.
6.أن يصل الرّجل والمرأة إلى من يرغب؛ لأنّه لا تكون علاقة بين رجل وامرأة إلا الزواج، فإنّها العلاقة الوحيدة المشروعة بينهم؛ لأنَّ الأصلَ في الفروج التحريم، وهو طريقةُ التواصل بينهما، وهذا فيما عدا البيع والتعليم وغيره من الحوائج الدنيوية المباحة.
فعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لم ير للمتحابين مثل النكاح» (¬1)، فإن أراد رجل امرأة فعليه أن يخطبها.
7.أنّ الأزواج قرّة أعين لبعضهما، بأن يكونا محلّ سررو وطمأنينة، قال - جل جلاله - في مدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74].
قال عبد الرحمن بن أبزى: «مثل المرأة الصالحة لبعلها كالملك المتوج بالتاج المخوص بالذهب كلما رآها قرَّت بها عيناه، ومثل المرأة السوء لبعلها كالحمل الثقيل على الشيخ الكبير» (¬2).
¬
(¬1) في المستدرك 2: 174، وصححه، وسنن ابن ماجة 1: 593، وسنن سعيد بن منصور 1: 164، ومصنف ابن أبي شيبة 3: 454، والمعجم الأوسط 3: 282، ومعجم الشيوخ 1: 244، ومسند أبي يعلى 5: 132، والمعجم الكبير 11: 17، وقال الكناني في المصباح2: 84: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 559، وجامع معمر بن مرشد 11: 300، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 10: 234: رواه الطبراني بسندين ورجال أحدهما رجال الصحيح.
ثانياً: كفاية الحاجة العاطفية وكمال العفة:
فلا سبيل لتحقُّق العِفّة الفردية والمجتمعية إلا من خلال الزَّواج، وبه تتحقَّق طهارته وتحصينه وكفاية حاجته العاطفية، ويظهر هذا من خلال ما يلي:
1.أن يتعفَّف ويَسعى للفضيلة، وهذا ملاحظ لدى كلِّ مَن تدبَّر كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وسيرة سلفنا الصالح؛ لأنه لا سبيل إلى الحياة الهادئة المطمئنة المستقرة إلا بالعفاف، فمَن يُساير رغبات نفسه ونزواته الحيوانية يعيش في اضطراب وارباك يخرجه عن طوره البشري، وهذا واضح لا سيما في المجتمعات غير المسلمة، التي تقوم حياتها على تحقيق الشهوات والرغبات دون نظر للعفة، فهي تعيش في توتر وقلق فَقدت به الأمن والأمان على حياة أفرادها، وعلى عرض نسائها؛ لأنّ وله الإنسان في تحقيق شهواته لا ينتهي عند حدّ مما يجعله غارقاً في تحصيلها وإن كان على حساب غيره ومجتمعه؛ إذ لا سبيل لإيقاف جموح النفس إلا بالرضا والقناعة الصادرة عن الإيمان الصادق.
لذلك وجدنا الإسلام اعتنى عناية كبيرة في تخليص المجتمع من الانقياد وراء شهواته بالحثّ على الزواج المبكّر، وبالدّعوة إلى التعدّد، وبأمر النساء بالاحتشام وعدم إثارة الفتن، وبمنع الاختلاط، وينهى المرأة عن
الخضوع في القول، وغير ذلك من الأحكام التي شرعها؛ ليكون المجتمع طاهراً نقياً، قادراً أن يحقق طموحاته التي ترتفع عن النزوات والشهوات فحسب.
قال - جل جلاله -: في وصف الرّسل ومدحهم: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّية} [الرعد: 38]، فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل.
ومن مقاصد الإسلام تحقِّق العِفّة المجتمعية، فكلُّ ما فيه تحقيق العفة يأمر به الشارع الحكيم، فأمر بعدم خلو الرجل بالمرأة؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يخلون أحدُكم بامرأةٍ إلا مع ذي محرم» (¬1).
وأَمر بأن لا يَمَسَّ رجلٌ امرأةً، فعن معقل بن يَسار - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له» (¬2).
وغيرها من الأوامر التي لا تنتهي لنشر العفة في المجتمع، ولا شك أنّ النكاح هو رأس العفة، فكان تحقيقه أصلاً فيها.
¬
(¬1) رواه البخاري ومسلم. كما في ترغيب المنذري3: 38.
(¬2) رواه الطبراني والبيهقي، ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح. كما في ترغيب المنذري3: 39.
2.أن يخرج نفسه من مذمة العزوبية؛ لأنها سبيلٌ للهلاك؛ لما فيها من المخاطرة لحاجة النَّفس للزواج، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج لكيلا ألقى الله عزباً» (¬1).
3.أن يحصنَ فرجَه ويَغضَّ بصرَه، حتى يَتحقَّق فيه البركة والخير والرحمة له، فيكون طريقاً له لرضاء الله تعالى، وليس لقضاء الشهوات والملذات فقط.
فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن تزوَّج امرأة لعزِّها لم يزده الله إلا ذلاً، ومَن تزوَّجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً، ومَن تزوَّجَها لحسنها لم يزده الله إلا دناءة، ومَن تزوَّجها لم يتزوجها إلاَّ يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه» (¬2).
4.أن يحصّن نفسه من الشّيطان، وكسر التَّوقان، ودفع غوائل الشَّهوة، وغضِّ البصر وحفظ الفرج.
فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنّه أغضٌ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه
¬
(¬1) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 26، وغيره.
(¬2) في مسند الشاميين 1: 29، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 254: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد السلام بن عبد القدوس وهو ضعيف.
بالصوم فإنّه له وجاء (¬1)» (¬2)، وهذا يدل على أن سبب الترغيب فيه خوف الفساد في العين والفرج.
وفي الشّهوة حكمة أخرى سوى الإرهاق إلى الإيلاد، وهي ما في قضائها من اللذة التي لا توازيها لذة لو دامت، فهي منبهة على اللذات الموعودة في الجنان؛ إذ التّرغيب في لذة لم يجد لها ذواقاً لا ينفع فلو رُغّب العنين في لذة الجماع، أو الصبي في لذة الملك والسلطنة لم ينفع الترغيب، وإحدى فوائد لذات الدّنيا الرغبة في دوامها في الجنة؛ ليكون باعثاً على عبادة الله تعالى (¬3).
5.أن يكفي حاجته من الجماع بالزواج، فيحفظ القلب عن الوسواس والفكر فلا يدخل تحت اختيار الإنسان، بل لا تزال النفس تجاذبه، وتحدِّثُه بأمور الوقاع، ولا يفتر عنه الشيطان الموسوس إليه في أكثر الأوقات، وقد يعرض له ذلك في أثناء الصلاة حتى يجري على خاطره من أمور الوقاع ما لو صرّح به بين يدي أخس الخلق لاستحى منه، والله مطلع على قلبه، والقلب في حق الله كاللسان في حق الخلق، ورأس الأمور للمريد في سلوك طريق الآخرة قلبه.
¬
(¬1) الوجاء: هو عبارة عن رض الخصيتين للفحل حتى تزول فحولته فهو مستعار للضعف عن الوقاع في الصوم. ينظر: إحياء علوم الدين 3: 25، وغيره.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 703، وصحيح البخاري 5: 1950، وغيرهما.
(¬3) ينظر: الإحياء 3: 25، وغيره.
والمواظبة على الصوم لا تقطع مادة الوسوسة في حق أكثر الخلق إلا أن ينضاف إليها ضعف في البدن، وفساد في المزاج، فالشهوة أقوى آلة الشيطان على بني آدم، وإليه أشار - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذو لبّ منكنّ» (¬1) وإنما ذلك لهيجان الشهوة، وقال الجنيد: «أحتاج إلى الجماع كما أحتاج إلى القوت»، فالزوجة على التحقيق قوت وسبب لطهارة القلب؛ ولذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلُ من وقع نظره على امرأة فتاقت إليها نفسه أن يجامع أهله.
فعن جابر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها، فإنّ ذلك يردُ ما في نفسه» (¬2)؛ لأنّ ذلك يدفع الوسواس عن النفس (¬3).
6.أن يحفظ نفسه من الفجور بالزواج؛ لأنّه يحصّنه عن الزنا وتوابعه، قال عمر - رضي الله عنه -: «لا يمنع من النكاح إلا عجز أو فجور»، فبين أن الدين غير مانع منه وحصر المانع في أمرين مذمومين (¬4).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 86، وصحيح البخاري 2: 531، وغيرهما.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 1021، وغيره.
(¬3) ينظر: الإحياء2: 28.
(¬4) ينظر: إحياء علوم الدين 3: 26، وغيره.
وهذا كله لشدة تعلق كل من الرجال والنساء ببعضهم البعض، فلا يقلل من شدة الشوق إلا النكاح، فعن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من صباح إلا وملكان يناديان: ويل للرجال من النساء، وويل للنساء من الرجال» (¬1).
ثالثاً: تحقق الأبوة والأمومة بالزواج:
فلا سبيل لتحصيل الولد واستمرار النّسل إلا بالنكاح، ويظهر هذا فيما يلي:
1.أن يطلب الولد، وهو الأصل وله وُضع النكاح، والمقصود إبقاء النسل وأن لا يخلو العالم عن جنس الإنس، وإنما الشهوة خلقت باعثة مستحثة، فالحكمة اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب مع الاستغناء عنها إظهاراً للقدرة، وإتماماً لعجائب الصنعة، وتحقيقاً لما سبقت به المشيئة، وحقت به الكلمة وجرى به القلم، ومن ثمار تحقيق الولد رغم الأمن من الفتنة موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان (¬2).
2.أن يرغب بكثرة الولد طلباً لمحبّة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تكثير أمته ومباهاته بهم (¬3).
¬
(¬1) رواه ابن ماجة، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. كما في ترغيب المنذري3: 38.
(¬2) ينظر: الإحياء2: 24.
(¬3) ينظر: الإحياء2: 24.
فعن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «تزوجوا الولود الودود، فإني مكثر بكم الأمم» (¬1).
وعن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى» (¬2).
3.أن يطلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده، ولا يوصل إلى الولد إلا بالنكاح، ودعاء المؤمن لأبويه مفيد براً كان أو فاجراً، فهو مثاب على دعواته وحسناته، فإنه من كسبه وغير مؤاخذ بسيئاته، فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى؛ ولذلك قال - جل جلاله -: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور:21]: أي ما نقصناهم من أعمالهم وجعلنا أولادهم مزيداً في إحسانهم (¬3) ..
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (¬4).
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 9: 363، وسنن النسائي 3: 271، والمستدرك 2: 176، وصححه، وسنن أبي داود 2: 220، وينظر: موارد الظمان 1: 302، وغيره.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 7: 78، وغيره.
(¬3) ينظر: الإحياء2: 24.
(¬4) في صحيح مسلم 3: 1255، وصحيح ابن خزيمة 4: 122، وصحيح ابن حبان 7: 286، وغيرها.
4.أن يطلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله (¬1).
فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» (¬2).
وعن جابر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن مات له ثلاثة من الولد دخل الجنة، قال: قلنا: يا رسول الله وابنان. قال: وابنان. قال محمود قلت لجابر بن عبد الله: إني لأراكم لو قلتم واحداً لقال واحداً. قال: والله أظن ذلك» (¬3).
* * *
¬
(¬1) ينظر: الإحياء2: 24.
(¬2) في صحيح البخاري 1: 421، وغيره.
(¬3) في صحيح ابن حبان 7: 208، وغيره.
المحور الثّالث: كيف تختار شريك الحياة؟
إنّ اختيار كلّ من الزوجين للآخر يتطلّب معرفة ما ينبغي أن يتوفر فيهما من الصّفات الحميدة؛ ليتمكّن الطّرفان من الحصول على العشير الصالح القادر على إيجاد بيت مسلم مطمئن محقق لمرضاة الله - جل جلاله -، وفي هذا المبحث سنقتصر على ذكر صفات الزوج والزوجة التي أرشد إليها هذا الدين الحنيف بما يُحقق الغاية المقصودة.
الجانب الأول: ما هي أكمل الصّفات في الزوجة؟
وخير ما يُستقى منه بعد كتاب الله هو سنّة مصطفاه - صلى الله عليه وسلم - في رشاد الناس وخيرهم، وللوقوف على الصّفات المطلوبة للزوجة ننهل من عبق هذه السُّنة المطهّرة، التي وردت فيها أَحاديث عديدة في بيان ما ينبغي أن تكون عليه المرأة من صفات.
فإنّ من أعظم النّعم أن يُوَفَّق المرء في اختيار زوجته التي يقضي معها جلّ وقته، وتُربي أولاده، وتحفظ له عرضه وشرفه، وتُعينه على هموم الدنيا وكدرها، وتُسعده معها.
أولاً: الصّلاح:
أن يتزوّجَ امرأةً صالحةً ذات دين، وهذه أبرزُ صفة في الزوجة، وعامةُ صفات المرأة ترجع لها، فهذه المرأة نبراسُ الحياة، ومتاعُ الدنيا، وطريقُ
الآخرة، فهنيئاً لمن رُزقها، وهنيئاً لامرأة اتصفت بها، فهي تُسْعِدُ نفسَها وزوجَها بقدر صلاحها.
فعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهني، وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء» (¬1).
وعن أبي أمامة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة» (¬2)، فكانت هذه المرأة خير نِعم هذه الدنيا من الله تعالى على عبده بعد هدايته للدّين وتمسكه بتقواه.
وهذه الصّفة أولاً يجب مراعاتها بالنسبة للزوج، وعلى الزوجة أن تحققها في نفسها، فإنّها لا يَستغني عنها بيت يقوم على الراحة والسعادة والطمأنينة، وفيها رغّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» (¬3)؛ لأنّ في فقدانها تعاسة وندامة، وخراب للبيوت،
¬
(¬1) في الأحاديث المختارة 1: 302، قال المقدسي: إسناده صحيح، وموارد الظمآن 1: 302، ومسند البزار 4: 20، 26، وبلفظ قريب منه في مسند أحمد 1: 168، والمستدرك 2: 157، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال المنذري في الترغيب 3: 28: رواه أحمد بإسناد صحيح.
(¬2) في سنن ابن ماجة 1: 596، قال العجلوني في كشف الخفاء 2: 236: سند ضعيف، لكن له شواهد تدل على أن له أصلاً.
(¬3) في صحيح البخاري 5: 1958، وصحيح مسلم 2: 1086، وصحيح ابن حبان 9: 344، وغيرها.
وضياع للأولاد، فالعيش كلّه مقصور على الحليلة الصالحة، والبلاء كله موكل بالقرينة السّوء التي لا تسكن النفس إلى عشرتها، ولا تقر العيون برؤيتها (¬1).
ولا شَكَّ أنَّ هذا الصَّلاح درجاتٌ عديدةٌ، ويَزداد خير المرأة بقدر علوها في تحقيق درجاته، وبالتالي لا بُدَّ أن يكون همّها الأَوَّل في حياتها هو تحقيق كماله والارتقاء في درجاته؛ لأنّ سعادتها الدُّنيوية والأُخروية مرتبطةً به.
وهذا الصّلاح يزداد ويتقوّى بقدر قُربها من الله تعالى وإقبالها عليه، ولها طرق متعددة منها:
أ. أن تُحافظ على عباداتها من صلاة وصيام كفرائض، فلا تُقَصِّر في شيء منها.
ب. أن تزيد من نصيبها من النوافل، فلا تترك السّنن الراتبة للصلاة، وتضيف عليها بقدر طاقتها من الصلوات والصيامات النوافل.
ج. أن تُحافظ على أذكارها وأورادها صباحاً ومساءً وبعد الصلوات وتُكثر من الدّعاء واللجوء لله تعالى.
د. أن تُحافظ على وردها اليومي من القرآن، وتزيد فيه بقدر استطاعتها.
¬
(¬1) ينظر: المستطرف 2: 294.
هـ. أن تشغل كل أوقاتها بالخيرات وفعل المعروف.
و. أن تهتم بصفاء قلبها وخلوه من الأمراض: كالكبر والبخل والرياء وغيرها من خلال متابعة دروس التزكية والعمل بمضمونها.
ز. أن تهتم بتعلّم أحكامها دينها، حتى يكون عملها على وفق الشرع، فتحضر الدروس والدورات الفقهية.
ح. أن تهجر المعاصي الظاهرة للجوارح، فلا تفعل شيئاً منها عن قصد، وإنما تقع منها بالطبيعة البشرية فتستغفر الله تعالى منها، فعن ابن عمرو - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» (¬1).
ط. أن تُلازم الأخلاق الكريمة، وتحرص على تخلّقها بها بكل جهدها.
ي. أن تتجنب مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات إلا بقدر الضّرورة وفيما فيه نفع ظاهر.
فلما كان تحصيل أمثال هذه الأوصاف عسير إلا على من يسره الله تعالى، فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنّ المرأة الصّالحة الكاملة عزيزة جداً، فعن أبي أمامة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب الأعصم، قيل: يا رسول الله، وما الغراب الأعصم؟ قال: الذي إحدى رجليه
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 1090، والمسند المستخرج 4: 141، وصحيح ابن حبان9:340، ومسند أبي عوانة 3: 143، ومسند عبد بن حميد 1: 133، ومسند الشهاب 2: 236، والزهد لهناد 1: 295.
بيضاء» (¬1)، وأراد - صلى الله عليه وسلم - قلّة الصالحة في النساء؛ لأن هذا الوصف في الغربان عزيز قليل (¬2).
فعلى كلِّ امرأةٍ أن تحرص أن تكون من تلك القلة القليلة التي تستطيع أن ترضي ربها وزوجها، وتفوز بسعادة الدنيا والآخرة؛ لأنها الطريقة الوحيدة لذلك.
وهذا سبب حثّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون الدين هو الصفة الأولى التي تطلب بسببها المرأة، فعن ابن عمرو - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهنّ أن يرديهن، ولا تزوجهنّ لأموالهنّ فعسى أموالهنّ أن تطغيهن، ولكن تزوجهنّ على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل» (¬3).
وليس معنى هذه الأحاديث أن لا يَلتفت الرجل إلى الحسب والجمال وغيرها من الصّفات، وإنّما المعنى أن يقدّم ذات الدّين على غيرها، ولا يرغب في امرأة لمحض جمالها إن كانت غير متدينة، وإلا فقد ثبت في عدّة أحاديث أن الجمال من موجبات الرّغبة في النكاح؛ لأنّ فيه العفة وغضّ البصر،
¬
(¬1) في المعجم الكبير 8: 201، واللفظ له، وقال الدميري في حياة الحيوان 2: 172: في النسائي بإسناد صحيح.
(¬2) ينظر: حياة الحيوان الكبرى 2: 172.
(¬3) في سنن ابن ماجه 1: 597، وسنن البيهقي الكبير 7: 80، ومسند البزار 6: 314، ومسند عبد بن حميد 1: 133، ومصباح الزجاجة 2: 97، وغيرها.
والتحصين لا يحصل إلا بأن يطمئن الرجل بزوجته (¬1)، فالممنوع إذاً هو الاكتفاء بالجمال مع قطع النظر عن صلاح الدّين والكمال (¬2).
ثانياً: الحسب والنسب:
أن تكون ذات حسب ونسب: أي طيبة الأصل بانتسابها إلى العلماء والصُّلحاء والفُضلاء (¬3)؛ لتكون من أهل بيت الدّين والصّلاح، فإنّها ستربي بناتها وبنيها، فإذا لم تكن مؤدبة لم تحسن التّأديب والتربية (¬4).
وصفة النّسب من أهم الصِّفات، حتى تكاد أن تكون بمثابة الأم لسائر الصّفات؛ لتفرّعها عليها، والدّين هو الأب، وسائر الصّفات مندرجة تحتهما ومتأثرة بهما، والدّين والنّسب يحميان سائر الصفات ويحافظان عليها، ويزيدان في خيرها.
وبالتالي لا يجوز التّغافل فيهما؛ لأن فقدانهما سيكون فقدان لغيرهما؛ لأنهما الأساس والأصل.
وكلّما ارتقى نسب المرأة وحسبها ارتقت بصفاتها الإنسانية وبكمالاتها البشرية، فتكون صاحبة سلوك قويم وأدب جم وخلقٍ رفيعٍ، تُحسن التّصرف وتَقدر على حلّ الإشكالات، ولا تسعى لصنعها.
¬
(¬1) ينظر: تكلمة فتح الملهم 1: 109.
(¬2) ينظر: عين العلم وزين الحلم ص34،مطبوع جزء منه باسم شؤون الأسرة.
(¬3) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 24: 61.
(¬4) ينظر: إحياء علوم الدين 2: 46، وعين العلم وزين الحلم ص38.
وتُقَدِّرَ زوجها وترتقي به ومعه، وتحرص عليه وعلى إسعاده، وتعرف غايتها وطريقها الموصلة لها.
فنسبها يمنعها من الانشغال بسفاسف الأُمور، ومن السّلوك الرديء، والألفاظ البذيئة، نظرها للمعالي وسبيلها إليه كله فضائل.
فِكُرها منصرف للنهوض بنفسها وتطوير ذاتها وتربية ولدها على الأمور العظام والقيام على زوجها بكلّ الوسائل.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «خير نساء ركبن الإبل: صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يد» (¬1)، فكن خير النساء؛ لرقي نسبهن وتوارث المعروف والخير بينهم، فكانت حريصةً على ابنها وقائمة بحقّ زوجها، وهذا أكمل ما يُطلب من المرأة، وهذا من الثقافة المتوارثة بينهم فيفعلونه بلا تكلّف.
فالمرأة تعيش عند أهلها سنوات عديدة، وتتكوّن عامّة شخصيتها عندهم، فإن كانوا بيت حسب وخير، تشكلّت بصفاتها على هذا الخير، وإلا كانت على عكس ذلك.
وبالتالي علينا أنّ نحرص في النّظر إلى بيتها أهلها وأخلاقهم وسلوكهم، فإن كان يُناسبنا تزوَّجنا منهم؛ لأنَّ أخاها اليوم هو ابنُك بالغد؛ لأنّ المرأة
¬
(¬1) في صحيح البخاري 3: 1266، وصحيح مسلم 4: 1954، وصحيح ابن حبان 13: 164، ومسند الحميدي 2: 451، والآحاد والمثاني 5: 459، وغيرهم.
عادةً تسلك طريق أُمها، فتكون تربيتها كتربيتها، فكيف ربَّت الأُم ستربي هي، فسيكون الشّبه بين صفات الأخ لها والابن لها في المستقبل.
وهذا ما نبّه عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالبحث عن الأكفاء في الزَّواج، وهم أصحاب الحَسب والنَّسب، فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «تَخَيَّروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وأَنكحوا إليهم» (¬1)، فالكفاءة تكون بالمهارات المتعددة والصّفات الراقية، وهذه تحتاج إلى إعداد طويل في بيت كريم وأسرة شريفة.
ثالثاً: حسن الخلق:
أن تكون حسنة الخلق؛ فالخلق الحسن هو الزّينة التي تدوم مع الزّوجة في عشرتها لزوجها؛ إذ الجمال يألفه بعد حين ويعتاد عليه، فلا يعود ينتبه إليه كسابق عهده، أما جمال الخُلق فبه تزداد حياتها سعادة وألفة ومحبّة؛ لأنّه في كلِّ لحظة يعاملها فيها يجدها مكسوّة به، فتزداد هيبتها ومكانتها في نظره، وفي ذلك رغّب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
¬
(¬1) في المستدرك 2: 176، والأحاديث المختارة 7: 198، وقال المقدسي: إسناده حسن، وسنن البيهقي الكبير 7: 133،وسنن الدارقطني 3: 299، وسنن ابن ماجه 1: 633، ومسند الشهاب 1: 390، والفردوس 2: 51، وفي هذا الحديث كلام من حيث ثبوته فصَّله ابن الجوزي في العلل المتناهية 2: 612 - 615، والعجلوني في كشف الخفاء 1: 358، وابن حجر في تلخيص الحبير 3: 146، وأفاض الكوثري فيه في مقالاته ص130 - 141.
فعن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «تُنكح المرأة على إحدى خصال ثلاث: تُنكح المرأة على مالها، تُنكح على جمالها، تُنكح على دينها، فعليك بذات الدّين والخُلق تربت يمينك» (¬1): ومعنى تربت: افتقرت أو لصقت بالتراب من شدة الفقر إن لم تفعل (¬2).
فخُلق المرأة ما تعيش به مع زوجها، وبه تدوم حياتها وتستمر، فكلّما تخلَّقت بالأخلاق الكريمة أكثر حَسُنت حياتها وسعدت في دنياها، وعلى المرأة أن تحرص حرصاً شديداً على تحقيق كمال خُلقها بكلِّ طريقة ووسيلة، وأن تبذل من أجل تحقيقه الغالي والنّفيس؛ لأنّ حياتها مرتبطة به سعادة أو شقاوة، فكلما زادت من كريم أخلاقها سعدت، وكلما نقصت عندها شقت.
قال عمر - رضي الله عنه -: «ما استفاد رجل بعد إيمان بالله خيراً من امرأة حسنة الخلق، ودود ولود، وما استفاد رجل بعد الكفر بالله من امرأة سيئة الخُلق، حديدة اللسان، ثم قال: إنَّ منهن غنماً لا يحذى منه، وإنّ منهن غلالاً يفدى» (¬3): أي بعض النساء كالأغنام لا يُستفاد منها ولو لعمل الأحذية لسوء خُلقها، وبعض النساء كالثمار الطيبة التي يُدفع في مقابلها كلّ ثمين وغال؛ لأنّها تستحقه لحسن خُلقها.
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 560.
(¬2) ينظر: التيسير1: 457.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 559،
ومقام المرأة مع زوجها بقدر أخلاقها وسلوكها وأدبها، فهم يعيشون مع بعضهم دهراً، وبدون أخلاق رفعية لا تستمر الحياة، ولا تكون هنيئة وطيبة.
ولذلك حثّ الشّرع على حسن الخُلق ومكارمه؛ لأنّه محبوب عند الله تعالى، فعن أبي ثعلبة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ أحبكم إلى الله وأقربكم مني أحاسنكم أخلاقاً، وإنّ أبغضكم إلى الله وأبعدكم مني الثرثارون المتفيهقون المتشدقون» (¬1).
فالنّاس يعيشون مع بعضم البعض بأدبهم وخُلقهم، ويطيب عيشهم بقدر ذلك، والزّوجان أحق الناس بهذا، فلا بُد ابتداءً عند اختيار الزوجة أن تكون ذات خلق، وعلى المرأة أن تحرص حرصاً شديداً على تحقيق مكارم الأخلاق في نفسها.
وفي وصية لقمان لابنه: يا بني اتق المرأة السّوء، فإنّها تُشيبك قبل المشيب، واتق شرار النساء، فإنّهن لا يدعون إلى خير، وكن من خيارهن على حذر (¬2).
والوسائل متعددة في تحصيل الأخلاق، ومنها:
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 2: 231، واللفظ له، وجامع الترمذي 4: 370، وحسنه، وسنن البيهقي الكبير 10: 193، ومسند أحمد 4: 193، وغيرها.
(¬2) ينظر: حياة الحيوان الكبرى 2: 172 - 173.
أ. الصّحبة الطّيبة لكرام الناس بحيث نستفيد منهم الألفاظ الطيبة والسلوك الجميل.
ب. القراءة في كتب الأخلاق والسّلوك والتزكية.
ج. سماع المحاضرات والدروس والدوارات فيها.
د. الحرص الشّديد بتحصيلها والتقاطها حيث سمعتها أو رآتها.
هـ. الاقتداء بخير الخلق - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام وعلماء الأمة وأئمة الإسلام.
وعُدَّت المرأة السّيئة في أخلاقها من الفواقر التي تَكسر فَقار الظهر من شدّة سُوئها، فيكون زوجها في همّ وألم مستمر معها، قال ابن عمرو - رضي الله عنه -: «ألا أخبركم بالثلاث الفواقر: إمام جائر إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، وجار سوء إن رأى حسنة غطّاها وإن رأى سيئة أفشاها، وامرأة السوء إن شهدتها غاضبتك وإن غبت عنها خانتك» (¬1).
وبالتالي كان الواجب على الأهل العناية ببناتهن وتخليقهن بأحسن الأخلاق، وتذكيرهن بذلك، فعن جعدة بن هبيرة: «كان إذا زوّج شيئاً من بناته خلا بها فينهاها عن سيء الأخلاق وأمرها بأحسنها» (¬2).
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 559، وسنن البيهقي الكبير 7: 82، ومسند ابن الجعد 1: 166، وشعب الإيمان 6: 416، والزهد لهناد 2: 598، وغيرها.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 559،
وإذا جاوزت المرأةُ حدودَها في سوء خلقها، فكان الضّرر في الاستمرار معها أكثر من النّفع في صحبتها، فلم تعدّ تطاق الحياة معها، ولا تحتمل، كان الانفصال عنها أولى، قال الغزالي (¬1): «إذا كانت بذيئة اللسان سيئة الخلق كافرة للنّعم، كان الضرر منها أكثر من النّفع».
وهناك أوصاف إن وجُدت في المرأة لا تصلح أن تكون زوجة، قال بعض العرب: «لا تنكحوا من النساء ستة: لا أنانة، ولا منّانة، ولا جنّانة، ولا تنكحوا حدّاقة، ولا برّاقة، ولا شداقة.
أما الأنانة: فهي التي تُكثر من الأنين والتشكي وتعصب رأسها كلَّ ساعة، فنكاح الممارضة أو نكاح المتمارضة لا خير فيه.
والمنانة: التي تمنّ على زوجها، فتقول: فعلت لأجلك كذا وكذا.
والحنانة: التي تحنّ إلى زوج آخر أو ولدها من زوج آخر.
والبراقة: تحتمل معنيين: أحدهما: أن تكون طول النهار في تصقيل وجهها وتزيينه ليكون لوجهها بريق محصل بالصّنع، والثاني: أن تغضب على الطعام فلا تأكل إلا وحدها وتستقبل نصيبها من كل شيء.
والشداقة: المتشدقة الكثيرة الكلام» (¬2).
رابعاً: الطّاعة:
¬
(¬1) في إحياء علوم الدين 2: 43.
(¬2) ينظر: إحياء علوم الدين 1: 43.
أن تكون مطيعة لزوجها، وهذه رأس صفات المرأة، ولا ديمومة للحياة الزّوجية بدونها، فكلما قدرت على تحقيق طاعة زوجها أكثر في غير معصية لله تعالى كانت حياتها أهنأ معه.
وطاعتها له بأن لا تعصي له أمراً لا يُغضب الله تعالى فيه، وأن لا تجعله نداً لها، بل تعظِّمه وتوقِّره، فإنّ ذلك يحملها على طاعته.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «قيل: يا رسول الله أي النساء خير؟ قال: التي تسرّه إذا نظر وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره» (¬1).
ولذلك نجد الحثّ الشَّديد من النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث عديدة على الاتصاف بها، فعن أبي أمامة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ أمرَها أطاعته» (¬2)؛ للمكانة والمقام الرفيع لهذه الصفة والأثر الكبير لها على تحقيق السعادة الزوجية.
وعن ابن عمر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم بخير ما يُكنز: المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرّته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته» (¬3)، فانظر كيف ربط النبي - صلى الله عليه وسلم - بين صلاح المرأة وبين طاعتها لزوجها وإدخال السرور عليه
¬
(¬1) في سنن النسائي 3: 271،والمجتبى 6: 68،وسنن البيهقي الكبير 7: 82،ومسند أحمد 2: 251، ونوادر الأصول 2: 150، وغيرها.
(¬2) في سنن ابن ماجة 1: 596، قال العجلوني في كشف الخفاء 2: 236: سند ضعيف، لكن له شواهد تدل على أن له أصلاً.
(¬3) في المستدرك 1: 567، 2: 363، وصححه. وفي سنن البيهقي الكبرى 4: 83، وسنن أبي داود 2: 126، ومسند أبي يعلى 4: 378، وشعب الإيمان 3: 194،
وحفظها لنفسها؛ لأنّ التدين هو الأصل في تغير السلوك الإنساني للأفضل، فلنحرص عليه.
وهذه الطاعة لها صورة متعددة منها:
أ. إن طلبها للفراش.
ب. القيام بواجبات البيت على وفق رغبة الزوج.
ج. القيام بواجبات الأولاد بإرشاد الزوج.
د. شراء ما يلزم من لباس وطعام.
هـ. الخروج والزيارة، فلا يكون خروج وزيارة إلا بما يحب الزوج.
و. العلاقة مع غير المحارم والأرحام، فتمتنع عن أي علاقة مع غير الأرحام لا يريدها زوجها.
وبالتالي لا تخرج عن كلامه ومراده، فتكون نعم المعينة له في حياته، بارّة بزوجها، موفيةً بحقه من الطاعة، فلا تكسر له كلاماً في معروف وخير، حتى يصدق فيها ما روي عن أبي أمامة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وإن أقسمَ عليها أبرته، وإن غابَ عنها حفظته في نفسها وماله» (¬1).
¬
(¬1) في سنن ابن ماجة 1: 596، قال العجلوني في كشف الخفاء 2: 236: سند ضعيف، لكن له شواهد تدل على أن له أصلاً.
أن تُدخل السّرور إلى زوجها بالنّظر إليها، وهذا قلب الصّفات وأكرمها، وبها تحسن الحياة الزوجية وتبتهج، وتتحقق الرّاحة والطّمأنينة والسّكينة، وهي مفتاح كل خير بين الزوجين، فعلى المرأة أن تحرص عليها لكثرة ترغيب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحثه عليها، فعن أبي أمامة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن نظر إليها سرّته» (¬1).
ويتحقق السّرور بالنظر إليها بصور متعددة:
أ. أن تهتم بصورتها وخلقتها، فتعتني بجسمها ووجهها وشعرها، بحيث لا يرى الزّوج منها ما يكره، ولا تبخل في ذلك في وقت أو مال، فجمالها رأس مالها في حياتها الزّوجية، فلا يجوز لها أن تستغني عنه، وكلّما حققته بصورة أفضل كان الحياة أهنأ وأدفأ.
ب. أن تعتني بملابسها ونظافتها، فلا تلبس إلا ما يحبُّ زوجها، وتلازم العناية بها، بحيث لا يَمِلّ زوجها بالنظر لشيء تلبسه؛ لكثرة لبسها له، فيكون اعتناؤها في ملابسها أمام زوجها بالدّرجة الأولى لا أمام غيره، إلا بما لا يليق أن تظهر به.
ج. أن ترتّب بيتها وتهذّبه وتنظّفَه على أَحسن صورة، بحيث لا تقع عين زوجها على شيءٍ منه إلا ويَسرُّه، فبيتُها جنّتُها وحديقتُها، فلا يُمكن أن
¬
(¬1) في سنن ابن ماجة 1: 596، قال العجلوني في كشف الخفاء 2: 236: سند ضعيف، لكن له شواهد تدل على أن له أصلاً.
تَحسّن صورتها ومظهرها وجمالها في عين زوجها إن لم تكن حديقتُها جميلة، فلا جمال للمرأة بغير نظافة وأناقة بيتها، ويجب أن يكون كلّ لحظةٍ كما لو كان ضيوف يحضرون إليه، فنظر زوجها أهمّ من نظر الضّيوف، فعليها أن تستحي منه أكثر من حيائها من غيره، فهو مَن تعيش معه، ويهمّها رضاه، ولا تجعل أُلفة العيش معه مانعة من القيام بحق نفسها وبيتها، حتى تبقى زوجة له، وتبقى السّكينة موجودة معها.
د. أن تعتني بطعام زوجها، فتكون أمهر ما يكون بالقيام به، وتراعي تجهيز ما يحبّ زوجها وتتجنب ما يكره، وتتابع رغباته من طعام وشراب، فلا لذة لكلام أو نظر إلا بعد شبع البطن وكفاية حاجته، والبطن مفتاح السرور بين الزوجين؛ لتحقيق المتعة واللذة بينهما في عيشهما، فيكون سروره بالنظر لطعامها وأكله.
هـ. أن تعتني بأولادها وترعاهم وتعلّمهم، وتتابع نظافتهم وتحسين أخلاقهم وتقوية شخصيتهم، وحملهم للمسؤولية والتّمسك بدينهم، فكلّما نظر لأولاده عظمت زوجته في نظره؛ لما تقوم به من جهد وعمل في تربيتهم.
و. أن تحافظ على لسانها، فتحسن انتقاء الكلام له، وتتجنب القول القبيح والبذيء، فتتكلم أطيب الكلام معه ومع أهله وأولاده، فيُحسن نظره إلى أقوالها وسلوكياتها.
خامساً: العفة:
أن تكون عفيفة، فإن لم تكن الثّقة بين الزّوجين يدخل الجحيم إلى بيتهما وتزداد الشكوك بينهما ويحصل القلق والأرق المستمر، وبالتالي لا بدّ أن تكون الزوجة ابتداء على هذه الصّفة، وإلا يصعب الزواج منها، ولا بد أن تسعى الزوجة إلى إيجاد الثّقة مع الزوجة، فلا حياة بلا ثقة، ومن هنا جاء ترغيب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعفة المرأة، فعن أبي أمامة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن غابَ عنها حفظته في نفسها وماله» (¬1).
وهذا يقتضي منها أن تأخذ بالأسباب التي تُوجد الثقة بينهما ومنها:
أ. أن لا تنزع حجابها أمام الأجانب وتتعهد وتحرص عليه كروحها.
ب. أن لا تتكلم مع الأجانب إلا للضرورة وبقدر الضّرورة بدون أي خضوع للقول، فلا يكون لها علاقة مع أي شخص أجنبي لأي سبب إلا بقدر حاجة من تعلم أو تجارة، فعن عليّ وأنس - رضي الله عنهم -: «خير نسائكم العفيفة» (¬2).
ج. أن لا تخرج من بيتهما إلا بإذن زوجها، ولا تُدخل أحداً إلا بيتهما إلا بإذن زوجها.
¬
(¬1) في سنن ابن ماجة 1: 596، قال العجلوني في كشف الخفاء 2: 236: سند ضعيف، لكن له شواهد تدل على أن له أصلاً.
(¬2) في الفردوس 2: 176.
د. أن يكون زوجها في اطلاع على علاقاتها مع الآخرين وإن كن نساء بصورة عامّة، وتكون هذه العلاقات برضاه.
هـ. أن تعتني بزيادة تدينها وقُربها من الله تعالى، فله أبلغ الأثر في عفتها، قال الغزالي (¬1): «فإنّها إن كانت ضعيفة الدّين في صيانة نفسها وفرجها أزرت بزوجها، وسودت بين الناس وجهه، وشوَّشت بالغيرة قلبه، وتنغَّص بذاك عيشه، فإن سلك سبيل الحمية والغيرة لم يزل في بلاء ومحنة، وإن سلك سبيل التساهل كان متهاوناً بدينه وعرضه، ومنسوباً إلى قلّة الحمية والأنفة».
فإنّ المرأة إن تركت طريق العفة كانت مبتذلة، وسلعة رخيصة في أعين الرّجال، يقضي كلٌّ منهم مأربه منها، فتقتصر في تحسين نفسها وتجملها على زوجها؛ لما في غير ذلك من المهالك لها في الدنيا والآخرة.
قال - جل جلاله -: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً} [النور: 3]، فلا يطلبها للزواج إلا مَن كان مثل حالها من الابتذال والسّير وراء الشّهوات، فيعشوا مع بعضهم حياة الفساد والشكوك والاضطراب بعيداً عن السَّكينة.
سادساً: الأمانة:
أن تكون أمينة في حفظ ماله، فالمرأة تُشارك زوجها في حياته، ولا بُدّ من وجود الثّقة منه بها في حفظ أموالها؛ لأنّ هذه المال لعيشهما وعيش أولادهما،
¬
(¬1) في إحياء علوم الدين 2: 42.
وكلّما حرصت على ماله أكثر زادت الثّقة بينهما، وهذا معنى ما ورد النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن غابَ عنها حفظته في نفسها وماله» (¬1).
ولهذا الثقة صور لا بُدّ من تحقيقها، ومنها:
أ. أن تحفظ ماله بكل طاقتها بحيث لا تصل له يد الآخرين، فلا تتساهل في طريقة حفظه.
ب. أن لا تُنفق شيئاً من ماله إلا بإذنه صريحاً أو دلالة، وهو ما تعرف أن يرضى بمثله من النفقة.
ج. أن لا تُعطي شيئاً من ماله للآخرين ولو صدقة إلا برضاه في ذلك، وهذا يشمل الطعام والشراب واللباس وغيرها.
د. أن لا تُبَذّر من أمواله شيئاً بشراء ما لا حاجة له من طعام أو لباس، بل تحرص كل الحرص على أن لا تنفق شيء إلا بقدر الحاجة حتى لا تكون من المسرفين، قال تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين} [الأنعام:141].
هـ. أن لا تلتفت لأفعال عامّة النساء من الإسراف ومتابعة الموديلات والمأكولات، بل تجعل الشّرع دائماً حاكماً بتصرفاتها.
¬
(¬1) في سنن ابن ماجة 1: 596، قال العجلوني في كشف الخفاء 2: 236: سند ضعيف، لكن له شواهد تدل على أن له أصلاً.
سابعاً: البكارة:
أن تكون بكراً؛ لم تتزوج الرّجال قبله، ولم تُعاشرهم وتختلط بهم، فيكون فيها شدّة المحبة والأُلفة له.
وهذه صفة كمال وفضيلة؛ لأنّه ليس كلُّ بكر أفضل من كلِّ ثيب، وإنّما لو اشتركت النّساء بالصّفات الأساسية، وكانت إحداهما بكراً، فإنّها تُرجَّح بهذه الصّفة على الثّيب؛ لأنّها أصفى نفساً وأقرب للفطرة، فتكون أقدر على التّكيف مع زوجها، والتّعوُّد على صفاته، وأَقرب إلى نفسه، فتكون أقدر على إسعاد زوجها وإدخال السّرور على قلبه بفعلها وقولها، فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «هلا تزوَّجت بكراً تُلاعبُها وتُلاعبك» (¬1).
ففي البكارة ثلاثة فوائد:
أ. أن تحبّ الزّوج وتألفه فيؤثر في معنى الود، والطّباع مجبولة على الأنس بأول مألوف، وأما التي اختبرت الرّجال ومارست الأحوال فربما لا
ترضى بعض الأوصاف التي تخالف ما ألفته فتقلِّي الزوج.
ب. أنّ ذلك أكمل في مودّته لها، فإنّ الطبع ينفر عن التي مسَّها غيره، ويثقل على الطبع مهما يذكر عنه، وبعض الطّباع في هذا أشد نفوراً.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 3: 1083، وصحيح مسلم 2: 1087، وغيرهما.