أقوال الفقهاء في التفريق ...
... بين المفقود وزجته
جارٍ تحميل الكتاب…
أقوال الفقهاء في التفريق ...
... بين المفقود وزجته
أقوال الفقهاء
في التفريق بين المفقود وزوجته
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد:
فمن المعلوم أنّ مذهب السَّادة الحنفية يعمل في مسألة التَّفريق بين المفقود وزوجته بمذهب السادة المالكية المنقول عن عمر - رضي الله عنه -، وليس هذا لقلّة الأدلة عندهم فيما ذهبوا إليهم من قولٍ، ولكن هذا الترجيح يرجع إلى رسم المفتي وأنّ هذا القول هو الأنسب والأليق والأوفق بالواقع؛ لذلك كثرت عبارات الحنفية المُصرِّحة بالإفتاء بقولك بمالك - رضي الله عنه - في المسألة.
ورغبت بعرض أقوال المذهب في هذه المسألة المشهورة وأدلتهم كل منهم مع المناقشات الواردة عليهم؛ زيادة في المعرفة والإطلاق، وفهماً لحقيقة الخلاف الواقع بينهم، وتعريفاً بكثرة الشواهد لكل واحد منهم فيما ذهب إليه.
راجياً من الله تعالى أن يتقبل هذا العمل، وسائلاًالمولى - عز وجل - أن يجعله عملنا خالصا لوجه الكريم، وصلى الله على سيدنا محمد.
وكتبه
الدكتور صلاح أبو أبو الحاج
عمان، صويلح
بتاريخ 29 ـ 5 ـ 2006 م
تمهيد:
اتفقت الفقهاء في أن المفقود إن كانت غيبته غير منقطعة، بأن يعرف خبره، ويأتي كتابه، فهذا ليس لامرأته أن تتزوّج في قول أهل العلم أجمعين، إلا أن يتعذّر الإنفاق عليها من ماله, فلها أن تطلب فسخ النكاح، فيفسخ نكاحه على قول بعضهم، وليس هنا محل تفصيل ذلك.
وأجمعوا على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقين وفاته. وهذا قول النخعي والزهري ويحيى الأنصاري ومكحول والشافعي وأحمد، وأبي عبيد وأبي ثور وإسحاق وأصحاب الرأي - رضي الله عنهم - (¬1).
واختلفوا فيما إذا كانت غيبة المفقود منقطة ولا يعلم خبره، على التفصيل الآتي ذكره:
¬
(¬1) المغني 8: 105.
المبحث الأول
أقوال الفقهاء
في التفريق بين المفقود وزجته
المطلب الأول: مذهب الحنفية (¬1):
ذهب الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - في ظاهر الرواية والمعتمد من المذهب إلى أنه لا يفرق بين المفقود وبين زوجته إلا بموت أقران الزوج ثم تعتدّ امرأته عدّة الوفاة من وقت الحكم بموته ; لأن ما تقع الحاجة إلى معرفته فطريقه في الشرع الرجوع إلى أمثاله كقيم المتلفات, ومهر مثل النساء وبقاؤه بعد موت جميع أقرانه نادر, وبناء الأحكام الشرعية على الظاهر
¬
(¬1) ينظر: المبسوط 11: 34 - 38، وبدائع الصنائع 6: 198، والهداية 4: 384 - 386، وتبيين الحقائق 3: 311، والعناية 6: 146 - 147، و فتح القدير 6: 145 - 147، وحاشية التبيين 3: 311، الجوهرة النيرة 1: 360 - 361، و درر الحكام 2: 128، والشرنبلالية 2: 128، ومجمع الأنهر 1: 713 - 714، و البحر الرائق 5: 178، ومنحة الخالق 5: 178، وغمز العيون 4: 306، والدر المختار 4: 293، ورد المحتار 4: 293 وغيرها.
دون النادر. ورجَّحه السَّرَخسي، فقال (¬1): ((الأليق بطريق الفقه أن لا يقدر بشيء؛ لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون ولا نص فيه, ولكن نقول: إذا لم يبق أحد من أقرانه يحكم بموته اعتبارا لحاله بحال نظائره)).
وروى الحسن بن زياد اللؤلؤي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - في غير ظاهر الرواية أنه إذا تمّ للزوج مئة وعشرون سنة من يوم ولد حكمنا بموته،
وردّه السرخسي (¬2).
وروي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - التقدير بمئة سنة؛ لأن الظاهر أن أحدا في زماننا لا يعيش أكثر من مائة سنة.
وحكي أنه لما سئل عن معنى هذا قال: أبينه لكم بطريق محسوس، فإن المولود إذا كان ابن عشر سنين يدور حول أبويه هكذا وعقد عشراً، فإن كان ابن عشرين سنة فهو بين الصبا والشباب هكذا وعقد عشرين، فإن كان ابن ثلاثين سنة يستوي هكذا وعقد ثلاثين، فإذا كان ابن أربعين تحمل عليه الأثقال هكذا وعقد أربعين، فإذا كان ابن خمسين ينحني من كثر الأثقال والأشغال هكذا وعقد خمسين، فإذا كان ابن ستين ينقبض للشيخوخة هكذا وعقد ستين، فإذا كان ابن سبعين يتوكأ على عصا هكذا وعقد سبعين، فإذا كان ابن ثمانين يستلقي هكذا وعقد ثمانين، فإذا
¬
(¬1) في المبسوط 11: 36.
(¬2) في المبسوط 11: 35.
كان ابن تسعين تنضم أمعاؤه هكذا وعقد تسعين، فإذا كان ابن مائة سنة يتحول من الدنيا إلى العقبى كما يتحول الحساب من اليمنى إلى اليسرى، وكان محمد بن سلمة يفتي في المفقود بقول أبي يوسف - رضي الله عنه - حتى تبين له خطؤه في نفسه، فإنه عاش مائة سنة وسبع سنين (¬1).
ورجّحه المرغيناني (¬2)، فقال: ((الأقيس أن لا يقدر بشيء, والأرفق أن يقدر بتسعين)).
• • •
¬
(¬1) ينظر: المبسوط 11: 35 - 36.
(¬2) في الهداية 4: 386.
المطلب الثاني: مذهب المالكية (¬1):
ذهب الإمام مالك - رضي الله عنه - إلى أن لزوجة المفقود الرفع للقاضي والوالي ووالي الماء وإن لم يكونوا ترفع لجماعة المسلمين؛ إذ تؤجل أربع سنين من يوم العجز عن خبره إن كان لها نفقة من قبل زوجها، ثم تعتد عدّة الوفاة دون أمر الإمام وتسقط نفقة الزوجة عن المفقود بابتداء العدّة.
ويجوز ضرب ولاة المياه وصاحب الشرطة الأجل للمفقود، ولو كانت المرأة في موضع لا سلطان فيه يصح أن ترفع أمرها إلى صالحي جيرانها يكشفوا عن خبر زوجها، ثم يضربوا له الأجل أربعة أعوام ثم عدة الوفاة، وتحلّ بذلك للأزواج؛ لأن فعل الجماعة في عدم الإمام كحكم الإمام.
ويعتبر هذا في حقّها طلاقاً من بناء الزوج الثاني بها حتى لو رجع المفقود قبل دخول الزوج الثاني بها لم يقع طلاقاً عليها، فإن قدم المفقود
¬
(¬1) المدونة 2: 30 - 31، و المنتقى شرح الموطأ 4: 90 - 91، والتاج والإكليل 5: 495 - 501، و مواهب الجليل 4: 156، و شرح ميارة 1: 267 - 268، وشرح الخرشي 4: 149، والفواكه الدواني 4: 42، والشرح الكبير 2: 479، وحاشية الدسوقي 2: 479، والشرح الصغير 2: 693، وحاشية الصاوي 69، ومنح الجليل 4: 318 - 321، وغيرها.
أو علمت حياته وهي في العدة أو بعدها قبل نكاحها فهي زوجة له, وما تقدم فكأنه لم يكن، قال المتيطي: ((هذا هو القول المشهور المعمول به)) (¬1).
ويترتب على ذلك الأحكام التالية:
1.إن لم يسمع للمفقود خبر إلا بعد نكاحها، فلها صورتان:
أ. إن كان قبل دخول الزوج بها فعن مالك - رضي الله عنه - في ذلك روايتان: إحداهما: وهي التي أخذ بها ابن القاسم أن الأول أحق بها ما لم يدخل الثاني. وإنّما رجع مالك - رضي الله عنه - إلى هذا قبل موته بعام.
ب. إن دخل الثاني فقد بانت من الأول على الروايتين جميعاً.
2.إن كان المفقود دخل بها، فلها أخذ ما بقي لها من صداقها بعد ثبوته وحلول أجله وبعد يمينها.
3.إن كان المفقود لم يدخل بها، ففي القضاء أن لها جميع المهر.
4.إن قدم المفقود، ففي القضاء أنها لا ترد شيئاً كالميت؛ لأنه حكم قد وقع ومضى.
5.إن ثبت أن المفقود مات قبل الأجل أو في خلاله أو في العدة أو بعدها قبل نكاح الثاني كان ماله لورثته ووجب للزوجة المهر كله.
¬
(¬1) التاج والإكليل 4: 500.
6.إن ثبت أنه توفّي المفقود بعد نكاح الثاني وقبل الدخول كان مال المفقود لورثته، ووجب لزوجته جميع المهر، وفسخ نكاحها مع الزوج الثاني واعتبر خاطباً.
7.إن ثبت أن المفقود توفي بعد دخول الزوج الآخر بها ثبت نكاحه معها، وكان لها من المفقود نصف المهر إلاّ إن كان قد حكم لها بالجميع فينفذ، وإن كان نكاحها الثاني قبل موت المفقود أو بعد موته وتمام عدتها منه فالنكاح صحيح ثابت.
8.إن تبيَّن أن نكاح الثاني كان في عدة المفقود إلا أن الزوج الثاني لم يدخل بها فسخ نكاحه معها واعتبر خاطباً, ولو كان دخل بها لحرمت عليه على التأبيد.
وما سبق حكمه بالنسبة للمفقود بصورة عامة إلا أن هناك حالات تخرج منه مثل:
1.من فقد في قتال المشركين، فإن زوجته لا تتزوج أبداً توقف هي وماله حتى يأتي عليه من العمر ما لا يحيا إلى مثله (¬1).
2.من فقد في فتن المسلمين فإنه لا يضرب له أجل ويتلوم الإمام لزوجته بقدر انصراف من انصرف وانهزم ثم تعتد زوجته وتتزوّج
¬
(¬1) المنتقى 4: 92.
إلا أن يكون قطراً بعيداً عن بلده كإفريقية أو نحوها, فإنها تنتظر سنة ونحوها (¬1).
• • •
¬
(¬1) المنتقى 4: 92 - 93
المطلب الثاني: مذهب الشافعية (¬1):
ذهب الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في الجديد من مذهبه إلى أن زوجة المفقود المتوهم موته لا تتزوج غيره حتى يثبت موته أو طلاقه بشهادة عدلين، فتعتد، حتى لو حكم حاكم بنكاحها قبل ثبوت الحكم بموته نقض حكمه؛ لمخالفته القياس الجلي إذ لا يجوز أن يكون حياً في ماله وميتاً في حق زوجته.
وينفذ في الزوجة طلاق المفقود وظهاره وإيلاؤه وسائر تصرفات الزوج في زوجته للحكم بحياته سواء أكانت قبل الحكم بالفرقة أم بعدها.
ولو نكحت زوجة المفقود قبل ثبوته وبان أن المفقود ميتاً قبل
نكاحها بمقدار العدة صح النكاح؛ لخلوه عن المانع في الواقع فأشبه ما لو باع مال أبيه يظن حياته فبان ميتاً.
أما في قديم مذهبه أنها تتربص أربع سنين، ثم تعتد لوفاة وتنكح، وتحسب المدة من وقت انقطاع الخبر، لكن تفتقر إلى ضرب القاضي لها في
¬
(¬1) الأم 5: 255، وأسنى المطالب 3: 400، والمحلي 4: 52، وحاشيتا قليوبي وعميرة 4: 52، حاشية الجمل 4: 457، و المستصفى ص 178، وغيرها.
الأصح فلا يحسب ما مضى قبله وإذا ضربها بعد ظهور الحال عنده فمضت فلا بد من الحكم بوفاته وحصول الفرقة في الأصح
• • •
المطلب الرابع: مذهب الحنابلة (¬1):
ذهب الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - إلى أن المفقود ينقسم قسمين:
أحدهما: أن يكون ظاهر غيبته السلامة، كسفر التجارة في غير مهلكة وطلب العلم والسياحة فلا تزول الزوجية أيضاً ما لم يثبت موته، لأن الأصل حياته. قدمه في باب العدد في ((الهداية)) و ((المذهب)) و ((مسبوك الذهب)) و ((المستوعب)) و ((الخلاصة)) والمصنف والشارح وقالا: هذا المذهب (¬2). ونصراه.
قال (¬3): ((والتقدير لا ينبغي أن يصار إليه إلا بالتوقيف)).
وروي عنه: تسعين سنة. رجحه المرادي (¬4)، فقال: ((قال ابن منجا: هذا المذهب. وقال في ((الهداية)) وغيره: هذا أشهر الروايتين. وجزم به في ((الخلاصة)) و ((الوجيز)).
¬
(¬1) المغني 8: 105 - 107، والفروع 5: 35، والقواعد لابن رجب ص 327، والانصاف 6: 335 - 337، وكشاف القناع 4: 465 5: 424 وغيرها.
(¬2) الإنصاف 6: 335.
(¬3) في المغني 8: 105.
(¬4) في الانصاف 6: 335 - 337.
وقدمه في ((المحرر)) و ((الرعايتين)) و ((الحاوي الصغير)) و ((الفروع)) و ((الفائق)). وهو من مفردات المذهب)).
وروي عنه أيضاً: زمناً لا يعيش مثله غالباً. اختاره أبو بكر وغيره.
وقال ابن عقيل: مئة وعشرين سنة منذ ولد.
وقال ابن رزين: يحتمل عندي أربع سنين لقضاء عمر - رضي الله عنه -.
الثاني: أن تكون غيبته ظاهرها الهلاك، كالذي يفقد من بين أهله ليلاً أو نهاراً، أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع، أو يمضي إلى مكان قريب؛ ليقضي حاجته ويرجع، فلا يظهر له خبر، أو يفقد بين الصفين، أو ينكسر بهم مركب فيغرق بعض رفقته، أو يفقد في مهلكة: كبرية الحجاز ونحوه، فإن زوجته تتربص أربع سنين, أكثر مدة الحمل , ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشراً، وتحل للأزواج. قال المرادي (¬1): ((هذا المذهب قال المصنف، وصاحب ((الفائق)) والشارح: هذا المذهب. نص عليه. وقدمه في ((المغني)) و ((الشرح)) و ((المحرر)) و ((الرعايتين)) و ((الحاوي الصغير)) و ((الفروع)) و ((الفائق)) وغيرهم. وجزم به في الوجيز)).
وروي عنه: مع أربعة أشهر وعشر.
وروي عنه أيضاً: هو كالقسم قبله.
¬
(¬1) في الإنصاف 6: 336.
وروي عنه: زمناً لا يجوز مثله.
ويترتب على ذلك:
أن امرأة المفقود إذا تزوجت بعد المدة المعتبرة ثم قدم زوجها المفقود فإنّه يخيّر بين زوجته وبين المه، فإن اختار المهر أخذ من الزوج الثاني المهر الذي أقبضه إياها أعني الأول؛ لأنه هو الذي استحقه على أصح الروايتين.
وعلى الرواية الثانية يأخذ المهر الذي أعطاها الثاني.
وبكل حال فهل يستقر ضمانه على الزوج الثاني أم يرجع به على المرأة؟ فيه روايتان:
أحدهما: يرجع به عليها؛ لأن الفرقة جاءت منها فيستقر الضمان عليها.
الثاني: لا يرجع به؛ لأن المرأة استحقته بالإصابة فلا يجوز أخذه منها (¬1).
• • •
¬
(¬1) القواعد لابن رجب ص327.
المطلب الخامس: مذهب الظاهرية (¬1):
ذهب الإمام ابن حزم - رضي الله عنه - إلى أن من فقد فعرف أين موضعه، أو لم يعرف في حرب فقد أو في غير حرب، وله زوجة أو أم ولد وأمة ومال: لم يفسخ بذلك نكاح امرأته أبداً، وهي امرأته حتى يصح موته أو تموت هي، ولا تعتق أم ولده، ولا تباع أمته، ولا يفرق ماله، لكن ينفق عليهم من من مال المفقود. فإن لم يكن له مال بيعت الأمة، وقيل للزوجة، ولأم الولد: أنظرا لأنفسكما، فإن لم يكن لهما مال مكتسب أنفق عليهما من سهم الفقراء والمساكين من الصدقات كسائر الفقراء، ولا فرق.
• • •
¬
(¬1) المحلى 9: 316.
المطلب السادس: مذهب الشيعة الإمامية (¬1):
ذهبوا إلى أن المفقود إن عرف خبره، أو أنفق على زوجته وليه، فلا خيار لها، ولو جهل خبره، ولم يكن مَن ينفق عليها، فإن صبرت فلا بحث وإن رفعت أمرها إلى الحاكم، أجلها أربع سنين، وفحص عنه، فإن عرف خبره صبرت، وعلى الإمام أن ينفق عليها من بيت المال. وإن لم يعرف خبره أمرها بالاعتداد عدّة الوفاة، ثم تحل للأزواج.
ولو جاء زوجها، وقد خرجت من العدة ونكحت, فلا سبيل له عليها، وإن جاء وهي في العدّة, فهو أملك بها، وإن خرجت من العدّة ولم تتزوج، فيه روايتان أشهرهما أنه لا سبيل له عليها.
• • •
¬
(¬1) شرائع الإسلام 3: 28.
المطلب السابع: مذهب الزيدية (¬1):
قالوا: بنكاح امرأة المفقود بعد صحة طلاقه أو ردّته أو موته، بيقين أو بيّنة إجماعاً، فإن لم يصح الثلاثة تربصت العمر الطبيعي، وهو مئة وعشرون سنة من مولده ولا نكاح لها حتى يصح لها الثلاثة بيقين أو بينة أو خبر عدل غلب في الظن صدقه؛ إذ هي محصنة، لكن إن ترك لها الغائب ما يقوم بها فهو كالحاضر، إذ لم يفتها إلا الوطء وهو حقّ له لا لها، وإلا فسخها الحاكم عند مطالبتها من دون انتظار.
• • •
¬
(¬1) البحر الزخار 4: 35 - 36.
المبحث الثاني
أدلة الفقهاء ومناقشتها
يتحصّل مما سبق أن الفقهاء إجمالاً كان لهم رأيان رئيسيان في المسألة:
الأول: وهو رأي الحنفية والشافعية والظاهرية والزيدية وهو أن الزوجة تبقى على ذمة المفقود حتى يتيقن موته، وقدر بعضهم ذلك بموت أقرانه، وحجتهم في ذلك ما يلي:
1.حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - في امرأة المفقود: (إنها امرأته حتى يأتيها البيان) (¬1).
¬
(¬1) أخرجه الدارقطني في «سننه» عن سوار بن مصعب ثنا محمد بن شرحبيل الهمداني عن المغيرة بن شعبة، قال الزيلعي في نصب الراية 4: 385 - 386: وهو حديث ضعيف بمحمد بن شرحبيل. قال ابن أبي حاتم عن أبيه: إنه يروي عن المغيرة مناكير أباطيل. وقال ابن القطان: وسوار بن مصعب. أشهر في المتروكين منه. وينظر: فتح القدير 6: 146
2.الأثر الثابت عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إذ قال: ((هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق)) (¬1)، فهذا الأثر بيان للحديث المرفوع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
3.قال ابن جريج: ((بلغني أن ابن مسعود - رضي الله عنه - وافق علياً - رضي الله عنه - على أنها تنتظر أبداً)) (¬2).
وأيّد ابن الهُمام (¬3) مذهب الحنفية بقوله: ((الحاصل أن المسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم -، فذهب عمر - رضي الله عنه - إلى ما تقدم، وذهب علي - رضي الله عنه - إلى أنها امرأته حتى يأتيها البيان, والشأن في الترجيح والحديث الضعيف يصلح مرجّحاً لا مثبتاً بالأصالة, وما ذكر من موافقته ابن مسعود - رضي الله عنه - مرجّح آخر)).
4.أن النكاح عرف ثبوته والغيبة لا توجب الفرقة والموت في حيز الاحتمال فلا يزال النكاح بالشك، فالنكاح معلوم بيقين فلا يزال إلا بيقين (¬4).
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 7: 90، وسنن البيقهي الكبرى 6: 158، 7: 446، وقال البيهقي: هو عن علي مشهور وروي عنه من وجه ضعيف ما يخالفه وهو منقطع. وينظر: تلخيص الحبير 3: 327
(¬2) في مصنف عبد الرزاق 7: 90، وينظر: فتح القدير 6: 147.
(¬3) في فتح القدير 6: 147.
(¬4) البحر الرائق 5: 178.
5.استصحاباً للحال، فإن النكاح حق المفقود وهو حيّ في إبقاء حقّه؛ بناءً على أصلهم أن حكم المفقود في الشرع أنه حي في حق نفسه حتى لا يقسم ماله بين ورثته، ميت في حق غيره حتى لا يرث هو إذا مات أحد من أقربائه؛ لأن ثبوت حياته باستصحاب الحال، فإنه علم حياته فيستصحب ذلك ما لم يظهر خلافه، واستصحاب الحال معتبرٌ في إبقاء ما كان على ما كان غير معتبر في إثبات ما لم يكن ثابتاً، وفي الامتناع من قسمة ماله بين ورثته إبقاء ما كان على ما كان، وفي توريثه من الغير إثبات أمر لم يكن ثابتا له؛ ولأن حياته باعتبار الظاهر، والظاهر حجة لدفع الاستحقا، وليس بحجة للاستحقاق، فلا يستحق به ميراث غيره، ويندفع به استحقاق ورثته لماله بهذا الظاهر (¬1).
قال الكاساني (¬2): ((وتحقيق العبارة عن حاله أن غير معلوم، يحتمل أنه حي ويحتمل أنه ميت، وهذا يمنع التوارث والبينونة؛ لأنه إن كان حيا يرث أقاربه ولا يرثونه ولا تبين امرأته, وإن كان ميتا لا يرث أقاربه ويرثونه والإرث من الجانبين أمر لم يكن ثابتا بيقين فوقع الشك في ثبوته فلا يثبت بالشك والاحتمال، وكذلك البينونة على الأصل المعهود في الثابت بيقين لا يزول بالشك، وغير الثابت بيقين لا يثبت بالشك)).
¬
(¬1) ينظر: المبسوط للسرخسي 11: 34 - 35.
(¬2) في بدائع الصنائع 6: 198.
6.أنه لو مكنا زوجته من أن تتزوج كان فيه حكم بالموت ضرورة؛ إذ المرأة لا تحلّ لزوجين في حالة واحدة فيجب قسمة ماله أيضاً, وذلك ممتنع ما لم يقم على موته دليل موجب له، فكما أنه لا يحكم بموته في قسمة ماله وعتق أم ولده فكذا في فراق زوجته (¬1).
7.أن هذا قول إبراهيم النخعي - رضي الله عنه - إذ قال: ((قد سمعنا أن امرأته تتربص أربع سنين، وليس ذلك بشيء هي امرأة ابتليت فلتصبر)) (¬2)، وهو قول أبي قلابة وجابر بن يزيد والشعبي (¬3).
مناقشة أدلتهم:
1.إن الذي روى عن علي - رضي الله عنه - ذلك رواه عنه خلاس، وفي روايته عنه ضعف وروى عنه أنه قال: هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يأتيها موت أو فراق وهي أسانيد غير متصلة، وما اتصل منها، فليس بقوي وهي مع ذلك تحتمل التأويل (¬4).
¬
(¬1) أسنى المطالب 3: 400.
(¬2) المبسوط للسرخسي 11: 35. وينظر: مصنف عبد الرزاق 7: 91.
(¬3) ينظر: نصب الراية 4: 386، وفتح القدير 6: 147.
(¬4) المنتقى 4: 91.
2.إنه شك في زوال الزوجية. ممنوع، فإن الشك ما تساوى فيه الأمران، والظاهر في مسألتنا هلاكه (¬1).
الثاني: وهو قول المالكية والحنابلة والإمامية، وحاصله التقدير بأربع سنوات ثم تعتد عدّة الوفاة على التفصيل السابق، وحجتهم في ذلك:
1.أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: ((أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فإنها تنتظر أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ثم تحل)) (¬2).
2.أن عمر - رضي الله عنه - وعثمان - رضي الله عنه - قضيا في المفقود أن امرأته تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا بعد ذلك ثم تزوج فإن جاء زوجها الأول خير بين الصداق وبين امرأته (¬3).
3.أن الظاهر الوقوف على خبره بعد هذه المدة أن لو كان حياً، والبناء على الظاهر واجب فيما لا يوقف على حقيقته, خصوصاً إذا وقعت الحاجة إلى دفع الضرر عنها، وقد مست الحاجة إلى دفع الضرر عنها لكي لا تبقى معلّقة (¬4).
¬
(¬1) المغني 8: 107
(¬2) في الموطأ2: 575.
(¬3) في مصنف عبد الرزاق 7: 85، ومصنف ابن أبي شيبة 3: 522، وغيرهما.
(¬4) المبسوط 11: 35.
4.أنّ الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على ذلك؛ لأنه مروي عن عمر - رضي الله عنه - وعثمان - رضي الله عنه - وابن عمر - رضي الله عنه - وابن عباس - رضي الله عنه -، وروي مثله عن علي - رضي الله عنه - وجماعة من التابعين كعطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن والزهري وقتادة والليث وعلي بن المديني وعبد العزيز بن أبي سلمة - رضي الله عنهم -، ولم يعلم لهم في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - مخالف فثبت أنه إجماع (¬1).
5.أن المرأة لها حق في الزوج، ولو كان حاضراً لفرق بينهما بالعنة, ومغيب عينه أشد من العنة، فأن تثبت لها الفرقة به أولى (¬2).
6.أن أهل المدينة اتفقوا عليه وبه قال ابن راهويه - رضي الله عنه -. (¬3)
مناقشة أدلتهم:
1.إن عمر - رضي الله عنه - رجع إلى قول علي - رضي الله عنه -، فما قال من تخييره الغائب بعد رجوعه بين أن يرد زوجته التي تزوجت عليه وبين المهر، فهو بناء على مذهب عمر - رضي الله عنه - في المرأة إذا نعي إليها زوجها فاعتدت، وتزوجت ثم أتى الزوج الأول حيا إنه يخير بين أن ترد عليه وبين المهر، وقد صح رجوعه عنه إلى قول علي - رضي الله عنه -، فإنه كان يقول ترد إلى زوجها الأول، ويفرق بينها وبين الآخر، ولها المهر بما استحلّ من فرجها، ولا يقربها
¬
(¬1) المنتقى 4: 91
(¬2) المنتقى 4: 91.
(¬3) المنتقى 4: 91.
الأول حتى تنقضي عدتها من الآخر، وذكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله أن عمر - رضي الله عنه - رجع عن ثلاث قضيات إلى قول علي - رضي الله عنه - وذكره منها المفقود زوجها (¬1)، وقال الزَّيْلَعيّ (¬2) - رضي الله عنه -: ((وقد صح رجوع عمر - رضي الله عنه - إلى قول علي - رضي الله عنه - فلا يلزم حجّة)).
2.أنه لا معتبر بالإيلاء؛ لأنه كان طلاقاً معجّلاً, فاعتبر في الشرع مؤجّلاً فكان موجباً للفرقة (¬3).
3.أن التفريق في الإيلاء لرفع الظلم ولا ظلم في المفقود فلا يقاس عليه (¬4).
4.أنه لا اعتبار بالعنة؛ لأن الغيبة تعقب العودة, والعنة قلّما تنحل بعد استمرارها سنة، فانعدم شرط القياس وهو الاستواء (¬5).
5.أنهم إن جوزوا لها النكاح بعد مضيها لأجل الضرر, فأي ضرر أبلغ من تربصها هذه المدة (¬6).
¬
(¬1) ينظر: المبسوط 11: 37 وغيره.
(¬2) في التبيين 3: 311.
(¬3) الهداية 4: 386.
(¬4) تبيين الحقائق 3: 311.
(¬5) الهداية 4: 386.
(¬6) البحر الزخار 4: 36.
6.إن كان لحصول اليقين ببينونتها, فلا يقين بذلك (¬1).
• • •
¬
(¬1) البحر الزخار 4: 36.
المراجع:
1. أسنى المطالب شرح روض الطالب لإسماعيل بن المقري اليمني. دار الكتاب الإسلامي.
2. الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام (شرح ميارة) لمحمد بن أحمد ميارة الفاسي. دار المعرفة.
3. الأم لمحمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ). دار المعرفة. بيروت ط 2. 1393 هـ.
4. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف لأبي الحسن بن سليمان المرداوي (ت 885 هـ). دار إحياء التراث العربي.
5. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق لإبراهيم بن محمد ابن نجيم (ت 970 هـ). دار المعرفة. بيروت. بدون تاريخ طبع.
6. البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار لأحمد بن يحيى المرتضى (ت 840 هـ)، دار الكتاب الإسلامي.
7. التاج والإكليل لمختصر خليل لمحمد بن يوسف العبدري المَوَّاق (897 هـ). دار الكتب العلمية.
8. الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري لأبي بكر بن علي بن محمد الحَدَّادِيّ (ت800هـ). المطبعة الخيرية. ط1. 1322هـ.
9. الدر المختار شرح تنوير الأبصار لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ). طبعة دار الكتب العلمية.
10. الشرح الكبير لأحمد بن محمد الدردير (1201هـ). دار إحياء التراث العربي.
11. العناية على الهداية لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ). طبعة دار الفكر.
12. الفروع لمحمد بن مفلح المقدسي (ت763هـ). عالم الكتب.
13. الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني لأحمد بن غنيم النفراوي المالكي (1125هـ). دار الفكر.
14. القواعد لعبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن رجب الحنبلي (ت795هـ)، دار المعرفة.
15. المبسوط لمحمد بن أبي سهل السرخسي. المتوفَّى بحدود (500هـ). 1406هـ. دار المعرفة. بيروت.
16. المحلي على المنهاج لجلال الدين المحلي. دار إحياء الكتب العربية.
17. المُحَلَّى لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري (ت456هـ). دار الفكر.
18. المدونة الكبرى لعبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي. الملقب بسَحْنون. (160 - 240هـ). دار صادر. بيروت.
19. المستصفى لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت505هـ). دار العلوم الحديثة. بيروت.
20. المصنف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (126 - 211هـ). ت: حبيب الرحمن الأعظمي. ط.2. المكتب الإسلامي. بيروت. 1403هـ.
21. المصنف في الأحاديث والآثار لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ) ت: كمال الحوت. ط.1. مكتبة الرشد. الرياض. 1409هـ.
22. المغني لموفق الدين عبد الله بن أحمد المعروف بابن قدامة (ت620 هـ)، دار إحياء التراث العربي.
23. المنتقى شرح الموطأ لسليمان بن خلف الباجي الأندلسي (474هـ). دار الكتاب الإسلامي.
24. الهداية شرح بداية المبتدي لعلي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ). دار الحديث، مع نصب الراية.
25. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ). دار الكتب العلمية.
26. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق لعثمان بن علي الزيلعي. فخر الدين. المطبعة الأميرية بمصر. ط.1. 1313هـ.
27. تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرَّافِعِي الكبير لأحمد بن علي ابن حجر العَسْقَلاني (773 - 852هـ). ت: السيد عبد الله هاشم. 1384هـ. المدينة المنورة.
28. حاشية الجمل على شرح المنهج لسليمان الجمل. دار الفكر.
29. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لمحمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي (1230هـ). دار إحياء الكتب العربية.
30. حاشية الشرنبلالي على درر الحكام لحسن الشرنبلالي (ت1069هـ). الشركة الصحفية العثمانية. 1310هـ.
31. حاشية الشلبي على تبيين الحقائق لأحمد الشلبي الحنفي. المطبعة الأميرية بمصر. ط.1. 1313هـ.
32. حاشية الصاوي على الشرح الصغير لأحمد بن محمد الخلوتي الشهير بالصاوي (ت1241هـ). دار المعارف. مصر.
33. حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح المحلي على المنهاج لشهاب الدين القليوبي وعميرة. دار إحياء الكتب العربية.
34. درر الحكام شرح غرر الأحكام لمحمد بن فرامُوز، ملا خسرو (ت885هـ). در سعادت. 1308هـ.
35. ردّ المحتار على الدر المختار لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين (ت1252هـ). طبعة دار الكتب العلمية.
36. سنن البَيْهَقِي الكبير لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ). ت: محمد عبد القادر عطا. 1414هـ. مكتبة دار الباز. مكة المكرمة.
37. شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام لجعفر بن الحسن الحلي. مؤسسة مطبوعاتي إسماعليان.
38. شرح مختصر خليل للخرشي لمحمد بن عبد الله الخرشي (1101هـ). دار الفكر.
39. غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر لأحمد بن محمد الحموي (ت1098هـ). دار الطباعة العامرة. مصر. 1290هـ.
40. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية لمحمد بن عبد الواحد ابن الهمام (ت861هـ). طبعة دار الفكر.
41. كشاف القناع عن متن الإقناع لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتي (ت1051هـ)، دار الكتب العلمية.
42. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر لشيخِ زاده الرُّومي عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد (ت 1078هـ). دار الطباعة العامرة. 1316.
43. منح الجليل شرح مختصر خليل لعبد الله. الشيخ عليش (ت1299هـ). دار الفكر.
44. منحة الخالق على البحر الرائق لمحمد بن أمين بن عابدين (ت1252هـ). ط2. دار المعرفة.
45. مواهب الجليل شرح مختصر خليل لمحمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بالحطاب (ت954هـ). دار الفكر. بيروت. ط2. 1398هـ.
46. نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية لعبد الله بن يوسف الزَّيْلَعِي (ت762هـ). ت: محمد يوسف البنوري. دار الحديث. مصر. 1357هـ.
• • •