اشتراط رضا الزوج .............
...................... في الخلع
جارٍ تحميل الكتاب…
اشتراط رضا الزوج .............
...................... في الخلع
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
اشتراط رضا الزوج
في الخلع
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة المدونة التابعة لمجمع الفقه الإسلامي بالهند.
ملخص البحث:
تعرضت في هذا البحث إلى مسألة اشتراط رضا الزوج في الخلع؛ لما وجدت من تحريف في مفهومها وحقيقتها لدى الكثير من المعاصرين، فعرضت البراهين الساطعة والأدلة الواضحة على اشتراط رضا الزوج في الخلع من القرآن الكريم والأحاديث النبوية وأقوال الفقهاء، وتوصلت إلى أنَّ المسألة لا خلاف فيها مطلقاً بين الفقهاء، وليس فيها خلاف معتبر معتدٌ به، ثُمَّ ختمت البحث بالرد على من ألغى دور الرجل في الخلع، وجعل للحاكم سلطة التفريق بين الزوجين إذا تعنَّت الرجل، وبينت كم هو فهم مستشنع لم يقله أحدٌ يعتدُّ به لا من السلف ولا من الخلف.
Research Summary
I exposed in this research to the issue of the requirement of consent of the husband in "Khula"; what I found from the distortion in the concept and reality of many contemporaries. I introduced clear evidences of the requirement of contentment of husband in " Khula" from the Koran and the hadith, and the sayings of scholars. Then I concluded that the issue is not disagreement among scholars, and there is no considerable significantly disagreement . I ended the search to respond to whom abolished the role of men in khula, and give the governor the authority to differentiate between the couple if the man is opinionated, and I showed how much this understanding is outrageous and not least by one old or newly.
' Hul'de kocan?n r?za ?art?'
?zet
'Hul'de kocan?n r?za ?art?' meselesinin kavram ve mahiyetinin zaman?m?zdaki birçok ki?i taraf?ndan çarp?t?ld???n? mü?ahede edince, bu çal??mada mezkur meseleyi ele alarak; 'Hul'de kocan?n r?za ?art?'n?n Kur'an-? Kerimden, hadis-i ?eriflerden ve fakihlerin g?rü?lerinden aç?k ve kati delillerini ortaya koydum. S?z konusu meselede f?k?h alimleri aras?nda herhangi bir g?rü? ayr?l??? olmad??? gibi kendisine itibar edilebilecek farkl? bir g?rü?e de yer olmad??? sonucuna vard?m. Ara?t?rmay? kocan?n hul'deki rolünü devre d??? b?rak?p kocan?n diretti?i durumda e?lerin ayr?lmalar?nda hakimi yetkili k?lanlar?n g?rü?lerini reddederek ve bunun ne seleften ne de haleften
muteber hiçbir kimsenin s?ylemedi?i son derece yanl?? bir g?rü? oldu?unu beyan ederek bitirdim.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإنَّ الشَّرقَ والغربَ انبهروا بحال المسلمين الأوائل وعجزوا عن تفسير مصدرَ تفوقهم وقدرتهم؛ إذ أنَّهم استطاعوا في حدود عقدين أن يبنوا دولة عظيمة مترامية الأطراف، ويؤسسوا لأعظم حضارة عرفها التاريخ البشري، بعد أن لم يكن لهم ذكر؛ لتفرقهم في الصحراء، واشتداد النزاع بينهم، وتمكُّن عدوهم منهم.
فلم يختلف على هؤلاء العرب إلا قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتربيته لهم خير تربية، وتمسكهم بهديه - صلى الله عليه وسلم -، فكانوا حريصين كل الحرص على الامتثال لما جاء به والانتهاء عمّا نهى عنه؛ لأنَّهم جرَّبوا طريق الضلال، وعرفوا مصيرها في الدنيا والآخرة، وذاقوا لذّة الإيمان، وشعروا بعزّة الإسلام، ولمسوا تأثيره العظيم على سلوكهم.
ولذلك فإنَّ السبب فيما كان عليه المسلمون من العزّة والقوة والمنعة، هو ثقتهم بإسلامهم واسترشادهم بهدي ربهم - جل جلاله -، ومتابعتهم لسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، حتى في آخر خلافة إسلامية كانت لهم، وهي الخلافة العثمانية، فإنَّ المتابع لتاريخها يجد أنَّ ملوك ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وغيرها من الدول الغربية كانوا يتسابقون في تقديم الولاء للباب العالي.
وهذا الكلام ليس محلَّ بحثنا هنا، وإنَّما ذكرته للتدليل على أنَّه لا خير لنا في الارتقاء في حياتنا اليومية على مستوى الأفراد أو الأسر أو الجماعات وبناء حضارة نباهي بها من حولنا ويسجلها التاريخ لنا إلا بحفظنا لديننا وامتثالنا لشرع ربنا، فإنَّ الله - عز وجل - خلق الإنسان وهو أعلم به من غيره، فيعلم ما يسعده وما يتعسه، وهو لا يرضى له إلا الحسنى، فشرع له ما يناسب حاله وينسجم مع طبيعته، وما هذا العقل الذي نباهي به إلا من صنع الله - جل جلاله -، خلقه لنا لنسترشد به في فهم أحكام دينه، لا لنتعالى فيه على ما أنْزله علينا من الأحكام، فهو لم يخلق لذلك، ولا يقدر عليه.
وإنّنا في هذا الزمان بسبب تفوَّق أعدائنا علينا أُصِبْنا بهزيمة نفسية تلازمنا في كل أحوالنا وأفعالنا وأقوالنا التي نسعى فيها لموافقة هدي أصحاب المدنيات العصرية، ولم يقتصر هذا الحال على العامة فحسب،
بل شمل الخاصة، وأهل العلم والفضل، حتى تأثّروا في كثير من أحكام الشريعة الغراء بما عليه الغرب، فحاولوا أن يلووا أعناق النصوص؛ ليجعلوا أحكام الإسلام موافقة لهم.
ومن هذا مسألة الخلع ـ التي هي محلَّ بحثنا ـ التي يدور الكلام كثيراً في المجالس العامة والخاصّة في معرفة مفهومها وأحكامها، وقد حصل تحريف في تصورها وحقيقتها حتى لدى بعض المتخصصين، بأن صار معنى الخلع: أن تملك المرأة طلاق نفسها في كلّ وقت بلا ضابط ولا مانع، فألغو اشتراط الفقهاء لرضا الزوج في المذاهب الإسلامية المختلفة، واقتصروا على اعتباره حقّاً للمرأة وسلاحاً في يدها تستطيع به أن تطلق الرجل في أي وقت شاءت، وجعلوا للحاكم سلطة التفريق بين الزوجين إذا تعنَّت الرجل.
بل وصل الأمر بالبعض أن يظنَّ أنَّ الشريعة الإسلامية قد ظلمت المرأة ولم تعطها حقَّها، فأرادوا إنصافاً لها وإخراجاً لها من ظلمها أن يحرِّفوا نصوص الشريعة المقطوعة، ويتلاعبوا بأحكامها المبتوتة.
مع أنَّه لا يوجد دين ولا مذهب ولا فكر أعطى للمرأة من الحقوق ما أعطاه لها الإسلام؛ لأنَّه من عند الله تعالى، وحاشا الله - عز وجل - أن يظلم أحداً من خلقه، وهو - جل جلاله - منزه عن أن يكون في دينه إجحافاً بحقٍّ أحد من خلقه، أو علمه قاصراً عن آثار شرعه على الخلق، وإنَّما الظلم
والإجحاف والقصور من حال الإنسان ومن طبيعته لا من حال الخالق جلّ ذكره.
فليس من الحقّ والعدل أن تُمَلَّك المرأة الطلاق ويجعل في يدها أقوى من يد الرجل؛ إذ أننا في هذا الخلع العصري المدعى جعلنا للمرأة سلطةً بخلع زوجها وتركه إذا أعطته معجَّل مهرها، في حين لو أراد الرجل الانفصال عنها يحتاج إلى إعطائها المؤخر الذي هو أضعاف المُقَدَّم في الغالب، إضافة إلى ما تحمّل من أَعباء ومصاريف وأثاث لإتمام زفافهما إرضاءً لها ولأهلها، بالإضافة لالتزامه بنفقة أولاده ونفقتها في أثناء العدة.
وإنَّ السبب وراء هذا الخلع العصري ليس رفع الظلم عن المرأة كما يقولون، وإنَّما هو تغيّر حال بعض النساء وخروجهنّ عن فطرتهنّ بمجارات مغريات الحياة العصرية، وحبهنّ للإنفلات من قيود الحياة الزوجية والقيام على أولادهنّ كما ينبغي، وانقيادهن وراء المزخرفين والمزينين لهنَّ هذا الطريق ممَّن لا يتقون الله تعالى؛ لأننا نجد أنَّ المجتمع كلما ازداد بعداً عن دينه وعاداته وقيمه ارتفعت نسبة الخلع فيه، وهذا ظاهرٌ فيمن هم مبهورون بحياة الغربيين أكثر من غيرهم.
يقول أحمد ذياب شويدح معترضاً على مطالبة البرلمان الفلسطيني ممثلاً بالحركة النسوية بتعديل قانون الأحوال الشخصية الفلسطيني أسوة
بما جرى في مصر وبعض الدول العربية (¬1): «جاء هذا القانون للمرأة الثرية المترفة فقط إذا رغبت في الانتقال من زوج إلى آخر ... أما المرأة الفقيرة التي لا تمتلك المهر الذي أعطاه زوجها لها لا تستطيع المخالعة».
والذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع وأن أكشف عنه اللثام وأوضح حقائقه للعيان، كثرة السؤال عنه، والتعتيم الإعلامي الذي حصل في إخفاء حقيقته وتمويهها، حتى التبست حقيقة الخلع وحكم الشريعة فيه على كثير من أهل الفضل والشأن، وكان الحال أسوأ على بقية المجتمع.
وكذلك لما يترتّب على مجتمعاتنا المسلمة من ويلات من جراء الأخذ بمثل هذه الأحكام، كما هو واضح لمن يمعن النظر.
ولما رأيت في الأخذ بها من الانسلاخ عن أحكام أخرى من شريعتنا مما كانت تطبق في حياتنا، حتى تبقى هذه البقية الباقية من أحكام الإسلام في الأحوال الشخصية في الدول الإسلامية ولا تنفلت أول بأول، فإنَّ مسؤولية أنفسنا ومجتمعاتنا والحفاظ عليها ملقاة على عاتق الجميع كلّ حسب إمكانياته وقدراته التي رزقه الله له، لا سيما من
¬
(¬1) أحمد ذياب شويدح، مدى سلطة القاضي في الخلع بدون رضا الزوج في الفقه الإسلامي مقارناً بقانون الأحوال الشخصية الفلسطيني، ص 133 - 134، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج17، ع34، رجب 1426هـ.
بيده الحل والعقد، فعلينا أن لا ندخر جهداً من أجل الرقي والارتفاع بمجتمعنا عن كل ما يدنسه، وما يكيد له أعداؤنا.
ومشكلة البحث وأهميته تظهر في الإجابة على سؤال مهم جداً:
هل تملك المرأة طلاق نفسها وخلع زوجها في أي وقت شاءت بلا ضابط ولا مانع، أم أنَّ الخلع نوع من الطلاق ويشترط فيه رضا الزوج؟
واتبعتُ في بحثي المنهج الاستقرائي من كتب الحديث وشروحها وكتب التّفسير والفقه ثم المنهج التحليلي في تحليل ما جمعت من معلومات للوصول إلى النتائج.
والدراسات السابقة:
بحث للدكتور محمد سعد عبد اللطيف، بعنوان: «لا خلع دون عوض ورضا الزوجين»، وبحث للدكتور أحمد ذياب شويدح، بعنوان: «مدى سلطة القاضي في الخلع بدون رضا الزوج في الفقه الإسلامي مقارناً بقانون الأحوال الشخصية الفلسطيني»، وفرق فيه بين مسألتين: مسألة إذن القاضي في الخلع، ومسألة إجبار القاضي الزوج على الخلع، وبحث للأستاذ محمد نجيب عوضين، بعنوان: «الخُلع دور القاضي في إيقاعه وسلطته في تكييف دعواه دراسة في الفقه الإسلامي وما عليه العمل في قانون الأحوال الشخصية المصري».
هذا وقد خلص البحث بتوفيق من الله - عز وجل - إلى تمهيد ومبحثين وخاتمة.
تمهيد: في معنى الخلع ومشروعيته وحكمه.
والمبحث الأول: في اشتراط رضا الزوج في الخلع، وفيه مطالب:
المطلب الأول: في دلالة القرآن على اشتراط رضا الزوج في الخلع.
المطلب الثاني: في دلالة الأحاديث النبوية على اشتراط رضا الزوج في الخلع.
المطلب الثالث: في أقوال الفقهاء في اشتراط رضا الزوج في الخلع.
والمبحث الثاني: بطلان القول بعدم اشتراط رضا الزوج في الخلع.
وخاتمة.
* * *
تمهيد: في تعريف الخلع، ومشروعيته، وحكمه:
أولاً: تعريفه:
لغةً: خَلعت النَّعل وغيره خَلعاً: نزعته، وخالعت المرأة زوجها مخالعةً إذا افتدت منه وطلقها على الفدية فخلعها هو خلعاً، والاسم الخُلع بالضم، وهو استعارة من خَلع اللِّباس؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما لباسٌ للآخر، فإذا فعلا ذلك فكأن كلَّ واحدٍ نَزَعَ لباسَه عنه، وفي الدعاء ونخلع ونهجر من يكفرك: أي نبغض ونتبرّأ منه، وخلعت الوالي عن عمله بمعنى عزلته، والخلعة ما يعطيه الإنسان غيره من الثياب منحةً والجمع خلع مثل: سدرة وسدر (¬1).
¬
(¬1) ينظر: محمد الإفريقي المصري ابن منظور (ت711هـ)، لسان العرب، ت: عبد الله الكبير ومحمد حسب الله وهاشم الشاذلي، دار المعارف، ج2، ص1232، وطاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت817هـ)، القاموس المحيط والقابوس الوسيط الجامع لما ذهب من كلام العرب شماطيط، مؤسسة الرسالة، ط2، 1407هـ، ج3، ص19، وأحمد بن علي الفيومي (ت770هـ)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المطبعة الأميرية، ط،2، 1909م، ص178، وعمر بن محمد النسفي (ت537هـ)، طلبة الطلبة، ت: محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ، ص59، وناصر بن عبد المُطَرِّزِىّ (616هـ)، المغرب في ترتيب المعرب، دار الكتاب العربي، ص151، والدكتور إبرهيم أنيس والدكتور عبد الحليم متنصر وعطية الصوالحي ومحمد خلف، المعجم الوسيط، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج1، ص250.
وجرى في العرف استعمال الخَلع بفتح الخاء لإزالة غير الزوجية، وبضمِّها لإزالتها (¬1).
اصطلاحاً: تفاوتت عبارات فقهاء المذاهب الفقهية في التعبير عن معنى الخلع، لكنَّها في المقصود متفقة إجمالاً:
فعند الحنفية: إزالة ملك النكاح المتوقفة على قبولها بلفظ الخلع أو ما في معناه.
هذا التعريف لابن نجيم (¬2) وتبعه عليه التُّمُرتاشيّ (¬3)، وهو أدق وأشمل من تعريف البَابرتيّ (¬4) وابن الهُمَام (¬5) والزَّيْلَعِيّ (¬6): أخذ المال بإزاء ملك النكاح بلفظ الخلع، وكذلك تعريف العَيْنيّ (¬7): إزالة الزوجية بما يعطيه من المال.
¬
(¬1) ينظر: محمد بن فرامُوز، ملا خسرو (ت885هـ)، درر الحكام شرح غرر الأحكام، در سعادت، 1308هـ، ج1، ص389، وإسماعيل بن المقري اليمني، أسنى المطالب شرح روض الطالب، دار الكتاب الإسلامي، ج3، ص241، ويحيى بن زكريا الأنصاري (ت926هـ)، الغرر البهية في شرح البهجة الوردية، المطبعة اليمنية، ج4، ص226، والموسوعة الفقهية الكويتية، تصدرها وزارة الأوقاف الكويتية، ج19، ص234، ومحمد بن يوسف بن عيسى أَطَّفَيِّشَ (ت1332هـ)، شرح النيل وشفاء العليل، مكتبة الإرشاد بجدة، ج7، ص274، ومحمد زيد الأبياني، شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، منشورات مكتبة النهضة، بيروت، بغداد، ج1، ص387، والدكتور محمود السرطاوي، شرح قانون الأحوال الشخصية، دار الفكر، ط1، 1417هـ، ص445، وغيرهما.
(¬2) ينظر: إبراهيم بن محمد ابن نجيم (ت970هـ)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار المعرفة، بيروت، ج4، ص77.
(¬3) محمد بن عبد الله الخطيب التُّمُرْتاشي الغَزَّي (ت1004هـ)، تنوير الأبصار وجامع البحار، مطبعة الترقي بحارة الكفارة، 1332هـ، ص76.
(¬4) أكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، العناية على الهداية، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج4، ص212.
(¬5) محمد بن عبد الواحد ابن الهمام (ت861هـ)، فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر، ج4، ص210.
(¬6) عثمان بن علي الزيلعي (ت743هـ)، تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق، المطبعة الأميرية بمصر، ط،1، 1313هـ، ج2، ص285.
(¬7) بدر الدين محمدو بن أحمد العيني (ت855هـ)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج20، ص260.
وعند المالكية: إزالة العصمة بعوض من الزوجة أو غيرها (¬1)، أو إزالة عصمة الزوجة بصريح لفظ أو كناية ظاهرة أو بلفظ ما مع نية (¬2).
وعند الشافعية: فرقة على عوض راجع للزوج (¬3).
وعند الحنابلة: فراق الزوج امرأته بعوض (¬4).
¬
(¬1) ينظر: أحمد بن غنيم النفراوي المالكي (1125هـ)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، دار الفكر، ج2، ص33.
(¬2) ينظر: أحمد الدردير، الشرح الكبير، ت: محمد عليش، دار الفكر، بيروت، ج2، ص247.
(¬3) ينظر: أبو بكر الحصني الشافعي، كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، ط2، 1356هـ، ج2، ص49.
(¬4) ينظر: لعلي بن سليمان المرداوي (ت885هـ)، الإنصاف، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج8، ص382، و منصور بن يونس بن إدريس البهوتي (ت1051هـ)، دقائق أولي النهى لشرح المنتهى المعروف بشرح منتهى الإرادات، عالم الكتب، ج3، ص57، ومنصور بن يونس بن إدريس البهوتي (ت1051هـ)، كشاف القناع عن متن الإقناع، دار الكتب العلمية، ج5، ص212، وغيرها.
ثانياً: مشروعيته:
دلَّ على مشروعية الخلع القرآن، والسنة، وإجماع الأمة، والقياس:
أما القرآن: فقوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} البقرة: 229.
وأما السنة: فما ورد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث ـ التي سيأتي الكلام عليها ـ منها: حديث امرأة ثابت بن قيس - رضي الله عنه -: «أتردين عليه حديقته، قالت: نعم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اقبل الحديقة وطلَّقها تطليقة» (¬1).
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «إذا أراد النِّساء الخُلع فلا تُكَفِّرُوهن» (¬2)، وقال أيضاً - رضي الله عنه -: «لا تكرهوا فتياتكم على الرجل الدميم، فإنَّهنَّ يحببن من ذلك ما تحبون» (¬3).
وأما الإجماع: قال ابن قدامة (¬4): أجمعت الأمة على القول بجواز بالخلع، إلا أنَّ بكر بن عبد الله المزني لم يجزه، واشترط ابن سيرين وأبو قلابة أنَّه لا يحل الخلع إلا
¬
(¬1) محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (ت256هـ)، صحيح البخاري، ت: د. مصطفى البغا، ط3، 1407هـ، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ج5، ص2020.
(¬2) في مصنف عبد الرزاق 4: 184.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 10: 210.
(¬4) عبد الله بن أحمد المعروف بابن قدامة (ت620 هـ)، المغني، دار إحياء التراث العربي، ج7، ص246.
إذا زنت. وهذا الإجماع كان في عصر الصحابة فهو قول عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - , لم نعرف لهم في عصرهم مخالفاً, فيكون إجماعاً.
وقال الزَّيْلَعِيّ (¬1): وقد أَجمعت الصحابة - رضي الله عنهم - على ذلك.
وأما القياس: فلأنَّ ملك النكاح حقّ الرجل، فجاز أخذ العوض عنه كالقصاص (¬2).
ثالثاً: حكمه التكليفي:
الأصل في الخلع هو الحظر، فيحرم إن كان بلا سبب وحاجة ملحة، فإنَّ الخلع نوع من الطلاق، والأصل في الطلاق الحظر على الأصح (¬3)؛ وحجة ذلك:
1. قوله - جل جلاله -: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الروم: 2، ففي الطلاق قطع لهذه المودة والرحمة بينهما.
2. وقوله - جل جلاله -: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} النساء: 19، ففيه حث الرجال على الصبر إذا رأوا من
¬
(¬1) الزيلعي، التبيين، ج2، ص286.
(¬2) الزيلعي، التبيين، ج2، ص286.
(¬3) كما حقق ذلك ابن الهمام وأيده ابن عابدين، ينظر: ابن الهمام، فتح القدير 3: 464 - 465، وابن عابدين، رد المحتار 2: 415 - 416، وغيرهما.
زوجاتهن ما يكرهون، ولم يرشدهم - جل جلاله - إلى الطلاق (¬1)؛ لأنَّه يترتب عليه هدم أسرة وتشتيت شملها.
3. وإنَّ في الطلاق بلا حاجة ولا سبب كفران النعمة وإيذاء الزوجة وإيذاء أهلها وأولاده منها، وفيه قطع الزواج المترتِّب عليه كثير من المصالح الدنيوية والأخروية: كإحصان النفس، والتناسل وتحقيق سنة الله - عز وجل - في بني الإنسان؛ قال - جل جلاله -: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} النساء: 34، وفي الطلاق من غير سبب بغي وعدوان فكان محظوراً.
¬
(¬1) ينظر: الدكتور محمود السرطاوي، شرح قانون الأحوال الشخصية ص278.
4. وعن ابن عمر م قال - صلى الله عليه وسلم -: «أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق» (¬1)، وعنه - رضي الله عنه - بلفظ: «ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق» (¬2)، وعن معاذ - رضي الله عنه - مرفوعاً: «يا معاذ، ما خلق الله شيئاً أحب إليه من العتاق، ولا خلق الله شيئاً على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق ... الخ» (¬3)، وعنه بلفظ: «إنَّ الله يبغض الطلاق ويحب العتاق» (¬4)، وعن أبي هريرة وعلي م بلفظ: «تزوجوا ولا تطلقوا فإنَّ الطلاق يهتز منه العرش» (¬5)، وعن علي - رضي الله عنه - أنَّه قال: «يا أهل العراق، لا تزوِّجوا الحسن ـ يعني ابنه ـ فإنَّه مطلاق، فقال
¬
(¬1) في سنن أبي داود 2: 255، وسنن ابن ماجه 1: 650، ومسند عبد الله بن عمر 24، والمجروحين 2: 64، وسنن البيهقي الكبير 7: 322، وقال البيهقي: حديث أبي داود وهو مرسل، وفي رواية بن أبي شيبة 4: 187 عن عبد الله بن عمر موصولاً، ولا أراه حفظه. قلت: لكنَّه مذكور في سنن أبي داود موصولاً، وفي مصنف ابن أبي شيبة مرسلاً، والله أعلم. وقال ابن حجر في فتح الباري 9: 356: أعلّ بالإرسال. وقال ابن عدي في الكامل 6: 461 بعد ذكر الحديث: قال لنا أبو داود: فهذه سنة تفرد بها أهل الكوفة. وقول بن أبي داود تفرد بها أهل الكوفة: يعني رواه معرف بن واصل؛ لأنَّه كوفيّ ولا أعلم رواه عن معرف إلا محمد بن خالد، قال الشيخ: ولا أعلم رواه عن معرف إلا محمد بن خالد ولمعرف غير ما ذكرت شيء يسير وهو ممن يكتب حديثه. وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية 2: 638: هذا حديث لا يصح، ويحيى الوصافي ليس بشيء، قال الفلاس والنسائي: متروك الحديث.
(¬2) في المستدرك 2: 214، وقال الحاكم: وهذا حديث صحيح الإسناد لم يخرجاه، وسنن أبي داود 2: 254، وقال في التمييز: روي موصولاً ومرسلاً وصحح البيهقي إرساله، وكذا أبو حاتم، وقال الخطابي: إنَّه المشهور.
(¬3) في سنن الدارقطني 4: 35 وسنن البيهقي 7: 361 ومصنف عبد الرزاق 6: 390.
(¬4) رواه الديلمي في الفردوس 5: 37، لكنَّه ضعيف بانقطاعه.
(¬5) رواه الديلمي في الفردوس 2: 51، ورفعه بسند ضعيف.
له رجل: والله لنُزوجنَّه فما رضي أمسكه وما كره طلَّق» (¬1)، وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: «ما بال أحدكم يلعب بحدود الله، يقول: قد طلقت، قد راجعت» (¬2).
5. ويزاد في الخلع على ما سبق تقريره في الطلاق ما ورد من أحاديث النهي عن طلب الزوجة الخُلع بلا مسوغ لذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ المختلعات والمنتزعات هنّ المنافقات» (¬3)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس لم ترح رائحة الجنة» (¬4)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله تعالى لا يحب الذوَّاقين والذوَّاقات» (¬5).
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 4: 187.
(¬2) في صحيح ابن حبان 10: 82، وموارد الظمآن 1: 321، وينظر: كشف الخفاء 1: 28 - 29.
(¬3) في مصنف عبد الرزاق 4: 183، وجامع الترمذي 3: 492 وقال: حديث غريب وليس إسناده بالقوي، وسنن البيهقي الكبير 7: 316، ومسند الربيع1: 362، ومسند أبي يعلى 11: 110، والمعجم الكبير 17: 339، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 5: 5: رواه الطبراني، وفيه قيس بن الربيع وثقة الثوري وشعبة، وفيه ضعف وبقيّة رجاله رجال الصحيح.
(¬4) في مصنف عبد الرزاق 4: 183، والمنتقى 1: 187، والمستدرك 2: 218 وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وسنن الدارمي 2: 216، وسنن سعيد بن منصور 1: 373، وسنن ابن ماجة 1: 662، ومصنف ابن أبي شيبة 4: 195، والمعجم الأوسط 5: 333، ومسند أحمد 5: 227، ومسند الروياني 1: 411، وشعب الإيمان 4: 390، والفردوس 1: 351، وغيرها.
(¬5) روي عن أبي موسى في مسند البزار 8: 70، 71، والمعجم الأوسط 8: 24، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 335: وأحد أسانيد البزّار فيه عمران القطان، وثَّقه أحمد وابن حبان، وضعَّفه يحيى بن سعيد وغيره، وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - عند الطبراني، راو لم يسم وبقية إسناده حسن.
لكنَّ هذا الحظر يندفع بالحاجة إلى الخلاص، فيباح الخلع عند تباين الأخلاق، أو عروض البغضاء، أو كبر، أو ريبة، أو دمامة خلق، أو تنافر طباع بين الزوجين، أو إرادة تأديب، أو عدم قدرة على القيام بحقوق النكاح، ونحو ذلك، ففي هذه الحالات يشرع الخلع للمرأة، مراعاة لمشاعرها في إنهاء رباط الزوجية، وحتى تتقي ترك إقامة حدود الله في علاقتها مع زوجها، وبدون حاجة يبقى حكمه على الأصل وهو الحظر؛ ويستدل لإباحة الخلع بأدلة مشروعيته التي سبق ذكرها وبأدلة إباحة الطلاق، وهي كالآتي:
1. قوله - جل جلاله -: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} البقرة: 236، فنفى الإثم عن الزوج إذا طلق زوجته.
2. وقوله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} الطلاق: 1، فأباح الطلاق.
3. وإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلق حفصة ثُمَّ راجعها (¬1)، وكذلك طلق بعض الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنَّ عمر - رضي الله عنه - طلَّقَ أمّ عاصم، وابن عوف - رضي الله عنه - طلَّق تماضر،
¬
(¬1) لكنَّه - صلى الله عليه وسلم - راجعها كما في صحيح ابن حبان 10: 100،والمستدرك 2: 215،وسنن الدارمي 2: 214، وسنن أبي داود 2: 285، وسنن النسائي 3: 403، وسنن ابن ماجه 1: 650، وغيرها.
والمغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - طلَّق أربع نسوة، وهذا كله محمول على الطلاق لحاجة (¬1).
وقد يكون الخلع حراماً بالنسبة للزوج إذا ضيق على زوجته من أجل أن تطلب الخلع وتفتدي نفسها بمال (¬2)؛ قال - جل جلاله -: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} النساء: 19، قال ابن كثير (¬3) (ت774هـ): «أي لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الصدقة أو ببعضه».
* * *
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير 3: 456، ورد المحتار 2: 416، وغيرهما.
(¬2) ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع، ج3، ص150.
(¬3) إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي (ت774هـ)، تفسير ابن كثير، دار المفيد، بيروت، ج1، ص273.
المبحث الأول
في اشتراط رضا الزوج في الخلع
تمهيد:
إنَّ ما اقترف من تحريف لحقيقة الخلع ومفهومه في الشريعة الإسلامية بإلغاء دور الرجل فيه لم تسبق إليه يد إلا من بعض فضلاء هذا الزمان؛ لأنَّ هذه المسألة لا اختلاف معتبر فيها في القديم؛ لتظافر الأدلّة القرآنية والنبوية الصريحة فيها، حتى انعقد الإجماع على ذلك كما صرَّحَ بها العلماء ـ على ما سيأتي ـ.
وإزالةً لبعض الشبهات التي وقع فيها بعض الناس بسبب الزخرفة الإعلامية، فإنني سأضع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الفقهاء في
مختلف المذاهب الإسلامية المعتمدة بين يدي القارئ الكريم حتى يعرف ما ينبغي له معرفته من الحقّ؛ لأنَّ هذا دين، بأخذه يكون إصلاح الناس، وإعمار بيوتهم.
ولتحقيق هذا المراد سيكون تقسيم هذا المبحث على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في دلالة القرآن على اشتراط رضا الزوج في الخلع:
معلومٌ أنَّ المصدرَ الأوّل لأخذ الأحكام الشرعية هو القرآن الكريم، ولفظ الخلع لم يرد فيه بالمعنى الاصطلاحي، وإنَّما ورد بالمعنى اللغوي ـ وهو النَّزع ـ في قوله - جل جلاله -: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} طه: 12.
ومما استدلوا فيه على الخلع من القرآن هو إحدى آيات الطلاق الواردة في القرآن؛ إذ ورد فيها التصريح أنَّه يجوز للمرأة أن تفتدي نفسها بمال؛ ليطلقها زوجها، قال - جل جلاله -: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} البقرة: 229، وهذا ظاهر في أنَّ الخلع نوعٌ من الطلاق غير منفصل عنه؛ لأنَّ قوله - جل جلاله -: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} البقرة:
229؛ الدال على جواز دفع المرأة شيئاً من المال لإرضاء زوجها كي يطلقها، مذكور ضمن آية تتحدث عن الطلاق.
والطلاق ـ كما هو معروف عند القاصي والداني ـ بيد الرجل، ونصوص القرآن الكريم صريحة في نسبته للرجل وتمليكه له؛ لأنَّه ربّ الأسرة ورئيس العائلة، فعليه وحده ألقيت تكاليف البيت، فيجب أن تكون له وحده صلاحية حل عقد النكاح، فالصلاحية بقدر المسؤولية والتفريق وحل العصمة المنعقدة بيد القوَّام منهما على الآخر.
وعليه فإنَّ الطلاق من حق الرجل وحده لسببين:
الأول: أنَّ الله - عز وجل - أعطاه من القدرة العقليّة والعصبيّة التي تمكِّنَه من ضبطِ نفسه في كثير من المواقف الانفعالية، وعدم الاستجابة لعواطفه ومشاعره، فهو يُغلّب جانب العقل على العاطفة، بخلاف المرأة التي جبلت على العاطفة والحنان في تصرفاتها؛ لما أُنيط بها من واجب عظيم لأطفالها وحاجتهم لحنانها ومشاعرها حتى كانت الغالبة عليها.
الثاني: أنَّ الله - عز وجل - كلَّفه بكثير من الواجبات والحقوق التي لم يكلِّف بها المرأة، حتى لا يقدمَ على أمر الانفكاك عنها إلا إذا كان ضنك المعيشة معها أكبر بكثير مما أُلقي على عاتقه من مسؤوليات زواجه بها وانفصاله عنها، فإنَّ مجردَّ التفكير بضياع الأولاد؛ لنقص العناية والرعاية التي يجدونها ـ ويلاحظ ذلك جلياً مَن يتابع أحوال أولاد المطلقين ـ، والتفكير بنفقة أولاده من المرأة التي يريد طلاقها يجعله يغمض عينيه عن كثير من الخلافات المنزليّة والمشاكسات اليومية؛ إذ بطلاقها
يتحتّم عليه مصاريف بيت آخر، فلولا أنَّ الرجل عليه ما عليه مما ذكرنا لوجدناه متساهلاً ومجازفاً في الزواج والطلاق، وهو المالك لعاطفته المتحكّم بأعصابه المتعقّل لأفعاله أكثر مما عليه المرأة.
وها هي الآيات القرآنية الواردة في الطلاق، فإنَّها ناطقة بذلك:
1. {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} البقرة: 227، عزموا: الضمير فيه للأزواج.
2. {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} البقرة: 228، والدرجة هي الطلاق (¬1).
3. {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} البقرة: 241، المطلقات: أي الواقع عليهن فعل الطلاق، لا أنَّهن موقعات الطلاق.
4. {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} البقرة: 230، نسب الطلاق للرجل بقوله طلَّقَها: أي زوجها.
¬
(¬1) قال ابن عباس م: بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال، وقال قتادة: بالجهاد، وقيل: بالعقل، وقيل: بالشهادة، وقيل: بالميراث، وقيل: بالدية، وقيل: بالطلاق، وقيل: بالرجعة، وقال سفيان وزيد بن أسلم: بالإمارة. كما في حسين بن مسعود البغوي، معالم التنزيل، ج1، ص302.
5. {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} البقرة: 231، نسب الطلاق للرجال بقوله: وإذا طلقتم.
6. {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} البقرة: 232، نسب الطلاق للرجال بقوله: وإذا طلقتم.
7. {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} البقرة: 236، نسب الطلاق للرجال بقوله: وإن طلقتم.
8. {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} الطلاق: 1 - 2، طلَّقتم: الضمير فيه للرجال.
9. {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} البقرة: 237.
10. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} الأحزاب: 49، طلقتموهنّ: أي طلق الرجالُ النساء.
11. {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} التحريم: 5، طلقكنّ: أي طلق النبي - صلى الله عليه وسلم - أزواجه.
فكما ترى أنَّ كلَّ هذه الآيات واضحة الدلالة في نسبة الطلاق للرجل وأنَّه من حقّه، فالله جل ثناؤه الذي أباح للرجلِ التمتع بالمرأة والتعاشر معها بالنكاح
الشرعي المبيَّن في مكانه حرَّم عليه ذلك بالطلاق الذي ملكه إيّاه في نصوص القرآن العديدة، فليس لأحد بعدها أن ينزع من الرجل الحق الذي أعطاه الله - عز وجل - إياه؛ لما كلفه في مقابله من واجبات.
وإنَّ عموم هذه الآيات القرآنيّة يكفي في إثبات هذا الحقّ لصاحبه: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} ق: 37.
فكان الأصل أنَّ الطلاق من حقِّ الرجل، وليس للمرأة حقّ فيه، لكنَّ الله - جل جلاله - بيَّن في إحدى آيات الطلاق أنَّ للمرأة مدخلاً في الطلاق، وهو إذا رغبت في الانفصال عن الرجل؛ لعدم التوافق بينهما، وعدم القدرة على القيام بالواجبات الزوجية، والخوف من الانفتان بسبب هذا الزواج، فإنَّه لا جناح ولا حرج عليها أن تساوم زوجها على مال أو غيره مقابل أن يتنازل عن حقِّه في طلاقها فيطلِّقها برضاه بدون إجبار من أحد.
وعليه فإنَّ الخلع لا يختلف عن الطلاق في شيء ـ كما سيأتي من نصوص الفقهاء ـ إلاّ في هذه الجزئية، وهي أن ترضى المرأة بإعطاء الرجل شيئاً ليطلِّقها، في حين أنَّ الطلاق لا مدخل فيه للمرأة، بل الرجل يوقعه سواء قبلت أم رفضت، أما في الخلع فلا بدّ من موافقتها على بدل الخلع ليحصل الطلاق، قال الإمام الرازي (¬1) (ت604هـ): «اعلم أنَّه تعالى لما منع الرجل أن يأخذ من امرأته عند الطلاق شيئاً استثنى هذه الصورة، وهي مسألة الخلع».
¬
(¬1) محمد بن عمر الرازي (ت606هـ)، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، دار الغد العربي، القاهرة، ط1، 1412هـ، ج3، ص389.
ولا يوجد أحد من المفسِّرين المعتبرين صَرّح بخلاف ذلك، فجعل الخلع من حقّ الزوجة فحسب وألغى رضا الزوج؛ لأنَّ آيةَ الخلع واضحةٌ وصريحةٌ في ذلك بما لا يحتمل تأويل ولا تبديل.
قال ابن كثير (¬1) (ت774هـ): «إذا تشاقق الزوجان ولم تقم المرأة بحقوق الرّجل وأَبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أَعطاها ولا حرج عليها في بذلها له ولا حرج عليه في قبول ذلك منها».
وقال الجصاص (¬2): «وهذا الخوف من ترك إقامة حدود الله على وجهين: إما أن يكون أحدهما سيئ الخلق أو جميعاً ... وإمّا أن يكون أحدهما مبغضاً للآخر، فيصعب عليه حسن العشرة والمجاملة, فيؤديه ذلك إلى مخالفة أمر الله في تقصيره في الحقوق التي تلزمه ... فإذا وقع أحد هذين وأشفقا من ترك إقامة حدود الله التي حدها لهما حل الخلع».
وقال الزمخشري: «فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت فيما فدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر» (¬3).
وقال ابن عطية (¬4): « ... إباحة للفدية وشركهما في ارتفاع الجناح؛ لأنَّها لا يجوز لها أن تعطيه مالها حيث لا يجوز له أخذه وهي تقدر على المخاصمة، فإذا كان
¬
(¬1) إسماعيل بن كثير، تفسير ابن كثير، ج1، ص273.
(¬2) أحمد بن علي الرازي الجصاص (ت370هـ)، أحكام القرآن، دار الفكر، ج1، ص533 - 534.
(¬3) ينظر: الزمخشري، الكشاف، ج1، ص271.
(¬4) في المحرر الوجيز، ج1، ص307.
الخوف المذكور جاز له أن يأخذ ولها أن تعطي، ومتى لم يقع الخوف فلا يجوز لها أن تعطي على طلب الفراق».
وقال ابن الجوزي (¬1): «ومعنى الآية: أنَّ المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها لبغضها إياه، وخاف الزوج أن يعتدي عليها لامتناعها عن طاعته؛ جاز له أن يأخذ منها الفدية، إذا طلبت ذلك».
فلم نجد أحداً من المفسرين أسقط حقّ الرجل في الرضا بالخلع، وجعله من حقّ المرأة فحسب، بل كل كلامهم في تفسير آية الخلع يدور على الاستثناء الذي حصل في هذه الآية للمرأة برفع الحرج عنها في افتداء نفسها؛ ليوافق الرجل على تطليقها، بل إنَّ بعضهم صرح باتفاق علماء الأمة على أنَّ حقّ الرجل لا يسقط في هذا أيضاً، قال السايس (¬2): «إنَّ جميع الفقهاء يرون أنَّه لا يجبر الرجل على قبول الخلع».
المطلب الثاني: في دلالة الأحاديث النبوية على اشتراط رضا الزوج في الخلع:
¬
(¬1) عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي (ت597هـ)، زاد المسير في علم التفسير، المكتب الإسلامي، بيروت، ط3، 1404هـ، ج1، ص265.
(¬2) محمد علي السايس، تفسير آيات الأحكام، مطبعة محمد علي صبيح، ج1، ص146.
ورد عن الحضرة النبوية - صلى الله عليه وسلم - أحاديث في الخلع لاسيما في قصة ثابت بن قيس - رضي الله عنه - مع بعض نسائه (¬1)، كنّ طلبن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المخالعة من ثابت - رضي الله عنه - مقابل أن تردّ كلّ واحدة منهنّ له المهر الذي أعطاها إياه ـ وهو حديقة ـ، وكان سبب خلع كلّ واحدة منهما مختلفٌ عن الأخرى، إلا أنَّ بينهما اشتراك في أنَّه دميم الخلقة.
وهذه القصة رويت في أكثر كتب الحديث إلا أنَّ في بعضها إجمال والأخرى تفصيل، فمَن أراد الاطلاع على تمام أحداثها عليه أن ينظر في كافة رواياتها، وها هي معروضة بألفاظها المختلفة:
روى البخاري (¬2) والنسائي (¬3) والطبراني (¬4): عن ابن عبّاس - رضي الله عنه - أنَّ امرأةً ثابت بن قيس - رضي الله عنه - أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: «يا رسول الله، ثابت بن
¬
(¬1) قال البيهقيّ: اضطرب الحديث في تسمية امرأة ثابت، ويمكن أن يكون الخلع تعدد من ثابت. ورجح أحمد بن علي ابن حَجَر العَسْقَلانِي (ت852هـ)، فتح الباري شرح صحيح البُخَاري، ت: محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، 1379هـ، دار المعرفة، بيروت، ج9، ص310: «أنَّهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين».
(¬2) في صحيحه ج5، ص2020.
(¬3) أحمد بن شعيب النَّسَائِي، سنن النَّسَائيّ الكبرى، ت: د. عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، ط1، 1411هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ج3، ص369، والمجتبى من السنن، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406،ج6، ص169.
(¬4) سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (ت360هـ)، المعجم الكبير، ت: حمدي السلفي، ط2، 1404هـ مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ج11، ص347.
قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكنّي أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقة».
وروى أحمد (¬1) والبَزَّار والطَّبَرَانِيّ (¬2) عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - وسهل بن أبي حثمة - رضي الله عنه -، قال: «كانت حبيبة تحت ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري فكرهته، وكان رجلاً دميماً، فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، إنّي لأراه، فلولا مخافة الله - عز وجل - لبزقت في وجهه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟ قالت: نعم، فأرسل إليه، فردت عليه حديقته، وفرَّق بينهما، فكان ذلك أول خلع كان في الإسلام» (¬3).
وفي رواية ابن عباس - رضي الله عنه -: «أول خلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس - رضي الله عنه - أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبداً، إنّي رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة، فإذا هو أشدّهم
¬
(¬1) أحمد بن حنبل (ت241هـ)، مسند أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، مصر، ج4، ص3.
(¬2) في المعجم الكبير، ج6، ص103.
(¬3) قال علي بن أبي بكر الهيثمي (ت807هـ)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، 1407هـ، دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي، بيروت، ج5، ص4 - 5: وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس. وقال أحمد بن أبي بكر الكناني (ت840هـ)، مصباح الزجاجة، ت: محمد الكشناوي، دار العربية، بيروت، ط2، 1403هـ، ج2، ص127 - 128: هذا إسناد ضعيف لتدليس الحجاج.
سواداً، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهاً، فقال: أتردِّين عليه حديقته؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته، ففرق بينهما» (¬1).
والذي يهمنا شرحه من مفردات الحديث هو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اقبل حديقتها وطلِّقها تطليقةً»، وفي رواية (¬2): «فردَّتها وأمره يطلِّقَها»، وفي رواية (¬3): «فردَّت عليه وأمره ففارقَها»، وفي رواية: «خذ منها، فأخذ منها» (¬4)، وفي رواية: «خذ منها ذلك احسبه، قال: وطلِّقها» (¬5)، فإنَّ الأمر
¬
(¬1) في فتح الباري، ج9، ص311، ومحمد الزرقاني، شرح موطأ مالك، دار المعرفة، بيروت، 1398هـ، ج3، ص238، وغيرهما.
(¬2) في صحيح البخاري، ج5، ص2021.
(¬3) في صحيح البخاري، ج5، ص2022.
(¬4) سليمان بن خلف الباجي (474هـ)، المنتقى شرح الموطأ، دار الكتاب الإسلامي، ج1، ص187، ومحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط،2، 1414هـ، ج10، ص110، وأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، سنن البَيْهَقِي الكبير، ت: محمد عبد القادر عطا، 1414هـ، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، ج7، ص312، ومحمد بن إدريس الشافعي (ت204هـ)، مسند الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، ص263، وسليمان بن أشعث السجستاني (ت275هـ)، سنن أبي داود، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، ج2، ص268، والنسائي، السنن الكبرى، ج3، ص369، ومالك بن أنس الصبحي (ت179هـ)، موطأ مالك، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر، ج2، ص465، وأحمد، المسند، ج6، ص433، والطبراني، المعجم الكبير، ج24، ص223، وغيرها، قال ابن قدامة في المغني ج7، ص246: هذا حديث صحيح , ثابت الإسناد.
(¬5) قال الهيثمي في مجمع الزوائد، ج5، ص5: رواه البزار وفيه أبو جعفر الرازي، وهو ثقة، وفيه ضعف.
فيه من باب النصح من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس - رضي الله عنه -؛ لأنَّه لَمَّا علمَ أنَّ امرأته لا تطيقه ولا يمكنها العيش معه، وقد وافقت على أن توفيه حقّه من المال فالأفضل له أن يقبل ذلك ويطلقها، وهذا ما نصحه به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وإليك كلام شراح الحديث في ذلك:
قال ابن حجر العسقلاني (¬1): «هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب».
وقال القسطلاني (¬2): «هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب».
وقال أيضاً (¬3): «ولم يكن أمره - صلى الله عليه وسلم - بفراقها أمر إيجاب وإلزام بالطلاق، بل أمر إرشاد إلى ما هو الأصوب».
وقال بدر الدين العيني (¬4): «الأمر فيه للإرشاد والاستصلاح لا للإيجاب والإلزام».
وقال أبو الوليد الباجي (¬5): «معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: خذ منها؛ إباحة منه - صلى الله عليه وسلم - أخذ الفداء منها, وقد يصحّ أن يكون ندباً إلى ذلك؛ لما رأى من إشفاقها
¬
(¬1) في فتح الباري، ج9، ص312.
(¬2) في إرشاد الساري، ج8، ص150.
(¬3) في إرشاد الساري، ج8، ص151.
(¬4) في عمدة القاري، ج20، ص260.
(¬5) في المنتقى، ج4، ص61.
واستضرارها بالمقام معه, وقد بلغ ذلك منها إلى أن خافت أن تأتي ما تأثم به».
وقال الزرقاني (¬1): «أمر إرشاد وإصلاح لا أمر إيجاب».
وإنَّ بعضَ الروايات بيَّنت الإجمال والاختصار الوارد في بعضها، وذكرت أنَّ الرّسول - صلى الله عليه وسلم - قضى بذلك وعرضه على ثابت بن قيس - رضي الله عنه - فوافق عليه؛ توقيراً منه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنَّه اختار ما فيه الخير والصلاح له، ومن هذه الروايات:
ما رواه عبدُ الرزَّاق (¬2) والبَيْهَقِيّ (¬3) عن عطاء قال: «أتت امرأةٌ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إنّي أبغض زوجي وأحبّ فراقه، فقال أتردِّين عليه حديقته التي أصدقك؟ قال: وكان أصدقها حديقة، قالت: نعم وزيادة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أما الزيادة من مالك فلا، ولكن الحديقة، قالت: نعم، فقضى بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - على الرجل، فأخبر بقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: قد قبلت قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -».
¬
(¬1) في شرح موطأ مالك، ج3، ص184.
(¬2) عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت211هـ)، المصنف، ت: حبيب الرحمن الأعظمي. ط.2. المكتب الإسلامي، بيروت، 1403هـ، ج6، ص502.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير، ج7، ص313.
وورى عبد الرزاق (¬1) والدارقطني (¬2) والبيهقي (¬3) عن أبي الزبير: «أنَّ ثابت بن قيس بن شماس - رضي الله عنه - كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وكان أصدقها حديقة فكرهته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أتردِّين عليه حديقته التي أعطاك؟ قالت: نعم وزيادة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أما الزيادة فلا ولكن حديقته، فقالت: نعم، فأخذها له وخلَّى سبيلها، فلما بلغَ ذلك ثابت بن قيس بن شماس - رضي الله عنه -، قال: قد قبلت قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سمعه أبو الزبير من غير واحد».
وليس هذا فحسب، بل إنَّ بعض الروايات فصَّلت بأنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا ثابت بن قيس - رضي الله عنه - ليحضر، وعرض عليه أن يأخذ ما أعطاها مقابل أن يطلقها، فاستغرب ثابت - رضي الله عنه - أن يكون له مثل ذلك ـ وهو أخذ ما أعطاها ـ، فوافق وطلقها، وهذا المعنى الذي ينبغي التعويل عليه:
فقد روى البيهقي (¬4) عن عائشة ل: «أنَّ حبيبة بنت سهل ل تزوجت ثابت بن قيس بن شماس - رضي الله عنه - فأصدقها حديقتين له، وكان بينهما اختلاف
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق، ج6، ص502.
(¬2) في سنن الدارقطني، ج3، ص255.
(¬3) في سننه الكبير، ج7، ص313. وإسناده صحيح كما في أحمد ظفر أحمد التهانوي، إعلاء السنن، دار الكتب العلمية، ت: حازم القاضي، دارالكتب العلمية، ط1، 1418هـ. ج11، ص255.
(¬4) في سنن البيهقي الكبير، ج7، ص315.
فضربَها حتى بلغَ أن كسرَ يدَها، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفجر فوقفت له حتى خرج عليها، فقالت: يا رسول الله، هذا مقام العائذ من ثابت بن قيس بن شماس، قال: ومن أنت؟ قالت: حبيبة بنت سهل، قال: ما شأنك تربت يداك؟ قالت: ضربني، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ثابت بن قيس فذكر ثابت ما بينهما، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا أعطيتها؟ قال: قطعتين من نخل أو حديقتين، قال: فهل لك أن تأخذ بعض مالك وتترك لها بعضه؟ قال: هل يصلح ذلك يا رسول الله؟! قال: نعم، فأخذ إحداهما ففارقها ... ».
وروى عبد الرزاق (¬1): «أنَّ سعيد بن المسيب: أخبره أنَّ امرأة كانت تحت ثابت ابن قيس بن شماس - رضي الله عنه - وكان أصدقها حديقة، وكان غيوراً فضربها فكسر يدها، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشتكت إليه، فقالت: أنا أرد إليه حديقته، قال: أو تفعلين؟ قالت: نعم، فدعا زوجها، فقال: إنَّها ترد عليك حديقتك، قال: أو ذلك لي؟ قال: نعم، قال: فقد قبلت يا رسول الله، فقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - اذهبا فهي واحدة، ثم نكحت بعده رفاعة العابدي فضربها، فجاءت عثمان - رضي الله عنه -، فقالت: أنا أردّ إليه صداقه، فدعاه عثمان - رضي الله عنه - فقبل، فقال: عثمان - رضي الله عنه - اذهبي فهي واحدة».
وفي ذلك بيان واضح لعدم إهمال دور الرجل في الخلع، وخروجه عن إرادته، فليس من حق الحاكم أن يفرض الخلع على الزوجين أو
¬
(¬1) في مصنف الرزاق، ج6، ص482 - 483.
أحدهما؛ لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجانب كونه رسولاً كان حاكماً وقاضياً، فلو كان من حق القاضي أن يخلع الزوجة جبراً على الزوجين أو أحدهما لطلقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه، ورد على الزوج المهر الذي كان قد دفعه إلى زوجته ـ وهو الحديقة ـ.
المطلب الثالث: في أقوال الفقهاء في اشتراط رضا الزوج في الخلع:
فإنَّه كما لكل فنٍّ وعلمٍ رجاله الذين يرجع إليهم في فهمه وبيانه، فإنَّ لعلم الشريعة علماؤه وفقهاؤه المتخصصون فيه، وهم مَن يَحِقّ لنا أَخذ الشريعة منهم؛ لأنَّهم أفنوا أوقاتهم وأَعمارهم في فهم نصوصها الواردة في الكتاب والسنة، ودوَّنوا الكتب المختصرة والموسعة في بيان حكم المسائل الفقهيّة، وكانوا على مذاهب في استخراج الأحكام واستنباطها، فما اتفقوا عليه من الأحكام لا يجوز لأحد مخالفتهم فيه؛ لأنَّه حصل منهم إجماع عليه (¬1).
¬
(¬1) ينظر: محمد بن إدريس الشافعي (ت204هـ)، الأم، دار المعرفة، بيروت ط2، 1393هـ، ج7، ص255 - 262، وعبد الوهاب بن أحمد الشعراني، الميزان الكبرى، دار العلم للجميع، ط1، ج2، ص710، ومحمد بن محمد الغزالي، المستصفى من علم الأصول، دار العلوم الحديث، بيروت، ج1، ص173، و محمد بن علي الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (ت1250هـ)، دار الفكر، ص71، و محب الله بن عبد الشكور، مسلم الثبوت مع شرح فواتح الرحموت، دار العلوم الحديثة، بيروت، ج2، ص211، و الدكتور حمد الكبيسي، أصول الأحكام وطرق الاستنباط في التشريع الإسلامي، مكتب بيروت، شارع الرشيد، بغداد، ص71، وغيرهم.
ومن المسائل التي اتفقوا عليها مسألتنا ـ اشتراط رضا الزوج في الخلع ـ وقد نصَّ على اتفاقهم فيها غير واحد من العلماء:
قال الشعراني (¬1): «اتفق الأئمة على أنَّ المرأة إذا كرهت زوجها لقبح منظر أو سوء عشرة جاز لها أن تخالعه على عوض، وإن لم يكن من ذلك شيء وتراضيا على الخلع من غير سبب جاز».
وقال الدكتور مصطفى الزلمي (¬2): «من البديهي أنَّ الركن الأساس في هذا التصرف الخلع هو التراضي وتلاقي إرادة الزوجين في إنهاء رابطة الزوجية مقابل التزام الزوجة ببدل ... ».
إلا أنَّه ينبغي توضيح أمرٍ هنا، وهو أنَّ عبارات الفقهاء جزلة ودقيقة في دلالتها على المعنى؛ لأنَّ همَّهم كان في جمع أكبر قدر ممكن من المعاني في أقلِّ ما يمكن من الألفاظ؛ ليسهل على الطلاب حفظها، فنجدهم قد جمعوا أبواب الفقه المختلفة من عبادات ومعاملات وأَحوال شخصية وغيرها في مجموعة من الأوراق يمكن أن تصل إلى مئة صفحة أو ما شابه ذلك، فإذا تَمَكَّن طالبُ العلم من استحضارها، وأَرَاد أن
¬
(¬1) في الميزان، ج2، ص119.
(¬2) الدكتور مصطفى إبراهيم الزلمي، مدى سلطان الإرادة في الطلاق في شريعة السماء وقانون الأرض خلال أربعة آلاف سنة، مطبعة العاني، بغداد، 1404هـ، ج2، ص147.
يتوسَّعَ في هذا العلم، يرى شروحاً مختلفة عليها من المختصر والمتوسط والكبير، ويمكن أن يصل الكبير منها إلى عشرين أو ثلاثين مجلداً.
وأيضاً: من تحري الفقهاء في عبارات كتبهم أنَّ مفهوم المخالفة مثلاً لا يؤخذ به عند الحنفية في نصوص الشرع، في حين أنَّه معتبر في عبارات الفقهاء؛ لأنَّه ينبغي للفقيه عندما يكتب أن يراعي ذلك.
وعليه فإنَّ العبارات الإنشائية التي تعودنا عليها في دراساتنا المختلفة في هذا العصر غير معتبرة عند فقهائنا، بل هي عيبٌ في الكتابة تسقط الكتاب؛ لأنَّ علم الشريعة لاسيما علم الحلال والحرام منه يحتاج إلى دقةٍ متناهيةٍ في تحريرِ الأحكام والدلالة عليها.
والذي نخلص إليه من هذا الكلام: أننا لن نجد من جميع الفقهاء عبارات مصرحة برضا الزوج في الخلع مع اتفاقهم على ذلك؛ لأسباب منها ما سبق ذكره، وأيضاً: لأنَّهم ذكروا الخلع في أَحد أَبواب وفصول الطلاق، فهو نوع من أنواعه، فينطبق عليه ما ينطبق على الطلاق (¬1)، فلم تكن هنالك حاجة إلى التكرار، وأفاضوا في الحديث على الجزئية التي اختلف فيها الخلع عن الطلاق، وهي أنَّ للزوجة مدخلاً فيه بخلاف
¬
(¬1) فقالوا: «شرط الخلع شرط الطلاق»، الزيلعي في التبيين، ج2، ص285، والعيني في عمدة القاري، ج20، ص260، والعيني في البناية، ج4، ص656
الطلاق، وتدخلها محصور في الموافقة على المال فحسب، لا أنَّها توافق على الطلاق الحاصل من الخلع.
ومما يدل على أنَّ الخلع صورة من صور الطلاق:
أولاً: أنَّ الفقهاء نصّوا على أنَّ الزوج إذا طلق زوجته بلفظ الخلع ونوى الطلاق ولم يذكر بدلاً للخلع، فإنَّه يقع طلاقاً دون مقابل، ولا يحتاج فيه لموافقة الزوجة؛ لانعدام البدل.
ثانياً: وكذلك نصّوا على أنَّه لا بُدّ في الخلع من الإيجاب والقبول، وهما يكونان من الزّوجين، فلو ألغينا رضا الزوج في الخلع لم يعد للإيجاب والقبول معنىً.
ثالثاً: وكذلك نصّوا على أنَّ من أركان الخلع الزوج، واشترطوا فيه أن يكون بالغاً وعاقلاً، فلو لم يكن لرضا الزوج قيمةً في الخلع لَمَا كان حاجة لجعله ركناً ولا احتيج لذكر هذه الشروط فيه؛ لأنَّ بإنعدام رضا الزوج أصبح وجوده صورةً لا حقيقة، وذكر الفقهاء له على هذه الهيئة يفيد اعتبار وجوده حقيقة.
وإليك الآن نصوص الفقهاء في المذاهب الإسلامية المختلفة الدالة على اشتراط رضا الزوج في الخلع:
أَوّلاً: مذهب الحنفية:
قال القُدُوريُّ (ت428هـ) (¬1): «إذا تشاق الزوجان وخافا (¬2) أن لا يقيما حدود الله فلا بأس بأن تفتدي نفسها منه بمال يخلعها به»، فقد بيَّن أنَّ دور الزوجة في الخلع ينحصر بتقديم المال، ودور الزوج يكون بتطليقها، ولا يكون تطليقه إلا برضاه.
وقال ملا خسرو (ت885هـ) (¬3) في الخلع: « ... ويفتقر إلى إيجاب وقبول كسائر العقود، وهو في جانب الزوج يمين؛ لأنَّه تعليق الطلاق بشرط قبولها المال حتى لم يصح رجوعه قبل قبولها، وهو في جانبها كبيع يعني معاوضة؛ لأنَّها تبذل مالاً لتسلم لها نفسها»، فقد نَصَّ على أنَّه لا بُدّ في الخلع من الإيجاب والقبول، وهما يكونان من الزَّوجين، وهذا يَدلّ أنَّه لا بُد فيه من رضا الزَّوج وإلا لم يعد حاجة للإيجاب والقبول.
¬
(¬1) أحمد بن محمد القدوري (ت428هـ)، متن القدوري، مطبعة مصطفى الحلب، مصر، ط.3، 1377هـ، ص77.
(¬2) قال الزيلعيّ في التبيين، ج2، ص286: والخوف خرج مخرج العادة أو الأولوية لا مخرج الشرط، وأراد بالخوف العلم والتيقّن به; لأنَّه يراد به العلم، والتشاق: الاختلاف والتخاصم مشتق من الشق وهو الجانب، كل واحد منهما يأخذ شقا خلاف شق صاحبه، وحدود الله تعالى ما يلزمهما من مواجب الزوجية.
(¬3) محمد بن فرامُوز، ملا خسرو (ت885هـ)، درر الحكام شرح غرر الأحكام، در سعادت، 1308هـ، ج1، ص389.
وقال ابن عابدين (ت1252هـ) (¬1) في الخلع: «يمين في جانبه: أي لا تملك الطلاق بل هو ملكه وقد علّقه بالشرط، والطلاق يحتمله، ولا يحتمل الرجوع ولا شرط الخيار، بل يبطل الشرط دونه، ولا يتقيد بالمجلس، وأما في جانبها فإنَّه معاوضة المال؛ لأنَّه تمليك المال بعوض، فيراعى فيه أحكام معاوضة المال كالبيع ونحوه» (¬2)، فقد نصّ على أنَّ الطلاق في الخلع يملكه الزوج لا الزوجة، وإذا ملكه فلا بدّ من رضاه به.
وقال المَوْصِلي (ت683هـ) (¬3): «وكذلك إن طلقها على مال فقبلت وقع الطلاق بائناً ويلزمها المال بالتزامها؛ لأنَّه ما رضي بالطلاق إلا ليسلم له المال المسمّى، وقد ورد الشرع به فيلزمها»، فقد بيَّن أنَّه لا بُدّ من رضا الزوج بطلاق الخلع، وإن كان رضاه بما يقدم له من المال.
¬
(¬1) محمد أمين بن عمر ابن عابدين (ت1252هـ)، ردّ المحتار على الدر المختار، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج2، ص558.
(¬2) ينظر: محمد بن أبي سهل السرخسي (ت500هـ)، المبسوط، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت، ج6، ص173.
(¬3) عبد الله بن محمود الموصلي (ت683هـ)، الاختيار لتعليل المختار، ت: زهير عثمان، دار الأرقم، ج3، ص202.
وقال المَرْغينانيّ (ت597هـ) والعَيْنِيّ (ت855هـ) (¬1) والبابرتيّ (ت786هـ) (¬2): «وإن طلقها على مال فقبلت وقع الطلاق ولزمها المال؛ لأنَّ الزوج يستبد ويستقل بالطلاق من حيث التخيير بأن قال: أنت طالق، ومن حيث التعليق بأن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، وقد علق الزوج طلاقها بقبولها»، فقد نسبوا الطلاق في الخلع إلى الزوج، ونصوا على أنَّه يستقل ويستبد بالطلاق، وهذا الاستقلال لا بد فيه من رضاه، وإلا لم يكن فائدة من استبداده به.
وقال النَّسَفِيّ (ت701هـ) وعمر ابن نُجَيم (ت1005هـ) (¬3) في الخلع: «هو الفصل من النكاح الواقع به وبالطلاق على مال طلاق بائن، ولزمها المال؛ لأنَّه لم يرضَ بخروج البضع عن ملكه إلا به»، فقد نصّا على رضا الزوج في الخلع حتى يخرج ما ملكه بالتزوج من التمتع بزوجته.
¬
(¬1) بدر الدين محمود بن أحمد العَيْنِي (ت855هـ)، البناية في شرح الهداية، دار الفكر، ط1، 1980مـ، ج4، ص665.
(¬2) في العناية، ج4، ص219.
(¬3) عمر بن إبراهيم ابن نجيم الحنفي (ت1005هـ)، النهر الفائق شرح كنز الدقائق، ت، أحمد عزو عناية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1422هـ، ج2، ص434 - 436.
وقال الحَدَّاديّ (ت800هـ) (¬1): «الخلع: عبارة عن عقد بين الزوجين المال فيه من المرأة تبذله فيخلعها أو يطلِّقها، وحكمه من جهتها حكم المعاوضة ... »، وقال: «لزمها المال; لأنَّه إيجاب وقبول يقع به الفرقة من قبل الزوج ويستحق العوض منها وقد وجدت الفرقة من جهته فلزمها المال»، فقد بيَّن أنَّ الخلع عقد لا بُدّ فيه من طرفين وهما الزوجان، ولو لم يكن لرضا الزوج فيه مدخل، لاستقلت به الزوجة.
قال الأبياني (¬2): «والخلع لا ينفرد به أحد الزوجين، بل لا بُد من رضاهما؛ لأنَّ كلاً منهما له شأن؛ إذ به يسقط ما للزوج من الحقوق، فلا بُدّ من رضاه، ويلزم الزوجة العوضَ فيشترط رضاها، فهو كالعقود من هذه الجهة، وليس إسقاطاً محضاً حتى ينفرد به الزوج، فإذا قال لها: خالعتُك في نظير أربعين جنيهاً مثلاً، ولم تقبل فلا يقع الطلاق، ولو قالت له: اختلعت نفسي منك بكذا فلا يقع مثلاً إلا إذا رضي بذلك، وبما أنَّه لا يتمُّ إلا برضاهما فلا بُدّ فيه من إيجاب وقبول».
وقال أيضاً (¬3): «وهذه الفرقةُ تتوقَّفُ على رضا الطرفين، ويسمَّى هذا النوع بالخلع».
¬
(¬1) أبو بكر بن علي بن محمد الحَدَّادِيّ (ت800هـ)، الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري، المطبعة الخيرية، ط1، 1322هـ، ج2، ص59.
(¬2) في شرح الأحكام الشرعية، ج1، ص393.
(¬3) في شرح الأحكام الشرعية، ج1، ص386 - 387.
وقال (¬1): «ومتى رَضِيَ الزوجان بالخُلع في نظير مبلغ معلوم وقعَ الطلاق البائن، ولَزِمَ الزوجةُ دفعَ المبلغ المتَّفق عليه».
وقال (¬2): «أمّا الصغير فليس لأبيه أن يخالعَ زوجتَه ولو في مقابلة عوض تدفعه للصغير؛ لأنَّ الخُلع طلاق، وهو بيد الزوج فلا يملكه غيره إلا بإذنه، والصبيّ ليس له أن يأذنَ فيه».
فكلامه واضح وصريح باشتراط رضا الزوجين، فرضا الزوج يكون على طلاقها، ورضا الزوجة يكون بالموافقة على المال.
وقال عبد المجيد سليم (¬3): «إنَّ الخلع إذا كان بعوض فركنه الإيجاب والقبول، فما لم يوجد الإيجاب والقبول المعتبران شرعاً، فالخلع غير تام، قال الكاساني (¬4): وأما ركنه ـ يعنى ركن الخلع بعوض ـ فهو الإيجاب والقبول؛ لأنَّه عقدٌ على الطلاق بعوض، فلا تقع الفرقة، ولا يستحق العوض بدون القبول»، والإيجاب والقبول يحتاج لرضا الطرفين، فيشترط رضا الزوج.
¬
(¬1) في شرح الأحكام الشرعية، ج1، ص388 - 389.
(¬2) في شرح الأحكام الشرعية، ج1، ص412.
(¬3) الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية، وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة، 1400هـ، ج2، ص568 - 569.
(¬4) أبو بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي، بيروت، ط،2، 1402هـ، وأيضاً طبعة دار الكتب العلمية، ج3، ص145.
فهذه بعض ألفاظ فقهاء الحنفية في هذه المسألة، واضحةٌ كلّ الوضوح في الدلالة على المقصود من اشتراط رضا الزوج في الخلع وعدم إلغائه، وقد اقتصرت عليها؛ لإيفائها بالمراد، وخوف الملل والتطويل، ولو أردت أن أجمع كلّ عباراتهم في ذلك لاحتجت إلى عشرات الصفحات.
ثانياً: مذهب المالكية:
قال خليل والعبدري (ت897هـ) (¬1) في الخلع: «موجبه زوج مكلف، أي أركان الخلع أربعة: العاقدان والعوضان، الأول الموجب، وشرطه: أن يكون زوجاً مكلفاً».
وقال الخرشي (ت1101هـ) (¬2): «أركانه خمسة: القابل، والموجب، والعوض، والمعوض، والصيغة، فالقابل: الملتزم للعوض, والموجب: زوج أو ولي صغير, والعوض: الشيء المخالع به, والمعوض: بضع الزوجة, والصيغة: خالعتك».
¬
(¬1) محمد بن يوسف العبدري المَوَّاق (897هـ)، التاج والإكليل لمختصر خليل، دار الكتب العلمية، وأيضاً: دار الفكر، بيروت، ط،2، 1398هـ، ج5، ص280.
(¬2) محمد بن عبد الله الخرشي (1101هـ)، شرح مختصر خليل للخرشي، دار الفكر، ج4، ص12.
فقد نصَّ فقهاء المالكية على أنَّ الزّوج أحد أَركان الخلع، واشترطوا فيه أن يكون مكلفاً: أي عاقلاً بالغاً، وهذا الاشتراط يدل على أنَّ الخلع منوط به، وذلك لا يكون إلا برضاه به.
وكذلك نصَّوا على أنَّه لا بُدّ في الخلع من الصيغة وهي الإيجاب والقبول، وهما يكونان للزوجين، فلو لم يكن لرضا الزوج مكان لما احتيج إلى ذلك.
وقال ابن أبي زيد القيرواني (¬1): «وللمرأة أن تفتدي من زوجها بصداقها أو أقل أو أكثر إذا لم يكن عن ضرر بها ... ».
وقال ابن عسكر (¬2): «الخلع: طلاق بعوض تبذله هي أو غيرها فيلزم، ويجب دفع العوض ... »، فقد بينوا أنَّ دور المرأة في الخلع هو الموافقة على تقديم المال للزوج، ودور الرجل أن يرضى بطلاقها مقابل ما أعطته.
ثالثاً: مذهب الشافعية:
حال علماء المذهب الشافعي كحال غيرهم من المذاهب، فقد نصّوا أنَّ من أركان الخلع الزوج، واشترطوا فيه الأهلية لذلك، فلو كان الخلع يتمّ بلا رضاه لما احتاجوا لذلك.
¬
(¬1) في رسالته، ص193.
(¬2) في إرشاد السالك، ص 69.
وأيضاً نصوا على أنَّ من أركان الخلع الصيغة: وهي الإيجاب والقبول، وهما يحتاجان إلى التراضي بين الطرفين، وإلا لم يكن حاجة لهما أو لأحدهما.
قال الشيرازي (¬1) والنووي (¬2) وزكريا الأنصاري (¬3) والشربيني (¬4) وعبد الكريم المدرس (¬5)، وغيرهم: «أركان الخلع خمسة: الأول: زوج يصحّ طلاقه، فلا يصح من صبي ومجنون ومكره ... الرابع: صيغة: وهي إيجاب وقبول غالباً» (¬6).
¬
(¬1) إبراهيم بن علي الشيرازي (ت476هـ)، التنبيه، مطبعة مصطفى الحلبي، الطبعة الأخيرة، 1370هـ، ص111.
(¬2) يحيى بن شرف النووي (ت676هـ)، منهاج الطالبين وعمدة المفتين، مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الأخيرة، 1359هـ، ج3، ص263.
(¬3) زكريا الأنصاري، منهج الطلاب، مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الأخيرة، 1359هـ، ص88.
(¬4) محمد بن أحمد الخطيب الشربيني (ت977هـ)، الإقناع شرح مختصر أبي شجاع، دار الفكر، بيروت، 1415هـ، ج2، ص97.
(¬5) عبد الكريم المدرس، الأنوار القدسية في الأحوال الشخصية، مطبعة الجاحظ، بغداد، 1410هـ، ص59 - 60.
(¬6) ينظر: الحصني، كفاية الأخيار، ج2، ص50.
رابعاً: مذهب الحنابلة:
قال الخرقي (¬1): «والمرأة إذا كانت مبغضة للرجل, وتكره أن تمنعه ما تكون عاصية بمنعه، فلا بأس أن تفتدي نفسها منه».
وقال ابن قدامة (ت620هـ) (¬2): «وجملة الأمر: أنَّ المرأة إذا كرهت زوجها؛ لخلقه, أو خلقه, أو دينه, أو كبره, أو ضعفه, أو نحو ذلك, وخشيت أن لا تؤدي حق الله تعالى في طاعته, جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به نفسها منه».
وقد بيَّنا أنَّه يجوز للمرأة إذا كانت متأذية من زوجها وكارهة له أن تقدِّم له شيئاً من المال؛ ليوافق ويرضى بطلاقها، لا أنَّها بمجرد إعطائه المال تخلع نفسها وتطلق.
وقال ابن رجب (ت795هـ) (¬3): «نصّ أحمد في رواية مهنا أنَّ الخلع يوجب نصف المهر، وعلله القاضي بأنَّ الخلع يستقل به الزوج; لأنَّه يصح مع الأجنبي بدون رضا المرأة فلذلك نسب إليه».
¬
(¬1) في مختصر الخرقي مع طبعة المغني، ج7، ص246.
(¬2) في المغني، ج7، ص246.
(¬3) عبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن رجب الحنبلي (ت795هـ)، القواعد، دار المعرفة، ص331.
نصَّ على أنَّ الزوج يستقل بالخلع، واستقلاله فيه يلزم منه رضاه، بخلاف المرأة فإنَّه لا يشترط رضاها إلا بالموافقة على المال الذي تقدمه للزوج ـ كما سبق ـ.
وقال البهوتي (¬1): «وتسنّ إجابتها: أي الزّوجة إذا سألته الخلع على عوض، حيث أُبيح الخلع، إلا مع محبة الزوج لها فيسنّ صبرها عليه وعدم افتدائها منه دفعاً لضرره».
وقال شرف الدين الحجازي (¬2) (ت960هـ): «فيباح لها أن تخالعه على عوض تفتدي به نفسها منه، ويسن له إجابتها».
فقد صرحوا أنَّ الزوجة إذا رغبت في الانفصال عن زوجها وقدمت له المال، فإنَّ الزوج لا يجبر على ذلك، بل يسنّ ويستحب ويفضل له إجابتها طالما أنَّها افتدت نفسها بالمال.
خامساً: مذهب الظاهرية:
فإنَّنا نجد الظاهرية الذين يأخذون بظواهر النصوص يصرحون بأنَّ رضا الزوج شرط في الخلع ولا يجوز إجبار الزوج عليه، مع أنَّ الأوامر عندهم في النصوص الشرعية تفيد الوجوب إلا في حالات قليلة عندهم، وكان مقتضى قواعد مذهبهم أن يأخذوا بظاهر قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -
¬
(¬1) في شرح منتهى الإرادات، ج3، ص58.
(¬2) في الإقناع مع شرحه كشف القناع، ج5، ص212.
لثابت بن قيس - رضي الله عنه -: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة»، فيقولوا بإجبار الزوج على إجراء الخلع، لكنَّهم لم يقولوا بالإجبار، بل بينوا أنَّه لا يجوز (¬1).
قال ابن حزم (ت456هـ) (¬2): «الخلع, وهو: الافتداء إذا كرهت المرأة زوجها, فخافت أن لا توفيه حقه, أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها, فلها أن تفتدي منه ويطلقها, إن رضي هو؟ وإلا لم يجبر هو؟ ولا أجبرت هي؟ إنَّما يجوز بتراضيهما، ولا يحلّ الافتداء إلا بأحد الوجهين المذكورين, أو باجتماعهما, فإن وقع بغيرهما فهو باطل».
فقد نصَّ على أنَّ الخُلعَ بيد الرجل يطلقها فيه إن رضي، ولا يجوز لأحد أن يجبره على طلاقها، كما أنَّه لا يجوز لأحد أن يجبرها على دفع المال له؛ لأنَّ الزوج يستقل بالطلاق، وهي تستقل بالمال.
سادساً: مذهب الشيعة:
قال جعفر الحلي (¬3): «يعتبر في الخالع شروط أربعة: البلوغ, وكمال العقل, والاختيار, والقصد، فلا يقع مع الصغر, ولا مع الجنون, ولا مع
¬
(¬1) ينظر: محمد سعد عبد اللطيف، لا خلع دون عوض ورضا الزوجين، http://www.felixnews.com/news-9351.html].
(¬2) علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري (ت456هـ)، المُحَلَّى، دار الفكر، ج9، ص511.
(¬3) جعفر بن الحسن الحلي، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، مؤسسة مطبوعاتي إسماعليان، ج3، ص40.
الإكراه, ولا مع السكر, ولا مع الغضب الرافع للقصد، ولو خالع ولي الطفل بعوض صحّ, إن لم يكن طلاقاً, وبطل مع القول بكونه طلاقاً».
فقد بيَّن أنَّه لا بُد في المخالع من شروط ومنها الاختيار والقصد، وإلغاء رضا الزوج في الخلع يتنافى مع هذه الشروط، لاسيما اختياره وقصده، إذ بإلزامه بالخلع ألغينا دوره ككل علاوة على اختياره.
وفي ختام هذه النقول لنصوصُ الفقهاء من شتى المذاهب الإسلامية يتبين لنا بكلِّ وضوح وصراحة أنَّ مسألة اشتراط رضا الزوج في الخلع من المسائل المتفق عليها بين المذاهب، فلا يجوز فيها خلاف لأحد، وعبارات الفقهاء السابقة تدل على هذا الاتفاق بلا مرية، فإنَّ الخلع ملك للرجلّ، ولا بدّ فيه من رضاه؛ لأنَّ مَن ملك شيئاً لا يخرج عن ملكه إلا برضاه، وأنَّه يجوز للمرأة أن تحصل على رضا الرجل بخلعها بأن تقابله بشيءٍ من المال، فإن رضي ووافق فلا حرج في ذلك، وإن لم يرض ليس لها عليه سبيل.
* * *
المبحث الثاني
بطلان القول بعدم اشتراط
رضا الزوج في الخلع
تأوّل البعض من حديث ثابت - رضي الله عنه - أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ألغى دور الرجل في الخلع، واكتفى بموافقة المرأة على دفع البدل، ومن هؤلاء الشوكاني (1250هـ) المعروف بمخالفته وخرقه للإجماع؛ فقال (¬1): «ولا بد من التراضي بين الزوجين على الخلع أو إلزام الحاكم مع الشقاق بينهما»، إذ أنَّه جعل للحاكم سلطة التفريق بين الزوجين إذا تعنَّت الرجل، وتبعه على ذلك سيد سابق صاحب كتاب «فقه السنة» على عادته من متابعة الشوكاني، فقال (¬2): «والخلع يكون بتراضي الزوج والزوجة، فإذا لم يتم التراضي منهما فللقاضي إلزام الزوج بالخلع؛ لأنَّ ثابتاً وزوجته رفعا أمرهما للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وألزمه الرسول بأن يقبل الحديقة، ويطلق، كما تقدم في
¬
(¬1) في محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، الدراري المضية شرح الدرر البهية، ج2، ص 227.
(¬2) سيد سابق، فقه السنة: ج2، ص268.
الحديث»، وهذا الفهم مستشنع وبشع للغاية لم يقله أحدٌ يعتدُّ به لا من السلف ولا من الخلف ـ كما سبق بيانه ـ.
ويمكن بيان بطلان هذا الفهم من وجوه منها:
الأول: أنَّه يتعارضُ تعارضاً تامّاً مع نصوصِ القرآن الكريم ـ التي سبق ذكرها ـ؛ إذ أنَّها مَلَّكت الرجل الحقّ في الطلاق، ولم تملكه لغيره إلا إذا الرجل ملكه لغيره، وقد سبق تفصيل الكلام في ذلك، فلا حاجة للإعادة هنا.
الثاني: أنَّه يتعارض مع الأحاديث النبوية ـ التي سبق ذكرها ـ فإنَّ شرّاح الحديث المعتمدين نصّوا على أنَّ أمره - صلى الله عليه وسلم - لثابت - رضي الله عنه - إنَّما هو لإرشاده للأفضل والأصلح له، لا أنَّه يجب عليه أن يطلقها، كما أنَّ بعضَ الروايات بيَّنت هذا الإجمال والاختصار الوارد في بعضها، وذكرت أنَّ الرّسول - صلى الله عليه وسلم - قضى بذلك وعرضه على ثابت بن قيس - رضي الله عنه - فوافق عليه؛ توقيراً منه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنَّه اختار ما فيه الخير والصلاح له، وفي ذلك بيان واضح لعدم إهمال دور الرجل في الخلع، وخروجه عن إرادته، وأنَّه ليس من حق الحاكم أن يفرض الخلع على الزوجين أو أحدهما، وليس من حق أحد أن ينزع هذا الحق من الرجل ـ كما سبق بيانه ـ.
الثالث: أنَّه يتعارض مع آثار الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنَّ كبار الصحابة كانوا إذ خلعوا امرأة من زوجها جعلوا الأمر إليه، إن وافق كان بها، وإلا فلا، ويؤيِّد ذلك الرواية عند عبد الرزاق (¬1) وفي آخرها: «ثم نكحت بعده رفاعة العابدي فضربها، فجاءت عثمان - رضي الله عنه -، فقالت: أنا أردّ إليه صداقه فدعاه عثمان - رضي الله عنه - فقبل، فقال: عثمان - رضي الله عنه - اذهبي فهي واحدة».
وأيضاً: ما روى البيهقي (¬2): «عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ل، قالت: تزوجت بن عم لي فشقى بي وشقيت به، وعَنِيَ بي وعَنِيت به، وإني استأديت عليه عثمان - رضي الله عنه - فظلمني وظلمته، وكثر عليّ وكثرت عليه، وإنَّها انفلتت منِّي كلمةً أنا أفتدي بمالي كلّه، قال: قد قبلت، فقال عثمان - رضي الله عنه -: خذ منها، قالت: فانطلقت فدفعت إليه متاعي كلّه إلا ثيابي وفراشي، وإنَّه قال لي: لا أرضى، وإنَّه استأداني على عثمان - رضي الله عنه -، فلَمَّا دنونا منه، قال: يا أمير المؤمنين، الشرط أمْلَكُ، قال: أجل فخذ منها متاعها حتى عقاصها، قالت: فانطلقت فدفعت إليه كلَّ شيء حتى أجفت بيني وبينه».
¬
(¬1) في مصنف الرزاق، ج6، ص482 - 483.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير7: 315. وذكره البخاري في صحيحه، ج5، ص2020 بلفظ: وأجازه عثمان دون عقاص رأسها.
فهاتان الروايتان واضحتان في الدلالة على أنَّه لا بدّ من موافقة الرجل على الخلع؛ لأنَّ الأمر مُلكه، مَلكه إياه الشارع، فلا يملك أحد نزعه منه كما في الأحاديث والآثار.
الرابع: أنَّ فيه خرق لإجماع الفقهاء في المذاهب الإسلامية المشهورة الذي نص عليه غير واحد من العلماء، ومعلوم أنَّه لا يجوز مخالفة الإجماع بأي وجه من الوجوه.
* * *
الخاتمة:
وفي ختام هذا البحث نخلص إلى هذه النتائج، التي تؤكد اشتراط رضا الزوج في الخلع، ويمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
أولاً: إنَّ الأصل في الخلع الحظر، لكنَّ هذا الحظر يندفع بالحاجة إلى الخلاص عند تباين الأخلاق، أو عروض البغضاء، أو كبر، أو ريبة، أو دمامة خلق، أو تنافر طباع بين الزوجين، ونحو ذلك.
ثانياً: إنَّ الطلاق من حقِّ الرجل، وليس للمرأة حقّ فيه، لكن بيَّن الله تعالى في إحدى آيات الطلاق أنَّ للمرأة مدخلاً في الطلاق، وهو إذا رغبت في الانفصال عن الرجل؛ لعدم التوافق بينهما، وعدم القدرة على القيام بالواجبات الزوجية، والخوف من الانفتان بسبب هذا الزواج، فلا جناح ولا حرج عليها أن تساومه على مال أو غيره مقابل أن يتنازل عن حقِّه في طلاقها فيطلِّقها إذا رغب، وهذا ما يسمى بالخلع.
ثالثاً: إنَّ الله - عز وجل - جعل الطلاق بيد الرجل؛ لما أعطاه من القدرة العقليّة والعصبيّة التي تمكِّنَه من ضبطِ نفسه في كثير من المواقف الانفعالية، وعدم
الاستجابة لعواطفه ومشاعره، بخلاف المرأة التي جبلت على العاطفة والحنان في تصرفاتها.
رابعاً: إنَّ الخلع لا يختلف عن الطلاق في شيء إلاّ في جزئية واحدة، وهي أنَّ المرأة ترضى بإعطاء الرجل شيئاً ليطلِّقها في حين أنَّ الطلاق لا مدخل فيه للمرأة، بل الرجل يوقعه سواء قبلت أم رفضت.
خامساً: إنَّ آيةَ الخلع واضحةٌ وصريحةٌ في اشتراط رضا الزوج في الخلع بما لايحتمل تأويل وتبديل، ولا يوجد أحد من المفسِّرين المعتبرين جعل الخلع من حقّ المرأة فحسب وألغى دور الرجل.
سادساً: إنَّ شرّاح الحديث المعتمدين نصّوا على أنَّ أمره - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس - رضي الله عنه - بتطليق زوجته إنَّما هو لإرشاده للأفضل والأصلح له، لا أنَّه يجب عليه أن يطلقها.
سابعاً: إنَّ مسألة اشتراط رضا الزوج في الخلع من المسائل المتفق عليها بين المذاهب الإسلامية، فلا يجوز فيها خلاف لأحد، وعبارات الفقهاء تدل على هذا الاتفاق بلا مرية.
ثامناً: إننا لم نجد من جميع الفقهاء عبارات مصرحة برضا الزوج في الخلع مع اتفاقهم على ذلك؛ لأسباب منها: أنَّهم ذكروا الخلع في أَحد أَبواب وفصول الطلاق، فما ينطبق على الطلاق ينطبق عليه؛ فلم يعد حاجة منها إلى التكرار.
المراجع
1. ظفر أحمد التهانوي (ت1394هـ)، أحكام القرآن، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، باكستان، ط1، 1407هـ،
2. عبد الله بن محمود الموصلي (ت683هـ)، الاختيار لتعليل المختار، ت: زهير عثمان، دار الأرقم.
3. أحمد بن محمد القسطلاني (ت923هـ)، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، المطبعة الأميرية ببولاق مصر، ط7، 1323هـ، طباعة أوفست دار الكتاب العربي، بيروت.
4. عبد الرحمن بن عسكر المالكي، إرشاد السالك إلى أشرف المناسك في فقه الإمام مالك، ط3، 1364هـ.
5. محمد بن علي الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (ت1250هـ)، دار الفكر.
6. الدكتور حمد الكبيسي، أصول الأحكام وطرق الاستنباط في التشريع الإسلامي، مكتب بيروت، شارع الرشيد، بغداد.
7. محمد بن أحمد الخطيب الشربيني (ت977هـ)، الإقناع شرح مختصر أبي شجاع، دار الفكر، بيروت، 1415هـ.
8. محمد بن إدريس الشافعي (ت204هـ)، الأم، دار المعرفة، بيروت ط2، 1393هـ.
9. ولي الدين أحمد عبد الرحيم الدِّهْلَوِيّ (ت1176هـ)، الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، ت: عبد الفتاح أَبُو غدة، دار النفائس، ط8، 1993مـ.
10. عبد الكريم المدرس، الأنوار القدسية في الأحوال الشخصية، مطبعة الجاحظ، بغداد، 1410هـ.
11. أبو بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي، بيروت، ط،2، 1402هـ، وأيضاً طبعة دار الكتب العلمية.
12. بدر الدين محمود بن أحمد العَيْنِي (ت855هـ)، البناية في شرح الهداية، دار الفكر، ط1، 1980مـ.
13. محمد بن يوسف العبدري المَوَّاق (897هـ)، التاج والإكليل لمختصر خليل، دار الكتب العلمية، وأيضاً: دار الفكر، بيروت، ط،2، 1398هـ.
14. عوض وإبراهيم الباجوري، تقريرات على الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الأخيرة، 1359هـ.
15. إبراهيم بن علي الشيرازي (ت476هـ)، التنبيه، مطبعة مصطفى الحلبي، الطبعة الأخيرة، 1370هـ.
16. جلال الدين السيوطي (ت911هـ)، تنوير الحوالك شرح موطأ مالك، دار الكتب العلمية، بيروت.
17. أبو بكر بن علي بن محمد الحَدَّادِيّ (ت800هـ)، الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري، المطبعة الخيرية، ط1، 1322هـ.
18. محمد بن علي الشوكاني (ت1250هـ)، الدراري المضية شرح الدرر البهية في المسائل الفقهية، مكتب التراث الإسلامي.
19. محمد أمين بن عمر ابن عابدين (ت1252هـ)، ردّ المحتار على الدر المختار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
20. عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي (ت597هـ)، زاد المسير في علم التفسير، المكتب الإسلامي، بيروت، ط3، 1404هـ.
21. سليمان بن أشعث السجستاني (ت275هـ)، سنن أبي داود، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
22. أحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، سنن البَيْهَقِي الكبير، ت: محمد عبد القادر عطا، 1414هـ، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة.
23. أحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، سنن النَّسَائيّ الكبرى، ت: د. عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، ط1، 1411هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
24. جعفر بن الحسن الحلي، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، مؤسسة مطبوعاتي إسماعليان.
25. محمد الزرقاني، شرح الزرقاني على موطأ مالك، دار المعرفة، بيروت، 1398هـ.
26. محمد بن عبد الله الخرشي (1101هـ)، شرح مختصر خليل للخرشي، دار الفكر.
27. محمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط،2، 1414هـ.
28. الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية، وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة، 1400هـ.
29. أحمد بن علي ابن حَجَر العَسْقَلانِي (ت852هـ)، فتح الباري شرح صحيح البُخَاري، ت: محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، 1379هـ، دار المعرفة، بيروت.
30. سيد سابق، فقه السنة، دار الكتاب العربي، ط8، 1409هـ.
31. عبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن رجب الحنبلي (ت795هـ)، القواعد، دار المعرفة.
32. محمد بن أبي سهل السرخسي (ت500هـ)، المبسوط، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
33. أحمد بن شعيب أبو عبد الله النسائي (ت215هـ)، المجتبى من السنن، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406.
34. علي بن أبي بكر الهيثمي (ت807هـ)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، 1407هـ، دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي، بيروت.
35. علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري (ت456هـ)، المُحَلَّى، دار الفكر.
36. عبد الله بن أحمد النسفي (ت701هـ)، المستصفى شرح النافع، بغداد، من مخطوطات دار صدام برقم (9029).
37. محب الله بن عبد الشكور، مسلم الثبوت مع شرح فواتح الرحموت، دار العلوم الحديثة، بيروت.
38. محمد سعد عبد اللطيف، لا خلع دون عوض ورضا الزوجين، http://www.felixnews.com/news-9351.html].
39. أحمد بن حنبل (ت241هـ)، مسند أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، مصر.
40. محمد بن إدريس الشافعي (ت204هـ)، مسند الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت.
41. أحمد بن أبي بكر الكناني (ت840هـ)، مصباح الزجاجة، ت: محمد الكشناوي، دار العربية، بيروت، ط2، 1403هـ.
42. سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (ت360هـ)، المعجم الكبير، ت: حمدي السلفي، ط2، 1404هـ مكتبة العلوم والحكم، الموصل.
43. محمد الخطيب الشربيني (ت977هـ)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الفكر.
44. سليمان بن خلف الباجي (474هـ)، المنتقى شرح الموطأ، دار الكتاب الإسلامي.
45. يحيى بن شرف النووي (ت676هـ)، منهاج الطالبين وعمدة المفتين، مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الأخيرة، 1359هـ.
46. زكريا الأنصاري، منهج الطلاب، مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الأخيرة، 1359هـ.
47. محمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بالحطاب (ت954هـ)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل، دار الفكر، بيروت، ط2، 1398هـ.
48. مالك بن أنس الأصبحي (ت179هـ)، موطأ مالك، ت: محمد فؤاد عبد الباقي ز دار إحياء التراث العربي، مصر.
49. عبد الوهاب بن أحمد الشعراني، الميزان الكبرى، دار العلم للجميع، ط1.
50. عمر بن إبراهيم ابن نجيم الحنفي (ت1005هـ)، النهر الفائق شرح كنز الدقائق، ت، أحمد عزو عناية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1422هـ.
51. حسين بن مسعود البغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، ت: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1420هـ.
52. أحمد ذياب شويدح، مدى سلطة القاضي في الخلع بدون رضا الزوج في الفقه الإسلامي مقارناً بقانون الأحوال الشخصية الفلسطيني، ص 133 - 134، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج17، ع34، رجب 1426هـ.
* * *