اختيارات الإمام القدوري .............
. لغير قول أبي حنيفة في مختصره المشهور
جارٍ تحميل الكتاب…
اختيارات الإمام القدوري .............
. لغير قول أبي حنيفة في مختصره المشهور
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
اختيارات الإمام القدوري
لغير قول أبي حنيفة في مختصر المشهور
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الكويت.
ملخص البحث:
اعتنى البحث ببيان مرونة المذاهب الفقهية وعدم الجمود على قول أحدٍ إن لم يكن مفيداً في الواقع، من خلال دراسة تطبيقية باستخراج المسائل التي اختار فيها القدوري في «مختصره» المشهور لغير قول أبي حنيفة من أقوال أصحابه، فبينت في المبحث الأول: اختياره لقول أبي يوسف في أربع مسائل، وقول محمد بن الحسن في أربع مسائل، وقول الحسن بن زياد في خمس مسائل، وقول زفر بن الهذيل في مسألة واحدة، وقول الحسن بن صالح في مسألة واحدة، وفي المبحث الثاني: بينت اختيارات القدوري المخالفة لظاهر الرواية، حيث خالف في أربعة مسائل معتمداً على أصول البناء، وخالف في ستة مسائل معتمداً على رسم المفتي، وقدمت قبل ذلك كله بتمهيد في مكانة «مختصر القدوري»، فهو الأساس المتين لمن لحقه من كتب المذهب، وشُرح في مئات الشروح من قبل أكابر علماء المذهب، ويعد من أبرز الكتب تدريساً في المناهج عالمياً، وترجم إلى لغات عديدة.
Al- Koddouri selections of non words of Abu Hanifa
In his famous book "Mukhtasar Al- Koddouri"
Abstract
This research shows Flexibility of Fiqh, through applied study that is extraction of issues which are chosen by Al- Koddouri in "Mukhtasar Al- Koddouri"famous of non words of Abu Hanifa. telling his companions in the first section are: like Abu Yusuf said in four issues, Muhammad ibn al-Hasan said in the four issues, al-Hasan ibn Ziyad said in the five issues, Zofar bin Huthayl said in a one issue, and Hassan bin Saleh said in a one issue. In the second section that shows Al- Koddouri selections that are bucked of out-narration, while he bucked in the four issues based on constructive assets, and sex issues based on
Rasem Al-Mufti. Also, The researcher presented the Introduction in "Mukhtasar Al- Koddouri", It is strong foundation of the next the doctrine books, and are explained the hundreds of explanations by nobles scientists doctrine, anther hand that is one of the most prominent in the world of books instruction curriculum, and has been translated into many languages.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسين، سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد: فإنَّ المتون وضعت لنقل قول إمام المذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وتحقيقه وتنقيحه وتحريره، ويعتبر «مختصر القدوري» أول متون المذهب التي اعتنت بفكرة بيان ظاهر الرواية من قول أبي حنيفة، إلا أننا نجد بعد الدراسة والتمحيص ومقارنة مسائل القدوري بمسائل غيره من الكتب المعتمدة في المذهب أنَّه ترك قول أبي حنيفة في عدد من المسائل وأخذ فيها بقول المجتهدين المطلقين المنتسبين الآخرين في المذهب الحنفي، وهم أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني والحسن بن زياد وزفر.
وكذلك نجد أنَّ للإمام القدوري اختيارات أخرى خالف فيها ظاهر الرِّواية معتمداً على أصول البناء أو قواعد رسم المفتي.
وأهمية البحث تظهر من خلال اعتنائه بأبرز متون الفقه عند الحنفية خصوصاً، وكتب الفقه الإسلامية عموماً؛ إذ يعتبر «مختصر القدوري» جزءاً من المناهج الدِّراسية في عامّة البلاد التي تعتمد في دراستها المذهب الحنفي، فهو جزءٌ من المنهج النظامي المعتمد في عامة مدارس وجامعات الهند وباكستان وبنغلادش، وكان مقرّراً ضمن منهاج الأزهر، ويدرسه الطلاب في المدارس الدينية في العراق، وشائعةٌ دراسته في الشام ولبنان وتركيا ودول أواسط أسيا والصِّين ودول أوربا وأمريكيا عند الجاليات الإسلامية في مدارسهم ومراكزهم الإسلامية، لا سيما مع شرحه اللباب، فلا يخلو منه منهاج معتبرٌ يسلك مسلك الحنفية.
فمئات الألاف من الطلاب يدرسونه في عامّة القارات، وفي فهمِه ومعرفةِ منهجِه في عرض المسائل وكيفيّة التَّرجيح فيه نوع خفاء.
فالبحث يسعى لكشف وبيان المسائل التي ترك القدوري فيها قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وكذلك المسائل التي ترك فيها ظاهر الرِّواية، لا سيما أنَّ المتن وضع لنقل قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وظاهر الرِّواية، علماً أنَّ القدوري اختار أقوال أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنهم - دون أن ينبّه على ذلك، وكذلك اختار غير ظاهر الرِّواية دون التنبيه على ذلك، مما يجعل الباحث والدارس يظنّ أنَّ هذا هو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وظاهر الرِّواية، ولم يتسن كشف ذلك إلا بمراجعة كل مسائل القدوري مع شروحها والكتب
الأخرى المعتمدة في المذهب، حتى نتمكّن من تقديمها أمام يدي الباحثين والدارسين.
ومشكلة البحث تكمن في الإجابة عن سؤالين يدور الكلام في البحث عليهما، وهما:
1.هل للقدوري اختيارات في «مختصره» المشهور لقول أبي يوسف أو محمد بن الحسن أو الحسن بن زياد؟
2.هل للقدوري اختيارات في «مختصره» لغير ظاهر الرِّواية؟
والدراسات السابقة: لم يقف الباحث على دراسة خاصة تعتني باستخراج المسائل التي اختار فيها القدوري في «مختصره» لأقوال أصحاب أبي حنيفة من غير تنبيه منه، والمسائل التي اختار فيها القدوري لغير ظاهر الرواية، رغم هذه الشهرة الكبيرة لكتاب القدوري وكثرة رجوع الباحثين له في نقل قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
فتحقق في البحث فوائد للباحثين والدارسين، منها:
التنبيه على المسائل التي ذكر فيها القدوري في «مختصره» غير قول أبي حنيفة من أصحابه المجتهدين، فلا ينقل الباحث هذه الأقوال على أنَّها أقوال لأبي حنيفة - رضي الله عنه -.
والتنبيه على المسائل التي اختار فيها القدوري في «مختصره» غير ظاهر الرِّواية، فلا يعتمد الباحث والدارس عليها أنَّها ظاهر الرِّواية.
وعدم احتكار المذهب على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - فحسب، بل وجدنا كبار المجتهدين كالقدوري يختار أقوالاً لغير أبي حنيفة - رضي الله عنه - في متننه للعمل والفتوى بها.
والاستفادة من أقوال المجتهدين الآخرين في الفقه لا سيما المجتهدين في المذهب، كما صنع السابقون كالإمام القدوري.
وفي هذه الطريقة يكون إحياءٌ للمذاهب الفقهية وتمسكٌ بها بدون جمودٍ على قول واحد من أئمتها إن كان قوله غير مناسب للواقع؛ لأنَّ عامّة أقوال الفقهاء فيما عدا العبادات هي تنظيمات لحياة الإنسان وحلّ للمشاكل التي تعتري تصرفاته بدون مخالفات شرعية، وأما الجمود فهو مخالف لمنهج الفقهاء السابقين كما يُلاحَظ في منهج القدوري.
والمنهج المتبع في البحث: هو المنهجُ الاستقرائي لمسائل «مختصر القُدُوريّ»، ثم المنهج المقارن بين «مختصر القُدُوريّ» والكتب الأخرى المعتمدة في المذهب لاستخراج المسائل التي اختار فيها القُدُوريّ أقوال المجتهدين الآخرين في المذهب من أصحاب أبي حنيفة رغم أنَّه لم ينبه عليها، وبيان المسائل التي خالف فيها القدوري ظاهر الرِّواية في المذهب، ومناقشة المسائل من ناحية فقهية مذهبية لمعرفة المعتمد فيها.
وتحقيقاً للمقصود فقد قسمت البحث إلى تمهيد ومبحثين:
التمهيد: في بيان مكانة «مختصر القُدُوريّ».
المبحث الأول: في اختيارات القدوري لأقوال أصحاب أبي حنيفة:
ويشتمل على المطالب الآتية:
المطلب الأول: في اختياراته لقول أبي يوسف.
والمطلب الثاني: في اختياراتُه لقول محمّد بن الحسن.
والمطلب الثالث: في اختياراته لقول الحسن بن زياد.
والمطلب الرابع: في اختياره لقول زفر والحسن بن صالح.
والمبحث الثاني: في اختيارات القدوري المخالفة لظاهر الرِّواية:
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: في اختياراته المعتمدة على أصول البناء.
المطلب الثاني: في اختياراته المعتمدة على رسم المفتي.
راجياً من الله تعالى السداد والتوفيق.
* * *
تمهيد: في مكانة مختصر القُدُوريّ:
يعتبر مختصر من أبرز متون الفقه الإسلامي عموماً والفقه الحنفي خصوصاً شهرةً وقَبولاً وتدريساً وتعليماً وإفادة وحفظاً وشرحاً واهتماماً، كما يظهر من خلال النقاط الآتية:
أولاً: أوَّل كتاب من كتب طبقة المجتهدين في المذهب لتحرير المذهب ونقله:
فبعد أن انتهت زمن طبقة المجتهدين المنتسبين التي حوت متونها آراء اجتهادية خاصة بهم، كما في «مختصر الطحاويّ» (ت321هـ)؛ كان مختصر القدوري أول كتاب في طبقة المجتهدين في المذهب؛ إذ التزم القُدُوريّ بأقوال علماء المذهب بتنقيحه وتحقيقه باجتهاده منه.
ثانياً: يُعَدُّ مختصر القُدُوريّ الأساس المتين لمن لحقه من كتب المذهب:
فهو أشبه بأن يكون الأم لمتون الفقه الحنفي، فهي مستمدة ومبنية عليه، ويظهر ذلك من خلال الاستعراض الآتي:
1. «تحفة الفقهاء»: لمحمد بن أحمد السمرقندي، علاء الدين، (ت537هـ)، ضمنه مختصر القُدُوريّ مع زيادات واستدلالات، قال السمرقندي (¬1): «اعلم أنَّ المختصر المنسوب إلى الشيخ أبي الحسين القُدُوريّ، جامعٌ جُمَلاً من الفقه مستعملة، بحيث لا تراها مدى الدهر مهمَلة، يهدي به الرائض في أكثر الحوادث والنوازل، ويرتقي بها المرتاض إلى أعلى المراقي والنوازل، وَلما عَمت رَغْبَة الْفُقَهَاء إِلَى هَذَا الْكتاب، طلب مني بَعضهم، من الإخوان والاصحاب، أَن أذكر فِيهِ بعض مَا ترك المُصَنّف من أَقسَام الْمسَائِل، وأوضح المشكلات مِنْهُ، بِقَوي من الدَّلَائِل ... ».
وهذه «التحفة» هي التي شرحها ملك العلماء الكاساني (ت587هـ) في «بدائع الصنائع» (¬2).
2. «بداية المبتدي»: لعلي بن أبي بكر المرغيناني، جمع بين: «مختصر القُدُوريّ»، و «الجامع الصغير»، وشرحه بـ «كفاية المنتهي» ثم اختصرها في «الهداية» (ت593هـ) (¬3).
¬
(¬1) في تحفة الفقهاء1: 5.
(¬2) ينظر: الفوائد البهية ص91.
(¬3) ينظر: كشف الظنون1: 227.
«الهداية» أشبه بما يكون شرح للقدوري؛ إذ أنَّ «بداية المبتدي» هي «القُدُوريّ» مع مسائل من «الجامع الصغير»، ونالت «الهداية» عناية فائقة جداً، وشروحها لا تحصى منها: «النهاية» للسِّغناقيّ و «العناية» للبابرتيّ و «فتح القدير» لابن الهمام و «البناية» للعيني و «الكفاية» للكرلاني.
3. تكملة القُدُوريّ لحسام الدين علي بن أحمد بن مكي الرَّازي (ت598هـ)، وجمع في «التكملة» ما شذَّ من نظم «مختصر القُدُوريّ» من المسائل المنثورة في المختصرات كـ «الجامع الصغير «و «مختصر الطحاوي» و «الإرشاد» و «موجز الفرغاني» (¬1).
واعتنى العلماء بهذه «التكملة» فشرحه الرازي نفسه (¬2)، وشرحها الصانع السنجي (ت598هـ) (¬3)، وألَّف أبو الفضل الموصلي (ت683هـ) «الفوائد المشتملة على المختصر والتكملة» جمع فيه فوائد مختصر القُدُوريّ والتكملة، وزاد فيه ما أغفلاه من الخلاف بين الإمام
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون2: 1631.
(¬2) ينظر: كشف الظنون2: 1631.
(¬3) ينظر: كشف الظنون2: 1631، ومعجم المؤلفين11: 86.
وصاحبيه (¬1)، وأيضاً ألَّف أحمد العباسي (ت890هـ) «العقود المفصلة في الجمع بين القُدُوريّ والتكملة» (¬2).
4. «وقاية الرواية في مسائل الهداية»: لمحمود بن أحمد بن عبيد الله المَحْبُوبيّ البُخَارِيّ، برهانُ الشَّريعة، (ت نحو 673هـ) (¬3)، وهو من أبرز المتون عند الحنفية، وهو اختصار «الهداية»، و «الهداية» شرح فيها «القُدُوريّ» و «الجامع الصغير» وزاد فيها مسائل في شرحه.
و «الوقاية» عليها شروح لا تحصى، مثل: صدر الشريعة، وابن ملك، ومصنّفك.
و «النقاية»: لعبيد الله المحبوبي، صدر الشريعة (ت747هـ) هي مختصرة من «الوقاية»، وعليها شروح عديدة مثل: «إكمال الدراية» للشُّمُني، و «فتح باب العناية» للقاري وغيره.
و «غرر الأحكام» لملا خسرو (ت880هـ) معتمدة على «الوقاية» مع زيادة مسائل من الفتاوى، وعليها شروح وحواشي كثيرة مثل «درر الحكام» لملا خسرو.
¬
(¬1) ينظر: مقدمة اللباب1: 399.
(¬2) ينظر: مقدمة اللباب1: 399.
(¬3) ينظر: كتائب أعلام الأخيار ق265/أ، ومقدمة عمدة الرعاية 1: 18 - 20، وهدية العارفين2: 406.
و «الإصلاح» لابن كمال باشا (ت940هـ) أراد فيه إصلاح متن «الوقاية»، فهو مبنيّ عليه وشرحه في «إيضاح الإصلاح».
فالحاصل: أنَّ كل هذه المتون راجعة للقدوري، فهو يمثل المادة الرئيسية فيه.
5. «المختار»: لعبد الله بن محمود الموصلي، أبي الفضل، (ت683هـ)، وهو من أشهر متون الحنفية، اشتمل على مختصر القُدُوريّ مع زيادات.
شرحه الموصلي في «الاختيار شرح المختار»، وهو أشبه أن يكون شرحاً للقدوري، و «الاختيار» من الكتب الشائعة جداً في هذا الزمان، ويدرس في كثيرٍ من الجامعات والمدارس (¬1).
6. «مجمع البحرين وملتقى النيرين»: لأحمد بن علي بن تغلب بن أبي الضياء البغدادى، البعلبكى الأصل، المعروف بابن الساعاتى، (ت بعد682هـ)، جمع فيه بين مختصر القدورىّ ومنظومة النسفي مع زوائد، ورتبه فأحسن، وأبدع في اختصاره، وأسسه على قواعد لم يسبق إليها (¬2).
وشرح «المجمع» ابنُ الساعاتي، والعَينيُّ، وابنُ مَلَك، وغيرهم.
¬
(¬1) ينظر: الفوائد البهية ص106.
(¬2) ينظر: عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان1: 194.
7. «زوائد الهداية على القُدُوريّ»: لعلي بن نصر بن عمر الإمام نور الدين بن السويسي، (ت695هـ) (¬1).
8. «الوافي»: لعبد الله بن أحمد بن محمود النَّسَفي، أبي البركات، حافظ الدين، (ت710هـ)، وهو متن جمع فيه بين «مختصر القُدُوريّ» و «الجامعين الكبير» و «الصغير» و «الزيادات» للشيباني، وأضاف إليها «منظومة النَّسفيّ»، وواقعات أخرى (¬2).
شرحه النَّسفيّ في «الكافي شرح الوافي».
9. «كنز الدقائق»: لعبد الله بن أحمد النَّسفي، أبي البركات، حافظ الدين، (ت710هـ)، اختصره من «الوافي» (¬3)، و «الوافي» اشتمل على القُدُوريّ كما سبق، و «الكنز» من أبرز متون المذهب وأقواها، وعليه من الشروح ما لا يعدّ ولا يحصى، مثل: «التبيين» للزيلعي و «البحر الرائق» لابن نجيم و «النهر الفائق» لعمر ابن نجيم، و «رمز الحقائق» للعيني وغيرهم.
¬
(¬1) ينظر: حسن المحاضرة1: 467.
(¬2) ينظر: مقدمة اللباب1: 425.
(¬3) ينظر: مقدمة اللباب1: 426.
10. «ملتقى الأبحر»: لإبراهيم الحلبي، قال ابن الحنبلي: «جمع فيه بين القُدُوريّ والمختار والكنز والوقاية، مع فوائد أخرى». (956هـ) (¬1).
وهو من أشهر المتون المعتمدة عند الحنفية، وعليه شروح كثيرة، منها: «مجمع الأنهر» لشيخي زاده، و «الدر المنتقى» للحصكفي و «مجرى الأنهر» للباقاني وغيرهم.
ثالثاً: شُرح في مئات الشروح من قِبَلِ آكابر علماء المذهب:
فجمعت عليه في عجالة من «الأعلام» للزركلي، و «معجم المؤلفين»، و «كشف الظنون»، و «الفهرس الشامل»، و «خزانة التراث»، و «مقدمة اللباب»، و «نزهة النظر» أكثر من مئة شرح أقتصر على ذكر بعضها خشية الإطالة:
1. «شرح مختصر القُدُوريّ» (الشرح الكبير): لأحمد بن محمد الأقطع، (ت474هـ)، وحقِّق في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض (¬2).
2. «شرح مختصر القُدُوريّ»: لمحمد بن الحسين بن محمد بن الحسن البخاري الحنفي، المعروف بخواهر زاده (أبو بكر)، (ت483هـ) (¬3)، يُحقّق في جامعة العلوم الإسلامية في الأردن.
¬
(¬1) ينظر: الكواكب السائرة2: 78.
(¬2) ينظر: الأعلام1: 213، ومقدمة اللباب1: 366.
(¬3) ينظر: معجم المؤلفين9: 253.
3. «اللباب شرح الكتاب»: للمطهر بن الحسين بن سعد بن علي ابن بندار اليَزدي، أبي سعيد، جمال الدين، ويعرف بشيخ الإسلام، (ت بعد559هـ) (¬1).
4. «زاد الفقهاء شرح القُدُوريّ»: لمحمد بن أحمد الإسبيجابي، بهاء الدين، أبي المعالي، (ت591هـ) (¬2)، يُحقّق في جامعة العلوم الإسلامية في الأردن.
5. «الينابيع في معرفة الأصول والتفاريع من شروح مختصر القُدُوريّ»: لمحمود بن رمضان الرومي الحنفي، رشيد الدين، أبي عبد الله، (ت بعد 616هـ) (¬3)، حقّق في جامعات العراق.
6. «المجتبى شرح القُدُوريّ»: لمختار بن محمود بن محمد، أبي الرجا، نجم الدين، الزاهدي الغزميني، له: «الحاوي في الفتاوى»، و «قنية المنية لتتميم الغنية» (ت658هـ) (¬4).
7. «الجوهرة النيرة شرح القُدُوريّ»: لأبي بكر بن علي بن محمد الحداد الزَّبيدي، (ت800هـ) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون2: 1631، والأعلام7: 253.
(¬2) ينظر: كشف الظنون2: 1631.
(¬3) ينظر: كشف الظنون2: 1631، معجم المؤلفين12: 165.
(¬4) ينظر: الأعلام7: 193.
(¬5) ينظر: الأعلام2: 67.
8. «جامع المضمرات والمشكلات في شرح مختصر القُدُوريّ»: ليوسف بن عمر بن يوسف الصوفي الكادوري (ت832هـ) (¬1)، حقق في رسائل دكتوراه في جامعة العلوم الإسلامية، الأردن.
9. «حَدَق العيون شرح مختصر القُدُوريّ»: لعبد الأول بن حسين بن حسن بن حامد، (ت950هـ) (¬2).
10. «اللباب شرح الكتاب»: لعبد الغني بن طالب الغنيمي الميداني، (ت1298 هـ) (¬3).
رابعاً: نُظمت مسائله شعراً مرّات عديدة، ومنها:
1. «نَظْمٌ لمختصر القُدُوريّ»: لمحمد بن أسعد بن محمد بن نصر الحكيمي العراقي الحنفي، أبي المظفر، (484 - 567 هـ) (¬4).
2. «نَظْمٌ لمختصر القُدُوريّ»: لمحمد بن مصطفى بن زكريا، فخر الدين الصُلغري الدُّوركي، (631 - 713 هـ) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الأعلام8: 244.
(¬2) ينظر: كشف الظنون2: 1631، ومعجم المؤلفين6: 45، ومقدمة اللباب1: 460.
(¬3) ينظر: الأعلام4: 33.
(¬4) ينظر: طبقات المفسرين للداوودي2: 91، وكشف الظنون2: 1631، ومعجم المؤلفين9: 50.
(¬5) ينظر: أعيان العصر5: 265، والدرر الكامنة6: 11، والأعلام7: 99.
3. «نَظْمٌ لمختصر القُدُوريّ»: لأبي بكر بن علي العاملي الحنفي، سراج الدين، (ت769هـ) (¬1).
4. «نَظْمٌ لمختصر القُدُوريّ»: لإسحاق بن محمد البخشي الحلبي الخلوتي، له: «المقامات الحريرية»، (1070 - 1140 هـ) (¬2).
خامساً: اختُصر مختصر القُدُوريّ تيسيراً للطلبة للحفظ والدراسة، ومن مختصراته:
1. «جوامع الكلم الشريفة على مذهب الإمام أبي حنيفة»: وهو اختصار مختصر القُدُوريّ لعبد الرحيم بن محمد بن محمد بن يونس بن ربيعة الموصلي تاج الدين بن رضي الدين بن عماد الدين، (598 - 671هـ)، قال السبكي: «وسأله الحنفية أن يختصر لهم القُدُوريّ فاختصره اختصاراً حسناً، وهو عندي» (¬3).
2. «كشف تلخيص مختصر القُدُوريّ»: لمحمد بن عمر بن محمد النَّوْجَابَاذي، أبي المظفر، ظهير الدين، (616 - 668 هـ) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون2: 1631.
(¬2) ينظر: معجم المؤلفين2: 237.
(¬3) ينظر: الطبقات الكبرى للشافعية8: 192، وكشف الظنون2: 1631.
(¬4) ينظر: الأعلام6: 313.
سادساً: اعتنى جمعٌ من أفاضل المعاصرين بشرحه والتعليق عليه، ومن ذلك:
1. «الشهاب في توضيح الكتاب»: لعبد الله مصطفى المراغي وعبد القادر يوسف، طبع في مطبعة الحلبي (1368هـ) (¬1).
2. «شرح مختصر القُدُوريّ»: لغلام مصطفى السندي القاسمي، (ت قبل 1421)، طبع في دار ابن كثير في بيروت سنة (1427هـ).
3. «التوضيح الضروري على مختصر القُدُوريّ»: لمحمد إعزاز علي، (معاصر)، طبع في كراتشي.
4. «المظهر النوري لحل ما في مختصر القُدُوريّ»: لعبد الرزاق بن عبد العزيز بن فيض أحمد بهترالوي حطاروي، فرغ منه سنة (1416هـ).
سابعاً: حُوّلت مسائله إلى سؤال وجواب، ومن ذلك:
1. «التسهيل الضروري لمسائل القُدُوريّ»: لمحمد عاشق إلهي البرني، (ت1425هـ) (¬2)، حوَّل مسائل القُدُوريّ إلى سؤال وجواب مع زيادات، حيث قال: «فهذا تسهيل لما في كتاب القدروي من المسائل
¬
(¬1) ينظر: الدليل إلى المتون العلمية1: 351.
(¬2) ينظر: الدليل إلى المتون العلمية1: 352.
والأحكام، كتبتها على نهج سؤال وجواب؛ ليكون أسرع إلى فهم الطلاب المبتدئين، وأسهل للحفظ، وأقرب للضبط ... » (¬1).
2. «الإيضاح والبيان الضروري»: للدكتور محمد محروس المدرس، فرغ منه (1427هـ)، وزاد فيه توضيحات على «التسهيل الضروري».
ثامناً: كثرة الثناء على مكانته ورفعته، ومنها:
قال الرَّازي: «وهو كتاب طنَّت به الآفاق، وتناقلته الرفاق، واحتاج إليه الحاضر والبادي، كما يحتاج إلى الزلال الصائف الصادي ـ أي العطشان في الصيف ـ، وأكب على دراسته المحتدي ـ المتقدم في العلم ـ والمبتدي، وألبَّ على قراءته المقتَدَى والمقتدِي، لما فيه من حسن الإيجاز، ولُطْف الإعجاز، وجَودة المعاني، ومتانة المباني، وكثرة المسائل المحتاج إليها، والألفاظ الصحيحة المتفق عليها، وكونه مباركاً على طالبيه، ميموناً على قارئيه وضابطيه، والناس أعقل من أن يمدحوا ما لم يَرَوْا عنده آثار إحسان ... » (¬2).
وقال المرغيناني: «أجلّ كتاب في أحسن إيجاز وإعجاب» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: مقدمة الللباب1: 487.
(¬2) ينظر: مقدمة اللباب1: 309.
(¬3) ينظر: مقدمة اللباب1: 309.
وقال السمرقندي (¬1): «اعلم أنَّ المختصر المنسوب إلى الشيخ أبي الحسين القُدُوريّ، جامعٌ جُمَلاً من الفقه مستعملة، بحيث لا تراها مدى الدهر مهمَلة، يهدي به الرائض في أكثر الحوادث والنوازل، ويرتقي بها المرتاض إلى أعلى المراقي والنوازل، وَلما عَمت رَغْبَة الْفُقَهَاء إِلَى هَذَا الْكتاب، طلب مني بَعضهم من الإخوان والاصحاب، أن أذكر فِيهِ بعض مَا ترك المُصَنّف من أَقسَام الْمسَائِل، وأوضح المشكلات مِنْهُ، بِقَوي من الدَّلَائِل ... ».
تاسعاً: تُرجم إلى لغات عديدة، ومنها:
1. «ترجمة لمختصر القُدُوريّ للفارسية»: لحسن بن أبي القاسم (ت985هـ) (¬2).
2. «ترجمة لمختصر القُدُوريّ للتركية»: لإسماعيل مفيد أفندي (ت قبل 1248هـ) (¬3).
3. «ترجمة لمختصر القُدُوريّ للتركية العثمانية»: لأمين فهيم محمد باشا، الشهير بمفتي زاده، (ت1277هـ) (¬4).
¬
(¬1) في تحفة الفقهاء1: 5.
(¬2) ينظر: مقدمة اللباب1: 490.
(¬3) ينظر: مقدمة اللباب1: 491.
(¬4) ينظر: مقدمة اللباب1: 491.
4. «ترجمة وشرح القُدُوريّ لمختصر القُدُوريّ للتركية»: لشريف مغربي زاده، أبي محمد، من علماء القرن الثالث عشر.
5. «ترجمة وشرح كتاب الجهاد من مختصر القُدُوريّ للألمانية»: لروز غولر، طبع في لايبسك سنة 1825م (¬1).
6. «ترجمة لكتاب النكاح من مختصر القُدُوريّ للألمانية»: لهلمسد رفر، طبع في فرانكفورت سنة (1832هـ) (¬2).
7. «ترجمة لكتاب الجهاد من مختصر القُدُوريّ للفرنسية»: للسولقيه، طبع في باريس سنة 1829هـ (¬3).
8. «ترجمة مختصر القُدُوريّ للانجليزية»: لطاهر محمود كياني، طبع في لندن 2010.
9. «ترجمة مختصر القُدُوريّ للانجليزية» لإسماعيل إبراهيم، طبع في بريطانيا (¬4).
* * *
¬
(¬1) ينظر: مقدمة اللباب1: 492.
(¬2) ينظر: مقدمة اللباب1: 493.
(¬3) ينظر: مقدمة اللباب1: 493.
(¬4) ينظر: http://www.amazon.com/ABRIDGED-MANUAL-MUSLIM.
المبحث الأول
في اختيارات القدوري
لأقوال أصحاب أبي حنيفة
المطلب الأول: اختياراته لقول أبي يوسف:
المسألة الأولى: اختياره سنية تخليل اللحية:
عدها القدوري مع السنن (¬1)، وهو قول أبي يوسف.
والتخليل جائز عند أبي حنيفة ومحمد (¬2)، ومعنى جائز عندهما: أنَّه ليس ببدعة ولا بسنة (¬3)؛ لأنَّ السنة إكمال الفرض في محله، والداخل ليس بمحل الفرض (¬4).
¬
(¬1) في مختصر القدوري 1: 10.
(¬2) ينظر: الهداية1: 13، واللباب1: 10، ومنح الغفار ق7/ب.
(¬3) ينظر: تبيين الحقائق 1: 4.
(¬4) ينظر: الهداية1: 16 والاختيار1: 16 وغيرهما
وسبب اختيار القُدُوريّ قول أبي يوسف: أنَّه المعتمد في المذهب، واختار قول أبي يوسف أصحابُ المتون (¬1) وصححه ابن نجيم (¬2) وابن عابدين (¬3) , والأوشي (¬4)، وقال الحلبي (¬5): «والأدلة تُرَجِّح قول أبي يوسف، وقد رجّحه في المبسوط وهو الصحيح»، فعن عثمان - رضي الله عنه -: «أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخلل لحيته» (¬6).
المسألة الثانية:
اختياره المقارنة بين يديه وبين التكبيرة والرفع عند تكبيرة التحريمة:
وهذا قول أبي يوسف - رضي الله عنه -، قال القُدُوريّ (¬7): «ورَفَع يديه مع التكبير حتى يُحاذي بإبهامَيْه شحمتي أُذُنَيه».
¬
(¬1) ينظر: الوقاية 1: 19، والمختار 1: 16، وملتقى الأبحر ص19، والنقاية 1: 38، ونور الإيضاح 1: 109، وتحفة الملوك ص26، والكنز 1: 7، والهدية العلائية ص25، ومنية المصلي ص14، وغرر الأحكام 1: 11.
(¬2) في البحر الرائق 1: 45.
(¬3) في رد المحتار 1: 79.
(¬4) في الفتاوى السراجية 1: 4.
(¬5) في غنية المستملي ص23.
(¬6) في سنن الترمذي ر31، وسنن ابن ماجه ر430.
(¬7) في مختصر القُدُوريّ 1: 66.
وقول أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -: أنَّه يرفع اليدين أوّلاً ثمّ يُكبر، وعليه عامة المشايخ، وهو اختيار المحبوبي (¬1)، وصححه المرغيناني (¬2)، وملا خسرو (¬3)، واختاره اللكنوي (¬4)، فعن أبي حميدٍ الساعديّ - رضي الله عنه -: «يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم كبر» (¬5).
وما اختاره القُدُوريّ اختاره قاضي خان (¬6)، والكاشغري (¬7)، والغزنوي (¬8)، ويشهد له حديث وائل - رضي الله عنه -: «أنَّه رأى رسول الله يرفعُ يديهِ مع التكبير» (¬9).
¬
(¬1) في الوقاية ص147.
(¬2) في الهداية1: 46.
(¬3) في غرر الأحكام 1: 65.
(¬4) في عمدة الرعاية 1: 14.
(¬5) في سنن أبي داود1: 194، وغيرها.
(¬6) في الفتاوي الخانية 1: 85.
(¬7) في المنية ص86.
(¬8) في مقدمة الصلاة ق45/ب.
(¬9) في مسند أحمد31: 150، وصححه الأرنؤوط، والمعجم الكبير22: 33، وسنن البيهقي الكبير2: 26
المسألة الثّالثة:
اختياره جواز إحياء الموات بأن لم يسمع الصّوت فيها إن نادى من أقصى العامر:
وهو قول أبي يوسف، قال القدوري (¬1): «وهو بعيد من القرية بحيث إذا وقف إنسانٌ في أقصى العامر فصاح لم يُسْمَعِ الصوت فيها فهو موات».
فحدّ البعد: أن يكون في مكان بحيث لو وقف إنسان في أقصى العامر فصاح بأعلى صوته لم يسمع منه فإنَّه موات، وإن كان يسمع فليس بموات؛ لأنَّه فناء العامر فينتفعون به؛ لأنَّهم يحتاجون إليه لرعي مواشيهم وطرح حصائدهم، فلم يكن انتفاعهم منقطعاً عنه ظاهراً، فلا يكون مواتاً، وعند محمّد: يعتبرُ حقيقة الانتفاع، حتى لا يجوز إحياء ما ينتفع به أهل القرية وإن كان بعيداً، ويجوز إحياء ما لا ينتفعون به وإن كان قريباً من العامر، قال الزيلعي (¬2): «وشمس الأئمة السَّرَخسيُّ اعتمد قول أبي يوسف».
¬
(¬1) في مختصر القُدُوريّ 2: 219.
(¬2) في التبيين6: 35.
المسألة الرابعة:
اختياره وجوب نفقة الزوجة بعد تسليمها نفسها للزوج:
قال القُدُوريّ (¬1): «النفقةُ واجبةٌ للزوجة ... إذا سلَّمت نفسَها في منزله، فعليه نفقتُها وكسوتُها وسكناها».
والمعتمد في المذهب: أنَّ النفقة تجب على الزوج للزوجة بمجرد العقد إن لم تمتنع عن الانتقال بحقّ كتعجيل المهر والبيت الشرعي، قال ابنُ قُطْلُوبُغا (¬2): «هذه رواية عن أبي يوسف، وظاهر الرِّواية ما في «المبسوط» و «المحيط» من أنَّها تجب لها قبل الدخول والتحوّل إذا لم تمتنع عن المقام معه».
وسبب اختيار القُدُوريّ وجوب النفقة بعد التسليم: أنَّ التّسليم تتميّز به الناشز عن غيرها، فالناشر لا تبقى مسلِمة نفسها، وبالتالي تسقط النفقة لها، التي تكون في مقابل حبس المرأة منافعها للرَّجل.
وما بُنيت عليه المسألة في ظاهر الرِّواية من استحقاق النفقة بالعقد أقوى؛ لأنَّ التسليم ممكن أن يكون المانع منه الرَّجل لأسباب عديدة مع استعداد المرأة للانتقال لبيت الزوجية، وبالتالي تكون مستحقة للنفقة، فإن ثبت عدم تسليمها لنفسها بغير حقّ تسقط نفقتها حينئذٍ.
¬
(¬1) في مختصر القُدُوريّ 3: 91 - 92.
(¬2) في التصحيح ص363.
المطلب الثاني: اختياراتُه لقول محمّد بن الحسن:
المسألة الأولى:
اختياره في مقدار الكسوة للكفَّارة: أدنى ثوب تجزئ فيه الصَّلاة:
قال القُدُوريّ (¬1): «كفّارة اليمين: ... وأَدناه ما يُجزئ فيه الصّلاة».
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: أدنى الكسوة في الكفَّارة ثوب يستر عامّة الجسد، وقدّروه في عرفهم: قميصٌ وإزارٌ ورداءٌ، وصرَّح بتصحيحه الزَّيلعيّ (¬2) وشيخي زاده (¬3)؛ لأنَّ لابس ما يستر به أقلّ البدن يُسمّى عارياً عرفاً فلا يكون مكتسياً، ولا بدّ للمرأة من خمار مع الثّوب، لكن لا يشترط أن يكون الخمارُ ممَّا تصحّ به الصّلاة (¬4).
وما اختاره القُدُوريّ اعتبر فيه العرف الشَّرعيّ، وهو مقدار ما يستر العورة شرعاً، وهو مرويٌّ عن محمّد - رضي الله عنه - حتى يجوز السَّراويل عنده؛ لأنَّه لابس شرعاً؛ إذ الواجب عليه ستر العورة وقد أقامه، ومعلومٌ أنَّ المعتبر في مثل هذا عرف الناس في اعتباره كاسياً لا عارياً، فكان أولى.
¬
(¬1) في مختصر القدوري 4: 8.
(¬2) في التبيين3: 112.
(¬3) في مجمع الأنهر2: 542.
(¬4) ينظر: رد المحتار3: 726.
المسألة الثانية:
اختياره ضمان شهود الأصل إن غلطوا في الشهادة:
قال القُدُوريّ (¬1): «وإذا قالوا: أشهدناهم على شهادتنا ولكن غلطنا ضمنوا».
واختار القُدُوريّ قول محمّد - رضي الله عنه - بتضمين شهود الأصول؛ لأنَّهم أقرُّوا بانتساب الحكم إليهم، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنه -: لا ضمان على شهود الأصول؛ لأنَّ القضاء وقع بشهادة الفرع (¬2)، فيكون الأصل الذي بنى عليه محمّد أقوى في تحقيق العدالة، وأنسب لحالهم في إقرارهم بالتعدي.
المسألة الثالثة:
اختياره اعتبار القيمة في قسمة العقار سواء كان الطابق الأول لوحده أو الطابق الثاني لوحده، أو الطابق الأول والطابق الثاني معاً:
وهو قول محمد - رضي الله عنه -، قال القُدُوريّ (¬3): «وإن كان سفلٌ لا علوّ له أو
¬
(¬1) في مختصر القدوري 4: 72.
(¬2) ينظر: الجوهرة2: 239.
(¬3) في مختصر القدوري 4: 102.
علوّ لا سفل له أو سفل له علو قُوِّم كلّ واحد على حدة وقسم بالقيمة، ولا يعتبر بغير ذلك».
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنه -: يقسم بالذرع؛ لأنَّه الأصل في القسمة في المذروع؛ لكون الشركة فيه لا في القيمة (¬1).
وسبب اختيار القُدُوريّ لقول مُحمّد - رضي الله عنه -: أنَّ الرغبات تختلف باختلاف البلدان في العلو والسفل، فمن البلاد ما يفضل فيها السَّفل: كبغداد والكوفة، ومنها ما يفضل فيها العلو: كمكّة ومواطنها، ولأنَّ السَّفل يصلح لما لا يصلح له العلو من حفر البئر واتخاذ السرداب والإصطبل وغيرها، فلا يتحقّق التعديل إلا بالقيمة.
والمشايخ اختاروا قول محمد - رضي الله عنه -، بل قال في «التحفة» و «البدائع»: والعمل في هذه المسألة على قول محمد - رضي الله عنه -، وقال في «الينابيع» و «الهداية» و «شرح الزاهدي» و «المحيط»: وعليه الفتوى اليوم (¬2).
المسألة الرابعة:
اختياره أنَّ جحودَ الوصيّةِ لا يكون رجوعاً:
قال القُدُوريّ (¬3): «وَمَن جَحَدَ الوصيةَ لم يكن رُجوعاً».
¬
(¬1) ينظر: العناية9: 445.
(¬2) ينظر: اللباب2: 286.
(¬3) في مختصر القدوري 4: 179.
وسبب اختيار القُدُوريّ قول مُحمّد - رضي الله عنه -: أنَّ الرُّجوعَ عن الشَّيء يقتضي سبق وجود ذلك الشَّيء، وجحود الشيء يقتضي سبق عدمه، فلو كان الجحودُ رجوعاً لاقتضى وجود الوصية وعدمها فيما سَبَق وهو محال، وعند أبي يوسف: أنَّ الرجوعَ نفي الوصية في الحال والجحود نفيها في الماضي، والحال فهذا أولى أن يكون رجوعاً (¬1).
المطلب الثالث: اختياراته لقول الحسن بن زياد:
المسألة الأولى: اختياره وجوب التضحية للغني عن نفسه وجميع أولاده الصغار:
وهو قول الحسن، قال القُدُوريّ (¬2): «الأضحية واجبة ... عن نفسِه وولدِه الصِّغار».
وظاهر الرِّواية: أنَّ الغني يُضحي عن نفسه فحسب، قال السَّرَخْسيُّ (¬3): «وأمّا الأبُ ليس عليه أن يُضحي عن ولده الصغار في ظاهر الرِّواية؛ لأنَّ ما لا يلزمه عن مملوكه لا يلزمه عن ولده كسائر القُرب، بخلاف صدقة الفطر؛ وهذا لأنّ كلَّ واحدٍ منهما كسبه, ولو
¬
(¬1) ينظر: مجمع الأنهر2: 695.
(¬2) في مختصر القدوري 3: 232.
(¬3) في المبسوط12: 12.
كانت التضحيةُ عن أولاده واجبة لأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقل ذلك كما أمر بصدقة الفطر»، قال البابرتيّ (¬1): «وعلى ظاهر الرِّواية الفتوى»، وقال الإسبيجابيّ: «هو الأظهر» (¬2).
وسببُ اختيار القُدُوريّ روايةَ الحسن: أنّ ذلك عليه كصدقة الفطر; لأنّه جزءٌ منه فكما يلزمه أن يُضحي عن نفسه عند يساره، فكذلك عن جزئه (¬3).
فعُلِمَ أنَّه بناها على أصل آخر، وهو أصلُ صدقة الفطر، وهو رأسٌ يمونه ويلي عليه ولايةً كاملةً: أي مَن تجب نفقته عليه وينفذ قولُه عليه مطلقاً، وهذا منتقضٌ هاهنا؛ لأنَّه لم يوجب الأضحية على عبيدِه في حين وجب عليه صدقة الفطر عنهم، فتبيّن أنَّ هذا الأصل غير صادق هنا، وهذا معنى كلام السَّرخسي السّابق، والأَولى اعتبار أصل ظاهر الرِّواية، وهو أنَّها عبادةٌ واجبةٌ على مَن كان غنيّاً فحسب.
¬
(¬1) في العناية9: 510.
(¬2) ينظر: اللباب 2: 205.
(¬3) ينظر: المبسوط12: 12.
المسألة الثانية:
اختياره عدم جواز استثناء مقدارٍ معلومٍ في بيع الثمار:
وهو قول الحسن، قال القُدُوريّ (¬1): «ولا يجوز أن يبيعَ ثمرة، ويستثني منها أرطالاً معلومة».
وظاهر الرِّواية: جواز استثناء أرطالٍ معلومة؛ لأنَّ ما جاز إيراد العقد عليه ابتداءً جاز استثناؤه، واختاره النسفي (¬2)، والحلبي (¬3)، والتمرتاشي (¬4)، وغيرهم.
وسبب اختيار القُدُوريّ: ما يؤدّي إليه الاستثناء من جهالة الباقي، وهو قول الطَّحاويّ (¬5)، واختاره المحبوبيّ (¬6) وصدرُ الشَّريعة (¬7).
ومعلوم أنَّ قضية الجهالة عرفيّةٌ، وهي متفاوتةٌ من مكانٍ إلى مكانٍ وزمانٍ إلى زمانٍ، وقاعدتُها: كلُّ جهالةٍ تفضي للنزاع تفسد العقد، فلعلّها كانت تؤدِّي للجهالة في زمن القُدُوريّ، والله أعلم.
¬
(¬1) في مختصر القدوري 2: 10.
(¬2) في الكنز ص97.
(¬3) في الملتقى ص109.
(¬4) في التنوير ص126.
(¬5) ينظر: الهداية3: 26.
(¬6) في الوقاية 4: 9.
(¬7) في شرح الوقاية4: 9.
المسألة الثالثة:
اختياره ضمان المضارب إن دفع لغيره مضاربة بغير إذن رب المال إلا إن ربح المضارب الثاني:
وهو قول الحسن، قال القُدُوريّ (¬1): «وإذا دَفَعَ المضاربُ المالَ إلى غيرِه مضاربةً، ولم يأَذن له رَبُّ المال في ذلك لم يضمن بالدَّفع، ولا بتصرُّف المضاربِ الثاني حتى يَرْبَح».
وظاهر الرِّواية، وقول أبي يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -: أنَّه يضمن إذا عمل به رَبح أو لم يربح؛ لوجود التصرّف منه بدون إذن رب المال (¬2).
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّه ما لم يربح كان بمنزلة الوكيل، وللمضارب التوكيل.
ومبنى الاختلاف على الأصل لبناء المسألة عليه، فكان اختياره لهذا الأصل، وإن كان الأصل الذي بني عليه ظاهر الرِّواية أقوى للبناء.
¬
(¬1) في مختصر القدوري 2: 134.
(¬2) ينظر: التصحيح ص271.
المسألة الرابعة:
اختيارُه وجوب نفقة البنت البالغة والابن البالغ المريض مرضاً مزمناً على الأب والأم، الأب يدفع الثلثين، والأُم تدفع الثُّلث:
قال القُدُوريّ (¬1): «وتجب نفقةُ الابنةِ البالغةِ والابنِ البالغِ الزَّمنِ على أَبويه أَثلاثاً على الأب الثلثان وعلى الأم الثلث».
وظاهر الرِّواية: أنَّ كلَّ النفقة على الأب، قال المحبوبي: وبه يفتي، ومشى عليه صدرُ الشَّريعة والنَّسَفيّ (¬2)؛ لأنَّ النفقة واجبة على الأب للصغير، فإن كبر وكان عاجزاً عن الكسب ألحق حاله بالصغير، فلزمت على الأب.
وسبب اختيار القُدُوريّ: هو بناؤها على الميراث، فإنَّ الميراث لهما للأب الثلثان وللأم الثلث، فتكون النفقة عليهما كذلك، واختلفت عن الصغير؛ لأنَّ نفقة الصَّغير اختصّت بالأب لاختصاصه بتربيته والولاية عليه، وبالبلوغ خرج عن ولايته، فكانت نفقتُه على قدر الميراث كغيره من الأقارب، وهذه رواية الخصاف والحسن.
¬
(¬1) في مختصر القدوري 3: 106.
(¬2) ينظر: اللباب2: 100.
فرجع اختياره لاختلاف الأصل الذي بنوا عليه، والأقوى الأصل الذي بني عليه ظاهر الرواية.
المسألة الخامسة:
اختياره قيمة نصاب السَّرقة عشرة دراهم مضروبة أو غيرَ مضروبة:
وهو قول الحسن، قال القُدُوريّ (¬1): «وإذا سَرَقَ البالغُ العاقلُ عشرةَ دراهم أو ما يكون قيمتُه عشرة دراهم مضروبةٍ أو غيرِ مضروبةٍ».
وظاهر الرِّواية، وقول أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنه -: أنَّ نصاب السرقة عشرة دارهم مضروبة؛ لأنَّ حديثَ النّصابِ وَرَدَ بلفظِ الدّرهم، واسمُ الدّرهم يطلقُ على المضروب عرفاً، ويؤيّدُه أنَّ شروطَ العقوباتِ تراعى على صفة الكمال رعايةً لكمالِ الجناية، فلو سرقَ عشرة تبراً قيمتها أنقصُ من عشرةٍ مضروبة لا يجب القطع؛ ولهذا شرطوا في الدّراهم الجودة (¬2).
ولعلَّ سبب اختيار القُدُوريّ رواية الحسن عشرة دراهم مضروبة أو غير مضروبة: هو العرف، بحيث كان شائعاً إطلاق الدرهم على المضروب وغير المضروب.
¬
(¬1) في مختصر القدوري 3: 200 - 201.
(¬2) ينظر: الهداية5: 355 - 356، والجوهرة النيرة 2: 164.
وحقيقةً أنَّ الحدود ليست مبنية على العرف كالأيمان، وإنَّما مبنية على الدرء، فكان ظاهر الرِّواية أولى في اعتبار المضروبة، والله أعلم.
المطلب الرابع: اختياره لقول زفر والحسن بن صالح (¬1):
المسألةُ الأولى:
اختياره أنَّ ركن الهبة الإيجاب والقَبول:
وهو قول زفر - رضي الله عنه -، قال القُدُوريّ (¬2): «تصحُّ الهبةُ بالإيجابِ والقَبول».
واختلفوا فيه: هل يدخل القَبول في الركن أم لا؟ قال الزَّيْلعيُّ (¬3): «وركنُها هو الإيجاب والقبول»، وقال الكاساني (¬4): «ركن الهبة هو الإيجاب من الواهب، فأما القَبول من الموهوب له فليس بركن
¬
(¬1) وهو الحسن بن صالح بن حي الهمداني الثوري الكوفي الزيدي، أبو عبد الله، قال الطبري: كان اختفاؤه مع عيسى بن زيد في موضع سبع سنوات، والمهدي جاد في طلبهما، قال وكيع: كان يشبه سعيد بن جبير، كان هو وأخوه علي وأمهما قد جزءا الليل ثلاثة أجزاء، فماتت أمهما فقسما الليل بينهما، فمات علي، فقام الحسن الليل كله، (100 - 168هـ)، ينظر: مرآة الجنان1: 275، والأعلام2: 193.
(¬2) في مختصر القدوري 2: 171.
(¬3) في التبيين5: 91.
(¬4) في البدائع6: 116.
استحساناً، والقياس: أن يكون ركناً وهو قول زفر»، قال الأتقانيّ: وأما ركنها فقد اختلف المشايخ فيه: قال خواهر زاده في «مبسوطه»: هو مجرد إيجاب الواهب؛ ولهذا قال علماؤنا: إذا حلف لا يهب فوهب ولم يقبل يحنث في يمينه عندنا, وقال صاحب «التحفة»: وركنها الإيجاب والقَبول؛ لأنَّ الهبة عقد والعقد هو الإيجاب والقَبول (¬1).
المسألة الثانية:
اختياره لزوم نفقة الصغار على الأب ولو أنفق غيره يرجع على الأب:
وهو قول الحسن بن صالح، قال القُدُوريّ (¬2): «ونفقةُ الأولاد الصغار على الأب لا يشاركه فيها أحد كما لا يشاركه في نفقة الزوجة أحد».
فالأب الفقير إن كان معسراً يرجع عليه عند اليسار، وإن كان زمناً يلحق بالميت، فلا يرجع عليه؛ لأنَّ نفقة الأب الزمن حينئذٍ على الجدّ فكذا نفقة الصغار، وحمل المقدسيّ ما في المتون على حالة اليسار، لكن قال الرَّملي: لا حاجة إلى ذلك؛ لأنَّ ما في المتون مبني على الرواية الثانية،
¬
(¬1) ينظر: حاشية الشلبي5: 91.
(¬2) في مختصر القدوري 3: 99.
قال ابن عابدين (¬1): «وعلى هذا فلا فرق بين كون المنفق أمّاً أو جدّاً أو غيرهما في ثبوت الرجوع على الأب ما لم يكن الأب زمناً، فإنَّه حينئذٍ يكون في حكم الميت اتفاقاً، وفي «جوامع الفقه» ما يؤيد ما في المتون، ومثله ما في «الخانية» من أنَّ نفقة الصغار والإناث المعسرات على الأب لا يشاركه في ذلك أحد ولا تسقط بفقره، اهـ، ومثله في «البدائع»».
وهذا أقوى من الرواية الأخرى بعدم الرجوع على الأب إن كان معسراً: قال ابنُ نُجيم (¬2): «إنَّ الوجوبَ على الأب المعسر إنَّما هو إذا أنفقت الأم الموسرة، وإلا فالأب كالميت والوجوب على غيره لو كان ميتاً ولا رجوع عليه في الصحيح، وعلى هذا فلا بد من إصلاح المتون والشروح كما لا يخفى».
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّ الله - جل جلاله - ألزم الأب نفقةَ الرضاع مع وجود الأم، قال - جل جلاله -: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6]، وإن كانت الأم لا تشاركه فيها مع استوائهما في الدرجة، فغير الأم من الأقارب أولى أن لا يشاركونه.
* * *
¬
(¬1) في رد المحتار3: 615.
(¬2) في البحر الرائق4: 227.
المبحث الثاني
اختياراته المخالفة لظاهر الرِّواية
المطلب الأول: اختياراته المعتمدة على أصول البناء:
تمهيد: أصول البناء:
إنَّ اختلاف الفهم للدَّليل يؤدّي إلى الخلاف في البناء عليه، ومردّ ذلك لاختلاف العقول البشرية وتفاوتها.
وأصول البناء: هو ما يُعرف بالقواعد والضوابط الفقهيّة للمسائل.
وهو علمٌ كبيرٌ واسع، اعتنى به العلماء كثيراً في إظهار البناء الفقهيّ للمسائل، ومن أبرزها كتاب: «شرح الزيادات» لقاضي خان، حيث ذكر فيه ما يزيد عن ألف قاعدة، ويُبيِّن في كلِّ بابٍ أنَّه مبنيّ على أصل أو أصلين، وهكذا.
وأصول البناء على نوعين: للمسائل وللأبواب.
أولاً: مبنى المسألة: هو الأصل والضابط الذي بنيت عليه هذه المسألة وأمثالها من المسائل التي تشبهها، فالمسألة دائماً هي تطبيق لأصل، وهذا الأصل عادة يشتمل مجموعة من المسائل المتشابهة.
فإنَّ المسائل الفقهيّةَ مبنيّةٌ على ضوابط وقواعد، تُدرس من أجل تحصيلها، وعامّة المذكور في كتب الفقه فيما عدا أبواب العبادات، فإنَّها عبارةٌ عن أمثلةٍ وليست مقصودةً بذاتها، وإنَّما هي تطبيقٌ في زمن ومكانٍ مُعيّن، بالتالي مَن لا يدرس المسائل الفقهية ملاحظاً لمبانيها وقواعدها وأسسها، فإنَّه لا يقدر على فهم حقيقةِ الفقه والعيش في كنفه، وإنَّما يبقى متعلِّقاً بقشورٍ بدون قدرةٍ على ضبطٍ وتمكُّن فيه، ولا يصل إلى الملكة الفقهية التي بها نطبق الفقه، ولا يقدر على إدراك مقاصد التشريع.
وارتباط المسائل بأصولٍ ومبانٍ دقيقة يُعرِّفنا بانتفاء العشوائية في الأحكام وانتظامها وترتيبها، بما يورث الثِّقة من الدَّارس والعامل بها في تحقيقها لمقصد الشريعة، ويجعل الأحكام متسقة مع بعضها مع بعض.
مثال ذلك: سلامة المبيع للمشتري توجب سلامة الثمن للبائع، ويترتب عليه استحقاق المبيع على المشتري يوجب الرجوع بالثمن على البائع تحقيقاً لمقتضى المعاوضة والمساواة (¬1).
¬
(¬1) ينظر: شرح الزيادات لقاضي خان 2: 678.
ثانياً: مبنى الباب: وهو أنَّ كلَّ باب من الأبواب الفقهية له فكرةٌ رئيسيّةٌ يسعى لتحقيقها، وتدور مسائله على تطبيقها، وهذا ما يُعرَف بالقياس في الباب، الذي يُقابله الاستحسان، فالفقه قياسٌ واستحسانٌ، والقياس هو القاعدة في الباب التي تنطبق عليه عامة مسائله، والاستحسان هو الاستثناء من هذه القاعدة، فالفروع التي خرجت عن القياس بنصّ أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو غيره، نسميها استحسان، ومن أمثلته: القياس في الوضوء: غسل الأعضاء الثلاثة: الوجه واليدين والرجلين، ومسح الرأس، والاستحسان: هو المسح على الخف الثابت بالحديث المشهور.
وإليك بيان هذه المسائل بالتفصيل:
المسألة الأولى:
اختياره استحباب النية (¬1) في الوضوء:
قال القُدُوريّ (¬2): «ويستحبُّ للمتوضئ أن ينويَ الطهارة».
¬
(¬1) المستحب: هو ما كان فعله خير من تركه، ويثاب فاعله ولا يلام تاركه؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله في وقت، وتركه في وقت، وذكر فضيلته لأمته، ويسمى نفلاً ومندوباً وتطوعاً، فهو مستحب؛ من حيث أنَّ الشارع يحبه ويؤثره، ونفل؛ من حيث أنَّه زائد على الفرض والواجب، ويزيد به الثواب، ومندوب؛ من حيث أنَّه بين ثوابه وفضيلته، من ندب الميت- تعديد محاسنه -، وتطوع؛ من حيث أنَّ فاعله يفعله تبرعاً، من غير أن يؤمر به حتماً. ينظر: كشف الأسرار 2: 302 - 303، والبحر الرائق 1: 29.
(¬2) في مختصر القدوري 1: 10.
وظاهر الرِّواية سنية (¬1) النية في الوضوء (¬2)، قال المَرغيناني (¬3): «فالنية في الوضوء سنة عندنا»، وقال البابرتي (¬4): «الأوّل مذهب القُدُوريّ»، وقال ابن الهمام (¬5): «لا سند للقُدُوريّ في الرواية ولا في الدراية في جعل النية والاستيعاب والترتيب مُستحبّاً غير سُنّة»، ثم قال «وقيل: أراد فعل
¬
(¬1) والمراد بها هنا السنة المؤكدة التي يثاب فاعلها، ويلام تاركها، ويستحق إثماً إن اعتاد تركها، فإنَّ السنة: هي ما واظب عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين، ولم يتركوها إلا مرة أو مرتين؛ لمعنى من المعاني، فكان فعلها أولى من تركها، بلا منع الترك، وهي نوعان: الأول: سنة هدى: وهي (السنة المؤكدة)، التي كان فعلها طريقة مسلوكة في الدين: كالجماعة، والأذان، والإقامة، ونحوها. وحكمها: أنَّ تركها على وجه الإصرار بلا عذر يوجب إساءة وكراهية، وإثم دون إثم تارك الواجب، فيلام تاركها، ويقاتل المجمعون على تركها بالسلاح؛ لأنَّها من أعلام الدين، والإصرار على تركها استخفاف بالدين، لا لأنَّها واجبة، وهو قول محمد. وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: المقاتلة بالسلاح إنَّما هي عند الإصرار على ترك الفرائض والواجبات، لا على ترك السنن؛ ليظهر الفرق بين الواجب، وغيره. الثاني: سنة زوائد: وهي (السنة غير المؤكدة): كسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - في لباسه، وقيامه، وقعوده، وترجله، وتنعله. وحكمها: أنَّه لا يوجب تركها إساءة وكراهية. ينظر: كشف الأسرار 1: 84، ورد المحتار، 1: 102 - 103، 1: 477.
(¬2) ينظر: الوقاية وشرحه1: 20، وملتقى الأبحر19 - 20، والنقاية 1: 44، ونور الإيضاح 1: 113، وتحفة الملوك ص24، والكنز 1: 8، وتبيين الحقائق 1: 5، والهدية العلائية ر24، ومنية المصلي ص15، وغرر الأحكام والشرنبلالية 1: 10، والفتاوى الهندية 1: 8، والبدائع 1: 105، ورد المحتار 1: 73.
(¬3) في الهداية1: 27.
(¬4) في العناية1: 27.
(¬5) في فتح القدير 1: 27 - 28.
هذه السنة للخروج عن الخلاف فإنَّ الخروج عنه مستحب»، لكن ضُعّف هذا التأويل.
المسألة الثانية:
اختيارُه سقوطِ الجزيةِ عن الرُّهبان مطلقاً:
قال القُدُوريّ (¬1): «ولا على الرُّهبان الذين لا يخالطون الناس».
وظاهر الرواية: أنَّهم إن كانوا قادرين على العمل يلزم عليهم الجزية، قال في «النهر»: وجعله في «الخانية» ظاهر الرِّواية، حيث قال: ويؤخذ من الرُّهبان والقسيسين في ظاهر الرِّواية، وما اختاره القدوري هو قول محمد، فعنه: أنَّها لا تؤخذ؛ لذلك أوَّل الحداديُّ كلام القُدُوريّ فقال (¬2): «هذا محمولٌ على أنَّهم إذا كانوا لا يقدرون على العمل، أمّا إذا كانوا يقدرون فعليهم الجزية؛ لأنَّ القدرةَ فيهم موجودةٌ، وهم الذين ضيّعوها، فصار كتعطيل أَرْض الخراج»، وبه جزم في «الاختيار» أيضاً، كما في الشرنبلاليّ (¬3).
¬
(¬1) في مختصر القدوري 4: 145.
(¬2) في الجوهرة النيرة 2: 276.
(¬3) ينظر: رد المحتار: 119.
وسبب اختيار القُدُوريّ الوضع عن الرهبان: أنَّه لا قتل عليهم إذا كانوا لا يُخالطون النّاس، والجزية في حقّهم لإسقاط القتل (¬1).
المسألة الثالثة:
اختياره جواز تأجير الملتقط للصغير:
قال القُدُوريّ (¬2): «ويجوز أن يقبضَ له الهبة، ويُسَلِّمه في صناعة ويؤاجره».
وظاهر الرِّواية عدم جواز تأجير الملتقط للصغير، قال المرغيناني (¬3): «وفي «الجامع الصغير»: لا يجوز أن يؤاجره, ذكره في الكراهيّة، وهو الأصحّ؛ لأنَّه لا يملك إتلاف منافعه فأشبه العمّ، بخلاف الأم» ; لأنَّها تملك إتلاف منافعه، فإنَّها تملك استخدام ولدها وإجارته (¬4).
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّه يرجع إلى تثقيف الصغير واستجلاب المنافع له (¬5)، ولأنَّ ذلك ليس من باب الولاية عليه، بل من باب إصلاح
¬
(¬1) ينظر: الشلبي 1: 280.
(¬2) في مختصر القدوري 2: 207.
(¬3) في الهداية6: 117.
(¬4) ينظر: العناية6: 117.
(¬5) ينظر: الجوهرة1: 355.
حاله وإيصال المنفعة المحضة إليه من غير ضرر، فأشبه إطعامه وغسل ثيابه (¬1).
ومبنى الاختلاف على اختلاف الأصل في البناء عليها، فإن اعتبرناه من باب التثقيف والإصلاح والمنفعة للصغير، فهي جائزة؛ لأنَّ الملتقط موكولٌ بتربيته، وهذه من بابِ التَّربية، وإن اعتبرنا من باب الإجارة بإتلافِ المنافع للصَّغير، فقد خرجت عن التَّربية الموكولة للمُلتقط، فلا يملكها، والقُدُوريّ اعتبر الجانب الأوّل فأجاز، وفي ظاهر الرِّواية اعتبروا الجانب الثَّاني فلم يجوزوا، والأمر يحتملهما، وينبغي متى ترجَّح أحدُهما بحسب الحالة المفتى بها والواقع يفتى بأنسب القولين لها.
المسألة الرابعة:
اختياره في فرض القراءة في الصلاة أدنى ما يطلق عليه اسم القرآن:
قال القُدُوريّ (¬2): «وأَدنى ما يُجزئ من القراءةِ في الصّلاةِ ما يتناوله اسم القرآن عند أبي حنيفة».
والمعتمد في المذهب: وهو ظاهر الرِّواية آية تامة طويلة كانت أو
¬
(¬1) ينظر: البدائع6: 199.
(¬2) في مختصر القدوري 1: 77.
قصيرة، قال ابن قطلوبغا (¬1): «واختارها المحبوبيّ والنَّسفيُّ وصدرُ الشريعة».
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّ هذا أقرب إلى القواعد الشّرعيّة، فإنَّ المطلقَ ينصرف إلى الأدنى على ما عُرِفَ في موضعه؛ ولقوله - جل جلاله -: {فاقرؤا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20]، وهذا ما رجَّحه الكاساني (¬2)، والزيلعي (¬3).
المطلب الثاني: اختياراته المعتمدة على رسم المفتي:
تمهيد: رسم المفتي:
وهي قواعد الإفتاء المعروفة بعلم رسم المفتي، فهو علم يبحث في كيفية تطبيق الفقه في الواقع، وأصوله هي: الضرورة، والحاجة، ورفع الحرج، والتيسير، وتغير الزمان، والعرف، والمصلحة، وعامة الأحكام الفقهية متعلقة بهذه الأمور، فكان لها تأثيرها البالغ في اختلافها من مجتهد إلى مجتهد، بسبب اختلاف بيئة الفقهاء وعصورهم، فقد كان لذلك أثر كبير في اختلافهم في كثير من الأحكام والفروع، حتى إنَّ
¬
(¬1) في التصحيح ص164.
(¬2) في البدائع1: 112.
(¬3) في التبيين 129.
الفقيه الواحدَ كان يرجع عن كثيرٍ من أقوالِه إلى أقوال أُخرى إذا تعرّض لبيئةٍ جديدةٍ تُخالف البيئة التي كان فيها.
وتاريخ الرّسم يرجع لأوّل التّشريع: إذ الكلام في هذا العلم مؤسس في القرآن من اعتبار الضّرورة: {إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119]، والتّيسير: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]، ورفع الحرج: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78].
والسّنّةُ النّبويّةُ طافحةٌ بتطبيقاته منها: حديث طهارة سؤر الهرة: «إنَّها ليست بنجس، إنَّما هي من الطوّافين عليكم أو الطوّافات» (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يسّروا ولا تعسّروا» (¬2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الدّين يسر» (¬3)، وقول السيّدة عائشة رضي الله عنها: «ما خيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً» (¬4)، وغيرها.
والحكم الشرعيّ له طرفان: طرف في كيفيّة استنباطه، ويكون بأصول الفقه، وطرف في كيفيّة تطبيقه ويكون برسم المفتي، وهذا
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 153، وقال: حسن صحيح، وسنن أبي داود 1: 67، وموطأ مالك 1: 22.
(¬2) في صحيح البخاري5: 2269، وصحيح مسلم3: 1359، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري1: 23.
(¬4) في صحيح البخاري7: 101، وصحيح مسلم4: 1813، وغيرها.
الترتيب يعطي للأحكام الفقهيّة ميزة عظيمة جداً بمراعاة قواعد رسم المفتي عند تطبيقها، فيتحّقق العدل المطلوب، والمطابقة المرجوة.
وهذا العلم يُمثِّلُ الحلقة ما بين المسائل الفقهيّة المدوّنة في الكتب وما بين الواقع المعاش للنّاس في كافّة مناحي الحياة، فمَن فقده فهو فاقدٌ للعلم حكماً؛ إذ لا خير في علمٍ بلا عمل، وفاقدُه فاقدٌ للعمل به لنفسه ولغيره.
وكما أنَّ أُصولَ المجتهد المطلق تدور في محاور رئيسيّة فيها العديد من القواعد الأصوليّة وهي: الكتاب والسّنّة والإجماع والقياس، فكذلك فإنَّ أصولَ المجتهد في المذهب لها محاور رئيسيّةٌ مليئةٌ بقواعدِ الإفتاء، وهذه المحاور: هي الضرورة والعرف والتيسير، فهذه هي الأُصول الكبرى في رسم المفتي التي يرتكز عليها المفتي في فهمه وضبطِهِ وتطبيقِهِ للفقه.
وإليك هذه المسائل بالتفصيل:
المسألةُ الأولى:
اختياره وجوب طلب الشفيع في مجلس علمه:
قال القُدُوريّ (¬1): «وإذا عَلِمَ الشفيعُ بالبيع أَشْهَدَ في مجلسه ذلك على المطالبة».
¬
(¬1) في مختصر القدوري 2: 107.
وظاهر الرِّواية: أن يطلب الشَّفيع فور العلم مباشرة، لا أن ينتظر إلى طوال المجلس، ففي رواية «الأصل»: أن يكون على فور العلم بالبيع إذا كان قادراً عليه, حتى لو علم بالبيع وسكت عن الطلب مع القدرة عليه بطل حق الشفعة، ورَجَّحَها الكاسانيُّ (¬1)، وإليه ذهب مشايخ بَلْخ وعامّة مشايخ بُخارى، وعليه الفتوى كما في «الجواهر»، قال ابن قُطْلوبُغاً (¬2): «قال في «الحقائق»: والطَّلب على الفور، هكذا روي عن أبي حنيفة، وهو ظاهرُ المذهب، وهو الصَّحيح». وقال ابنُ عابدين (¬3): «وهذا ترجيحٌ صريحٌ مع كونه ظاهر الرِّواية، فيُقَدَّم على ترجيح المتون بمشيهم على خلافه؛ لأنَّه ضمني».
ولعلّ سبب اختيار القُدُوريّ للمجلس دون الفور: ما فيه من السعة والمصلحة للشفيع؛ لأنَّ حقَّ الشفعة ثبت نظراً للشفيع دفعاً للضرر عنه، فيحتاج إلى التّأمّل أنَّ هذه الدار مثلاً تَصْلُح بمثل هذا الثمن؟ وأنَّه هل يتضرّر بجوار هذا المشتري فيأخذ الشفعة؟ أو لا يتضرّر فيترك؟ وهذا مروي عن محمّد، وذكر الكَرْخيّ أنَّ هذا أصحّ، واختاره بعضُ مشايخ بُخارى، والمحبوبيّ (¬4).
¬
(¬1) في بدائع الصنائع 5: 17.
(¬2) في التصحيح ص261.
(¬3) في رد المحتار 5: 143.
(¬4) في الوقاية ص789.
وقال ملا خسرو (¬1): «وهو الأصحّ». وقال في «مختارات النَّوازل»: «وهو الصحيح» (¬2).
المسألة الثانية:
اختياره التقدير في التّعريف للقطة بالأيام في أقلّ من عشرة دراهم، وبالشهر في عشرة دراهم فأكثر، وبالسنة في مئة فأكثر:
قال القُدُوريّ (¬3): «فإن كانت أَقلّ من عشرةِ دراهمٍ عرَّفها أَيّاماً، وإن كانت عشرة فصاعداً عَرَّفها شهراً، وإن كان مئة درهم أو أَكثر عرّفها حولاً».
والمرادُ بالتعريف: أن ينادي: إني وجدت لقطة لا أدري مالكها، فليأت مالكها وليصفها لأردها عليه.
وظاهر الرِّواية: عدم التَّقدير في التعريف بمدة معينة، وقال المَرغيناني (¬4) وصدرُ الشَّريعة (¬5): «الصحيح أنَّها غير مقدرة بمدة معلومة، بل هي مفوَّضة إلى رأي الملتقط فيعرِّفُها إلى أن يغلبَ على ظنِّه أنَّها لا
¬
(¬1) في الدرر 2: 209.
(¬2) ينظر: التصحيح ص261.
(¬3) في مختصر القدوري 2: 208.
(¬4) في الهداية2: 175.
(¬5) في شرح الوقاية3: 271.
تطلبُ بعد ذلك». وهذا اختاره شمسُ الأئمة، قال ابنُ قُطْلُوبُغا (¬1): «قال في «الينابيع»: وعليه الفتوى، وقال في «الجواهر»: والأصح أنَّ التقدير غير لازم ... وفي «المضمرات»: وعليه الفتوى»، وقال الحدادي (¬2): «وعليه الفتوى».
وسبب اختيار القُدُوريّ هذا التفصيل: أنَّه رواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنَّ المالَ كلَّما ازداد ازداد خطره؛ لما روي عن يعلى - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن التقط لقطة يسيرة درهماً أو حبلاً أو شبه ذلك فليعرّفه ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرّفه سنة» (¬3)، فنبَّه على أنَّ التعريفَ على قدر المال، فمَن سوَّى بين القليل والكثير، فقد خالف النصّ.
وقول القدوري موافق لمحمد - رضي الله عنه - حيث قدَّر في «الأصل» بالحول من غير تفصيل بين الكثير والقليل ... (¬4)، وتَرَكَ القُدُوريّ ظاهر الرِّواية في تقدير محمد - رضي الله عنه -؛ لما ذكرنا من تفاوت التّعريف بالمال عرفاً بحسب قلّته وكثرته، وهذا من أسباب اعتماد التفويض إلى الملتقط في المدّة بحسب المال والمكان وأحوال الناس، وهو الأولى.
¬
(¬1) في التصحيح ص304 - 305.
(¬2) في الجوهرة1: 356.
(¬3) في مسند أحمد4: 173، قال الأرنؤوط: «إسناده ضعيف لضعف عمر بن عبد الله بن يعلى».
(¬4) ينظر: البحر الرائق 5: 164.
المسألة الثالثة:
اختياره التقدير في مسألة المفقود بمئة وعشرين سنة:
قال القُدُوريّ (¬1): «فإذا تَمَّ له مئةٌ وعشرون سنةً من يومِ وُلِد حُكِم بموته، واعتدت امرأته، وقُسِم مالُه بين ورثته الموجودين في ذلك الوقت».
وظاهر الرِّواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنَّه مقدر بموت الأقران، وحقَّقَ ابن عابدين (¬2) «بأنَّه لا مخالفةَ بين قولِ التَّقديرِ وبين ظاهرِ الرِّواية، بل هو تفسيرٌ لظاهرِ الرِّواية، وهو موت الأقران، لكن اختلفوا فمنهم مَن اعتبرَ أطول ما يعيشُ إليه الأقرانُ غالباً، ثمَّ اختلفوا فيه هل هو تسعون أو مئة أو مئة وعشرون، ومنهم وهم المتأخّرون اعتبروا الغالبَ من الأعمار: أي أكثرَ ما يعيشُ إليهِ الأقرانُ غالباً لا أطوله، فقدَّروه بستّين؛ لأنَّ مَن يعيشُ فوقَها نادر، والحكم للغالب» (¬3).
وهذا تفسير من القُدُوريّ لظاهر الرَّواية؛ لأنَّ الظاهرَ أن لا يعيش أكثر من ذلك، فيترتب عند ذلك أحكام الموت.
¬
(¬1) في مختصر القدوري 2: 216.
(¬2) في ردّ المحتار3: 331.
(¬3) ينظر: عمدة الرعاية 2: 393.
المسألة الرابعة:
اختياره التقدير بحبس المفلس شهرين أو ثلاثة:
قال القُدُوريّ (¬1): «فيحبسه شهرين أو ثلاثة، ثُمّ يسأل عنه، فإن لم يظهر له مالٌ خلّى سبيلَه».
وظاهر الرِّواية: أنَّ التقدير مفوض إلى رأي القاضي؛ لاختلاف أحوال الناس فيه، فِمن الناس مَن يضجره الحبس القليل، ومنهم مَن لا يضجره الكثير، ففوّض ذلك إلى رأي الحاكم، وصحَّحه صاحب «الهداية» والإسبيجابي وقاضي خان و «الاختيار» و «الجواهر» و «والمحيط» وغيرها (¬2).
المسألة الخامسة:
اختياره تقدير أقلّ الجلد في التعزير بثلاث جلدات:
قال القُدُوريّ (¬3): «والتَّعزيرُ: أكثرُه تسعةٌ وثلاثون سَوطاً، وأَقلُّه ثلاثُ جلدات».
وظاهر الرِّواية: أنَّه مفوَّضٌ لرأي القاضي، فكأنَّ القُدُوريّ يرى أنَّ
¬
(¬1) في مختصر القدوري 2: 74.
(¬2) ينظر: الجوهرة2: 243، واللباب 1: 235.
(¬3) في مختصر القدوري 3: 198.
ما دون الثَّلاث لا يقع به الزّجر, وليس كذلك بل يختلف ذلك باختلاف الأشخاص, فلا معنى لتقديره مع حصول المقصود بدونه، فيكون مفوّضاً إلى رأي القاضي يقيمه بقدر ما يرى المصلحة فيه على ما بيَّنّا تفاصيله, وعليه مشايخنا، «زيلعيّ» , ونحوه في «الهداية»، قال في «الفتح»: فلو رأى أنَّه ينزجر بسوط واحد اكتفى به, وبه صَرَّحَ في «الخلاصة» (¬1).
المسألة السادسة:
اختياره اعتبار الإكراه من السلطان وغيره:
وهو قول الصاحبين، قال القُدُوريّ (¬2): «الإكراهُ يثبتُ حكمُه إذا حَصَلَ ممّن يقدر على إيقاعِ ما يُوعد به سلطاناً كان أو لصّاً».
وظاهر الرَّواية عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: لا يكون الإكراه إلا من السلطان، قال المَرغينانيُّ (¬3): «والذي قاله أبو حنيفة: إنَّ الإكراه لا يتحقَّق إلا من السُّلطان؛ لما أنَّ المنعةَ له والقدرة لا تتحقَّق بدون المنعة».
وسبب اختيار القدوري لقول الصاحبين: هو تغير الزمان، بحيث أصبح الإكراه يتحقق من غير السلطان، قال شيخي زاده (¬4): «هذا
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار4: 60.
(¬2) في مختصر القدوري 4: 107.
(¬3) في الهداية2: 233.
(¬4) في مجمع الأنهر2: 429.
عندهما؛ لأنَّ كل متغلب قادر على الإيقاع، وعند الإمام لا إكراه إلا من السلطان؛ لأنَّ القدرة لا تكون بلا منعة، والمنعة للسلطان، قالوا هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان؛ لأنَّ زمان الإمام لم يكن فيه لغير السلطان من القدرة ما يتحقق منه الإكراه، وزمانهما كان فيه ذلك، فيتحقق الإكراه من كل متغلب لفساد زمانهما، والفتوى على قولهما».
* * *
الخاتمة:
خلص البحث إلى النتائج الآتية:
أولاً: عدم احتكار المذهب على قول أبي حنيفة فحسب، بل وجدنا كبار المجتهدين: كالقدوري، يختار أقوالاً لغير أبي حنيفة - رضي الله عنه - في متننه للعمل والفتوى بها، مما يفتح باباً كبيراً بالاستفادة من أقوال المجتهدين الآخرين عند أصحاب كل مذهب، كما هو طريق الفقهاء.
ثانياً: يُعّدُّ مختصر القُدُوريّ من أهم متون الفقه الإسلامي عامة والفقه الحنفي خاصة، فهو من أكثر المتون تدريساً، وكُتِب عليه مئات الشروح، وهو الأساس لمتون الحنفية، حتى كان بمثابة الأم لها، حتى كثر نظم العلماء له، وكثرة ترجمته إلى لغات مختلفة.
ثالثاً: اختار القدوري قول أبي يوسف في سنية تخليل اللحية، والمقارنة بين يديه وبين التكبيرة والرفع عند تكبيرة التحريمة، وجواز إحياء الموات بأن لم يسمع الصّوت فيها إن نادى من أقصى العامر، ووجوب نفقة الزوجة بعد تسليمها نفسها للزوج.
رابعاً: اختار القدوري قول محمد بن الحسن في مقدار الكسوة للكفّارة أدنى ثوب تجزئ فيه الصَّلاة، وضمان شهود الأصل إن غلطوا في الشهادة، واعتبار القيمة في قسمة العقار سواء كان الطابق الأول لوحده أو الطابق الثاني لوحده أو الطابق الأول والطابق الثاني معاً، وأنَّ جحود الوصية لا يكون رجوعاً.
خامساً: اختار القدوري قول الحسن بن زياد في وجوب التضحية للغني عن نفسه وجميع أولاده الصغار، وعدم جواز استثناء مقدارٍ معلومٍ في بيع الثمار، وضمان المضارب إن دفع لغيره مضاربة بغير إذن رب المال إلا إن ربح المضارب الثاني، ونفقة البنت البالغة والابن البالغ المريض مرضاً مزمناً على الأب والأم الأب يدفع الثلثين والأُم تدفع الثُّلث، وقيمة نصاب السَّرقة عشرة دراهم مضروبة أو غيرَ مضروبة.
سادساً: اختار القدوري قول زفر في أنَّ ركن الهبة الإيجاب والقَبول.
سابعاً: اختار القدوري قول الحسن بن صالح في لزوم نفقة الصغار على الأب ولو أنفق غيره يرجع على الأب.
ثامناً: اختار القدوري خلاف ظاهر الرِّواية معتمداً على أصول البناء في استحباب النية في الوضوء، وسقوطِ الجزيةِ عن الرُّهبان مطلقاً،
وجواز تأجير الملتقط للصغير، وفرض القراءة في الصلاة أدنى ما يطلق عليه اسم القرآن.
تاسعاً: اختار القدوري خلاف ظاهر الرِّواية معتمداً على رسم المفتي في طلب الشفيع في مجلس علمه، والتقدير في التّعريف للقطة بالأيام في أقلّ من عشرة دراهم وبالشهر في عشرة دراهم فأكثر وبالسنة في مئة فأكثر، والتقدير في مسألة المفقود بمئة وعشرين سنة، والتقدير بحبس المفلس بشهرين أو ثلاثة، وتقدير أقل الجلد في التعزير بثلاث جلدات، واعتبار الإكراه من السلطان وغيره.
* * *
المراجع
1. الاختيار لتعليل المختار: لعبد الله بن محمود الموصلي (ت683هـ)، ت: زهير عثمان، دار الأرقم، بدون تاريخ طبع.
2. أعيان العصر وأعوان النصر: لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت: 764هـ)، ت: الدكتور علي أبو زيد، وغيره، دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان، دار الفكر، دمشق - سوريا، ط1، 1418هـ - 1998م.
3. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
4. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط2، 1402هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
5. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت743هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط1، 1313هـ.
6. تحفة الفقهاء: لعلاء الدين محمد بن أحمد السَّمَرْقَنْدِي (ت539هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ طبع.
7. تحفة الملوك: لمحمد بن أبي بكر الرازي (ت666هـ)، ت: الدكتور عبد الله نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية، ط1، 1997م، وأيضاً: بتحقيق: الدكتور صلاح أبو الحاج، دار الفاروق، عمان، ط1، 2006م.
8. التصحيح والترجيح على مختصر القدوري لقاسم بن قطلوبغا (ت879هـ)، ت: ضياء يونس، دار الكتب العلمية، ط1، 2002م.
9. تنوير الأبصار وجامع البحار: لمحمد بن عبد الله الخطيب التُّمُرْتاشي الغَزَّي الحَنَفي (ت1004هـ)، مطبعة الترقي بحارة الكفارة، 1332هـ.
10. الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري: لأبي بكر بن علي بن محمد الحَدَّادِيّ (720 - 800هـ)، المطبعة الخيرية، ط1، 1322هـ.
11. حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: لأبي العباس أحمد بن يونس بن محمد الحنفي المعروف بـ (ابن الشلبي) (ت 947هـ)، مطبوعة بهامش تبيين الحقائق، المطبعة الأميرية بمصر، ط1، 1313هـ.
12. حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي جلال الدين (849 - 911هـ)، مطبعة دار الوطن، القاهرة.
13. خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل شرح القدوري لحسام الدين الرازي (598هـ)، ت: د. صلاح أبو الحاج، دار الفتح، ط1، 2015م.
14. درر الحكام شرح غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز بن علي الحنفي المعروف بـ (مُلا خسرو) (ت885هـ)، الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ، وأيضاً: طبعة در سعادت، 1308هـ.
15. الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة: لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ)، دار الجيل.
16. الدليل إلى المتون العلمية: لعبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، ط1، 1420 هـ - 2000 م.
17. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
18. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
19. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
20. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، ت: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
21. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
22. طبقات الشافعية الكبرى: لعبد الوهاب بن علي السبكي الشافعي تاج الدين (727 - 771هـ)، دار المعرفة، ط2.
23. طبقات المفسرين: لمحمد بن علي الداودي (ت945هـ)، ت: علي محمد، مكتبة وهبة، مصر، ط1، 1392هـ.
24. عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان: لبدر الدين العيني، المكتبة الشاملة.
25. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، ت: د. صلاح أبو الحاج، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1، 2009م.
26. العناية على الهداية: لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
27. غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز ملا خسرو (ت885هـ)، مطبوع مع شرحه درر الحكام، در سعادت، 1308هـ.
28. غنية المستملي شرح منية المصلِّي: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبعة سنده، 1295هـ.
29. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
30. الفتاوى الخانية (فتاوى قاضي خان): لحسَن بن مَنْصُور بن مَحْمُود الأُوزْجَنْدِيّ (ت592هـ)، مطبوعة بهامش الفتاوي الهندية، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، 1310هـ.
31. الفتاوى السراجية: لسراج الدين عليّ بن عثمان الأوشي، مطبوع بهامش فتاوى قاضي خان، المطبع العالي في لكنو، 1302هـ.
32. الفتاوي الهندية: للشيخ نظام الدين البرهانفوري، والقاضي محمد حسين الجونفوري، والشيخ علي أكبر الحسيني، والشيخ حامد بن أبي الحامد الجونفوري، وغيرهم، المطبعة الأميرية ببولاق، 1310هـ.
33. فتح الغفار بشرح المنار: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط1، 1355هـ.
34. فتح القدير: لمحمد بن عبد الواحد كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
35. الفوائد البهية في تراجم الحنفية: لعبد الحي الكنوي (1264 - 2304هـ)، ت: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ط1، 1998م، وأيضاً: طبعة السعادة، مصر، ط1، 1324هـ.
36. كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار: لمحمود بن سليمان الكفوي توفي نحو (990هـ)، من مخطوطات المكتبة القادرية، بغداد.
37. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي (1017 - 1067)، دار الفكر.
38. كنْز الدقائق: لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، اعتنى به: إبراهيم الحنفي الأزهري، طبع بالمطبعة الحميدية المصرية بالمناصرة بمصر، 1328هـ.
39. الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة: لنجم الدين الغزي، ت: الدكتور جبريل جبور، الناشر: محمد أمين وشركاه، 1945م.
40. اللباب في شرح الكتاب: لعبد الغني الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي (1222 - 1298هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
41. المبسوط: لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
42. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316هـ.
43. المختار: لعبد الله بن محمود الموصلي الحنفي (ت683هـ)، تحقيق: زهير عثمان، مطبوع مع الاختيار، دار الأرقم.
44. مختصر القدوري: مطبوع مع اللباب في شرح الكتاب: لعبد الغني الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي (1222 - 1298هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
45. مرآة الجنان وعبر اليقظان في ما يعتبر من حوادث الزمان: لعبد الله بن أسعد اليافعي (ت768هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1970م.
46. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
47. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، ت: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، 1404هـ.
48. معجم المؤلفين: لعمر كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1414هـ.
49. مقدمة الصلاة: لعمر الغزنوي (ت773هـ)، من مصورات مخطوطات مكتبتي عن دار صدام.
50. مقدمة اللباب في شرح الكتاب للدكتور سائد بكداش، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط1، 2010م.
51. مقدِّمة عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، المطبع المجتبائي، دهلي، 1340هـ.
52. ملتقى الأبحر: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبعة علي بك، 1291هـ، وأيضاً: بتحقيق: وهبي سليمان غاوجي الألباني، مؤسسة الرسالة، ط1، 1409هـ.
53. منية المصلي وغنية المبتدي: لسديد الدين محمد بن محمد الكاشغري (ت705هـ)، مطبعة محمدي، بمبئ، 1313هـ.
54. النقاية: لعبيد الله بن مسعود صدر الشريعة (ت747هـ)، مطبوع مع فتح العناية بشرح النقاية: لعلي القاري، تحقيق: محمد نزار وهيثم نزار، دار الأرقم، ط1، 1418هـ، وأيضاً: طبعة مطبع دهلي، 1286هـ.
55. نور الإيضاح ونجاة الأرواح: لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، دار النعمان للعلوم، دمشق، بيروت، ط2، 1417هـ.
56. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.
57. هدية العارفين: لإسماعيل باشا البغدادي (ت1339هـ)، دار الفكر، 1402هـ.
58. الهدية العلائية: لعلاء الدين ابن عابدين، ت: محمد سعيد البرهاني، ط5، 1416هـ.
59. الوقاية لبرهان الشريعة، وشرح الوقاية لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي (ت747هـ) ومنتهى النقاية للدكتور صلاح محمد أبو الحاج، ت: الدكتور صلاح أبو الحاج، دار الوراق، عمان، الأردن، 2005م.
* * *