اختيارات الإمام الشرنبلالي ....
................. في «المراقي»
جارٍ تحميل الكتاب…
اختيارات الإمام الشرنبلالي ....
................. في «المراقي»
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
اختيارات الإمام الشرنبلالي
في المراقي
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة الميزان في جامعة العلوم الإسلامية
ملخص البحث:
اهتممتُ في هذا البحث بأبرز كتاب عند الحنفية في الطهارة والصلاة للإمام الشرنبلاليّ، فجمعت فيه اختياراته التي خالف فيها المعتمد من المذهب، بمقارنتها بكتب المذهب الأُخرى، وبينتُ أَسباب هذه الاختيارات، وأنَّها تدور على ثلاثة أمور: اختياراتٌ لمراعاة البناء على ظواهر الأحاديث، واختياراتٌ لعدم مراعاة أصول البناء في المذهب من أصل الباب وأصل المسألة، واختياراتٌ لعدم مراعاة أصول التطبيق في قواعد رسم المفتي من ضرورة وتيسير وعرف وغيرها.
ALimam Ashoronbolali Choices
In «Almaraqi»
Research Summary:
I was interested in this research in the most prominent book for hanafi school in purity and prayer for ALimam Ashoronbolali. I gathered his choices in which he dissented the approved in hanafi school. I compared his choices to other books in hanafi school, and indicated the reasons for these choices. I returned his choices to three things: choices to take account of the construction of the outward of Hadith, and choices of non-observance building assets in the school as the origin of the issue and the origin of matter, and choices of non-observance of the rules of the application assets in Rasm Al Mufti as need, facilitation,convention and others.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ كتاب «مراقي الفلاح» للإمام الشرنبلالي مختصرٌ من شرحه المطوَّل «إمداد الفتاح» الذي شرح به متنه المشهور «نور الإيضاح ونجاة الأرواح».
وقد نال «المراقي» عناية فائقة من الطلبة والعلماء والباحثين، فكان محلَّ أنظارهم ومحطّ رحالهم، فهو أشهر كتاب عند الحنفية في العبادات، وأكثرها شيوعاً وتدريساً؛ لذلك كثرت الحواشي عليه والتّعليقات والشروح عليه، ومنها:
1. «حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح»؛ لأحمد بن محمد بن إسماعيل الطَّحْطَاويّ الحنفي (ت1231هـ) (¬1)، قال الطحطاوي (¬2): «مأخوذة مما كتبه المرحوم عبد الرحمن أفندي خلوات، ومن شرح المؤلف الكبير، وشرح السيد محمد أبي السعود»، وهي مليئةٌ بالفوائد، وجمع فيها فروعاً عديدة.
2. «فتح الفتاح شرح مراقي الفلاح»؛ لمحمد سعيد بن حمزة المنقار (ت بعد 1260هـ) (¬3).
3. «مزيد النِّجاح لمَن أراد قراءة مراقي الفلاح»؛ لعزي بن علي الميمني (ت1369هـ) (¬4).
4. «حاشية على مراقي الفلاح»؛ لعبد الرحمن أفندي خلوات (¬5).
¬
(¬1) طبعت في بولاق عام 1279هـ، كما في: ادوارد كرنيليوس فانديك (ت1313هـ)، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، تحقيق: السيد محمد علي الببلاوي، مصر، مطبعة التأليف الهلال، 1313هـ - 1896م، ج1، ص 147، ولها طبعات عديدة، أفضلها طبعة عبد الجليل عطا، والله أعلم.
(¬2) أحمد بن محمد الطَّحْطَاوِيّ (ت1231هـ)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418هـ، (ط1)، ج1، ص5.
(¬3) ينظر: مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي، الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط، عمان، 1424هـ، (ط1)، الفقه: 936.
(¬4) عبد الله محمد الحبشي، مصادر الفكر الإسلامي في اليمن، أبو ظبي، المجمع الثقافي، 2004م، ج1، ص305، وله: القول الميسر على الفقه الأكبر.
(¬5) ذكره الطحطاوي، حاشيته على المراقي، ج5، ص187: أنَّه أخذ مما كتبه عبد الرحمن ... ففهمت منه أنَّ له حاشية على الكتاب، والله أعلم.
وأهمية البحث: تكمن في ذكر مسائل من اختيارات الإمام الشرنبلالي في «المراقي» الذي شاع وانتشر والتي خالف فيها المعتمد من المذهب؛ ليتنبّه الدارس له إلى عدم التسليم لكلّ ما فيه، وحتى يتعرّف على هذه المسائل، والأسباب التي أوصلته لهذا الاختيارات.
ومشكلة البحث: تكمن في الإجابة عن: هل للشرنبلالي اختيارات في «المراقي» خالف فيها المعتمد من المذهب؟ وما هي المسائل التي خالف فيها؟ وما هي الأسباب الداعية له لهذه المخالفة؟
ولم أقف على دراسة سابقة اهتمّت بجمع أقوال الشُّرُنْبُلاليّ أو اختياراتُه أو مخالفاته لا سيما في «المراقي».
والمنهج المتبع هو المنهج الاستقرائي في جمع المسائل من «المراقي»، ثم المنهج المقارن في مقارنتها بالمسائل الموجودة في كتب المذهب؛ ليتميّز موافقته أو مخالفته للمعتمد في المذهب، ثم المنهج التّحليلي للتعرّف على أسباب المخالفة للمذهب.
واقتصرت في هذا البحث على اختيارات الشرنبلالي في المسائل التي في ظنِّ الباحث أنَّه خالف فيها المذهب والصواب في رأي الباحث، ولم أعرض لكلّ اختياراته؛ لأنّ المقامَ سيطول ولا يتسع له البحث، ولأنّ المقصودَ من البحثِ ليست التّرجيحات له في المذهب، وهي كثيرةٌ جداً، وإنّما الاختيارات التي خالف فيها المذهب والمعتمد والصَّواب، فكانت
ترجيحات الباحث دائماً مخالفةً لرأي الشُّرنبلالي؛ لأنّه تم ذكر المسائل المخالفة فحسب، وهي مسائل محصورة معدودة كما ترى، وإلا فالمسائل التي يترجح فيها قول الشَّربلالي ويوافق المعتمد من المذهب وما يراه الباحث فهي لا تعدّ ولا تحصى كما هي، وهي بقية المسائل في «المراقي».
وتحقيقاً للمقصود فقد قسمتُ البحث إلى ثلاثةِ مباحث وخاتمة:
المبحث الأوّل: في الاختيارات المعتمدة على أصول الاستنباط.
والمبحث الثّاني: في الاختيارات المعتمدة على أصول البناء.
والمبحث الثّالث: في الاختيارات المعتمدة على أصول الإفتاء.
والخاتمة: في أهمّ نتائج البحث.
سائلاً المولى - عز وجل - التّوفيق والسَّداد إلى المراد.
المبحث الأول
في الاختيارات المعتمدة
على أصول الاستنباط
يعتبر الشرنبلالي من أعلام مدرسة محدثي الفقهاء من متأخري الحنفية الذين كان لهم مسلك في التّرجيح اعتماداً على ظاهر بعض الأحاديث، وهذا المسلك لم يكن في هذ الطبقة في المذهب الحنفي كما بيّنه قاضي خان (¬1)، فقال: «المفتي في زماننا من أصحابنا إذا استفتي في مسألةٍ وسُئِل عن واقعةٍ، إن كانت المسألة مرويةً عن أصحابنا في الرِّوايات الظّاهرة بلا خلاف بينهم، فإنَّه يميلُ إليهم ويُفتي بقولهم ولا يخالفهم برأيه وإن كان مجتهداً متقناً؛ لأنَّ الظاهرَ أن يكون الحقّ مع أَصحابنا ولا يعدوهم، واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا ينظر إلى قول مَن خالفهم ولا يقبل حجّته؛ لأنَّهم عرفوا الأدلة ومَيَّزوا بَيْن ما صَحّ وثبت وبين ضدّه».
¬
(¬1) حسَن بن مَنْصُور بن مَحْمُود الأُوزْجَنْدِيّ (ت592هـ)، الفتاوى الخانية، مصر، المطبعة الأميرية ببولاق، 1310هـ، ج1، ص1.
وتعتمد مدرسة الفقهاء في هذه الطبقة الترجيحُ بأصول الأبواب، وهي المعاني التي تَوصّل لها المجتهد باستقرائه لما ورد في الباب من قرآن وأحاديث وآثار، وبالتّالي هي معاني إمّا قطعيّة أو ظنيّة قويّة صادرةٌ من مجتهد معتبر لا يقول بخلاف القرآن والسنة أبداً، فإن ترك ظاهر حديث فقد وافق ما هو أقوى منه من معاني القرآن والأحاديث الأخرى، فإهمال تأصيله للفقه في الترجيح والتَّرجيح بظواهر الأحاديث بعيد عن الصّواب؛ ولذلك لم يلتفت له أئمتنا في مدرسة الفقهاء؛ لإدراكهم هذا المعنى، وغفلة محدّثي الفقهاء عن هذا جعلتهم يسلكون مسلك الترجيح بظواهر النصوص، وإمامنا الشرنبلاليّ كان من مدرسة محدّثي الفقهاء، فرجَّح كثيراً بهذه الطريقة، ومن هذه الاختيارات:
المسألة الأولى:
اختياره اشتراط التحريمة بالعربية للقادر عليها:
قال الشرنبلالي: «التحريمة: كونها بلفظ العربية للقادر عليها في الصحيح» (¬1)، ولا يوجد نصٌّ صريح بلزوم العربية إلا ما يكون من الفهم الظاهر لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها، فيبقى النقاش هل مثله يدلّ على السنية أو الفرضية؟
¬
(¬1) حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت: 1069هـ)، مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، تحقيق: نعيم زرزور، المكتبة العصرية، 1425 هـ - 2005 م، (ط1)، ص 85.
والمعتمد في المذهب: أنَّ التلفظ بها سنة وليس بشرط، واختيار الشرنبلالي لكون التلفظ شرطاً اعتماداً على ظاهر الأحاديث في كونها بالعربيّة.
وللَّكنويّ مناقشةٌ في غاية الدِّقة في تنقيح المسألة من جهة الاستدلال والتَّحقيق بأنها سنة، حيث قال (¬1): «ما ذكرَ أنَّه لا يجوزُ أن يأتيَ بها إلا العاجزُ عن العربيَّةِ ليس مذهباً لأبي حنيفة - رضي الله عنه -، بل هو مذهبُ صاحبيه، وأمَّا عندهُ فالقادرُ والعاجزُ سواء، على ما حكاهُ جماعةٌ من أصحابنا الحَنَفيَّة، نعم؛ ذكرَ بعضُهُم أنَّهُ رجعَ إلى قولِهما كمسألةِ القراءة، لكنَّهُ محلُّ المنازعة ...
وخلاصةُ المرامِ في المقامِ: أنَّه لم يقمْ دليلٌ قاطعٌ على اشتراطِ اللُّغةِ العربيَّةِ في التَّكبيرِ ليصحَّ بهِ النَّكير، بل ظاهرُ الآيةِ {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] والأحاديثِ كحديث «تَحريمها التَّكبير، وتَحْلِيلُها التسلِيم» (¬2)] مطلق لا يفيدُ إلاَّ اشتراطَ الذِّكرِ المطلق، والأحاديثُ الواردةُ في هذا البابِ القوليَّةُ والفعليَّةُ لا تدلُّ على اختصاصِ التَّكبيرِ بالعربيّ، بحيثُ لا يُجْزِئ غيرُ العربيّ، بل غايةُ ما يثبتُ منها أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اكتفى عليه، ورَغَّبَ غيرَهُ إليه، وهو إنَّما يثبتُ الوجوبَ أو السُنيَّة، لا أنَّه لا
¬
(¬1) عبد الحي اللكنوي (ت1304هـ)، آكام النفائس في أداء الأذكار بلسان فارس، لكنو، المطبع المصطفائي، 1300هـ، ص35 - 44.
(¬2) في جامع الترمذي 1: 9، 2: 3، والمستدرك 1: 223.
يُجْزِئ التَّكبيرُ بالفارسيَّة، وإن كانت الأحاديثُ دالَّةً على اختصاصِهِ بالعربيِّ اختصاصاً بالغاً إلى حدِّ الاشتراط، فالآيةُ معرَّاةٌ عن هذا الاشتراط، ولا تصلحُ أخبار الآحادِ ناسخةً لحكمِ الكتاب، ولا مُقيِّدةً لإطلاقِ ما في الباب .. ».
وهذا يظهرا لنا جلياً قوة الاستدلال على سنية التلفظ، وما نقل عن الإمام من رجوعه عن جواز التلفظ بالعربية في التحريمة فغير ثابت، كما تشهد به عبارات أئمة المذهب، قال اللكنوي (¬1): «والحقُّ أنَّهُ لم يروَ رجوع الإمام في مسألةِ الشُّروع، بل هي على الخلاف، فإنَّ أجلَّةَ الفقهاءِ منهم: «الهداية» (¬2)، وشُرَّاحُها: العَيْنِيّ في «البناية» (¬3)، والسِّغْنَاقِيّ، والبَابَرْتيّ (¬4)، والمَحْبُوبِيّ، وصاحبُ المجمع، وشرّاحه، وصاحبُ «البَزَّازيَّة»، و «المحيط» (¬5)، و «الذَّخيرة» وغيرهم ذكروا الرُّجوعَ في مسألةِ القراءةِ فقط، واكتفوا في مسألة الشروعِ بحكاية الخلاف».
¬
(¬1) اللكنوي، آكام النفائس، ص35 - 44.
(¬2) علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، الهداية شرح بداية المبتدي، مطبعة مصطفى البابي، (الطبعة الأخيرة)، ج1، ص47.
(¬3) محمود بن أحمد العَيْنِي (855هـ)، البناية في شرح الهداية، دار الفكر، 1980مـ، (ط1)، ج2، ص 124 - 125.
(¬4) محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، العناية على الهداية، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج1، ص 247.
(¬5) محمود بن أحمد بن مَازَةَ البخاري (ت: 616هـ)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني، ت: عبد الكريم سامي الجندي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1424 هـ - 2004 م، (ط1)، ص119.
وذكر الحصكفي (¬1) أنَّه حرَّر المسألة في «الخزائن» بعدم رجوع الإمام لقولهما، وقال (¬2): وجعلَ العَيْنِيُّ الشُّروعَ كالقراءة، ولا سلفَ لهُ فيه، ولا سندَ له يقوِّيه، بل جعلَهُ في «التَّاتارخانيَّة» كالتَّلبية، يجوزُ اتِّفاقاً، فظاهرُهُ كالمتن، رجوعُهُما إليه لا رجوعُهُ إليهما، فاحفظْهُ فقد اشتبَهَ على كثيرٍ من القاصرينَ حتى الشُّرُنْبُلاليّ في كلِّ كتبِه.
لكن نبَّه ابنُ عابدين (¬3) على أنَّ ما أورده الحصكفي على العينيّ في دعوى رجوعه إلى قولهما يرد عليه دعواه رجوعهما إلى قوله، وأنَّ عبارة «التاتارخانية» لا تدلّ على ذلك.
المسألة الثانية:
اختياره لفرضية الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كلّما ذكر اسمه:
قال الشرنبلالي: «والصّلاةُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - فرضٌ في العمر مَرّة ابتداء، وتفرض كلّمَا ذكر اسمه لوجود سببه» (¬4)؛ لعموم قوله تعالى: {يا
¬
(¬1) محمد بن علي الحَصْكَفي (ت1088هـ)، الدر المنتقى في شرح الملتقى، دار الطباعة العامرة، 1316هـ، ج1، ص93.
(¬2) محمد بن علي الحَصْكَفي (ت1088هـ)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج1، ص 325.
(¬3) محمد أمين بن عمر ابن عابدين (1252هـ)، رد المحتار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج1، ص 326.
(¬4) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص101.
أيّها الذين آمنوا صلوا عليه} [الأحزاب: 56]، وعن علي - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن البخيل مَن ذكرت عنده ولم يصلّ عليّ» (¬1).
والمعتمد في المذهب: أنّه مستحبٌّ، وما اختاره الشرنبلالي هو قول الطحاوي - رضي الله عنه - ... قال السَّرَخْسيّ: وقول الطحاويٌّ مخالفٌ للإجماع، وعامة العلماء على أنَّ ذلك مستحبّ فقط، كما في «غاية البيان»، وهو المختار للفتوى، كما في «النهر»، وظاهره ولو سمعه من متعدد؛ لأنَّ العبرة بمجلس السامع كالتلاوة، وفي «البناية» عن «الجامع الصغير»: يكفيه لكل مجلس ولو تركه لا يبقى ديناً عليه، وأما تشميت العاطس فإن حمد يجب لكلّ مَرّة، وفي «التعاريف»: لا يشمت العاطس أكثر من ثلاث إذا تابع وإن لم يشمته إلى ثلاث كفته واحدة حموي على «الأشباه»، لكن جزم في «الفتح» تبعاً «للكافي» بأنَّه يكفيه في المجلس الواحد تشميت واحد، وفي الزائد ندب، اهـ (¬2).
والظاهر أنَّ اختيار الشرنبلالي للأمرِ الواردِ في القرآنِ والسنةِ بالصّلاة على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، لكنَّ الراجح عدم حمله على الفرضيه لما فيه حرجٌ شديدٌ، ممَّا دعا عامّة الأئمة إلى حملِهِ على الاستحباب.
¬
(¬1) في سنن النسائي الكبرى7: 291، وصحيح ابن حبان3: 189، والمستدرك1: 734، وصححه.
(¬2) ينظر: الطحطاوي، حاشيته على المراقي، ج1، ص 370.
المسألة الثالثة:
اختياره لقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بقصد القرآنيّة:
قال الشرنبلالي: «وجاز قراءةُ الفاتحة بقصد الثناء كذا نُصَّ عليه عندنا، وفي البُخاريِّ عن ابنِ عَبَّاس - رضي الله عنهم -: «أنَّه صَلَّى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنَّه من السنّة» (¬1)، وصحَّحه التِّرْمِذِيّ، وقد قال أئمتنا: بأنَّ مراعاةَ الخلاف مستحبّة، وهي فرضٌ عند الشافعيِّ - رضي الله عنه - فلا يُمانع من قصد القرآنية بها؛ خروجاً من الخلاف وحقِّ الميت» (¬2).
والمعتمد في المذهب: الكراهة التحريمة بقراءة الفاتحة بنية القرآنية، قال الطَّحطاويّ (¬3): «صرّحوا بعدم الجواز، فتكون مكروهة تحريماً، ولا تتأدّى به السنة، فكيف يطلب منه تلاوتها بقصد القرآنية ... وما ذكره من استحباب مراعاة الخلاف ليس على إطلاقه، فيه نظر، بل مقيَّدٌ بما إذ لم يلزم عليه ارتكاب مكروه مذهبه، فكان الاعتماد على ما هو مُصَرَّحٌ به في كتب المذهب كـ «المحيط» و «التجنيس» و «الولوالجية» وغيرها من أنَّ قراءتَها بنيَّة القراءة لا تجوز معللاً بأنَّها محلّ الدعاء دون القراءة».
¬
(¬1) محمد بن إسماعيل البخاري (256هـ)، صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، حديث رقم (1335)، ومحمد بن حبان، صحيح ابن حبان، كتاب الجنائز، فصل في الصلاة على الجنازة، ذكر ما يستحب أن يقرأ بفاتحة الكتاب في الصلاة على الجنازة، حديث رقم (3072).
(¬2) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص218.
(¬3) الطحطاوي، حاشيته على المراقي، ج2، ص 225.
وورد في السُّنّة ما يؤيد مذهب الحنفية في عدم القراءة، منه: عن سعيد المقبري - رضي الله عنه -: «أنَّه سأل أبا هريرة - رضي الله عنه -: كيف تُصلِّي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: أنا لعمر الله أُخبرك: أتبعها مع أهلها، فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله، وصليت على نبيه، ثم أقول: اللهمّ إنَّه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأنّ محمّداً عبدُك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهمّ إن كان مُحسناً فزد في إحسانه، وإن كان مُسيئاً فتجاوز عن سيئاته، اللهمّ لا تحرمنا أَجره، ولا تفتنا بعده» (¬1)، وعن نافع - رضي الله عنه -: إنَّ عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة» (¬2).
فبنى الشُّرُنْبُلاليّ قوله على الحديث الظّاهر في البُخاريّ، ومبنى الصّلاة عند الحنفيّة على الدُّعاء للميت، وهذا غيرُ متحقِّق في الفاتحة، ووردت أحاديث تؤيِّد هذا المسلك للحنفيّة بعدمِ القراءة، فهو معقولٌ مبنيٌّ على منقول، وهذا كمالُ الاجتهاد، وإغفالُ الإمام الشرنبلالي لهذا، وبناؤه على الحديث بعيد عن البناء القويم لبناء الفروع على أصول مستقاة من القرآن والسنة وآثار الصحابة، بناءً على أصول معتبرة في المذهب ومحررة.
¬
(¬1) مالك بن أنس، موطأ مالك، كتاب الجنائز، باب ما يقول المصلي على الجنازة، حديث رقم (775).
(¬2) مالك بن أنس، موطأ مالك، كتاب الجنائز، باب ما يقول المصلي على الجنازة، حديث رقم (777)، وهو حديث صحيح.
المسألةُ الرَّابعة:
اختيارُه وجوب دفع صدقة الفطر لواحد:
قال الشُّرُنبُلالي: «ويدفع كلُّ شخصٍ فطرتَه لفقيرٍ واحد ... » (¬1).
والمعتمد في المذهب: جواز دفعها لأكثر من واحد، وعدم جواز الدفع إلا لواحد مجردُ قول في المذهب، قال ملا خسرو (¬2): «وجب دفع كل شخص فطرته إلى فقير واحد حتى لو فرقه إلى فقيرين لم يجز؛ لأنَّ المنصوص عليه الإغناء، ولا يستغنى بما دون ذلك، وقال الكرخي - رضي الله عنه -: جاز دفعها إلى فقيرين، لكن الأول هو الأولى».
وصرَّح الشُّرُنْبُلاليّ في كتاب آخر (¬3) بجوازه الدفع لأكثر من واحد، فقال: «والصحيحُ قول الكَرخيّ؛ لما قال في «البرهان»: ويجوز دفع صدقة واحدة لجمع من الفقراء لوجود الدفع إلى المصرف على الصحيح، وقال في «البحر» صرّح الولوالجي وقاضي خان وصاحب «المحيط» و «البدائع» بجواز تفريق الفطرة الواحدة على مساكين من غير ذكر خلاف فكان هو المذهب كجواز تفريق الزكاة، وأما الحديث المأمور فيه
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص273.
(¬2) ينظر: محمد بن فرامُوز (ت885هـ)، درر الحكام شرح غرر الأحكام، الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ، وأيضاً: طبعة در سعادت، 1308هـ، ج1، ص196.
(¬3) ينظر: حسن بن عمار الشرنبلالي (ت1069هـ)، الشرنبلالية، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ، ج1، ص196.
بالإغناء فيفيد الأولوية، وقد نقل في «التبيين» الجواز من غير خلاف في باب الظهار».
فحرر الإمام الشرنبلالي نفسه في «حاشية الدرر» جواز التفريق على الجمع، وبيَّن أنَّ الحديث في البناء محمول على الأولوية، وهذا تحقيق وتحرير للمسألة في غاية الدقة، وهو أولى بالقبول مما قال في «المراقي»، ولعله في «المراقي» نظر إلى ظاهر الحديث فحسب، فعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير على كلّ حرّ، أو عبد ذكر أو أُنثى من المسلمين» (¬1)، والأحاديث ليست دلالتها واضحة على المدعى.
وبالتالي تتحقق الفائدة للقارئ في «المراقي» على المسامحة التي وقع فيها الشرنبلالي في هذه المسألة فخالف المذهب وخالف ما قاله في «حاشية الدرر».
¬
(¬1) في صحيح البخاري، كتب الزكاة، باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين، حديث رقم (1504).
المسألةُ الخامسةُ:
اختيارُه استحباب صلاة الفجر في منى بغَلَس:
قال الشُّرُنْبُلاليُّ: «ويُستحبُّ أن يُصلِّي الظُّهر بمنى، ولا يَترك التَّلبيةَ في أحواله كلِّها إلا في الطَّواف، ويمكث بمنى إلى أن يُصلِّي الفجر بها بغلس» (¬1).
والمعتمد في المذهب: استحباب صلاة الفجر بمنى مسفراً، ذكره في الشلبي (¬2) عن «الغاية»، ومثله في «الخانية»، لكنَّ الأكثر على خلافه: أي التغليس، «شرح اللباب» (¬3)؛ لأنَّ الأحاديث المشهورة تخبر أنَّ الصَّلاة تكون في الإسفار إلا فيما يتعلّق بيوم مزدلفة؛ لثبوته واستفاضته، وما عداها يبقى على الأصل عند الحنفية، فكان الأولى بالقبول عند الأكثر، والله أعلم.
* * *
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص 277.
(¬2) أحمد بن يونس ابن الشلبي (ت 947هـ)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق، مصر، المطبعة الأميرية، 1313هـ، (ط1)، ج2، ص24.
(¬3) ينظر: ابن عابدين، رد المحتار، ج2، ص503.
المبحث الثاني
في الاختيارات المعتمدة
على أصول البناء
ويقصد بها أمرين:
1.أصول البناء للمسائل، وهو الأصل والضابط الذي بنيت عليه هذه المسألة وأمثالها من المسائل التي تشبهها، فالمسألة دائما هي تطبيق لأصل، وهذا الأصل عادة يشتمل مجموعة من المسائل المتشابهة.
2.أصول البناء للأبواب، ونقصد به أنَّ كلَّ باب من الأبواب الفقهية له فكرة رئيسية يسعى لتحقيقها، وتدور مسائله على تطبيقها، وهذا ما يعرف بالقياس في الباب، الذي يقابله الاستحسان، والقياس هو القاعدة في الباب التي تنطبق عليه عامة مسائله، والاستحسان هو الاستثناء من هذه القاعدة، فالفروع التي خرجت عن القياس بنصّ أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو غيره، نسميها استحسان.
وعدمُ مراعاة الإمام الشُّرُنْبُلاليّ أحياناً لأصل جعله يختار بعض الاختيارات المخالفة للمذهب، ومنها:
المسألة الأولى:
اختياره اشتراط نية استقبال القبلة لصحة الصلاة:
قال الشرنبلاليّ: «والمرادُ منها بقعتَها لا البناء، حتى لو نَوَى بناء الكعبة لا يجوز إلاّ أن يُريدَ به جهةَ الكعبة، وإن نوى المحراب لا يجوز» (¬1).
والمعتمد في المذهب: عدم اشتراط نية القبلة لصحة الصلاة، وإنَّما هذا مبنيّ على القول المرجوح باعتبار النيّة في الاستقبال، قال التُّمُرتاشيُّ والحَصْكَفيُّ (¬2): «ونيّةُ استقبالِ القبلة ليست بشرطٍ مُطلقاً على الرَّاجح، فما قيل: لو نَوَى بناء الكعبة أو المقام أو محراب مسجده لم يجز مفرَّع على المرجوح».
وقال ابنُ عابدين (¬3): «كذا في «البحر» عن «الحَلْبة» وهو ظاهر؛ لأنَّ من اشترطَ نيّةَ الكعبة لا يُجوز الصّلاة بدونها، فإذا نَوَى غيرَها لا تجوز الصّلاة عنده بالأَولى، وقد علمت أَنَّ الكعبةَ اسمٌ للعرصة، فإذا نَوَى البناءَ أو المحرابَ أو المقامَ فقد نوى غير الكعبة، أمّا على القول الرّاجح من أنَّه لا تشترط نيّتُها فلا يضرُّه نيّة غيرها بعد وجودِ الاستقبال
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص82.
(¬2) محمد بن عبد الله التُّمُرْتاشي (ت1004هـ)، تنوير الأبصار وجامع البحار، مطبعة الترقي، 1332هـ، ج1، ص425، والحصكفي، الدر المختار، ج1، ص425.
(¬3) ابن عابدين، ردّ المحتار، ج1، ص425.
الذي هو الشرط، لكن اعترضه الشيخ إسماعيل بأنَّه غيرُ مسلم؛ لما في «البدائع» من أنَّ الأفضل أن لا ينوي الكعبة؛ لاحتمال أن لا تحاذي هذه الجهة الكعبة فلا تجوز صلاته، اهـ. فإنَّ مفهومَه أنَّه إذا استقبل غير ما نوى ـ أي بدون نية ـ لا تجوز صلاته، لكن لا يخفى أنَّه ليس فيه دلالة على أنَّه إذا نَوَى البناء ونحوه لا تجوز صلاته بل يدلّ على أنَّ الأفضل عدم ذلك، فما ذكره الحصكفي تبعاً «للبحر» و «الحلبة» صحيح، فافهم، نعم ذكر في «شرح المنية»: أنَّ نيّةَ القبلة وإن لم تشترط، لكن عدم نيّة الإعراض عنها شرط، اهـ، وعليه فهو مفرّع على الرّاجح».
وسبب اختيار الشرنبلالي راجع لاعتماده على القول المرجوح في اعتبار النية، والراجح عدمه لعدم اشتراط النية في باقي شروط الصلاة فلا تشترط في الاستقبال.
المسألة الثانية:
اختياره عدم صحة الشروع بالصلاة بالبسملة:
قال الشرنبلالي: «التحريمة: أن لا يكون بالبسملة» (¬1).
والمعتمد في المذهب: صحة الشروع بالبسملة، نصَّ الرزايُّ (¬2) على جواز الشروع في الصلاة بالبسملة؛ لأنّ مبنى التّحريمة أن تكون ذكراً
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص85.
(¬2) محمد بن أبي بكر الرازي (ت666هـ)، تحفة الملوك، ت: الدكتور عبد الله نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية، 1997م، (ط1)، ص76.
خالصاً، وبالتالي الخلاف في البسملة مفرَّعٌ عليها، فهل هي ذكرٌ خالص مثل: سبحان الله، أم ذكر فيه شائبة كما في الدُّعاء: اللهمّ.
وسبب اختيار الشرنبلالي أن البسملة ليس ذكراً خالصاً حتى يصح الشروع بها، والراجح أنها ذكر خالص؛ لأنها خالية عن شائبة الدعاء.
المسألة الثالثة:
اختار عدم تحقُّق فرض القراءة بقراءة {مُدْهَامَّتَان}:
قال الشرنبلالي: «وأَمّا الآيةُ التي هي كلمة: {مُدْهَامَّتَان} [64: الرحمن]، ... الأصحّ أنَّه لا تجوز بها الصّلاة» (¬1).
والمعتمد في المذهب: تحقّق فرض القراءة في الصلاة بها، قال الحداديّ (¬2): «وفي «الخُجندي»:يجوز بقوله: {مُدْهَامَّتَان}»، وذكر الاسبيجابيّ والكاسانيّ - رضي الله عنهم - أنَّه يجوز على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - من غير ذكر خلاف المشايخ (¬3)؛ لأنَّ مبنى المسألة على تحقق ما يتميز أنَّه قرآن؛ عملاً بقوله - عز وجل -: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [20: المزمل]، فما يتميز أنَّه قرآن تصح الصلاة به ويتحقق فرض الصلاة به، فمن جوز الصلاة بمدهامتان رأى أنَّها متميزة بكونها قرآناً.
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص86.
(¬2) أبو بكر بن علي الحَدَّادِيّ (720 - 800هـ)، الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري، المطبعة الخيرية، 1322هـ، (ط1)، ج1، ص58.
(¬3) ينظر: إبراهيم ابن نجيم (ت970هـ)، البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق، بيروت، دار المعرفة، بيروت، ج1، ص359.
وسببُ اختيار الشرنبلالي أنّها كلمة، والكلمةُ لا يتحقّق بها فرضُ القراءة، والراجح أنه يتميز بها القراءة أنها قرآن، فتجزئ القراءة بها، وهو الراجح.
المسألة الرّابعة:
اختيارُه أن يتأخر المقتدي الواحد على الإمام:
قال الشُّرُنْبُلاليّ: «ويقفُ الواحدُ رجلاً كان أو صبيّاً مميزاً عن يمين الإمام مساوياً له متأخراً بعقبه» (¬1).
والمعتمد في المذهب: عدم تأخر المقتدي عن الإمام في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، قال الطحطاوي (¬2): «ذكروا في شروح «الهداية» و «القدوري» و «الكنز» والبرهان والقُهُستاني: أنَّه يقف مساوياً له بدون تقدّم وبدون تأخر من غير فرجة في ظاهر الرواية».
وسبب اختيار الشرنبلالي أن التأخر قول محمد - رضي الله عنه -، وتمام الاقتداء هو المقارنة في الوقوف والأفعال عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فهو الأكمل في العمل والتطبيق، والقولان معمول بهما، ولعلّ مبنى قول محمد - رضي الله عنه - على ترك التقدّم على الإمام، وتحقيقُ التبعيّة له بالتأخر عنه، وهو ما جعل الإمام الشرنبلالي يأخذ به، والله أعلم.
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص116.
(¬2) الطحطاوي، حاشيته على المراقي، ج1، ص 413.
المسألةُ الخامسةُ:
اختيارُه عدم إيجاب سجود التلاوة على الإمام والمقتدي إن سمعوا من إمام آخر:
قال الشُّرُنْبُلاليّ: «وإلاّ الإمام والمقتدي به فلا تجب عليهما بالسّماع من مقتدٍ بالإمامِ السامعِ أو بإمام آخر» (¬1).
والمعتمد في المذهب: الوجوبُ على الإمام والمقتدي إن سمعوا آية التّلاوة ممن هو خارج الصّلاة، ويسجودُها بعد الانتهاء من الصّلاة، قال الطَّحطاويّ (¬2): «هذا خلافُ الأصحّ، والأصحُّ الوجوبُ على مَن ليس مشاركاً له في تلك الصّلاة مطلقاً، سواء كان السَّامع في جماعة أُخرى أو منفرداً أو خارجاً بالكليّة؛ لأنَّ الحجرَ ثبت في حَقّ جماعة مُعيَّنين فلا يعدوهم، «هداية»».
وهذا لأنَّ مبنى وجوبِ التَّلاوة على القراءةِ والسَّماع مع عدمِ المانع، وليس من الموانعِ أن تكون إماماً أو مقتدياً وتسمع من غيرك.
ولعلّ سبب اختيلار الشرنبلالي هو اختلاط المسألةَ عليه بمسألةِ عدمِ وجوبها إن سمعها من المقتدي به، فلا تجب على الإمام والمقتدي، والراجح وجوبها لتحقق سبب الوجوب وهو السماع ممن لا يقتدي معه.
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص186.
(¬2) الطحطاوي، حاشيته على المراقي، ج2، ص90.
المسألة السادسة:
تخريجه غسل الفمّ والأنف للميت النفساء على الجنب:
قال الشُّرُنْبُلاليّ: «ويُمْسَحُ فمُه وأنفُه بخرقةٍ، عليه عمل الناس، إلا أن يكون جنباً أو حائضاً أو نُفُساء فيُكلَّفُ غسلُ فمه وأنفه؛ تتميماً لطهارته» (¬1).
والمعتمد في المذهب: مسح الفم والأنف للميت مطلقاً بما فيهم الجنب والحائض والنفساء، وخرَّج الشرنبلالي النفساء على مسألة الجنب في غسل فمه وأنفه بعد موته، ومسألة الجنب غير مسلمة، ومحلُّ نظر كبير، قال الطحطاوي (¬2): «هذا بحثٌ للشُّرنبلاليّ كما تفيده عبارتُه في الشّرح قياساً لهما على الجنب للاشتراك في افتراض المضمضة والاستنشاق فيما بينهم، وقد علمت ردَّه في الجنب والكلام فيهما كالكلام فيه».
وسبب اختيار الشرنبلالي أنه لم يراع في هذه المسألة أنَّ مبنى عدم المضمضة والاستنشاق للميت الحرجُ؛ لعدم القدرة على إخراج الماء من فمه وأنفه إن أدخل كالحيّ، وهذا لا يختلف الجنب فيه عن غيره، فكان استثناءُ الجنب إغفالاً لمبنى المسألة وغير مقبول، وبناءُ النفساء على الجنب يندرج تحت هذا في عدم قبوله، وإغفالٌ لأصل المسألة.
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص213.
(¬2) الطحطاوي، حاشيته على المراقي، ج2، ص 204.
المسألةُ السّابعة:
اختيارُه لاشتراط النيّة في غسل الميت:
قال الشُّرُنْبُلاليّ: «إذا وُجِد غريقاً يُحرَّكُ في الماء بنيّة غسله لهذا، لا لصحّة الصّلاة عليه» (¬1).
والمعتمدُ في المذهب: لا يشترط النيّة في غسل الميت، وإنَّما هي لطلب الثَّواب لا غير، قال ابن عابدين (¬2): «اعلم أنَّ حاصل الكلام في المقام: أنَّه قال في «التَّجنيس»: ولا بُدّ من النية في غسله في الظاهر، وفي «الخانية»: إذا جرى الماء على الميت أو أصابه المطر عن أبي يوسف - رضي الله عنه -: أنَّه لا ينوب عن الغسل؛ لأنّا أمرنا بالغسل، وذلك ليس بغسل.
وفي «النَّهاية» و «الكفاية» وغيرهما: أنَّه لا بُدّ منه إلا أن يُحرِّكه بنيّة الغسل، وقال في «العناية»: وفيه نظر؛ لأنَّ الماءَ مزيلٌ بطبعه، وكما لا تجب النية في غسل الحيّ فكذا الميت؛ ولذا قال في «الخانية»: ميت غسله أهلُه من غيرِ نيّة الغُسُل أجزأهم ذلك، اهـ، وصرَّح في «التَّجريد» و «الاسبيجابي» و «المفتاح» بعدم اشتراطها أيضاً، ووفَّق في «فتح القدير» بقوله: الظاهر اشتراطها فيه؛ لإسقاط وجوبه عن المكلّف لا لتحصيل طهارته هو، وشرط صحّة الصلاة عليه، اهـ، وبحث فيه شارح «المنية» بأنَّ ما مرَّ عن أبي يوسف - رضي الله عنه - يفيد أنَّ الفرضَ فعلُ الغسل منا، حتى لو
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص214.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار، ج2، ص200.
غسله لتعليم الغير كفى، وليس فيه ما يفيدُ اشتراط النيّة لإسقاط الوجوب بحيث يستحقّ العقاب بتركها.
وقد تقرَّرَ في الأصول: أنَّ ما وجب لغيره من الأفعال الحسية يشترط وجوده لا إيجاده: كالسعي والطهارة، نعم لا ينال ثواب العبادة بدونها، اهـ، وأقرّه الباقاني وأيده بما في «المحيط»: لو وجد الميت في الماء لا بُدّ من غسله؛ لأنَّ الخطابَ يتوجه إلى بني آدم ولم يوجد منهم فعل، اهـ، فتلخص: أنَّه لا بد في إسقاط الفرض من الفعل، وأمّا النيّة فشرط لتحصيل الثواب؛ ولذا صحّ تغسيل الذمية زوجَها المسلم مع أنَّ النيّة شرطها الإسلام فيسقط الفرض عنا بفعلنا بدون نية، وهو المتبادر من قول «الخانية»: أجزأهم ذلك».
وسبب اختيار الشرنبلالي عدم عمله بأصل عند الحنفية، وهو أن الماء مطهِّرٌ بنفسِه فلا يحتاج إلى النيّة كما في الوضوء والغسل، والجنابةُ وغيرُها من الأحداث لم يشترط فيها النية، فكيف يشترط في غسل الميت، وهذا إغفالٌ لأصل الباب وبناء مسائله لم يتلفت إليه الإمام الشرنبلالي.
المسألةُ الثامنة:
اختياره لعدم غسل قاطع الطريق:
قال الشرنبلالي: «ولا يُصلَّى على باغ اتفاقاً وإن كان مسلماً، ولا على قاطع طريق إذا قُتِل كلٌّ منهم حالة المحاربة، ولا يُغَسَّل؛ لأنَّ عَليّاً - رضي الله عنه - لم
يُغَسِّل البُغاة. وأمّا إذا قُتِلُوا بعد ثبوت يد الإمام، فإنَّهم يُغَسَّلون ويُصلَّى عليهم» (¬1).
والمعتمد في المذهب: عدمُ الصّلاة على الباغي والقاطع؛ لبشاعة فعلهم من قطع الأمن، وفي ترك الصّلاة عِظة لغيرهم؛ لئلا يسلكوا مسلكهم، وفيه كفايةٌ في الزَّجر، فلم يعد حاجةٌ لترك الغُسل لهم؛ فلذلك كان الأكثر اعتماداً، ومَن اختار ترك الغُسل أراد المبالغة في الزَّجر.
قال ابنُ عابدين (¬2): «إنَّما لم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم؛ إهانة لهم وزجراً لغيرهم عن فعلهم، وصَرَّح الحصكفي بنفي غسلهم؛ لأنَّه قيل: يغسلون ولا يصلى عليهم للفرق بينهم وبين الشهيد كما ذكره الزيلعي وغيره، وهذا القيل رواية، وفيه إشارة إلى ضعفها، لكن مشى عليها في الدرر والوقاية، وفي التتارخانية: وعليه الفتوى».
قال الزَّيلعيّ (¬3): «وأمّا إذا قتلوا بعد ثبوت يد الإمام عليهم فإنَّهم يغسّلون ويُصلّى عليهم، وهذا تفصيل حسن أخذ به كبار المشايخ؛ لأنَّ قتلَ قاطع الطريق في هذه الحالة حدّ أو قصاص، ومَن قُتِل بذلك يُغسَّل
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص223.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار، ج2، ص 210.
(¬3) عثمان بن علي الزيلعي (ت743هـ)، تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق، مصر، المطبعة الأميرية، مصر، 1313هـ، (ط1)، ج1، ص250.
ويُصلّى عليه، وقتل الباغي في هذه الحالة للسياسة أو لكسر شوكتهم فينزل منزلته لعود نفعه إلى العامّة» (¬1).
وسبب اختيار الشرنبلالي بناؤه على قول سيدنا علي - رضي الله عنه -، وأن ترك الغسل فيه مبالغة في الزجر، والراجح ما عليه المذهب من ترك الصلاة فحسب؛ لأن زاجرة ورادعة لهذا الفعل القبيح.
المسألة التّاسعة:
اختيارُه لاشتراطِ الجمع الكثير في قبول شهادة مَن يأتي من خارج المصر في رؤية الهلال:
قال الشرنبلاليّ: «وإن لم يكن بالسماء علّة فلا بُدّ للثبوت من شهادة جمع عظيم لرمضان والفطر وغيرهما؛ لأنَّ المطلعَ متحدٌ في ذلك المحلّ، والموانع منتفيةٌ، والأبصار سليمةٌ، والهمم في طلب رؤية الهلال مستقيمة، فالتفرُّدُ في مثل هذه الحالة يوهم الغلط، فوجب التوقُّف في رؤية القليل حتى يراه الجمع الكثير، لا فرق في ظاهر الرواية بين أهل المصر ومَن وَرَدَ من خارج المصر» (¬2).
والمعتمد في المذهب: ما فصَّلَ الطحاويّ باشتراط الجمع فيما لو كان المخبرون من داخل المصر، فأمّا إذا كانوا من خارجه، فيكفي شهادة الواحد العدل الثقة برؤيته؛ لأنَّه يتيقّن في الرؤية في الصحاري ما لا
¬
(¬1) وينظر: ابن عابدين، رد المحتار، ج2، ص210.
(¬2) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص243.
يتيقّن في الأمصار؛ لما فيها من كثرة الغبار، وكذا إذا كان في المصر في موضع مرتفع، وصحَّحه القُدُوري واعتمد عليه المرغيناني وصاحبُ الفتاوى الصغرى، قال ابن عابدين (¬1): «وهذا وإن كان خلاف ظاهر الرواية فينبغي ترجيحُه في زماننا تبعاً لهؤلاء الأئمة الكبار الذي هم من أهل الترجيح والاختيار، وجزم به الإمامُ السغناقي في النهاية».
وقال السَّرَخْسِيّ (¬2): «إنَّما ترد شهادته ـ أي الواحد ـ إذا كانت السماء مصحية، وهو من أهل المصر فأما إذا كانت السماء مغيمة أو جاء من خارج المصر، أو كان من موضع نشز، فإنَّه تقبل شهادته عندنا»، قال ابنُ عابدين (¬3): «ولا يخفى أنَّ «المبسوطَ» من كتب ظاهر الرواية، وقوله: يقبل عندنا؛ يفيد عدم الخلاف فيه في المذهب، فيكون إطلاق ما في أكثر الكتب في محلّ التقيد واحد، فلا منافاة بين رواية الطحاوي وظاهر الرواية».
وسبب اختيار الشرنبلالي اتحاد المطلع داخل المصر وخارجه، والراجح التفصيل السابق؛ لأن عدم القبول لمَن كان في المصر مبنيٌّ على
¬
(¬1) محمد أمين ابن عابدين (1198 - 1252هـ)، تنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ص79.
(¬2) محمد بن أبي سهل السرخسي (500هـ)، المبسوط، بيروت، دار المعرفة، 1406هـ، ج3، ص64.
(¬3) ابن عابدين، تنبيه الغافل، ص80.
التُّهمة في رؤيةِ فرد مع توفر الأسباب حتى يرى الجمع، ولم تبق هذه التهمة موجودة لمَن يأتي من الخارج، فكان العمل على هذا.
المسألة العاشرة:
اختياره الكفارة لمن واصل الجماع بعد تذكره أنَّه صائم:
قال الشرنبلالي: «منها: ما لو أكل الصائم أو شرب أو جامع أو جمع بينها ناسياً لصومه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أكل الصائمُ ناسياً أو شرب ناسياً فإنَّما هو رزقٌ ساقه الله إليه» (¬1)، فلا قضاء عليه، والجماع في معناهما، فإن تذكَّر نَزَعَ من فوره، فإن مَكَثَ بعده فَسَدَ صومُه، فإن حَرَّكَ نفسَه ولم ينزع أو نزع ثمّ أولج لزمته الكفّارة» (¬2).
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أكل الصائمُ ناسياً أو شرب ناسياً فليتمّ صيامه فإنَّما أطعمه الله وسقاه» في أحمد بن شعيب النَّسَائِي، سنن النسائي الكبرى، كتاب الصيام، باب في الصائم يأكل ناسياً، حديث رقم (3262)، وعنه - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أكل ناسياً وهو صائم فليتم صومه، فإنَّما أطعمه الله وسقاه» البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسياً في الأيمان، حديث رقم (6669)، ومسلم بن الحجاج (ت261هـ)، صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب أكل الناسي وجماعه وشربه، حديث رقم (1155)، وعنه - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة» محمد بن حِبَّان (354هـ)، صحيح ابن حبان، كتاب الصوم، باب قضاء الصوم، حديث رقم (3521)، ومحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، المستدرك على الصحيحين، كتاب الصوم، حديث شعبة، حديث رقم (1569)، وصححه، وصححه ابن حجر في بلوغ المرام، كما في ظفر أحمد التهانوي (1394هـ)، إعلاء السنن، ت: حازم القاضي، دار الكتب العلمية، 1997م، (ط1)، ج9، ص130.
(¬2) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص244.
والمعتمد في المذهب: سقوط الكفارة لمَن استمرّ بفعل الجماع بعد تذكره الصيام، وهذا الاختيار للشرنبلالي مُخالفٌ لما سيأتي في كلامه من أنَّه إذا أكل أو جامع ناسياً فأكل عمداً لا كفّارة عليه على المذهب لشبهةِ خلاف مالك؛ لأنَّه يقول بفساد الصَّوم إذا أكل أو جامع ناسياً.
ولعل سبب اختيار الشرنبلالي غفلته بأنّ مبنى المسألة: أنَّ الفساد بالتحريك إنَّما هو لكون التحريك بمنزلة ابتداء جماع، وإذا جامع عامداً بعد جماعه ناسياً لا تجب الكفّارة فكذا لا تجب إذا حَرَّكَ نفسه بالأولى.
قال ابنُ عابدين (¬1): «ووجه المخالفة أنَّه إذا لم تجب الكفّارة في الأكل عمداً بعد الجماع ناسياً يلزم منه أن لا تجب بالأولى فيما إذا جامع ناسياً فتذكر ومكث وحرّك نفسه؛ لأنَّ الفساد بالتحريك إنَّما هو لكون التحريك بمنزلة ابتداء جماع، والجماع كالأكل، وإذا أكل أو جامع عمداً بعد جماعه ناسياً لا تجب الكفارة فكذا لا تجب إذا حَرَّكَ نفسه بالأولى، لكن هذا لا يخالف مسألة الطلوع. نعم يؤيد عدم الوجوب فيها أيضاً إطلاق ما في البدائع حيث قال: هذا أي عدم الفساد إذا نزع بعد التذكّر أو بعد طلوع الفجر، أما إذا لم ينزع وبقي فعليه القضاء ولا كفارة عليه في ظاهر الرواية.
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار، ج2، ص 398.
ورُوِي عن أبي يوسف - رضي الله عنه -: وجوب الكفارة في الطلوع فقط؛ لأنَّ ابتداء الجماع كان عمداً وهو واحد ابتداء وانتهاء، والجماعُ العمد يوجبها، وفي التذكر لا كفارة، ووجه الظاهر: أنَّ الكفّارة إنَّما تجب بإفساد الصوم وذلك بعد وجوده، وبقاؤه في الجماع يمنع وجود الصوم فاستحال إفساده فلا كفارة، اهـ، فهذا يدلّ على أنَّ عدمَ وجوبها في التذكّر متفقٌ عليه؛ لأنَّ ابتداءَه لم يكن عمداً وهو فعل واحد فدخلت فيه الشبهة؛ ولأنَّ فيه شبهة خلاف مالك - رضي الله عنه - كما علمت، وإنَّما الخلاف في الطلوع وما وجه به ظاهر الرواية يدلّ على عدم الفرق بين تحريك نفسه وعدمه».
المسألة الحادية عشر:
اختياره لوجوب تكبير قنوت الوتر:
قال الشرنبلالي: «ويجب قراءةُ قنوت الوتر عند أبي حنيفة، وكذا تكبيرةُ القنوت، كما في «الجوهرة» (¬1)» (¬2).
والمعتمد في المذهب: أنَّ القنوت واجب، وتكبيرته سنّة؛ لنصّ عامّة الكتب على وجوب القنوت بدون ذكر التّكبير (¬3)، فتدلّ على مبنى التكبير
¬
(¬1) الحدادي، الجوهرة النيرة، ج1، ص77.
(¬2) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص95.
(¬3) ينظر: الرازي، تحفة الملوك ص92، والحلبي، الملتقى، ص18، والتمرتاشي، التنوير، ج1: ص449، وغيرها.
للقنوت أنه تكبير كباقي التَّكبيرات في الصلاة، فيكون حكمُه حكمُ سائر التّكبيرات من السُّنية، فلا يجب السجود به.
وفي «الظهيرية»: أنَّه لو ترك تكبيرة القنوت، فإنَّه لا رواية لهذا، وقيل: يجب سجود السهو اعتباراً بتكبيرات العيد، وقيل: لا يجب، اهـ، وينبغي ترجيح عدم الوجوب (¬1)، وقال في «البحر» في باب سجود السهو: وممَّا أُلحق به: أي بالقنوت تكبيره، وجزم الزَّيلعي بوجوب السّجود بتركه (¬2).
وسببُ اختيار الشُّرنبلالي إلحاق التّكبير بالقنوت في الوجوب، وهذا ما اختاره الزيلعي، والرّاجح السنية لشبه تكبير القنوت بباقي التكبيرات.
* * *
¬
(¬1) ينظر: ابن نجيم، البحر الرائق، ج2، ص 103.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار، ج1، ص 468.
المبحث الثالث
في الاختيارات المعتمدة
على أصول الإفتاء
وهي الأصولُ التي يعتمدُ عليها المجتهدُ في المذهبِ في الترجيح والتفريع والتطبيق والإفتاء، كما يعتمد المجتهدُ المستقلّ على أصولِ الفقه لاستخراج الأحكام من الكتاب والسنة والآثار والترجيح بينها، فكما لا غنى للمجتهد المطلق عن أصول الفقه ـ فهي القواعد التي تُمَكّنه من القيامِ بعلمه واستفراغ جهده في استنباط الأحكام، وهي آلته في ذلك ـ فكذلك العالم في المذهب، فإنَّ رسمَ المفتي هو الأداة التي يتمكَّن بها من القيام بعمله، وبذل جهده في إنزال الفقه على الواقع، والخروج من دائرة الخلاف، وتلبية حاجات مجتمعه، فهي الوسيلة لذلك.
وكما أنَّ أُصولَ المجتهد المطلق تدور في محاور رئيسيّة فيها العديد من القواعد الأصوليّة وهي: الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس، فكذلك فإنَّ أصولَ المجتهد في المذهب لها محاور رئيسيةٌ مليئةٌ بقواعدِ للإفتاء، وهذه المحاور: هي الضرورة، والتيسير، ورفع الحرج، والعرف،
والمصلحة، وتغيّر الزمان، فهذه هي الأُصول الكبرى في رسم المفتي التي يرتكز عليها المفتي في فهمه وضبطِهِ وتطبيقِهِ للفقه.
ومن هذه الاختيارات التي لم يراع فيها قواعد رسم المفتي:
المسألة الأولى:
اختياره بطلان التحريمة إن لم يذكر الهاوي:
قال الشرنبلالي: «التحريمة: أن يأتي بالهاوي، وهو الألفُ في اللام الثانية، فإذا حذفه لم يصحّ» (¬1).
والمعتمد في المذهب: صحة الصلاة مع حذف الهاوي، قال ابن عابدين (¬2): «فإذا حذفه الحالف، أو الذابح، أو المكبر للصلاة، أو حذف الهاء من الجلالة، اختلف في انعقاد يمينه، وحلّ ذبيحته، وصحّة تحريمته، فلا يُتركُ احتياطاً».
وبنى الشرنبلالي المسألةَ على الأصل من عدم النُّطق الصَّحيح بالذكر، لكن مبنى المسألة على الضَّرورة، فكثيرٌ من النَّاس تكون لغتُهم ولهجتُم لا يذكرون فيها الهاوي، وبالتَّالي إبطال صلاتهم فيه حرجٌ عظيم، وهذا ما راعاه أئمة التَّرجيح، ولم ينتبه له الشرنبلاليّ، أو ممكن أن يقال:
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص85.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار، ج1، ص 453.
أنه بنى حكمه على عرف كان ف يزمانه، وهو أن التصحيح ممكن وليس متعذراً.
المسألة الثانية:
اختياره لبطلان صلاة الألثغ الذي يترك التَّصحيح والجهد:
قال الشرنبلالي: «وإذا لم يجد في القرآن شيئاً خالياً عن لُثغة، وعجزِ عن إصلاحِ لسانه آناء الليلِ وأَطراف النَّهار فصلاتُه جائزةٌ لنفسه، وإن ترك التصحيح والجهد فصلاتُه فاسدةٌ» (¬1).
والمعتمد في المذهب: صحة صلاة الألثغ وإن ترك التصحيح، قال ابنُ عابدين (¬2): «ولا بُدّ أيضاً من تقييده بما إذا لم يقدر على قراءة قدر الفرض مما لا لثغ فيه، فإن قدر عليه وقرأه لا يلزمه الاقتداء، ولا بذل الجهد كما لا يخفى»، وقال الطحطاوي (¬3): «وكلامه ـ أي ابن أمير الحاج ـ يفيد أنَّ هذا الشرط ـ أي ترك التصحيح والجهد ـ فيه خلاف، والأكثر لم يذكره؛ لأنَّه فيه حرجاً عظيماً».
وكلام الطحطاوي رائع في بيان سبب ترك الأئمة لشرط التصحيح؛ لما فيه من الحرج الشديد، والإمام الشرنبلالي لم يراع هذا، والله أعلم.
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص110.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار، ج1، ص 582.
(¬3) الطحطاوي، حاشيته على المراقي، ج1، ص 393.
المسألة الثالثة:
اختياره اشتراط نيّة الرّجل للنِّساء لصحّةِ اقتدائهم به في الجمعة والعيدين:
قال الشربنلالي: «ونيّةُ الرَّجل الإمامة شرطٌ لصحّة اقتداء النِّساء به؛ لما يلزم من الفساد بالمحاذاة، ومسألتُها مشهورةٌ، ولو في الجُمُعة والعيدين على ما قاله الأكثر» (¬1).
والمعتمد في المذهب: عدم اشتراط نيّة إمامة المرأة في الجمعة والعيدين، وفي كلّ صلاة يتحقَّق الأمنُ من محاذات المرأة التي تبطل الصلاة عند الحنفية؛ لأنّ النيّة ليست مقصودة بنفسها، وإنّما لمنع إبطال المرأة بمحاذاتها صلاة الرجل.
قال الطَّحطاويُّ (¬2): ««في «النَّهر» عن «الخلاصة»: ترجيح عدم الاشتراط فيهما»، وقال الزَّيلعيُّ (¬3): «وأَمّا في الجمعةِ والعيدين فأَكثرهم منعوا الحكم فيهما، ومنهم مَن سَلَّم، وفرّق بأنَّ فيهما ضرورة، فإنَّها لا تقدر على أدائها وحدها؛ ولأنَّها لا تقدر على القيامِ بجنب الرجال؛ لكثرة الازدحام فيهما فلا يفضي إلى فساد صلاته».
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص110.
(¬2) الطحطاوي، حاشيته على المراقي، ج1، ص394.
(¬3) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج1، ص 137.
فمبنى المسألة في اشتراط النيّة: هو خشيةُ بطلان صلاة الرَّجل بمحاذاة المرأة، وهذه العلّة منفية في الجمعة والعيدين، فكثرة الازدحام تمنع منه، ولأنَّ فيه ضرورة صلاة المرأة جماعة لعدم قدرتها على صلاتها منفردة، فبسبب ملاحظة هذين الأمرين جازت صلاتها بدون نيّة الرَّجل، وهذا ممَّا غَفِلَ عنه الإمامُ الشرنبلالي.
المسألة الرابعة:
اختياره عدم صحّة الاقتداء إن عَلِم أنَّ الإمامَ لا يحتاط في مواضع الخلاف:
قال الشرنبلالي: «وأمّا إذا عَلِمَ منه أنَّه لا يحتاط في مواضع الخلاف، فلا يصحّ الاقتداء به، سواء علم حاله في خصوص ما يقتدي به فيه أو لا» (¬1).
والمعتمد في المذهب: أنَّ حكمَ فساد الصَّلاة راجعٌ إلى زعم المقتدي بأن فعل الإمام ما يبطل الصَّلاة عند المقتدي ولا يبطلها عند الإمام.
وقد اختلفوا في حكم الاقتداء بالمخالف، وله الصور الآتية:
1.إن تيقَّنَ مراعاة الإمام للخلاف في الفرائض من شروط وأركان في تلك الصلاة وإن لم يراع الواجبات والسنن، فلا تكره الصلاة خلفه،
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص112.
قال القاري (¬1): الصحيح جواز اقتداء الحنفي بالشافعي وغيره إذا لم يتيقن بالمفسد.
2.إن تيقَّنَ عدم مراعاة الإمام للخلاف، فلا تصحّ صلاته خلفه؛ لأنَّ العبرة في جواز الصلاة وعدمه لرأي المقتدي في حق نفسه، لا لرأي إمامه، قال المِرغيناني (¬2): إذا علم المقتدي منه ما يزعم به فساد صلاته: كالفصد وغيره لا يجزئه الاقتداء به.
3.إن شَكَّ في مراعاة الإمام للخلاف فتكره الصلاة خلفه، كما في «الدر المختار» و «رد المحتار» (¬3)، و «العناية» (¬4)، و «الشرنبلالية» (¬5)، و «البحر الرائق» (¬6)، و «منحة الخالق» (¬7)، و «حلبي صغير» (¬8).
وبالتالي إن اعتبرنا زعم المقتدي، فلا تبطل إلا إذا تيقن بطلان صلاة الإمام في زعمه، بأن رأى دماً سال من الإمام وصلى مباشرة بدون
¬
(¬1) علي بن سلطان القاري (114هـ)، فتح العناية بشرح النقاية، ت: محمد نزار وهيثم نزار، دار الأرقم، 1418هـ، (ط1)، ج1، ص388.
(¬2) المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، ج1، ص437.
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار، ج1، ص 563.
(¬4) البابرتي، العناية على الهداية، ج1، ص 438.
(¬5) الشرنبلالي، الشرنبلالية، ج1، ص86.
(¬6) ابن نجيم، البحر الرائق، ج2، ص 50.
(¬7) محمد أمين ابن عابدين (1252هـ)، منحة الخالق على البحر الرائق، دار المعرفة، (ط2)،
ج2، ص 50 - 51.
(¬8) إبراهيم بن محمد الحَلَبي (ت956هـ)، حلبي صغير، مطبوع في اسطنبول، 1303هـ،
ص140.
أن يغيب عنه، فلا تصح صلاته خلفه، وإن لم يكن كذلك صحت الصلاة؛ للضرورة في ذلك، وهذا غير متحقق فيما قرَّره الإمام الشرنبلالي، وفيه من الحرج ما لا يخفى.
المسألة الخامسة: اختياره عدم رفع الصَّوت في تسليم صلاة الجنازة: قال الشرنبلالي: «ولا ينبغي أن يرفعَ صوتَه بالتسليم فيها كما يرفع في سائر الصلوات» (¬1).
والمعتمد في المذهب: رفع الصوت في تسليم صلاة الجنازة كباقي الصلوات، قال الكاساني (¬2): «هل يرفع صوته بالتسليم؟ لم يتعرض له في ظاهر الرواية، وذكر الحسن بن زياد - رضي الله عنه -: أنَّه لا يرفع صوته بالتسليم في صلاة الجنازة؛ لأنَّ رفعَ الصوت مشروعٌ للإعلام، ولا حاجة إلى الإعلام بالتسليم في صلاة الجنازة؛ لأنَّه مشروعٌ عقب التكبيرة الرابعة بلا فصل، ولكنَّ العمل في زماننا هذا يُخالف ما يقوله الحسن - رضي الله عنه -».
وعن نافع: «أنَّ ابن عمر - رضي الله عنهم - كان إذا صلى على جنازة سلَّم حتى يُسمع مَن يليه»، قال محمّد (¬3): «وبهذا نأخذ يسلم عن يمينه ويساره ويسمع من يليه، وهو قول أبي حنيفة».
¬
(¬1) الشرنبلالي، مراقي الفلاح، ص219.
(¬2) أبو بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت، دار الكتاب العربي، 1402هـ، (ط2)، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية، ج1، ص 313.
(¬3) محمد بن الحسين الشيباني (ت189هـ)، موطأ محمد، ت: الدكتور تقي الدين الندوي، بومباي، دار السنة والسيرة، ودمشق، دار القلم، 1991م، (ط1)، ج2، ص237، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له»، وفي نسخة: «فلا شيء عليه» أخرجه أبو داود، كما في: المبارك بن محمد الجزري (ت: 606هـ)، جامع الأصول في أحاديث الرسول، ت: عبد القادر الأرنؤوط، مكتبة دار البيان، (ط1)، برقم 4335، ولفظ: (فلا شيء له) هو موافق للفظ لرواية عبد الرزاق بن همام الصنعاني (211هـ)، المصنف، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت، المكتب الإسلامي، 1403هـ، (ط2)، ج3، ص 527، ويؤيدها رواية عبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (235هـ)، المصنف في الأحاديث والآثار، ت: كمال الحوت، الرياض، مكتبة الرشد، 1409هـ، (ط1)، ج3، ص 44: «مَن صلى على جنازة في المسجد فلا صلاة له، قال وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تضايق بهم المكان رجعوا ولم يصلوا»، وفي رواية: «فليس له شيء» ابن ماجه القزويني (273هـ)، سنن ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الجنائز، حديث رقم (1517)، أحمد بن حنبل (241هـ)، مسند أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة - رضي الله عنه -، حديث رقم (9730)؛ ولذلك قال الخطيب: وهو هو المحفوظ (فلا شيء له)، كما في عبد الله بن يوسف الزَّيْلَعِي (ت762هـ)، نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، ت: محمد يوسف البنوري، مصر، دار الحديث، 1357هـ، ج2، ص 275.
فما ذكره الشرنبلالي هو رواية الحسن، لكنَّ الكاسانيّ يُقرّر أنَّ العمل على خلافه، وهذا أولى بالقبول بالنظر للواقع؛ لأنَّ الفقه علم تطبيقي لا نظري، فمراعاة ما عليه العمل هو المرجح.
* * *
الخاتمة:
أوجز هاهنا أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث:
1.يعدُّ كتاب «المراقي» من أشهر كتب الحنفية وأكثرها شيوعاً في موضوعي الطهارة والصلاة؛ لكثرة عنايته بهما.
2.للإمام الشرنبلالي اختياراتٌ خالف فيها المعتمد من مذهب السّادة الحنفيّة في كتابه «المراقي»، فعلى الدّارسين له عدم التّسليم أنّ كلّ ما ورد فيه هو المعتمد.
3.إنَّ أسباب مخالفات الشرنبلالي تدور على ثلاثة أمور رئيسية:
أ. اختيارات مبنيّة على مراعاته لظواهر الحديث، والترجيح بها، وإن خالفت المعتمد من المذهب، وهذه طريقةُ مدرسة محدثي الفقهاء من متأخري الحنفية، في حين أنّ مدرسةَ الفقهاء لا ترجّح إلاّ بالأصل الفقهي الذي يجمع بين الأدلّة القرآنيّة والحديثيّة في الباب، فيكون هو الأقوى.
ب. اختيارات مبنيّة على عدم مراعاته لأصول بناء المسائل وهي أصل الباب أو أصل المسألة، الذي يدور عليه البناء الفقهي للفروع، وبالتّالي سيكون الاختيار والتّرجيح المخالف للأصل مخالف للمعتمد في المذهب.
ج. اختيارات مبنيّة على عدم مراعاته لأصول التّطبيق، وهي أُصول الإفتاء أو قواعد رسم المفتي من ضرورة وتيسير ورفع حرج ومصلحة وعرف وتغير زمان، وهي أسس ومبادئ رئيسية في العمل بالأحكام، ومخالفتها مخالفة للمعتمد من المذهب، وإيقاع للناس في حرج شديد.
* * *