اختلاف الفقهاء .......
.................. أصولي
جارٍ تحميل الكتاب…
اختلاف الفقهاء .......
.................. أصولي
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
اختلافُ الفقهاء أصوليٌّ
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* بحث نشر في مجلة دراسات \علوم الشريعة والقانون\ الجامعة الأردنية
ملخص البحث:
عرضت فيه ابتداءً لعامة الأسباب التي ذكرها مَن ألَّف في أسباب الاختلاف، ثُمَّ فصّلت في بيان أنَّ اختلافَ الفقهاء أُصوليّ، وأنَّ الأسباب الحقيقيّة للاختلاف بين الفقهاء مردّها للأصول لكل مجتهد، وأنَّ هذه الأصول على ثلاثة أنواع: أصول استنباط، وأصول بناء، وأصول تطبيق، وتوسعتُ في التدليل على ذلك بذكر القواعد والأمثلة الفقهية التي تدلّل على أنَّ الاختلاف في كل المسائل التي نعرفها يرجع لأحد أنواع هذا الأصول بفروعها.
الكلمات الدالة: اختلاف الفقهاء أصولي، اختلاف الفقهاء في الأصول، أصول الاستنباط، أصول البناء، أصول التطبيق، أسباب اختلاف الفقهاء.
Difference between Jurisprudents is due to usul
Research Summary:
I offered at the beginning the general reasons mentioned by whom who wrote in the causes of disagreement. Then I gaved details to show that the disagreement between scholars is due to usul, and that the real reasons for the difference between the scholars attributed the usul of each independent legist"mujtahid". And that these usul are of three types: elicitation usul, constructing usul, and application usul. I expanded in demonstrating that by giving rules and examples that demonstrate that the difference in all the issues that we know it is due to one of the types of usul and its branches.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ سبب الاختلاف بين الفقهاء قضية تشغل ذهن الباحثين والطلبة كثيراً جداً، ويقع السؤال عنها مراراً وتكراراً، ويحيط بها غموض كبير، فسعيت في هذا البحث إلى تيسير أمرها وتسهيل الجواب عنها بإرجاع الاختلاف إلى سبب واحد يتفرع عليه أسباب أخر، وهذا بعد نظر وسبر لمسائل عديدة مثلت لها في البحث.
وهذا السبب هو الأصول، ولا يقصد بها أصول الاستنباط التي هي العلمُ بالقواعدِ التي يتوصَّل بها إلى استنباطِ الأحكام الشرعيّة الفرعيّة من أدلتها التفصيلية (¬1).
وإنَّما تشمل أصول البناء الفقهي، وأصول التطبيق.
¬
(¬1) ابن الساعاتي، بديع النظام ج1، ص9، والتهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون ج1، ص38.
ولكل واحدة من هذه الأصول الثلاثة تفريعات لا تعدّ ولا تحصى، ولن يخرج الاختلاف بين الفقهاء عنها، فهي الأسباب الحقيقية للاختلاف، وهي متفاوتة من مجتهد إلى مجتهد.
فالمجتهد في الفقه يقوم بهذه المراحل الثلاثة: استنباط، ثُمَّ بناء، ثُمَّ تطبيق، ولا بدّ له في كل واحدة منها من قواعد يطبقها، فيتكون عندنا الاختلاف بين الفقهاء؛ لاختلاف قواعدهم وأصولهم في كل مرحلة.
وأهمية البحث: تظهر في أهمية القضية التي يتناولها، وهي بيان أسباب الاختلاف بين الفقهاء، وإرجاعه الأسباب المتعددة إلى سبب واحدٍ يتفرع عليها غيره.
ومشكلةُ البحث تكمن: في الإجابة عن سؤال: هل الاختلاف الأصولي هو السبب الحقيقي للاختلاف بين الفقهاء؟ وما هو المقصود بالاختلاف الأصولي؟ وما هي أنواعه؟
واتبعتُ في بحثي المنهج الاستقرائي من كتب الفقه والأصول بجمع الجزئيات والأمثلة في البحث، ثمَّ المنهج الاستنباطيّ والتحليلي من خلال التأمل والتدبر في الفروع.
ولم أقف في حدود علمي على دراسة خاصة في هذا البحث، إلا ما يكتب من نقاط عامة في بداية بعض الكتب في الأصول.
هذا وقد خلص البحث بتوفيق الله - عز وجل - إلى تمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة.
فالتمهيد: في اختلاف أنظار العلماء في أسباب الاختلاف.
المبحث الأول: في اختلاف الفقهاء في علم الأصول، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: من جهة اللغة.
والمطلب الثاني: من جهة الدّلالات.
والمطلب الثالث: من جهة حجية قول الصحابة والإجماع والقياس.
والمطلب الرابع: من جهة الأدلة المختلف فيها.
والمطلب الخامس: من جهة التعارض والترجيح.
والمبحث الثاني: في اختلاف الفقهاء في البناء الفقهي.
والمبحث الثالث: في اختلاف الفقهاء في أصول التطبيق.
والخاتمة.
سائلاً المولى - عز وجل - التوفيق والسداد.
تمهيد: في اختلاف أنظار العلماء في أسباب الاختلاف:
أُلّفت قديماً وحديثاً كتباً في بيان أسباب الاختلاف، فمن السابقين: «التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم ومذاهبهم واعتقاداتهم» للبطليوسي، و «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» لابن تيمية، و «الإنصاف في بيان الاختلاف في الأحكام الفقهية»: للدهلوي، ومن المعاصرين: علي الخفيف، ومصطفى الزلمي، وعبد الله التركي وسالم بن علي الثقفي وغيرهم أفردوا كتباً باسم: «أسباب اختلاف الفقهاء» (¬1).
واختلفت أنظار العلماء في بيان أسباب الاختلاف:
أقتصر هاهنا على تلخيص أبرز الأسباب التي ذكرها العلماء في أسباب الاختلاف بدون تعليق أو تمثيل؛ لأنه سيأتي تفصيل ذكر فيما بعد.
¬
(¬1) القطان، تاريخ التشريع الإسلامي ج1، ص221، وابن بدران، المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد ج2، ص940.
فجعل البطليوسي في «الإنصاف» الاختلاف يرجع إلى ثمانية أوجه (¬1):
أربعة منها ترجع إلى اللغة: وهي: 1.اشتراك الألفاظ والمعاني، 2.الحقيقة والمجاز، 3.الإفراد والتركيب، 4. الخصوص والعموم.
وواحد يرجع للحديث: وهو الرواية والنقل.
وواحد يرجع إلى الاجتهاد فيما لا نصّ فيه.
وواحد الناسخ والمنسوخ.
وواحد يرجع الإباحة والتوسع.
وأرجعها ابن رشد إلى ستة أوجه (¬2):
أربعة ترجع إلى اللغة، وهي:
1.تردد الألفاظ بين أن يكون اللفظ عاماً يراد به الخاص، أو خاصاً يراد به العام ....
2. الاشتراك الذي في الألفاظ: كالقرء ....
3. اختلاف الإعراب.
¬
(¬1) ابن فرح، مقدمة مختصر خلافيات البيهقي ج5، ص219.
(¬2) ابن رشد، بداية المجتهد ج1، ص 12.
4. تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة، أو حمله على نوع من أنواع المجاز ...
وواحد يرجع لدلالات الألفاظ: من إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة، كإطلاق الرقبة وتقييدها بالإيمان للعتق.
وواحد يرجع للتعارض بين الأدلة.
وذكر ابنُ رجب منها أربعة (¬1):
اثنان يرجعان للحديث:
1.أن يكون النص عليه خفياً لم ينقله إلا قليل من الناس فلم يبلغ جميع حملة العلم.
2. ينقل فيه نصان: أحدُهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفة أحد النَّصين دون الآخر، فيتمسَّكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معاً من لا يبلغه التاريخ، فيقف لعدم معرفته بالناسخ.
وواحد يرجع لاختلاف الأفهام؛ لعدم نصّ صريح، وإنَّما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس.
وواحد يرجع لاختلاف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه.
¬
(¬1) ابن رجب، جامع العلوم والحكم ص68 - 69.
وردَّها علي الخفيف إلى ستة أسباب (¬1):
اثنان يرجعان للحديث:
1. التفاوت فيما يحفظه أو يطَّلع عليه كلُّ إمام أو في ضبط حال خاصّة وفي روايتها.
2. الاختلاف في القَبول أو الردّ لأسانيد ما وصل من الأحاديث إلى كلّ إمام.
وواحد يرجع لاختلاف في فهم بعض آيات القرآن أو السنة النبوية.
وواحد يرجع للتفاوت في فهم أسرار الشريعة وعلِّلها وأغراضها.
وواحد يرجع لاختلاف البيئات والعادات والمعاملات باختلاف الأقطار.
وواحد يرجع لاختلاف المسلمين سياسيّاً في آخر عهد عثمان - رضي الله عنه - وفي عهد عليّ - رضي الله عنه - بظهور الشيعة والخوارج (¬2).
¬
(¬1) الخفيف، أحكام المعاملات المالية ص12 - 13.
(¬2) مجلة مجمع الفقه ج2، ص 21788.
وتلخص مما سبق أنها عامة الأسباب المذكورة ترجع للجانب اللغوي، وجانب التعارض والترجيح، وجانب دلالات الألفاظ، وجانب فهم المجتهدين، وجانب اختلاف الزمان والمكان وجانب مقاصد الشريعة، وجانب وصول الحديث وعدمه، وجانب الناسخ والمنسوخ.
هذه الأمور الرئيسية التي أرجعوا لها أسباب اختلاف الفقهاء من غير تفصيل، وهذه الأسباب قد عرض لها ابن حزم في «الأحكام»، وابن تيمية في «رفع الملام» وقال كلُّ منهما: إنَّها عشرة، أمّا الشاطبي فقد روى في «الموافقات»: أنَّ ابنَ السيد وضع فيها كتاباً وحصرها في ثمانية، واكتفى بذكر عناوين الأبواب التي وردت في ذلك الكتاب (¬1).
وبعد هذا العرض لعامّة ما ذكره المؤلفون في أسباب الاختلاف، نجد أنَّهم جعلوا رحى الأسباب تدور على الأصول والفهم والتطبيق، وهذا ما سنقرّره فيما يأتي وندلل ونمثّل له، ولكن طُرحت قضيةعدم وصول بعض الأحاديث للأئمة، وهذا يحتاج إلى استفاضة في مناقشته وإفراده ببحث خاص لطول الكلام فيه؛ لأنَّه وردت أقوال الأئمة كأبي حنيفة ومالك وأحمد مجردةً بدون ذكر دليلها، وما ذكر من الأدلة في كتب
¬
(¬1) الموسوعة الفقهية المصرية ج1، ص 3.
مذاهبهم هي من استدلالات علماء المذهب، فيمكن أن يصيبوا أو يخطؤوا، وضعف الاستدلال منهم لا يؤثر على مسائل المجتهد المطلق.
ولأنَّ المذاهب الفقهية هي مدارس في نقل العلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمذهب الحنفية هو مدرسة الكوفة من صحابة وتابعين وغيرهم، ومذهب المالكية هو مدرسة المدينة من صحابة وتابعين، فإن فات صحابي من المدرسة حديثاً فلن يفوت الصحابة الآخرين من المدرسة الأخرى، وكذلك الحال في التابعين، فنحن أمام مدارس بأعداد هائلة من العلماء ولسنا أمام أفراد، وقد ثبتت الرِّحلة في طلب الحديث من كبار التابعين وتابعيهم.
قال الشَّعبيّ: «ما رأيت أحداً أطلب للعلم في أُفق من الآفاق من مسروق» (¬1).
وقال سعيد بن المُسَيَّب - رضي الله عنه -: «إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد» (¬2)، وبالتالي فالرحلة في طلب الحديث بدأت من فجر الإسلام وليس متأخراً.
ونلاحظ أنَّ للفقهاء مدرسة متكاملة في قَبول الأحاديث وردّها لا يسيرون فيها على طريق المحدّثين، قال الجصَّاص (¬3): «لا أعلم أحداً
¬
(¬1) الكوثري، مقدمة نصب الراية ص305.
(¬2) ابن رجب، جامع بيان العلم ص94.
(¬3) الجصاص، شرح مختصر الطحاوي ج4، ص 244.
من الفقهاء اعتمد طريق المحدّثين ولا اعتبر أصولهم»، ومبنى مدرسة الفقهاء على قاعدتين، وهما: العمل والمعنى، فالعمل طمن السلف بالحديث، وهو يعتبر تصحيحاً له، ويسمونه المشهور مثلاً عند الحنفية، والمعنى بحيث يتوافق الحديث مع الأدلة الأخرى من القرآن والسنة والآثار الواردة في موضوعه، فلم يقبلوا: حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (¬1)؛ لأنَّه ورد فيما تعمُّ به البلوى وهو آحاد، فالوضوء يحصل كل يوم مرات من المسلم، فعدم اشتهار الحديث مع كثرة الحاجة له يُرشدُ إلى عدم صحّة مخرجه، وهذا مختلف عن قاعدة مدرسة المحدثين، وهي الاستناد في تصحيح الحديث إلى الرِّجال بالدرجة الأولى، فهما مدرستان في الحقيقة كل منها لها أصولها الخاصة بها، فكثيراً ما يكون عدم قبول الحديث ليس لعدم وصوله، ولكن لعدم صحته على طريقة مدرستهم.
فمن هذا نخلص: أنَّ عدم عملهم بالحديث وتركهم له له أسباب عديدة، وليس راجعاً لعدم وصوله لهم، فعندما طبّقوا عليه قواعدهم في التصحيح والعمل، لم يكن صالحاً فتركوه، وهذا ما يقرِّره الحافظ الصالحي (¬2): «اعتذر بترك أبي حنيفة أحاديث الآحاد لعدم اطلاعه على بعضها، وفيه بعد».
¬
(¬1) أبو داود، السنن ج1، ص25، وابن ماجه، السنن ج1، ص 139.
(¬2) الصالحي، عقود الجمان ص397.
المبحث الأول
في اختلاف الفقهاء في علم الأصول
إنَّ استعراض الخلاف الأصولي يقتضي منا ذكر جميع جزئيات الأصول؛ لأنَّها تمثل البناء الأصولي للمجتهد في المسائل، وهو ما ينبني عليه اختلاف واسعٌ في الفروع، ونقتصر هنا على نزر يسير من صور الاختلاف في علم الأصول، وهي كالآتي:
المطلب الأول: من جهة اللغة:
إنَّ حال اللغة العربية في سعتها وتنوع أساليبها وتعدد ألفاظها في الدلالة على المعاني مشهور معروف، وكان لعلماء اللغة مذاهب عديدة في فهمها وإعرابها، واشتهرت مدارس في كيفية التعامل مع اللغة، منها: المدرستان المشهورتان: مدرسة الكوفيين، ومدرسة البصريين.
وكان لهذه اللغة العظيمة تأثير بليغ في المذاهب الفقهية، وكتبت دراساتٌ قديمةٌ وحديثةٌ تتحدَّث عن هذا، ومال كلُّ واحدٍ من أئمةِ
المذاهب لاختيار منحى لغوي كوفي أو بصري أو غيره، وهذا من جهة النحو، ومن جهة المعاني فالمجاز يغلب على استخدامات هذه اللغة، وافترق العلماء كثيراً في تقديم الحقيقة أو المجاز وإرادة واحد منهما، وتعدد المعاني المرادة في الكلمة العربية أوجد اختلافاً ظاهراً أيضاً في اعتبار واحدٍ منها دون سواه، ففي مقابل هذا الاختلاف لا بُدّ أن تختلف الأفهام وتتنوع الاستنباطات، فتختلف بذلك الأحكام.
وتفصيل ذلك في النقاط الآتية:
أولاً: الاختلاف في الإعراب النَحوي:
مثاله: الاختلاف في الرفع والنصب: فعن أبي سعيد الخُدْري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ذكاةُ الجَنِينِ ذكاةُ أُمِّه» (¬1)، ويروى هذا الحديث بالرَّفعِ والنَّصبِ، فمَن رفعه ـ ذكاة أمه ـ جعله خبر المبتدأ الذي هو ذكاةُ الجنين، فتكونُ ذكاةُ الأمِّ هي ذكاةُ الجنين، فلا يحتاج إلى ذبحٍ مستأنف، ومن نصبه كان التقدير: ذكاة الجنين كذكاة أُمِّه، فلما حُذِفَ الجارُّ نُصِبَ، أو على تقدير: يُذَكَّى تَذْكِيَةً مِثل ذكاةِ أمه فحذَفَ المصدر وصفَتَه وأقامَ المضاف إليه مُقامه.
فأبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد - رضي الله عنهم -: جعلوه على النصب، فلا يحل الجنين إلا بذكاة خاصة؛ ويؤيده قوله - جل جلاله -: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} المائدة: 3،
¬
(¬1) أبو داود، السنن ج2، ص114، والترمذي، السنن ج4، ص 72، وصححه.
وأبو يوسف ومحمد - رضي الله عنهم - (¬1): جعلوه على الرَّفع، فتكون ذكاة الأم ذكاة للجنين، وهو قول المالكية (¬2) والشافعية (¬3) والحنابلة (¬4).
ثانياً: الاختلاف في معاني حروف المعاني:
وهو مبحث طويل ودقيق مفصلٌ في كتب أصول الفقه في عشرات الصفحات، في بيان ما المعنى الراجح عند كلِّ مجتهد في معنى كلِّ واحد من هذه الحروف، وما هي المسائل التي تبنى عليه (¬5).
مثاله: الاختلاف في معنى حرف الباء في قوله - جل جلاله -: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُم} المائدة: 6، فهو مشترك بين الإلصاق والتبعيض والزيادة، بناءً على ذلك اختلف الفقهاء في المقدار الواجب مسحه من الرأس عند الوضوء:
فالحنفية: حملوا الباء على معنى الإلصاق: أي امسحوا رؤوسكم ملصقة بها الأيدي، فأوجبوا مسح ربع الرأس؛ لأنَّه مقدار لصق اليد على الرأس (¬6).
¬
(¬1) الجزري، النهاية ج2، ص411، و المنبجي، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب ج2، ص624.
(¬2) عليش، منح الجليل ج2، ص449.
(¬3) الجويني، نهاية المطلب ج18، ص218.
(¬4) ابن مفلح المبدع شرح المقنع ج8، ص32.
(¬5) ومن أراد التفصيل أكثر في هذا المبحث فليراجع: الشيرازي، اللمع في أصول الفقه ج1، ص64، والغزالي، المنخول ج1، ص141، والزركشي، البحر المحيط ج3، ص140.
(¬6) الزركشي، البحر المحيط ج3، ص159، والجصاص، أحكام القرآن ج3، ص345.
والشافعية (¬1): حملوا الباء على معنى التبعيض، فأوجبوا مسح بعض الرأس، وهذا يتحقَّق بشعرة أو ثلاث شعرات.
والمالكية (¬2): حملوا الباء على معنى الزيادة والتوكيد: أي امسحوا رؤوسكم، فأوجبوا مسح كل الرأس، وهو قول الحنابلة (¬3).
ثالثاً: الاختلاف في الحقيقة والمجاز:
فاختلفوا في الجمع بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر:
أ. الجمع بين الحقيقة والمجاز: فهل يمكن أن يرد نص شرعي ويكون الشارع قد قصد منه معنييه الحقيقي والمجازي معاً في آنٍ واحدٍ، كأن يقال: لا يقتل الأسد، ويراد السبع والرَّجل الشجاع في وقت واحد؟
مثاله: الاختلاف في المقصود بالملامسة في قوله - جل جلاله -: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} المائدة: 6، فالملامسة حقيقةً هي اللمس باليد، ومجازاً هي الجماع:
1 - فقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لا يمكن استعمال اللفظ الواحد بإطلاق واحد في وقت واحد؛ بدليل استقرائهم للغة، فوجدوا أنَّ أهل اللغة لم
¬
(¬1) النووي، المجموع شرح المهذب ج1، ص400.
(¬2) النفراوي، الفواكه الدواني ج1، ص142.
(¬3) الديدير، الشرح الكبير على متن المقنع ج1، ص135.
يستعملوا اللفظ الواحد في معنييه الحقيقي والمجازي معاً، بناءً عليه قال - رضي الله عنه -: لا ينتقض الوضوء بلمس المرأة بشهوة أو بغير شهوة، ولا يجوز أن يراد بالملامسة اللمس باليد؛ لأنَّ المعنى المجازي مقصود بالإجماع (¬1)؛ ولأنَّ لامستم على وزن فاعلتم، وحقيقة المفاعلة تقتضي في اللغة التقابل مع القصد من الطرفين (¬2).
وقال الشَّافعي - رضي الله عنه -: يمكن استعمال اللفظ الواحد بإطلاق واحد في وقتٍ واحدٍ، ويراد به معنياه الحقيقي والمجازي معاً، لكن بشرط أن لا يكون بين المعنيين تضاد؛ بدليل وجود آيات تدل على الجمع بين الحقيقة والمجاز، بناءً عليه قال: ينتقض الوضوء بلمس المرأة بشهوة أو بغير شهوة إلا إذا كانت من المحارم (¬3).
وعند الحنابلة: ينقض اللمس إذا كان بشهوة (¬4).
¬
(¬1) هذا إجماع على جزئيةٍ في المسألة عند الكلّ، جعلها مقدمةً لبناء نتيجة من أن المراد هو الجماع، ومعناها والله أعلم: أن المعنى المجازي للملامسة وهو الجماع مقصود؛ لأنه لا بد فيه من اللمس، وطالما أنه مقصود فلا يجوز حمل الملامسة على اللمس باليد، ويرى الباحث أن هذه المقدمة ليست ظاهرة في الدلالة على المقصود، وغير مسلمة، والأفضل حذفها من الاستدلال، إن وافقني المحكَّم الفاضل، والله أعلم.
(¬2) العيني، البناية ج1، ص3.
(¬3) النووي، المهذب ج.، ص51.
(¬4) القرطبي، الكافي في فقه الإمام أحمد ج1، ص90، وابن قدامة، المغني ج1، ص141.
وعند المالكية: ينقض إن قصد به التلذّذ، وإن لم تحصل له لذّة حال لمسه، أو وجدها حال اللمس وإن لم يكن قاصداً لها ابتداءً، فإن لم يقصد ولم تحصل له لذة، فلا نقض ولو وجدها بعد اللمس (¬1).
ب. تقديم المجاز على الحقيقة: فإنَّه يعدل عن الحقيقةِ إلى المجاز لأسباب عديدةٍ منها دلالة محلِّ الكلام وعدمِ صلاحيتِه للمعنى الحقيقي؛ للزوم الكذب فيمَن هو معصومٌ عنه، فلا بُدَّ أن يُحمل على المجاز (¬2).
مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الأعمال بالنيّات» (¬3)، فإنَّ معناه الحقيقي: أن لا توجد أعمالُ الجوارح إلا بالنيّة، وهو كذبٌ؛ لأنَّ أكثرَ ما يقع العمل منّا في وقتِ خلو الذهن عن النيّة، فلا بُدّ أن يُحمل على المجاز، فيكون المعنى: أنَّ ثواب الأعمال أو حكم الأعمال بالنيّات، فإن قُدِّرَ الثواب فظاهرٌ أنَّه لا يدلُّ على أنَّ جوازَ الأعمال في الدُّنيا موقوفٌ على النيّة، وإن قُدِّرَ الحكمَ فهو نوعان: دنيويٌّ: كالصحّةِ والفساد، وأُخرويٌّ: كالثَّواب والعقاب، والأُخرويُّ مرادٌ بالإجماع بين الحنفية وبين الشافعيِّة، فلا يجوز أن يُراد الدنيويّ أيضاً.
¬
(¬1) الكشناوي، أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ص70.
(¬2) القرافي، الفروق 4: 174، وابن قدامة، روضة الناظر ص502، والأسنوي، الكوكب الدري ص428، و ملا جيون، نور الأنوار ص 139.
(¬3) البخاري، الصحيح ج1، ص1، وابن حبان، الصحيح ج11، ص210، وغيرهما.
فعند الشافعي - رضي الله عنه -: يلزم عموم المجاز (¬1).
وأما عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - فلأنَّه يلزم عموم المشترك، فلا يدلُّ على أنَّ جوازَ العملِ موقوفٌ على النيّة، فلا تكون النيّةُ فرضاً في الوضوءِ عنده (¬2).
رابعاً: الاختلاف في المعاني اللغوية للكلمة الواحدة:
مثاله: اختلافهم في المقصود بالقرء في قوله - جل جلاله -: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوء} البقرة: 228؛ إذ هو في اللغة: اسم للحيض والطهر معاً، فذهب الحنفية والحنابلة (¬3) إلى أنَّ المراد به في هذه الآية الحيض، وذهب المالكية والشافعية (¬4) إلى أنَّ المراد به الطهر، واستدلّ كلٌّ بأدلة وقرائن كثيرة أيضاً، وسبب اختلافهم الأصلي في هذه المسألة إنَّما هو الوضع اللغوي لكلمة «قرء»، وإنَّها مشتركة بين الطهر والحيض معاً على التساوي (¬5).
¬
(¬1) الزركشي، البحر المحيط ج4، ص16.
(¬2) ملا جيون، نور الأنوار ص 139.
(¬3) الزيلعي، تبيين الحقائق ح3، ص26، والبهوتي، كشاف القناع ج12، ص208.
(¬4) عليش، منح الجليل ج4، ص297، والشربيني، مغني المحتاج ج5، ص79.
(¬5) البطليوسي، الإنصاف ص37، والآمدي، الإحكام في أصول الأحكام ج1، ص20.
المطلب الثاني: من جهة الدّلالات:
اختلفوا في تقسيمها:
فقسمها الحنفية إلى أربعة أقسام: وضع، وبيان، واستعمال، واستنباط.
والوضع له أربع صور: خاص، وعام، ومشترك، ومؤول.
والبيان له حالان: ظهور وخفاء، والظهور له أربع صور: ظاهر، ونص، ومفسر، ومحكم، والخفاء له أربع صور: خفي، ومشكل، ومجمل، ومتشابه.
والاستعمال له أربع صور: صريح، وكناية، وحقيقة، ومجاز.
والاستنباط له أربع صور: عبارة النص، وإشارة النص، ودلالة النص، واقتضاء النص.
في حين قسمها المتكلمون من حيث الوضوح إلى: نص وظاهر، ومن حيث الخفاء إلى: مجمل ومتشابه، ومن حيث الدلالة على الحكم إلى: دلالة منطوق، ودلالة مفهوم (¬1).
¬
(¬1) أبو العينين، أصول الفقه ص15 - 17، وزيدان، الوجيز في أصول الفقه ص16 - 17، وهيتو، الوجيز في أصول التشريع ص13 - 14، والخضري، أصول الفقه ص8.
وبُني على هذا الاختلاف ما لا نهاية له من المسائل، ومنها:
أولاً: الاختلاف في حجية مفهوم المخالفة:
فذهب مالك والشافعي وأحمد (¬1):إلى أنَّ مفهوم المخالفة حجة مطلقاً في كلام الشارع، فإنَّ النص الشرعي الدال على حكم في واقعة إذا قيد بوصفٍ أو شُرط بشرطٍ أو حُد بغايةٍ أو عددٍ، يكون حجة على ثبوت حكمه في الواقعة التي وردت فيه، كما ويكون حجة على ثبوت نقيض حكمه في الواقعة التي لم ترد فيه، ويسمى الحكم الأول منطوقاً، والثاني مفهوم المخالفة، سواء كان حكم المنطوق إثباتاً أو نفياً، مثل قوله - جل جلاله -: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} الأنعام: 145، فمنطوقه يدل على حرمة الدم المسفوح، ومفهومه المخالف يدل على حل الدم غير المسفوح (¬2).
وذهب الحنفية (¬3) إلى أنَّ مفهوم المخالفة ليس بحجة في كلام الشارع، فإنَّ النص الشرعي الدال على حكم في واقعة إذا قيد بقيدٍ أو شُرط بشرطٍ لا يكون حجة إلا على حكمه في واقعته التي ذكرت فيه، أما الواقعة التي انتفى منها القيد، فلا يكون النص قد بين حكمها بل يكون
¬
(¬1) ابن العربي، المحصول ص104، والغزالي، المستصفى ص265، وابن قدامة، روضة الناظر ص235، والإحكام ج2، ص223.
(¬2) شرح مختصر المنتهى ج2، ص182، والغزالي، المستصفى ص 265، وابن قدامة، روضة الناظر ص 235.
(¬3) البخاري، كشف الأسرار ج2، ص373، والسرخسي، أصول الفقه ج1، ص252، والعثماني، أصول الإفتاء ص42 - 43.
ساكتاً عنها، فيبحث عن حكمها في الأدلة الشرعية الأخرى، فإن لم يوجد دليل أخذ بدليل الاستصحاب، فحكم الدم غير المسفوح في الآية مسكوت عنه ودلَّ على حكمه دليل آخر وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال» (¬1)، وتكون الفائدة من القيد عند الحنفية: هي السكوت عما خلا عن القيد، ليؤخذ حكمه من دليل آخر، أو يبقى على الإباحة الأصلية، وليس في هذا إلغاء للقيد.
مثاله: اشتراط دخول الوقت لصحة التيمم: قال - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} المائدة: 6، فإنَّ ظاهر مفهوم الآية يقتضي عدم جواز الوضوء أو التيمم إلا عند وجوب القيام إلى الصلاة والذي يحصل بدخول الوقت، ثُمَّ استثني الوضوء؛ لورود دليل مخصص، وبقي التيمم على الأصل، فاختلف الفقهاء:
فقال الحنفية (¬2): دخول الوقت ليس شرطاً لصحة التيمم.
وقال الجمهور (¬3): دخول الوقت شرطٌ لصحة التيمم، بدليل مفهوم المخالفة في الآية.
¬
(¬1) عن ابن عمر - رضي الله عنهم - في ابن ماجة، السنن ج2، ص1102، وأحمد، المسند، ج2، ص97، وحسنه الأرنؤوط.
(¬2) الكاساني، بدائع الصنائع ج1: ص183، وابن الهمام، فتح القدير ج1، ص138.
(¬3) القرطبي، الكافي في فقه أهل المدينة ج1، ص 183، والكشناوي، أسهل المدارك ص96، والماوردي، الحاوي الكبير ج1، ص262.
ثانياً: طلب المراد من المجمَل من الشارع الحكيم:
وهو ما ازدحمت المعاني فيه من غيرِ رجحان لأحدها (¬1):
مثاله: صيد البحر: فقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (¬2) مجمَل، وقد بيَّنه الشارع بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أُحلت لنا ميتتان ودمان، وأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال» (¬3)، فالحنفية حملوه على السَّمك (¬4)،أما الجمهور (¬5) فقالوا: بإباحة صيد جميع حيوانات البحر، سواء كانت سمكاً أو غيره، فلمّا جعل الحنفية: «الحل ميتتة» من المجمل طلبوا بيانها من الشارع، ففسَّروها كما في الحديث الآخر بالسّمك فقط، واقتصروا على حليّة السَّمك فحسب مما يخرج من البحر، بخلاف الجمهور فلم يلتزموا بهذه القاعدة عند الحنفية فقالوا بالجواز لكل ما يخرج من البحر.
ثالثاً: حمل المطلق على المقيد:
فقد توسع الشافعية في حمل المطلق على المقيد، بخلاف الحنفية،
¬
(¬1) ملا جيون، نور الأنوار ص111، وابن قطلوبغا، خلاصة الأفكار ص29.
(¬2) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في ابن حبان، الصحيح، ج4، ص49، وابن خزيمة، الصحيح ج1، ص59، والترمذي، السنن، ج1، ص101.والحاكم، المستدرك ج1، ص239.
(¬3) سبق تخريجه.
(¬4) ابن عابدين، رد المحتار ج6، ص307.
(¬5) الكشناوي، أسهل المدارك ص 36، والنووي، المجموع شرح المهذب ج9، ص 32، وابن قدامة، المغني، ج9، ص394.
والإطلاق والتّقييد إما أن يكون في السبب أو الحكم.
مثال السبب في حادثة واحدة: أداء صدقة الفطر عن العبد الكافر: فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل عبد أو حر، صغير أو كبير» (¬1)، وقال ابن عمر - رضي الله عنهم -: «فَرَضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر من رمضان، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحرِّ، والذكر والأُنثى، والصَّغير والكبير من المسلمين» (¬2)؛ فالنص الأول مطلق، والثاني مقيد بالإسلام، فقال الحنفية: تجب صدقة الفطر عن العبد مطلقاً، مسلماً كان أم كافراً؛ لأنَّهم لا يحملون المطلق على المقيد، وهذا إن كان الإطلاق والتقييد في حادثة واحدة، ومن باب أولى أن لا يحمل إن كان في حادثتين عندهم، أما الشافعيةـ فإنَّهم يحملونه، فلا تجب عندهم صدقة الفطر عن العبد الكافر (¬3).
ومثال الحكم في حادثتين: الرَّقبة في كفَّارة الظهار: قال - جل جلاله - في كفَّارة الظِّهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} المجادلة: 3، وفي كَفّارة القتل: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} النساء: 92، فلا يحمل المطلق على المقيد عند الحنفية،
¬
(¬1) مسلم، الصحيح، 2: 677، وغيره.
(¬2) البخاري، الصحيح ج2، ص547، ومسلم، الصحيح ج2، ص677، ومالك، الموطأ ج1، ص283، وغيرها.
(¬3) ملا جيون، نور الأنوار ص200 - 201.
ويحمل عليه عند الشافعية، وإذا كان الحكم في حادثةٍ واحدةٍ فإنَّه يحمل ضرورة عند الحنفية (¬1)، نحو صوم كفّارة اليمين، فقد أَطلق في القراءة المتواترة، وقيد بالتتابع في القراءةِ المشهورة، وهي قراءةُ ابن مسعود - رضي الله عنه - (¬2)، فيشترط التتابع في صيام كفَّارة اليمين، وإنَّما لا يحمل المطلق على المقيد في غير الصورة التي ذكرنا؛ لإمكان العمل بهما، وكلُّ ما أَمكن إعمال الدليلين وَجَب (¬3).
¬
(¬1) ينظر: ابن قطلوبغا، خلاصة الأفكار ص40، والسمعاني، قواطع الأدلة ج1، ص225، والشيرازي، اللمع في أصول الفقه ص43، والجويني، التلخيص في أصول الفقه ج2، ص168، والآمدي، الإحكام ج3، ص5.
(¬2) عبد الرزاق، المصنف ج8، ص513. وعن أبي العالية عن أُبَيّ بن كعب - رضي الله عنه -: «أنَّه كان يقرأها فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات» في الحاك، المستدرك ج2، ص303: وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ومالك، الموطأ ج1، ص305 وابن أبي شيبة، المصنف ج3، ص88، وغيرها.
(¬3) ينظر: ابن قطلوبغا، خلاصة الأفكار ص40، والجويني، التلخيص في أصول الفقه ج2، ص168.
المطلب الثالث: من جهة حجية قول الصحابة والإجماع والقياس:
أولاً: حجية عمل وقول الصحابي:
إنَّ عمل الصحابي وقوله أصلٌ كبيرٌ عند الحنفية، حتى أدخلوه في تعريفهم للسّنة، قال شمس الأئمة السَّرَخسي في تعريف السنة (¬1): «ما سَنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله عنهم - بعده»، وقال العلامة ابن ملك فيها (¬2): «تطلق على قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفعله وسكوته عند أمر يعاينه، وطريقة الصحابة - رضي الله عنهم -».
وهذا الأصل ورثه الحنفية عن سلفهم من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، لاسيما مؤسس مدرسة الكوفة الأوّل من الصحابة - رضي الله عنهم -، وهو الصحابي الجليل ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ إذ يؤكِّدُ هذا المنهج ويرسمُه لتلامذتِهِ ويُطالبهم باتباعه، فيقول: «مَن كان منكم مُتأسياً فليتأس بأَصحاب مُحمّد - صلى الله عليه وسلم - .... » (¬3).
وسرُّ اعتماد هذا المنهج؛ حتى لا يُتعامل مع القرآن والسنة كنصوص جامدة كلٌّ يؤولُها كيفما يريدُ ويفهمُها على أي طريقٍ شاء
¬
(¬1) السرخسي، أصول الفقه ج1، ص113.
(¬2) ابن ملك، شرح المنار ج2، ص614.
(¬3) ابن عبد البر، جامع بيان العلم ج2، 947، والأصبهاني، الحجة 2: 512، وعليش، فتح العلي المالك ج1، ص89 - 101، والشاطبي، الموافقات ج4، ص78.
فيَضِلَّ ويُضِلَّ، وإنَّما في فعلِهم وقولهم - رضي الله عنهم - تطبيقٌ لنصوصِ القرآنِ والسنةِ وتفسيرٍ لهما على الصورةِ الصحيحةِ المرادةِ من الشارعِ الحكيم، ففي تطبيقهم يَتَبَيَّن لنا مقصود المُشَرِّع؛ لمعايشتهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وهذا الذي جعل إبراهيم النَّخعيّ يقول: «لو رأيت الصحابة - رضي الله عنهم - يتوضأون إلى الكوعين ـ أي الرسغين ـ لتوضّأت كذلك وأنا أقرأها إلى المرافق؛ وذلك لأنَّهم لا يتهمون في تركِ السنن، وهم أربابُ العلم وأَحرص خلقِ الله - جل جلاله - على اتّباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يظنّ ذلك بهم أحدٌ إلا ذو ريبة في دينه» (¬1).
وهذا ما كان يأمر به الصحابة، قال ابن أبي حازم - رضي الله عنه -: «كان أبو الدرداء - رضي الله عنه - يُسأل فيجيب، فيُقال: إنَّه بلغنا كذا وكذا ـ بخلاف ما قال ـ فيقول: وأنا قد سمعته، ولكنّي أدركت العمل على غير ذلك» (¬2).
وهذا التمييزُ من كبارِ الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لمعرفتهم بالناسخ من المنسوخ، فيتَّبعون آخر ما استقرَّ عليه أَمرُ الشرع، ويوضح ذلك الحافظ المشهور ابن شهاب الزُّهريّ بقوله: «كان الصحابة - رضي الله عنهم - يتَّبعون الأحدثَ فالأَحدث من أَمره - صلى الله عليه وسلم - ويَرَوْنَ الناسخَ المحكم» (¬3).
ووافق الحنفية في اعتبار هذا الأصل الإمام مالك - رضي الله عنه -، حيث يقول:
¬
(¬1) ابن الحاج، المدخل ج1، ص129، وعليش، فتح العلي المالك ج1، ص90.
(¬2) عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك ج1، ص11.
(¬3) مسلم، الصحيح ج2، ص785.
«والعمل أثبت من الأحاديث، قال مَن اقتدي به: يصعب أن يُقال في مثل ذلك: حدثني فلان عن فلان، وكان رجالٌ من التابعين تبلغهم عن غيرهم الأحاديث فيقولون: ما نجهل هذا، ولكن مضى العمل على خلافه، وكان محمد بن أبي بكر بن حَزْم رُبّما قال له أخوه: لِمَ لم تقضِ بحديث كذا؟ فيقول: لم أجد الناس عليه» (¬1)، وكذلك الحنابلة اعتبروه، وخالف الإمام الشافعي - رضي الله عنه - فلم يعتبر قول الصحابي حجة (¬2).
مثاله: تخصيص الحديث العام بفعل الصحابة - رضي الله عنه -: فعن جُبير بن مُطْعِم - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كل أيام التشريق ذبح» (¬3)، فهو حديث عام، خصصه الحنفية (¬4) بما روى مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهم - أنَّه كان يقول: «الأضحى يومان بعد يوم الأضحى» (¬5)، وروى مالك - رضي الله عنه -: «أنَّه بلغه أنَّ عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان يقول مثل ذلك»، وروي مثله عن أنس - رضي الله عنه - (¬6)،
فخصصوا الحديث بفعل الصحابة - رضي الله عنهم - بثلاثة أيام، فجعلوا أيام
¬
(¬1) ابن الحاج، المدخل ج1، ص128، وعوامة، أثر الحديث الشريف ص63.
(¬2) الزركشي، البحر المحيط ج4، ص58.
(¬3) أحمد، المسند ج4، ص82، وابن حبان، الصحيح ج9، ص 116.
(¬4) العيني، البناية ج12، ص28.
(¬5) قال التركماني في الجوهر النقي ج9، ص 296: وقد ذكر الطحاوي في أحكام القرآن بسند جيد عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: الأضحى يومان بعد يوم النحر.
(¬6) ينظر هذه الآثار: مالك، الموطأ ج3: ص695، بسند صحيح، والبيهقي، السنن الكبرى ج9، ص550.
النحر ثلاثة: يوم العيد ويومان بعده، وهي: العاشر والحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة، وهو قول المالكية (¬1) والحنابلة (¬2)، وخالفهم الشافعية وأجازوا الأضحية في أربعة أيام (¬3).
ثانياً: الإجماع:
لا خلاف بين الفقهاء المعتبرين في حجية الإجماع، لكن حصل بينهم اختلاف في تفريعات متعلّقة به.
مثاله: الاختلاف في حجية الإجماع السكوتي: وهو أن يقول البعض حكماً أو يفعل فعلاً ويسكت باقي المجتهدين عن إنكار ذلك طوعاً دون خوف أو تقية أو هيبة، وقد ذهب أكثر الحنفية (¬4) وبعض الشافعية (¬5) والإمام أحمد بن حنبل (¬6) إلى أنَّه إذا تحقق ذلك فهو إجماع قطعي، وإنَّما لا يكفر جاحده؛ لما فيه من توهم الشبهة، وموضع اعتبار سكوتهم إجماعاً إنَّما هو قبل استقرار المذاهب، وأما بعد استقرارها فلا
¬
(¬1) القيرواني، التهذيب في اختصار المدونة ج2، ص43.
(¬2) الكلوذاني، الهداية على مذهب الإمام أحمد ص204.
(¬3) الشيرازي، النكت ص216.
(¬4) الرهاوي، حاشية على المنار ص738، وابن نجيم، فتح الغفار بشرح المنار ج3، ص3 - 4، والعثماني، مكانة الإجماع وحجيته ص66، والسمرقندي، الميزان ج2، ص739 - 748، والشوكاني، إرشاد الفحول ص311.
(¬5) الآمدي، الإحكام ج1، ص252.
(¬6) ابن قدامة، روضة الناظر ج1، ص434.
يعتبر السكوت إجماعاً؛ لأنَّه لا وجه للإنكار على صاحب مذهب في العمل على موجب مذهبه، وذهب الشافعية إلى أنَّه ليس بحجة فضلاً أن يكون إجماعاً، وبه قال أكثر المالكية وأبو زيد الدبوسي من الحنفية، والرافعي والنووي من الشافعية (¬1).
واعتباره حجة كان مفيداً في اعتبار قول الصحابي وعمله ـ كما سبق ـ، فالاختلاف في حجية الإجماع السكوتي سيبنى عليه خلاف في الاحتجاح به، فيحتج به مَن يقولون به، ويخالفهم الأخرون في ذلك، فيكون سبب الاختلاف بينهم معتمداً على الاختلاف في هذا الأصل.
ثالثاً: القياس:
إنَّ الفقهاء مع اتفاقهم على الاحتجاج بالقياس والاستدلال به ـ عدا الظاهرية ـ، إلا أنَّهم اختلفوا في شروط القياس، وشروط العلة التي يصح القياس بها ومسالكها ومناطاتها، وترجيح علَّة على أُخرى عند تعارضها، وطرق ثبوت العلة، وغير ذلك من الاختلافات المبسوطة في كتب أصول الفقه (¬2).
¬
(¬1) السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج ج2، ص380.
(¬2) الكردي، بحوث في علم الأصول http://arablib.com/harf.
من ذلك الاختلاف في المسالك التي يتوصل فيها من خلالها لمعرفة العلة: فعند الشافعية هي: كالسبر والتقسيم، وتنقيح المناط، والدوران والشبه، وهي غير معتبرة عند الحنفية، فمسالك العلة المعتبرة عند الحنفية ثلاثة: النص، والإجماع، والمناسبة (¬1).
فانظر كيف حصل خلاف واسع في كيفية الوصول إلى العلة، وبالتالي يترتب عليه اختلاف واسع في علل المسائل.
مثاله: الاختلاف في علة تحريم الخمر: فإنَّ علة تحريم الخمر عند الحنفية: أنَّه خمر (¬2)، وعند الشافعية: السكر (¬3)، ويترتب عليه أنَّ الخمر التي يحرم قليلها وكثيرها ويحد بها ويكفر مستحلها عند الحنفية: هي المتخذة من عصير العنب خاصة، أما الأنبذة الأخرى فلا يحد شاربها إلا إذا سكر منها، بخلاف الشافعية، فعندهم كل شراب أسكر كثيره حرم قليله، فيعم المسكر من نقيع التمر والزبيب وغيرهما، وهو قول الجمهور (¬4).
¬
(¬1) البخاري، كشف الأسرار ج3، ص382.
(¬2) الزَّيلعي، تبيين الحقائق ج6، ص46، والجصاص، أحكام القرآن ج2، ص5.
(¬3) الماوردي، الحاوي الكبير ج13، ص387، والشيرازي، المهذب في فقه الإمام الشافعي ج3، ص370.
(¬4) الكشناوي أسهل المدارك ص35، والبهوتي، كشاف القناع ج14، ص96.
المطلب الرابع: من جهة الأدلة المختلف فيها:
فإنَّهم اختلفوا في صحّة الاعتماد على الكثير من الأدلة الإجمالية، ومنها: الاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، وشرع من قبلنا، وتفصيله في النقاط الآتية:
أولاً: الاستحسان: وهو عدولُ المجتهد عن قياس جلي إلى قياس خفي، أو عدول المجتهد عن حكم كلِّي إلى حكم استثنائي، بدليل انقدح في عقله رجح له هذا العدول (¬1).
فالفقه عند الحنفية: قياس، واستحسان، فالقياس: هو القواعد التي تسير عليها المسائل في الأبواب المختلفة، والاستحسان: هو الاستثناء من هذه الأبواب، سواء بالنص من القرآن أو السنة أو القياس أو الإجماع أو الضرورة أو العرف أو غيرها.
وعلى كل فإنَّ جميع ما يقول فيه الحنفية بالاستحسان، فإنَّهم قالوه مقروناً بدلائله وحججه، لا على جهة الشهوة واتباع الهوى، ووجوه دلائل مسائل الاستحسان مبسوطة في كتبهم.
وتقديم الاستحسان على القياس؛ لقوة أثره؛ لأنَّ المدار على قوة التأثير وضعفه لا على الظهور والخفاء (¬2).
¬
(¬1) أبو الحاج، لمدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي ص69.
(¬2) وتفصيل مسائل الاستحسان في الجصاص، الفصول ج4، ص234 - 249، والبخاري، كشف الأسرار ج4، ص2 - 8.
قال الأستاذ الدكتور عبد الملك السعدي (¬1): «والاستحسان يراه الحنفية، وبه قال مالك - رضي الله عنه -، وأما قول الشافعي - رضي الله عنه -: «مَن استحسن فقد شرع»، فالمرادُ به الاستحسان الذي لم يعتمد على دليل شرعي آخر، بل ما استحسنته العقول، وهو موضع إنكار من الجميع، وإذا أمعنا النظر في استدلال القائلين به والمنكرين له، فإنّا لا نجد خلافاً بين الطرفين، فالكلُّ يقولون بمشروعيته: أي أنَّ الحكم ثبت استحساناً إلا أنَّ الخلاف في إطلاق الاسم على ذلك، وإن ما استدل به المنكرون يقول به المثبتون، بأنَّ كل استحسان ليس مبنياً على دليل بل منطلق من الهوى والتشهي، فهو مرفوض».
فالحاصل: أنَّه أساس في البناء عند الحنفية، وعند غيرهم موجودٌ ضمناً من خلال التطبيقات أو بمسميات أُخر لكنه ليس أصلاً ومرتكزاً لبناء الأحكام كما هو عند الحنفية.
مثاله: الأكل أو الشرب ناسياً للصائم: فالقياس عند الحنفية في إفطار الصائم: هو دخول مفطر معتبر من منفذ معتبر إلى جوف معتبر مع وصول معتبر، فمن أكل أو شرب ناسياً كان مفطراً بالقياس؛ لأنَّ الفطر يكون مما يدخل إلى الجوف المعتبر من منفذ معتبر وقد حصل، لكنَّ الحنفية حكموا بصحّة الصيام مع الأكل أو الشرب ناسياً؛
¬
(¬1) السعدي، المدخل إلى الفقه الإسلامي وأصوله ص71 - 72.
استحساناً بالحديث، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أكلَ أو شرب ناسياً فلا يفطر، فإنَّما هو رزق رزقه الله» (¬1)، فردَّ الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - القياس لهذه الرواية كما نقل عنه، فكان استحساناً بالحديث (¬2)، وبه قال الشافعية (¬3) والحنابلة (¬4)، وخالفهم المالكية فقالوا: بإفطار من أكل أو شرب ناسياً، وعليه القضاء والإمساك في الفرض، أما في التطوع، فإنَّه يجب عليه الإمساك ولا قضاء عليه (¬5).
ثانياً: الاستصحاب: وهوالتمسّكُ بالحكم الثابت في حالة البقاء ما لم يوجد دليل مغير (¬6).
وإنَّ الاحتجاج بالاستصحاب إنَّما يتحقق في كلّ حكم عرف وجوبه ـ أي ثبوته ـ بدليل ثُمَّ وقع الشك في زواله، فالاستصحاب عند الحنفية يكون حجة للدفع لا للإثبات والاستحقاق: أي لدفع إلزام الغير، لا لإلزام الغير (¬7).
¬
(¬1) الترمذي، السنن ج3، ص98، وقال الترمذي: حسن صحيح، وأحمد، المسند ج2، ص491، وابن حبان، الصحيح ج8، ص286.
(¬2) البخاري، كشف الأسرار ج4، ص5، وابن الهمام، فتح القدير ج2، ص 327.
(¬3) الشيرازي، المهذب في فقه الإمام الشافعي ج1، ص335، والمجموع، المجموع ج6، ص323.
(¬4) ابن قدامة، المغني ج3، ص131.
(¬5) الدسوقي، الحاشية، 1: 528، ومالك، المدونة ج1، ص266.
(¬6) السمرقندي، ميزان الأصول ج2، ص932.
(¬7) الحموي، غمز عيون البصائر ج1، ص242.
فمعنى الدفع: أن لا يثبت حكم وعدم الحكم مستند إلى عدم دليله، فالأصل في العدم الاستمرار حتى يظهر دليل الوجود؛ لأنَّ الدليل الموجب لا يدلّ على البقاء، وهذا ظاهر، فبقاء الشرائع بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - ليس بالاستصحاب، بل لأنَّه لا نسخ لشريعته، فيكون البقاء للدليل، وكلامنا فيما لا دليل على البقاء (¬1).
ويستدلّ له بحديث أبي سعيد الخُدْري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتاه الشيطان، فقال: إنَّك قد أحدثت، فليقل: كذبت، إلا ما وجد ريحاً بأنفه أو صوتاً بأذنه» (¬2)، فحكم باستدامة الوضوء عند الاشتباه، وهو عين الاستصحاب، ويستدل بالإجماع: وهو أنَّه إذا تيقَّن بالوضوء ثُمَّ شك في الحدث، جاز له أداء الصلاة ولم يكن الوضوء (¬3).
وقال المالكية، وأكثر الشافعية، والحنابلة بحجية الاستصحاب مطلقاً: أي في النفي والإثبات (¬4).
¬
(¬1) صدر الشريعة، التوضيح والتلويح ج2، ص203، وملا جيون، نور الأنوار ص 152 - 153، والبخارين كشف الأسرار ج3، ص408.
(¬2) أبو داود، السنن ج1، ص336، وأحمد، المسند ج3، ص12، وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره، وابن حبان، الصحيح ج6، ص388.
(¬3) ينظر: صدر الشريعة، التلويح ج2، ص203 - 204.
(¬4) القرافي، شرح تنقيح الفصول ج2، ص499، والغزالي، المستصفى ص159، الطوفي، شرح مختصر الروضة ج3، ص152، والشوكاني، إرشاد الفحول ج2، ص174.
مثاله: ميراث المفقود: فلا يرث عند الحنفية والشافعية والمالكية؛ لأنَّ الإرث من باب الإثبات، فلا يثبت به، ولا يورث؛ لأنَّ عدم الإرث من باب الدفع، فيثبت به دفع غيره من أن يرثه (¬1).
ثالثاً: المصالح المرسلة: وهي كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء (¬2).
فيشترط أن يعلم كونها مقصودة للشرع بالكتاب أو السنة أو الإجماع، إلا أنَّها لم يشهد لها أصل معين بالاعتبار، وإنَّما يعلم كونها مقصودة بمجموع أدلة وقرائن وأحوال وأمارات متفرّقة لا بدليل واحد، ومن أجل ذلك تُسمّى مصلحة مرسلة، ولا خلاف في اتباعها إلا عندما تعارضها مصلحة أخرى، وعند ذلك يأتي الخلاف في ترجيح إحدى المصلحتين.
وذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى عدم الاعتماد عليها، وعند مالك: تعتبر ويبني عليها الأحكام على الإطلاق (¬3).
¬
(¬1) أبو الحاج، سبيل الوصول ص225، والسرخسي، المبسوط ج11، ص43، ومالك، المدونة ج2، ص32، والبهوتي، كشاف القناع ج10، ص460، وابن قدامة، المغني ج6، ص 389.
(¬2) البوطي، ضوابط المصلحة ص330، والزرقا، الاستصلاح والمصالح المرسلة ص39.
(¬3) القرافي، شرح تنقيح الفصول ج2، ص496، وابن أمير حاج، التقرير والتحبير ج3: ص381، والزركشي، البحر المحيط ج8، ص83، والشوكاني، إرشاد الفحول ج2، ص 184، والشنقيطي، مذكرة أصول الفقه ص170.
رابعاً: سدّ الذّرائع: وهي وسائل ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل محظور (¬1).
فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة، منع الإمام مالك من ذلك الفعل في كثير من الصور (¬2)، قال القرطبيّ: «سَدُّ الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه، وخالفه أكثر الناس تأصيلاً، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلاً» (¬3).
مثاله: الزواج بقصد التحليل: فذهب الحنفية (¬4) والشافعية (¬5) إلى أنَّ الزواج بقصد التحليل من غير شرط في العقد صحيح مع الكراهة، وتحل المرأة بوطء الزوج الثاني للأول؛ لأنَّ النية بمجردها في المعاملات غير معتبرة، فوقع الزواج صحيحاً لتوافر شرائط الصحة في العقد، وتحل للأول، كما لو نويا التأقيت وسائر المعاني الفاسدة، وذهب المالكية (¬6) والحنابلة (¬7) إلى أنَّ الزواج بقصد التحليل ولو بدون شرط في العقد باطل،
¬
(¬1) الزركشي، البحر المحيط ج8، ص89.
(¬2) القرافي، الفروق ج2، ص32.
(¬3) الزركشي، البحر المحيط ج8، ص89.
(¬4) وهو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وهو المعتمد عند الحنفية. ينظر: الموصلي، الاختيار لتعليل المختار ج3، ص 151.
(¬5) الماوردي، الحاوي الكبير ج9، ص333.
(¬6) النفراوي، الفواكه الدواني ج2، ص28.
(¬7) ابن قدامة، المغني ج7، ص 180.
وذلك بأن تواطأ العاقدان على شيء مما ذكر قبل العقد، ثُمَّ عُقِدَ الزواج بذلك القصد، ولا تحل المرأة به لزوجها الأول؛ عملاً بقاعدة سد الذرائع؛ ولحديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم بالتيس المستعار، قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: هو المحلل، لعن الله المحلل، والمحلل له» (¬1).
خامساً: شرع مَن قبلنا: قال الحنفية (¬2) والمالكية (¬3) والحنابلة (¬4): شرع من قبلنا شرع لنا ثابت الحكم علينا إذا قَصَّه اللهُ ورسولُه علينا من غير إنكار، فيُعمل به على أنَّه شريعة لرسولنا - صلى الله عليه وسلم -؛ لقوله - جل جلاله -: {أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} فاطر: 32، والإرثُ يصيرُ ملكاً للوارثِ مخصوصاً به.
وخالف الشافعية (¬5)، فقالوا: إنَّ شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، وإن ورد في شرعنا ما يقرره؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لما بعث معاذاً إلى اليمن، قال له: كيف تقضي؟ فأجابه: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال:
¬
(¬1) ابن ماجه، السنن ج1، ص623، وأبي داود، السنن ج2، ص227، والحاكم، المستدرك ج2، ص 217، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(¬2) السمرقندي، ميزان الأصول ج2، ص685 - 690.
(¬3) القرافي، الفروق ج2، ص75.
(¬4) مجد الدين، المسودة في أصول الفقه ص193.
(¬5) الشوكاني، إرشاد الفحول ص779 - 785.
أجتهد رأيي» (¬1)، ولم يذكر شرع من قبلنا، فزكاه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلو كان ذلك من مدارك الأحكام لما جاز العدول إلى الاجتهاد إلا بعد العجز عنه.
مثاله: استئجار الأجير بطعامه وكسوته: فإن تراضيا أن تكون أجرة الأجير طعام الأجير وكسوته، قال المالكية (¬2) والحنابلة (¬3) بالجواز؛ فعن عتبة بن الندر - رضي الله عنه - قال: «كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ {طسم} القصص: 1 سورة القصص، حتى بلغ قصة موسى - عليه السلام -، قال: إنَّ موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشراً على عفة فرجه وطعام بطنه» (¬4)، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه (¬5).
وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: لا يجوز؛ لما فيه من جهالة الأجر، واستثنى الظئر، وذهب الشافعية وأبو يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -: إلى عدم الجواز
¬
(¬1) أبي داود، السنن ج3، ص303، والترمذي، السنن ج3، ص806، وقال الترمذي: «هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل».
(¬2) ابن رشد، بداية المجتهد ج4، ص12.
(¬3) ابن قدامة، المغني ج5، ص365.
(¬4) ابن ماجه، السنن ج2، ص817، والطبراني، المعجم الكبير ج17، ص 135، وإسناد حديثه ضعيف لتدليس بقية، كما في الكناني، مصباح الزجاجة ج3، ص76.
(¬5) السمرقندي، ميزان الأصول ج2، ص685 - 690، والقرافي، الفروق ج2، ص75، ومجد الدين، المسودة في أصول الفقه ص193.
مطلقاً؛ لأنَّه يختلف اختلافاً كثيراً متبايناً فيكون مجهولاً، ومِن شرط الأجر أن يكون معلوماً (¬1).
المطلب الخامس: من جهة التعارض والترجيح:
إذا وقع التّعارض بين الحجج في نظر المجتهد، وهو تقابلُ المتساويين قوّة حقيقة، مع اتحاد النسبة، ويثبت عند وجود ركنه وشرطه:
أمّا ركنه: فهو المماثلةُ والمساواةُ بين الدليلين في الثبوت والقوة؛ لاستوائهما في الطريق، نحو: النصّين من الكتاب، والخبرين المتواترين، ونحوهما.
وأمّا شرطه: فهو المخالفةُ بين حكميهما، إمّا من حيث التضاد: كالحلّ والحرمة، أو من حيث التنافي: كالنفي والإثبات، لكنَّ التضاد والتنافي لا يثبت إلا عند اتحاد المحلّ والزّمان والجهة (¬2).
فيقع اختلاف وجودِ ركن المعارضة أو شرطها لعدم معادلة المعارض، كما في المشهور والآحاد، كما لو عارض حديث: «البينة على
¬
(¬1) ينظر: الجونفوري، الفتاوى الهندية ج4، ص 423، ومالك، المدونة ج4، ص 442، وابن قدامة، المغني ج5، ص 517 - 518، والبهوتي، شرح المنتهى ج2، ص372.
(¬2) الشعراني، الميزان ج2، ص963.
المدعي واليمين على من أنكر» (¬1) بحديثِ القضاء بشاهد ويمين (¬2)، فنقول: هذا حديث صحيح مشهور فلا يعادله هذا؛ لأنَّه خبر واحد، أو لم يستكمل شروط الصحّة. قال الجصاص (¬3): «وهذا الخبر وإن كان وروده من طريق الآحاد، فإنَّ الأمة قد تلقته بالقبول والاستعمال، فصار في حيز المتواتر»، فقَدَّموه على حديث الآحاد: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين مع الشاهد الواحد».
واختلافهم في كثير من قواعد التعارض والترجيح بين الأدلة التي ظاهرها التعارض والتناقض، وهذا الاختلاف يعتبر صدى لاختلافهم في النسخ وقواعده وشروطه، والتخصيص وطرقه وشروطه وضوابطه، إلى غير ذلك من القواعد الأصولية الخاصة بالترجيح بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، قال مُحمّد زكريا الكاندهلوي: «اختلفوا في كثيرٍ من المسائلِ للاختلاف في وجوه الترجيح وطرق الاستنباط» (¬4).
فهو مبحثٌ طويلٌ وواسعٌ، مبسوط في كتب الأصول، وإليك بعضُ الوجوه في قواعد متعلّقة بالتّرجيح بين المتعارضات:
¬
(¬1) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم - في البيهقي، السنن الكبرى ج8، ص 213، والدارقطني، السنن ج4، ص 114.
(¬2) عن ابن عباس - رضي الله عنهم - في أحمد، المسند ج4، ص98، والبيهقي، السنن الكبرى ج10، ص281.
(¬3) الجصاص، أحكام القرآن، ج1، ص 703.
(¬4) عوامة أثر الحديث ص10.
أولاً: المصيرُ إلى السنة عند التعارض بين الآيتين:
مثاله: القراءة خلف الإمام: ففي قوله وله - جل جلاله -: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآن} المزمل: 20، فهو يوجب بعمومهِ القراءة على المقتدي، وقوله - جل جلاله -: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} الأعراف: 204، ينفي وجوبها؛ إذ كلاهما وَرَدَ في الصَّلاة فكانت متعارضة عند الحنفية، كما بيَّنه الطحاوي - رضي الله عنه - في «الأحكام»، فصير إلى الحديث، وهو ما رواه ابنُ منيع بسند «الصحيحين» عن جابر - رضي الله عنه - أنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن كان له إمامٌ فقراءةُ الإمام له قراءة» (¬1)، ولا يعارضه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (¬2)؛ لأنَّه محتملٌ لإرادة نفي الفضيلة.
فذهب الحنفية إلى أنَّ المأموم لا يقرأ مطلقاً خلف الإمام، حتى في الصلاة السرية، ويكره له ذلك تحريماً، لكن إن قرأ صحت صلاته في الأصح، وذهب الشافعية إلى وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة مطلقاً سرية كانت أو جهرية، وذهب المالكية والحنابلة إلى أنَّه لا تجب القراءة على المأموم سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، لكن يستحب له قراءة الفاتحة في السرية (¬3).
¬
(¬1) ابن ماجة، السنن ج1، ص277، والدارقطني، السنن ج1، ص323، والبيهقي، السنن الكبير ج2، ص160، والاصبهاني، حلية الأولياء ج7، ص327.
(¬2) البخاري، الصحيح ج1، ص263، ومسلم، الصحيح ج1، ص 297، وغيرها.
(¬3) الكاساني، بدائع الصنائع ج1، ص 111، والدسوقي، حاشية على الشرح الكبير ج1، ص236 - 237، والخرشي، شرح خليل ج1، ص269، والبهوتي، كشاف القناع ج1، ص 386، والمرداوي، الإنصاف ج2، ص228.
ثانياً: المصير إلى أَقوال علماءِ الصَّحابة - رضي الله عنهم - عند التعارض بين السُّنتين:
مثاله: صلاة الكسوف؛ فعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه -: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الكسوف كما تصلون بركعة وسجدتين» (¬1)، فإنَّه تعارض مع ما روت عائشة رضي الله عنها: «إنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - صلاها ركعتين بأَربع ركوعات وأربع سجدات» (¬2) فصير إلى القياس، وهو اعتبار صلاة الكسوف بسائر الصلوات.
فقال الحنفية (¬3): إنَّ صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة قيام واحد وركوع واحد وسجدتان كسائر النوافل، وقال الأئمة: مالك (¬4) والشافعي (¬5) وأحمد (¬6): إنَّها ركعتان في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، وسجدتان، والخلاف بين الأئمة في الكمال لا في الإجزاء والصحة، فيجزئ في أصل السنة ركعتان كسائر النوافل عند الجميع.
¬
(¬1) البخاري، الصحيح ج1، ص353، ومسلم، الصحيح ج2، ص623.
(¬2) البخاري، الصحيح ج1، ص356، ومسلم، الصحيح ج2، ص620.
(¬3) العيني رمز الحقائق 1: 75، والزيلعي، تبيين الحقائق 1: 228 - 229، وصدر الشريعة، شرح الوقاية 171، وغيرها.
(¬4) الكشناوي، أسهل المدارك ص251.
(¬5) النووي، المنهاج ج1، ص 316.
(¬6) ابن قدامة، المغني ج 2، ص313.
ثالثاً: الترجيح بين المثبت والنافي عند التعارض:
مثاله: الصلاة على الشهيد؛ فعن جابر - رضي الله عنه -،قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الرَّجلين من قتلى أحد في ثوبٍ واحدٍ، ثُمَّ يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم» (¬1)، فهذا الحديث ينفي الصلاة على الشهيد، وعارضته أحاديث أخرى تثبت الصلاة عليه: فعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه -، قال: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات» (¬2)، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: «أمرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحمزة يوم أحد فهيء للقبلة ثُمَّ كبر عليه سبعاً، ثُمَّ جمع إليه الشهداء حتى صلى عليه سبعين صلاة» (¬3).
فقال الشافعية (¬4) بحرمة غسل الشهيد والصلاة عليه؛ مستدلين بحديث جابر - رضي الله عنه -، ولأنَّ الشهيد حي بنص القرآن، والمالكية (¬5)
¬
(¬1) البخاري، السنن ج2، ص91، والترمذي، السنن ج3، ص345، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وابن ماجه، السنن ج1، ص485.
(¬2) البخاري، الصحيح ج5، ص94، ومسلم، الصحيح ج4، ص 1796، وأبي داود، السنن ج2، ص235، وأحمد، المسند ج4، ص154، وابن حبان، الصحيح ج7، ص474، والحاكم، المستدرك ج1، ص520.
(¬3) البيهقي، السنن الكبير ج4، ص116، وقال البيهقي: هذا أصح ما في هذا الباب، والدارقطني، السنن ج5، ص204.
(¬4) الشربيني مغني المحتاج ج1، ص 349.
(¬5) عليش، منح الجليل ج1، ص519.
والحنابلة (¬1) يرون عدم الصلاة عليه، وأما الحنفية (¬2) فردَّوا حديث جابر - رضي الله عنه -، وقالوا بوجوب الصلاة على الشهيد؛ لأنَّ رواية المثبت موافقة للأصول، فتقدم على رواية النافي لمخالفتها لها؛ ولأنَّ الصلاة واجبة علينا بيقين، فلا تسقط بظني معارض بمثله أو أمثاله.
* * *
¬
(¬1) المرداوي، الإنصاف ج1، ص500، وابن قدامة، المغني ج2، ص393.
(¬2) القاري، فتح باب العناية ج1، ص463.
المبحث الثاني
اختلاف الفقهاء في البناء الفقهي
إنَّ اختلاف الفهم للدَّليل يؤدّي إلى الخلاف في البناء عليه، ومردُّ ذلك لاختلاف العقول البشرية وتفاوتها، فما سبق من كلام في البناءِ الأصولي للمسألة، وهنا في البناء الفقهي للمسألة، وهو ما يُعرف بالقواعد والضوابط الفقهيّة للمسائل، وهو علمٌ كبيرٌ واسع، اعتنى به العلماء كثيراً في إظهار مثل البناء الفقهي للمسائل، ومن أبرزها كتاب: «شرح الزيادات» لقاضي خان، حيث ذكر فيه ما يزيد عن ألف قاعدة، ويُبيِّن في كلِّ بابٍ أنَّه مبنيّ على أصل أو أصلين، وهكذا.
وأصول البناء الفقهي يقصد بها أمران:
1.أصول البناء للمسائل، وهو الأصل والضابط الذي بنيت عليه هذه المسألة وأمثالها من المسائل التي تشبهها، فالمسألة دائما هي تطبيق لأصل، وهذا الأصل عادة يشتمل مجموعة من المسائل المتشابهة.
2.أصول البناء للأبواب، ونقصد به أنَّ كلَّ باب من الأبواب الفقهية له فكرة رئيسية يسعى لتحقيقها، وتدور مسائله على تطبيقها، وهذا ما يعرف بالقياس في الباب، الذي يقابله الاستحسان، فالفقه قياس واستحسان، والقياس هو القاعدة في الباب التي تنطبق عليه عامة مسائله، والاستحسان هو الاستثناء من هذه القاعدة، فالفروع التي خرجت عن القياس بنصّ أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو غيره، نسميها استحسان.
مثاله: الاختلاف في نوع بدلية التيمم عن الماء: فعن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمس بشرته الماء» (¬1)، فاختلف الفقهاء في نوع بدلية التيمم عن الماء:
فعند الحنفية (¬2):التيمم بدل مطلق عن الماء، وعليه قالوا: بجواز التيمم قبل دخول الوقت ولأكثر من فرض ولغير الفرض أيضاً، فيُصلِّي بتيمّمه ما شاء من الفرائض والنَّوَافل؛ لأنَّ الله - جل جلاله - أقامَ التيمُّم مقام الوضوء مُطلقاً.
¬
(¬1) الترمذي، السنن ج1، ص 211، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وابن حبان، الصحيح ج4، ص139، وابن أبي شيبة، المصنف ج1، ص144، وأحمد، المسند ج5، ص146.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص167.
وعند الشافعية والحنابلة (¬1) التيمم بدل ضروري عن الماء، وعليه قالوا: بعدم صحة التيمم إلا بعد دخول وقت ما يتيمم له من فرض أو نفل له وقت مخصوص، فيُصلّي به فرضاً واحداً وما شاء من النوافل، إلا أنَّ الحنابلة أجازوا بالتيمم الواحد صلاة ما عليه من فوائت في الوقت إن كانت عليه، خلافاً للمالكية والشافعية؛ لأنَّه طهارةٌ ضرورية، والضرورة تتحقق بفرض واحد.
* * *
¬
(¬1) النووي، المنهاج ج1، ص105، وابن قدامة، المغني ج1، ص198.
المبحث الثالث
في اختلاف الفقهاء في أصول التطبيق
وهي قواعد الإفتاء المعروفة بعلم رسم المفتي عند الحنفية، فهو علم يبحث في كيفية تطبيق الفقه في الواقع، وأصوله هي: الضرورة، والحاجة، ورفع الحرج، والتيسير، وتغير الزمان، والعرف، والمصلحة، وعامة الأحكام الفقهية متعلقة بهذه الأمور، فكان لها تأثيرها البالغ في اختلافها من مجتهد إلى مجتهد، بسبب اختلاف بيئة الفقهاء وعصورهم، فقد كان لذلك أثر كبير في اختلافهم في كثير من الأحكام والفروع، حتى إنَّ الفقيه الواحدَ كان يرجع عن كثيرٍ من أقوالِه إلى أقوال أُخرى إذا تعرّض لبيئةٍ جديدةٍ تُخالف البيئة التي كان فيها.
قال ابن عابدين (¬1): «وكثيرٌ منها ما يُبَيِّنُه المجتهدُ على ما كان في عرفِ زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله
¬
(¬1) ابن عابدي، نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف ج2، ص123.
أوّلاً؛ ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: أنَّه لا بُدّ فيه من معرفةِ عادات الناس.
فكثيرٌ من الأحكام تختلفُ باختلافِ الزَّمان؛ لتغيّر عرف أهله، أو لحدوثِ ضرورةٍ، أو فساد أهلِ الزّمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أَوّلاً للزم منه المشقّة والضرر بالناس، ولخالف الشَّريعة المبنيّةَ على التّخفيف والتَّيسير ودفع الضرر والفساد؛ لبقاء العالم على أتمّ نظام وأحسن إحكام».
مثاله: التزكية في العدالة: إنَّ الحكم أنَّه لا تقبل إلا شهادة العدل، كما شهد القرآن؛ قال - جل جلاله -: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} البقرة: 282، والعرف يُساعدنا في معرفةِ العدل، ففي زمن أبي حنيفة: لم يَحتج للتزكية في العدالة؛ لأنَّ النّاس عدول، أما في زمن الصَّاحبين فقد تغيّرت أحوال النّاس، فنحتاج لتحقُّق علّة الحكم من العدالة بالتَّزكية، فمَن لم يكن عدلاً لا تُقبل شهادته، هذا هو الحكم، ولكن كيف نتعرَّف على العدالة، حيث أمكن ذلك بالعرف (¬1).
ومثاله: تحقق المقصود من المبيع في خيار الرؤية: إنَّه يثبت خيار الرُّؤية لمَن لم يرَ المقصود من المبيع حتى يتحقَّق تمام الرِّضا، ففي عرف أبي حنيفة - رضي الله عنه - يُمكن معرفة الدَّار بالنَّظر إليها من ساحتِها بدون الدُّخول في
¬
(¬1) الكاساني، بدائع الصنائع ج6، ص270.
غرفِها؛ لأنَّ الدُّورَ في زمنه متشابهة، وفي زمن زُفر: لم تعد الدُّور متشابهة، فلا يُمكن الوقوف على المقصودِ منها إلا بالدُّخول في غرفِ الدَّار، فالحكمُ ثابتٌ ـ وهو ثبوتُ الخيار ـ حتى يقفَ على المقصودِ من المبيع، والعلّة هي التحقَّق من المقصود من المبيع، والعرف عرَّفنا أنَّ العلّة في زمن أبي حنيفة - رضي الله عنه - تتحقَّق بالنَّظر من السَّاحة، وفي زمن زُفر - رضي الله عنه - بدخول الغُرف (¬1).
* * *
¬
(¬1) المرغيناني الهداية ج3، ص35.
الخاتمة:
وفي ختام هذا البحث نخلص إلى النتائج الآتية:
أولاً: اتفق المؤلفون في أسباب الاختلاف على اعتبار الأصول سبباً لاختلاف الفقهاء في الفروع، واختلفوا في غيره.
ثانياً: الأسباب الحقيقية للاختلاف مردّها للأصول لكل مجتهد، فعلم الأصول هو العلم الذي يرجع له معرفة أسباب الاختلاف بين الفقهاء.
ثالثاً: الأصول التي يرجع لها الاختلاف ثلاثة: استنباط وبناء وتطبيق:
1.أصول استنباط: وهي المعروفة باسم علم أصول الفقه، وهو العلم بالقواعد التي يستنبط بها الأحكام من أدلتها، وكل مجتهد له قواعده الخاصة به في كيفية الاستباط، وهي سبب اختلافه عن غيره في التفريع.
2.أصول بناء المسائل: وهي على نوعين:
أ. أصول البناء للمسائل، فهي الضابط الذي بنيت عليه هذه المسألة وأمثالها من المسائل التي تشبهها، فتشتمل على عدة مسائل عادة.
ب. أصول البناء للأبواب، وهي تمثل أصل الباب الفقهي في البناء، فنقول القياس القياس في الباب كذا، فتطبق على عامة مسائل الباب.
وهذا محلُّ اختلاف من مجتهد إلى مجتهد؛ لأنَّه لكل مجتهد أصول يبني عليها المسائل والأبواب.
3. أصول التطبيق للفقه، وهي متعلقة بكيفية تطبيق الفقه في الواقع، وأصوله هي: الضرورة، والحاجة، ورفع الحرج، والتيسير، وتغير الزمان، والعرف، والمصلحة، وعامة الأحكام الفقهية متعلقة بهذه الأمور، فكان لها تأثيرها البالغ في اختلافها من مجتهد إلى مجتهد، بسبب اختلاف بيئة الفقهاء وعصورهم، فأثرت كثيراً في اختلافهم في الفروع.
* * *
المراجع
1. ابن أبي شَيْبَةَ، ع، (1409هـ) المصنف في الأحاديث والآثار، الرياض: مكتبة الرشد.
2. ابن التركماني، ع، (د. هـ)، الجوهر النقي على سنن البيهقي، بيروت: دار الفكر.
3. ابن الحاج، م، (د. ه) المدخل المفصل إلى مذهب الإمام أحمد، دار التراث.
4. ابن الساعاتي، أ، (1419هـ) بديع النظام، مكة المكرمة: جامعة أم القرى.
5. ابن العربي، م، (1420هـ) المحصول في أصول الفقه، ط1، دار البيارق، الاردن.
6. ابن أمير الحاج، م، (1417هـ) التقرير والتحبير في علم الأصول، دار الفكر، بيروت.
7. ابن الهمام، م، (د. هـ) فتح القدير، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
8. ابن حِبَّان، م، (1414هـ) صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان، ط2، بيروت: مؤسسة الرسالة.
9. ابن حنبل، أ، (د. هـ) مسند أحمد بن حنبل، مصر: مؤسسة قرطبة.
10. ابن خزيمة، م، (1390هـ)، صحيح ابن خزيمة، بيروت: المكتب الإسلامي.
11. ابن رجب، ع، (1408هـ) جامع العلوم والحكم، ط1، بيروت: دار المعرفة.
12. ابن رشد، م، (2004م) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، القاهرة: دار الحديث.
13. ابن عابدين، م، (د. هـ) نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف، بيروت: دار الفكر.
14. ابن عبد البر، ي، (1398هـ) جامع بيان العلم، بيروت: دار الكتب العلمية.
15. ابن فرح، أ، (1997م) مقدمة مختصر خلافيات البيهقي، الرياض: مكتبة الرشد.
16. ابن قدامة، ع، (1408هـ) الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل، بيروت: المكتب الإسلامي.
17. ابن قدامة، ع، (1423هـ-2002م) روضة الناظر وجنة المناظر، ط2، مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع.
18. ابن قطلوبغا، ق، (2015م) خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار، عمان: مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات.
19. ابن ماجه، م، (د. هـ) سنن ابن ماجه، بيروت: دار الفكر.
20. ابن مفلح، إ، (1410هـ) المبدع، بيروت: المكتب الإسلامي، بيروت.
21. ابن نجيم، إ، (1355هـ)، فتح الغفار بشرح المنار، ط1، مصر: مطبعة مصطفى البابي الحلبي.
22. أبو الحاج، ص، (2006م) سبيل الوصول إلى علم الأصول، عمان: دار الفاروق.
23. أبو العينين، ب، (د. ه) أصول الفقه الاسلامي، الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة.
24. الأزدي، ر، (1415هـ) مسند الربيع، ط1، بيروت: دار الحكمة، مكتبة الاستقامة.
25. الأسنوي، ع، (1405هـ) الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية، ط1. دار عمان، الأردن.
26. الأصبحي، م، (د. هـ) موطأ مالك، مصر: دار إحياء التراث العربي.
27. الأصبهاني، أ، (1403هـ) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
28. الأصبهاني، إ، (1419هـ) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، ط2، دار الراية، السعودية.
29. الآمدي، ع، الإحكام في أصول الأحكام، (1404هـ)، ط1، بيروت: دار الكتاب العربي.
30. البخاري، ع، (1308هـ) كشف الأسرار شرح أصول البَزْدَوي، طبعة اسطنبول.
31. البُخَارِيّ، م، (1407هـ) صحيح البخاري، ط3، بيروت: دار ابن كثير واليمامة.
32. البهوتي، م، (1402هـ) كشاف القناع عن متن الإقناع، بيروت: دار الفكر.
33. البهوتي، م، (د. هـ) شرح منتهى الإرادات، عالم الكتب.
34. البوطي، م، (1402هـ) ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، ط4، مؤسسة الرسالة.
35. البَيْهَقِي، أ، (1414هـ) سنن البَيْهَقِي الكبير، مكة المكرمة: مكتبة دار الباز.
36. الترمذي، م، (د. هـ) سنن الترمذي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
37. التَّفْتَازَانِيّ، م، (1324هـ) التلويح في حل غوامض التنقيح، ط1، مصر: المطبعة الخيرية.
38. التهانوي، م، (1996م) كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ط1، مكتبة لبنان، ناشرون.
39. الجزري، م، (1399هـ) النهاية في غريب الحديث والأثر، بيروت: المكتبة العلمية.
40. الجصاص، أ, (2010م) شرح مختصر الطحاوي، ط1، بيروت: دار البشائر.
41. الجصاص، أ، (د. هـ) أحكام القرآن، بيروت: دار الفكر.
42. الجصاص، أ، الفصول في الأصول، ط2، الكويت: وزارة الأوقاف.
43. الجويني، ع، (د. هـ) نهاية المطلب في دراية المذهب، دار المنهاج.
44. الجويني، ع، (د. هـ)، التلخيص في أصول الفقه، بيروت: دار البشائر الإسلامية.
45. الحاكم، م، (1411هـ)، المستدرك على الصحيحين، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، بيروت.
46. الحموي، أ، (1290هـ)، غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر، مصر: دار الطباعة العامرة.
47. الخضري، م، (1987م) أصول الفقه الإسلامي، ط1، بيروت: دار القلم.
48. الخفيف، ع، (2008م) أحكام المعاملات المالية، القاهرة: دار الفكر.
49. الدَّارَقُطْنِي، ع، (1386هـ) سنن الدَّارَقُطْنِي، بيروت: دار المعرفة.
50. الدردير، أ، (د. هـ) الشرح الكبير، بيروت: دار الفكر، بيروت.
51. الرهاوي، ي، (1315هـ) حاشية الرهاوي على شرح المنار، مطبعة عثمانية، در سعادت.
52. الزرقاء، م، (1408هـ) الاستصلاح والمصالح المرسلة في الشريعة الإسلامية وأصول فقها، ط1، دمشق: دار القلم.
53. الزركشي، م، (1989م) البحر المحيط في أصول الفقه، ط1، الكويت.
54. زيدان، ع، (1994م) الوجيز في أصول الفقه، بيروت: مؤسسة الرسالة.
55. الزيلعي، ع، (1313هـ) تبيين الحقائق، ط1، مصر: المطبعة الأميرية.
56. السبكي، ع، (1404هـ) الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
57. السجستاني، س، (د. هـ) سنن أبي داود، بيروت: دار الفكر.
58. السرخسي، م، (1342هـ) أصول السرخسي، بيروت: دار المعرفة.
59. السرخسي، م، (1406هـ) المبسوط، بيروت: دار المعرفة.
60. السعدي، ع، (د. هـ) المدخل إلى الفقه الإسلامي وأصوله، عمان: مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات.
61. السمرقندي، م، ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه، ط1، العراق: وزارة الأوقاف.
62. السمعاني، م، (1997هـ) قواطع الأدلة في الأصول، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
63. الشاطبي، إ، (1417هـ - 1997م)، الموافقات، ط2، دار ابن عفان.
64. الشربيني، م، (د. هـ) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، بيروت: دار الفكر.
65. الشنقيطي، م، (د. هـ) مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر لابن قدامة، ملتقى أهل الحديث، www.ahlalhdeeth.com.
66. الشوكاني، م، (د. ه) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، بيروت، دار الفكر.
67. الشيرازي، إ، (1420هـ) النكت في المسائل المختلف فيها، جامعة بغداد: رسالة ماجستير.
68. الشيرازي، إ، (2003 م - 1424 هـ) اللمع في أصول الفقه، ط2، بيروت: دار الكتب العلمية.
69. الشيرازي، إ، (د. هـ) المهذب، بيروت: دار الفكر.
70. الصالحي، م، (د. هـ) عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، المدينة المنورة: مكتبة الإيمان.
71. صدر الشريعة، ع، (2006م) شرح الوقاية، الأردن: مؤسسة الوراق.
72. الصديقي، أ، (1316هـ)، نور الأنوار شرح المنار، مصر: المطبعة الأميرية ببولاق.
73. الصنعاني، ع، (1403هـ) المصنف، ط2، بيروت: المكتب الإسلامي.
74. الطَّبَرَاني، س، (1404هـ) المعجم الكبير، ط2، الموصل: مكتبة العلوم والحكم.
75. الطَّبَرَاني، س، (1405هـ) مسند الشاميين، ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة.
76. الطوفي، س، (1407هـ - 1987م) شرح مختصر الروضة، ط1، مؤسسة الرسالة.
77. العثماني، ت، (1432هـ) أصول الإفتاء وآدابه، باكستان: مكتبة معارف القرآن.
78. العثماني، ر، (1422هـ) مكانة الإجماع وحجيته في الفقه الإسلامي، ط1، باكستان: مكتبة دار العلوم.
79. عليش، ع، (د. هـ)، منح الجليل شرح مختصر خليل، بيروت: دار الفكر.
80. عليش، م، (د. ه) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، بيروت: دار المعرفة.
81. عوامة، م، (1418هـ) أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء، ط4، بيروت: دار البشائر الإسلامية.
82. العَيْنِي، م، (1299هـ) رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق، مصر: مطبعة وادي النيل.
83. العَيْنِي، م، (1980مـ) البناية في شرح الهداية، ط1، بيروت: دار الفكر. 8: 91.
84. الغزالي، م، (1419هـ) المنخول من تعليقات الأُصول، ط3، بيروت، دار الفكر.
85. الغزالي، م، (د. هـ) المستصفى من علم الأصول، بيروت: دار العلوم الحديثة.
86. الفاسي، م، (1416هـ) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، ط1، دار الكتب العلمية.
87. القاري، ع، (1418هـ) فتح العناية بشرح النقاية، ط1، دار الأرقم.
88. القرافي، أ، (د. ه) أنوار البروق في أنواء الفروق، عالم الكتب.
89. القرافي، أ، (1421هـ) شرح تنقيح الفصول في علم الأصول، جامعة أم القرى، السعودية.
90. القرطبي، ي، (1400هـ-1980م) الكافي في فقه أهل المدينة، ط2، الرياض، مكتبة الرياض الحديثة.
91. القطان، م، (1996م) تاريخ التشريع الإسلامي، مكتبة المعارف.
92. القيرواني، خ، (1423 هـ - 2002 م) التهذيب في اختصار المدونة، ط1، دبي، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث.
93. الكاساني، أ، (1402هـ) بدائع الصنائع، ط2، بيروت: دار الكتاب العربي.
94. الكردي، أ، (د. ه)، بحوث في علم الأصول، بحث على الشبكة العنكبوتية.
95. الكرماني، ع، (1316هـ) شرح المنار، المطبعة العثمانية في دار الخلافة.
96. الكشناوي، أ، (د. هـ) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك، المكتبة العصرية.
97. الكناني، أ، (1403هـ) مصباح الزجاجة، ط2، بيروت: دار العربية.
98. الكوثري، م، (1997م) مقدمة نصب الراية، ط1، دمشق: دار الثريا.
99. الماوردي، ع، (1419 هـ -1999م) الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
100. مجد الدين، ع، (د. هـ) المسودة في أصول الفقه، دار الكتاب العربي.
101. مجلة مجمع الفقه الإسلامي، تصدر عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
102. المحبوبي، ع، (1324هـ) التوضيح شرح التنقيح، ط1، مصر: المطبعة الخيرية.
103. المرغيناني، ع، (د. هـ) الهداية شرح بداية المبتدي، الطبعة الأخيرة، مطبعة مصطفى البابي.
104. مسلم، م، (د. ه) صحيح مسلم، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
105. المنبجي، ع، (1414هـ- 1994م) اللباب في الجمع بين السنة والكتاب، ط2، سوريا، دمشق: دار القلم، الدار الشامية.
106. موسوعة الفقه الإسلامي المصرية، القاهرة: أصدرها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
107. النفراوي، أ، (د. هـ) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، بيروت: دار الفكر.
108. النَّوَوِيّ، ي، (1417هـ) المجموع شرح المهذب، ط1، بيروت: دار الفكر.
109. هيتو، م، (1990م) الوجيز في أصول التشريع الإسلامي، ط3، مؤسسة الرسالة.
110. اليحصبي، ع، (د. ه) ترتيب المدارك وتقريب المسالك، ط1، المغرب: مطبعة فضالة.