اختصار تهذيب ....
... زبدة الكلام
جارٍ تحميل الكتاب…
اختصار تهذيب ....
... زبدة الكلام
الطبعة الأولى
1441 هـ ـ 2020 م
اختصار تهذيب
زبدة الكلام
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الاختصار:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن كتاب «زبدة الكلام» رزق قبولاً وانتشراً كبيرين؛ لما اشتمل عليه من مادة محكمة ومنظمة ومعتمدة، ورأيت أن أخرج لها اختصاراً أحذف به ما صعب منه أو كان زائداً من مسائله التي يمكن الاستغناء عنه للمبتدئين من غير المختصين في العلم الشرعي، مع مع حذف منظومة «كفاية الغلام» للإمام عبد الغني النابلسي وشرحه عليها الموجودة في نسخة «تهذيب الزبد»، و «زبدة الكلام».
وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، ويرزقه قبولاً، وينفع به الراغبين في تعلم أحكام دينهم، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
صويلح، عمان، الأردن
14 ـ 12 ـ 2020 م
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة «زبدة الكلام»:
الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإنَّ حياة الأمم متعلِّقة بحياةِ المصلحين فيها، فكلّما كثروا ونشطوا كلّما صَلُحَت الأمم وارتقت، وقد سمعت شيخنا المبارك تقي العثماني ينقل عن حكيم الأُمَّة عليّ أشرف التهانوي: «دواء أدواء الأُمَّة العلماء»، وهذا مصداقُ حديث النّبيّ الكريم - صلى الله عليه وسلم -: «العلماء ورثة الأنبياء» (¬1)، فحياةُ الأُمَّة بحياةِ علمائها، فكلَّما كانت حياتهم نابضة بشريعة ربّ العالمين كانت المجتمعات كذلك.
وإنَّ الاعتناء بتخريج علماء أكفاء يحملون مسؤولية الإصلاح في المجتمعات لمن أوجب الواجبات على الدُّول؛ لأنَّ الإصلاحَ الحقيقي من قِبل الأتقياء الأنقياء الأكفاء يُغيِّر المجتمعات ويرتقي بها إلى أعلى الدَّرجات الحضارية، ويخلصها من عامّة المشاكل الاجتماعية وينشط حركة الاقتصاد.
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 1: 289، وسنن الترمذي 5: 48، وسنن أبي داود 3: 317.
وأعظم وسائل الإصلاح هو إيقاظ الحسِّ الذَّاتي لدى كلِّ فرد، بتحفيز الجانب الدِّيني لديه وتحريكه في حياته حتى يصل إلى أعلى درجات النَّشاط الإنساني والعطاء البشري.
وإنَّ أقوى دعائم الأمم وأكبر أركان الدُّول هو الدِّين إن كان تعلّمه بطريقة صحيحة، فيمكن أن تعتمد عليه الحكومات الرَّاشدة في تثبيت أنظمتها الإصلاحية، فاعتناؤنا بالدِّين والقيام عليه يفيدنا استقرار دولنا وازدهارها، وإهمالنا له يجر علينا ويلات اجتماعية واقتصادية وسياسية؛ لشيوع الفساد وغياب المصلحين، ولأنَّ حاجةَ النَّاس للدِّين كحاجتهم للطعام والزَّواج، فإن لم نقدمه لهم بطريقة صحيحة فإنَّهم يأخذونه بطريقه خاطئة من مصادر وجهات لها أجندات متعدّدة، فيكون التَّدين خاطئاً لدى الشُّعوب، وهذا أخطر على الأمم والأفراد من عدم التَّدين؛ لأنَّ التَّدين الصَّحيح هو الذي يجلب للأمم الخيرات، والتَّدين الخاطئ يجلب لها الويلات.
ومن هنا نوجّه رسالةً مهمة لكلِّ المسؤولين على اختلاف مناصبهم وتعدد رتبهم: أن لا يتركوا النَّاس مع الدِّين بدون تنظيم وتعليم؛ لأنَّهم سيفهمونه بطريقة خاطئة، ويُعرِّضوا أنفسهم وغيرهم للخطر، بل عليهم تحمل مسؤولياتهم في كفاية حاجة النَّاس من الدِّين، وإيجاد المرجعيات العلمية التي تُحقق رغباتهم، وتُصلح أحوالهم؛ لتكون شعوبهم لهم لا عليهم.
وإنَّ هذه الخطوة التي تمّ اتخاذها في بلدنا العزيز وأُردننا العظيم لهي من أهم الخطوات الإصلاحية في تاريخه؛ لأنَّ لها ما بعدها من الخيرات، ونثمن الجهود الكبيرة لذلك، ونتمنى أن يبقى السَّعي في هذا الطريق الخير.
وإنَّ الاعتناء بزيادة كفاءة المشتغلين بالجانب الدِّيني واستكمال معلوماتهم ومهارتهم هو التَّغيير الإيجابي في المجتمع؛ لتعلق سائر أفراد الشَّعب بهم، فصلاحهم صلاح الشَّعب وفسادهم فساده، وإهمالهم إهماله والارتقاء بهم ارتقاء به، فعلى حكوماتنا أن تبذل قصارى جهدها في السَّير بهذا الاتجاه.
وإننا في جامعة العلوم الإسلامية نفخر بإناطة المسؤولية بنا في القيام بهذا الواجب الدِّيني والوطني في هذا المشروع الكبير، ونعمل ليل نهار في إنجاحه على أفضل وأبرز هيئة وصورة.
ونسعى في هذا المنهاج الذي بين أيدينا أن نحقِّق المقصود من هذا الدبلوم، وهو توحيد المرجعية الدِّينية بالمذاهب الفقهية الأربعة التي سارت عليها الأُمَّة السُّنية طوال تاريخها، فما وسع أُمتنا وسعنا؛ لأنَّ هذه الأُمَّة معصومة عن الخطأ، وهي محفوظة بشهادة القرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر:9]، وقد كانت بهذه المذاهب العظيمة، وأخبرنا القرآن أنَّها خير أُمَّة أُخرجت للنَّاس، فما كانت تسير عليه من طريق هو الحق، وإلا لما استحقت هذه الوصف العظيم.
فهذه الأُمَّة التي لم تعرف البشرية خيراً منها أيعقل أن تكون تائهة ضائعة لا تعرف دينها وتتخبط شرقاً وغرباً كما نراه اليوم، فإنَّ هذه الضَّياع سببه تركها منهجها وطريقها الذي سلكته من لدن النّبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، فإن تمكنّا من ضبط الجانب الدِّيني حافظنا على أُمتنا، وضمنا النَّهج الصَّحيح في تعلم الدِّين، وتجنبنا الانحراف والتَّكفير والإرهاب المتحقّق من تعلّم الدِّين بطريقة خاطئة.
لذلك نسعى إلى تثبيت فكرة دراسة مذهب فقهي وضبطِه والتَّمكُّن منه من أجل العمل والفتوى والتَّعليم، فلا يجوز أن يفتي مفتٍ من غير المذاهب الفقهيّة
المعروفة؛ لأنَّ تعرُّف الدَّارس على المذهب ليعمل به، فإن ضاق عليه شيءٌ في مذهبه الفقهي يُمكنه الاستفادة من المذاهب الفقهية الأخرى.
وهذا يُحقّق لنا معنى كبير، وهو القدرة على قَبول القول السُّنِّي الآخر وعدم الاعتراض عليه والتَّنازع فيه؛ لأنَّ هذه المذاهب العظيمة شيّدت من قبل كبار أئمة
الدِّين فهي محكمةُ البنيان، ورفضُها مهلكٌ لنا كما نرى.
ومن أجل تحقيق ذلك كانت دراسة الدّبلوم تدور على حفظ «متن» منظومة فقهية في العبادات ودراستها؛ لأنَّ فيها عامّة ما يحتاجه المسلم في عباداته.
فوقع الاختيار في الفقه الحنفي على منظومة «كفاية الغلام» للعلّامة الفقيه عبد الغني النّابلسي؛ لصغر حجمها وسهولة حفظها على الدَّارسين.
وتيسيراً على الطَّلبة ذكرت المنظومة ابتداءً للاطلاع عليها وحفظها وضبطها، ثم ذكرت أحكام العبادات بترتيب مناسب موافق لما في الكتب الفقهية باختصار مع الاستدلال والترتيب؛ ليسهل تصورها وفهمها.
وفيما يتعلَّق بالمقدمة العقدية التي ذكرها النّابلسي فإنني اعتمدت في توضيح مفاهيمها على ما كتبه الأخ الفاضل الدكتور حمزة البكري في كتابه النَّافع «أسس العقيدة الإسلامية»، واقتصرت فيها على ما لا بُدّ منه لتصور المسائل.
ووضعت أبيات المنظومة التي تخصّ كل موضوع فيه داخله؛ ليتمكن القارئ الكريم من فهمها جيداً.
واجتهدت في أن تكون هذه الطَّريقة أفضل هيئة يُمكن فيها عرض المادة للمبتدئ في دراسة الفقه الحنفي، حتى نكون جمعنا بين الأصالة والمعاصرة؛ حيث
اعتمدنا متناً فقهياً لدراسة مذهبي فقهي مع عرض له بطريقة عصرية من حيث المنهجية والتّرتيب.
وقبل دراستنا للمنظومة والتَّفاصيل الفقهية قدَّمنا بعشر مقدِّمات لا بُدّ منها لتحقيق المقصود:
الأُولى: في بيان أنَّه لا اجتهاد بلا أصول، وأنَّ عامّة ما نرى من اجتهادات
معاصرة تعتمد على الهوى؛ لأنَّ مَن يقومون بها لا يسيرون على أصول، وإنَّما يفتون بلا ضبط، فكانت المخرجات التي نرى هذه الأيام فيها انحراف فكري وديني.
وبينتُ أنَّ سبب الاختلاف بين المذاهب الفقهية أصوليٌّ لا غير، وأنَّ مسائل كلّ مذهب بالنِّسبة لأصوله راجحة ومسائل غيره من المذاهب مرجوحةٌ، ولو نظرنا لمسائل الحنفية من أصول شافعية ستكون مرجوحة، وبالتالي كان التَّرجيح بينها من جهة الدَّليل لشخص لا ينتمي لأحد المذاهب عبثٌ وتلاعبٌ في الدِّين؛ لأنَّ التَّرجيح يكون من جهة الأُصول، فمَن لم يكن له أصولٌ ولا يسير على أصول مذهب فترجيحه من جهة الهوى.
والتَّرجيحُ الصَّحيح فيما بين المذاهب يكون بأصول التَّطبيق، وهي الضَّرورة والتَّيسير والحرج والعُرف وتغير الزَّمان والمصلحة، فيُمكننا الاستفادة من المذاهب الأُخرى إن تحقَّق فيها أحدُ هذه المعاني ونُقدِّمها على مذهبنا، وبهذه الطَّريقة نستفيد من جميع المذاهب الفقهية مع إحسان النَّظر إليها وإلى أصحابها.
والثَّانية: في تعرّف مسالك العلل للأحكام وتتبعها في نصوص الشَّريعة؛ لأنَّ الأحكام التي بين أيدينا تفرَّعت على علل النُّصوص لا على ظواهرها
فحسب، فما يفعلُه كثيرٌ من المعاصرين هو الاعتماد على الظَّواهر لا غير، وهذا خطأٌ كبيرٌ.
والثَّالثة: في بيان أنَّ الاجتهادَ في كلِّ ما يستجد من مسائل طريقه التَّخريج على أصول البناء والقواعد الفقهية عند الفقهاء، فمَن درس مذهباً فقهيّاً تمكّن من التَّعرُّف على ما يلزم من أحكام لمجتمعه؛ لقدرته على تخريجها من مذهبه، وأنَّ طريق الاستنباط للأحكام من القرآن والسُّنة من جديد ممن ليس أهلاً له كان سبباً في عامّة المشاكل التي نعيش.
والرَّابعةُ: في بيان معنى قول الإمام الشافعيِّ - رضي الله عنه -: «إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي»، وذكرت تفسير كبار أئمة الشَّافعيّة له، ونبهتُ على أنَّ الاستدلال به على ضعف أدلة المذاهب والحثّ على العمل بالحديث المخالف للمذهب خطأٌ فاحشٌ.
والخامسة: في بيان أنَّ هذه المذاهب الفقهية التي بين أيدينا لها طرقٌ متعدِّدة في البناء، فالمذهب الحنفي والمالكي اعتمد على النَّقل المدرسي، والمذهب الشَّافعيّ والحنبليّ اعتمد على النَّقل الحديثيّ، فمَن عرف ذلك عظمت هذه المذاهب في عينه، وعَلِم سبب الاختلاف بينها، وقوَّى دليل كلٍّ منها فيما ذهب إليه.
والسَّادسة: في بيان طبقات المجتهدين والوظائف التي يقومون بها، وأنَّه لا حياة للدِّين بدون الاجتهاد، ولكن الاجتهاد له صور متعدِّدة من استنباط وتخريج وترجيح وتمييز وتقرير، واقتصار المعاصرين في الاجتهاد على الاستنباط كان من أبرز أسباب الضَّياع والشَّتات، وأنَّ هذا النَّوع كان في مرحلة في مراحل الاجتهاد لا غير.
والسَّابعة: في بيان أنَّ للفقهاء مدرسة متكاملة في تصحيح الأحاديث وتضعفيها، وأنَّ عدم الانتباه لذلك أوقعنا في مهلكةٍ كبيرةٍ في سوءِ الظَّنِّ بهم وعدم الثِّقة بما قدَّموه لنا من علم؛ لأنَّ التَّصحيح للأحاديث أمرٌ اجتهاديّ يرجع للأصول التي وضعها المجتهد في الحديث للتَّصحيح، فالتَّحاكم لمدرسة المحدّثين فقط جعلنا نحكم بضعف أدلة الفقهاء، ولو تعرّفنا على مدرستهم لعلمنا قوَّة أدلّتهم.
والثَّامنة: في بيان أسباب تقليد المذاهب الفقهية عند أهل السُّنّة دون غيرها من الاجتهادات التي ظهرت عند السَّلف.
ونبَّهتُ أنَّ هذه المذاهب أصبحت علوماً مستقرّة لها أصولها وفروعها، تعد من أوسع العلوم التي عرفتها البشرية، واستطاعت الأُمَّة أن تبني من خلالها أقوى الحضارات البشرية.
فالفكرة التي ينبغي أن ينتبه لها الدَّارس الفاضل أنَّ أهل السُّنة يُقلِّدون علوماً في معرفة أحكام شرعهم لا أفراداً؛ لأنَّ الفرد يخطئ ويُصيب بخلاف العلم؛ لأنَّ أهله يصححون ما يقع فيه من خطأ بحيث يصل إلى أقصى درجات الكمال البشري، فما بين أيدينا من مذاهب هي اجتهادات وجهود من قبل مئات الألاف من الفقهاء على مدار التَّاريخ حتى أصبحت علوماً راسخة رسوخ الجبال، يمكن لنا أن نعتمد عليها في تنظيم حياة الأفراد والمجتمعات.
والتَّاسعة: في بيان الفرق بين التَّعصب والتَّمذهب، فإنَّ التَّعصبَ مذمومٌ بلا شكٍّ، وهو مختلفٌ تماماً عن الالتزام بمذهبٍ فقهيٍّ؛ لأنَّه واجبٌ لتنظيم العلم وترتيب أمور النَّاس للخروج من الفوضى واللعب، وأنَّ مَن يَتهمون غيرهم بالتَّعصب هم في الحقيقة أكثر مَن يقوم بالتَّعصب.
والعاشرة: في بيان أهمية دراسة فقه الاختلاف، وبيان الفرق بين فقه الاختلاف وعلم الخلاف والفقه المقارن، وأنَّ فقه الاختلاف هو ما نحتاج له، وأما الفقه المقارن فدراسته الخاطئة أوقعتنا في مشاكل كثيرة؛ لذلك كانت الدَّعوة لضرورة الدِّراسة المذهبية فحسب، وأنَّها السَّبيل للخروج من هذا الانحراف العلمي والفكري والدِّيني.
وفي الختام أسأل الله عز وجل أن يجعله خالصاً لوجه الكريم، وأن يتقبله ويجعله في ميزان حسناتي يوم الدِّين، وأن يغفر لي ولوالدي وأجدادي وشيوخي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدُّكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الجمعة 30/ 1/2017 م
الأردن/عمان /صويلح
البابُ الأَوَّل
الجانب الأصولي والفكري
الفقه لغةً: هو الفهم مطلقاً (¬1)، قال تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 28].
واصطلاحاً: إنَّ أصحاب كل علم ينظرون إلى المعنى اللغوي والشَّرعي من الجانب الذي يخدم علمهم؛ لذلك وجدنا الأصوليين والفقهاء اختلفوا في تعريف الفقه اصطلاحاً.
فعند الأصوليين: العلم بالأحكام الشَّرعيَّة العملية المكتسب من أدلتها التَّفصيليَّة (¬2).
فالأدلة التفصيلية: هي الأدلة الجزئية التي يتعلّق كلّ دليل منها بمسألة
¬
(¬1) ينظر: المصباح، ص 479، والعين 2: 70، ومفردات القرآن ص 398، ومعجم مقاييس اللغة 4: 442، ولسان العرب، 5: 3450، والكليات ص 67، وردّ المحتار 1: 25 - 26.
(¬2) ينظر: نهاية السول 1: 22، وقمر الأقمار على كشف الأسرار 1: 2، والتَّعريفات ص 147، والمستصفى 1: 4، والدُّر المختار 1: 26 - 27، ومُسلَّم الثُّبوت 1: 12، والكليات ص 690، والميزان الكبرى 1: 107.
معيّنة وينص على حكم خاص بها (¬1): كقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]، فهي دليل جزئي يتعلّق بحكم قتل النَّفس بغير حق.
وخرج «بالأحكام»: العلم بالذَّوات والصِّفات والأفعال.
و «بالشَّرعية»: العقلية، والمراد بها ما يتوقف معرفتها على الشَّرع.
و «بالعملية»: العلمية: ككون الإجماع وخبر الواحد حجّة (¬2).
والأحكام الشَّرعية العملية: هي التي تتعلّق بأفعال المكلفين في العبادات والمعاملات وغيرهما من الفرض والواجب والسُّنة والكراهة التَّحريمية والتَّنزيهية والإباحة (¬3).
وعند الفقهاء: علم يُبحث فيه عن أحوالِ الأعمالِ من حيث الحلُّ والحرمةُ، والفساد، والصِّحة (¬4)؛ لأنَّه لما كانت نظرة الفقهاء إلى بيان حكم فعل المكلف من الحلّ والحرمة بغض النَّظر عن الدَّليل اهتموا بتعريف الفقه من هذه الحيثية.
وعلم أصول الفقه: مجموعة القواعد التي تُبيِّن للفقيه طرق استخراج الأحكام من الأدلة التَّفصيلية، سواأكانت تلك الطرق لفظية: كمعرفة دلالات الألفاظ الشَّرعية على معانيها، واستنباطها منها، وطرق التَّوفيق بينها عند تعارض
¬
(¬1) ينظر: المدخل إلى دارسة الشَّريعة الإسلامية ص 55.
(¬2) ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه 1: 34، والتَّقرير والتَّحبير شرح التحرير 1: 19، وشرح الكوكب المنير ص 11، وحاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع 1: 52.
(¬3) ينظر: بديع النِّظام 1: 9، وكشاف اصطلحات الفنون 1: 38.
(¬4) في حاشيته على الدُّرر ص 3.
ظواهرها، أو اختلاف تاريخها، أم كانت معنوية: كاستخراج العلل من النُّصوص وتعميمها، وبيان طرق استخراجها، وأسلم المناهج لتعرفها ... (¬1).
لذلك علم أصول الفقه: العلمُ بالقواعدِ التي يتوصَّل بها إلى استنباطِ الأحكام الشَّرعيّة الفرعيّة من أدلتها التَّفصيلية (¬2).
وفي هذا التَّعريف ثلاثة أمور: الحكم الفرعي، والقاعدة، والدَّليل، فالحكم الفرعي مثل: وجوب الصَّلاة، والقاعدة هي أنَّ {أَقِيمُوا} أَمرٌ، والقاعدةُ الأصولية: هي أنَّ الأمر للوجوب، والدَّليل التَّفصيلي: هو قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} الأنعام: 72، ففي ضوء هاتين القاعدتين يتوصل المجتهد إلى الحكم الفرعي، وهو وجوب الصَّلاة من دليله التَّفصيلي، وهو قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاة} (¬3).
المبحثُ الأَوَّل: أسباب اختلاف الفقهاء:
بالاستقراء فيما كتب في أسباب الاختلاف، نجد أنَّهم جعلوا مردّها للأصول لكل مجتهد؛ لأنَّ الفقيه لا يستخرج الأحكام من الأدلة إلا باستخدام القواعد الأصولية المذكورة في كتب الأصول، فعلم الأصول هو: العلمُ بالقواعدِ التي يتوصَّل بها إلى استنباطِ الأحكام الشرعيّة الفرعيّة من أدلتها التفصيلية (¬4).
فهو العلم الذي يرجع له معرفة أسباب الاختلاف بين الفقهاء، مع علم القواعد والضَّوابط الفقهية ومبنى المسائل وأصلها، ويضاف عليهما علم رسم
¬
(¬1) ينظر: أصول الفقه لأبي زهرة ص 3 - 6.
(¬2) ينظر: بديع النِّظام 1: 9، وكشاف اصطلاحات الفنون 1: 38.
(¬3) ينظر: أصول الفقه للمبتدئين ص 26 - 27، وتسهيل أصول الشاشي ص 6 - 7.
(¬4) ينظر: بديع النظام 1: 9، وكشاف اصطلاحات الفنون 1: 38.
المفتي المتعلق بكيفية تطبيق الفقه في الواقع، وهذه الثلاثة تتحدث عن الأصول، سواء في استخراج المسائل، أو في كيفية فهمهما وبنائها، أو كيفية تطبيقها، وهذا ما سنقرّره فيما يأتي ونُدلِّلُ ونُمثّل له.
ولكن طُرحت قضية عدم وصول بعض الأحاديث للأئمة، وهذا يحتاج إلى استفاضة في مناقشته، ولكن نشير هاهنا إلى أنَّه وردت أقوال الأئمة: كأبي حنيفة ومالك وأحمد مجردةً بدون ذكر دليلها، وما ذكر مِنَ الأدلة في كتب مذاهبهم هي من استدلالات علماء المذهب، فيمكن أن يصيبوا ويمكن أن يخطؤوا، وضعف الاستدلال منهم لا يؤثر على مسائل المجتهد المطلق.
ولأنَّ المذاهب الفقهيّة هي مدارسٌ في نقل العلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمذهب الحنفية هو مدرسة الكوفة من صحابة وتابعين وغيرهم، ومذهب المالكية هو مدرسة المدينة من صحابة وتابعين، فإن فات صحابياً مِنَ المدرسة حديثٌ فلن يفوت الصحابة الآخرون مِنَ المدرسة، وكذلك الحال في التابعين، فنحن أمام مدارس بأعداد هائلة مِنَ العلماء ولسنا أمام أفراد، وقد ثبتت الرحلة في طلب الحديث من كبار التابعين وتابعيهم، قال الشّعبيّ: «ما رأيتُ أحداً أطلب للعلم في أُفق مِنَ الآفاق من مسروق» (¬1)، وقال سعيد بن المسَيِّب: «إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد» (¬2)، وبالتالي فالرحلة في طلب الحديث من فجر الإسلام وليست متأخرة.
ونلاحظ أنَّ للفقهاء مدرسة متكاملة في قَبول الأحاديث وردّها لا يسيرون فيها على طريق المحدّثين.
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الراية ص 305.
(¬2) ينظر: جامع بيان العلم ص 94.
قال الجصّاص (¬1): «لا أعلم أحداً مِنَ الفقهاء اعتمد طريق المحدّثين ولا اعتبر أصولهم»، ومبنى مدرسة الفقهاء على قاعدتين، وهما: العمل والمعنى، فالعمل من السَّلف بالحديث، وهو يعتبر تصحيحاً له، ويسمونه المشهور مثلاً عند الحنفية، والمعنى بحيث يتوافق الحديث مع الأدلة الأخرى مِنَ القرآن والسنة والآثار الواردة في موضوعه، فلم يقبلوا: حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (¬2)؛ لأنَّه ورد فيما تعمُّ به البلوى وهو آحاد، فالوضوء يحصل كل يوم مرات مِنَ المسلم، فعدم اشتهار الحديث مع كثرة الحاجة له يُرشدُ إلى عدم صحّة مخرجه، وهذا مختلف عن قاعدة مدرسة المحدّثين، وهي الاستناد في تصحيح الحديث إلى الرجال بالدرجة الأولى، فهما مدرستان في الحقيقة كل منها لها أصولها الخاصة بها، فكثيراً ما يكون عدم قَبول الحديث ليس لعدم وصوله، ولكن لعدم صحته على طريقة مدرستهم.
فمن هذا نخلص: أنَّ عدم عملهم بالحديث وتركهم له له أسباب عديدة،
وليس راجعاً لعدم وصول الحديث لهم، فعندما طبّقوا عليه قواعدهم في التصحيح والعمل، لم يكن صالحاً فتركوه، وهذا ما يقرِّره الحافظ الصالحي (¬3): «اعتذر بترك أبي حنيفة أحاديث الآحاد؛ لعدم اطلاعه على بعضها، وفيه بعد».
أولاً: اختلاف الفقهاء في علم الأصول:
إنَّ استعراض الخلاف الأصولي يقتضي منا ذكر جميع جزئيات الأصول؛ لأنَّها تمثِّل البناء الأصولي للمجتهد في المسائل، وهو ما ينبني عليه اختلاف واسعٌ
¬
(¬1) في شرح مختصر الطحاوي4: 244 عن دراسة عن اللباب1: 26.
(¬2) في سنن أبي داود 1: 25، وسنن ابن ماجه 1: 139.
(¬3) في عقود الجمان ص397.
في الفروع، ونقتصر هنا على نزر يسير من صور الاختلاف في علم الأصول، وهي كالآتي:
الاختلاف في معنى حرف الباء في قوله - جل جلاله -: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} المائدة: 6، فهو مشترك بين الإلصاق والتَّبعيض والزِّيادة، بناءً على ذلك اختلف الفقهاء في المقدار الواجب مسحه من الرَّأس عند الوضوء:
فالحنفية: حملوا الباء على معنى الإلصاق: أي امسحوا رؤوسكم ملصقة بها الأيدي، فأوجبوا مسح ربع الرأس؛ لأنَّه مقدار لصق اليد على الرأس. والشافعية: حملوا الباء على معنى التَّبعيض، فأوجبوا مسح بعض الرَّأس، وهذا يتحقَّق بشعرة أو ثلاث شعرات. والمالكية: حملوا الباء على معنى الزِّيادة والتَّوكيد: أي امسحوا رؤوسكم، فأوجبوا مسح كل الرَّأس، وهو قول الحنابلة (¬1).
ودلالة الخاص على معناه قطعية أم ظنية، فعند أبي حنيفة: قطعية فلا يحتمل البيان؛ لكونه بيّناً في نفسه، وعند الشّافعي: ظنية فيحتمل البيان.
مثاله: تعديل الأركان: وهو الطّمأنينةُ في الرُّكوع والسجود: فلم يجوز أبو حنيفة - رضي الله عنه - إلحاقه بالفرض؛ لأنَّ قوله - جل جلاله -: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] خاصٌّ وضع لمعنى معلوم؛ فالرُّكوع: هو الانحناء عن القيام، والسُّجود: هو وضع الجبهة على الأرض، والخاصُّ لا يحتمل البيان حتى يقال: إنَّ الحديثَ لَحِق بياناً للنصّ المطلق فلا يكون إلاّ نسخاً، وهو لا يجوز بخبرِ الواحد، فينبغي أن تُراعى منزلة كلٍّ من الكتابِ والسنة، فما ثَبَتَ في الكتاب يكون فرضاً؛ لأنَّه قطعيٌّ، وما ثَبَتَ بالسُّنة يكون واجباً؛ لأنَّه ظنيّ.
¬
(¬1) ينظر: البحر المحيط 3: 159، والموسوعة الفقهية 10: 78.
وأما أبو يوسف والشَّافعي: ألحقوه بالفرض؛ لحديث الأعرابي الذي خَفَّفَ في الصَّلاة فقال له - صلى الله عليه وسلم -: «ارجع فصلِّ فإنِّك لم تصل» (¬1).
ثانياً: اختلاف الفقهاء في البناء الفقهي:
إنَّ اختلاف الفهم للدَّليل يؤدّي إلى الخلاف في البناء عليه، ومردُّ ذلك لاختلاف العقول البشرية وتفاوتها، فما سبق من كلام في البناءِ الأصولي للمسألة، وهنا في البناء الفقهي للمسألة، وهو ما يُعرف بالقواعد والضَّوابط الفقهيّة للمسائل، وهو علمٌ كبيرٌ واسع، ومن صوره:
مثاله: الاختلاف في نوع بدلية التَّيمم عن الماء: فعن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الصَّعيد الطَّيب وضوء المسلم ولو عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمس بشرته الماء» (¬2)، فاختلف الفقهاء في نوع بدلية التيمم عن الماء: فعند الحنفية: التَّيمم بدل مطلق عن الماء، وعليه قالوا: بجواز التيمم قبل دخول الوقت ولأكثر من فرض ولغير الفرض أيضاً، فيُصلِّي بتيمّمه ما شاء من الفرائض والنَّوَافل؛ لأنَّ الله - جل جلاله - أقامَ التيمُّم مقام الوضوء مُطلقاً.
وعند الجمهور: التَّيمم بدل ضروري عن الماء، وعليه قالوا: بعدم صحة التيمم إلا بعد دخول وقت ما يتيمم له من فرض أو نفل له وقت مخصوص، فيُصلّي به فرضاً واحداً وما شاء من النَّوافل، إلا أنَّ الحنابلة أجازوا بالتَّيمم الواحد صلاة ما عليه من فوائت في الوقت إن كانت عليه، خلافاً للمالكية والشَّافعية؛ لأنَّه
¬
(¬1) في صحيح البخاري 5: 2307.
(¬2) في صحيح ابن حبان4: 139، ومصنف ابن أبي شيبة1: 144، ومسند أحمد5: 146.
طهارةٌ ضرورية، والضَّرورة تتحقق بفرض واحد (¬1).
المطلبُ الثَّالث: اختلاف الفقهاء في أصول التَّطبيق:
وهي قواعد الإفتاء المعروفة بعلم رسم المفتي، فهو علم يبحث في كيفية تطبيق الفقه في الواقع، وأصوله هي: الضَّرورة، والحاجة، ورفع الحرج، والتَّيسير، وتغير الزَّمان، والعُرف، والمصلحة، وعامة الأحكام الفقهية متعلقة بهذه الأمور، فكان لها تأثيرها البالغ في اختلافها من مجتهد إلى مجتهد، بسبب اختلاف بيئة الفقهاء وعصورهم، فقد كان لذلك أثر كبير في اختلافهم في كثير من الأحكام والفروع، حتى إنَّ الفقيه الواحدَ كان يرجع عن كثيرٍ من أقوالِه إلى أقوال أُخرى إذا تعرّض لبيئةٍ جديدةٍ تُخالف البيئة التي كان فيها.
مثاله: التَّزكية في العدالة: إنَّ الحكم أنَّه لا تقبل إلا شهادة العدل، كما شهد القرآن؛ قال - جل جلاله -: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} البقرة: 282، والعرف يُساعدنا في معرفةِ العدل، ففي زمن أبي حنيفة: لم يَحتج للتزكية في العدالة؛ لأنَّ النَّاس عدول، أما في زمن الصَّاحبين فقد تغيّرت أحوال النَّاس، فنحتاج لتحقُّق علّة الحكم من العدالة بالتَّزكية، فمَن لم يكن عدلاً لا تُقبل شهادته، هذا هو الحكم، ولكن كيف نتعرَّف على العدالة، حيث أمكن ذلك بالعُرف (¬2).
المبحثُ الثاني: القواعد الفقهية:
القواعد لغةً: وهي الأساس (¬3)، قال - جل جلاله -: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِد} البقرة: 127.
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية 14: 268 - 269.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 6: 270.
(¬3) ينظر: مختار الصحاح ص 257.
واصطلاحاً: حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه (¬1).
أولاً: حُجيّة القواعد الفقهيّة:
لا تعدُّ القواعد الفقهية دليلاً شرعياً يستنبط منه الأحكام؛ لأنَّها جامعة لفروع متعددة متجانسة في معناها، وكلُّ ما لا يكون من جنس فروعها لا يدخل تحتها، وبالتالي يكون القياس على الفروع التي بنيت عليها، وهي مرشدة للفقيه لهذا الفرع تحتها ومبينة لسبب بنائه، فهي دالة ومرشدة ومساعدة على التخريج على مسائلها.
قال ابن نجيم: «لا يجوز الفتوى بما تقتضيه الضوابط؛ لأنَّها ليست كلية بل أغلبية» (¬2).
ثانياً: التَّخريج على أصل البناء لا على القاعدة الفقهية:
كَثُرت التَّعاريف لمصطلح القواعد الفقهية، ومنها:
فالقاعدة أصل بناء فقهي ينطبق على أكثر جزئياته في أبواب مختلفة.
وذكرته بأصل بناء؛ لتمييزه عن أصول الاستنباط «أصول الفقه» وأصول التَّطبيق «رسم المفتي».
وهو يشمل أصول المسائل التي بنيت عليه في تخريج أحكامها على القاعدة التي اشتمل عليها، واعتباره أساساً في معرفة حكم ما يستجد من الأحكام بشرط توافقها مع فروع القاعدة.
¬
(¬1) ينظر: غمز العيون1: 51.
(¬2) ينظر: غمز العيون1: 37 عن الفوائد الزينية.
وهو أكثريٌّ لا كليّ، حيث تندرج تحته أكثر فروعه ومسائله في الموضوعات المتعددة والأبواب الفقهية المختلفة.
وأما الضَّابط الفقهي: فهو أصل بناء فقهي ينطبق على جزئيات باب خاص إلا نادراً.
وأما الأصل الفقهي: فهو أصل بناء فقهي ينطبق على جزئياته في مسائل خاصَّة.
والفرق بين القواعد والضَّوابط والأصل:
1.شمول القواعد لأبواب متعددة، واقتصار الضَّوابط على باب خاص، والأصل على مسائل محدَّدة، قال الزَّركشيّ (¬1): «ما لا يخصّ باباً من أبواب الفقه يُسمّى بالقاعدة في اصطلاح الفقهاء، وما يَخصُّ بعضَ الأبواب فيُسمّى ضوابط»، وقال السُّيوطيّ (¬2): «إنَّ القاعدةَ تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابطُ يجمعها من باب واحد».
2.القواعد أكثر شذوذاً من الضوابط؛ لأنَّ الضوابط تضبط موضوعاً واحداً
فلا يتسامح فيها بشذوذ (¬3)، ولا يقبل الشذوذ في الأصل.
المبحثُ الثالث: الحديث الصَّحيح مذهبي:
وردّ عن الشَّافعيّ: «إذا صَحّ الحديث فهو مذهبي»، ويفهمه بعضهم: بأنَّه يجوز لأي أحدٍ جاء بعدهم الاستدراك عليهم ورد قولهم؛ لظاهر حديث وقف
¬
(¬1) في تشنيف المسامع 2: 162.
(¬2) في الأشباه والنظائر للسيوطي 1: 71.
(¬3) ينظر: القواعد للندوي ص 51.
عليه، حتى صار هذا الكلام مغمزة في كثير مِنَ المسائل الواردة عن الأئمة أنَّها تُخالف الحديث، وسبباً في ردّ كثير من فروعهم.
ويمكن أن يجاب عنها بما يلي:
1.إنَّ مَن ذكر هذا القول من الأقدمين ذكره على سبيل الثَّناء والرِّفعة لهؤلاء الأئمة، لا لانتقاصهم بالطَّعن فيما ورد عنهم من مسائل أنَّها تخالف النُّصوص، قال العلامة محمد العربي بن التباني (¬1): «جلّ العلماء الذين ذكروه: كابن عبد البرّ، إنَّما ذكروه وعدّوه من مناقبهم، والجماعون المتشبعون بما لم يعطوا، يذكرونه لثلبهم وثلب أتباعهم، فهذا صاحب مجلة «المنار»، زعم أنَّ المذاهب الأربعة فيها مئات المسائل مخالفة للكتاب والسُّنَّة ولم يُبرهنّ على مسألة واحدة في المذاهب الأربعة مخالفة للكتاب والسُّنَّة، فضلاً عن المئات التي أرسلها في الدَّعوى الجوفاء، والكلام لا ضريبة عليه، فأي فرع من فروع الأئمة جاء الحديث مخالفاً له ... فهذا لا يتفوّه به إلا سيئ العقيدة في أئمة الدين المشهود لهم بالخيرية من سيد المرسلين، وفي أتباعهم حملة الشَّريعة إلينا».
2.إنَّ هذا الكلام ليس للعوام، وإنَّما لأهل النظر المشتغلين بعلوم الشريعة ممَّن بلغوا مرتبةَ الاجتهاد ولو في المذهب أو في هذه المسألة، وعلى ذلك أَطبقت كلمةُ العلماء، قال ابنُ الصَّلاح: «فليس كلّ فقيه يسوغُ له أن يستقل بالعمل بما رآه حجّة مِنَ الحديث ... وروينا عن ابن خزيمة الإمام البارع في الحديث والفقه، أنَّه قيل له: هل تعرف سنةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام لم يودعها الشَّافعيُّ كتابه؟ قال: لا. وعند هذا أَقول: مَن وَجَدَ مِن الشَّافعيين حديثاً يُخالف مذهبَه، نظر: فإن كَمُلَت آلات الاجتهاد فيه، إمّا مطلقاً، وإمّا في ذلك الباب، أو في تلك
¬
(¬1) في الاجتهاد ص112.
المسألة، كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث، وإن لم تكمل فيه آلته، ووجدَ حزازة في قلبه من مخالفة الحديث بعد أن بحث، فلم يجد لمخالفته عنه جواباً شافياً، فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل؟ فإن وجده، فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك عذراً له في ترك مذهب إمامه في ذلك» (¬1).
وقال النَّوويُّ (¬2): «إنَّما هذا ـ يعني كلام الشافعيّ ـ فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب، وشرطه أن يغلب على ظنّه أنَّ الشَّافعيّ لم يقف على هذا الحديث، أو لم يعلم صحّته، وهذا إنَّما يكون بعد مطالعة كتب الشَّافعيّ كلّها، ونحوها من كتب الأصحاب الآخذين عنه، وما أشبهها، وهذا شرطٌ صعب، قلَّ مَنْ يتّصف به، وإنَّما اشترطوا ما ذكرنا؛ لأنَّ الشَّافعيّ ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها، ولكن قام الدَّليل عنده على طعن فيها، أو نسخها، أو تخصيصها، أو تأويلها، ونحو ذلك».
3.أن يكون هذا الحديث صحيحاً عند إمام المذهب بالشروط المفصّلة في أصوله، وقد مرَّ شيئاً منها سابقاً، فلا شكَّ أنَّ إمامه كان له اطلاع واسع على متون السُّنة، إلا أنَّه لم يعمل ببعضها لعوارض ظهرت له: كالنَّسخ والشُّذوذ والتَّأويل وغيرها، قال عبد الوهاب الحافظ (¬3): «لا بُدَّ ... مصححاً عنده ـ إمام المذهب ـ بالشُّروطِ التي اشترطها، لا عند مَنْ روى الحديث».
4.إنَّ هذا اللفظ بهذه الصِّيغة واردٌ عن الشافعي فحسب؛ إذ أنَّه فيه عبّر أنَّ أصل مذهبه، هو الحديث الصَّحيح، ومع ذلك يَرُدّه إن كان منسوخاً: كحديث
¬
(¬1) معنى قول الإمام المطلبي: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» ص106 - 107.
(¬2) في المجموع 1: 105.
(¬3) في الاجتهاد ص174 - 175.
الحجامة السَّابق، أو مخصصاً: كحديث «النهي عن بيع الغرر» (¬1) فهو مخصوص، خص منه السُّنبل إذا اشتد، وخصّ منه بيع السَّلم وغير ذلك (¬2)، أو مؤولاً: كحديث وجوب غسل الجمعة السَّابق، بأنَّه محتمل أنَّه واجب لا يجزئ غيره، وواجب في الأخلاق، وواجب في الاختيار وفي النظافة وفي تغير الريح عند اجتماع الناس (¬3).
أما غيره فلهم ألفاظ قريبة منه: كقول أبي حنيفة: «إذا جاء الحديث فعلى الرَّأس والعين» (¬4)، وقول مالك: «ما من أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا صاحب هذه الروضة» (¬5)، وهذا تأكيد منهم على أنَّهم يلتزمون ويتحرّون في استنباط الأحكام الفقهية سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنَّهما لهما قواعدهما في قَبول الحديث النَّبوي الشَّريف.
5.إنَّه يجوز العمل بالجانب المرجوح إن قامت قرائن لذلك: كوقوع الفتنة،
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1153، وصحيح البخاري 2: 754، والمنتقى 1: 151، وجامع الترمذي 3: 532، وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، وكرهوا بيع الغرر، قال الشافعي - رضي الله عنه -: ومِنْ بيوع الغرر بيع السمك في الماء، وبيع العبد الآبق، وبيع الطير في السماء، ونحو ذلك.
(¬2) ينظر: مقدمة معنى قول الإمام المطلبي ص16، وغيره.
(¬3) ينظر تفصيل ذلك مقدمة معنى قول الإمام المطلبي ص12 - 13.
(¬4) ينظر: الميزان الكبرى 1: 66. ومقدمة معنى قول الإمام المطلبي ص8 عن مناقب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - للموفق المكي1: 77.
(¬5) ينظر: مقدمة معنى قول الإمام المطلبي ص9 عن مختصر المؤمل ص33.
أو التَّشويش على العوام، أو تفريق المسلمين، قال العلامة أشرف علي التهانوي - رضي الله عنه - (¬1): «إذا تحقق لعالم واسع النظر ذكي الفهم منصف الطبع بتحقيق نفسه، أو لعامي باعتماده على مثل هذا العالم، بشرط أن يكون متقياً أنَّ القول الرَّاجح في هذه المسألة في جانب آخر، وشهد بذلك قلبه، فلينظر هل هناك مساغ في الدَّلائل الشرعية لذلك الجانب المرجوح أو لا، فإن كان هناك مساغ فحيث يخاف الفتنة أو وقوع العامة في التشويش أو يخشى تفريق الكلمة بين المسلمين فالأولى أن يعمل بالجانب المرجوح، ويدل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألم تَرَيْ أنَّ قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم - عليه السلام -، فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم - عليه السلام -؟ فقال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت» (¬2).
فهاهنا وإن كان الرَّاجح بناء الكعبة على قواعد إبراهيم - عليه السلام -، ولكنَّه لما كان الجانب الآخر وهو تركها على حالها جائزاً أيضاً وإن كان مرجوحاً، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اختار هذا الجانب المرجوح؛ خوفاً من الفتنة وتشويش العامة.
المبحثُ الرابع: النَّقل المدرسي للمذهب الحنفي:
اقتضت الحاجة من الصَّحابة - رضي الله عنهم - في تعليم الإسلام أن ينتقل المجتهدون منهم إلى البلاد المفتوحة؛ لِيُعَلِّموا الإسلام وينشروه بالهيئة التي تلقوه بها، فكان أبو الدَّرداء ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهم - في الشَّام، وأبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - في البصرة، وابنُ عَبّاس - رضي الله عنه - في مكة، وزيد بن ثابت وعائشة وابن عمر وأبو هريرة - رضي الله عنهم - في
¬
(¬1) في الاقتصاد في التقليد والاجتهاد ص 43 - 45 بواسطة أصول الإفتاء ص 61 - 63.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 969، وصحيح البخاري 2: 573 وغيرهما.
المدينة، وابن مسعود وعليّ - رضي الله عنهم - في الكوفة، وهكذا، ومنهم تكوَّنت نواة المذاهب الفقهية في نقل الجانب العملي للإسلام لمَن بعدهم.
فخلاصة النقل في الكوفة مثلاً: أنه بعد فتح الكوفة على يدِ سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - سنة (17هـ)، بعثَ عمرُ - رضي الله عنه - لها عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أَميراً، وابنَ مسعود - رضي الله عنه - قاضياً؛ لأنَّه من أكابر المجتهدين من الصَّحابة - رضي الله عنهم -، فهو خامس مَن أسلم (¬1)، وقال عنه - صلى الله عليه وسلم -: «رضيت لأُمَّتي ما رضي لها ابن أم عبد» (¬2)، و «تمسّكوا بعهد ابن أم عبد» (¬3)، و «خذوا القرآن عن أَربعة ... وذكر منهم ابن أم عبد» (¬4)، وقال عنه عمر - رضي الله عنه -: «كنيف مليء فقهاً» (¬5)، ووصفه حذيفة - رضي الله عنه - بأنَّه أشبه الصَّحابة - رضي الله عنهم - بهدي النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وسمته وسلوكه (¬6)، وكان يظنُّ أبو موسى الأشعرى - رضي الله عنه - عندما جاء مسلماً إلى المدينة أنَّه من بعض أهل النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لكثرةِ دخوله عليه (¬7).
وقال الشَّعبي - رضي الله عنه -: «ما كان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أفقه صاحباً من ابن مسعود» (¬8).
¬
(¬1) حلية الأولياء 1: 126، والمستدرك 3: 313، وصححه.
(¬2) المعجم الأوسط 7: 70، والبحر الزَّخار 5: 354.
(¬3) مصنف ابن أبي شيبة 7: 433، وصحيح ابن حبان 15: 328، وجامع التِّرمذي 5: 668.
(¬4) صحيح مسلم 4: 1913، واللفظ له، وصحيح البخاري 3: 1385، وغيرهما.
(¬5) مصنف ابن أبي شيبة 6: 384، والمعجم الكبير 9: 85، وفي المجمع 9: 291: رجاله رجال الصَّحيح.
(¬6) جامع الترمذي 5: 673، وقال: حديث حسن صحيح.
(¬7) السنن الكبرى للنسائي 5: 103، صحيح البخاري 3: 1373، وغيرها.
(¬8) ينظر: المصدر السابق ص25، وغيره.
فتلاميذه - رضي الله عنه - كانوا علماء الكوفة، الذي يرشدون النَّاس إلى خيرهم في دنياهم وآخرتهم، ومنارة للمستنيرين بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال سعيد بن جبير - رضي الله عنه -: «كان أصحاب عبد الله سُرُج هذه القرية» (¬1)، وقد كان ابن مسعود - رضي الله عنه - مِنَ النَّفر القلائل من الصَّحابة - رضي الله عنهم - الذين تيسر لهم التلاميذ الكثر، فقاموا بنقل علمهم وفقههم الذي ورثوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال علي بن المديني: «لم يكن من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد له أصحاب يقولون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس - رضي الله عنهم -» (¬2). وقال محمد بن جرير: «لم يكن أحد له أصحاب معروفون، حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود - رضي الله عنه -، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر - رضي الله عنه -، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله» (¬3).
بسبب ذلك نجد التَّابعي الكبير مسروق - رضي الله عنه - يقول: «شاممت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: نصفهم أهل الكوفة (¬4): إلى عمر، وعلي، وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، فشاممت هؤلاء الستة، فوجدت علمهم انتهى إلى عليّ وعبد الله» (¬5).
فعمر - رضي الله عنه - لم يتوطَّن الكوفة، ولكن شيخ الكوفة ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يتابعه في اجتهاداته، ويترك اجتهاده لاجتهاد عمر - رضي الله عنه -، مما جعل فتاوى عمر - رضي الله عنه - مصدراً
¬
(¬1) ينظر: طبقات الشيرازي ص81، وطبقات ابن سعد 6: 10، وغيرها.
(¬2) ينظر: ابن مسعود - رضي الله عنه - ص279، وغيره.
(¬3) ينظر: مقدمة نصب الراية ص305، والمدخل إلى الفقه الإسلامي ص89، وابن مسعود - رضي الله عنه - ص279.
(¬4) ينظر: طبقات الشيرازي ص25، وغيره.
(¬5) في المعجم الكبير 9: 94، والجرح والتعديل 7: 27، وسير أعلام النبلاء 1: 493.
أساسياً في فقه أهل الكوفة، ويدرك ذلك كلّ مشتغل بالاستدلال لمسائل أهل الكوفة، فإنَّها تكون موافقة لقول عمر - رضي الله عنه -.
وبهذا يكون علم عمر - رضي الله عنه - قد غذيت به الكوفة وكان مُستَنداً لهم في فقههم، فإن كان ذلك، يكون قد اجتمع لهم علم أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فحقّ لهم أن يبنوا لمن خلفهم هذا البنيان الفقهي الشامخ الذي بهروا به الأبصار (¬1).
فهذه الصُّحبة المديدة والمُلَازمة العجيبة لا بُدَّ أن تجعله مُدركاً وضابطاً لهدي النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وفاهماً لمقاصد الشَّرع وحافظاً لما ورد منه، ومثلُه أهلٌ بأن يأتي بمذهبٍ يُبيّن فيه حقيقة الإسلام الذي تلقاه من الحضرة النَّبويّة، وقد تجسّد هذا في المذهب الحنفيّ، فهو مذهب ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ إذ إنَّه الرَّكيزةُ الأساسيةُ في بنائه وتأسيسه.
فقد نُقل عن ابن مسعود - رضي الله عنه - كلُّ ما تعلمه من النَّبي - صلى الله عليه وسلم - واجتهد به كبارُ التَّابعين في الكوفة؛ إذ بقي في الكوفة ما يَقْرُب من خمس عشرة سنة يُربي ويُعَلِّم، فيَقول ابن مسعود - رضي الله عنه - عن علقمة النَّخعي - رضي الله عنه - الذي صحبه عشر سنين (¬2): «لا أَعلم شيئاً إلا وعلقمة يعلمه» (¬3)، وهذه شهادة عظيمةٌ يتضح من خلالها كمال النَّقل لهدي النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بطريق المدرسة، وشهد بذلك الطَّبري فقال: «لم يكن أحدٌ له أصحاب معروفون حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود - رضي الله عنه -، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر - رضي الله عنه -، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من
¬
(¬1) في مقدمة نصب الراية ص305.
(¬2) المعجم الكبير 9: 123.
(¬3) ينظر: مقدمة نصب الرَّاية ص304ـ305.
قوله إلى قوله» (¬1)، فحُفِظ وضُبِط بهذا الطريق كلُّ ما قاله ابن مسعود - رضي الله عنه - من نقلٍ واجتهادٍ.
وهذا الأمر الذي جعل عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - يُؤثر الكوفة في أن تكون مكاناً لخلافته بدلاً عن المدينة رغم أنَّها مهبط الوحي؛ لما امتاز أهلُها عن غيرهم من المعرفة الصَّحيحة للإسلام والفهم العميق، قال عليّ - رضي الله عنه -: «رحم الله ابن أم عبد قد ملأ هذه القرية علماً»، وقال سعيد بن جبير: «كان أصحاب ابن مسعود - رضي الله عنه - سُرج هذه القرية» (¬2).
قال مسروق - رضي الله عنه -: «انتهى العلم إلى ثلاثة: عالم بالمدينة، وعالم بالشام، وعالم بالعراق، فعالم المدينة علي بن أبي طالب، وعالم العراق عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء، فإذا التقوا سأل عالم العراق وعالم الشام عالم المدينة، ولم يسألهما» (¬3).
وبانتقال عالم المدينة - رضي الله عنه - إلى الكوفة اجتمع علمه - رضي الله عنه - وعلم ابن مسعود - رضي الله عنه - لأهلها؛ إذ أنَّ باب مدينة العلم لم يكن بأقلّ عناية بالعلم من ابن مسعود - رضي الله عنه -، فَوَالى تفقيههم، إلى أن أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المسلمين، في كثرة فقهائها، ومحدثيها، والقائمين بعلوم القرآن، وعلوم اللغة العربية فيها، بعد أن اتخذها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عاصمة الخلافة، وبعد أن انتقل إليها أقوياء الصحابة - رضي الله عنهم - وفقهاؤهم، توفي سنة (40هـ) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الرَّاية ص305، وابن مسعود - رضي الله عنه - ص279.
(¬2) ينظر: الطبقات للشيرازي ص81، والطبقات الكبرى لابن سعد 6: 10، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر السابق ص23، وغيره.
(¬4) ينظر: المدخل إلى الفقه الإسلامي ص88، وغيره.
فإذا أضيف إلى تعليم ابن مسعود - رضي الله عنه - تعليم عليٍّ - رضي الله عنه - لأهل الكوفة ببقائه فيهم أربع سنوات وهو خليفةٌ للمسلمين، وكلُّ همساته وحركاته وسَكَناته معلومة بينهم؛ لمكانته، فعليٌّ - رضي الله عنه - أكثر النَّاس حفظاً لحالِ النَّبيّ - رضي الله عنه -؛ وذلك لتربيته له قبل الإسلام وتزويجه ابنته وقرابته منه وذكائه الشَّديد، وهذه المدةُ كافية لكي يَنقل سلوك النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكوفة، فهو الشَّخصية الثَّانية من الصَّحابة - رضي الله عنهم - الأكثر تأثيراً في بناء المذهب الحنفي.
وهذا يكفي للطمأنينة بوجود الإسلام بتمامه في الكوفة زمن الصَّحابة - رضي الله عنهم -، فكيف إذا كان ابنُ مسعود - رضي الله عنه - يترك قوله لقول عمر - رضي الله عنه -، ويُخبر النَّاس بكلِّ ما يُفتي به عمر - رضي الله عنه -، وكيف إذا وُجد في الكوفة سبعون بدرياً وألف وخمسمئة صحابيّاً كما شهد بذلك العجليّ (¬1).
وقد تلقَّى عن هؤلاء أئمة التَّابعين مثل: 1) علقمة النَّخعي (ت63هـ) الذي رحل إلى أبي الدَّرداء وعمر وعائشة - رضي الله عنهم -، 2) ومسروق الهمداني (ت63هـ) الأعلم بالفتوى بشهادة الشَّعبي، 3) والحارث الهمداني (ت65هـ) المُقَدَّم بالعلم في الكوفة بشهادة ابن سيرين، 4) وعبيدة السلمي (ت72هـ) المقدَّم في علم الفريضة، 5) وعمرو الأودي (ت74هـ) من أصحاب معاذ - رضي الله عنه -، 6) وعبد الله السلمي (ت74هـ) عمدة القراء وقد تلقى عنه السّبطان، وأخذ عنه عاصم قراءته المشهورة، 7) والأسود النَّخعي (ت74هـ) الذي قالت عنه عائشة رضي الله عنها: «ما مات رجل بالعراق أكرم عليَّ من الأسود»، 8) والقاضي شريح المشهور (ت80هـ) الذي استمر في قضاء الكوفة اثنين وستين سنة وقد ولاه عمر - رضي الله عنه -، وغيرهم من العِظام الذين يطول الكلام بذكرهم.
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الرَّاية ص304.
وقد أخذ عن هذه الطبقة سعيدُ بن جبير (95هـ)، والشَّعبيُّ (ت104هـ) الذي يقول عنه ابن عمر - رضي الله عنهم -: «لهو أحفظ للمغازي مني، وإن كنت قد شهدتها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، وإبراهيم النَّخعي (ت95هـ) الذي يعتبر من أَبرز الشَّخصيات الفقهية التي بُنِي عليها المذهب الحنفي بعد ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال الأعمش: «ما عرضت على إبراهيم حديثاً قط إلا وجدت عنده منه شيئاً، وكان صيرفيّ الحديث، فكنت إذا سمعت الحديث من بعض أَصحابنا عرضته عليه» (¬1).
قال الزُّهريّ: «العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشَّام». ولم يكن علم الشَّعبي مقتصراً على معرفة المغازي والحديث، بل شمل الفقه وغيره، قال أبو مجلز: «ما رأيت أحدا أفقه مِنَ الشعبي»، ولد سنة (21 - 104هـ) (¬2).
فلو لم يحل بالكوفة إلا مثل الشعبيّ لكفاها علماً وحديثاً وفقهاً، فلا يعقل مدينة يوجد فيها أعلم أهل الأرض بالحديث، ثم يقول المستغربون: إنَّ الحديث لم يكن منتشراً فيها.
وما هذا الكلام منهم إلا لأنَّ الله - جل جلاله - طمس على قلوبهم، وإلا فإنَّ مَنْ ينظر إلى حال هؤلاء الأئمة وما قاموا به من واجب في التعلم والتعليم وحفظ دين الله - جل جلاله - لا يشك لحظة في نشرهم لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حِلهم وإقامتهم.
وعن هذه الطَّبقة أخذ أبو حنيفة، ولكن جلَّ أخذه كان على حماد بن أبي سليمان الذي كانت له ملازمة تامّةٌ لإبراهيم حتى في أُمور حياته العادية، وأبو حنيفة لازم أيضاً حماداً ملازمةً لم يلازم أحدٌ أحداً مثلها كما قال.
¬
(¬1) ينظر: توثيق كل ما سبق: المدخل إلى دراسة الفقه ص89ـ91.
(¬2) ينظر: حلية الأولياء 4: 310، ومرآة الجنان 1: 244، ووفيات الأعيان 3: 12 - 16.
فانظر كيف أنَّ ابنَ مسعود - رضي الله عنه - لازم النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وتلقَّى عنه الدِّين بقرآنه وأحاديثه مع تطبيقها وفهمها، ولازم علقمةُ النَّخعيُّ ابنَ مسعود - رضي الله عنهم - ملازمةً حمل فيها الإسلام بكماله وتمامه، ونشأ إبراهيمُ النَّخعيّ في أُسرة فقهيّة عريقة كما شهد الشَّعبيّ، فالأسودُ النَّخعيُّ خاله، ثُمَّ صَحِبَهُ حمادٌ صحبةً تامّة، وصَحِبَ حمادَ أبو حنيفة وتلقَّى عنه هذا الفهم النَّاضج لأحكام الدِّين من هؤلاء العِظام، وكان في كلِّ طبقةٍ رجالٌ غير هؤلاء زادوا في هذا الخير ـ كما سَبَق ـ.
وهذا الطَّريق مشهورٌ عند المالكية بإجماع أهل المدينة، وهم يُقَدِّمونه على حديث الآحاد؛ لأنَّه عبارةٌ عن نقلِ طبقةٍ عن طبقةٍ من أئمةِ الاجتهادِ من الصَّحابةِ والتَّابعين - رضي الله عنهم -؛ لذلك يقول فقيه المدينة وشيخ مالك ربيعة الرَّأي: «ألف عن ألف خير من واحد عن واحد» (¬1).
ومن هذا التَّسلسل التاريخي لمدرسة الكوفة يتبيَّن لنا بكل جلاء حفظهم لحديث وفِقه النَّبي - صلى الله عليه وسلم - بطرق متواترة نقلها جيل عن جيل مِنَ العدول الأثبات، وأنَّ هذه المدرسة استندت في فقهها إلى العمل المتوارث والحديث المنقول.
وإنَّ مَنْ يُكثر الاشتغال بفقه السَّادة الحنفية يلمح بكلّ وضوح وجلاء أنَّهم بنوا جلّ المسائل على آثار الصَّحابة والتَّابعين - رضي الله عنهم - لا سيما الذين توطَّنوا وعاشوا في الكوفة، فكثيراً ما يرد في كتبهم الفقهية للاستدلال على بعض الأحكام أنَّهم قالوا به للتوارث، أي: لما ورثه شيوخ المدرسة أبو حنيفة وأصحابه عن شيوخهم مِنَ التابعين والصحابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
بل إنَّ منشأ اعتماد أكثر مسائلهم في الاستنباط والتَّفريع هو ما تلقوه عن الصَّحابة - رضي الله عنهم - في الكوفة، فهو مذهب تأسس وبني على فقه وآثار السَّلف - رضي الله عنهم - في
¬
(¬1) ينظر: الفكر السَّامي للحجوي 2: 458.
تلك البقعة التي كانت عاصمة الإسلام، ومهد علومه المختلفة في مرحلة تكوين المذهب ونشأته.
لذلك يمكننا القول: إنَّه مذهب مدرسي تكوَّن من اجتهادات الصحابة والتابعين وتابعيهم، وعمل الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - هو النقل عنهم والتقعيد لمسائله والتفريع والتَّأصيل لها، فهو مذهب متوارث جيلاً بعد جيل من الترتيب والتهذيب إلى يومنا هذا.
وهذا الذي نقوله ليس فهماً لنا، وإنَّما ظاهر وواضح عند علماء المذاهب عبر القرون، وما طعن الطَّاعنون في مسائل المذهب من حيث الاستدلال إلا لخفاء هذه الحقيقة الجلية عنهم، وعزوبها عن أنظارهم.
فالمذهب الحنفي والمذهب المالكي مذهبان بنيا على الفقه المتوارث عن الصَّحابة والتَّابعين - رضي الله عنهم -، فهما مدرستان أساسهما آثار الصَّحابة واجتهاداتهم، وهذه الحقيقة مشهورة جداً بالنِّسبة للمذهب المالكي فيما يسمّى عندهم إجماع أهل المدينة، وقد أُلِّفت فيه بحوث عديدة، والأمر لا يختلف في المذهب الحنفي من حيث المبدأ، إلا أنَّه يُسَمَّى التَّوارث في كتب السَّادة الحنفية، وليس الإجماع.
وحاصل الكلام: أنَّ مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة اعتمدتا في فقههما على النَّقل المتوارث جيلاً بعد جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما اختلف فيه، فكل منهما يقدم ما نقل مجتهدو الصَّحابة - رضي الله عنهم - الذين حلّوا في بلده، ومَنْ بعدهم مِنَ الفقهاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحتج به، وهذا وإن كان مصرحاً به في كتب المالكية ومنها «الموطأ»، إلا أننا نلاحظ الأمر نفسه متبع في كتب الحنفية ضمناً لمن يراجع كتب الاستدلال لهم: ككتاب «إعلاء السُّنن»، وغيره، بخلاف ما عند الشَّافعية والحنابلة من الاعتماد على نقل الثِّقة عن غيره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا هو سبيل
الإمام الشافعي - رضي الله عنه - للظفر بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لتأخره زماناً عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، وتنقله بين البلاد، فلمّا لم يحصل له ما حصل لهما مِنَ النقل المدرسي المتوارث، ولا ضير عليه في ذلك؛ لأنَّ كلاً منهما أصّل الأصول المعتبرة في استخراج الفروع ونقل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى غدا كلّ واحد منها لإحكام قواعده راجح في ذاته إذا نظرنا لمسائله من خلال أصوله، مرجوح لمقلّد غيره إذا نظر له من خلال أصول غيره.
واعتماد المذهب الشَّافعي والمذهب الحنبلي على النَّقل الحديثي أمر ظاهر مشهور، قال الشَّافعيُّ: «الأصلُ قرآنٌ وسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصح الإسناد منه فهو سنة، والإجماعُ أكبر مِنَ الخبر المفرد، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به، وإذا تكافأت الأحاديث فأَصحُّها إسناداً أَوْلاها، وليس المُنقطع بشيء، ما عدا منقطع ابن المسيب، ولا يُقاس على أصلٍ، ولا يُقال للأصل لِمَ وكيف، وإنَّما يقال: للفرع لِمَ، فإذا صح قياسه على الأصل صح وقامت به الحجة» (¬1).
ففي هذا النَّصّ لم يجعل الشَّافعيّ اعتباراً بعد صحّة الحديث لعمل الصحابة - رضي الله عنهم - أو إجماع المدنية وإنما احتكم لمسلك المحدثين في الوصول إلى ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقال يحيى بن سعيد القطان: «إني لأدعو الله للشَّافعي في الصَّلاة وغيرها منذ أربع سنين؛ لما أَظْهَر مِنَ القولِ بما صَحّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الفكر السامي ص468 عن المنهاج.
(¬2) ينظر: الانتقاء ص123 - 125.
يظهر لنا قول القطَّان أن قبل الإمام الشَّافعي كان الاعتماد عند الفقهاء على غير طريق المحدثين في بناء الأحكام الفقهية، وهو ما سميناه البناء المدرسي، ولما جاء الشافعي استطاع بناء مذهب عظيم من خلال طريق المحدّثين في النَّقل عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -.
المبحثُ الخامس: وظائف المجتهدين وطبقاتهم:
أولاً: وظائف المجتهدين:
وقع لبس كبير في قضية الاجتهاد، بحيث لا يتصور إلا بصورته المطلقة الموجودة في المجتهد المطلق الذي يستنبط الأحكام مِنَ الكتاب والسُّنة، وفي الحقيقةِ هذا نوعٌ من أنواع الاجتهاد لا كلّ الاجتهاد.
ومَن لا ينتبه لهذه النُّكتة يبقى حياً في عالم ٍ من الخيال، وبعيداً عن الواقع، والذي نريده هاهنا أن يكون كلامنا في وظائف المجتهد استقراءً وواقعاً لا كلام فرضيّات وعقليّات:
فمن حيث الاستقراء: مضى على اجتهادات علماء الأمّة ما يزيد عن أربعة عشر قرناً، سُلِكَتْ فيها مناهج وطُرُق في التَّوصلِ إلى الأحكامِ الشَّرعيّةِ والتَّعرّف عليها والإفتاء بها والتَّقنين منها، فنريد من حيث استقراء التَّاريخ الفقهيّ أن ندركَ ذلك ونقرِّرَه.
ومن حيث الواقع: أننا نعيش الإسلام في حياتنا ونجتهد في تطبيقِه على أنفسِنا وأهلينا ومجتمعنا، والإسلام العمليّ التَّطبيقيّ مرجعه إلى الفقه بالدَّرجة الأُولى، فكلُّ أعمال جوارحنا معالجتها في الفقه، وإن كان للتَّربيةِ الأثرُ البالغ على
أفعال الحواسّ، لكن في النَّتيجة هي تصرّفات تحتاج أحكاماً، ومعرفتُها مردُّها للفقه.
فالفكرةُ الشَّائعةُ بين الطَّلبةِ من توقّف الاجتهاد وإغلاق بابه، وهل يوجد مجتهد في هذا الزَّمان؟ اعتقد أنَّ طرحها وسؤالها خطأٌ؛ لأنَّ هذه حقيقةٌ كالشَّمس، كيف يكون علمٌ معاشٌ ومطبّقٌ بدون اجتهاد، كيف يُفهمُ ويُميّزُ ويُعملُ بالعلم بدون اجتهاد.
فالاجتهاد في نفسِهِ موجودٌ لا محالة؛ لأنَّه روحُ العلم، وبه حياتُه وتطبيقُه، وبدونه ينعدم العلم، ولكنَّه يَمرُّ بمراحل في نشأةِ العلوم وتكوّنِها، فينتقلُ من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، فالعلمُ في كلِّ مرحلةٍ فيه يحتاج إلى نوعٍ جديدٍ من الاجتهاد؛ لأنَّ المرحلةَ السَّابقة اكتملت، والعلمُ في استمرارِ وزيادةٍ، وإلا لم يكن علماً، قال ابن الهمام (¬1): «والتَّحقيقُ: المفتي في الوقائع لا بدّ له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال النَّاس».
وهذا يقتضي حصول مرحليّة في الاجتهادِ في العلم، تنقلُه من طورِ إلى طور، وهو ما نقصدُه بالاستقراءِ التَّاريخي للعلم، حيث نلحظ فيه هذا التَّطوُّر الاجتهادي وانتقالُه من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، وهو واضحٌ جَليٌّ في علمِ الفقه.
وهذه الوظائف للمجتهدين، هي:
1.استنباط الأحكام مِنَ الكتاب والسُّنة وآثار الصَّحابة - رضي الله عنهم -.
2.التَّخريج على أقوال أئمّة المذهب.
¬
(¬1) في فتح القدير 2: 334، وينظر: مجمع الأنهر1: 246.
3.التَّرجيح والتَّصحيح بين أقوالِ علماءِ المذهب على الأصول والقواعد والمعاني وأسس الأبواب الفقهية أو قواعدِ رسم المفتي من المصلحة والعرف والتَّيسير وتغيّر الزَّمان والضَّرورة والحاجة.
4.التَّمييز والتَّفضيل بين الأقوال والرِّوايات، قال ابن عابدين (¬1): «إنَّ معرفةَ
راجح المختلف فيه من مرجوحِه ومراتبِه قوّة وضعفاً هو نهايةُ آمال المشمرين في تحصيل العلم».
5.التَّقريرُ والتَّطبيقُ في العمل والإفتاء والقضاء بالمناسب للواقع، بناء على قواعد رسم المفتي من عرف وضرورة وغيرها. قال ابن عابدين (¬2): «وينبغي أن يكون مطمح نظره إلى ما هو الأرفق والأصلح وهذا معنى قولهم: إنَّ المفتي يفتي بما يقع عنده من المصلحة: أي المصلحة الدِّينيّة لا مصلحته الدُّنيويّة».
فهذه الوظائف للمجتهد تعتمد على ملكته الفقهيّة، وهي بلا شكّ متفاوتة من عالِم لآخر؛ لأسباب عديدة، منها مثلاً: قُرب العهد بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فجعلوا اجتهاد الصَّحابة - رضي الله عنهم - أعلى أنواع الاجتهاد.
فما نريد تقريره في علم الفقه كسائر العلوم أنَّ الاجتهاد بدرجته الأدنى يبدأ من قُدرة الدَّارس على تصور المسائل وتطبيقها على نفسه وإفتاء غيره بها، أي تطبيق ما تعلّم على نفسه وغيره، وهو في ذلك درجات.
ويبقى يرتقي في تحصيله لكلّ وظيفةٍ إلى مُنتهاها وإلى قدرتِه على تحصيل وظائف أُخرى مِنَ الاجتهاد، من التَّمييزِ والتَّرجيح والتَّخريج، حتى يتمكَّن من معرفة ما لم يُنصّ عليه مِنَ المستجدات ممَّا درَّس من الفروع والقواعد.
¬
(¬1) في تحبير التحرير في إبطال القضاء بالفسخ بالغبن2: 81.
(¬2) في رد المحتار 4: 363.
ثانياً: طبقات المجتهدين:
الطَّبقة الأُولى: طبقة المجتهد المطلق:
معلومٌ أنَّ الاجتهادَ: استفراغُ الفقيه الوسعَ لتحصيل ظَنٍّ بحكم شرعيٍّ فرعيٍّ (¬1).
ونلاحظ أنَّ الاجتهاد المطلق عند الحنفية على قسمين:
1. مجتهدٌ مستقلٌ، وتحقَّق في إمام المذهب أبي حنيفة.
2.مجتهدٌ مستقلٌ منتسبٌ، وتحقَّق في تلاميذ أبي حنيفة: أبو يوسف، ومحمّد بن الحسن الشَّيباني، وزُفر بنُ هُذيل، وسأعرض لكلٍّ منهما على النحو الآتي:
الطَّبقة الثَّانية: طبقة المجتهدين المنتسبين:
المنتسب: هو الذي مشى على أُصول إمامه وفروعه، إلاّ أنَّه يُخالف في أصولٍ وفروع أحياناً عن اجتهادٍ منه، فيستنبط بها مِنَ الكتاب والسُّنَّة.
وشرطه: ضبط أصول مقلده؛ لأنَّ استنباطَه على حسبها (¬2).
وشملت هذه الحقبة عامّة علماء المئة الثّالثة والرّابعة، مثل: أبو حفص الكبير، وأبو سليمان الجُوزجانيّ، وعيسى بن أبان، ومحمد بن مقاتل، والخصاف، والطحاويّ، والكرخي، والهندواني، وأبو الليث السمرقندي، والجصاص، وغيرهم.
الطَّبقة الثَّالثة: طبقة المجتهدين في المذهب:
وهم على درجات إجمالاً على حسب التَّسلسل الزَّمانيّ:
¬
(¬1) ينظر: فصول البدائع2: 474.
(¬2) ينظر: فصول البدائع2: 475.
وشرط المجتهد في المذهب: ضبطُ الفروع والأصول والرسم على مذهب إمامه، قال الفناريّ (¬1): «فممارسةُ الفقه طريقٌ إلى تحصيلِ الاجتهادِ في زماننا هذا».
وظهرت هذه المرحلة مِنَ الاجتهادِ بعد أن أُشبع الاجتهادُ المذهبيُّ
باستخراج جميع الوجوه المعتبرة؛ لتَّخريج الأحكام مِنَ الكتاب والسُّنّة والآثار، فتوجهت جهود العلماء وهممهم إلى تأييد مذاهبهم بالأدلة والتفريع والتأصيل والتقعيد، فعظم بناء المذاهب وقوي واتسع.
قال قاضي خان (¬2): «المفتي في زماننا من أصحابنا إذا استفتي في مسألةٍ، وسئل عن واقعة، إن كانت المسألة مرويةً عن أصحابنا في الرِّوايات الظاهرة، بلا خلاف بينهم، فإنَّه يميل إليهم ويُفتي بقولهم، ولا يخالفهم برأيه وإن كان مجتهداً متقناً؛ لأنَّ الظَّاهر أن يكون الحقّ مع أصحابنا ولا يعدوهم، واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا ينظر إلى قول مَنْ خالفهم ولا يقبل حجته؛ لأنَّهم عرفوا الأدلّة، وميزوا بين ما صحّ وثبت وبين ضده». فهذا النَّصُّ صريح من أكبر أئمة هذه الحقبة يصف فيه هذه المرحلة التي تمّ بها الالتزام بالمذهب تماماً، وعدم قَبول الترجيح لغيره من جهة الدَّليل.
وبعد أن اكتمل بدر الاستنباط في مرحلة الاجتهاد المطلق والمنتسب، وكثر التَّخريج ببيان وجوه الأئمة وتفسيرها والتفريع عليها ـ كما سبق ـ، احتجنا في المرحلة التَّالية إلى متابعة التَّخريج فيما يحتاج إليه؛ لأنَّه باب لا يغلق إلى يوم القيامة؛ لتجدد الحوادث وتغير الزمان.
¬
(¬1) في فصول البدائع2: 475.
(¬2) في الفتاوى الخانية1: 1.
ولا بدّ من التَّرجيح بين هذه التَّخاريج المتعدّدة ببيان الصَّحيح منها مِنَ الضَّعيف بالنِّسبة لأصول الأبواب، فهي مراجعة وتثبت من صحّة التَّخريج، وهو أمر ضروري لصحة العمل به، مع مراعاة ما هو الأنسب من هذه التَّخاريج للواقع، بإمرارها على قواعد رسم المفتي من الضَّرورة والتَّيسر والمصلحة والعرف.
وهذا الأمر كان محلّ اهتمام الطَّبقة الأُولى من المجتهدين في المذهب لمتابعة أطوار الفقه مع عملهم بالوظائف الأخرى للمجتهدين ما عدا الاستنباط.
وبذلك يظهر لنا جليّاً أنَّ الأَولى في فهم طبقات الاجتهاد هو النَّظر إلى العامل الزَّمني؛ لتطور الفقه من زمن إلى زمن، واختلاف الحاجيات الفقهية بانتقاله لزمن جديد، والمجتهد إنَّما يحقق هذه الحاجيات من خلال اجتهاده، فيكون له الوصف الاجتهادي من مستقل أو منتسب أو مذهب راجع للمرحلة التي وصل لها.
المبحثُ السادس: أسباب تقليد المذاهب الأربعة:
قال السّيوطي: «اعلم أنَّ اختلاف المذاهب في هذه الملّة نعمةٌ كبيرةٌ وفضيلةٌ عظيمة، وله سِرٌّ لطيفٌ أدركه العالِمون، وعَمِيَ عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهّال يقول: النَّبي - صلى الله عليه وسلم - جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة» (¬1).
ومَنْ أَراد أن يستفيضَ في بيان الأسباب وراء اقتصار الأُمَّة المُحمديِّة على تقليد الأئمة الأربعة في الأحكام الفقهية، فسيجد في ذلك مادّة خصبةً تكفي لكلِّ متعطِّش لها، نورد شيئاً منها باختصار في نقاط:
¬
(¬1) ينظر: أدب الاختلاف ص 25 عن جزيل المواهب في اختلاف المذاهب للسيوطي.
الأَوَّل: إنَّ أصولَهم التي اعتمدوا عليها أمكن وأدّق من أصول غيرهم؛ إذ إنَّه لا بدّ لكلّ مَن يدَّعي الاجتهاد من أصول يعتمد عليها في استخراج الأحكام، إذ إنَّه بين هذه الكثرة من نصوص القرآن والأحاديث النّبوية وآثار الصَّحابة وما اتَّفقَ عليه من الفقهاء يحتاج في استنباط أي حكم شرعي إلى قواعد يُوَفِّق فيها بين عمومات وخصوصات هذه النُّصوص، وبين ما ظاهره التَّعارض منها، وهلم جرّا، فمَن كانت أصوله أقوى من غيره، كانت فروعه منسجمة ومنتظمة فيما بينها وأدعى للقَبول والبناء عليها.
الثَّاني: كثرة الفروع التي وردت عنهم، بحيث تكفي المكلف في كل ما يحتاج إليه من فروع من ولادته إلى وفاته، وتكون أحكاماً كاملة في الطهارة والصلاة وغيرها، بخلاف غيرهم من المجتهدين كانت فتاويهم متفرقة وقليلة فلا يمكن الاعتماد عليها.
الثَّالث: كثرة تلاميذهم الذين تلقّوا عنهم وآثروا الانتساب إليهم ونقلوا فتاويهم، فلا ننسى هنا ما سبق ذكره عن الشَّافعي أنَّه قال: «الليث أفقه من مالك إلا أنَّ أصحابه لم يقوموا به»؛ إذ لا يكون مذهب لعالم إلا بالتلاميذ الذين يقومون بنقل مسائله ونشرها بين النَّاس، فلولا التَّلاميذ يضيع فقه الإمام كائناً مَن كان، فهم حلقة نقله إلى الآخرين.
الرَّابع: توفّر الجهابذة من الحفَّاظ الذين كرَّسوا أوقاتهم في الاحتجاج لمسائل هؤلاء الأئمة، فكانت كلّ مسائلهم مدللٌ عليها، وكان هذا بجهود متوالية من كبار المحدثين في كلّ عصر يبذلون جهدهم في الاستدلالهم لمذهبهم والرد على قول من يخالفهم.
الخامس: خدمة مذاهبهم من قِبَلِ العلماء تأصيلاً وتفريعاً وتقعيداً، فقد سخَّر الله لمذاهب هؤلاء الأئمة مَن كرَّس حياته في خدمتها من حيث الأصول التي بنيت عليها، ومن حيث القواعد التي وصلت إليها، ومن حيث التفريع في المسائل في كل ما يستجد للمسلمن، قال ابنُ رجب (¬1): «أقام الله مَنْ يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم حتى ضُبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده
وفصوله، حتى تُرَدَّ إلى ذلك الأحكام ويُضبط الكلامُ في مسائل الحلال والحرام».
السَّادس: نقل مذاهبهم بطرق متواترة أو مشهورة، فمثلاً في مذهب أبي حنيفة المعوّل عليه في نقل أقواله هي كتب ظاهر الرِّواية التي ألَّفها تلميذه محمّد بن الحسن، وهي مروية عنه بطرق مشهورة أو متواترة، أما غيرها من كتب غير ظاهر الرِّواية التي رويت عنه بطرق آحاد، فإنَّها غير معتمدة في نقل أقوال صاحب المذهب وأصحابه.
أما غير مذاهب هؤلاء الأئمة فإننا نجد هذا معدوما لديهم، فأقوى ما يقال في بعض أقوالهم أنَّها رويت بطرق آحاد صحيحة، دون تفصيل لضوابط هذا القول وشروطه، مما يجعله كالعدم؛ لأننا لا نعرف هل كلامه مقيّد بشيء معين أو مشروط بشرط أو غير ذلك.
السَّابع: تدوين مسائلهم، فإنَّ من تمام حال المذاهب الأربعة أنَّها دُوِّنت بأيدي أصحابها أو تحت أعينهم أو بأيدي تلاميذهم، فحفظت عن الضَّياع والتَّحريف والتَّبديل، بخلاف غيرهم، فلم تحظى بذلك، فما دُوِّن منها دَوَّنه أرباب هذه المذاهب الأربعة، ومعلوم أننا لا نأخذ رأي مالك من كتب الحنفية وبالعكس، فكيف يكون لنا أخذ قول غير هؤلاء الأئمة من كتبهم، فعلماء هذه
¬
(¬1) في الرد على مَن اتبع غير المذاهب الأربعة ص28 - 29.
المذاهب لم يعتنوا بتحرير وضبط غير أقوال أئمة مذاهبهم؛ لذلك كثيراً ما يخطئون في نقل قول أحد المذاهب المدوّنة في كتبهم.
وقد دقَّق أصحاب المذاهب المشهورة في النَّقل عن أئمتهم، فهم لا يَقبلون قولهم من أي كتاب، وإن كان صاحبه من أهل المذهب، ما لم يثبت هذا الكتاب ويصل إلينا بطريق مشهور أو متواتر.
الثَّامن: كثرة الورع والتقوى والعبادة التي كانوا عليها، قال ابن سيرين: «إنَّ هذا العلم دين فانظروا عمَّن تأخذون دينكم» (¬1)، وروي مثله عن مالك وخلائق مِنَ السَّلف (¬2).
التَّاسع: تطبيق مذاهبهم في القضاء وَتَبني بعض الدُّول الإسلامية لمذاهبهم كمذهب رسمي للدَّولة، فإنَّ هذا الأمر جعلها حيّة تعيش مع النَّاس حياتهم، وأثراها بكثرة الدُّول التي طبقتها والقضاء الذي أُلقي على عاتقها، فها هو أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة يُدعى أول قاضي قضاة في الإسلام، فيعيِّن أرباب مذهبه في القضاء في دولة العباسيين، ويستمر الحال على ذلك، وكذلك فإنَّ الدَّولة العثمانية التي حكمت ما يقرب من سبعة قرون، وكانت أعظم دولة على وجه الأرض، كان مذهبها الرسمي هو المذهب الحنفي، وما زالت غالبية الدُّول الإسلامية مستمدّة لأحكام الأحوال الشَّخصية مِنَ المذهب الحنفي، وأما المذهب المالكي، فمنذ القديم ودول المغرب العربي تحكم به، وهلم جرّا.
العاشر: قَبول الأُمَّة لها دون سواها، فرغم كثرة المجتهدين من علماء الإسلام، إلا أنَّ الأُمَّة لم تذعن لتقليد غير الأئمة الأربعة، قال الدِّهلوي (¬3): «إنَّ
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 14، وسنن الدارمي 1: 124، وجامع التحصيل 1: 73.
(¬2) ينظر: المجموع 1: 75، وغيره.
(¬3) في الإنصاف في أسباب الاختلاف ص97.
هذه المذاهب الأربعة المدوَّنة قد اجتمعت الأُمَّة أو مَن يُعتدّ به منها، على جواز تقليدها، وفي ذلك مِنَ المصالح ما لا يخفى، لاسيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جداً، وأُشرِبَت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأي برأيه».
الحادي عشر: الخروج مِنَ الفوضى الفقهية، فإنَّ المذاهب انتشرت في البلاد،
وأهل كل مصر يقلدون مذهباً منها، وأحكامه شائعة بين أهله، وهي أشبه ما تكون بقوانين تنظم علاقة الفرد مع خالقه والنَّاس فيما بينهم، فإن تُرك التَّقليد عمّت الفوضى والاضطراب في معرفة الأحكام الشَّرعية بين النَّاس، وشاع الجهل، فلا تجد خاصتهم يميِّزون بين السُّنن والأركان والواجبات في الطهارة والصلاة وغيرها، فأصبح الناس سكارى وما هم بسكارى، لا يعرفون حكم الله تعالى في أفعالهم وأقوالهم، وما يعرض لهم من وقائع.
الثَّاني عشر: عدم التَّلاعب بأحكام الدِّين، كتلاعب العوام؛ الذين تهون الأحكام الشَّرعية لديهم عندما يرون كلّاً يفتي من عنده، فيظنون أنَّها مسألة مزاج وهوى، حتى إذا كلّمت أحدهم في حكم شرعي قال لك مفتياً: إنَّ الحكم من وجهة نظري كذا.
الثَّالث عشر: صعوبة وعسر استنباط الأحكام من القرآن والسُّنة للمتأخرين، قال الدِّهلوي (¬1): «إنَّها حالة بعيدة غير واقعة؛ لبعد العهد عن زمان الوحي، واحتياج كلِّ عالم في كثير مما لا بد له في علمه إلى ما مضى من روايات الأحاديث على تشعب متونها وطرقها، ومعرفة مراتب الرِّجال، ومراتب صحة الحديث وضعفه، وجمع ما اختلف من الأحاديث والآثار، والتنبّه لما يأخذ الفقيه
¬
(¬1) في الإنصاف في أسباب الاختلاف ص72 - 73.
منها، ومن معرفة غريب اللغة وأصول الفقه، ومن رواية المسائل التي سبق التكلُّم فيها من المتقدِّمين مع كثرتها جداً وتباينها واختلافها، ومن توجيه أفكاره في تمييز تلك الروايات وعرضها على الأدلة، فإذا أنفذ عمرَه في ذلك كيف يوفي حق التفاريع بعد ذلك؟ والنفس الإنسانية وإن كانت زكية لها حدّ معلوم تعجز عما وراءه.
وإنَّما كان هذا ميسّراً للطراز الأول مِنَ المجتهدين حين كان العهدُ قريباً، والعلوم غير متشعبة، على أنَّه لم يتيسر ذلك أيضاً إلا لنفوس قليلة، وهم مع ذلك كانوا مقيدين بمشايخهم معتمدين عليهم، ولكن لكثرة تصرفاتهم في العلم صاروا مستقلين، وبالجملة فالتَّمذهب للمجتهدين سرٌّ ألهمه الله تعالى العلماء، وتبعهم عليه من حيث يشعرون أو لا يشعرون».
الرَّابع عشر: يسر استخراج الأحكام مِنَ الأصول والقواعد وأقوال الفقهاء، فإنَّ أئمة المذاهب استقرءوا نصوص الشَّريعة وسبروها، واستخلصوا منها الأصول والقواعد التي تنتظم فيها المسائل الفقهية لدى كل منهم، فلم يبق على مَنْ قلدهم إلا استخراجُ أحكام ما لم ينصوا عليه مما استجد مِنَ المسائل الفرعية على أصولهم وفروعهم التي وردت عنهم.
الخامس عشر: أنَّه لا فائدة عملية تعود علينا بترك الالتزام المذهبي والدَّعوة إلى الاجتهاد لكل أحد، فلو سلَّمنا أنَّ مَنْ سيقوم بهذا الاجتهاد من أهله وله درجة عالية مِنَ التقوى والورع، وإن كان هذا بعيد المنال، فإنَّه لا بدّ له من أصول يحتكم إليها في استنباط الأحكام من مصادرها الأصلية، فإن كان ذلك، فلا بدّ عليه من استخراج الأحكام في جميع الأبواب الفقهية كما فعل المتقدّمون؛ ليشمل جميع نواحي حياة الفرد المسلم، وهذا وإن كان مستحيل الوقوع؛ لكثرة الفروع
وتشعبها، لكن لو سلَّمنا ذلك، فما هي الفائدة من هذا العمل؟ فإنَّ جميع ما بيَّن مِنَ الأحكام مبيَّن في كتب الفقه بما لا مزيد عليه، أما المسائل المستجدة في هذا الزَّمان فقد فصّل أحكامها أصحاب هذه المذاهب، فلم تبق شاردة ولا واردة إلا وحكمها واضح جلي.
لكن أنى لمثل هذا المدّعي للاجتهاد من قَبول مِنَ الله تعالى والناس لمذهبه المستحدث مثل الأئمة الأربعة، وأنى له من حفاظ ومحدّثين ينصرون مذهبه حديثياً، وأصوليين يؤصِّلون أصوله وقواعده وينافحون دونها، وفقهاء يبيّنون شروط فروعه وضوابطها وتفريعاتها غير المتناهية، ومفسرين يفسرون آيات الأحكام في القرآن بما يتوافق مع هذا المذهب، وغير ذلك مما ناله أهل المذاهب المتبوعة.
وبناءً على ذلك، فإنَّه لا فائدة من هذه الدعوى للاجتهاد إلا إذا اتهمنا الأئمة بأنَّهم كانوا خارجين عن الكتاب والسُّنة في استنباطاتهم متبعين لأهوائهم، وهذا يعني أنَّهم وكل مَنْ تبعهم مِنَ العلماء والأُمَّة الإسلامية في جميع القرون الخالية كانت على غير هدى ونور، ونحن في هذا العصر سنعيد الحق إلى نصابه.
فأي ضلال وجَوْر هذا الذي يَنسب به أُمة الإسلام وعلماءها إلى الضلال من أجل ظهور نفسه، أو بدعة ابتدعها يريد حمل النَّاس عليها، أو هوى في نفسه يسعى لإيجاد واقع له.
السَّادس عشر: توحيد صفوف المسلمين وجمع كلمتهم، فإنَّ هذه المذاهبَ الأربعة التي يتبعُها المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها، كلُّ يتبع ما قاله مذهبه ويعمل به بكلِّ وقارٍ وسكينة، ويحترم أَتباع المذاهب الأخرى وينزلهم منزلتَهم من التقدير، بخلاف مَن يدّعون الاجتهاد لكلِّ فرد، فإنَّه في المدينة الواحدة تجدهم
أشتاتاً وأحزاباً، كل حزب بما لديهم فرحون، فيرمي الآخر بأبشع التُّهم، فكلّ شيخ منهم يتحوطه مجموعة مِنَ التَّلاميذ يرون أنَّ الحقّ معهم فحسب، ولا يتورعون من إنزال الكفر بغيرهم لمخالفة فقهية يسيرة، قال يوسف الدجوي (¬1):
«على أنَّ النَّاس لو أخذوا مِنَ القرآن والسُّنة كما يريد هؤلاء، لما وقف بهم الاختلاف عند حدّ، ولأصبحت المذاهب أربعة آلاف بدلاً من أربعة، ويومئذ يكون كل الويل للمسلمين ـ لا أرانا ذلك اليوم ـ».
المبحثُ السابع: الفرق بين التَّعصب والتَّمذهب:
تبيّن لنا مما سبق بروز أئمة مجتهدين في أَشهَرِ الأمصار حرَّروا وضبطوا وقعَّدوا لما توارثوه عن الصَّحابة والتَّابعين - رضي الله عنهم - في تلك الأمصار، فنسبت مذاهب أولئك الصَّحابة والتَّابعين - رضي الله عنهم - لهم، وعُرفت بهم؛ لا لكونهم ابتدعوها، ولكن لإظهارهم ونقلهم وتدليلهم وتفريعهم عليها.
وعلى التَّمذهب بمذاهب الأئمة الأربعة مشت الأُمَّة طوال قرونها دون إنكار منكر معتد به، فلا تجد مفسّراً ولا محدِّثاً ولا أصولياً ولا فقيهاً إلا وهو متمذهبٌ بأحدها، وآخذ بناصيتها: كالطحاوي، والزَّيْلَعيّ، والعَيْنيّ، وابن عبد البر، والقاضي عياض، والبَيْهَقي، والخطيب البَغْدادي، وابن عساكر، وابن الصلاح، والنَّوَويّ، والعراقيّ، وابن جماعة، وابن حَجَر، والسَّخاوي، والسُّيوطي، والجصاص، والنسفي، وابن العربي، والبَغوي، وابن كثير، والبَيْضاوي، والزَّركشي، وابن الجَوزي، وابن الهُمام، والسَّرَخْسي، والبَزْدَويّ، وابن الحاجب، وإمام الحرمين، والغَزالي، والشِّيرازي، والسُّبكي، وابن قدامة، وغيرهم من أعلام الإسلام وأئمته على مدار التاريخ.
¬
(¬1) في الاجتهاد ص 57.
فالمُنكر للتمذهب منكرٌ لما عليه أئمة الدِّين قاطبة، ومخالفٌ لما انعقد عليه إجماعهم، ففي «الفروع» (¬1): «إنَّ الإجماع انعقد على تقليد كلّ مِن المذاهب الأربعة
وأنَّ الحقّ لا يخرج عنهم».
قال الذَّهبي (¬2): «ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة، وقلَّ مَنْ ينهضَ بمعرفتها كما ينبغي، فضلاً عن أن يكون مجتهداً».
وإنَّ ما أشيع في هذا العصر مِنَ التَّعصّب المذهبي في العصور السَّابقة بسبب تمذهبهم بمذاهب أئمة الإسلام وتمسّكهم بها، فإنَّ فيه مجازفة ومبالغة عظيمة، كان وراءها أصابع خفيّة تسعى إلى تحقيق مآرب وأهداف خاصّة من نشر فكر تتبناه، وهدم لأركان بنيان هذه الأمة وهي المذاهب الفقهية؛ إذ بوجودها لا يمكن لأصحاب الأهواء والمصالح تحقيق غاياتهم.
فهي سدٌّ منيعٌ في وجه كلِّ متلاعب أفّاك؛ ولذا كان لا بُدّ قبل تمرير مخطَّطاتهم من ضرب هذه المذاهب بالتُّهم المتنوعة، ومِنْ بينها تهمة التَّعصّب؛ لاستباحة مخالفتها وانتهاك حرمتها، ويمكن دفع فرية التعصب بما يلي:
أولاً: إنَّ التَّعصُّبَ لغةً معناه: التجمّع والتكتل، ومنه العصابة والعصبة: أي
الجماعة، وقد يكون ذلك التجمّع والتقوية والنصر على الحقّ، وقد يكون على الباطل، وشائع استخدامه فيهما (¬3).
¬
(¬1) الفروع 6: 421.
(¬2) في سير أعلام النبلاء 8: 92.
(¬3) ينظر: اللسان 1: 502، و كشف الأسرار 3: 238.
وبذلك فإنَّه لا حرجَ في التَّعصُّب للمذاهب بمعنى التَّجمُّع والنُّصرة على الحقّ، ولا يجوز إذا كان بمعنى التجمّع والنصرة على الباطل أو على الحقّ والباطل معاً (¬1).
ثانياً: إنَّ التَّعصّبَ اصطلاحاً: هو عدمُ قَبول الحقِّ والصَّواب عند ظهور الدَّليل، قال شيخ الإسلام التفتازاني (¬2): «التَّعصّبُ: هو عدم قَبول الحقّ عند ظهور الدَّليل؛ بناءً على ميل إلى جانب».
والمتعصِّبَ: هو المتكبرُ المعاندُ وإن كان عاقلاً عالماً بقبح ما يعتقده من البدع، أو صاحب عقيدة منحرفة تمنعه من قبول الحقّ مع ظهور الدَّليل.
قال علاء الدِّين البخاري (¬3): «رأيت في بعض الحواشي أنَّ المتعصِّبَ مَنْ يكون عقيدته مانعة من قَبول الحقِّ عند ظهور الدَّليل».
ومن المعلوم عند العلماء المعتمدين قاطبة أنَّ ظهورَ الدَّليلَ لا يكون للعامي، وإنَّما لمَن كان له أهلية النظر، إذ إنَّه نوع اجتهاد، وكلّ كتب الأُصول تذكر الشروط التي يجب توفّرها في المجتهد، فلا يتحصَّلُ ذلك لأي أحد، قال العلامة علي حيدر (¬4): «إنَّ للمجتهد شروطاً وصفات معيّنة في كتب أصول الفقه, فلا يقال للعالم: مجتهد، ما لم يكن حائزاً على تلك الصِّفات».
لذلك اتفق الأئمةُ على عدم جواز ترك المفتي قول إمامه لمخالفته لظاهر دليل.
¬
(¬1) ينظر: التمذهب ص139.
(¬2) في التلويح 2: 92.
(¬3) في كشف الأسرار 3: 238.
(¬4) في درر الحكام 1: 34.
ثالثاً: إنَّ المتعصِّبَ هو السَّفيه المجافي لمذاهب أهل السُّنة، المنتقص منها والطَّاعن واللامز فيها، المتحامل عليها، قال فخرُ الإسلام لَمَّا سُئِلَ عن التَّعصّب، قال: «الصَّلابة في المذهب واجبة والتَّعصّب لا يجوز، والصَّلابة: أن يعملَ بما هو مذهبه ويراه حقّاً وصواباً والتَّعصّبُ: السَّفاهة والجفاء في صاحب المذهب الآخر وما يرجع إلى نقصه، ولا يجوز ذلك، فإنَّ أئمةَ المسلمين كانوا في طلب الحقّ، وهم على الصواب» (¬1).
وهذا النَّصّ غاية في النَّصاعة والوضوح في بيان أنَّ التمسّكَ والتصلّب والتَّمذهب بمذهب واعتقاد أنَّه صواب وحقّ أمر لا مراء ولا شقاق فيه، وهو ممّا يمدح به المرء وترتفع درجته، وتعلو مكانته، بخلاف مَنْ يلمز ويغمز بمذاهب أهل السُّنة وأئمتها ولا يرضى بكلامهم، ويُكثر الطَّعن فيها، فإنَّه هو المتعصِّبُ المتردي في الهاوية.
رابعاً: إنَّ تصويرَ العلاقة بين أصحاب هذه المذاهب بأنَّها قائمة على تعصّب كلٍّ منهم لما ذهب إليه، وتحامله على غيره، غير صحيح البتة، بل إنَّ جماهيرَ علماء وعامّة هذه المذاهب يُكنون لبعضهم البعض كلّ احترام وتقدير وتوقير، كما تشهد به كتبهم وحياتهم وتراجمهم.
ولم يقف الأمر عند هذا فحسب، بل إننا نجد أنَّ كبار علماء المذاهب كانوا يؤلِّفون كتباً في إنصاف أئمة المذاهب الأخرى، وإنزالهم المنزلة الرَّفيعة التي يستحقونها، وردّ كلام بعض أتباع هذه المذاهب ممَّن لا يميّزون الشِّمال من اليمين والغث من السَّمين.
¬
(¬1) ينظر: العقود الدرية2: 333.
فها هو ابن حجر الهيتمي الشَّافعي يؤلِّفُ: «الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النُّعمان»، والسّيوطي الشَّافعي يؤلف: «تبييض الصَّحيفة في مناقب أبي حنيفة»، وابن عبد الهادي الحنبلي يؤلِّف: «تنوير الصَّحيفة في مناقب أبي حنيفة»، وابنُ عبد البر المالكي يؤلِّف: «الانتقاء في فضل الأئمة الثلاثة الفقهاء»، والشَّعراني الشَّافعي يؤلِّف: «الميزان» في إنصاف كلّ مِنَ الأئمة الأربعة وأصحابهم وهكذا.
وكلُّ هذا يضحض هذه الفرية بتعصِّب أصحاب هذه المذاهب على بعضهم البعض، فكيف يتعصَّبون وكلّ هذه التَّآليف الرَّائقة في ثناء بعضهم على بعض موجودة، وبعبارة التَّقدير والاحترام مشحونة؟!!
خامساً: إنَّ المناقشات العلمية الدَّائرة بين أرباب هذه المذاهب السُّنية تقوم على الإنصاف والاعتدال، واحتجاج كلِّ منهم بأدلة تقوي مذهبه دون غمز أو لمز، بل مع الاحترام والإكبار للمخالف، إلا فيما شذّ من بعض كتب الردود لبعض أتباع هذه المذاهب على بعض: كأبي عبد الله الجرجاني، وأبي منصور البغدادي، والقفال الشاشي، وابن الجويني، والكردري، والقاري، وغيرهم (¬1).
سادساً: إنَّ ما يصوِّره أعداء هذه المذاهب مِنَ التَّعصّب بتقديم قول إمام المذهب على الحديث، ليس صحيحاً قطعاً؛ لأنَّه لا شكّ في أفضلية وأولية حديث رسول - صلى الله عليه وسلم -، ومَنْ ظنّ غير هذا خيف عليه، ولكنَّ المسألة مختلفة اختلافاً كاملاً.
ذلك بأنَّ إمام المذهب اجتهد في استخراج الحكم الشَّرعي من نصوص القرآن والسُّنة النَّبوية وآثار الصَّحابة - رضي الله عنهم - بعد الجمع والتَّنقيح وعرضها على
¬
(¬1) ينظر: مقدمة الغرة المنيفة ص6 - 7.
الأصول، ولم يخالف الحديث إلا لدليل أقوى منه من آية أو حديث آخر؛ لحصول نسخ أو تأويل أو تخصيص أو ما شابهه.
تاسعاً: إنَّ المتعصب مَنْ يقدِّم قوله دائماً بجعله قطعيّاً، بخلاف المتمذهب فيقول: قول إمامي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيره خطأ يحتمل الصَّواب، فيبقى في دائرة الظَّنّ.
• • •
البابُ الثَّاني
الجانب الفقهي
الفصلُ الأَوَّل
في تفسير الشَّهادتين
فهذا فصل في بيان ما تقتضيه من مسائل الاعتقاد، من شهادة أن لا إله: أي لا معبود بحق إلا الله تعالى، وشهادة أنَّ محمداً بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم - صلى الله عليه وسلم -، رسول الله إلى كافة العالمين.
وهذا هو الرُّكن الأَوَّل من أركان الإسلام الخمسة.
مقدمات العقيدة (¬1):
أولاً: من هم أهل السنة والجماعة:
من المعلوم أنّ المصيب في أصول الدين واحدٌ، والاختلاف في أصول الدين لا يجوز بعكس الاختلاف في الفروع والأحكام؛ لأنها مبنية في معظمها على الظن، أمّا أصول الدين التي منها أصول العقائد فمبنيةٌ على اليقين.
والفرقة التي على الحقّ من جملة الفرق التي تنتسب إلى الإسلام هم أهل السنة
¬
(¬1) كتب هذه المقدمات في العقيدة فضيلة الدكتور محمد عبد المنان النجار، وأضفتها للكتاب لزيادة الفائدة.
والجماعة؛ لأنها هي التي تحقق فيها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: “هم من كان على ما أنا عليه وأصحابي” (¬1).
وأهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم في المسلمين من أتباع المذاهب الفقهية الأربعة، وهم في تقرير مسائل الاعتقاد ثلاثة اتجاهات:
المذهب الأول: مذهب الحنفية، ويُسمى بالماتُريدية، نسبة للإمام أبي المنصور الماتُريدي.
المذهب الثاني: مذهب المالكية والشافعية وأكثر الحنابلة، وهو مذهب الأشاعرة، نسبة إلى الإمام أبي الحسن الأشعري.
المذهب الثالث: مذهب فضلاء الحنابلة أو بعض أهل الحديث ويسمى بمذهب الحنبلية أو أهل الحديث أو الأثرية.
وجمهور علماء المسلمين على مر التاريخ الإسلامي هم من الأشاعرة والماتُريدية، حتى لا تكاد تجد أحداً من أهل العلم من المفسرين والمحدثين والفقهاء والأصوليين والمتكلمين وأهل اللغة والتاريخ والمؤرخين والقادة والمصلحين وغيرهم إلا وهم أشاعرة أو ماتُريدية.
قال تاج الدين السبكي: “وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة، ولله الحمد في العقائد يد واحدة، كلهم على رأي أهل السنة والجماعة، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة والجماعة أبي الحسن الأشعري، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية لحقوا بأهل الإعتزال، ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم. وبرّأ الله المالكية فلم نر مالكياً إلّا أشعري العقيدة، وبالجملة عقيدة الأشعرية هي ما تضمّنته
¬
(¬1) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة ص 10.
عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة” (¬1).
وقال محمد السفاريني الحنبلي: “ أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري، والماتُريدية وإمامهم أبو المنصور الماتُريدي” (¬2).
ثانياً: منهج أهل السنة في التعامل مع النصوص المتشابهة:
جعل الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم نصوصاً محكمات بينات المعنى لا تحتمل الشك أو الخطأ في فهم المراد منها، ونصوصاً متشابهات تشتبه وتحتمل أو يخفى معناها، فالواجب على المؤمن هو ردّ معنى المتشابه من الآيات إلى المحكم منها، وفهما على وفق المعنى المتفق المقطوع، وهذه علامة على سلامة باطنه من الزيغ والضلال.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَاب} آل عمران: 7.
وقد تفرّع على هذا في شأن صفات الله تعالى إلى فرعين:
1.طريقة السلف الصالح: وهي التفويض: ويعني الإيمان بجميع ما جاء من عند الله تعالى وصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حق صفات الله تعالى وإمراره على ما جاء واعتبار فهمه هو قراءته، مع صرف اللفظ الموهم للنقص عن ظاهره، وعدم الخوض فيه بشيء من الكلام قط، والتسليم بأن معناه لم يخف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعلماء الراسخين من الصحابة وتابعيهم.
¬
(¬1) ينظر: معيد النعم ومبيد النقم ص75
(¬2) ينظر: لوامع الأنوار ص73: 1.
قال محمد بن الحسن الشيباني:”اتفق الفقهاء كلهم من الشرق إلى الغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه” وقال: “ما وصف الله تعالى به نفسه فقراءته تفسيره” (¬1).
وقال الكلبي: هذا من العلم المكتوم الذي لا يفسر، والله أعلم بمراده منه، وكان مكحول والزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق، يقولون فيه وفي أمثاله: أمروها كما جاءت بلا كيف، قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه، ليس لأحد أن يُفسره إلا الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ” (¬2).
2.طريقة الخلف وهي التأويل: وهو صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله، أوجبه برهان قطعي في القطعيات، وظني في الظنيّات، وقيل: هو التصرف في اللفظ بما يكشف عن مقصوده، ذكره النووي (¬3).
¬
(¬1) ينظر: إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، ص40 - 41 وجاء فيه: قال عبد الملك بن وهب: كنا عند مالك بن أنس رحمه الله تعالى فدخل عليه رجل فقال: يا ابا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استواؤه؟ قال: فأطرق مالك وأخذته الرَّحضاء ثم رفع رأسه فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كما وصف نفسه، ولا يقال: كيف، وكيف عنه مرفوعٌ، وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه، وفي لفظ له رحمة الله تعالى بطريق يحيى بن يحيى: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به فأخرج
وروي ذلك عن ربيعة الرأي أستاذ مالك فقال: الكيف مجهول، والاستواء غير معقول ويجب علي وعليك الإيمان بذلك كله».
(¬2) تفسير البغوي 1: 269، سورة البقرة آية 212.
(¬3) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات، 15: 3.
وسبب لجوء علماء الخلف لتأويل النصوص المتشابهة، أنه لما ظهرت البدع والضلالات ودخول غير العرب في الإسلام، فصاروا يفهمون معناها على وجه لا يصح شرعاً من نسبة النقص والتشبيه في حق المولى جل جلاله، فاضطروا إلى تفسير معناها عند من لا يفهمها، وصرفه عن ظاهره مخافة الكفر، فاختاروا التأويل على كُفرِ الحَمل على الظاهر الموهم للتجسيم والتشبيه.
قال القاري: “والحاصل أن السلف والخلف مؤولون، لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره ولكن تأويل السلف إجمالي لتفويضهم إلى الله تعالى، وتأويل الخلف تفصيلي لاضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين” (¬1).
ومن تأويلات السلف:
1. قال ابن عباس - رضي الله عنهم - في تأويل قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} القلم: 42: $يُكشف عن شدة#، قال الطبري: $ قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد# (¬2).
2. تأويل الحسن البصري - رضي الله عنه - حديث: $أن الجبار يضع قدمه في النار# قال: القدم هم الذين قدّمهم الله تعالى من شرار خلقه وأثبتهم لها# (¬3).
3. أوّل ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم - أيضا قوله تعالى: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون} الذاريات: 47،قال: $بقوة# كما في تفسير الحافظ ابن جرير الطبري (¬4).
4. أوّل ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهم - لفظ المجيء، فقد جاء في تفسير النَّسَفيّ (¬5) عند قوله تعالى:
¬
(¬1) ينظر: مرقاة المفاتيح1: 260.
(¬2) ينظر: فتح الباري (8: 664)، وتفسير الطبري (445: 23)،.
(¬3) ذكره البيهقي في الأسماء والصفات ص 352.
(¬4) 7: 27.
(¬5) 4: 378.
{وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} الفجر: 22، ما نصّه: $هذا تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه، فإن واحداً من الملوك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر بحضور عساكره وخواصّه، وعن ابن عبَّاس: أمره وقضاؤه#.
5. تأويل ابن عباس رضي الله عنه لقوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} النور: 35، جاء في تفسير الطبري (18/ 135) ما نصّه: عن ابن عباس ب قوله: $الله سبحانه هادي أهل السموات والأرض».
6. تأويل أحمد بن حنبل قول الله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} الفجر: 22 بمعنى: جاء ثوابه، قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح لا غبار عليه (¬1).
7. وتأويل الحسن البصري - رضي الله عنه - لقوله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ} الفجر: 22: $ جاء أمره وقضاؤه# (¬2).
8. تأويل مالك بن أنس لحديث النزول، فقد سئل الإمام مالك عن نزول الرب عزّ وجلّ، فقال: $ينزل أمره تعالى كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائمٌ لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو» (¬3).
9. تأويل الشافعي عنه للفظ الوجه في قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} البقرة: 115، قال: $يعني ـ والله أعلم ـ فثمّ الوجه الذي وجّهكم الله إليه# (¬4).
¬
(¬1) ينظر: في البداية والنهاية 10: 327، ودفع شبه التشبيه ص 141.
(¬2) تفسير البغوي (454: 4)
(¬3) ابن عبد البر، التمهيد 143: 7، الذهبي، سير أعلام النبلاء 105: 8، أبو عمرو الداني، الرسالة الوافية ص 136، شرح النووي على صحيح مسلم (37: 6)، ابن السيد البطليوسي، الإنصاف ص 82.
(¬4) الأسماء والصفات للبيهقي ص 309
10. تأويل سفيان الثوري وابن جرير الطبري للاستواء، فقد قال الطبري في
تفسير (¬1) قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} البقرة: 29، بعد أن ذكر معاني الاستواء في اللغة، ما نصّه: "علا عليهنّ وارتفع، فدبّرهن بقدرته ... علا عليها علو مُلكٍ وسلطان، لا علو انتقال وزوال".
المبحثُ الأَوَّل: الإلهيات:
مَبْنى عِلم العقيدة على: معرفة ما يجبُ وما يجوز وما يستحيلُ في حقِّ الله تعالى، ومعرفة ما يجبُ وما يجوزُ وما يستحيلُ في حقِّ الرُّسُل، ومعرفة سائر ما أوجَبَ الله معرفتَه.
وقد اصطلح العلماءُ على تسمية الأَوَّل بالإلهيات، والثَّاني بالنبوّات، والثَّالث بالسَّمْعيّات، وهي الأبواب الرَّئيسةُ لعلم العقيدة (¬2).
الصِّفات السَّلبية:
«وهي التي تدلُّ على سَلْب أي: نفي ما لا يليقُ به سبحانه وتعالى.
والصِّفاتُ السَّلْبيةُ ليست منحصرة، لكن اصطلحَ العلماءُ على ذِكرِ خمس صفاتٍ منها؛ لأنَّ ما عداها من نفي الوَلَدِ والصَّاحبة والمُعين وغير ذلك مما لا نهايةَ له راجعٌ إليها ولو بالالتزام، فهي أصولُ الصِّفات السَّلبية.
وهذه الصِّفاتُ الخمسُ هي:
أوَّلاً: مخالفة الحوادث: اللهُ تعالى واجبُ الوجود، وغيرُه مُمكِن، وهو سبحانه قديم، وغيرُه حادث، وهو سبحانه باقٍ، وغيرُه فانٍ، وهو سبحانه الخالق، وغيرُه
¬
(¬1) 1: 192.
(¬2) ينظر: أسس العقيدة للدكتور حمزة البكري مخطوط ق 4.
مخلوق، فلا مماثلةَ بينه وبين خلقِه ولا مُشابهة، قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الشورى: 11].
والمُرادُ بمُخالفة الحوادث: سَلْبُ ـ أي: نفيُ الجِرْمية (وهي الجوهرية أو الجسمية) والعرَضية والكُلِّيّة والجزئيّة ولوازمها عنه تعالى، فلازمُ الجِرْميّة: التَّحيُّز، ولازمُ العرَضية: القيامُ بالغير، ولازمُ الكُلِّيّة: الكِبَر، ولازمُ الجزئية: الصِّغَر، إلى غير ذلك.
1ـ الله تعالى ليسَ عرَضاً؛ لأنَّه لو كان عرَضاً لكان مماثلاً للأعراض في الافتقار إلى محلٍّ يقوم به، فيكون ممكِناً، وهو باطل.
2ـ الله تعالى ليسَ جسماً؛ لأنَّه لو كان جسماً لكانَ مماثلاً للأجسام في التركُّب والتَّحيُّز، وكلاهما من علامات الحدوث.
3ـ الله تعالى ليسَ جوهراً؛ لأنَّه لو كان جوهراً لكان مماثلاً للجواهر في التَّحيُّز وفي كونها جُزْءاً من الجسم، والأَوَّل من علامات الحوادث، والثَّاني من علامات الافتقار، ويلزمُ منه التعدُّد.
4ـ الله تعالى ليسَ مُصوَّراً، أي: ليسَ بذي صورة وشَكْل؛ لأنَّ الصُّورة من خواصِّ الأجسام، وإنَّما تحصلُ بواسطة الكمِّيّات والكيفيّات وإحاطة الحدود والنِّهايات.
أما قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله تعالى خلقَ آدمَ على صورته» (¬1) ففيه ثلاثةُ أقوال:
الأَوَّل: أنَّه خلقَ آدمَ رجلاً، ولم يَنقُلْه مِن نُطفةٍ إلى عَلَقةٍ إلى مُضْغة. وهذا مُتفرِّعٌ على عَوْدِ الضَّمير في «صورته» إلى آدم نفسه، وهو أقربُ مذكور، ويُؤيِّدُه
¬
(¬1) رواه البخاري (6227)، ومسلم (2841) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
تتمةُ الحديث، وهي قوله: «طولُه ستُّون ذراعاً»، فالكلامُ في خَلْق آدم كيفَ كان؟
والثَّاني: أنَّه خلقَه على صِفاتٍ كامِلة، وهيَ الحياةُ والعِلم والقُدْرة، فأرادَ بالصُّورةِ الصِّفة. وهذا متفرِّع على عَوْدِ الضمير في «صورته» إلى الله تعالى، وفيه بُعْد.
والثَّالث: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يضربُ آخر، فنهاه. وهذا مُتفرِّعٌ على عَوْدِ الضَّمير في «صورته» إلى الرَّجل المضروب، ويُؤيِّدُه ما جاء في بعض الروايات: «إذا قاتلَ أحدُكم أخاه فليَتَجنَّبِ الوَجْه، فإنّ اللهَ خلقَ آدمَ على صورته» (¬1)» (¬2).
ثانياً: الوحدانية: اللهُ سبحانه وتعالى يجبُ أن يكونَ واحداً، قال الله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم} البقرة:163، فلا يُمكِنُ أن يصدقَ مفهومُ واجب الوجود إلا على ذاتٍ واحدة، والدليلُ على ذلك: برهانُ التوارُد والتمانُع، وقد أشار اللهُ تعالى إليه في قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} الأنبياء:22.
ومعنى الوحدانية: اللهُ تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله» (¬3).
«ثالثاً: القِدَم: اللهُ سبحانه وتعالى يجبُ أن يكونَ قديماً، أي: ليسَ مسبوقاً بالعَدَم، قال الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ} [الحديد: 3]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كان الله ولم يكن شيءٌ غيرُه» (¬4).
¬
(¬1) رواه مسلم (2612) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(¬2) ينظر: أسس العقيدة للدكتور حمزة البكري مخطوط ق16 - 23 باختصار.
(¬3) ينظر: أسس العقيدة للدكتور حمزة البكري مخطوط ق14 - 15.
(¬4) رواه البخاري (3191) من حديث عمران بن حُصَين رضي الله عنه.
المرادُ بالقِدَم في حقِّه تعالى: القِدَمُ الذاتيّ، وهو عَدَمُ افتتاح الوجود، أو عَدَمُ أوّليّة الوجود، وأما القِدَمُ في حقِّنا: فالمُرادُ به القِدَمُ الزمانيّ، وهو طولُ المدّة، أو القِدَمُ الإضافيّ؛ كقِدَم الأب بالنسبة للابن.
رابعاً: البقاء: اللهُ سبحانه وتعالى يجبُ أن يكونَ باقياً، قال سبحانه: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} الرحمن: 26 - 27.
المُرادُ بالبقاء في حقِّه تعالى: عَدَمُ الآخِريّة للوجود، وإن شئتَ قلت: عَدَمُ اختِتام الوجود» (¬1).
«خامساً: القيامُ بالنَّفس: اللهُ تعالى قائمٌ بنفسه، قال الله تعالى: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255].
والنَّفسُ هنا بمعنى: الذَّات، كما في قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28]، أي: ذاتَه.
والمُرادُ بالقيام بالنفس أمور، وهي:
1ـ عَدَمُ افتِقارِه تعالى إلى المَحَلّ، أي: إلى ذاتٍ يقوم بها.
2ـ عَدَمُ افتِقارِه تعالى إلى المُخصِّص، أي: إلى مُوجِد. وهذا يدخلُ في معنى القِدَم أيضاً» (¬2).
صفات المعاني والصِّفات المعنوية:
تُسمّى هذه الصِّفات: صفاتُ المعاني، لأنّ كلَّ واحدةٍ منها تدلُّ على إثبات
¬
(¬1) ينظر: أسس العقيدة للدكتور حمزة البكري مخطوط ق16 - 17.
(¬2) ينظر: أسس العقيدة للدكتور حمزة البكري مخطوط ق18.
معنى قائم بذات الله، فهي صفات وجودية، وليست عَدَميّةً كالصفات السلبية، أو اعتباريّةً كالصِّفات المعنوية.
وهذه الصِّفات سبعة: الحياةُ، والعلمُ، والإرادةُ، والقُدرةُ، والسَّمعُ، والبَصَرُ، والكلام. وزاد الماتريدية: التكوين، وإليها ترجعُ جميع الصفاتُ الفِعلية.
أما الصِّفاتُ المعنويَّةُ فهي: كونُه حيّاً، وكونُه عالِماً، وكونُه مُريداً، وكونُه قادراً، وكونُه سميعاً، وكونُه بصيراً، وكونُه مُتكلِّماً.
ولا خِلافَ في إثباتِ الصِّفات المعنويَّة، وآياتُ القرآن الكريم الدالَّةُ عليها كثيرةٌ، كقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة: 20]، وقوله: {وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [البقرة: 282]، وقوله: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد} [البروج: 16]، وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الشورى: 11]، وقوله: {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164].
والقُدرة: صفةٌ أزليَّةٌ قائمةٌ بذاته تعالى يَتَأتَّى بها إيجادُ المُمكِن وإعدامُه.
والإرادة: صفةٌ أزليَّةٌ قائمةٌ بذاته تعالى تُخصِّصُ المُمكِنَ ببعض ما يجوز عليه (¬1).
والعِلم: صفةٌ أزليَّةٌ قائمةٌ بذاته تعالى مُتعلِّقةٌ بجميع الواجبات والجائزات والمُستَحيلات على وَجْهِ الإحاطة على ما هي به، من غير سَبْق خَفَاء.
والحياة: صفةٌ أزليَّةٌ تُصَحِّحُ لِمَن قامت به أن يتَّصفَ بصفاتِ الإدراك.
¬
(¬1) وما يجوز على المُمكِن سِتَّةُ مُتقابِلات: الوجود والعدم، والزمان والمكان، والجهة والمقدار.
والسَّمْع: صفةٌ أزليَّةٌ قائمةٌ بذاته تعالى تتعلَّقُ بالمسموعات فتُدرَك بها إدراكاً تامّاً.
والبَصَر: صفةٌ أزليَّةٌ قائمةٌ بذاته تعالى تتعلَّقُ بالمُبصَرات فتُدرَك بها إدراكاً تامّاً.
والكلام: صفةٌ أزليَّةٌ قائمةٌ بذاته تعالى مُنافيةٌ للسُّكُوت والآفة، هو بها آمِرٌ وناهٍ ومُخبِر (¬1).
والتَّكوين صفةٌ أزليةٌ قائمةٌ بذات الله تعالى هي مبدأُ جميع الصِّفاتِ الفِعلية؛ كالتَّخليق والترزيق والتَّصوير والإحياء والإماتة والإيجاد والإحداث والاختراع وغير ذلك.
ومعناها: تكوينُه تعالى للعالَم ولكُلِّ جزءٍ من أجزائه، لا في الأزل، بل لوقتِ وجوده؛ على حَسَب عِلمِه وإرادته. فالتَّكوينُ باقٍ أزلاً وأبداً، والمُكوَّنُ حادثٌ بحُدوث التعلُّق، كما في العِلم والقُدرة، فعِلمُه تعالى قديم، والمعلومُ حادث، وقدرتُه تعالى قديمة، والمقدورُ حادث، وهكذا يُقال: التَّكوينُ قديم، والمُكوَّن حادث» (¬2).
الإيمان بالقضاء والقدر:
الإيمانُ بالقضاء والقَدَر ركنٌ من ركن الإيمان، كما قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير} [الحديد: 22]، وفي حديثِ جبريلَ عليه السَّلام وسؤالِه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام
¬
(¬1) السُّكوت: ترك التكلُّم مع القدرة عليه، والآفة: أن لا يقدر عليه.
(¬2) ينظر: أسس العقيدة للدكتور حمزة البكري مخطوط ق24 - 30 باختصار.
والإيمان والإحسان، قال: «أخبِرْني عن الإيمان؟ قال: أن تُؤمِنَ بالله وملائكتِه وكُتُبه ورُسُلِه واليوم الآخر، وتُؤمِنَ بالقَدَرِ خيرِه وشرِّه. قال: صدقت» (¬1).
والمقصودُ أنَّ أفعالَ العباد مُرادةٌ له تعالى، أي: خصَّصها الله تعالى بإرادته الأزلية بإخراجها من العَدَم إلى الوجود والزمان والمكان اللذَيْن توجد فيه، إلى غير ذلك، ثم أوجَدَها فعلاً في الزَّمان والمكان اللذَيْن أراد، وعلى الوجه الذي شاءه سبحانه، فهي واقعةٌ بقضائه تعالى وقَدَره.
وليس في ذلك إجبارٌ من الله تعالى للعباد في أفعالهم، لأنّ الله تعالى مكّن العبادَ من الاختيار، وعَلِمَ اختيارَ كلِّ واحدٍ منهم قبل أن يوجدَه، فأراد لهم من الأفعال ما عَلِمَ منهم، وقدَّرها لهم قبل إيجادهم، وكتبها عليهم.
لكنْ ينبغي التَّفريقُ هنا بين الإرادة من جهة والأمر بالشي والرِّضا به من جهةٍ أخرى، فالله تعالى لا يرضى الكفر كما قال: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزُّمَر: 7]، ولا يأمرُ به، بل نهى عنه، وأرسَلَ الرُّسُلَ وأنزل الكُتُبَ للتحذير منه، إلا أنه عَلِمَ من بعض الناس أنهم سيختارونه بإرادتهم، فأراد لهم ما سيختارون، وخَلَقَه لهم.
وأفعالُ العباد وإن كانت مخلوقةً لله تعالى، إلا أنها واقعةٌ باختيار العباد، ولذا يُثابون بها إن كانت طاعة، ويُعاقَبون عليها إن كانت معصية.
والدَّليلُ على وجود الاختيار من العبد في أفعاله قولُه تعالى: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، والدَّليلُ على ترتُّب الثَّواب والعقاب عليها قوله تعالى: {جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون} [السجدة: 17] (¬2).
¬
(¬1) رواه مسلم (8) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
(¬2) ينظر: أسس العقيدة للدكتور حمزة البكري مخطوط ق46 - 47باختصار.
المبحثُ الثَّاني: النبوات:
«لم يَدَعِ الله أُمّةً من النَّاس إلا وأرسل إليهم رسولاً يُبشِّرُهم بثواب الله ونعيمه إذا أحسنوا، ويُنذِرُهم عقابَه وعذابَه إذا أساؤوا، ويُبيِّنُ لهم ما يحتاجون إليه من أحكام دينهم ودنياهم، كما قال سبحانه: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِير} [فاطر: 24].
والأجيالُ المتعاقبةُ على هذه الأرض كثيرة جدّاً، على اختِلافِ أجناسهم وأعراقهم، وقد بعث الله إلى كُلِّ أُمةٍ منهم رسولاً، بحيثُ لا يُمكِنُ إحصاءُ الرُّسُل وتعيينُ عددهم، ولذا لم يُكلِّفنا الله تعالى بمعرفتهم جميعاً، بل أجمَلَ لنا الأمر فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78].
أما ما رواه أبو ذرّ رضي الله عنه: أنه سأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: مئةُ ألفٍ وعشرون ألفاً. قلتُ: يا رسول الله، كم الرُّسُل من ذلك؟ قال: «ثلاثُ مئةٍ وثلاثةَ عشرَ جمّاً غفيراً» (¬1)، وفي رواية: «قلتُ: يا رسول الله، كم وفّى عِدّةُ الأنبياء؟ قال: مئةُ ألف وأربعةٌ وعشرون ألفاً، الرُّسُلُ من ذلك ثلاثُ مئةٍ وخمسةَ عشرَ جمّاً غفيراً» (¬2)، فإسناده ضعيفٌ جداً.
وفي تعيين عددهم خطورة؛ إذ لا يُؤمَنُ فيه أن يُدخَلَ فيهم مَنْ ليس منهم، إن ذُكِرَ عددٌ أكثرُ من عددهم، أو يُخرَجَ منهم مَنْ هو فيهم، إن ذُكِرَ عددٌ أقلُّ من عددهم.
¬
(¬1) رواه ابن حبان في «صحيحه» (361).
(¬2) رواه أحمد في «مسنده» (22288).
لكنْ يجبُ الإيمانُ تفصيلاً بالمذكورين في القرآن منهم على وجه التفصيل، وهم خمسة وعشرون نبياً ورسولاً، وقد ذكر الله منهم ثمانيةَ عشرَ في قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِين} [الأنعام: 83 - 85]، والسَّبعة الباقون هم: آدم، وإدريس، وهود، وصالح، وشُعَيب، وذو الكِفْل، ومُحمَّد، عليهم الصَّلاة والسَّلام جميعاً» (¬1).
صفات الأنبياء والرُّسل:
فهم خيرةُ الخلق وصفوةُ النَّاس، وقد كمَّلهم الله بأكمل الصِّفات وأحسن الأخلاق، وأمرنا بالاقتداء بهم، فقال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].
ومن الأوصاف الواجبة لهم:
1ـ الأمانة، أي: عدمُ الخيانة بمُخالفة الأحكام الشَّرعية وارتكاب الذُّنوب والمعاصي. وسيأتي الكلامُ على هذا الوصف في العِصمة.
2ـ الصِّدق، أي: مطابقةُ أخبارهم للواقع، ويشملُ ذلك: صِدْقَهم في دَعْوى النُّبوّة والرِّسالة، وصِدْقَهم في الأحكام الشَّرعية، وصِدْقَهم في الأحكام غير الشرعية.
والدَّليلُ على وجوب الصِّدق لهم: أنَّ الله صدَّقهم فيما ادَّعَوْا بإظهار المُعجِزة على أيديهم.
¬
(¬1) ينظر: أسس العقيدة للدكتور حمزة البكري مخطوط ق63باختصار.
3ـ الفِطنة، وهي التَّيقُّظ لإلزام الخصوم والقدرة على إبطال شُبُهاتهم وإقامة الأدلَّة والبراهين على صِحّةِ شرائعهم، ومن الأمثلة على ذلك قِصّةُ إبراهيم - عليه السلام - في محاجّة قومه المذكورة في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِين} [الأنعام: 76] إلى قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} [الأنعام: 83]، وقِصّتُه في مجادلتهم في عبادة الأوثان عندما كسَّرها فسألوه {قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيم. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُون} [الأنبياء: 62 - 63].
4ـ تبليغ ما أُنزِلَ عليهم مما أُمِروا بتبليغه؛ لأنَّ التَّبليغَ هو الحكمةُ من إرسالهم، فإذا فُرِضَ أنَّهم لا يُبلِّغون كان إرسالُهم عبثاً يُنزَّه عنه الله سبحانه، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]، وقالت عائشةُ رضي الله عنها: «لو كان محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - كاتماً شيئاً مما أُنزِلَ عليه لكَتَمَ هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]» (¬1).
ويستحيلُ في حقِّهم ضِدُّ هذه الأوصاف، كالخيانة والغفلة والكذب والكتمان، كما يستحيلُ في حقهم أيضاً كلُّ عارضٍ بشريٍّ يتناقضُ مع وظيفتهم، كالبَرَصِ والجُذام والجنون والنِّسيان في التَّبليغ.
ويجوز في حقِّهم: الأفعالُ والعوارضُ البشريةُ التي لا تُناقِضُ وظائفَهم، كالأكل والشُّرب والزَّواج والمرض غير المُنفِّر والإغماء غير الطَّويل والنِّسيان في أمور الدُّنيا أو في أمور الدِّين للتَّشريع، كسَهْو النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاته (¬2).
¬
(¬1) رواه البخاري (7420)، ومسلم (177).
(¬2) ينظر: أسس العقيدة للدكتور حمزة البكري مخطوط ق65 - 66باختصار.
المبحثُ الثَّالث: السّمعيات:
وهي يُدرَكُ بالشَّرع دون العقل فهو: كلُّ ما كان جائزاً عقلاً، يستوي في حكم العقل وجودُه وعَدَمُه، فلا يُمكِنُ التصديقُ بأحدهما إلا بالشرع، ومن أمثلته: الملائكةُ والجِنُّ والحشرُ والنَّشرُ والثَّوابُ والعقابُ ونحوُ ذلك.
أولاً: عالَم الملائكة:
والملائكة: هم أجسامٌ لطيفةٌ نورانيّةٌ قادرةٌ على التشكُّل بأشكال حَسَنةٍ مختلفة، لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون، ولا يُوصَفون بذُكورة ولا أُنوثة.
وليس للملائكة اختيارٌ بين الطَّاعة والمعصية، بل هم مجبولون على طاعة الله على الدوام، ولا يقعُ منهم معصيةٌ البتة، قال تعالى في وَصْفِهم: [لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} [التحريم: 6].
للملائكة وظيفةٌ عامةٌ تشملُهم جميعاً، وهي عبادةُ الله تعالى وتسبيحُه وتعظيمُه، قال تعالى: وَمَنْ عِندَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُون. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُون} [الأنبياء: 19 - 20].
ولبعضهم وظائفُ جُزْئيّةٌ خاصّة، منها:
1 ـ السَّفارة بين الله ورُسُله، وتشملُ التنزُّلَ بالرسالات والشرائع وتأييدَ الرُّسُل ونصرتهم وإنزال العذاب بمُكذِّبيهم، وهي وظيفةُ جبريل عليه السلام.
2 ـ سَوْق السَّحاب وتوزيع الأمطار، وهي وظيفةُ ميكائيل عليه السلام.
3 ـ النَّفْخ في الصُّور يوم القيامة، وهي وظيفةُ إسرافيل عليه السلام.
4 ـ كتابة أعمال العباد، وهي وظيفةُ الحَفَظة.
5ـ قَبْض أرواح العباد، وهي وظيفةُ مَلَك الموت، وتسميتُه عُزْرائيل لم تثبت.
6ـ حَمْلُ العرش، قال تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة} [الحاقة: 17].
7ـ الاستغفار للمؤمنين، وهي وظيفةٌ أخرى لحَمَلة العَرْش ومَن حولهم، قال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7].
8 ـ حفظ بني آدم من الشرور والمصائب، قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ} [الرعد: 11]، أي: للإنسان ملائكةٌ تتعقَّبُه لحِفظِه من الشرور بأمر الله.
9ـ تدبير أمور الجنَّة، وهي وظيفةُ رضوان عليه السَّلام وأعوانه.
10ـ تدبير أمور النَّار، وهي وظيفةُ مالك عليه السَّلام وأعوانه، قال تعالى: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُون} [الزخرف: 77]، وقال سبحانه: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَر} [المدثر: 30].
ـ عدد الملائكة:
الملائكةُ خَلْقٌ كثير لا طاقةَ لنا بإدراك عَدَدِهم، ففي قِصّةِ المعراج: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى البيت المعمور في السماء، فسأل عنه، فقال له جبريل: «هذا البيتُ المعمورُ يُصلِّي فيه كلَّ يوم سبعون ألف مَلَك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه» (¬1)، وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أطَّتِ السماء، وحُقَّ لها أنْ تَئِطّ، ما فيها موضعُ أربع أصابع إلا ومَلَكٌ واضعٌ
¬
(¬1) رواه البخاري (3207) ومسلم (162) من حديث مالك بن صعصة رضي الله عنه.
جَبْهتَه ساجداً لله» (¬1).
فالواجبُ على المُكلَّف أن يُؤمِنَ أنّ لله تعالى ملائكةً عباداً مُكرَمين لا يَفتُرون عن طاعته، وأن يُؤمِنَ بمَنْ ورد ذِكرُهم في القرآن الكريم صريحاً، وهم:
1ـ جبريل، قال تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} [التحريم: 4].
2ـ ميكائيل، قال تعالى: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِين} [البقرة: 98].
3ـ مَلَكُ الموت، قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11].
4ـ كَتَبة الأعمال، وربما قيل فيهم أيضاً: الحفظة، قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين. كِرَامًا كَاتِبِين}} [الانفطار: 10 - 11].
5ـ المُعقِّبات، قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ} [الرعد: 11].
6ـ حَمَلةُ العرش، قال تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة} [الحاقة: 17]
7ـ خَزَنةُ الجنة وخَزَنةُ النار، قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِين} [الزُّمَر: 73]، وقال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} [الزُّمَر: 71].
¬
(¬1) رواه الترمذي (2312) وابن ماجه (4190) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
وورد ذِكرُ آخرين في السُّنّة، فيجبُ على المُكلِّف أن يُصدِّق بهم أيضاً، إلا أنه لا يكفر مُنكِرُه لأنه لم يتواتر، ومنهم:
1ـ إسرافيل، لم يُسَمَّ في القرآن صريحاً، وإنما ذُكِرَت وظيفتُه وهي النفخُ في الصُّور، قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُون} [الزُّمَر: 68].
2ـ المَلَك المُوكَّل بالأجِنّة، ورد ذِكرُه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ أحدكم يُجمَعُ خَلْقُه في بطن أمِّه أربعين يوماً، ثم يكونُ في ذلك عَلَقةً مِثلَ ذلك، ثم يكونُ في ذلك مُضْغةً مِثلَ ذلك، ثم يُرسَلُ المَلَكُ فينفخُ فيه الرُّوح، ويُؤمَرُ بأربع كلمات: بكَتْبِ رزقه وأجَلِه وعَمَلِه وشقيٌّ أو سعيد» (¬1).
3ـ ملائكة السُّؤال في القبر، ورد ذِكرُهم في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبره وتَوَلّى عنه أصحابُه، وإنه لَيَسمَعُ قَرْعَ نِعالهم، أتاه مَلَكان، فيُقعِدانه، فيقولان: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجل؛ لِمُحمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ... » (¬2).
ثانياً: عالَم الجِنّ:
الجِنّ: هم أجسامٌ لطيفةٌ ناريّةٌ قادرةٌ على التَّشكُّل بأشكال مختلفة، يأكلون ويشربون ويتناسلون، وفيهم الذُّكور وفيهم الإناث.
والجِنُّ مخلوقون من نار، قال تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّار. وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّار} [الرحمن: 14 - 15]، وكان خَلْقُهم قبل خَلْق آدم عليه السَّلام بزمان، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُون.
¬
(¬1) رواه البحاري (7454) ومسلم (2643) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(¬2) رواه البخاري (1374) ومسلم (2870) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُوم} [الحِجر: 26 - 27].
ومن سُنّةِ الله تعالى أنْ يرى الجِنُّ البشر، بينما لا يرى البشرُ الجِنَّ في صورتهم التي خلقهم الله عليها، قال تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]، فلا تقعُ رؤيتُهم على صورتهم الحقيقية لأحدٍ من البشر إلا بطريق خَرْقِ العادة.
أما رؤيتُهم في صورةٍ يتشكّلون بها فمُمكِنة، بل وقعت فعلاً، كما في حديث أبي هريرة: «وكلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفظِ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام فأخذتُه، وقلت: والله لأرفعَنَّك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: إني محتاج، وعليَّ عيال، ولي حاجةٌ شديدة، قال: فخَلَّيتُ عنه، فأصبحتُ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا هريرة، ما فعل أسيرُك البارحة، قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجةً شديدةً وعيالاً، فرحمتُه، فخَلَّيتُ سبيلَه، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود ... »، وذكر عودتَه مرّة ثانيةً وثالثة، وفيه أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال له: «تعلمُ مَنْ تخاطبُ منذُ ثلاثِ ليالٍ يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال: ذاك شيطان» (¬1).
الجِنُّ مكلَّفون شرعاً ومُخاطَبون بالأمر والنهي، وهم في هذه الدنيا في اختبار وامتحان كالإنس، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56]، وقد أنذرهم الله تعالى جميعاً عاقبة الكفر والعصيان، كما قال سبحانه: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِين} [الأنعام: 130].
¬
(¬1) رواه البخاري (2311).
ثالثاً: العالَمُ العُلْويّ (العرش، الكرسي، القلم، اللوح المحفوظ):
والمقصود به هنا: ما فوق السَّماء السَّابعة من مخلوقات الله تعالى. وأهمّ ما فيه:
الأول: العرش:
وهو جسمٌ عظيمٌ فوق السَّماء السَّابعة، بل فوق الجنَّة، كما يدلُّ عليه قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سألتُمُ اللهَ فاسألوه الفِرْدوس، فإنه أوسطُ الجنة وأعلى الجنَّة، فوقه عَرْشُ الرَّحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنَّة» (¬1).
والعرشُ ليس بأول مخلوق، ولكنَّه خُلِقَ قبل السَّماوات بزمانٍ بعيد، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: 7]، وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: «كتبَ اللهُ مقاديرَ الخلائق قبل أن يخلقَ السماواتِ والأرضَ بخمسين ألفَ سنة، وعَرْشُه على الماء» (¬2).
ولم يخلق الله العرشَ لاحتياجٍ إليه، حاشاه، وإنما خلقه للدلالة على عظيم قدرته وقهره وغَلَبته، ولذا قال سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، أي: علا عليه علوَّ غلبةٍ وقَهْرٍ وسُلطان، وتخصيصُ العرش بالذِّكرِ باعتبار أنه أعظمُ مخلوق، فالاستيلاءُ عليه استيلاءٌ على ما هو دونه من باب أَوْلى. ولذا نبّه اللهُ تعالى في مواضع عديدة من القرآن الكريم إلى أنَّ علاقةَ العرش بالله هي علاقة المخلوق بالخالق، والخالقُ مُستَغنٍ عن المخلوق، والمخلوقُ مفتقرٌ إلى الخالق، قال سبحانه: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم} [التوبة: 129]، وقال: {رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم}
¬
(¬1) رواه البخاري (2790) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(¬2) رواه مسلم (2653) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.
[المؤمنون: 116].
ويجبُ على المُكلَّف أن يُؤمِنَ بالعرش، من غير تعيين حقيقته وكيفيّته؛ لعدم ورودِ الخبر بها.
الثَّاني: الكُرْسيّ:
وهو جسمٌ عظيمٌ تحت العرش فوق السَّماء السَّابعة.
وذُكِرَ الكُرْسيُّ في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة: 255]، واختلف أهلُ العلم في تفسيره، فقال الجمهور: هو جسمٌ عظيمٌ دون العرش، وقال الحسنُ البصري: هو العرشُ نفسُه، وقال ابنُ عباس ـ في رواية عنه ـ: الكرسيُّ هنا: العِلم، أي: وَسِعَ علمُه السماوات والأرض، واختاره الطبريّ (¬1).
ولم يخلق الله تعالى الكرسيَّ لاحتياج إليه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، بل خلقه للدلالة على عظمة مُلكِه وعُلُوِّ سلطانه، وغير ذلك من الحِكَم.
الثَّالث: القلم:
وهو جسمٌ خلقه الله تعالى وأمره بكتابة ما يكون إلى يوم القيامة.
وهو أوّلُ مخلوق، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «أوّلُ ما خلق اللهُ القلم، فقال له: اكتُبْ، قال: ربِّ وماذا أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كلِّ شيء حتى تقومَ السَّاعة» (¬2).
¬
(¬1) انظر: «تفسير الطبري» 5: 401.
(¬2) رواه أبو داود (4700) والترمذي (2155) و (3319) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
ولم يخلق اللهُ تعالى القَلَمَ لاحتياجٍ إليه أو لاستحضار عِلمِه، سبحانه وتعالى، بل خلقه الله للدلالة على سَعَةِ عِلمِه وشموله لكلِّ ما هو كائن، حتى إنه خلق مخلوقاً وأجراه بكتابه ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، ولا يستوعبُ ذلك معلوماتِ الله تعالى، إذ لا نهاية لمعلوماته تعالى.
وعليه، فيجبُ على المُكلَّف أن يُؤمِنَ بوجوده وكتابته في اللوح المحفوظ، من غير تعيين حقيقته وكيفيّته؛ لعدم ورودِ الخبر بها.
الرَّابع: اللوح المحفوظ:
وهو جسمٌ عظيمٌ كتب القلمُ فيه ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة.
والصَّحيحُ أنّ ما كُتِبَ في اللوح المحفوظ يقبلُ المَحْوَ والتغيير، لقوله تعالى: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب} [الرعد: 39].
ولم يخلق الله تعالى اللوحَ لِضَبْطِ ما يُخافُ نسيانُه، تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً، وإنَّما خلقه للدلالةِ على تصرُّفه في الوجود بدقّة بالغة وتنظيم دقيق، وغير ذلك من الحِكَم.
رابعاً: عالَم البَرْزَخ (سؤال المَلَكَين، عذابُ القبر ونعيمُه):
البَرْزَخ في اللغة: هو الحاجزُ بين شيئين. والمُرادُ به هنا: الحاجزُ بين حياةِ الدنيا وحياةِ الآخرة، فيبدأُ من موت الإنسان ومُفارقةِ روحه لجسده، وينتهي بقيام الساعة وبَعْثِ الأجساد وإعادة الأرواح إليها.
وعالَمُ البَرْزَخ من العوالم الغيبيّة، لذا لا يُمكِنُنا أن نتكلَّم فيه إلا بقَدْر ما ورد فيه من الأخبار الصَّحيحة، ومن ذلك: سؤال المَلَكَيْن وما يَتبَعُه من عذاب القبر أو نعيمه.
وورد في ذلك أحاديثُ صحيحةٌ كثيرة، بلغت بمجموعها التواترَ المعنويّ، منها قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبره وتَوَلّى عنه أصحابُه، وإنه لَيَسمَعُ قَرْعَ نِعالهم، أتاه مَلَكان، فيُقعِدانه، فيقولان: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؛ لِمُحمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -؟ فيقول: أشهَدُ أنه عبدُ الله ورسولُه، فيُقال: انظُرْ إلى مقعدك من النار، أبدَلَك اللهُ به مَقعَداً من الجنة، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: فيراهما جميعاً. وأما الكافر ـ أو المُنافِقُ ـ فيقول: لا أدري، كنتُ أقول ما يقولُ الناس، فيُقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ثم يُضرَبُ بمِطرَقةٍ من حديد ضَرْبةً بين أُذُنَيه، فيصيح صَيْحةً يسمعها مَنْ يليه إلا الثّقلَيْن» (¬1).
وروى البراءُ بنُ عازب رضي الله عنه، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في قول الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]، قال: «في القبر إذا قيل له: مَنْ ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَنْ نبيُّك؟» (¬2).
وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يدعو في آخر صلاته قبل السَّلام: «اللهُمَّ إني أعوذُ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النَّار، ومن فِتنةِ المَحْيا والممات، ومن فِتنةِ المسيح الدجّال» (¬3).
وروى ابنُ عباس قال: «مَرَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقَبْرَيْن، فقال: إنهما لَيُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير، أما أحدُهما فكان لا يَستَتِرُ من البول، وأما الآخَرُ فكان يمشي
¬
(¬1) رواه البخاري (1338) و (1374) ومسلم (2870) من حديث أنس رضي الله عنه.
(¬2) رواه الترمذي (3120) وقال: حديث حسن صحيح.
(¬3) رواه البخاري (1377) ومسلم (589) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه البخاري (832) ومسلم (588) من حديث عائشة رضي الله عنها.
بالنَّميمة ... » (¬1).
ولعذاب القبر أصلٌ في القرآن الكريم في قوله تعالى عن فرعون وقومه: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب} [غافر: 46].
أشراط السَّاعة وعلاماتها:
استأثر اللهُ تعالى بعلم وقت السَّاعة، كما قال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ} [الأعراف: 187]، وكما يدلُّ عليه قولُه - صلى الله عليه وسلم - في حديث جبريل: «ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السَّائل»، إلا أنَّ الله تعالى جعل لها أشراطاً وعلاماتٍ تدلُّ على قرب قيامها، تنبيهاً للناس من غفلتهم، وحثّاً لهم على التوبة والإنابة إلى الله سبحانه قبل فوات الأوان.
وكونُ السَّاعة ذات علامات وأشراط لا يُنافي كونها تأتي بَغْتةً، أي: فجأة، لأنّ الغفلةَ والنِّسيان من طبع الإنسان، وكثير من النَّاس لا يتأملون هذه العلامات، ومنهم مَنْ يتأمَّلُها قليلاً إلا أنَّه يغرُّه الأملُ ويُلهيه عن الاستعداد لها، لذلك فالسَّاعةُ تأتي فجأةً مع تقدُّم علاماتها، كما قال سبحانه: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا} [محمَّد: 18].
وعلاماتُ السَّاعة قسمان:
1ـ علاماتٌ صغرى، وهي أمورٌ دالّةٌ على قُرْب السَّاعة بالنِّسبة إلى الأمم وبالقياس إلى الأجيال، ولذا فهي تتقدَّم السَّاعة بأزمانٍ طويلةٍ بالقياس إلى الأفراد، وليس فيها مخالفةٌ للعادة. ومنها:
¬
(¬1) رواه البخاري (218) ومسلم (292).