أثر (عموم البلوى) في تغيّر الفتوى عند الحنفية
دراسة تطبيقية في باب العبادات
د. محمد عبد المنان سليم النجار
قسم الإصلاح والوفاق الأسري الشرعي، كلية الفقه الحنفي، عمّان، الآردن.
جارٍ تحميل الكتاب…
أثر (عموم البلوى) في تغيّر الفتوى عند الحنفية
دراسة تطبيقية في باب العبادات
د. محمد عبد المنان سليم النجار
قسم الإصلاح والوفاق الأسري الشرعي، كلية الفقه الحنفي، عمّان، الآردن.
The Impacts of "General Ordeal" on Changing A Hanafi Fatwa
A An applied Study in the Field of Worships
Dr. Mohammad abd almannan Saleem Al Najjar
Department of Reform and Sharia Family Reconciliation, Faculty of Hanafi Jurisprudence, The World Islamic Sciences and Education University, Amman, Jordan.
https://orcid.org/0009 - 0006 - 1507 - 0492
mohdnr 5@gmail.com
ABSTRACT
Objectives: Highlighting the impact of a general ordeal according to the Hanafi school of thought on the Fatwa and its changes, and that a given Fatwa is not necessarily to be the adopted position of the earlier jurists of the school. It also explains the justifications behind a general ordeal alongside the updates measured by the Fatwa.
Methods: The study uses inductive and analytical methods to explain the reasons for the generality of an ordeal and the reasons behind changing it. It also uses an inference and deductive method to extract contemporary applications of relevant issues.
Results: The results include the interest of the school in issues of general ordeal and that it is an acceptable reason for changing a Fatwa, as it is a fundamental rule for appointing a Mufti and considering that Fatwas take into account the removal of hardships and general ordeals. Lastly, the study extracted some contemporary Fatwas that could be founded and ruled based on general ordeals.
Conclusions: The research recommends that researchers pay attention to studying the conditions for changing a Fatwa in the Hanafi school of thought as well as the rest of the schools through explaining the determinants and conditions of a Fatwa in each school of thought. It also recommends the consideration of "general ordeals" in new Fatwas and matters.
key words: General, ordeal, Fatwa Change.
ملخّص
الأهداف: يهدف البحث لبيان أثر عموم البلوى عند الحنفية على الفتوى وتغيّرها، وأنّ المفتى به ليس بالضرورة أن يكون هو ما اعتمده فقهاء المذهب المتقدمون، وبيّن أسباب اعتبار عموم البلوى، وما يقاس عليها من مستجدات.
المنهجية: واتبع البحث المنهج الاستقرائي والتحليلي؛ لبيان أسباب عموم البلوى وسبب تغيرها، والاستدلالي الاستنباطي لاستخراج تطبيقات معاصرة على مسائل تندرج تحت عموم البلوى.
النتائج: وتوصل لعدة نتائج منها: اهتمام الحنفية بموضوع عموم البلوى، وأنه من أسباب تغير الفتوى؛ إذ أنها من أصول قواعد رسم المفتي عند الحنفية، وأنّ الفتاوى يُراعي فيها مسألة رفع الحرج وعموم البلوى، وتوصّلت لاستخراج بعض الفتاوى التي يمكن تأصيلها والفتوى بها على أساس عموم البلوى.
الخلاصة: توصل البحث عن توصية بأنّ يهتم الباحثون بدراسة أسباب تغيّر الفتوى في مذهب الحنفية وباقي المذاهب، ببيان محددات الفتوى في كل مذهب وأسبابه، وأيضًا بأن يتم اعتبار مسألة عموم البلوى في الفتوى فيما يستجد من وقائع ومسائل.
الكلمات المفتاحية: عموم، البلوى، تغير الفتوى.
والله ولي التوفيق
أثر (عموم البلوى) في تغيّر الفتوى عند الحنفية
دراسة تطبيقية في باب العبادات
المقدمة: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المبعوث بالتخفيف والتيسير ورحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإنّ التيسير والتخفيف ورفع الحرج عن الملكفين من أهم مقاصد التشريع، لذلك راعت المذاهب الفقهية هذا الجانب المهم عند تصدير الفتوى للناس، حيث جعل فقهاء المذاهب قواعد خاصة للفتوى، من شأنها التيسر والتخفيف ورفع الحرج (حسن، 2023م، ص79).
ومن قواعد الفتوى الأساسية في قواعد الإفتاء عند الحنفية، وهو ما يسمونه بقواعد رسم المفتي، قاعدة عموم البلوى، وهي راجعة لمبدأ التيسر ورفع الحرج المقررة في الشريعة السمحة.
حيث جعل فقهاء المذهب الفتوى فيما عمّت به البلوى وشاع فيه الحرج على التيسير بناءً على هذه القاعدة، ولو كان المفتى به على خلاف ظاهر الرواية في المذهب والأقوال المصححة فيه؛ وذلك لأن العبرة في الفتوى هو التيسير ورفع الحرج عن المسلمين.
وفي هذا البحث سنتعرف على معنى عموم البلوى، وأسبابها، وكيفية تغير الفتوى عند الحنفية بناء على اعتبارها، ثم نذكر بعض التطبيقات على هذه القاعدة.
مشكلة البحث: تكمن مشكلة البحث في النقاط التالية:
? ما معنى عموم البلوى عمد الحنفية.
? ما هي أدلة اعتبار عموم البلوى.
? ما هي أسباب عموم البلوى عند الحنفية
? ما أهم التطبيقات على قاعدة عموم البلوى بما يوافق قواعد المذهب الحنفي.
أهداف البحث: من خلال هذه الدراسة يسعى الباحث لتحقيق الأهداف الآتية:
? تعريف عموم البلوى عند الحنفية.
? بيان أدلة اعتبار عموم البلوى.
? بيان أسباب عموم البلوى عند الحنفية.
? ذكر بعض التطبيقات على قاعدة عموم البلوى مراعيًا بذلك موافقتها للمذهب الحنفي.
أهمية البحث: تأتي أهمية البحث للباحثين والمتعلمين والمفتيين في الفقه الحنفي خاصةً، وبقية المفتين والباحثين عامةً في معرفة أسباب عموم البلوى وكيفية التعامل معها في الفتوى.
حدود البحث: سيقوم الباحث بتحديد البحث في مسألة عموم البلوى فقط من بين قواعد رسم المفتي في المذهب الحنفي، وبيان أثرها على تغيّر الفتوى من خلال كتب المذهب الحنفي.
منهجية البحث: اتبع الباحث المناهج التالية في البحث:
? المنهج الوصفي: لبيان معنى عموم البلوى.
? المنهج الاستقرائي والمنهج التحليلي: لاستخراج فتاوى المذهب المبنية على قاعدة عموم البلوى، وبيان سببها في التخفيف.
? والمنهج الاستدلالي الاستنباطي: وذلك بذكر تطبيقات معاصرة يمكن الفتوى بها على قاعدة عموم البلوى بما ينسجم مع قواعد المذهب الحنفي.
الدراسات السابقة: هناك بعض الدراسات على مسألة عموم البلوى منها:
? بحث بعنوان: قاعدة عموم البلوى مفهومها ومدى صحة تطبيقاتها المعاصرة على عقود المداينات المتضمنة لغرامات التأخير، ل أ. د. نزيه كمال حماد، منشور ضمن أبحاث مؤتمر شورى الفقهي الثامن، الكويت 2019م. إلا أنه بحث خاص بمسألة احتساب الغرامة المالية على التأخير في سداد القروض فقط.
? رسالة ماجستير بعنوان: عموم البلوى دراسة نظرية تطبيقية، للفاضل مسلم الدوسري، نشر مكتبة الرشيد، الرياض 2000م، وقد أجاد فيها الباحث الفاضل، وهي كما هو واضح من العنوان عامة دون تخصيصها بمذهب معين، وبحثنا متخصص بقواعد عموم البلوى عند الحنفية من خلال قواعد المذهب وفتاواه المبنية على هذه القاعدة، وأيضًا عرضنا في البحث تطبيقات جديدة وموافقة لقواعد رسم المفتي على مذهب الحنفية.
? رسالة ماجستير بعنوان: عموم البلوى وتطبيقاتها على القضايا الطبية المعاصرة - نماذج مختارة- للطالبة سلاف حشيفة، جامعة الشهيد حمّة لخضر- الوادي، فوقشت عام 2020م، وهي خاصة – كما هو في العنوان – بالمسائل الطبية فقط.
خطة البحث:
تمهيد.
المبحث الأول: مفهوم عموم البلوى وأسبابه عند الحنفية.
المطلب الأول: تعريف (عموم البلوى).
المطلب الثاني: الأدلة على اعتبار (عموم البلوى).
المطلب الثالث: أسباب عموم البلوى.
المبحث الثاني: التطبيقات على تغير الفتوى بسبب (عموم البلوى).
الخاتمة والنتائج.
ولنشرع في المبحث الأول من هذه الدراسة.
التمهيد:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على سيّدنا محمد سيّد الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطاهرين وصحابته المكرمين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعدُ:
فإنّ ثبات أحكام الفقه الإسلامي ونقلها من زمن السلف الصلح إلى يومنا هذا عن طريق المذاهب المعتبرة دليلٌ على أصالة هذا الفقه ومتانته ورسوخه، حيث تم تدوين المذاهب ونقلها لنا بطرق متواترة ومشهورة سالمة من الشك والاعتراض.
وفيما يتعلق بمذهب الإمام أبي حنيفة ?، فقد تم تدوينه على يد الإمام الرباني محمد بن الحسن الشيباني ?، ووقع الإجماع من علماء المذهب على صحة تدوينه ودقّة نسبة الأقوال لأصحابها، ومن ثم نقلَها فقهاءُ الحنفية بطرق متواترة ومشهورة حتى صارت أساس المذهب وأصله، وهي المعروفة باسم كتب ظاهر الرواية (ابن مازه، 1424ه، ج1، ص29).
ومما قرّره المجتهدون في المذهب الحنفي أنّ الفتيا لا تكون إلا بظاهر الرواية، إلّا إذا صرّحوا بخلاف ذلك.
ومسائلُ ظاهر الرواية هي التي ينقلها أصحاب المتون المعتمدة في متونهم، كـ «مختصر القدوري» و «الكنز» و «الهداية» و «الاختيار» و «شرح الوقاية» وغيرها من المتون المعتمدة، فهذه الكتب وُضعت لنقل أصل المذهب والمعتمد فيه.
ذكر قاضيخان ? أنه: «إن كانت المسألةُ مرويّةً عن أصحابنا في الروايات الظاهرة بلا خلاف بينهم؛ فإنه يميل إليهم ويفتي بقولهم ولا يخالفهم برأيه» (قاضيخان، 2009م، ج1، ص2)، ذلك أنهم أعلم بالمذهب وقواعده، وقد بلغوا الرتبة العليا في الاجتهاد، فلا يمكن أن يُترَك قولهم لمن هو أقل رتبة في الاجتهاد.
وقد بيّن ذلك ابن عابدين بقوله: «إذا كان أحد القولين ظاهر الرواية والآخر غيرها، فقد صرّحوا إجمالًا بأنه لا يُعدل عن ظاهر الرواية؛ فهو ترجيح ضمني لكل ما كان ظاهر الرواية، فلا يُعدل عنه بلا ترجيح صريح لمقابله» (ابن عابدين، 1992م، ج1،ص 78).
ومع شدَّة حرصهم على التمسك بالفتيا بظاهر الرواية والمعتمد من مسائل المذهب، إلا أنّا وجدناهم يفتون بغير ظاهر الرواية في بعض المسائل، وينصون على أن الفتيا على خلافها.
ولأجل تفسير صنيعهم هذا وتعليل عدولهم عن الفتيا بظاهر الرواية، لابد أن نمهّد لهذا التعليل.
فنقول: إنّ هذا الفقه الراسخ لا بد أن يكون صالحاً للتطبيق في كل زمان ومكان، وشرط كونه صالحاً للتطبيق خلوّه من الحرج والعُسر في التطبيق، خصوصاً إذا عمّ هذا العُسر وانتشر!
فالفقه له جانبان:
الجانب الأول: جانب التأصيل وهو ما يُعبّر به بأصل المذهب، أو ظاهر الرواية عند الحنفية، وهي المسائل التي استنبطها أئمة المذهب باستعمال قواعد الاستنباط والاجتهاد الخاصة بكل منهم، ويمكن التوصل إليها بالرجوع إلى كتب ظاهر الرواية والمتون المعتمدة في المذهب.
قال ابن عابدين ?: «لا يخفى أنّ المراد بالمتونِ: المتونُ المعتبرة كـ «البداية» و «مختصر القدوري» و «المختار» و «النقاية» و «الوقاية» و «الكنز» و «الملتقى»؛ فإنها الموضوعة لنقل المذهب ممَّا هو ظاهر الرواية» (ابن عابدين، د. ت. ص133).
الجانب الثاني للفقه: هو جانب التطبيق، وهو تنزيل أحكام المذهب وما نقله أئمة المذهب على الواقع، ولابد عند تطبيقه من مراعاة أصول التطبيق والفتوى، وهي قواعد رسم المفتي، وهي: الضرورة والحاجة والتيسير والعرف وعموم البلوى وتغير الزمان (إدريس، 2018م، ص268).
فكما أنّ المجتهد المطلق يُراعي في اجتهاده قواعدَ الاستنباط من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وغيرها، كذلك الشأن بالنسبة للمفتي، فإنه لابد أن يراعي في فتواه هذه القواعد الستة، والتي هي بمثابة الأصول والقواعد، يُحدد المفتي بالنظر إليها ما هو القول المفتى به في هذا الحال والزمان، فهي ضوابط الترجيح في حقّه التي بها يختار القول الراجح من أقوال المذهب.
وبسبب مراعاة قواعد رسم المفتي هذه، قد تكون الفتوى في المذهب الحنفي على خلاف ظاهر الراوية والقول المعتمد؛ إما لتغير عرفٍ، أو تغير زمان أو عموم بلوى وقعت، أو لرفع حرج.
لذلك تُعتبر قواعد رسم المفتي هي روح الفقه وحياته؛ فبسببها صار الفقه صالحاً للتطبيق على اختلاف الأحوال ومرّ الزمان، مع كمال الانضباط بالمذهب وقواعده؛ لأنّ من قواعد المذهب وأصوله مراعاة قواعد الرسم عند التطبيق والفتيا.
وهذا ما طبّقه فقهاؤنا على تعاقب طبقات المذهب، فنجد الفقيه يكتب كتاباً في المعتمد في مذهب أبي حنيفة ?، وينافح في تحرير ما هو المعتمد والقول الراجح في المذهب، ويردُّ الأقوال المرجوحة والضعيفة في المذهب، ثم نجده نفسه يكتب كتاباً في الفتاوى يُخالف ما قرره في كتابه المعتمد!
فهذا برهان الدين المرغيناني ? (ت: 593هـ) ذكر في «الهداية» المعتمد وأصل المذهب – إذ هو من أشهر كتب المذهب لمعرفة الراجح والمعتمد عند الحنفية –، إلا أنه يخالف ما قرره في كتابَيْه «مختارات النوازل» و «التجنيس والمزيد».
وكذلك الحال بالنسبة لقاضيخان ? (ت: 592ه) في «شرح الجامع الصغير» و «شرح الزيادات» ذكر فيهما المعتمد في المذهب، بخلاف «فتاواه» المشهورة، فإنه يذكر الأوجه المعتبرة للفتوى وتطبيقات المشايخ للمسائل.
ومثلهما الصدر الشهيد ابن مازة ? (ت: 616ه) في كتابه «شرح الجامع الصغير» ذكر فيه المعتمد من المذهب بخلاف ما في «الفتاوى الكبرى» و «الفتاوى الصغرى»، فقد ذكر المفتى به ولو خالف المعتمد عنده (أبو الحاج، 1440ه، ص366).
وكان هذا العمل بسبب مراعاة قواعد الافتاء، حتى يصلح الفقه للتطبيق في زمانهم، لذا كان هذا العمل منهم محل إعجاب وقبول من أئمة المذهب؛ لأن الفقه لا يمكن الانتفاع به بمجرّد نقل المتعمد من المذهب وما هو ظاهر الراوية فقط.
مع التنبيه أنّ هذا العمل من الترجيح والاجتهاد في المذهب صدر من أهله وممن بلغ رتبة الاجتهاد في المذهب، لذلك قال ابن عابدين ?: «ولا يخفى أنّ المتأخرين ... كصاحب «الهداية» وقاضيخان ? وغيرهما من أهل الترجيح، هم أعلم بالمذهب منّا، فعلينا اتباعهم ... وأما نحن فعلينا اتباع ما رجحوه وما صحّحوه، كما لو أفتونا في حياتهم» (ابن عابدين، 1992م، ج1، ص192 - 193).
ومن هذه القواعد التي يراعيها المفتي المجتهد في تطبيقه لأحكام المذهب (عموم البلوى)، وهي إحدى القواعد الست من قواعد رسم المفتي؛ ذلك لما لها من الأثر البالغ في حياة الناس وفي اعتبار الضرر العام الواقع عليهم، وقد جاءت الشريعة السمحة برفع الضرر ?يُرِيْدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَاْ يُرِيْدُ بِكُمُ الْعُسْرَ? [البقرة: 185].
وعند الاستقراء في كتب المذهب، وجدنا أئمةَ المذهب يَعدِلون عن الفتيا بظاهر الرواية والمعتمد عند وجود الضرر العام الحادث في زمانهم، والمشقة الشاملة على الناس، إذا كان الضرر معتبراً، معلّلين ذلك بعموم البلوى.
ومن خلال هذا البحث، سنتعرف على (عموم البلوى) وما هي أدلة اعتبارها، وما ضوابط العدول عن الفتيا بظاهر الرواية بسبب عموم البلوى.
وفي القسم الثاني منه سنتعرض لتطبيقات فقهاء المذهب في فتاواهم التي خالفوا فيها ظاهر الراوية بسبب عموم البلوى.
ومن ثم نذكر بعض المسائل المستجدة في زماننا التي يمكن أن تكون الفتيا بخلاف ظاهر الرواية في المذهب الحنفي بسبب عموم البلوى فيها.
المبحث الأول
مفهوم عموم البلوى وأسبابه عند الحنفية.
المطلب الأول: تعريف (عموم البلوى):
مصطلح عموم البلوى لفظٌ مركبٌ من كلمتين: (عموم) و (البلوى).
وحتى نتوصل للمعنى المراد من هذا المصطلح، سنعرّف كلتا الكلمتين في اللغة، ثم نذكر المعنى الاصطلاحي للمركّب منهما عند الحنفية.
أولاً: المعنى اللغوي:
«العموم» مصدرٌ من عمّ يعم، قال ابن فارس: «عمّ: العين والميم أصل صحيح واحد يدل على الطول والكثرة والعلو» (ابن فارس، 1979م، ج4، ص15).
فنجد أن العموم يأتي على ثلاثة معانٍ في اللغة:
? الطول: ومنها قولهم: جسمٌ عميم: أي طويلة، وكذا جارية عميمة: أي طويلة (الجوهري، 1987م، ج5، ص1992).
? الكثرة: ومنه العامة وهو ضد الخاصة، وسموا بالعامة لكثرتهم، ومن الكثرة يأتي معنى الشمول، فقد جاء: عمّ الشيء بالناس: إذا بلغ المواضع كلها، وشمل الجماعة (الخليل، د. ت، ج1، ص94).
? العلو: ومنه قولهم: إن فيه لعُمِّيّة: أي كبراً، وهو من العلو (ابن فارس، 1979م، ج4، ص18).
ولعلّ المعنى الأقرب لموضوع بحثنا من هذه المعاني هو الشمول، الذي هو أحد المعاني باعتبار الكثرة.
«البلوى»: مصدرٌ من بلا يبلو، بلْوًا وبلاءً، قال ابن فارس: «الباء واللام والواو والياء، أصلان: أحدهما إخلاقُ الشيء، والثاني نوع من الاختبار، ويحمل عليه الإخبار أيضاً» (ابن فارس، 1979م، ج1، ص292).
فنجد أن للبلوى ثلاثة معانٍ في اللغة:
? الاختبار: يُقال: بلوت الرجلَ بلوًا، وبلاءً، وابتليته، إذا امتحنته واختبرته وجرّبته، يقال: بلوت الرجل بلوا وبلاء، وابتليته: اختبرته» (الفيروزآبادي، 1426ه، ص306).
? الإخبار: وهو محمول على السابق (الاختبار)، وذلك أنّ الاختبار يتضمن معرفة حال المختبَر، وظهور جودة المبتلى ورداءته، وهذا هو وجه حمل الإخبار على الاختبار؛ لأنه يلزم من الاختبار إخبارٌ عن المبتلى، وظهورٌ لحالته التي هو عليها.
? إخلاقُ الشيء: ومنه بليَ الثوب يبلى بِلى وبَلاءً، وهذا المعنى يرجع أيضاً إلى المعنى الأول وهو الاختبار، إذ يلزم من إخلاق الشيء معنى الاختبار، يُقال: بلوته: اختبرته، كأني أخلقته من كثرة اختباري له (الأصفهاني، 1412ه، ص61).
وهذا المعنى للبلوى، وهو الاختبار، لا يتحقق إلا بالتكليف بما فيه مشقة، كما ذكر الرازي ? في تفسير قوله تعالى: ?وَنَبْلُوْكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً? [الأنبياء: 35]: الابتلاء لا يتحقق إلا مع التكليف، فالآية دالة على حصول التكليف» (الرازي، 1420ه، ج22، ص141).
لذا يكون معنى عموم البلوى كمركب إضافي في اللغة: شمول التكليف بما فيه مشقة (الدوسري، 2000م، ص40).
ثانياً: المعنى الاصطلاحي:
لم يتطرق الفقهاء قديمًا لتعريف عموم البلوى بالمعنى الاصطلاحي الشامل، حيث اقتصرت تعريفاتهم على ثمرته أو جانب منه.
ومن تعريفات المعاصرين لعموم البلوى: شيوع البلاء بحيث يصعب على المرء التّخلص أو الابتعاد عنه (الزحيلي، 1985م، ص123)، كصحة الصلاة مع وجود النجاسة من دم القروح والدمامل والقيح والصديد.
وعرّفه (قلعجي، 1408ه، ص81) بقوله: «هو شيوع المحظور شيوعًا يعسر على المكلف معه تحاشيه».
وفي (الموسوعة، 1427ه، ج1، ص6): «يفهم من عبارات الفقهاء أن المراد بعموم البلوى: الحالة أو الحادثة التي تشمل كثيراً من الناس ويتعذَّر الاحتراز عنها، وعبر عنه بعض الفقهاء بالضرورة العامة، وبعضهم بالضرورة الماسة، أو حاجة الناس».
وقد جمع بين هذه التعريفات الباحث الدوسري بقوله: «هو الحادثة التي تقع شاملةً مع تعلق التكليف بها، بحيث يعسر احتراز المكلفين أو المكلف منها، أو استغناء المكلفين أو المكلف عن العمل بها إلا بمشقة زائدةٍ تقتضي التيسير والتخفيف، أو يحتاج جميع المكلفين أو كثير منهم إلى معرفة حكمها مما يقتضي كثرة السؤال عنه واشتهاره» (الدوسري، 2000م، ص61 - 62).
وهذا التعريف الأخير جاء شاملًا وجامعًا لتعريفات الفقهاء، وبيان ذلك:
لفظة الشمول: يشمل المعنى اللغوي الذي سبق بيانه بمعنى الاختبار، والحادثة التي تعم بها البلوى، قد تكون فعلاً كالبول والمسّ، وقد تكون حالاً كالنوم وغيرهن وكلها توصف بشمول الوقوع (بادشاه،1403ه، ج3، ص114).
كذلك عموم البلوى يمكن أن يعرض لجميع المكلفين، أو مجموعة منهم كأهل بلد أو أصحاب حرفة، ويمكن أن يعرض لمكلَّف واحد (الخليلي، 2015م، ص357)، ويتحقق معنى الشمول بالنسبة له إذا عمّ جميع أحواله أو أكثرها (عتر، 2021م، ص131).
المطلب الثاني: الأدلة على اعتبار (عموم البلوى):
يمكن تأصيل مسألة عموم البلوى، ببعض النصوص الجزئية التي تبين بمجموعها اعتبار الشارع الحكيم لعموم البلوى، وأنه سبب في تخفيف الأحكام، ومن هذه النصوص:
1. طهارة سؤر الهرة: فعن كبشة بنت كعب بن مالك ? –وكانت عند ابن أبي قتادة ?–، أن أبا قتادة ? دخل عليها، قالت: فسكبت له وضوءًا، قالت: فجاءت هرة تشرب، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة ?: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا بنت أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ? قال: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم، أو الطوافات» (الترمذي، 1998م، ج1، ص151، حديث:92).
وجه الدلالة: أن الحديث جعل الطواف علة مؤثرة في إسقاط النجاسة عن سؤر الهرة، مع أنّ لحمها نجس، والقاعدةُ أنّ ما كان نجساً فسؤره نجس (الموصلي، 1937م، ج1، ص19)، إلا أنه وبسبب عموم البلوى بكثرة دخول الهرة البيوتَ، وعدم إمكان التحرز عنها لزم التخفيف، قال السرخسي بعد ذكره للحديث: «وهذا تعليم للمقايسة باعتبار الوصف الذي هو مؤثر في الحكم، فإن الطواف مؤثر في معنى التخفيف ودفع صفة النجاسة لأجل عموم البلوى والضرورة».
وقال: «لأنها علة مؤثرة فيما يرجع إلى التخفيف؛ لأنه عبارة عن عموم البلوى والضرورة في سؤره» (السرخسي، د. ت، ج2، ص130، 186).
ولأن الضرورة تقدر بقدْرها، بقي حكم لحم الهرة النجاسة، لكن سقطت نجاسة سؤرها لضرورة الطواف، فيحكم بكراهة سؤرها لإمكان التحرز في الجملة (الكاساني، 1986، ج1، ص65).
ويدخل في الحكم بطهارة السؤر جميع سواكن البيوت كالفأرة والحية والعقرب؛ لاتحاد علة الطواف (الشاشي، د. ت، ص333).
2. سقوط الوضوء عن المستحاضة خلال الوقت: ففي حديث فاطمة بنت أبي حبيش ? أنها قالت لرسول الله ?: يا رسول الله، إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ?: «إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم وصلي» (البخاري،1422ه، ج1، ص 68، حديث: 306).
وجه الدلالة: عدم لزوم الوضوء بنزول الدم من المستحاضة، مع أنّ الدم نجس وناقضٌ للوضوء، إلا أن الحرج الحاصل والبلوى عليها نزل التخفيف في حقها، ويُلحق بها أصحاب الأعذار من سلس البول والرعاف وانفلات البطن؛ لاتحاد العلة وهي لزوم الحرج (التفتازاني، د. ت، ج2، ص172)، وعموم البلوى في حقهم، فيكفيهم التوضؤ لوقت كل صلاة، ويصلّون بهذا الوضوء ما شاؤوا من الفرائض والنوافل قبل خروج الوقت (ابن مازه، 1424ه، ج1، ص51).
طهارة الأرض بالجفاف: روى حمزة بن عبد الله، عن أبيه قال: «كانت الكلاب تبول، وتقبل وتدبر في المسجد، في زمان رسول الله ?، فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك» (البخاري،1422ه، ج1، ص 45، حديث: 174).
وجه الدلالة: عفى الشارع الحكيم عن نجاسة ما يلاقي الأرض من بول الكلاب؛ وذلك بسبب كثرة ما تبول الكلاب في المسجد مع صغر حجمه وكثرة المصلين، وحصوله في بقاع كثيرة من المسجد لا في بقعة واحدة، حيث كانت تقبل وتدبر وتبول، وأنّ هذا مما يتكرر ويعم به البلوى، وهذا يفهم من قوله: «فلم يكونوا يرشون»، فلولا اعتبارُ أنها تَطهرُ بالجفاف، للزم من ذلك بقاء وصف النجاسة، مع العلم بأنّ الصحابة لابد أن يقوموا على هذه المواضع في الصلاة لصِغَرِ المسجد وكثرةِ المصلّين (القاري، د. ت، ج1، 163)، فحكم بطهارة الأرض المتنجّسة بالجفاف، وذلك لعموم البلوى وعسر تطهيرها.
المطلب الثالث: أسباب عموم البلوى:
من خلال تعريف عموم البلوى، يمكننا أن نقسم عموم البلوى بالنظر إلى المكلف باعتبار رجوعه إلى:
? فعل المكلف: كالبول والمس.
? وصف في المكلف متعلق بذاته: وهو نوعان:
لا ينفك عنه: ككبر السن والمرض الذي لا يرجى برؤه.
وإما يمكن انفكاكه عنه: كالنوم والحيض.
? وصف عارض للمكلف غير متعلق بذاته: كالمطر ونحوه (الدوسري، 2000م، ص67).
وهذه الأسباب يذكرها فقهاء المذهب معلّلين بها بعض الفروع لعموم البلوى، إلا أنهم لا ينصون على أنها أسباب لعموم البلوى (الخليلي، 2015م، ص361).
? أما أسباب عموم البلوى – التي يمكن استخراجها من كتب المذهب – راجع إلى سبب واحد أساسي، وهو تعذّر الاحتراز أو مشقته وله صور متعددة، وهي:
أولًا: المشقة الواقعة في فعل المكلف ويصعب التحرّز عنها: وذلك أن يتضمن الفعل المكلف به أمراً صعباً يعسر التخلص منه، وهذا يستدعي عدم اعتبار هذا الأمر الصعب عند التكليف بهذا الفعل (الدوسري، 2000م، ص71)، وقد عبّر عنها الحنفية في كتبهم بعبارات متعددة ومتقاربة المعنى مثل: ما يشق الاحتراز عنه (حاج، 1403ه، ج3، ص208)، أو عدم الانفكاك عنه (العيني، د. ت، ج1، ص165)، لا يمكن الامتناع عنه (ابن مازه، 1424ه، ج1، ص 387)، فجعلوا ما لا يمكن الاحتراز عنه عفوًا.
? ومن تطبيقاته:
? التنحنح في الصلاة: إذا كان مدفوعاً إليه فإنه لا يبطل الصلاة وإن كان يخرج منه حرفان، ولو تنحنح لغير عذر بطلت صلاته لعدم الضرورة وإمكان الاحتراز منه (الكاساني، 1986م، ج1، ص234).
? ابتلاع القليل مما علق بين الأسنان في الصلاة والصيام: فإنّ الأكل مبطلٌ للصلاة وكذا الصيام إن كان من خارج الفم ولو كان قليلاً؛ لعدم الضرورة والبلوى، أما إن كان الطعام مما بقي في الفم بين الأسنان فإن كان قليلاً؛ فيعفى عنه لعموم البلوى بسبب عدم إمكان التحرز عنه، والفاصل بين الكثير والقليل مقدار حبة الحمصة (الرازي، 1417ه، 141).
ثانيًا: انتشار الشيء وشيوعه: وهو أن يقع الفعل أو الحال عامًا للمكلفين، أو لمجموعة منهم في عموم أحوالهم، أو حالٍ واحدة، يترتب على التكليف بها صعوبة في الامتناع عنه، أو عسر استغناء عن العمل به (باحسين، 1422ه، ص596)، ومن أمثلته:
? دخان وغبار الشوارع: فيُعفى في حق الصائم ما يدخل جوفه من غبار الشارع ودخانه؛ لأنه مما لا يمكن الاحتراز عنه (الحدادي، 1322ه، ج1، ص138).
? طهارة خُرء ما لا يؤكل لحمه: كالبازي والصقر، فخرؤها طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف ?؛ لأنها تذرق في الهواء، فيتعذر صيانة الأواني والثياب عنها، بخلاف البط والدجاج فإنهما لا يذرقان في الهواء (البابرتي، د. ت، ج1، ص208).
ثالثًا: العسر بسبب التكرار: وهو أن يتعدّد وقوع الفعل أو الحال لعموم المكلفين أو آحادهم، بحيث يلزم من التكليف معه عسرٌ احتراز منه، أو عسر استغناء عن العمل به (الخليلي، 2015، ص367)، وقد
علّل الحنفية الكثير من المسائل بتكرّر الوقوع، وذكره بعض الأصوليين في تعريفاتهم لعموم البلوى (بادشاه، 1403ه، ج3، ص112)، ومن تطبيقاتها:
? جواز حمل المصحف للصبي عند التعلم: لأنّ في تكليفهم بالوضوء حرجاً بهم، وفي تأخيرهم إلى البلوغ تقليل حفظ القرآن فيرخص للضرورة (الزيلعي، 1313ه، ج1، ص58).
? مسح الخف في الحضر: فقد جُوّز المسح على الخف؛ لمشقة نزعه عند كل وضوء؛ لكثرة تكرر الوضوء وعموم الوقوع، ومسيس الحاجة إلى استصحابه (البزدوي، د. ت، ج3، ص305)، ولا يُمسح على الخف في حالة الغسل من الجنابة لعدم التكرر (الكاساني، 1986م، ج1، ص10).
رابعًا: كثرة الشيء وامتداد زمنه: وهو اتصاف الفعل أو الحال بالكثرة أو امتداد زمن الوقوع لعموم المكلفين أو المكلف الواحد في عموم أحوالهم، بحيث يترتب على التكليف معه عسر احتراز منه (باحسين، 1422ه، ص596)، ومن تطبيقاتها:
? طهارة رماد الروث والعذرة بالنار: وسبب الحكم بطهارة رمادهما تيسيراً على الناس؛ وإلا لزمت نجاسة الخبز في غالب الأمصار (ابن نجيم، 1999م، ج1، ص65)، كذلك لو مسح التنور بخرقة مبتلة نجسة، فإن أكلت حرارة النار التنور قبل إلصاق الخبز لا ينجس (قاضيخان، 2009م، ج1، ص11).
? سقوط الترتيب بين الصلوات لمن كثرت عليه: الترتيب بين الفوائت واجب عند الحنفية، إلا أنهم جعلوا كثرة الفوائت – وهو ما زاد على صلوات يوم وليلة – سبباً لسقوط الترتيب لما فيه من مشقة (ابن البزّاز، د. ت، ج1، ص19).
? عدم الحكم على الماء بالاستعمال ما دام متردداً على العضو (ابن الهمام، 1403ه، ج1، ص90)، أي أنّ المتوضىء إن لم يُتمّ غسل يده إلى المرفق – بما في يده من الماء – فإنّ له أن يغسل باقي يده بما بقي من الماء في كفّه، بشرط أن لا يغسل به غير يده تلك.
المبحث الثاني: التطبيقات المستجدة على تغير الفتوى بسبب (عموم البلوى):
لعل بالإمكان أن يُقال إنّ تطبيقات تغير الفتوى بسبب عموم البلوى كثيرة في واقعنا المعاصر، وهي شاملةٌ لجميع أبواب الفقه؛ فحيثُ عمّت البلوى احتاج الفقيه إلى التيسر ورفع الحرج عن الناس، وسأذكر بعضاً منها لا على سبيل الحصر:
1. الفتوى بعدم نجاسة روث الأبقار لأصحاب المزارع:
يشتغل كثير من الناس في بلادنا بتربية الأغنام أو الأبقار، ويضطر العامل منهم في هذا المجال إلى الصلاة في مكان عمله، مع عدم القدرة على تغيير ثيابه، حيث تتوزع أوقات حلب الأبقار مثلاً على ساعات النهار، فلو تم التعامل مع هؤلاء على اعتبار الأصل المنقول في المتون وشروحها في المقدار المعفو عنه من النجاسة التي تأتي على ثيابهم وهي ربع الثوب؛ لحصل لهم حرج كبير ومشقة لا تحتمل، فيفتى لهم بقول محمد ? في طهارة خِثْي – وهو روث البقر- وروث مأكول اللحم.
قال ابن عابدين ?: «جرى على قول الإمام ? أصحابُ المتون، أي: في نجاسة الروث والخثي من مأكول اللحم، وطهّرهما محمد ? في آخر أمره حين دخل الري مع الخليفة ورأى بلوى الناس من امتلاء الطرق والخانات بها» (ابن عابدين، 1992م، ج1، ص321).
ويلاحظ التعليل بـ (عموم البلوى) للفتوى بخلاف ظاهر الرواية كما هو النص المنقول، فيمكن القول بأن حكم أصحاب مزارع الأبقار والدواب مأكولة اللحم مثله؛ لعموم البلوى.
2. الفتوى في اعتبار رأي الإمام أو المأموم بما يصحح الصلاة، في صلاةٍ باطلةٍ في زعم أحدهما، صحيحةٍ في زعم الآخر:
إذا اقتدى حنفي بشافعي، وكانت صلاة الشافعي باطلة في زعم الحنفي لبطلان طهارته عنده، كما لو اقتدى الحنفي بشافعي جُرح فسال منه الدم ولم يتطهر بعدها، أو اقتدى شافعي بحنفي، وكانت صلاة الحنفي باطلة في زعم الشافعي، كأن لمس الحنفي زوجته، فالأصل أن المعتبر هو رأي المقتدي في عدم صحة صلاته إذا اعتقد بطلان طهارة إمامه، وعلّله الشيخ الغنيمي ? في اللباب بقوله: «لبنائه على الفاسد في زعمه فلا يصح»، ثم قال: «وفيه خلاف، وصُحّح كلٌ» (الغنيمي، 1998م، ج1، ص83).
ويؤخذ من هذا النص أن الأصل اعتبار رأي المقتدي، لكنْ هناك قولٌ آخر، وهو اعتبار رأي الإمام، وهو قول مصحّح، فيمكن العمل به، والأخذ به يكون بقواعد رسم المفتي.
فيمكن الفتوى في زماننا على اعتبار اعتقاد الإمام أو المأموم حتى تكون الصلاة صحيحة لكليهما، وذلك لعموم البلوى في زماننا، فالفتوى على تصحيح صلاة الجميع؛ لعموم البلوى.
3. مسألة الأصباغ التي تستخلص من بعض الحشرات:
من المعروف في المذهب الحنفي أن الحشرات لا تؤكل، لا كلّاً ولا جزءاً، إلا ما استثني بدليل خاص، وهو الجراد لا غير، قال في البدائع: «وما له دم سائل مثل الجراد والزنبور والذباب والعنكبوت والعضابة والخنفساء والبغاثة والعقرب ونحوها، لا يحل أكله إلا الجراد خاصة؛ لأنها من الخبائث؛ لاستبعاد الطباع السليمة إياها» (الكاساني، 1986م، ج5، ص36).
وقد انتشر في الآونة الأخيرة كثير من الأصباغ والملونات التي تضاف إلى الأطعمة والأشربة، وبعض هذه الأصباغ مستخلصة من الحشرات، مثل الكثير من أنواع اللحوم المعلبة، وكذلك المشروبات الغازية وغيرها الكثير، فهل يبقى الحكم على هذا الأصل؟
يمكن في هذه الحال الفتوى بالجواز، وذلك لعموم البلوى، لأن عدم اعتبار هذا القول يفضي إلى الحرج، وهو مدفوعٌ بقوله تعالى: ?مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ? [المائدة: 6]، فيفتى حينئذ بجواز استهلاك هذه الأصباغ وإن كانت مستخلصة من الحشرات؛ لعموم البلوى.
4. مسألة التبرع بالدم، ونقله من شخص لآخر:
يعتبر الدم المسفوح نجساً في مذهب الحنفية، ودم الإنسان كذلك يعتبر نجساً، بل نجاسته مغلظة (العيني، د. ت، ج1، ص619)، فيكون ناقضاً للطهارة لو خرج أو أُخرج إلى ظاهر البدن وسال عن محله كما هو معروف (البابرتي، د. ت، ج1، ص55)، وما دام نجساً فلا يجوز الانتفاع به بأي وجه من وجوه الانتفاع.
وعلى هذا، فلا يجوز نقل الدم من إنسان لآخر، أو التبرع به لبنك الدم ونحوه حتى يتم إعطاؤه للمريض عند الحاجة، وذلك لنجاسة الدم، وهذا ظاهر الرواية كما مر.
أما الفتوى في أيامنا فإنها مخالفة لظاهر الرواية، فيجوز نقل الدم أو التبرع به للانتفاع به عند الحاجة، وذلك لعموم البلوى، فلو كانت الفتوى بالحرمة على أصل المذهب، لأدّى إلى الحرج وهو مدفوع، فيفتى بالجواز بحسب قواعد الرسم في الإفتاء في المذهب.
5. مسألة الغسل من الجنابة لمن يضع أسناناً (بدلة) تمنع تعميم الفم بالماء:
يجب الغسل على المحدث حدثاً أكبر، وواجبات الغسل عند الحنفية ثلاثة: المضمضة والاستنشاق وغسل سائر البدن، وهذا هو ظاهر الرواية.
وعلى هذا فإن من لزمه الغسل لا يجوز له أن يترك شيئاً من هذه الأعضاء بدون غسل، فإذا فعل كان غسله غير صحيح، ويتفرّع عليه عدم صحة صلاته، وحرمة مسه للمصحف ونحوهما.
فمن وُضع له في فمه أسناناً (بدلة) من الخزف ونحوه، وكانت هذه البدلة تُزال بلا ضرر فالخطب حينئذٍ يسير، فيبقى الحكم على أصل ظاهر الرواية، إذ لا حرج في إزالة هذه الأسنان في هذه الحالة، فيؤمر بإزالتها حالة الغسل الواجب.
أما لو كانت البدلة مثبتة بلاصق ونحوه كما هو الحال عند كثير من الناس لاسيما كبار السن، بحيث لو أُمر بإزالتها لأدى إلى الضرر والألم، وربما أدى لخرّاج في اللثة، فيُنتقل للفتوى حينئذٍ بالجواز، وذلك لعموم البلوى، ويُجعَل قياساً على من له لحية كثّة، إذ يؤمر حالة الوضوء بغسل ظاهرها، لأنها ما يواجه به غيره، فحلّت في الأحكام محلّ الوجه، وكذلك البدلة الملصقة على اللثة، ومثلها زراعة الأسنان، وكلّ هذا لعموم البلوى، وهو إفتاء بقواعد الرسم عند الحنفية، والله تعالى أعلم بالصواب.
6. مسألة سفر المرأة مدة القصر بلا محرم:
اختلفت الفتوى عند السادة الحنفية في مسألة قصر الصلاة، فبعد الاتفاق على كونه عزيمة بشرطه، أو رخصة إسقاط كما يقولون، اختلفوا في أن المعتبر المسافة، فتُقصر الصلاة الرباعية ثنتين إذا سافر مسافة 100 كيلومتر أو قريباً منه، أو الزمن فلا تقصر الرباعية ما لم يسافر ثلاثة أيام بلياليها، بسفر فعلي في الثلث وراحة في الثلثين، أو ما يكون سفراً فعلياً مدة واحد وعشرين ساعة وثلث (ابن عابدين، 1992م، ج2، ص122).
يتفرّع على هذه المسألة مسألة أخرى هي في غاية الأهمية في أيامنا، وهي سفر المرأة منفردةً من غير زوج أو ذي رحمٍ محرم، فعلى القول الأول لا يجوز لها أن تسافر ما يقرب من 100 كم من غير ذي رحم أو زوج، وهي مسافة قصيرة في زماننا، تقطعها السيارة بساعة تقريباً، وفي هذه الفتوى ما فيها من الحرج، حيث تخرج المرأة للعمل في محافظة أخرى، وتخرج الفتاة للدراسة في جامعة خارج مدينتها، فلو ألزمناها صحبة الزوج ونحوه لترتّب عليه حرج عظيم.
أما على القول الثاني، فيمكن لها أن تسافر ما دون ثلث المدة، وهي يوم وليلة، وتقدّر بالسفر الفعلي بما دون سبع ساعات وثلث تقريباً.
وبناء على قاعدة رفع الحرج لعموم البلوى، فإن الفتوى في هذا الزمان على القول الثاني أيسر وأنفى للحرج، فتسافر المرأة في الطائرة ولو من غير ذي رحم محرم أو زوج، تسافر من عمّان إلى مكة أو المدينة أو دبي أو الرياض، ما دامت المد الفعلية للسفر أقل من سبع ساعات وثلث.
ويمكن إفتاء الناس بهذا القول في زماننا؛ لعموم البلوى أيضاً.
النتائج:
توصل الباحث من خلال هذا البحث إلى النتائج التالية:
1. لم تنص كتب المذهب القديمة على تعريف خاص لعموم البلوى.
2. يمكن تعريف عموم البلوى بأنه الحادثة التي تقع شاملةً مع تعلق التكليف بها، بحيث يعسر احتراز المكلفين أو المكلف منها إلا بمشقة زائدةٍ.
3. استدل الحنفية على اعتبار عموم البلوى من النصوص التي جاءت بالتخفيف عند وجود المشقة، كطهار سؤر الهرة.
4. عموم البلوى له صور متعددة ترجع لسبب واحد أساسي، وهو تعذّر الاحتراز أو مشقته.
5. هناك العديد من التطبيقات التي يمكن الفتوى بها بناءً على قاعدة عموم البلوى، بحيث يرتفع الحرج عن الناس.
التوصيات:
يوصي الباحث بأنّ يهتم الباحثون بدراسة قاعدة عموم البلوى في كل مذهبٍ على حدة، مع بيان التطبيقات المعاصرة التي يمكن الفتوى بها بناءً على أصول كل مذهب، للتخفيف والتيسر على الناس.
والحمد لله رب العالمين
فهرس المصادر والمراجع
? ابن أمير حاج، م. (879ه) التقرير والتحبير على تحرير الكمال ابن الهمام، ط2 بيروت: دار الكتب العلمية.
? إدريس، م. (2018) الأثر المستقبلي لاختلاف الفتوى في تطبيق المنتجات المالية في البنوك الإسلامية.
المجلة الماليزية للشريعة والقانون، 6 (1)،259 - 292.
? أمير بادشاه، م. (972ه) تيسير التحرير، ب. ط مصر: مصطفى البابي الحلبي.
? البابرتي، م. (786ه) العناية شرح الهداية، ب. ط بيروت: دار الفكر.
? الباحسين، ي. (2001م) رفع الحرج في الشريعة الإسلامية دراسة أصولية تأصيلية، ط4 الرياض: مكتبة الرشد.
? البخاري، ع. (730ه) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، ب. ط القاهرة: دار الكتاب الإسلامي.
? البخاري، م. (256ه) الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ? وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، ط1: دار طوق النجاة، مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
? ابن البزّاز، م. (827ه) الفتاوى البزازية، ط1 بيروت: دار الكتب العلمية.
? الترمذي، م. (279ه) السنن، ب. ط بيروت: دار الغرب الإسلامي.
? التفتازاني، س. (793ه) شرح التلويح على التوضيح، ب. ط مصر: مكتبة صبيح.
? أبو الحاج، ص. (1440ه) المدخل المفصّل إلى الفقه الحنفي، ط2 الأردن: دار الفتح.
? حسان، م. (2023). يوسف القرضاوي فقه الأولويات: تقييم نقدي. المجلة الأمريكية للإسلام والمجتمع، 40 (1 - 2)، 77 - 120.
? الحدادي، أ. (800ه) الجوهرة النيرة، ط1 القاهرة: المطبعة الخيرية.
? الخليلي، ل. (2015م) أسباب عدول الحنفية عن الفتيا بظاهر الرواية، ط1 عمان: دار الفتح.
? الدوسري، م. (2000م) عموم البلوى عموم البلوى دراسة نظرية تطبيقية، الرياض: مكتبة الرشيد.
? الرازي، م. (666ه) مختار الصحاح، ط5 بيروت: الدار النموذجية.
? الرازي، م. (666ه) تحفة الملوك في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، ط1 بيروت: دار البشائر.
? الرازي، م. (606ه) مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، ط3 بيروت: دار إحياء التراث العربي.
? الزحيلي، و. (2015م) نظرية الضرورة الشرعية، ط1 بيروت: دار الرسالة.
? الزيلعي، ع. (743ه) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ، ط1 القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية.
? السرخسي، م. (483ه) أصول السرخسي، ب. ط بيروت: دار المعرفة.
? الشاشي، أ. (344ه) أصول الشاشي، ب. ط بيروت: دار الكتاب العربي.
? الشيباني، م. (189ه) الأصل، ط1 بيروت: دار ابن حزم.
? الطحطاوي، أ. (1231هـ) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، ط1 بيروت: دار الكتب العلمية.
? ابن عابدين، م. (1863م) تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام ? أو أحد أصحابه الكرام، ب. ط عمان: مركز أنوار العلماء الدولي.
? ابن عابدين، م. (1863م) رد المحتار على الدر المختار. ط2 بيروت: دار الفكر.
? عتر، أ. (2021). مفهوم الحرية في الفقه الحنفي الحرية في أفق المصالح والحقوق، مجلة الأخلاق الإسلامية، بريل، 5 (1 - 2)، 120 - 172.
? العيني، م. (855ه) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ب. ط بيروت: دار إحياء التراث العربي.
? العيني، م. (855ه) البناية شرح الهداية، ط1 بيروت: دار الكتب العلمية.
? الغنيمي، ع. (1298ه)، اللباب في شرح الكتاب، ط1 بيروت: دار المعرفة.
? ابن فارس، أ. (395ه) مقاييس اللغة، ب. ط بيروت: دار الفكر.
? الفراهيدي، أ. (170ه) معجم العين، ب. ط: دار ومكتبة الهلال.
? الفيروزآبادى، م. (817هـ) القاموس المحيط، ط8 بيروت: مؤسسة الرسالة.
? قاضيخان، ح. (592ه) الفتاوى الخانية، ط1 بيروت: دار الكتب العلمية.
? قلعجي و قنيبي، م، ح. (1988) معجم لغة الفقهاء، ط2، الأردن: دار النفائس للطباعة والنشر.
? الكاساني، ع. (587ه) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط2 بيروت: دار الكتب العلمية.
? ابن مازه، م. (616ه) المحيط البرهاني في الفقه النعماني، ط1 بيروت: دار الكتب العلمية.
? ملا قاري، ع. (1014ه) فتح باب العناية بشرح النقاية، ب. ط بيروت: دار الأرقم بن أبي الأرقم.
? ابن منظور، م. (711ه) لسان العرب، ط3 بيروت: دار صادر.
? الموصلي، ع. (683ه) الاختيار لتعليل المختار، ب. ط القاهرة: مطبعة الحلبي.
? ابن نجيم، ز. (970ه) الأشباه والنظائر، ط1 بيروت: دار الكتب العلمية. ومعه شرح الحموي غمز عيون البصائر.
? ابن نجيم، ز. (970ه) البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ط2 بيروت: دار الكتاب الإسلامي.
? ابن نجيم، ز. (970ه) الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، ط1 بيروت: دار الكتب العلمية.
? ابن الهمام، م. (861ه) فتح القدير، ب. ط بيروت: دار الفكر.
References
? Ibn Amir Haj, m. (879 AH) Report and inscription on Tahrir al-Kamal Ibn al-Hammam, 2nd edition, Beirut: Dar al-Kutub al-Ilmiyyah.
? Idris, M. (2018) The future impact of the difference in fatwa on the application of financial products in Islamic banks. Malaysian Journal of Syariah and Law, 6(1), 259 - 292.
? Amir Badshah, M. (972 AH) Taysir al-Tahrir (in arabic), B.I. Egypt: Mustafa al-Babi al-Halabi.
? Al-Babarti, M. (786 AH) Al-Inaya Sharh Al-Hidaya, ed. Beirut: Dar Al-Fikr.
? Al-Ba Hussein, E. (2001) Removing embarrassment in Islamic law, a fundamental fundamental study, 4st Ed, Riyadh: Al-Rasheed Library
? Al-Bukhari, A. (730) Revealing secrets, explaining the origins of Al-Bazdawi, Cairo: Dar Al-Kitab Al-Islami.
? Al-Bukhari, M. (1422) Sahih Al-Bukhari (in arabic), 1st Ed, published by: Dar Touq Al-Najat, realised .
? Ibn Bazz?z, M. (827) al-Fat?w? al-Bazz?z?yah, Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah. (in arabic),
? Al-Tirmidhi, M. (279). Al-Sunnan (in arabic), Beirut: Dar Al-Gharb Al-Islami.
? Al-Taftazani, S. (793) Explain the waving on the clarification, Egypt: Sobeih Library.
? Abu Al-Hajj, S. (1440) A detailed introduction to Hanafi jurisprudence, 2st Ed, Jordan: Dar Al-Fath.
? Al- Hadadi, A. (800) The bright jewel, 1st Cairo: Charity Press.
? Hassan, M. (2023). Yusuf al-Qaradawi’s Jurisprudence of Priorities: A Critical Assessment. American Journal of Islam and Society, 40(1 - 2), 77–120.
? Al-Khalili, L. (2015) Reasons for the Hanafis to abandon the fatwa according to the apparent meaning of the narration, 2st Ed, Jordan: Dar Al-Fath.
? Al-Dossary, M. (2018) The effect of changing circumstances on changing the fatwa, refereed research, Islamic Research Journal, Issue: 117, published: The General Secretariat of the Council of Senior Scholars.
? Al-Razi, M. (666) Mukhtar Al-Sahah (in arabic), 5st Beirut: Dar Al Model.
? Al-Razi, M. (666) Tuhfat al-Muluk in the jurisprudence of the doctrine of Imam Abu Hanifa al-Numan (in arabic), 1st Beirut: Dar Al-Bashaer.
? Al-Razi, M. (606) The great explanation, 3st Beirut: Dar Revival of Arab Heritage.
? Al-Zahili, W. (2015) The theory of legal necessity, 1st Beirut: Dar Al-Resala.
? Al-Zayla'I, A. (743) Explaining the facts, explaining the treasure of minutes, 1st Cairo: Al-Kubra Al-Amiriyya Press.
? Al-Sarkhsi, M. (483) Al-Sarkhsi Origins, Beirut: Dar Al-Maarifa.
? The Shashi, A. (344) The Shashi Origins, Beirut: Arab Book House.
? Al-Shaybani, M. (189) The Origin, 1st Beirut: Dar Ibn Hazm.
? Al-Tahtawi, A. ( 1231) Al-Tahtawi’s footnote to Maraqi Al-Falah, Sharh Nour Al-Idah (in arabic), 1st Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.
? Ibn Abdeen, M.(1863) Alerting governors and rulers to the rulings of Shatim Khairul Anam, peace be upon him, or one of his honorable companions, Amman: Anwar Al-Ulama International Center.
? Ibn Abdeen, M.(1863) Dissemination of custom in building some rulings on custom from the letters of IbnAbidin, 2st Beirut: Dar Al-Fikr.
? Al-Aini, M. (855 AH) Umdat Al-Qari, Explanation of Sahih Al-Bukhari (in arabic), Beirut: Dar Revival of Arab Heritage.
? Al-Aini, M. (855 AH) Al-Binaa Sharh Al-Hidaya, 1st edition, Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.
? Al-Ghunaimi, A. (1298 AH) Al-Lubab fi Sharh Al-Kitab, 1st edition(in arabic), Beirut: Dar Al-Ma’rifa.
? IbnFaris, A. (1979) A Dictionary of Language Measures, Beirut: Dar Al-Fikr, realized by: Abdel Salam Muhammad Haroun.
? Al-Farahidi, A. (170 AH) Al-Ain Dictionary, ed: Al-Hilal House and Library.
? Al-Fayrouzabadi, M. (817 AH) Al-Qamoos Al-Muhit (in arabic), 8th edition, Beirut: Al-Resala Foundation.
? Qazikhan, H. (592 AH) Al-Fatawa Al-Khaniya (in arabic), 1st edition, Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.
? Kalaji and Qunaibi, M, H. (1988) A Dictionary of the Language of the Jurists, 2nd Ed, Jordan: Dar Al-Nafaes for Printing and Publishing.
? Al-Kasani, A. (587 AH) Bada’i’ al-Sana’i’ fi Artan al-Shara’i’(in arabic), 2nd edition, Beirut: Dar al-Kutub al-Ilmiyyah.
? Ibn Mazza, M. (616 AH) Al-Muhit Al-Burhani fi Al-Nu’mani Jurisprudence (in arabic), 1st edition, Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.
? Mulla Qari, A. (1014 AH) Fath al-I’ya’ah bi Sharh al-Naq?ya (in arabic), ed., Beirut: Dar al-Arqam ibn Abi al-Arqam.
? Ibn Manzur, M. (711 AH) Lisan al-Arab (in arabic), 3rd edition, Beirut: Dar Sader.
? Al-Mawsili, A. (683 AH) Al-Ikhtiyar li’l?l Al-Mukhtar (in arabic), ed., Cairo: Al-Halabi Press.
? Ibn Najim, Z. (970 AH) Al-Ashbah wal-Naza’ir (in arabic), 1st edition, Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah. And with Al-Hamwi’s explanation, he winked the eyes of the insightful.
? Ibn Najim, Z. (970 AH) Al-Bahr Al-Ra’iq Sharh Kanz Al-Daqaqiq (in arabic), 2nd edition, Beirut: Dar Al-Kitab Al-Islami.
? Ibn Najim, Z. (970 AH) Al-Ashbah wa Al-Naza’ir according to the doctrine of Abu Hanifa Al-Nu’man (in arabic), 1st edition, Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.
? Ibn Al-Hammam, M. (861 AH) Fath Al-Qadeer (in arabic), B.I. Beirut: Dar Al-Fikr.
? Iter, A. (2021). The Concept of Freedom in Hanafi Jurisprudence, Freedom in the Horizon of Interests and Rights, Journal of Islamic Ethics, Brill,5 (1 - 2), 120 – 172.