الجزء 1 · صفحة 7
الفتاوى الوالوالجية
للإمام الفقيه أبي الفتح ظهير الدين عبد الرشيد بن أبي حنيفة ابن عبد الرزاق الولو الجي
المتوفى بعد سنه540هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء الأول
يحتوى على الكتب التالية: الطهارة - السجدات- الزكاة - الصوم - الحج - النكاح
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
كما أنعمت فزد
مقدمة
الحمد لله الذي جعل العلوم حجّة الإسلام ومحجّة الأنام وأوضح بنوره الأحكام وفصل بين الحلال والحرام وهدى به سبيل الأصلاب والأرحام وعلى آله وأصحابه الأخيار مفاتيح الهدى ومصابيح الظلام وسلم تسليماً كثيراً.
قال رضي الله عنه: أما بعد
فإنّي وجدتُ علم الأحكام أشرف ما تُصْرَفُ إليه العناية، وتبلغ في حفظه ودراسته الغاية، ورأيتُ إقبال الناس عليه بأسعد السعي والطلب إذ كان هذا العلم من أفضل العبادات والقُرب، وكان الشيخ الإمام الأجل السعيد الشهيد حسام الدين صدر صدور الأئمة في العالمين تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه وبوّأه عُرَفَ جِنانِهِ أَشدَّ النَّاسِ اهتماماً بتحريره وأكثرهم عناية لإيضاحه وتقريره لما آتاه الله تعالى من لَطَائِفِ بره وكرمه وآثره من خلال مواهبه ونعمه فقصر مسافة الطالبين إلى علم الذين بما لخص من حقائقه وَشَرَحَ مِنْ دَقَائِقِهِ لا سيما كتاب الجامع لنوازل الإحكام التي تعم به بلوى الأنام فاتفق لخادمه المربوب في بره وإنعامه أن يفضل ما أورده في كتابه تفصيلاً ويسهل في حفظه وفهمه سبيلاً ويضم إليه ما اتفق سواه من الواقعات المهمة القريبة دون ما يندر وقوعه من النوائب الغريبة وأن يضم إليه ما اشتملت عليه كتب الإمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى مما لا بد من معرفته لأهل الفتوى من قضايا الدين وأحكام الهدى ليكون كتاباً جامعاً لأصول الفقه وقواعده مقيداً لأوابده وشوارده يَنَالُ فيه المستفيد منيته ويدْرِكُ بِهِ المفيد بغيته ويستريخ من مطالعة الكتب حاويه وينجو من أتعاب الفكرة واعيه وليكون لي ذخراً آجلاً في العقبى وطريقاً إلى جنة المأوى ووسيلة إلى رحمة الملكِ الأعلى وأسأل الله تعالى الكريم إنجاح المرام فيما نويتُ من إحياء الإسلام إنه ولي الإنعام.
الجزء 1 · صفحة 9
كتاب الطهارة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال رضي الله تعالى عنه: هذا الكتاب المبارك اشتمل على أربعة عشر فصلاً. الفصل الأوّل: في الحياض، والآبار وفيما يصير الماء به نجساً، وفيما لا يصير، والمياه المستعملة.
الفصل الثاني: في النجاسة التي تصيبُ الثَّوب، والبَدَنَ، والخُفْ، وغير ذلك من الأرض والآجر والبساط والثوب الذي تكره الصلاة فيه وما لا تكره. الفصل الثالث: في المعاني الموجبة للوضوء، وما يجوز به الوضوء وما لا يجوز، وأحكام الجنابة. الفصل الرابع: في أحكام الحمام وأحكام المسجد وما فيها.
الفصل الخامس: في النفاس والاستحاضة والاستنجاء. الفصل السادس: في المسح على الخفين، ومسح الجبائر، وغيره. الفصل السابع: في التيمم.
الفصل الثامن: في الأذان، وقراءة القرآن والدعاء، وما يكون فيه رياء، وغيره.
الفصل التاسع: في الحدث الطاريء على الصّلاةِ، والأعمال المبطلة للصلاة وفيما يُقضى ويُقدى، وفيما عند افتتاح الصلاة وبعدها، والسهو في الصلاة.
الفصل العاشر: في المريض وما كان بمعناه وأحكام الإمام والمأموم والوتر، والتراويح، والكسوف والاستسقاء والصلاة بمكة في الكعبة، والسترة، وستر
الفصل الحادي عشر: في الأفعال الواجبة بالنذرِ والأفعال المستحبة في الصلاة، وغيرها.
الفصل الثاني عشر: في السفر، وسجدة التلاوة، والجمعة، والعيدين، وتكبير التشريق.
الفصل الثالث عشر: في الجنائز، وغسل الميت وتكفينه وحمل الجنائز، ودفن الميت، وقبره.
الفصل الرابع عشر: في المسائل المتفرقة.
الجزء 1 · صفحة 10
الفصل الأول
في الحياض والآبار وغير ذلك
أما الحياض:
الحوض إذا كان عشراً في عشر فوقعت فيه النجاسة لا يتنجس إلا أن يتغير به لونه أو طعمه أو ريحه، لأن العشر أدنى ما ينتهي إليها نوع عدد هذا بيان الطول والعرض. أما بيان العمق: إذا كان بحال لو رفع الإنسان بكفيه انحسر أسفله ثم اتصل بعد ذلك لا يتوضأ به، وإن كان لا ينحسر ما تحته لا بأس بالوضوء منه، وإن كان له طول وعمق ضيق وليس له عرض إن كان الطول بحال لو جمع وقدر يصير عشراً في عشر، فلا بأس بالوضوء منه تيسيراً للأمر على المسلمين.
الحوض إذا كان أقل من عشر لكنّه عميق فوقعت فيه النّجاسة حتى ينجس ثم انبسط وصار عشراً في عشر، فهو نجس؛ لأنّ النجس لا يَظْهرُ إلا بمظهر ولم يوجد، وإن وقعت فيه النجاسة وهو عشر في عشر ثم اجتمع فصار أقل منه فهو طاهر لأنه الآن لم يوجد المنجس.
الحوض إذا كان عشراً فقل ماؤه فوقعت فيه النّجاسة، ثم دخل فيه الماء فامتلأ الحوض ولم يخرج منه شيء لا يجوز التوضي به؛ لأنه كلما قل فيه الماء تنجس.
الحوض الصغير إذا صار نجساً فدخل الماء من جانب وخرج من جانب آخر يطهر، وإن لم يخرج مثل ما فيه؛ لأن الماء الجاري لما اتصل به وخرج صار في حكم الماء الجاري، والماء الجاري طاهر إلا أن تتبين فيه النجاسة على ما يذكر
الحوض الكبير إذا انجمد ماؤه فثقب فيه ثقباً وتوضاً من ذلك الموضع أو ولغ فيه الكلب إن كان منفصلاً عن الجمد فلا بأس به؛ لأنه المسقف، وإن كان كالحوض يصير متصلاً لا يجوز؛ لأنه كالقصعة.
حوضان متغيران يخرج الماء من إحداهما ويدخل في الآخر فتوضأ إنسان في خلال ذلك جاز؛ لأنه ماء جار.
الجزء 1 · صفحة 11
الحوض لما كان مقدراً بعشرة أذرع فالمعتبر ذراعُ الكرباس دون ذراع المساحة وهو سبع مشتات أي سبع قبضات ليس فوق كل مشت أصبع قائم؛ لأن ذراع الكرباس دون ذراع المساحة سبع مشتتات فوق كل مشت أصبع قائم فالأول ألبق بالتوسعة. الحوض إذا كان مدوراً يعتبر فيه ثمانية وأربعون ذراعاً حتى لو كان دونه لا يجوز التوضي فيه؛ لأنه أقصى قول قالوا فيه فإن منهم من قال: أربعة وأربعون فكان الأخذ بالأول أحوط.
الحوض إذا كان أعلاه عشراً في عشر وأسفله أقل من ذلك وهو ممتلىء يجوز التوضي والاغتسال فيه، وإن انتقص الماء حتى بلغ سبعاً في سبع مثلاً لا يجوز التوضي والاغتسال فيه؛ لأنه أقل من عشر في عشر، لكن يغترف منه ويتوضأ. حوض كبير عشر في عشر إلا أنه له مشارع توضأ رجل في مشرعة أو اغتسل والماء متصل بألواح المشرعة لا يضطرب فيه فإنه بمنزلة ماء راكد أقل من عشر في عشر لا يجوز التوضي فيه وإن كانا أسفل من الألواح قليلاً يجوز التوضي فيه.
غدير كبير لا يكون فيه ماءً في الصيف ويروتُ فيه الدوابُ والنَّاسُ ثم امتلا في الشتاء ويرفع الناس منه الجمد فإن كان الماء الذي يدخل الغدير يدخل على مكان نجس فالماء والجمد نجس وإن كثر الماء بعد ذلك؛ لأنه كلما دخل صار نجساً فلا يظهر وإن صار كثيراً، وإن كان الماء الذي يدخل الغدير يستقر في مكان طاهر حتى صار عشراً في عشر ثم انتهى إلى النّجاسة فالماء والحمد طاهران: لأن الماء صار كثيراً قبل أن يتنجس والماء الكثير لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه.
حوض فيه عصير وقع فيه البول إن كان عشراً في عشر لا يفسد؛ لأنه لو كان ماء لا يفسد فكذا لو كان عصيراً إذا لو كان أقل من عشر في عشر يفسد فكذا في كل ماء لو كان يفسد فإذا كان عصيراً يفسد.
وأما الأبار:
البئر إذا وقعت فيه نجاسة فغار ماؤها ثم عاد ماؤها. يعود نجساً، لأنه لم يوجد المطهر، وإن صلى رجل في قعرها وقد جفت تجزيه؛ لأنه قد زالت النجاسة عن ظاهرها. إذا وجب نزح بعض ماء البئر فالمعتبر في حق كل بشر دلوها فإن لم يكن لها دلو يعتبر بدلو يحمل ثمانية أرطال وفي رواية: إذا وجب نزح ماء البشر كله فنزح لا يجب غسل الحبل والدلو؛ لأن نجاستها بنجاسة البئر فكان طهارتهما بطهارة البشر كحب الخمر إذا صار خلاً يطهر الحب بطهارة الخل.
الجزء 1 · صفحة 12
إذا وقع حيوان في بئر واستخرج حياً لا يجب نزح البئر إلا الكلب والخنزير؛ لأن الدلالة قد قامت على نجاسة عينهما لما نبين هذا إذا لم يصب فمه الماء. فأما إذا أصاب فمه الماء ينظر: إن كان سؤره طاهراً فالماء طاهر لا ينزح شيء وإن كان سؤره نجساً فالماء نجس ووجب نزح كله، وإن كان سؤره مكروهاً فالماء مكروه، ويستحب نزح عشرين دلواً، وإن كان سؤره مشكوكاً كالبغل والحمار ينزح ماء البئر كله؛ لأنه حكم بنجاسته احتياطاً.
إذا نزح الماء النجس في البئر يكره أن يبل به الطين ويطين به المسجد أو أرضه؛ لأن الطين صار نجساً وإن كان التراب طاهراً ترجيحاً للنجاسة احتياطاً بخلاف الشرقين إذا جعل في الطين لتطيين المسجد حيث يجوز؛ لأن فيه ضرورة؛ لأن ذلك النوع لا يتهيأ إلا بذلك. السنورُ إذا بال في البئر نزح ماؤها كلها؛ لأن بوله نجس بالاتفاق ولهذا لو أصاب ثوباً أفسده إن كان زائداً على قدر الدرهم.
بئر البالوعة إذا حفروها وجعلوها بئر ماء فإن حفروها مقدار ما وصلت إليها النجاسة فالماء طاهر وجوانبها نجس، وإن حفروها أوسع من الأول فالبئر طاهر والماء طاهر، وأدنى ما يكون بين بئر الماء والبالوعة خمسة أذرع وفي رواية سبعة أذرع، وهذا التحديد غير لازم بل لا يفسده، وإن كان بئر الماء قريبة بيثر نجسة ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه؟ لأن بينهما حائلاً وهو الأرض فلا يحكم بنجاسته حتى يظهر دليل النجاسة من تغيير طعمه أو لونه أو ريحه.
ولو نرخ ماء بثر بغير أمره حتى صارت يابسة لا شيء عليه؛ لأن صاحب البئر غير مالك للماء، ولو صب ماء رجل كان في الجب يقال له: املا الماء؛ لأن صاحب الحب مالك للماء، والماء من ذوات الأمثال فيضمن مثله.
خشبة أصابتها نجاسة فاحترقت فوقع رمادها في البئر يفسد الماء وكذلك رماد عذرة احترقت، وكذلك الحمار إذا مات في مملحة لم يُؤكل الملح. هذا كله قول أبي يوسف رحمه الله تعالى خلافاً لمحمد رحمه الله تعالى؛ لأنّ الرّماد أجزاء تلك النجاسة فبقيت النجاسة من وجه فالتحقت بالنجاسة من كل وجه احتياطاً.
البئر إذا وجب نزح مائه كله، ونزحوا كل يوم عشرين دلواً أو أكثر حتى نزحوا على التفاويق مقدار ما يظهر على التفاصيل التي اختلفوا فيها جاز؛ لأن الواجب نزح ماء مقدر وقد وجد، ولا ينفع نزح الماء قبل إخراج الذي مات فيه؛ لأن النجس قائم.
الجزء 1 · صفحة 13
بئر وجب فيها نزح عشرين دلواً فنزح منها ماءً فإن صبت الدلو الأولى في بئر طاهر ظهرها ما يظهر الأولى سوى ما صُب فيه وهو: أن يظهر الماء المصبوب أنه لو كان في الأولى كم؟ ينزح ففي الثانية كذلك؛ لأن الثانية في الحكم صارت بمنزلة الأولى والدلو الأول حين كانت في الأولى تظهر بنزح عشرين دلواً، وكذلك إذا صُب في الثانية، ولو كان المصبوب في الثانية الأخير ينزح دلو، واحد ولو كان المصبوب الدلو العاشر ينزح عشرة دلاء سوى المصبوب ولو نزح منها بدلو عظيم يسع فيها عشرون دلواً جاز؛ لأن المعتبر قدر الماء، لا الدفعات، ولو أبين الدلو الأخير عن الماء إلا أنها في البشر بعد فاعترف منها رجل وتوضأ جاز في قول محمد رحمه الله تعالى، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يجوز ما لم يخرج وهو يقول: لما انفصل الماء النجس على الماء الطاهر حكم بطهارة مذه البشر وما يعود إليه بالتقاطر عفواً، وأبو يوسف يقول: الماء النجس لم ينفصل عن الماء الطاهر ما دام الدلو في البئر؛ لأنه يعود إليه بالتقاطر.
ولو اغتسل جنب في عشر آبار أفسدها كلها في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى. وقال محمد رحمه الله تعالى: يظهر في الثالثة إن كانت على بدنه نجاسة عينية، والماء في الثلاثة نجس والرابعة فصاعداً مستعمل محمد يقول الماء إذا ورد على النجس يظهرها؛ لأنه يقلله والقليل عفو، فكذلك إذا ورد النجس على الماء أبو يوسف يقول: القياس يأبى حصول الطهارة بصب الماء على النجس؛ لأنه يتنجس بملاقاة النجس لكن الشرع أسقط اعتباره للضرورة فإنّها تندفع بصب الماء ولا ضرورة إلى إسقاطه مطلقاً، بخلاف الثوب النجس إذا غسل في الإجانات حيث يظهر عند أبي يوسف في رواية؛ لأن الناس تعارفوا غسل الثياب في الإجانة وفي قلع الناس عن العادة حرج فترك القياس فيه، وكذلك خوابي الماء يقع فيها فأرة فيدخل يده فيها، ثم في عشر خوابي فهو على هذا الخلاف. عند أبي يوسف: أفسد الكل، وعند: محمد أفسد الثلاث ويخرج من الثلاثة طاهراً، وإن كان خوابي الخلّ أفسد الكل عند أبي يوسف خلافاً لمحمد، أما عند ا أبي يوسف: فلما ذكرنا، وأما عند محمد؛ لأن إزالة النجاسة بما سوى الماء لا يجوز عنده وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أفسد الثلاثة ويخرج من الثلاثة طاهراً في الوجهين جميعاً؛ لأن الضب ليس بشرط عنده وإزالة النجاسة بما. سوي الماء جائز عنده.
ولو دخل جنب بئراً في طلب دلو فانغمس فيها لم يجز غسله والماء طاهر في قول أبي يوسف. وقال محمد رحمه الله تعالى: هما طاهران إذا لم يكن على بدنه نجاسة حقيقية بأن غسل فرجه بالماء. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: نجسان، محمد يقول: عندي الماء لا يصير مستعملاً؛ إلا أن يقصد القربة، وقد
الجزء 1 · صفحة 14
انعدم فيبقى الماء طهوراً والصب عندي ليس بشرط لعمل الماء في إفادة الطهارة. أبو يوسف يقول: للناس ضرورة الدخول في البئر وليس عليهم أن يغتسلوا قبل النزول والماء لا يصير مستعملاً عند الضرورة كالجنب يدخل يده في الإناء ليغترف تظهر يده ولا يتنجس الماء فيبقى هو. جنباً والماء طاهر بخلاف ما إذا اغتسل؛ لأنه لا ضرورة فيه فيصير الماء مستعملاً وأبو حنيفة يقول: التقدير.
الجنابة زالت عن أول عضو لاقاه فصار الماء نجساً وبقي الرجل جنباً لبقاء الجنابة في الباقي؛ لأنها لا تتجزأ. والفأرتان كفارة واحدة؛ لأن جثتها لا تبلغ جنة الدجاجة فلا يتغير به التقدير والثلاثة كالدجاجة؛ لأن جثتهن تبلغ جثة الدجاجة، فينزح أربعون دلواً أو خمسون". وفي الجدي ينزح جميع الماء؛ لأنه يصل إلى أكثر الماء باضطرابه، والأوز كالجدي في رواية عند أبي حنيفة، وفي رواية: كالدجاجة.
ولو انتفخ أو تفسخ شيء من هذه الأشياء نزح كله.
وفي ذنب الفأرة إذا وقع ينزح كله؛ لأنه لا يخلو عن رطوبة تكون عليها تشيع في كل الماء.
ولو وقعت فأرة في سمن جامد فماتت فيه أخذت الفأرة وما حولها ويؤكل الباقي، وإن كان ذائباً لم يؤكل ويستصبح به ويدبغ به الجلد ثم يغسل الجلد. هكذا روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فتوى رسول الله، وإنما يغسل الجلد؛ لأنه تنجس لما تبغ بالدهن النجس فإن كان ينعصر بالعصر يُغْسَلُ ثلاث مراتٍ ويُغصَرُ في كل مرة، وإن كان لا ينعصر؟ لا يظهر عند محمد أصلاً، وعند أبي يوسف: يُغْسَلُ ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، ليحصل أقصى ما يقدر عليه في التطهير.
وعظم الميتة وشعرها وعصبها وغيرها إذا وقع في البئر تنجس إن كان عليه دسومة، وإن لم يكن لم ينجس.
وعظم الخنزير تُنجس بكل حال؛ لأنه نجس العين.
والبعرة والبعرتان لا تنجس الماء قبل التفتت لتعذر الاحتراز عنه في المفازة وبعد التفتت تنجس لاختلاط أجزائها بالماء.
وإذا وجدت في البئر فأرة ميتة وقد توضيء منها أياماً، فإن كانت منتفخة يعيد صلاة ثلاثة أيام ولياليها وإن لم تكن منتفخة يعيد صلاة يوم وليلة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعندهما لا شيء عليه حتى يستيقن بوقوعها فيه قبل وضوئه منها؛ لأن الأصل هو الطهارة فلا تُزَالُ بالشك، ولأبي حنيفة أن
الجزء 1 · صفحة 15
وقوع الفارة في الماء سبب للموت فيحال بالموت عليه كما يخرج ثم الفأرة لا تنتفخ بقليل المدة وتنتفخ في كثير المذة فقدر الكثير بالثلاث؛ لأنها أدنى المقادير المعتبرة. أما في الثوب: لا يعيد شيئاً من صلاته في قولهم؛ لأن. الإصابة غير ظاهر حتى قيل: إن كان دماً فمن آخر ما احتجم أو اقتصد، وإن كان بولاً فمن آخر ما بال. وروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه يعيد صلاة يوم وليلة إن كان حديثاً، فإن كان عتيقاً أعاد ثلاثة أيام بلياليها فعلى هذه الرواية سوى بينهما. هكذا ذكر في الكافي، وفي المختارة عند أبي حنيفة: أنه لا يعيد إلا الصلاة التي هو فيها.
وأما فيما يصير الماء به نجساً وفيما لا يصير:
ماء النهر إذا كان بعضه يجري على جيفة أو في جوف الجيفة فإن كان مائلاً في الجيفة أكثر فهو نجس، وإن كان مائلاً في الجيفة أقل فهو طاهر؛ لأن الأكثر يقوم مقام الكل في موضع الاحتياط، وإن كان سواء؟ فهو نجس ترجيحاً للنجاسة احتياطاً، ونظير هذا: ماء المطر إذا جرى في ميزاب من السطح وكان على السطح عذرة متفرقة فالماء طاهر؛ لأن الذي يجري على غير العذرة أكثر وإن كانت العذرة عند الميزاب إن كان الماء كله أو أكثره أو نصفه يلاقي العذرة فهو نجس، وإن كان أكثره يجري على غير العذرة فهو طاهر، وكذلك ماء المطر إذا مر على عذرات فاستنقع في موضع فخاض فيه إنسان ثم دخل المسجد فصلى قال: لا بأس به وكان الجواب كذلك هو الصحيح.
ماء الثلج إذا جرى على الطريق وعلى الطريق سرقين ونجاسة. إن تغيبت النجاسة فيها واختلطت حتى لا يُرى لونها ولا أثرها جاز التوضي به ا، لأنه في معنى الماء الجاري.
الحمار إذا شرب من العصير لا يجوز شربه؛ لأنه صار مشكلاً وقال محمد بن مقاتل: لا بأس به، ولو أخذ إنسان بهذا القول يرجى أن لا يكون عليه إثم، والاحتياط فيه أن لا يشرب.
الفأرة إذا وقعت في الخمر فصار خلاً إن لم تتفسّخ واستخرجت قبل أن يصير خلا جاز أكله؛ لأنه لم يبق جزء منها فيها، وإن تفسخت لا يجوز أكله؛ لأنه بقي فيها جزء منها وإن تخللت وهي فيه؟ الصحيح أنه نجس.
ولو شرب خمراً إن تردّد في فمه البزاق ما لو كانت تلك الخمرة على ثوب ظهرها ذلك البزاق يظهر فمه وإلا فلا.
الجزء 1 · صفحة 16
وكذلك الهرة إذا أكلت الفأرة ثم شربت الماء في الإناء إن شربت في فورها تنجس لأنها شربت وفمها نجس، وإن شربت بعد ساعة أو ساعتين لا يتنجس؛ لأنها قد لحست الماء فمها بلعابها وإزالة النجاسة الحقيقية بما سوى من المائعات جائز.
وكذلك لو أصاب النّجاسة السيف فلحسه بلسانه أو مسحه بريقه طهر.
وكذلك الصبي إذا قاء على ثدي أمه ثم مص ذلك مراراً طهر لما قلنا.
الميت إذا وقع في الماء القليل إن وقع بعد الغُسل لا ينجس الماء؛ لأنه طاهر إلا أن يكون كافراً فإنه نجس وإن غسل. وإن قطع الكافر قبل الغسل فهو بمنزلة الخنزير، وإن وقع المسلم قبل الغسل تنجس الماء.
بيضة خرجت من الدجاجة وهي رطبة فوقعت في الماء أو كانت يابسة فوقعت في الماء لا ينجس الماء.
وكذلك السخلة إذا وقعت من أمها وهي رطبة أو يابسة فوقعت في الماء القليل لا يفسد الماء في قياس قول أبي حنيفة؛ لأنها كانت في مظائها ومعدنها كما في الأنفحة إذا خرجت بعد موتها فهي طاهرة عنده.
ضفدع بري مات في الماء أو اللبن فهو طاهر إلا إذا تقطع فيه لأنه ليس له دم سائل.
حية برية ماتت في الإناء إن كان لها دم سائل فسد الماء وإن لم يكن لم يفسد حتى لو كان للضفدع البري دم سائل أفسد الماء أيضاً.
جلد الإنسان إذا وقع أو قشره إن كان قليلاً مثل ما يتناثر من شقوق الزجل وما أشبهه لا يفسد وإن كان كثيراً يفسد، ومقدار الظفر كثير؛ لأن هذا من جملة لحم الآدمي ولو وقع الظفر في الماء لا يفسد الماء.
بول الخنافيس لا يفسد الماء؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه.
رجل أحرق رأس شاة وكان متلطخاً بالذم فلم يغسله واتخذ الحرقة فإن عنه الذه يحرق النار جاز؛ لأنه يصير حينئذ الحرق كالغسل.
الجزء 1 · صفحة 17
الخمر إذا وقع في الماء أو الماء إذا وقع في الخمر ثم صار خلا يظهر؛ لأن نجاسة الماء كانت بنجاسة المجاور، وهو الخمر فإذا زال لم يبق المجاور فلم يبق النجاسة بهذا نبين أن خل ابكته لا بأس به وإن أراد الاحتياط في ابكته لاختلاف الأقوال.
بطيخ ايكته حلواً ولا يجعل خلا، ولو أدخل في الإناء أصبعاً أو أكثر منه دون الكف يريد غسله لم يتنجس الماء فإن أدخل كفه يريد الغسل تنجس الماء؛ لأنه في الوجه الأول ضرورة، وفي الثاني: لا.
البعر إذا وقع في المحلب عند الحلب واستخرج من ساعته لا بأس به لما فيه من الضرورة؛ لأن فيه عموم البلوى.
الماء إذا أنتن وهو كثير. إن علم بوقوع النجاسة أو جيفة فيه يتنجس الماء؛ لأن التغير الوقوع النجاسة فيها، وإن لم يعلم لا يتنجس؛ لأن التغيير لطول المكث.
ساقية ماء فيها كلب ميت سد عرضها ويجري الماء عليها لا بأس بالوضوء في أسفل منه. هكذا ذكر في الواقعات للناطفي وما ذكره قبل هذا قول عيسى بن أبان، وذكر الطحاوي في مختصره خلاف هذا وما ذكرنا قبل هذا يؤكد قول الطحاوي.
عرق الحمار والبغل إذا أصاب الثوب لا يفسده، ولو وقع في الماء أفسده يعني به لم يبق طهوراً؛ لأن عرقهما إذا وقع في الماء صار الماء مشكلاً كما في لبانهما. والماء المشكل طاهر لكنه في كونه طهوراً مشكل فلا يزول الحدث الثابت بيقين بالشك، وكل ما تيقنا بنجاسته أو غلب على ظلنا ذلك لم يجز التوضي به؛ لأن عليه الظن تلحق باليقين في حق العمل، ولهذا لو أخبر واحد بنجاسة الماء لا يجوز التوضي به، وإن اختلط الطاهر بالماء ولم يزل اسمه ورقته فهو طاهر تغيّر لونه أو لم يتغير، لأن اسم الماء قائم فإن طبخ فيه شيء نحو ماء الباقلاء أو غيره لا يجوز التوضي به لزوال اسم الماء عنه إلا إذا طبخ فيه ما يقصد به نحو: الحرض والصابون يجوز، وإذا تغير به الماء لا يجوز التوضي به؛ لأن اسم الماء زال عنه.
وأما المياة المستعملة:
في الماء المستعمل عن أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه ثلاث روايات. وروي عن محمد رحمه الله تعالى: أنه طاهر غير طهور، والفتوى عليه لعموم البلوى فيه إلا في الجنب على ما يأتي بيانه.
المرأة إذا وصلت شعر آدمي إلى ذواتها ثم غسلت ذلك الشعر بالماء لم يصر مستعملاً، وإن غسل
الجزء 1 · صفحة 18
رأسُ إنسان مقتول قد بان منه بالماء كان مستعملاً؛ لأن الرأس إذا وجد مع البدن ضم إلى البدن وصلي عليه فكان هو بمنزلة البدن فتكون غسالته مستعملاً والشعر لا يُضَم إلى الجسد فلا تكون غسالته مستعملاً، وهذا الفرق يأتي على الرّواية المختارة أن شعر الآدمى ليس بنجس. أما على الزواية الأخرى لا يتأتى فإنه نجس ينجس الماء.
الفصل الثاني
في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن والخف والأرض والآجر والبساط وغيرها
أما النجاسة التي تصيب الثّوبَ:
رجل رمى بعذرة في نهر فانتضح الماء من وقوعها فأصاب ثوبَ إنسان لا ينجس إلا إصابة النجاسة شكاً ونظير هذا: الحمار إذا بال في الماء أن يظهر فيه لون النجاسة؛ لأن في فأصاب ثوب إنسان من ذلك الرّسُ لم يضره؛ لأنه ماءً حتى يتيقن أنه بول.
البعير إذا اجتر فأصابَ ثوبَ إنسان فحكمه حكم سرقينه؛ لأنه وصل إلى جوفه. ألا ترى أن الماء إذا وصل إلى جوفه كان حكمه كحكم بوله كذا هنا.
ماء فم النائم إذا أصاب الثّوب فهو طاهر سواء كان في الفم أو منبعثاً من الجوف؛ لأن الغالب أن الماء الذي يخرج من الفم حالة النوم يتولّد من البُلْعُم فيكون طاهراً كيف ما كان عند أبي حنيفة ومحمد، وعليه الفتوى.
الكلب إذا أخذ عضو إنسانٍ أو ثوب إنسان، إن أخذ في حالة الغضب لا ينجس، لأنه يأخذه بالأسنان ولا رطوبة فيها، وإن أخذ في حالة المزاح ينجس؛ لأنه يأخذه بالأسنان والشفتين وشفتاه رطبة فيتنجس.
الثوب النجس إذا غُسِل وعصر في المرة الثالثة ثم تقاطر منه قطرة فأصاب ثوباً، إن عصر في المرة الثالثة عصراً بالغ فيه حتى صار بحال لو عصرا لم يسل منه الماء فاليد طاهرة والثوب طاهر والبلل طاهر، لأنها بلة والتحرز عنها لا يمكن، وإن كان بحالة لو عصر سال منه الماء فاليد نجس والثوبُ والبلل نجس؛ لأنه يمكن التحرز عنه.
الجزء 1 · صفحة 19
رجل امتخط في ثوب فوجد في ذلك أثر الدم، فإن لم يسل الدم عن رأس الجرح لا يَضُرُّهُ؛ لأنه ما ليس بحدث لا يكون نجساً.
رجل رأى على ثوب إنسان نجاسة أكثر من قدر الدرهم إن وقع في قلبه أنه لو أخبره بذلك اشتغل بغسله؟ لم يسعه إلا أن يخبره؛ لأن الإخبار مفيد وإن وقع في قلبه أنه لو أخبره لم يلتفت إلى كلامه كان في سعة من أن لا يخبره؛ لأن الإخبار غير مفيد. قالوا: ومشايخنا قاسوا الأمر بالمعروف على هذا أنه إن كان يعلم أنهم يسمعون قوله يجب عليه وإلا فلا.
رجل معه ثوب ذو طاقين فأصابته النجاسة مقدار الدرهم أو أقل ونفذت إلى الجانب الآخر وصار أكثر من قدر الدرهم؟ يمنع جواز الصلاة، وكذلك الدرهم إذا وقع في النجاسة وأصابت النجاسة الوجهين، وإن كان الثوب ذا طاقٍ واحدٍ فأصابته نجاسة قدر الدرهم أو أقل فنفذت إلى الجانب الآخر وصارت أكثر من قدر الدرهم لا يمنع جواز الصلاة؛ لأن الثوب إذا كان ذا طاق واحد فالنجاسة من الجانبين واحد فلا يعتبر متعدداً، أما إذا كان الثوب ذا طاقين كان متعدداً فتعددت النجاسة، وكذا الدرهم فإن كان بين الجانبين فاضلاً فاعتبر كل جانب بنفسه.
رجل فتق جبته فوجد فيها فأرة ميتة ولا يعلم متى دخلت فيها إذا لم يكن للجبة ثقب يعيد الصلاة كلها منذ ندف القطن فيها وإن كان للجبة ثقب يعيد صلاة ثلاثة أيام ولياليها يوم عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: لا يعيد إلا أن يعلم متى مات قياساً على مسألة البئر وجد فيها فأرة وقد كان توضاً منها. كلب دخل الماء ثم خرج فانتفض فأصاب ثوب إنسان أفسده، ولو أصابه ماء المطر لم يفسد؛ لأن في الوجه الأول الماء أصاب الجلد وجلده نجس، وفي الوجه الثاني: أصاب الشعر وشعره طاهر.
من انتهى إلى القوم وهم في الصلاة وعلى ثوبه نجاسة أقل من قدر الدرهم وهو يخشى إن غسله تفوته الجماعة يستحب له أن يدخل في الصلاة ولا يغسله؛ لأن غسله ليس بفرض عليه ومتى دخل الجماعة صار مؤذياً الفرضَ.
الجزء 1 · صفحة 20
مال الثاني
كل ما يخرج من بدن الحيوان فهو نجس سواء كان يؤكل لحمه أو لا يؤكل لأنه استحال بطبعه إلى فساد كرجيع الآدمي.
وخرء الدجاجة والأوز والبط نجس وخره ما يؤكل لحمه من الطير كالحمامة. والعصفور طاهر لاقتناء الحمامات في المساجد، وكذلك خره سباع الطيور طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى لتعذر الاحتراز عنها، والأبوال كلها نجسة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى.
ودم البق والبراغيث طاهر؛ لأنه ليس بمسفوح ودم القملة، والأوزاع نجس؛ لأنه مسفوح، وما بقي من الدم في العروق بعد الذبح فهو طاهر؛ لأنه ليس بمسفوح، ولذلك يؤكل مع اللحم.
وأما النجاسة التي تصيب البدن:
رجل غمس يده في سمن نجس ثم غسل يديه بالماء الجاري ثلاث مرات بغير حرض، وأثر السمن باقي على يديه طهرت يداه؛ لأن نجاسة السمن بالمجاورة وقد زال المجاوز فيبقى على يديه سمن، طاهر، وهذا كما روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى. الذهن إذا أصابته النجاسة يجعل في إناء فيصب عليه الماء ثلاث مرات فيعلو الدهن على الماء فيرفع الدهن هكذا في كل مرة فيطهر في المرة الثالثة.
رجل أصابه طين أو مشى في الطين ولم يغسل قدميه وصلى يجزيه ما لم يكن فيه أثر النجاسة؛ لأن المانع هو النجاسة ولم يوجد إلا أن يحتاط أما في الحكم لا يجب عليه ولهذا قال خلف بن أيوب: لا ينبغي من كان ببلخ وله أربعة آلاف درهم أن يمشي في الأسواق راجلاً كيلا يصيبه أذى الطريق.
رجل قطعت أذنه أو قلعت سنه فأعاد أذنه إلى مكانها والسن الساقط إلى مكانها، وصلى. لو صلى وأذنه وسنه في كمه يجزئه وإن كان أكثر من قدر الدرهم، فإن ما ليس بلحم لا تحله الحياة فلا ينجس بالموت، وهذا قول أبي يوسف. وقال محمد: في الأسنان الساقطة إذا أعادها فصلاته فاسدة إن كان أكثر من قدر الذرهم وفي قياس قوله: لا يجوز في الأذن أيضاً. قال أبو الليث رحمه الله تعالى في: «العيون»: بهذا القول نأخذ فلا بد من الأخذ بهذا القول حتى يمكننا المقتضى عن مسألة جلدة الإنسان إذا وقعت في الماء فإنه يفسد إذا كان كثيراً والأذن فوقه وقال: في السن والأذن قول أبي يوسف مثل قول محمد
الجزء 1 · صفحة 21
رحمهما الله تعالى. هذا إذا كان سنه. أما من غيره لا تجوز صلاته عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وقال أبو يوسف بينهما فرق، وإن لم يحضرني.
امرأة صلت وفي عنقها قلادة، وفيها سن كلب، أو ثعلب، أو أسد فصلاتها تامة؛ لأنه من جنس ما تقع عليه الزكاة فعظمها لا يكون نجساً بخلاف الآدمي والخنزير.
رجل دخل المشرعة وتوضأ ولم يكن. معه اعلان فوضع رجله على ألواح المشرعة وقد كان دخل فيها من كان على رجله قذر جاز ولا يجب عليه غسل القدمين ما لم يعلم أنه وضع رجليه على الموضع النجس؛ لأن فيه ضرورة وبلوى.
ونظير هذا إذا دخل الحمام واغتسل وخرج من غير نعل لم يكن به بأس لما قلنا، ولو أصاب بعض أعضائه نجاسة قبل بده ومسحها على ذلك الموضع، إن كانت البلة من يده متقاطرة جاز وإلا فلا؛ لأنه يكون غسلاً.
رجل توضأ ووضع رجله على أرض نجسة ثم ذهب فصلّى إن كانت صلبة وهي يابسة فظهرت الرطوبات في قدمه فعليه أن يغسلها، ولو صلى معها لا يجوز؛ لأنه لزق به النجاسة، والندوة لا تعتبر هو المختار، وعلى هذا إذا لفّ الثوب النجس في ثوب طاهر فظهرت نداوته.
رجل على يده نجاسة رطبة فجعل يضع يده على عروة القمقمة كلما صبت الماء على اليد فإذا غسل ثلاث مرات طهرت العروة مع طهارة اليد؛ لأن نجاستها بنجاسة اليد فطهارتها بطهارة اليد.
من شرب الخمر وصلّى ولم يغسل فاه لم تجز الصلاة؛ لأنه أصابته النجاسة أكثر من قدر الدرهم هذا إذا صلى على فوره أما إذا أتى على ذلك ساعات عند أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه تجوز، وعند محمد رحمة الله تعالى عليه: لا تجوز لما ذكرنا.
وأما النجاسة التي تصيب الخف:
خُفْ بطانة ساقه من الكرباس فدخل من خروقه ماء نجس فغسل الخف فدلكه باليد، ثم ملأ الماء ثلاثاً، وأهرق؛ إلا أنه لم يتهيأ عصر الكرباس ظهر الخف؛ لأن
جريان الماء قد يقام مقام العصر ألا ترى أن البساط النجس إذا أدخل في نهر وتركه فيه ليلة حتى جرى الماء طهر.
الجزء 1 · صفحة 22
الخف إذا أصابه روث على قول من يعتبر الكثير الفاحش إنما يعتبر فيما دون الكعبين ولا يعتبر من أسفل القدم خاصة ولا من الخف كله حتى قال محمد: إن الزبع فيما دون الكعبين يمنع.
رجل استنجى فجرى الماء من استنجائه تحت رجليه فصلى مع ذلك الخف، فإن كان خفه غير منخرق رجوت أن يتسع الأمر في ذلك، وإن كان متخرقاً ودخل تحته لا تجزيه.
الجلود كلها تطهر بالدباغ إلا جلد الآدمي والخنزير. أما الآدمي فإن الانتفاع به حرام لتعظيمه. وأما جلد الخنزير؛ فلانه لا يقبل الدباغ، وأما سائر الجلود فلقوله عليه الصلاة والسّلام: «أَيُّمَا إِيهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَه وما يطهر بالدباغ يطهر بالذكاة، لأن الذكاة تعمل عمل الدبغ في إزالة الدماء والرطوبات النجسة.
وأما التي تصيب هذه الأشياء من الأرض، وغيرها من الآجر، والبساط:
الأرض إذا أصابتها نجاسة فيبست وظهر أثرها طهرت، وإن أصابها ماء عادت نجسة في رواية.
المني إذا فرك وذهب أثره، ثم أصابه ماء لا يعود نجساً في رواية؛ لأن النجس لا يطهر إلا بالتطهير، وفي المني: الفرك تطهير؛ لأنه بمنزلة الغسل، وفي الأرض لم يوجد التطهير لما نبين وأما إذا لم يصب الأرض ماء بعد ما ذهب أثر النجاسة لا بأس بالصلاة عليها؛ لأنه لم يظهر أثر النجاسة.
الآجر إذا أصابته نجاسة وتشربت فيه فإن كان الآجر قديماً مستعملاً يكفيه الغسل ثلاث مرات دفعة واحدة، وإن كان حديثاً يغسل ثلاث مرات ويجفف على إثر كل مرة.
بساط في أحد طرفيه نجاسة فصلى على الجانب الآخر جاز سواء تحرك الطرف الذي فيه النجاسة بتحرك المصلي أو لم يتحرك، لأنه صار بمنزلة الأرض فلا مستعملاً يصير للنجس هكذا ذكر الفقيه أبو جعفر، وإنما تعتبر الحركة إذا كان لابساً للثوب كالمنديل والملاءة، وفي أحد طرفيه نجاسة فصلى والطرف الذي فيه النجاسة على الأرض فإن تحرك الطرف الذي عليه النجاسة بتحرك المصلي لم تجز صلاته؛ لأنه يصير للنجس، وإن لم يتحرك جاز؛ لأنه لم يعتبر مستعملاً، وكذلك على هذا القياس: لو
حلف لا يلبس ثوباً من غزل فلانة قلبس ثوباً من غزل فلانة، لو كان غولها في طرف الثوب: إن كان يتحرك ذلك الطرف بتحرك اللأبس يحنث وإلا فلا.
الجزء 1 · صفحة 23
بعرة من بعد الفارة وقعت في وقر حنطة فطحنت والبعرة فيها، أو وقعت في وقر السمسم لم يفسد الدقيق والذهن ما لم يتغير طعمها؛ لأنه إذا تغير طعمها كان كثيراً والتحرز عن الكثير ممكن.
البول إذا أصاب الأرض واحتيج إلى الغسل يصب عليه الماء ثم يدلك وينشف ذلك الماء بصوف أو خرقة يفعل ذلك ثلاثاً، وإن لم يفعل ذلك لكن صب عليه ماء كثير حتى يغرق ولا يوجد في ذلك لون النجاسة، ولا ريحها ثم ترك حتى تنشف الأرض صار طاهراً؛ لأن بمثل هذا ورد الأثر، وهكذا يفعل بكل أرض نجس.
إذا صلى الرّجل على الدابة وسرجها نجس؟ إن كانت النجاسة مثل الدم والبول ونحوهما أكثر من قدر الدرهم فصلاته فاسدة؛ لأنه صلى على موضع النجس، وإن كانت النجاسة مثل عرق البغل والحمار ولعابهما فصلاته جائزة؛ لأنه مشكل.
رجل صلّى ومعه نافجة مسك إن كانت النافجة بحال متى أصابها الماء تفسد إن كانت الدابة التي فيها النافجة قد ذكيت جازت صلاته؛ لأنه من أجزاء الدابة وقد ظهرت الذابة بالتذكية، وإن كانت لم تذك الدابة لم تجز الصلاة؛ لأنه بمنزلة جلد ميتة غير مدبوغ.
رجل ذبح شاة بسكين ثم مسح السكين على صوفها أو بشيء من الأشياء وذهب أثر الدم. منه فهو طاهر حتى لو قطع بطيخاً به يكون طاهراً لما روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانُوا يَقْتُلُونَ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ وَيَمْسَحُونَ السَّيْفَ وَيُصَلُّونَ مَعَهُ».
الدم الذي يخرج من الكبد إن لم يكن ذلك الدم من غيره متمكناً فيه فهو طاهر؛ لأن الكبد دم جامد، وكذا اللحم المهزول إذا قطع فالدم الذي يخرج منه ليس بنجس، وفيه نظر؛ لأنه إن لم يكن دماً فقد جاوره الدّم والشيء يتنجس بمجاورة النجس. إذا صلّى ومعه جلد حية أكثر من قدر الدرهم لا تجوز الصلاة مذبوحة كانت أو غير مذبوحة؛ لأن جلدها لا يحتمل الدباغة لتقام الذكاة مقام الدباغة.
حصير أصابته النجاسة: إن كانت النجاسة يابسة لا بد من الذلك حتى تلين فتزول النجاسة بالغسل، وإن كانت رطبة يجري عليها الماء؛ إلا أن يتوهم زوالها؛ لأنه لا طريق لزوالها سوى ذلك وإجراء الماء قد يقام مقام العصر لما قلنا من قبل.
امرأة سعرت التنور ثم مسحت التنور بخرقة مبتلة نجسة حتى خبزت فيها. إن كانت حرارة
الجزء 1 · صفحة 24
النار أكلت البلة قبل اتصال الخبز بالتنور لا يتنجس الخبز؛ لأن النجاسة لا تبقى بالنار كما لا تبقى نجاسة الأرض إذا يبست النجاسة، وإن لم تكن النجاسة أكلت قبل ذلك يتنجس الخبز؛ لأن النجاسة قائمة على التنور.
الدم الملتزق باللحم إن كان ملتزقاً من الدم السائل كان نجساً، وإن لم يكن من الدم السائل كان طاهراً لما روي عن عائشه رضي الله عنها: أنها سئلت عن اللحم ينفج فَيُرَى فِي القِدْرِ صَفْرَةُ الدَّمِ؟ فَقَالَتْ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ».
التين النجس إذا كان مستعملاً في الطين إن كان يرى مكانه كان نجساً؛ لأنه ليس بمستهلك وإن لم ير مكانه كان طاهراً؛ لأنه صار مستهلكاً، وإن رطب عاد نجساً.
رجل اتخذ عصيراً في خابية فعلا واشتد وقذف بالزبد ثم سكن وانتقص عما كان ثم صارت الخمر خلا طهر الحب كله حتى يخرج الخل طاهراً وزالت الخمرية عنه لعموم البلوى.
إذا ذبح شيئاً من السباع مثل الثعلب ونحوه يظهر جلده، ولا يظهر لحمه حتى لو صلى الرجل ومعه من لحمه أكثر من قدر الدرهم فصلاته فاسدة ولو وقع لحمه في الماء القليل أفسده؛ لأن سوره، نجس ونجاسة سؤره دليل نجاسة لحمه وبه أخذ الفقيه أبو جعفر الهندواني، والفقيه أبو الليث رحمهما الله تعالى، والمختار: أنه طاهر حتى كانت هاتين المسألتين على خلاف هذا هكذا اختار الصدر الشهيد في الجامع الصغيرة أولاً ثم أخذ بما أخذ به الفقيه أبو جعفر والفقيه أبو الليث رحمهما الله تعالى وقال: لا يظهر اللحم بالذبح ولو كانت بازياً مذبوحاً، أو غير البازي من الطيور أو الفأرة أو الحية تجوز الصلاة. لحمها؛ لأن سؤر هذه الأشياء ليس بنجس، وكل ما لا يكون سؤره نجساً تجوز الصلاة مع لحمه إذا كان مذبوحاً؛ لأنه لا يكون لحمه نجساً.
ومرارة الشاة ومرارة كل شيء كبوله وكل حكم ظهر في البول فهو الحكم في المزارة.
وأما الثوب الذي تكره فيه الصلاة وما لا تكره:
لا بأس بلبس ثياب أهل الذمة والصلاة فيها. وأما الإزار والسراويل: فإنها تكره الصلاة فيهما ما لم يغسلا في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى أجزاء بلا كراهة أما الجواز في الكل؛ فلان الطهارة في الثياب أصل، وليس في حالة الكفر ما يوهم نجاسة ثيابهم. فلهذه
الجزء 1 · صفحة 25
العلة لم يكره أبو يوسف الإزار والسراويل وهما كرها لأن الإزار والسراويل يقربان من موضع الحدث وهم لا
يستنجون فلا يؤمن من أن يكون فيها نجاسة فصار شبيه بيد المستيقظ. النوم ومنقار الدجاجة المخلاة.
الفصل الثالث
في المعاني الموجبة للوضوء وغيره
أما المعاني الموجبة للوضوء:
الدم إذا خرج من أنف ولم يظهر فأدخل أصبعه في أنفه فظهر الدم على أصبعه إن خرج الدم من أنفه إلى موضع يجب إيصال الماء إليه في الجنابة يجب عليه الوضوء؛ لأن الدم يكون خارجاً من الباطن إلى الظاهر.
إذا أدخل الحقنة ثم أخرجها لم يكن عليه الوضوء وكل شيء إذا صبه ثم أخرجه لو خرج فعليه الوضوء وقضاء الصوم؛ لأنه كان داخلاً مطلقاً فترتب عليه الخروج، وكل شيء إذا أدخل بعضه وطرفه خارج لا ينتقض الوضوء وليس عليه القضاء للصوم؛ لأنه غير داخل مطلقاً فلا يترتب عليه الخروج.
إذا توضأ الرّجل وغسل وجهه وأمر الماء على لحيته ثم حلق لحيته لم يجب عليه غسل موضعها؛ لأنه حين أمر الماء على الشعر كان بمنزلة البشرة.
إذا نام أحد وهو قاعد فسقط على الأرض. إن استيقظ حين سقط فلا وضوء عليه؛ لأنه لم يوجد النوم مضطجعاً، وإن استيقظ بعد سقوطه فعليه الوضوء؛ لأنه وجد النوم مضطجعاً. الشكران إذا أفاق إن كان بحال لا يعرف الزجل من المرأة فقد انتقضت طهارته؛ لأنه بمنزلة المغمى عليه.
إذا أفاق رجل وانغمس في الماء فدخل الماء أذنه واستعط فدخل رأسه ثم مكث ساعة ثم يسال من أنفه وأذنه لا ينتقض وضوءه وليس ما وصل إلى الرأس كما وصل إلى الجوف؛ لأن ما وصل إلى الجوف لا يخلو عن النجس وما وصل إلى الرأس يخلو.
رجل أقلف خرج بوله أو مذيه من طرف ذكره حتى صار في قلفته كان عليه الوضوء؛ لأن هذا
الجزء 1 · صفحة 26
بمنزلة المرأة إذا خرج من فرجها بول ولم يظهر، وذكر في بعض المواضع على خلاف هذا؛ لأن الدم فيه ليس بسائل.
القراد إذا مص من عضو إنسان فامتلأ دماً إن كان صغيراً لا ينتقض وضوء؛ لأن الذه فيه ليس بسائل كما إذا مص الذباب والبعوض وإن كان كبيراً ينتقض؛ لأن الدم فيه سائل.
العلقة إذا أخذت بعض جلد إنسان ومضت حتى امتلأ من دمه بحيث لو سقط لسال انتقض الوضوء؛ لأن الدم فيه سائل.
إذا نام الرجل في صلاته فضحك قهقهة لا ينتقض وضوءه؛ لأن القهقهة إنما جعلت حدثاً حكماً وفعل الشرط أن يكون جناية، وفعل النائم لا يوصف بكونه جدية، ولو تكلم في صلاته نائماً تفسد الصلاة، هو المختار؛ لأن الكلام قاطع الصلاة مطلقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: إِنَّ صَلاتنا هذه لا تَصْلُحُ بِشَيءٍ مِنْ كَلامِ النَّاسِ.
رجل استظهر إلى وسادة أو هو مريض يميكه إنسان لولا الوسادة أو ذلك الإنسان من استمسك فنام فإن كان إليتاه مستوثقتين على الأرض لا وضوء عليه لعموم البلوى، وعده خروج الحدث غالباً.
المريض إذا لم يستطع الصلاة إلا مضطجعاً فنام في الصلاة ينتقض وضوءه؛ لأنه نام مضطجعاً حقيقة، وإن نام قائماً وقاعداً حكماً. والنوم مضطجعاً حقيقة سبب لاسترخاء المفاصل فيكون سبباً لخروج الحدث.
الريح الخارج من قبل المرأة وذكر الرجل؟ ذكر محمد أنه حدث ينبعث من معدن النجاسة.
وقال أبو الحسن: إنه ليس بحدث؛ لأنه لم تجاوره النجاسة ولهذا لم تخرج منتنة إلا إذا كانت المرأة مفضاة فيستحب لها الوضوء لاحتمال أن يكون عن محل النجاسة.
الدم إذا خرج من الفم لو غلب البزاق ينتقض الوضوء وإذا غلب البزاق لا ينتقض؛ لأن العبرة للغالب في الشرع، وإن استويا ينتقض الوضوء احتياطاً.
ومس الرجل للمرأة أو المرأة للرّجل لا ينتقض لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: «كَانَ يُقَبلُ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَتَوَضَا.
الجزء 1 · صفحة 27
وكذا من الذكر لا ينقض؛ لأنه عضو طاهر فلا ينتقض الوضوء كالأنف.
إذا باشر امرأة مباشرة فاحشة بتجرد وانتشار وملاقاة الفرج ينتقض الوضوء عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى خلافاً لمحمد رحمه الله تعالى هو يقول: لم يتعذر الوقوف على حقيقة الحال لكون الحال حال اليقظة هما يقولان: إنه سبب للحدث غالباً وعدم الخروج كالنادر فلا يعتبر.
القهقهة في الصلاة المطلقة تنقض الوضوء وفي صلاة الجنازة وسجدة التلاوة لا تنقض، لأنها دون الصلاة المطلقة في التعظيم فلا تلتحق بها.
وأما ما يجوز به الوضوء وما لا يجوز:
الماء إذا كان يجري ضعيفاً فأراد إنسان أن يتوضأ منه فإن كان وجهه إلى مورد الماء يجوز وإن كان وجهه إلى مسيل الماء لا يجوز إلا أن يمكث بين كل غرفتين مقدار ما تذهب غسالته؛ لأنه بمنزلة الماء المستعمل.
التوضي بالثلج إذا كان ذائباً بحيث يتقاطر عن يده يجوز؛ لأنه يكون غسلاً وإن لم يكن كذلك لا يجوز؛ لأنه يكون مسحاً.
رجل به قرحة فبرثت وارتفع قشرها وأطراف القرحة بالجلد إلا الطرف الذي يخرج منه القيح، فإنه مرتفع ولا يصل الماء إلى ما تحت القشرة يجزيه؛ لأنه ليس بظاهر فصار حكمه حكم ما تحت اللحية.
الماء الجاري إذا سدّ من فوقه فتوضأ إنسان مما يجري في النهر وقد بقي جريان الماء جاز؛ لأن هذا ماء جاري.
إذا ادهن رجل وأمر الماء على رجله ولم يسل الماء لمكان الدسومة جاز الوضوء؛ لأنه وجد غسل الرجل.
وأما المعاني الموجبة للغسل وما يجوز به الغسل وما لا يجوز:
رجل جامع امرأته فيما دون الفرج فدخل من مائه فرج المرأة لا غُسل عليها لأن الغسل إنما يجب بالتقاء الختانين أو بنزول مائها ولم يوجد حتى لو حبلت كان عليها الغسل؛ لأنه نزل ماؤها.
الجزء 1 · صفحة 28
غلام ابن عشر سنين له امرأة بالغة وهو يجامعها يجب عليها الغسل ولا يجب عليه، وكذلك لو كان على العكس؛ لأن جماع الغلام ليس بسبب لنزول مائه، لكن يؤمر بالغسل احتياطاً كما يؤمر بالصلاة. رجل احتلم فنزل الماء إلا أنه لم يظهر على رأس الإحليل لا غسل عليه؛ لأن هذا الموضع مما لا يلحقه حكم التطهير بحال، فكان باطناً فلو كان هذا في فرج المرأة كان عليها الغسل؛ لأن فرجها بمنزلة الفم وعليها تطهيره.
الإيلاج في الأدمي يوجب الغسل على الفاعل والمفعول، أنزل أو لم ينزل؛ لأنه إيلاج في الفرج، وفي البهائم لا يوجب ما لم ينزل؛ لأن هذا بمنزلة الاستمناء بالكف.
رجل أتى امرأته وهي عذراء لا غسل عليها ما لم تنزل؛ لأن العذراء تمنع التقاء الخنانين.
البكر إذا جومعت فيما دون الفرج فحبلت كان عليها الغسل؛ لأنها قد أنزلت.
امرأة احتلمت ولم يخرج منها الماء إن وجدت شهوة الإنزال كان عليها الغسل، وإن لم تجد لا غسل عليها؛ لأن ماءها لا يكون دافقاً كماء الرّجل وإنما ينزل ماؤها من صدرها إلى رحمها.
المرأة إذا جامعها زوجها فاغتسلت ثم خرج منها مني الزوج؟ لا يجب عليها الغسل بالإجماع؛ لأن هذا ليس ماءها، وكان بمنزلة الحدث.
المني إذا خرج على وجه الدفق والشهوة يوجب الغسل، وبغيره لا يوجب حتى لو حمل شيئاً فسبقه المني لا يوجب، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِلْمَرأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ عَمْنْ تَرَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُجَامِعُهَا زَوْجُهَا أَتَجِدُ لَذَّةٌ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: عَلَيْهَا الْغُسْلُ إِذَا وَجَدَتِ اللذة. وهذا إذا زال عن مكانه لا على وجه الشهوة أما إذا زال عن مكانه على وجه الشهوة، ولم يخرج على وجه الدفق والشهوة بأن جامع وأنزل ثم اغتسل قبل أن يبول ثم خرج بقية المني أو احتلم ثم أمسك المني في القصبة حتى انكسرت الشهوة ثم تركه حتى خرج لا على سبيل الدفق والشهوة، أو نظر إلى امرأة بشهوة فنزل المني عن مكانه
وأمسكه في قصبته حتى انكسرت الشهوة ثم أرسل يجب عليه الاغتسال عند أبي حنيفة ومحمد احتياطاً، وقال أبو يوسف لا يجب أبو يوسف يقول: الحكم في هذا يبتنى على خروج المني على سبيل الدفق والشهوة وقد يخرج لا على وجه الدفق والشهرة فلا يحب. هما يقولان: بأن الخروج يبتنى على
الجزء 1 · صفحة 29
الانفصال فكان حكمه حكم الانفصال وقد انفصل على وجه الدفق والشهوة.
وإن وجد في فراشه بللاً أو على فخذيه وقد رأى رؤيا أو لم ير وجب الغسل في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يجب الغسل حتى يتيقن أنه قد احتلم أبو يوسف يقول: شك في سبب وجوب الاغتسال فإنه إن كان منياً رق بطول المكث فيجب الغسل، وإن كان مذياً من الأصل لا يجب فلا يجب بالشك كما لو كان البلل ودياً هما يقولان: إن سبب خروج المني عيان. إما حقيقة الوطيء، أو الاحتلام، فإذا فقد أحدهما تعين الآخر، فصار كما لو تذكر الاحتلام ولو تذكر الاحتلام يجب بالإجماع بخلاف الودي فإن سببه البول فصار كما لو تذكر البول ولو تذكر البول، لا يجب الغسل بالإجماع.
ثم لا بد من معرفة المني والمذي والودي.
فالمني: خائر أبيض غليظ يخلق منه الولد ينكسر منه الذكر هكذا فسره محمد رحمه الله تعالى
والمذي: ماء رقيق يضرب إلى البياض يخرج عند انتشار الآلة عند ملاعبة الأهل.
والودي: ماء رقيق يخرج عند البول.
مسافر معه نبيذ التمر، ولم يجد ماء يتوضأ به ويغتسل به؟ يتوضأ بنبيذ التمر عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يتوضأ وقال محمد رحمه الله تعالى: يجمع بينه وبين التيمم، والمسألة معروفة، واختلف المشايخ في جواز الاغتسال به على قول أبي حنيفة؟ قال بعضهم: يجوز، وقال بعضهم: لا يجوز لأن جواز التوضي به عرف بالنص بخلاف القياس والنص ورد في أخف الحدثين فلا يلحق به لفظهما.
أما أحكام الجنابة وما يجزيه عن الغسل وما لا يجزيه:
الجنب لا يكتب القرآن، وإن وضع الصحيفة على الأرض أو اللوح على الأرض، ولا يضع يده على ذلك، وإن كان ما دون الآية؟ لأن كتابته بمنزلة القراءة ويستوي في قراءته الآية وما دونها، وهو الصحيح، وكذا في الكتابة، ويكره للجنب قراءة: اللهم إنا
الجزء 1 · صفحة 30
نستعينك هكذا روي عن محمد لاحتمال أن هذا من .. القرآن وكان الطحاوي لا يسلم هذه الرواية، وبه يفتي.
ولو عاود الجنب أو نام قبل أن يتوضأ لا يكره لما روى أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: كَانَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلِ وَاحِدٍ.
رجل اغتسل من الجنابة وبين أسنانه طعام فلم يصل الماء تحته جاز لأن ما بين الأسنان رطب، والماء لطيف يصل إلى كل موضع غالباً.
إذا عجنت المرأة وبقي العجين بين أظفارها واغتسلت من الجنابة، لم يجز؛ لأن العجين سمين غالباً فالماء لا يصل تحته، فلو بقي الدرن بين أظفارها جاز؛ لأن الدرن تولد من هناك فلا يكلف إيصال الماء تحته ويستوي فيه المدني والقروي هو الصحيح.
الجنب إذا تمضمض فشربه ولم يمجه يريد به أنه لم يرمه، وقد أصاب جميع فمه من ذلك جاز، لأن الجنابة تحوّلت إلى الماء فطهر الفم.
الأقلف إذا اغتسل من الجنابة ولم يدخل الماء داخل الجلد جاز؛ لأنها خلقة وقد ذكرنا على خلاف هذا، وكذا أوردوا هذه المسألة فكانت الزواية مضطربة.
الجنب إذا كان عليه خاتم ضيق فاغتسل أو توضأ ولم ينزعه، فالاحتياط أن يحركه ليصل الماء إليه بيقين وإن لم يكن ضيقاً لا يجب عليه تحريكه.
وثمن ماء الاغتسال على الزوج؛ لأنه مؤنة الجماع وكذلك ماء وضوئها على الزوج غنية كانت أو فقيرة؛ لأنها لا بد لها منه فصار كماء الشرب.
إذا كان في أسنانه كاواكي وبقي فيها طعام وهو جنب فاغتسل لا يجزيه ما لم يخرج ويجري عليها الماء وقد ذكرنا قبل هذا على خلاف هذا وكانت الرواية مختلفة، أو يحمل ما ذكرنا قبل هذا على ما إذا لم يكن بين أسنانه كاواكي ونأخذ بالاحتياط في مثله؛ لأنه مما يحتاط. والله تعالى أعلم.
الجزء 1 · صفحة 31
الفصل الرابع
في أحكام الحمام واحكام المسجد
أما أحكام الحمام:
النساء إذا دخلن الحمام لا بأس بذلك، إذا كان الحمام للنساء خاصة، ويدخلن بمئزر لعموم البلوى.
إذا خاض الرّجل في ماء الحمام بعدما غسل قدميه فليغسلهما إذا خرج وإن ـ يفعل فإن لم يعلم أن في الحمام جنباً أجزاء، فإن علم أن في الحمام جنباً قد اغتسل روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يجزئه حتى يغسل قدميه إذا خرج، فعلى قياس رواية محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى في الماء المستعمل أنه طاهر على ما اختاروا للفتوى يجزيه، وإن لم يغسل قدميه.
رجل غرف من حوض الحمام وبيده نجاسة، وكان الماء يدخل من الأنبوب في الحوض، والناس يغترفون غرفاً متداركاً لم ينجس الماء؛ لأنه صار بمنزلة الماء الجاري، ولا يقرأ القرآن في الحمام والمخرج والمغتسل إلا بحرف؛ لأنه موضع الأنجاس. هذا إذا رفع صوته. أما لو قرأ خافتاً في الحمام لا يكره وهو المختار، وأما التهليل والتسبيح وإن رفع صوته لا يكره.
وأما الصلاة في الحمام:
إن كان في الحمام صور وتماثيل يكره، وإن لم تكن وكان الموضع طاهراً؟ لا بأس به؛ لأنه صلى في موضع طاهر. وقالوا كثير من أئمة بخارى كانوا يفعلون ذلك.
وأما أحكام المسجد:
الخياط إذا كان يخيط الثوب في المسجد، يكره لما روي عن عثمان رضي الله عنه أَنَّهُ رَأَى خَيْاطاً فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ مِنَ الْمَسْجِدِه، وكذا الوزاق إذا كان يكتب في المسجد بالأجر. فعلى هذا الفقهاء إذا كانوا يكتبون الفقه بالأجر في المسجد يكره، وإن كان بغير أجر لا يكره؛ لأنه إذا كان بأجر، كان العمل للعبد والمسجد لم يبن لذلك؛ لأنه بيت الله تعالى.
النائم إذا احتلم وهو في المسجد إن أمكنه أن يخرج من ساعته خرج واغتسل حتى لا يبقى في
الجزء 1 · صفحة 32
المسجد جنباً، وإن لم يمكن بأن كان في وسط الليل ولم يقدر على الخروج؟ يستحب له التيمم حتى لا يبقى في المسجد جنباً.
ويكره مسح الزجل من الطين والرّذْغَة باسطوانة المسجد أو حائط من حيطانه؛ لأن حكمه حكم المسجد، وإن مسح ببري المسجد أو بقطعة حصير ملقاة فيه لا بأس به؛ لأن حكمه ليس حكم المسجد، ولا له حكم حرمة المسجد كذا قالوا والأولى أن لا يفعل. وإن مسح بتراب في المسجد؟ فإن كان مجموعاً لا بأس به، وإن كان منبسطاً يكره، هو المختار، وإليه ذهب أبو القاسم الصفار رحمه الله تعالى؛ لأن له حكم الأرض، فكان من المسجد، وإن مسح بخشبة موضوعة في المسجد لا بأس به؛ لأنه ليس لهذه الخشية حكم المسجد، فلا يكون لها حرمة المسجد.
ويكره الوضوء في المسجد إلا أن يكون فيه موضعاً اتخذ للوضوء، ولا يصلي فيه؛ لأن الماء المستعمل نجس في رواية، فيجب تنزيه المسجد عنه.
ولا بأس بأن يتخذ في المسجد بيتاً توضع فيه البواري لتعامل الناس من غير نكير.
رجل مات في مسجد قوم، فقام واحد منهم، وجمع الدراهم على أن يكفنه ففضل من ذلك شيء، فإن عرف الذي أخذ منه ردّ عليه، وإن لم يعرف وقد اختلط صرف إلى كفن مثله من أهل الحاجة فإن لم يقدر على صرفها إلى الكفن يتصدق بها على الفقراء.
رجل جمع مالاً من الناس لينفقه في بناء المسجد، فأنفق من تلك الدراهم في حاجته، ثم ردّ بدلها إلى نفقة المسجد؟ لا يسعه أن يفعل، فإن فعل؟ إن عرف صاحب المال رد عليه، أو يسأله تجديد الإذن فيه؛ لأنه يدخل في ضمانه، فلا يبرأ من ضمانه إلا بالزذ إلى المالك أو إلى نائب المالك، ولم يوجد، وإن لم يعرف صاحب ذلك المال استأمر الحاكم في أن يستعمله، فإن تعذر عليه الرجوع إلى الحاكم يرجى له في الاستحسان أن ينفق مثل ذلك. ماله على المسجد، فيجوز، ولكن هذا واستثمار الحاكم يجب أن يكون في دفع الوبال دون الضمان أما الضمان واجب عليه في كل حالة، فإنه ذكر في المبسوط» في كتاب الوكالة أن الوكيل بقضاء الذين إذا صرف مال الموكل إلى قضاء دين نفسه، ثم قضى دين الموكل من ماله كان متبرعاً في قضاء دينه، ولهذا فسد أمور الساعين والسماسرة على ما نذكر في كتاب الزكاة إن شاء الله تعالى، وينبني على هذا مسائل ابتلي بها أهل العلم والصلاح:
الجزء 1 · صفحة 33
منها: أن العالم إذا سأل للفقير شيئاً، وخلط بعضها ببعض يصير ضامناً من جميع ذلك، فإذا أدى إلى الفقير صار مؤذياً من مال نفسه ويصير ضامناً، ولا يجزئهم عن زكاتهم، فيجب أن يستأذن الفقير، فيأذن له في القبض حتى صار وكيلاً بالقبض، فيصير خالطاً ماله بماله.
ومنها: «باي مرده إذا قام وسأل للفقير شيئاً بغير، أمره، فهو أمين، فإن خلط مال البعض بمال البعض يصير مؤذياً من مال نفسه ويصير ضامناً لهم ولا يجزئهم عن زكاتهم، فوجب أن يأمره الفقير أولاً بذلك؛ لأنه إذا أمره صار وكيلاً يقبضه بالتصرف، فيصير خالطاً ماله بماله فلا يضمن.
إذا ضاق المسجد عن خلف الإمام على القوم؟ لا بأس أن يقوم الإمام في الطاق؛ لأنه تعذر الأمر عليه وإن لم يضق المسجد عن خلف الإمام؟ لا ينبغي للإمام أن يقوه في الطاق؛ لأنه يتشبه بمقام المجانين.
إذا تعلق بثياب المصلي بعض ما يلقى في المسجد من البواري، فأخرجه رجل، فليس عليه أن يرده إلى المسجد إذا لم يتعهد؛ لأن ما في المسجد يخرجه خادم المسجد، فإذا وقع خارج المسجد لا تجب الإعادة إلى المسجد.
رجل يمر في المسجد، ويتخطى طريقاً، فإن كان بغير عذر؟ لا يجوز، وإن كان بعذر؟
يجوز، ثم إذا صلى جاز أن يصلي في اليوم مرّة لا في كل مرة؛ لأن في ذلك حرجاً.
قوم ضاق مسجدهم، فينوا مسجداً آخر، ويبيعون المسجد الأول، ويستعينون به على بناء المسجد الآخر؟ لا يجوز البيع. أما عند أبي يوسف فلانه بقي مسجداً أبداً، وإن استغنى عنه القوم، وعند محمد لما استغنى عنه القوم صار ملكاً للباني أو ملكاً لورثة الباني، فلا يكون لهم ولاية البيع.
رجل له مسجد حي في محلة، فحضر المسجد الجامع لكثرة جماعته، فالصلاة في مسجده أفضل، قل أهل مسجده أو كثروا؛ لأن المسجده حقاً عليه، وليس لذلك المسجد حق، فلم يقع التعارض ليترجح على مسجده بالجمع.
غرس الأشجار في المسجد إن كان بحال فيه نفع للمسجد بأن تكون أرضه ذات نز، واسطوانتها لا تستقر فغرس الأشجار لتجذب عروق الأشجار ذلك النز يجوز، وإلا فلا؛ لأن غرس الأشجار في المسجد يشبه بالبيعة، وذلك لا يجوز إلا لحاجة. قالوا: وإنما جوزوه مشايخنا في مسجد جامع بخارى لما
الجزء 1 · صفحة 34
قلنا من الحاجة.
لا يتخذ في المسجد بئر الماء؛ لأنه يخل بحرمة المسجد، فإنه يدخل فيه الجنب والحيض، وإن حفر فهو ضامن لما حفر؛ لأنه فعل بغير حق إلا أن ما كان قديماً يترك، كبئر زمزم في المسجد الحرام.
مسجد بني على صور المدينة لا ينبغي أن يصلى فيه؛ لأن الصور للعامة، فلا يجعل خالصاً لله تعالى، فصار كما لو بنى المسجد على أرض الغصب.
البزاق في المسجد لا يلقى فوق البواري ولا تحته، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمَسْجِدَ لَيْتَزُوِي مِنَ النَّخَامَةِ كَمَا تَنْزَوِي الْجِلْدَةُ مِنَ النَّارِ»، ويأخذ النجاسة بكمه أو بشيء من ثيابه، وإن اضطر إلى ذلك كان البزاق فوق البواري خيرٌ من البزاق تحت البواري؛ لأن البواري ليست من المسجد حقيقة، وإن كان لها حكم المسجد، وما تحت البواري مسجد حقيقة، فإذا ابتلي ببليتين اختار أهونهما.
مسجدان يصلي الرجل في أقدمهما بناء؛ لأن له زيادة حرمة، وإن كانا سواء؟ يقيس منزله منهما ويصلّي في أقربهما وإن استويا فهو مخير؛ لأنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر، فإن كان قوم أحدهما أكثر؟ فإن كان هذا الرجل فقيها؟ يذهب إلى الذي هو أقل قوماً كي يكثر الناس بذهابه إلى المسجد، وإن لم يكن فقيهاً؟ يذهب حيث أحب.
إذا فاتته ركعة أو ركعتان أو تكبيرة الأولى في مسجده فالأفضل أن يصلي ثمة، ولا يذهب إلى مسجد آخر؛ لأن لهذا المسجد عليه حقاً.
أهل المسجد إذا باعوا حشيش المسجد، أو جنازة، أو نعشاً صار خلقاً؟ يجوز، وإن رفعوا إلى الحاكم أحب وأولى، لكن يفتى أن لا يجوز إلا بأمر الحاكم؛ لأنه حق العامة، فكان التصرف فيه لمن هو نائب عن العامة، وهو الإمام والله سبحانه وتعالى أعلم.
الجزء 1 · صفحة 35
الفصل الخامس
في النفاس والحيض إلى آخره
أما النفاس:
المرأة إذا خرج بعض ولدها إن خرج الأقل؟ لا يكون حكمها حكم النفاس، ولا تسقط عنها الصلاة؛ لأن الأكثر ليس بخارج، وللأكثر حكم الكل، ويجب عليها أن تصلي؛ لأن المانع من الصلاة هو النفاس، وقد عدم ولو لم تصل في تلك الحالة؟ تصير عاصية، ثم كيف تصلي؟ قالوا: يؤتى بقدر فيجعل القدر تحتها، أو تحفر لها حفيرة، وتجلس هناك، وتصلي كي لا تؤذي الولد.
المرأة إذا خرج ولدها ميتاً من قبل سرتها، بأن ظهر فرجة عند سرتها، ثم انشقت، وخرج منها، وكذا إن سال الدم من قبل سرتها؟ لا تكون نفساء، بل مستحاضة؛ لأن النفاس اسم لدم يخرج من الرحم عقيب الولد وإن سال الدم من الأسفل صارت نفساء لوجود دم النفاس، ولو كانت معتدة انقضت عدتها؛ لأنها وضعت حملها، فدخلت تحت النص: (وَأُولَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ)، ولو كانت أمة تصير أم ولد إن كان الولد من المولى، ولو كان الزوج قال لها: إن ولدت فأنت طالق طلقت؛ لأنها ولدت ولداً.
ودم النفاس: ما يخرج عقب الولد ولا حد لقليله وأكثره، مقدر بأربعين يوماً.
وأما الحيض: من أتى امرأته في حيضها، فعليه الاستغفار والتوبة. هذا من حيث الحكم. أما من حيث الاستحباب؟ يتصدق بدينار أو بنصف دينار.
ولا يجوز للحائض أو الجنب أن يمس المصحف بكمه، أو ببعض ثيابه؛ لأن ثيابه التي عليه بمنزلة. بدنه ألا ترى أنه لو صلى وقام على النجاسة، وفي رجليه نعلان، أو جوربان لم تجز صلاته، ولو فرش نعليه أو جوربيه، وقام عليهما جازت صلاته؛ لأنه إذا كان لابساً صار كبعض جسده، ولهذا جرت العادة بين الناس في صلاة الجنازة أنهم يفرشون مكاعبهم، ويقومون على المكاعب، وروي عن محمد رحمه الله تعالى في «النوادر»: أن الجنب لو أخذ المصحف بكمه لا بأس به، ويستحب للمرأة الحائض إذا دخل عليها وقت الصلاة أن تتوضأ، وتجلس عند مسجد بينها، وتسبح، وتهلل كي لا تزول
الجزء 1 · صفحة 36
عنها عادة العبادة.
المسافرة إذا طهرت من الحيض فتيممت ثم وجدت الماء جاز للزوج أن يقربها، ولكن لا تقرأ القرآن؛ لأنها لما تيممت فقد خرجت من الحيض، فلما وجدت الماء وجب عليها الغسل، فصارت بمنزلة الجنب.
امرأة حاضت في آخر الوقت، وهو وقت لو كانت فيه طاهرة أمكنها أن تصلي؟ سقط عنها فرض الوقت، وكذلك لو كان لا يسع فيه صلاتها؛ لأن الوجوب آخر الوقت، سواء أكان الوقت قليلاً أو كثير، فقد وجب سبب الوجوب، وهي ليست من أهل الصلاة فلم تجب عليها الصلاة فلا يجب عليها القضاء.
المعلمة في حالة الحيض تعلم الصبيان حرفاً حرفاً، ولا تعلمهم آية كاملة؛ لأن الضرورة تندفع بالأول، والمسقط هي الضرورة.
الحائض أو الجنب إذا كان يكتب الكتاب، وفي بعض السطور آية من القرآن، غير أنه لا يقرأ، يكره ذلك، لأنهما منهيان عن مس، القرآن وفي الكتابة مس؛ لأنه يكتب بطرف القلم، والقلم في يده. هكذا صورة المس.
امرأة تحيض في دبرها لا تدع الصلاة؛ لأن هذا ليس بحيض، ويستحب أن تغتسل عند انقطاع الدم، ولو أمسك زوجها عن الإتيان كان أحب إلي لمكان الضرورة، وهو الدم عن الفرج.
الحيض: هو الدم الخارج من الرحم أقله مقدّر بثلاثة أيام، وعن أبي يوسف: أنه مقدر بيومين وأكثر اليوم الثالث وأكثره عشرة أيام ولياليها لقوله عليه الصلاة والسلام:
(أَقَلُ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ)، فإن زاد الدم على عشرة، فإن كانت المراة مبتدأة، فحيضها عشرة من أول الذم وما زاد فهو استحاضة، وكذا في كل شهر، وإن كان لها عادة معروفة ردت إلى عادتها المعروفة فإن رأت مرة سبعاً ومرة ستاً ثم استحيضت أخذت في الصوم والصلاة وانقطاع الزجعة بالأقل، وفي حل التزوج والوطء بالأكثر احتياطاً. هذا إذا جاوزت العشرة. فأما إذا انقطع على العشرة؟ فالعشرة حيض؛ لأنه دم حيض في زمان الحيض، فيكون حيضاً.
الحامل إذا رأت الدم في زمان حملها، فليس بحيض؛ لأن الحيض اسم لدم خارج من الرحم، وقد
الجزء 1 · صفحة 37
انسد فم الرحم بالحمل، فلا يخرج منه الدم.
الحائض لا تصوم ولا تصلي وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، هكذا روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
وأما الاستحاضة:
حد الاستحاضة وحد صاحب الجرح السائل: أن يمضي عليه وقت صلاة كامل، ولم ينقطع ذلك الدم، فتصير مستحاضة، وصاحب الجرح السائل صاحب عذر، فحينئذ تجوز الصلاة مع الحدث.
ولا بأس أن يقرب امرأته وهي مستحاضة؛ لأن المطلق موجود والمانع وهو دم الحيض مفقود.
وصاحب الجرح السائل إذا منع الجرح من السيلان بعلاج يخرج من أن يكون صاحب الجرح السائل، بخلاف الحائض، فإنّها إذا حبست الدم عن الذرور بالحشو لا تخرج من أن تكون حائضاً مع الأمر بالحبس بالحشو، ولم يعتبر في حق صاحب الجرح السائل، فعلى هذا المقتصد لا يكون صاحب الجرح السائل.
رجل رعف أوسال عن جرحه الدم ينتظر آخر الوقت، فإن لم ينقطع الدم توضأ وصلى قبل خروج الوقت فإن توضأ وصلى قبل خروج الوقت، ثم خرج الوقت، ودخل وقت صلاة أخرى، وانقطع الدّم توضأ وأعاد الصلاة، وإن لم ينقطع في وقت الصلاة الثانية حتى خرج الوقت جازت صلاته؛ لأنّ الدّم إذا كان سائلاً وقت صلاة كامل؟ صار بمنزلة المستحاضة اعتباراً للثبوت بالسقوط، فإن المستحاضة إذا انقطع دمها مقدار وقت صلاة كامل تخرج من أن تكون مستحاضة، فإن كان أقل. من ذلك لا تخرج، فكذا صح في الثبوت.
إمامة صاحب الجرح السائل للأصحاء لا تجوز لأن طهارته ضرورية، فلا تظهر في حق جواز صلاة القوم.
رجل بحلقه جرح، وهو لا يقدر بأن يسجد، وهو قادر على القيام والركوع، صلى قاعداً بالإيماء؛ لأن القيام والركوع إنما صار فرضاً لأجل السجود؛ لأن معنى القرية في الخرور إلى السجود فكل قيام وركوع لا يعقبه سجود لم يكن من فرائض الصلاة، فإن صلى قائماً، وركع قائماً، فإذا بلغ أوما أجزاء، لكن الأفضل أن يصلي جالساً، فإن قام سال جرحه، وإن قعد يستمسك جرحه، فإنه يصلي قاعداً،
الجزء 1 · صفحة 38
ويسجد؛ لأنه ابتلي بيليتين فيختار أيسرهما، والصلاة قاعداً بركوع وسجود أقرب إلى الجواز من الصلاة بغير طهارة، فإن قاعداً التطوع يجوز بركوع وسجود، ولا يجوز بغير وضوء بحال، ولو كان بحال لو سجد سال جرحه ولو لم يسجد لا يسيل لا يسجد ويصلي قاعداً بالإيماء؛ لأنه أقرب إلى الجواز بغير وضوء، فإن صلى قاعداً بركوع وسجود وجرحه يسيل لم تجز صلاته؛ لأنه ترك الصلاة بالطهارة مع القدرة عليها وإن كان بالزجل جرح إن قعد أو قام سال، وإن استلقى على قفاه لم يسل فإنه يصلّي قائماً بركوع وسجود ولا يجزيه أن يصلي مستلقياً على قفاه، وكذلك من به سلس البول؛ لأن صلاة المستلقي على قفاه لا تجوز في حالة الاختيار بحال، لا في حالة التطوع ولا في حالة المكتوبة، ولا في حالة الركوب، ولا عند التزول، كما أن الصلاة مع السيلان لا تجوز في حالة الاختيار بحال، فاستويا، لكن ترجح الصلاة بركوع وسجود من وجه، وهو: أنه إذا صلى هكذا يكون مصلياً مع عذر واحد وهو سيلان الدم، وإذا صلى على قفاه كان مصلياً مع أنواع عذر الاستلقاء على قفاه،، وترك الركوع والسجود، فكان المصير إلى هذا أيسر؛ لأنه يحصل فيه إحراز الأركان، فهذه الجملة في الزيادات».
الحائض والمستحاضة والنفساء إذا احتشت لا يمنع ثبوت حكم الدم، بل يمنع تنجس الثوب لما عرف.
أما الاستنجاء:
رجل استنجى من قمقمة فلما صب الماء على يديه لاقى في الماء الذي يسيل من القمقمة البول قبل أن يقع على يديه بعد أن خرج من القمقمة، فهو طاهر. هكذا ذكر في بعض المواضع، وفيه نظر؛ لأن هذا ينبغي أنه إذا استنجى لا الماء نجساً، وهذا ليس يصير بشيء.
المرأة إذا استنجت تجلس منفرجة بين رجليها وتغسل في الاستنجاء ما ظهر منها فلا تدخل أصبعها في قبلها، ويكفيها أن تغسل براحتيها أو بعرض أصابعها، وذلك هو المختار. وقيل: الاستنجاء بالأصابع يورث البواسير.
نظير هذا من غسل الوجه لا يفتح عينيه ولا يغمض فكذا هذه.
المستحاضة لا يجب عليها الاستنجاء لوقت كل صلاة إذا لم يكن منها في تصر؛ لأنه سقط باعتبار نجاسة دمها.
الجزء 1 · صفحة 39
إذا استنجى الرجل بثلاثة أحجار، وكيفية ذلك؟ أن يدبر بالحجر الأول، ويقبل بالثاني، ويدبر بالثالث؛ لأن هذا أقرب إلى نظافة موضع الاستنجاء.
إذا أصابته النجاسة أكثر من قدر الدرهم فاستجمر بثلاثة أحجار، ولم يغسل يجزيه وهو المختار؛ لأنه ليس في الحديث المروي، فصل فصار هذا الموضع مخصوصاً من سائر مواضع البدن، حيث تظهر من غير غسل، وسائر مواضع البدن لا تظهر إلا بالغسل.
الاستنجاء بالماء أفضل إلا أن يكون على شط نهر أو مشرعة ليس فيها سترة، فإنه لا يفعل، ولو فعل، قالوا: يصير فاسقاً؛ لأنه كشف العورة من غير ضرورة، والغسل في الاستنجاء غير مقدر، ولكن يغسل حتى يطمئن قلبه.
من أدخل أصبعه عند الاستنجاء في الدبر ينتقض وضوءه، ويفسد صومه؛ لأن أصبعه لا تخلو عن اليلة السائلة.
إذا استنجى في الصيف بالغ أيضاً، ولكن لا يبالغ كما يبالغ في الشتاء، فإذا استنجى في الشتاء بماء مسخّن كان كمن استنجى في الصيف، لكن ثوابه دون ثواب من استنجي بماء بارد.
الرجل إذا خرج دبره وهو صائم، فينبغي أن لا يقوم من مقامه حتى ينشف ذلك الموضع بخرقة؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك عسى يدخل الماء جوفه تحرزاً عن فساد الصوم.
المستنجي لا يتنفس في الاستنجاء إذا كان صائماً، لهذا ينبغي أن يستنجي بعدما خطا خطوات؛ لأنه عنى يخرج من قبله شيء، فيحتاج إلى إعادة الطهارة.
الاستنجاء سنة، وليس بفرض ولا واجب؛ لأنه عضو لمكان المخرج.
ويجوز الاستنجاء بالأعيان الطاهرة نحو: الحجر والمدر وغيره، ويكره الاستنجاء بالزوث؛ لأنه نجس، وكذلك يكره بالعظم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه.
وسنة الاستنجاء ثلاثة أحجار أو ثلاثة أمدار أو بحجر له ثلاثة أحرف، واتباع الماء للأحجار أدب لقوله تعالى: (فِيهِ رجال يُحبون أن يتطهَرُوا) وذا نزل في أهل قباء كانوا يتتبعون الماء للأحجار.
وإن كان ما أصابته النجاسة أكثر من قدر الدرهم فإزالة ذلك بالماء فرض إذا تعدت عن موضع
الجزء 1 · صفحة 40
الاستنجاء، وذلك أكثر من قدر الدرهم، أما إذا لم يكن لكن إذا ضمت مع موضع الاستنجاء يصير
أكثر من قدر الدرهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى: لا تفتر من إزالة ذلك بالماء، بل يكفيه الاستنجاء بالأحجار، وعند محمد حمه الله تعالى: لا يكفيه؛ لأنه كثير. هما يقولان: إن النجاسة في موضع الاستنجاء ساقطة شرى، كان لا نجاسة بدلالة أنه لا يكره تركها ولو كان لها عبرة يكره كما لو كان في غير هذا الموضع، فبقيت العبرة للنجاسة التي في غير هذا الموضع، وتلك النجاسة ليست بأكثر من قدر الدرهم ويستنجي بيساره لا بيمينه هكذا فعل رسول الله والله تعالى أعلم.
الفصل السادس
في المسح على الخفين وغير ذلك إلى آخره
أما المسح على الخفين:
من أنكر المسح على الخفين يخاف عليه الكفر؛ لأنه ورد فيه في الأخبار ما يشبه التواتر. إذا لبس المكعب، ولا يرى في كعبه إلا مقدار أصبع أو أصبعين جاز المسح عليه، وقد نص في الزيادات: لو كان معه خف لا ساق له وذكر الجواب على نحو هذا. الخف الذي لا ساق له يراد به المكعب.
المسح على الجوربين:
الجورب إذا كان من الجلد ويلبس معهما التعلين جاز في قولهم، وإذا كان من الصوف فهما ثخينين؟ فيه خلاف معروف عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا يجوز، وعندهما يجوز. وروى محمد بن سلمة بإسناده عن أبي حنيفة: أنه مسح على الجوربين قبل موته بثلاثة أيام، فرجع إلى قولهما، وعليه الفتوى.
المسافر إذا مضى مدة المسح وهو يخاف من نزع الخفين ذهاب رجليه من البرد حل له المسح على الخفين كما حلّ المسح على الجبابر؛ لأن فيه ضرورة، وإن كان لا يخاف ينزع الخفين، ويغسل القدمين؛ لأنه لا ضرورة فيه.
و تفسير المسح على الخفين أن يمسح على ظهر قدميه ما بين أطراف الأصابع إلى الساق، ويفرج بين أصابعه قليلاً.
الجزء 1 · صفحة 41
إذا مسح خفه أو رأسه ببلل في يده والبلل ليس يتقاطر يجزيه إذا كان بللاً غير مستعمل؛ لأن الواجب هو المسح وآلة المسح هو البلة ولهذا روي عن أصحابنا أن من مسح رأسه بالثلج أجزاء مطلقاً، ولم يفصل بين بلل قاطر، وبلل غير قاطر.
من لم يمسح خفه، فمشى في الفلاة، فأصاب خفيه الطل، والطل بالفارسية مريجاب تكلموا فيه، منهم من قال: مديجاب نفس داية تكون في البحر، تنفس في الفلاة، فتبتل منها الأشياء، فإن كان على هذا لا يجزئه؛ لأنه ليس بماء، ومنهم من قال: لا، بل هو ماء، فإن كان على هذا؟ يجوز وليس هذا بشيء معروف في الفقه، والمظاهر أنه ماء. أما إذا كان في الخف شق يدخل فيه ثلاثة أصابع إن أدخله، إلا أنه لا يرى شين من الرجل جاز عليه المسح؛ لأن المانع هو الخرق الظاهر الذي ترى منه الرجل.
المسح على الخفين في حق المقيم مقدر بيوم وليلة من وقت الحدث، وفي حق المسافر: بثلاثة أيام بلياليها هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإنما اعتبرت المدة من وقت الحدث لا من وقت اللبس، لأن الخف يمنع حكم الحدث، والمنع يكون من وقت الحدث.
وشرط جواز المسح أن يكون اللبس على طهارة كاملة، سواء غسل الرجل أولاً، ولبس الخف، ثم أكمل الطهارة، أو لبس على طهارة كاملة؛ لأن الشرط أن تكون الطهارة على اللبس قبل الحدث، فيمنع حكم الحدث عن الرجل والمسح يصح بدون النية؛ لأن العمل للماء، والمسح من الحدث دون الجنابة؛ لأن الجواز لدفع الحرج، ولا حرج فيها لقلة وقوعها.
المستحاضة وصاحبة الجرح السائل يمسحان في وقت الصلاة، ولا يمسحان بعد ذهابه؛ لأنه لما ذهب الوقت ظهر حكم الحدث السابق في وقت اللبس لوجود السيلان من ذلك الوقت، فظهر أن اللبس حصل لا على طهارة، والمسح مقدر بثلاثة أصابع اليد؛ لأن المسح يكون باليد.
المسافر: إذا أقام قبل مدة المسح مسح تمام مدة الإقامة؛ لأن السفر قد بطل، والمقيم: إذا سافر يمسح مدة السفر إذا كان قبل تمام مدة الإقامة؛ لأنه مسافر، وحكم الحدث بعد لم يحل في الرجل.
وإذا نزع خفيه أو أحدهما غسل رجليه فحسب؛ لأن الحكم فيهما لا غير ولو نزع أحد الجرموقين، ثم مسح على الخف الذي ظهر وأعاد على الجرموقين، ثم الباقي؛ لأن انتقاض المسح لا يتجزأ، كما أن
الجزء 1 · صفحة 42
انتقاض الطهارة لا يتجزأ، فإذا انتقض في أحدهما انتفض في الآخر.
ولو لبس خفيه، ثم أحدث، ثم لبس حرموقيه على خفيه، ثم توضأ؟ مسح على حقيه دون جرموقيه؛ لأن الحدث قد سرى إلى الخف، فلا يرتفع بلبس الجرموقين؛ لأنه مانع لا رافع، ولو، توضأ ولبس خفيه وجرموقيه على خفيه، ثم أحدث وتوضأ ومسح على جر موقيه، ثم نزعهما مسح على خفيه؛ لأن الجرموق كان مانعاً سراية الحدث إلى الخف فإذا نزع الجرموق زال المانع، فسرى إلى الخف، كما لو مسح الخف إذا نزع الخف لزمه
غسل الرجل بخلاف ما لو مسح الشعر حيث لا تلزمه إعادة المسح، لأن الشعر من الرأس خلقة فإذا مسح الشعر، فقد مسح الرأس فلا تلزمه إعادته بإزالته، كما لو غسل ثم قشرت الجلدة وجهه من لا تلزمه إعادة الغسل، أما ها هنا الجرموق ليس من نحف ولا الخف من الرّجل، لكنه مانع سراية الحدث إلى ما تحته، فإذا زال سرى الحدث إليه لزوال المانع، وللماسح أن يؤم للغاسل؛ لأن الحدث حل الخف وقد زال بالمسح وإذا وقع قدمه في الساق انتقض مسحه؛ لأن الساق ليس بموضع للمسح، فكان خروج القدم إليه كخروجه من الخف. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: وكذلك إذا خرج أكثر من نصف القدم إلى الساق، وإن لم يخرج القدم إلى الساق، لكن ارتفع شيء من العقب إلى الساق لم يبطل، وروي عن محمد: أنه إذا بقي مقدار ثلاثة أصابع من العقب في الخف لا ينتقض مسحه، وروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه إذا ارتفع أكثر العقب انتقض المسح ولو مسح بظاهر كفه أجزأه لحصول المقصود بوصول الماء إلى الخف، ولا يجوز مسح أسفل الخف ولا الساق. أما الأسفل: فلان السنة جاءت بمسح ظاهره حتى ة قال رضي الله تعالى عنه: لو كان الذين رأياً لرأيت المسح على باطن الخف أولى من المسح على ظاهره، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على ظاهر الخف، وأما الساق: فلانه لا يجب، فلا يجوز المسح على ما يقابله من الخف.
الخرق القليل لا يمنع المسح؛ لأن خفاف أكثر الناس لا تخلو عنه، فلو كلفوا النزع لذلك لخرجوا، وتخلوا عن كثير خرق.
وحد الكبير: مقدار ثلاثة أصابع الزجل أصغرها؛ لأنها أكثر الرجل، وقد جعلنا في مسح الرأس والخف الثلاث أصابع حكم الكل، فكذا في الانكشاف.
والخرق المانع ما يستبين ما تحته فأما إذا كان الخرق طولاً لا ليستبين ما تحته لا يمنع المسح وتجمع
الجزء 1 · صفحة 43
الخروق من رجل واحد ولا تجمع من رجلين دفعاً للحرج، بخلاف النجاسة على الخفين حيث تجمع في الوجهين؛ لأن الخرق إنما يمنع المسح باعتبار المانع في قطع السفر، به وهذا يوجب الفرق بين الخف والخفين. أما النجاسة: مانعة بعينها كيلا يصير مستعملاً للنجاسة، وهذا لا يوجب الفرق بينهما.
وأما المسح على الرأس:
إذا مسح رأسه بأطراف أصابعه؟ إن كان الماء متقاطراً جاز، وإن كانت مبتلة، ولم تكن متقاطرة؟ لم يجز؛ لأن الماء إذا كان متقاطراً فالماء ينزل من أصابعه إلى أطراف الأصابع، فإذا مده كان آخذاً ماء جديداً.
إذا مسح بأصبع واحد، ثم بلها، ومسح ثلاثاً إن مسح في كل مرة في غير الموضع الذي مسح أولاً؟ جاز؛ لأنه: كانه مسح بثلاثة أصابع، ولو مسح بالإبهام والسبابة إن يصير الذي مسح فكأنه كان مفتوحاً جاز؛ لأن ما بين إصبعين مقدار أصبع واحد، صبح بثلاثة أصابع، ومسح الرأس مقدر بربع الرأس، وقال بعضهم: مقدر بثلاثة أصابع اليد؛ لأن الله تعالى أمر ذلك الته، وذلك هي اليد فكانت الآلة مذكورة. مقتضى الأمر، بالمسح، فاقتضى. والمقتضى لا عموم له، فانصرف إلى الأدنى، وثلاثة أصابع أكثر اليد، وللأكثر حكم الكل، وأنه دون الكل فحددناه به حتى يكون التحديد بكل آلة. هو أدنى، فإن مسحه بثلاثة أصابع وضعاً لا مذا؟ أجزاء، فإن مسح بأصبع واحد قدر ثلاثة أصابع مذا؟ لا يجزيه، وإن مسح بأصبعين؟ لا يجزيه إلا أن يكون إبهاماً أو سبابة لما ذكرنا.
والسنة في مسح الرأس مرة واحدة لما روي عن معاذ رضي الله تعالى عنه أنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَرَأَيْتُهُ تَوَضأَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّتَيْنِ وَرَأَيْتُهُ تَوَضُأَ ثَلاثاً ثَلَاثَاً، وَمَا رَأَيْتُهُ مَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ إِلا مَرَّةً وَاحِدَةً، والاستيعاب فيه سنة، كذا روي وضوء النبي.
وأما المسح على الجبائر:
رجل بأصبعه قرحة أدخل المرارة في أصبعه والمرهم تجاوز موضع الفرحة، فتوضأ، ومسح عليها جاز، لأن هذا أمر لا بد منه، وكذا القرحة إذا كانت على يده، فجعل عليها الجبائر وهو زائد على موضع القرحة جاز له أن يمسح عليها إذا استوعب المسح العصابة، وكذا في حق المفتصد؛ ولأن القاضي أبا علي النسفي رحمه الله تعالى: لا يجيز المسح على عصابة المقتصد ويقول: يجوز على خرقة المقتصد لا غير. فأما ما تأخذه العصابة يغسل، ويفرق بينه وبين القرحة، والفتوى اليوم على الأول.
الجزء 1 · صفحة 44
رجل به جرح يخاف إن غسله يضره، فمسح على العصابة، فسقطت العصابة، فبدلها بعصابة أخرى، فالأحسن أن يعيد المسح، وإن لم يعد؟ أجزاء؛ لأن المسح على الأول بمنزلة الغسل لما تحته، بدليل أنه لو أتى عليه أيام يجوز ولا يقدر بوقت، فصار كما لومسح، ثم جز شعره.
ومن ربط خرقة به أو جباير على ما انكسر، وذلك في موضع وضوء جاز أن يمسح عليه؛ لأنه عجز عن غسله، فيكتفى بمسحه، وإن لم يمسح، وذلك لا يضره لم يجز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: روايتان: في رواية: مثل قولهما، وفي رواية: يجوز لهما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ أَمَرَ عَلِيًّا رَضِي اللهُ تَعَالَى عَنْهُ حِينَ كُسرت إحدى الديه في يوم أحد بربط الجبائر عليها والمسخ فوقها.
والأمر للوجوب.
ولأبي حنيفة: أن المسح يقام مقام الغسل فيما يفرض غسله، لولا الشائر، كما في الخف، وهنا لولا الساتر لكان لا يفترض غسل ما تحت الجبائر، لمكان العذر، فعند وجود السائر لا يفترض المسح وكذا تبين أن أمر النبي عليا رضي الله تعالى عنه ما كان بطريق الوجوب.
ولو سقطت الجبيرة بعدما مسح يمضي في صلاته، وإن لم تبرأ؛ لأن غسل ما تحت الجبائر لم يجب؛ لأنه لم يقدر عليه، فإذا مضى في صلاته لم يكن مصلياً مع الحدث بخلاف ما لو سقطت عن برء وبخلاف ما لو سقط الخف الممسوح والله تعالى أعلم.
الجزء 1 · صفحة 45
الفصل السابع
في التيمم
رجل أراد أن يتوضأ فمنعه إنسان من التوضي بوعيد قيل: ينبغي أن يتيمم ويصلي ثم يعيد الصلاة بعد ما زال عنه ذلك؛ لأن هذا عذر جاء من قبل العباد فلا يسقط عنه فرض الوضوء، وإذا تيمّم فمسح الأكثر من وجهه وذراعيه وكفيه لا يجوز هو المختار؛ ولأن التيمم خلف عن الوضوء، وفي الوضوء يشترط الاستيعاب، فكذا في التيمم، حتى لو لم يمسح تحت الحاجبين وفوق العينين أو لم يحرك خاتمه وخاتمه ضيق لا يجزيه.
رجل كان في البادية وليس معه إلا قمقمة من ماء زمزم في رحله، وقد رصص رأس القمقمة لا يجوز التيمم إذا كان لا يخاف عليه العطش؛ لأنه واجد للماء، وكثير مما يبتلى به الحاج الجاهل، والحيلة في الجواز أن يبيعها من غيره ثم يستودعها الماء الموضوع في الفلوات في الجب أو نحو ذلك، ويجوز للمسافر أن يتيمم؛ لأنه لم يوضع للوضوء وإنما وضع للشرب، فكان الوضع دلالة الإباحة في نوع فلا يستعمل في غيره إلا إذا كان الماء كثيراً فحينئذ يستدل به على أنه وضع للوضوء والشرب جميعاً.
الماء الموضوع في الفلوات في الجب ونحوه يجوز شربه للفقير وللغني؛ لأنهما يستويان في الحاجة إليه في هذا الموضع، وكذا الثمار إذا جعل للمارة يستوي في ذلك الفقير والغني. وهذا بخلاف الصدقة؛ لأن الصدقة تمليك من الفقير وهذا إباحة للفقير والغني جميعاً. مثال هذا المسجد والمقبرة، وسرير الجنازة، وثيابها، والرباط ونحوذلك من المصحف للقراءة، وغير ذلك يستوي فيه الفقير والغني لاستوائهما في الحاجة.
المريض إذا أقعده المرض بحيث لا يستطيع الحركة إن كان له خادم أو عنده من الحال مقدار ما يستأجر به أجيراً أو بحضرته من المسلمين ما لو يستعان به على الوضوء أعانه وهو بحال لو وضاء لا يدخله الضرر لا يجوز له التيمم؛ لأنه قادر على التوضي بخلاف المريض إذا لم يقدر على الصلاة قائماً ومعه قوم لو استعان بهم في الإقامة والثبات على الإقامة جاز له الصلاة قاعداً إلا أن يخاف على المريض زيادة الوجع في قيامه ولا تلحقه زيادة الوجع في وضوءه.
من سقط فأصاب رجله وجع لا يقدر على القيام ولا على غسل رجليه يتوضأ ويمسح على ذلك العضو ولا يتيمم إلا من عجز عن غسل أكثر الأعضاء فحينئذ يجوز له التيمم، وكذلك الجنابة؛ لأن
الجزء 1 · صفحة 46
للأكثر حكم الكل، وإن كانوا سواء يغسل ويمسح حتى قال محمد: إن كان على اليدين قرح لا يقدر على الغسل وفي وجهه مثل ذلك يتيمم وإن كان بيده خاصة توضاً.
إذا تيمم الجنب لدخول المسجد أو لقراءة القرآن لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم لأنه لم يقع للصلاة، ولو تيمّم لصلاة الجنازة أو لسجدة التلاوة أجزاء أن يصلي المكتوبة لأنه وقع للصلاة أو لجزء من الصلاة.
إذا تيمم المسافر بالملح إن كان مائياً لم يجز؛ لأنه ليس من أجزاء الأرض، وإن كان جبلياً جاز؛ لأنه من أجزاء الأرض.
رجل رأى التيمم إلى الرسغ أو الوتر ركعة واعتقد أن ذلك حق وصواب، فصلى على ذلك زماناً، ثم رأى الوتر ثلاثاً، والتيمم إلى المرفق لا يعيد ما صلى؛ لأنه مجتهد، وإن فعل ذلك من غير أن يسأل أحداً ثم سأل فأخبر بثلاث يعيد ما صلى؛ لأنه مجتهد.
رجل أصابه الغبار فمسح وجهه وذراعيه وأراد به التيمم أجزاء؛ لأنه وجد المتيمم بصعيد الطاهر.
متيمم مر على ماء في موضع لا يستطيع النزول إليه لخوف من عدو أو سبع يخاف على نفسه لا ينتقض تيممه؛ لأنه غير قادر.
خمسة من المتيممين إذا وجدوا من الماء مقدار ما يتوضأون به ينتقض تيممهم جميعاً؛ لأن كل واحدٍ منهم صار قادراً وقد وجد ما يوضيه.
رجل قال هذا الماء يتوضأ به أيكم شاء انتقض تيممهم جميعاً بهذا المعنى، فلو قال: هذا الماء لكم جميعاً فإنّه لا ينتقض بتيممهم؛ لأنه على قول أبي حنيفة لا تصح هذه الهبة، وعلى قولهم إن صحت فقد أصاب كل واحد ما لا يكفي الوضوء به، ولو أذن كل واحد منهم لواحد بالوضوء عند أبي حنيفة لا يجوز إذنهم؛ لأن الهبة فاسدة، وعندهما صح إذنهم فانتقض تيممه.
إذا تيتم الرجل يخلل أصابعه فإن ترك لم يجزء؛ لأن الاستيعاب شرط هو المحتار. قوم متيممون دخلوا في الصلاة فجاء رجل، وقال: من يريد منكم الماء؟ النقض تيممهم؛ لأن كل واحد منهم قدر على الماء.
الجزء 1 · صفحة 47
قوم متيممون، منهم متيمم من حدث ومنهم من جنابة، وإمامهم متوضي، فجاء رجل وقال: هذا الماء لمن شاء منكم فسدت صلاة المتيممين من حدث، وصلاة المتيقمين من جنابة جائزة؛ لأنهم لم يجدوا من الماء ما يكفي لهم ولو كان إمامهم متيغماً من حدث فسدت صلاة الكل؛ لأنه لما فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المقتدي، وإن كان الإمام متيمماً من جنابة فصلاته وصلاة من خلفه تامة إلا صلاة المتيممين من حدث، فإنها فاسدة. هذا إذا كان الماء لا يكفي للاغتسال وإن كان الماء يكفي للاغتسال فإن كان الإمام متوضئاً فصلاته وصلاة المتوضئين تامة، وصلاة المتيممين مطلقاً فاسدة، ولو كان الإمام متيمماً عن أي شيء كان فسدت صلاتهم جميعاً لما ذكرنا.
ثلاثة نفر في السفر أحدهم جنب، والأخرى امرأة طهرت من حيضها، والآخر ميت، ومعهم من الماء ما يكفي لغسل أحدهم؟ إن كان الماء لأحدهم فهو أحق به؛ لأنه ملكه، وإن كان الماء لهم لا ينبغي لواحد منهم أن يغتسل به؛ لأن للميت نصيباً فيه، وينبغي لهما أن يصرفاه إلى الميت ويتيمما وإن كان الماء مباحاً فالجنب أحق به؛ لأن غسله فريضةً ويصلح إماماً للمرأة، ويتمم الميت؛ لأن غسله سنة.
الأسير إذا كان في أيدي العدوّ فإنه يتيمم ويومى إيماء؛ لأنه عجز عن الأصل في الصلاة والوضوء جميعاً فيصير إلى الخُلْفِ في الصَّلاة، وهو الإيماء، وفي الوضوء وهو التيمم، فإذا خرج تجب عليه الإعادة؛ لأنه لم تظهر طهارة التيمم، ويصلي، وإذا خرج يعيد كذا هنا.
كيفية التيمم: أن يضرب يديه على الصعيد ثم ينفضهما ويمسح وجهه بهما ثم يضرب ضربة أخرى ويمسح بهما ظاهر ذراعيه إلى المرفقين ثم يمسح باطن ذراعيه إلى الرسع كذا روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم
ولا يصح التيمم بدون النية؛ لأن التراب عرف طهوراً حالة إرادة الصلاة، ولو تيمم للناقلة جاز أداء المكتوبة به؛ لأن التراب حال عدم الماء يعمل عمل الماء فيجوز به أداء الصلاة ما دام عديم الماء.
ولو تيمم الكافر بنية الإسلام ثم أسلم لا يجزيه ذلك، وقال أبو يوسف: يجزيه إذا نوي به الإسلام؛ لأنه نوى العبادة، وإنا نقول: عبادة تصح بدون الطهارة فلا يجوز التيمم لأجلها كما لو تيمم بنية الصوم. قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: يجوز التيمم بكل ما كان من أجزاء الأرض نحو الطل والجص والثورة والزرنيج والمرداسنج ". وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بالتراب والزمل؛ لأن المراد من الصعيد المذكور في النص: هو وجه الأرض والطيب هو الطاهر فشر طناهما، وقال أبو حنيفة: يجوز
الجزء 1 · صفحة 48
التيمم بالآجر؛ لأنه من وجه الأرض وعند محمد يجوز إذا كان مدقوقاً.
إذا تيقم بالذهب والحديد والفيروزج والنحاس والرصاص وكان مخلوطاً بالتراب إن كان عليه غبار يجوز وإلا فلا، ولو ضرب يده على صخرة لا غبار عليها أو أرض ندية لم يتعلق بيديه شيء يجوز التيمم عند أبي حنيفة.
المسافر إذا كان في رذغة وطين ولم يجد الصعيد ينفض ثوباً أو لبادة وتيمم جاز؛ لأنه من أجزاء الأرض، وإن لم يكن فيه غبار لطخ ثوبه حتى إذا جف تيمم؛ لأن هذا تحصيل التراب فيجب عليه ذلك كما يجب تحصيل الماء لو قدر عليه إن ذهب الوقت قبل أن يجف لا يتيمم بالطين ما لم يجف. لكن مشايخنا قالوا هذا قول أبي يوسف، فإن عنده لا يجوز التيمم إلا بالتراب أو بالزمل. فأما عند أبي حنيفة فإن خاف ذهاب الوقت تيمم بالطين؛ لأن التيمم عنده بالطين جائز؛ لأنه من أجزاء الأرض إلا أنه لا يتيمم قبل خوف ذهاب الوقت كيلا يتلطخ وجهه فيصير بمعنى المثلة، هذا إذا لم يقدر على الصعيد. أما إذا قدر عليه مع. هذا لو نفض ثوبه وتيمم بغباره جاز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا يجزيه؛ لأن الجواز عنده متعلق بالتراب أو بالرمل ولم يوجد.
مقطوع اليدين من المرفقين لا بد له في الوضوء من أن يغسل موضع القطع وفي التيمم يصيبه أيضاً وفوق ذلك ليس بواجب عليه؛ لأن المرفق من أعضاء الوضوء، والتيمم، فيجب غسله ومسحه بخلاف ما فوقه؛ لأنه ليس من أعضاء الوضوء والتيمم، ولو تيغم مسافر ومعه ماء في رحله لم يعلم به حتى صلى جازت صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يجوز؛ لأن الشرط عدم الماء بالنص ولم يوجد؛ لأن النسيان يضاد الذكر دون الوجود، وصار هذا كالمكفر بالصوم إذا كان في ملكه رقبة فنسيها لم يجزيه
لما قلنا كذا ها هنا هما يقولان: إن الشرط هو العجز عن استعمال الماء الموجود و صار عبارة عن القدرة على الاستعمال وقد تحقق العجز عن الاستعمال بسبب الشبان فوجد الشرط بخلاف المكفر بالصوم؛ لأن الوجود ثمة عبارة عن الملك دون القدرة على الإعتاق بدليل أنه لو وهب رقبة الفقير جاز أن لا يقبل ويكفر بالصوم لكن لما عدم الملك جاز التكفير بالصوم والملك موجود مع النسيان.
الرجل الصحيح في المصر إذا أجنب وهو يخاف على نفسه من البرد ولا يجد ماء سخيناً يتيمم ويصلي ولا يعيدها في قول أبي حنيفة. وقالا: لا يجزيه. هما يقولان: إن عدم ما يدفع البرد عن. نفسه في
الجزء 1 · صفحة 49
المصر نادر والنادر لا حكم له وهو يقول في حق الفقير: ليس بنادر فصار هذا والمفازة في حقه سواء على أن الخلاف فيما إذا تحقق العجز.
إذا تيمم ثم تيمم غيره من ذلك الموضع جاز؛ لأن التراب لا يصير. مستعملاً؛ لأن المستعمل ما التزق بيده وهو كفضل ماء في الإناء، والتيمم من الحيض، والحدث، والجنابة، والنفاس سواء، ولو كان معه ماء وهو يخاف العطش جاز التيمم؛ لأن الماء كالعدم في حقه لحاجته إليه.
إذا خرج من المصر لغير السفر فلم يجد الماء جاز له التيمم لقيام العذر: بعضهم: قدر المسافة بينه وبين الماء بالميل، وقال بعضهم: إذا صار بحال لا يسمع صوته ولا يسمع أصوات الناس جاز له التيمم، والعبرة للخروج فإذا خاف المريض زيادة المرض بالتوضي جاز له التيمم؛ لأن زيادة المرض سبب عن الهلاك فيكون عذراً.
المحبوس في المصر إذا لم يقدر على الماء يتيمم ويصلي ثم يعيد، وعن أبي يوسف أنه لا يعيد؛ لأنه عاجز عن استعمال الماء فجاز له التيمم، وإنا نقول: العجز جاء من قبل العباد فلا يؤثر في إسقاط حق الله تعالى. أما إذا حبس في السفر لا يعيد؛ لأن الأصل ثمة عدم الماء فبالحبس تحقق ما هو الأصل، ولو حبس في مكان نجس ولم يجد ماء نظيفاً ولا تراباً طاهراً فإنه لا يصلّي عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: يصلي بالإيماء ثم يعيد تشبهاً بالمصلين كما في الصوم، وإنا نقول: إنه ليس بأهل للأداء فلا يلزمه التشبه كالحائض لا يلزمها التشبه بالمصلين ولا بالصائمين.
ويتيهم لصلاة الجنارة إذا خشي الفوت؛ لأنه لا يمكنه التدارك بعد الفوت وعن أبي حنيفة: في الأولى لا يتيمم؛ لأنه لا يخاف الفوت ولو تيمّم وصلى على جنازة وجيء بجنازة أخرى صلى عليها ولم يعد التيمم عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمه الله تعالى، وقال محمد: يعيد؛ لأن التيمم بطل؛ ولأنه جاز لضرورة. وقد زالت تلك الضرورة.
لهما: أن المبيح خشية الفوت وهذا قائم في حق الثانية ويتيمم لصلاة العيد إذا خشي الفوت، ولا يتيمم للجمعة وإن خشي فوتها: لأن فرض الوقت هو الظهر وأنها تفوت إلى الخلف ولا يتيمم لسجدة التلاوة لإمكان القضاء.
ويؤخر المسافر الصلاة إلى آخر الوقت إذا كان على طمع الماء فيحصل الأداء بأكمل الطهارة، وتأخير الصلاة استحباب وليس بحتم وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه حتم ويجوز التيمم قبل الوقت؛
الجزء 1 · صفحة 50
لأن التراب قائم مقام الماء حال عدم الماء مطلقاً وإذا أخبر أن بقربه ماء وغلب على ظنه ذلك يلزمه الطلب قدر غلوة ونحوها ولا يلزمه الطلب دون ذلك. لأن العدم أصل في هذه المواضع. وإذا وجد ما يباع بثمن المثل يلزمه الشراء؛ لأنه لا ضرر فيه، وإن زاد على ثمن المثل بما لا يتغابن الناس في مثله لا يلزمه الشراء لما فيه من الضرر وإذا وجد مع رفيقه ماء لا يلزمه الطلب عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى خلافاً لأبي يوسف لأن الملك الحاجز عن التصرفات قائم فلا يلزمه الطلب.
المصلي إذا وجد مع رفيقه ماء لا يدري أيعطيه أم لا؟ يمضي في صلاته ولا تبطل بالشك فإن فرغ وسأله فأعطاه يعيد بعد التوضي؛ لأنه تبين أنه كان قادراً فإن طلب وأبي ثم أعطاء بعد ذلك لا تلزمه الإعادة؛ لأنه إذا أبي تأكد العجز فلا تعتبر القدرة بعد ذلك. وعن محمد رحمه الله تعالى: إذا كان مع أحدهما إناء يغترف به من البئر ووعد لصاحبه أن يدفعه إليه أو العاري إذا وعد له الكاسي أن يدفع إليه الثوب بعد الفراغ من صلاته ينتظر وإن فات الوقت؛ لأن الظاهر هو الوفاء بالوعد فأنزل قادراً على الموعود وما يبطل الوضوء يبطل التيمم وكذلك يبطله رؤية الماء، وإن كان في خلال الصلاة؛ لأنه قدر على الأصل فيبطل حكم الخلف وإن رأى الماء بعد ما قعد قدر التشهد فسدت صلاته عند أبي حنيفة خلافاً لهما. وعلى هذا الخلاف: ماسح الخف: إذا مضى مدة. مسحه وهي المسألة الاثنا عشرية.
ولو رأى الماء بعد الفراغ من الصلاة لا تفسد صلاته؛ لأنه قدر على الأصل بعد تمام الحكم بالبدل فلا يبطل البدل ولو حال بينه وبين الماء سبع أو عدو أو ليس معه ما يستعين به جاز التيمم لقيام العجز والله أعلم بالصواب.
الفصل الثامن
في الأذان، وقراءة القرآن إلى آخره
أما الأذان:
المؤذن إذا أقام فهو بالخيار إن شاء مكث حتى يتم الإقامة وإن شاء مشى بعد ما انتهى إلى قوله قد قامت الصلاة؛ لأن كل ذلك مأثور.
رجل دخل المسجد والمؤذن يقيم ينبغي أن يقعد ولا يمكث قائماً؛ لأن هذا ليس أوان الشروع في الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 51
المؤذن إذا لم يكن حاضراً لا يذهب القوم إلى مسجد آخر بل يؤذن القوم، ويصلي وإن كان واحداً؛ لأن حق المسجد عليه فمتى صلى صار مؤدياً حق المسجد.
مؤذن مسجد ليس يحضر مسجده أحد يؤذن ويقيم ويصلي وحده أحب إلي من أن يصلي في غيره؛ لأن حق هذا المسجد عليه، وحق مسجد آخر ليس عليه.
تنحنح المؤذن عند الأذان والإقامة مكروه؛ لأنه بدعة.
عند أبي حنيفة: في قوم صلّوا في مسجد بغير أذان وإقامة أخطأوا السنة، وعن محمد رحمه الله تعالى: لو اجتمع أهل بلدة على ترك الأذان قاتلناهم، ولو ترك واحد ضربته وحبسته وكذلك في سائر السنن، وعن أبي يوسف لو امتنعوا عن إقامة الفرض نحو صلاة الجمعة، وإقامة الفرائض، وأداء الزكاة يقاتلون، ولو امتنع واحد ضربته. أما السنن نحو: صلاة الجماعة: أمرهم ولا أضربهم؛ لأن ذلك يليق بالفرائض دون السنن.
ويترسل في الأذان، ويُجوِّزُ في الإقامة، ويستقبل القبلة في الأذان والإقامة، ويحوّل وجهه يميناً وشمالاً في قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، ولا يحوّل قدميه، ولا باس بأن يستدير في صومعته ويجعل أصبعيه في أذنيه ليكون أبلغ في الإعلام، ويرفع صوته ولا يجهد نفسه؛ لأن الضرر منهي عنه، ولا يتكلم في الأذان؛ لأنه يخل بالنظم، والأحب أن يكون المؤذن على وضوء وإن لم يكن لا يعيد؛ لأنه ليس بصلاة.
وأما الإقامة: فتكره بغير وضوء؛ لأنه تشبه بمن يدعو ولا يجيب.
ويكره أن يؤذن أو يقيم جنباً؛ لأن الجنابة أغلظ من الحدث فعليه أن يعيد فإن لم يعد أجزاهم؛ لأن الإعلام قد حصل.
وبكره أن يؤذن قاعداً؛ لأنه يخل بالإعلام هذا إذا أذن للجماعة. أما إذا أذن لنفسه فلا بأس به، ويجوز للمسافر أن يؤذن راكباً ثم ينزل للإقامة كيلا يفصل بين الإقامة والشروع في الصلاة بالنزول، ويكره الأذان راكباً ثم ينزل في المصر لعدم الحاجة إليه، فإن أذنت امرأة يكره؛ لأن صوتها عورة، وعن أبي حنيفة أنه تلزمه الإعادة؛ لأنها إن لم ترفع صوتها لم يحصل المقصود.
الجزء 1 · صفحة 52
البصير أحب من الأعمى؛ لأنه أعرف بمواقيت الصلاة، والأذان في الصلوات الخمس والجمعة لا غير؛ لأن الشعائر تختص بالفرائض ولا يؤذن لصلاة قبل الوقت؛ لأنه لاستحضار القوم للأداء فيختص بالوقت، وعن أبي يوسف أنه يؤذن للفجر من النصف الأخير من الليل، ولو صلّى في بيته من غير أذان وإقامة لا يكره وإن أذن فهو أفضل مراعاة لسنة الجماعة، وعن أبي حنيفة في قوم صلوا في منزل أو مسجد بغير أذان وإقامة أنهم أساءوا بخلاف الواحد؛ لأن أذان الجماعة يكفي الأفراد دون الجمع.
المسافر يؤذن ويقيم وبكره ترك الإقامة دون الأذان الأن الأذان لإعلام الغاليين والإقامة للحاضرين وهم، حضور، وإن أذن واحد وأقام آخر فلا بأس به لما روي أنه أذن الله بلال وأقام عبد زيد الأنصاري الحاكي للأذان النازل من السماء. وإذا صلى أهل مسجد بالجماعة بأذان كره الأذان والجماعة بغيرهم إلا إذا كان المسجد على الطريق؛ لأنا لو جوزنا ذلك يؤدّي إلى تقليل الجماعة؛ لأن كل واحد يعتمد جماعة نفسه بخلاف ما إذا كان المسجد على الطريق؛ لأنه لا اختصاص الأحد، به ويفصل بين ا والإقامة بصلاة أو قعدة إلا في المغرب فإنه يفصل بينهما بالسكوت، وعندهما: بجلسة خفيفة؛ لأن الأذان والإقامة غيران في المقصود فلا بد من الفصل بينهما، والفصل أنها تتحقق بالجلسة وإنا نقول: الجلسة تؤدي إلى تأخير المغرب عن أول الوقت، وأنه مكروه فيفصل بالسكوت.
والسنة في الفائتة: أن يقضيها بأذان وإقامة كذا فعل رسول الله كلمة لما فاتته صلاة عداة ليلة التعريس.
ويجب على القوم أن يقوموا في الصف إذا كان الإمام معهم إذا قال المؤذن: حي على الصلاة؛ لأنه حث على القيام للصلاة، وإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام وكبرها في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة هذا إذا كان الإمام معهم. فإن لم يكن لا يقوموا حتى يأخذ مكانه، إذا دخل الإمام أمام الصفوف. أما إذا دخل خلف الصفوف فكلما جاوز صفاً يقوم ذلك الصف فإن كان الإمام هو المؤذن يتم الإقامة على باب المسجد وهو الأصح هكذا ذكر في الكافي.
وأما قراءة القرآن:
رجل قرأ في صلاته الحمد الله بالهاء والرّحمن الرّحيم بالهاء، وغير المغضوب عليهم بالذال، أو قل أعوذ بالدّال أو الله الصمد بالسين، أو قرأ في التشهد التحيات الله بالهاء، أو قال في ركوعه: سبحان ربي
الجزء 1 · صفحة 53
العظيم بالذال أو الضاد، أو سمع الله لمن حمده بالهاء، إن يجتهد بالليل والنهار في تصحيحه ولا يقدر عليه فصلاته جائزة؛ لأنه عاجز وإن ترك جهده فصلاته فاسدة إلا أن يكون الدهر كله في تصحيحه.
إذا صلى وقرأ في صلاته. الله بالشين أو بالثاء وهو الألثع ولا يطاوعه اللسان بسم على غير ذلك إن كان فيه تبديل الكلام تفسد صلاته.
ولو قرأ خارج الصلاة لم يكن مأجوراً؛ لأنه: يصير كلاماً آخر من كلام الناس، فإن أمكنه أن يتخذ من القرآن آيات ليس فيها تلك الحروف يتخذ وإلا فسدت، وعلى قياس المسألة الأولى: إذا كان يبذل جهده ولم يقدر لم تفسد صلاته، وبه يفتى إن كان لا يتبدل الكلام إن كان يمكنه أن يتخذ من القرآن آيات ليس فيها تلك الحروف يتخذ إلا فاتحة الكتاب فإنه لا يدع قراءتها في الصلاة وإن كان يقرأ نستعين بالشين أو نحو ذلك فلا ينبغي لغيره أن يقتدي به؛ لأن صلاته ناقصة.
الرجل إذا كان يعلم بعض القرآن ولم يعلم الكل، فإذا وجد فراغاً كان تعلم القرآن أفضل من صلاة التطوع؛ لأن حفظ القرآن على الأمة فرض وتعلم الفقه أولى من ذلك؛ لأن تعلم جميع القرآن فرض كفاية وتعلم ما لا بد منه من الفقه فرض عين والاشتغال بفرض العين أولى من ذلك.
الأمي إذا اقتدى بالقارىء فصلى ركعة ثم تعلم صورة مضى على صلاته؛ لأنه إذا كان خلف الإمام لم يكن عليه صورة بخلاف القارىء إذا وجد ثوباً في وسط صلاته حيث يستقبل الصلاة؛ لأن عليه ستر العورة.
رجل افتتح الصلاة ثم نام وقرأ في صلاته وهو نائم يجوز عن القراءة؛ لأن الشرع جعل النائم كالمنتبه في حق الصلاة تعظيماً لأمر الصلاة بالحديث وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي سُجُودِهِ بَاهَى اللهُ تَعَالَى بِهِ مَلائِكَتَهُ فَيَقُولُ: انْظُرُوا عَبْدِي رُوحُهُ عِندِي وَجَسَدُهُ فِي طَاعَتِي بخلاف ما إذا طلق النائم حيث لا يقع؛ لأنه يجوز أن يكون أهلاً للصلاة ولا يكون أهلاً للطلاق كالصبي تجوز منه الصلاة ولا يجوز منه الطلاق.
والمختار أنه لا تجوز الصلاة بقراءة النائم؛ لأن الاختيار شرط لأداء العبادة ولم يوجد.
رجل يقرأ القرآن وكلما انتهى إلى قوله تعالى: يَتأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا رفع راسه وقال: لبيك سيدي إن فعل ذلك في الصلاة فالأحسن أن لا يفعل، ولو فعل، قالوا: لا تفسد صلاته والأوجه أن تفسد؛ لأنه
الجزء 1 · صفحة 54
ليس من القرآن.
امرأة تتعلم القرآن من الأعمى إن تعلمته من امرأة كان أحب؛ لأن نعم المرأة عورة ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: التسبيحُ الرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ.
رجل يقرأ القرآن كله في يوم واحد والآخر يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ خمسة آلاف مرة فإن كان هذا قارئاً فقراءة القرآن كله أفضل؛ لأنه جاء في ختم القرآن ما لم يجىء في غيره.
القراءة في الركعتين من آخر السورة أفضل أو سورة بتمامها؟ ينظر: إن كان آخر سورة أكثر آية من السورة التي أراد قراءتها كان أفضل له ذلك وإن كانت السورة أكثر آية
فقراءة السورة أفضل؛ لأنه كلما طالت قراءتها كان ذلك أفضل لكن ينبغي أن يقرأ في كل من الركعتين آخر سورة واحدة أما لا ينبغي أن يقول في كل ركعة آخر سورة على حدة؛ لأن ذلك عند أكثر مشايخنا مكروه.
من يختم القرآن في الصلاة إذا فرغ من المعوذتين في الركعة الأولى يركع ثم يقوم في الثانية ويقرأ بفاتحة الكتاب، وشيئاً من سورة البقرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرُ النَّاسِ الْحَال الْمُرْتَجل، يعني: الخاتم المفتتح، وإذا ختم القرآن في الأولى فقد حل، وإذا افتتح فقد ارتحل فيه.
وقراءة الفاتحة في الركعتين الأخيرتين أحب من السكوت والتسبيح ليكون مؤذياً الصلاة الجائزة بيقين.
رجل أراد أن يقرأ في صلاته سورة فجرى على لسانه سورة أخرى فلما قرأ منها آية أو آيتين أراد أن يترك ويفتتح السورة التي أذاها يكره لقوله عليه الصلاة والسلام: إذا افْتَحْتَ سُورَةُ فَاقْرَأْ عَلَى نَحْوِهَا».
قراءة القرآن على التأليف في الصلاة لا بأس به لما روي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أَنْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانُوا يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ فِي الْفَرَائِضِ عَلَى التَّأْلِيفِ. ومشايخنا استحسنوا قراءة المفضل ليستمع القوم ويتعلموا.
إذا أراد إنسان قراءة القرآن يستحب أن يكون على أحسن الأحوال فيلبس صالح ثيابه ويتعمم
الجزء 1 · صفحة 55
ويستقبل القبلة؛ لأن القارىء يجب عليه تعظيم القرآن والعالم تعظيم العلم. القراءة في الأسباع جائزة، وفي المصحف جائزة وأحب؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يقرأون في المصاحف والأسباع محدثة.
إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، إن أراد القرآن يتعوذ قبله لقوله تعالى: فإذا قرأت القرآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ. وإن أراد الافتتاح كما يقرأ التلميذ على الأستاذ لا يتعوذ قبله؛ لأنه لم يُرذ قراءة القرآن ألا ترى أن رجلاً لو أراد أن يشكر فيقول: الحمد لله رب العالمين لم يحتج إلى التعوّذ قبله. فعلى هذا: الجنب إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم إذا أراد قراءة القرآن لم يجز، وإن أراد به افتتاح الكلام لا بأس به. قراءة {قُلْ هُوَ اللهُ أَحد ثلاث مرات عند ختم القرآن لم يستحسنه بعض مشايخنا. وقال الفقيه أبو الليث هذا شيء استحسنه أهل العراق وأئمة الأمصار، فلا بأس به؛ لأن ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن إلا أن يكون ختم القرآن في الصلاة المكتوبة لا يزيد على مرة واحدة، ولا بأس بأن يعلم النصراني القرآن؛ لأنه ربما يتوب.
إذا أراد إنسان ختم القرآن قال عبد الله بن المبارك: يعجبني؟ أن يختم في الصيف أول النهار وفي الشتاء أول الليل؛ لأنه إذا ختم أول النهار فالملائكة يصلون عليه حتى يمسي، وإذا ختم أول الليل فالملائكة يصلون عليه حتى يصبح.
رجل قرأ وركع وسجد وهو نائم فصلاته فاسدة؛ لأنه زاد ركعة لا يعتد بها فتفسد صلاته، وإن نام في ركوعه أو في سجوده جازت صلاته ولا يعيد شيئاً، ولو سجد وهو نائم؟ أعاد السجدة.
رجل قرأ القرآن في غير الصلاة لا يجب عليه أن يتعوذ عند افتتاح كل سورة؛ لأن الكل محل واحد فيكفيه التعوذ مرة.
رجل يكتب الفقه وبجنبه رجل يقرأ القرآن ولا يمكنه أن يستمع القرآن كان على القارىء الإثم؛ لأنه قرأ في موضع اشتغل الناس فيه بأعمالهم ولا شيء على الكاتب.
رجل يقول: سمع الله لمن حمده مكان النون اللام تفسد صلاته؛ لأنه صار لغواً وإن كان لسانه لا يطاوعه يترك.
المصلي إذا فرغ من فاتحة الكتاب فقال: آمين بتشديد الميم فسدت صلاته؛ لأن هذا ليس بشيء
الجزء 1 · صفحة 56
وقيل: عند أبي يوسف لا تفسد صلاته؛ لأنه يوجد مثله في القرآن وهو قوله تعالى: وَلَا أمين البيت الحرام وعليه الفتوى ويقول أمين بغير مد ولا تشديد أو آمين بالمد دون التشديد وأصله يا أمين استجب لنا إلا أنه أسقطت ياء النداء وأدخلت المد.
رجل كبر في الصلاة للزكوع ثم بدا له أن يزيد في القراءة لا بأس به، ما لم يركع؛ لأنه محل القراءة وهو القيام.
المصحف إذا صار كهناً إن صار بحال لا يقرأ فيه ويخاف أن يضيع يجعل في خرقة طاهرة ويدفن؛ لأن المسلم إذا مات يدفن فالمصحف إذا كان كذلك كان دفنه أفضل من وضعه موضعاً يخاف عليه أن تقع عليه النجاسة أو نحو ذلك.
يقرأ المقيم في الفجر قدر ثلاثين آية إلى ستين سوى الفاتحة وفي الظهر يقرأ مثل ذلك كذا روي عن النبي وفي العصر بعشرين آية وفي المغرب سورة قصيرة في كل ركعة كيلا يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول الوقت. وفي العشاء يقرأ مثل العصر؛ لأن الوقت وقت الكسل فلا يثقل الأمر على القوم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ رضي الله تعالى عنه. أَيْنَ أَنتَ مِنْ سُورَةٍ سَبح اسم ربك والشَّمْسِ، والصحى، والليل إذا يغشيه. وأنا في السفر يقرأ بعد الفاتحة أي سورة شاء؛ لأن السفر لما قضر أصل الصلاة فالسورة أولى وأما في الوتر فما قرأ فهو حسن، وعن النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه كان يقرأ في الركعة الأولى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وفِي الثَّانِيَةِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ: قُلْ هُوَ الله أحده".
وها هنا فصل لا بد من معرفته وهو التسمية والكلام فيها في ثلاث مواضع:
أحدها: أنها ليست من الفاتحة ولا من كل سورة عندنا خلافاً للشافعي رضي الله تعالى عنه.
والثاني: أنها آية من القرآن وهو الصحيح ..
والثالث: أنه يأتي بها في كل ركعة عند افتتاح قراءة فاتحة الكتاب ولا يعيدها مع كل سورة بعدها وهو الصحيح.
وأما الدعاء:
الجزء 1 · صفحة 57
رجل يدعو وهو ساهي القلب فإن كان دعاؤه على الشرقة فهو أفضل وإن لم يمكنه أن يدعو إلا وهو ساهي القلب، فالدعاء أفضل من تركه؛ لأنه ليس في وسعه أكثر من ذلك.
المصلي إذا دعاه أحد أبويه فلا يجيبه ما لم يفرغ من صلاته إلا إن كان يستغيث بشيء منه؛ لأن قطع الصلاة لا يجوز إلا للضرورة، وكذلك الأجنبي إذا خاف أن يسقط من سطح أو تحرقه النار أو يغرقه الماء وجب عليه أن يقطع الصلاة هذا إذا كان في الفرض، فأما في النوافل إذا ناداه أحد أبويه فإن علم أنه في الصلاة وناداه لا بأس بأن لا يجيبه وإن لم يعلم يجيبه.
السائل إذا قال على الباب: السلام عليكم لا يجب رد السلام عليه؛ لأن هذا السلام ليس للتحية بل لترويج السؤال فلا يجب الرد.
المصلي ينبغي أن يدعو في الصلاة بدعاء محفوظ لا بما يحضره؛ لأنه يخاف أن يجري على لسانه ما يشبه كلام الناس فتفسد صلاته، فأما في غير الصلاة فينبغي أن يدعو بما يحضره ولا يستظهر الدعاء؛ لأن حفظ الدعاء يمنعه من الرقة.
ويكره الدعاء عند ختم القرآن في شهر رمضان وعند ختم القرآن بجماعة؛ لأن هذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. لكن هذا شيء لا يفنى به؛ لأنه لا ينبغي أن يقال للعامة ما لا يفهمون.
إذا عطس المصلي فالأحسن أن يسكت مع هذا لو قال الحمد الله لا تفسد صلاته؛ لأنه ليس بكلام وليس بجواب، وإذا عطس خارج الصلاة فينبغي أن يحمد الله تعالى فيقول: الحمد لله رب العالمين، أو يقول: الحمد لله على كل حال، ولا يقول غير ذلك. وينبغي لمن يحضره أن يقول: يرحمك الله، ثم يقول: العاطس: يغفر الله لنا ولكم أو يقول: يهديكم الله ويصلح، بالكم ولا يقول غير ذلك، وإن عطس ثلاث مرات ينبغي أن يحمد الله تعالى فيقول: الحمد الله رب العالمين يقول في كل مرة ولمن حضره أن يشمته بينه وبينه ثلاث مرات فإذا زاد على الثلاث فالعاطس يقول: الحمد لله. أما من حضره إن شمتوه فحسن، وإن لم يفعلوا بعد الثلاث فحسن.
من عطس فقال رجل آخر هو في الصلاة: الحمد لله لم تفسد صلاته، إن أراد به الجواب ولو قال: يرحمك الله فسدت صلاته؛ لأن جواب غير العاطس اللعاطس ليس هو التحميد فلم يأت بما هو يصير مجيباً للعاطس فلم يكن جواباً، وإذا قال في صلاته اللهم ارزقني الحج لا تفسد صلاته؛ لأنه لم يشبه
الجزء 1 · صفحة 58
كلام الناس، وإن قال: اللهم اقض ديني تفسد؛ لأن هذا يشبه كلام الناس.
إذا رأى الزجل رؤيا تعجبه فليحمد الله تعالى عليها؛ لأن ذلك نعمة فليشكر على ذلك، وإن رأى رؤيا يكرهها فليتعوذ بالله من شرها فإن شاء يقضها، وإن شاء لا يقضها على أحد.
وأما الرياء لا يدخل في صوم الفريضة، وصوم التطوع، وفي سائر الطاعات يدخل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ نفى شركة الغير وهذا لم يذكر في سائر الطاعات.
رجل افتتح الصلاة يريد بها وجه الله تعالى ثم دخل بعد الافتتاح في قلبه الزباء، فالصلاة على ما أنس أولاً؛ لأن التحرز عما يعترض في أثناء الصلاة لا يمكن.
إذا أراد الرجل أن يصلي أو يقرأ القرآن فيخاف أن يدخل قلبه الزياء فلا ينبغي أن يترك؛ لأن ذلك موهوم.
الفصل التاسع
في الحدث الطارىء على الصلاة إلى آخره
أما الحدث الطاريء:
رجل سبقه الحدث في صلاته فخرج ليتوضأ فنزح الماء من البئر استقبل الصلاة سواء كان عنده ماء آخر أو لم يكن؛ لأن البناء إنما يجوز إذا لم يحدث شيئاً آخر ا، أما لو أحدث في الصلاة تفسد الصلاة إلا أن فعل فعلاً لا بد منه من المشي والاغتراف من الإناء يحمل للضرورة، وهذا الفعل منه بل في الجملة فلا ضرورة.
إذا وجد الدلو منخرقاً فخرز الدلو ثم نزح فهذا أولى بالفساد فإذا خرج ليتوضاً فاستنجى استقبل الصلاة.
إذا أبدى عورته كان عليه الاستنجاء أو لم يكن؛ لأن إبداء العورة فعل منه بد في الجملة فإن توضأ ورجع ونسي ثوباً من ثيابه في ذلك الموضع فذهب ليأتي به استقبل الصلاة؛ لأن هذا انصراف منه بد للبناء في الجملة، ولو ذكر أنه لم يمسح رأسه فرجع ومسح رأسه يجزيه البناء؛ لأنه فعل لا بدّ منه للبناء
الجزء 1 · صفحة 59
فإن لم يذكر حتى قام في الصلاة ثم ذكر استقبل؛ لأنه أذى جزءاً من الصلاة مع الحد فيفسد ذلك الجزء فيفسد الباقي.
المحدث إذا خرج من الجماعة ليتوضأ فإذا توضأ له أن يتوضأ منه ثلاثاً؛ لأن الفرض يقوم مقام الكل.
رجل صلى فسبقه الحدث في قيامه في موضع القراءة فذهب ليتوضأ فسبح في ذلك الوقت قبل أن يتوضأ فصلاته، تامة، وإن قرأ فصلاته فاسدة؛ لأنه أذى ركناً من الصلاة مع الحدث ويستوي الجواب بينهما، وإذاقرأ ذاهباً أو جائياً اختلفوا فيه منهم من قال: إن قرأ ذاهباً تفسد وإن قرأ جائياً لا تفسد ومنهم من قال على العكس والمختار ما قلنا؛ لأنه إن قرأ ذاهباً فقد أدى ركناً من الصلاة مع الحدث فإن قرأ جائياً فقد أذى ركناً من الصلاة مع العمل الكثير فتفسد صلاته.
رجل سبقه الحدث في الصلاة والماء بعيد وبقربه بئر يذهب إلى الماء؛ لأنه لو نزح الماء استقبل الصلاة فلا يمكنه البناء.
المصلي إذا سبقه البول في صلاته وانتضح البول وأصاب ثوبه منه شيء كثير جاز له
أن يتوضأ ويغسل ثوبه ويبني على صلاته هكذا ذكر في بعض المواضع وعلى قياس منا ذكرنا قبل هذا يجوز؛ لأن هذا فعل منه بد للبناء في الجملة وهو الأقيس.
رجل أم رجلاً واحداً فأحدثا جميعاً وخرجا جميعاً من المسجد فصلاة الإمام ناقة لأنه منفرد فيبني على صلاته، وصلاة المقتدي فاسدة؛ لأنه مقتد ليس له إمام في المسجد. إمام أحدث فقدم رجلاً من آخر الصف ثم خرج من المسجد فإن نوى الثاني أن يكون إماماً لهم جاز. أما إذا قام مقام الإمام فسدت صلاتهم إذا خرج الأول قبل أن يصل الثاني إلى مقامه؛ لأنه خرج وليس لهم إمام في المسجد فتفسد صلاتهم.
الإمام إذا أحدث فتوضأ من جانب المسجد والقوم ينظرون فرجع إلى مكانه وبنى على صلاته أجزاء وأجزأهم؛ لأن إمامهم في المسجد بعد، ولو لم يخلف الإمام إلا رجل واحد فتوضأ في جانب المسجد ورجع ينبغي أن يأتم بالثاني؛ لأن الثاني تعين إماماً عينه الأول أو لم يعينه.
الجزء 1 · صفحة 60
رجل صلّى بقوم في الصحراء فأحدث فتقدم إمامهم خطوتين قبل أن يقدم أحداً إن تقدم مقدار ما لو تأخر خرج من الصفوف فسدت صلاتهم؛ لأنه لو تأخر كان كذلك فكذا إذا تقدم في حق هذا الحكم ولو صلوا في البيت صار الخروج من البيت كالخروج من المسجد، والمحدث الذي سبقه الحدث يكون في الصلاة حتى يتوضأ، ولا يكون مصلياً؛ لأن الطهارة شرط أداء الصلاة ولم توجد.
وينبني على هذا مسائل:
منها: لو صلّى بالمسح على الخفين فذهب وقته وهو في الصلاة انتقضت صلاته، ولو أحدث فذهب وتوضأ وهو في وضوئه فذهب وقت المسح له أن يخلع خفيه ويتم وضوءه، ويبني على صلاته؛ لأنه في حالة الوضوء لم يكن مؤذياً للصلاة وفي غير حالة الصلاة له أن يخلع خفيه ويتم وضوءه، وفي حالة الصلاة ليس له أن يخلع خفيه، ولو فعل ذلك فسدت صلاته، وكذا من نام في الصلاة فهو في الصلاة ولم يكن مصلياً؛ لأن الاختيار شرط أداء العبادة ولم يوجد.
من قاء في صلاته ملء الفم تنتقض طهارته؛ لأنه حدث ولا تفسد صلاته؛ لأنه ليس بحدث عمداً فيتوضأ ويغسل فمه ويبني على صلاته فإن لم يغسل فمه بعد ما مضى على ذلك ساعات يجب أن يكون على قياس مسألة شرب الخمر على ما ذكرناه، وإن ابتلعه بعد ما قاء وهو قادر على أن يمجه فسدت صلاته؛ لأنه عمل كثير، وإن قاء أقل من ملء فيه لا تنتقض طهارته ولا تفسد صلاته؛ لأنه ليس بحدث وهل ينجس فمه؟ فهو على ما عرف في الجامع: أن ما ليس بحدث ليس بنجس، وإن ابتلعه ولم يمجه وهو قادر على أن يمجه يجب أن يكون على قياس قولهم في الصوم، وفي الصوم عند أبي يوسف: لا يفسد صومه فها هنا لا تفسد صلاته، وعند محمد روايتان لكن الأظهر انه يفسد صومه فها هنا تفسد صلاته.
رجل دخل المسجد والإمام والقوم في صلاة الظهر فأحدث الإمام فقده هذا الرجل وهو لا يعلم كم صلى إمامه؟ ينبغي أن يصلي أربع ركعات ويقعد في كل ركعة احتياط لتجوز صلاته وصلاتهم بيقين.
من سبقه الحدث فذهب ليتوضأ فانتهى إلى نهر وجاوز عنها إلى نهر آخر" وتوضأ فيه استقبل الصلاة؛ لأنه اشتغل بأمر لا يحتاج إليه.
من أراد أن يصلي ركعتين تطوعاً فلما صلى ركعة طلع الفجر كان الإتمام أفضل؛ لأنه وقع في
الجزء 1 · صفحة 61
التطوع بعد طلوع الفجر لا عن قصد فكان الإتمام أفضل.
الإمام إذا تكلم والمقتدي بعد لم يقرأ التشهد إن أحدث عمداً لم يقرأ التشهد؛ لأن الكلام بمنزلة السلام والإمام إذا سلم والمقتدي يقرأ التشهد يجوز أن يبقى المقتدي في حرمة الصلاة بعد سلام الإمام أما لا يجوز أن يبقى بعد حدث الإمام إذا كان عمداً.
إذا صلى الإمام بقوم ركعة فسبقه الحدث فقدم رجلاً وخرج من المسجد وتوضأ ثم جاء إلى المسجد فأمره قوم في المسجد الخارج أن يؤمهم فلم يتكلم وكبر تكبيرة أخرى جازت صلاته وصلاة القوم؛ لأنه لما كبر بنية الإمام خرج من الصلاة الأولى؛ لأنه كان مقتدياً بالثاني، وصلاة الإمام مع صلاة المقتدي صلاتان مختلفتان.
ولو أحدث الإمام فقدم رجلاً وتقدم آخر فأتم بكل واحد طائفة واستوت الطائفتان فسدت صلاتهم؛ لأن استخلاف القوم صحيح كاستخلاف الإمام؛ لأن الإمام يستخلف لهم وهم لما أتموا بهذا المتقدم فكأنهم استخلفوه فصار كأن الإمام قدم رجلين فاقتدى بكل واحد منهما طائفة واستوت الطائفتان فسدت صلاتهم كذا ها هنا. هذا إذا تقدما معاً أما لو تقدما على التعاقب صحت إمامة الأول وجازت صلاته وصلاة من خلفه، وفسدت صلاة الثاني وصلاة من خلفه؛ لأن الأول لما تقدّم بتقديم من له ولاية التقديم، وقام مقام الأول صار إماماً للكل كالأول، وصار الإمام الثاني ومن اقتدى به منفردين. فمن صار إماماً لهم فسدت صلاتهم. هذا إذا استوى الفريقان جميعاً أما إذا كان إحدى الطائفتين أكثر وقد تقدما معاً جازت صلاتهم؛ لأن الإمامة الصغرى معتبرة بالإمامة الكبرى وفي الإمامة الكبري لو تابع الناس رجلين لم يصر واحد منهم إماماً، ولو تابع أكثر الناس رجلاً والأقل رجلاً كان الذي تابعه الأكثر يصير إماماً، ولو استوى الفريقان لم يصر واحد منهما إماماً.
ولو أحدث الإمام فقدم مسبوقاً أتم صلاة الإمام وتأخر وقدم رجلاً آخر أدرك أول صلاته ليسلم بهم وقضى المسبوق بعد ذلك ما فاته.
أما جواز الاستخلاف من الأول؛ لأنه شرع لإصلاح صلاة القوم والمسبوق منهم فصح استخلافه إياها.
وأما جواز الاستخلاف من المسبوق؛ فلان السلام سنة الصلاة والمسبوق عاجز عنه فيستخلف واحداً من القوم ليحصل السنة هذه والأولى الأول أن لا يستخلف المسبوق وللمسبوق أن لا يقبل
الجزء 1 · صفحة 62
الخلافة وإذا قبل يرجع ما لم ينته إلى مقام الأول فإذا انتهى إليه لا يرجع فيفعل ما قلنا والأول إذا توضأ أتم بالثاني؛ لأن الإمامة تحولت إليه فإن قضى في منزله بعد فراغ الثاني جاز؛ لأن الثاني خرج من الإمامة فلزمه الانفراد بما عليه وإن قضى في منزله قبل فراغ الثاني من الرابعة من قدر التشهد لم يجزء؛ لأنه لو جاز: إما أن يجوز على سبيل الاقتداء أو على سبيل الإنفراد؟ لا وجه إلى الأول؛ لأنه بينه وبين الإمام ما يمنع الاقتداء، ولا وجه إلى الثاني؛ لأنه انفرد في موضع الاقتداء.
ولو قهقه الثاني بعد التشهد وهو مسبوق فسدت صلاته وجازت صلاة أصحابه إن لم يكن منهم مسبوق. أما فساد صلاته؛ فلانه قهقه وقد بقي عليه بعض أركان الصلاة، وأما جواز صلاة أصحابه فلانهم خرجوا عن الصلاة وليس عليهم شيء من الأركان فلا تبطل صلاتهم وإن كان منهم مسبوق فسدت صلاته؛ لأنه خرج من الصلاة قبل أداء أركان الصلاة وأما الإمام الأول فصلاته فاسدة هو المختار؛ لأنه وإن أدرك أول الصلاة إلا أنه بقي عليه شيء من صلاته.
وقهقهة الإمام بمنزلة قهقهة المقتدي في حق فساد الصلاة، ولو قهقه بنفسه فسدت صلاته فكذا إذا قهقه الإمام، ولو قهقه الإمام بعد التشهد أو أحدث، متعمداً وخلفه مسبوق فسدت صلاة المسبوق، وعلى الإمام الوضوء في قول أبي حنيفة وقالا: لا تفسد ويبني، وأجمعوا أنه لو سلم أو تكلم الإمام وذهب لا تفسد صلاة المسبوق.
هما يقولان: إن هذا العارض لم يبطل صلاة الإمام بالإجماع؛ فلان لا يبطل صلاة غيره كان أولى.
أبو حنيفة يقول: إن هذا العارض أفسد جزءاً من أجزاء الصلاة التي هي صلاة الإمام لفقد الطهارة التي هي شرط الأداء فيفسد ذلك الجزء من صلاة المسبوق فإذا فسد منعه من بناء ما بقي على ما مضى. أما الإمام لم يبق عليه شيء من الأركان فاستغنى عن البناء.
ولو أحدث الإمام فقدم رجلاً جالساً عنده لم يقتد به بعد فتقدم وكبر فإن نوى أن صلاة الإمام الأول جازت صلاتهم؛ لأنه لما نوى الدخول في صلاة الإمام فقد صح الاستخلاف؛ لأنه استخلف واحداً من المقتدين؛ لأنه لما كبر الثاني ونوى الدخول في صلاة الإمام الأول صار مقندياً والإمام الأول في حرمة الصلاة بعد فيصح اقتداؤه كما لو اقتدى به قبل الحدث، وإذا صار مقتدياً به وقد بقي الإمام الأول بعد صحة الاقتداء به على الاستخلاف فصار مستخلفاً واحداً من المقتدين فيصح وإن كان مسبوقاً، وإن نوى أن يصلي بهم صلاة نفسه مستقبلة لم يصر مقتدياً بالإمام الأول فتبين أن الإمام الأول
الجزء 1 · صفحة 63
استخلف من ليس بمقتدى به فلم يصح الاستخلاف ففسدت صلاة القوم وصلاة هذا الثاني صحيحة؛ لأنه في حكم المنفرد فتصح صلاته بدون إمام وصلاة الإمام الأول، قال مشايخنا: ينبغي أن نقد؛ لأنه استخلف من لا يصلح خليفة له فتفسد صلاته كما لو استخلف جنباً.
ولو أحدث الإمام وقد اتصلت الصفوف خارجاً من المسجد فقدم رجلاً خارجاً فسدت صلاتهم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، وقال محمد رحمه الله تعالى: لا تفسد. محمد يقول: الصفوف المتصلة بالمسجد تجعل الموضع كالمساجد، ولهذا جاز الاقتداء فصار الاستخلاف من هذا الصف الموضع لا لاستخلاف من الصف في المسجد، وهما يقولان: نعم، لكن في حق جواز الاقتداء لا في جواز الاستخلاف؛ لأنه إنما جعل مسجداً لأجل الضرورة وفي حق الاستخلاف لا ضرورة فبقي في حق الاستخلاف خارجاً من ا المسجد من غير استخلاف فتفسد صلاتهم.
المحدث بالخيار إذا كان منفرداً إن شاء عاد إلى مكانه بعد ما توضأ، وإن شاء أتم في منزله احترازاً عن المشي والاستقبال أفضل ليكون الأداء بوصف الكمال فإن أصابه الحدث بدون صنعه كالشجّة يستقبل الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن ما يلزمه بصنع العباد لا يسقط حق الله تعالى.
وأما الأعمال المبطلة للصلاة:
رجل نظر إلى فرج امرأة قد طلقها عن شهوة وهو في الصلاة يصير مراجعاً ولا تفسد صلاته. أما الرّجعة ليكون النظر حلالاً و وعدم فساد الصلاة؛ لأنه ليس بعمل كثير ولو قبلها أو لمسها فسدت صلاته؛ لأنه في معنى الجماع والجماع عمل كثير.
المصلي إذا مشى في صلاته فإن كان مقدار صف واحد لا تفسد صلاته؛ لأنه عمل قليل وإن كان مقدار صفين فمشى دفعة واحدة فسدت صلاته ولو مشى من صف إلى صف ووقف، ثم مشى إلى صف آخر لم تفسد، ولو مشى من صف إلى صفين دفعة واحدة فسدت صلاته.
رجل نتف شعره في الصلاة إن نتف ثلاث شعرات فسدت صلاته؛ لأنه عمل كثير. المصلي إذا شدّ إزاره فسدت صلاته؛ لأنه عمل كثير؛ لأنه يحتاج فيه إلى اليدين وإذا حل لا تفسد؛ لأنه عمل قليل لأنه لا يحتاج فيه إلى اليدين وكذا إذا لجم دابته فسدت
الجزء 1 · صفحة 64
صلاته وإن نزع اللجام لا تفسد وإذا تخفف فسدت صلاته، وإذا خلع وهو واسع لا تفسد لما قلنا. المصلي إذا قتل القمل مراراً وهو في الصلاة إن كان قتلاً متداركاً حتى يكثر فسدت صلاته؛ لأنه كثير، وإن كان بين القتلات فرجة أو نحوها لا تفسد؛ لأنه قليل والكف عن أفضل.
المصلي إذا رمى الحجر في صلاته إن رمى بأطراف أصابعه لا يكف واحد أو اثنين لا تفسد صلاته؛ لأنه قليل، وإن أخذ من خارج الفم وابتلعها تفسد صلاته؛ لأنه أكل والأكل عمل كثير.
المصلي إذا صب الذهن على رأسه بيد واحدة لم تفسد صلاته، وإن أخذ من الذهن وادهن رأسه بيد أخرى فسدت صلاته؛ لأنه عمل كثير، وكذا إذا جعل ماء الورد على نفسه فهو على هذا التفصيل.
رجل مضغ العلك في صلاته فسدت صلاته إذا كان المضغ كثيراً؛ لأنه عمل كثير، وكذلك إذا كان في فيه هليلج فلاكه فسدت صلاته لما قلنا.
المصلي إذا نظر إلى شيء مكتوب وفهمه: إن نظر غير مستفهم لا تفسد صلاته بالإجماع، وإن نظر مستفهماً عند محمد تفسد وبه أخذ الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى. وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى: لا تفسد وبه أخذ مشايخنا رحمهم الله تعالى؛ لأن الفساد متعلق في مثل هذه الصورة بالتكلم ولم يصر متكلماً.
المصلي إذا لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزيه؛ لأنا أمرنا أن نسجد على سبعة أعضاء. . هذا اختيار الفقيه أبي الليث وفتوى مشايخنا: أنه يجوز؛ لأنه لو كان موضع الركبتين نجساً جاز؛ والفقيه أبو الليث: لم يصحح هذه الرواية ذكره في «العيون».
رجل سجد على ظهر رجل في الصلاة؟ يجوز لمكان الحاجة إليه في الجملة، فإن سجد على ظهر رجل في غير الصَّلاة لا يجوز؛ لأنه لا حاجة إليه، فإن سجد على فخذه فإن كان بغير عذر فالمختار أنه لا يجوز؛ لأن الساجد ينبغي أن يكون عبر محل السجود وإن كان بعذر فالمختار أنه يجوز اعتبرها هنا حقيقة العذر في الحال وفي السجود على الظهر بعذر في الجملة وإن سجد على ركبتيه لا يجوز سواء كان بعذر أو بغير عذر لكن إن كان بعذر يكفيه الإيماء وإن سجد على ظهر ميت إن كان على الميت لبد لا يجد حجم الميت جاز؛ لأنه سجد على الأبد، وإن وجد حجمه لا يجوز؛ لأنه سجد على الميت.
من أصابه وجع في الصلاة فقال: بسم الله فسدت صلاته في قياس قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه
الجزء 1 · صفحة 65
صار من كلام الناس.
المصلي إذا سرّح رأسه أو لحيته فسدت صلاته؛ لأنه يقوم باليدين، وكذلك على من رأه يحسبه خارج الصلاة، وهو الصحيح في حد العمل الكثير.
المصلي إذا سلّم على إنسان أو ردّ السّلام فسدت صلاته؛ لأنه كلام.
المصلي إذا صافح إنساناً يريد بذلك التسليم عليه فسدت صلاته؛ لأنه كلام.
رجل كتب في صلاته خطاً مستقيماً لا تفسد صلاته إلا أن يطول ذلك فيصير عملاً كثيراً.
رجل صلى فجرى على لسانه نعم إن كان هذا الرجل يعتاد أن يجري في كلامه في غير صلاته نعم تفسد صلاته؛ لأنه من كلامه وإن لم تكن له عادة في غير الصلاة لا تفسد صلاته؛ لأنه يجعل ذلك من القرآن وإن قال بالفارسية آري ينبغي أن يكون على الاختلاف المعروف هكذا ذكر الفقيه أبو الليث، والصحيح أنها لا تفسد؛ لأن العربي إذا جعل من القرآن كما لو قرأ القرآن بالفارسية، ولو قرأ بالفارسية لا تفسد بالإجماع، إنما الاختلاف في الاعتداد وقد ذكر هذا في شرح الجامع الصغيرة.
المصلي إذا قال: سبحان الله بعد ما ناداه صاحبه لا تفسد صلاته؛ لأن هذا ليس بجواب، بل إعلام منه أنه في الصلاة.
رجل زحم الناس يوم الجمعة فخاف أن يضيع نعله فرفعه، وكان فيها أكثر من قدر الدرهم فقام والنعل في يده ثم وضعها لم تفسد صلاته حتى يركع ركوعاً تاماً أو يسجد سجوداً تاماً والنعل في يده ليصير مؤدياً ركناً تاماً مع النجاسة من غير حاجة بخلاف القيام؛ لأن له في رفع النعل حاجة حتى لا يضيع نعله.
رجل صلى خلف الإمام وزحمه الناس حتى وقع في صف النساء، ولم يبرح حتى فرغ الإمام من صلاته فلما وجد مسلكاً تنحى عن النساء ثُمَّ صلّى فصلاته تامة؛ لأنه لم يؤدي ركناً مع النساء ولو كان ركع مع النساء فسدت صلاته.
رجل صلى في الصحراء فتأخر عن موضع قيامه فالمختار أنه لا تفسد صلاته ويعتبر مقدار موضع سجوده من خلفه وعن يمينه وعن شماله كما في وجه القبلة سواء فما لم يتأخر عن هذا الموقع لا يتأخر عن المسجد فلا تفسد صلاته، ولو خط خطًا ولم يخرج من الخط لكن تأخر عما ذكرنا من الموضع
الجزء 1 · صفحة 66
فسدت صلاته؛ لأن الخط ليس بشيء.
رجل افتتح الصلاة وحده ويركع ويسجد بركوع مصل آخر، وسجود مصل آخر، ويقعد بقعوده لا تفسد صلاته؛ لأنه ربما يكون صاحب وسوسة فيقول: إن صليت معتمداً على نفسي يُشتبه علي فأفتتح الصلاة وأعتمد على صلاة غيري.
رجل يصلي، فسمع الأذان، فيقول مثل ما يقول المؤذن إن أراد جوابه تفسد صلاته، وإن لم يرد لا تفسد صلاته، وإن لم تكن له نية تفسد؛ لأن الظاهر أنه أراد الإجابة وكذلك إذا سمع اسم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليه فهو إجابة، وإن صلى ولم يسمع اسمه فصلاته جائزة؛ لأنه ليس بإجابة، ولو ابتلع شيئاً بين أسنانه لا تفسد صلاته، وإن كان قدر الحمص؛ لأنه عمل قليل فرق بين الصوم والصلاة والفرق أن فساد الصلاة متعلق بعمل كثير، والفرق فساد الصوم؛ لأنه تعلق بوصول المغذي إلى جوفه وكذلك إذا رفع اليدين بعد الركوع والسجود في الصلاة لا يفسد صلاته؛ لأنه عمل قليل، وفي كل موضع جاز البناء جاز للإمام الاستخلاف لأنه بعذر وفي كل موضع لا يجوز البناء لا يجوز الاستخلاف كالحدث العمد ولو استخلف الإمام محدثاً فلم يقم مقام الإمام حتى قدم غيره صح ذلك؛ لأن حكم إمامته لا تبطل حتى يقوم غيره مقامه، ولو لم يكن مع الإمام إلا رجل واحد فهو متعين للإمامة كما ذكرنا.
وأما فيما يقضي ويفدي:
رجل افتتح الصلاة في وقت مستحب، ثم أفسدها، ثم أراد أن يقضيها بعد العصر قبل غروب الشمس لا يجزيه، فرق بين هذا وبين قضاء سائر الصلوات الفائتة؛ لأن قضاء الفائتة واجبة من كل وجه فشابه عصر الوقت فيجوز. فأما هذه وجبت لغيرها فلا يظهر الوجوب في حق هذا الحكم، وكذا سنة الفجر إذا شرع إنسان فيها ثم أفسدها، ثم قضاها بعد الفجر لم يجز لما قلنا.
رجل صلى سنين ولم يعلم أن الصلوات الخمس فريضة على العباد إلا أنه كان يصليها في مواقيتها لا يجوز، وعليه أن يقضيها؛ لأنه لم ينو الفرض وأنها شرط، وكذلك إن علم أن منها فريضة ومنها سنة ولم يعرف الفريضة من السنة لم يجز لما قلنا.
رجل صلّى سنين ولم يعرف النافلة من المكتوبة فإن كان يظن أن محلها فريضة أجزاء ما صلى؛ لأن
الجزء 1 · صفحة 67
النفل يتأذى بنية الفرض. أما الفرض فلا يتأذى إلا بنية الفرض، وإن كان يعلم أن بعضها سنة وبعضها فريضة إلا أنه لا يعرف شروطها وأركانها، فعليه أن يعيد جميع الفرائض وإن كان لا يعلم أن بعضها فريضة وبعضها سنة فكل صلاة صلاها خلف الإمام تجزيه، إذا نوى صلاة الإمام وإن كان يعرف الفرائض من النوافل ولكن لا يعلم ما في الصلاة من الفريضة والسنة جازت صلاته؛ لأنه إذا عرف الفرائض ينوي الفريضة.
إذا دخل الرّجل في الصلاة وفي كمه فرخة حية فإذا فرغ من صلاته رآها مينة فإن لم يكن غالب رأيه أنها ماتت في الصلاة بأن كان مشكلاً لا يعيد الصلاة؛ لأنها لم تجب الإعادة غالباً، ولو صلى وفي كمه قارورة فيها بول لا تجوز صلاته سواء كانت ممثلثة أو غير ممثلثة؛ لأن هذا في مظانّه، وليس في معدته. الميت إذا فاتته الصلاة فقضاها الورثة بأمره لا يجوز؛ لأن الصلاة عبادة بدنية لا تجري فيها النيابة بخلاف الحج عن الميت؛ لأن السبب ثمة يقوم مقام المباشرة عند الحاجة والتسبب عبادة مالية جاز أن تجري فيها النيابة كأداء الزكاة.
إذا صلّى على الثلج إن لبدء جاز؛ لأنه صار بمنزلة الأرض، وإن لم يلبده وكان يغيب وجهه فيه ولا يجد حجمه لم يجز؛ لأنه بمنزلة الساجد في الهوى، وعلى هذا: إذا ألقى في المسجد حشيش كثير إن وجد حجمه جاز أن يسجد وإن لم يجد لا.
إذا أراد الرّجل أن يقضي الفوائت ينوي أول ظهر الله تعالى عليه، وكذلك كل صلاة يقضيها فأراد ظهر آخر. كذلك ينوي؛ لأنه لما قضى الأول صار الثاني أول الله تعالى عليه ويقضي الفائتة إذا ذكرها إلا في الأوقات الثلاثة عند طلوع الشمس وعند الزوال وعند الغروب لما روي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه أنه قال: ثَلَاثُ سَاعَاتِ نَهَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَنْ نُصَلِّي فِيها وَأَنْ نَقْبُرَ مَوْتَانَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ وَنِصْفَ النَّهَارِ وَإِذَا تُضيفتِ الشَّمْسُ الْغُرُوبِ. نهى عن الصلاة في هذه الأوقات مطلقاً إلا أنه استثنى عصر يومه بالإجماع ولا إجماع فيما عداه ولا يصلي الوقتية إذا تذكر الفائتة، وفي الوقت سعة لقوله عليه الصلاة والسلام: مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّيهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذلك وقتها. جعل التذكر وقت الفائتة. فهو إذا اشتغل بالوقتية مع تذكره الفائتة، فقد صلاها في غير وقتها من طريق الحكم فلا يجوز.
وإذا كثرت الفوائت سقط الترتيب؛ لأنه دخل في حد الكثرة فتظهر الكثرة. وقال محمد: إذا دخل
الجزء 1 · صفحة 68
وقت السادسة سقط الترتيب؛ لأنه فات كل الجنس وكل الجنس هو الكثرة في كل شيء ويسقط الترتيب بالنسيان لكونه معذوراً فيه ويضيق الوقت لما ذكرنا أن الاشتغال بها بفوت الوقتية عن وقتها، فإن صلى بعد ذكر الفائتة صلاة أعادها؛ لأنه ترك الترتيب، فإن صلى بعدها ستاً قبل أن يعيد الفائتة لا يعيد ما صلاه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال: لا الفائتة وما صلّى بعدها؛ لأنا حكمنا بفسادها مرة فلا ينقلب إلى يعيد الصحة لأبي حنيفة: أن الكثرة صفة الكل فيسقط الترتيب من الأصل فينقلب الكل جائزاً.
ولو افتتح الصلاة في أول الوقت فأطال حتى ضاق الوقت لا يجزيه المؤدّى؛ لأن الترتيب يسقط بضيق الوقت فلا يستند إلى أول الوقت فلا يجزيه المؤدى.
ومن نسي ركعتي الفجر حتى صلّى الغداة لم يقضها بعد ذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمه الله تعالى. وقال محمد رحمه الله تعالى: يقضيها إذا ارتفعت الشمس وابيضت فإن زالت لم يقضها.
محمد: احتج بما رُوي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّيهَا إِذا طَلَعَت الشَّمْسُ. وهذا نص في الباب إلا أن النص جاء بالقضاء بعد طلوع الفجر وهو وقت مهمل فلا يلحق به وقت صلاة أخرى. وهما يقولان: إن السنة ما فعله النبي، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما قضاهما تبعاً للفرض فإذا قضاهما وحدهما لم يكن ذلك استناناً بسنة النبي. وأما الحديث: قلنا إن الحديث مختص عن قصة ليلة التعريس وإنما أراد فوتهما مع الفرض.
من صلى المغرب بعرفات بعد غروب الشمس فعليه أن يعيدها، فإن لم يعدها حتى طلع الفجر أجزأت عنه؛ لأنه صلاها في وقتها.
وأما فيما يفدي:
رجل مات وفاتته صلاة عشرة أشهر ولم يترك مالاً قالوا: إن استقرض ورثته قفيز حنطة ودفع إلى مسكين ثم ذلك المسكين تصدق على بعض ورثته ثم تصدق على المساكين فلم يزل يفعل هكذا حتى يتم كل يوم قفيز حنطة، كل قفيز إثنا عشر منا ليقع عن كل صلاة مع الوتر منوين أجزاء ذلك؛ لأن اعتبار العدد في المساكين إنما يعرف في كفارة اليمين فلم يعتبر في غيرها كما في صدقة الفطر وسيأتي التفريع على هذه المسألة في كتاب الأيمان إن شاء الله تعالى بخلاف الصوم فإنه يطعم عن صوم كل يوم.
الجزء 1 · صفحة 69
ا نصف صاع؛ لأن صوم واحد كله عبادة واحدة فجاز أن يكون فديته نصف صاع إذا فات الوتر عن المريض يكفر لكل وتر نصف صاع كسائر الصلوات وهذا يجب أن يكون على قول أبي حنيفة ويدفع عن كل صلاة نصف صاع حنطة منوين ولو دفع جملته إلى فقير واحد جاز ولو دفع عن خمس صلوات تسعة أمنان لفقير ومناً واحداً لفقير واحد؟ قال أبو بكر الإسكاف: يجوز ذلك كله واختيار الفقيه أبي الليث أنه يجوز عن أربع صلوات ولا يجوز عن الصلاة الخامسة؛ لأنه فرق ولا يجوز أن يعطي لكل فقير أقل من نصف صاع وكذا في كفارة اليمين فكفارة الصلاة فارقت كفارة اليمين من حيث إنه لا يشترط العدد فيها حتى لو دفع الكل إلى فقير واحد يجوز لكن ساوى كفارة اليمين من حيث إنه لو دفع أقل من نصف صاع إلى فقير واحد لا يعتد بذلك. بخلاف صدقة الفطر.
وأما ما يفعله المصلي عند افتتاح الصلاة وبعدها:
رجل أراد أن يكبر لافتتاح الصلاة لا يجب عليه أن يفرج بين أصابعه إذا رفع يديه وكذا في التشهد فرق بين هذا وبين الركوع فإن في الركوع يفرج؛ لأنه يحتاج إلى الأخذ وأنه لا يتهيأ إلا بالتفريج.
رجل صلى على دابته تطوعاً يجوز له أن يفتتح الصلاة حيثما توجهت به الدابة كما جازت صلاته حيثما توجهت به الدابة لمكان الحاجة.
الإمام إذا مد التكبير وجزم رجل من خلفه وفرغ قبل أن يفرغ الإمام على قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمه الله تعالى: يجزيه وعلى قياس قول أبي يوسف: لا يجزيه بناء على أن عندهما لو قال الإمام الله، ولم يزد على ذلك يجوز الافتتاح، وكذلك إذا قال المقتدي أكبر قبل فراغ الإمام إذا لم يكن كلامه قبل الإمام؛ لأن افتتاحه يقع مع افتتاح الإمام، وعند أبي يوسف ما لم يقل الإمام الله أكبر لا يجوز، فيقع افتتاح المقتدين قبل افتتاح الإمام.
إذا أدرك الإمام وهو راكع فكبر وهو يريد تكبيرة الركوع ينظر، إن كبر وهو قائم جازت صلاته؛ لأن نيته لغت فيبقى التكبير حالة الإحرام وإن كبر وهو راكع لم تجز صلاته بفوات القيام.
المصلي إذا قام في صلاته ينوي مقام إبراهيم الخليل ولم ينو الكعبة إن كان هذا الرجل قد أتي مكة لم يجز، وإن لم يكن أتى مكة وعنده أن المقام والبيت واحد أجزاء؛ لأنه نوى البيت.
المصلي إذا تحرّم في الصلاة ورفع يديه لا يرسلهما ثم يضع، بل يضع؛ لأن هذا قيام فيه ذكر
الجزء 1 · صفحة 70
مسنون ويستحب أن يضع يمينه على شماله وهو في الصلاة قائم! لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ أَمِرْنَا أَنْ نَضَعُ أَيْمَانِنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي الصلاة ولأن هذا أقرب إلى الخضوع. ثم عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمه الله تعالى يضع كلما فرغ من التكبير، وروي عن محمد في النوادر»: أنه يرسل حالة الثناء، فإذا فرغ من الثناء يضع اليمين على الشمال، والصحيح: قولهما.
من مشايخنا من يجعل الرواية عنهم في حالة الثناء رواية منهم في حالة القنوت ويجعلون الخلاف فيهما واحداً وإليه ذهب أبو بكر الإسكاف. ومنهم من فرق لهما بين حالة الثناء وبين حالة القنوت ويقول في حالة القنوت يرسل عندهم جميعاً، وإليه ذهب أبو بكر الأعمش، والمختار أن كل قيام فيه ذكر مسنون فالسنة هو الصحيح كالقيام حالة القنوت وحالة التكبيرات في صلاة الجنازة، وكل قيام ليس فيه ذكر مسنون فالسنة هو الإرسال كالقومة بين الزكوع والسجود وبين التكبيرات في صلاة العيدين وعليه الفتوى.
ولو افتتح الصلاة بالتهليل ونحوه وهو يحسن التكبير جازت صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف: لا يجزيه إن كان يحسن التكبير، هو احتج بقوله: وَتَحْرِيمُها التكبير علق الافتتاح به.
وهما: احتجا بقوله تعالى: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ نَصَلَّى والمراد به ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة بدليل تعقيب الصلاة إياه بحرف يوجب التعقيب بلا فصل فالله تعالى شرع افتتاح الصلاة بمطلق الذكر فمن قيده بذكر خاص فقد قيد المطلق.
ولو افتتح الصلاة بالفارسية، وهو يحسن العربية جاز في قول أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز، فأبو حنيفة اعتمد الكتاب وأبو يوسف: اعتمد السنة، ومحمد فرق بين هذا والأول، والفرق أن التكبير عبادة الله تعالى والله تعالى لا يحب غير العربية، ولهذا كان الدعاء بالعربية أقرب إلى الإجابة، فلا يقع غيرها من الألسنة في الرضى بها، والمحبة لها في كلام العرب.
ومن يسبق الإمام بالافتتاح بنية الاقتداء؛ لأن الاقتداء بناء والبناء على المعدوم مستحيل فإذا كبر الإمام بعد تكبيرته وصلى هو بصلاته لم يوجد منه إلا مجرد نية الاقتداء وذلك غير كاف، ثم هل يصير شارعاً في صلاة نفسه؟ فيه روايتان والأصح أنه لا بصبر شارعاً؛ لأن صلاته منفرداً بخلاف صلاته مقتدياً حكماً فصار كاختلافهما اسماً.
الجزء 1 · صفحة 71
ومن نوى الظهر لا يصير شارعاً في العصر، فكذا ها هنا.
وإذا وضع يمينه على شماله يضع تحت السرة؛ لأنه أقرب إلى الخضوع، ثم يقول: سبحانك اللهم إلى آخره ويتعوذ بعده في نفسه؛ لأنه جاء أوان القراءة، وقال الله تعالى: فإذا قرأت القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ أي: إذا أردت قراءة القرآن.
ثم التعوذ عند أبي حنيفة ومحمد تبع للقراءة، وعند أبي يوسف: تبع للثناء، وينبني عليه ثلاث مسائل.
الأولى: أن المقتدي لا يتعوّذ عندهما، وعنده: يتعوذ.
والثانية: في صلاة العيد يتعوذ الإمام بعد تكبيرات العيد عندهما، وعنده: قبل التكبيرات.
والثالثة: المسبوق إذا أتى بالتعوذ عندهما حسن وعنده لا يأتي، ثم يأتي بالتسمية واختلفوا أنها من الفاتحة أو من رأس كل سورة أو لا؟ عندهما ليس. ومن رأس من الفاتحة كل سورة؛ لأن العلماء اختلفوا فيها فأدنى درجات الاختلاف المعتبرات يحدث شبهة والقرآن لا يكتب مع الشبهة فلا يجهر بها عندنا، وعند أبي حنيفة: أنه لا يتعوذ إلا في أول الركعة، ويقرأ بسم ا الله في كل ركعة وروي عن أبي حنيفة: أنه يقرأ عند الفاتحة في كل ركعة، وإن قرأ السورة فحسن اتباعاً للمصحف؛ ثم يقرأ القرآن.
ثم اختلفوا في قدر الفرضية من القرآن عند أبي حنيفة: أنه آية تامة، وعندهما: ثلاث آيات قصار؛ لأن القرآن معجز والإعجاز لا يتحقق بدونه لأبي حنيفة قوله تعالى: ناقرَهُوا مَا تَبَسَّرَ مِنَ الْقُرْمَانِ ولم يعتبر القدر، وفي الأخريين إن شاء قرأ، وإن شاء سبح وإن شاء سكت؛ لأن الأمر بالقراءة لا يقتضي التكرار لكن الحقنا الثانية بالأولى لاستوائهما في الدرجة وليست الأخريين كذلك بدليل أنهما يسقطان في السفر.
ويخفي التأمين بعد القراءة عندنا؛ لأنه دعاء، وسبيل الدعاء الإخفاء، فإن كان منفرداً جهر بالقراءة إن شاء أسمع نفسه في صلاة الجهر مراعاة لسنة الجماعة، وإن ترك لا بأس؛ لأن الجهر سنة الجماعة. أما الصلاة التي لا يجهر فيها: لا يجهر، ولا بد من تحريك اللسان ليثبت حد التلاوة وإن حزك لسانه ولم يكن مسموعاً؟ قال أبو الحسن
هو قراءة، وقال الفقيه أبو جعفر الهنداوي: ليس بقراءة، والقراءة واجبة في جميع ركعات الوتر،
الجزء 1 · صفحة 72
أما عندهما فلانه سنة، وعند أبي حنيفة واجب، وليس بفرض، ويطمئن في كل حال من أحوال صلاته راكعاً أو ساجداً أو واقفاً، وما عدا ذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَمَرَ الأَعْرَابِي بالأطْمِثْنَانِ فِي الرَّكُوعِ وَرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ، وَفِي السجود ورفع الرأْسِ مِنْهُ.
ثم الطمأنينة ليست من الفروض عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: ركن. وصورة الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال بعد رفع الرأس منها، والطمأنينة فيهما، ثم إن عند أبي حنيفة ومحمد إذا لم يكن فرضاً يكون واجباً أم سنة، وأجمعوا أن الطمأنينة فيما شرع للانتقال كالقومة بين الزكوع والسجود والعقدة بين السجدتين سنة عندهما. أما الركوع والسجود وكل فعل ركن بنفسه ذكر الكرخي: أنها واجبة حتى إن المصلي لو تركها ساهياً يلزمه سجود السهو وذكر غيره أنها سنة حتى لا يجب على تارك ساهياً السجدة.
وفرض السجود يتأذى بوضع الجبهة والأنف والقدمين عند أبي حنيفة، وعندهما لا يتأذى بوضع الأنف وحده، إلا بعذر؛ لأن وضع الجبهة أصل لقوله عليه الصلاة والسلام حين مر على ساجد: «مَكُنْ جَبْهَتَكَ وَأَنْفَكَ مِنَ الأَرْضِ ولأبي حنيفة: إذاكان بجبهته عذر يتأذى بوضع الأنف على الأرض بإقامة غير الجبهة مقامها؛ لأن النيابة لا تجزي في هذا الباب بدليل وضع الذقن فإنّه لا يجوز، وإذا كان الأنف موضع الوضع واسم السجود ينطلق عليه جاز أن يكتفى به.
والسجود على اليدين والركبتين ليس بواجب عندنا؛ لأن اسم السجود يطلق على الجبهة وحدها، ولو سجد على كور عمامته جاز لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ كَذَلِكَ. والقعدة للتشهد الأول ليست بفرض، حتى لو تركها عمداً لا تفسد صلاته. وإن تركها سامياً فعليه سجدة الشهو، وأما القعدة الأخيرة: ففرض لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أَنه قام إلى الثالثة فَسَبِّح له فلم يرجع. فلو كانت القعدة الأولى فرضاً لوجع وفاء إلى الخامسة فُسَبِّحْ لَهُ فَرَجَعَ فَدَلّ على أنها فرض.
وقدر الفرض مقدار التشهد لقوله عليه الصلاة والسلام: إذا قلت هذا وفعلت هذا فقد تمت صلاتك. علق التمام بالقعدة.
وتقعد المرأة كأستر ما يكون لها؛ لأنها عورة، ويكون منتهى بصره في الصلاة إلى موضع سجوده في القيام وقال الطحاوي: يجب أن يكون منتهى بصره إلى أصابع رجليه إلى طرف أنفه، وفي قعوده إلى
الجزء 1 · صفحة 73
حجره؛ لأنه إذا نظر ولم يتكلف يقع بصره على هذه المواضع، وهذا أقرب إلى الخشوع والله تعالى مدح الخاشعين.
وأما السهو:
رجل نسي صلاة فذكرها بعد شهر فصلى بعدها الوقتية وهو ذاكر لها أجزاء؛ لأن الترتيب بين الفائتةوبين هذه الوقتية لم يكن واجباً؛ لأن المتخلل بينهما كثير وهو المختار عند المشايخ.
رجل افتتح الصلاة المكتوبة ثم نسي فظن أنها تطوع فصلى على نية التطوع حتى فرغ من صلاته فالصلاة هي المكتوبة، ولو كان على العكس فالصلاة هي التطوع؛ لأن السنية لا يمكن قرانها مع كل جزء من أجزاء الصلاة فشرط قرانها بأول جزء الصلاة وقد وجد.
وإن كبر للتطوع ثم كبر ونوى به الفرض فالصلاة هي الفريضة، ولو كان على العكس فالصلاة هي التطوع؛ لأنه لما كبر ونوى الآخر صار داخلاً في الآخر.
رجل فاتته ثلاث صلوات من صلاة أيام الظهر من يوم، والعصر من يوم، والمغرب من يوم، ولا يدري أيتهن فاتته أولاً؟ يبدأ بأيتهن شاء؛ لأنه زاد على يوم وليلة فلا يبقى الترتيب.
رجل فاتته صلاة واحدة من يوم واحد ولا يدري أي صلاة هي؟ يعيد صلاة يوم وليلة؛ لأن صلاة: وليلة كانت واجبة يبقين فلا يخرج عن عهدة الواجب إلا بما ذكرنا. يوم رجل شك في صلاة أنه صلاها أم لا؟ فإن كانت في الوقت فعليه أن يعيدها؛ لأن سبب الوجوب قائم وإنما لا يعمل هذا السبب بشرط الأداء قبله وفيه شك واحتمال، وإذا شك في نقصان الصلاة أنه ترك ركعة أم لا فإن لم يفرغ من الصلاة فعليه إتمامها، ويقعد في كل ركعة وإن شك بعد ما فرغ وسلم فلا شيء عليه لما قلنا من قبل.
رجل صلى خلف الإمام وهو يظن أنه خليفة، واقتدى بالإمام وهو خليفة في زعمه فإذا هو غيره يجزيه؛ لأنه اقتداء بالإمام مطلقاً وإن نوى حين كبر الخليفة يريد الاقتداء بالخليفة لا يجزيه؛ لأنه اقتداء بالخليفة ولم يوجد.
رجل دخل في صلاة الظهر، ثم شك في صلاة الفجر أنه صلاها أم لا، فلما فرغ من صلاته تبين أنه لم يصل الفجر؟ يصلي الفجر ثم يعيد الظهر؛ لأنه لما تحقق ظنه، صار كانه كان في الابتداء متيقناً، كالمسافر إذا تيغم، وصلى ثم رأى في صلاته سراباً، فمضى على صلاته، ثم ظهر بعد فراغه من الصلاة أنه
الجزء 1 · صفحة 74
كان ماءً، يتوضأ ويعيد الصلاة، كذا ها هنا.
رجل افتتح الصلاة فنسي التعوّذ حتى قرأ فاتحة الكتاب لا يتعوذ، لأن التعوذ في أول القراءة، فإذا قرأ بعض القراءة يذهب محل التعوذ.
رجل صلى العشاء فلما صلى ركعتين ظن أنها ترويحة فسلم، أو صلى الظهر وهو يظن أنه يصلي الجمعة فسلّم استقبل القبلة؛ لأنه سلّم، وهو متيقن أنه صلى ركعتين.
إمام صلّى بقوم فلما ذهب الإمام قال بعضهم. الظهر، وقال بعضهم: هي العصر، فإن كان في وقت الظهر، فهي الظهر، وإن كان في وقت العصر فهي العصر؛ لأن الظاهر شاهد لمن يدعي ذلك، وإن كان مشكلاً؟ جاز للفريقين في القياس، بمنزلة قطرة الذم وقعت من خلف الإمام ولا يدرى ممن هي جازت صلاة الكل، لأن الشك وقع في وجوب الإعادة فلا تجب بالشك.
إمام صلى العشاء على غير وضوء، وهو لا يعلم ثم صلى بهم إمام آخر التراويح ثم علموا؟ كان عليهم أن يعيدوا العشاء والتراويح. أما العشاء فظاهر، وأما التراويح: فلانها أذيت في غير وقتها؛ لأن وقتها فيما بعد العشاء.
والمسبوق إذا شك في صلاته وكبر ينوي الاستقبال يخرج عن صلاته؛ لأن حكم صلاة المسبوق وحكم صلاة المنفرد مختلفان ألا ترى أن الاقتداء بالمسبوق لا يصح والاقتداء بالمنفرد صحيح، فإذا قبل على أحدهما وكبر ثبت الانتقال عن الأخرى كما انتقل بالتكبير من فرض إلى نقل، ومن نقل إلى فرض. المصلي إذا سلّم ناسياً وعليه سجود التلاوة فسجدها، ثم خرج من الصلاة قبل أن يقعد مقدار التشهد فسدت صلاته؛ لأن العودة إلى سجدة الثلاوة يرفض القعدة الأولى، ولو سهى عن قراءة التشهد حتى سلم، ثم ذكر فعاد إلى قراءة التشهد، ثم إنه خرج من الصلاة قبل أن يتم قراءة التشهد لم تفسد صلاته هو المختار وإن كان بعض المشايخ سوى ينهما؛ لأن التشهد محله القعدة، فالعود إلى قراءة التشهد لا يرفض القعدة. أما الشحدة محلها قبل القعدة فالعود إلى السجدة يرفض القعدة.
إذا رفع رأسه من الركوع، ثم تذكر أنه لم يسجد في الثانية إلا سجدة واحدة يسجد بتلك السجدة، ثم ينتشهد للثانية، ثم يتشهد للثالثة سجدتين، ثم أكمل ما بقي من صلاته؛ لأن العود إلى تلك السجدة لا يرفض الركوع وعليه سجدنا الشهو؛ لأنه آخر السجدة من الركعة الثانية، وإن تذكر وهو راكع في
الجزء 1 · صفحة 75
الثالثة أنه عليه سجدة من الثانية يرفع رأسه فيرفض الركوع، ثم يسجد للتي تركها في الثانية، ثم يتشهد للثانية، ثم يقوم فيصلي الثالثة والرابعة، بركوعهما وسجودهما؛ لأن الزكوع بقي محلا للارتفاض فإذا رفضه ارتفض.
قوم من المقتدين فاتتهم أول الصلاة واشتبه على واحد ما فاته، فاعتمد على رأي صاحبه، وجعل يصلي بعد ما يصلي هو يجوز؛ لأنه أذى الصلاة خالياً عما يفسدها.
رجل صلى خمس صلوات، ثم علم أنه لم يقرأ في الأوليتين في إحدى الصلوات ولا يعلم تلك الصلاة فإنه يعيد صلاة الفجر وصلاة المغرب؛ لأنه إذا قرأ في الأخيرتين من الظهر والعصر والعشاء أجزاء بخلاف الفجر والمغرب، فإنه يعيدهما احتياطاً.
ولو أن راعياً في بعض الفيافي صلى الفجر في وقتها، وصلى بعدها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وصلى كذلك أشهراً على حسبان أنه يجوز. فالفجر الأول جائز؛ لأنه أذى فائتة عليه وما بعدها من أربع صلوات لا يجوز والفجر الثاني لا يجوز؛ لأنه صلى وعليه أربع صلوات، والفجر الثالث يجوز؛ لأنه صلى وعليه أكثر من صلاة يوم وليلة وكذلك الفجر جائز وغير الفجر لا يجوز، وجواب السنة على هذا الترتيب.
شك من في إتمام وضوء إمامه جازت صلاته ما لم يستيقن أنه ترك بعض أعضائه سهواً أو عمداً؛ لأن الظاهر أنه لم يترك.
إذا صلى من المغرب ركعتين وقعد قدر التشهد وزعم أنه أتمها، فسلم، ثم قام فكبر ينوي الدخول في سنة المغرب، ثم تذكر أنه لم يتم المغرب وقد سجد للسنة أولاً فصلاة المغرب فاسدة؛ لأنه لما كبر ونوى الدخول في صلاة أخرى فيكون ناقلاً من الفرض إلى التطوع قبل إتمامها، أما إذا سلم وتذكر أنه لم يتم فحسب أن صلاته فاسدة، فقام وكبير للمغرب ثانياً، وصلى ثلاثاً إن صلى ركعة وقعد قدر التشهد أجزاء المغرب وإلا فلا؛ لأن الصلاة. المغرب ثانياً لم يصح بقي مجرد التكبير وذا لا يخرجه عن الصلاة.
وإذا صلى الإمام صلاة الغداة وسلّم، فقال له رجل من القوم: تركت سجدة من صلب الصلاة، فقام الإمام وكبر واستأنف الصَّلاة لا يجزيه لا الأولى ولا الثانية؛ لأن هذا التكبير لا يخرجه عن الأولى. فقد خلط المكتوبة بالتطوع قبل الفراغ من المكتوبة.
الجزء 1 · صفحة 76
إذا سلم الإمام وقد تفرق القوم، ثم تذكر من مكانه أنه ترك سجدة الثلاثة يسجد ويقعد قدر التشهد فإن لم يقعد فسدت صلاته وجازت صلاة القوم.
إذا صلى الظهر أربعاً فلما سلم تذكر أنه ترك سجدة منها ساهياً، ثم قام واستقبل الصلاة وصلى أربعاً وسلم، وذهب فسد ظهره؛ لأن نية دخوله في الظهر ثانياً لغو فإذا صلى ركعة فقد خلط المكتوبة بالنافلة قبل الفراغ من المكتوبة.
رجل صلى العصر خمساً وقعد في الرابعة قدر التشهد، ثم تذكر ذلك لا يضيف إليها السادسة؛ لأنه لا تطوع بعد العصر ولا سهو عليه؛ لأن سجود السهو شرع في آخر الصلاة. ولم يوجد آخرها؛ لأنه لم يوجد آخر العصر ولا آخر التطوع بدخول الواسطة وهي الزكعة الخامسة إلا في رواية هشام عن محمد رحمه الله تعالى أنه يضيف إليها السادسة، وكذلك لو صلى ركعة من التطوع، ثم صلى الفجر والفتوى على رواية هشام.
إذا صلى الإمام والقوم وفرغوا واستيقن واحد منهم بالتمام، وواحد بالنقصان وشك الإمام والقوم كلهم فليس على الإمام شيء، ولا يستحب للإمام أن يعيد الصلاة؛ لأن الشك إذا وقع بعد الفراغ. من الصلاة لا يلتفت إليه وعلى الذي استيقن بالنقصان الإعادة؛ لأنه استيقن أنه لم يؤد فإذا كان الإمام مستيقناً بالنقصان وواحد منهم مستيقن بالتمام؛ يقتدي القوم بالإمام؛ لأن الإمام تيقن أنه لم يؤد ولا يعيد الذي استيقن بالتمام؛ لأنه تيقن أنه أدّى.
إذا شك الإمام فأخبره عدلان يأخذ بقولهما؛ لأنه لو أخبره عدل يستحب أن يأخذ بقوله، فإذا أخبره عدلان يجب الأخذ بقولهما، بخلاف ما إذا شك الإمام والقوم، واستيقن واحد من القوم بالتمام واستيقن واحد منهم بالنقصان حيث يعيد الذي استيقن بالنقصان وصلاة الإمام والقوم تامة، وإن أخبر المستيقن بالنقصان؛ لأن قول المستيقن بالنقصان عارض قول المستيقن بالتمام فكأنهما لم يوجدا، ولو شك الإمام والقوم واستيقن واحد منهم بالنقصان، فالأحب أن يعيدوا فإن لم يعيدوا فليس عليهم شيء حتى يكون رجلان عدلان لما ذكرنا.
رجل صلى الظهر ونوى أن هذا الظهر ظهر يوم هذا وهو يوم الثلاثاء، فتبين أن ذلك اليوم يوم! الأربعاء جاز ظهره؛ لأنه نوى في صلاة بعينها وهو صلاة الظهر في وقت بعينه وهو يوم الثلاثاء إلا أنه غلط في تعيين الوقت.
الجزء 1 · صفحة 77
ولو أن رجلاً زاد في صلاته ركوعاً أو سجوداً متعمداً لم تفسد صلاته؛ لأن الركوع أو السجود على الانفراد ليس بقربة مقصودة، وهذا على قول أبي حنيفة بناء على أنه لا يرى سجدة الشكر قربة.
قراءة الفاتحة في الأوليين فرض يوجب سجود السهو؛ لأنه تأخير السورة عن محلها. وفي الأخريين لا يوجب سجود السهو؛ لأنه مخير في القراءة، وقراءة الفاتحة في التشهد، فكان التشهد يوجب سجود السهو؛ لأنه أخر الواجب وهو التشهد. ولو فرغ من التشهد ثم قرأ الفاتحة لا سهو عليه؛ لأنه مخير في قراءة الفاتحة وغيرها.
سجود السهو إذا وقع في وسط الصلاة لا يعتد بها، ويسجد ثانياً؛ لأنها وقعت في غير محلها.
ولو صلى الظهر على غير وضوء وهو لا يعلم به والعصر بوضوء، وهو ذاكر لما صنع، فعليه أن يعيدها، فإن أعاد الظهر ولم يعد العصر حتى صلى المغرب أعاد العصر، ولم يعد المغرب. هذا إذا كان يظن أن صلاة العصر وقعت جائزاً. أما إعادة العصر؛ فلانه أذاها في وقت الظهر حكماً؛ لأنه حين صلى العصر صلى وهو عالم أن عليه الظهر بيقين، وكان الوقت وقت الظهر حكماً، وأما جواز المغرب: فإنه حين أعاد لم يكن عالماً أن عليه العصر وقت المغرب وإنما يصير وقت العصر وقت المغرب إذا كان عنده أن عليه العصر بيقين حتى لو كان عالماً أن عليه إعادة العصر بيقين لا يجزيه المغرب نص عليه محمد رحمه الله تعالى في نوادر ابن سماعة».
إذا شك في صلاته أنها ثنائية أو ثلاثية لا يقعد وهو الصحيح؛ لأنه دار بين السنة والبدعة، ولو نسي فاتحة الكتاب في الركعة الأولى أو الثانية وبدأ بالسورة فلما قرأ شيئاً من السورة ذكر أنه لم يقرأ فاتحة الكتاب يبدأ ويقرأ فاتحة الكتاب، ثم السورة وعليه الشهو، قرأ من السورة حرفاً أو أكثر؛ لأنه أخر الواجب عن محله.
إذا قرأ في الصلاة فاتحة الكتاب على قصد الثناء جازت صلاته؛ لأنه وجدت القراءة في محلها فلا يتغير حكمها بقصده، وإذا تفكر في صلاته أنه أطال يجب عليه سجود السهو وإلا فلا.
والحد الفاصل بين الطويل والقصير: أنه إذا أشغله عن شيء من فعل الصلاة وإن قل فهو طويل حتى قالوا: إذا أحدث فذهب للوضوء فشك أنه صلى ثلاثاً أم أربعاً إن شغله عن الوضوء ساعة وجب السهو وإلا فلا؛ لأنه أخر الوقت عن محله؛ لأن حرمة الصلاة باقية، وقد تأخر ركن بسبب هذا التفكر وهو البناء.
الجزء 1 · صفحة 78
المصلي إذا تلا آية السجدة ونسي أن يسجد لها، ثم ذكر وسجد وجب عليه سجدتا الشهو؛ لأنه أخر واجباً وجب وصله وصار تاركاً للوصل وأنه واجب وذكر أنه في بعض المواضع لا سهو عليه والأول أصح، وكذلك لو ترك سجدة صلبية، ثم ذكرها لما قلنا، ولو نسي تلاوة صلبية بدأ بالأولى ووجب عليه سجدنا السهو لما قلنا.
ومن سهى في صلاته فلم يدر ثلاثاً أم أربعاً، وذلك أول ما سهى استقبل الصلاة، ولو لقي ذلك غير مرة تحرّى الصواب، وأتم الصلاة على ذلك فإن لم يقع تحريه على شيء بنى على الأقل وسجد سجدتي الشهر بعد السلام، ولو سجدهما قبل السلام جاز.
أما الأول: فلما روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال: «إِذَا شَكْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْتَقْبِلِ الصَّلاةَ. أمر بالاستقبال؛ ولأنا تيقنا بالوجوب وشككنا في أدائه وقدر على أدائه بيقين من غير حرج فلزمه الاستقبال ليؤذي الواجب بيقين.
وأما الثاني: فلما روى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يُدْرِ ثَلاثاً صَلَّى أَمْ أَرْبَعاً فَلْيَتَحَرُى أَقْرَبَهُ إِلَى الصَّوَابِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الإعادة. فالحديث الأول محمول على الأول والحديث الثاني على الثاني؛ ولأن رأي القلب حجة يعمل بها عند عدم الأدلة فإن لم يقع تحريه على شيء بنى على الأقل أخذاً بالاحتياط.
أما الثالث: فلحديث ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بعد السلام ولم يفصل بين أن يكون الإدخال زيادة في الصلاة أو التحصيل نقصان فيها، لكن إذا سجدهما قبل السلام جاز؛ لأنه ترك السنة فإن التأخير إلى ما بعد السلام سنة، وترك السنة لا يمنع الاعتداد، وكذلك لو قعد فيما يقعد فيه أو قدم في الأوليين السورتين، أو تركهما، أو أحدهما أو أخر القراءة كلها إلى الأخيرتين ساهياً، أو ترك القنوت، أو التشهد، أو التكبيرات الزوائد في العيدين أو زاد سجدة أو ركوعاً أو نحو ذلك فإنه يجب عليه في ذلك كله سجدتا الشهو، ولو ترك التوابع مثل الثناء والتسبيح في الزكون والسجود، وغيره لم يجب عليه، ولو فعل من ذلك شيئاً عامداً لم يجب عليه سجود الشهر، وتكبيرات الزكوع والسجود من التوابع والأصل في هذا أن المتروك ثلاثة أنواع: فرض، وسنة، وواجب.
ففي الوجه الأول: إن أمكنه التدارك بالقضاء يقضي وإلا فسدت صلاته؛ لأن الفرائض أركان
الجزء 1 · صفحة 79
وركن الشيء ما به قيام ذلك الشيء.
وفي الوجه الثاني: لا تفسد؛ لأن قيامها بأركانها وقد وجدت ولا ينجبر بسجدتي الشهو: لأنهما واجب فلا يجب جبر الشيء بما هو فوق الفائت.
وفي الوجه الثالث: إن ترك ساهياً ينجبر بسجدتي الشهر لاستوائهما في الدرجة والشيء ينجبر بمثله، وإن ترك عامداً لا ينجبر بسجدتي الشهر؛ لأنهما عرفتا جابرتين بالشرع، والشرع ورد حالة الشهو وجعلهما مثلاً لهذا الفائت لا فوقه؛ لأن الشيء لا يجبر بما فوقه، والنقصان المتمكن بتركه الواجب عامداً فوق النقصان المتمكن بتركه ساهياً، وهذا الجابر إن كان مثلاً للفائت سهواً كان أدون من الفائت عمداً، والشيء لا ينجبر بما هو دونه، وإذا ثبت هذا فنقول: ما ذكرنا أولاً كله واجب؛ لأن بعض ذلك واجب كالقنوت.
والتشهد وتكبيرات الزوائد في العيدين، وبعض ذلك تأخير ركن عن محله كالقعود في الأول فإنه بالقعود صار مؤخراً للزكن، وتأخير واجب وجب أصله بالركن كالقيام من الثانية فصار بالتأخير تاركاً الوصل الواجب، وما ذكرنا ثانياً من التوابع سنة، وترك السنة لا يوجب سجود السهو.
لو خافت الإمام فيما يجهر أو جهر فيما يخافت قدر آية قصيرة وجب عليه سجدتا الشهر في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقالا لا يجب حتى يكون مقدار ثلاث آيات قصار أو آية طويلة تعدل ثلاث آيات قصار، لو فعل ذلك وحده لم يجب عليه سجدتا السهو. فرق بين الإمام والمنفرد والفرق: أن الجهر فيما يجهر واجب على الإمام لاستماء غيره ليحصل ثمرة القراءة من التأمل والتفكر وغيرهما، وترك الواجب ساهياً يوجب سجدنا الشهو، أما الجهر فيما يجهر غير واجب على المنفرد لعدم الحاجة إلى استماع غيره سواء في بعض المواضع بين الجهر فيما يخافت والمخافتة فيما يجهر. وقالا: يجب بأيهما كان سجدنا السهو قل أو أكثر.
ولو سهى خلف الإمام لم يجب عليه سجود السهو ويجب عليه بسهو الإمام.
أما الأول: فلان السهو لا يخرجه عن المتابعة فمتى وجب عليه يصير مخالفاً للأمام.
وأما الثاني: فلانه تبع للإمام فيجب عليه بسهو الإمام. ومن سلم ساهياً قبل التمام وجب عليه سجدنا السهو، ومن سلم عامداً وهو ذاكر لركن عليه فسدت صلاته.
الجزء 1 · صفحة 80
أما الأول: فلأنه فعله في غير حينه وفعل السّلام عامداً ينقض الصلاة وفعله ناسياً يوجب نقصاناً فيها فلزمه سجود السهو.
وأما الثاني: فلأنه ترك ركناً من الصلاة وترك الزكن يبطل الصلاة.
ولو قام إلى الثالثة ولم يجلس ولم يستو قائماً فذكر فقد وجب عليه سجدتا السهو إذا تعثر عن حاله. وإن استوى قائماً مضى ولم يعد وجب عليه سجدتا السهو وإنما لم يعد؛ لأن القيام فريضة والقعدة الأولى واجبة، ولا يترك الفرض لمكان الواجب ولولا الأثر الوارد بالاشتغال بسجدتي التلاوة إذا قرأ آية السجدة في الصلاة لما جوزنا الانتقال من القيام إليها.
وأما وجوب السهو عليه بترك القعدة الأولى ساهياً وهي واجبة ولو لم يستو قائماً لكنه إلى القيام أقرب فكذلك الجواب ولو كان إلى القعود أقرب يقعد، واختلف المشايخ في وجوب سجدتي السهو كان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى يقول: لا يسجد؛ لأنه إذا كان إلى القعود أقرب كان كأنه لم يقم ولهذا يجب عليه أن يقعد، وقال غيره من مشايخنا: إنه يسجد وهو المختار؛ لأنه بقدر ما انشغل بالقيام صار مؤخراً واجباً وجب وصله بما قبله من الزكن فصار تاركاً للواجب فيجب عليه سجدتا السهو.
ولو سهى مراراً لم يجب عليه إلا سجدتان؛ لأن سجود السهو شرع جبراً للنقصان في
الصلاة، والصلاة واحدة فكان إيجابه لنقصانها سجدتان فقط.
ولو سهى المسبوق فيما يقضي وجب عليه؛ لأنه منفرد فيما يقضي، ولو سهى إمامه ولم يسجد معه حتى مضى ما فاته سجدهما؛ لأنه تمكن النقصان في صلاته بسهو الإمام فوجب جبره بسجدتي السهو، ومحل فعلهما آخر الصلاة، وإنما المسبوق بالتقديم على آخر الصلاة بحكم المتابعة فإذا فات عاد الأمر إلى موضعه.
والمسبوق لا يسلم إذا سلّم الإمام، ولا يلبي، ولا يكبر في أيام التشريق مع الإمام ويسجد معه سجدتي السهو؛ لأن سجدتي السهو يؤديان في حرمة الصلاة بدليل أنه لو ضحك قهقهة في تلك الحالة تنتقض طهارته، وبدليل صحة الاقتداء به وكانا من الصلاة، والتلبية والتكبير في أيام التشريق لا يؤديان
الجزء 1 · صفحة 81
في حرمة الصلاة فلم يكونا من الصلاة. والمسبوق يتابع الإمام فيما هو من الصلاة لا فيما هو ليس من الصلاة فإن سلم ساهياً إن سلم مقارناً للإمام لا يجب سجود السهو؛ لأنه سهى وهو مقتدي، وإن سلم بعده، يجب هو المختار؛ لأنه سهى وهو منفرد.
ولو أدرك رجل مع الإمام السجدة الثانية من السهو لم يقض الأولى؛ لأنه حين دخل في صلاة الإمام كان النقصان في تحريمة الإمام بقدر ما يرتفع بسجدة واحدة فيكون في تحريمه ذلك القدر قد أتى بسجدة واحدة فقد انجبر النقصان فلا يجب عليه شيء آخر.
والمقيم خلف المسافر يسجد للسهو ولا يسلم معه، ثم يقضي، والنائم إذا انتبه قضى كما كان يفعل لو لم يتم، وكذلك إذا أحدث أما المقيم خلف المسافر؛ فلانه بمنزلة المسبوق؛ لأنه منفرد فيما يقضي.
وأما اللاحق، وهو النائم والمحدث: فلأنه مدرك لما سبقه الإمام إلا أنه تأخر فعله عن فعل الإمام فكان عليه الاشتغال بما عليه ثم يسجد سجدتين ليكون موجب تحريمة على الترتيب الذي أوجب.
ولو قضى المسبوق قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد إن كان مسبوقاً بركعة أو ركعتين فقام قبل أن يتشهد الإمام ينظر: إن قرأ بعدما تشهد الإمام مقدار ما تجوز به الصلاة أجزاء وإلا فلا؛ لأن ما وجد من القيام والقراءة قبل تشهد الإمام لا يقتدى بهما؛ لأنه أتى بهما.
ولو بقي على الإمام بعض الأركان وهو القعود قدر التشهد وما بقي على الإمام شيء من الأركان إن كان الحال حال لزوم المتابعة فلا يعتد بالانفراد كله كما لو أتى به وقد بقي على الإمام ركعة وأما ما وجد من القيام والقراءة بعد تشهد الإمام يعتد بهما؛ لأنه أتى بهما وليس على الإمام ركن لزمه المتابعة فيه فيعتد بهما كما لو امتد القيام والقراءة بعد قعود الإمام قدر التشهد، وإن كان مسبوقاً بثلاث ينظر: إن قام بعد تشهد الإمام مقدار ما ينطلق عليه اسم القيام أجزأه ويقرأ في الأخيرتين كالإمام أو المنفرد إذا صلى ثلاثاً كالمغرب، وقام في الأولى في مقدار ما ينطلق عليه اسم القيام، أو يقرأ في الآخر جاز كذا هنا، ولو قام فذكر الإمام سجدتي السهو سجدهما، عاد إلى صلاة الإمام ولا يحتسب مما قرأه وركع؛ لأن متابعة الإمام فيما بقي عليه من أفعال الصلاة واجب وما بقي به من القضاء محل للرفض فيلزمه الرّفض بالعود إلى المتابعة، وإن كان المسبوق سجد لم يعد؛ لأنه ليس بمحل للرّفض، وإن عاد فسدت صلاته؛ لأنه اقتداء في حال الانفراد، ولو لم يقيد الركعة بالسجدة فلم يعد وقيده بالسجدة لم تفسد
الجزء 1 · صفحة 82
صلاته؛ لأن الباقي على الإمام سجدنا الشهر وهما واجبتان والمتابعة في الواجب واجبة وترك الواجب لا يوجب فساد الصلاة.
ولو ركع، ثم ذكر الإمام سجدة تلاوة فسجد عاد فإن لم يعد؟ لم يجزه، ولو كان سجد ثم ذكر الإمام جازت صلاة المسبوق؛ لأن تشهد الإمام إنما ارتفض بعد ما حكم نه بالانفراد، ولو لم يسجد الإمام لا تفسد صلاته؛ لأن العود إلى سجود التلاوة بقدر القعود وقدر التشهد، ففي القعدة لو لم يعد لا ترتفض القعدة؛ لأن سجدة التلاوة واجبة، محلها قبل القعدة فإذا أتى بها تبين أن القعدة وجدت قبل أوانها فإن نقصت كان عليه أن يأتي بقعدة أخرى في محلها فإذا لم يأت بها وخرج من الصلاة لم ترتفض القعدة؛ لأنا حكمت بجواز أن الصلاة بدونها واجبة لا فريضة فصار في حق الجواز كأنها ما وجبت فلم تخرج القعدة من أن تكون في محلها.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا تذكر الإمام سجدة التلاوة ولم يسجد لها جازت إن لم يقيد الركعة بالسجدة فظهر ارتفاض قعدة الإمام في حقه؛ لأنه لم يصر منفرداً؛ لأن ما أتى به دون فعل الصلاة فلا يخرج عن متابعته وإذا ظهر ارتفاض قعدة الإمام في حقه وجب عليه أن يعود؛ لأن هذا أوان تفرض فيه المتابعة فإذا لم يعد لم يجزء؛ لأن الانفراد في حال تفترض فيه المتابعة يفسد الصلاة، وإن قيد الركعة بالسجدة لا يظهر ارتفاض قعدة الإمام في حقه؛ لأنه صار منفرداً وانقطعت المتابعة وارتفاض جميع الصلاة في حق الإمام بعد انقطاع المتابعة بالارتفاض لا يظهر في حق المؤتم فارتفاض القعدة أولى، ولو كانت السجدة صلبية وقد سجد المؤتم لما يقضي فسدت صلاته ولو لم يكن سجد عاد ولو لم يعد فسدت صلاته، أما إذا لم يسجد فلما قلنا في سجدة التلاوة، وأما إذا سجد؛ فلانه انشغل عن صلاة الإمام وعلى الإمام ركنان: السجدة والقعدة بكونهما واقعة في غير محلها، ولو انتقل وعليه ركن فسدت صلاته فها هنا أولى، ولو نسي التكبير في أيام التشريق م يجب عليه سجدنا السهو؛ لأنه لم يترك واجباً من واجبات الصلاة، ولو نسي القنوت حتى ركع لم يعد؛ لأن الركوع فرض والقنوت واجب فلا يجوز ترك الفرض لأجل الواجب بخلاف ما إذا ترك الشورة، وركع حيث يعود إلى الصلاة؛ لأنه إذا عاد قرأ السورة؛ لأن قراءة السورة وقعت، فرضاً، وكذلك لو ترك الفاتحة وذكرها قبل السجود قرأها ويعيد السورة؛ لأن قراءة السورة وقعت فرضاً؛ لأنه ليس بعض القراءة بأن يجعل فرضاً أولى من البعض فوقع الكل فرضاً ورفض الفرض لإتيان فرض مثله جائز وكذا رفض الفرض لإكمال الفرض جائز ولو سلم وعليه سجدنا الشهر فلم يسجد حتى طلعت الشمس أو وجد العاري ثوباً أو المتيمم وجد الماء أو نحوه لم
الجزء 1 · صفحة 83
تفسد صلاته في قولهم جميعاً، ولو سجد، ثم حصل ذلك تفسد عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما: لا تفسد؛ لأن عند أبي حنيفة وأبي يوسف بالسّلام خرج من حرمة الصلاة، وعند محمد: إن لم يخرج لكن اعتراض هذه العوارض بعد القعدة وقبل القعدة قبل الخروج غير مفسد للصلاة عنده فإذا سجد عاد إلى حرمة الصلاة ويرتفع الخروج، فإذا حصلت هذه العوارض بعد ذلك فقد حصل بعد القعدة قبل الخروج وذلك مفسد للصلاة عند أبي حنيفة خلافاً لهما.
ولو سهى بعد ما سلم تسليمة واحدة لم يجب عليه السهو؛ لأنه سهى بعد الخروج من الصلاة.
ولو سهى، ثم قام فكبر ودخل في صلاة أخرى فرضاً كان أو نفلاً لا يجب عليه سجود السهو؛ لأن التحريمة الأولى قد انقطعت وهذه تحريمة استؤنفت فكان النقصان الذي حصل في التحريمة الأولى لا يمكن جبره بفعله في التحريمة الأخرى.
ولو سجد سجدتي السهو، ولم يسلم فأراد أن يزيد في صلاته لم يكن له ذلك، ولو زاد لم يكن له ذلك؛ لأنه لو فعل حصل سجدتان في وسط الصلاة وهو غير مشروع، وإنما جاز؛ لأن التحريمة باقية والتحريمة ما بقيت أمكن البناء عليها، وينبغي أن يعيد سجدتي السهو ثانياً؛ لأن الأول ما وقع في محله ولو سلم وهو ذاكر لسجدة التلاوة ناسياً الصلبية أو ذكر هذه ونسي هذه فسدت صلاته؛ لأن هذا سلام سهو في حق أحدهما وسلام عمد في حق الآخر، وسلام الشهو لا يخرج وسلام العمد يخرج فترجح جانب الخروج احتياطاً. والله تعالى أعلم.
الفصل العاشر
في حق المريض ومن بمعناه إلى آخر الفصل
أما المريض:
مريض لا يمكنه الوضوء ولا التيمم، وله جارية فعليها أن توضئه؛ لأنها مملوكته وطاعة المالك واجب إذا عري عن المعصية، وإذا كان له امرأة لا يجب عليها أن توضئه؛ لأن هذا ليس من حقوق النكاح إلا إذا تبرعت بذلك؛ لأنها بمنزلة سائر المسلمين، والإعانة على البر مندوب إليه للمسلمين لقوله تعالى:) وَتَعَاوَنُوا عَلَى البر والتقوى. (
الجزء 1 · صفحة 84
مريض صلى جالساً فلما رفع رأسه من السجدة الأخيرة يريد به في الركعة الرابعة ظن أنها الثالثة فقرأ وركع وسجد سجدة بالإيماء فسدت صلاته؛ لأنه انتقل إلى النافلة قبل الفراغ من الفريضة ولو لم يكن في الرابعة ولكن كان في الثانية وظن أنها الثالثة وأخذ بالقراءة ثم علم أنها الثانية لا يعود إلى التشهد لكن يمضي في قراءته، ويسجد سجدتي السهو في آخر الصلاة.
مريض مجروح تحته ثياب نجسة فإن كان بحال لا ينبسط تحته شيء إلا يتنجس من ساعته له أن يصلي على حاله؛ لأنه ليس فيه فائدة وكذلك لو لم ينجس الثاني إلا أنه يزداد مرضه وتلحق مشقة بتحريكه؛ لأن الجرح مرفوع شرعاً.
المريض الذي يصلي قاعداً في قعوده حال قيامه اختلاف ظاهر. عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله تعالى يقعد مربعاً، أو محتبياً، وقال زفر رحمه الله تعالى: يقعد كما يقعد في التشهد، وعليه الفتوى؛ لأن ذلك أيسر. على المريض.
رجل له عبد مريض لا يستطيع أن يتوضأ يجب على مولاء أن يوضته بخلاف المرأة" المريضة حيث لا يجب على الزوج أن يعاهدها؛ لأن المعاهدة إصلاح ملكه وإصلاح الملك على المالك لا يجب؛ وأما المرأة حرة فكان إصلاحها عليها.
المريض إذا صار بحال لا يستطيع أن يصلي لا بالإيماء ولا بغير الإيماء فمات لا يجب عليه شيء من كفارة الصلاة ولا يكون مؤاخذاً؛ لأنه لم يقدر على أداء الصلاة في الحال ليجب الأداء فيجب خلفه وهو الفدية، فإذا برىء وصحُ إن كان ذلك أقل من صلاة يوم وليلة قضى تلك الصلاة؛ لأنه قدر على أداء الصلاة في زمان هو خلف فيلزمه، وإن كان أكثر من يوم وليلة لم يجب عليه القضاء؛ لأنه لم يصر خلفاً؛ لأنه لا يفيد؛ لأنه لا يقدر على الأداء إذا تضاعفت الواجبات؛ لأنه تحرج في القضاء فصار كالمغمى عليه. . رجل به جرح إن صلى بالإيماء قائماً لا يسيل جرحه وإذا ركع وسجد يسيل جرحه صلى قائماً ويومىء للركوع ثم يجلس ويومى للسجود ليكون أداء الصلاة مع الطهارة، فإن لم يفعل كذلك فصلى قائماً هكذا ويومىء إيماء لا تجوز صلاته؛ لأن الإيماء للسجود جالساً أقرب إلى حقيقة السجود وقد ذكرنا جنس هذا في فصل المستحاضة.
قوم يصيبهم المطر فيكثر المطر إن لم يستطيعوا أن ينزلوا أومأوا على الدابة جاز؛ لأن الإيماء خلف والمصير إلى الخلف عند العجز جائز عن الأصل، وإن أومأوا والدواب نسير لم يجزهم إن كانوا يقدرون
الجزء 1 · صفحة 85
على إيقاف الدواب وإن لم يقدروا جاز وإن قدروا على النزول فلم يقدروا على الانحراف إلى القبلة أجزأهم أن يصلوا إلى غير القبلة.
رجل كان في موضع طين ورذعة فإن كانت الأرض ندية ومبتلة ولم تكن طيناً يغيب وجهه؟ صلى هناك؛ لأن هذا ليس بمثله وإن كان طيناً وروغة لا يصلي ثمة فبعد ذلك ينظر إن كان يجد موضعاً آخر لا طين فيه يذهب إلى ذلك الموضع ويصلي وإن كان لا يجد بأن كان مسافراً يصلي قائماً متوجهاً إلى القبلة يومىء إيماء، وإن كان راكباً يصلي على حاله راكباً بالإيماء.
لا يستقبل القبلة الأحدب إذا بلغت حدوبته الركوع يشير برأسه للركوع؛ لأنه عاجز عما هو أعلى منه.
مريض صلى فيقول في صلاته عند القيام وعند الانحطاط: بسم الله لما يلحقه من المشقة لا تفسد صلاته؛ لأن قوله: بسم الله في الأصل ليس من كلام الناس، ولم يخرجه جواباً ليصير كلاماً، وإذا أغمي عليه أو جن، أو عجز عن الإيماء بالرأس إن دام على ذلك حتى كان أكثر من يوم وليلة يسقط قضاء الصلاة وإن كان أقل لا يسقط لما ذكرنا؛ لأن الإغماء والجنون قد يطول وقد يقصر فإذا طال فالقضاء يوقعه في الحرج، وإذا قصر لا، فلا بد من حد فاصل بين القليل والكثير؛ فجعلنا الأكثر من يوم وليلة طويلاً، ثم إن أبا حنيفة وأبا يوسف رحمهما الله تعالى يعتبران أكثر من يوم وليلة بالساعات، وعن محمد رحمه الله تعالى بأوقات الصلوات؛ حتى لو أغمي عليه قبل الزوال ولم يفق إلى ما بعد الزوال من الغد قبل دخول وقت العصر لا قضاء عليه عندهما؛ لأنه من حيث الساعات صار أكثر من يوم وليلة، وعنده يلزمه ما لم يمتد إلى وقت العصر.
ولو رفع المريض شيئاً يسجد عليه ولم يقدر على الأرض؟ لم يجز إلا أن يخفض برأسه السجوده أكثر من ركوعه ثم يلزقه بجبينه فيجوز؛ لأنه لما عجز عن السجود وجب عليه الإيماء والسجود على الشيء المرفوع ليس بإيماء إلا إذا حرك رأسه فحينئذ يجوز لوجود الإيماء لا لوجود السجود على ذلك الشيء.
ولو أصابه فزع، أو خوف فصلي قاعداً جاز إن خاف إن صلى قائماً لقوله عليه الصلاة والسلام العمران بن حصين: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِداه من غير فصل.
ولو افتتح صلاة قائماً ثم أصابته علة فقعد وأوماً جاز؛ لأن التحريمة انفقدت بالإيماء وزيادة،
الجزء 1 · صفحة 86
فجاز بناء الإيماء عليه؛ لأنه لو استقبل لوقع الكل ناقصاً، وإن صلي ركعة بالإيماء ثم قدر على الركوع والسجود فسدت الصلاة، ولو صلى ركعة من أولها قاعداً بركوع وسجود ثم قدر على القيام بنى على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يستقبل. محمد يقول: التحريمة ما انعقدت للقيام فلا يجوز بناء القيام عليها كالمومئ، إذا قدر على الركوع والسجود، هما يقولان: إن أصل القيام موجود في أصل صلاة القاعد وهو الاستواء بالنصف الأعلى والتمام معدوم وهو الاستواء بالنصفين فقد انعقدت التحريمة
على القيام فصح بناء التتمة عليه؛ لأن وصف الكمال فيه لا أصله.
مصل لا: بحسن إلا الفاتحة ثم علم سورة أخرى صخ أداؤها بتلك التحريمة بخلاف المومئ لأن الركوع والسجود معدومان في صلاته؛ لأن الركوع انحناء الظهر والسجود وضع الجبين، والأنف على الأرض ولم يوجد في حقه إلا تحريك الرأس ولو قدر على القيام ولم يقدر على السجود صلى قاعداً بالإيماء؛ لأن من سقط عنه فرض السجود سقط عنه فرض القيام كالمصلي على الرّاحلة صلاة الخوف فلا يلزمه القيام مع القدرة عليه بأن يجعل رجليه في الركاب وينتصب ولو ائتم بقاعد يركع ويسجد وهو كذلك، أو يومئ كذلك أجزاء، ولو انتم قائم أو قاعد يسجد برجل يومىء لم يجز؛ لأنه لا يجوز أن يبني صلاته بركوع وسجود على تحريمة انعقدت للإيماء في حق نفسه فلا يجوز أن على يبني صلاة غيره أيضاً، ولو انتم قائم يسجد برجل يقعد ويسجد لم يجز القيام، ويجوز للإمام في قول أبي يوسف ومحمد رحمة الله تعالى عليهما، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز لقائم يسجد أن يأتم بقاعد يسجد؛ لأن الأصل أن ما يقبل البناء على تحريمة نفسه يقبل على تحريمة غيره فإذا ثبت الخلاف في البناء على تحريمة نفسه فكذا في البناء على تحريمة غيره والصحيح أن أبا يوسف مع أبي حنيفة في هذه المسألة كالمسألة الأولى ولو لم يقدر.
مريض عاجز عن القراءة فصلى ولم يقرأ جاز؛ لأن فرض القراءة يسقط بعذر العجز بفرض القيام والركوع والسجود.
المريض إذا فاتته صلوات حالة المرض فقضاها حالة المرض بالإيماء جاز. أما حالة الصحة لزوال العذر وأما حالة المرض لقيام العذر.
المريض إذا كان يستطيع القيام لو صلّى في بيته، ولو خرج إلى الجماعة يعجز عن القيام أيصلي في بيته قائماً، أو بالجماعة قاعداً؟ اختلف المشايخ فيه: والأصح أنه يخرج إلى الجماعة. والله تعالى أعلم.