الجزء 1 · صفحة 6
الفتاوى السراحية
للشيخ الإمام العلامة أبي محمد علي بن عثمان بن محمد التيجي الأوشي الحنفي
المتوفى 569هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
ترقيم الكتاب موافق للطبعة
الجزء 1 · صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
قال العبد الضعيف - تولاه الله تعالى بعصمتِه وخَصَّ أسلافه برحمته ـ: هذا ما اختصرته من كتاب سبق مني جَمعُه وتصنيفه، ونظمه وتأليفه في نفائس أجناس المواقعات الْمُلتَقَطَةِ من الجامعين، والزياداتِ الْمُنتَخبَّةِ من فوائدِ أَئِمَّةِ الأمصار في سوالف الدُّهور والأعصار إلى غير ذلك من نُسَخ يكثر عدُّها واحْصاؤُها ويَعسُرُ حدُّها واستقصاؤُها على حسب كفايةِ الْمُتصدِّينَ لأمر الفتوى في حوادث أهل البلوى، وإنَّه كتاب صغيرُ الْحَجْمِ كثيرُ الغُنْم لاحتوائه على الأتم مِنَ الفَوائدِ والأَعَمِّ من الفرائدِ. ولله الحمد على جزيل بره وعطائه، وجميل أمره وندائه، والصلاة على نبيه الأنور، وصفيه الأطهر، معدن الْحِلمِ والحياء، منبع العلم والذكاءِ مُحمدٍ وآلِه أفضلُ من كل تحيَّة، وأطيب من كل سلام، وأصحابه الطيبين الطاهرين العادلين.
كتاب الطهارة
أبوابه اثنا عشر: في الوُضُوء، فيما يَنْقُضُ الوُضُوءَ، في الغسل، فيما يجوز به الغسل والوضوء، في الأواني والآبار، في الآسار، في الأنجاس في التطهير، في الاستنجاء، في المسح في التيمم في الحيض والنفاس.
باب الوُضُوء
قال ـ رضي الله عنه ـ: الوُضُوء من الوَضَاءَةِ، وهي النَّظَافَةُ وَالْحُسْنُ. سبب وجوب الوضوء في حق المحدث إرادة الصلاة. تسييلُ الماء على مواضع الغسل شرط، ولا يَقْنَعُ بالإصابة. لو بقي من أعضاء الوضوء أو الغُسل شيء لم يصل إليه الماء لم تتم الطَّهَارَةُ. وحدُّ الوجهِ من قُصَاصِ الشَّعْرِ إلى أسفلِ الذَّقَنِ طُولاً، ومن شَحْمَةِ الأُذُنِ إلى شَحْمَةِ الأُذُنِ عرضاً، كذا ذكره الشيخ الإمام الأجل السَّرَحْسِيُّ رحمه الله تعالى وذكر بعضُهم إلى حِدَّة الذقنِ. ولو ترك غَسْلَ البياض الذي بين العِذارِ وشحْمةِ الْأُذُنِ لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى وعليه الفتوى، وعن أبي يوسف ـ رحمه الله تعالى ـ أنه يسقط غسل ذلك بالالتحاء
إيصال الماء إلى داخل العينين ساقط إيصال الماء إلى الشعر الذي يوازي الذقن والخدين
الجزء 1 · صفحة 8
فرض، وإلى ما استرسل من شعر اللحية لا، قاله حسام الدين - رحمه الله تعالى. لو صرف البلل الذي في اليمنى إلى اللمعة التي في اليسرى في الوضوء لا يجوز، وفي الغسل يجوز
مسح الرأسي مقدّر بثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد، هو المختار. تكرار مسح الرأس ثلاث بماء جديد لا يستحب مسح كل الرأس سنة، إذا مسح رأسه بأطراف أصابعه لم يجز إلا إذا كان الماء متقاطراً. إذا مسح رأسه بأصبع واحدة جوانبها الأربعة، أو
مسح بأصبع واحدة ومدَّها قدر ثلاث أصابع اليد، الأصح أنه لا يجوز ولو مسح رأسه بأصبع واحدة، ثم بلّها ومسح بها في موضع آخر، وفي المرة الثالثة كذلك جاز إذا مَسَحَ رأسه ببلل كفّه أَجْزَاهُ، وببلل لحيته لا. مَسْحُ الأُذُنين لا ينوب عن مسح الرأس. إذا مسحت المرأة على الخمار، فإن كان رقيقاً وجاوز الماء إلى شعرها ولم يتغير جاز. إذا توضأ وغسل وجهه، ثم حلق لحيته، أو حاجبيه، أو شاربيه، أو قلم أظفاره لم يجب غسلُ مواضعها. المسح على الجبيرة كالغَسل لما تحتها، أورده في «الزيادات».
المفتصد لو مسح على العصابة، ثم سقطت العصابة، فَبَدَّلها بعصابة أخرى لم تحب إعادة المسح، ولكن تستحب. إذ أصاب الرجل المطر أو وقع في نهر جار جاز وضوءه، وغسله أيضاً إن أصاب جميع بدنه، وعليه المضمضمة والاستنشاق. لو أصاب رأسه ماء المطر قدر ثلاث أصابعَ أَجْزَأَهُ مَسَحَهُ أو لَم يَمْسَحْهُ، قاله القاضي الإمام المنتسب إلى الإسبيجاب.
غسل المرفقين والكعبين فرض، خلافاً لزفر - رحمه الله تعالى ـ النية في الوضوء، والترتيب فيه مستحب، لا شرط، خلافاً للشافعي - رحمه الله تعالى ـ الوضوء على الوضوء مستحب ثمن ماء الوضوء والغسل على الزوج. مريض لا يمكنه التوضي، وله جارية، عليها أن تُوَضّه، ولو كانت له امرأة لم يجب عليها ذلك، يكره أن يستخلص رحمه الله وعليه تخليل اللحية مسنون عند أبي يوسف. الإناء لنفسه. الفتوى وهو المختار.
ومسح العنق من الآداب وكذا إدخال الأصبع المبلولة في صماحُ الأُذنين في الوضوء، والأدب دون السنة في الرتبة الأولى أن لا يستعين بغيره في الوضوء. ويُكره التنحم والامتحاط في الماء، والتعنيف في ضرب الماء على الوجه. والأولى أن يكون المضمضمة باليمين، والاستنشاق باليسار وتستحب البداية بالميامن في الوضوء وغيره.
باب ما يَنْقُضُ الوُضوءَ
الجزء 1 · صفحة 9
الْمُفْضَاةُ: التي صار التي صار مسلكاها مسلكاً واحداً، لو خرجت من قبلها ريح مثبتة يجب عليها الوضوء، ولكن يُستحب. إذا قاءَ مِلأُ فِيهِ مُرَّةً أو طعاماً أو دماً نقض الوُضُوء، والقليلُ عفو، وحدُّ مِلاً الفم أن لا يمكنه ضبطه وإمساكه إلا بكلفة، وإن قاء قليلاً قليلاً حتى كان يبلغ ملأ الفم لو جُمِعَ، قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى: إن الحد مجلس القيء جُمِعَ، وإلا فلا، وقال محمد رحمه الله تعالى: إن اتحد سبب القيء بأن كان بغَثَيَانٍ واحدٍ جُمِعَ، وإلا فلا قيل: هو الأصح. لو قاء دماً سائلاً إن خرج بقوّة نفسه لا بقُوَّة البزاق نقض الوضوء، وإن كان عَلَقاً يُشترط فيه ملء الفم.
نَفْطَةٌ قُشِرَتْ فسال منها ماء أو غيره نقض الوضوء، وإن لم يسل لا، خلافاً لزفر رحمه الله تعالى. ولو خرج من جُرْحِهِ دَمٌ فَمَسَحَهُ قبل أن يسيل وهو بحال لو تركه: لَسَالَ نقض، وكذلك لو ألقى عليه الرَّمادَ فتشَرَّب فيه. والعِرْقُ الْمَدَنِيُّالذي يقال له بالفارسية «رشته نارو كالدودة، خروجُه لا يَنْقُضُ الوُضُوء، مذكورة في الملتقط للسيد الإمام ناصر الدين رحمه الله تعالى.
إذا توضأ ثم استنجى لا يَفْسُدُ وُضوؤُهُ. وإذا باشر امرأته مباشرة فاحشة بتجرد وانتشار آلةٍ، وملاقاة الفرج بالفرج انتقض وضوءه، خلافاً لمحمد - رحمه الله تعالى .. والمرأة إذا احْتَشَت بقطن في شفتي فُرْجها فخرجت الندوة من الحلقوم وابتل القطن فعليها الوضوء، ولو كان القُطِّنُ في الحلقوم لا طهارة المستحاضة، وصاحب الجرح السائل. ومن بمعناهما تنتقض عند خروج الوقت بالحدث السابق.
إذا أسند ظهره إلى سارية، أو نحوها بحيث لو لا أسند ما استمسك، فنام كذلك، فإن كانت أليتاه مستويتين مستوثقتين على الأرض لا وضوء عليه في أصح القولين إذا نام في الصلاة وضحك قَهْقَهَةً لا وضوء عليه مذكورة في الفتاوى. إذا سكر حتى لا يَعْرِف الرجل من المرأة انتقض وضوءه. إذا نام في سَجْدَةِ التلاوة انتقض وضوءها، بخلاف سجدة الصلاة. إذا نام قاعداً فسَقَطَ على الأرضِ إن استيقظ حين سقط لا وضوء عليه وإن استيقظ بعد السقوط عليه الوضوء.
القُرادُ إذا مَصَّ عُضْوَ إنسانٍ فامتلأ دماً، إن كان كبيراً انتقض وضوءه، وإن كان صغيراً لا. وعن محمد - رحمه الله تعالى - أنّ المُحْدِثَ إذا أخذ الكوزة ودخل في المتوضأ ليتوضأ ثم شك أنه هل توضأ أم لا فإنه يُجْعَل متوضئاً. من أيقن بالطهارة و شكَ في الحَدَثِ فهو على طهارته، ومن أيقن الحدث وشك في الطهارة فهو على الحدث.
باب الغسل
الجزء 1 · صفحة 10
الإيلاج في البهائم لا يُوجِبُ الغُسل ما لم يُنزل بخلاف اللواطة. امرأة احتلمت ولم يخرج منها الماء، إن وجدت شهوة الإنزال عليها الغُسل، وبه أفتى أبو بكر محمد الفضل البخاري - رحمه الله تعالى ــ، وعن محمد رحمه الله تعالى ـ أنه لا يجب إذا استيقظ النائم فوجد على فراشيه بللاً على صورة المذي أو المنى عليه الغسل وإن لم يتذكر الاحتلام.
إذا احتلم فشدَّ ذكره ومَنَعَ خُرُوجَ الْمَنِي، ثم سال المني بعد ما سكنت شهوته عليه الغسل، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى ـ لا، وبه أخذ الفقيه أبو الليث ـ رحمه الله تعالى. إذا ضُرِبَ الرجلُ، أو حَمَلَ حِمْلاً ثقيلاً، فسال منه الْمَنِيُّ لا غُسل عليه. المتوضى إذا دخل الخلاء ليبول ثم شك أنه الخلاء ليبول ثم شك أنه هل بال أم لا، يُجْعَلُ كأنه بال. إذا اغتسل عن جنابةٍ قبل أن يبول ثم نزل الْمَنِيُّ عليه الغسل، خلافاً لأبي يوسف. رحمه الله تعالى. إذا أجنب الكافر ثم أسلم ذكر شمس الأئمة السرخسي ـ رحمه الله تعالى ـ أنه يجب عليه الغسل، وذكر القاضي الإمام المنتسب إلى الإسبيحاب أنه يستحب. الغلام المراهق إذا وطى البالغة لا يجب عليه الغسل، لكن يؤمن به تخلقاً واعتباداً. ويجب على المرأة الموطوءة الغسلُ، ولو وطئ البالغ صغيرة فالجواب فيه على العكس.
المجنون إذا أجنب ثم أفاق، قيل: لا غُسل عليه. من ماء الاغتسال على الزوج. دلك الأعضاء في الاغتسال ليس بشرط لو صرف البلل الذي على الظهر إلى اللُّمْعَةِ التي على الرّجل في الاغتسال يجوز ليس على المرأة أن تَنْقُض ضفائرها: في الاغتسال إذا بلغ الماء إلى أصول شعرها بخلافِ الرَّجُلِ. إذا بقي العجين بين أظفاره فاغتسل لم يجز، ولو بقي الطعام بين أسنانه أو الدَّرَةُ بين أظفاره فاغتسل جاز. الجنب إذا غسل بعض أعضاءه، ثم نام أو أحدث، ثم غسل ما بقي جاز.
النية في الاغتسال ليس بشرط المضمضة والاستنشاق فرضان في الغُسل خلافا لمالك ـ رحمه الله تعالى غُسْلُ يوم الجُمُعَة، والعيدين، وعند الإحرام، وعرفة
سنة غُسل يوم الجمعة للصلاة لا لليوم، وعليه الفتوى، حتى لو اغتسل و لم يصل بذلك لا ينال فضل الغسل.
باب ما يجوز به الوُضُوء والغُسل
إذا اختلط بالماء شيء طاهر، ولم يُزل عنه اسم الماء، ولا رفته، فهو طَهُورٌ وإن تغير لونه، حتى لو توضأ بماء الزَّرْدَج والمعصفر أَجْزَاهُ إلا إذا كان ثخيناً. الحوض إذا كان عشرا في عَشْرِ جازِ
الجزء 1 · صفحة 11
التَّوَضُو منه،، والاغتسالُ فيه. الماء إذا كان له طول وليس له عرض، وهو بحال لو جُمِعَ وقدر يصير عشراً في عشر لا بأس بالوضوء منه تيسيراً على المسلمين، ولا يتنجس بوقوع النَّجاسة فيه، ولا اعتبار لِعُمق الماء، ذكره في الملتقط
الماء إذا كان يجري ضعيفاً فأراد إنسان أن يتوضأ منه، فإن كان وجهه إلى مَوْرِدِ الماء جاز، وإن كان إلى مسيل الماء لا، إلا أن يمكث بين كل غَرْفَتَيْن قدرَ ما يَذْهَب الماء بغُسالته ماءُ النَّهْر إذا كان بعضه يجري على الجيفة، أو في جوف الجيفَةِ، فإن كان ما يلاقي الجيفة أقلّ فهو طهور، وإلا فلا. التَّوَضُو بماء الملح لا يجوز.
التَّوَضُو بالثلج الذائب بحيث يتقاطر على بدنه جاز. التَّوَضُو بسؤرِ سباع الطُّيور كالصَّقْر والباشق ونحوهما، وسؤرِ ما يَسْكُن في البيوت مثل الحِرَّةِ والفارةِ كُرِهَ وأَجْزَاهُ. رجلٌ لم يجد الماء إلا سؤر حِمارٍ أو بغل، فإنه يتوضأ به ويتيمم، وأيهما قدَّم أو أخر جاز. ولو توضأ به وصلى ثم أحدث فتيمم وصلى تلك الصلاة خرج عن العُهْدَة. ولو قَدَرَ على نبيذ التمر وماء مشكوك كسور الحمار والبَغْلِ توضأ بالنبيذ.
المرأة إذا غسلت يدها من العجين أو الوسخ لا يصير الماء مستعملاً؛ الأنه ليس فيه إقامة القربة، وإن غسلت لأجل الطعام يصييرمستعملاً؛ لأن فيه إقامة القربة. الماءالمستعمل في الوضوء في رواية محمد عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - طاهر، وعليه الفتوى، وفي الجنابة نجس عند أبي يوسف، وبه يُفتى. الحوض الكبير إذا تجمد ماؤه فنَقَبَ إنسان نَقْباً وتوضأ من ذلك الموضع، إن كان الماء منفصلا عن الجمد جاز، وإلافلا.
باب الأواني والآبار
عَقْرَب أو نحوها مما لا دم له يموت في تَوْر الماء لا يُفْسِدُ الماء، ولو وقع فيه حَمَامَةٌ أو سام أبرص أفسده. ضِفْدع بَرِّيٌّ مات في الماء أو اللبن أو العصير فهو طاهر، إلا إذا تقطع فيه، وقيل: لو كان للضّفْدِع البري دمّ سائل فإنها تُفسد الماء حَيَّةٌ برية ماتت في الإناء، ذكر في الفتاوى: لو كان لها دم سائل فإنها تفسد الماء، وهذا الجواب يوافق قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى، أما عند أبي حنيفة ومحمد ـ رحمهما الله تعالى ـ فلا يتنَجَّسُ.
مَيِّتٌ غُسل ثم وَقَعَ في الماء لا يُفسد الماء إلا إذا كان كافراً. بئر على الطريق يحضُرُها الرُّسْتاقِيُّون والصبيان ويضعون أيديهم على الدَّلو فهي طاهرة. ذَنَبُ الفَارَةِ لو وقع في البئر يُنزَحُ
الجزء 1 · صفحة 12
كلُّ ما فيها أي يُنزح حتى يَظْهَرَ العَجْرُ. ولو وقعت في البئر فأرةٌ أو فأرتان فإنه يُنزَح منها عشرون دلواً، وقيل: في الثلاث كذلك، وذكر في التجريد أن ثلاث فأراتٍ كالدجاجةِ يُنزح أربعون دلواً.
شعر الخنزير لو وقع في الماء القليل أفسده عند أبي يوسف، خلافاً لمحمد ـ رحمهما الله تعالى. بول الخفافيش وخرؤها لا يُفسد الماء للضرورة، وفي بول الفأرة قولان بعرتان وقعتا في الْمَحْلَب عندَ الحلْب فرمِيتا من ساعتهما لا تفسدانه، والمنكسر في ذلك سواء نظراً للناس. خرؤ الْحَمَامِ والعُصْفُور لا يُفسد الماء.
رجل غرف من حوضِ الحَمَّامِ وبيدِه نَجاسة، وكان الماء يدخل من الأنبوب في الحوض متتابعاً لم يتنجس؛ لأنه بمنزلة الماء الجاري. جنب أدخل كفه في الإناء لايتنجس، ولو أدخل رجله في البئر لا يتنجس، هو الصحيح، بخلاف الإناء.
البعرة الكثيرة لو وقعت في البئر يُنزح حتى يغلبهم الماء ويظهر العجز، هكذا ذكر الشيخ الإمام الزاهد علي بن محمد البزدوي. وقال شمس الأئمة السرخسي والقاضي الإمام الأجل الإسبيُجَابِيُّ - رحمهم الله تعالى: الأصحُ والأشبه أن ينظر إليه رجلان لهما بصارة في أمر الماء، فبأي مقدار قالا يَطْهُرُ بِنَزْحٍ ذلك القدر، ثم أبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ لم يُقدِّر الكثير بشيء بل فُوَّضه إلى رأي المبتلى به، فإن استفحشه واستكثره كان كثيراً، وإلا فلا، وعليه الفتوى وقيل الثلاث كثير، وبه أخذ الإمام الإسبيجابي.
إذا وجب نزح عشرين دلوا فجاؤا بدلو عظيم يسع فيها قدر عشرين دلوا ونزحوا مرة واحدة اكتفى به، خلافاً للحسن بن زياد وإذا نُزِحَ الماء من البشر لا يجب نزح طينِ البئر، ولا غسلُ الحَبْلِ والدَّلْوِ وإذا وجب نزح الماء من البئر فالمعتبر في كل بئرٍ دَلوها، فأن لم يكن لَها دَلْوَ نُزِحَ الماء بدلو يسع ثَمانية أرطال، وهو الصحيح. التَّحَرِّي في الأواني إلا إذا كان الطاهر أكثر من النَّجسِ.
باب الآسار
سؤر الحائض والنفساء والجنب والكافر طاهر. إذا شرب الخَمْرَ ثم شرب الماء من ساعته يتنجس. سؤر الهرة مكروه الهرة إذا أكلت الفأرة ثم شربت الماء على فورها فإنه يتنجس، ولو مكثت ساعة أو ساعتين ثم شربت لا. سؤر الصقر والبازي والباشق ونحوها مكروه، وكذلك سؤرُ الوَزَعَةِ والحيّة والفأرة. سؤر الفيل والخنزير والكلب والأسد والذئب والنَّمِر نجس.
الجزء 1 · صفحة 13
سؤر الحمار والبَغْلِ مشكوك، قيل: الشك في طهارته، و به أخذ القاضي الإمام صدر الإسلام - رحمه الله تعالى الله تعالى، وقيل: وقيل: الشك في طهوريته، وبه أخذ القاضي الإمام حُسَامُ الدِّين - رحمه الله تعالى -. سؤرُ الفَرَس: المختار أنه طاهر. سور ما يُؤكل لحمه طاهر إلا الدَّجَاجَةَ المَخلاةَ.
باب الأنجاس
ذَرْقُ سباع الطير طاهر، كذا اختاره الشيخ الإمام الأجلُ السَّرَخسِيُّ - رحمه الله تعالى، وقال الشيخ الإمام حُسَامُ الدِّين رحمه الله تعالى -: إنه نجس. دم السمك طاهر. لَبَنُ الأتانِ طاهر، لكنه لا يؤكل بول انتَضَحَ على الثوب مثلَ رُؤُوسِ الإِبر فذلك لا يضره. القيء القليل كما أنه ليس بحدث ليس بنجس. ثوب بسط على أرض نجسةٍ مبتلةٍ وأَثْرَتِ النَّحَاسَةُ فيه بحيثُ لو عُصِرَ لا يسيلُ ولا يتقاطرُ عنه شيء، قيل: الأصح أنه لا يصير نجساً، قاله القاضي الإمام قاضي خان رحمه الله تعالى ولو وقع في الماء لا يُفْسِدُ. رجلٌ توضأ ووضع رجليه على أرض نجسة، إن
كانت الأرض صُلْبَةً وهي يابسة ولم يقف عليها لا شيء عليه، وإن كان موضع قدميه رطباً والرّجلُ يابسة فظهرت الرُّطُوبَةُ في قدميه عليه أن يغسلهما.
الكلب إذا أخذ عضو إنسان أو ثوبه حالة المزاح يجب غسله، وحالة الغضب لا. الكلب إذا دخل الماء ثم نَفَضَ نَفْسَهُ فأصاب منه ثوب إنسانٍ نجسه، بخلاف ما إذا أصابه المَطَرُ ولم يصل إلى جلده. ماء فم النائم طاهر. الماء الذي في دُوْدِ الفيلق طاهر. حوض كبير يصير عشراً في عشر لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه. بعرة من بعر الفأرة إذا وقعت في وَقْرِ حِنْطَةٍ فطُحِنَتْ والبعرة فيها، أو وقعت في زق دُهْنِ،. يَفْسُد الدَّقيقُ والدُّهْنُ ما لم يتغيّر طَعْمُهما، مذكورة في الواقعات الحسامية. ماءُ الْمَطَر إذ جرى في الميزاب من السطح وكانت على السَّطْح عَذِرَاتٌ، فالماء طاهر، وإن كانت العَذِرَة عند الميزاب، فإن كان أكثر الماء لا يلاقي العَذِرَة فهو طاهر، وإلا فنجس. غُسالة الميت إذا أصاب ثوبَ الغاسل فما دام في عِلاج الغُسْلِ فَما تَرَشَّشَ عليه مما لا يجد بداً منه ولا يمكنه الاحتراز عنه لا يُنَجِّسُهُ لعُموم البلوى. الماء الطاهر إذا اختلط بالتراب النَّجس أو على القلب قال مشايخ بخارى: أيهما كان غالباً فالعِبْرَةُ له، وقال الفقيه أبو الليث - رحمه الله تعالى -: أيهما كان نجساً فالعبرة له.
الماء المطلق كماء الأنهار والحياض والأمطار طهور لقوله: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا)
الجزء 1 · صفحة 14
الماء المقيَّدُ كماء الوَرْدِ والبطيخ طاهر تزول به النجاسة من الثوب والبدن، لا يصلح للوضوء والغسل، وكذلك كل ما يُعْصَرُ كالخَل واللين دون الدبس والغسل
باب تطهير الأنجاس
الْمَنِيُّ إذا فُرِك بعد ما يبس طهر، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى: لو كان على البدَنِ، الأوجَهُ أن لا يطهُرَ. النَّجاسَةُ الْمُتجسدة وهي التي لها جرم كثيف، إذا أصابت الْخُفَّ أو النعل فيبست طهُرَتْ بالحَكَ. وفي الرَّطْب على الخف ونحوه لا بد من - ـ الغسل في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف ـ رحمه الله تعالى ـ أنه لو مسحه على سبيل المبالغة بحيث لا يبقى لها لون ولا رائحةٌ طَهُرَ، وعليه الفتوى للضرورة.
رمَادُ العَذِرَةِ نحس عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، وقال محمد رحمه الله تعالى:
طاهر، وعن أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ مثل قوله. السكين إذا موه بماء نجس، فغُسل ثلاثاً وجفْفَ في كل مرَّةٍ طَهُرَ عند أبي يوسف ـ رحمه الله تعالى، خلاقاً لمحمد ـ رحمه الله تعالى .. الحوض إذا تنجس ماءه فدخل الماء من جانب وخرج من جانب آخرَ طَهُرَ، هو المختار.
البساط النجس إذا جُعِل في نهر جارٍ وتُرك ليلة طهر، هو المختار. حصير أصابته نجاسة فيبست لا بُدَّ الدلك عند الغسل حتى تلين فتزول، وإن كانت رطبة من يُجْرَى عليه الماء إلى أن يُتَوَهَّمَ، زوالها، أويُغسَلُ ثلاث مرات ويجفف في كل مرة. حفٌ بطانة ساقه من الكرباس فتنجست البطانة فملأه بالماء ثلاثاً وأهرقه ولم يتهيأ عصر الكرباس طَهُرَ.
النَّجاسة المرئيَّةُ التي لَها جرمٌ لو زالت عينها بعمرة اكتفى بها، ولو لم تزل إلا بثلاث
يُغْسَلُ إلى أن تزول. البولُ إذا أصابَ الأرض احتيج إلى الغسل، يُصَبُّ عليها الماء يُدلك، ثم يُنْشَفُ ذلك الماء بخرقةٍ، يُفعَل ذلك ثلاثاً فيطهر، ولو لم تغسل لكنها يبست طهرت أيضاً.
إذا أصابت النَّجاسة الحشيش لم يطهر إلا بالغسل. إذا مسح الرجلُ موضعَ المَحْجمَةِ
بثلاثِ خِرَقَاتٍ رَطَبَاتٍ نِظَافٍ أَجْزَاهُ من الغسل. ولو لَحِسَ العُضْوَ النَّجسَ حتى ذهب أثره طهرَ. الصبي إذا قاء على ثَدْيِ أُمِّه ثُمَّ أَرْضَعَتُه ثلاثَ رَضَعَاتٍ طَهُرَ الثدْيُ إِذا ذَبَحَ شاة ثم مسح السكين على صُوفها أو شيء من الأشياء وذهب أثرُ الدَّم عنه طَهُرَ. الصَّبْغُ إذا ماتت فيه فارةٌ يُصبَغ به الثوبُ ثم يُغْسَلُ ثَلاثاً طَهُرَ.
إذا غَمَسَ يدَه في سَمْنٍ نجس ثم غَسَلَ يدَه في الماء الجاري ثلاث مراتٍ بغير حُرْضِ وأَثَرُ
الجزء 1 · صفحة 15
السَّمْنِ باق على يده طهرت يده، وكذلك إذا كان على يد المرأة أَثَرُ حنَّاءٍ نَجس
الخزف الجديد أو الآجُرُّ الجديد أو الحصيرُ المتَّخَذُ من الخلفاء إذا تنجس يغسل ثلاث ويُحفِّفُ على إثر كلّ مرَّةٍ، وإن كان الخزف قديماً مستعملاً يكفيه الغسل دفعة واحدة. الثوب النجس إذا غُسل في ثلاث إجانَاتٍ خرج من الثالثة طاهراً، ولا بد من العصر في كل مرة بحيث لو عُصر بعد ذلك لا يسيل منه شيء. جلد الخنزير لا يطهر بالدباغة ولا بالذكاة، ولو وقع بعده في الماء أفسده، كذلك شعره، خلافا لمحمد - رحمه الله تعالى ـ في الشعر، ولا بأس بالانتفاع به وتركه أحوط. ما يطهر بالدباغ يطهر بالذكاة مع التسمية. كل شيءٍ دُبغ به الجلد مما يمنعه من الفساد ويعمل عمل الدباغ كالشمس والتراب فإنه يطهر.
رجل كان على يده نجاسةٌ رَطْبَةٌ فجعل يدَه على عُرْوَةِ القُمْقُمَةِ، فلمّا صَبَّ المَاءَ على اليد، فإذا غسل ثلاث مراتٍ طهرت العُرْوَةُ معَ طهارة اليد. إذا اشتبه عليه موضع إصابة النَّجاسة من الثوب، ذُكر في شرح الطحاوي أنه يغسل الكل، وأفتى شيخ الإسلام علي الإسبيجابي ـ رحمه الله تعالى - أنه يتحرّي ويغسل، وهكذا عن تاج الأئمةأحمد بن عبد العزيز ـ رحمه الله تعالى. والله أعلم.
باب الاستنجاء
لا يستنجي بالأشياء النَجسَةِ ولا بالعظم ولا بعلفِ الدَّواب. الشرط في الاستنجاء لا يستنجي الإنقاء دون العدد. المرأة لا تدخل إصبعها في فرجها في الاستنجاء. المستحاضة لا يجب عليها الاستنجاء لوقتِ كل صلاة إذا لم يكن فيها بول أو غائط. الاستنجاء بالماء أفضل إلا إذا كان على شَطّ نَهْرٍ جارٍ أو مَشرَعَةٍ ليست لها سُتْرَةٌ، فإنه لا يفعل، لئلا يصير فاسقاً. وينبغي أن يستنجي بعد ما خطا خُطُوَاتٍ.
الغسل في الاستنجاء غير مقدر، ولكنه يغسل حتى يطمئن قلبه، وتطهر اليد طهارة موضع الاستنجاء. إذا أصابته نجاسة أكثر من قدر الدرهم فاستنجى بثلاثة أحجار و لم يغسل أَجْزَاه، هو المختار
يكره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء والاستنجاء ولا بأس بالاستدبار إذا لم يرفع ذيله. إذا استنجى بماء سخين في الشتاء كان ثوابه دونَ ثواب الاستنجاء بماء بارد. لا يقرأ القرآن في
الجزء 1 · صفحة 16
المُستنجى والْمُغتسل ويكره كشفُ العورة إلى إسباغ الوُضُوءِ، وكذا النظر إلى العورة. إذا دَخَلْتَ الْخلاء فابدأ برجلك اليُسرى، وإذا خَرَجْتَ فابدأ برجلك اليمنى.
باب المسح على الخفين
يمسح المقيم يوماً وليلة إذا لبس الخفين على طهارة كاملة، أو لبسهما بعد غسل القدمين ثم غسل الباقي قبل الحدث، ويمسح المسافرُ ثلاثة أيام ولياليها من وقت الحدث سواء كان السفر سفر طاعةٍ أو سفرَ مَعْصِيَةٍ.
المفروض في مسح الخف قدرُ ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد، هو المختار. اليد، إذا مسح
خفيه ببلل في يده جاز. إظهارُ الخُطُوطِ على الخف ليس بشرط. خف لا ساق له لكنه يستر الكَعْبَ إلا قدر إصبعين جاز المسحُ عليه. لو كانت مقدَّمة: الخف مشقوقة لكنها مشدودة لا بأس.
المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين بحيث يستمسكان على الساق من غير أن يُربطا بشيء جاز عندهما، وعن أبي حنيفة - رحمه الله ـ أنه رجع إليهما في آخر عُمره. وعليه الفتوى. المسح على الخفَّ المُتَخَذِ من اللَّبَدِ جائز. المسح على الصَّاروج والطرباج على قول بعض المتأخرين يجوز إذا كانت اللفافة ذات طاقين وقد شدهما برباطات عليهما بحيثُ لا تدخل فيهما ثلاث أصابع اليد. الخَرْقُ في الخف أسفل من
الكعبين إذا كان بحال يظهر من الرجل ثلاث أصابع من أصغر أصابع الرجل فإنه يمنع المسحَ الخَرْقُ المتفرِّقُ في خف واحدٍ يُجمع، وفي الخفين لا.
المسافر إذا مضت مدة مسحه وهو يخاف من نزع الخفين ذهاب رجليه من البرد
جاز له المسح ما دام الخوف باقياً. إذا دخل الماء خفه وصار أكثر الرجل مغسولاً لا يجوز المسحُ، وهو اختيار شيخ الإسلام علامة العالم، وقال شيخ الإسلام برهان الدين المَرْغِيْنَانِيُّ - رحمه الله تعالى ـ لا ينقض مسحه وإن صار جميع الرجل مغسولاً؛ لأن الخف مانع سِرَايَةَ الحدثِ إلى القدم.
صاحب الجُرْحِ السائل ومن بمعناه يمسح مادام الوقت باقياً، ولا يمسح مدة المسح خلافاً لزفر - رحمه الله تعالى الله تعالى ـ. المسح على الجبيرة جائز، ويكتفي بمسح الأكثر سواء شدَّها على
الجزء 1 · صفحة 17
الطهارة أو الحدث، ولا يبطل بسقوط الجبيرة إلا عن بُرء، وإن طالت الْمُدَّةُ. لو ترك المسح على الجبيرة لما أن المسحَ يَضُرُّه لا بأس، وإن كان لا يضُرُّه يَجب المسحُ عندهما، وعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى ـ لا يجب. المسحُ على عِصَابَةِ
الْمُقتصد جائز. الفُرْجَةُ التي تبقى من اليد بين العُقْدَتَيْن يكفيه المسح على الأصح المسحُ على العِمامَةِ والقَلَنْسُوَةِ والقُفَّازَين ـ وهما لباسُ الكفين ــ لا يجوز.
لو نزع أحد خفيه بطل المسح على الآخر. إذا نزع أحد الجرموقين اللذين لبسهما على الخفين الملبوسين على الطهارة بعد ما مَسَحَ على الجرموقين مسح على الخف الظاهر وأعاد المسح على الجرموق الثاني. إذا ارتفع أكثر العقب إلى الساق انتقض مسحه في رواية عن أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى، وعن أبي يوسف ـ رحمه الله تعالى ـ ما لم يرتفع أكثر القدم لا ينقض، وبه أخذ بعضهم.
باب التيمم
التَّيَمُّمُ: القصد إلى الصعيد. الاستيعاب في التيمم شرط، وهو المختار، خلافاً لما ذكره القاضي الإمام صدر الإسلام، حتى لو ترك تخليل الأصابع لا يُجزيه، وكذا إذا لَمْ يُحَرِّك الخاتم. النية في التيمم شرطٌ جُنُبْ تَيَمَّمَ يُريد به الوُضُوءَ أَجْزَاهُ عن الجنابة وإِن لَمْ ينو الجنابة، خلافاً لما ذكره أبو بكر الرازي رحمه الله تعالى.
لو تيمم بالرمل أو الغُبارِ أو الْحَجَرِ الأملس أو النُّوْرَةِ أو الجص أو الزرنيخ
أو المَرْدَارْسنج الذي لا تراب عليه أو الآخر جاز. لو تيمم بالرماد أو الرصاص:
أو الذهب أو الفضة أو الزُّجاج أو النَّشَارَة لا يجوز. لو تيمم بالطين يجوز، قاله شيخ الإسلام السَّرَحْسِيُّ، وحُسام الدين - رحمهما الله تعالى - الملح إذا كان جَبَليًّا يجوزالتيمم به، وإن كان مائيا لا.
الأرض النجسة إذا جَفّت وذهب أَثَرُ النَّجاسةِ لا يجوز التيمم بها. ويجوز الصلاة عليها. إذا كان بينه وبين الماء قدر ميل أو أكثرُ جاز التيمم، وإن كان أقل من قدر الميل لا يجوز التيمم وإن خاف ذَهَابَ الوقتِ. مسافرٌ في رَحْلِه ماءً قد نسيه فتيمم وصلى أَجْزَاهُ، بخلاف ما إذا كان الماء في إناء على ظهره وهو لا يشعُر.
ضَرَبَ يدَه على التراب في التيمم، ثم أحدث ثم مسح وجهه وذِرَاعَيْه، قال السيد الإمام أبو شجاع لا يجوز. وقال القاضي الإمام المنتسب إلى الإسبيجاب: يجوز. رجل أصابه الغبار
الجزء 1 · صفحة 18
فمسح وجهه وذِرَاعَيْه ونوى التيممَ أَجْزَاهُ. جنب تيمم لصلاة العيد أو الجنازة جاز. إذا صلى على جنازة بالتيمم ثم أتى بأخرى فإن كان بينهما من الوقت قدر ما يمكنه أن يتوضأ لا يجوز أن يصلي بذلك التيمم. إذا كان مع الرجل ماء قدر ما لا يكفي لوُضُوئِه فإنه يتيمم ولا يلزمه استعمال ذلك القدر، خلافاً للشافعي رحمه الله تعالى.
إذا تَيَمَّمَ لِمَسِّ المُصْحَفِ أو دخول المسجدِ لا يصلي بذلك التيمم؛ لأنه لم ينو عبادة مقصودة. ولو تيمم لسَجْدَةِ التّلاوة أو لصلاة الجنازة له أن يصلي بذلك التيمم. ولا يتيمم لسَجدَةِ التّلاوة إذا كان يقدِرُ على الماء. المحبوس في السجن إذا لم يجد ماءً ولا تراباً نظيفاً فإنه لا يتشبه بالمصلين، ولو وجد تراباً نظيفاً فتيمم وصلى ثم خرج أعاد الصلاة
الإمام إذا تيمم لصلاة العيد جاز، بخلاف الجمعة. لو سبق الحدث الإمام أو المقتدي في صلاة العيد بني بالتيمم إذا لم يكن الماء محيطاً بالمصلى. إذا أجنب الرجل أو أحدث وعلى أكثر أعضائه جُدَرِيٌّ أو جَراحة جاز التيمم. المتيمم إذا وجد في خلال صلاته سؤر حمار فإنه يمضي على صلاته، فإذا فرغ أعاد، ولو وجد نبيذ التمر فإنه يقطع.
إذا وجد مع رفيقه ماءً فإنه يسأله، فإن لم يعطه تيمم وصلى، وإن كان يبيعه بثمن المثل في مثل ذلك الموضع وعنده ثمن لزمه الشراء، وإن كان لا يبيعه إلا بغبن فاحش جاز له التيمم. المتيمم إذا رأى الماء بعد ما قعد قدر التشهد تفسد صلاته، خلافاً لهما، وهي من مسائل اثني عشرية التيمم قبل الوقت جائز. للمتيمم أن يقرأ القرآن وأن يصلي ما شاء من تطوع أو فرض أو قضاء أو أداء. لو أصاب بدن المتيمم نجاسة دلكها بخرقة أو تراب، وإن لم يفعل أَجْزَاهُ.
باب الحيض والنفاس
أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، والمراد ليال تقع في مُضي هذه الأيام لا ليالي مقدرةً كالأيام
وأكثر الحيض عَشَرَةُ أيام، وما زاد على ذلك فهي استحاضة. الصغيرة إذارأت الدم لأقل من تسع سنين لا يكون حيضاً، هو المختار.
ألوان الدماء ستة: السَّوادُ والحُمْرَةُ والصُّفرةً، والخضرة، والكُدْرَةُ، والتربية: وهي التي على لون التُّراب، وقيل: الأصح أن المرأة إذا كانت كبيرة لا ترى إلا خضرة لا
يكون حيضاً. قال: إنما يُعتبر اللون على الكُرْسُف إذا رُفِعَ وهو طري لا حينَ يَحِفٌ. المراهقة إذا رأت الدمَ تقعد عن الصلاة والصوم، فإذا رأت نصابا من الدم والطهر صارت عادةً لها عدداً
الجزء 1 · صفحة 19
وموضعاً، فإن تكررت تقررت، ولا ينتقض إلا بخلاف متكرر، وعن أبي يوسف ـ رحمه الله تعالى - أنه ينتقض بالخلاف، مرة، وبه أخذ الفقيه أبو جعفر الْهِنْدُوَانِيُّ ـ رحمه الله تعالى، وعليه الفتوى قاله الإمام حُسام الدين رحمه الله تعالى. امرأة تحيض من دُبُرِها لا تَدَعُ الصلاة والصوم وقراءة القرآن. والمرأة إذا نامت طاهرةً وقامت حائضاً يُحكم بحيضها حين قامت وإن نامت حائضاً وقامت طاهرة يُحكم بطهارتها حين نامت احتياطاً. امرأة جاءت تستفتي وتقول: عادتي في الحيض
خمسة والآن أرى الطهر في اليوم الرابع، تُؤمر بالاغتسال إذا خافت فوت الوقت وتؤمر بالصلاة. البياض الخالص علامة الطهر.
أقل الطهر خمسة عشر يوماً، ولا غاية لأكثره. إذا كانت عادتها أقل من عشرة أيام فبمجرَّدِ انقطاع الدَّمِ لا يُحكم بطهارتها، ولا يحل للزوج وطؤها ما لم تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل. وإذا كانت عادتها عشرة أيام فبمجرد انقطاع الدم يحل للزوج قربانها؛ لأن بمجرد انقطاع الدم تخرج عن الحيض. الكتابية بمجرد انقطاع الدم تخرج عن الحيض.
امرأة كانت ترى الدم مرةً ستةً ومرةً سبعة فاسْتَحِيضَت، أخذت في الصلاة والصوم وانقطاع الرَّجعة والتزوج بزوج آخر بالأقل وهي ستة أيام، ولم يحل للزوج أن يطأها حتى يمضي اليوم السابع احتياطاً، وهذا إذا جاوز العشرة، فإن انقطع على رأس العشرة فالكل حيض.
إذا زاد الدم على العشرة وللمرأة عادةً معروفةٌ رُدَّت إلى أيام عادتها وما زاد فهو استحاضة.
وإذا ضلت أيامها تعمل بأكبر رأيها، فإن لم يكن لها رأي تأخذ بالاحتياط فما دار بين الوجوب والحرمة تأتي به، وما دار بين الإباحة والحُرمة تترك، فلا يأتيها زوجها،
وتغتسل لكل صلاة، وتصوم رَمَضَانَ كلَّه، ثم تقضي في أحدٍ وعشرين يوماً متصلة. الطهر المتخلّل بين الدمين في مدة الحيض كالدم الجاري عند أبي يوسف، وهو المختار الدم الذي تراه الحامل حالة الحمل والطلق ليس بحيض. إذا شرعت في صلاة التطوع ثم حاضت فعليها القضاء، وإن حاضت ثم شرعت لا قضاء عليها. المرأة إذا حبست الدم عن الدرور لا تخرج من أن تكون حائضاً.
المعلمة حالة الحيض تعلم الصبيان حرفاً حرفاً لا آية كاملة، وما دون الآية لا بأس به عند الشيخ الإمام السرخسي، والشيخ الإمام الإسْبيحَابِي ـ رحمهما الله تعالى، وقال حسام الدين ـ رحمه الله تعالى: يُكره، وهكذا ذكر في «التجريد، لأبي الفضل. لا يمنع الحائض والجنب عن مس
الجزء 1 · صفحة 20
الدراهم التي هي اليوم في أيدي الناس.
مس المصحف بالكُم لَهما في ظاهر الرواية لا يجوز. مس كتب الفقه أجازه بعض المشايخ للمتفقهة لعموم البلوى. المجلد إذا كان مُشَرَّزا لا يحل أخذه، وإن لم يكن مشَرَّراً يحل. الحائض أو الجنب إذا قال: «الحمد الله» على قصد الثناء لا بأس به، ولا بأس لَهما بزيارة القبور والدخول في مصلى العيد. ويجوز لهما الدعوات وقراءة «اللهم إنا نستعينك»، وجواب الأذانِ ونحو ذلك.
يُستحب للحائض إذا دخل وقت الصلاة أن تتوضأ وتجلس عند مسجد بيتها وهو الموضع المعد لصلاتها، وتُسَبِّحُ وتُهَلِّلُ قدر ما يمكنها أداء الصلاة لو كانت طاهرة، كيلا تزول عنها عادة الصلاة. إذا أجنبت المرأةُ ثم حاضت فإن شاءت اغتسلت، وإن شاءت أخرت الغُسل. المرأة إذا بلغت فرأت يوماً دماً ويوماً طُهراً وهكذا شهراً، فعشرة أيام من كل شهر حيض وعشرون طهر. من قَرُبَ امرأته الحائض استغفر الله تعالى، ويستحب له أن يتصدق بنصف دينار.
أقل النفاس ما يوجد ولو بساعة، وعليه الفتوى، وأكثره أربعون يوماً عندنا. ولو ولدت ولم ترَ بَلة ولا دماً فهي نُفَساءُ عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى هي طاهرة. تخلل الطهر في أربعين يوماً لا يفصل عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ويكون كله نفاساً، وعندهما إذا كان خمسة عشر يوماً يكون فاصلاً حتى يكون الدم الأوّلُ نفاساً والثاني حيضاً. إذا خرج أقلُّ الولد لا تكون نُفَسَاء وعليها أن تصلي فيؤتي بقدْرِ فَيُجْعَلُ تحتها أو يُحْفَرُ لَها حُفْرَةٌ وتجلس هناك؛ كيلا تؤذي الولد.
الطاهرة إذا أمِنَتْ من دُرُورِ الدَّم وأرادت أن تصلي بلا كُرْسُف فلها ذلك، والأحسنُ أن تضعَ الكُرْسُفَ بعد الوُضُوء. إذا كانت عادتها في النفاس أربعين يوماً، فلما كمل أربعون يوماً أخذت حكم الطاهرات وحل للزوج قُرْبانُها وإن لم تغتسل. ولو بقي من الوقت قدرُ ما يمكنها أن تقول: «الله» أو نحو ذلك فإنها تقضي تلك الصلاة. وكذا إذا تمت عشرة أيام للحائض. °,
كتاب الصلاة
أبوابه اثنان وثلاثون في الأذان في المواقيت في ستر العورة، في استقبال القسمة، في الشروع في أفعال الصلاة، فيما يكره في الصلاة في القراءة في صلاة المسافر، في الصلاة على الراحلة والسفينة، في الصلاة بالنجاسة، فيما يفسد الصلاة، في الحدث. سجدَتي السهو، في سجدة التلاوة، في السجدات، في الصلاة بالجماعة، في الإمامة، في الاقتداء في الفوائت في، الجمعة في العيدين في تكبيرات التشريق، في صلاة الخوف في صلاة المريض، في الوتر، في النذر في السنن، في
الجزء 1 · صفحة 21
التراويح، في زلة القاري، في صلاة الكسوف في الاستسقاء في المتفرقات.
باب الأذان
يُستَحَبُّ أن يكون المؤذِّنُ على الطهارة، ويستحبُّ أن يكون متقياً. ويكره أذان الصبي و الفاسق. تُسْتَحَبُّ إعادة أذانِ الْجُنُبِ والسَّكْرَانِ والمجنون والصبي.
وأذان الصبي الْمُراهِق لا يكره إلا في روايةٍ عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
إذا أَذْن بالفَارِسِيَّةِ قال الشيخ الإمام السَّرَخسِيُّ - رحمه الله تعالى: إن علم الناس أنه أذان جاز. والأفضلُ للمؤذنِ أن يجعل أُصبعيه في أذنيه، ويرفع صوته، ولا يُجهد نفسه، ويحول رأسه يميناً وشمالاً عند الصلاة والفلاح. «الصلاة خير من النوم» سنة في الأذان وقت الفجرِ دون الإقامة. لو أذن المسافر راكباً جاز. يُكره الأذان قاعداً إذا أذن لنفسه. يُعاد الأذان بسبب الجنابة، ولا تُعاد الإقامة. لو قدَّم بعض الكلمات على البعض فإنه يعيد الكلمة المتأخرة. إذا ارتد المؤذن - والعياذ بالله -بعد الأذان فأقام الآخر جاز، والأفضل إعادة الأذان. تحسينُ الصوتِ للأذان حَسَنٌ ما لم يكن لَحْنا الإمامة
أفضلُ من الأذان. إذا بلغ المؤذِّنُ إلى قوله: قد قامت الصلاة يشرع الإمام في الصلاة،
وقال أبو يوسف ـ رحمه الله تعالى: لا، مالم يفرغ المؤذن من الإقامة.
لا بأس بالتثويب، وهو زيادة الإعلام في سائر الصلواتِ على جواب الْمُتأخرين.
وتثويب كل قوم على ما تعارفوه، فبعضهم يقولون: الصلاة الصلاة، وبعضهم: قد قامت
الصلاة، وعن محمد بن سَلَمَةَ رحمه الله تعالى أنه كان يتنحنح، وذكر حسام الدين -رحمه الله تعالى ـ أن التنحنح عند الأذان والإقامة بدعة
لو أذن قبل الوقت يُعاد قوم فاتتهم الصلاةُ قضوها بأذان وإقامة وجماعة. إذا دخل المسجد رجلٌ والمؤذِّنُ يقيم ينبغي أن يقعد ولا يمكث قائماً. إذا صلى في بيته وترك الأذان والإقامة، فإن كان لبيته مسجد حي لا يكره، وإن لم يكن كره ترك الإقامة. إذا أذن رجل وأقام آخر لا بأس به إذا لم يلحق الأول بذلك وحشة. يجلس المؤذن بين الأذان والإقامة قدر ما يمكن أن تُصلّى أربع ركعات، إلا في المغرب فإنه لا يجلس عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى ـ بل يمكث قليلا ثم يقيم.
الأذان المعتبرُ يومَ الْجُمُعَة هو الذي بين يدي الخطيب، كذا ذكر حسام وذكر شمس الأئمة السرخسي أن الذي على الْمَنارة هو المعتبر إن وقع في الوقت.
الجزء 1 · صفحة 22
باب المواقيت
أوّلُ وقتِ الفَجْرِ إذا طلع الفَجْرُ الثاني، وهو البياضُ الْمُعْتَرِضُ في الأفق، وآخرُ وقتِها ما لم تطلع الشمس. وأوّلُ وقتِ الظُّهْرِ إذا زالت الشمس، وآخر وقتها عند أبي حنيفة
رحمه الله تعالى ـ إذا صار ظلٍّ كلّ شيءٍ مثليه سوى فَيْ الزَّوال، وقالا ـ رحمهما الله تعالى: إذا صار ظل كل شيء مثله. وقتُ العَصر إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى الظل الأصلي عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى، هو المختار. وقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس. وقتُ صلاة العَتَمَةِ إذا غاب الشفق، وهو البياض الذي يكون في جانب المغرب بعد الْحُمْرَة هذا عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى الله تعالى، وعندهما هو الحُمْرَةُ، وعليه الفتوى. وقت صلاة الوتر بعد صلاة العتمة إلى آخر الليل. الإسفار في صلاة الفجر أفضل، إلا صَبِيحَةَ يوم النحر للحاج مُزْدَلِفَة. وينبغي أن لا يُؤَخِّرَ تأخيراً لا يمكن للمسبوق قضاءُ ما فاته الظُّهْرُ في الصَّيفِ يُؤَخَّر، وفي الشَّتاءِ يُعَجِّل. تأخيرُ المغرب مكروه إلا بعذرِ السَّفَرِ أو بأن كان على المائدة. البداية بصلاة المغرب أولى من الصلاة على الجنازة. تأخيرُ العِشاء إلى ثلث الليل أفضل، وإلى نصف الليل مباح. قيل: كل صلاة في أوَّلِها عَيْن فإنها تُعَجَّلُ في يوم الغَيمِ، ويُؤَخَّرُ الفَجْرُ والظُّهْرُ والمغرب في يوم الغيم.
المستحب أن يوتر آخر الليل إذا أمن على نفسه الانتباه. وقتُ الجُمُعَةِ ووقت الظهر واحد. يكره التطوع ولا يجوز الفرضُ عند طلوعِ الشَّمس وقيامِ الظَّهِيرَةِ والغُرُوبِ.
إذا تغيَّر قُرْصُ الشَّمس لا يجوز إلا عصر يومه.
إذا أردت معرِفَةَ فَيْءِ الزَّوالِ، فَاغْرِزُ خشبة في أرضِ مُسْتَوِيَةٍ وحُط في مبلغ ظلها علامة، فإن وجدت الظُّلُ ينقص عن الخط فاعلم أن الشمس لم تزل، وإن وجدتُّه تجاوزالخط فاعلم أنها زالت وإن امتنع الظُّلُّ عن القصر، ولم يأخذ في الطُّول فاعلم أنه ساعة الزوال وهو الظَّلُّ الأَصْلِيُّ.
باب ستر العورة
الصلاة،
ذراعُ الحرة عورة كبطنها. قدَمُ المرأة ليست بعورة في حق جواز الصلاة. سُرَّةُ الرَّجُل ليست بعورة، ورُكبتاه عورة. إذا انكشف ربع ساقِ الحَرَّةِ لا يجوز الصلاة وكذا إذا انكشف شيء من شعرها وشيء من ظهرها وشيء من ساقيها، وكان بحال لو جُمِعَ بَلغ رُبِّعَ واحدٍ من هذهِ الأعضاء. ثدي المرأة إذا كانت ناهِدَةً فهي تَبَعٌ للصَّدْر، وإن كانت كبيرة فهي متبوعة بنفسها.
الجزء 1 · صفحة 23
الرُّكْبَةُ مع الفَخِذ عُضو واحدٌ، والذَّكَرُ بانفراده يُعتبر عضواً، والأُنثيانِ كذلك. العاري إذا كان بحضرته من له كِسْوَةٌ فإنه يسأله، فإن لم يعطه صلى عُرياناً. ولو وجد في خلال صلاته ثوباً استقبل. المرأة إذا كان معها ثوب لو صلت فيه قائمة انكشف ربع ساقها، ولو صلت قاعدةً يَستُرُ فيه الجميع، فإنها تصلي قاعدة الأولى للأمة أن تصلي بغير قناع. المُراهِقة لو صلت عريانة أمرت بالإعادة.
إذا صلى في قميص محلول الجيب بغير إزار جاز، هو المختار، وإن لم يكن طويل اللحية. رجلٌ معه ثوب كله، نجس، الأفضل أن يصلي عرياناً قاعداً بإيماء، ولو صلى قائماً مع الثوب النجس جاز، وإن كان رُبْعُ الثوب طاهراً صلى فيه قائماً لا محالة. إذا كان معه ثوبان فيهما دم أكثر من قدر الدرهم، وهما دون ربع كلّ واحدٍ منهما فصلى في أكثرهما نَجاسةً جاز، ولكن لا يستحب، ولو كان ربع أحدهما نجساً وما في الآخر أقل لم يصل إلا في أقلهما نَجاسة مذكورة في «الزيادات». إذا اشتبه عليه الثوب الطاهر من النجس تحرَّى وإن كانت الغَلَبَةُ للثياب النجسة.
باب استقبال القبلة
نية القبلة ليست بشرط، والتوجه إليها يُغْنيه عن النّية، هو الأصح. القبلة في بلادنا ما بين مغرب الشتاء ومغرب الصيف قبلةُ الشافِعِيَّة عندنا خطأ. إذا اشتبهت عليه القبلة، وتحرى، ثم تبين أنه استدبر القبلة أجزاه، ولو أدى اجتهاده إلى جهة، فترك الصلاة إلى تلك الجهة وصلى إلى جهةٍ أخرى لم يُجزه وإن أصاب القبلة. وقيل: يُكفر، والأصح أنه لا يُكفر. التحري في المسجد في الليلِ الْمُظْلِم، جائز، كذا أفتى السيد الإمام أبو شجاع.
إذا افتتح الصلاة في الْمَفازة. غير شكٍّ وتَحَرِّ ثم تبين أنه أصاب، قال أبو بكر بن من الفضل لا يُجْزِيْهِ، وقال أبو بكر بن حامد يُجزيه، وهو الأصح. إذا اشتبهت عليه القبلة فأخبره رجلان أن القبلة إلى هذا الجانب، ووقع اجتهاده إلى جانب آخر، فإن لم يكونا من أهل ذلك الموضع أو كانا مسافرين مثله لم يلتفت إلى قولهما.
المسافر إذا ترك استقبال القبلة عن خوف عدو أو سبع جاز، وكذا الراكب على الْجَمَل في البادية. يجوز افتتاح التطوع على الدابَّة إلى غير جهة الكعبة، وعليه الفتوى. إذا صلى ركعة بالتحري إلى جهةٍ، ثم تحول رأيه إلى جانب آخر، فصلى رَكْعَةً إلى تلك الجهة، هكذا إلى آخر الصلاة جاز من اشتبهت عليه القبلة يكره له أن يصلي تمام صلاته بدَفَعَاتِ إلى الجهات الأربع.
الجزء 1 · صفحة 24
باب الدخول في الصلاة
قال ـ رضي الله عنه -: سببُ وُجُوب الصلاة الوقت، لا الأمر. ولهذا يتكرر الوجوب بتكرار الوقت. يجوز افتتاح الصلاة بغيرِ اللَّفْظَةِ العَرَبِيَّةِ. لو افتتح الصلاة
بقوله «الله»، أو بقوله «الرحمن صار شارعاً. وبقوله (اللهم» اختلف المشايخ - رحمهم تعالى. وبقوله «اللهم اغفر لي» لا يصير شارعاً.
المعتبر في النية عمل القلب، ولا يشترط التلفظ عندنا لو كان عند الافتتاح خال لي سُئِل أية صلاةٍ تصلي؟ يمكنه أن يجيب بلا تكلف كانت نية معتبرة. إذا قال المقتدي: نويت صلاة الإمام كفاه ذلك.
إذا كبر الماموم قبل الإمام الأصح أنه لا يصير شارعاً في صلاة الإمام، ولا في صلاة نفسه أيضاً. رجلٌ عليه ظُهر وعصر من يومين ولا يدري أيهما أوّل، أو يدري ولكن كبر لهما لا يصير شارعاً في واحد منهما. المصلي لو نوى النفل والفرض يصير شارعاً في الفرض عند أبي يوسف الله تعالى، وقال محمد رحمه وقال محمد - رحمه الله تعالى: لا يصح شروعه في الصلاة.
إذا أراد الافتتاح يرفع يديه حذاء أُذُنيه. والمرأة ترفع بحذاء منكبيها. فإذا استقرتا في موضع الْمُحاذاة كبَّر، عليه أكثر المشايخ وعن أبي يوسف ـ رحمه الله تعالى ـ أنه يقرن التكبير برفع اليدين تكبيرة الافتتاح شرط، وليست من الصلاة، وإنما يحصل الأداء عقيبها. وعند الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ تكبيرة الافتتاح ركن، حتى لا يجوز بناء تحريمةِ النَّفْل على الفَرْض عنده، وعندنا يجوز.
إذا نسي نية الصلاة ثم نوى الشروعَ حالَ قراءة الثناء يصح شروعه، وبه أفتى بعضهم رجل لم يعرف أن الصلوات الخمس فريضةً على العباد إلا أنه كان
يصليها في مواقيتها لا يجوز. إذا كبر للافتتاح وهو إلى الركوع أقرب لم يجزه. الأفضل
للمقتدي أن يكبر مُقارناً للإمام عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى، وعندهما بعده، وبه أخذ الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى.
باب أفعال الصلاة
إذا كبر للافتتاح لا يُفَرِّجُ أصابعه كل التفريج بخلاف حالة الركوع، ولا يُرسل يديه بعد التكبير، بل يأخذهما ويضع يمينه على شماله تحت السُّرَّة، والمرأةُ تَضَعُ يديها على الصدر. ولا يُعيد التسمية في كل ركعة عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى، تعالى، وعند أبي يوسف ـ رحمه الله تعالى ـ
الجزء 1 · صفحة 25
يُعِيدُها، - يُعِيدُها، هو اختيار بعضهم
المصلي وحده في صلاةٍ يُجْهَرُ فيها، إن جَهَرَ فهو أفضل، وإن شاء خافت، وفيما يقضي وحده خافت حتماً. أدنى الجهر أن يُسْمِعَ غيره، وأدنى الْمُخافَتَةِ أَن يُسمع نفسَه إلا لمانع، ولا يُعتبر ما دون ذلك قراءة، هو المختار.
المنفرد يأتي بالتسميع والتحميد، هو الأصح. إذا رفع رأسه من الركوع يُرسل يديه ولا يأخذهما، وعليه الفتوى السجود على اليدين والركبتين ليس بواجب. وضعُ القَدَمين
فرض في السجود، حتى لو سَجَدَ رافعاً قدميه لا يجوز
ويُوجه من أعضائه إلى القبلة ما استطاع المرأة في سجودها تنخفض، ولا تنتصب: كانتصاب الرجل، وتلزق بطنها على فخذيها، وتجلس للتشهد على ألينها اليسرى. وتخرج رجليها من الجانب الآخر
المصلي إذا طأطأ رأسه للركوع قليلاً، فإن كان إلى الركوع أقرب جاز، وإن كان إلى القيام لا. الأحدب إذا بلغت حُدُوبَته إلى الركوع أشار للركوع برأسه. لو رفع رأسه من السجود وهو إلى الأرض أقرب ثم سجد أخرى، ذكر في الفتاوى أنه لا يجوز، وقال الشيخ الإمام الأجل السَّرَخْسِيُّ - رحمه الله تعالى: لو رفع رأسه قدر ما لا يُشكل للناظر أنه رفع رأسه جاز.
إذا سجد على صُبْرَةِ جَاوَرْس) قيل: الأصح أنه لا يجوز. لو سجد على الأنف دونَ الجَبْهَة جاز. لو سجد على كَوْرِ عِمامته جاز.
ينظر المصلي في سجوده إلى خديه، وفي حالة التشهد إلى حجره. القعدة الأولى واجبة، والقعدة الثانية فريضة، ولكن من أنكر فرضيتها لا يكفر، وبه أفتى القاضي الإمام عبد الواحد الشهيد ينبغي أن يقرأ في القعدة الثانية بدعاء. لا بما يحضره الخروج عن الصلاة بصنع المصلي فرضٌ عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى، وتبني على هذا اثنتا عشرة مسألة فصاعدا تعديل أركان الصلاة ليس بفرض، خلافاً لأبي يوسف والشافعي - رحمهما الله تعالى. المنفرد ينوي بالتسليمة الأولى من على يمينه من! الحفظَة و الحضور، وبالتسليمة الثانية من على يساره من الحفظة.
باب ما يكره في الصلاة
ينبغي أن لا يكون منتهى بصره وراء موضع سجودِه. وينبغي أن لا يَضُمُّ الْمصلي
يده على خاصرته. ولا يتثاؤب فإن غلبه ذلك وضع يده على فمه. يكره أن: بلحيته أو بشيء
الجزء 1 · صفحة 26
من ثوبه "
أو جسده، أو يُفرقع أصابعه يكره عد الآي والتسبيحات في الصلاة بالأصابع. بكره تغميض العين وتَغْطِيَةُ الفم. يُكره أن يقوم الإمام في خير المحراب إلا للضرورة
ولا بأس بقتل الحيةِ والعَقْرَب في الصَّلاة، فإن حصل بذلك عمل كثير لم يضره عند الإمام السرخسي - رحمه الله تعالى، خلافا للإمام الإسبيجابي ـ رحمه، ـ الله تعالى. إذا بسط كُمَّه وسجد عليه لِنَفْي التُّراب عن وجهه يُكرَه، ولو بسطه لنفي التراب عن منديله أو ثيابه لا لو صلى وقد رفع كُمَّيه إلى المرفقين يُكره ..
ينبغي للمصلي أن يستتر بحائط أو سارية أو عُودأو نحو ذلك، إلا إذا أمن من مرور شيء بين يديه، وقدرُ ما يكره المُرورُ بين يدي المصلي أن يمر ما دون موضع سجوده، وهو موضع رمي بصره إليه عند القيام. إذا صلى حاسر الرأس كره:
وإن قصد به التواضع.
لا بأس بأن يكون بين يدي المصلي مُصحف أو سيف أو شمع أو سراج، ويكره أن يكون بين يديه نارٌ مُوقَدَةً أو صورة مما يُعبد بحيث تبدو للناظر، فإن كانت صغيرة بحيث لا تبدو لا بأس.
يكره أن يدخل في الصلاة وله بول أو غائط؛ لأنه يُشغل قلبه. إذا أتى الإمام وهو راكع كره أن يركع دون الصف، وينبغي أن ينتهي بالسكينة والوقار. يكره أن يشير بالسبابة في الصلاة عند قوله: «أشهد أن لا إله إلا الله، وهو المختار المصلي إذا أتم
الركوع والسجود لا بأس بالتخفيف، قيل كان النبي عليه السلام أخف الناس صلاة في
تمام: ركوع وسجود. والله أعلم.
باب القراءة في الصلاة
يقرأ في الفَجْرِ في السَّفَرِ حالةَ الأمن قدر سورة البروج وانشقت، وحالة الخوف قدر ما تَيَسَّرَ رُوِيَ أنه عليه السلام قرأ في مثل هذه الحالة في الفجر بفاتحة الكتاب والمعوذتين وفي الحضر يقرأ في الفجر والظهر بأربعين أو خمسين آية سوى فاتحة الكتاب، وفي العصر والعشاء دون ذلك، وفي المغرب بالقصار جدا كالقلاقل ونحوها.
والأولى أن ينظر إلى حالة القوم. لو قرأ القرآن بأي لسانٍ كان جاز. يُطَوِّلُ القراءة في الركعة
الجزء 1 · صفحة 27
الأولى من الفجر على الثانية، وفيما سواها يُسَوِّي. يُكْرَه أن يُوَقِّتَ شيئاً من القرآن لشيء من الصلاة، وهذا إذا اعتقد أنّ غيره لا يجوز، ولو اعتقد أن غيره يجوز ولكن قرأها تبركاً بقراءة النبي عليه السلام لا بأس به.
إذا قرأ آية قصيرة نحو قوله: (مُدْهَامَّتَانِ)، ونحو قوله: (ثُمَّ نَظَرَ) أجزأه، وكان مسيئاً. إذا قرأ في إحدى الأوليين وإحدى الأخريين، أو لم يقرأ إلا في الأخريين جاز الأُمِّيُّ إذا تعلم سورةً بعد ما قعد قدر التشهد تَفْسُدُ صلاته. المسبوق بركعتين في ذوات الأربع يقرأ إذا قام للقضاء وإن كان قد قرأ الإمام في الأخريين وهو خلفه.
باب صلاة المسافر
أدنى السفر الذي يَقْصُرُ فيه إذا قَصَدَ ثلاثة أيام ولياليها والمعتبَرُ السَّيْرُ الوَسَطُ كسيم الإبل ومشي الأقدام، لا سير البريد وسير العجلة، وفي الجبل يعتبر ما يليق بحال الجبل وإن كان ذلك يُقطع في السهل بمدة يسيرة. إذا خرج المسافر عن عُمْرانِ البلدة قصر الصلاة سواء كان سفر طاعة أو معصية، ولا قصر في المغرب والوتر والسنن
المسافر إذا خرج من المصر وبقرب من المصر قرية فإن كانت متصلة بالمصر لا يقصر ما لم يجاوزها، وإن كانت منفصلة يقصر، ومقدار الاتصال قدر طول السكة، فإذا زاد فهو منفصل من أراد الخروج إلى مكان قريب، وأراد أن يترخص برخص المسافرين، فنوى مكاناً بعيداً قدر مدة السفر فذلك ليس بشيء. أجير خرج مع المستأجر في سفر فالنية في الإقامة نية المستأجر، إلا أن يأمر أجيره بما شاء. الأصل أن من كان تبعاً لإنسان بحيث يلزمه طاعته مقيماً يصير بإقامته كالمرأة مع زوجها والجيش مع الأمير عبد سافر مع، مولاه، وصلى الظهر ونحوها أربعاً و لم يقعد على رأس الركعتين، ثم أخبره مولاه أنه قصد مسيرة سفر حين خرج، ذكر حسام الدين ـ رحمه الله تعالى ـ أنه يعيد الصلاة، وذكر القاضي الإمام المنتسب إلى الإسبيحاب ـ رحمه الله تعالى - أنه لا يعيد. رجل قدم مكة حاجا في عشر الأضحى وهو يريد أن يقيم لها سنة، فإنه يصلي ركعتين حتى يرجع من منى؛ لأن نية الإقامة للحال لا يُعتبر بها؛ لأنه يحتاج إلى أن يخرج إلى «منى» لقضاء المناسك، فصار بمنزلة نية الإقامة في غير موضعها، فإذا خرج من منى صلى أربعاً.
إذا نوى المسافر الإقامة في الصلاة أتم أربعاً إلا إذا كان لاحقاً. نية الإقامة في موضع لا بناء فيه لا تصح. نية الإقامة من أهل الكلأ إذا كانوا أصحاب الأخبية والخيام في رواية عن أبي يوسف
الجزء 1 · صفحة 28
ـ رحمه الله تعالى ـ صحيحة، وعليه الفتوى قوم حاصروا أهل البغي أو الكفر) ونووا الإقامة لا تصح نيتهم.
اقتداء المسافر بالمقيم يصح في الوقت ولا يصح خارج الوقت إلا في صلاة لا يتغير بالسفر كالفجر والمغرب والوتر، واقتداء المقيم بالمسافر يصح مطلقاً. إذا خرج مسافراً ثم أراد الرجوع إلى أهله، فإن كان بينه وبين مصره أقل من ثلاثةِ أيام أتم الصلاة. خرج مسافراً من بلده وجاوز العُمْرَانَ، وصلى الظهر ركعتين، ثم ترك السفر لم يُعد ماصلى.
المسافر إذا دخل في صلاة المقيم أتم أربعاً، ولو ترك القعدة الأولى لم يضره، ولو أفسد تلك الصلاة فعليه ركعتان مسافر نوى أن يصلي الظهر أربعاً، ثم سلم على رأس ركعتين لاشيء عليه. المسافر إذا قضى ظهراً فائتة حالة الإقامة ألمها أربعاً، ولو قضى المقيم ما فاته في السفَر قَصَرَها. أقل مدة الإقامة خمسة عشر يوماً. إذا دخل المسافر بلدة له فيها أهل صار مقيماً نوى الإقامة أو لا. لو صلى المسافر بمسافر ومقيم، فأحدث الإمام فاستخلف مقيماً لم يلزم المسافر الإتمام. والله أعلم.
باب الصلاة على الراحلة والسفينة
إذا خرج من المصر فرسخاً أو أقل له أن يصلي على الدابة تطوعاً، ويُومئ إيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع وينزل للمكتوبة والوتر وسنة الفجر. لا يجوز أن يصلي حال مشيه. إذا نذر أن يصلي لم يُخزه على الدابة. لو افتتح الصلاة راكباً ثم نزل بني على صلاته. ولو افتتح نازلاً ثم ركب أو رُفِعَ ووضع على السَّرْجِ فإنه يستقبل. رجلان في مَحْمِل اقتدى أحدهما بالآخرِ في التطوع أجزاهما، وكذلك في الفرض
حالة الضرورة. لا يجوز اقتداء أحد الراكبين بالآخر إذا كانا على الدابتين. رجل صلى في سفينة غير مربوطة قاعداً وهو قادر على القيام جاز، وكذلك لو كان قادراً على الخروج عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى، ويشترط التوجه فيها إلى القبلة بخلاف الدابة. لو صلى على عَجْلَةٍ لا تسير فإنه يجوز، ولو صلى على بعير لا يسير لا.
لو صلى في طين لا يقدر على النزول أومأ على الدابة، وإن قدر على النزول
نزل وصلى قائماً بالإيماء إذا عجز عن القعود والسجود، وإن أوما على الدابة وهي تسير
لم يجز إذا قدر على إيقافها، وإن لم يقدر على الإيقاف يتوجه إلى القبلة إن قدر، وإن عجز سقط
الجزء 1 · صفحة 29
باب الصلاة بالنَّجاسة
إذا صلى على بساط وعلى طرف منه نجاسة جاز، سواء تحرَّك الطرف الآخرُ مُلقاة بتحريكه أو لا. ولو تيمم وعلى طرف منها نجاسة وهي ملقاة على الأرض، فإن كان يتحرك الطرف النجس بتحريكه لم يجز. إذا صلى وعلى ثوبه شيء من السكر أو المُنَصَّفِ ما دونَ الكثير الفاحش الصحيح أنه يُجزيه. حد الكثير الفاحش: الربع، كذا ذكر الحاكم الشهيد. - رحمه الله تعالى - في «الكافي»، ثم المراد عند الشيخ الإمام السرخسي - رحمه الله تعالى ـ ربع كلِّ الثوب، وعند الشيخ الإمام علي البزدوي - رحمه الله تعالى - ربع الموضع الذي أصابته النجاسة من الثوب، إن كان كما فرُبعه، وإن كان دِخرِيصاً فربعه، وإن كان ذيلاً فربعه، هكذا
ذكر حسام الدين - رحمه الله تعالى - في شرح الجامع الصغيره، واختار في شرح مختصر عصام: أن الفاحش ما يستكثره ويستفحشه الناظر.
الدم الذي يظهرُ على رأس الجُرْحِ والقُرْح، ولا يسيل لو أصاب الثوب منه قليلاً قليلاً لا يمنع وإن امتلأ الثوب؛ لأنه ليس بنجس، وكذا القيء القليل. إذا صلى وهو حامل ميت لم يُغسل، أو سقط، أو جنب، أو حية أو جرولم يجز، ولو كان حامل محدث، أو شهيد عليه، دماؤه أو ولد، هرة، أو. معه لحم بازي مذبوح يجوز، ومع لحم ثعلب مذبوح لا يجوز عند الفقيهين: أبي جعفر، وأبي الليث ـ رحمهما الله تعالى، وعند الكرخي رحمه الله تعالى - يجوز، وهو اختيار حُسام الدين - رحمه الله تعالى - إذا أصابت النجاسة الغليظة الثوبَ أو البَدَنَ أكثر من قدر الدرهم الذي هو مثل الكف لا يجوز، وقدر الدرهم لا يضره.
جاز، بخلاف ما إذا كان معه
بول ما يؤكل لحمه لا يضر مالم يفحُش. إذا صلى ومعه بيضةٌ مَذَرَةٌ صار مخها دماً جاز، بخلاف ما إذا كان معه قارورة مضمومة فيها دم أو بول أكثر من قدر الدرهم. إذا وَجَدَ في سراويله أثر الاحتلام وهو لا يتذكرُ الاحتلام فإنه يعيد الصلوات من أقرب النوم إليه. لو رأى في ثوبه نجاسة وهو لا يدري متى أصابته لم يعد شيئاً.
يكره الصلاة في ثوب اليهودي والمجوسي ويجوز. إذا كان على بدنه أو ثوبه نجاسة قدر ما لو ضم إليها ما على موضع الاستنجاء يصير أكثر من قدر الدرهم لم يَضُرُّهُ. إذا أصاب طرف الإحليل نجاسةٌ أكثر من قدر الدرهم الأصح أنه لا يجوز. إذا أوصل عظم الخنزير بالساق، ولا
الجزء 1 · صفحة 30
يقدر على نَزْعِه إلا بضرر، وصلى كذلك جاز.
باب ما يفسد الصلاة
إذا بكى وارتفع بكاؤه مع الصوتِ من ذكر جنةٍ أو نارِ لا تَفْسد صلاته، بخلاف ما إذا كان بكاؤه عن وَجَع أو مصيبةٍ أو عشق. لو تنحنح بغير عذر وحصل به حرفان تَفْسُدُ صلاته رفع اليدين لا يفسدها، هو المختار. إذا نظر إلى شيءٍ مُستفهماً وفَهِمَ تَفْسُدُ صلاته عند محمد - رحمه الله تعالى، وبه أخذ أبو الليث ـ رحمه الله تعالى، وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى: لا، وبه أخذ مشايخ بخارا. لو قرأ القرآن من المحراب إن كان يحفَظُ القرآنَ لا تَفْسُدُ، قاله الشيخ الإمام
سرخسي - رحمه الله تعالى .. الإمام إذا حُصرَ عن القراءة بعد ما قرأ ما يجوز به الصلاة، ففَتَح عليه رجل من القومِ لا تَفْسُدُ صلاة الفاتح، وكذا لو أخذ الإمام بما ذكره لا تفسد صلاته. لو زاد في صلاته ركوعاً أو سجوداً لا تفسد صلاته.
رجل أعجبته قراءة الإمام فجعل يبكي ويقول: «بلي»، أو «نعم»، أو أي لا
تفسد صلاته. إذا تفكر في صلاته فتذكر شعراً أو خطبة، أو أنشأ كلاماً مرتباً لم تفسد، مذكورة في الملتقط» للسيد الإمام ناصر الدين ـ رحمه الله تعالى ـ. من أصابه وجع فقال: «بسم الله»، قيل: تفسد وقيل لا تفسد وكذا لو جرى على لسان المريض «آه» وهو لا يستطيع الامتناع عنه.
لو أخبر بموت أحدٍ فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، أو أجاب مؤذناً تفسد. لو قال عند عُطاس رجل: «الحمد الله» لا تفسد، ولو قال: «يرحمك ربك» تفسد. لا يقطع الصلاة مرور شيء بين يدي المصلي إنساناً كان أو كلباً أو حماراً. لو حك جسده بأصبع ثلاث مرات متوالياً تفسد صلاته
إذا رأى المقتدي على ثوب الإمام شيئاً أكثر من قدر الدرهم فظَنَّ أنه نجاسة فإن قلب وتَحَوَّلَ عن القبلة ولم تكن نجاسة تفسد صلاته. لو قال: «اللهم ارزقني مالا عظيما»، أو «اقض ديني أو «زَوِّجْنِي فلانة تفسد، وكذا كل شيء لا يستحيل سؤاله من العباد. ولو قال: «اللهم ارزقني العلم والحج» ونحو ذلك، لا تفسد. والله أعلم.
باب الحدث في الصلاة
إذا سبقه حدث في صلاته جاز له أن يبني والاستقبال أفضل. لو أغمي عليه في صلاته،
الجزء 1 · صفحة 31
أو نام فيها فاحتلم لم يجز البناء. إذا سبقه الحدث فإنه يذهب إلى الماء وإن كان بعيداً، ولو كان بقربه بئر ماء فنزح الماء استقبل إذا انصرف المحدث ليتوضأ فله أن يغسل أعضاءه ثلاثاً ثلاثاً، ولو استنجي ثم توضأ لم يين سواء كان عليه الاستنجاء أو لم يكن؛ لأن هذا أمر منه بد في الجملة.
المرأة إذا سبقها الحدث فكشف ذراعيها عند غسل اليدين جاز لها البناء عند محمد - رحمه الله تعالى -، وهو المختار الإمام إذا سبقه الحدث، وتوضأ في جانب المسجد، والقومُ ينتظرونه، فرَجَعَ إلى مكانه وبنى أَجْزَاهم، وإن لم يكن خلف الإمام إلا رجل واحد
تَعَيَّنَ للإمامة وينبغي للأول أن يأتم به. المنفرد إذا سبقه الحدث فذهب وتوضأ إن شاء أتم صلاته ثَمَّة وإن شاء عاد إلى مكانه الأول، والمقتدي بعد فراغ الإمام كذلك. رجل دخل المسجد والقومُ في الظُّهْر فسبق الإمام الحدث فاستخلف هذا الرجل قبل أن يقتدي به جاز. الخليفة إذا لم يعلم أن الإمام كم صلى، ينبغي أن يصلي أربعاً ويقعد في كل ركعة احتياطاً. إمام أحدث فقدَّمَ رجلاً على غيرِ وُضُوءٍ فلم يقم مقامه حتى قدَّمَ الأَوّلُ غيره صح الاستخلافُ.
إمام مسافر سبقه الحدث فاستخلف مقيماً، فإنه يُتِمُّ صلاة الإمام ثم يقدم مسافراً ليسلّم بهم، ثم يقوم من كان مقيماً من غير أن يسلم ويصلي ركعتين منفرداً. إذا قاء في صلاته أقل من ملء الفم فابتلعه وهو قادر على أن يَمُجَّهُ فصلاته فاسدة، ولو رجع القيء بنفسه لم يضره.
باب سجود السهو
الإمامُ إذا جهر فيما يُخَافَتُ أو خافت فيما يُجْهَرُ قدر آيةٍ قصيرةٍ سهواً يسجد سجدتين للسهو بعد سلام، ولو سجد قبله جاز. المنفرد لو جَهَرَ فيما يُخَافَتْ لا سهِوَ عليه. المقتدي لو سهى لم يَلْزَمه سجدتا السهو لا سهو على اللاحق فيما يُوَدِّي. المسبوق لو سجد للسهو مع الإمام، ثم سهى فيما يقضي فإنه يسجد لسهوه. من سهى مراراً كفته سجدتان. لو سهى مرةً وسجد، ثم سهى ثانياً لا سهو عليه.
إذا قرأ القرآن في ركوعه أو سجوده أو في تشهده سهواً سجد للسهو. ولو تشهد حال قيامه أو ركوعه أو سجودِه لا سهو عليه. إذا قرأ الفاتحة في الأوليين مرتين متواليتين يلزمه سجده السهو، بخلاف ما إذا قرأ الفاتحة ثم السورة ثم الفاتحة إذا
قرأ في الأخريين السورةً لا سهو عليه. إذا جهر بالثناء أو التشهد ساهياً لا شيء عليه. إذا قام إلى الثالثة ساهياً ولم يجلس و لم يستو قائما، فإن كان إلى القعود أقرب فإنه يقعد ولا شيء عليه،
الجزء 1 · صفحة 32
وإن كان إلى القيام أقرب لا يقعد ويتم الأربع ويسجد للسهو كيف ما كان.
-
إذا زاد في التشهد الأول ربنا لك الحمد كله، أو مثله سهواً لا شيء عليه، ولو زاد فيه قوله: «اللهم صل على محمد لزمته سجدة السهو عند السيد الإمام أبي شجاع - رحمه الله تعالى. وقال الشيخ الإمام الحسن الماتريدي ـ رحمه الله تعالى لا؛ مالم يقل وعلى آل محمد». رجل صلّى الظهر خمساً، وقعد في الرابعة قدر التشهد فإنه يضيف إليها ركعةً أخرى ثم يتشهد ويسلم ثم يسجد سجدتي السهو ثم يسلم، وتمامها في الجامع الصغير. رجل سجد سجدتي السهو، ثم أراد أن يبنى أخريينليس له ذلك.
=
إذا سلم وعليه سهو فدخل رجل في صلاته، فإن سجد الإمام للسهو كان داخلا: صلاته وإلا فلا. وإذا ترك قراءة التشهد أو القنوت في الوتر، أو تكبيرات العيدين سهواً فعليه سجدتا السهو، بخلاف ما إذا ترك الاستفتاح أو تكبيرات الركوع أو السجود أو تسبيحاتهما. " إذا سهى في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعاء والسهو ليس بعادة له استقبل الصلاة، وإن وقع ذلك غير مرةٍ تحرى الصواب وسجد للسهو. اللاحق لا يتابع الإمام في سجدتي السهو وإنما يأتي به في آخر صلاته المسبوق إذا قام إلى قضاء ما سبق، ثم تذكر الإمام أن عليه سهواً، فإن لم يقيد ركعة بالسجدة تابع إمامه، وإن " لم يتابعه لم تفسد صلاته، ولوقيد ركعة بالسجدة ثم تابعه تفسد. الإمام إذا ظن أن عليه سهواً فسجد فتابعه المسبوق قبل أن يقيد ركعة بالسجدة، ثم تبين أنه لا سهو عليه، قال حسام الدين - رحمه الله تعالى: لا تفسد، وقال شمس الأئمة السرخسي، والشيخ الإسبيجابي ـ رحمهما الله تعالى: تفسد.
لو تلا آية سجدة في صلاته ونسيها ثم ذكرها فعليه السهو. إذا سلم وعليه سخدتا سهو وسجدة تلاوة وسجدة من صلب الصلاة، فإن كان ذاكراً للصلبية أو التلاوة فسدت صلاته وإن كان ذاكراً للسهو خاصةً فإنه يعود ويقضي الأول فالأول. المسبوق إذا سلم مع الإمام ساهياً بعد ما قعد قدر التشهد فإن سلم مقارناً للإمام لا سهو عليه، وإن سلم بعده عليه السهو الإمام إذا قام إلى الخامسة ساهياً بعد ما قعد قدر التشهد فالقومُ لا يتابعونه بل ينتظرونه، إن عاد قبل أن يقيد الخامسة بالسجدة يسلمون معه، وإن لم يعد حتى قيد الخامسة بالسجدة فإنهم يسلمون.
الجزء 1 · صفحة 33
باب سجدة التلاوة
سجدة التلاوة واجبة على التراخي. إذا تلا في وقتِ يُكْرَهُ فيه الصلاة فالأفضلُ تأخير السجدة. إذا أراد أن يسجد للتلاوة كبر لها قاعداً، ولا يرفع يديه، ويسجد ويقول في سجوده: «سبحان ربي الأعلى ثلاثاً، وذلك أدناه من حيث الفضيلة .. ويكبر إذا
رفع رأسه. إذا قرأ آية السجدة في الصلاة، فإن كانت آية السجدة في وسط السورة فإنه يسجد ثم يقوم ويختم السورة ويركع، ولو لم يسجد ولكنه ركع ونوى السجود أجزأه وينوب الركوع عنها.
إذا قرأ آية السجدة بالفارسية فعلى السامع أن يسجد فهم أنها آية السجدة أو لا. إذا قرأ آية السجدة بالهجاء لم يجب عليه السجدة. الحائض أو النفساء أو الصبي أو
المجنون إذا قرأوا آية السجدة لم يجب عليهم السجدة، وعلى السامع منهم السجدة إذا كان أهلا للوجوب الْجُنُبُ إذا قرأ آية السجدة أو سمعها عليه السحدة. ولو سمع آية السجدة من الطُّوطي الأصح أنه لا يجب. ولو سمع من النائم، قال شمس الأئمة الحلوائي: تجب، وقيل: لا تجب؛ لأن السبب هو التلاوة عن تمييز، ولم يوجد. ولو قرأ آية السجدة على الدابة وأوماً بها عليها جاز، ولو قرأها على الأرض وأومأ بها على الدابة لا، إلا إذا ركب لخوف أصابه.
إذا تلا آية السجدة عند طلوع الشمس وسجد لها عند الغروب أو الزوال جاز، وكذا على القلب. لو تلاها مراراً في مجلس واحدٍ كفته واحدة، وكذا إذا قرأها وسمعها من غيره في مجلس واحد. العملُ الكثيرُ يقطع حكم المجلس، والقليل لا. لو أكل لقمة أو تكلم بكلمة فهو قليل، ولو باع أو اشترى فهو كثير.
إذا سجد للتلاوة وقرأ في هذه السجدة سجدة أخرى لم تجب السجدة، وكذا لو تلاها في الركوع. لو ختم القرآن في مجلس واحدٍ يَلْزَمُهُ أربع عشرة سجدة. ولو اتحَدَ مكان التالي وتَعَدَّدَ مجلس السامع يتعدد الوجوب في حق السامع، ولو كان على القلب لا، وعليه الفتوى. وفي تسدية الثوب والكُدْس يتكرر الوجوب بتكرار التلاوة. ولو تلا على غُصْنٍ ثم انتقل إلى غُصْنٍ آخر وتلا، الأصح أنه يتكرر الوجوب. لو قرأها على الدابة مراراً وهي تسير فإنه يتعدد الوجوب إلا إذا كان في الصلاة. لو قرأها في مسجد جماعة أو مسجد جامع أو بيت في زاوية، ثم تلاها في زاوية أخر تكفيه سجدة واحدة، وكذا حكم السفينة سواء كانت واقفة أو سائرة. إذا قرأها في ركعة ثم
الجزء 1 · صفحة 34
أعادها في الأخرى تكفيه سجدة، هو الأصح المقتدي إذا قرأ آية السجدة فسمعها الإمامُ والقومُ لم يكن عليهم أن يسجدوها إذا فرغوا من الصلاة))، ولو سمعها من ليس معهم في الصلاة سجدها. إذا قرأ آية السجدة في الصلاة وسجدها وسلم ثم أعادها في مكانه سجدها أخرى، قيل: هذا إذا تكلم، أما إذا لم يتكلم فلا
إذا قرأ آية سجدة خارج الصلاة سجد التالي وسجد من سمع منه ويجهر التالي بالتكبير عند الخفض والرفع، ولا ينبغي للقوم أن يرفعوا رؤوسهم قبل رفع التالي. ولو سمعها قوم في الصلاة يسجدونها بعد الفراغ، ولو سجدوها في صلاتهم لم يُخْزِهِم، ولم تفسد صلاتهم.
السجدة التي وجبت في الصلاة لا تُؤدّى خارج الصلاة. نية المقتدي الأداء سجدة وجبت بقراءة الإمام، قيل: لا تشترط، وقال منهاج الأئمة السمرقندي ـ رحمه الله تعالى: تشترط. ويُشتَرَطُ لسجدة التلاوة ما يُشترط للصلاة من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة، ولو أحدث فيها أعادها.
يكره أن يَدَعَ آية السجدة ويقرأ ما سواها، ولا بأس بأن يُخفِي آية السجدة إذا كان بقربه قومٌ يسمعون ولا يسجدون لا بأس بأن يقرأ آية السجدة ويدع ما سواها لكن المستحب أن يضم إليها آيةً أو آيتين ولا ينبغي للإمام أن يقرأ آية السجدة في الصلاة التي تُحَافَتُ فيها، ولا في الجمعة والعيدين إذا كان القوم بحال لا يسمعون القراءة.
باب السجدات
إذا ترك سجدةً من الفجر سهواً فذكرها قبل أن يتكلم سجدها، وينوي القضاء إن كان غالب رأيه أنها من الركعة الأولى، ثم يتشهد ويسلم ويسجد للسهو، ثم يتشهد ويسلم. ولو ترك منها سجدتين فإن علم أنه تركها من الركعتين أو الركعة الأخيرة سَجَدَهما ويتشهد ويسلم ثم يسجد للسهو. وإن علم أنه تركها من الركعة الأولى صلى ركعة. وإن لم يعلم من أيتهما ترك سجد سجدتين وينوي القضاء في إحداهما، ثم يتشهد، ثم يقوم ويصلي ركعة ويتشهد ويسلم، ثم يسجد للسهو.
وإن تذكر أنه ترك منها ثلاث سجداتٍ سَجَدَ سجدة ونوى القضاء، ثم يصلي ركعة، ثم يتشهد كما ذكرنا ولو تذكر أنه ترك منها أربعاً سجد سجدتين يضمهما إلى الركوع الأول إن كان عقيب القراءة، وإن كان قبل القراءة يضمهما إلى الركوع الثاني ويصلي ركعة أخرى.
الجزء 1 · صفحة 35
قال ـ رضي الله عنه: ولو تذكر أنه ترك من الظهر سجدة، وعلم من أيتهما ترك أو لا يعلم سجد سجدة ثم يعيد التشهد. ولو تذكر أنه ترك منها سجدتين، إن كان يعلم أنه تركهما من الركعتين الأوليين أو الأخريين سَجد سجدتين. وإن علم أنه تركهما من الركعة قبل الركعة الأخيرة صلى ركعة ثم يتشهد ويسلم، ثم يسجد للسهو. وإن كان لا يعلم سجد سجدتين، ثم يقوم ويصلي ركعة.
ولو تذكر أنه ترك منها ثلاثا وهو لا يعلم يسجد ثلاثا و يتشهد، ثم يقوم ويصلي ركعة، ولو تذكر أنه ترك منها أربعاً وهو لا يعلم من أيتهن ترك سجد: أربعاً ويتشهد عقيبهن، ثم يقوم ويصلي ركعتين ويتشهد عقيب كل ركعة. ولو تذكر أنه ترك منها خمساً وهو لا يعلم سجد ثلاثاً وينوي القضاء في السجدتين، ثم يصلي ركعتين ويتشهد عقيب كل ركعة ولو تذكر أنه ترك منها ستاً سجد سجدتين وينوي القضاء في إحداهما، ثم يتشهد، ثم يصلي ركعتين ويتشهد، ثم يصلي ركعة أخرى ويتشهد. ولو تذكر أنه ترك منها سبعاً سجد سجدةً، ثم يصلي ركعة ويتشهد ثم يصلي ركعتين. ولو تذكر أنه ترك منها ثماني سجدات سجد سجدتين ليتم بهما ركعة ثم يصلي ركعة أخرى ويتشهد، ثم يصلي ركعتين، وكذا الجواب في العصر والعشاء.
ولو تذكر أنه ترك من المغرب أو الوتر سجدة سجدها، ثم يعيد التشهد ويسلم ويسجد للسهو. ولو تذكر أنه ترك منها سجدتين فإن كان يعلم فهو كما علم، وإن كان لا يعلم سجد سجدتين ويتشهد، ثم يقوم ويصلي ركعة ثم يسجد للسهو بعد السلام. ولو تذكر أنه ترك منها ثلاثا فإن كان يعلم فهو كما علم، وإن كان لا يعلم سجد ثلاثاً ويتشهد، ثم يصلي ركعة. ولو تذكر أنه ترك منها أربعاً سجد سجدتين وينوى القضاء في إحداهما، ثم يتشهد عند بعضهم، ثم يصلي ركعة ويتشهد ثم يصلي أخرى. ولو تذكر أنه
ترك منها خمساً سجد سجده، ثم يصلي ركعة ويتشهد، ثم يصلي أخرى. ولو تذكر أنه ترك منها ستا سجد سجدتين، ثم يصلى ركعتين.
رجل صلى الفجر ثلاث ركعات ولم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته،
وكذا لو تذكر أنه ترك منها سجدة، ولو تذكر أنه ترك منها سجدتين فكذلك في أصح القولين، ولو تذكر أنه ترك منها ثلاثا ففيه روايتان.
باب الصلاة بالجماعة
الجزء 1 · صفحة 36
قال رضي الله عنه: الجماعةُ سنة مؤكدة، لا يُرَخَصُ لأحدٍ التخلف عنها بغير عذر، وذُكِرَ في «المُلْتَقطِ» أَنَّ الجماعة واجبة. لا يلزم حضور الجماعةِ الأعمى وإن وجد قائداً، وكذا المقعد، ومقطوعُ اليدِ والرِّجلِ من خلاف، والشيخ الكبير الذي لا يقدر على المشي. إذا زاد على الواحد في غير الجُمُعَةِ فهو جماعةٌ وإن كان معه صبي عاقل.
صلاة النساء فرادى فرادَى أفضلُ يُكرَهُ التطوعُ بالجماعة ما خلا التراويح، وصلاة الكسوف. إذا فاتته الجماعة صلى بأهله. ولو أم أمه أو امرأته ونحوهما في الخلوة لم يكره. رجل صلى ركعة من الظهر، ثم أقيمت في المسجد، فإنه يصلي ركعة أخرى ويقطع ويدخل مع الإمام، ولو لم يقيد الركعة الأولى بالسجدة قطعها ودخل مع الإمام، ولو كان في الركعة الأولى من النفل أتمها ركعتين، ثم يدخل مع الإمام. لو صلى ركعة من الفجر أو من المغرب فإنه يقطع ويدخل مع الإمام، ولو أتمها لم يدخل مع الإمام.
قوم تخلفوا عن المسجد وصلوا في البيت بجماعة، فإنهم ينالون فضل الجماعة ولكن دون ما ينالون في المسجد. رجلٌ في مَحَلَّتِهِ مسجدان فإنه يصلي في أقدمهما بناء، فإن كانا سواء ففي أقربهما باباً من بيته، وليس له أن يترك الأقرب ويذهب إلى الأبعد لكثرة جماعة. رجل انتهى إلى المسجد وقد فرغ الإمام، فإن دخل المسجد صلى فيه، وإن لم يدخل طلب الجماعة. لا بأس بتكرار الجماعة في مسجد على قوارع الطريق ليس له إمام ومؤذن مُعين. مسجد بني على سُورِ المدينة لا ينبغي أنْ يُصَلِّيَ فيه
باب الإمامة
الأعلم بالسنة أولى بالإمامة إذا كان يُحسنُ من القراءة ما يجوز به الصلاة، فإن تساووا فأَوْرَعُهم، فإن تساووا فأكبرهم سنا، فإن تساووا فأرضاهم عند القوم أولى. متيمم عن حَدَثٍ ومتيمم عن جنابةٍ فالمتيمم عن الجنابة أولى. الصلاة خلف المبتدع تجوز إلا في رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
الصلاة خَلْفَ الرَّافِضِي الغالي وهو الذي يُنكر خلافة أبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه، وخَلْفَ الجَهْمِيّ والقَدْرِي وهو الذي يقول بخلق القرآن لا تجوز، قاله حسام الدين اقتداء الْحَنَفِيِّ بالشافعي يجوز إذا لم يكن متعصباً ولا شاكا في إيمانه يعني لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، ويحتاط في. مواضع الخلاف يعني لا يصلي الوتر ركعة، ولا يصلي بعد الاقتصاد، ولا يتوضأ بالماء
الجزء 1 · صفحة 37
المستعمل، ولا يقوم منحرفا عن القبلة، ونحو ذلك.
إمامة الأعمى جائزة والبصيرُ أفضلُ إمامة المعذور لغير ذوي العذر لا تجوز إلا عند زفر ـ رحمه الله تعالى .. إمامة الأخرس للأمي لا تجوز، وعلى العكس تجوز. إمامة الأمي لقوم أميين جائزة، ولو كان خلفه قارئ فصلاة الكل فاسدة. إمامة المتيمم للمُتَوَضيء، والقاعد للقائم تجوز، خلافاً لمحمد - رحمه الله تعالى .. إمامة الصبي العاقل للبالغين في الترويحات والسنن المطلقة لا تجوز به أخذ حسام الدين، وقال محمد بن مقاتل الرازي، وأبو الليث تجوز، به أخذ السيد الإمام أبو القاسم رح رحمهما الله تعالى. إمامةُ الْحُنى الْمُشكلِ لِمثله لا تجوز نيةُ إمامة النساء شرط، ونية إمامة الرجال ليست بشرط. صاحب البيت أولى بالإمامة من غيره لو اجتمع المواجر والمستأجر في بيت المستأجر، فالمستاجر أولى. إذا كان مع الإمام رجل واحد قام عن يمينه، وإن كان
معه اثنان فإن شاء قام بينهما وإن شاء تَقَدَّمَهُما.
قال ـ رضي الله عنه: يقوم خلف الإمام الرجالُ ثم الصبيان ثم الخناث ثم الإناث ثم المراهقات وهذا في زمانهم، أما في زماننا لا تحضر الإناث المساجد.
باب الاقتداء
لو اقتدى من أقصى المسجدِ بالإمام وهو عند المحراب جاز. مصلى العيد بمنزلة المسجد حتى لا يضره انقطاع الصفوف، إلا أنه لا يُجَنَّبُ كما يُجَنَّبُ المساجد، هو الأصح. النهرُ الذي لا يمكن العبور عنه إلا بعلاج كالقَنْطَرَة ونحوها يمنع الاقتداء. صلى في فلاةٍ من الأرض فمقدار ما ينبغي أن يكون بين الإمام والقوم فاصلاً حتى لا يصح الاقتداء مقدار ما يمكن أن يُصَفَّ فيه.
رجل صلى على سطح المسجد مقتدياً بالذي في المسجد فإن كان خلفه جاز، وإن كان بحذاء رأسه، قال الشيخ الإمام الحلوائي - رحمه الله تعالى ـ: لا يجوز، وقال الشيخ الإمام السرخسي ـ رحمه الله تعالى: يجوز رجل نوى أن لا يؤم أحداً فصلى رجل خلفه جاز.
الإمام إذا سبقه الحدث فاقتدى به رجل جاز. الاقتداء بالمسبوق لا يجوز. اقتداء الناذر بالناذر لا يجوز؛ إلا إذا قال: الله عليَّ هذه الصلاة التي التزمها هذا على
نفسه. اقتداء القاضي بالمؤدي لا يجوز. إذا أدرك المقتدي الإمام في الركعة الأولى في القراءة فإن جهر لا يقرأ الثناء، وإن خافت يقرأ، وإن أدركه فيما سوى الركعة الأولى فإنه لا يستفتح. قراءة المقتدي خلف الإمام خطأ.
الجزء 1 · صفحة 38
الصلاة خارج المسجد مقتدياً بإمام في المسجد تجوز بشرط اتصال الصفوف. من كان بينه وبين الإمام حائط عريض يمنع الوصول إلى الإمام لو قصده لم يجز الاقتداء، وإن كان في الحائط نقب إن كان بحال يمكنه الوصول إلى الإمام لو قصده جاز، ولو كان النقْبُ صغيراً كنَقْب المَنْخَرَةِ ولا يَشتبه حال الإمام سَماعاً أو رؤية جاز، وإن كان على الحائط باب مفتوح لا يعتبر حائلاً، وإن كان عليه باب مسدود قال أبو بكر الإسكاف رحمه الله تعالى: لا يجوز. وقال أبو بكر الأعمش - رحمه الله تعالى: يجوز.
رأس المقتدي لو وقع قُدَّام رأس الإمام في الركوع والسجود فإنه لا يضره. الإمام إذا رفع رأسه قبل أن يقول المقتدي: سبحان ربي العظيم ثلاثا، فإنه يتابع إمامه لو قام الإمام إلى الثالثة قبل أن يفرغ الماموم من التشهد فالمقتدي يتم ما بقي.
المقتدي يسلم مع الإمام في رواية عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى، وفي رواية: بعده. إذا سلم الإمام لا يخرج المقتدي عن الصلاة إلا عند محمد ـ رحمه الله تعالى. الإمام إذا كان في الجانب الأيمن من المقتدي نواه المقتدي بالتسليمة الأولى مع من كان عن يمينه من الرِّجالِ والحَفَظَةِ، وإن كان في الجانب الأيسر نواه بالتسليمة الثانية مع من كان على يساره، وإن كان بحذاء المقتدي نواه فيهما. إذا شرع المقتدي في قراءة التشهد وفرغ قبل فراغ الإمام، ثم تكلم أو ذهب
جازت صلاته إذا أدرك ركعة من المغرب مع الإمام فإذا قام للقضاء صلى ركعة وقرأ فيها ثم يجلس ثم يقوم ويصلي أخرى ويقرأ فيها ويتشهد مُحاذاة الرَّجل المرأة في صلاة ذاتِ ركوع وسجودٍ تُفْسِدُ صلاةَ الرَّجل، خلافاً للشافعي ـ رحمه الله تعالى، وهو من مسائل «الجامع».
باب قضاء الفوائت
الترتيب يسقط بعذر النسيان وضيق الوقت وكثرة الفوائت وهو أن تفوته ست صلوات، فيجوز السابعة. رجل عليه فوائت قديمة، فصلى صلاة في وقتها ثم ترك صلاة أو صلاتين، ثم صلى وقتيةً وهو ذاكر للفوائت الحديثة، قال القاضي الإمام صدر الإسلام رحمه الله تعالى: يجوز. وقال أخوه الشيخ الإمام الزاهد علي بن محمد البزدوي: لا إذا فاتته صلوات حتى سقط الترتيب، ثم قضاها إلا صلاة أو صلاتين، ثم صلى صلاة دخل وقتها وهو ذاكر الفائتة جاز، وهو المختار، خلافاً لما ذُكر في «الملتقط».
إذا صلى الفجر وهو ذاكر أنه لم يوتِرُ لم يجز عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى إلا أن يكون في
الجزء 1 · صفحة 39
آخر الوقت. رجل فاتته الظهرُ وصار وقت العصر بحال لو صلى الظهر يدرك العصر وقت احمرار الشمس فإنه يصلي الظهر ثم العصر، صبي بلغ في الليل فلما استيقظ بعد الصبح علم بذلك لزمته إعادة العشاء.
رجل اقتدى متطوعاً بمن يصلى الظهر، ثم أفسدها، ثم دخل مع الإمام ونوى تطوعاً آخر على رواية «كتاب الصلاة يكون قضاء، وعلى رواية «الزيادات» يكون تطوعاً. رجل فاتته صلاة من يوم وليلة، ولا يدري أية صلاة هي، أعاد صلاة يوم وليلة احتياطاً. رجل يصلي الظهر فشك أنه صلى الفجر أم لا، فلما فرغ تَيَقَّن أنه لم يصلها أعاد الظهر بعد الفجر. إذا شكٍّ أنه هل صلى فرض الوقتِ أم لا، فإن كان الوقت باقياً صلى، وإن خرج لا. لو شك بعد الفراغ من ذوات الأربع أنه صلى ثلاثاً أو أربعاً لا شيء عليه. المستحب عند قضاء الفوائتِ أن ينوي: أَوَّلُ ظهر الله عليَّ، أَو أَوَّلُ عصر علي، هكذا من فاتته صلاة شهرٍ مثلاً، لو قضى ثلاثين فجراً ثم ثلاثين ظهراً، أو على العكس جاز.
المسبوق إذا قام إلى قضاء ما سبق فإنه يستفتح؛ لأن هذا أول صلاته في حق القراءة وإن كان آخر صلاته في حق القعدة اللاحق يبدأ بقضاء ما فاته أولاً فيقضيه بلا قراءةٍ، ثم يصلي مع الإمام المسبوق لو بدأ بقضاء ما فاتته كان مخالفاً للسنة، ولا تفسد صلاته إذا كان ذلك ما دون ركعة.
رجل نسي صلاته فذكرها بعد شهرٍ وصلى بعدها الوقتية وهو ذاكر للفائتة أَجْزَاهُ، هو المختار المسبوق يُكَوِّرُ التشهد ولا يزيد عند بعضهم، وقال الشيخ الإمام السرخسي - رحمه الله تعالى بأنه يقرأ الدعوات.
إذا مات وعليه فوائتُ، فدفع الوارث عن الميت لكل صلاة نصف صاع من بر أو قيمته لكل مسكين، أو مسكين واحدٍ عن كلّ الفوائتِ يجوز. ولا يجوز أن يؤدي عن صلاة للفقيرين. الشَّافِعِيُّ لو انتقل إلى مذهبنا ليس عليه قضاء ما أدى. المرتد إذا أسلم ليس عليه إعادة الصلاة، وإن كان الوقت باقيا صلى الوقتية. إذا حاضت المرأة الوقت ليس عليها قضاء تلك الصلاة، وكذا إذا مات إنسان في هذه الحالة لم تحب الفدية.
بابُ الْجُمُعَة
الوالي شرط لأداء الْجُمُعَةِ، وكذا المصرُ الجامع وهو: كل موضع فيه وال ومفت وقاض
الجزء 1 · صفحة 40
يُنفذ الأحكام ويُقِيمُ الحدود. وقيل: لو كان أهله بحال لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعوا فيه فهو مصر جامع لا جمعة على الأعمى وإن وجد قائداً، ولا على الشيخ الفاني، والمفلوج، ولا جمعة على العبد والمسافر، ويجوز إمامتهما في الجمعة العبد لو أذن له مولاه بالجمعة وجبت عليه. من كان خارجاً من المصر في موضع لو خرج واحد من أهل المصر إلى ذلك الموضع بنية السفر يباح له قصر الصلاة، فلا جُمُعَةَ عليه. قال الشيخ الإمام السرخسي والقاضي الإمام الإسبيحابي: لو كان خلف الإمام ثلاثة ممن ينعقد بهم الْجُمُعَة جازت الْجُمُعَة، ولو كان أقل لا. ولو نفر القومُ منه قبل أن يُقيِّدَ الركعة بالسجدة فإنه لا تجوز الْجُمُعَةُ. صلاة الجمعة خلف الأمير الذي لم يتقلد الإمارة والسلطنة من الخليفة جائزة إذا كان سيرته مع الذين عليهم سيرة الأمراء. الصلاة خلف ثواب هؤلاء الذين يختلطون إلى الكفرة جائزة، كذا ذكر السيد الإمام أبو القاسم، واحتاطت الأئمة في أكثر البلاد؛ فإنهم يصلون الظهر بعد ما يؤدون الجمعة خلف نُوَّاب هؤلاء، وهو حَسَنٌ.
والي مصر مات فصلى بهم خليفة الميت أو صاحب الشَّرَطِ أو القاضي جاز، فإن لم يكن ثَمَّةً واحد منهم، واجتمع الناس على رجل فصلى بهم جاز. ولو صلى أحد بغير إذن الخطيب لا يجوز إلا إذا اقتدى به من له ولاية الجمعة. إقامة الجمعة في مصر واحدٍ في موضعين الأصح أنه يجوز. يكره أن يصلوا الظهر يومَ الْجُمُعَة بالجماعة في مصر في السجن أو غيره وإن كانوا مرضى أو مسافرين.
يستحب لمن خرج إلى الجمعة أن يمس طبيباً ويلبس أحسن ثيابه وأن يغتسل ويسعى إلى الجمعة. إذا كان جالساً على الطعام، فسمع نداء الجمعة، فإن خاف فوت الجمعة ترك الأكل، وفي سائر الصلوات لا يدع الأكل ما لم يخف خروج الوقت. القروي إذا دخل المصر يومَ الجُمُعَةِ إن نوى أن يمكث ثَمَّةَ يومَ الجُمُعَةِ لزمته الجمعة. وإن نوى أن يخرج في يومه قبل دخول الوقتِ أو بعده لا جمعة عليه. الصبي لو خطب يوم الجمعة لا يجوز. الجنب لو خطب جاز. لو خطب ورجع إلى منزله فتغدى، أو جامع فاغتسل استقبل الخطبة، لو خطب بالفارسية يجوز لو خطب تسبيحة أو تهليلة جاز عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى .. لو عطس فقال: «الحمد الله رب العالمين لم يجز. الإمام إذا خطب فأمر من لم يشهد الخطبة أن يصلى بهم لم يجز، ولو أمر هذا المأمور رجلاً شهد الخطبة أن يجمع بهم جاز. إذا كان غائبا عن الخطيب بحيث لا يسمع الخطبة فالسكوتُ له أفضل من القراءة والذكر. إذا خرج الإمام للخطبة كُره الذكرُ ورد السلام ما لم يُفرغ من الخطبة. الخطيب
الجزء 1 · صفحة 41
لا يسلم على القوم إذا شرع في الخطبة فمن كان في سنة قطع على رأس الركعتين. وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، والقاضي الإمام الاسبيجابي رحمهما الله تعالى.
وقال القاضي الإمام أبو العاصم العامري - رحمه الله تعالى: أتمها أربعاً، وبه أخذ برهان الأئمة عبد العزيز بن عمر - رحمه الله تعالى -وإذا قرأ الخطيب قوله تعالى: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، قال حُسام الدين ـ رحمه الله تعالى: يصلي في نفسه. وقال شمس الأئمة السرخسي - رحمه الله تعالى: لا.
إذا تذكر أنه لم يصل الفجر والإمامُ يخطب قامَ وقضى. ينوي صلاة الجمعة ولا يقول: «نويتُ الفرضَ فرضَ الوقتِ؛ لأن فرضَ الوقتِ الظهر، لا الجمعة، إلا أنه إذا عمل الجمعة يسقط عنه الظهر السنةُ بعد الْجُمُعَةِ أربع ركعات، وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى: ست ركعات إذا خرج وقت الظهر وهو بعد لم يفرغ من الجُمُعَةِ فسدت الجمعَةُ فَيُتِمُّها تطوعاً ثُمَّ يُصلِّي الظهر.
إذا أراد أن يسافر يومَ الجُمُعَةِ لا بأس به. إذا خرج من العُمْرانِ قبل خروج) وقت الظهر لا يكره، وقال مالك - رحمه الله تعالى: يكره إذا زالت الشمس، وقال الشافعي رحمه الله تعالى -: يكره إذا طلع الفجر، مذكور في «العيون»
باب العيدين
صلاة العيدين واجبةٌ، كذا ذكر حُسام الدين ـ رحمه الله تعالى، وقال الشيخ الإمام السَّرخسِيُّ - رحمه الله تعالى: إنها سنة مؤكدة، وذكر في الجامع الصغير: «عيدان اجتمعا في يوم واحدٍ فالأول سنة والثاني فريضة»، أراد بذلك أن يكون يوم الجُمُعَةِ عيدٌ. أهلُ (منى» ليس عليهم صلاة العيد؛ لأنهم مشغولون بأداء المناسك. وقت صلاة العيدين من حينَ تَبْيَضُ الشمس إلى أن تزول، والسنة فيها التعجيل. إذا تركت الصلاة في عيد الفطر بغير عذرٍ لم يخرجوا من الغد، وإن تركوا بعذر خرجوا من الغد، ولو تركوا من الغد سقطت. وفي عيد الأضحى لو تركوا في اليوم الأول بعذر أو بغير عذر خرجوا من الغد. ولو تركوا في اليوم الثاني بعذر خرجوا في اليوم الثالث، وإلا فلا. ترك الخطبة في العيدين لا يضُرُّ؛ لأنها سنة، لا واجبة
يُسْتَحَبُّ في عيد الفطر إذا أصبح أن يغتسل، ويستاك، ويذوق شيئاً، ويلبس أحسن ثيابه جديداً كان أو غسيلاً، ويَمَسَّ الطيب إن وجده؛ لئلا يؤذي جليسه برائحة خبيثة، وأن يُخرج صدقة الفطر إن كان غنياً، ثم يغدو إلى المصلى جاهراً بالتكبير عندهما، وعند أبي حنيفة - رحمه الله
الجزء 1 · صفحة 42
تعالى ـ يُسر بالتكبير
الأدب في عيد الأضحى أن لا يذوق شيئاً إلى أن ينصرف من المصلى؛ ليكون إفطاره بلحم الأضاحي، وقيل: يَجْهَرُ بالتكبير إلى أن ياتي المصلى.
يجوز صلاة العيد: في مصر في موضعين فرقة يخرجون مع الإمام إلى الجبانة، وفرقة من الضَّعَفَةِ والشيوخ يصلون في المسجد الجامع مع النائب عن الإمام.
فصل
يُكبر الإمام يوم العيد للافتتاح، ثم يَسْتَفْتِحُ، ثم يُكبر ثلاثاً يرفع يديه عند كل تكبير وهو سنة، ثم يتعوَّذُ ويقرأ الفاتحة والسورة، ثم يكبر للركوع، فإذا قام للثانية قرأ أولاً، ثم يكبر ثلاثاً يرفع يديه كما ذكرنا، ثم يكبر للركوع، وهذا قولُ عُمَرَ وابن مسعود. يكبر ثلاثاً الله عنهما ـ، وبه أخذنا وقال ابن عباس - رضي الله عنهما: يبدأ بالتكبير في الأولى والثانية، والتكبيرات الزوائد عنده في رواية: سبع في الأولى وحمس في الثانية، وبه أخذ الشافعي، وفي رواية: خمس في الأولى وخمس في الثانية، وفي رواية: خمس في الأولى وأربع في الثانية. وفي بعض الديار اعتادوا التكبير على مذهب ابن عباس تحقيقاً للموافقة؛ لأنّ الخلفاء عباسية اليوم.
إذا أدرك الإمام في الركوع يكبر للافتتاح ثم يأتي بالتكبيرات الزوائد ما لم يخف فوت الركوع، فإذا خاف ركع وكبر التكبيراتِ الزوائد في الركوع ولا يرفع يديه، فلو رفع الإمام رأسه تابعه وسقطت عنه الباقيات.
من نام خلف الإمام في صلاة العيد، ثم استقيظ بعد فراغ الإمام، فإنه يقضي على مذهب إمامه ويترك رأي نفسه؛ لأن اللاحق كأنه خلف الإمام إذا شرع في صلاة العيد ثم أفسدها لا قضاء عليه. إذا صلى العيد في بلدة ثم انتهى من الغد إلى قوم يصلون صلاة العيد في بلدة أخرى فصلى معهم لم يكره.
التطوع قبل صلاة العيد مكروه في الْجَبَّانَةِ وغيرها. النساء لو أردن أن يصلين
صلاة الضحى ينبغي أن يصلين بعد فراغ الإمام. التطوع بعد صلاة العيد والخطبة في الجبانة إذا أمن من التقاء الضرر لا يكره، ولو أدَّى الأربعَ بعد الانصراف كان أفضل. يستحب له أن ينصرف إلى بيته من غير الطريق الذي أتى به المصلى.
الجزء 1 · صفحة 43
باب تكبيرات التشريق
هذه التكبيرات سنة مُؤَكِّدَةٌ، كذا ذُكِرَ في «التجريد»، وقال شمس الأئمة السرخسي رضي الله عنه بأنها واجبة وهي عقيب صلاة الفجر من يوم عرفة إلى ثماني صلوات عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى، وهو وهو مذهب عبد الله بن مسعود ـرضي الله عنه، وقال علي ـ رضي الله عنه: إلى ثلاث وعشرين صلاة وبه أخذ أبويوسف ومحمد ـ رحمه الله تعالى، وعليه الفتوى قاله الإمام الإسبيجابي.
أهل الرساتيق لا تكبير عليهم، خلافاً لهما لا تكبير على المنفرد عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى -، ولا على جماعة المسافرين ولا على النسوان إلا إذا كان إمامهن رجلا مقيماً. ولا تكبير عقيب السُّنَنِ والنوافل وصلاة العيد. وينبغي أن يكبر عقيب السلام قبل أن يحصل ما يقطع الصلاة.
إذا نسي التكبير قبل أن يخرج من المسجد كبر. ولوسبقه الحدث له أن يكبر. ولو خرج من ا المسجد وتوضأ ثم جاء وكبر جاز. ولو نسى الإمام التكبير كبر القوم المسبوق خرج من لا يكبر مع الإمام إذا قضى في أيام التشريق ما فاتته في غير أيام التشريق لم يكبر، ولو قضى ما فاتته في أول أيام التشريق في آخر أيامها كبر.
باب صلاة الخوف
صلاة الخوف مشروعة في زماننا خلافاً لأبي يوسف ـ رحمه الله تعالى يجعل الإمام الناس في الخوف طائفتين، طائفة يقوم بإزاء العدو، وطائفة يصلى بهم الإمام شطر الصلاة في ما سوى المغرب، فينصرفون إلى وجه العدو ثم يأتي الطائفة التي بإزاء العدو فيصلي بهم الشطر الآخر من الصلاة، ثم يسلم الإمام وحده وينصرف هذه الطائفة ويقومون بإزاء العدو وتأتي الطائفة الأولى فيقضون ما بقي لهم وحدانا بلا قراءة وينصرفون ويقومون بإزاء العدو وتأتي الطائفةُ الأُخرى ويصلون ما بقي لهم وحداناًبقراءة.
قال ـ رضي الله عنه: وأوانُ انصراف الطائفة الأولى في المغرب عقيب ركعتين وأوان انصراف الطائفةِ الثانية عقيب ركعة أخرى. لو انصرفت الطائفة الأولى في الظهر ونحوها على رأس ركعة إن كانوا مقيمين تفسد صلاتهم. لو اشتغلوا بالقتال حال مقابلة العدو فسدت صلاتهم. وأخذ السلاح لا يضر.
الجزء 1 · صفحة 44
صلاة الخوف بالجماعة ركباناً لا تجوز ويصلون فرادى فرادى إذا لم يتهيأ لهم النزول حيثما دارت راحلتهم. صلاة الخوف تجوز في الجمعة والعيدين سواء كان من سبع أو عدو.
باب صلاة المريض
إذا عَجَزَ المريض عن الإيماء بالوجه سقطت عنه الصلاة، فإذا برأ إن كان يعقل في الصَّلاة قضاها، والأصح أنه إن زاد على يوم وليلة لم يقض. يُصلي المريض الْمُؤْمِنُ مستلقياً على قفاه و، ورجلاه إلى القبلة ويجعلُ سُجودَه أخفض من ركوعه. إذا صلى ركعة بالإيماء، ثم قدر على الركوع والسجود فسدت صلاته، ولو صلى ركعة قاعداً ثُمَّ قدر على القيام يبني على القيام، خلافاً لمحمد - رحمه الله تعالى .. مريض لا يقدر على الصلاة قائماً ومعه قوم لو استعان بهم أعانوه على القيام والثبات على القيام، فصلى قاعداً أجزاه قائماً سلسل
مريض لم يقدر على القراءة فصلى بلا قراءة جازت. شيخ إن صلى قائماً سلسل بوله أو سال جرحه أو لم يقدر على القراءة، ولو صلّى قاعِداً لم يُصبه شيءٌ من ذلك فإنه يُصلِّي قاعداً، مذكورة في «الزيادات». إذا أُغمي عليه يوماً وليلةً ثُمَّ أَفاقَ قَضَى ما فاتَهُ، ولو كان أكثر من ذلك لا يقضي. رجل صلى قاعِداً لما أنه خاف إن صلى قائماً ازدادَ مَرَضُه جاز. ومن صلى قاعداً مريضاً لا يَلْزَمُه الإعادة، ولو صلّى قاعِداً مقيَّداً يَلْزَمُه الإعادة. رجلٌ رَعُف أو سال جرحه وقت الظُّهر مثلاً انتظر آخر الوقتِ، فإن لم ينقطع توضأ وصلّى، فإن دخل وقت العصر ودام العذر حتى خرج الوقت فقد أخذ حكم صاحب الجُرْحِ السائل، وإن انقطع الدم أعاد الظهر؛ لأن حدَّ المستحاضةِ وحدَّ صاحب الجُرْحِ السائل أن يمضي وقت صلاة كامل و لم ينقطع ذلك عنه.
مريض مجروح تحته ثيابٌ نَحِسَةٌ إن كان لا يُبْسَط تحته شيء إلا ويَتَنَجَّسُ من ساعتِه له أن يصلي على حاله، وكذا لو لم يَتَنَجَّس الثاني إلا أنه تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ ويزداد مَرَضُه. عن محمد بن مقاتل ـ رحمه الله تعالى - في المستحاضةِ يُصيبُ الدَّمُ ثوبَها أنها تغسل الثوبَ لِكُلِّ وقتِ صلاةٍ، وقال محمد بن سلمة - رحمه الله تعالى: ليس عليها ذلك؛ لأن أمر الثوب أيسر من أمر البَدَنِ.
-
إذا فاتته صلاةٌ في مَرَض فقضاها في الصَّحَّةِ فعل كما فعله الأصحاء، وإن قضى في الْمَرَضِ فوائتَ الصَّحَّةِ قضاها كما قَدَرَ قاعداً أو مؤمناً. الأخرس إذا صلى منفرداً جاز وإن كان قادراً على الاقتداء بالقاري. رجل افتتح الصلاة قائماً ثم أعى لا بأس بأن يتكي على عصاً أو على حائط ونحو
الجزء 1 · صفحة 45
ذلك.
باب الوتر
الوثرُ واجب عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى، والقراءة في الركعات كلها
فرض لو ترك القعدة الأولى فيها لا تفسد. ليس في القنوتِ دُعاء موقت. من لم يعرف اللهم إنا نستعينك» يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة إلى آخره، وهو اختيار مشايخ بخارا - رحمهم الله تعالى. أو يقول: «اللهم اغفر لناه، ويكرر ذلك ثلاثاً، وهو اختيار مشايخ سمرقند ـ رحمهم الله تعالى، وبه أخذ أبو الليث ـ رحمه الله تعالى، وقيل:
مقدار القيام في القنوت قدر سورة «إذا السماء انشقت». لو قنت بالفارسية أو بأي لسان كان جاز رجل صلى العشاء بغير وُضُوءِ ناسياً ثُمَّ توضأ وصلى الوثرَ، ثُمَّ تذكر بعد ذلك أعاد العشاء دون الوثر. الإمام في الوثر في شهر رمَضَانَ يقنُتُ مُخافتة، هو المختارُ. ويقرأ المقتدي الدعاء خلفه. وذكر في «الشرح: الإمام يجهر والمنفردُ يَتَخَيَّرُ. المسبوق بركعتين في الوِتْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إذا قنت مع الإمام لا يقنت بعده إذا قام للقضاء إذا تذكر في الركوع أنه نسي القنوت الأصح أنه لا يعود. لا يصلي
على النبي عليه السلام في القُنوتِ عند مشايخ بخارا - رحمهم الله تعالى، الله تعالى وقال الفقيه أبو الليث - رحمه الله تعالى -: يصلّي لو امتنع أهل قرية عن الوثر أدبهم الإمام، فإن: لم ينز جروا قاتلهم. إذا دخل في الوتر مع الإمام متطوعاً ثم أفسد فعليه أربع ركعات.
باب النذر
رجل قال: «الله عليَّ أن أصلي ركعتين بغير وُضُوءٍ» لا يَلْزَمُهُ شَيء، ولو قال: «بغير قراءةٍ يَلْزَمُهُ معَ القِراءةِ. لو نَذَرَ أنْ يصلي ركعة أو نصف ركعة فعليه ركعتان، ولو نَذَرَ بثلاث فعليه أربع ركعات بتسليمتين. لو قال: الله عليَّ أن أصلي الظهر ثماني ركعات» فليس عليه إلا الأربع، مذكورة في واقعات النَّاطِفِيِّ. نَذَرَ أن يصلي أربع ركعات بتسليمتين فصلاها بتسليمةٍ أَجْزَاهُ، وعلى القلب لا.
إذا نذر أن يصلي في المسجد الحرام أو في مسجد بيت المقدس فصلاها في مكان دونَه، جاز، خلافاً لزُفَرَ. نَذَرَ أن يصلي ركعتين، فصلاهما قاعداً جاز، وعلى الدَّابَّةِ لا. إذا قال: الله عليَّ أنْ أصلي ركعتين اليوم فلم يُصلّهما قضاهما، ولو قال: و الله لأصَلِّينَّ اليوم ركعتين فلم
الجزء 1 · صفحة 46
يصلهما كفر عن يمينه، ولا قضاء عليه. إذا شرع في صلاةٍ على ظنّ أنها عليه، ثم تَيَقّن أنها ليست عليه، الأولى أن يُتِمَّها،
ولو أفسدها لم يَلْزَمُهُ القضاء. إذا شرع في صلاة وهو ينوي أربعاً فسلم على رأس الركعتين لم يَلْزَمُهُ شيء. إذا شرع في صلاةٍ خلف الأُمِّيِّ ثم تكلم لم يَلْزَمُهُ شَيءٌ. إذا طاف بالبيت سبعاً يَلْزَمُهُ ركعتان. لا تُؤَدَّي الصَّلاةُ المندورة وركعتا الطواف بعد طلوع الفجر ولا بعد أداء العصر.
بابُ التَّطَوع والسُّنَنِ
لو ترك القعدة الأولى في السُّنَنِ والنوافل لا تَفْسُدُ استحساناً. الْمُتَهَجِّدُ بالليل إن شاء جهر قليلاً، وهو أفضل، وإن شاء خافت. رجلٌ صلى أربع ركعاتٍ تطوعاً و لم يقرأ فيهنَّ شيئاً، أو قرأ في الأخريين لا غيرُ فعليه قضاء ركعتين لا غير، ولو قرأ في إحدى أوليين لا غيرُ فعليه قضاء ركعتين لا غيرُ عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى، وعلى قول الشيخ الإمام الإِسْبيجَابي ِّ - رحمه الله تعالى - يَلْزَمُهُ أربع. وعلى قول الشيخ السرخسي، والشيخ الإمام حُسام الدين ركعتان ولو قرأ في إحدى الأخريين لا غير فالأخريان يكون صلاة عندَ حُسام الدين، خلافاً لما ذكره القاضي الإمام الإسبيحابي رحمهم الله تعالى.
سنة الفجر لا تجوز قاعداً إلا بعذر لأنها واجبة كصلاة الجنائز وصلاة العيد و ركعتي الطواف. ولو فاتت وحدها لا تقضى، ولو فاتت مع الفريضة تقضى إلى وقت الزوال فحسب رجلٌ انتهى إلى الإمام في صلاة الفجر إن علم أنه لو صلى السنة
يدرك ركعة من الفجر فإنه يصلي السنة عند باب المسجد، إن كان ثمة موضع أعد لذلك، وفي المسجد الصيفي إن كان الإمام في الشتوي، وإن كان الصيفي والشتوي واحداً يقف في ناحية من الصفوف عند سارِيَةٍ من سواري المسجد، فيصليها ثم يدخل مع الإمام. وفي الظهر يدخل مع الإمام وإن لم يخف فوت شيء من الظهر. الأفضل أن يودي التَّطَوُّعَ والسُّنَنَ في بيته.
السنة تتأدى بمطلق النية، هو المختار من صلى الفرائض وحده الأصح أنه يأتي بالسنن، ويسأل الله تعالى إن لم يأت بها. المسافر يأتي بالسنن ولا يتركها إلا بعذر، به أفتى شمس الأئمة السرخسي. إذا دخل المسجد فإن شاء صلى السنة ثم يجلس وإن شاء جلس ثم قام وصَلَّى السُّنَّةَ. إذا دخل في صلاة الظهر مع الإمام قبل السُّنةِ فعند الفراغ يصلي الأربع ثم الركعتين عند أبي يوسف، وعند محمد يصلي ركعتين ثم أربعاً، كذا ذكر في كتاب الحصر»، وذَكَرَ حُسام الدين
الجزء 1 · صفحة 47
الخلاف على العكس. سنةُ العَتَمَةِ أربع ركعات أفضل عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى .. الأربع قبل العصر سنة غيرُ مُؤكَّدَةٍ.
باب التراويح
التراويح سنة مؤكدة. وهي خمس ترويجات، كل ترويخة أربع ركعات بتسليمتين. لو ترك أهل بلدة التراويح قاتلهم الإمام على ذلك. لو صلاها رجل في البيت وحده والناس يصلونها في المسجد كان تاركاً للسُّنةِ ولم يكن مسيئاً. ولو ترك الناس إقامتها في المسجد، وصلى كلُّ واحدٍ في البيت فقد أساءوا. لو صلى قوم في البيت والآخرون يصلون في المسجدِ كان الْمُتَخَلَّفُون محصلين نوع فضيلة وتاركين نوع فضيلة. يقرأ الإمام في كل ركعة عشر آيات ونحوها. ينتظر الإمام بين كلّ تروحيتين قدر ما يُصَلِّي فيه أربع ركعات، فإذا أتمها ينتظر قدر ترويجةٍ ثم يُوتِرُ إلا أن يعلم أنه يثقل على القوم الاستراحة على رأس خمس تسليمات مكروهة. الاحتياط أن ينوي التراويح أو السنة أو قيام الليل.
ولو نوى التطوع جاز عند أكثر المشايخ رحمهم الله تعالى. إذا صلى التراويح مع الإمام، ولم يُحَدِّد لكلِّ شَفْع نية جاز؛ لأن الانتظار لتكبير الإمام نية. التراويح قاعداً بغير عذر جائز. لو صلى الإمام قاعداً والقومُ قائمين جاز. لو صلى ترويحة بتسليمة وقد قعد في الثانية قدر التشهد يُجزيه عن تسليمتين، ولو لم يقعد على رأس الثانية لا يُجزيه إلا عن تسليمة. لو صلى التراويح كلها بتسليمة واحدة وقعد في مواضع القعود أجزائه.
وقت التراويح ما بين العشاء إلى طلوع الفجر. لو صلاها قبل العشاء لا يجوز، وهو المختار لو صلاها بعد العشاء قبل الوتر جاز التراويح إذا فاتت عن وقتها لا تقضي، ونو قضاها منفردا كان نقلاً مستحباً. إذا شكوا أنهم صلوا تسع تسليمات أو عشر
تسليماتٍ صلوا تسليمةً أخرى فرادى فرادى احتياطاً. إذا صلوا تسليمة بإمام وصلوا تسليمةً بإمام آخر لا يُستحب، ولو صلى كل ترويحة بإمام لا بأس.
الأفضل استيعاب أكثر الليل بالصلاة، وقيامها في آخر الليل لا يكره، هو الصحيح. إذا اقتدى في التسليمة الأولى بمن يصلّي الخامسة أو العاشرة مثلاً جاز. لو صلى التراويح مقتدياً بمن يصلي مكتوبة أو وتراً أو) نافلة غير التراويح لا يجوز. إمام يصلي التراويح في المسجدين في كلّ مسجدٍ على الكمال لا يجوز، بخلاف ما إذا اقتدى بغيره في المسجد الثاني.
الجزء 1 · صفحة 48
قومٌ صلوا التراويح ثُمَّ أرادوا أن يصلُّوا بعد ذلك فُرادى فرادى جاز، وكذا إذا فاته بعض التراويح فأوتر مع الإمام، ثم صلى باقي التراويح وحده جاز. الإمام إذا فرغ التشهد في التراويح إن علم أن الزيادة على قدر التشهد لا يثقل عليهم يأتي بالدعوات، وإنْ عَلِمَ أَنه يَثقُلُ عليهم لا يزيد.
وإذا كبر يأتي بالثناء في كلّ تكبيرة. ويكره الإسراع في القراءة، وفي أداء الأركان. الإمام إذا لم يكن حافظاً للقرآن اختار بعضُهم أن يقرأ سورة الإخلاص في كل ركعة، وقيل: الأولى أن يقرأ في كُلِّ ركعة سورةً من القصار.
إذا شرع في شفع التراويح ثم أفسدها ثم أداها لا شيء عليه. إذا ختم القرآن في التراويح، وفرغ من المعوذتين في الركعة الأولى يركع، ثم يقرأ في الثانية بعد الفاتحة شيئًا من سورة البقرة. المقتدي في التراويح أو غيرها إذا نام كما قعد للتشهد فإذا سلم الإمام انتبه وسلم معه لم يجز.
باب زلة القاري
إذا قرأ في الاستفتاح لا إله خيرك بالخاء لا تفسد إذا أراد قراءة الفاتحة فقال: ال فانقطع النَّفْسُ فقال: «حَمْدُ الله لا تفسد، والأولى أن يبتدئ ويقول: الحمد الله. إذا قرأ بسم الله بالثاء أو الشين، ولا يطاوع لسانه غير ذلك، فإن كان لا يجد آيات ليس فيها تلك الحروف تجوز صلاته، دون من خلفه، وإن أمكنه أن يتَّخِذُ آيات ليس فيها تلك الحُروفُ يَتَّخِذُ إلا فاتحة الكتاب فإنَّه لا بُدَّ من قراءتها. وإن كان يقرأ «تستعين» بالثاء، أو بالشين ونحو ذلك تجوز، ولا يقتدي به أحد. لو قرأ «إياك نعبد» بكسر الباء لا تفسد، وبالنصب تفسد لو قرأ «اهدنا الصراطه بالسين لا تفسد ولو قرأ مكان الطاء التاء قيل: لا تفسد ولو وصل كاف «إياك» بنون «نعبده، أو بنون ونستعين لا تفسد وكذلك لو وصل باء «المغضوب» بعين «عليهم»،
وكذلك لو ترك التشديد أو الْمَدَّ ولم يتغير المعنى أو تغير لا تفسد. ولو قرأ «ولا الضالين بالذال، أو الظاء عند عامة المشايخ - رحمهم الله تعالى ـ تفسد، وقال محمد بن سلمة - رحمه الله تعالى: لا؛ لعموم البلوى؛ ولأن الذالين من الذُّلِّ والظَّالين من ظل يَظُلُّ الألثغ لو قرأ «رب» باللام قيل لا تفسد صلاته ولا يقتدي به غيره. لو قرأ موسى بن مريم، أو عيسى بن عمران، قال حسام الدين ـ رحمه الله تعالى: الأصح أنه لا تفسد؛ دفعاً للحرج. لو قرأ «تَحْسَبُهَا جَامِدَةً بالخاء لا تفسد، كذا لو قرأ «هُوَ أَفْصَحُ مني لسانه بالسين، كذا لو قرأ «هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور» بالتاء. ولو قرأ «اليسرى
الجزء 1 · صفحة 49
مكان «العشري» قيل: يُجْعَلُ عفواً للضرورة.
لو قرأ إذا ابتلى ابراهيم ربه برفع الميم ونصب الباء، قال حسام الدين ـ رحمه الله تعالى: الأشبه أن لا تفسد؛ لأنه لو وجب الصواب في الإعراب وقع الناسُ في الحَرَج. لو قرأ «إن المتقين في بساتين ونهر» محل (جنات)، قيل: لا تفسد. لو قرأ «الستُ بربكم قالوا نعم مكان «بلي» تفسد. إذا قرأ «لا إله» ووقف، ثُمَّ قال: «إلا هو»، أو قرأ وقالت اليهود، ووقف، ثُمَّ قرأ «عزير بن الله قيل: تفسد، به أخذ شمس الأئمة السَّرَحْسِيُّ - رحمه الله تعالى، وقال القاضي الإمام أبو البشرِ وحُسام الدين - رحمهما الله تعالى: لا، وعليه الفتوى.
ولو قرأ «الخالق البارئ الْمُصوَّر» بنصب الواو ذكر في «الملتقط» أنه لا تفسد، وعن أبي الفضل الكرماني - رحمه الله تعالى - أنه أفتى بالفساد). إذا قرأ «رحلة الشتاء والصَّيْفِ بالسين تفسد. لو قرأ إذا جاء نصر الله بالسين، قال حسام الدين ـ رحمه الله تعالى: تفسد، وقيل: لا تفسد لو قرأ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» بالسين، قيل: تفسد، وقيل: لا تفسد؛ لأن السالحين يصلح جمعا للسالح بمعنى حامل السلاح.
إذا قرأ «كل هو الله أحد ولم تكن بلسانه علةٌ، تَفسُد، ولو قرأ «تل هو الله أحد» بالتاء تفسد. ولو قرأ «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى» بطرح تفسد. ولو قرأ «الحمد الله» بالهاء، أو الخاء، أو الرَّحمن الرّحيم» بالهاء أو الخاء، فإن كان يجتهد عُمُرِه ولا يطاوعُ لسانه غير ذلك جاز، وإن ترك جُهْدَه في زمان دونَ زمان لم يجز.
إذا قرأ «التحيات» بالدال أو الطاء، قيل: لا تفسد لو قرأ «إياب» مكان «أواب»، أو «إياه» مكانَ «أواه» أو «التيابين» مكانَ «التوابين» لا تفسد. إذا قرأ مكان «الحكيم»، «العليم» لا تفسد.
إذا جرى على لسانه حرف مكانَ حرفٍ يُوجَدُ مثله في القرآن، لكنه يخالف في المعنى تَفسُد عندهما، خلافاً لأبي يوسف؛ لأنهما يعتبران المعنى، وأبو يوسف ـ رحمه الله تعالى ـ يعتبرُ النَّظم، والمتأخرون بعضُهم أفتوا بقولهما، وبعضهم بقول أبي يوسف. إذا قال في الصلاة «الله أكبار وهو يريد أكبر، وليس يُميز بينهما، ولا يريد المُخالفة، قيل: لا تفسد، وقال أكثرهم: تفسد.
يُكره الانتقال من سورة إلى سورة. إذا قرأ في الركعة الأولى سورةً وفي الثانية سورةً أخرى فوق تلك السورة، أو فعل ذلك في ركعة واحدة يُكْرَهُ. إذا قرأ في الأُوليين من التطوعاتِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وفي الأُخرَيَيْنِ تَبَّتْ يَدَا أو سورة الإخلاص لا يُكْرَهُ.
الجزء 1 · صفحة 50
قيل: قُرأ في الجامع السَّمَرْقَنْدِي والسماء ذات الصدع والأرضِ ذَاتِ الرَّجعِ» فأفتى محمد الماتريدي ـ رحمه - رحمه الله تعالى -: لا تفسد، وقال شمس الأئمة القاضي الحسن بن محمد الحلوائي ـ رحمه الله تعالى: تفسد.
باب صلاة الكسوف
صلاة الكسوف ركعتان. تُسْتَحَبُّ فيها ثلاثة أشياء: الوقت، والسلطان أو من له إقامة الجُمُعَةِ والعِيدين، والمكان وهو مُصلى العيدِ والمسجد الجامع، ولو صلوا في موضع آخر جازت. ولو صلوا وحداناً في منازلهم جاز. ولو اجتمعوا من غير أن يصلُّوا أَجْزَاهُم، والصلاة أفضل. ويكره أن يجتمعوا في ناحية. وليس فيها أذان ولا إقامة ولا خطبة. ويُخَافَتُ فيها بالقراءة، وإن شاء الإمامُ أطال القراءة وإن شاء قصرها. إذا فرغوا من الصلاة دَعَوُا الله وتضرعوا إلى أن تنجلى الشمس.
وفي خسُوفِ القَمَر لا يصلون بجماعةٍ، بل فُرادَى فَرادَى، كذا إذا اشتدت الأهوال والأفزاع كالرِّيح إذا اشتدت، والسماء إذا أدامت مطراً أو ثلجاً، أو احمرت، والنهار إذا أظلم، وسائر المخوفات. وكذا إذا عَمَّ المرض.
باب الاستسقاء
ليس في الاستسقاء صلاةٌ ولا دعاءُ مُوَقت ولا خطبة، ولكنه دعاء واستغفار وإن صلوا فيه وحدانا فلا بأس. وليس فيه تقليب الرداء، وعند محمد ـ رحمه الله تعالى - فيه تقليب الرداء،، وهو أن يجعل الإمام دون القوم، وهو أن يجعل الإمامُ دونَ القوم أسفل ردائه أعلاه وأعلاه أسفله. ولا يُخْرَجُ فيه مِنبر. وإن رفع يديه للدُّعاء جاز، وإن لم يفعل وأشار بأصبعه فحسن.
وإن لم يخرج الإمامُ وأمر الناس بالخروج، أو خرجوا بغير إذنه جاز. ولا يخرج أهل الذمة للاستسقاء. خلافاً لمالك رحمه الله تعالى قال رضي الله عنه: ويستقبل الإمامُ في الدعاء القبلة ويقعد الناس على مراتبهم مستقبل القبلة.
باب مسائل متفرقة
لو صلوا في جوف الكعبة واقتدوا بإمام واختلفت وجوههم جاز وإن كانت وجوههم إلى وجه الإمام أو ظهورهم إلى ظهره، ومن كانت قفاه إلى وجه الإمام لا تجوز صلاته. ولو صلوا في المسجد الحرام بجماعة استداروا حول الكعبة. ومن صلى إلى الجانب الذي يصلي الإمام يجب أن
الجزء 1 · صفحة 51
لا يكون متقدماً على الإمام، وإن كان في جهة أخرى جاز وإن كان أقرب إلى البيت من الإمام.
إذا خاف المصلي أن يسقط أعمى أو صبي من سطح، أو تُحْرِقُه نار، أو يُغرِفُه مَاءً عليه قطع الصلاة. ولو سُرق منه ما يساوي درهماً له قطع الصلاة. المسافر إذا خاف السُرَّاقَ أو قُطَّاعَ الطريق له أن يُؤَخِّر الوقتية القابلة إذا خافت أن يموت الولد إن اشتغلت بالصلاة لا بأس بأن تُؤَخِّرَ الصلاة.
رجل يصلي فدعاه أحد أبويه فإنه لا يجيبه إلا أن يستغيث منه بشيء. رجل افتتح الصلاة يريد بها وجه الله تعالى، ثم دخل في قلبه الرياء فعلى ما استفتح. رجل افتتح الظهر وصلى منها ركعة، ثم افتتح تطوُّعاً فقد نقض الظهر، ولو نوى الظهر وكبر من غير أن يتكلم بعد ما صلى من الظهر ركعة فهي هي، ويجزى بتلك الركعة. رجل توضأ وصلى الظهر جاز، والقبول لا يُدرى، هو المختار. وقول بعض الزهاد من ليس قلبه في الصلاة مع الله لا قيمة لصلاته، ليس بشيء.
إذا صلى بغير طهارة عَمْداً، قيل: يُكَفِّرُ، وقيل: إنما يُكَفِّرُ إذا فعل ذلك استخفافاً أو على اعتقاد الحقيقة. الصلاة بنية الخصوم ينبغي أن لا يفعل. إمامة النبي عليه السلام ليلة المعراج لأرواح الأنبياء عليهم السلام كانت في النافلة. رجل يمر في المسجد ويتَّخِذه طريقاً إن كان بعذر يحوز، ثم إذا جاز يصلي تحية
المسجد ركعتين أولاً ثم يجلس أو يجلس أولاً ثم يصلي في كل يوم مرة، لا في كلّ مرة ركعتين. القاضي إذا دخل المسجدَ للقضاء، فإن شاء صلى ركعتين تحية المسجد أولاً ثم يجلس، أو يجلس أولاً ثم يصلي.
إذا بلغ الصبي عشر سنين ضُرِبَ لأجل الصلاة باليد دون الخشب، ولا يجاوز الثلاث. يكره الصلاة في الطريق. سجدة الشكر مكروهة عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى، خلافاً لهما. إذا صلى في بيت رجل بغير إذنه لا بأس، وإن استأذنه كان أحسن.
كتاب الجنائز
أبوابه خمسة في الغسل، في التكفين، في حمل الجنازة في الصلاة على الْجَنازة، في الدَّفْنِ.
باب الغسل
من قَرُبَ موتُهُ يُوَجَّهُ إلى القبلة، واختار البخاريون من الأئمة الاستلقاء؛ لأنه أيسر لخروج النَّفس والروح، وعلى إخوانه أن يُلَقِّنُوه كلمة الشهادة، ولا يقال له: قُلْ؛ لئلا يضجر عنه. إذا وُجِدَ
الجزء 1 · صفحة 52
أكثرُ البَدَنِ غُسل، وإن وُجد النصفُ لا. المعتدة تغسل زوجها، والزوج لا يغسل الزوجة أم الولد لا تُغسل مولاها، بخلاف الزوجة.
صبي مثله لا يُجامِعُ ولا يشتهي لا بأس أن تُغسله النّساء، وكذلك الصبيَّةُ إذا كانت بهذه الحالة حل للرجال غُسْلُها. إذا ماتت امرأةٌ في سَفَرٍ وليست هناك امرأةٌ فإنها تُتيمم، وكذلك إذا مات الرجلُ بين النسوان، ثم إذا لم يكن الرَّجلُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ منها فإنه يتممها بخرقة، ويمنع بصره عن ذراعيها.
ميت وجدَ في الماء لا بد من غسله. ولو حُرِّكَ في الماء بنية الغُسل جاز. الخنثى المشكل لا يُغسلُ، بل يُيَمَّمُ. من وُجِدَ قتيلاً في المصر غُسل إلا أن يُعلم أنه قتل بحديدة ظلماً. الْجُنُبُ إذا استشهد أو الحائض أو النفساء أو الصبي فإنه يُغسل، كذا المقتولُ بِالْمثَقْلِ. ومن قتله أهلُ البغي، أو أهل الحرب، أو قطاع الطريق، فبأي شيء قتلوه لا يُغسل. إذا
وجد في المعركة ميت وقد خرج الدم من أنفه أو ذكره أو دُبُرِهِ غُسل، ولو خرج من عينه
أو أُذُنه لا.
المجروح إذا ارتث ثم مات غُسل والارتثاث أن يأكل أو يشرَبَ أو يُوصي بشيءٍ من أمور الدنيا أو آواه فسطاط أو خيمة وهو حي، أو عاش يوماً أو ليلة بعد الجراحَةِ. لو سال من الميت بعد الغُسل شيء فإنه لا يُعادُ غُسلُه.
ومن قُتِل قصاصاً غُسل. قاطع الطريق إذا قُتِلَ غُسِلَ. الكافر إذا مات غُسل، لكن يُغْسَل كما يُغْسَلُ الثوبُ النجس. من وُلِد ميتاً لم يُغسل، نص عليه الحاكم ــ رحمه الله تعالى ـ في «المختصر»، وذُكِرَ في الفتاوى أنه يُغْسَل
باب التكفين
رجل مات ولم يترك شيئاً يَفْتَرِضُ على الناس أن يُكَفِّنُوهُ، وإن لم يقدروا عليه سألوا الناسَ لِيُكَفِّنُوه. إذا مات الزوج لم يكن على المرأة الكفنُ. ولو ماتت المرأة وهي فقيرة فكَفَنُها على الزوج. أدنى ما يُكَفِّنُ الرجلُ فيه ثوبان: إزار ورداء. والسنة أن يُكَفِّنَ الرجلُ في ثلاثة أثواب: قميص، وإزار ورداء، والمراد بالرداء اللفافة. وفي حالة الضرورة يُكَفِّنُ
فيما يُوجَد السنة أن تُكَفِّنَ المرأة في خمسة أثواب إزار، وقميص، وحمار، ولفافة، وخرقةٍ
الجزء 1 · صفحة 53
تُربط بها فوق ثدييها. وكفن الكفاية لها ثلاثة أثواب: إزار، ولفافة، وخمار. وفي حالة الضرورة تُكْفَنُ فيما يُوجَد.
السِّقْطُ يُلَفُّ في خرقة. الكافرُ لا يراعى له شرائط الكفن، بل يُلف في خرقة. الشهيد لا يُكَفِّنُ كَفَناً جديداً، بل يُدفن في ثيابه ويُنزع عنه الفرو والحشو والقلنسوة والسلاح وإن أحبوا أن يزيدوا شيئاً حتى يبلغ السنة فعلوا.
إذا نُبش الميت وهو طري، كُفْنَ ثانياً من غير اعتبار الثلاث. الاكتفاء بكفن الكفاية عند قلة المال وكثرة الوَرَثَةِ حَسَنٌ.
الوارث لو كَفْنَ الْميت بكَفَنِ الْمِثْلِ لا يكون متبرعاً، وله الرجوع، وكَفَنُ الْمِثل ما يلبسه في الغالب، قاله الفقيه أبو جعفر الْهِنْدَوَانِيُّ - رحمه الله تعالى، وقال نصير بن يحيى - رحمه الله تعالى -: ما يلبسه إذا خرج للعيد. إذا كَفْنَ أجنبي ميتاً فافْتَرَسَهُ الأَسدُ عَادَ الكَفَنُ إلى ملكِ الْمُكَفِّنِ لا إلى مِلْكِ الوارث.
باب حَمْل الجنازة
يُسْرَعُ بالجنازة وذلك دونَ الخَبَب. المشي خلف الجنازة أفضلُ إلا لضرورة. لا بأس بالركوب في الجنازة، والمشي أفضلُ. لا بأس بالقُعود إذا وُضِعَتْ الجنَازَةُ. ويُكْرَهُ القعود قبله. ويُكْرَهُ النِّياحُ والصوتُ خلف الجنازة وفي منزل الميت. رفع الصوت بالذكر، وقراءة القرآن، وقولهم «كل حي يموت»، ونحو ذلك خلف الجنازة بدعة. لا بأس بالبكاء على الميت، والصبر أفضل.
يكره النداء في الأسواق أن فلاناً قد مات ولا بأس بأن يعلم بعضهم بعضاً ليُؤَدُّوا حقه بالصلاة عليه. لا بأس بأن يُحْمَلَ الرَّضِيعُ والفطيم في طبق، أو سقط يتداولونه. إذا كانت مع الجنازة نائحة أو صائحة زجرَتْ عنه، فإن لم تنزجر لا بأس للرجل أن يمشي مع الجنازة.
السنة أن تُحمل الجنازة بجوانبها الأربعة ويُبدأ بيمين الميت، ويمين الميت على يسار الجنازة. لا يقوم الجنازة إلا من يريد حملها، تُوضَعُ جنازة الرجل قدام الإمام، والصبي بعدها، ثم الخنثى، ثم المرأةِ، ثم الصبيةِ الْمُرَاهِقَةِ، ثم الرضيعة، وينوي عليهم بالصلاة.
باب الصلاة على الجنازة
الجزء 1 · صفحة 54
نية صلاة الجنازة أن يقول: اللهم إني نويت أن أصلي لك، وأدعو لهذا الميت. إذا صلى على صبي، أو امرأة، أو عبد أو أمة جازت، ولو صلّى عليه صبي لا الصلاة
على الجنازة فرض كفاية؛ فإذا قام بها البعض سقطت عن الباقين. الباغي إذا قتل حالة
الحَرْب لا يُصَلِّى عليه، وإن قُتِل بعد ما وضعت الحرب أوزارها أي أسلحتها غُسل
وذكر في موضع آخر مطلقاً أنه لا يُغْسَل. حكم من قُتِل في جَنْكِ تتار كحكم الباغي.
إذا قتل نفسه جَرْحاً أو صَلْباً يصلى عليه. إذا خرج أكثر الولد حيا، ثم مات يصلى عليه. ميت وُجد في دار الحرب في كنيسة وعليه سيماء المسلمين يُصلى عليه. ولو وُجِدَ في دارِ الإسلامِ ميت غير مختون وعليه زُنَّارٌ مشدودٌ لم يصل عليه، مذكور في «الزيادات».
لو دخل دار الحرب واشترى عبداً صغيراً فمات العبد صُلِّي عليه. لو دُفن الميت قبل الصلاة أو قبل الغُسل، فإنه يُصلّى على قبره إلى ثلاثة أيام، والصحيح أن هذا ليس بتقدير لازم، بل يصلى عليه ما لم يعلم أنه قد تَمَزَّقَ.
قومٌ صلوا على جنازة ركباناً لم تجز. إذا صلى على جنازة وقت الطلوع أو الغروب أو نصف النهار لا تُعاد ولو صلى على ميت كان على الدابة أو على أيدي الناس لا تجوز، وعليه الفتوى. يقوم الذي يصلي على الرجل والمرأة بحذاء الصدر. الصلاة على الجنازة في مسجدٍ يقام فيه الجماعةُ تُكْرَهُ، ولو كانت الجنازة خارج المسجد ومع الإمام صف وباقي القوم في المسجد، قال شمس الأئمة السَّرَخسِيُّ - رحمه الله تعالى: لا تكره، وقال الإمام الإسبيجابي وحسام الدين - رحمهما الله تعالى: تكره إلا إذا بُني المسجد
لذلك.
إذا حضر الرجلُ بعد ما كبر الإمام تكبيرتين انتظر حتى يكبر الإمام التكبيرة الثالثة، ثم يدخل، فإذا فرغ الإمام كبر ما فاتته قبل رفع الجنازة، متتابعاً بلا دعاء. ولو كبر الإمام خمس تكبيرات فالمقتدي لا يتابعه، فإذا سلم الإمام يسلم معه. أولى الناس بالصلاة على الميت الإمام الأعظم إن حضر، ثم السلطان، ثم القاضي، ثم الولي، ثم إمام الحي، ثم الأب، ثم الابن.
لو كان للميت أخوان فالأكبر أولى، فلو أراد الأكبر أن يقدِّم أجنبيا فللصغير منعه. لو كتب الغائبُ بالصلاة إلى أجنبي لم يُلتفت إلى ذلك، والذي يليه أولى. ليس للنسوان والصبيان حقٌّ في الصلاة. عبد مات فالمولى أولى بالصلاة من الأب والابن وإن كانا حرين. ليس في صلاة الجنازة
الجزء 1 · صفحة 55
دعاء موقت. إذا فرغ من الصلاة لا يقوم بالدعاء.
باب الدفن
اللحد هوالسنة عندنا دونَ الشَّقِّ. في كل موضع ينهار القبر، ولا يمكن أن يُجْعَل
اللحْدُ لا بأس بأن يُجعَل الشَّقُ، أو يُتَّخَذَ تابوت، لكن السنة أن يُفرَشَ فيه التراب، وتُطَيَّنَ الطبقة العليا. تطيينُ القبور مكروه، كذا في «التجريد»، وذُكِرَ في الفتاوى أنه لا بأس. يكره البناء على القبور، والكتابة عليها، وأن يُعْلِمَ علامة زائدة، وقال الشيخ الإمام فخرُ الأئمة البَزْدَوِيُّ ـ رحمه الله تعالى: ولو احتيج إلى العلامة حتى لا يذهب الأَثَرُ ولا يُمْتَهَنُ لا بأس بـ ذو الرَّحِمِ أولى بإدخال المرأة في القبر، فإن لم يكن لها ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ فأهل
الصَّلاحِ من جيرانها أولى بدفنها. ولا تدخل واحدة من النساء القبر. يسجى قبر المرأة بثوب حتى يُجْعَلَ اللَّبِنُ على اللحد؛ لأن مبنى حالهن على الستر، ولهذا ينعش جنائزهن. ولا يُسَجَّى قبْرُ الرَّجل إلا أن يكون ثَمَّةَ ضررٌ من مَطَر، أو ثَلْجِ، أو شديد يخاف حر على الواضعين أن يَتَأَذُوْا.
من مات في السفينة في البحر فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ويرمى به في البحر؛ لأنه تَعَذَّرَ دَفْتُه. لا ينبغي أن يُدْفَنَ في الدار؛ لأن ذلك سنة الأنبياء خاصة. نصرانية ماتت وفي بطنها ولدٌ مسلمٌ قيل: تُدفن في مقابر المسلمين، وقيل: تدفن في مقابرهم، وقيل: في مقبرةٍ عَلَى حِدَةٍ. وعلى هذا لو اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار كانوا سواء.
لو احتيج أن يُدْخَلَ الرجلُ والمرأة في قبر واحدٍ قدم الرجلُ مما يلي القبلة، والمرأة خلفه، وجُعِلَ بينهما حاجز من تراب إذا وُضع الميت لغير القبلة، أو على يساره، فإن كان قبل إهالة التراب وقد شَرَجُوا اللَّبِنَ أزالوا ذلك، وإن كان أهيل التراب تُرك. تلقين الميت عند أكثر مشايخنا ـ رحمهم الله تعالى ـ ليس بشيء، وعند الشافعي ـ رحمه الله
تعالى ـ سنة. لا بأس بتعزية أهل الميت من المسلمين، وترغيبهم في الصبر والرضاء بقضاء الله تعالى؛ لينالوا أجر الصابرين والدعاء بالرحمة والمغفرة للميت.
كتاب الزكاة
أبوابه أحدَ عَشَرَ في الوجوب، في صدقةِ السَّوائم، في زكاة الديون، في سُقوطِ الزَّكاة، في نيةِ الزَّكاة، فيمن يَمُرُّ على العاشر في العُشْر، في الْخَراج، في الْمَعدِن والركاز، في مواضع الصَّدَقات، في
الجزء 1 · صفحة 56
صدقة الفطر.
باب وجوب الزكاة
قال ـ رضي الله عنه ـ:: نية التجارة في الذَّهَبِ والفِضَّةِ والدراهم ليست بشرط لوجوب الزَّكاة. الزَّكاةُ في الفُلوس الرائجة كما في دراهمنا اليوم لا تَجبُ ما لم يكن قيمتها منتي درهم من الدراهم التي تَغْلِبُ النُّقْرةُ فيها على الغش، أو عشرين مثقالاً من الذَّهَبِ، ولا يُشترط فيها التجارة. إذا كان النصاب كامِلاً فيما بين طَرَفَي الْحَولِ فَنُقصانه فيما بين ذلك لا يَضُرُّهُ وإن عاد إلى شيءٍ قليل.
إذا اشترى جُوالِق ليُؤاجرَها من النّاس فحال عليه الحول لا زكاة عليه وإن بلغت قيمتها نصاباً. إذا اشترى خادماً للخدمة وهو ينوي لو أصاب ربحاً باعه، فحال عليه الحولُ لا زكاة عليه. إذا كان له عُروض، أو خادِمٌ للتّجارة، وحال عليه الحول، وهو تَبْلُغُ نصاباً بالدراهم، ولا يبلغ نصاباً بالذهب، أو على القلب تجب الزكاة فيهما. إذا كان له شيء من الفِضَّة وشيء من الذهب وبالضَّمِّ يصيران، نصاباً، فإنه يُضَمُّ أحدُهُما إلى الآخر من حيث القيمة.
إذا استبدل العروض بالعروض أو بالعبيد لا ينقطع حكم الحول، بخلاف ما إذا استبدل السائمة بالسائمة. إذا كان في مِلْكه عُروض أو عَبيدٌ ونَحو ذلك فنواه للتجارة لا يصير للتجارة ما لم يبعها فيكون في الثَّمَنِ زكاة مع ما لَهُ من النصاب. لو ورث شيئاً ونواه
للتجارة لا يصيرُ للتجارة. لو اشترى شيئاً ونواه للتجارة يصير للتجارة. لو ملك شيئاً
بخلع، أو صُلح عن قودٍ، ونواه للتجارة في قول يصير للتجارة، وفي قول لا. الْمُسْتَفادُ يُضَمُّ إلى ما عِندَه مِنَ النّصاب إذا كان جنساً للنصاب، ولَوْ كان من خلاف الجنس لا، وما عدا السَّوائِم كلُّها جنس واحدٌ. الأولاد تُضَمُّ إلى الأصول وإن كان أبعد النصابَيْنِ حولاً، والأرباحُ تُضَمُّ إلى أقرب النِّصَابَيْنِ حولاً.
باب صَدَقة السوائم
مسائله مشتملة على خمسةِ فُصول: في الإبل، في البقر، في الشاة، في الخيل والبغال، في الحملان والفصلان والعجاجيل.
فصل الإبل
في خمس من الإبل السائمةِ شاةٌ وَسَط سواء كانت سيماناً أو أوساطاً أو فيهما ما تُساوِي بنت
الجزء 1 · صفحة 57
مخاض وسط، وفي العشر شاتان، وفي خمسة عشر ثلاثُ شِياءٍ، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرينَ بنتُ مَخاض، وهي: التي تَمَّتْ لَها سنةٌ وطَعَنَتْ في السنة الثانية، وفي ست وثلاثينَ بنتُ لَبُونٍ، وهي: التي طَعَنَتْ في السَّنةِ الثالثة، وفي
ست وأربعين حقة، وهي: التي أتت عليها أربعُ سِنِينَ عند أهل اللغة وعند أهل الفقه
أنت عليها ثلاث سنين، وفي إحدى وستين جَذَعَةٌ، وهي: التي أتت عليها أربع سنين عند أهل الفقه، وعند أهل اللغة ما أتت عليها ست سنين، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعينَ حِقْتانِ إلى مئةٍ وعشرينَ
قال ـ رضي الله عنه: فإذا زادت واحدة على مئة وعشرين تُستانف الفريضة، فتجب في الْخَمْسِ شاة، كما في الابتداء، فيكون في مئةٍ وخمس وعشرينَ حِقْتانِ وشاةٌ، وفي مئة وثلاثين حقتان وشاتان، وفي مئة وخمس وثلاثين حقتان وثلاث شياه، وفي مئةٍ وأربعين جفتان وأربع شياه، وفي مئة وخمس وأربعين حقتان وبنت مخاض، وفي مئة وخمسين ثلاث حقاق.
ثُمَّ تُستأنف الفريضةً فَتَحِب في كل خمس شاةٌ إلى أن أصاب مئة وخمساً وسبعين فيها ثلاث حقاق وبنتُ مَخاض، فإذا بلغ مئة وستا وثمانين ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون، فإذا بلغت مئة وستا وتسعين ففيها أربع حقاق إلى مئَتَيْنِ. ثُمَّ تُستأنف الفريضة أبداً في كل خمس مثل ما استُونفت من مئة وخمسين إلى مئتين.
قال ـ رضي الله عنه -: وإن لم تكن الإبلُ سائمة، بل للتجارة لا يُعتبرُ فيها العَدَدُ
وإِنَّما يُعتبرُ أن تَبْلُغَ قيمتها مئتَي درهم أو عشرينَ مِثقالاً من الذَّهَبِ.
فصل البقر
ليس في أقل من ثلاثين من البَقَرِ زكاة، وفي ثلاثين منها إلى أربعين تبيع أو تبيعة،
وهي التي تَمَّتْ لَها سنةٌ وطَعَنَتْ في الثانية أي دَخَلَتْ، وفي أربعينَ مُسِنَّةٌ، وهي التي طَعَنَتْ
في السَّنةِ الثالثة، وفيما زاد بحسابه إلى ستين، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان. و بعد ذلك في كلِّ أربعينَ مُسِنٌ أو مُسنَّةٌ، وفي كُلِّ ثلاثين تبيع أو تبيعة، والجواميس والبقر الوَحْشِيُّ على هذا. ولا زكاة في البَقَرِ العَوامِلِ والحَوامِل خلافاً لمالك رحمه الله تعالى.
فصل الغنم
في أربعين شاة شاة وَسَطّ، وفي مئةٍ وإحدى وعشرين شاتان، وفي إحدى ومئتين ثلاث شياه
الجزء 1 · صفحة 58
إلى أربع مئةٍ ففيها أربع شياءٍ، ثُمَّ بعد ذلك في كلّ مئةٍ شاة. والْمَعْز والضَّانُ
في وجوب الزكاة سواء. لو كانت ثَمانونَ شَاةً بين رجلين أنصافاً تَجبُّ عليهما شاتان.
لا تُؤخذ في الصَّدَقةِ الرُّبى وهي التي تُرَبِّي وَلَدَها، ولا الْماخِضُ وهي: التي في بطنها ولد، ولا الأكيلَةُ وهي: التي سُمِّنَتْ للأكل، ولا فَحْلُ الغَنَمِ؛ لأن النبي عليه السلام نَهَى السُّعاةَ عن أَخْذِ كرائِم أموالِ النَّاسِ
فصل الخيل والبغل
الْحَيْلُ الذُّكورُ الْخُلص السائمةُ لا زكاة فيها، والإناتُ الْخُلُصُ فيها عن أبي حنيفة
رحمه الله تعالى ـ روايتان، ولو كانت ذكوراً وإناثاً ففيها زكاة عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى فإن شاء أدى عن كل فرس ديناراً، وإن شاء أدَّى رُبعَ عُشْرِ قيمتها، وإن كانت عَلُوفَةً أو مُمْسَكَةً للغزو فلا شيء فيها.
والْحَمِيرُ والبغالُ والفَهْدُ والكلبُ المُعلِّمُ إنَّما تجب فيها الزَّكاةُ إذا كانت للتجارة.
فصل
لا زكاةَ فِي الْحُمَلانِ والفُصلان والعجاجيل إلا إذا كانت مع الكبار أي اللاتي أتت عليها سنة فحينئذ فيها ما في الْمَسَانٌ إذا كان الواجب موجوداً في النصاب، مثاله: إذا كانت له مُسنتان ومئة وتسعة عشَرَ حَمَلاً أُخِذَتِ الْمُسْتَتَانِ، وإن لم يكن فيها إلا مسنةٌ أُخِذَتْ هي لا غير.
باب زكاة الديون
الدَّينُ على الْمُفلسِ الْمُقِرِّ سبب لوُجوب الزَّكاةِ. الدَّينُ الْمَجحُودُ إِذا لَمْ يكن له بيِّنة وحلف المديون ليس بسبب. الزَّكاةُ واجبة في ثَمَنِ عبدِ التِّجَارَةِ وما أشبهَهُ، ولا يحِجبُّ إخراجُ الزَّكاة حتى يقبض أربعينَ دِرهَماً إذا لَمْ يكنْ عندَه نصاب. الْمَهْرُ وبَدَلُ الْخَلْعِ وبَدَلُ الصَّلح عن الدَّمِ العَمَدِ والدِّيَةُ وبَدَلُ الكتابة لا زكاة فيها حتى يقبض متئَيْن ويَحُولَ عليها الْحَولُ. ثَمَنُ عبيدِ الْخِدْمَةِ لا زكاة فيه حتى يقبِضَ.
إذا تزوج على خمس من الإِبِلِ السَّائِمَةِ الْمُعَيَّنَةِ، ولم يقبضها حتى حال عليها الحول
فلا زكاة فيها على أحدٍ. رجلٌ له على آخر مئتا درهم فوهبها من غَيْرِهِ وسلَّطَه على القبض فلم يقبضها الموهوب له حتى حالَ الْحولُ فالزَّكاةُ على الواهب. المبيع قبل القبض لا زكاة فيه على الْمُشتري.
الجزء 1 · صفحة 59
المدفون في البيت والكَرْمِ إذا نُسِيَ مكانه سبب لوجوب الزكاة عند بعضهم، وعند كالمدفون في الصحراء إذا نسي مكانه، وهي تعرف بمسألة مال الضمار. الدين المُطالَبُ له من جِهَةِ العِباد يمنع وُجوبَ الزَّكَاةِ بقدْرِه. الدَّينُ الْمُؤَجَّلُ قال بعضُهم: يَمْنَعُ، وذكر فخرُ الأئمة السَّرَخسِيُّ عن مشايخنا - رحِمَهُمُ الله تعالى -
أنَّه لا يَمْنَعُ دَيْنُ النُّذُورِ والْكَفَّارَاتِ لَا يَمْنعُ وجوبَ الزَّكَاةِ.
باب سقوطِ الزَّكَاةِ
إذا هَلَكَ النِّصَابُ بعدَ الْحَوْلِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٌ سَقَطَتِ الزَّكاةُ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَ النِّصَابَ لا. ولو باعَه بِشَيْءٍ لَغَيْرِ التِّجارَةِ، أو وهَبَه مِنْ غَنِي، أو باعَهُ بِغَيْنِ فَاحِشَ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الاسْتِهْلاكِ. والغَبَنُ الْفَاحِشُ: ما لا يدخُلُ تَحْتَ تقويمِ الْمُقَوِّمِيْنَ. ولَوْ أَقْرَضَ النّصابَ فَهَلَكَ لا يَضْمَنُ الزَّكَاةَ ولَوِ اشترى بألف ـ حال عليها الحولُ - غَنَما سائِمَةً صارتِ الزكاة دينا في ذِمَّتِه. ومَنْ عليه الزَّكاةُ إِذا مات لا تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ،
وعليه أن يوصي بالأداء عنه، وإذا أَوْصى تُنفّذُ مِنْ ثُلث مالِه إِلا إِذا أَجَازَتِ الوَرَثَةُ.
لا زكاة في مال الصبي، والمحنون، ولا على من أسلم في دار الحرب، ولم يَعْلَمُ بِفَرْضِيتها مَنْ عليه الزَّكاةُ لَوِ ارتد - والعياذ بالله - سَقَطَتْ عنه الزَّكاة وإن أسلم إذا طَرَ الْجُنُونُ فَإِنْ لَمْ يَسْتَمِرُّ سَنَةٌ لَا يَمْنَعُ الْوُجوبَ.
إذا حال الحولُ على ثَمَانِينَ مِنَ الْغَنَمِ فلمْ يُزَك حتى هلك أربعون فعليه شاه، وقال مُحمدٌ وزُفَرُ - رحمهما الله تعالى -: عليه نصف شاةٍ؛ لأن الزكاة عند أبي حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى - مُتعلقة بالنصاب دون الْوَقْص، وعند مُحمدٍ وزُفَرَ رحمهما الله تعالى متعلقة بالنصاب والْوَقَص جَميعاً، فإذا هلك النصف سقط نصف: الواجب، والاحتيالُ بِمَنْعِ وجوب الزَّكَاةِ لا بأس به.
باب نيَّةِ الزَّكاةِ وكيفية الأداء
إذا كان وقت التَّصَدُّق بحال لو سُئِلَ عَمَّا تُؤَدِّي؟ يُمْكِنُه أَن يُجِيبَ مِن غَيْرِ فكرةٍ فذلك يكون نيَّةً منه. لو قال: ما تصدقتُ إلى آخر السنة فقد نويتُ عن الزَّكَاةِ لَمْ يَجُز. لو أَفْرَزَ زكاة مالِه في خَرِيْطةٍ وجعل أن يتصدَّقَ ولا تَحضُرُهُ النَّيَّة، قال مُحمدٌ - رحمه الله تعالى: أرجو أن يُجْزِئهُ.
رَجُلٌ أعْطَى رجُلا دراهِمَ لِيَتَصَدَّق بها تطَوُّعاً، ثُمَّ نَوى الآمِرُ أن يكون ذلك منْ زكاة ماله،
الجزء 1 · صفحة 60
ثُمَّ تصدَّقَ الْمَأمُورُ جاز عن الزَّكَاةِ. رجُلٌ أَدَّى زكاةَ غَيْرِهِ عَنْ مالِ ذلك الغَيْرِ، فَأَجَازَهِ الْمَالِكُ، فإن كان الْمالُ قائما في يد الفقير جاز، وإلا فلا.
مَنْ عليه الزَّكاةُ لَوْ تصدَّقَ بالنصاب تطوعاً أجزأَهُ عَن الزَّكَاةِ. رجلٌ له على فقير مئتا درهم فوَهَبَ منه خَمْسَةَ دراهم عن زكاة ماله، وقَبَضَ الباقي لا تَسْقُطُ عنه إلا زكاة الْخَمسة، وهو ثُمُنُ درهم رجلٌ له على فقير خَمْسَةُ دراهمَ فَوَهَبَها منه بِنِيَّةِ زَكَاةِ مُئتَيْ نَقْدٍ لَمْ يَجُزْ، والْحِيْلَةُ أن يتصدَّق عليه بخمسةٍ ناوِياً للزَّكَاةِ، ثُمَّ يأخذها منه اقتضاء عن دينه. لو كان له على آخر دين، فتصدق به على آخَرَ مِن الزكاة، وأمر بقبضه، فقَبَضَهُ
أَجْزَاه.
م
رجلٌ وكُل ذِميا بأداءِ الزَّكاةِ جازَ. رجُلان دفعا إلى رجل كلُّ واحدٍ منهما دراهم ليتصدق بها عن زكاة ماله، فخَلَطَ الدَّراهمَ وتصدَّق بها ضمن، إلا إذا وجدت دلالة الإذن بالْخَلْطِ. رجل دفع إلى رجلٍ مالاً لِيَدْفَعَهُ إلى فقير عن زكاة ماله، ثُمَّ أَدَّى الآمِرُ
زكاة ماله، ثُمَّ أدى الْمَأمُورُ ضَمِنَ عَلِمَ بذلك أو لم يعلم عند أبي حنيفة رحمه الله
تعالى.
رجل شكٍّ في الزَّكاةِ بعدَ الوُجوب هل أدَّى أم لا، عاد الوجوب. دفع القيمة في باب الزَّكاةِ جائز. الأفضلُ أن يتصدق بزكاة ماله على فقراء بلدة فيها النصاب، ولا يُخْرِجَها إلى موضع آخر إلا إذا كانت له ثُمَّة أقرباء مَحاوِجُ.
أداء الزَّكاةِ على سبيلِ التَّشْهِيْرِ أفضلُ، بخلافِ الصَّدَقَةِ النَّافِلَةِ. يجوز تعجيل الزكاةِ قبل الوجوب إذا مَلَكَ نصاباً عن نُصب كَثِيرَةٍ. إذا كان له نصابان من الذهب والفضة، فعَجَّل زكاةَ أحدٍ النّصابَيْنِ، ثُمَّ هلك الْمُعَجَّلُ عنه الزَّكاةُ، فَالْمُؤَدَّى ينوب عن الباقي. الله عنه: في مَتَى درهم خَمْسَةُ دراهم، ولا زكاةً فيما زاد حتى يبلغ أربعين. وفي عشرين مثقالاً من الذهب نصفُ مِثقال، ولا شيء فيما زاد حتى يبلغ أربعة مَثاقِيلَ. إذا أدَّى خَمْسَةٌ نَبَهْرَجَةً زكاةَ مُئتَي جيادٍ أو شاةً جَيدَةً تُساوِي شاتينِ وَسَطَيْنِ مكانَ شاتين جاز. من أدَّى زكاة مال غيره من مال نفسه بأمرٍ مَن عليه الزَّكاةُ جاز، بخلاف ما إذا أدَّى بغير أمرِه ثُمَّ أجاز.
باب فيمن يَمُرُّ على العاشر
الجزء 1 · صفحة 61
مسلم مرَّ على عاشر بمال قدر النّصاب، ووَجَدَ شرائط وجوب الزكاة، فإنه يأخذ له ربعَ العُشْرِ، وكان ذلك زكاة. ولا يأخذ من الْمُضَارِب والعبدِ الْمَأْذَونِ وَالْمُستبضع. ولو مرَّ عليه بمئة درهم، وأخبره أن له منةٌ أُخْرَى في منزله قد حال عليها الحولُ لَمْيأخذ منه منه شيئا.
ولو مر على العاشر فقال له: أصبته منذ أشهر، يعني لَمْ يَتِمَّ الحولُ، أو قال: عني دين، أو قال: أدَّيتُ زكاته إلى عاشرٍ آخر، وفي تلك السَّنَةِ كان عاشر آخر، صدق إذا حلف على ذلك. لو قال: أدَّيتُ زكاته في الْمِصْرِ صُدِّقَ إلا في السَّوائم. وما يُصدَّقُ فيه الْمُسلِمُ يُصَدَّقُ فيه الذمي. لو مرَّ ذمي على عاشر فإنه يأخذ منه نصف العشر. ولو مرَّ حَرْبِيٌّ يأخذ منه عُشْرًا كاملاً ويَصْرِفُ ذلك مصرِفَ الْخَراجِ.
رجل مرَّ على عاشرِ الخوارج في أرض قد غلبوا عليها فعَشَّرُوه فإنه يُثَنَّى عليه؛ لأن التقصير جاء من قبله. رجلٌ مرَّ على عاشر بما لا يبقى حولاً كاملاً كالفاكهة والرّطاب لا يُوعَدُ منه شيء.
باب العشر
يَجِبُ العُشْرُ في البطيخ والبَقْلِ والقِثاءِ والْخوْحِ والسَّفَرْجَلِ والتَّفْاحِ والْكُمَّثْرَى
والمِشمِش
كذا في الرياحين كالأم والوَرْدِ والجناء والوسمة وفيما هو من كالخرنوب ونحوه.
حملة الأدوية
مسلم له دار خطةٍ جعلَها بُستانا ففيه العُشْرُ إلا إذا سقاه في الأغلب بماء الخراج.
المجوسي لو جعل داره بستاناً ففيه الخراج، سواء سقاه بماء خراجي أو عُشرِي.
الماء العشري: ماء الآبار والعُيونِ والبحار التي ليست تحت حماية أحدٍ الْمَاءُ
الخراجي: ماء الأنهار الصغار التي حفرتها الأعاجم، وسَبِّحُونُ وحَيْحُونُ ودخلة وفُراتٌ خراجي عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى، عُشري عند محمد رحمه الله تعالى.
ما سقي سيحاً ففيه العشر، وما سُقِيَ بغرب أو بدالية ففيه نصف العشر، ولو سقى في بعض السنة سيحاً وفي بعضها بدالية فالمعتبر هو الأغلب. ما يُوجَدُ في الجبال من الثمار ففيه العُشْرُ.
لو كانت له شحَرةٌ مُثْمِرَةٌ في داره لا يجب العشر وإن كانت تلك البلدة عُشْرِيَّة. العشر على الْمُؤَاجر وفي الْمُزارَعَةِ على رَبِّ الأَرض، ولو أعاره من مسلم فعلى الْمُسْتَعِير. وقت وجوب العشرِ عندَ ظُهورِ الثَّمَرَةِ حتى لو باع بعد ظهورِ الثَّمَرَةِ فَالْمُصَدِّقُ إِن شاء أخذَ العُشْرَ مِن البائع وإن شاء
الجزء 1 · صفحة 62
أخذَ مِن الْمُشتري. لو عجل العُشْرَ بعد الزراعة قبل الثبات الأظهر أنه لا يجوز، ولو عجَّلَ العُشْرَ قبل أن يظهَرَ ثَمَرُ النَّحْلِ فكذلك.
مصرف العشر والزَّكاة واحد من عليه العُشْرُ لو أدى إلى فقير بنفسه لا يجوز قضاء، وجاز بينه وبين الله تعالى.
أرض العرب كلها عُشْرِيَّةٌ، وحدها من العُذيب إلى مكة ومن عدن أبين إلى أقصى حجر بمهرة، كلُّ أرض أسلم أهلها طوعاً ورغبة) فهي أرض عُشر. وكل أرضي عنوةً وقهراً وقُدِّمَتْ بين الغانمين فكذلك. وإن تركت على أيدي أربابها فهي خراجية إلا مكة. مدينةُ بَلْخِ صلحِيَّةً ولهذا تركت فيها البيع والكنائس. مدينة بخارا فُتِحَتْ عَنْوَةٌ إلا أنّ في بعض أراضيها العُشْرُ ثَغْرُ سَمَرْقَندَ صلحيَّةٌ أسلم أهلها بغير عَنْوَةٍ. سَمَرْقَندُ فُتِحَتْ عَنْوَةً غيرَ أَنها عُشْرِيَّةٌ أيضاً؛ لأنَّه جُعِلَ حَراجُهم لحفظ النغْرِ، فإذا أدى الخراج يجب أن يؤدي بنية العُشر، ثُمَّ يَنظُرُ إلى فضلِ العُشْرِ على الخراج فيودي.
باب الخراج
الخراج واجبٌ في أرضِ الوقف. حَراجُ الْمُقاطَعَةِ يَجِبُ فِي كُلِّ جَرِيبٍ يَصلُحُ للزراعةِ قفيرٌ مِمَّا يُزرعُ فيها، ودرهم وَزْنُ سَبْعَةِ. أراد بالقفيز الصاع وبقوله: «وزن سبعة» أن يكون كل عشرة منها بوَزْنِ سَبْعَةٍ مثاقِيلَ والْحَريبُ أرض طولها سبعون ذراعاً بذراع ملك كسرى تزيد على ذراع العامَّةِ بقبضة وعرضها كذلك. وفي حريب الرَّطْبَةِ خمسة دراهم. وفي حَرِيبِ الكَرَمِ عَشَرَةٌ. وفي جريب الأرض التي فيها أشجار مثمرة لا يُمكن زراعتها الخراج بقدر ما يطيق ونهاية الطاقة أن يكون الواجب نصف الخارج لا
يزاد على ذلك.
إذا زَرْعَ فَاضْطَلَمَتْهُ آفةٌ سَماوِيَّةٌ لا شيء عليه، ولو تَمَكَّنَ مِن زِراعتها ولم يزرع، فخراجُها في ذِمَّتِه. لو منع السلطان عن الزّراعةِ لم يجب الْحَراجُ رجل له أرض فيها
كُرُومٌ فَقَلَعَ الكُرُومَ وزَرَعَ فيها الْحُبُوبَ، أو له أرضُ زعفران فترك الزعفران وزرع فيها الحبوب فعليه خراجُ الكُرُومِ والزعفران، لكن هذا شيء يُعْرَفُ ولا يُفتى به حتى لا يطمع الظُّلَمَةُ في أموالِ الْمُسلِمِينَ. أرض لا تُطِيقُ خراجَها الموضوع يُنقَصُ ويُؤخذ قدر ما تُطيق، وإن كانت تطبيق زيادة لا يزاد عنه عند أبي يوسف خلافاً لمحمد - رحمهما الله تعالى. حَراجُ الْمُقاسَمَةِ هو أن
الجزء 1 · صفحة 63
الإمامَ لَمَّا فَتَحَ البلدةَ مَنَّ على أهلها ووضع على أراضيهم أن يُؤخذ منها نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه. رجلٌ له أرضُ خَراجِ فَعَجَزَ عَن عِمَارَتِها، فالإمامُ يُؤَجرُها مِن غيره ويأخُذُ الخراج، فإن لم يجد من يستأجرها أجبره على البيع، فإن امتنع لا يبيعها الإمام. رجل اشترى أرضاً خراجيّةً وبني فيها فعليه الْخراجُ.
السلطان إذا ترك الخراج على صاحب الأرض وجعلها له قال أبو يوسف ـ رحمه الله تعالى: يجوز، وقال محمد - رحمه الله تعالى: لا، وفي فتاوى أَئِمَّةِ سَمَرْقَندَ أَنَّ الإمام إذا لم يطلب الخراجَ تَصَدَّقَ مَن عليه على الفُقراء. وفي الحملة إذا كان الرجل مِمَّن له حق في الخراج كطالب العلم والقاضي والمُفتي والْمُعلِّم بلا أَجْرٍ والغازي ونحو ذلك يجوز جعله له
السلطان الجائر إذا أخذ الْخراجَ جاز. خوارِجُ غلبوا على أرض وأخذوا الخراج فإنه لا يُثنى عليهم. إذا أدركت الغلة كان للسلطانِ حبسها حتى يستوفي الخراج. من عليه الْخراجُ إذا لم يُؤَدِّ حتى مضت سنُونَ لا يُؤخَذُ لِما مضى. الغاصب إذا كان مُقرا، أو
كانت للمُدَّعِي بينة عادلة فالْخراجُ على المالكِ. ذميٌّ اشترى أرضاً عُشرِيَّةً فعليه الخراج، ولو اشترى منه مسلم فهي خراجيَّةٌ بَعْدُ. أَرضُ السَّوادِ وَالْحَبْلِ خراجيَّةٌ. حَدُّ السَّوادِ مِن عُذَيْبَ إِلى عَقَبَةً حُلْوان ومن
التعلية إلى عبادان. وفي بعض النسخ ذكر مكان الثعلبية ((3)) العَلْث.
رجل اشترى أرضاً فارغةً فإن بقي من السَّنةِ قدرُ ثلاثة أشهرٍ فَالْخراجُ عليه، وإن لم يبق فالْخراجُ على البائع الْخراجُ يُصرَف إلى عِمارة القناطير، والرباطات، والمساجد، وسد الثغور، ورم ما انشقَّ مِن الأَنْهارِ العِظام التي لا مِلْكَ لأحدٍ فيها كَالجيْحُونِ والسَّيْحُونِ والدَّجلَةِ والفُراتِ والنيل، وإلى معلمي الْخَيْرَ وإلى أهلِ الْحِسْبَةِ، ويُصرَفُ إلى أرزاق القُضاة والولاة والْمُحْسِبَةِ والْمُفْتِينَ والْمُتَعَلِّمِينَ، ويُصرّف إلى أرزاقِ الْمُقَاتِلَةِ ورصد الطريق، وإلى غير ذلك مِمَّا يرجع إلى عمارة الدين وإصلاح دار الإسلام والْمُسلِمينَ، فَإِن فَضْلَ شيء يُصرَف إلى جميع المُسلمين، الغني والفقيرُ فيه سواء
باب الْمَعْدِن والركاز
معدِنُ ذَهَب أو فِضَّةٍ أو رَصاص أو صُفْرٍ أو حديدٍ وُجد في أرض الخراج أو العشر ففيه الْخُمس وأربعة أخماسه لمالك الرَّقَبَةِ. رجلٌ وجد في داره معدنا فليس فيه شيء عند أبي حنيفة رحمه
الجزء 1 · صفحة 64
الله تعالى، وإن وجده في أرضه يُحِبُّ فيه الْخُمس في رواية عنه، وهو قولُهما، وإن وجده في أرض غير مملوكة لأحد ففيه الْخُمس وأربعةُ أَخماسه للواجد. رجلٌ وجَد كثراً فيه علامات الإسلام كالْمُصحفِ والدراهم المكتوبة عليها كلمةُ الشَّهادة فهو بمنزلة اللقطة، وإن كانت فيه علامات أهل الشرك كالصَّنَمِ والصَّليب ففيه الْخُمس وأربعة أخماسه للواجد إن كانت الأرض مباحة، ولو وَجَدَ ذلك في دار الحرب ففيه الْخُمُسُ وأربعة أخماسه للمُختط له وهو الذي خصه الإمام بتمليك هذه البقعة من يوم الفتح، فإن لم يُعرف الْمُختط له يُصرَفُ إلى أقصى مالك يُعرَفُ له في دار الإسلام.
وليس في عين القير والنَّفْطِ والملح شيء، وكذا في الجص والنُّورَةِ والياقوتِ والزُّمُرُّدِ واللؤلؤ و الفَيْرُوزَجِ والعَنْبَرِ والزَّيْبَق. لا يسقط الخمس عن الركاز والمعدن وإن
كان واحده مديونا. حربي وجد في دارنا معدناً أو كنزاً يُؤخذ منه كله، مسلم دخل دار الحرب بأمان فوجد في دار بعضهم ركازاً رده عليهم، وإن وجد في صحراء فهو له. خمس المعدن والركاز يُصرف الى اليتامى والمساكين وابناء السبيل. من أصاب ركازاً وسعه أن يتصدق بِخُمُسه على المساكين واليتامى أو على آبائه وأولاده أيضاً، وكذا جاز له أن يضعه في نفسه عند حاجته.
باب مواضع الصدقات
يُصرف العُشْرُ والزَّكاةُ إلى ما نص الله تعالى في كتابه وهو قوله تعالى: (إنما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) إلى آخر الآية. والفقير: الذي لا يَسْأَلُ؛ لأن عنده ما يَكْفِيه لِلْحال. والمسكين: الذي يسأل؛ لأنه لا يجد شيئاً، والعاملين عليها: السُّعاةُ، يُعطونَ ما يكفيهم ويَكْفِي أعوانهم والمؤلفة قلوبهم قوم كانوا من المشركين لَهُم شَوكة، وكان النبي عليه السلام يُعطيهم شيئاً، ويتألفهم على الإسلام ليسلموا، أو يسلم قومهم، وقد سقط سهمهم في صدر خلافة أبي بكر رضي الله عنه ـ بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم ... ومن الْمُؤلَّفَةِ قلوبهم: أبو سفيان بن حرب. وصفوان بن أمية، وعُيينةُ بنُ حِصن الفزاري، وأقرع بن حابس الطائي، وعباس بن مرداس السلمي، وزيد بن الخليل. وفي الرقاب: أراد به المكاتبين. والغارمين: هم الْمَديُونُونَ. وفي
سبيل الله: يُدفَعُ إلى الغازي والفقير. وابنُ السَّبيل: هو الغريب المنقطع عن ماله.
لا يجوز دفعُ الزَّكاةِ والعُشر إلى الزوج ولا إلى الزوجة، ويجوز إلى الأخ والأخت والعم والخال. لو دفع إلى مملوك رجل فقير جاز. لو دفع إلى صبي لا يَعْقِلُ الأَخذَ لا يجوز إلا إذا قبضه
الجزء 1 · صفحة 65
من يقبضُ له. لو دفع إلى ولدِ رجل غني إن كان كبيراً جاز، وإلا فلا. لو دفع إلى فقيرة تحت موسرٍ جاز. إذا دفع زكاة ماله إلى رجلٍ على ظَنِّ أنه فقير أو أجنبي،
فإذا هو غني أو أبوه أو ولده خرج عن العُهْدَة، ولو ظهر أنه عبده لا، وفي المكاتب
روايتان.
لو أدى إلى هاشمي لا يجوز وذلك أن يكون من آل علي ابن أبي طالب، أو آل
عباس بن عبد المطلب، أو آل جعفر، أو آل عقيل، أو آل الحارث بن عبد المطلب رضي
الله عنهم، وكذا لو أدى إلى مُعتَقِهم.
إذا كانت له مننا درهم أو ما
رجل له على فقير مئتا درهم حلت له الزكاة إذا كانت له مئتا درهم أو ما
يساوي قيمته مئتى درهم. فاضلاً: عن مسكنه، وخادمه، وسلاحه، وثياب بدنه، وما يتأثث به في منزله، وكتب العلم إن كان من أهله، وإن كان معداً للتجارة تجب الزكاة. وإن لم يكن معداً لا تجب، لكن تحرم عليه الصدقة المفروضة، ولو كانت له كتب يحتاج للتصحيح والدراسة لا تحرم الصدقة. رجل له طعام أكثر من كفاية الشهر ما يُساوي مئتي درهم لا تَحِلُّ له الزَّكاةُ في قول، وبه أخذ حسام الدين. لو أخذ السُّلطان الأموالَ مُصادَرَةٌ ونَوَى الْمُؤَدِّي الزَّكَاة
قال حُسامُ الدِّين: لا يجوز، وقال شمس الأئمة السَّرَخسِيُّ: يجوز
رجل دفع مئتى درهم من زكاة ماله إلى فقير جاز، والْمُستحبُّ أَنْ يدفع قدر ما يُغنيه عن السؤال في ذلك اليوم. لا يجوز صرفُ الزَّكاةِ إلى أهل الذِّمَّةِ ولا إلى الكلاب والطيور ولا إلى بناء الْخَيرِ، ويُشتَرَطُ التَّمليك، ولا يجوز التغدية والتعشية. ولو دَفَعَ
الزكاة إلى من يعوله بيده يجوز.
باب صدقة الفطر
صدقة الفطر واجبة وليست بفريضةٍ حتى لا يُكَفِّرَ جاحدها؛ لأنَّها ثَبَتَتْ بخبر الواحد. وقت وجوب صدقةِ الفِطْرِ طُلوع الفجر الثاني من يومِ الفِطْرِ. يُستَحَبُّ أَنْ يُؤَدِّيَ قبل أن يُصَلِّيَ الإمامُ صلاة العيد. التعجيل جائز بسنةٍ، أو سنتين لو أَخَرَ لا تسقُطُ قاله الشيخ الإمامُ السَّرَخسِيُّ رحمه الله تعالى.
إذا ملك حرّ مسلم أو حرةٌ مسلمة مئتى درهم، أو ما يُساوي ذلك فاضلاً. مسكنه، وأثاثه
الجزء 1 · صفحة 66
وثيابه وخادمه على نحو ما يُعتبرُ لِحُرمةِ الزَّكاة عليه، تجب عليه صدقة الفطر لأجل نفسه وأولاده الصغار إذا كانوا فُقراء، بخلاف الأم. وتجب على المرء بسبب عبده مسلماً كان أو كافراً إذا لم يكن مُعداً للتجارة. ولا تجب عن مكاتبه ولا عن ولده الكبير إلا إذا بلغ معتوهاً.
لا تجب على الجد الحافد، ولا تجب على الزوج بسبب الزوجة. لو أدى عن ولده الكبير الذي في عياله، أو عن زوجته بغير أمرٍ جاز استحساناً. لو كان عبد واحد بين اثنين لا تجب عليهما صدَقةُ الفِطْرِ عندنا، خلافاً للشافعي ـ رحمه الله تعالى. لو كان عبيد بين اثنين لا تجب صدَقةُ الفِطرِ عليهما عند أبي حنيفة، خلافاً لهما.
العبد إذا عتق بعضه وهو يسعى لا تجب عليه صدقة الفطر عند أبي حينفة. جارية بين اثنين جاءت بولد فادعياه فيكون الولد بينهما، وتجب عليهما عند محمد صدقه فطر واحد، وبه أخذ أبو الليث وعند أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة تجب على كلّ واحدٍ منهما صدقةُ فِطْرٍ عَلَى حِدَةٍ.
الصغير إذا كان غنيًّا فصدقه فطره يكون في ماله، وكذا المجنون، وكذا صدقة عبيدهما يكون في مالهما، يتولى أداء ذلك وليهما. لو مات العبد أو الابن الذي وجبت لأجله صدقة الفطر فإنه لا تسقط صدقة الفطر. لو مات من عليه صدقة الفطر فأدَّى عنه وارثه جاز. المريضُ والمسافرُ والحامل والمرضع لو أفطروا في رَمَضانَ لا تسقط عنهم الفطر. لو اشترى عبدا شراء فاسداً وقبضه ثُمَّ ردَّه فصدَقةُ الفِطْرِ على الْمُشترِي، وفي البيع بشرط الخيارِ صدَقةُ الفِطْرِ على من يستقِرُّ له الملك.
صدقةُ الفِطْرِ نصف صاع من بُرِّ أو زبيب أو صاعٌ من تَمَرٍ أو شعير. إذا أَدَّى رُبُعَ صاع من بُر جيدٍ يُساوي نصف صاع من حنطةٍ وَسَط، أو أربعةَ أمناء من شعير أو تمر يجوز. لو دفع صدقة الفطر إلى الذمي يجوز، وإلى بني هاشم لا.
أداء المنصوص عليه أفضلُ، قاله حُسام الدين، وقيل: أداء القيمة أفضل. ويجوز
أنْ يُعطِي ما يجب عن واحدٍ لجماعة من المساكين، أو أن يُعطِي ما يجب عن جماعة مسكيناً. ولا يجوز الإباحة، وإنما الشرط هو التمليك. ويعطي صدقة فطره حيث هو، ويُكْرَهُ أنْ يبعث إلى موضع آخر إلا إلى ذوي قرابة من ذوي الحاجة. والأفضل أن يؤدِّيَ عن عبيده وأولاده حيث هم عند أبي يوسف وعليه الفتوى، وعند محمد يُؤدِّيَ
حيث هو.
الجزء 1 · صفحة 67
قالوا: في صدقة الفِطْرِ ثلاثة أشياء: قبولُ الصَّوم، والفلاح، والنَّجاة من سكرات
الموت وعذاب القبر.
كتاب الصوم
أبوابه عَشرة: في نية الصوم، فيما يُفسد الصوم، فيما يكون عُذراً في الإفطار، فيما يُكْرَهُ للصَّائم، في الصياماتِ الْمَنهِيَّةِ، في وُجوب القضاء، في وجوب الكفارة، في الشهادة على رؤية الهلال، فيما يوجب الرجلُ على نفسه في الاعتكاف.
باب نية الصوم
لو نوى قبل أن تغيب الشمس أن يكون صائماً غداً من رمضانَ لم يُجْزِهِ ما لم ينوِ قبل انتصاف النهار عندنا، وكذا كل صوم واجب بعينه. صومُ النَّفْلِ تجوز نيته قبل
انتصاف النهار بالاتفاق.
الصحيحُ المقيم إذا نوى في رَمَضانَ عن واجب آخر يقع عن رمضان، وكذا المريض المقيم في أصح القولين. المسافر لو نوى في رَمَضانَ عن واجب آخر يقعُ عمَّا نوى، خلافاً لهما. لو قال: نويتُ أن أصوم غداً من رمضان إن شاء الله تعالى أَجْزَاهُ استحساناً، وبه أخذ شمس الأئمة الحَلْوَائِيُّ رحمه الله تعالى.
إذا نوى الصوم في الليل ثُمَّ أُغْمِيَ عليه أو جُنَّ فصومه معتبر. لو قال: «إن كان غداً من رَمَضانَ فأنا صائم عن رَمَضانَ، وإن كان غداً من شَعْبَانَ فَأَنا غيرُ صائم» ثُمَّ تبيَّن أنه من رَمَضانَ لم تُجْزِهِ تلك النية، ولو قال: «إن كان غداً من رَمَضانَ فأنا صائم عن رمضان، وإن كان غداً مِن شَعْبَانَ فعن واجب آخر» ثُمَّ تبيَّن أَنَّه من شَعْبَانَ لم يقع عن الواجب. لو نوى التَّطوعَ وقضاءَ رَمَضانَ قال أبو يوسف ـ رحمه الله تعالى ـ يقع عن القضاء، وقال محمد ـ رحمه الله تعالى: يقعُ عن التطوع.
باب ما يُفسد الصوم
الأكل والشرب والجماع ناسيا لا يُفسد الصوم. لو سبق الماء خلقه حالة المضمضة والاستنشاق يفسد صومه، كذا إذا جُومِعَتْ وهي نائمة. إذا قاء أقل من ملء فيه فعاد بعضه إلى جوفه أو أعاده لم يَفْسُدْ صومه، وإن فَلَسَ ملء فيه فعاد بعضه إلى جوفه لم يَفْسُد، وإن أعاده فَسَدَ. لو تقيأ ملء فيه فَسَدَ سواء عاد أو لم يعد، وإن كان أقل من ملء فيه. عند محمد ـ رحمه الله تعالى
الجزء 1 · صفحة 68
- يفسد، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا. إذا ابتلع شيئاً بين أسنانه لا يفسد صومه إلا إذا كان قدر الحِمصَةِ فصاعداً. لو أخذ سمسمة ومضغها وأكلها لا يفسد؛ لأنها تتلاشى فلا يصل إلى جوفه منها شيء. إذا لَمَسَ امْرَأَةٌ بشهوة فأمنى يفسد صومه كذا إذا استمنى بالكف. لو أصبح جنبا لا يُفسد صومه، كذا إذا نَوَى الفِطْرَ وعَزَمَ عليه.
الصائم إذا أصابه السَّهُمُ فطار منه لا يفسد صومه. ولو ضُرِبَ بدانگ سنگ وبقي في جوفه أو طار منه يَفسُدُ لو دخل الغبار أو الذُّبابُ أو طَعْمُ الأدوية في جوفه لا
يفسد، ولو طار في خلقه تلج أو مَطَر دون الثلاث ذكر في الفتاوى أنه لا يفسد، وقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى:: يفسد
الجائفة أو الأمة إذا داواهما بدواء يابس لم يَفْسُدُ وإِن داواهما بدواء رَطْب يفسد، وقال أكثر المشايخ العبرة للوصول إلى الجوف، لا للرطب واليابس. إذا صب الماء في أذنه الأصح أنه لا يفسد، ولو صب الدُهنَ يفسد المرأة إذا جعلت القطنة في قبلها
إن انتهت إلى الفَرْجِ الدَّاخِلِ و هو رَحِمُها انتقض صومُها.
باب ما يكون عذراً في الإفطار
من سافر بعد ما أصبح في أهلِه يُكْرَهُ له الإفطار. رجل خاف إن لم يُفْطِر يزداد عيناه وَجَعًا، أو حُمَّاه شِدَّةً يباح له الإفطار. وهذا إنَّما يُعرَف باجتهاده، أو بقول طبيب حاذق. أَمَةٌ أفطرتْ في رَمَضانَ متعمدةً لضَعْف أصابَها من عمل السيد من طبخ أو غيره كان واسعاً وقضته. وللمملوكِ أن يمتنع عمَّا يُعجزه عن أداء الفرائض.
إذا دخل على بعض إخوته وسأله أن يُفطِرَ لا بأس بذلك في التَّطوع، بخلاف قضاء رَمَضانَ. رجلٌ قال: «الله عليَّ أنْ أصومَ أبداً فضَعُفَ عن الصوم لاشتغاله بالمعيشة كان له أنْ يُفطِرَ فَيُطعِمُ لكلّ يوم نصف صاع من الحنطَةِ. رجلٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِحالٍ إِنْ صام صلى قاعداً، وإن أفطر صلّى قائماً، فإنَّه يصوم ويصلي قاعداً. رجل نظر إلى صائم يأكل ناسياً، فإن كان بحال يُضْعِفُهُ الصَّومُ وإذا أكل يتقوَّى به
على سائر الفرائض يَسَعُهُ أن لا يُخبره. العاصي في سفره يباح له الفطر وقصر الصلاة والمسح ثلاثة أيام. وعن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى ـ أنه كره الصوم في طريق مكة.
باب ما يُكْرَهُ للصَّائم
الجزء 1 · صفحة 69
يُكْرَهُ مَضغ العِلْكِ للصَّائم. لا بأس للمرأةِ الصَّائمةِ أن تَمْضَغَ لِصبيها أو للمريض طعاماً إذا لم تجد منه بدا. يُكْرَهُ أنْ تذوق الْمَرْفقةُ بلسانها. يُكْرَهُ أنْ يذوق الرَّجلُ الدُّهْنَ أو العسل عند الشراء للاختيار. لا بأس بالسواك الرطب واليابس للصائم بالغداة
والعشي.
لا بأس بأن يستنقع في الماء ويصبه على وجهه ورأسه يُكره أن يمضمض لغير
الوضوء.
يُستحب تعجيل الإفطار إلا في يوم الغيم، ويُستحب تأخيرُ السُّحُور، لا تصوم المرأة تطوعاً " ولا ما وجب بفعلها إلا بإذن زوجها، ولا المملوك إلا بإذن السيد. لا يصوم الأجير تطوعًا إلا بإذن المستأجر إن كان الصومُ يَضُرُّ بالخدمة. الحائض إذا طهرت في نهار رمضان، أو الصبي يبلغ، أو الكافِرُ يُسْلِمُ، أو المسافرُ يُقِيمُ، فإنه يتشبه بالصائمين، ولو كانت طاهرة في أول النهار ثم حاضت لم يجب التشبه. وينبغي أن يكون أكلها مخفيا.
باب الصياماتِ الْمَنهِيَّة
يُكْرَهُ الصَّومُ يومَ الشَّك بنية الفرض أو واجب آخر، ولو صام بنية التطوع لا يُكْرَهُ، بل الأفضل أن يصوم عندنا، كذا ذكره شمس الأئمةِ السَّرَخسِيُّ - رحمه الله تعالى، حتى لو تبين أنه من رمضان جاز عنه. وقال الإمام الإسبيجابي - رحمه الله تعالى:: يصبح الناس يومَ الشَّك غير اكلين ولا عازمين على الأكل إلا إذا كان صائماً قبل ذلك فوصل
يوم الشك: به فلا بأس، وقال فخرُ الإسلامِ البَزْدَوِيُّ وحُسام الدين - رحمهما الله تعالى: إن وافق ذلك صوماً كان يصومه قبل ذلك فالصومُ أفضل، وإن لم يوافق يُفتى بالصومِ عن التطوع في حق الخواص، وفي حق العوام يُفتى بالتَّلَوُّمِ والانتظارِ إلى وقتِ الزَّوالِ.
صومُ الوِصال لا بأس به إذا أفطر في الأيام المنهية. صوم يوم النيروز لا يُكره غير
أنه إذا كان يصوم قبله تَطَوُّعاً فالصَّومُ أفضل و إلا فالفِطْرُ أَفضلُ. يُستَحَبُّ أَنْ يصوم قبل يوم عاشوراء يوماً أو بعده مُخالفةً لأهل الكتاب.
باب وجوب القضاء
إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافِرُ قبلَ الزَّوالِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ونَوَى الصَّومَ ثُمَّ أَفطَر ليس عليهما القضاء. إذا أغمي عليه في رَمَضانَ كُلِّهِ عليه القضاء، بخلاف ما إذا جُنَّ في رَمَضانَ كُله.
الجزء 1 · صفحة 70
إذا بلغ الصبيُّ مُفِيقًا ثُمَّ جُنَّ ثُمَّ أفاق في بعض الشَّهْرِ يَلْزَمُهُ القَضَاءُ، بخلافِ ما إذا بلغ مجنونًا ثُمَّ أفاق في بعض الشهر. إذا تَسَخَّرَ وأكبر رأيه أَنَّ الفَجْرَ طَالِعٌ يُسْتَحَبُّ أن يقضي ولا تجبُ الكَفَّارة.
إذا شرعت في صوم التطوع ثُمَّ حاضت قضت المريض أو المسافر إذا استدام مرضه
أو سفره حتى مات لا قضاء عليه، وإن صح المريض أيامًا ثُمَّ مَرض لزمه القضاء بقدر ما صح، وإن مات قبل أن يصوم عليه أن يُوصي بأن يُطِعِمَ عنه لكل يوم مسكينا، ويُعتبر من
الثلث، وإن لم يوص وتبرعتِ الورثة جاز. لو غَدَّوْا أَو عَشَوا فقيراً من كلِّ يومٍ جاز. من أفطر بعذر ثُمَّ قدر على القضاء فعليه القضاء على التراخي، وعن محمد ـ رحمه الله تعالى - أنه يأثم بالتأخير. إذا ارتد بطل صومه ولا يلزمه القضاء إذا أسلم. في قضاء رَمَضانَ إذا نوى القضاء لا غير جاز وإن لم يُعَيِّن اليوم الأول والثاني بخلافِ غير رمضان.
باب ما يوجب الكفارة
إذا جامع في الدبر عليه الكفّارة، ولو جامع مُكْرَها أو جامع بهيمة لا كفارة عليه بل القضاء. إذا أكل الملح وحده لا كفارة عليه، كذا إذا أكل بزاق نفسه أو غيره بعد ما أخرجه من فيه، كذا إذا مضغ لقمةً ثُمَّ أخرجها ثُمَّ أَكلها. لو ابتلع سمْسِمَةٌ من غير مضغ المختارُ أنْ تَجبَ الكفارة.
لو أكل الحبق في الابتداء أو أكل لَوْزَةً رَطْبَةً أو طينًا أو أكل إهْلِيلَجا أو دواء أو شحما أو لحما غير مطبوخ أو ميتةً قبل أن يُدَوِّدَ ويُنين عليه الكفارة. إذا أكل أو جامع ناسياً ثُمَّ أكل متعمداً لا كفارة عليه عند أبي حنيفة وإن علم أن ذلك لا يُفطره. إذا نوى الصوم قبلَ الزَّوالِ ثُمَّ أفطر متعمداً لا كَفَّارة عليه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
إذا جامع متعمدا ثُمَّ مرض مرضاً يبيح له الفطر أو حاضت المرأة أو مرضت بعد ما جُومِعَتْ طائعة لم تجب الكفارة. رجلٌ نوى السَّفَرَ في رمضان وهو صائم فقبل يخرج من العُمْرانِ أكل عليه الكفارة. إذا أفطر في صوم القضاء لا كفارة عليه. إذا أفطر في رَمَضانَ مِراراً تكفيه كفارة واحدة، كذا لو أفطر في رمضانين، وهو الأصح، ولو أفطر ثُمَّ كَفْرَ ثُمَّ أفطر فعليه كَفَّارةً أُخرى.
كَفَّارة الإفطار إعتاق رَقَبَةٍ بنيةِ التَّكفير، فإن لم يقدر فصوم شهرين متتابعين، فإن م يستطع فإطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مسلم أو ذمي نصف صاع من حنطة أو صاح من تَمَرٍ أو شعير،
الجزء 1 · صفحة 71
ويجوز فيه طعامُ الإباحةِ بالتَّغْدِيَةِ والتَّعْشِيةِ، ويجوز فيه غَدَاآنِ وعَشَاآنِ من يومين ويجوز سُحُورٌ وعَشاء عن يوم.
باب الشهادةِ على رؤية الهلال
إذا كانت بالسَّماء عِلَّةٌ من سَحاب أو غُبار أو دُخانٍ تُقبَلُ على هلال رَمَضَانَ شهادة عدل واحدٍ مسلم رجلاً كان أو امرأة أو عبداً أو أمةً أو محدوداً في قَذف تائباً. ولا يشترط لفظةُ الشَّهادةِ. ولو شهد عدلّ على شهادة عدل جاز. ولو كانت السماء صافية مصحيَّةٌ إن كان الشاهد جاء من خارج المصرِ أو مِن مكانٍ مُرْتَفِعِ تُقبَلُ شَهادَةُ عَدْلٍ أيضا، وإن لم يكن كذلك لا تُقبَلُ إلا شهادة قومٍ يقع العلم يخبرهم، والفطر والصومُ فيه سواء، قدر ذلك أبو يوسف - رحمه الله تعالى - بخمسين رجلا، وقال خلف بن أيوب ـ رحمه الله تعالى: خمس مِئَةٍ بَلْخ قليل، والأولى أن يفوض إلى رأي القاضي. وفي هلال الفطر والأضحى إن كانتْ بالسَّماءِ عِلَّةٌ لا تُقبل إلا شهادة رجنين أو رجل وامرأتين، تُشترط فيهم الحرية والعدالة، وأن لا يكونوا محدودينَ في قَذْفٍ، فَإِنْ لم تكن بالسماء علةٌ تُشترط شهادة جمع كثير على ما ذكرنا.
إذا رأوا هلال الفِطْرِ في النَّهارِ أتمُّوا صومَ ذلك اليوم، ولو أفطروا تلزمهم الكفارة. إذا شرعوا في صومِ رمضان بشهادة واحدٍ لم يُفطروا إذا صاموا ثلاثين يوماً ولم يروا هلال شوال حتى يصوموا يوماً آخر، ولو شرعوا في الصوم بشهادة رجلين لهم أن يُفطروا أهل بلدة صاموا للرُّؤية ثلاثين يوماً، وأهل بلدةٍ أُخرى تسعة وعشرين
يوماً للرؤية فعلى هؤلاء قضاء يوم إلا إذا كان بين البلدتين تباين بحيث تختلف المطالع. رجل رأى هلال رمضان برستاق ليس هناك قاض ولا وال ولم يأتِ المصر ليشهد فعليهم أن يصوموا بقول هذا الرجل إذا كان ثقةً، وكذا إذا شهد عدلان على هلال شوال لا بأس بأن يُفطروا، كذا ذُكِرَ في «النوازل». إذا رأوا الهلال يُكْرَهُ أنْ يُشيروا إليه؛ لأنَّه من عَمَلِ الجاهلية. الإمام إذا رأى هلال شوال وحده ليس له أنْ يأمرَ النَّاسَ بالخروج إلى المصلى. إذا رَأَى هِلَالَ رَمَضانَ وحده
وشهد وردَّ القاضي شهادته عليه أن يصوم ولو أفطر لم تلزمه الكفارة كره مجاهد - رحمه الله تعالى ـ أن يقول رجل جاء رَمَضانُ وذهب رَمَضانُ، وبه أخذ أبو الليث ـ رحمه الله تعالى، وقال الشيخ الإمام السَّرَخْسِيُّ ـ رحمه الله تعالى: الذي عليه عامة مشايخنا أنه لا يُكْرَهُ.
باب ما يُوجب الرَّجلُ على نفسه من الصومِ
الجزء 1 · صفحة 72
إذا قال: لله عليَّ أن أصومَ يومَ الجُمُعَةِ أو الخميس فعجله جاز، بخلاف قوله: «إذا جاء يوم كذا فعليَّ أن أصوم». رجل أراد أن يقول: «لله عليَّ صوم يوم» فجرى على لسانه «صوم شهر» لزمه صومُ شهرٍ. لو قال: «لله عليَّ صومُ شَهْرٍ يَلْزَمُه صومُ شهرٍ كامل، إن شاء تابع وإن شاء فرَّق، ولو قال: «صومُ الشَّهْرِ» يَلْزَمُه بَقِيَّةُ الشَّهْرِ.
إذا قال: «لله عليَّ أنْ أصومَ اليومَ الذي يَقْدَمُ فيه فلان» فقدم فلانٌ قبلَ الزَّوالِ في يوم أكل فيه أو حاضت لا شيء عليه عند محمد ـ رحمه الله تعالى، وهو المختار، وعن
أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه يجب القضاء، ولو قدم بعد الزوال لا شيء عليه.
قوله: پذير فتم ک فلان روز روزه دارم نَذر به أفتى القاضي الإمام محمود بن عبد العزيز الْمَرغيناني – رحمه الله تعالى إذا نذر أن يصوم شهراً بمكة فصام في مكان آخر جاز،
خلافاً لزُفَرَ رحمه الله تعالى. إذا نذر أن يصوم كذا ما عاش ثُمَّ كَبُرَ وضَعُفَ يُطعِمُ
مكان مسكيناً مسلماً كان أو ذميًّا، فإن لم يقدر لعُسرته استغفر الله. إذا نذر صيام
الجُمُعَةِ مدة عمره أو سنته ونحو ذلك وهو يعلم أنه يشق عليه في أيام الربيع والصيف
فسبيله أن يصوم بحساب ذلك في زمانِ الخريف أو الشتاء من قبل. إذا نذر أن يصوم يومي العيدين أو أيام التشريق صح ويفطر ويقضي.
لو شرع في صومِ يوم العيدِ لا يَلزَمَهُ الْمُضِيُّ. إذا شرع في صوم على ظنّ أنه عليه ثُمَّ تبيَّن أنه ليس عليه لا يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ، ولا القضاء عند الإفساد، وقيل: ذكر في الجامع الصغير أنه لو مضى فيه قبلَ الزَّوالِ ثُمَّ أفطر لَزِمَهُ القضاءُ. إذا قال: «والله لأصوم غدا» ولم يصم لا قضاء عليه، وكَفِّرَ عن يمينه. وإذا قال: «الله على صوم الأيام» ولا نية له، فعليه صِيامُ عَشَرَةِ أيام، وعندهما سَبْعَةِ أيامٍ ولو قال: «صومُ أيام البيض) لزمه ثلاثة أيام، ولو قال: «صومُ بِضْعَ عَشَرَ» لزمه ثلاثةَ عَشَرَ.
باب الاعتكاف
ذكر في التجريد الاعتكاف سنة مشروعة، وذكر شمس الأئمة السَّرَخسِيُّ ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قربة مشروعة. اعتكافُ النَّفْلِ يجوز بغير صوم، وهو غير مقدر بشيء. والاعتكاف الواجب لا يصح إلا بالصومِ. إذا أراد إيجاب الاعتكاف ينبغي أن يذكر بلسانه، ولا تكفي لإيجابه النية، كذا نُقِلَ عن شمس الأئمة الحَلْوَائِي.
الجزء 1 · صفحة 73
الاعتكاف في المسجد الجامع أفضلُ إذا كان يُقام فيه الصلاة بالجماعة، ثُمَّ في
مسجد حيه. ولا يصح الاعتكاف في مسجدٍ لا يُقام فيه الصَّلاة بالجماعةِ مُدَّة سنة.
وتعتكف المرأة في مسجدِ بيتها وهو الموضعُ الْمُعَدُّ لصلاتها، فإن اعتكفت في مسجد جماعة جاز، ولا ينبغي أن تعتكف إلا بإذنِ الزَّوج. لا يخرج المعتكف إلا لبول أو غائط أو إلى جُمُعَةٍ أو إلى مسجدٍ آخر إن انْهَدَمَ، مسجده، أو أخرجه السلطان كرهاً، فإن خرج بغير ذلك من أكل أو شرب، أو عيادةٍ فسَد اعتكافه، وقالا ـ رحمهما الله تعالى: ما لم يكن أكثرَ النَّهارِ خارِجًا لا يفسد. الجماع عامداً أو ناسياً يُفسد، كذا المُباشَرَةُ مع الإنزال. إذا نذر اعتكاف شهرٍ
يلزمه متتابعاً وتعيين الشهر إليه، لو نذر اعتكاف شهر معين فعجله جاز خلافاً لمحمد رحمه الله تعالى.
إذا أوجب اعتكاف أيام العيدِ والتشريق قضاه في أيام أخر، وإن اعتكف فيه أَجْزَاهُ أساء. إذا نذر اعتكاف ليلةٍ لم يصح. إذا أوجب اعتكاف شَهْرٍ رَمَضان فلم يعتكف حتى دخل رَمَضانُ قابل فاعتكف اعتكاف شَهْر لم يُجْزِهِ. ولو نذر اعتكاف شَهْرٍ فمات يُطْعِمُ عنه وارثه لكلّ يومٍ نصف صاع من بُرِّ أو صاعاً من تَمْرٍ أو شعير إن أوصى، وإن لم يُوص وأدَّتِ الورثة ذلك جاز. ولو نذر اعتكاف شهر وهو مريض فلم يبرأ حتى مات لا شيء عليه، وإن صح يوماً ثُمَّ مات أطعم عنه من جميع الشَّهْرِ.
إذا نذر اعتكاف ليلتين دخلت فيه الأيام والليالي، فيدخل المسجد قبلَ غُروب الشمس ويخرجُ بعدَ الغُروب من اليوم الثاني. يُكره الصَّمْتُ في الاعتكاف، ويُسْتَحَبُّ الذكر، ولا بأس بالأكل والشُّرْبِ والتَّحديث بما لا إِثْمَ فيه، والنوم في المعتكف. لا بأس للمعتكف أن يتزوج أو يبيع أو يشتري لنفسه، لكن لا يُحضر السِّلْعَةَ في المسجد. لو نذر عبد اعتكافاً صح نذره، وللمولى منعه، إلا إذا كان مكاتباً. كرة أبو حنيفة ـ رحم الله تعالى ـ مُجاوَرَةَ المسجد الحرام، وقال صاحباه: لا يُكْرَه؛ وعليه عمل الناس اليوم.
كتاب الحج
أبوابه أربعة عشر: في وجوب الحج، في الإحرام، في ترتيب أفعال الحج، فيمن يحج عن غيره، فيمن جاوز الميقات، في جَزاءِ الصَّيدِ، في الخَلْقِ وقلم الأظفار، في التطيب، في اللبس، في الجماع، في الإحصار، في الطواف، في الوقوف، في المتفرقات.
الجزء 1 · صفحة 74
باب وجوب الحج
قال ـ رضي الله عنه -: لا يجب الحج في العُمر إلا مرة واحدة؛ لأن سببه البيت وإنه لا يتكرر. لو حج مرةً ثُمَّ ارتدَّ ثُمَّ أسلم لزمته أخرى إذا استطاع. لا حج على الأعمى والمقعد وإن وجد قائِداً عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى، لكن يجب في ماله. الاستطاعة شرط وهو أن يكون عنده فضل على المسكن والخادم وأثاث البيت وثيابه وقضاء ديونه قدر ما يَكْتَرِي به شِقَ مَحْمِل أو مركبَ راحِلَةٍ وقدرُ النَّفَقَةِ ذاهباً وجائياً. وأَمْنُ الطَّريقِ غالباً شرطُ الوُجوب عند بعضهم، وقيل: هو شرط الأداء.
الْمَحْرَمُ في حق المرأةِ شرط الوُجوب، إذا كان بينها وبين مكة مسيرة سفر.
وصفةُ الْمَحْرَمِ أنْ يكونَ عاقلاً بالغاً لا تَحِلُّ مُناكَحَتُها على التأبيد وهو بحال يُؤْمَنُ عليها.
والفاسق لا يصلح محرماً، كذا الْمُراهِقُ. إذا لم يكنْ لَهَا مَحْرَمٌ لا يجب عليها أن تتزوج ليصيرَ لَها مَحْرَماً.
المملوك لو حجَّ ثُمَّ عَتَقَ أو الصبيُّ إذا حجَّ ثُمَّ بلغ لزمه ثانياً إذا استطاع، بخلاف الفقير البالغ. الحج يجب وجوباً مضيَّقاً، هو المختار، إلا أنه إذا أدى في آخر عُمره يرتفع الإثم. المريضُ إذا قال: «إن برأتُ من مرضي هذا فلِلَّهِ عليَّ أن أحجَّ فبرى وحجَّ جاز عن حجة الإسلام. إذا قال: «لله عليَّ مئة حجةٍ يلزمه كلُّها؛ لأن ما لا يقدر عليه المرأ يظهر أَثَره في حقٍّ وُجوب الإيصاء عند الموتِ. لو قال: «الله عليَّ حجة الإسلام مرتين» لا يلزمه شيء؛ لأن حجة الإسلام واحد.
باب الإحرام
الذي لم يَحُجَّ إذا أطلق نية الحج يقعُ عن الفرضِ. الإحرام شرط عندنا، وعند الشَّافِعِي - رحمه الله تعالى رُكن، حتى لو أحرم في غير أشهر الحج جاز، خلافاً له. وأَشْهُرُ الحج: شوال وذو القعدةِ وعَشر من ذِي الحِجَّةِ. تفسير الإحرام: أن ينوي بقلبه العُمْرَةَ أو الْحَجَّةَ على حَسْبِ ما أرادَ، والذكرُ باللِّسانِ أحوط وليس بلازم.
المُحرِمون أنواع أربعة: مُفرِدٌ بالعُمْرَةِ، ومُفرِدٌ بالْحَقِّ، وقارن، ومُتمنع، فَالْمُفَرِدُ بالعُمْرَةِ: أن ينوي بقلبه إحرام العمرة، ويذكر بلسانه، وهو الاحتياط، وليس بلازم، ثُمَّ يُلبي إلى أن يستلِمَ الْحَجَرَ الأسود، وهو أن يقول: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ
الجزء 1 · صفحة 75
لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».
والرُّكنُ في العُمْرَةِ الطُّواف بالبيتِ سَبْعاً، والواجب فيها السَّعي بين الصفا والْمَرْوَة. فإذا طاف وسعى فقد تمَّت عُمْرتُه، فيَحْلِقُ ويتحلل. وعامة السنة وقت العُمْرَةِ إلا أنه يُكْرَهُ في يومِ عَرَفَةَ وأَيامِ النَّحْرِ والتَّشرِيقِ. وأمّا المُفرِدُ بالحج: أن ينوي بقلبه إحرام الحج ويذكر بلسانه، وذلك للاحتياط، ثُمَّ يُلبي.
والرُّكنُ في باب الحج شيئان: الوُقوفُ بِعَرِّفات يومَ عَرَفَةَ بَعدَ الزَّوالِ وإِنْ قُلْ إلى انفجار صبح يوم النَّحْرِ، وطوافُ الزِّيارة في أول يوم النحر بعد الزوال. واجبات الحج خمس: الوُقوفُ بِمُزدلفة، ورمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة،
وطواف الصدر على الراجع دون المكي، والحلق أو التقصير. والقارِنُ من ينوي بقلبه إحرام الحج والعُمرَةِ معاً، ويذكر بلسانه، وذلك أحوط، ثُمَّ يلبي، فإذا أحرم على هذا الوجه صار مُحْرِماً لإحرامين، حتى لو جَنَى يَلْزَمُه جَزَاآنِ لوجود الجناية على إحرامين.
والمتمتع من ينوي إحرامَ العُمرَةِ بقلبه، ويَذكُرُ بلسانه، وذلك أحوط، ثُمَّ ِّيلبي
فإذا تمت عُمرتُه يَنوِي إحرام الحج قبل أن يُلم بأهله إلماماً صحيحاً أي رجوعاً
صحيحاً.
رجل قلد بَدَنَةً تطوعاً أو نذراً أو جزاء صيد وتوجه معها يُريدُ الحج فقد أحرم وإن لم يلب ولم يأتِ بذكر يقوم مقام التلبية، ولو بعث بها ثُمَّ توجه. لم يكن مُحْرِماً حتى يلحقها فيصير فاعلاً فعلَ الْمَناسِك وهو سَوْقُ الْهَدْي، إلا في بَدَنَةِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّه مُحرم قبل أن يلحقها. لو قلد شاةً وتوجه معها يُرِيدُ الحج لم يكن محرماً، وتفسير التقليد أن يربط على عُنُقِ بَدَنَةٍ قِطْعَةَ نَعْلٍ، أو عُرْوَةَ مَزادَةٍ. وإِنْ حَلَّلَ بَدَنَةً أَو أَشْعَرَها أَي طَعَنَ بِالرُّمْحِ في أسفل السَّنامِ من قبل اليسار وتوجه معها لم يكن مُحْرماً. رجل توجه يريد الحج فأغمى عليه فأهل عنه أصحابه أجزأه وكذا لو طافوا به حول البيت ووقفوا بعرفات ومُزْدَلِفَة ووضعوا الجمار في يده ورموا بها وسعوا به بين الصفا والمروة. يُكْرَهُ الإحرام قبل دخول أشهر الحج، فإذا دخلت فإن عجل من الإحرام فهو أفضلُ إلا إذا خاف أنه لا يمكنه الاتقاء عن محظورات الإحرام.
باب ترتيب أفعال الحج
الجزء 1 · صفحة 76
ترتيب أفعال الحج على حسب ما اعتاده العِراقِيُّونَ وَالْخُراسانيونَ وَالْمَاوَراء النَّهْرِيُّونَ بحكم الضرورةِ. قال - رضي الله عنه: إذا انتهى الرجلُ إلى ذاتِ عرق يتطهر بالغسل أو الوضوء احتراماً لهذه العبادة، والغُسلُ أفضلُ، ثُمَّ يَنزِعُ عنه المحيط، ويلبَسُ ثوبين جديدين أو غسيلين: إزاراً ورداء، والجديدان أفضلُ، ثُمَّ يَدْهِنُ بِأَي دُهْنٍ شاء مُطَيِّب أو غير مُطَيَّب، ثُمَّ يصلي ركعتين ويقول في دبر صلاته «اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، ثُمَّ يُلبي رافعاً صوته، والمرأة لا ترفع صوتها بالتلبية.
ويتقي محظورات إحرامه من قتلِ الصَّيدِ والدَّلالة عليه، والإشارة إليه، والجماع، وما كان من دواعيه كالتقبيل، والْمُلامَسَةِ والرَّفَثِ وهو ذكر الجماع بحضرة النساء، ولبس المخيط إلا في حق المرأة، فإنه يجوز لها ذلك.
ويحترز عن ستر الرأس بالقلنسوة والعِمامَةِ ونحو ذلك، ولا يلبس الخفين إلا أن يكونا مقطوعين أسفل من الكعبين، ولا ثوباً مصبوعاً بعصْفُرٍ أو زعفران أو غيره مما يُطيب به إلا أن يكون قد غُسل بحيث لا تُوجد منه رائحة طيبة، كذا لا يتطيب، ولا يَتَزيَّن، ولا يَشمُ الفواكه التي لها رائحة طيبة، ولا يُزيل الشَّعَثَ، ولا يحلق الشعر، ولا يقُصُّ الشارب، ولا يُقَلِّمُ الأظفار، ونحو ذلك مما يرجع إلى الارتفاق، ولا بأس بالغسل. ويُكثر من التلبية بالأسحار، وكلما علا شرَفاً، أو هَبَطَ وادِياً، أو رَأَى رُكْباناً فإنه يُلبي. فإذا وصل عرفات - جرت العادة اليوم أنهم يمكنون إلى يومِ عَرَفَةَ ـ يغتسل الحاج أو يتوضأ، والغسل أفضل؛ لأنه أكمل الطهارتين. ثُمَّ يَصعَدُ الإمام المنير ويُؤَذِّنُ المؤذِّنُ للصلاتين بين يدي المنير، ثُمَّ يشرع الإمامُ الخطبة ويخطب الخطبتين يجلس بينهما جَلْسَةً خفيفة كما في الجُمُعَةِ، يُعلِّمُ الناسَ أُمور المناسكِ، ويُلبي في هذه الخطبة، فإذا فرغ من الخطبة يقيم المؤذن فيصلي بهم الإمامُ الظُّهْرَ ثُمَّ يقيم المؤذن للعصر ولا يؤذن فيصلي بهم الإمام العصر في وقت الظهر من غير أن يشتغل بينهما بالتطوع لِحَرِّيانِ التَّوارُثِ به. ثُمَّ إنهم يحملون أثقالهم ويركبون ويقفون ساعةً. القبلة مستقبلي ويسيرون ساعة ويُلبون، هكذا دأبهم إلى غُروبِ الشَّمس، وفيما بين ذلك يُحمدون الله تعالى ويثنون عليه ويهللون ويُكبرونَ ويُصلُّونَ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ويسئلونَ حَوائِجهم. ثُمَّ يذهبون إلى مُزْدَلِفَةً، ويُؤَخِّرُونَ المغرب إلى حين دخول وقتِ العِشاء فيصلُّونَ المغرب مع العشاء الآخِرَةِ بِمُزْدَلِفَةَ بأذان وإقامةٍ عندنا، ثم يستعِدُّونَ الحمار التي يُرْمَى
الجزء 1 · صفحة 77
بها، ثُمَّ يبيتون ثمة، ثُمَّ إذا انفلق الصُّبحُ في يوم النحر يصلون الفَجْرَ بغَلَسٍ، ثُمَّ يخرجون إلى الْمَشْعَرِ الحرام وهو موضعُ القِيامِ، ويقفون حتى يُسْفِرَ، وَالْمُزْدَلِفَةُ كلُّها موقِفٌ إلا بَطْنَ مُحَسرٍ
ثم يأتون إلى منى قبل طلوع الشمس أو حين طلوعها أو بعدها كيف يتيسر، ويَمُرُّون على الجمْرَةِ الأولى والوسطى ولا يرمون شيئاً، فإذا انتهوا العقبة يرمُون جَمْرَة العقبة سبع حصيات بِمثلِ حَصَى الْخَذْفِ مِن الأَسفلِ إلى الأعلى، ويقطعون التلبية عند أول حصاة يرمونها، ويُسَمُّونَ عندَ كلِّ حَصاة يرمونها رغماً للشيطان وحزبه، فإذا رمى الحاج الجمار لا يقومُ للدُّعاء، بل يرجع إلى منزله بمنى، ثُمَّ يَحلق أو يُقصِّرُ، والحلق أفضل، إلا في حق المرأة فإنها لا تَحْلِقُ بل تُقصر، والتقصير أن يُؤخذ من رؤوس الشَّعْرِ قدرُ المُلَةٍ. فإذا فعل ذلك حَلٌّ له كلُّ شيءٍ إلا النساء، ولا يجب عليه الدَّم إذا لم
يكن قارناً ولا متمتعاً ولا جانياً على إحرامه، ولو ذبح كان أفضل. ثُمَّ إنه يدخل مكة ويأتي المسجد الحرام، ويأتي الحجر الأسود فيستلمه، وهو أن يضع كفيه عليه ويرفعهما ويُقبلهما، وإن لم يُمكنه ذلك من غير إيذاء أحدٍ يشير بكفيه نحو الْحَجَرِ الأسود كأنه يضع يديه على الْحَجَرِ ثُمَّ يقبلُ كَفَّيه، ويستلِمُ الرُّكن اليماني وهو أدب ولا يقبله في أصح الأقاويل، ثُمَّ يأخذ بالطواف، وهو طواف الزيارة والركن من الجانب الأيمن على باب الكعبة، فيطوف سبعة أشواط ما وراء الْحَطيمِ مِن الْحَجَرِ الأسود إلى أن ينتهي إليه شوط واحد وكلما مرَّ على الحَجَرِ يستلمه، ويَرْمُلُ في الثلاث الأول يعني يَهُزُّ كَيْفَيه، وفي الأربع يمشي على هيئته أي سيرته. ومن طاف للتحية وهو طواف القدومِ ورَمَلَ لا يَرْمُلُ في طوافِ الرُّكن. والاستلام في أوَّلِ الطُّوافِ وآخرِه سُنَّةٌ، وفيما بينهما أدب. وإذا طاف طواف الزيارةِ حل له النساءُ، ثُمَّ يصلي الركعتين اللتين وجبنا عليه الطواف في أي موضع تيسر عليه من المسجد الحرام أو غيره، وإن صلى في مقامِ إبراهيم فهو أفضل. ثُمَّ يعود إلى الحجر فيستلمه.
ثُمَّ يخرج إلى الصفا فيصعد الصفا ويرفع يديه ويجعل بطون أصابعه نحو السماء ويستقبل القبلة ويحمد الله تعالى ويثني عليه ويُهَلِّلُ ويُسَبِّحُ ويدعو حوائجه، ثم ينزل من
الصفا ويمشي على سيرته حتى يصل إلى بطن الوادي فيسعى بين الميلين الأخضرينِ، ثُمَّ يمشي على سيرته إلى الْمَرْوَةِ، والمرأة لا تسعى سعياً، وعند السَّعي يقول: رَبِّ اغْفِرُ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَاهْدِنِي لِلَّتِي هِيَ أَقومُ فَإِنَّكَ تَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ فَإِنَّكَ أَنتَ الْأَعْز الأكرم. فإذا وصل إلى
الجزء 1 · صفحة 78
المروة يفعل بها مثل ما فعل بالصفا، هكذا سبعة أشواط، والسعي من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط، وهو المختار.
فإذا فرغ من ذلك يفعل ما شاء، والأولى أن يدخل مكة ويطوف أو يصلي أو ينظر في الكعبة فإنه عبادة، والطواف للأفاقي أفضلُ من الصلاة، وعند الطواف الذكرُ أفضل من القراءة من أراد التجارة فالأفضل أن يكون ذلك بعد الحج.
ثُمَّ يخرج إلى منى ويرمي في اليوم الثاني من أيام النحر بعد الزَّوالِ ثلاث جمار، يبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف وهو معروف، يرمي كُلِّ جَمْرَةٍ سبعَ حَصَيَاتٍ ويقف عقيبها بالدعاء رافعاً يديه ثُمَّ يرمي الجَمْرَةَ العَقَبَةَ فلا يقف بعدها. وينبغي أن لا يرمي بالحَصاة التي قد رماها غيره؛ لأن ذلك حَصاةُ من لَم يُقبَلْ حجه و ولو رمى بغير الحصاة مما كان من جنس الأرض كقَبْضَةِ تُراب ونحوها جاز. ثُمَّ اليوم الثالث كذلك بعد الزَّوالِ، ولو رمَى قبل الزوالِ عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى - يجوز. ثُمَّ جرَى الرَّسْمُ أنهم لا يمكثون تمام اليوم الثالث من أيام التشريق
حتى يرموا فيه أيضاً الجمار الثلاث، بل يرتجلون قبل الزوال من اليوم الثاني من التشريق. ثُمَّ منهم مَن يَمكُثُ ويرمي بعدَ الزَّوالِ، وهو الصواب، ومنهم من يرمي قبل الزَّوال، وذلك لا يجوز إلا في رواية عن أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى وإذا انتهوا إلى مكة فمنهم من يسكُنُ فيها ومنهم من يسيرُ نَحوَ موضع به أهله.
وإذا مضت أيام التشريق فإنّهم يعتمرون كم شاءُوا بنية أنفسهم وآبائهم وإخوانهم وينبغي للمُعْتَمِرِ أَن يُحرِمَ لكُلِّ عُمْرَةٍ بإحرامٍ عَلَى حِدَةٍ، ولو أَحرَم بِعَدَدٍ مِن العُمْرَةِ فِي
وقت فإنه يُكْرَهُ ذلك.
ثُمَّ إذا أراد الآفاقِيُّونَ أنْ يرتَحِلُوا يَجِبُ أنْ يَطُوفُوا طواف الصَّدرِ سبعاً، ثُمَّ يُصَلُّوا رَكْعَتَيِ الطُّوافِ فُرادَى فُرادَى حيثُ تيسَّرَ، وعندَ الْمَقامِ أَفضلُ، ثُمَّ يأتي كلُّ واحدٍ إلى زَمْزَمَ ويشرب منها، ويصُبُّ على وجهه ورأسه، ثُمَّ يأتي الْمُلْتَزَمَ وهو بينَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ وبين الباب، فيضعُ وجهه وصدره عليه ويَتَشبَّتُ بأستار الكعبة ساعة ويدعُو، ثُمَّ يستلم الحجر ويُكَبِّرُ، ثُمَّ يرجعُ منحرفاً وهو ينظُرُ إلى الكعبة ويتحزَّنُ بفراقه ويقول: غير مُوَدَّع يا بيت الله. ثُمَّ إنّهم يخرجون من مكة وينزلون بقرب منها إلى أن يجتمع القافلة، ثُمَّ يرتحلونَ.
الجزء 1 · صفحة 79
باب من يحج عن غيره
رجل وجب عليه الحج فحج من عامه فمات في الطريق ليس عليه أَنْ يُوصِيَ بالحج.
الحاج عن الميت إذا مات بعدَ الوُقوفِ بعَرَفَةَ أَجْزَاً عن الميت. كلُّ مَن كان معذُورَ الحال فعليه أنْ يُحِجَّ رجلاً عنه سَواءٌ حج المأمورُ عن نفسه أو لا، حرا كان أو عبداً أو
أمة أو صبياً مُراهقاً، فإن دام العذرُ إلى الموتِ أَجْزَاه، وإن صح لم يُحْزِئه.
رجلان أمرا رجلاً أن يَحُجَّ عن كلّ واحدٍ منهما حجةً، فَأَهَلَّ عن كلّ واحدٍ منهما
فهو عن الحاج، ويضمَنُ النَّفَقَةَ التي أنفق من مالهما المأمور بالإفرادِ إذا قرن صار مخالفا وكذا إذا حج ماشياً، ولو حج على حمار كرة. من حج عن غيره بغير أمره وجعل ثوابه له يصلُ التَّوابُ إلى ذلك الغير إن كان أهلاً.
للمأمور بالحج أن ينفِقَ مِن مالِ الآمر ذاهباً وجائياً. وإذا نوَى الْمُقام خمسةً عَشَرَ يوماً ينفِقُ مِن مال نفسه، وفي غير ذلك لو أنفق من مال نفسه لا يقعُ الحج عن الأمر. رجل أوصى أن يُحَجَّ عنه بمئة درهم، فإنه يُحَجُّ عنه من حيثُ يبلغ المأمور بالحج.
لا بأس بالنَّهْدِ في الطريق وهو أن يخلط النَّفَقَةَ مع دراهم الرُّفْقَةِ. لا بأس بأن يدخُلَ الحَمَّامَ ويُعطِي أُجرة الحارس، وأن يستأجر خادماً للخدمة إن كان لا يخدم مثله نفسه. المأمور بالحج إذا قال: حججت عن الميت، وانكرت الورثة أو الوصي فالقول له
باب من جاوز الميقات
مواقيت الآفاقِيِّينَ خمسة، أحدها: ذاتُ عِرْق وهو ميقات أهل العراق، والْخُراسانيين، والماوراءَ النَّهْريِّينَ. والثاني: ذو الحُلَيْفَةِ وهو ميقات أهل المدينة. والثالث: الْجُحْفَةُ وهو ميقات أهلِ الشَّامِ والرابع: يَلَمْلَمُ وهو ميقات أهل اليمن. والخامس: قَرْن وهو ميقات أهل نَجْدٍ. وميقاتُ مَن كان منزله داخل المواقيت خارج الحَرَمِ في الحج، وفي العُمْرَةِ الحِل الذي بين المواقيتِ والْحَرَمِ. وميقاتُ المكي للحج الحَرَمُ) وللعمرة الحل.
رجل جاوز الميقات على قصدِ حجة أو عمرة بغير إحرام، ثُمَّ أحرَم، فإنه يلزمه دمّ أي شأةٌ، أو شرك في بَدَنَةٍ وهو أن يكون سابعَ سَبْعَةٍ، والكل يريدون القُرْبَةَ، ولا يذبح إلا في الحَرَمِ، فإن رجع إلى حد الميقاتِ وأحرم ولبى بطل عنه الدم. مكي خرج من الحَرَمِ
يُريدُ الحج فأحرم ولم يعد إلى الحَرَمِ حتى وقف بعَرَفَةَ فعليه د. رجل دخل بستان بني عامر لحاجة
الجزء 1 · صفحة 80
فله أن يدخل مكة بغير إحرام كالبستاني، وميقاته للحج البستان. الأفاقي إذا
أراد دخول مكة لحاجة أو زيارة البيت يلزمه إما حجة أو عمرة، لا يدخلها إلا محرماً
بأحد هذين الإحرامين.
باب جزاء الصيد
صيد البحر حلال للمُحرِمِ، وصيدُ البَرِّ لا يجوز للمُحرِم قتل الكلب العَقورِ والذئب والْحِدَأَةِ والغُراب الذي يأكُلُ الْحَيْف والْحَيَّةِ والعَقْرَب والزنبورِ والبَعُوض والبُرْغُوثِ والنَّمْلَةِ والحَلَمَةِ والقُرادِ والقُنْفُذِ والخَفَافِيشِ. وفي الضَّبُ واليَربُوعِ والسَّمُورِ الجزاء. الحَمَّامُ الْمَسرولُ صيد.
مُحرم دل حلالاً على صيدٍ فذبحه فعلى الدَّال الجزاء. مُحرم نفر صيداً فقتل صيده صيداً آخر ومات الأوّلُ ضمنهما. رجلٌ أحرم وفي يده قفص فيه صيد فعليه أن يرسله لكن على وجه لا يضيع، ولو أرسله إنسان من يده ضمن الحلالُ إذا ذبح صيداً في الْحَرَم لم يُوكَلْ الْمُحرِم إِذا ذبح صيداً في الحل أو الْحَرَمِ فَإِنَّه يصير ميتة، وعلى الْمُحرم الجزاء، يحكم به ذوا عدل في المكان الذي أصابه، أو في أقرب المواضع إليه، ثُمَّ القاتل إن شاء
اختار التكفير بالْهَدْي، ويُعتبرُ المماثلةُ بينَ الصيد والهدي من حيث القيمة، فإن اختار التكفير بالطعام يُطعِمُ بقيمة المقتول كلّ مسكين نصف صاع من بُر أو صاعاً من شعير أو ثمر، وإن اختار التكفير بالصومِ تُقَوَّمُ قيمة المقتول بالطعام فيصوم مكان كل نصف صاع من بُر يوماً.
مُحرم اضطر إلى أكل صيدٍ وميتةٍ أَكل الميتة لا الصيد، وإن اضطَرَّ إلى صيد ومال إنسانٍ أَكل الصَّيدَ. ولو اشترك مُحرمانِ في قتل صيدٍ فعلى كلّ واحدٍ منهما جزاء كامل، ولو اشترك حلالان فعليهما جزاء واحدٌ. رجلٌ شوَى بيض صيد أو حلب صيداً أو شوى جراداً فعليه قيمتها. مُحرِمٌ قتل سبعاً فعليه جزاؤُه ولا يُجاوِزُ به دماً، ولو ابْتَدَأَه السَّبُعُ لا شيء عليه.
رجل قتل قَمْلَةً دفع كِسْرَةَ خَبْزِ، والتمليك فيه ليس بشرط، وفي الاثنتين والثلاث قبضةً من طعام. محرم ألقى ثوبه في الشمس لِتَقْتُلَ الشمسُ القَمْلَ فماتت قَمْلُ كثير فعليه نصف صاع من حنطة، وإن لم يكن من قصده ذلك لا يَجِبُ شيء. دمُ الكفارة وجزاء الصيدِ لو سُرِقَ أو هلك لا شيء عليه. لا بأس للمُحرم أن يصطادَ سَمَكَةً أو يذبح شاةً أو إبلاً أو بقراً أو نحوها.
باب الْحَلْقِ والقَلَم
مُحرِم حلق رأسه أو ربع رأسه فعليه الدم، وكذلك إذا حلق إبطيه أو أحدهما أو حلق الصدر
الجزء 1 · صفحة 81
أو السَّاق أو العانة، وكذا إذا أخذ من الرّحيةِ الرُّبعَ، وإن أخذ من شاربه يُنظَرُ كم يكون ذلك من ربع اللحية فيجب عليه الطّعامُ بحسابه حتى لو كان يمثل ربع اللحية كان عليه قيمة ربع الشَّاةِ، يتصدَّقُ بها.
لو حلق الحلال رأسَ مُحرِم بأمره أو بغير أمرِه فعلى الْمُحرِمِ الدم. لو حلَقَ الْمُحرِمُ قبل أن يرمِي جَمْرَةُ العَقَبَةِ قطع التلبية. لو رأى البيت قبل الرمي والحلق والذبح قطع التلبية. إذا ذبح دمَ مُنْعَةٍ أو قرانٍ قبل الذبح قطع التلبية. لو أخذ المُحرم شعرِ مُحرم أو ظُفْرَه فعليه صَدَقَةٌ، وقال في «الجامع الصغير»: أطعم ما شاء.
مُحرِم قلم ظُفْرَ أُصبع واحدةٍ فعليه نصف صاع من بُر، ولو قلم أظافيره في مجلس واحدٍ فعليه دم، ولو قلم أظافير كف واحدٍ فكذلك، ولو قلم من كل كف أو رجل أربعاً أربعا فعليه الإطعام إلا أنْ يبلُغَ دماً فينقص من الدم ما شاء. لا بأس بالحجامة والفَصْدِ للمُحرم.
باب التطيب
الْمُحرِمُ إذا طيب عُضواً كاملاً كالرأس والفَخِذِ والسَّاقِ فعليه دم، وذُكر في «الْمُنتقى»: لو طيب ربع رأسه فعليه دمّ، وفيما دون ذلك صدقة، ولو داوَى شقوق رِجلِه أو جُرحه لا شيء عليه، ولو ادَّهَنَ بشحم أو سَمْنٍ لا شيء عليه، ولو جعل الطيب في طعام قد طُبِخَ وتَغَيَّرَ لا شيء عليه في أكله، ولو أكل الطيب ابتداء إن كان كثيراً فعليه دم، وإلا فصدقة، والكثيرُ ما يَلْزَقُ بجميعِ الفَمِ. لو شَمَّ الطيب لا شيء عليه. لو اكتحل بكحل فيه طيب مرة أو مرتين فعليه صدقة، وإن كان كثيراً فعليه دم. لو حَضَبَ رأسه بالحناء أو بالوَسْمَةِ أو غسل رأسه بالخِطْمِي فعليه دم.
باب اللبس
المُحرم لو اتزر بالسَّراويل أو توشح بالقميص لا بأس به. لو أدخل منكبيه في القباء ولم يُدخِلْ يديه في الكمين جاز. لو غطّى رأسَه يوماً أو حَضَبَ فعليه دم، وإن
كان أقل فصدَقة. لو جَمَعَ الْمُحرِمُ اللباس والخفين فعليه دم واحد. الْمُحرِم إذا مرض وهو يحتاج إلى لبس ثوب في وقت ويستغني في وقت فعليه كفارة واحدةً ما لم تزل عنه تلك الحالة
لا بأس بشَدّ الْهِمْيانِ وَالْمِنْطَقَةِ ولُبْسِ الخاتم. صبي أحرم عنه أبوه جاز وجنبه عما يجتنبه الْمُحرِم. ولو أصاب شيئاً أو لبس مخيطاً لا شيء عليه. يُكْرَهُ للمُحرِمةِ لُبْسُ البرقع؛ لأن إحرام المرأة في وجهها. وذكر الناطِفِيُّ أن المرأة ترخى على وجهها خرقة وتجافي عن وجهها، ويحِلُّ لَها لُبْس
الجزء 1 · صفحة 82
المخيط. كل ما كان من محظورات الإحرام إذا فعله بعذر فإن شاء ذبح الشاة بالحرم، وإن شاء صام ثلاثة أيام في أي موضع كان، وإن شاء أطعم ستة مساكين، وإن ارتكب محظوراً من غير ضرورة تعيّن فيه الدم.
باب الجماع
إذا جامع الْمُحرِمُ قبلَ الوُقوفِ ِبعَرَفَةَ في أحدِ الفَرْجين فسد حجه، ويلزمه هدي، ويمضي في الإحرام، وعليه قضاءه. ولو وَطِئَ في مجلس واحد مرتين فعليه كفارة واحدة. ولو جامع بعدَ الوُقوفِ بعَرَفَةَ فعليه بَدَنَةٌ ولا يفسد حجه. ولو أتى بهيمة لا يفسد، وعليه دم إنْ أَنزَل ولو مس امرأته بشهوة فأمنَى يفسد، وكذلك إذا لم يُمْنِ على رواية المبسوط إذا طاف طواف الزِّيارةِ جُنُباً ثُمَّ جامع ثُمَّ عاد يلزمه دم. رجل وامرة أفسدا الحج بجماعِهما ثُمَّ أحرما يقضيان وليس عليهما أن يفترقا.
باب الإحصار
الْمُحرِم إِذا مُنع من الوصول إلى البيتِ قبلَ الوُقوفِ بَعَرَفَةَ لِمَرَض أو عُذر جاز له التحلل، وعليه أن يبعث بشاةٍ أو بَدَنَةٍ أو بقيمة ذلك حتى يشتري بها شاةً ويُواعد من يَحمِلُ ذلك ليوم بعينه يذبَحُها في الْحَرَمِ ثُمَّ يتحلَّلُ، ولا يُتوقتُ هذا اليوم بيوم النَّحرِ. ولا يكونُ مُحْصَراً بعدَ الوُقوفِ بعَرَفَةَ، وقال أبو يوسف ـ رحمه الله تعالى: إذا كان بمكة عدُوٌّ غالب يمنعه من الطوافِ فهو مُحصَرٌ.
لو حُصِرَ بعدَ الوُقوفِ بعَرَفَةَ حتى مضت أيامُ التشريق فعليه بتركِ الوُقوفِ بِمُزدَلِفَةً
دم، وبتركِ الرَّمْي دم، ويطوف طواف الزيارة، وعليه لتأخيره دم، ولتأخير الحلْقِ دم. لو احصر القارنُ عليه دمان. لو حج عن غيره فدمُ الإحصارِ يكون على الآمرِ. مَن سُرقت نَفَقَتُه ولم يقدِرْ على الْمَشي حل له التحلُّلُ. والمرأة إذا خرجت بغيرِ مَحْرَم فهي بمنزلة الْمُحْصَرِ. الْمُحصَرُ يقطَعُ التلبية إذا ذبح هَدْيه.
باب الطُّوافِ والسَّعْيِ والرَّمْي
إذا طاف طواف الزيارة على غيرِ وُضوء وطاف للصدر طاهراً في آخر أيام التشريق فعليه دم، ولو طاف للزيارةِ جُنُباً وللصدر طاهراً فعليه. دمان. لا شيء على المرأة بتأخير طواف الزيارة لأجل النِّفاسِ والحيض. يسقط عنها طوافُ الصدر إذا حاضت أو نُفِسَت. كل طواف بعده سعي فالسُّنة فيه الاضطباع وهو إخراج الرداء تحت إبطه الأيمن وإلقاؤه على الْمَنكِب الأيسر من طاف
الجزء 1 · صفحة 83
للزِّيارةِ جُنُباً ولم يُعد فعليه بَدَنَةٌ، وإن كان مُحدِثاً
ولم يعد فعليه شاة، ولو طاف للصدر جنباً فعليه دم، وإن كان محدثاً فعليه صدقة. لو طاف وفي ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم كرة ولا شيء عليه. لو طاف مكشوف العورة قدر ما لا يجوز معه الصلاة أجزأه وعليه دم. إذا طاف للزيارة ناوياً للتطوع وقد وُجِدَ النَّفْرُ فإنه يقع عن الصدر. رجل طاف لعمريه وسعى على غير وضوء ودخل مكة يعيد الطواف والسعي، فإن أعاد الطواف دون السعي كان عليه دم. الآفاقي إذا حج واتخذ بمكة داراً قبل أن يجد النَّفْرُ الأول وهو يوم بعد يوم النَّحْرِ بيومين فليس عليه طواف الصدر، وإن أتخذها داراً بعد ذلك لم يسقط عنه. رجل رمى في اليوم الثاني من أيام النَّحْرِ الْحَمْرَةَ الوسطى والعقبة ولم يرمِ الجَمْرَةَ الأولى فعليه أن يرمي الأولى ثُمَّ الثانية ثُمَّ الثالثة، وإن لم يرم إلا المتروكة جاز.
وكيفية الرمي قد اختلفوا فيها، قال بعضهم: يضع السبابة على رأس الإبهام كعاقد الثلاثين، وقيل: يضعها على مفصل الإبهام كعاقد العَشَرَةِ، وقيل: يضع الإبهام على وَسَطِ السبابة كعاقد السبعين ويرمي! الحصاة بظُفُرِ الإبهام.
باب الوُقوفِ بَعَرَفَةَ
لو أفاض من عرفاتٍ قبلَ الغُروب فعليه دم، ولو عاد قبل الغروب هل يسقط؟ فيه قولان. لو وقف بعرفة في شيء من ليلة النَّحْرِ جاز. من وقف بعرفاتٍ يومَ عَرَفَةً ولَمٍ يشعر أنها عرفات، أو مرّ بها نائماً، أو يقظان ولم ينو الوقوف جاز. الوقوف راكباً أفضل. ليس في الوُقوفِ دعاء موقت، ويُلبي في موضعه ساعةً بعد ساعة.
إذا التبس على الناس هلالُ ذي الْحِجَّةِ ووقفُوا بيوم ثُمَّ تبين أنه كان يومُ النَّحْرِ كانت حجتهم تامة، ولو تبين أنه يوم التروية لا يُجزئهم. من ترك وُقوفَ مُزدَلِفَةً بِعُذرِ مَرَض أو كان ضعيفاً فخاف الرَّحْمَةَ فتعجل بليل لا شيء عليه. لا يفوت احج إلا بفوات الوُقوفِ بَعَرَفَةَ.
باب الْمُتفَرِّقات
إذا أراد أنْ يُحْرمَ وأبوه كاره، إن كان الأب مستغنياً عن خدمته لا بأس به.
الحج راكباً أفضل، وعليه الفتوى. لو التزم أنْ يَحُجَّ ماشياً يلزَمُهُ الْمَشْيُ من وطنه، وقال في «المبسوط»: إن شاء ركب وأهرق دماً. إذا خرج للحج ثُمَّ مات وأوصى بأن يُحجَّ عنه، فانه يُحَجُّ من وطنه. إذا حجَّ مرَّةٌ فبعد ذلك التصدُّق أفضلُ من الحجة الثانية.
الجزء 1 · صفحة 84
لا بأس للمحرم أن يَحُكَ رأسه بطونِ الأُنْمُلَةِ ولا بأس بأن يَحُكَ جَسَدَه أَدْمَى أو لَم يُدْمِ. لا بأس بإخراج الْحَجَرِ والتُراب من الْحَرَمِ. يُكْرَهُ أَن يرعى إنسان دابته في الْحَرَمِ. لا بأس بأخذِ كَمْأَةِ الْحَرَمِ، واحتشاش الإذخر، وقلْعِ ما جَفَّ مِن شَجَرَةِ الْحَرَمِ. لو قلع شجرة الْحَرَمِ وهي من جنس ما يُنبتُها إنسان لا بأس به، سواء نبت بنفسها أو أنبتها إنسان. لو أنبت إنسانٌ فِي الْحَرَمِ شجرةً فله قلعُها.
محرم صلى الظهر في منزله يومَ عَرَفَةَ وحده أو مع الإمام ولم يكن مُحرِماً بالحج لم يُجزه العصر إلا في وقت العصر. لو صلى المغرب عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي الطَّرِيقِ قبل أن يصل إلى مزدلفة أعادها مالم يطلع الفجرُ، ولو لم يعد عادت جائزة، وكذلك لو صلى العشاء الأخيرة في الطريق بعد دخول وقتها أعادها بمُزدَلِفَةً. فإن طلع الفجر قبل الإعادة عادت إلى الجواز.
قيل: مِقدارُ الْحَرَمِ من قِبَلِ الْمَشْرِقِ ستة أميال، ومن الجانب الثاني اثنا عشر ميلاً، ويقال: ثلاثة أميال، وهو الأصح، ومن الجانب الثالث ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلاً، الرابع أربع وعشرون ميلاً ليس في المناسك دعاء موقت.
كتاب النكاح
أبوابه ستة عشر: في الانعقادِ، في نكاح الْمَحارِمِ، في نكاح البكر، في الأولياء، في الأكفاء، في الوكالة بالنكاح، في النِّكاح الفاسد، في الْخَلْوَةِ، فِي الْمَهْرِ، في نكاح العبدِ والأمة، في الخيارات، في نكاح أهلِ الشَّركِ، في القَسْمِ في الرَّضَاعِ، في نَفَقَةِ الزَّوجَاتِ، في الْمُتَفَرِّقاتِ.
باب انعقاد النكاح
النكاح لا ينعقد بشهادة العبيد والسكران الذي لا يعقل وبشهادة الملائكة، وينعقد بشهادة الأعميين، والأخرسَينِ والْمَحدودَينِ في القَدْفِ، وشهادة ابنيها. إذا زوج ابنته العاقلة البالغة بحضرتها ومع الأب شاهد آخر جاز. لو عقدا فسمع أحد الشاهدين دونَ الآخرِ ثُمَّ عقدا ثانيةً فسمع الآخر دون من سمع أوّل لم يَجُز.
النكاح ينعقد بلفْظِ البَيْعِ والتمليك والْهِبَةِ والصَّدقة. إذا أقرا بين يدي الشُّهودِ وقالا: (مازن وشويم) لم يكن نكاحاً، كذا إذا قال لَها بِمَحضَرٍ مِن الشُّهود: (توزن من شدى) فقالت: (شدم). إذا قال لآخر: زوَّجت ابنتك مني بكذا، فقال الأب: زوجت، لم ينعقد النكاح، بخلاف قوله: زوج ابنتك مني. فقال: زوجت.
الجزء 1 · صفحة 85
إذا قال لامرأة: (خويثتن را بوي بزن ن دادي)، فقالت: (وادم)، وقيل للرجل: (تو پزيرفتي ويرا بزنن) فقال: (پذيرفت). ولم يقل (پذيرفتم) جاز. إذا قال: زوجت ابنتي منك بكذا، فقال: قبلتُ النكاح ولا أقبل الْمَهْرَ، فليس بشيء، ولو قال: قبلت النكاح، وسكت عن الْمَهْرِ وقع النكاح. لو قالت زوجتُ نفسي منك بألفي، فقال: قبلت النكاح بألفين،
جاز النكاح ولو قال: تزوجتك بألف دينار خمراً، لا نكاحُ الْمُكرَةِ والشكران صحيح، ونكاح الصبي والمجنون لا.
باب نکاحِ الْمَحارِمِ
لا يجوز المناكحة بين بني آدم والجن والإنسان المائي لاختلاف الجنس إذا مس امرأة بشهوة تثبت حرمة المصاهرة، كذا إذا مَسَّتْ رجلاً. الْمَس
بشهوة مع الإنزال لا يوجب حرمةَ الْمُصاهَرَةِ الْمَس بشهوة لم يُشترط فيه انتشار الآلة، كذا ذكر في «الملتقط»، وقال بعضُهم: إنه في الشاب يُشتَرَطُ، وفي الشيخ يكتفي
الاشتهاء بالقلب.
إذا نظر إلى داخل فرج المرأة بشهوة ثبتت حرمة المصاهرة، وإلى دبرها أو غير ذلك لا. اللواطة لا توجب حرمةَ الْمُصاهَرةَ، كذا إذا مسَّ شعر امرأة بشهوة أو رجلي صغيرة لا تشتهي امرأة أدخلت فرج صبي لا يُجامِعُ مثله في قبلها لا يتعلق به التحليل والتحريم. وإذا قبل أم امرأته بشهوة أو أجنبي يُفتى بالحُرمةِ مالم يتبيَّن أنه قبل بغير
شهوة.
يجوز للمسلم نكاح الكتابية، وكذا الصابئَةِ عند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى، إلا إذا كانت تعبد الكواكب. لا يجوز للمسلم نكاحُ الْمَجُوسِيَّةِ والوَثْنِيَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ. إذا جَمَعَ بينَ امرأةٍ وعمتها أو خالتها أو ابنة أختها أو ابنة أخيها لا يجوز.
باب نكاح البكر
بكر قال لها وليها إن فُلاناً يذكرُكِ أي يَخطُبُكِ، فسكنت، فزوجها، فقالت: لا أرضى، فالنكاح جائز، وهذا إذا سَمَّى الزوج عندها على وجه يقع لها المعرفة بذلك، ولو قيل: فلان بن فلان كفى، وإن لم تعلم من هو.